الآية ١١٤ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١١٤ من سورة النساء

۞ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍۢ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا ١١٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٤ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٤ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( لا خير في كثير من نجواهم ) يعني : كلام الناس ( إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) أي : إلا نجوى من قال ذلك كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه : حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث ، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس قال : دخلنا على سفيان الثوري نعوده - وأومأ إلى دار العطارين - فدخل عليه سعيد بن حسان المخزومي فقال له سفيان الثوري : الحديث الذي كنت حدثتني به عن أم صالح اردده علي .

فقال : حدثتني أم صالح ، عن صفية بنت شيبة ، عن أم حبيبة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلام ابن آدم كله عليه لا له ما خلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر [ أو ذكر الله عز وجل " ، قال سفيان : فناشدته ] فقال محمد بن يزيد : ما أشد هذا الحديث ؟

فقال سفيان : وما شدة هذا الحديث ؟

إنما جاءت به امرأة عن امرأة ، هذا في كتاب الله الذي أرسل به نبيكم صلى الله عليه وسلم أو ما سمعت الله يقول في كتابه : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) فهو هذا بعينه ، أو ما سمعت الله يقول : ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) [ النبأ : 38 ] فهو هذا بعينه ، أو ما سمعت الله يقول في كتابه : ( والعصر .

إن الإنسان لفي خسر .

[ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ] ) [ سورة العصر ] ، فهو هذا بعينه .

وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خنيس عن سعيد بن حسان ، به .

ولم يذكرا أقوال الثوري إلى آخرها ، ثم قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن خنيس .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي ، حدثنا صالح بن كيسان ، حدثنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب : أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره ، أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته : أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا - أو يقول خيرا " وقالت : لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث : في الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها .

قال : وكانت أم كلثوم بنت عقبة من المهاجرات اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد رواه الجماعة ، سوى ابن ماجه ، من طرق ، عن الزهري ، به نحوه .

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد ، عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة ، والصيام والصدقة ؟

" قالوا : بلى .

قال : " إصلاح ذات البين " قال : " وفساد ذات البين هي الحالقة " .

ورواه أبو داود والترمذي ، من حديث أبي معاوية ، وقال الترمذي : حسن صحيح .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا سريج بن يونس ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ، حدثنا أبي ، عن حميد ، عن أنس ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أيوب : " ألا أدلك على تجارة ؟

" قال : بلى : قال : " تسعى في صلح بين الناس إذا تفاسدوا ، وتقارب بينهم إذا تباعدوا " ثم قال البزار : وعبد الرحمن بن عبد الله العمري لين ، وقد حدث بأحاديث لم يتابع عليها .

ولهذا قال : ( ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله ) أي : مخلصا في ذلك محتسبا ثواب ذلك عند الله عز وجل ( فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) أي : ثوابا كثيرا واسعا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ومن يشاقق الرسول "، ومن يباين الرسولَ محمدًا صلى الله عليه وسلم، معاديًا له، فيفارقه على العداوة له (12) =" من بعد ما تبين له الهدى "، يعني: من بعد ما تبين له أنه رسول الله، وأن ما جاء به من عند الله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم=" ويتبع غير سبيل المؤمنين "، يقول: ويتبع طريقًا غير طريق أهل التصديق، ويسلك منهاجًا غير &; 9-205 &; منهاجهم، وذلك هو الكفر بالله، لأن الكفر بالله ورسوله غير سبيل المؤمنين وغير منهاجهم=" نولّه ما تولّى "، يقول: نجعل ناصره ما استنصره واستعان به من الأوثان والأصنام، (13) وهي لا تغنيه ولا تدفع عنه من عذاب الله شيئًا، ولا تنفعه، كما:- 10427- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " نوله ما تولى "، قال: من آلهة الباطل.

10428- حدثني ابن المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* * * =" ونصله جهنم "، يقول: ونجعله صِلاءَ نار جهنم، (14) يعني: نحرقه بها.

* * * وقد بينا معنى " الصلى " فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(15) * * * =" وساءت مصيرًا "، يقول وساءت جهنم (16) =" مصيرًا "، موضعًا يصير إليه من صار إليه.

(17) * * * ونـزلت هذه الآية في الخائنين الذين ذكرهم الله في قوله: وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ، لما أبى التوبة من أبى منهم، وهو طعمة بن الأبيرق، ولحق بالمشركين من عبدة الأوثان بمكة مرتدًّا، مفارقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه.

----------------- الهوامش : (12) انظر تفسير"الشقاق" فيما سلف 3 : 115 ، 116 ، 336 / 8 : 319.

(13) انظر تفسير"ولي" فيما سلف ص: 17 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(14) في المطبوعة: "صلى" بتشديد الياء ، والصواب من المخطوطة.

و"الصلاء" (بكسر الصاد): الشواء ، لأنه يصلى بالنار.

(15) انظر ما سلف في تفسير"الإصلاء" 8 : 27-29 ، 231 ، 484.

(16) انظر تفسير"ساء" فيما سلف ص 101 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(17) انظر تفسير"مصير" فيما سلف ص: 101 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما[ ص: 327 ] أراد ما تفاوض به قوم بني أبيرق من التدبير ، وذكروه للنبي صلى الله عليه وسلم .

والنجوى : السر بين الاثنين ، تقول : ناجيت فلانا مناجاة ونجاء وهم ينتجون ويتناجون .

ونجوت فلانا أنجوه نجوا ، أي ناجيته ، فنجوى مشتقة من نجوت الشيء أنجوه ، أي خلصته وأفردته ، والنجوة من الأرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله ، قال الشاعر :فمن بنجوته كمن بعقوته والمستكين كمن يمشي بقرواحفالنجوى المسارة ، مصدر ، وقد تسمى به الجماعة ، كما يقال : قوم عدل ورضا .

قال الله تعالى : وإذ هم نجوى فعلى الأول يكون الأمر أمر استثناء من غير الجنس .

وهو الاستثناء المنقطع .

وقد تقدم ، وتكون " من " في موضع رفع ، أي : لكن من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ودعا إليه ففي نجواه خير .

ويجوز أن تكون " من " في موضع خفض ويكون التقدير : لا خير في كثير من نجواهم إلا نجوى من أمر بصدقة ثم حذف .

وعلى الثاني وهو أن يكون النجوى اسما للجماعة المنفردين ، فتكون " من " في موضع خفض على البدل ، أي لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة .

أو تكون في موضع نصب على قول من قال : ما مررت بأحد إلا زيدا .

وقال بعض المفسرين منهم الزجاج : النجوى كلام الجماعة المنفردة أو الاثنين كان ذلك سرا أو جهرا ، وفيه بعد .

والله أعلم .

والمعروف لفظ يعم أعمال البر كلها .

وقال مقاتل : المعروف هنا الفرض ، والأول أصح .

وقال صلى الله عليه وسلم : كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق .

وقال صلى الله عليه وسلم : المعروف كاسمه وأول من يدخل الجنة يوم القيامة المعروف وأهله .

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لا يزهدنك في المعروف كفر من كفره ، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الكافر .

وقال الحطيئة :من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناسوأنشد الرياشي :يد المعروف غنم حيث كانت تحملها كفور أو شكورففي شكر الشكور لها جزاء وعند الله ما كفر الكفوروقال الماوردي : " فينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته ، ويبادر [ ص: 328 ] به خيفة عجزه ، وليعلم أنه من فرص زمانه ، وغنائم إمكانه ، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه ، فكم من واثق بالقدرة فاتت فأعقبت ندما ، ومعول على مكنة زالت فأورثت خجلا ، كما قال الشاعر :ما زلت أسمع كم من واثق خجل حتى ابتليت فكنت الواثق الخجلاولو فطن لنوائب دهره ، وتحفظ من عواقب أمره لكانت مغانمه مذخورة ، ومغارمه مجبورة ، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من فتح عليه باب من الخير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق عنه .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف السراح .

وقيل لأنوشروان : ما أعظم المصائب عندكم ؟

قال : أن تقدر على المعروف فلا تصطنعه حتى يفوت .

وقال عبد الحميد : من أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها .

وقال بعض الشعراء :إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكونولا تغفل عن الإحسان فيها فما تدري السكون متى يكونوكتب بعض ذوي الحرمات إلى وال قصر في رعاية حرمته :أعلى الصراط تريد رعية حرمتي أم في الحساب تمن بالإنعامللنفع في الدنيا أريدك ، فانتبه لحوائجي من رقدة النواموقال العباس رضي الله عنه : لا يتم المعروف إلا بثلاث خصال : تعجيله وتصغيره وستره ، فإذا عجلته هنأته ، وإذا صغرته عظمته ، وإذا سترته أتممته .

وقال بعض الشعراء :زاد معروفك عندي عظما أنه عندك مستور حقيرتتناساه كأن لم تأته وهو عند الناس مشهور خطيرومن شرط المعروف ترك الامتنان به ، وترك الإعجاب بفعله ، لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر .

وقد تقدم في " البقرة " بيانه .قوله تعالى : أو إصلاح بين الناس عام في الدماء والأموال والأعراض ، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين ، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى .

وفي الخبر : ( كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر لله تعالى ) .

فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب .

وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : رد الخصوم حتى يصطلحوا ، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن .

وسيأتي [ ص: 329 ] في " المجادلة " ما يحرم من المناجاة وما يجوز إن شاء الله تعالى .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال ، : من أصلح بين اثنين أعطاه الله بكل كلمة عتق رقبة .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب : ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله ، تصلح بين أناس إذا تفاسدوا ، وتقرب بينهم إذا تباعدوا .

وقال الأوزاعي : ما خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة في إصلاح ذات البين ، ومن أصلح بين اثنين كتب الله له براءة من النار .

وقال محمد بن المنكدر : تنازع رجلان في ناحية المسجد فملت إليهما ، فلم أزل بهما حتى اصطلحا ؛ فقال أبو هريرة وهو يراني : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أصلح بين اثنين استوجب ثواب شهيد .

ذكر هذه الأخبار أبو مطيع مكحول بن المفضل النسفي في كتاب اللؤلئيات له ، وجدته بخط المصنف في وريقة ولم ينبه على موضعها رضي الله عنه .

و " ابتغاء " نصب على المفعول من أجله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بجميع أنواعه.

ثم استثنى تعالى فقال: { إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ْ} من مال أو علم أو أي نفع كان، بل لعله يدخل فيه العبادات القاصرة كالتسبيح والتحميد ونحوه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة" الحديث.

{ أَوْ مَعْرُوفٍ ْ} وهو الإحسان والطاعة وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه، وإذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن يقرن بالنهي عن المنكر دخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف، وأيضا لا يتم فعل الخير إلا بترك الشر.

وأما عند الاقتران فيفسر المعروف بفعل المأمور، والمنكر بترك المنهي.

{ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ْ} والإصلاح لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين، والنزاع والخصام والتغاضب يوجب من الشر والفرقة ما لا يمكن حصره، فلذلك حث الشارع على الإصلاح بين الناس في الدماء والأموال والأعراض، بل وفي الأديان كما قال تعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ْ} وقال تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ْ} الآية.

وقال تعالى: { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ْ} والساعي في الإصلاح بين الناس أفضل من القانت بالصلاة والصيام والصدقة، والمصلح لا بد أن يصلح الله سعيه وعمله.

كما أن الساعي في الإفساد لا يصلح الله عمله ولا يتم له مقصوده كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ْ}.

فهذه الأشياء حيثما فعلت فهي خير، كما دل على ذلك الاستثناء.

ولكن كمال الأجر وتمامه بحسب النية والإخلاص، ولهذا قال: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ْ} فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى ويخلص العمل لله في كل وقت وفي كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا، لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( لا خير في كثير من نجواهم ) يعني : قوم طعمة ، وقال مجاهد : الآية عامة في حق جميع الناس ، والنجوى : هي الإسرار في التدبير ، وقيل : النجوى ما ينفرد بتدبيره قوم سرا كان أو جهرا ، فمعنى الآية : لا خير في كثير مما يدبرونه بينهم ، ( إلا من أمر بصدقة ) أي : إلا في نجوى من أمر بصدقة ، فالنجوى تكون فعلا وقيل : هذا استثناء منقطع ، يعني : لكن من أمر بصدقة ، وقيل النجوى هاهنا : الرجال المتناجون ، كما قال الله تعالى " وإذ هم نجوى " ( الإسراء - 47 ) .

( إلا من أمر بصدقة ) أي : حث عليها ، ( أو معروف ) أي : بطاعة الله وما يعرفه الشرع ، وأعمال البر كلها معروف ، لأن العقول تعرفها .

( أو إصلاح بين الناس ) أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاجب بن أحمد الطوسي ، أنا محمد بن حماد ، أنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم هو ابن أبي الجعد ، عن أم الدرداء رضي الله عنها ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة " ؟

قال : قلنا بلى ، قال : " إصلاح ذات البين .

وفساد ذات البين هي الحالقة " .

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ، أنا إسماعيل ابن محمد الصفار ، أنا أحمد بن منصور الرمادي ، ثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة ، وكانت من المهاجرات الأول ، قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرا " .

قوله تعالى : ( ومن يفعل ذلك ) أي : هذه الأشياء التي ذكرها ، ( ابتغاء مرضاة الله ) أي : طلب رضاه ، ( فسوف نؤتيه ) في الآخرة ، ( أجرا عظيما ) قرأ أبو عمرو وحمزة ( يؤتيه ) بالياء ، يعني : يؤتيه الله ، وقرأ الآخرون بالنون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا خير في كثير من نجواهم» أي الناس أي يتناجون فيه ويتحدثون «إلا» نجوى «من أمر بصدقة أو معروف» عمل بر «أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك» المذكور «ابتغاء» طلب «مرضات الله» لا غيره من أمور الدنيا «فسوف نؤتيه» بالنون والياء أي الله «أجرا عظيما».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا نفع في كثير من كلام الناس سرّاً فيما بينهم، إلا إذا كان حديثًا داعيًا إلى بذل المعروف من الصدقة، أو الكلمة الطيبة، أو التوفيق بين الناس، ومن يفعل تلك الأمور طلبًا لرضا الله تعالى راجيًا ثوابه، فسوف نؤتيه ثوابًا جزيلا واسعًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ الناس ) إشارة إلى ما جبل عليه كثير من الناس من إخفاء الأقوال أو الأعمال التى فيها شر ومضرة ، ومن إعلان الأقوال أو الأفاعل التى من ورائها خير ومنفعة .

وقوله ( نَّجْوَاهُمْ ) أى : مما يتناجى به الناس ويتكلمون فيه .

والنجوى : اسم مصدر بمعنى المسارة .

يقال : نجوته نجوا ونجوى وناجيته مناجاة .

أى : ساررته بكلام على انفراد .

وأصله : أن تعلو بمن تناجيه بسر معين فى نجوة من من الأرض .

أى فى مكان مرتفع منفصل بارتفاعه عما حوله .

وقيل : أصله من النجاة ، لأن الإِسرار بالشئ فيه معاونة على النجاة .

وتطلق النجوى على القوم المتناجين كما فى قوله - تعالى - ( نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نجوى ) والضمير فى قوله ( مِّن نَّجْوَاهُمْ ) يعود إلى الناس جميعا ، ويدخل فيه أولئك الذين كانوا يختانون أنفسهم ومن على شاكلتهم دخولا أوليا .والمعروف - كما يقول الآلوسى - هو كل ما عرفه الشرع واستحسنه ، فيشمل جميع أنواع البر كقرض وإغاثة ملهوف وإرشاد ضال إلى غير ذلك .

ويراد به هنا ما عدا الصدقة وما عدا ما أشير إليه بقوله - تعالى - ( أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ الناس ) .والمعنى : لا خير فى كثير من الكلام الذى يناجى فيه الناس ، ويتحدثون به سرا ، إلا فى نجوى من أمر غيره سرا بصدقة يزكى بها ماله ، وينفع بها المحتاج إليها ، أو من غيره بالإِكثار من أعمال البر ، أو القيام بالإِصلاح بين الناس المتخاصمين لكى يعودوا إلى ما كانوا عليه من الأفة والإِخاء والصفاء .قال الجمل : وقوله ( إِلاَّ مَنْ أَمَرَ ) .

فى هذا الاستثناء قولان :أحدهما : متصل .والثانى : أنه منقطع .

وهما مبنيان على أن النجوى يجوز أن يراد بها الصمدر كالدعوى فتكون بمعنى التناجى أى التحدث .

وأن يراد بها القوم المتناجون إطلاقا للمصدر على الواقع منه مجازا .

فعلى الأولى يكون منقطعا ، لأن من أمر ليس مناجاة ، فكأنه قيل : لكن من أمر بصدقة ففى نجواه الخير وإن جعلنا النجوى بمعنى المتناجين كان متصلا .

وقوله ( إِلاَّ مَنْ أَمَرَ ) .

إما منصوب على الاستثناء المنقطع إن جعلته منقطعا فى لغة الحجازيين .

أو على أصل الاستثناء إن جعلته متصلا .

وإما مجرور على البدل من كثير ، أو من نجواهم ، أو صفة لأحدهما .فأنت ترى أن الآية الكريمة قد أخرجت من التناجيى المذموم ثلاث خصال هى جماع الخير ، وذلك لأن الصدقة التى يخرجها الإِنسان تكون سببا فى تزكية ماله ، وحسن ثوابه ، ونشر المحبة والمودة بين الناس .والتعبير بقوله ( إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ) يفيد الدعوة إليها ، والحث على بذلها سرا ما دامت المصلحة تقتضى ذلك .أما المعروف وهو النوع الثانى من التناجى المحمود فهو - كما يقول القرطبى لفظ يعم كل أعمال البر .

ففى الحديث الشريف " كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق " وقال على بن أبى طالب : ( لا يزهدنك فى المعروف كفر من كفره ، فقد يشكر الشاكر بأضعاف جحود الجاحد ) .وقال الماوردى : ينبغى لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته ، ويبادر به خيفة عجزه ، وليعلم أنه من فرض زمانه ، وغنائم إمكانه ، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه ، فكم من واثق بالقدرة ففاتت فأعقبت ندما .وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لكل شئ ثمرة وثمرة المعروف السراح " - أى التعجيل - ومن شرط المعروف ترك الامتنان به ، وترك الإِعجاب بفعله .

لما يهما من إسقاط الشكر ، وإحباط الأجر .

قال بعض الشعراء :زاد معروفك عندى عظما ...

أنه عندك مستور حقيرتتناساه كأن لم تأته ...

وهو عند الناس مشهور خطيروالأمة التى يفشو فيها قول المعروف وفعله ، تسودها السعادة ، وتظلها المحبة والمودة والرحمة .

وأما الإِصلاح بين الناس فهو فريضة اجتماعية يقوم بها من صفت نفوسهم وقويت عزائمهم ، ورسخ إيمانهم .وقد حض القرآن على الإِصلاح بين الناس سواء أكانوا جماعات أم أفرادا لأن التخاصم والتنازع يؤدى إى انتشار العداوات والمفاسد بين الناس .

قال - تعالى - : ( إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) وقد ساق الإِمام ابن كثير جملة من الأحاديث التى تحض على الاصلاح بين الناس ومن ذلك ما رواه ابن مردويه عن محمد بن يزيد بن حنيش : قال دلنا على سفيان الثورى نعوده .

فدخل علينا سعيد بن حسان فقلا له الثورى الحديث الذى كنت حدثتنيه عن أم صالح أردده على .

فقال : حدثتنى أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلام ابن آدم كله عليه لا له .

إلا ذكر الله - تعالى - أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر " فقال سفيان : أو ما سمعت الله فى كتابه يقول : ( لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ الناس ) .

فهو هذا بعينه .وروى الجماعة - سوى ابن ماجه - عن أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ليس الكذاب الذى يصلح بين الناس فينمى خيرا أو يقول خيرا " وقالت : لم أسمعه يرخص فى شئ مما يقوله الناس إلا فى ثلاث : فى الحرب .

والإِصلاح بين الناس .

وحديث الرجل امرأته وحديث المراة زوجها .وروى الإِمام أحمد وأبو داود والترمذى عن أبى الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟

قالوا : بلى .

يا رسول الله!!

قال إصلاح ذات البين " قال " وفساد ذات البين هو الحالقة " .ففى هذه الأحاديث الشريفة دعوة قوية إلى الاصلاح بين الناس حتى يعيشوا فى أمان واطمئنان .وبذلك نرى أن هذه الأمور الثلاثة التى أخرجها الله - تعالى - من التناجى المذموم هى جماع الخير الإِنسانى والاجتماعى .وقد أشار الإِمام الرازى إلى ذلك بقوله : هذه الآية وإن نزلت فى مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها فى المعنى عامة .

والمراد : لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير ثم إنه - تعالى - ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع : الأمر بالصدقة .

والأمر بالمعروف .

والاصلاح بين الناس .وإنما ذكر الله - تعالى - هذه الأقسام الثلاثة ، لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة .

أما إيصال الخير : فإما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال .

وإليه الإِشارة بقوله : ( إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ) .

وإما أن يكون من الخيرات الروحانية وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم ، أو تكميل لاقوة العملية بالأفعال الحسنة .

ومجموعهما عبارة عن الأمر بالمعروف .

وإليه الإشارة بقوله ( أَوْ مَعْرُوفٍ ) وأما إزالة الضرر فإليها الإشِارة ( أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ الناس ) فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة فى هذه الآية .ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة من يقوم بفعل هذه الفضائل فقال : ( وَمَن يَفْعَلْ ذلك ابتغآء مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) .أى : ومن يفعل ذلك المذكور من الصدقة والمعروف والإِصلاح بين الناس ، قاصدا بفعله رضا الله وحسن مثوبته ، فسوف نؤتيه أجراً عظيما لا يعرف مقداره غلا الله - تعالى - وقال - سبحانه - ومن يفعل ذلك ولم يقل ومن يأمر بذلك كما جاء فى صدر الآية .

لأن المقصود الترغيب فى هذا الفعل الحسن ، لأن الآمر بالخير إذا دخل فى زمرة الخيرين كان الفاعل أحرى بالدخول فى زمرتهم .وفى تقييد الفعل بكونه ابتغاء مرضاة الله ، تحريض على إخلاص النية ، لأن الأعمال بالنيات ، وإذا صاحب الرياء الأعمال أبطلها ومحق بركتها .والتعبير بسوف هنا لتأكيد الوقوع فى المستقبل .

أى .

فسوف نؤتيه أجراً لا يحيط به نطاق الوصف ، ولن نبخصه شيئا من حقه حتى ولو كان هذا الشئ بالغاً النهاية فى الصغر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وأعلم أن هذه إشارة إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيتون ما لا يرضي من القول وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: النجوى في اللغة سر بين إثنين، يقال ناجيت الرجل مناجاة ونجاء، ويقال: نجوت الرجل أنجو نجوى بمعنى ناجيته، والنجوى قد تكون مصدراً بمنزلة المناجاة، قال تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ  ﴾ وقد تكون بمعنى القوم الذين يتناجون، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ هُمْ نجوى  ﴾ .

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ ذكر النحويون في محل ﴿ مِنْ ﴾ وجوهاً، وتلك الوجود مبنية على معنى النجوى في هذه الآية، فإن جعلنا معنى النجوى هاهنا السر فيجوز أن يكون في موضع النصب؛ لأنه استثناء الشيء عن خلاف جنسه فيكون نصباً كقوله: ﴿ إِلاَّ أَذًى  ﴾ ويجوز أن يكون رفعاً في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس كقوله: إلا اليعافير وإلا العيس *** وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف فقال: التقدير إلا في نجوى من أمر بصدقة ثم حذف المضاف، وعلى هذا التقدي يكون ﴿ مِنْ ﴾ في محل النجوى لأنه أقيم مقامه، ويجوز فيه وجهان: إحدهما: الخفض بدل من نجواهم، كما تقول: ما مررت بأحد إلا زيد.

والثاني: النصب على الاستثناء فكما تقول ما جاءني أحد إلا زيداً، وهذا استثناء الجنس من الجنس، وأما ان جعلنا النجوى اسماً للقوم المتناجين كان منصوباً على الاستثناء لأنه استثناء الجنس من الجنس، ويجوز أن يكون ﴿ مِنْ ﴾ في محل الخفض من وجهين: أحدهما: أن تجلعه تبعاً لكثير، على معنى: لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة، كقولك: لا خير في القوم إلا نفر منهم.

والثاني: أن تجعله تبعاً للنجوى، كما تقول: لا خير في جماعة من القوم إلا زيد، إن شئت أتبعت زيداً الجماعة، وإن شئت أتبعته القوم، والله أعلم.

المسألة الثالثة: هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة، والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع: الأمر بالصدقة، والأمر بالمعروف، والاصلاح بين الناس، وإنما ذكر الله هذه الأقسام الثلاثة، وذلك لأن عمل الخير إما أن يكون بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، أما إيصال الخير فاما أن يكون من الخيرات الجسمانية وهو إعطاء المال، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ وإما أن يكون من الخيرات الروحانية، وهو عبارة عن تكميل القوة النظرية بالعلوم، أو تكميل القوة العملية بالأفعال الحسنة، ومجموعها عبارة عن الأمر بالمعروف، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أَوْ مَعْرُوفٍ ﴾ وأما إزالة الضرر فإليها الإشارة بقوله: ﴿ أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس ﴾ فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية، ومما يدل على صحة ما ذكرنا قوله عليه الصلاة والسلام: كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله وقيل لسفيان الثوري: ما أشد هذا الحديث!

فقال سفيان: ألم تسمع الله يقول: ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ ﴾ فهو هذا بعينه، أما سمعت الله يقول: ﴿ وَٱلْعَصْرِ  إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ  ﴾ فهو هذا بعينه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ابتغاء مَرْضَاتَ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ والمعنى أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا أتى بها لوجه الله ولطلب مرضاته، فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم المفاسد، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النيّة، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض سوى طلب رضوان الله تعالى ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى  ﴾ وقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات».

وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: لم انتصب ﴿ ابتغاء مرضات الله ﴾ ؟

والجواب: لأنه مفعول له، والمعنى لأنه لابتغاء مرضاة الله.

السؤال الثاني: كيف قال: ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ .

والجواب: أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأن الأمر بالخير لما دخل في زمرة الخيرين فبأن يدخل فاعل الخير فيهم كان ذلك أولى، ويجوز أن يراد: ومن يأمر بذلك، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر أيضاً فعل من الأفعال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ ﴾ من تناجي الناس ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ إلا نجوى من أمر، على أنه مجرور بدل من كثير، كما تقول: لا خير في قيامهم إلا قيام زيد.

ويجوز أن يكون منصوباً على الانقطاع، بمعنى: ولكن من أمر بصدقة، ففي نجواه الخير.

وقيل: المعروف القرض.

وقيل إغاثة الملهوف.

وقيل هو عامّ في كل جميل.

ويجوز أن يراد بالصدقة الواجب وبالمعروف ما يتصدق به على سبيل التطوّع.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله» وسمع سفيان رجلاً يقول: ما أشد هذا الحديث.

فقال: ألم تسمع الله يقول: ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ ﴾ فهو هذا بعينه أو ما سمعته يقول ﴿ والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ﴾ [العصر: 1- 2] فهذا هو بعينه.

وشرط في استيجاب الأجر العظيم أن ينوي فاعل الخير عبادة الله والتقرّب به إليه، وأن يبتغي به وجهه خالصاً.

لأن الأعمال بالنيات.

فإن قلت: كيف قال: ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ ؟

قلت: قد ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله، لأنه إذا دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم أدخل.

ثم قال: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم، ويجوز أن يراد: ومن يأمر بذلك، فعبر عن الأمر بالفعل كما يعبر به عن سائر الأفعال، وقرئ: ﴿ يؤتيه ﴾ ، بالياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ ﴾ مِن مُتَناجَيْهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ هم نَجْوى ﴾ أوْ مِن تَناجِيهِمْ فَقَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ ﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلّا نَجْوى مَن أمَرَ أوْ عَلى الِانْقِطاعِ بِمَعْنى ولَكِنَّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ فَفي نَجْواهُ الخَيْرُ، والمَعْرُوفُ كُلُّ ما يَسْتَحْسِنُهُ الشَّرْعُ ولا يُنْكِرُهُ العَقْلُ.

وفُسِّرَ هاهُنا بِالقَرْضِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وسائِرِ ما فُسِّرَ بِهِ.

﴿ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ﴾ أوْ إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ.

﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ بُنِيَ الكَلامُ عَلى الأمْرِ ورُتِّبَ الجَزاءُ عَلى الفِعْلِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ لَمّا دَخَلَ الآمِرُ في زُمْرَةِ الخَيِّرِينَ كانَ الفاعِلُ أدْخَلَ فِيهِمْ، وأنَّ العُمْدَةَ والغَرَضَ هو الفِعْلُ واعْتِبارُ الأمْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ وصْلَةٌ إلَيْهِ، وقُيِّدَ الفِعْلُ بِأنْ يَقُولَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ وأنَّ كُلَّ مَن فَعَلَ خَيْرًا رِياءً وسُمْعَةً لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ مِنَ اللَّهِ أجْرًا.

ووَصَفَ الأجْرَ بِالعَظْمِ تَنْبِيهًا عَلى حَقارَةِ ما فاتَ في جَنْبِهِ مِن أعْراضِ الدُّنْيا.

وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو يُؤْتِيهِ بِالياءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)

{لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ} من تناجي الناس {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} إلا نجوى من أمر وهو مجرور وبدل من كثير أو من نجواهم أو منصوب على الانقطاع بمعنى ولكن من أمر بصدقة خفي نجواه الخير {أَوْ مَعْرُوفٍ} أي قرض أو إغاثة ملهوف أو كل جميل أو المراد بالصدقة الزكاة وبالمعروف التطوع {أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس} أي

إصلاح ذات البين {وَمَن يَفْعَلْ ذلك} المذكور {ابتغاء مرضات الله} طلب رضا الله وخرج عنه من فعل ذلك رياء أو ترؤساً وهو مفعول له والإشكال أنه قال إلا من أمر ثم قال ومن يفعل ذلك والجواب أنه ذكر الأمر بالخير ليدل به على فاعله لأنه إذا دخل الآمر به في زمرة الخيرين كان الفاعل فيهم ادخل ثم قال ومن يفعل ذلك فذكر الفاعل وقرن به الوعد بالأجر العظيم أو المراد ومن يأمر بذلك فعبر عن الأمر بالفعل {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} يؤتيه أبو عمرو وحمزة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَخْتانُونَ، واخْتارَ جَمْعٌ أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ مُجاهِدٍ و(نَجْوى) في الكَلامِ كَما قالَ الزَّجّاجُ: ما يَتَفَرَّدُ بِهِ الجَماعَةُ أوِ الِاثْنانِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ سِرًّا أمْ لا؟

قَوْلانِ، وتَكُونُ بِمَعْنى التَّناجِي، وتُطْلَقُ عَلى القَوْمِ المُتَناجِينَ، كَـ(إذْ هم نَجْوى) وهو إمّا مِن بابِ (رَجُلٍ عَدْلٍ) أوْ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَجِيٍّ كَما نَقَلَهُ الكِرْمانِيُّ.

والظَّرْفُ الأوَّلُ خَبَرُ (لا) والثّانِي في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلنَّكِرَةِ أيْ: كائِنٌ (مِن نَجْواهم ﴿ إلا مَن أمَرَ ﴾ أيْ: إلّا في نَجْوى مَن أمَرَ ﴿ بِصَدَقَةٍ ﴾ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وبِهِ يَتَّصِلُ الِاسْتِثْناءُ، وكَذا إنْ أُرِيدَ بِالنَّجْوى المُتَناجُونَ عَلى أحَدِ الِاعْتِبارَيْنِ، ولا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حِينَئِذٍ، ويَكْفِي في صِحَّةِ الِاتِّصالِ صِحَّةُ الدُّخُولِ، وإنْ لَمْ يُجْزَمْ بِهِ، فَلا يَرِدُ ما تَوَهَّمَهُ عِصامُ الدِّينِ مِن أنَّ (جاءَنِي كَثِيرٌ مِنَ الرِّجالِ إلّا زَيْدًا) لا يَصِحُّ فِيهِ الِاتِّصالُ لِعَدَمِ الجَزْمِ بِدُخُولِ زَيْدٍ في الكَثِيرِ ولا الِانْقِطاعُ لِعَدَمِ الجَزْمِ بِخُرُوجِهِ، ولا حاجَةَ إلى ما تَكَلَّفَ في دَفْعِهِ بِأنَّ المُرادَ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْوى واحِدٍ مِنهم إلّا نَجْوى مَن أمَرَ إلَخْ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُ خَيْرٌ، فَإنَّهُ عَلى ما فِيهِ لا يَتَأتّى مِثْلُهُ عَلى احْتِمالِ الجَمْعِ.

وجَوَّزَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - بَلْ زَعَمَ - أنَّهُ الأوْلى أنْ يُجْعَلَ (إلّا مَن أمَرَ) مُتَعَلِّقًا بِما أُضِيفَ إلَيْهِ النَّجْوى بِالِاسْتِثْناءِ أوِ البَدَلِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إنْ سُلِّمَ أنَّ لَهُ مَعْنًى خِلافُ الظّاهِرِ.

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى مَعْنى: لَكِنْ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ وإنْ قَلَّتْ، فَفي نَجْواهُ الخَيْرُ ﴿ أوْ مَعْرُوفٍ ﴾ وهو كُلُّ ما عَرَفَهُ الشَّرْعُ واسْتَحْسَنَهُ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أصْنافِ البِرِّ؛ كَقَرْضٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ، وإرْشادِ ضالٍّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويُرادُ بِهِ هُنا ما عَدا الصَّدَقَةَ، وما عَدا ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ﴾ وتَخْصِيصُهُ بِالقَرْضِ وإغاثَةُ المَلْهُوفِ وصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وتَخْصِيصُ الصَّدَقَةِ - فِيما تَقَدَّمَ - بِالصَّدَقَةِ الواجِبَةِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، ولَيْسَ لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

وخَصَّ الصَّدَقَةَ والإصْلاحَ بَيْنَ النّاسِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ ما شَمِلَهُ هَذا العامُّ؛ إيذانًا بِالِاعْتِناءِ بِهِما؛ لِما في الأوَّلِ مِن بَذْلِ المالِ الَّذِي هو شَقِيقُ الرُّوحِ، وما في الثّانِي مِن إزالَةِ فَسادِ ذاتِ البَيْنِ، وهي الحالِقَةُ لِلدِّينِ كَما في الخَبَرِ.

وقَدَّمَ الصَّدَقَةَ عَلى الإصْلاحِ؛ لِما أنَّ الأمْرَ بِها أشَقُّ؛ لِما فِيهِ مِن تَكْلِيفِ بَذْلِ المَحْبُوبِ، والنَّفْسُ تَنْفِرُ عَمَّنْ يُكَلِّفُها ذَلِكَ، ولا كَذَلِكَ الأمْرُ بِالإصْلاحِ.

وذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ أنَّ السِّرَّ في إفْرادِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ أنَّ عَمَلَ الخَيْرِ المُتَعَدِّي إلى النّاسِ إمّا لِإيصالِ المَنفَعَةِ أوْ لِدَفْعِ المَضَرَّةِ، والمَنفَعَةُ إمّا جُسْمانِيَّةٌ كَإعْطاءِ المالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: (إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ) وإمّا رُوحانِيَّةٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وأمّا رَفْعُ الضُّرِّ فَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (أوْ إصْلاحٌ بَيْنَ النّاسِ) ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمُرادُ مِنَ الإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ التَّأْلِيفُ بَيْنَهم بِالمَوَدَّةِ إذا تَفاسَدُوا، مِن غَيْرِ أنْ يُجاوِزَ في ذَلِكَ حُدُودَ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.

نَعَمْ، أُبِيحَ الكَذِبُ لِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ، أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: ««لَيْسَ الكَذّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ فَيُنْمِي خَيْرًا أوْ يَقُولُ خَيْرًا»» وقالَتْ: ««لَمْ أسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِمّا يَقُولُهُ النّاسُ إلّا في ثَلاثٍ: في الحَرْبِ، والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، وحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ وحَدِيثِ المَرْأةِ زَوْجَها»».

وعَدَّ غَيْرُ واحِدٍ الإصْلاحَ مِنَ الصَّدَقَةِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أيُّوبَ، أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَهُ: ««يا أبا أيُّوبَ، ألا أدُلَّكَ عَلى صَدَقَةٍ يَرْضى اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ مَوْضِعَها؟

قالَ: بَلى، قالَ: تُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ إذا تَفاسَدُوا، وتُقَرِّبُ بَيْنَهم إذا تَباعَدُوا»».

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««أفْضَلُ الصَّدَقَةِ إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ»» وهَذا الخَبَرُ ظاهِرٌ في أنَّ الإصْلاحَ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِالمالِ.

ومِثْلُهُ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ مِن دَرَجَةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؟

قالُوا: بَلى، قالَ: إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ»» ولا يَخْفى أنَّ هَذا ونَحْوَهُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ التَّرْغِيبِ، ولَيْسَ المُرادُ ظاهِرَهُ؛ إذْ لا شَكَّ أنَّ الصِّيامَ المَفْرُوضَ والصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ والصَّدَقَةُ كَذَلِكَ أفْضَلُ مِنَ الإصْلاحِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ إصْلاحٌ يَتَرَتَّبُ عَلى عَدَمِهِ شَرٌّ عَظِيمٌ، وفَسادٌ بَيْنَ النّاسِ كَبِيرٌ.

﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أيِ: المَذْكُورَ مِنَ الصَّدَقَةِ وأخَوَيْها، والكَلامُ تَذْيِيلٌ لِلِاسْتِثْناءِ، وكانَ الظّاهِرُ: (ومَن يَأْمُرْ) بِذَلِكَ؛ لِيَكُونَ مُطابِقًا لِلْمُذَيَّلِ، إلّا أنَّهُ رَتَّبَ الوَعْدَ عَلى الفِعْلِ إثْرَ بَيانِ خَيْرِيَّةِ الآمِرِ لِما أنَّ المَقْصُودَ التَّرْغِيبُ في الفِعْلِ، وبَيانُ خَيْرِيَّةِ الآمِرِ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى خَيْرِيَّتِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عُبِّرَ عَنِ الأمْرِ بِالفِعْلِ إذْ هو يُكَنّى بِهِ عَنْ جَمِيعِ الأشْياءِ، كَما إذا قِيلَ: حَلَفْتُ عَلى زَيْدٍ وأكْرَمْتُهُ، وكَذا وكَذا، فَتَقُولُ: نِعْمَ ما فَعَلْتَ، ولَعَلَّ نُكْتَةَ العُدُولِ عَنْ (يَأْمُرْ) إلى (يَفْعَلْ) حِينَئِذٍ الإشارَةُ إلى أنَّ التَّسَبُّبَ لِفِعْلِ الغَيْرِ؛ الصَّدَقَةِ، والإصْلاحِ، والمَعْرُوفِ بَأيِّ وجْهٍ كانَ كافٍ في تَرْتِيبِ الثَّوابِ، ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى اللَّفْظِ، ويَجُوزُ جَعْلُ ذَلِكَ إشارَةً إلى الأمْرِ فَيَكُونُ مَعْنى (مَن أمَرَ) (ومَن يَفْعَلِ) الأمْرَ واحِدًا.

وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ تَذْيِيلًا لِيَحْتاجَ إلى التَّأْوِيلِ تَحْصِيلًا لِلْمُطابَقَةِ، بَلْ لَمّا ذَكَرَ الآمِرَ اسْتَطْرَدَ ذِكْرَ مُمْتَثِلِ أمْرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَمْتَثِلْ.

﴿ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ﴾ أيْ: لِأجْلِ طَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ تَعالى ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقُتَيْبَةُ، عَنِ الكِسائِيِّ، وسَهْلٌ وخَلَفٌ بِالياءِ ﴿ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ الوَصْفِ، قِيلَ: وإنَّما قَيَّدَ الفِعْلَ بِالِابْتِغاءِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ، وأنَّ مِن فَعَلَ خَيْرًا لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ غَيْرَ الحِرْمانِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا ظاهِرٌ في أنَّ الرِّياءَ مُحْبِطٌ لِثَوابِ الأعْمالِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا ما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ، والنَّوَوِيُّ.

وقالَ الغَزالِيُّ: إذا غَلَبَ الإخْلاصُ فَهو مُثابٌ وإلّا فَلا، وقِيلَ: هو مُثابٌ غَلَبَ الإخْلاصُ أمْ لا، عَلى قَدْرِ الإخْلاصِ، وفي دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ غَيْرَ المُخْلِصِ لا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ الحِرْمانِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ فِيها لِلْمُخْلِصِ أجْرًا عَظِيمًا، وهو لا يُنافِي أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ ما دُونَهُ، وكَوْنُ العَظْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أُمُورِ الدُّنْيا خِلافُ الظّاهِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ وهو ما يتناجون فيما بينهم، ويقال: في كثير من أحاديثهم، وهم وفد ثقيف أو قوم طعمة إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ يقول: إلا نجوى من أمر بصدقة أَوْ مَعْرُوفٍ يعني لقرض، كقوله فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: 6] ويقال: المعروف يعني القول بالمعروف والنهي عن المنكر أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ يعني: يذهب فيما بين اثنين ليصلح بينهما وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الذي ذكرنا ابْتِغاءَ يعني طلباً مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ يعني في الآخرة أَجْراً عَظِيماً قرأ حمزة وأبو عمرو نُؤْتِيهِ بالياء، أي يؤتيه الله تعالى.

وقرأ الباقون نُؤْتِيهِ بالنون، أي نحن نعطيه في الآخرة أجرا عظيما أي ثواباً عظيماً.

قوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ يعني يخالفه في التوحيد مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى أي من بعد ما تبين لهم التوحيد وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أي يتبع ديناً غير دين المؤمنين، ويقال: يتبع طريقاً أو مذهباً غير طريق المؤمنين.

وفي الآية دليل إن الإجماع حجة، لأن من خالف الإجماع فقد خالف سبيل المؤمنين.

وقال الضحاك: قدم نفر من قريش المدينة وأسلموا، ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين، فنزلت هذه الآية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى أي دين الإسلام وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ المسلمين نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى نكله إلى الأصنام يوم القيامة، وهم لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً، ولا ينجونهم من عذاب الله تعالى.

وقال مقاتل: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى أي نتركه وما اختار لنفسه.

وقال الكلبي: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى يعني نوله في الآخرة ما تولى في الدنيا، وهذا كما قال بعض الحكماء: من أراد أن يعلم كيف يعامل معه في الآخرة، فلينظر كيف يعامل هو في الدنيا.

وقال الكلبي: نزلت الآية في شأن طعمة، لما ظهر حاله وسرقته هرب إلى مكة وارتد، فنقب بمكة حائطاً لرجل، فسقط حجر فبقي في النقب حتى وجدوه على حاله، فأخرجوه من مكة فخرج إلى الشام، فسرق بعض أموال القافلة فرجموه وقتلوه، فنزل قوله: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى.

وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو نُوَلّهِ وَنُصْلِهِ بجزم الهاء، وقرأ الباقون بالكسر وهما لغتان.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

سُبْحَانه ورَحْمَتِهِ.

وقوله تعالى: لَهَمَّتْ

: معناه: لَجَعَلَتْهُ همَّها وشُغُلَها، حتى تنفذه وهذا يدلُّ على أنَّ الألفاظ عامَّة في غير أهْل النَّازلة، وإلاَّ فأهْلُ التعصُّب لبني أُبَيْرِقٍ قد وقَع هَمُّهم وثَبَت، ثم أخبر تعالى أنهم لا يضلُّون إلاَّ أنفسهم، وما يَضُرُّونَكَ مِنْ شيء، قُلْتُ: ثم ذكر سبحانه ما أنعم بِهِ على نبيه مِنْ إنزالِ الكتابِ، والحِكْمَةِ، وتعليمِهِ ما لم يكُنْ يعلم، قال ابنُ العربيِّ في رحلته: اعلم أنَّ علومَ القُرآنِ ثلاثةُ أقْسَامٍ: تَوْحِيدٌ، وتَذْكِيرٌ، وأَحْكَامٌ، وعلْم التذكيرِ هو معظم القُرآن، فإنه مشتملٌ علَى الوَعْد والوَعِيدِ، والخَوْف والرجاء، والقُرَبِ وما يرتبط بها، ويدْعو إليها ويكُونُ عنها، وذلك معنًى تَتَّسِعُ أبوابه، وتمتدُّ أطنابه.

انتهى، وباقِي الآيةِ وعْدٌ كريمٌ لنبيِّهِ- عليه السلام-، وتقريرٌ نعمه لدَيْه سبحانه، لا إله غيره.

لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤)

وقوله تعالى: لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ...

الآية: الضَّمِيرُ في نَجْواهُمْ: عائدٌ على النَّاس أجمع، وجاءَتْ هذه الآياتُ عامَّةَ التناولِ، وفي عمومهَا يندرجُ أصحابُ النَّازلة، وهذا من الفَصَاحة والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِي والغابر في عبارةٍ واحدةٍ، قال النوويُّ/ ورُوِّينا في كتابَيِ «الترمذيِّ» و «ابن ماجة» ، عن أمِّ حَبِيبَة «١» (رضي اللَّه عنها) ، عنِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَال: «كُلَّ كَلامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لاَ لَهُ إلاَّ أَمْراً بِمَعْرُوفٍ، أوْ نَهْياً عَنْ منكر، أو ذكرا لله تعالى» «٢» .

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ طُعْمَةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: وكُلُّهم يَهُودٌ تَناجَوْا في أمَرِّ طُعْمَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عامٌّ في نَجْوى جَمِيعِ النّاسِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى النَّجْوى: ما تَنْفَرِدُ بِهِ الجَماعَةُ أوِ الِاثْنانِ، سِرًّا كانَ أوْ ظاهِرًا.

ومَعْنى "نَجَوْتُ الشَّيْءَ" في اللُّغَةِ: خَلَّصْتُهُ وألْقَيْتُهُ، يُقالُ: نَجَوْتُ الجِلْدَ: إذا ألْقَيْتُهُ عَنِ البَعِيرِ وغَيْرِهِ.

قالَ الشّاعِرُ: فَقُلْتُ انْجُوا عَنْها نَجا الجِلْدِ إنَّهُ سَيُرْضِيكُما مِنها سَنامٌ وغارِبُهْ وَقَدْ نَجَوْتُ فُلانًا: إذا اسْتَنْكَهْتَهُ، قالَ الشّاعِرُ: نَجَوْتُ مُجالِدًا فَوَجَدَتُ مِنهُ ∗∗∗ كَرِيحِ الكَلْبِ ماتَ قَدِيمَ عَهْدٍ وَأصْلُهُ كُلُّهُ مِنَ النَّجْوَةِ، وهو ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، قالَ الشّاعِرُ، يَصِفُ سَيْلًا: فَمَن بِنَجْوَتِهِ كَمَن بِعَقْوَتِهِ ∗∗∗ والمَسَّتَكِنُّ كَمَن يَمْشِي بِقِرْواحِ والمُرادُ بِنَجْواهُمْ: ما يُدَبِّرُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: إلّا في نَجْوى مِن أمْرٍ بِصَدَقَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى: لَكِنَّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، فَفي نَجْواهم خَيْرٌ.

وأمّا قَوْلُهُ: (أمَرَ بِصَدَقَةٍ) فالمَعْنى: حَثَّ عَلَيْها.

وَأُمًّا المَعْرُوفُ، فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الفَرْضُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ أفْعالِ البِرِّ، وهو اخْتِيارُ القاضِي أبِي يَعْلى، وأبِي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مِن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إصْلاحٍ بَيْنَ الناسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرَكَ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا ﴾ اَلضَّمِيرُ في ﴿ "نَجْواهُمْ"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى الناسِ أجْمَعَ؛ وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ عامَّةَ التَناوُلِ؛ وفي عُمُومِها يَنْدَرِجُ أصْحابُ النازِلَةِ؛ وهَذا عَنِ الفَصاحَةِ والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِيَ والغابِرَ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ.

والنَجْوى: اَلْمُسارَّةُ؛ مَصْدَرٌ؛ وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ؛ كَما يُقالُ: "قَوْمٌ عَدْلٌ؛ ورِضًا"؛ وتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ الجَماعَةَ؛ وأنْ تَكُونَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ؛ فَإنْ قَدَّرْناها الجَماعَةَ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن جَماعاتِهِمُ؛ المُنْفَرِدَةِ؛ المُتَسارَّةِ؛ إلّا مَن..."؛ وإنْ قَدَّرْنا اللَفْظَةَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن تَناجِيهِمْ"؛ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ بِحُكْمِ اللَفْظِ؛ ويُقَدَّرُ اتِّصالُهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا نَجْوى مَن..."؛ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "اَلنَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ؛ كانَ ذَلِكَ سِرًّا أو جَهْرًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "اِنْفِرادُ الجَماعَةِ مِنَ الاسْتِسْرارِ؛ والغَرَضُ المَقْصُودُ أنَّ النَجْوى لَيْسَتْ بِمَقْصُورَةٍ عَلى الهَمْسِ في الأُذُنِ؛ ونَحْوِهِ".

وَ"اَلْمَعْرُوفُ": لَفْظٌ يَعُمُّ الصَدَقَةَ؛ والإصْلاحَ؛ ولَكِنْ خُصّا بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِما؛ إذْ هُما عَظِيما الغَناءِ في مَصالِحِ العِبادِ؛ ثُمَّ وعَدَ تَعالى بِالأجْرِ العَظِيمِ عَلى فِعْلِ هَذِهِ الخَيْراتِ بِنِيَّةٍ وقَصْدٍ لِرِضا اللهِ تَعالى.

و"اِبْتِغاءَ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ والكِسائِيُّ: "فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ: "يُؤْتِيهِ"؛ بِالياءِ؛ والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ نَزَلَ بِسَبَبِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ لِأنَّهُ ارْتَدَّ؛ وسارَ إلى مَكَّةَ؛ فانْدَرَجَ الإنْحاءُ عَلَيْهِ في طَيِّ هَذا العُمُومِ المُتَناوِلِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "ما تَوَلّى"؛ ﴾ وعِيدٌ بِأنْ يُتْرَكَ مَعَ فاسِدِ اخْتِيارِهِ في تَوَلِّي الطاغُوتِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُوَلِّهِ"؛ و"يُصْلِهِ"؛ بِالياءِ فِيهِما.

ثُمَّ أوجَبَ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ أنَّ يُشْرَكَ بِهِ؛ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ المُعْتَقَدِ؛ والبُعْدُ في صِفَةِ الضَلالِ مُقْتَضٍ بُعْدَ الرُجُوعِ إلى المَحَجَّةِ البَيْضاءِ؛ وتَعَذُّرَهُ؛ وإنْ بَقِيَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لم تَخْلُ الحوادث التي أشارت إليها الآي السابقة، ولا الأحوال التي حذّرت منها، من تناج وتحاوُر، سِرّا وجهراً، لتدبير الخيانات وإخفائها وتبييتها، لذلك كان المقام حقيقاً بتعقيب جميع ذلك بذكر النجوى وما تشتمل عليه، لأنّ في ذلك تعليماً وتربية وتشريعاً، إذ النجوى من أشهر الأحوال العارضة للناس في مجتمعاتهم، لا سيما في وقت ظهور المسلمين بالمدينة، فقد كان فيها المنافقون واليهود وضعفاء المؤمنين، وكان التناجي فاشياً لمقاصد مختلفة، فربما كان يثير في نفوس الرائين لتلك المناجاة شكّا، أي خوفاً، إذ كان المؤمنون في حال مناواة من المشركين وأهللِ الكتاب، فلذلك تكرّر النهي عن النجوى في القرآن نحو ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الذين نُهوا عن النجوى ﴾ [المجادلة: 8] الآيات، وقوله: ﴿ إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ﴾ [الإسراء: 47] وقوله: ﴿ وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم ﴾ [البقرة: 14]، فلذلك ذمّ الله النجوى هنا أيضاً، فقال: ﴿ لا خير في كثير من نجواهم ﴾ .

فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لإفادة حكم النجوى، والمناسبةُ قد تبيّنت.

والنجوى مصدر، هي المسَارّة في الحديث، وهي مشتقّة من النجو، وهو المكان المستتر الذي المفضِي إليه ينجو من طالبه، ويطلق النجوى على المناجين، وفي القرآن ﴿ إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ﴾ ، وهو وصف بالمصدر والآية تحتمل المعنيين.

والضمير الذي أضيف إليه ﴿ نجوى ﴾ ضمير جماعة الناس كلّهم، نظير قوله تعالى: ﴿ ألا إنّهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ﴾ إلى قوله: ﴿ وما يُعلنون ﴾ في سورة هود (5)، وليس عائداً إلى ما عادت إليه الضمائر التي قبله في قوله: ﴿ يستخفون من الناس ﴾ [النساء: 108] إلى هنا؛ لأنّ المقام مانع من عوده إلى تلك الجماعة إذ لم تكن نجواهم إلاّ فيما يختصّ بقضيتهم، فلا عموم لها يستقيم معه الاستثناء في قوله: ﴿ إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ﴾ .

وعلى هذا فالمقصود من الآية تربية اجتماعية دعت إليها المناسبة، فإنّ شأن المحادثات والمحاورات أن تكون جهرة، لأنّ الصراحة من أفضل الأخلاق لدلالتها على ثقة المتكلّم برأيه، وعلى شجاعته في إظهار ما يريد إظهاره من تفكيره، فلا يصير إلى المناجاة إلاّ في أحوال شاذّة يناسبها إخفاء الحديث.

فمَن يناجي في غير تلك الأحوال رُمي بأنّ شأنه ذميم، وحديثه فيما يستحيي من إظهاره، كما قال صالح بن عبد القدوس: الستر دون الفاحشات ولا *** يَغشاك دون الخير مِنْ ستْرِ وقد نهى الله المسلمين عن النجوى غير مرّة، لأنّ التناجي كان من شأن المنافقين فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين نُهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهو عنه ﴾ [المجادلة: 8] وقال: ﴿ إنّما النجوى من الشيطان ليُحزن الذين آمنوا ﴾ [المجادلة: 10].

وقد ظهر من نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتناجى اثنان دون ثالث أنّ النجوى تبعث الريبة في مقاصد المتناجين، فعلمنا من ذلك أنّها لا تغلب إلاّ على أهل الريَب والشبهات، بحيث لا تصير دأباً إلاّ لأولئك، فمن أجل ذلك نفى الله الخير عن أكثر النجوى.

ومعنى ﴿ لا خير ﴾ أنّه شرّ، بناء على المتعارف في نفي الشيء أن يراد به إثبات نقيضه، لعدم الاعتداد بالواسطة، كقوله تعالى: ﴿ فماذا بعد الحقّ إلاّ الضلال ﴾ [يونس: 32]، ولأنّ مقام التشريع إنّما هو بيان الخير والشرّ.

وقد نفى الخير عن كثير من نجواهم أو مُتناجيِهم، فعلم من مفهوم الصفة أنّ قليلاً من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلاّ من أمر بصدقة ﴾ على تقدير مضاف، أي: إلاّ نجوى من أمر، أو بدون تقدير إن كانت النجوى بمعنى المتناجين، وهو مستثنى من ﴿ كثير ﴾ ، فحصل من مفهوم الصفة ومفهوم الاستثناء قسمان من النجوى يثبت لهما الخير، ومع ذلك فهما قليل من نجواهم.

أمّا القسم الذي أخرجَته الصفة، فهو مجمل يصدق في الخارج على كلّ نجوى تصدر منهم فيها نفع، وليس فيها ضرر، كالتناجي في تشاور فيمن يصلح لمخالطة، أو نكاح أو نحو ذلك.

وأمّا القسم الذي أخرجه الاستثناء فهو مبيّن في ثلاثة أمور: الصدقة، والمعروف، والإصلاح بين الناس.

وهذه الثلاثة لو لم تذكر لدخلت في القليل من نجواهم الثابت له الخير، فلمّا ذكرت بطريق الاستثناء علمنا أنّ نظم الكلام جرى على أسلوب بديع فأخرج ما فيه الخير من نجواهم ابتداء بمفهوم الصفة، ثم أريد الاهتمام ببعض هذا القليل من نجواهم، فأخرج من كثير نجواهم بطريق الاستثناء، فبَقي ما عدا ذلك من نجواهم، وهو الكثير، موصوفاً بأن لا خير فيه وبذلك يتّضح أنّ الاستثناء متّصل، وأنْ لا داعي إلى جعله منقطعاً.

والمقصد من ذلك كلّه الاهتمام والتنويه بشأن هذه الثلاثة، ولو تناجى فيها مَن غالب أمره قصد الشرّ.

وقوله: ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ إلخ وعد بالثواب على فعل المذكورات إذا كان لابتغاء مرضاة الله.

فدلّ على أنّ كونها خيراً وصف ثابت لها لما فيها من المنافع، ولأنّها مأمور بها في الشرع، إلاّ أنّ الثواب لا يحصل إلاّ عن فعلها ابتغاء مرضاة الله كما في حديث: «إنما الأعمال بالنيات».

وقرأ الجمهور: (نُؤتيه) بنون العظمة على الالتفات من الغيبة في قوله: ﴿ مرضاة الله ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الكِتابَ حَقٌّ.

والثّانِي: أنَّ فِيهِ ذِكْرَ الحَقِّ.

والثّالِثُ: أنَّكَ بِهِ أحَقُّ.

﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِما أعْلَمَكَ اللَّهُ أنَّهُ حَقٌّ.

والثّانِي: بِما يُؤَدِّيكَ اجْتِهادُكَ إلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ.

﴿ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ أيْ مُخاصِمًا عَنْهم، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها فِيهِ، فَقالَ السُّدِّيُّ: كانَ قَدْ أُودِعَ دِرْعًا وطَعامًا فَجَحَدَهُ ولَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِالدَّفْعِ عَنْهُ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ.

وَقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ كانَ سَرَقَ دِرْعًا وطَعامًا فَأنْكَرَهُ واتَّهَمَ غَيْرَهُ وألْقاهُ في مَنزِلِهِ، وأعانَهُ قَوْمٌ مِنَ الأنْصارِ، وخاصَمَ النَّبِيُّ  عَنْهُ أوْ هَمَّ بِذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا ﴾ يَعْنِي الَّذِي اتَّهَمَهُ السّارِقُ وألْقى عَلَيْهِ السَّرِقَةَ.

وَقِيلَ: إنَّهُ كانَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ السَّمِقِ.

وَقِيلَ: بَلْ كانَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ سَهْلٍ.

وَقِيلَ: طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ فارْتَدَّ فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ.

وَلَحِقَ بِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ﴾ الآيَةَ [النِّساءِ: ١١٥].

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد أسلم في قوله: ﴿ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ﴾ من جاءك يناجيك في هذا فاقبل مناجاته، ومن جاء يناجيك في غير هذا فاقطع أنت عنه ذاك لا تناجيه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ﴿ إلا من أمر بصدقة أو معروف ﴾ قال: المعروف القرض.

وأخرج الترمذي وابن ماجه وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي الدنيا في الصمت وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد بن حنيش قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده ومعنا سعيد بن حسان المخزومي فقال له سفيان: أعد عليَّ الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح.

قال: حدثتني أم صالح بنت صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر، أو ذكر الله عز وجل» فقال محمد بن يزيد: ما أشد هذا الحديث!

فقال سفيان: وما شدة هذا الحديث؟

إنما جاءت به امرأة عن امرأة، هذا في كتاب الله الذي أرسل به نبيكم صلى الله عليه وسلم، أما سمعت الله يقول ﴿ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ﴾ فهذا هو بعينه، أو ما سمعت الله يقول ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً ﴾ [ النبأ: 38] فهو هذا بعينه، أو ما سمعت الله يقول ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ العصر: السورة كلها فهو هذا بعينه.

وأخرج مسلم والبيهقي عن ابن شريح الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» .

وأخرج البخاري والبيهقي عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة» .

وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي عن سهل بن سعد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان: الفم والفرج» .

وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله مرني بأمر أعتصم به في الإسلام؟

قال: «قل آمنت بالله ثم استقم.

قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟

قال: هذا، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرف لسان نفسه» .

وأخرج البيهقي «عن أبي عمرو والشيباني قال: حدثني صاحب هذه الدار- يعني عبد الله بن مسعود- قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟

قال: الصلاة على ميقاتها.

قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟

قال: بر الوالدين.

قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟

قال: أن يسلم الناس من لسانك.

قال: ثم سكت، ولو استزدته لزادني» .

وأخرج الترمذي والبيهقي عن عقبة بن عامر قال: قلت يا نبي الله ما النجاة؟

قال: «أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» .

وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي الدينا في الصمت والبيهقي عن أسود بن أبي أصرم المحاربي قال: قلت يا رسول الله أوصني.

قال: «هل تملك لسانك؟

قلت: فما أملك إذا لم أملك لساني.

قال: فهل تملك يدك؟

قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي!

قال: فلا تقل بلسانك إلا معروفاً ولا تبسط يدك إلا إلى خير» .

وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار: «رحم الله امرأً تكلم فغنم أو سكت فسلم» .

وأخرج البيهقي عن الحسن قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله عبداً تكلم فغنم أو سكت فسلم» .

وأخرج البيهقي عن ابن مسعود.

أنه أتى على الصفا فقال: يا لسان قل خيراً تغنم أو اصمت تسلم من قبل أن تندم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن هذا شيء تقوله أو سمعته؟

قال: لا، بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه» .

وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي عن سعيد بن جبير قال: رأيت ابن عباس آخذاً بثمرة لسانه وهو يقول: يا لساناه قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم قبل أن تندم.

فقال له رجل: ما لي أراك آخذاً بثمرة لسانك تقول كذا وكذا؟!

قال: إنه بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو عن شيء أحنق منه على لسانه.

وأخرج أبو يعلى والبيهقي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يسلم فليلزم الصمت» .

وأخرج البيهقي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي أبا ذر فقال ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟

قال: بلى يا رسول الله.

قال: «عليك بحسن الخلق وطول الصمت، والذي نفس محمد بيده ما عمل الخلائق بمثلهما» .

وأخرج البيهقي «عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله أوصني.

قال: أوصيك بتقوى الله، فإنه أزين لأمرك كله.

قلت: زدني...

قال: عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض.

قلت: زدني...

قال: عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك.

قلت: زدني...

قال: إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه.

قلت: زدني...

قال: قل الحق ولو كان مرًّا.

قلت: زدني...

قال: لا تخف في الله لومة لائم.

قلت: زدني...

قال: ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك» .

وأخرج البيهقي عن ركب المصري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله» .

وأخرج الترمذي والبيقهي عن أبي سعيد الخدري رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أصبح ابن آدم فإن كل شيء من الجسد يكفر اللسان يقول: ننشدك الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت أعوججنا» .

وأخرج أحمد في الزهد والنسائي والبيهقي عن زيد بن أسلم عن أبيه.

أن عمر بن الخطاب اطلع على أبي بكر وهو يمد لسانه قال: ما تصنع يا خليفة رسول الله؟

قال: إن هذا الذي أوردني الموارد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس شيء من الجسد إلا يشكو ذرب اللسان على حدته» .

وأخرج البيهقي عن أبي جحيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الأعمال أحب إلى الله؟

قال: فسكتوا، فلم يجبه أحد.

قال: هو حفظ اللسان» .

وأخرج البيهقي عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مقام الرجل بالصمت أفضل من عبادة ستين سنة» .

وأخرج البيهقي عن معاذ بن جبل قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأصاب الناس ريح فتقطعوا، فضربت ببصري فإذا أنا أقرب الناس من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لأغتنمن خلوته اليوم، فدنوت منه فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يقربني- أو قال- يدخلني الجنة، ويباعدني من النار؟

قال: «لقد سألت عن عظيم، وأنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وإن شئت أنبأتك بأبواب الخير» .

قلت: أجل يا رسول الله.

قال: «الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام العبد في جوف الليل يبتغي به وجه الله، ثم قرأ الآية ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ [ ألم السجدة: 16] ثم قال: إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه» .

قلت أجل يا رسول الله.

قال: «أما رأس الأمر فالإسلام، وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد، وإن شئت أنبأتك بأملك الناس من ذلك كله» .

قلت: ما هو يا رسول الله؟

«فأشار بإصبعه إلى فيك.

فقلت: وإنا لَنُؤَاخَذَ بكل ما نتكلم به؟!

فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يُكِبُّ الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم، وهل تتكلم إلا ما عليك أو لك؟!» .

وأخرج البيهقي عن عطاء بن أبي رباح قال: إن من قبلكم كانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو أن تنطق في معيشتك التي لا بد لك منها، أتذكرون أن عليكم حافظين ﴿ كراماً كاتبين ﴾ [ الانفطار: 11] ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ [ ق: 18] أما يستحي أحدكم لو نشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره وليس فيها شيء من أمر آخرته.

وأخرج ابن سعد عن أنس بن مالك قال: لا يتقي الله عبد حتى يخزن من لسانه.

وأخرج أحمد عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه» .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي الدرداء قال: ما في المؤمن بضعة أحب إلى الله من لسانه، به يدخله الجنة، وما في الكافر بضعة أبغض إلى الله من لسانه، به يدخله النار.

وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تنطق فيما لا يعنيك، وأخزن لسانك كما تخزن درهمك.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سلمان الفارسي قال: أكثر الناس ذنوباً أكثرهم كلاماً في معصية الله.

وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال: أكثر الناس خطايا أكثرهم خوضاً في الباطل.

وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال: والذي لا إله غيره ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان.

وأخرج ابن عدي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: الرجل يرضي امرأته، وفي الحرب، وفي صلح بين الناس» .

وأخرج البيهقي عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الكذب لا يصلح إلا في ثلاث: الحرب فإنها خدعة، والرجل يرضي امرأته، والرجل يصلح بين اثنين» .

وأخرج البيهقي عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: الرجل يكذب لامرأته لترضى عنه، أو إصلاح بين الناس، أو يكذب في الحرب» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عمل ابن آدم شيء أفضل من الصدقة، وصلاح ذات البين، وخلق حسن» .

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة صلاح ذات البين» .

وأخرج البيهقي عن أبي أيوب قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا أيوب ألا أخبرك بما يعظم الله به الأجر ويمحو به الذنوب؟

تمشي في إصلاح الناس إذا تباغضوا وتفاسدوا، فإنها صدقة يحب الله موضعها» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي عن أم كلثوم بنت عقبة «أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً، وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها» .

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والبيهقي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجات الصيام والصلاة والصدقة؟

قالوا: بلى.

قال: إصلاح ذات البين.

قال: وفساد ذات البين هي الحالقة» .

وأخرج البيهقي عن أبي أيوب «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يرضى الله ورسوله موضعها؟

قال: بلى.

قال: أن تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا» .

وأخرج البزار عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أيوب: ألا أدلك على تجارة؟

قال: بلى.

قال: تسعى في صلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت قال: كنت جالساً مع محمد بن كعب القرظي، فأتاه رجل فقال له القوم: أين كنت؟

فقال: أصلحت بين القوم، فقال محمد بن كعب: أصبت لك مثل أجر المجاهدين، ثم قرأ ﴿ لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ تصدق أو اقرض أو اصلح بين الناس.

وأخرج أبو نصر السجري في الإبانة عن أنس قال: «جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله أنزل عليّ في القرآن يا أعرابي ﴿ لا خير في كثير من نجواهم ﴾ إلى قوله: ﴿ فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ يا أعرابي الأجر العظيم: الجنة.

قال الأعرابي: الحمد لله الذي هدانا للإسلام» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾ الآية.

النجوى في اللغة سر بين اثنين (١) قال الفراء: يقال: ناجيت الرجل مناجاةً ونجاءً، والقوم ينتجون ويتناجون، ويقال: نجوت الرجل نجوًا نجوًا، بمعنى ناجيته، وأنشد: فقال فريق القوم لا إذ نجوتُهم ...

وقال فريق أيمن الله ما ندري (٢) ومن هذا قول الله تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ  ﴾ أي سرهم.

وقد يكون النجوى مصدرًا بمنزلة المناجاة (٣) ﴿ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى  ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ ذكر النحويون في محل ﴿ مَنْ ﴾ وجوها، تلك الوجوه مبنية على معنى النجوى في هذه الآية، فإن جعلنا معنى النجوى ههنا السر فيجوز أن تكون ﴿ مَنْ ﴾ في موضع النصب، لأنه استثناء الشيء من خلافه، فيكون نصبًا كقوله: إلا أواري (٥) ويجوز أن يكون رفعًا في لغة من يرفع المستثنى من غير الجنس (٦) إلا اليعافيرُ وإلا العيسُ (٧) وأبو عبيدة جعل هذا من باب حذف المضاف، فقال: التقدير: إلا في نجوى من أمر بصدقة، ثم حذف المضاف (٨) وعلى هذا التقدير يكون من في محل النجوى، لأنه أقيم مقامه، ويجوز فيه وجهان: أحدهما: أن الخفض بدلًا من نجواهم، كما تقول: ما مررت بأحد إلا زيد، والثاني: النصب على الاستثناء، كما تقول: ما جاءني أحدًا (٩) (١٠) وإن جعلت النجوى اسمًا للقوم المنتجين كان منصوبًا على الاستثناء، لأنه استثناء الجنس من الجنس.

ويجوز أن يكون في محل الخفض من وجهين: أحدهما: أن تجعله تبعًا لكثير، على معنى: لا خير في كثير من نجواهم إلا فيمن أمر بصدقة، كقولك: لا خير في القوم إلا نفر منهم.

والثاني: أن تجعله تبعًا للنجوى، كما تقول: لا خير في جماعة من القوم إلا زيدًا، إن شئت أتبعت زيدًا لجماعة، وإن شئت أتبعته القوم.

وهذا الذي ذكرنا معنى قول الفراء (١١) (١٢) (١٣) فأما التفسير: فقال ابن عباس فيما روى عنه أبو صالح: المراد بالنجوى: نجوى قوم طعمة (١٤) قال مقاتل: تناجوا في شأن طعمة، فأنزل الله هذه الآية (١٥) ومعنى الآية: أن الله تعالى لم يجعل فيما يتسارون بينهم خيرًا إلا فيما استثنى من الأمر بالصدقة والحث عليها (١٦) ﴿ أَوْ مَعْرُوفٍ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد صلة رحم وبطاعة الله (١٧) (١٨) ونحو ذلك قال مقاتل، يعني بالمعروف القرض (١٩) ويقال لأعمال البر كلها معروف؛ لأن العقول تعرفها، وأهل الصلاح والدين يعرفونها لملاِبستهم لها، وعملهم بها (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ هذا مما حث عليه رسول الله  فقال لأبي أيوب الأنصاري (٢١) (٢٢) قال مجاهد: "هذه الآية عامة للناس" (٢٣) يدل على هذا ما روت أم حبيبة (٢٤)  قال: "كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو ذكر الله" (٢٥) وروي أن رجلاً قال لسفيان: ما أشد هذا الحديث؟

فقال سفيان: ألم تسمع الله يقول: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾ فهو هذا بعينه؟

أو ما سمعت الله يقول: ﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ  ﴾ فهو هذا بعينه (٢٦) ثم أعلم الله أن ذلك إنما ينفع من ابتغى به ما عند الله فقال: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ ﴾ ؛ لئلا يُتوهم أن من يفعله للناس (......

(٢٧) قال الزجاج: ونصب ﴿ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ .

قال: وهو راجع إلى تأويل المصدر [كأنه قال: ومن يبتغ ابتغاء مرضات الله] (٢٨) (١) قال الجوهري: "النجو: السر بين اثنين، يقال: نجوته نجوًا، إذا ساررته، وكذلك: ناجيته" "الصحاح" 6/ 2503 (نجا)، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 104.

(٢) هذا المستفاد من الفراء لم أجده في "معاني القرآن" عند تفسيره هذه الآية فقد يكون في كتابه المفقود: "المصادر".

والبيت لنصيب بن رباح وهو من شواهد سيبويه في الكتاب 3/ 503، 4/ 148، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 106، 115، و"الإنصاف" ص 344.

وفي أكثرها "لما نشدتهم" بدل: "إذ نجوتهم" وفي جميعها: "ليمن" بدل: "أيمن".

(٣) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3509 (نجو).

(٤) انظر: الطبري 5/ 276، و"الصحاح" 6/ 2503 (نجا).

(٥) من بيت للنابغة الذبياني يقول فيه: "وقفت فيها أصيلًا لا أسائلها ...

عيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا الأواريَّ لأيًا ما أبينها ...

والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد" "الكتاب" 2/ 321، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 288، والطبري 5/ 276 - 277، و"أشعار الستة الجاهلين" 1/ 188.

والأواري جمع: آري، وهو محبس الدابة ومعلفها.

(٦) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 288، والطبري 5/ 277، و"معاني الزجاج" 2/ 106.

(٧) عجز بيت لجران العود النميري، وصدره: "وبلدة ليس بها أنيس".

"الكتاب" 2/ 322، و "معاني الفراء" 1/ 288، والطبري 5/ 277.

واليعافير: جمع يعفور وهو ولد الظبية، والعيس: بقر الوحش.

(٨) لعل المقصود أن هذا رأي الزجاج، حيث وجدت نحوه في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 106، ولم أجد "مجاز القرآن" لأبي عبيدة شيئًا من ذلك.

(٩) هكذا في المخطوط بالنصب، والظاهر أنه بالرفع على الفاعلية.

(١٠) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 452.

(١١) في "معاني القرآن" 1/ 288.

(١٢) في "معاني القرآن" 2/ 106.

(١٣) انظر: الطبري 9/ 202، 203، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 452، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 208، و"الدر المصون" 4/ 89.

(١٤) "الكشف والبيان" 4/ 119 ب، و"زاد المسير" 2/ 198، و"تنوير المقباس" ص 97.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 406، و"زاد المسير" 2/ 198.

(١٦) "الكشف والبيان" 4/ 119 ب، وانظر: "زاد المسير" 2/ 199.

(١٧) لم أقف عليه.

(١٨) "الكشف والبيان" 4/ 119 ب، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.

(١٩) انظر: "زاد المسير" 2/ 200، و"الدر المنثور" 2/ 388، وقد عزاه السيوطي إلى كل من ابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٢٠) انظر: البغوي 2/ 286، و"زاد المسير" 2/ 200.

(٢١) هو الصحابي الجليل خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، وقد اشتهر بكنيته، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبي  عليه حين قدم المدينة مهاجرًا، وقد مات  غازيًا الروم سنة 50 هـ وقيل بعدها.

انظر: "أسد الغابة" 2/ 94 - 96، و"سير أعلام النبلاء" 2/ 402، و"الإصابة" 1/ 405 (2163)، و"التقريب" ص 188 رقم (1633).

(٢٢) ذكره الهيثمى في "مجمع الزوائد" 8/ 79، 80 بنحوه، وعزاه لكل من الطبراني والبزار، وذكر أن في كل من سنديهما متروكًا، وانظر: ابن كثير 1/ 610، و"الدر المنثور" 2/ 392.

(٢٣) انظر: البغوي 2/ 286، و"زاد المسير" 2/ 198.

(٢٤) هي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشية، تزوجها رسول الله  بعدما تنصر زوجها عبد الله بن جحش وهما في الحبشة، ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، وماتت سنة 44 هـ.

انظر: "الاستيعاب" 4/ 401، و"أسد الغابة" 7/ 115، و"الإصابة" 4/ 305.

(٢٥) أخرجه ابن ماجه (3974) كتاب: الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة، وابن مردويه.

انظر: ابن كثير 2/ 392.

(٢٦) انظر: "الوسيط" 2/ 707، و"التفسير الكبير" 11/ 42.

(٢٧) طمس في المخطوط بقدر ما بين أو أربع كلمات.

ويمكن أن يقدر: (مراءاةً لهم وتمويهًا) عليهم ...

(٢٨) طمس في (ش) بمقدار ما بين المعقوفين، والتسديد من "معاني الزجاج" 2/ 106.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ ﴾ إن كانت النجوى هنا بمعنى الكلام الخفي، فالاستثناء الذي بعدها منقطع، وقد يكون متصلاً على حذف مضاف تقديره إلاّ نجوى من أمر، وإن كانت النجوى بمعنى الجماعة فالاستثناء متصل ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرسول ﴾ أي يعاديه، والشقاق هو العداوة، ونزلت الآية بسبب ابن الأبيرق، لأنه ارتدّ وسار إلى المشركين ومات على الكفر، وهي عامة فيه وفي غيره ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين ﴾ استدل الأصوليون بها على صحة إجماع المسلمين وأنه لا يجوز مخالفته، لأن من خالفه اتبع غير سبيل المؤمنين، وفي ذلك نظر ﴿ نُوَلِّهِ مَا تولى ﴾ أي نتركه مع اختياره الفاسد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يؤتيه ﴾ بالياء: أبو عمرو وحمزة خلف وقتيبة وسهل.

الباقون بالنون.

﴿ نوله ﴾ ﴿ ونصله ﴾ مثل ﴿ يؤده  ﴾ .

﴿ يدخلون ﴾ بضم الياء وفتح الخاء وكذلك في "مريم" و "حم المؤمن": أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ويزيد وأبو بكر وحماد.

الآخرون بالعكس ﴿ إبراهام ﴾ وما بعده في هذه السورة: هشام وكذلك روى الموصلي عن الأخفش عن ابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف.

﴿ مريداً ﴾ لا لأن ما بعده صفى له.

﴿ لعنه الله ﴾ م لأنّ قوله: ﴿ وقال ﴾ غير معطوف على ﴿ لعنه ﴾ ﴿ مفروضاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ خلق الله ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ط كيلا يصير ﴿ يعدهم ﴾ وصفاً للخسران ﴿ ويمنيهم ﴾ ط ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ محيصاً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ قيلاً ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط يجز به لا للعطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ نقيراً ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: ثم أشار إلى ما كانوا يتناجون به حيث يبيتون ما لا يرضى من القول.

والنجوى سر بين اثنين وكذا النجو يقال: نجوته نجواً أي ساررته وكذلك ناجيته.

قال الفراء: قد تكون النجى اسماً ومصدراً، والآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق بعضاً إلاّ أنها في المعنى عامة.

والمراد أنه لا خير فيما يتناجى به الناس ويخوضون فيه من الحديث.

﴿ إلاّ من أمر بصدقة ﴾ وفي محل "من" وجوه مبنية على معنى النجوى.

فإن كان النجوى السر جاز أن يكون "من" في موضع النصب لأنه استنثاء الشيء من خلاف جنسه كقوله إلاّ أواريّ ومعناه لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير، أو في موضع الرفع كقوله: إلاّ اليعافير وإلاّ العيس.

أبو عبيد جعل هذا من باب حذف المضاف معناه إلاّ نجوى من أمر على أنه مجرور بدل من كثير كما تقول: لا خير في قيامهم إلاّ قيام زيد أي في قيامه، وعلى هذا يكون الاستثناء من جنسه.

وإن كان النجوى بمعنى ذوي نجوى كقوله: ﴿ وإذ هم نجوى  ﴾ كان محله أيضاً مجروراً من ﴿ كثير ﴾ أو من نجوى كما لو قلت: لا خير في جماعة من القوم إلاّ زيد إن شئت أتبعت زيداً الجماعة وإن شئت أتبعته القوم.

وإنما قال: ﴿ لا خير في كثير ﴾ مع أنه يصدق الحكم كلياً بدليل قوله  : " كلام ابن آدم كله عليه / لا له إلاّ ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر" أو ذكر الله استجلاباً للقلوب وليكون أدخل في الاعتراف به، وليخرج عنه الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

واعلم أن قول الخير إما أن يتعلق بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، والأول إن كان من الخيرات الجسمانية فهو الأمر بالصدقة، وإن كان من الخيرات الروحانية بتكميل القوة النظرية أو العملية فهو الأمر بالمعروف.

والثاني هو الإصلاح بين الناس فثبت أن الآية مشتملة على جوامع الخيرات ومكارم الأخلاق، وهذه الأوامر وإن كانت مستحسنة في الظاهر إلاّ أنها لا تقع في حيّز القبول إلاّ إذا عمل صاحبها بما أمر كيلا يكون من زمرة ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ﴾ ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون  ﴾ وإلاّ إذا طلب بها وجه الله فلهذا قال: ﴿ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ ويمكن أن يقال: إنّ معنى ﴿ ومن يفعل ﴾ الأمر والمراد ومن يأمر فعبر عن الأمر بالفعل لأنّ الأمر فعل من الأفعال.

والمراد بقوله: ﴿ من أمر ﴾ من فعل لأنّ الأمر يلزمه الفعل غالباً.

ثم قال: ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ قال الزجاج: إنّ طعمة كان قد تبيّن له بما أظهر الله من أمره ما دلّه على صحة نبوة محمد  فعادى الرسول وأظهر الخلاف وارتد على عقبيه واتبع دين عبادة الأوثان وهو غير دين الموحدين وسبيلهم.

ومعنى ﴿ نوله ما تولى ﴾ نجعله والياً لما اختاره لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه.

قال بعض الأئمة: هذا منسوخ بآية السيف ولا سيما في حق المرتد.

والظاهر أن المراد به الطبع والخذلان ﴿ ونصله جهنم ﴾ نلزمه إياها ﴿ وساءت مصيراً ﴾ هي.

وانتصب ﴿ مصيراً ﴾ على التمييز من الضمير المبهم في ساءت لأنه يعود إلى ما في الذهن لا إلى المذكور.

يحكى أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب الله دالّة على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وقف على هذه الآية.

ووجه الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لأنه  جمع بين اتباع غير سبيلهم وبين مشاقة الرسول ورتب الوعيد عليهما، واتباع غير سبيل المؤمنين يلزمه عدم اتباع سبيل المؤمنين لاستحالة الجمع بين الضدين أو النقيضين.

فعدم اتباع سبيل المؤمنين حرام فاتباع سبيلهم واجب كموالاة الرسول.

وفي الاية دلالة على وجوب عصمة النبي  وعلى وجوب الاقتداء بأقواله وأفعاله وإلاّ وجب المشاقة في بعض من الأمور وهي منهي عنها في الكل.

قيل: في الآية دلالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلاّ بالنظر والاستدلال لأنّ الهدى اسم للدليل لا للعلم إذ لا معنى لتبيين العلم لكنه رتب الوعيد على المخالفة بعد تبيين الدليل فيكون تبيين الدليل معتبراً في صحة الدين.

وأقول: الموقوف على النظر هو معرفة وجود الواجب لذاته وصحة نبوّة / النبي  والباقي يكفي في اعتقاده إخبار الصادق على أن إخبار الصادق أيضاً دليل فلا حكم إلاّ عن دليل.

ثم إنه كرّر في السورة قوله: ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للتأكيد.

وقيل: لقصة طعمة وإشراكه بالله.

﴿ ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ﴾ لأنّه لا أجلى من وجود الصانع ووحدته، والمطلوب كلما كان أجلى كان نقيضه أبعد.

ثم أوضح هذا المعنى بقوله  : ﴿ إن يدعون ﴾ أي ما يعبدون ﴿ من دونه إلاّ إناثاً ﴾ أي أوثاناً وكانوا يسمونها بأسماء الإناث كاللات والعزى، فاللات تأنيث الله، والعزى تأنيث الأعز.

قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلاّ ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ويؤيده قراءة عائشة ﴿ إلاّ أوثاناً ﴾ وقراءة ابن عباس ﴿ إلاّ أثنا ﴾ جمع وثن مثل أسد وأسد إلاّ أن الواو أبدلت همزة كأجوه.

وقيل: المراد إلاّ أمواتاً لأنّ الإخبار عن الأموات يكون كالإخبار عن الإناث.

تقول: هذه الأحجار أعجبتني كما تقول هذه المرأة أعجبتني، ولأن الأنثى أخس من الذكر والميت أخس من الحي.

وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله.

وقيل: إنّ بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون الملائكة بنات الله.

﴿ وإن يدعون ﴾ ما يعبدون بعبادة الأصنام ﴿ إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ بالغاً في العصيان مجرداً عن الطاعة.

يقال: شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والأمرد ذلك الذي لم تنبت له لحية.

قال المفسرون: كان في كل واحدة من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم.

وقالت المعتزلة: جعلت طاعتهم للشيطان عبادة له لأنّه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه.

والظاهر أنّ المراد بالشيطان ههنا هو إبليس لأنه وصف بقوله: ﴿ لعنه الله وقال لأتخذن ﴾ وهو جواب قسم محذوف أي شيطاناً جامعاً بين لعنة الله إياه وبين هذا القول الشنيع وهو الإخبار عن الاتخاذ مؤكداً بالقسم.

ويمكن أن يقال: المراد بلعنة الله ما استحق به اللعن من استكباره عن السجود كقولهم: أبيت اللعن أي لا فعلت ما تستحقه به.

ومعنى ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ حظاً مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي وأصل الفرض القطع ومنه الفريضة لأنه قاطع الأعذار ﴿ وقد فرضتم لهن فريضة  ﴾ جعلتم لهن قطعة من المال.

وفرض الجندي رزقه المقطوع المعين.

قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وذلك لما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي  قال: يقول الله  : " "يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير بيديك.

قال: أخرج بعث النار.

قال: وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" الحديث.

وههنا سؤال وهو أن حزب الشيطان وهم الذين يتبعون خطواته من الكفار والفساق لما كانوا أكثر من حزب الله / فلم أطلق عليهم لفظ النصيب مع أنه لا يتناول إلاّ القسم الأقل؟

والجواب أنّ هذا التفاوت إنما يحصل من نوع البشر، أما إذا ضمّ الملائكة إليهم فالغلبة للمحقين لا محالة.

وأيضاً الغلبة لأهل الحق وإن قلّوا، وغيرهم كالعدم وإن كثروا ﴿ ولأضلنهم ﴾ يعني عن الحق قالت المعتزلة: فيه دلالة على أصلين من أصولنا: الأول أنّ المضل هو الشيطان دون الله، والثاني أنّ الإضلال ليس عبارة عن خلق الكفر والضلال فإنّ الشيطان بالاتفاق لا يقدر على ذلك.

وأجيب بأنّ هذا كلام إبليس فلا يكون حجة على أنّ كلامه في هذه المسألة مضطرب جداً فتارة يميل إلى القدر المحض وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ﴿ لأغوينهم  ﴾ وأخرى إلى الجبر المحض كقوله: ﴿ رب بما أغويتني  ﴾ ﴿ ولأمنينهم ﴾ الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال واقتحام الأهوال وانتظام الأحوال فلا يكاد يقدم على التوبة والإقبال على تهيئة زاد الآخرة حتى يصير قلبه كالحجارة أو اشد قسوة.

﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ البتك القطع، وسيف باتك أي صارم، والتبتيك التقطيع شدّد للكثرة.

وجمهور المفسرين على أنّ المراد به ههنا قطع آذان البحائر كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن إذا جاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ويسمونها بحيرة.

وقال بعضهم: كانوا يقطعون آذان الأنعام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق.

قوله: ﴿ فليبتكن ﴾ صيغة غابر للغائبين واللام لجواب قسم آخر أي فوالله ليبتكن وأصله ليبتكون، فلما دخلت النون الثقيلة سقطت نون الرفع ولتوالي الأمثال وواو الجمع لالتقاء الساكنين واكتفى بالضمة، والفاء للتسبيب والإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها والجملة كالتفسير لقوله: ﴿ ولآمرنهم ﴾ ومثله في الإعراب قوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ والمراد من التغيير إما المعنوي وإما الحسي.

فمن الأول قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن الضحاك ومجاهد والنخعي وقتادة والسدي أنه تغيير دين الله بتبديل الحرام حلالاً وبالعكس، أو بإبطال الاستعداد الفطري ﴿ فطرت الله التي فطر الناس عليها  ﴾ " كل مولود يولد على الفطرة " ومن الثاني قول الحسن المراد ما روى ابن مسعود عن النبي  : " لعن الله الواشمات والواشرات والمتنمصات " وذلك أنّ المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا.

أما وشم اليد فهو أن / يغرزها بالإبرة ثم يذر عليها النيل.

والوشر تحديد الأسنان، والتنميص نتف شعر الحاجب وغيره.

وقال أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبو صالح: تغيير خلق الله هو الخصاء وقطع الآذان وفقء العيون.

وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً أعور وأعين فحلها.

وخصاء البهائم مباح عند عامة العلماء وأما في بني آدم فمحظور.

وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم لأنّ الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم.

وقال ابن زيد: هو التخنث تشبه الذكر بالأنثى.

وعلى هذا فالسحق أيضاً داخل في الآية لأنّه تشبه الأنثى بالذكر.

وحكى الزجاج عن بعضهم أن الله  خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب، وخلق الشمس والقمر مسخرين للناس ينتفعون بهما فعبدوهما فغيروا خلق الله.

واعلم أن دخول الضرر في الإنسان إنما يكون على ثلاثة أوجه: التشويش والنقصان والبطلان، فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في ضرر الدين وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ثم فصل ذلك بقوله: ﴿ ولأمنينهم ﴾ وهو الضرر من جنس التشويش لأن صاحب الأماني يتشوّش فكره في استخراج الحيل الدقيقة والوسائل اللطيفة في تحصيل مطالبة الشهوية والغضبية والشيطانية.

وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ إشارة إلى الضرر بالنقصان لأنّ الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف العزم في طلب الآخرة.

وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ إشارة إلى البطلان لأن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الباقية فلا يزال يتزايد ميله وركونه إلى الدنيا حتى يتغير قلبه بالكلية ولا يخطر بباله ذكر الآخرة.

﴿ ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله ﴾ بأن فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به ﴿ فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ إذ فاته أشرف المطالب بسبب الاشتغال بأخسها.

والسبب فيه أنّ الشيطان يعدهم ويمنيهم فيقول للشخص إنه سيطول عمره وينال من الدنيا مقصوده ويستولي على أعدائه ويوقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت لي كما تيسرت لغيري ﴿ وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً ﴾ لأنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ونال مأموله على أحسن الوجوه فلا بد أن يكون عند الموت في أشد حسرة وأبلغ حيرة لأنّ المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الإلف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته آلم وأنكى.

وأيضاً لعل الشيطان يعدهم أنه لا قيامة ولا حساب ولا جزاء ولا عقاب فاجتهدوا في استيفاء اللذات العاجلة واغتنموا فرصة الحياة الزائلة فلذلك قيل: ﴿ أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصاً ﴾ مفراً ومعدلاً وله معنيان: أحدهما لا بدّ لهم من ورودها، الثاني التخليد بمعنى الدوام للكفار أو طول المكث للفساق.

/ ثم أردف الوعيد بالوعد على سنته المعهودة فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ﴾ قال أهل السنة: لو كان الخلود الدوام لزم التكرار فإذن هو طول المكث المطلق.

وقوله: ﴿ أبداً ﴾ مفيد للتأبيد.

﴿ وعد الله حقاً ﴾ مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره لأن قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعد منه تعالى ومضمونه هو مضمون وعد الله، وأما ﴿ حقاً ﴾ فمضمونه أخص من مضمون الوعد لأن الوعد من حيث هو وعد يحتمل أن يكون حقاً وأن لا يكون فمضموناهما متغايران تغاير الجنس والنوع ﴿ ومن أصدق من الله قيلاً ﴾ توكيد ثالث بليغ من قبل الاستفهام المتضمن للإنكار.

وفائدة هذه التوكيدات معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وإلقاء أمانية الفارغة والتنبيه على أن قول أصدق القائلين أولى بالقبول من قول من لا أحد أكذب منه.

والقيل: مصدر قال قولاً.

وعن ابن السكيت أن القيل والقال اسمان لا مصدران.

عن أبي صالح قال: جلس أهل الكتب أهل التوراة والإنجيل وأهل القرآن كل صنف يقول لصاحبه نحن خير منكم فنزلت: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ وقال مسروق وقتادة: احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم؛ نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم.

وقال المسلمون: نحن أهدى منكم وأولى بالله؛ نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب التى قبله فنزلت.

ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناواهم من أهل الأديان بقوله: ﴿ ومن يعمل من الصالحات ﴾ وبقوله: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ الآيتان.

وقيل: الخطاب في: ﴿ أمانيكم ﴾ لعبدة الأوثان, وأمانيهم أن لا يكون حشر ولا نشر ولا معاد ولا عقاب وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله.

وقيل: الخطاب للمسلمين وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر، وأما أماني أهل الكتاب فقولهم: ﴿ لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ﴿ لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة  ﴾ واسم "ليس" مضمر فقيل: أي ليس وضع الدين على أمانيكم.

وقيل: ليس الثواب الذي تقدم الوعد به في قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعن الحسن ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب أي أثر فيه وصدقه العمل، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل.

ويؤيد هذا المعنى قوله بياناً للمذكور: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ﴾ فمن هنا استدلت المعتزلة بالآية على القطع بوعيد الفساق ونفي الشفاعة، وأجيب بأنه مخصوص بالكفار لأنهم مخاطبون بالفروع عندنا.

سلمنا أنه يعم المؤمن والكافر إلاّ أنه مخصوص في حق / المؤمن بقوله: ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون جزاؤهم الآلام والأسقام والهموم والغموم الدنيوية؟

روي أنه لما نزلت الآية قال أبو بكر: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟

فقال  : " غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألست تمرض أليس يصيبك اللأواء؟

فهو ما تجزون" .

عن عائشة أن رجلاً قرأ هذه الآية فقال: أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا.

فبلغ النبي  كلامه فقال: "يجزي المؤمن في الدنيا بمصيبة في جسده وبما يؤذيه" .وعن أبي هريرة لما نزلت الآية بكينا وحزنا وقلنا: "يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئاً، فقال  : أبشروا فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلاّ جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه" ، سلمنا أن الجزاء إنما يصل إليه في الأخرة لكنه روي عن ابن عباس "أنه لما نزلت الآية شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءاً فكيف الجزاء؟

فقال  : إنه  وعد على الطاعة عشر حسنات، وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة، فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره" .

وأيضاً المؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات فوجب القطع بأنه يدخل الجنة.

قالوا: إن صاحب الكبيرة غير مؤمن، وأجيب بنحو قوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ أما حديث نفي الشفاعة فإذا كانت شفاعة الملائكة والأنبياء بإذن الله صدق أنه لا ولي لأحد ولا نصيراً إلاّ الله.

قال في الكشاف: "من" في قوله: ﴿ من الصالحات ﴾ للتبعيض أراد ومن يعمل بعض الصالحات لان كلاّ لا يتمكن من كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو في وسعه، وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة ولا صلاة في بعض الأحوال.

ومن في قوله: ﴿ من ذكر ﴾ لتبيين الإبهام في: ﴿ من يعمل ﴾ والضمير في: ﴿ لا يظلمون ﴾ عائد إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً، أو يعود إلى الصالحين فقط.

وذكره عند أحد الفريقين يغني عن ذكره عند الآخر والمسيء مستغن عن هذا القيد، فمن المعلوم أن أرحم الراحمين لا يزيد في عقابه وأما نقصان الفضل في الثواب كان محتملاً فأزيل ذلك الوهم، ثم بين فضل الإيمان المشروط به الفوز بالجنة فقال: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ وبيان الفضل من وجهين: الأول أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والانقياد لله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أسلم وجهه لله ﴾ وهو راجع إلى الاعتقاد الحق وعلى إظهار كمال الطاعة وحسن العمل والإخلاص وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وهو محسن ﴾ وهو عائد إلى فعل الخيرات وترك المنكرات بصفاء النيات وخلوص الطويات.

وفيه تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلاّ / عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق، وإظهار التبري من الحول والقوة، ومن الاستعانة بغير المعبود الحق من الأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها كائناً من كان الوجه الثاني أن محمداً  إنما دعا الخلق إلى ما يشبه دين أبيه إبراهيم  ، ومن المشهور فيما بين أهل الأديان أنه ما كان يدعو إلى عباده فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة، بل كان مائلاً عن الملل الباطلة بعيداً عنها بعد المركز عن جميع أجزاء الدائرة ولهذا شرف بقوله: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ وهذه جملة معترضة والسبب في إيرادها أن يعلم أن من كان في علو الدرجة بهذه الحيثية كان جديراً بأن تتبع طريقته.

قال العلماء: إن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره وقد دخل حبه في خلال قلبه، ولما أطلع الله  إبراهيم  على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة أخرى إلى توحيد الله ومنعهم عن عبادة النجوم والقمر والشمس وعن عبادة الأوثان، ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ثم جعله الله إماماً للناس ورسولاً إليهم وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته إلى يوم الدين كان خليلاً لله، لأن خلته عبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع.

وقيل: الخليل، هو الذي يوافقك في خلالك وقد قال  : " "تخلقوا بأخلاق الله" فلما بلغ إبراهيم  في مكارم الأخلاق مبلغاً لم يبلغه من تقدمه فلا جرم استحق اسم الخليل.

وقيل: الخليل الذي يسايرك في طريقك من الخل وهو الطريق في الرمل، فلما كان إبراهيم منقاداً لكل ما أمر به مجتنباً عن كل ما نهى عنه فكأنه ساير ووافق أوامر الله  ونواهيه فاستحق اسم الخليل لذلك.

هذا من جهة الاشتقاق, وأما من قبل أسباب النزول فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله  : "يا جبريل بم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟

قال: لإطعامه الطعام يا محمد" .

وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي: "دخل إبراهيم فجأة فرأى ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، فقال إبراهيم  : بإذن من دخلت؟

فقال: بإذن رب المنزل.

فعرفه إبراهيم  .

فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من عباده خليلاً.

قال إبراهيم: ومن ذلك؟

قال: وما تصنع به؟

قال: أكون خادماً له حتى أموت.

قال: فإنه أنت" .

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "أصاب الناس سنة جهدوا فيها فحشدوا إلى باب إبراهيم: يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له، فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله بمصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له ولكنه يريد للأضياف وقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم فمروا ببطحاء فقالوا: لو أنا احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة إنا لنستحي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة، فملؤا تلك الغرائر.

ثم إنهم أتوا إبراهيم وسارة نائمة فأعلموه ذلك فاهتم إبراهيم لمكان الناس فغلبته عيناه فنام واستيقظت / سارة فقامت إلى تلك الغرائر ففتحتها فإذا هي أجود حوّاري تكون فأمرت الخابزين فخبزوا وأطعموا الناس واستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام فقال: يا سارة من أين هذا الطعام؟

فقالت: من عند خليلك المصري.

فقال: هذا من عند خليلي الله فيومئذٍ اتخذه الله خليلاً" .

وقال شهر بن حوشب: "هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شج.

فقال إبراهيم: اذكره مرة أخرى فقال: لا أذكره مجاناً.

فقال: لك مالي كله.

فذكره الملك بصوت أشجى من الأول.

فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي.

فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك وإنما كان المقصود امتحانك" .

فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

وروى طاوس عن ابن عباس "أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلاً سميناً وقربه إليهم وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبريل: أنت خليل الله" .

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : " اتخذ الله إبراهيم خليلاً وموسى نجياً واتخذني حبيباً.

ثم قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي " قلت: ذكرت الفرق بين الخليل والحبيب في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ إذ قال له ربه أسلم  ﴾ فتذكر، قال في التفسير الكبير: إذا استنار جوهر الروح بالمعارف القدسية الجلايا الإلهية صار الإنسان متوغلاً في عالم القدس فلا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا الله، ولا يتحرك إلا لله، ولا يسكن إلا لله، فهذا الشخص يستحق أن يسمى خليل الله لما أن محبة الله ونوره تخللت في جميع قواه.

قال بعض النصارى: إذا جاز إطلاق الخليل على إنسان تشريفاً فلم له يجز إطلاق الابن على آخر لمثل ذلك؟

والجواب أن الخلة لا تقتضي الجنسية بخلاف البنوة وإنه  متعال عن مجانسة المحدثات.

ولهذا قال بعد ذلك: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ ليعلم أنه لم يتخذ إبراهيم خليلاً للمجانسة أو الاحتياج, ولكنه اصطفاه لمجرد الفضل والأمتنان، وفيه أنه مع خلته لم يستنكف أن يكون عبداً له داخلاً تحت ملكه وملكه، وفيه أن من كان في القهر والتسخير بهذه الحيثية وجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وينقاد لأوامره ونواهيه كما قال إبراهيم: ﴿ أسلمت لرب العالمين  ﴾ وأيضاً إنه لما ذكر الوعد والوعيد وإنه لا يمكن الوفاء بهما إلاّ بالقدرة التامة على جميع الممكنات والعلم الكامل الشامل لجميع الكليات والجزئيات أشار إلى الأول بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإلى الثاني بقوله: ﴿ وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ وإنما قدم القدرة على العلم لأن الفعل بحدوثه يدل على القدرة وبما فيه من الإحكام والإتقان يدل على العلم، ولا ريب أن الاعتبار الأول مقدم على الثاني.

وقال بعضهم: الإحاطة أيضاً ههنا بمعنى القدرة كقوله  : ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط / الله بها  ﴾ ولا يلزم تكرار لأن الأول لا يدل إلا على مالك لكل ما في السموات والأرض قادر عليهما والثاني يفيد القدرة المطلقة على جميع الأشياء وإن فرضت خارج السموات والأرض، وعلى أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه.

التأويل: ﴿ لا خير في كثير ﴾ من نجوى النفس والهوى والشيطان إلاّ فيمن أمر بالخيرات وهو الله بالوحي وبالخواطر الرحمانية ثم خواص عباده.

﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ أي يخالف الإلهام الرباني ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ بأن يتبع الهوى وتسويل النفس والشيطان ﴿ نوله ما تولى ﴾ نكلله بالخذلان إلى ما تولي ﴿ ونصله ﴾ بسلاسل معاملاته.

﴿ جهنم ﴾ الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية.

﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ ولو كان مغفوراً لم يشرك به ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآن ﴿ فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ وهو الضلال بالإضلال الأزلي فافهم ﴿ إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً ﴾ صفات ذميمة يتولد منها الشرك ﴿ وإن يدعون إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ هي الدنيا كما قال  : " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله وما والاه " والنصيب المفروض طائفة خلقهم الله أهلاً للنار ﴿ ولأضلنهم ﴾ كذب عدو الله فإنه مزين وليس إليه من الضلالة شيء كما قال  : " "بعثت مبلغاً وليس إليّ من الهداية شيء " ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وهو قوله: " "هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي " .

﴿ ليس بأمانيكم ﴾ يعني عوام الخلق الذين يذنبون ولا يتوبون ويطمعون أن يغفر الله لهم وقد قال: ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً  ﴾ و ﴿ ولا أماني أهل الكتاب ﴾ علماء السوء الذين يغرون العوام بالرجاء والطمع ويقطعون عليهم طريق الطلب والاجتهاد فليس من تمنى نعمته من غير أن يتعنى في خدمته كمن تعنى في خدمته من غير أن يتمنى نعمته ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ في الحال بإظهار الرين على مرآة قلبه كما قال  : " إذا أذنب عبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ورجع منه صقل" ﴿ ولا يجد له من دون الله ولياً ﴾ يخرجه من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة والتوبة.

﴿ ولا نصيراً ﴾ ينصره بالظفر على النفس الأمارة ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ أي من قلب أو نفس ﴿ ومن / أحسن ديناً ﴾ يعني من محمد  حين أسلم سره وروحه وقلبه ونفسه وشيطانه كما قال: " "أسلم شيطاني على يدي" " ومن إسلام نفسه يقول يوم القيامة: "أمتى أمتي" حين يقول الأنبياء نفسي نفسي ﴿ وهو محسن ﴾ بمعنى أنه من أهل المشاهدة يعبد الله كأنه يراه بل يراه ولأنه أحسن خلقه العظيم إلى أن بلغ حد الكمال والختم.

واتبع ملة إبراهيم بأن الله اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً.

قيل لمجنون بني عامر: ما اسمك؟

قال: ليلى.

وقيل لمحمد  .

ما اسمك؟

قال: الحبيب.

فكان محمد  حبيباً خليلاً أي فقيراً من الخلة الحاجة لأنه افتقر بالكلية إلى الله في كل أحواله.

والفرق بين مقام الخليل ومقام الحبيب أنالخليل اتخذ الآلهة عدواً في الله ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ والحبيب اتخذ نفسه عدواً في الله وقال: ليت رب محمد لم يخلق محمداً وهذا مقام الفناء في الفناء بل البقاء بعد الفناء فلا جرم يقول بالرب عن الرب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ ﴾ .

اختلف في النجوى.

قيل: النجوى: القوم؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ  ﴾ ، أي: رجال.

وقيل: النجوى: هي الإسرار؛ كقوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ...

﴾ الآية [المجادلة: 7].

ثم استثنى: ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ...

﴾ الآية.

فإن كان التأويل من النجوى هو فعل النجوى خاصة؛ فكأنه قال: لا خير في كثير من نجواهم إلا الأمر بالصدقة، والأمر بالمعروف، والإصلاح بين الناس.

وإن كان تأويل النجوى هو القوم، فكأنه قال: والله أعلم: "لا خير في كثير منهم إلى من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس" وكان هذا أقرب.

ومعنى الثنيا من الكثير فيما يرجع إلى القوم؛ فكأنه قال: لا خير في كثير منهم إلا من يرجع أمره إلى ما ذكر؛ فيصير إلى خير.

وقد يحتمل: أن قوماً منهم يرجع نجواهم إلى خير، وهم أقلهم، ومن الفعل، على أن الفعل ربما يكون فعل خير، وإن كانوا أهل النفاق والكفر، لكن بين أنه غير مقبول إلا أن يبتغي به مرضاة الله، وذلك لا يكون إلا أن يؤمنوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل: لما تبين خيانته لرسول الله  استحيا أن يقيم بالمدينة؛ فارتد، ولحق بمكة كافراً؛ فنزل قوله -  -: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ ﴾ يقول: يخالف الرسول: ﴿ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

وعن ابن عباس -  -: ﴿ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ ، يقول: من بعد ما كان كافراً تبين له الإسلام وأسلم.

وقال: لما أبان أمر طعمة، وعلم أنه سرق الدرع - أنزل الله -  -: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا  ﴾ ؛ قيل له: يا طعمة، إن رسول الله  قاطِعُك؛ فخرج هارباً إلى مكة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يعني: [غير] دين المؤمنين.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "ويسلك غير سبيل المؤمنين".

وقوله - عز وجل -: ﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ ﴾ .

اي: نتركه وما تولى من ولاية الشيطان.

وقيل: ندعه وما اختار من الدين غير دين المؤمنين.

﴿ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ ، أي: ندخله جهنم في الآخرة.

وقيل: قوله: ﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ ﴾ ، أي: نوله في الآخرة ما تولى في الدنيا.

﴿ وَسَآءَتْ مَصِيراً ﴾ .

يقول: بئس المصير صار إليه.

وقوله -  -: ﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ ﴾ أنه تولى الشيطان؛ فجعله الله وليّاً؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً ﴾ ، وغير ذلك، ويكون نخذله فيما اختاره، ونكون نجزه جزاء توليه، ويكون بخلق توليه منه جوراً باطلا، مهلكاً له، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا خير في كثير من الكلام الذي يُسِرُّه الناس، ولا نفع منه، إلا إن كان كلامهم أمرًا بصدقة، أو معروف جاء به الشرع ودل عليه العقل، أو دعوة إلى الإصلاح بين المتنازعين، ومن يفعل ذلك طلبًا لرضا الله فسوف نؤتيه ثوابًا عظيمًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.Ogr6P"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن الكلام في الذين يختانون أنفسهم ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله ومعناه أن الغالب عليهم الشر فهو الذي يجري في نجواهم لأنه أكبر همهم، والنكتة في ذكر الكثير هنا هو أن من النجوى ما يكون في الشؤون الخاصة كالزراعة والتجارة مثلا فلا توصف بالشر، ولا هي مرادة من الخير، وإنما المراد بالنجوى الكثيرة المنفي بالخير عنها، النجوى في شؤون الناس ولذلك استثنى الأمور الثلاثة التي هي مجامع الخير للناس.

﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى  ﴾ إلخ.

لما بيّن الله تعالى في الآية التي قبل هذه وعده بالجزاء الحسن للذين يتناجون بالخير، ويبتغون بنفع الناس مرضاة الله  ، أراد أن يبيِّن في هذه الآية وعيده لأولئك الذين يتناجون بالشر، ويبيتون ما يكيدون به للناس، فهو يقول إن أولئك القوم مشاقون للرسول إذا كان يفعلون بعد أن ظهرت لهم الهداية على لسانه  ، وقامت عليهم الحجة بحقيقة ما جاء به، وأما من لم تتبين لهم الهداية فلا يستحقون هذا الوعيد، وهم متفاوتون فمن نظر منهم في الدليل فلم يظهر له الحق وبقي متوجهًا إلى طلبه بتكرار النظر والاستدلال مع الإخلاص فهو معذور غير مؤاخذ كالذي لم تبلغه الدعوة، وعليه جمهور الأشاعرة.

والمشاقة بعد ما تبين الهدى إنما تكون عنادًا وعصبية أو اتباعًا لشهوة تفوت بهذه الهداية.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله