الآية ٦٦ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٦٦ من سورة الزمر

بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ ٦٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٦ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٦ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ) أي : أخلص العبادة لله وحده ، لا شريك له ، أنت ومن معك ، أنت ومن اتبعك وصدقك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: لا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بعبادته, بل الله فاعبد دون كلّ ما سواه من الآلهة والأوثان والأنداد ( وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) لله على نعمته عليك بما أنعم من الهداية لعبادته, والبراءة من عبادة الأصنام والأوثان.

ونصب اسم الله بقوله ( فَاعْبُدِ ) وهو بعده, لأنه رد الكلام, ولو نصب بمضمر قبله, إذا كانت العرب تقول: زيد فليقم.

وزيدا فليقم.

رفعا ونصبا, الرفع على فلينظر زيد, فليقم, والنصب على انظروا زيدا فليقم.

كان صحيحا جائزا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : بل الله فاعبد النحاس : في كتابي عن أبي إسحاق لفظ اسم الله - عز وجل - منصوب ب " اعبد " قال : ولا اختلاف في هذا بين البصريين والكوفيين .

قال النحاس : وقال الفراء : يكون منصوبا بإضمار فعل .

وحكاه المهدوي عن الكسائي .

فأما الفاء فقال الزجاج : إنها للمجازاة .

وقال الأخفش : هي زائدة .

وقال ابن عباس : فاعبد أي : فوحد .

وقال غيره : بل الله فأطع وكن من الشاكرين لنعمه بخلاف المشركين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم قال: { بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ } لما أخبر أن الجاهلين يأمرونه بالشرك، وأخبر عن شناعته، أمره بالإخلاص فقال: { بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ } أي: أخلص له العبادة وحده لا شريك له، { وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } للّه على توفيق اللّه تعالى،.فكما أنه تعالى يشكر على النعم الدنيوية، كصحة الجسم وعافيته، وحصول الرزق وغير ذلك،.كذلك يشكر ويثنى عليه بالنعم الدينية، كالتوفيق للإخلاص، والتقوى، بل نعم الدين، هي النعم على الحقيقة، وفي تدبر أنها من اللّه تعالى والشكر للّه عليها، سلامة من آفة العجب التي تعرض لكثير من العاملين، بسبب جهلهم، وإلا، فلو عرف العبد حقيقة الحال، لم يعجب بنعمة تستحق عليه زيادة الشكر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ) لإنعامه عليك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بل الله» وحده «فاعبدْ وكن من الشاكرين» إنعامه عليك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بل الله فاعبد -أيها النبي- مخلصًا له العبادة وحده لا شريك له، وكن من الشاكرين لله نعمه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( بَلِ الله فاعبد وَكُن مِّنَ الشاكرين ) أمر منه - تعالى - بالثبات على عبادة الله - تعالى - وحده ، وبالمداومة على شكره ، ونهى عن طاعة المشركين ، ولفظ الجلالة منصوب بقوله ( فاعبد ) والفاء جزائية فى جواب شرط مقدر .أى : لا تطع - أيها الرسول الكريم - المشركين فيما طلبوه منك ، بل اجعل عبادتك لله - تعالى - وحده ، وكن من الشاكرين له على نعمه التى لا تحصى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه لما أطال الكلام في شرح الوعد والوعيد عاد إلى دلائل الإلهية والتوحيد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في سورة الأنعام أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى: ﴿ خالق كُلّ شَيء  ﴾ على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وأطنبنا هناك في الأسئلة والأجوبة، فلا فائدة هاهنا في الإعادة، إلا أن الكعبي ذكر هاهنا كلمات فنذكرها ونجيب عنها، فقال إن الله تعالى مدح نفسه بقوله: ﴿ الله خالق كُلّ شَيء ﴾ وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح أن يحتج المخالف به، وأيضاً فلم يكن في صدر هذه الأمة خلاف في أعمال العباد، بل كان الخلاف بينهم وبين المجوس والزنادقة في خلق الأمراض والسباع والهوام، فأراد الله تعالى أن يبين أنها جمع من خلقه، وأيضاً لفظة ﴿ كُلٌّ ﴾ قد لا توجب العموم لقوله تعالى: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيء  ﴾ ﴿ تُدَمّرُ كُلَّ شَيء  ﴾ وأيضاً لو كانت أعمال العباد من خلق الله لما ضافها إليهم بقوله: ﴿ كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ  ﴾ ولما صح قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله  ﴾ ولما صح قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا  ﴾ فهذا جملة ما ذكره الكعبي في تفسيره، وقال الجبائي: ﴿ الله خالق كُلّ شَيء ﴾ سوى أفعال خلقه التي صح فيها الأمر والنهي واستحقوا بها الثواب والعقاب، ولو كانت أفعالهم خلقاً لله تعالى ما جاز ذلك فيه كما لا يجوز مثله في ألوانهم وصورهم، وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر الله عن عباده أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل، فيصح أن يقال إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجداً له.

واعلم أن الجواب عن هذه الوجوه قد ذكرناه بالاستقصاء في سورة الأنعام، فمن أراد الوقوف عليه فليطالع هذا الموضوع من هذا الكتاب، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ على كُلّ شَيء وَكِيلٌ ﴾ فالمعنى أن الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير منازع ولا مشارك، وهذا أيضاً يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، لأن فعل العبد لو وقع بتخليق العبد لكان ذلك الفعل غير موكول إلى الله تعالى وكيلاً عليه، وذلك ينافي عموم الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ والمعنى أنه سبحانه مالك أمرها وحافظها وهو من باب الكناية، لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي بيده مقاليدها، ومنه قولهم: فلان ألقيت مقاليد الملك إليه وهي المفاتيح، قال صاحب الكشاف: ولا واحد لها من لفظها، وقيل مقليد ومقاليد، وقيل مقلاد ومقاليد مثل مفتاح ومفاتيح، وقيل إقليد وأقاليد، قال صاحب الكشاف: والكلمة أصلها فارسية، إلا أن القوم لما عربوها صارت عربية.

واعلم أن الكلام في تفسير قوله: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ قريب من الكلام في قوله تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب  ﴾ وقد سبق الاستقصاء هناك، قيل سأل عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ فقال: «يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر، سبحان الله وبحمده، أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير، يحيي ويميت هو على كل شيء قدير» هكذا نقله صاحب الكشاف.

ثم قال تعالى: ﴿ والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: صريح الآية يقتضي أنه لا خاسر إلا كافر، وهذا يدل على أن كل من لم يكن كافراً فإنه لابد وأن يحصل له حظ من رحمة الله.

المسألة الثانية: أورد صاحب الكشاف سؤالاً، وهو أنه بم اتصل قوله: ﴿ والذين كَفَرُواْ ﴾ ؟

وأجاب عنه بأنه اتصل بقوله تعالى: ﴿ وَيُنَجّى الله الذين اتقوا  ﴾ أي ينجي الله المتقين بمفازتهم ﴿ والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ واعترض ما بينهما أنه خالق للأشياء كلها، وأن له مقاليد السموات والأرض.

وأقول هذا عندي ضعيف من وجهين: الأول: أن وقوع الفاصل الكبير بين المعطوف والمعطوف عليه بعيد الثاني: أن قوله: ﴿ وَيُنَجّى الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ جملة فعلية، وقوله: ﴿ والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ جملة اسمية، وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز، بل الأقرب عندي أن يقال إنه لما وصف الله تعالى نفسه بالصفات الإلهية والجلالية، وهو كونه خالقاً للأشياء كلها، وكونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض بأسرها، قال بعده: والذين كفروا بهذه الآيات الظاهرة الباهرة أولئك هم الخاسرون.

ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر تأمرونني بنونين ساكنة الياء وكذلك هي في مصاحف الشام، قال الواحدي وهو الأصل، وقرأ ابن كثير تأمروني بنون مشددة على إسكان الأولى وإدغامها في الثانية، وقرأ نافع تأمروني بنون واحدة خفيفة، على حذف إحدى النونين والباقون بنون واحدة مكسورة مشددة.

المسألة الثانية: ﴿ أَفَغَيْرَ الله ﴾ منصوب بأعبد وتأمروني اعتراض، ومعناه: أفغير الله أعبد بأمركم؟

وذلك حين قال له المشركون أسلم ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك، وأقول نظير هذه الآية، قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السموات والأرض  ﴾ وقد ذكرنا في تلك الآية وجه الحكمة في تقديم الفعل.

المسألة الثالثة: إنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقاً للأشياء وبكونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض، وظاهر كون هذه الأصنام جمادات أنها لا تضر ولا تنفع، ومن أعرض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات الشريفة المقدسة، واشتغل بعبادة هذه الأجسام الخسيسة، فقد بلغ في الجهل مبلغاً لا مزيد عليه، فلهذا السبب قال: ﴿ أَيُّهَا الجاهلون ﴾ ولا شك أن وصفهم بهذا الأمر لائق بهذا الموضع.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ واعلم أن الكلام التام مع الدلائل القوية، والجواب عن الشبهات في مسألة الإحباط قد ذكرناه في سورة البقرة فلا نعيده، قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ على البناء للمفعول وقرئ بالياء والنون أي: ليحبطن الله أو الشرك وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: كيف أوحي إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين؟

والجواب تقدير الآية: أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك، وإلى الذين من قبلك مثله أو أوحي إليك وإلى كل واحد منهم لئن أشركت، كما تقول كسانا حلة أي كل واحد منا.

السؤال الثاني: ما الفرق بين اللامين؟

الجواب الأولى: موطئة للقسم المحذوف والثانية: لام الجواب.

السؤال الثالث: كيف صح هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم؟

والجواب أن قوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزأيها ألا ترى أن قولك لو كانت الخمسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق، قال الله تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا  ﴾ ولم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وبأنهما قد فسدتا.

السؤال الرابع: ما معنى قوله: ﴿ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ ؟

والجواب كما أن طاعات الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم، فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: ﴿ إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات  ﴾ فكان المعنى ضعف الشرك الحاصل منه، وبتقدير حصوله منه يكون تأثيره في جانب غضب الله أقوى وأعظم.

واعلم أنه تعالى لما قدم هذه المقدمات ذكر ما هو المقصود فقال: ﴿ بَلِ الله فاعبد وَكُن مّنَ الشاكرين ﴾ ، والمقصود منه ما أمروه به من الإسلام ببعض آلهتهم، كأنه قال إنكم تأمرونني بأن لا أعبد إلا غير الله لأن قوله: ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ ﴾ يفيد أنهم عينوا عليه عبادة غير الله، فقال الله إنهم بئسما قالوا ولكن أنت على الضد مما قالوا، فلا تعبد إلا الله، وذلك لأن قوله: ﴿ بَلِ الله فاعبد ﴾ يفيد الحصر.

ثم قال: ﴿ وَكُنْ مّنَ الشاكرين ﴾ على ما هداك إلى أنه لا يجوز إلا عبادة الإله القادر عن الإطلاق العليم الحكيم، وعلى ما أرشدك إلى أنه يجب الإعراض عن عبادة كل ما سوى الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ ليحبطن عملك ﴾ وليحبطنّ: على البناء للمفعول.

ولنحبطنّ، بالنون والياء، أي: ليحبطنّ الله.

أو الشرك.

فإن قلت: الموحى إليهم جماعة، فكيف قال: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ ﴾ على التوحيد؟

قلت: معناه أوحى إليك لئن أشركت ليحبطن عملك، وإلى الذين من قبلك مثله، أو أوحى إليك وإلى كل واحد منهم: لئن أشركت كما تقول: كسانا حلة، أي: كل واحد منّا: فإن قلت: ما الفرق بين اللامين؟

قلت: الأولى موطئة للقسم المحذوف، والثاني لام الجواب، وهذالجواب سادّ مسدّ الجوابين، أعني: جوابي القسم والشرط، فإن قلت: كيف صحّ هذا الكلام مع علم الله أنّ رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم؟

قلت: هو على سبيل الفرض، والمحالات يصحّ فرضها لأغراض، فكيف بما ليس بمحال.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعًا ﴾ [يونس: 99] يعني على سبيل الإلجاء، ولن يكون ذلك لامتناع الداعي إليه ووجود الصارف عنه.

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ ؟

قلت: يحتمل ولتكونن من الخاسرين بسبب حبوط العمل.

ويحتمل: ولتكونن في الآخرة من جملة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم إن مت على الردة.

ويجوز أن يكون غضب الله على الرسول أشدّ، فلا يمهله بعد الردة: ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات ﴾ [الإسراء: 75] ، ﴿ بَلِ الله فاعبد ﴾ رد لما أمروه به من استلام بعض آلهتهم، كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته، بل إن كنت عاقلاً فاعبد الله، فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضاً منه ﴿ وَكُن مِّنَ الشاكرين ﴾ على ما أنعم به عليك، من أن جعلك سيد ولد آدم.

وجوّز الفراء نصبه بفعل مضمر هذا معطوف عليه، تقديره: بل الله فأعبد فاعبد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ ﴾ رَدٌّ لِما أمَرُوهُ بِهِ ولَوْلا دَلالَةُ التَّقْدِيمِ عَلى الِاخْتِصاصِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.

﴿ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ إنْعامَهُ عَلَيْكَ وفِيهِ إشارَةٌ إلى مُوجِبِ الِاخْتِصاصِ.

﴿ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ ما قَدَرُوا عَظَمَتَهُ في أنْفُسِهِمْ حَقَّ تَعْظِيمِهِ حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ ووَصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى عَظَمَتِهِ وحَقارَةِ الأفْعالِ العِظامِ الَّتِي تَتَحَيَّرُ فِيها الأوْهامُ بِالإضافَةِ إلى قُدْرَتِهِ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ تَخْرِيبَ العالَمِ أهْوَنُ شَيْءٍ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ القَبْضَةِ واليَمِينِ حَقِيقَةً ولا مَجازًا كَقَوْلِهِمْ: شابَتْ لِمَّةُ اللَّيْلِ، والقَبْضَةُ المَرَّةُ مِنَ القَبْضِ أُطْلِقَتْ بِمَعْنى القَبْضَةِ وهي المِقْدارُ المَقْبُوضُ بِالكَفِّ تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ أوْ بِتَقْدِيرِ ذاتِ قَبْضَةٍ.

وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِ تَشْبِيهًا لِلْمُؤَقَّتِ بِالمُبْهَمِ، وتَأْكِيدُ ( الأرْضُ ) بِالجَمِيعِ لِأنَّ المُرادَ بِها الأرْضُونَ السَّبْعُ أوْ جَمِيعُ أبْعاضِها البادِيَةِ والغائِرَةِ.

وقُرِئَ «مَطْوِيّاتٍ» عَلى أنَّها حالٌ والسَّماواتُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( الأرْضُ ) مَنظُومَةٌ في حُكْمِها.

﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ما أبْعَدَ وأعْلى مَن هَذِهِ قُدْرَتُهُ وعَظَمَتُهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، أوْ ما يُضافُ إلَيْهِ مِنَ الشُّرَكاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{بل الله فاعبد} رد لما امروه به من عبادة آلهتهم كأنه قال لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إن عبدت فاعبد الله فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضاً عنه {وَكُنْ مِّنَ الشاكرين} على ما أنعم به عليك من أن جعلك سيد ولد ادم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ ﴾ رَدٌّ لِما أمَرُوهُ بِهِ مِنَ اسْتِلامِ بَعْضِ آلِهَتِهِمْ، والفاءُ جَزائِيَّةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتَ عابِدًا أوْ عاقِلًا فاعْبُدِ اللَّهَ فَحُذِفَ الشَّرْطُ وجُعِلَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ عِوَضًا عَنْهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وسَلَفُهُ في كَوْنِها جَزائِيَّةَ الزَّجّاجِ، وأنْكَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ التَّقْدِيمِ عِوَضًا عَنِ الشَّرْطِ، ومَذْهَبُ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ أنَّ الفاءَ زائِدَةٌ بَيْنَ المُؤَكِّدِ والمُؤَكَّدِ والِاسْمُ الجَلِيلُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ اللَّهَ أعْبُدُ فاعْبُدْهُ وقُدِّرَ مُؤَخَّرًا لِيُفِيدَ الحَصْرَ.

وفِي الِانْتِصافِ مُقْتَضى كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّ الأصْلَ تَنَبَّهْ فاعْبُدِ اللَّهَ فَخَذَفُوا الفِعْلَ الأوَّلَ اخْتِصارًا واسْتَنْكَرُوا الِابْتِداءَ بِالفاءِ ومِن شَأْنِها التَّوَسُّطُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَقَدَّمُوا المَفْعُولَ فَصارَتِ الفاءُ مُتَوَسِّطَةً لَفْظًا ودالَّةً عَلى المَحْذُوفِ وانْضافَ إلَيْها فائِدَةُ الحُصْرِ لِإشْعارِ التَّقْدِيمِ بِالِاخْتِصاصِ، واعْتِبارُ الِاخْتِصاصِ قِيلَ: مِمّا لا بُدَّ مِنهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ رَدًّا عَلَيْهِمْ فِيما أمَرُوهُ بِهِ لَوْلاهُ فَإنَّهم لَمْ يَطْلُبُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَرْكَ عِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بَلِ اسْتِلامَ آلِهَتِهِمْ والشَّرَكَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: عِبادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَعَ الشِّرْكِ كَلا عِبادَةَ، واللَّهُ جَلَّ وعَلا أغْنى الشُّرَكاءِ فَمَن أشْرَكَ في عَمَلِهِ أحَدًا مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ فَعَمَلُهُ لِمَن أشْرَكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ، وقَرَأ عِيسى «بَلِ اللَّهُ» بِالرَّفْعِ ﴿ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ إنْعامَهُ تَعالى عَلَيْكَ الَّذِي يَضِيقُ عَنْهُ نِطاقُ الحَصْرِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مُوجَبِ الِاخْتِصاصِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي: حفيظ.

ويقال: كفيل بأرزاقهم، لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: بيده مفاتيح السموات والأرض.

ويقال: خزائن السموات والأرض، وهو المطر، والنبات.

وقال القتبي: المقاليد: المفاتيح.

يعني: مفاتيحها، وخزائنها، وواحدها إقليد.

ويقال: إنها فارسية، معربة، إكليد.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني: بمحمد  ، وبالقرآن، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ يعني: اختاروا العقوبة على الثواب، قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي قرأ ابن عامر: تأمرونني بنونين، وقرأ نافع: تَأْمُرُونِّي بنون واحدة، والتخفيف.

وقرأ الباقون: بنون واحدة، والتشديد، والأصل: تأمرونني بنونين، كما روي عن ابن عامر، إلا أنه أدغم إحدى النونين في الأخرى، وشدد، وتركها نافع على التخفيف.

أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ يعني: أيها المشركون تأمروني أن أعبد غير الله وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ يعني: الأنبياء بالتوحيد، لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ أي: ثوابك، وإن كنت كريماً عليَّ.

فلو أشركت بالله، ليحبطنّ عملك وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ في الآخرة.

فكيف لو شرك غيرك، فالله تعالى علم أن النبيّ  لا يشرك بالله، ولكنه أراد تنبيهاً لأمته، أنَّ من أشرك بالله، حبط عمله، وإن كان كريماً على الله.

بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ أي: استقم على عبادة الله، وتوحيده.

وقال مقاتل: بل الله فاعبد، أي: فوحد الله تعالى.

وقال الكلبي: يعني: أطع الله تعالى، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على ما أنعم الله عليك من النبوة، والإسلام، والرسالة.

ويقال: هذا الخطاب لجميع المؤمنين.

أمرهم بأن يشكروا الله تعالى على ما أنعم عليهم، وأكرمهم بمعرفته، ووفقهم لدينه، وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي: ما عظموا الله حق عظمته، ولا وصفوه حق صفته، ولا عرفوا الله حق معرفته.

وذلك أن اليهود والمشركين، وصفوا الله تعالى بما لا يليق بصفاته، فنزل: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وفيه تنبيه للمؤمنين، لكيلا يقولوا مثل مقالتهم، ويعظموا الله حق عظمته، ويصفوه حق صفته، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] .

ثم قال: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: في قدرته، وملكه، وسلطانه، لا سلطان لأحد عليها، وهذا كقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) [الفاتحة: 4] .

وقال القتبي: فِى قَبْضَتُهُ أي: في ملكه، نحو قولك للرجل: هذا في يدك، وقبضتك.

أي: في ملكك.

وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ أي: بقدرته.

ويقال: في الآية تقديم.

معناه: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ يوم القيامة.

أي: في يوم القيامة.

ويقال: بِيَمِينِهِ يعني: عن يمين العرش.

وقال القتبي: بِيَمِينِهِ أي: بقدرته نحو قوله: ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [الأحزاب: 50] يعني: ما كانت لهم عليه قدرة.

وليس الملك لليمين دون الشمال.

ويقال: اليمين هاهنا الحلف، لأنه حلف بعزته، وجلاله، ليطوينّ السموات والأرض.

ثم نزّه نفسه، فقال تعالى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي: تنزيهاً لله تعالى.

يعني: ارتفع، وتعظم عَمَّا يُشْرِكُونَ.

يعني: عما يصفون له من الشريك، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ روي عن النبيّ  أَنَّه سُئِلَ عَنِ الصُّورِ فَقَالَ: «هُوَ الْقَرْنُ وَإِنَّ عِظَمَ دَائِرَتِهِ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ، فَيَنْفُخُ نَفْخَةً، فَيُفْزِعُ الخَلْقَ، ثُمَّ يَنْفُخُ نَفْخَةً أُخْرَى، فَيَمُوتُ أهْلُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ، فَإذَا كَانَ وَقْتُ النَّفْخَةِ الثَّالِثَةِ، تَجَمَّعَتِ الأَرْوَاحُ كُلّهَا في الصُّور، ثُمَّ يَنْفُخُ النَّفْخةَ الثَّالِثَةَ، فَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ كُلُّها كَالنَّحلِ وَكَالزَّنَابِيرِ، وَتَأْتِي كُلُّ رُوح إلَى جَسَدِهَا» ، فذلك قوله تعالى: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يعني: يموت مَن فِى السموات، وَمَن فى الارض، إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يعني: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت.

ويقال: أرواح الشهداء.

وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: استثنى الله تعالى الشهداء حول العرش متقلدين بسيوفهم» .

وقال بعضهم: النفخة نفختان.

وروى أبو هريرة عن النبيّ  أنه قال: «يُنْفَخُ فِي الصُّور ثَلاَثُ نَفَخَاتٍ: الأُوْلَى نَفْخَةُ الفَزَعِ والثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعقِ، والثَّالِثَةُ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ العَالَمِينِ» ، وهو قوله: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ أي: ينظرون ماذا يأمرهم.

ويقال: ينظرون إلى السماء كيف غيرت، وينظرون إلى الأرض كيف بدلت، وينظرون إلى الداعي كيف يدعوهم إلى الحساب، وينظرون فيما عملوا في الدنيا، وينظرون إلى الآباء والأمهات كيف ذهبت شفقتهم عنهم، واشتغلوا بأنفسهم، وينظرون إلى خصمائهم ماذا يفعلون بهم.

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ يعني: أضاءت بِنُورِ رَبِّها أي: بعدل ربها.

ويقال: وأشرقت وجوه من على الأرض بمعرفة ربها، وأظلم وجوه من على الأرض بنكرة ربها.

وقال بعضهم: هذا من المكتوم الذي لا يفسر.

وَوُضِعَ الْكِتابُ يعني: ووضع الحساب.

ويقال: ووضع الكتاب في أيدي الخلق، في أيمانهم، وشمائلهم وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ أي: بين الخلق بالعدل، بين الظالم والمظلوم، وبين الرسل، وقومهم، وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ أي: لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً.

وَوُفِّيَتْ أي: وفرت، كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ أي: جزاء ما عملت من خير، أو شر، وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ، لأنه قد سبق ذكر قوله: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ ثم أخبر أنه لم يدع الشهداء ليشهدوا بما يعلموا بل هو أعلم بما يفعلون، وإنما يدعو الشهداء لتأكيد الحجة عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ معناه: أن القرآن العزيزَ تضمَّنَ عقائدَ نيرةً وأوامرَ ونواهيَ مَنْجِيَةً وَعِدَاتٍ على الطاعاتِ، والبِرِّ، وتضمَّن أيضاً حدوداً على المعاصِي وَوَعِيداً على بَعْضِها/ فالأحسنُ للمرءِ أنْ يسلك طَريق الطاعةِ والانتهاءِ عن المعصيةِ والعفوِ في الأمورِ ونحوِ ذلك مِنْ أنْ يسلكَ طريقَ الغَفْلَةِ والمعصيةِ فَيُحَدُّ أو يَقَعَ تَحْتَ الوعيدِ، فهذا المعنى هو المقصود ب أَحْسَنَ، وليس المعنى: أنَّ بعضَ القرآن أحْسَنُ مِنْ بَعْضٍ منْ حيثُ هو قرآن، ت: وروى أبو بكرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال:

قال رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: في قولِ اللَّهِ- عزَّ وجَلَّ-: يَا حَسْرَتى قال: الحسرةُ أن يرى أهلُ النارِ منازِلَهُمْ من الجنة، قال: فهي الحسرةُ «١» ، انتهى.

وقوله: فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: في جِهَةِ طاعتهِ وتضييعِ شريعتِه والإيمانِ به، وقال مجاهدٌ: فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: في أمر اللَّه «٢» ، وقولُ الكافِر: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ نَدَامَةً على استهزائه بِأَمْرِ اللَّهِ- تعالى-، و «كرة» مصدرٌ مِنْ كَرّ يَكُرُّ، وهذا الكونُ في هذه الآيةِ داخلٌ في التَّمَنِّي، وباقي الآيةِ أنوارُهُ لائحةٌ، وحُجَجُهُ واضحةٌ، ثم خاطبَ تعالى نبيَّه بِخَبَرِ مَا يَرَاهُ يومَ القيامةِ من حالَةِ الكُفّار، وفي ضِمْنِ هذَا الخبرِ وَعِيدٌ بَيِّنٌ لمعاصريه- عليه السلام- فقال: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ تَرَى من رؤيةِ العينِ، وظاهرُ الآية أنَّ وجوههم تسودّ حقيقة.

وقوله سبحانه: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ ...

الآية، ذَكَر تعالى حَالَةَ المُتَّقينَ ونجاتهم لِيُعَادِلَ بِذَلِكَ ما تَقَدَّمَ من شَقَاوَةِ الكَافِرِينَ، وفي ذلك تَرْغِيبٌ في حالةِ المتقين لأن الأشياء تَتَبَيَّنُ بِأضْدَادِها، و «مفازتهم» مصدَرٌ مِن الفَوْزِ، وفي الكلام حَذْفُ مضافٍ، تقديرُهُ: ويُنَجِّي اللَّهُ الذين اتقوا بأسْبَابِ مفازَتِهِمْ، وال مَقالِيدُ: المفاتيح وقاله

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَأْمُرُونِي أعْبُدُ" مُخَفَّفَةً، غَيْرَ أنَّ نافِعًا فَتْحَ الياءَ، ولَمْ يَفْتَحْها ابْنُ عامِرٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "تَأْمُرُونِي" بِتَشْدِيدِ النُّونِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الياءِ.

وذَلِكَ حِينَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آَبائِهِ ﴿ أيُّها الجاهِلُونَ ﴾ أيْ: فِيما تَأْمُرُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ﴾ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وكَذَلِكَ أُوحِيَ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ومَجازُها مَجازُ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يُخْبِرُ عَنِ أحَدِهِما ويَكُفُّ عَنِ الآَخَرِ،قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا أدَبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ  وتَهْدِيدٍ لِغَيْرِهِ، لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ عَصَمَهُ مِنَ الشِّرْكِ.

وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما خاطَبَهُ بِذَلِكَ، لِيَعْرِفَ مِن دُونِهِ أنَّ الشِّرْكَ يُحْبِطُ الأعْمالَ المُتَقَدِّمَةَ كُلَّها ولَوْ وقَعَ مِن نَبِيٍّ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، ويَعْقُوبُ: "لَنُحْبِطَنَّ" بِالنُّونِ، "عَمَلَكَ" بِالنَّصْبِ.

﴿ بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ ﴾ أيْ: وحَّدَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ بَلِ اللهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ وَنُفِخَ في الصُورِ فَصَعِقَ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ المَكْتُوبَةُ: مَنصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فاعْبُدْ"، ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ مَعْناهُ: وما عَظَّمُوا اللهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ، ولا وصَفُوهُ بِصِفاتِهِ، ولا نَفَوْا عنهُ ما لا يَلِيقُ بِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُعْنى بِالضَمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "قَدَرُوا"، ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَ ذَلِكَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها مُحاوَرَةً لَهم ورَدًّا عَلَيْهِمْ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، تَكَلَّمُوا في صِفاتِ اللهِ تَعالى وَجَلالِهِ فَألْحَدُوا وجَسَّمُوا وأتَوْا كُلَّ تَخْلِيطٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.

وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ جاءَ حَبْرٌ إلى رَسُولِ اللهِ  فَجَلَسَ إلَيْهِ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: حَدِّثْنا، قالَ: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ جَعْلَ السَماواتِ عَلى أُصْبُعٍ، والأرَضِينَ عَلى أُصْبُعٍ، والجِبالَ عَلى أُصْبُعٍ، والماءَ والشَجَرَ عَلى أُصْبُعٍ، وجَمِيعَ الخَلائِقِ عَلى أُصْبُعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ  حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ تَصْدِيقًا لَهُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَرَسُولُ اللهِ  تَمَثَّلَ بِالآيَةِ وقَدْ كانَتْ نَزَلَتْ، وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "تَصْدِيقًا لَهُ"، أيْ في أنَّهُ لَمْ يَقُلْ إلّا ما رَأى في كُتُبِ اليَهُودِ، ولَكِنَّ النَبِيَّ  أنْكَرَ المَعْنى لِأنَّ التَجْسِيمَ فِيهِ ظاهِرٌ، [واليَهُودُ مَعْرُوفُونَ بِاعْتِقادِهِ، ولا يُحْسِنُونَ حَمْلَهُ عَلى تَأْوِيلِهِ مِن أنَّ الأُصْبُعَ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، أو مِن أنَّها أُصْبُعُ خَلْقٍ يَخْلُقُهُ لِذَلِكَ، ويُعَضِّدُها تَنْكِيرُ الأُصْبُعِ].

ورَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ «أنَّ طائِفَةً مِنَ اليَهُودِ جاءَتْ إلى رَسُولِ اللهِ  ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَذا اللهُ خَلَقَ الأشْياءَ، فَمَن خَلَقَ اللهَ؟

فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ  وساوَرَهم فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قَدْرِهِ" بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِفَتْحِها، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وأبُو نَوْفَلٍ: "وَما قَدَّرُوا" بِشَدِّ الدالِّ "حَقَّ قَدَرِهِ" بِفَتْحِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ﴾ مَعْناهُ: في قَبْضَتِهِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ ما مَعْناهُ: «إنَّ الأرْضَ في قَبْضَةِ اليَدِ الواحِدَةِ، والسَماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِاليَمِينِ الأُخْرى؛ لِأنَّهُ كِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ،» ورَواهُ عَنِ النَبِيِّ  .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ والسَماواتُ وكُلُّ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ.

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: [مَطْوِيّاتٍ] بِكَسْرِ التاءِ المُنَوَّنَةِ، والناسُ عَلى رَفْعِها.

وعَلى كُلِّ وجْهٍ، فاليَمِينُ هُنا والقَبْضَةُ وكُلُّ ما ورَدَ.

عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وما اخْتَلَجَ في الصُدُورِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ باطِلٌ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ القاضِي مِن أنَّها صِفاتٌ زائِدَةٌ عَلى صِفاتِ الذاتِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ.

وبِحَسْبِ ما يَخْتَلِجُ في النُفُوسِ الَّتِي لَمَّ يَصُنْها العِلْمُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، أيْ: هو مُنَزَّهٌ عن جَمِيعِ الشُبَهِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى النَفْخَ في الصُوَرِ لِيُصْعَقَ الأحْياءُ مِن أهْلِ الدُنْيا والسَماءِ، وفي بَعْضِ الأحادِيثِ مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّ قَبْلَ هَذِهِ الصَعْقَةِ صَعْقَةُ الفَزَعِ،» ولَمْ تَتَضَمَّنْها هَذِهِ الآيَةُ.

و[صَعِقَ] في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: خَرَّ مَيِّتًا، و"الصُوَرُ": القَرْنُ، ولا يُتَصَوَّرُ هُنا غَيْرُ هَذا، ومَن يَقُولُ: الصُوَرُ جَمْعُ صُورَةٍ فَإنَّما يَتَوَجَّهُ قَوْلُهُ في نَفْخَةِ البَعْثِ.

وقَرَأ قَتادَةُ: [وَنُفِخَ في الصُوَرِ] بِفَتْحِ الواوِ، وهي جُمَعُ صُورَةٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن شاءَ اللهُ ﴾ ، قالَ السُدِّيُّ ؛ «اسْتَثْنى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ومَلَكَ المَوْتِ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ هَذِهِ الحالِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن أنَسٍ، عَنِ النَبِيِّ  ،» وقِيلَ: اسْتَثْنى الأنْبِياءَ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: اسْتَثْنى الشُهَداءَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ﴾ هي نَفْخَةُ البَعْثِ، ورُوِيَ «أنَّ بَيْنَ النَفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ، لا يَدْرِي أبُو هُرَيْرَةَ: سَنَةً أو يَوْمًا أو شَهْرًا أو ساعَةً.» وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تأييد لأمره بأن يقول للمشركين تلكَ المقالة مقالةً إنكار أن يطمعوا منه في عبادة الله، بأنه قول استحقوا أن يُرمَوا بغلظته لأنهم جاهلون بالأدلة وجاهلون بنفس الرسول وزكائها.

وأعقب بأنهم جاهلون بأن التوحيد هو سنة الأنبياء وأنهم لا يتطرق الإِشراك حوالي قلوبهم، فالمقصود الأهم من هذا الخبر التعريض بالمشركين إذ حاولوا النبي صلى الله عليه وسلم على الاعتراف بإلهية أصنامهم.

والواو عاطفة على جملة ﴿ قُلْ ﴾ [الزمر: 64].

وتأكيدُ الخبر بلام القسم وبحرف (قد) تأكيد لما فيه من التعريض للمشركين.

والوحي: الإِعلام من الله بواسطة الملَك.

والذين من قبله هم الأنبياء والمرسلون.

فالمراد القبلية في صفة النبوءة فالذين من قبلك} مراد به الأنبياء.

وجملة ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ مبيّنة لمعنى أُوحي كقوله تعالى: ﴿ فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ﴾ [طه: 120].

والتاء في ﴿ أشْرَكت ﴾ تاء الخطاب لِكل من أوحي إليه بمضمون هذه الجملة من الأنبياء فتكون الجملة بياناً لما أوحي إليه وإلى الذين من قبله.

ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم فتكون الجملة بياناً لجملة ﴿ أُوحِي إليك ﴾ ، ويكون ﴿ وإلى الذين من قبلِكَ ﴾ اعتراضاً لأن البيان تابع للمبين عمومه ونحوه.

وأيًّا مَّا كان فالمقصود بالخطاب تعريض بقوممِ الذي أوحى إليه لأن فرض إشراك النبي صلى الله عليه وسلم غير متوقَّع.

واللام في ﴿ لَئِن أشركت ﴾ موطئة للقسم المحذوف دالة عليه، واللام في ﴿ لَيَحْبَطن ﴾ لام جواب القسم.

والحَبط: البطلان والدحض، حَبِط عملُه: ذهب باطلاً.

والمراد بالعمل هنا: العملَ الصالح الذي يرجى منه الجزاء الحسن الأبدي.

ومعنى حَبطه: أن يكون لغواً غير مُجازى عليه.

وتقدم حكم الإِشراك بعد الإِيمان، وحكم رجوع ثواب العمل لصاحبه إن عاد إلى الإِيمان بعد أن أَبطل إيمانه عند قوله تعالى: ﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه فيمتْ وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم ﴾ في سورة [البقرة: 217].

ثم عطف عليه أن صاحب الإشراك من الخاسرين، شبه حاله حينئذٍ بحال التاجر الذي أخرج مالاً ليربح فيه زيادةَ مال فعاد وقد ذهب ماله الذي كان بيده أو أكثرُه، فالكلامُ تمثيل لحال من أشرك بعد التوحيد فإن الإِشراك قد طلب به مبتكروه زيادة القرب من الله إذ قالوا: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ [الزمر: 3] ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه ﴾ [يونس: 18] فكان حالهم كحال التاجر الذي طلب الزيادة على ما عنده من المال ولكنه طلب الربح من غير بابه، فباء بخسرانه وتبابه.

وفي تقدير فرض وقوع الإشراك من الرسول والذين مَن قبله مع تحقق عصمتهم التنبيهُ على عظم أمر التوحيد وخطر الإشراك ليعلم الناس أن أعلى الدرجات في الفضل لو فرض أن يأتي عليها الإِشراك لما أبقى منها أثراً ولدحضها دحضاً.

و ﴿ بل ﴾ لإِبطال مضمون جملة لئِن أشركت أي بل لا تشرك، أو لإِبطال مضمون جملة ﴿ أفغير الله تأمروني أعبُدُ ﴾ .

والفاء في قوله: ﴿ فاعبد ﴾ يظهر أنها تفريع على التحذير من حبط العمللِ ومن الخسران فحصل باجتماع ﴿ بَل ﴾ والفاء، في صدر الجملة، أَنْ جمعت غرضين: غرضضِ إبطال كلامهم، وغرضضِ التحذير من أحوالهم، وهذا وجه رشيق.

ومقتضى كلام سيبويه: أن الفاء مفرِّعة على فعل أمر محذوف يقدر بحسب المقام، وتقديره: تَنبَّه فاعْبُد الله (أي تنبه لمكرهم ولا تغترِرْ بما أمروك أن تعبد غير الله) فحذف فعل الأمر اختصاراً فلما حذف استنكر الابتداء بالفاء فقدموا مفعول الفعل الموالي لها فكانت الفاء متوسطة كما هو شأنها في نسج الكلام وحصل مع ذلك التقديممِ حصرٌ.

وجعل الزمخشري والزجاج الفاء جزاءية دالة على شرط مقدر أي يدل عليه السِياق، تقديره: إن كنت عاقلاً مقابل قوله: ﴿ أيها الجاهلون ﴾ [الزمر: 64] فاعبد الله، فلما حذف الشرط (أي إيجازاً) عوض عنه تقديم المفعول وهو قريب من كلام سيبويه.

وعن الكسائي والفراء الفاء مؤذنة بفعل قبلها يدل عليه الفعل الموالي لها، والتقدير: الله أعبُدْ فاعْبُد، فلما حذف الفعل الأول حذف مفعول الفعل الملفوظ به للاستغناء عنه بمفعول الفعل المحذوف.

وتقديم المعمول على ﴿ فاعبد ﴾ لإِفادة القصر، كما تقدم في قوله: ﴿ قل اللَّه أعبد ﴾ في هذه السورة [14]، أي أعبد الله لا غيره، وهذا في مقام الرد على المشركين كما تضمنه قوله: ﴿ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ﴾ [الزمر: 64].

والشكر هنا: العمل الصالح لأنه عطف على إفراد الله تعالى بالعبادة فقد تمحض معنى الشكر هنا للعمل الذي يُرضي الله تعالى والقول عموم الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ولمن قبله أو في خصوصه بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقاس عليه الأنبياء كالقول في ﴿ لئِن أشركت ليحبطن عملك ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِنَجاتِهِمْ مِنَ النّارِ.

الثّانِي: بِما فازُوا بِهِ مِنَ الطّاعَةِ.

الثّالِثُ: بِما ظَفَرُوا مِنَ الإدارَةِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: بِما سَلَكُوا فِيهِ مَفازٌ، الطّاعاتُ الشّاقَّةُ، مَأْخُوذٌ مِن مَفازَةِ السَّفَرِ.

﴿ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ﴾ لِبَراءَتِهِمْ مِنهُ ﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَحْزَنُونَ، بِألّا يَخافُوا سُوءَ العَذابِ.

الثّانِي: لا يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِن ثَوابِ الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، «أن قريشاً دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطأون عقبه.

فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وتكف عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء.

فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة هي لنا ولك فدلوه قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي، فجاء الوحي ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] إلى آخر السورة وأنزل الله عليه ﴿ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ﴾ ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ﴾ » .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن الحسن رضي الله عنه قال: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: إياك وأجدادك يا محمد.

فأنزل الله: ﴿ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ﴾ إلى قوله: ﴿ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ دليل على إحباط عمل المرتد مطلقاً خلافاً للشافعي في قوله: لا يحبط عمله إلا إذا مات على الكفر، فإن قيل: الموحى إليهم جماعة والخطاب بقوله: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ ﴾ لواحد: فالجواب أنه أوحى إلى كل واحد منهم على حدته، فإن قيل: كيف خوطب الأنبياء بذلك وهم معصومون من الشرك، فالجواب أن ذلك على وجه الفرض والتقدير: أي لو وقع منهم شرك لحبطت أعمالهم، لكنهم لم يقع منهم شرك بسبب العصمة، ويحتمل أن يكون الخطاب لغيرهم وخوطبوا هم ليدل المعنى على غيرهم بالطريق الأولى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عباده ﴾ على الجمع: يزيد وحمزة وعلي وخلف.

﴿ أرادني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة.

﴿ كاشفات ﴾ بالتنوين ﴿ ضره ﴾ بالنصب وهكذا ﴿ ممسكات رحمته ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: بالإضافة فيهما ﴿ قضى عليها ﴾ مجهولاً ﴿ الموت ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا ﴾ بسكون الياء: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وسهل ويعقوب، والوقف للجميع بالياء لا غير.

﴿ يا حسرتاي ﴾ بياء بعد الف: يزيد.

الآخرون: بالألف وحدها ﴿ وينجي الله ﴾ بالتخفيف: روح ﴿ بمفازاتهم ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ تأمروني ﴾ بتشديد النون وفتح الياء: ابن كثير ﴿ تأمرونني ﴾ بنونين وسكون الياء: ابن عامر ﴿ تأمروني ﴾ بنون واحدة وفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بتشديد النون وسكون الياء.

﴿ لنحبطن ﴾ بالنون من الإحباط ﴿ عملك ﴾ بالنصب: يزيد.

الآخرون: على الغيبة وفتح العين ﴿ عملك ﴾ بالرفع ﴿ وسيق ﴾ بضم السين وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس ﴿ فتحت ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل في الحرفين.

الوقوف: ﴿ إذ جاءه ﴾ ط ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بمحذوف كما يجيء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ عبده ﴾ ط ﴿ من دونه ﴾ ط ﴿ من هاد ﴾ ه ج ﴿ مضل ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ حسبي الله ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للابتداء بالنفي مع العطف ﴿ بوكيل ﴾ ه ج ﴿ في منامها ﴾ ج ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شفعاء ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط بناء على أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ بالآخرة ﴾ ط ج فصلاً بين الجملتين مع اتفاقهما نظماً ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ يحتسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ دعانا ﴾ ز فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ منا ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ على علم ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ ما كسبوا ﴾ الأولى ط ﴿ ما كسبوا ﴾ الثانية لا لأن الواو للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ لا تشعرون ﴾ ه لا ﴿ الساخرين ﴾ ه لا ﴿ المتقين ﴾ ه لا ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مسودّة ﴾ ط ﴿ للمتكبرين ﴾ ه ﴿ بمفازتهم ﴾ ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ز للفصل بين الوصفين تعظيماً مع اتفاق الجملتين ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ الجاهلون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لحق القسم المحذوف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بيمينه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ج بياناً لتراخي النفخة الثانية عن الأولى مع اتفاق الجملتين ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ نشاء ﴾ ج ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولاحتمال جعله حالاً وقد قضى بين الزمرين ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: لما ضرب لعبدة الأصنام مثلاً أشار إلى نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو أنهم يضمون على كذبهم على الله بإضافة الشريك والولد إليه تكذيبهم بالصدق يعني الأمر الذي هو الصدق بعينه أي القرآن.

ومعنى ﴿ إذ جاءه ﴾ أنه لم يراع طريقة أهل الإنصاف والتدبر لكنه لما سمع به فاجأه بالتكذيب.

واللام في قوله ﴿ للكافرين ﴾ لهؤلاء المعهودين الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق.

قال جار الله: ويحتمل أن يكون للعموم فيشملهم وغيرهم من الكفرة.

وحين بين وعيدهم عقبه بوعد الصادقين المصدّقين وهم الرسول  وأصحابه.

وقيل: الرسول وأبو بكر والتعميم أولى لقوله ﴿ أولئك هم المتقون ﴾ قوله ﴿ ليكفر ﴾ ظاهره تعلقه بـ ﴿ يشاؤن ﴾ فتكون لام العاقبة.

ويحتمل تعلقه بمحذوف أي جزاؤهم وإكرامهم لأجل ذلك.

قال جار الله: الأسوأ ههنا ليس للتفضيل وإنما هو كقولهم: الأشج أعدل بني مروان.

وفائدة صيغة التفضيل استعظامهم المعصية حتى إن الصغائر عندهم أسوأ أعمالهم.

وقال بعض المفسرين: أراد به الكفر السابق الذي يمحوه الإيمان.

واستدل مقاتل ـ وكان شيخ المرجئة ـ بهذه الآية فإنها تدل على أن من صدّق الأنبياء فإنه  يكفر عنه أسوأ الأعمال التي أتى بها بعد الإيمان والوصف بالتقوى وفيه نظر.

ثم إنهم كانوا يخوّفون المؤمنين والنبي  برفض آلهتهم وتحقيرها.

ويروى أنه بعث خالداً إلى العزى ليكسرها فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، إن لها شدّة.

فعمد خالد إليها فهشم أنفها فأنزل الله  ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ أي نبيه بدليل قوله ﴿ ويخوّفونك ﴾ ومن قرأ على الجمع فهي للعموم.

والآيات إلى قوله ﴿ بوكيل ﴾ ظاهرة مع أنها تعلم مما سبق ذكرها مراراً.

والعذاب الخزي عذاب يوم بدر، والعذاب المقيم العذاب الدائم في الآخرة، ومدار هذه الآي على تسلية النبي  ، ثم أكد كون الهداية والضلال من الله  بقوله ﴿ الله يتوفى الأنفس ﴾ وذلك أن الحياة واليقظة تشبه الهداية، والموت والنوم يضاهي الضلال.

فكما أن الحياة والموت واليقظة والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله وتكوينه فكذلك الهداية والضلال، والعارف بهذه الدقيقة عارف بسر الله في القدر، ومن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، ففيه تسلية أخرى للنبي  .

وقيل في وجه النظم: إنه تعالى أراد أن يذكر حجة أخرى على إثبات الإله العليم القدير ليعلم أنه أحق بالعبادة من كل ما سواه فضلاً عن الأصنام.

ومعنى الآية أن الله  يتوفى الأنفس حين موتها.

قال جار الله: أراد بالأنفس الجملة كما هي لأنها هي التي تنام وتموت ﴿ و ﴾ يتوفى الأنفس ﴿ التي لم تمت في منامها ﴾ أي يتوفاها حيت تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى كقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل  ﴾ والحاصل أنه يتوفى الأنفس مرتين، مرة عند موتها ومرة عند نومها فتكون "في" متعلقة بـ ﴿ يتوفى ﴾ والتوفي مستعمل في الأول حقيقة وفي الثاني مجازاً، ولم يجوّزه كثير من أئمة الأصول.

وقال الفراء: "في" متعلقة بالموت وتقديره: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها.

ثم بين الفرق بين الحالين بقوله ﴿ فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الآخرى إلى أجل مسمى ﴾ من غير غلط.

وقال حكماء الإسلام: النفس الإنسانية جوهر مشرق نوراني إذا تعلق بالبدن حصل ضوءه في جميع الأعضاء ظاهرها وباطنها وهو الحياة واليقظة.

وأما في وقت النوم فإن ضوءه لا يقع إلا على باطن البدن وينقطع عن ظاهره، فتبقى نفس الحياة التي بها النفس وعمل القوى البدنية في الباطن ويفنى ما به التمييز والعقل، وإذا انقطع هذا الضوء بالكلية عن البدن فهو الموت، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا من القدير الخبير الذي لا شريك له في ملكه ولا نظير، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ ثم كان لمشرك أن يقول: إنما نعبد الأصنام لأنها تماثيل أشخاص كانوا عند الله مقربين فنحن نرجو شفاعتهم فأنكر الله عليهم بقوله ﴿ أم اتخذوا من دون الله ﴾ أي من دون إذنه ﴿ شفعاء ﴾ و "أم" بمعنى "بل"، والهمزة الإنكارية وتقرير الإنكار أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا في شفاعة تلك التماثيل وإما في شفاعة من هذه التماثيل تماثيلهم.

والأول باطل لأن هذه الأصنام جمادات لا تملك شيئاً ولا تعقل وأشار إلى هذا المعنى بقوله ﴿ قل أولو كانوا ﴾ يعني أيشفعون ولو كانوا بحيث ﴿ لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ﴾ والثاني أيضاً مستحيل لأن يوم القيامة لا يشفع أحد إلا بإذن الله وهو المراد بقوله ﴿ قل لله الشفاعة ﴾ وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ على الحال.

ولو كان تأكيداً للشفاعة لقيل جمعاء.

وحين قرر أن لا شفاعة لأحد إلا بإذن الله برهن على ذلك بقوله ﴿ له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون ﴾ يوم القيامة ولا ملك في ذلك اليوم إلا له.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال المشركين فقال ﴿ وإذا ذكر الله وحده ﴾ أي منفرداً ذكره عن ذكر آلهتهم ﴿ اشمأزت ﴾ أي نفرت وانقبضت منه ﴿ قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دون ﴾ سواء ذكر الله معهم أو لم يذكر ﴿ إذا هم يستبشرون ﴾ أي فاجأ وقت ذكر آلهتهم وقت استبشارهم.

وفي الآية طباق ومقابلة لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى يظهر أثره في بشرته.

والاشمئزاز أن يمتلىء غماً وغيظاً حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه وذلك لاحتباس الروح الحيواني في القلب.

وقيل: معنى الآية أنه إذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

نفروا لأن فيه نفياً لآلهتهم.

وفي بعض التفاسير أن هذا إشارة إلى ما روي "أنه  لما قرأ سورة النجم وسوس الشيطان إليه بقوله تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى فاستبشر المشركون وسجدوا" .

ولما حكى عنهم هذا الجهل الغليظ والحمق الشديد وهو الاشمئزاز عن ذكره من ذكره رأس السعادات وعنوان الخيرات والاستبشار بذكر أخس الأشياء وهي الجمادات، أمر رسوله بهذا الدعاء ﴿ اللهم فاطر السموات والأرض ﴾ وهو وصفه بالقدرة التامة ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ وهو نعته بالعلم الكامل.

وإنما قدم وصفه بالقدرة على وصفه بالعلم لأن العلم بكونه قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً كما بين في أصول الدين وقد أشرنا إلى ذلك فيما سلف ﴿ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم بالشرك أمر معلوم الفساد ببديهة العقل فلا حيلة في إزالته إلا باستعانة القدير العليم.

عن عائشة أن رسول الله  كان يفتتح صلاته بالليل فيقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم.

وعن الربيع بن خثيم.

وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين  وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال آه أوقد فعلوا وقرأه هذه الآية.

وروي أنه قال على أثره: قتل من كان النبي  يجلسه في حجره ويضع فاه في فيه.

ثم ذكر وعيدهم على ذلك المذهب الباطل بقوله ﴿ ولو أن للذين ظلموا ﴾ أي بالشرك وقد مر نظير الآية مراراً أوّلها في آل عمران وفيه قوله ﴿ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ نظير قوله في أهل الوعد ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ وقيل: عملوا أعمالاً حسبوها حسنات فإذا هي سيئات.

يروى أن محمد بن المنكدر جزع عند موته فقيل له في ذلك فقال: أخشى آية من كتاب الله وتلاها، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم يكن في حسباني.

وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء.

ثم صرح بما أبهم قائلاً ﴿ وبدا لهم سيئات ما كسبوا ﴾ و "ما" موصولة أو مصدرية أي ظهرت لهم سيئات أعمالهم التي اكتسبوها، أو سيئات كسبهم وذلك عند عرض الصحائف أو غير ذلك من المواقف.

وجوّز أهل البيان أن يراد بالسيئات جزاء أفعالهم كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ وإنما قال في الجاثية ﴿ سيئات ما عملوا  ﴾ لمناسبة ألفاظ العمل، وههنا قد وقع من ألفاظ الكسب.

ثم حكى نوعاً آخر من قبيح أعمالهم قائلاً ﴿ فإذا مسّ الإنسان ﴾ وقد مر مثله في مواضع أقر بها أول السورة إلا أنه ذكر ههنا بفاء التعقيب لأن هذا مناقض لما حكى عنهم عن قريب وهو أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده فكيف التجأوا إليه وحده عند ضر يصيبهم.

ومعنى ﴿ أوتيته على علم ﴾ أوتيته على علم لله بكوني مستحقاً لذلك أو على علم عندي صار سبباً لهذه المزية ككسب وصنعة ونحو ذلك.

ولا شك أن هذا نوع من الغرور فلهذا قال  ﴿ بل هي فتنة ﴾ بلاء واختبار يتميز بها الشاكر عن الكافر.

ذكر الضمير أوّلاً بتأويل المخوّل وأنثه ثانياً بتأويل النقمة.

ثم أشار بقوله ﴿ قد قالها ﴾ أي مجموع الكلمة التي صدرت عنهم و ﴿ الذين من قبلهم ﴾ هم قارون وقومه حيث ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي  ﴾ وقومه راضون بها فكأنهم قالوها.

ويجوز أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها ﴿ فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ من الأموال أو من المعاصي وأشار بقوله ﴿ هؤلاء ﴾ إلى أهل مكة أصابهم قتل في يوم بدر وغيره وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم: أولم يعلموا أن الباسط والقابض هو الله وحده؟

وذلك أن انتهاء الحوادث المتسلسلة يجب أن يكون إلى إرادته ومشيئته، ولا ينافي هذا توسيط عالم الأسباب وأن يكون للكواكب كلها تأثيرات في عالمنا هذا بإذن مبدعها وفاطرها.

وقول الشاعر: فلا السعد يقضي به المشتري *** ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السماء *** وقاضي القضاة  وجل كلام من غير تبين واستبصار بسر القدر.

والذي يشكك به الإمام فخر الدين الرازي من أنه قد يولد إنسانان في طالع واحد ثم يصير أحدهما في غاية السعادة والآخر في غاية الشقاوة كلام غير محقق، لأنا لو سلمنا وقوع ذلك فلاختلاف القابل، وليس تأثير العامل السماوي في طالع ولد السلطان مثله في طالع ولد الحمامي، وكذا اختلافات أخر لا نهاية لها.

نعم لو ادعى عسر إدراك جميع الجزئيات فلا نزاع في ذلك إلا المنتفع بما ينتفع به عليه أن يقنع بما يصل إليه فهمه فلكل شيء حد وفوق كل ذي علم عليم.

وحين أطنب في الوعيد أردفه ببيان كمال رحمته ومغفرته فقال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبدالأوثان وقتل النفس التي حرم الله لن يغفر له ونحن قد عبدنا الأوثان وقتلنا الأنفس فأنزل الله هذه الآية.

وعن ابن عمر: نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم عذبوا فارتدوا فنزلت فيهم، وكان عمر كاتباً فكتبها إلى عياش والوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.

وقيل: نزلت بالمدينة في وحشيّ وقد سبق.

ثم إن قلنا: العباد عام فالإسراف على النفس يعم الشرك، ولا نزاع أن عدم اليأس من الرحمة يكون مشروطاً بالتوبة والإيمان.

وإن قلنا: العباد المضاف في عرف القرآن مختص بالمؤمنين فالإسراف إما بالصغائر ولا خلاف في أنها مكفرة ما اجتنبت الكبائر، وأما بالكبائر وحينئذ يبقى النزاع بين الفريقين.

فالمعتزلة شرطوا التوبة، والأشاعرة العفو وقد مر مراراً.

عن رسول الله  : "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟

فسكت ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك ثلاث مرات" رواه في الكشاف.

وعلى هذا يكون مخصوصاً بشرط الإيمان.

ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات الرحمة: أوّلها تسمية المذنب عبداً والعبودية تشعر بالاختصاص مع الحاجة، واللائق بالكريم الرحيم إفاضة الجود والرحمة على المساكين.

وثانيها من جهة الإضافة الموجبة للتشريف.

وثالثها من جهة وصفهم بقوله ﴿ الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ كأنه قال يكفيهم من تلك الذنوب عود مضرتها عليهم لا عليّ.

ورابعها نهاهم عن القنوط، والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم.

وخامسها قوله ﴿ من رحمة الله ﴾ مع إمكان الاقتصار على الضمير بأن يقول "من رحمتي" فإيراد أشرف الأسماء في هذا المقام يدل على أعظم أنواع الكرم واللطف.

وسادسها تكرير اسم الله  في قوله ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ مع تصدير الجملة بـ "إن"، ومع إيراد صيغة المضارع المنبئة عن الاستمرار، ومع تأكيد الذنوب بقوله ﴿ جميعاً ﴾ أي حال كونها مجموعة.

وسابعها إرداف الجملة بقوله ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ ومع ما فيه من أنواع المؤكدات ومع جميع ذلك لم يخل الترغيب عن الترهيب ليكون رجاء المؤمن مقروناً بخوفه فقال ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ وذلك أن الأشاعرة أيضاً يجوّزون أن يدخل صاحب الكبيرة النار مدة ثم يخرج منها.

ومع احتمال هذا العذاب يجب الميل إلى الإنابة والإخلاص لله في العمل على أن الخوف للتقصير في الطاعة يكفي عن الخوف للتصريح بالمعصية، وللصديقين في الأول مندوحة عن الثاني.

وقال بعضهم: إن الكلام قد تم على الآية الأولى، ثم خاطب الكفار بهذه الآيات من قوله ﴿ وأنيبوا ﴾ والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا كما للأمم السابقة، وإما الموت لأنه أول أهوال الآخرة.

وقوله ﴿ أحسن ما أنزل إليكم ﴾ كقوله ﴿ يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ وقد مر الأقوال فيه.

وحين خوّفهم بالعذاب حكى عنهم أنهم بتقدير نزول العذاب ماذا يقولون؟

فذكر ثلاثة أنواع من الكلمات: الأوّل أن تقول والتقدير أنذرناكم العذاب المذكور كراهة أن تقول أو لئلا.

تقول.

قال جار الله: إنما نكرت نفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر، أو نوع من الأنفس متميزة بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم.

وجوز أن يكون التنكير لأجل التكثير كقوله "رب وفد أكرمته".

﴿ يا حسرتا على ما فرّطت ﴾ أي قصرت.

والتفريط إهمال ما ينبغي أن يقدّم ﴿ في جنب الله ﴾ واعلم أن بعض أهل التجسيم يحكمون بورود هذا اللفظ على إثبات هذا العضو لله  ولا يدري أنه بعد التسليم لا معنى للتفريط فيه ما لم يصر إلى التأويل.

والصحيح ما ذهب إليه علماء البيان أن هذا من باب الكناية، لأنك إذا أثبت الشيء في مكان الرجل وحيزه وجانبه وناحيته فقد أثبته كقوله: إن السماحة والمروءة والندى *** في قبة ضربت على ابن الحشرج وتقول: لمكانك فعلت كذا.

أي لأجلك.

وفي الحديث "من الشرك الخفي أن يصلى الرجل لمكان الرجل" ولا بد من تقدير مضاف سواء ذكر الجنب أو لم يذكر، وللمفسرين فيه عبارات.

قال ابن عباس: أي ضيعت من ثواب الله.

وقال مقاتل: ضيعت من ذكر الله.

وقال مجاهد: في أمر الله.

وقال الحسن: في طاعة الله.

وعن سعيد بن جبير: في حق الله.

وقيل: في قرب الله من الجنة من قوله ﴿ والصاحب بالجنب  ﴾ وقال ابن جبير: في جانب هدى الله لأن الطريق متشعب إلى الهدى والضلال فكل واحد جانب وجنب.

والتحقيق في المسألة أن الشيء الذي يكون من لوازم الشيء ومن توابعه كأنه حدّ من حدوده وجانب من جوانبه، فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب في الآية على أحد هذه المضافات.

قال الشاعر وهو سابق البربري: أما لتقين الله في جنب عاشق.

*** له كبد حرّى عليك تقطع؟

ثم زاد في التحسر بقوله ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ أي المستهزئين بالقرآن والنبي والمؤمنين.

"إن" مخففة، واللام فارقة، والواو تحتمل العطف والحال.

قال قتادة.

لم يكفه ما ضيع من أمر الله حتى سخر من المصدّقين.

النوع الثاني من كلمات النفس المعذبة ﴿ لو أن الله هداني ﴾ يجوز أن يقول مرة هذا ومرة ذلك، أو يكون قائل كل من الكلمتين بعد أخرى والمعنى لو أرشدني إلى دينه.

﴿ لكنت من المتقين ﴾ النوع الثالث قوله عند رؤية العذاب ﴿ لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾ قال جار الله: لما حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب وهو الثاني، صح أن تقع "بلى" جواباً له مع أنه غير منفي، لأن قوله ﴿ لو أن الله هداني ﴾ في معنى ما هديت.

قلت: هذا يصلح جواباً للقولين الثاني والثالث أي بلى قد هديت بالوحي فكذبت واستكبرت عن قبوله فلا فائدة في الرجعة، فإن عدم القابلية وكونه واقعاً في جانب القهر لن يزول عنه.

ثم صرح ببعض أنواع العذاب قائلاً ﴿ ويوم القيامة نرى الذين كذبوا على الله ﴾ وقوله ﴿ وجوههم مسودّة ﴾ مفعول ثان إن كانت الرؤية القلبية وإلا فموضعه نصب على الحال.

والظاهر أن الكذب على الله هو المشار إليه في قوله ﴿ فكذبت بها ﴾ ويشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد، ونسبته إلى العجز عن الإعادة، ونسبة القرآن إلى كونه مختلفاً ونحو ذلك.

وأما المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها كل فريق إسلامي ولا سيما الفروعية، فالظاهر أنها لا تدخل فيها والله أعلم.

وأما سواد الوجه فإن كان في الصورة فظاهر ويكون كسائر أوصاف أهل النار من زرقة العيون وغيره، وإن كان المراد به الخجل وشدّة الحياء ونحو ذلك فالله  أعلم بمراده.

ولا ريب أن الجهل والإخبار على خلاف ما عليه الأمر ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة كلها ظلمات كما أن العلم والصدق ونحوهما أنوار كلها وفي ذلك العالم تظهر حقيقة كل شيء على المكلف ﴿ هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت  ﴾ .

ثم حكى حال المتقين يومئذ قائلاً ﴿ وينجي الله الذين اتقوا ﴾ الشرك أو المعاصي كبائر وصغائر ﴿ بمفازتهم ﴾ هي "مفعلة" من الفوز.

فمن وحد فلأنه مصدر، ومن جمع فلاختلاف أجناسها فلكل متق مفازة وهي الفلاح.

ولا شك أن الباء هي التي في نحو قولك "كتبتُ بالقلم".

فقال جار الله: تارة تفسير المفازة هي قوله ﴿ لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ﴾ فلا محل للجملة لأنه كأنه قيل: وما مفازتهم؟

فقيل: ﴿ لا يمسهم السوء ﴾ أي في أبدانهم.

﴿ ولا هم يحزنون ﴾ يتألمون قلباً على ما فات.

وقال: أخرى يجوز أن يراد بسبب فلاحهم أو منجاتهم وهو العمل الصالح، وذلك أن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة.

ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها.

وعلى هذه الوجوه يكون قوله ﴿ لا يمسهم ﴾ منصوباً على الحال.

وعن الماوردي أن المفازة ههنا البرية أي بما سلكوا مفازة الطاعات الشاقة وهو غريب.

وحين تمم الوعد والوعيد أتبعه شيئاً من دلائل المالكية قائلاً ﴿ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ﴾ وقد مر في "الأنعام".

ثم أكده بقوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ وهو كقوله في "الأنعام" ﴿ وعنده مفاتح الغيب  ﴾ والمقاليد المفاتيح أيضاً فقيل: لا واحد لها من لفظها.

وقيل: مقليد أو مقلد أو إقليد.

والظاهر أنه في الأصل فارسي والتعريب جعله من قبيل العربي.

ويروى أنه سأل عثمان رسول الله  عن تفسير الآية فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسير المقاليد لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

وقال العلماء: يعني أن هذه الكلمات مفاتيح خيرات السموات والأرض وقد يوحد الله بها ويمجد.

قال أهل العرفان: بيده مفاتيح خزائن اللطف والقهر، فيفتح على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه فتخرج ينابيع الحكمة وجواهر الأخلاق الحسنة وللآخر بالضد.

قال في الكشاف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ متصل بقوله ﴿ وينجي ﴾ وما بينهما اعتراض دل على أنه خالق الأشياء كلها مهيمن عليها، لا يخفى عليه أعمال المكلفين وجزاؤها فإن كل شيء في السموات والأرض فإن مفتاحه بيده.

هذا والظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التقدير البعيد حتى يعطف جملة اسمية على جملة فعلية.

والأقرب أنه لما وصف نفسه بصفات المالكية والقدرة ذكر بعده ﴿ والذين كفروا ﴾ بدلائل ملكه وملكه مع كونها ظاهرة باهرة فلا أخسر منهم لأنهم عمي في الدارين فاقدون لأشرف المطالب ولذلك وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أفغير الله ﴾ أي قل لهم بعد هذا البيان أفغير الله وهو منصوب ﴿ بأعبد ﴾ و ﴿ تأمروني ﴾ اعتراض والمعنى أفغير الله ﴿ أعبد ﴾ بأمركم.

وذلك أن المشركين دعوه إلى دين آبائه.

وجوز جار الله: أن ينصب بما يدل عليه جملة قوله ﴿ تأمروني أعبد ﴾ لأنه في معنى تعبدونني غير الله وتقولون لي اعبد.

والأصل تأمرونني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل.

ويمكن أن يعترض عليه بأن صلة "أن" كيف تتقدّم عليه.

ويحتمل أن يجاب بأن العامل هو ما دل عليه الجملة كما قلنا لا قوله ﴿ أن أعبد ﴾ وقيل: التقدير أفبعبادة غير الله تأمروني؟

وقوله ﴿ أيها الجاهلون ﴾ لا يكون أليق بالمقام منه لأنه لا جهل أشدّ من جهل من نهى عن عبادة أشرف الأشياء وأمر بعبادة أخس الأشياء.

ثم هددّ الأمة على الشرك مخاطباً نبيه بقوله ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ﴾ من الأنبياء مثله ﴿ لئن أشركت ﴾ فاقتصر على الأول ويجوز أن يراد ولقد أوحى إليك وإلى كل واحد ممن قبلك لئن أشركت كما تقول: كسانا حلة أي كل واحد منا وقد مر نظير هذه الآية بقوله ﴿ ولئن أتبعت أهواءهم  ﴾ وبينا أن ذلك على سبيل الفرض والشرطية لا حاجة في صدقها إلى صدق جزأيها، أو المراد الأمة كما قلنا.

وفي قوله ﴿ ولتكونن من الخاسرين ﴾ إشارة إلى أن منصب النبوة الذي هو أشرف مراتب الإنسانية وأقربها من الله إذا بدل بضدّه الذي هو البعد عن الحضرة الإلهية لم يكن خسران وراء ذلك.

ثم ردّه  إلى ما هو الحق الثابت في نفس الأمر وهو تخصيص الله بالعبادة فقال ﴿ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ﴾ على ذلك لأن توفيق العبادة منه وحده ولذا جعله مظهر اللطف حتى صار سيد ولد آدم.

ثم بين أنهم لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة في العبادة ما عرفوا الله حق معرفته وقد مر في "الأنعام" و "الحج".

ثم أردفه بما يدل على كمال عظمته قائلاً ﴿ والأرض جميعاً قبضته ﴾ قال جار الله: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو إلى جهة مجاز.

وكذلك حكم ما يروى عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً من أهل الكتاب جاء إلى النبي  فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك.

فضحك رسول الله  تعجباً مما قال وأنزل الله الآية تصديقاً له.

وقال جار الله: وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من غير ذلك، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي لا تكتنهها الأوهام هينة عليه، ثم ذكر كلاماً آخر طويلاً.

واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي بأن هذا الكلام الطويل لا طائل تحته لأنه هل يسلم أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته أم لا.

وعلى الثاني يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حجة فإن لكل أحد حينئذ أن يؤوّل الآية بما شاء.

وعلى الأول وهو الذي عليه الجمهور يلزمه بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ الفلاني على معناه الحقيقي لتعين المصير إلى التأويل.

ثم إن كان هناك مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما، ففي هذه الصورة لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع الأعضاء والجوارح لله  فوجب المصير إلى التأويل صوناً للنص عن التعطيل.

ولا تأويل إلا أن يقال: المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره كما يقال: فلان في قبضة فلان.

وقال  ﴿ وما ملكت أيمانهم  ﴾ ويقال: هذه الدار في يد فلان ويمينه، وفلان صاحب اليد.

وأنا أقول: هذا الذي ذكره الإمام طريق أصولي، والذي ذكره جار الله طريق بياني، وأنهم يحيلون كثيراً من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينهما.

ولا يرد اعتراض الإمام وتشنيعه وقد مر لنا في هذا الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع فتذكر.

ولنرجع إلى الآية.

قوله ﴿ والأرض ﴾ قالوا: المراد بها الأرضون لوجهين: أحدهما قوله ﴿ جميعا ﴾ فإنه يجعله في معنى الجمع كقوله ﴿ كل الطعام  ﴾ وقوله ﴿ والنخل باسقات  ﴾ والثاني قوله ﴿ والسموات ﴾ ولقائل أن يقول: كل ما هو ذو أجزاء حساً أو حكماً فإنه يصح تأكيده بالجميع.

وعطف السموات على الأرض في القرآن كثير.

نعم قيل: إن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهو مقتض للمبالغة وليس ببعيد.

والقبضة بالفتح المرة من القبض يعني والأرضون جميعاً مع عظمهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته فهن ذوات قبضته.

وعندي أن المراد منه تصرفه يوم القيامة فيها بتبديلها كقوله ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض  ﴾ ﴿ والسموات مطويات بيمينه ﴾ كقوله ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب  ﴾ وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها استيلاءك على الشيء المطوي عندك بيدك.

وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها بيمينه أي بقسمه لأنه  حلف أن يطويها ويفنيها في الآخرة.

وفي الآية إشارة إلى كمال استغنائه، وأنه إذا حاول تخريب الأرض والسموات وتبديلها.

وذلك في يوم القيامة سهل عليه كل السهولة، ولذلك نزه نفسه عن الشركاء بقوله {  وتعالى عما يشركون} ثم ذكر سائر أهوال القيامة وأحوالها بقوله ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ الظاهر أن نفخ الصور مرتان، وبعضهم روى أنه ثلاث نفخات الأولى للفزع كما جاء في "النمل"، والثانية للموت وهو معنى الصعق، والثالثة للإعادة.

والأظهر أن الفزع يتقدم الصعق فلا يلزم منه إثبات نفختين، وقد مر في "النمل" تفسير باقي الآية.

قال جار الله: تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان.

ومعنى ﴿ ينظرون ﴾ يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب، أو ينظرون ماذا يفعل بهم.

ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود تحيراً.

ثم وصف أرض القيامة بقوله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ الظاهر أن هذا نور تجليه  .

وقد مر شرح هذا النور في تفسير قوله ﴿ الله نور السموات والأرض  ﴾ وفي غيره من المواضع.

وقال علماء البيان: افتتح الآية بذكر العدل كما اختتم الآية بنفي الظلم.

ويقال للملك العادل: أشرقت الآفاق بنور عدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، وفي ضدّه أظلمت الدنيا بجوره.

وأهل الظاهر من المفسرين لم يستبعدوا أن يخلق الله في ذلك اليوم للأرض نوراً مخصوصاً.

وقيل: أراد أرض الجنة.

ثم إن أهل البيان أكدوا قولهم بأنه أتبعه قوله ﴿ ووضع الكتاب ﴾ إلى آخره.

وكل ذلك من الأمور الدالة على غاية العدل.

والمراد بالكتاب إما اللوح المحفوظ يقابل به صحف الأعمال أو الصحف نفسها ولكنه اكتفى باسم الجنس.

﴿ وجيء بالنبيين ﴾ ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة ويجيب قومهم بما يجيبون.

والمراد بالشهداء الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار ومن الجوارح والمكان والزمان أيضاً.

وقيل: هم الذين قتلوا في سبيل الله ولعله ليس في تخصيصهم بالذكر فائدة.

وحين بين أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الخصومات ذكر أنه يوصل أهل النار، وختم السورة بذكر أهل الجنة فقال: ﴿ وسيق ﴾ وهو على عادة إخبار الله  .

والزمر الأفواج المتفرقة واحدها زمرة وكذلك في صفة أهل الجنة، وذلك أنه يحشر أمة بعد أمة مع إمامها إلى الجنة أو النار، أو بعضهم قبل الحساب وبعضهم بعد الحساب على اختلاف المراتب والطبقات، فلا ريب أن الناس محقين أو مبطلين فرق ذاهبون في طرق شتى جماعة جماعة.

والخزنة جمع خازن، والمراد بكلمة العذاب قوله ﴿ لأملأن جهنم  ﴾ أو علم الله السابق وكان القياس التكلم إلا أنه عدل إلى الظاهر فقيل على الكافرين ليعلم سبب العذاب.

سؤال السوق في الكفار له وجه لأنهم أهل الطرد والعنف فما وجهه في أهل الجنة؟

الجواب من وجوه: قال جار الله: المضاف هنا محذوف أي وسيق مراكب الذين اتقوا لأنهم لا يذهبون إلا راكبين كالوافدين على ملوك الدنيا، وحثها إسراع لهم إلى دار الكرامة والرضوان: وقيل: طباق.

وقيل: أكثر أهل الجنة البله فيحتاجون إلى السوق لأنهم لا يعرفون ما فيه صلاحهم.

وقيل: إنهم يقولون لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي فيتأخرون لهذا السبب وحينئذ يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة.

وقال أهل العرفان: المتقون قد عبدوا الله لله لا للجنة فيصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يفتقرون إلى السوق.

وقال الحكيم: كل خصلة ذميمة أو شريفة في الإنسان فإنها تجره من غير اختياره شاء أم أبى إلى ما يضاهيه حاله فذاك معنى السوق.

سؤال آخر: لم قيل في صفة أهل النار ﴿ فتحت أبوابها ﴾ من غير واو وفي صفة أهل الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ بالواو؟

والجواب البحث عن مثل هذه الواو قد يقال له واو الثمانية قد مر في قوله ﴿ التائبون العابدون  ﴾ وفي سورة الكهف إلا أن الذي اختص بالمقام هو أن بعضهم قالوا: إن أبواب جهنم مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله ﴿ جنات عدن مفتحة لهم الأبواب  ﴾ فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها، وعلى هذا فجواب ﴿ حتى إذا ﴾ محذوف وحق موقعه ما بعد ﴿ خالدين ﴾ أي كان ما كان من أصناف الكرامات والسعادات.

وقيل: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها أي مع فتح أبوابها.

وقيل: لأهل التأويل أن يقولوا: إن أبواب الجنة وهي أسباب حصول الكمالات مفتوحة بمعنى أنها غير ممنوع عنها بل مندوب إليها مرغب فيها، وأبواب جهنم مغلقة بمعنى أن أسبابها ممنوع عنها على لسان الشرع والعقل جميعاً.

ومعنى تسليم الخزنة الإكرام والتهنئة بأنهم سلموا من أحوال الدنيا وأهوال القيامة.

ومعنى ﴿ طبتم ﴾ قيل: إخبارهم عن كونهم طيبين في الدنيا بالأفعال الصالحة والأخلاق الفاضلة، أو طبتم نفساً بما نلتم من الجنة ونعيمها.

وقيل: إن أهل الجنة إذا انتهوا إلى بابها وجدوا عنده عينين تجريان من ساق شجرة فيتطهرون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلن تتغير أبشارهم بعدها أبداً، ويشربون من الأخرى فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى فيقول لهم الخزنة: طبتم.

وقال جار الله: أرادوا طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا، ولهذا عقبه بقوله ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ ليعلم أن الطهارة عن المعاصي هي السبب في دخول الجنة والخلود فيها لأنها دار طهرها الله من دنس فلا يدخلها إلا من هو موصوف بصفتها رزقنا الله  بعميم فضله وحسن توفيقه نسبة توجب ذلك.

ثم حكى قول المتقين في الجنة فقال ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴾ أي الوعد بدخول الجنة ﴿ وأورثنا الأرض ﴾ أرض الجنة عبر عن التمليك بالإيراث وقد مرّ مراراً ﴿ نتبوّأ منها حيث نشاء ﴾ لأن لكل متق جنة توصف سعة فيتبوّأ من جنته كما يريد من غير منازع.

وقال حكماء الإسلام: الجنات الجسمانية كذلك، أما الروحانية فلا مانع فيها من المشاركة وأن يحصل لغيره ما يحصل لبعض الأشخاص.

ثم وصف مآب الملائكة المقربين بعد بعثهم فقال ﴿ وترى ﴾ أيها الرائي أو النبي ﴿ الملائكة حافين ﴾ محدّقين وهو نصب على الحال.

قال الفراء: لا واحد له لأنه لا بد فيه من الجمعية.

وأقول: لعله عني من حيث الاستعمال.

وقيل: الحاف بالشيء الملازم له.

وقوله ﴿ من حول العرش ﴾ "من" زائدة أو ابتدائية أي مبتدأ خوفهم من هناك إلى حيث شاء الله أو متصل بالرؤية ﴿ يسبحون بحمد ربهم ﴾ تلذذاً لا تعبداً.

وكان جوانب العرش دار ثواب الملائكة وإنها ملاصقة لجوانب الجنة.

والضمير في قوله ﴿ وقضي بينهم ﴾ للعباد كلهم لقرائن ذكر القيامة فإن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون الإقضاء بينهم بالحق والعدل.

وقيل: بين الأنبياء وأممهم.

وقيل: تكرار لقوله ﴿ وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ﴾ وقيل: هو حال وقد مقدرة معه أي يسبحون بحمد ربهم وقد قضى بينهم يعني بين الملائكة على أن ثوابهم ليس على سنن واحد.

ويحتمل عندي أن يعود الضمير إلى البشر والملائكة جميعاً، والقضاء بينهم هو إنزال البشر مقامهم من الجنة أو النار، وإنزال الملائكة حول العرش.

ثم ختم السورة بقوله ﴿ وقيل الحمد لله ﴾ والقائل المقضي بينهم وهم جميع العباد كقوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله  ﴾ جميع الملائكة حمدوا الله على إنزال كلّ منزلته.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ .

هذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم على وجوه: أحدها: أن قولهم: إن شيئية الأشياء لم تزل كائنة؛ إذ من قولهم: إن المعدوم شيء، فإذا كان المعدوم شيئاً - على قولهم - كما شيئية الأشياء لم تزل كائنة.

ويقولون: إنه لم يكن من الله إلا إيجادها، فإذا كان ما ذكروا لم يكن هو خالق شيء به؛ فضلا عن أن يكون خالق كل شيء - على ما ذكر - ووصف نفسه بخلق كل شيء، فيكون كل شيء قولهم في التحقيق والتحصيل قول الدهرية والثنوية؛ لأن الدهرية يقولون بقدم الطينة، والهيولى، ونحوه، وينكرون كون الشيء من لا شيء.

وكذلك الثنوية يقولون بقدم النور والظلمة، ثم كون كل جنس من جنسه، وكون كل شيء من أصله.

فعلى ذلك قول المعتزلة: إن المعدوم شيء يرجع في التحقيق إلى ما ذكرنا من أقاويلهما.

ثم قوله: ﴿ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ ﴾ يخرج على ذكر الربوبية، والألوهية، والوصف له بالمدح؛ لما ذكرنا أن إضافة كلية الأشياء إلى الله - عز وجل - تخرج مخرج الوصف له بالتعظيم والإجلال له، وإضافة الأشياء المخصوصة إليه تخرج مخرج التعظيم للمضافة إليه.

وإذا كان ما ذكر ما كان قوله - عز وجل -: ﴿ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ ﴾ مخصصاً شيئاً دون شيء - على ما يقوله المعتزلة - لم يخرج مخرج الوصف له بالربوبية والألوهية، ولا خرج مخرج المدح له والتعظيم، ثم إنه لا شك أنه لو لم يكن خالقاً لأفعال الخلق لم يكن خالقاً من عشرةٍ ألفَ شيء، فدل أنه خالق الأشياء كلها للأفعال والأجسام والجواهر جميعاً.

فإن قيل: إنكم لا تقولون: خالق الأنجاس والأقذار والخنازير ونحوه، فإنما يرجع قوله - عز وجل -: ﴿ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ ﴾ إلى خصوص.

قيل: إنه لا يقال ولا يوصف بخلق هذه الأشياء على التقييد والتخصيص: يا خالق الأنجاس والأقذار وما ذكر؛ لأنه يخرج الوصف له بذلك مخرج الهجاء والذم، وكان في الجملة يوصف بذلك، ويدخل الأشياء كلها في ذلك؛ لما ذكرنا أن قوله - عز وجل -: ﴿ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ ﴾ يخرج مخرج الامتداح والتعظيم له، والوصف بالربوبية له والألوهية؛ ألا ترى أنه لا يقال - على التخصيص -: إنه وكيل؛ وإن كان في الجملة يقال - كما ذكرنا -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ ؛ لأنه في الجملة يخرج مخرج الربوبية له والألوهية، والوصف له بالمدح، وعلى التخصيص والإفراد، [يخرج] على الهجاء والذم؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

كأنه يقول: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

قيل: هي المفاتيح، وهي فارسية عربت.

وجائز أن يكون قوله - عز وجل -: [ ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ ﴾ أي:] له مفاتيح: جميع البركات والخيرات على أهل السماوات والأرض، يخبر أن ذلك كله بيده، ليس بيد أحد سواه، منه يطلب ذلك، ومنه يستفاد، والله أعلم.

ثم لم يفهم مما أضيف إليه من المقاليد ما يفهم من مقاليد الخلق لو أضيف إليهم؛ فكيف فهم مما أضيف إليه: من مجيء، أو استواء، وغير ذلك ما فهم مما أضيف إلى الخلق، والله الموفق؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ .

كأن الله - عز وجل - جعل هذه الدنيا وما فيها لأهلها، وبين أحوالهم، يتخيرون بها ويشترون بها الآخرة، ويتزودون لها؛ ولذلك قال - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ  ﴾ فمن [لم] يتزود [لم] يجعلها بلغة إلى الآخرة سمى: خاسراً مغبوناً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ ﴾ .

دلت هذه الآية على أن سفه أولئك الكفرة قد بلغ غايته، وجاوز حده؛ حتى دعوا رسول الله  إلى عبادة من دونه؛ بعد ما عرفوا فضيلة الرسالة والرسول وخصوصيته؛ حتى أنكروا الرسالة في البشر، وبعث البشر رسولا، فلولا ما وقع عندهم من الفضيلة للرسول، والخصوصية له؛ وإلا لم يحتمل أن ينكروا وضعها في البشر وبعث البشر رسولا، ثم قد أتاهم رسول الله  من البيان والحجج ما قد قرر عندهم أنه الرسول إليهم، فمع ما تقرر عندهم ذلك دعوه إلى أن يعبد غير الله دونه، فيكون لهم، فهذا منهم تناقض في القول وسفه؛ حين صيروا المفضل والمخصوص بالرسالة في العبادة من دونه كغير المفضل والمخصوص بها - والله أعلم - ليعلم أنهم لسفههم وتعنتهم كانوا يدعونه إلى عبادة من دون الله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ ﴾ .

سماهم: جهلة بما أمروه ودعوه إلى عبادة غير الله، وكذلك قال موسى -  - لقومه حين سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة؛ فقال: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ  ﴾ .

ثم يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ ﴾ وجوهاً: أحدها: أيها الجاهلون في التسوية بين المفضل والمخصوص وبين من لم يخص؛ فذلك في عبادة غير الله.

أو جاهلون عن هداية الله وخصوصيته.

أو جاهلون عن جميع نعمه وإحسانه، حيث لم يذكروه فيها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: أحدهما: كأنه يقول: ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك - وقيل: لكل رسول - ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ ، ذكر هذا؛ ليعلم أن الشرك يحبط العمل، وإن أتى به من قد جل قدره، وعظمت منزلته عنده.

والثاني: ولقد أوحي إليك وإلى من كان قبلك: لئن أشركت أنت ليحبطن عملك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل: كن من الشاكرين لنعم الله جميعاً.

أو الشاكرين للخصوصية التي خصصت بها أو الهداية التي هديت، والله أعلم.

وفي حرف ابن مسعود وأبيّ -  ما -: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: له ملك السماوات والأرض.

قال الكسائي: ﴿ مَقَالِيدُ ﴾ : فارسية معربة، وواحد المقاليد: إقليد.

وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ قال: بلى، والله ليكفينه الله، وبعزه وبنصره كاف عبده، وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً ﴾ ذكر أهل التأويل: أن اليهود أتوا رسول الله  فقالوا له: إن ربك كذا وكذا، وإن السماوات على كذا منه، والأرض على كذا؛ ذكروه له ووصفوه كما يوصف الخلق؛ فنزل قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ قيل: ما عرفوا الله حق معرفته، ولا عظموه حق عظمته.

ويذكر أهل الكلام: أن اليهود مشبهة، وكذلك قالوا بالولد؛ حيث قالوا: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله؛ فلو لم يكونوا عرفوه بما يعرف به الخلق، لم يكونوا يقولون له بالولد كما يقولون للخلق من الولد؛ فدل ما وصفوا له وذكروا له أنهم عرفوه بمعنى الخلق، فتعالى الله عما تقوله الملاحدة علوّاً كبيراً.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي: ما عرفوا الله حق معرفته.

أو ما عظموه حق عظمته ما يحتمل وسع الخلق، وكذلك لم يعرفوه حق معرفته التي يحتمله وسع البشر بينهم، فأما معرفة الله حق معرفته أو تعظيم الله حق عظمته ما لا يحتمله وسع الخلق، وهو لم يكلفهم أن يعرفوه حق معرفته أو يعظموه؛ لأنه لا يحتمل وسع الخلق ذلك وإنما كلفهم ما احتمله وسعهم؛ فالمشبهة - حيث وصفوه كما وصف الخلقُ من يعاينوه - لم يعرفوه المعرفة التي يحتمل وسع الخلق وبنيتهم، ولا عظموه العظمة التي يحتمل وسع الخلق وبنيتهم.

ثم إن الله -  - جعل سبب معرفته الاستدلال بآثار الأفعال، لا بأفعال المحسوسات، فلا تفهم معرفته، ولا تقدر بمعرفة الخلق وتقديرهم مع ما جعل الله -  وتعالى - الخلق على قسمين: قسم منها مما يحاط به وتدرك حقيقته، وهو المحسوس منه والمدرك.

وقسم مما يعرف بآثار الأفعال والاستدلال بها، وهو غير محسوس من العقل، والبصر، والسمع، والروح، وغير ذلك، فإذ لم يدرك من خلقه ولم يحط به مما سبيل الاستدلال [عليه] بآثار الأفعال بالحس، فالذي أنشأ ذلك وأبدعه أحق ألا يدرك ولا يحاط بمعرفته كما يحاط ويدرك المحسوس معرفته؛ إذ الموصل إلى معرفته الاستدلال بآثار الأفعال [لا] بالمحسوس، والله أعلم.

وكذلك ما أضاف إلى نفسه من الأحرف لا يفهم منه ما لو أضيف ذلك إلى الخلق؛ من نحو الاستواء، والمجيء، والإتيان، ونحو ذلك، ولا يقدر منه ما يقدر من الخلق على ما لم يفهم من مجيء الحق وإتيانه ما فهم من مجيء الخلق ولا إتيانهم؛ فعلى ذلك لا يفهم قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ما يفهم من قبضة الخلق وطيهم ويمينهم؛ بل يفهم من ذلك كله [ما يفهم] من قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ كل ما ذكر من القبضة والطي واليمين في ذلك ﴿ كُنْ ﴾ \[دون أن كان منه\] كاف أو نون أو شيء من ذلك، لكنه ذكر ﴿ كُنْ ﴾ ؛ لأنه أخف كلام على الألسن، وأوجز حرف يفهم منه المعنى ويعرف فيما بين الخلق، والله أعلم.

وأصله أن الله - عز وجل - خاطبهم بما تعارفوا فيما بينهم حقيقة، وإن كان ما تعارفوا فيما بينهم منفي عن الله -  - نحو ما ذكر ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ لما باليد يقدم ويؤخر في الشاهد، وإن لم يكن ما ذكر عمل اليد، وذكر بين يدي ما ذكر، وإن لم يكن بين يديه؛ لما في الشاهد كذلك يتقدم؛ فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من أحرف كانت تلك منفية عنه؛ لما في الشاهد بذلك يكون، والله أعلم.

وأصل ذلك أن قد بينت بالتنزيل على ما ذكر من إضافة تلك الأحرف إلى الله، وثبت بدليل السمع أن ليس كمثله شيء [و] في العقل تعاليه عن الأشباه والشركاء، لزم القول بوقوع تلك الآيات على ما لا تشابه به يقع بينه وبين الخلق في الفعل ولا جهة من جهات الخلق؛ إذ هو متعال عن جميع جهات الخلق في حد الإحداث والخلق، فيلزم الإيمان بها على ما نطق به الكتاب وانتهى به عن المتشابه، وتفويض المراد إلى من جاء عنه ذلك مع ما توجد الإضافة إلى الله - عز وجل - من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ حُدُودَ ٱللَّهِ  ﴾ ونحوه لا يحتمل فهم المضاف منه إلى غيره، فكذلك ما ذكرنا يحتمل على إمكان وجوه فيما ينفى معنى التشابه من ذلك ما يضمن فيها معاني، نحو قوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ...

﴾ الآية [محمد: 7]، ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ  ﴾ ، والمرجع، و ﴿ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ  ﴾ ، و ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ  ﴾ ، في غير ذلك مما أضيف إلى الله، ولا معنى لتحقيقه في ذلك، فيضمن في ذلك منُّه ووعده ووعيده وغير ذلك من الوجوه مما يطول ذكره ويكثر، فمثله أمر هذه الآيات.

والثاني: أن إضافة الأمور في الشاهد إلى الملوك وذكر التولي لهم ليس يخرج مخرج تحقيق كما هو جرى به الذكر، ولكن على الكناية والعبارة عن غيره؛ نحو ما قال: بلدة كذا في يد فلان وقبضته، وأمر كذا في [يد] فلان؛ إنما يراد بذلك قوته وقدرته؛ فعلى ذلك ما ذكر من قبضته ويده ويمينه إنما هو الوصف له بالقوة، والسلطان، والقدرة على ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ يحتمل تنزيه نفسه عما وصفه المشبهة وشبهوه بالخلق، أو عما أشرك عبدة الأصنام بالله في العبادة، وتسميتهم إياها: آلهة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾ هو على التقديم والتأخير؛ كأنه يقول - عز وجل -: الأرض والسماوات جميعاً في قبضته مطويات بيمينه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

بل اعبُدِ الله ولا تشرك به أحدًا، وكن من الشاكرين له على نعمه التي أنعم بها عليك.

<div class="verse-tafsir" id="91.PqLw6"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد