الآية ١١٦ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١١٦ من سورة النساء

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا ١١٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٦ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة ، وهي قوله : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك [ لمن يشاء ] ) الآية [ النساء : 48 ] ، وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة .

وقد روى الترمذي حديث ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة ، عن أبيه ، عن علي رضي الله عنه أنه قال : ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك ) الآية ، ثم قال : حسن غريب .

وقوله : ( ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) أي : فقد سلك غير الطريق الحق ، وضل عن الهدى وبعد عن الصواب ، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة ، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: إن يدعون من دونه إلا اللات والعزى وَمناة، فسماهن الله " إناثًا "، بتسمية المشركين إياهنّ بتسمية الإناث.

*ذكر من قال ذلك: 10430- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال أخبرنا حصين، عن أبي مالك في قوله: " إن يدعون من دونه إلا إناثًا "، قال: اللات والعزى ومناة، كلها مؤنث.

10431- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك بنحوه= إلا أنه قال: كلهنَّ مؤنث.

10432- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إن يدعون من دونه إلا إناثًا "، يقول: يسمونهم " إناثًا ": لاتٌ ومَنَاة وعُزَّى.

10433- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " إن يدعون من دونه إلا إناثًا "، قال: آلهتهم، اللات والعزى ويَسَاف ونائلة، (20) إناث، يدعونهم من دون الله.

وقرأ: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا .

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: إن يدعون من دونه إلا مَواتًا لا رُوح فيه.

*ذكر من قال ذلك: 10434- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " إن يدعون من دونه إلا إناثًا "، يقول: مَيْتًا.

10435- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " إن يدعون من دونه إلا إناثًا "، أي: إلا ميتًا لا رُوح فيه.

(21) 10436- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن: " إن يدعون من دونه إلا إناثًا "، قال: و " الإناث " كل شيء ميت ليس فيه روح: خشبة يابسة أو حجر يابس، قال الله تعالى: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا إلى قوله: فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ .

* * * وقال آخرون: عنى بذلك أن المشركين كانوا يقولون: " الملائكة بنات الله ".

(22) *ذكر من قال ذلك: 10437- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا &; 9-209 &; جويبر، عن الضحاك في قوله: " إن يدعون من دونه إلا إناثًا "، قال: الملائكة، يزعمون أنهم بنات الله.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: إن أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم " إناثًا "، فأنـزل الله ذلك كذلك.

ذكر من قال ذلك: (23) 10438- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن نوح بن قيس، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: كان لكل حي من أحياء العرب صنم، يسمونها: " أنثى بني فلان "، (24) فأنـزل الله " إن يدعون من دونه إلا إناثًا ".

10439- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا نوح بن قيس قال، حدثنا محمد بن سيف أبو رجاء الحُدَّاني قال، سمعت الحسن يقول: كان لكل حي من العرب، فذكر نحوه.

(25) * * * وقال آخرون: " الإناث " في هذا الموضع، الأوثان.

*ذكر من قال ذلك: 10440- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إناثًا " قال: أوثانًا.

10441- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

10442- حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة: ( إنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا أَوْثَانًا ).

* * * قال أبو جعفر: روي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: ( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا أُثُنًا ) بمعنى جمع " وثن " فكأنه جمع " وثنًا "" وُثُنًا "، (26) ثم قلب الواو همزة مضمومة، كما قيل: " ما أحسن هذه الأجُوه "، بمعنى الوجوه= وكما قيل: وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ [سورة المرسلات: 11]، بمعنى: وُقِّتت.

(27) * * * وذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: ( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا أُنُثًا ) كأنه أراد جمع " الإناث " فجمعها " أنثا "، كما تجمع " الثمار "" ثُمُرًا ".

(28) * * * قال أبو جعفر: والقراءة التي لا نستجيز القراءة بغيرها، (29) قراءة من قرأ: ( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا ) ، بمعنى جمع " أنثى "، لأنها كذلك في مصاحف المسلمين، ولإجماع الحجة على قراءة ذلك كذلك.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرت بتأويل ذلك، إذ كان الصواب عندنا من القراءة ما وصفت، تأويل من قال: عنى بذلك الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله ويسمونها الإناث من الأسماء، (30) كاللات والعُزَّى ونائلة ومناة، وما أشبه ذلك.

وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الأظهر من معاني" الإناث " في كلام العرب، ما عُرِّف بالتأنيث دون غيره.

فإذ كان ذلك كذلك، فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه.

* * * وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا ، يقول: ما يدعو الذين يشاقّون الرسول ويتبعون غير سبيل المؤمنين شيئًا=" من دون الله "، بعد الله وسواه، (31) =" إلا إناثًا "، يعني: إلا ما سموه بأسماء الإناث كاللات والعزى وما أشبه ذلك.

يقول جل ثناؤه: فحسب هؤلاء الذين أشركوا بالله، وعبدوا ما عبدوا من دونه من الأوثان والأنداد، حجّة عليهم في ضلالتهم وكفرهم وذهابهم عن قصد السبيل، أنهم يعبدون إناثًا ويدعونها آلهة وأربابًا، والإناث من كل شيء أخسُّه، فهم يقرون للخسيس من الأشياء بالعبودة، على علم منهم بخساسته، ويمتنعون من إخلاص العبودة للذي له ملك كل شيء، وبيده الخلق والأمر .

(32) * * * القول في تأويل قوله : وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وإن يدعون إلا شيطانًا مريدًا "، وما يدعو هؤلاء الذين يدعون هذه الأوثان الإناث من دون الله بدعائهم إياها = " إلا شيطانًا مريدًا "، يعني: متمردًا على الله في خلافه فيما أمره به، وفيما نهاه عنه، كما:- 10443- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وإن يدعون إلا شيطانًا مريدًا "، تمرَّد على معاصي الله.

---------------------- الهوامش : (18) هذه العبارة التي وضعتها بين الخطين ، معترضة في سياق الجملة ، وسياقها: أن طعمة لولا أنه مات على شركه.

لكان في مشيئة الله على ما سلف من خيانته ومعصيته ، وكان إلى الله أمره في عذابه والعفو عنه ...

فإما إذا مات على شركه ..." ولما أخطأ ناشر المطبوعة الأولى قراءة هذه العبارة ، فقد كتب هكذا: "فإنه حتم عليه أنه من أهل النار إذا مات على شركه ، فإذا مات على شركه ..." فصار الكلام كله لغوًا وخلطًا.

(19) في المطبوعة والمخطوطة: "فقد أطاع الشيطان" بزيادة الفاء ، ولا معنى لها هنا.

(20) "إساف" (بكسر الهمزة وفتحها) و"يساف" (بكسر الياء وفتحها) واحد.

زعموا أن إساف بن عمرو ، ونائلة بنت سهل ، من جرهم ، وجدا خلوة في الكعبة ، ففجرا فيها ، فمسخهما الله حجرين ، عبدتهما قريش بعد.

ويقال: صنمان وضعهما عمرو بن لحي على الصفا والمروة ، وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة.

(21) في المخطوطة: "لا أرواح فيه" بالجمع.

(22) في المطبوعة: "إن الملائكة ..." وأثبت ما في المخطوطة.

(23) من أول الأثر رقم: 10437 ، إلى هذا الموضع ، ساقط من المخطوطة.

(24) في كتاب المحتسب لابن جني ، في المسألة رقم: 143 (وهو مخطوط عندي) عن الحسن: "وهو اسم صنم لحي من العرب ، كانوا يعبدونها ويسمونها: أنثى بني فلان".

فأخشى أن يكون سقط من الناسخ هنا [كانوا يعبدونها].

(25) الأثران: 10438 ، 10439 -"أبو رجاء" ، "محمد بن سيف الحداني" ، أدرك أنسًا ، وروى عن الحسن ، وابن سيرين ، ومطر الوراق ، وعكرمة ، وغيرهم.

ثقة.

مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة"الحراني" بالراء ، والصواب من المخطوطة ، بضم الحاء والدال المشددة.

(26) "أثن" (بضم الهمزة والثاء) و"وثن" بجمع"وثنا" (بضم فسكون) و"ووثنا" (بضمتين) ، و"أوثان".

(27) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 288.

(28) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 289.

و"الثمر" بضم الثاء والميم.

(29) في المطبوعة: "لا أستجيز" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(30) في المطبوعة: "ويسمونها بالإناث" ، وما في المخطوطة أجود عربية.

(31) انظر تفسير"دون" فيما سلف 2 : 489 / 6 : 313.

(32) في المطبوعة: "بالعبودية" و"العبودية" ، في الموضعين وأثبت ما في المخطوطة.

و"العبودة" هي العبادة ، وقد سلف استعمال الطبري لهذه اللفظة على هذا البناء ، وتغيير الناشر لها في كل مرة.

انظر 3 : 347 ، تعليق: 1 / 6 : 271 ، تعليق: 1 ، 404 تعليق: 2 ، 549 : 2 ، 564 ، تعليق: 3 / 8 : 592 ، تعليق: 2.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وفي قوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به رد على الخوارج ؛ حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر .

وقد تقدم القول في هذا المعنى .

وروى الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء قال : هذا حديث غريب .

قال ابن فورك : وأجمع أصحابنا على أنه لا تخليد إلا للكافر ، وأن الفاسق من أهل القبلة إذا مات غير تائب فإنه إن عذب بالنار فلا محالة أنه يخرج منها بشفاعة الرسول ، أو بابتداء رحمة من الله تعالى .

وقال الضحاك : إن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا ، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به ، فما حالي عند الله ؟

فأنزل الله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء الآية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا الوعيد المرتب على الشقاق ومخالفة المؤمنين مراتب لا يحصيها إلا الله بحسب حالة الذنب صغرا وكبرا، فمنه ما يخلد في النار ويوجب جميع الخذلان.

ومنه ما هو دون ذلك، فلعل الآية الثانية كالتفصيل لهذا المطلق ،وهو أنَّ الشرك لا يغفره الله تعالى لتضمنه القدح في رب العالمين وفي وحدانيته وتسوية المخلوق الذي لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا بمن هو مالك النفع والضر، الذي ما من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه، والغنى التام بجميع وجوه الاعتبارات.

فمن أعظم الظلم وأبعد الضلال عدم إخلاص العبادة لمن هذا شأنه وعظمته، وصرف شيء منها للمخلوق الذي ليس له من صفات الكمال شيء، ولا له من صفات الغنى شيء بل ليس له إلا العدم.

عدم الوجود وعدم الكمال وعدم الغنى، والفقر من جميع الوجوه.

وأما ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفره برحمته وحكمته، وإن شاء عذب عليه وعاقب بعدله وحكمته، وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أن إجماع هذه الأمة حجة وأنها معصومة من الخطأ.

ووجه ذلك: أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بالخذلان والنار، و { سبيل المؤمنين ْ} مفرد مضاف يشمل سائر ما المؤمنون عليه من العقائد والأعمال.

فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه، أو تحريمه أو كراهته، أو إباحته - فهذا سبيلهم، فمن خالفهم في شيء من ذلك بعد انعقاد إجماعهم عليه، فقد اتبع غير سبيلهم.

ويدل على ذلك قوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ْ} ووجه الدلالة منها: أن الله تعالى أخبر أن المؤمنين من هذه الأمة لا يأمرون إلا بالمعروف، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه فهو مما أمروا به، فيتعين بنص الآية أن يكون معروفا ولا شيء بعد المعروف غير المنكر، وكذلك إذا اتفقوا على النهي عن شيء فهو مما نهوا عنه فلا يكون إلا منكرا، ومثل ذلك قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس ْ} فأخبر تعالى أن هذه الأمة جعلها الله وسطا أي: عدلا خيارا ليكونوا شهداء على الناس أي: في كل شيء، فإذا شهدوا على حكم بأن الله أمر به أو نهى عنه أو أباحه، فإن شهادتهم معصومة لكونهم عالمين بما شهدوا به عادلين في شهادتهم، فلو كان الأمر بخلاف ذلك لم يكونوا عادلين في شهادتهم ولا عالمين بها.

ومثل ذلك قوله تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ْ} يفهم منها أن ما لم يتنازعوا فيه بل اتفقوا عليه أنهم غير مأمورين برده إلى الكتاب والسنة، وذلك لا يكون إلا موافقا للكتاب والسنة فلا يكون مخالفا.

فهذه الأدلة ونحوها تفيد القطع أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة، ولهذا بيَّن الله قبح ضلال المشركين بقوله:

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) أي : ذهب عن الطريق وحرم الخير كله ، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ، إن هذه الآية نزلت في شيخ من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله إني شيخ متهتك في الذنوب ، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به ، ولم أتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جرأة على الله ، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا ، وإني لنادم تائب مستغفر فما حالي؟

فأنزل الله تعالى هذه الآية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا» عن الحق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يشاء من عباده.

ومن يجعل لله تعالى الواحد الأحد شريكًا من خلقه، فقد بَعُدَ عن الحق بعدًا كبيرًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ذكر بعض المفسرين عن ابن عباس فى سبب نزول قوله - تعالى - ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ ) .

الآية : أن شيخا من العرب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنى شيخ منهمك فى الذنوب .

إلا أنى أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به .

ولم أتخذ من دونه وليا ، ولم أقع المعاصى جراءة .

وما توهمت طرفة عين أنى أعجز الله هربا .

وإنى لنادم تائب .

فما ترى حالى عند الله - تعالى -؟

فنزلت .والمراد بالشكر هنا : مطلق الكفر سواء أكان هذا الكفر من أهل الكتاب أم من العرب أم من غيرهم .والمعنى : إن الله لا يغفر لكافر مات على كفره ، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصى لمن يشاء أن يغفر له اقترافها إذا مات توبة .

فمن مات منهم بدونها فهو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة ، وإن شاء عذبه ثم ادخله الجنة .وأما قوله ( قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ) .

فمقيد بالمشية أى : يغفر الذنوب جميعا لمن شاء أن يغفر له .

ومقيد أيضا بما عدا الشرك .

أى يغفر الذنوب جميعا إلا الشرك فإنه لا يغفر لمن مات عليه .ثم بين - سبحانه - سوء حال المشركين فقال : ( وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ) والضلال هو السير فى غير الطريق الموصول الى النجاة .أى : ومن يشرك بالله - تعالى - بأن يعبد سواه ، أو يجعل معه شريكا فى العبادة فقد اسر فى طريق الشرور والآثام سيرا بعيدا ينتهى به إلى الهلاك ، ويفضى به إلى العذاب المهين .وهذه الآية قد مر الكلام مفصلا فى آية تشبهها من هذه السورة وهى قوله - تعالى - ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً ) قالوا : وقد ختمت هذه الآية بقوله : ( وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً ) لأنها فى شأن أهل الكتاب من اليهود وهم عندهم علم بصحة نبوته صلى الله عليه وسلم وبأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع ومع ذلك فقد حملهم الحسد على إنكار الحق ، فصار فعلهم هذا افتراء بالغ العظم فى الكذب والجرأة على الله .وختمت الآية التى معنا بقوله - تعالى - : ( وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ) لأنها فى قوم مشركين لم يعرفوا من قبل كتابا ولا وحيا ، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ، وميزلهم طريق الرشد من طريق الغى ، ولكنهم لم يتبعوه فكان فعلهم هذا ضلالا واضحا عن طريق الحق .وابتعادا شديدا عن الصراط المستقيم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية مكررة في هذه السورة، وفي تكرارها فائدتان: الأولى: أن عمومات الوعيد وعمومات الوعد متعارضة في القرآن، وأنه تعلى ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد مرتين، وقد أعاد ههذه الآية دالة على العفو والمغفرة بلفظ واحد في سورة واحدة، وقد اتفقوا على أنه لا فائدة في التكرير إلا التأكيد، فهذا يدل على أنه تعالى خص جانب الوعد والرحمة بمزيد التأكيد، وذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد.

والفائدة الثانية: أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع، وقوله: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرسول  ﴾ إلى آخر الآيات إنما نزلت في ارتداده، فهذه الآية إنما يحسن اتصالها بما قبلها لو كان المراد أن ذلك السارق لو لم يرتد لم يصر محروماً عن رحمتي، ولكنه لما ارتد وأشرك بالله صار محروماً قطع عن رحمة الله، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم عند الله فقال: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً ﴾ يعني ومن لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيداً، فلا جرم لا يصير محروماً عن رحمتي، وهذه المناسبات دالة قطعاً على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعاً سواء حصلت التوبة أو لم تحصل، ثم إنه تعالى بيّن كون الشرك ضلالاً بعيداً فقال: ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً لَّعَنَهُ الله ﴾ ﴿ إن ﴾ هاهنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ  ﴾ و ﴿ يَدْعُونَ ﴾ بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئاً فإنه يدعوه عند احتياجه إليه، وقوله: ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ فيه أقوال: الأول: أن المراد هو الأوثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم: الّلات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، واللات تأنيث الله، والعزى تأنيث العزيز.

قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي الله عنها: إلا أوثاناً، وقراءة ابن عباس: إلا أثنا، جمع وثن مثل أسد وأسد، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحو قوله: ﴿ وَإِذَا الرسل أُقّتَتْ  ﴾ قال الزجاج: وجائز أن يكون أثن أصلها أثن، فأتبعت الضمة الضمة.

القول الثاني: قوله: ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ أي إلا أمواتاً، وفي تسمية الأموت إناثاً وجهان: الأول: أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى، تقول: هذه الأحجار تعجبني: كما تقول: هذه المرأة تعجبني.

الثاني: أن الأنثى أخس من الذكر، والميت أخس من الحي، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات.

القول الثالث: أن بعضهم كان يعبد الملائكة، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الانثى  ﴾ والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السماوات والأرض وما بينهما جماداً يسميه بالأنثى.

ثم قال: ﴿ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً ﴾ قال المفسرون: كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم، وقال الزجاج: المراد بالشيطان هاهنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ولا شك أن قائل هذا القول هو إبليس، ولا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له: مارد ومريد، قال الزجاج: يقال: حائط ممرد أي مملس، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ومارد لأنه مملس عن طاعة الله لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء.

ثم قال تعالى؛ ﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ وفيه مسألتان.

المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ ﴾ صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع.

واعلم أن الشيطان هاهنا قد ادعى أشياء: أولها: قوله: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ الفرض في اللغة القطع، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر، والفرض الحز الذي في الوتر، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر، والفريضة ما فرض الله على عباده وجعله حتماً عليهم قطعاً لعذرهم، وكذا قوله: ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً  ﴾ أي جعلتم لهن قطعة من المال.

إذا عرفت هذا فنقول: معنى الآية أن الشيطان لعنه الله قال عند ذلك: لأتخذن من عبادك حظاً مقدراً معيناً، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه، وفي التفسير عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولإبليس».

فإن قيل: النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عدداً من حزب الله.

أما النقل: فقوله تعالى في صفة البشر ﴿ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين  ﴾ وقال حاكياً عن الشيطان ﴿ لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً  ﴾ .

وحكي عنه أيضاً أنه قال: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ ولا شك أن المخلصين قليلون.

وأما العقل: فهو أن الفساق والكفار أكثر عدداً من المؤمنين المخلصين، ولا شك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس.

إذا ثبت هذا فنقول: لم قال: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً ﴾ مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر، وإنما يتناول الأقل؟

والجواب: أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع الشر، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين، وأيضاً فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس.

وثانيها: ﴿ ولأَضِلَّنَّهُمْ ﴾ يعني عن الحق، قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا.

فالأصل الأول: المضل هو الشيطان، وليس المضل هو الله تعالى قالوا: وإنما قلنا: أن الآية تدل على أن المضل هو الشيطان لأن الشيطان ادعى ذلك والله تعالى ما كذبه فيه، ونظيره قوله: ﴿ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وقوله: ﴿ لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً ﴾ وقوله: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم  ﴾ وأيضاً أنه تعالى ذكر وصفه بكونه مضلاً للناس في معرض الذم له، وذلك يمنع من كون الإله موصوفاً بذلك.

والأصل الثاني: وهو أن أهل السنة يقولون: الاضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال وقلنا: ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال بدليل أن إبليس وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال.

والجواب: أن هذاكلام إبليس فلا يكون حجة، وأيضاً أن كلام إبليس في هذه المسألة مضطرب جداً، فتارة يميل إلى القدر المحض، وهو قوله: ﴿ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وأخرى إلى الجبر المحض وهو قوله: ﴿ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى  ﴾ وتارة يظهر التردد فيه حيث قال: ﴿ رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا أغويناهم كَمَا غَوَيْنَا  ﴾ يعني أن قول هؤلاء الكفار: نحن أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين؟

ولا بدّ من انتهاء الكل بالآخرة إلى الله.

وثالثها: قوله: ﴿ وَلأَمَنّيَنَّهُمْ ﴾ واعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال: ﴿ وَلأمَنّيَنَّهُمْ ﴾ وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الاضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق، وطلب الأماني يورث شيئين: الحرص والأمل، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال صلى الله عليه وسلم: «يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان الحرص والأمل».

والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقاً في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة.

ورابعها: قوله: ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام ﴾ البتك القطع، وسيف باتك أي قاطع، والتبتيك التقطيع.

قال الواحدي رحمه الله: التبتيك هاهنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها.

وقال آخرون: المراد أنهم يقطعون آذان الأنهام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق.

خامسها: قوله: ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ وللمفسرين هاهنا: قولان: الأول: أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة، وفي تقرير هذا القول وجهان: الأول: أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه.

والوجه الثاني: في تقرير هذا القول: أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراماً أو الحرام.

القول الثاني: حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر، وذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الحسن: المراد ما روى عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواصلات والواشمات».

قال وذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا.

الثاني: روي عن أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق الله هاهنا هو الاخصاء وقطع الآذان وفقء العيون، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً عوروا عين فحلها.

الثالث: قال ابن زيد هو التخنث، وأقول: يجب إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى، والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر الرابع: حكى الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل، وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون، فغيروا خلق الله، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب ويخطر ببالي هاهنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى، وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشيء يكون على ثلاثة أوجه: التشوش، والنقصان، والبطلان.

فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين، وضرر الدين هو قوله: ﴿ وَلأمَنّيَنَّهُمْ ﴾ وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش، وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله: ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام ﴾ وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان، وهذا لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة، وأما البطلان فالإشارة إليه بقوله: ﴿ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى، ومن المعلوم أن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الروحانية فلا يزال يزيد في قلبه الرغبة في الدنيا والنفرة عن الآخرة، ولا تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة ألبتة، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة، فتكون حركته وسكونه وقوله وفعله لأجل الدنيا، وذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر، وهي متوجهة إلى عالم القيامة، فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لابد من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغييراً للخلقة، وهو كما قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله فأنساهم أَنفُسَهُمْ  ﴾ وقال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِي الصدور  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما حكى عن الشيطان دعاويه في الاغواء والضلال حذر الناس عن متابعته فقال: ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ﴾ واعلم أن أحداً لا يختار أن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله، ولكن المعنى أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان ولياً لنفسه وترك ولاية الله تعالى، وإنما قال: ﴿ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ﴾ لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر، وطاعة الشيطان تفيد المنافع الثلاثة المنقطعة المشوبة بالغموم والأحزان والآلام الغالبة، والجمع بينهما محال عقلاً، فمن رغب في ولايته فقد فاته أشرف المطالب وأجلها بسبب أخس المطالب وأدونها، ولا شك أن هذا هو الخسار المطلق.

ثم قال تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً ﴾ واعلم أنا بينا في الآية المتقدمة أن عمدة أمر الشيطان إنما هو بإلقاء الأماني في القلب، وأما تبتيك الآذان وتغيير الخلقة فذاك من نتائج إلقاء الأماني في القلب ومن آثاره، فلا جرم نبّه الله تعالى على ما هو العمدة في دفع تلك الأماني وهو أن تلك الأماني لا تفيد إلا الغرور، والغرور هو أن يظن الأنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ، ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار، وجميع أحوال الدنيا كذلك، والعاقل يجب عليه أن لا يلتفت إلى شيء منها، ومثال هذا أن الشيطان يلقي في قلب الإنسان أنه سيطول عمره وينال من الدنيا أمله ومقصوده، ويستولي على أعدائه، ويقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت له كما تيسرت لغيره، إلا أن كل ذلك غرور فإنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ووجد مطلوبه على أحسن الوجوه فإنه لابد وأن يكون عند الموت في أعظم أنواع الغم والحسرة فإن المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الألف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته أشد إيلاماً وأعظم تأثيراً في حصول الغم والحسرة، فظهر أن هذه الآية منبهة على ما هو العمدة والقاعدة في هذا الباب.

وفي الآية وجه آخر: وهو أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة ولا جزاء فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية.

ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ واعلم أنا ذكرنا أن الغرور عبارة عن الحالة التي تحصل للإنسان عند وجدان ما يستحسن ظاهره إلا أنه يعظم تأذيه عند انكشاف الحال فيه، والاستغراق في طيبات الدنيا والانهماك في معاصي الله سبحانه وإن كان في الحال لذيذاً إلا أن عاقبته عذاب جهنم وسخط الله والبعد عن رحمته، فكان هذا المعنى مما يقوي ما تقدم ذكره من أنه ليس إلا الغرور.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ﴾ المحيص المعدل والمفر.

قال الواحدي رحمه الله: هذه الآية تحتمل وجهين: أحدهما: أنه لابد لهم من ورودها.

الثاني: التخليد الذي هو نصيب الكفار، وهذا غير بعيد لأن الضمير في قوله: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ ﴾ عائد إلى الذين تقدم ذكرهم، وهم الذين قال الشيطان: لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً.

والأظهر أن الذي يكون نصيباً للشيطان هم الكفار.

ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال: ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً وَعْدَ الله حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قيلا ﴾ .

وأعلم أنه تعالى في أكثر آيات الوعد ذكر ﴿ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ ولو كان الخلود يفيد التأبيد والدوام للزم التكرار وهو خلاف الأصل، فعلمنا أن الخلود عبارة عن طول المكث لا عن الدوام، وأما في آيات الوعيد فإنه يذكر الخلود ولم يذكر التأبيد إلا في حق الكفار، وذلك يدل على أن عقاب الفساق منقطع.

ثم قال: ﴿ وَعْدَ الله حَقّا ﴾ قال صاحب الكشاف: هما مصدران: الأول: مؤكد لنفسه، كأنه قال: وعد وعداً وحقاً مصدر مؤكد لغيره، أي حق ذلك حقاً.

ثم قال: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً ﴾ وهو توكيد ثالث بليغ.

وفائدة هذه التوكيدات معارضة ما ذكره الشيطان لأتباعه من المواعيد الكاذبة والأماني الباطلة، والتنبيه على أن وعد الله أولى بالقبول وأحق بالتصديق من قول الشيطان الذي ليس أحد أكذب منه، وقرأ حمزة والكسائي ﴿ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً ﴾ باشمام الصاد الزاي، وكذلك كل صاد ساكنة بعدها دال في القرآن نحو ﴿ قَصْدُ السبيل  ﴾ ﴿ فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ  ﴾ والقيل: مصدر قال قولاً وقيلاً، وقال ابن السكيت: القيل والقال اسمان لا مصدران ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين ﴾ وهو السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي القيم، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها، كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأنّ الله عز وعلا جمع بين اتباع سبيل غير المؤمنين، وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول عليه الصلاة والسلام.

قوله: ﴿ نُوَلّهِ مَا تولى ﴾ نجعله والياً لما تولى من الضلال، بأن نخذله ونخلي بينه وبين ما اختاره ﴿ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ وقرئ: ﴿ ونصله ﴾ ، بفتح النون، من صلاه.

وقيل: هي في طعمة وارتداده وخروجه إلى مكة ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ تكرير للتأكيد، وقيل: كرّر لقصة طعمة، وروي: أنه مات مشركاً.

وقيل: جاء شيخ من العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه ولياً، ولم أوقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هرباً، وإني لنادم تائب مستغفر، فما ترى حالي عند الله؟

فنزلت.

وهذا الحديث ينصر قول من فسر ﴿ مَن يَشَآء ﴾ بالتائب من ذنبه ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ هي اللات والعزى ومناة.

وعن الحسن لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان.

وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله.

وقيل: المراد الملائكة.

لقولهم: الملائكة بنات الله.

وقرئ ﴿ أنثاً ﴾ ، جمع أنيث أو أناث.

﴿ ووثناً ﴾ .

﴿ وأثناً ﴾ ، بالتخفيف والتثقيل جمع وثن، كقولك أسد وأسد وأسد.

وقلب الواو ألفاً نحو (أُجوه) في وجوه.

وقرأت عائشة رضي الله عنها: ﴿ أوثاناً ﴾ ﴿ وَإِن يَدْعُونَ ﴾ وإن يعبدون بعبادة الأصنام ﴿ إِلاَّ شيطانا ﴾ لأنه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة.

و ﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لاَتَّخِذَنَّ ﴾ صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي من قولهم: فرض له في العطاء، وفرض الجند رزقه.

قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعين إلى النار ﴿ وَلامَنّيَنَّهُمْ ﴾ الأماني الباطلة من طول الأعمار، وبلوغ الآمال، ورحمة الله للمجرمين بغير توبة والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة ونحو ذلك.

وتبتيكهم الآذان فعلهم بالبحائر، كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها.

وتغييرهم خلق الله: فقء عين الحامي وإعفاؤه عن الركوب.

وقيل: الخصاء، وهو في قول عامة العلماء مباح في البهائم.

وأما في بني آدم فمحظور.

وعند أبي حنيفة: يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم، لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم.

وقيل: فطرة الله التي هي دين الإسلام، وقيل للحسن: إن عكرمة يقول هو الخصاء، فقال: كذب عكرمة، هو دين الله.

وعن ابن مسعود: هو الوشم.

وعنه: «لعن الله الواشرات والمتنمصات والمستوشمات المغيرات خلق الله» وقيل التخنث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ لِقِصَّةِ طُعْمَةَ.

وقِيلَ «جاءَ شَيْخٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ  وقالَ: إنِّي شَيْخٌ مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوبِ إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا مُنْذُ عَرَفْتُهُ وآمَنتُ بِهِ ولَمْ أتَّخِذْ مِن دُونِهِ ولِيًّا، ولَمْ أُوقِعِ المَعاصِيَ جُرْأةً، وما تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أنِّي أُعْجِزُ اللَّهَ هَرَبًا، وإنِّي لَنادِمٌ تائِبٌ فَما تَرى حالِي عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

فَنَزَلَتْ» ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا ﴾ عَنِ الحَقِّ فَإنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ أنْواعِ الضَّلالَةِ وأبْعَدُها عَنِ الصَّوابِ والِاسْتِقامَةِ، وإنَّما ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى فَقَدِ افْتَرى لِأنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقِصَّةِ أهْلِ الكِتابِ، ومَنشَأُ شِرْكِهِمْ كانَ نَوْعَ افْتِراءٍ وهو دَعْوى التَّبَنِّي عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إن الله لا يغفر أن يشرك به وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} مر تفسيره في هذه السورة {وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً} عن الصواب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ فِيما سَبَقَ، وكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وخُصَّ هَذا المَوْضِعُ بِهِ لِيَكُونَ كالتَّكْمِيلِ لِقِصَّةِ مَن سَبَقَ بِذِكْرِ الوَعْدِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَعِيدِ في ضِمْنَ الآياتِ السّابِقَةِ، فَلا يَضُرُّ بَعْدَ العَهْدِ، أوْ لِأنَّ لِلْآيَةِ سَبَبًا آخَرَ في النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ شَيْخًا مِنَ العَرَبِ جاءَ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: «إنِّي شَيْخٌ مُنْهَمِكٌ فِي الذُّنُوبِ إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعالى مُنْذُ عَرَفْتُهُ وآمَنتُ بِهِ، ولَمْ أتَّخِذْ مِن دُونِهِ ولِيًّا، ولَمْ أُوقِعِ المُعاصِيَ جَراءَةً، وما تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أنّى أُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى هَرَبًا، وإنِّي لَنادِمٌ تائِبٌ، فَما تَرى حالِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى»؟

فَنَزَلَتْ».

”ومَن يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا“ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ، وفي مَعْنى الشِّرْكِ بِهِ تَعالى نَفْيُ الصّانِعِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِن أفْرادِهِ.

﴿ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا ﴾ عَنِ الحَقِّ، أوِ عَنِ الوُقُوعِ مِمَّنْ لَهُ أدْنى عَقْلٍ، وإنَّما جُعِلَ الجَزاءُ عَلى ما قِيلَ هُنا (فَقَدْ ضَلَّ) إلَخْ، وفِيما تَقَدَّمَ ﴿ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا ﴾ لِما أنَّ تِلْكَ كانَتْ في أهْلِ الكِتابِ وهم مُطَّلِعُونَ مِن كُتُبِهِمْ عَلى ما يَشُكُّونَ في صِحَّتِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ  ووُجُوبِ اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ أشْرَكُوا وكَفَرُوا فَصارَ ذَلِكَ افْتِراءً واخْتِلافًا، وجَراءَةً عَظِيمَةً عَلى اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ الآيَةُ كانَتْ في أُناسٍ لَمْ يَعْلَمُوا كِتابًا، ولا عَرَفُوا مِن قَبْلُ وحْيًا، ولَمْ يَأْتِهِمْ سِوى رَسُولِ اللَّهِ  بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ، فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وكَفَرُوا، وضَلُّوا مَعَ وُضُوحِ الحُجَّةِ، وسُطُوعِ البُرْهانِ، فَكانَ ضَلالُهم بَعِيدًا، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَ تِلْكَ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ قال الضحاك: وذلك أن شيخاً من الأعراب جاء إلى رسول الله  ، فقال: يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئاً مذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه ولياً، ولم أواقع المعاصي جرأة على الله، ولا مكابرة له، وإني لنادم وتائب مستغفر، فما حالي عند الله؟

فأنزل الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ويقال: نزل في شأن وحشيّ، وقد ذكرناه من قبل.

وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ أي من يعبد غير الله فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً يعني فقد ضل عن الهدى ضلالا بعيدا عن الحق.

ثم قال تعالى في ذم الكفار وبيّن جهلهم فقال: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً يقول: ما يعبدون مِن دُونِ الله إلا أصناماً أمواتاً، وهذا قول ابن العباس.

وعن الحسن أنه قال: الإناث الشيء الميت الذي ليس فيه روح.

وقال السدي: سموها إناثاً: اللات والعزى ومناة.

ثم قال تعالى: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً وذلك أن الشيطان كان يدخل في الصنم ويكلمهم، وهم يعبدون الصنم وفيه الشيطان.

ويقال: إبليس زين لهم عبادة الأصنام، وإذا عبدوا بإذنه فكأنهم عبدوا الشيطان.

ثم قال: مريداً أي مارداً مثل قدير وقادر، والمارد العاتي.

ويقال: كل فاسد مفسد يكون مريداً، أي يكون فاسداً لنفسه ويفسد غيره.

ثم قال تعالى: لَعَنَهُ اللَّهُ يعني طرده الله من رحمته وهو إبليس، حيث لم يسجد لآدم فلما لعنه وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي حظاً معلوماً، قال مقاتل: يعني من كل ألف واحد في الجنة وسائرهم في النار، فهذا نصيب مفروض.

ثم قال: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ يعني عن الهدى والحق وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ يعني لأخبرنهم بالباطل أنه لا جنة ولا نار ولا بعث وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وهي البحيرة، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يشقون آذان الأنعام ويسمونها بحيرة، وذكر قصتهم في سورة المائدة.

ثم قال: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ قال عكرمة: هو الخصاء، وهكذا روي عن ابن عباس وأنس بن مالك.

وروي عن سعيد بن جبير قال: هو دين الله، وهكذا قال الضحاك ومجاهد.

وقيل لمجاهد: إن عكرمة يقول: هو الخصاء فقال: ما له لعنه الله وهو يعلم أنه غير الخصاء.

فبلغ ذلك عكرمة، فقال: هو فطرة الله.

وقال الزجاج: إن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم، وخلق الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس فجعلوها آلهة يعبدونها، فقد غيروا خلق الله عز وجل.

وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا أي يعبد الشيطان ويطيعه مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني ترك أمر الله تعالى وطاعته فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً أي ضلّ ضلالاً مبيناً بيناً عن الحق.

ثم قال تعالى: يَعِدُهُمْ يعني الشيطان، يخوفهم بالفقر حتى لا يصلوا رحماً ولا ينفقوا في خير وَيُمَنِّيهِمْ أي يخبرهم بالباطل أنه لا ثواب لهم في ذلك العمل وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً أي باطلاً.

قوله تعالى: أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يعني الذين يطيعون الشيطان مصيرهم إلى جهنم وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً أي مفرّاً ومهربا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والنَّجْوَى: المسارَّة، وقد تسمى بها الجماعةُ كما يقال: قَوْمٌ عَدْلٌ، وليستِ النجوى بمَقْصُورةٍ على الهَمْسِ في الأُذُنِ، والمعروفُ لفظ يعمُّ الصدَقَةَ والإصلاحَ وغيرهما، ولكنْ خُصَّا بالذِّكْر اهتماماً إذ هما عظيمَا الغَنَاءِ في مَصَالحِ العبادِ، ثم وعد تعالى بالأجر العظيم على فعل هذه الخيرات بنيّة وقصد لرضا الله تعالى.

وقوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ...

الآية: لفْظٌ عامٌّ نزَلَ بسببِ طُعْمَة بْنِ أُبَيْرِقٍ لأنه ارتدَّ وسار إلى مكَّة، فاندرجَ الإنحاءُ علَيْهِ فِي طَيِّ هذا العمومِ المتناوِلِ لمَنِ اتصف بهذه الصفاتِ إلى يوم القيامة.

وقوله: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى: وعيدٌ بأنْ يترك مع فاسِدِ اختيارِهِ في تودُّد الطاغوتِ، ثم أوجَبَ تعالى أنه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وقد مضى تفسير مثل هذه الآية.

وقوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ...

الآية:

الضميرُ في يَدْعُونَ: عائدٌ على مَنْ ذكر في قوله: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ [النساء: ١١٥] ، و «إنْ» : نافيةٌ بمعنى «ما» ، ويدعون: عبارةٌ مغنيةٌ موجزةٌ في معنى: يعبدون ويتخذُونَ آلهة، قُلْتُ: وفي «البخاريِّ» إِلَّا إِناثاً: يعني المَوَاتَ حَجَراً ومدَراً، وما أشبهه.

انتهى، وفي مُصْحَف «١» عائشَةَ: «إلاَّ أوثَاناً» ونحوه عن ابنِ عَبَّاس «٢» ، والمرادُ بالشّيطان هنا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في حُقِّ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ لَمّا هَرَبَ مِن مَكَّةَ، وماتَ عَلى الشِّرْكَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: «أنَّ شَيْخًا مِنَ الأعْرابِ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ: إنِّي مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوبِ، إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ مُنْذُ عَرَفْتُهُ، وإنِّي لَنادِمٌ مُسْتَغْفِرٌ، فَما حالِي؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَأمّا تَفْسِيرُها، فَقَدْ تَقَدَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مِن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إصْلاحٍ بَيْنَ الناسِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرَكَ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا ﴾ اَلضَّمِيرُ في ﴿ "نَجْواهُمْ"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى الناسِ أجْمَعَ؛ وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ عامَّةَ التَناوُلِ؛ وفي عُمُومِها يَنْدَرِجُ أصْحابُ النازِلَةِ؛ وهَذا عَنِ الفَصاحَةِ والإيجازِ المُضَمَّنِ الماضِيَ والغابِرَ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ.

والنَجْوى: اَلْمُسارَّةُ؛ مَصْدَرٌ؛ وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ؛ كَما يُقالُ: "قَوْمٌ عَدْلٌ؛ ورِضًا"؛ وتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ الجَماعَةَ؛ وأنْ تَكُونَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ؛ فَإنْ قَدَّرْناها الجَماعَةَ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن جَماعاتِهِمُ؛ المُنْفَرِدَةِ؛ المُتَسارَّةِ؛ إلّا مَن..."؛ وإنْ قَدَّرْنا اللَفْظَةَ المَصْدَرَ نَفْسَهُ فَكَأنَّهُ قالَ: "لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن تَناجِيهِمْ"؛ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ بِحُكْمِ اللَفْظِ؛ ويُقَدَّرُ اتِّصالُهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا نَجْوى مَن..."؛ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "اَلنَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ؛ كانَ ذَلِكَ سِرًّا أو جَهْرًا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "اِنْفِرادُ الجَماعَةِ مِنَ الاسْتِسْرارِ؛ والغَرَضُ المَقْصُودُ أنَّ النَجْوى لَيْسَتْ بِمَقْصُورَةٍ عَلى الهَمْسِ في الأُذُنِ؛ ونَحْوِهِ".

وَ"اَلْمَعْرُوفُ": لَفْظٌ يَعُمُّ الصَدَقَةَ؛ والإصْلاحَ؛ ولَكِنْ خُصّا بِالذِكْرِ اهْتِمامًا بِهِما؛ إذْ هُما عَظِيما الغَناءِ في مَصالِحِ العِبادِ؛ ثُمَّ وعَدَ تَعالى بِالأجْرِ العَظِيمِ عَلى فِعْلِ هَذِهِ الخَيْراتِ بِنِيَّةٍ وقَصْدٍ لِرِضا اللهِ تَعالى.

و"اِبْتِغاءَ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ والكِسائِيُّ: "فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ: "يُؤْتِيهِ"؛ بِالياءِ؛ والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ نَزَلَ بِسَبَبِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ لِأنَّهُ ارْتَدَّ؛ وسارَ إلى مَكَّةَ؛ فانْدَرَجَ الإنْحاءُ عَلَيْهِ في طَيِّ هَذا العُمُومِ المُتَناوِلِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "ما تَوَلّى"؛ ﴾ وعِيدٌ بِأنْ يُتْرَكَ مَعَ فاسِدِ اخْتِيارِهِ في تَوَلِّي الطاغُوتِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُوَلِّهِ"؛ و"يُصْلِهِ"؛ بِالياءِ فِيهِما.

ثُمَّ أوجَبَ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ أنَّ يُشْرَكَ بِهِ؛ وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ المُعْتَقَدِ؛ والبُعْدُ في صِفَةِ الضَلالِ مُقْتَضٍ بُعْدَ الرُجُوعِ إلى المَحَجَّةِ البَيْضاءِ؛ وتَعَذُّرَهُ؛ وإنْ بَقِيَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي، جعل تمهيداً لما بعده من وصف أحوال شركهم.

وتعقيب الآية السابقة بهذه مشير إلى أنّ المراد باتّباع غير سبيل المؤمنين اتّباع سبيل الكفر من شرك وغيره، فعقّبه بالتحذير من الشرك، وأكّده بأنّ للدلالة على رفع احتمال المبالغة أو المجاز.

وتقدّم القول في مثل هذه الآية قريباً.

غير أنّ الآية السابقة قال فيها ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً ﴾ [النساء: 48] وقال في هذه ﴿ فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ وإنّما قال في السابقة ﴿ فقد افترى إثماً عظيماً ﴾ لأنّ المخاطب فيها أهل الكتاب بقوله: ﴿ يأيّها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدّقاً لما معكم ﴾ [النساء: 47] فنبّهوا على أنّ الشرك من قبيل الافتراء تحذيراً لهم من الافتراء وتفظيعاً لجنسه.

وأمّا في هذه الآية فالكلام موجه إلى المسلمين فنبّهوا على أنّ الشرك من الضلال تحذيراً لهم من مشاقة الرسول وأحوال المنافقين فإنها من جنس الضلال.

وأكِّدَ الخبر هنا بحرف (قَدْ) اهتماماً به لأنّ المواجه بالكلام هنا المؤمنون، وهم لا يشكّون في تحقّق ذلك.

والبعيد أريد به القويّ في نوعه الذي لا يرجى لصاحبه اهتداء، فاستعير له البعيد لأنّ البعيد يُقصي الكائن فيه عن الرجوع إلى حيث صدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الإناثَ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ وأبِي مالِكٍ.

والثّانِي: أنَّها الأوْثانُ، وكانَ في مُصْحَفِ عائِشَةَ: إنْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ إناثًا والثّالِثُ: المَلائِكَةُ، لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: المَواتُ الَّذِي لا رُوحَ فِيهِ، لِأنَّ إناثَ كُلِّ شَيْءٍ أرْذَلُهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي الإيمانَ.

﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي بِطُولِ الأمَلِ في الدُّنْيا لِيُؤْثِرُوها عَلى الآخِرَةِ.

﴿ وَلآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ﴾ أيْ لَيُقَطِّعُنَّها نُسُكًا لِأوْثانِهِمْ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ.

﴿ وَلآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ.

أحَدُها: يَعْنِي دِينَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وإبْراهِيمَ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِهِ خِصاءَ البَهائِمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وعِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الوَشْمُ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والنّامِصاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ) .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: دعاني معاوية فقال: بايع لابن أخيك.

فقلت: يا معاوية ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ﴾ فأسكته عني.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ نوله ما تولى ﴾ من آلهة الباطل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوّة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر فيما خالفها، من اقتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وصلاه جهنم وساءت مصيراً.

وأخرج الترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً، ويد الله على الجماعة، فمن شذ شذَّ في النار» .

وأخرج الترمذي والبيهقي عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يجمع الله أمتي.

أو قال: هذه الأمة على الضلالة أبدًا، ويد الله على الجماعة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال المفسرون: ثم إن طعمة نقب منزل الحجاج بن عُلاط (١) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ  ﴾ (٢) قال ابن عباس: "يريد طعمة بن أبيرق، حيث أشرك بالله" (٣) وهذه الآية نص صريح في أن الله تعالى لا يغفر الشرك ما أقام المشرك عليه.

فإن قيل: أليس يغفرها بالتوبة؟

فلم أطلق القول بأنه لا يغفر أن يُشرك به؟

قيل: إنه بمعنى أنَّ الله لا يغفر للمشرك به، وإذا تاب المشرك زال عنه هذا الوصف، وُيسمى مشركًا ما أقام على الشرك، ويقول (٤) ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا ﴾ إلى قوله: ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  ﴾ .

قال أهل العلم: وكل كافر فهو مشرك، وإن لم يعبد مع الله غيره، وكل من حكمنا بكفره جاز أن نسميه مشركًا، لأنه قد بلغ بعظم جرمه مبلغ جرم المشرك في عبادة الله عز وجل، كما أن من تكبر على النبي  ولم يخضع لنبوته كافر، وإن لم يجحد نبوته.

قال الزجاج: إنَّ كل كافر مشرك بالله، لأن الكافر إذا كفر بنبي فقد زعم أن الآيات التي أتى بها ليست من عند الله، فيجعل ما لا يكون إلا لله عز وجل لغير الله، فيصير مشركًا (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ .

قال ابن عباس: "يغفر ما دون الشرك لأهل التوحيد" (٦) قال العلماء من أهل التفسير: لما أخبر الله تعالى أنه يغفر الشرك بالتوبة، علمنا يقينًا أنه يغفر أيضًا ما دون الشرك بالتوبة، فهذه المشيئة في ذنوب لم يتب منها صاحبها (٧) ثم أنزل الله في أهل مكة: (١) هو أبو كلاب الحجاج بن علاط بن خالد بن ثويرة السلمي، قدم على النبي  وهو بخيبر، فأسلم وسكن المدينة واختط بها دارًا ومسجدًا، وقد توفي  في خلافة عمر، وقيل بعدها.

انظر: "الاستيعاب بحاشية الإصابة" 1/ 385، و"أسد الغابة" 1/ 456، و"الإصابة" 1/ 313.

(٢) من "الكشف والبيان" 4/ 120 أ، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 388، والبغوي 2/ 287، و"زاد المسير" 2/ 200 ونسب هذا القول لمقاتل.

(٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 202، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.

(٤) هكذا هذِه الكلمة في المخطوط، ولعل الصواب: "ويكون" وتكون كلمة "مقيد" بعد ذلك منصوبة خبر يكون.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 107.

(٦) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97 (٧) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 60.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ قد تقدّم الكلام على نظيرتها ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا ﴾ الضمير في يدعون للكفار، ومعنى يدعون يعبدون، واختلف في الإناث هنا، فقيل: هي الأصنام، لأن العرب كانت تسمي الأصنام بأسماء مؤنثة: كاللات والعزى، وقيل: المراد الملائكة لقول الكفار إنهم إناث وكانوا يعبدونهم فذكر ذلك على وجه إقامة الحجة عليه بقولهم الفاسد، وقيل: المراد الأصنام، لأنها لا تفعل فيخبر عنها كما يخبر عن المؤنث ﴿ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً ﴾ يعني إبليس، وإنما قال: إنهم يعبدونه، لأنهم يطيعونه في الكفر والضلال، والمريد هو الشديد العتوّ والإضلال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يؤتيه ﴾ بالياء: أبو عمرو وحمزة خلف وقتيبة وسهل.

الباقون بالنون.

﴿ نوله ﴾ ﴿ ونصله ﴾ مثل ﴿ يؤده  ﴾ .

﴿ يدخلون ﴾ بضم الياء وفتح الخاء وكذلك في "مريم" و "حم المؤمن": أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ويزيد وأبو بكر وحماد.

الآخرون بالعكس ﴿ إبراهام ﴾ وما بعده في هذه السورة: هشام وكذلك روى الموصلي عن الأخفش عن ابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف.

﴿ مريداً ﴾ لا لأن ما بعده صفى له.

﴿ لعنه الله ﴾ م لأنّ قوله: ﴿ وقال ﴾ غير معطوف على ﴿ لعنه ﴾ ﴿ مفروضاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ خلق الله ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ط كيلا يصير ﴿ يعدهم ﴾ وصفاً للخسران ﴿ ويمنيهم ﴾ ط ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ محيصاً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ قيلاً ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط يجز به لا للعطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ نقيراً ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: ثم أشار إلى ما كانوا يتناجون به حيث يبيتون ما لا يرضى من القول.

والنجوى سر بين اثنين وكذا النجو يقال: نجوته نجواً أي ساررته وكذلك ناجيته.

قال الفراء: قد تكون النجى اسماً ومصدراً، والآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق بعضاً إلاّ أنها في المعنى عامة.

والمراد أنه لا خير فيما يتناجى به الناس ويخوضون فيه من الحديث.

﴿ إلاّ من أمر بصدقة ﴾ وفي محل "من" وجوه مبنية على معنى النجوى.

فإن كان النجوى السر جاز أن يكون "من" في موضع النصب لأنه استنثاء الشيء من خلاف جنسه كقوله إلاّ أواريّ ومعناه لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير، أو في موضع الرفع كقوله: إلاّ اليعافير وإلاّ العيس.

أبو عبيد جعل هذا من باب حذف المضاف معناه إلاّ نجوى من أمر على أنه مجرور بدل من كثير كما تقول: لا خير في قيامهم إلاّ قيام زيد أي في قيامه، وعلى هذا يكون الاستثناء من جنسه.

وإن كان النجوى بمعنى ذوي نجوى كقوله: ﴿ وإذ هم نجوى  ﴾ كان محله أيضاً مجروراً من ﴿ كثير ﴾ أو من نجوى كما لو قلت: لا خير في جماعة من القوم إلاّ زيد إن شئت أتبعت زيداً الجماعة وإن شئت أتبعته القوم.

وإنما قال: ﴿ لا خير في كثير ﴾ مع أنه يصدق الحكم كلياً بدليل قوله  : " كلام ابن آدم كله عليه / لا له إلاّ ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر" أو ذكر الله استجلاباً للقلوب وليكون أدخل في الاعتراف به، وليخرج عنه الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

واعلم أن قول الخير إما أن يتعلق بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، والأول إن كان من الخيرات الجسمانية فهو الأمر بالصدقة، وإن كان من الخيرات الروحانية بتكميل القوة النظرية أو العملية فهو الأمر بالمعروف.

والثاني هو الإصلاح بين الناس فثبت أن الآية مشتملة على جوامع الخيرات ومكارم الأخلاق، وهذه الأوامر وإن كانت مستحسنة في الظاهر إلاّ أنها لا تقع في حيّز القبول إلاّ إذا عمل صاحبها بما أمر كيلا يكون من زمرة ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ﴾ ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون  ﴾ وإلاّ إذا طلب بها وجه الله فلهذا قال: ﴿ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ ويمكن أن يقال: إنّ معنى ﴿ ومن يفعل ﴾ الأمر والمراد ومن يأمر فعبر عن الأمر بالفعل لأنّ الأمر فعل من الأفعال.

والمراد بقوله: ﴿ من أمر ﴾ من فعل لأنّ الأمر يلزمه الفعل غالباً.

ثم قال: ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ قال الزجاج: إنّ طعمة كان قد تبيّن له بما أظهر الله من أمره ما دلّه على صحة نبوة محمد  فعادى الرسول وأظهر الخلاف وارتد على عقبيه واتبع دين عبادة الأوثان وهو غير دين الموحدين وسبيلهم.

ومعنى ﴿ نوله ما تولى ﴾ نجعله والياً لما اختاره لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه.

قال بعض الأئمة: هذا منسوخ بآية السيف ولا سيما في حق المرتد.

والظاهر أن المراد به الطبع والخذلان ﴿ ونصله جهنم ﴾ نلزمه إياها ﴿ وساءت مصيراً ﴾ هي.

وانتصب ﴿ مصيراً ﴾ على التمييز من الضمير المبهم في ساءت لأنه يعود إلى ما في الذهن لا إلى المذكور.

يحكى أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب الله دالّة على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وقف على هذه الآية.

ووجه الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لأنه  جمع بين اتباع غير سبيلهم وبين مشاقة الرسول ورتب الوعيد عليهما، واتباع غير سبيل المؤمنين يلزمه عدم اتباع سبيل المؤمنين لاستحالة الجمع بين الضدين أو النقيضين.

فعدم اتباع سبيل المؤمنين حرام فاتباع سبيلهم واجب كموالاة الرسول.

وفي الاية دلالة على وجوب عصمة النبي  وعلى وجوب الاقتداء بأقواله وأفعاله وإلاّ وجب المشاقة في بعض من الأمور وهي منهي عنها في الكل.

قيل: في الآية دلالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلاّ بالنظر والاستدلال لأنّ الهدى اسم للدليل لا للعلم إذ لا معنى لتبيين العلم لكنه رتب الوعيد على المخالفة بعد تبيين الدليل فيكون تبيين الدليل معتبراً في صحة الدين.

وأقول: الموقوف على النظر هو معرفة وجود الواجب لذاته وصحة نبوّة / النبي  والباقي يكفي في اعتقاده إخبار الصادق على أن إخبار الصادق أيضاً دليل فلا حكم إلاّ عن دليل.

ثم إنه كرّر في السورة قوله: ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للتأكيد.

وقيل: لقصة طعمة وإشراكه بالله.

﴿ ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ﴾ لأنّه لا أجلى من وجود الصانع ووحدته، والمطلوب كلما كان أجلى كان نقيضه أبعد.

ثم أوضح هذا المعنى بقوله  : ﴿ إن يدعون ﴾ أي ما يعبدون ﴿ من دونه إلاّ إناثاً ﴾ أي أوثاناً وكانوا يسمونها بأسماء الإناث كاللات والعزى، فاللات تأنيث الله، والعزى تأنيث الأعز.

قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلاّ ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ويؤيده قراءة عائشة ﴿ إلاّ أوثاناً ﴾ وقراءة ابن عباس ﴿ إلاّ أثنا ﴾ جمع وثن مثل أسد وأسد إلاّ أن الواو أبدلت همزة كأجوه.

وقيل: المراد إلاّ أمواتاً لأنّ الإخبار عن الأموات يكون كالإخبار عن الإناث.

تقول: هذه الأحجار أعجبتني كما تقول هذه المرأة أعجبتني، ولأن الأنثى أخس من الذكر والميت أخس من الحي.

وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله.

وقيل: إنّ بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون الملائكة بنات الله.

﴿ وإن يدعون ﴾ ما يعبدون بعبادة الأصنام ﴿ إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ بالغاً في العصيان مجرداً عن الطاعة.

يقال: شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والأمرد ذلك الذي لم تنبت له لحية.

قال المفسرون: كان في كل واحدة من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم.

وقالت المعتزلة: جعلت طاعتهم للشيطان عبادة له لأنّه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه.

والظاهر أنّ المراد بالشيطان ههنا هو إبليس لأنه وصف بقوله: ﴿ لعنه الله وقال لأتخذن ﴾ وهو جواب قسم محذوف أي شيطاناً جامعاً بين لعنة الله إياه وبين هذا القول الشنيع وهو الإخبار عن الاتخاذ مؤكداً بالقسم.

ويمكن أن يقال: المراد بلعنة الله ما استحق به اللعن من استكباره عن السجود كقولهم: أبيت اللعن أي لا فعلت ما تستحقه به.

ومعنى ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ حظاً مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي وأصل الفرض القطع ومنه الفريضة لأنه قاطع الأعذار ﴿ وقد فرضتم لهن فريضة  ﴾ جعلتم لهن قطعة من المال.

وفرض الجندي رزقه المقطوع المعين.

قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وذلك لما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي  قال: يقول الله  : " "يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير بيديك.

قال: أخرج بعث النار.

قال: وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" الحديث.

وههنا سؤال وهو أن حزب الشيطان وهم الذين يتبعون خطواته من الكفار والفساق لما كانوا أكثر من حزب الله / فلم أطلق عليهم لفظ النصيب مع أنه لا يتناول إلاّ القسم الأقل؟

والجواب أنّ هذا التفاوت إنما يحصل من نوع البشر، أما إذا ضمّ الملائكة إليهم فالغلبة للمحقين لا محالة.

وأيضاً الغلبة لأهل الحق وإن قلّوا، وغيرهم كالعدم وإن كثروا ﴿ ولأضلنهم ﴾ يعني عن الحق قالت المعتزلة: فيه دلالة على أصلين من أصولنا: الأول أنّ المضل هو الشيطان دون الله، والثاني أنّ الإضلال ليس عبارة عن خلق الكفر والضلال فإنّ الشيطان بالاتفاق لا يقدر على ذلك.

وأجيب بأنّ هذا كلام إبليس فلا يكون حجة على أنّ كلامه في هذه المسألة مضطرب جداً فتارة يميل إلى القدر المحض وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ﴿ لأغوينهم  ﴾ وأخرى إلى الجبر المحض كقوله: ﴿ رب بما أغويتني  ﴾ ﴿ ولأمنينهم ﴾ الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال واقتحام الأهوال وانتظام الأحوال فلا يكاد يقدم على التوبة والإقبال على تهيئة زاد الآخرة حتى يصير قلبه كالحجارة أو اشد قسوة.

﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ البتك القطع، وسيف باتك أي صارم، والتبتيك التقطيع شدّد للكثرة.

وجمهور المفسرين على أنّ المراد به ههنا قطع آذان البحائر كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن إذا جاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ويسمونها بحيرة.

وقال بعضهم: كانوا يقطعون آذان الأنعام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق.

قوله: ﴿ فليبتكن ﴾ صيغة غابر للغائبين واللام لجواب قسم آخر أي فوالله ليبتكن وأصله ليبتكون، فلما دخلت النون الثقيلة سقطت نون الرفع ولتوالي الأمثال وواو الجمع لالتقاء الساكنين واكتفى بالضمة، والفاء للتسبيب والإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها والجملة كالتفسير لقوله: ﴿ ولآمرنهم ﴾ ومثله في الإعراب قوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ والمراد من التغيير إما المعنوي وإما الحسي.

فمن الأول قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن الضحاك ومجاهد والنخعي وقتادة والسدي أنه تغيير دين الله بتبديل الحرام حلالاً وبالعكس، أو بإبطال الاستعداد الفطري ﴿ فطرت الله التي فطر الناس عليها  ﴾ " كل مولود يولد على الفطرة " ومن الثاني قول الحسن المراد ما روى ابن مسعود عن النبي  : " لعن الله الواشمات والواشرات والمتنمصات " وذلك أنّ المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا.

أما وشم اليد فهو أن / يغرزها بالإبرة ثم يذر عليها النيل.

والوشر تحديد الأسنان، والتنميص نتف شعر الحاجب وغيره.

وقال أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبو صالح: تغيير خلق الله هو الخصاء وقطع الآذان وفقء العيون.

وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً أعور وأعين فحلها.

وخصاء البهائم مباح عند عامة العلماء وأما في بني آدم فمحظور.

وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم لأنّ الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم.

وقال ابن زيد: هو التخنث تشبه الذكر بالأنثى.

وعلى هذا فالسحق أيضاً داخل في الآية لأنّه تشبه الأنثى بالذكر.

وحكى الزجاج عن بعضهم أن الله  خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب، وخلق الشمس والقمر مسخرين للناس ينتفعون بهما فعبدوهما فغيروا خلق الله.

واعلم أن دخول الضرر في الإنسان إنما يكون على ثلاثة أوجه: التشويش والنقصان والبطلان، فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في ضرر الدين وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ثم فصل ذلك بقوله: ﴿ ولأمنينهم ﴾ وهو الضرر من جنس التشويش لأن صاحب الأماني يتشوّش فكره في استخراج الحيل الدقيقة والوسائل اللطيفة في تحصيل مطالبة الشهوية والغضبية والشيطانية.

وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ إشارة إلى الضرر بالنقصان لأنّ الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف العزم في طلب الآخرة.

وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ إشارة إلى البطلان لأن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الباقية فلا يزال يتزايد ميله وركونه إلى الدنيا حتى يتغير قلبه بالكلية ولا يخطر بباله ذكر الآخرة.

﴿ ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله ﴾ بأن فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به ﴿ فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ إذ فاته أشرف المطالب بسبب الاشتغال بأخسها.

والسبب فيه أنّ الشيطان يعدهم ويمنيهم فيقول للشخص إنه سيطول عمره وينال من الدنيا مقصوده ويستولي على أعدائه ويوقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت لي كما تيسرت لغيري ﴿ وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً ﴾ لأنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ونال مأموله على أحسن الوجوه فلا بد أن يكون عند الموت في أشد حسرة وأبلغ حيرة لأنّ المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الإلف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته آلم وأنكى.

وأيضاً لعل الشيطان يعدهم أنه لا قيامة ولا حساب ولا جزاء ولا عقاب فاجتهدوا في استيفاء اللذات العاجلة واغتنموا فرصة الحياة الزائلة فلذلك قيل: ﴿ أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصاً ﴾ مفراً ومعدلاً وله معنيان: أحدهما لا بدّ لهم من ورودها، الثاني التخليد بمعنى الدوام للكفار أو طول المكث للفساق.

/ ثم أردف الوعيد بالوعد على سنته المعهودة فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ﴾ قال أهل السنة: لو كان الخلود الدوام لزم التكرار فإذن هو طول المكث المطلق.

وقوله: ﴿ أبداً ﴾ مفيد للتأبيد.

﴿ وعد الله حقاً ﴾ مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره لأن قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعد منه تعالى ومضمونه هو مضمون وعد الله، وأما ﴿ حقاً ﴾ فمضمونه أخص من مضمون الوعد لأن الوعد من حيث هو وعد يحتمل أن يكون حقاً وأن لا يكون فمضموناهما متغايران تغاير الجنس والنوع ﴿ ومن أصدق من الله قيلاً ﴾ توكيد ثالث بليغ من قبل الاستفهام المتضمن للإنكار.

وفائدة هذه التوكيدات معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وإلقاء أمانية الفارغة والتنبيه على أن قول أصدق القائلين أولى بالقبول من قول من لا أحد أكذب منه.

والقيل: مصدر قال قولاً.

وعن ابن السكيت أن القيل والقال اسمان لا مصدران.

عن أبي صالح قال: جلس أهل الكتب أهل التوراة والإنجيل وأهل القرآن كل صنف يقول لصاحبه نحن خير منكم فنزلت: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ وقال مسروق وقتادة: احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم؛ نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم.

وقال المسلمون: نحن أهدى منكم وأولى بالله؛ نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب التى قبله فنزلت.

ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناواهم من أهل الأديان بقوله: ﴿ ومن يعمل من الصالحات ﴾ وبقوله: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ الآيتان.

وقيل: الخطاب في: ﴿ أمانيكم ﴾ لعبدة الأوثان, وأمانيهم أن لا يكون حشر ولا نشر ولا معاد ولا عقاب وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله.

وقيل: الخطاب للمسلمين وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر، وأما أماني أهل الكتاب فقولهم: ﴿ لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ﴿ لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة  ﴾ واسم "ليس" مضمر فقيل: أي ليس وضع الدين على أمانيكم.

وقيل: ليس الثواب الذي تقدم الوعد به في قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعن الحسن ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب أي أثر فيه وصدقه العمل، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل.

ويؤيد هذا المعنى قوله بياناً للمذكور: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ﴾ فمن هنا استدلت المعتزلة بالآية على القطع بوعيد الفساق ونفي الشفاعة، وأجيب بأنه مخصوص بالكفار لأنهم مخاطبون بالفروع عندنا.

سلمنا أنه يعم المؤمن والكافر إلاّ أنه مخصوص في حق / المؤمن بقوله: ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون جزاؤهم الآلام والأسقام والهموم والغموم الدنيوية؟

روي أنه لما نزلت الآية قال أبو بكر: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟

فقال  : " غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألست تمرض أليس يصيبك اللأواء؟

فهو ما تجزون" .

عن عائشة أن رجلاً قرأ هذه الآية فقال: أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا.

فبلغ النبي  كلامه فقال: "يجزي المؤمن في الدنيا بمصيبة في جسده وبما يؤذيه" .وعن أبي هريرة لما نزلت الآية بكينا وحزنا وقلنا: "يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئاً، فقال  : أبشروا فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلاّ جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه" ، سلمنا أن الجزاء إنما يصل إليه في الأخرة لكنه روي عن ابن عباس "أنه لما نزلت الآية شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءاً فكيف الجزاء؟

فقال  : إنه  وعد على الطاعة عشر حسنات، وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة، فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره" .

وأيضاً المؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات فوجب القطع بأنه يدخل الجنة.

قالوا: إن صاحب الكبيرة غير مؤمن، وأجيب بنحو قوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ أما حديث نفي الشفاعة فإذا كانت شفاعة الملائكة والأنبياء بإذن الله صدق أنه لا ولي لأحد ولا نصيراً إلاّ الله.

قال في الكشاف: "من" في قوله: ﴿ من الصالحات ﴾ للتبعيض أراد ومن يعمل بعض الصالحات لان كلاّ لا يتمكن من كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو في وسعه، وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة ولا صلاة في بعض الأحوال.

ومن في قوله: ﴿ من ذكر ﴾ لتبيين الإبهام في: ﴿ من يعمل ﴾ والضمير في: ﴿ لا يظلمون ﴾ عائد إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً، أو يعود إلى الصالحين فقط.

وذكره عند أحد الفريقين يغني عن ذكره عند الآخر والمسيء مستغن عن هذا القيد، فمن المعلوم أن أرحم الراحمين لا يزيد في عقابه وأما نقصان الفضل في الثواب كان محتملاً فأزيل ذلك الوهم، ثم بين فضل الإيمان المشروط به الفوز بالجنة فقال: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ وبيان الفضل من وجهين: الأول أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والانقياد لله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أسلم وجهه لله ﴾ وهو راجع إلى الاعتقاد الحق وعلى إظهار كمال الطاعة وحسن العمل والإخلاص وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وهو محسن ﴾ وهو عائد إلى فعل الخيرات وترك المنكرات بصفاء النيات وخلوص الطويات.

وفيه تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلاّ / عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق، وإظهار التبري من الحول والقوة، ومن الاستعانة بغير المعبود الحق من الأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها كائناً من كان الوجه الثاني أن محمداً  إنما دعا الخلق إلى ما يشبه دين أبيه إبراهيم  ، ومن المشهور فيما بين أهل الأديان أنه ما كان يدعو إلى عباده فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة، بل كان مائلاً عن الملل الباطلة بعيداً عنها بعد المركز عن جميع أجزاء الدائرة ولهذا شرف بقوله: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ وهذه جملة معترضة والسبب في إيرادها أن يعلم أن من كان في علو الدرجة بهذه الحيثية كان جديراً بأن تتبع طريقته.

قال العلماء: إن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره وقد دخل حبه في خلال قلبه، ولما أطلع الله  إبراهيم  على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة أخرى إلى توحيد الله ومنعهم عن عبادة النجوم والقمر والشمس وعن عبادة الأوثان، ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ثم جعله الله إماماً للناس ورسولاً إليهم وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته إلى يوم الدين كان خليلاً لله، لأن خلته عبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع.

وقيل: الخليل، هو الذي يوافقك في خلالك وقد قال  : " "تخلقوا بأخلاق الله" فلما بلغ إبراهيم  في مكارم الأخلاق مبلغاً لم يبلغه من تقدمه فلا جرم استحق اسم الخليل.

وقيل: الخليل الذي يسايرك في طريقك من الخل وهو الطريق في الرمل، فلما كان إبراهيم منقاداً لكل ما أمر به مجتنباً عن كل ما نهى عنه فكأنه ساير ووافق أوامر الله  ونواهيه فاستحق اسم الخليل لذلك.

هذا من جهة الاشتقاق, وأما من قبل أسباب النزول فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله  : "يا جبريل بم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟

قال: لإطعامه الطعام يا محمد" .

وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي: "دخل إبراهيم فجأة فرأى ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، فقال إبراهيم  : بإذن من دخلت؟

فقال: بإذن رب المنزل.

فعرفه إبراهيم  .

فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من عباده خليلاً.

قال إبراهيم: ومن ذلك؟

قال: وما تصنع به؟

قال: أكون خادماً له حتى أموت.

قال: فإنه أنت" .

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "أصاب الناس سنة جهدوا فيها فحشدوا إلى باب إبراهيم: يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له، فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله بمصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له ولكنه يريد للأضياف وقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم فمروا ببطحاء فقالوا: لو أنا احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة إنا لنستحي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة، فملؤا تلك الغرائر.

ثم إنهم أتوا إبراهيم وسارة نائمة فأعلموه ذلك فاهتم إبراهيم لمكان الناس فغلبته عيناه فنام واستيقظت / سارة فقامت إلى تلك الغرائر ففتحتها فإذا هي أجود حوّاري تكون فأمرت الخابزين فخبزوا وأطعموا الناس واستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام فقال: يا سارة من أين هذا الطعام؟

فقالت: من عند خليلك المصري.

فقال: هذا من عند خليلي الله فيومئذٍ اتخذه الله خليلاً" .

وقال شهر بن حوشب: "هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شج.

فقال إبراهيم: اذكره مرة أخرى فقال: لا أذكره مجاناً.

فقال: لك مالي كله.

فذكره الملك بصوت أشجى من الأول.

فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي.

فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك وإنما كان المقصود امتحانك" .

فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

وروى طاوس عن ابن عباس "أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلاً سميناً وقربه إليهم وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبريل: أنت خليل الله" .

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : " اتخذ الله إبراهيم خليلاً وموسى نجياً واتخذني حبيباً.

ثم قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي " قلت: ذكرت الفرق بين الخليل والحبيب في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ إذ قال له ربه أسلم  ﴾ فتذكر، قال في التفسير الكبير: إذا استنار جوهر الروح بالمعارف القدسية الجلايا الإلهية صار الإنسان متوغلاً في عالم القدس فلا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا الله، ولا يتحرك إلا لله، ولا يسكن إلا لله، فهذا الشخص يستحق أن يسمى خليل الله لما أن محبة الله ونوره تخللت في جميع قواه.

قال بعض النصارى: إذا جاز إطلاق الخليل على إنسان تشريفاً فلم له يجز إطلاق الابن على آخر لمثل ذلك؟

والجواب أن الخلة لا تقتضي الجنسية بخلاف البنوة وإنه  متعال عن مجانسة المحدثات.

ولهذا قال بعد ذلك: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ ليعلم أنه لم يتخذ إبراهيم خليلاً للمجانسة أو الاحتياج, ولكنه اصطفاه لمجرد الفضل والأمتنان، وفيه أنه مع خلته لم يستنكف أن يكون عبداً له داخلاً تحت ملكه وملكه، وفيه أن من كان في القهر والتسخير بهذه الحيثية وجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وينقاد لأوامره ونواهيه كما قال إبراهيم: ﴿ أسلمت لرب العالمين  ﴾ وأيضاً إنه لما ذكر الوعد والوعيد وإنه لا يمكن الوفاء بهما إلاّ بالقدرة التامة على جميع الممكنات والعلم الكامل الشامل لجميع الكليات والجزئيات أشار إلى الأول بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإلى الثاني بقوله: ﴿ وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ وإنما قدم القدرة على العلم لأن الفعل بحدوثه يدل على القدرة وبما فيه من الإحكام والإتقان يدل على العلم، ولا ريب أن الاعتبار الأول مقدم على الثاني.

وقال بعضهم: الإحاطة أيضاً ههنا بمعنى القدرة كقوله  : ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط / الله بها  ﴾ ولا يلزم تكرار لأن الأول لا يدل إلا على مالك لكل ما في السموات والأرض قادر عليهما والثاني يفيد القدرة المطلقة على جميع الأشياء وإن فرضت خارج السموات والأرض، وعلى أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه.

التأويل: ﴿ لا خير في كثير ﴾ من نجوى النفس والهوى والشيطان إلاّ فيمن أمر بالخيرات وهو الله بالوحي وبالخواطر الرحمانية ثم خواص عباده.

﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ أي يخالف الإلهام الرباني ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ بأن يتبع الهوى وتسويل النفس والشيطان ﴿ نوله ما تولى ﴾ نكلله بالخذلان إلى ما تولي ﴿ ونصله ﴾ بسلاسل معاملاته.

﴿ جهنم ﴾ الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية.

﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ ولو كان مغفوراً لم يشرك به ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآن ﴿ فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ وهو الضلال بالإضلال الأزلي فافهم ﴿ إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً ﴾ صفات ذميمة يتولد منها الشرك ﴿ وإن يدعون إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ هي الدنيا كما قال  : " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله وما والاه " والنصيب المفروض طائفة خلقهم الله أهلاً للنار ﴿ ولأضلنهم ﴾ كذب عدو الله فإنه مزين وليس إليه من الضلالة شيء كما قال  : " "بعثت مبلغاً وليس إليّ من الهداية شيء " ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وهو قوله: " "هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي " .

﴿ ليس بأمانيكم ﴾ يعني عوام الخلق الذين يذنبون ولا يتوبون ويطمعون أن يغفر الله لهم وقد قال: ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً  ﴾ و ﴿ ولا أماني أهل الكتاب ﴾ علماء السوء الذين يغرون العوام بالرجاء والطمع ويقطعون عليهم طريق الطلب والاجتهاد فليس من تمنى نعمته من غير أن يتعنى في خدمته كمن تعنى في خدمته من غير أن يتمنى نعمته ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ في الحال بإظهار الرين على مرآة قلبه كما قال  : " إذا أذنب عبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ورجع منه صقل" ﴿ ولا يجد له من دون الله ولياً ﴾ يخرجه من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة والتوبة.

﴿ ولا نصيراً ﴾ ينصره بالظفر على النفس الأمارة ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ أي من قلب أو نفس ﴿ ومن / أحسن ديناً ﴾ يعني من محمد  حين أسلم سره وروحه وقلبه ونفسه وشيطانه كما قال: " "أسلم شيطاني على يدي" " ومن إسلام نفسه يقول يوم القيامة: "أمتى أمتي" حين يقول الأنبياء نفسي نفسي ﴿ وهو محسن ﴾ بمعنى أنه من أهل المشاهدة يعبد الله كأنه يراه بل يراه ولأنه أحسن خلقه العظيم إلى أن بلغ حد الكمال والختم.

واتبع ملة إبراهيم بأن الله اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً.

قيل لمجنون بني عامر: ما اسمك؟

قال: ليلى.

وقيل لمحمد  .

ما اسمك؟

قال: الحبيب.

فكان محمد  حبيباً خليلاً أي فقيراً من الخلة الحاجة لأنه افتقر بالكلية إلى الله في كل أحواله.

والفرق بين مقام الخليل ومقام الحبيب أنالخليل اتخذ الآلهة عدواً في الله ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ والحبيب اتخذ نفسه عدواً في الله وقال: ليت رب محمد لم يخلق محمداً وهذا مقام الفناء في الفناء بل البقاء بعد الفناء فلا جرم يقول بالرب عن الرب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ...

﴾ الآية.

في الآية دليل ألا يصير بكل ذنب مشركاً؛ على ما قاله الخوارج لما قسم الكتاب، ولا يحتمل إضمار التوبة؛ لأن الشرك مما: يُغفر بالتوبة؛ فبطل قولهم.

وفيه بطلان قول من يبطل المغفرة في الكبائر بلا توبة؛ لأن الله -  - جعل لنفسه مشيئة المغفرة، وذلك فيما في الحكمة دفعه سفه؛ فلزم الذي ذكرنا الفريقين جميعاً.

ثم الذي ينقض قول الخوارج الذين يكفرون بارتكاب الصغائر - ما بلى بها الأنبياء والأولياء؛ وما يكفر صاحبه - يُسقط النبوة والولاية، ومن كان وصف إيمانه بالأنبياء - عليهم السلام - هذا؛ فهو كافر بهم.

وعلى المعتزلة في ذلك أن الله وصف الأنبياء - عليهم السلام - بالدعاء له تضرعاً وخيفة، وخوفاً وطمعاً، وبكائهم على ما كان منهم من الزلات وتضرعهم إليه؛ حتى أجيبوا في دعائهم، ولو لم يكن ذنوبهم بحيث يحتمل التعذيب عليها في الحكمة، لكان في ذلك تعدى الحد والوصف بالجور والتعوذ به، وذلك أعظم من الزلات.

فهذا ينقض قول المعتزلة في إثبات المغفرة في الصغائر، وإخراج فعل التعذيب عن الحكمة، وقول الخوارج بإزالة اسم الإيمان بها، ولا عصمة إلا بالله.

ثم قوله: ﴿ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ - يحتمل: الشرك في الاعتقاد، وهو أن يشرك غيره في ربوبيته وألوهيته، وبين أن يشرك غيره في عبادته؛ ألا ترى أنه قال: - عز وجل -: ﴿ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ  ﴾ ثم قال الله -  - في آخره: ﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً  ﴾ : جعل الإشراك في الألوهية والربوبية، والإشراكَ في العبادة واحداً؛ كله شرك بالله، وبالله التوفيق.

ثم قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ لا يحتمل ما قالت المعتزلة: إنه وعد المغفرة فيما يشاء، ثم بين ذلك في الصغائر بقوله -  -: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ  ﴾ وقد ثبت الوعيد في الكبائر؛ بقي الوعد بحقه لم يزل بالذي ذكر لاحتماله.

وقيل: قوله: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ كناية عن الأنفس المغفورات، لا عن الآثام والأجرام التي تغفر، لم يجز صرف التخصيص إلى الآثام بالآية المكنى بها عن الأنفس؛ لأنه لم يقل: ما شاء، ولكن قال: عز وجل -: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ ؛ فذلك كناية عن الأنفس.

وفي آيات الوعيد تحقيق في الذين جاء بهم، وفيما جاء على ما قيل: لا صرف في ذلك؛ فهو أولى.

وبعد: فإنه قال: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ ، والصغائر عندهم مغفورة بالحكمة لا بالوعد، والآية في التعريف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً ﴾ .

عن الحسن قال: الإناث: الأموات التي لا روح فيها وكذلك روي عن ابن عباس،  .

وقيل قوله -  -: ﴿ إِلاَّ إِنَٰثاً ﴾ : هم الملائكة؛ لأنهم يقولون: الملائكة بنات الله في السماء؛ فعبدوها؛ فإنهم إنما عبدوا الإناث عندهم وفي زعمهم.

وقيل: إناثاً من الوثن؛ وكذلك روي حرف عائشة -  ا - أنها كانت تقرأ: "إن يدعون من دونه إلا أوثانا"، وهو الصنم؛ سمي إناثاً لما صوروها بصور الإناث، وحلُّوْها، وقلدوها قلائد، وزينوها بزيهم، ثم يعبدونها لم يعبدوها على ما كان في الأصل؛ فسمي بذلك.

وقيل: سمي إناثاً؛ لأنهم كانوا يسمون ما يعبدون من الأصنام والأوثان: اللات، والعزى، ومناة، فأسماؤهن أسماء إناث، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً ﴾ : أخبر الله - عز جل - [أنهم] وإن كانوا يفرون من الشيطان ويأنفونه - فإنهم بعبادتهم الأصنام؛ والأوثان يعبدون الشيطان؛ لأن الشيطان هو الذي يدعوهم إلى عبادتهم الأصنام؛ فكأنهم عبدوه؛ ألا ترى أن إبراهيم -  - قال: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ : جعل عبادة الصنم عبادة للشيطان؛ حيث قال له: ﴿ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ؛ فدل أن عبادتهم الأوثان عبادة للشيطان، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّرِيداً ﴾ ، قال ابن عباس: المريد: هو العاتي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ﴾ .

اللعنة: هي الإبعاد من رحمة الله، فسمي: ملعوناً؛ لأنه مبعد من رحمة الله، مطرود منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ .

إنه - لعنه الله - وإن قطع القول فيه: لأتخذن من كذا، قطعا - فهو ظن في الحقيقة؛ ألا ترى أنه قال -  - في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ  ﴾ ؛ دل أن ما قاله، قاله ظنّاً، لكنه خرج مقطوعاً محققاً، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ، أي: مبيناً معلوماً، والنصيب المفروض هو ما ذكر: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ إلى آخر ما ذكر ﴿ مَّفْرُوضاً ﴾ ، أي: مبيناً: من يطيعه ومن لا يطيعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ الآية.

قيل: هذا إخبار عن الله -  - عبادَهُ عن صنيع اللعين؛ ليكونوا على حذر منه.

ثم قوله: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ - ليس على حقيقة الإضلال؛ لأنه لا يقدر أن يضل أحداً، لكنه يدعو إلى الضلال ويزين عليهم طريقه، ويلبس عليهم طريق الهدى؛ فذلك معنى إضافة الإضلال إليه؛ وإلا لم يملك إضلال أحد في الحقيقة؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ...

﴾ الآية [إبراهيم: 22].

ثم إذا ضلوا بدعائه إلى ذلك وتزيينه عليهم سبيله - يمنيهم عند ذلك؛ حتى يتمنوا أشياء؛ كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ...

﴾ الآية [الأحقاف: 11]، وكقوله -  - ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ  ﴾ ونحو ذلك من الأماني، وذلك مما يمنيهم الشيطان، لعنة الله عليه.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ ، يعني: عن الدين، ﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ أن يصيبوا خيراً لا محالة؛ ليأمنوا.

وفي حرف ابن مسعود: "ولأعدنهم ولأمنينهم ولأحرمن عليهم الأنعام ولآمرنهم فليبدلن خلقك ولآمرنهم فليبتكن".

وقوله: ﴿ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ ﴾ .

فجعلوها نحراً للأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين، سوى ما قال أهل التأويل: أحدهما: أن الله -  - خلق هذا الخلق؛ ليأمرهم بالتوحيد، وليجعلوا عبادتهم له، لا يعبدون دون الله غيره؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنْهُم...

﴾ الآية [الذاريات: 56-57]؛ فهو دعاهم أن يجعلوا عبادتهم لغير الله، وهو ما قيل في قوله - عز وجل -: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ  ﴾ ، قيل: لدين الله؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: ﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: عن الذي كان خَلْقُهُ إياهم لذلك، والله أعلم.

والثاني: أنه - عز وجل - خلق الأنعام والبهائم لمنافعهم، وسخرها لهم، فهم حرموها على أنفسهم، وجعلوها للأوثان والأصنام: كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام؛ منعوا منافعها التي خلقها لهم عن أنفسهم، وذلك تغيير ما خلق الله لهم، والله -  - أعلم.

وأما أهل التأويل فإنهم قالوا غير الذي ذكرنا: قال بعضهم: قوله: ﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ﴾ : الإخصاء، وهو قول ابن عباس،  .

وقال آخرون: هو دين الله.

وروي عن ابن عباس -  - أنه قال - أيضاً -: دين الله.

وقيل: هو ما جاء من النهي عن الواشرة، والنامصة، والمتفلجة، والواصلة، والواشمة.

ولا يحتمل أن يكون خطر بباله يومئذ أنه أراد بتغيير خلق الله ما قالوا من الإخصاء، أو المثلة، والواشرة، والنامصة؛ لأنه إنما قال ذلك يوم طلب من ربه النظِرة إلى يوم البعث، ولا يحتمل أن يكون له علم ألا يحل هذا أو النهي عن مثله؛ إذ قد يجوز أن ترد الشريعة في مثله؛ لذلك بعد [هذا]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: يطيعه ويجيبه إلى ما دعاه، ويعبده دون الله.

﴿ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِينا ﴾ .

في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فذهاب المنافع عنهم التي جعلوها للأصنام والأوثان، وفي الآخرة العقوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعِدُهُمْ ﴾ .

إما فقراً وإما سعة.

﴿ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ .

هو ما ذكرنا من الأماني وقضاء الشهوات في الدنيا.

﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .

والغرور: هو أن يرى شيئاً يظهر خلافه.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ﴾ .

الآية ظاهرة، قيل: مفرا، وقيل: ملجأ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم: أن الإيمان هو التصديق، والأعمال الصالحات غير التصديق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً ﴾ .

تأويل هذا - والله أعلم - أن يقال: إنكم ممن تقبلون الأخبار والقول من الناس، ثم لا أحد أصدق قولا من الله -  - ولا أنجز وعدا منه؛ كيف لا تقبلون قوله وخبره أنه بَعْثٌ، وجنة، ونار، وتكذبون قول إبليس أن لا جنة، ولا نار، ولا بعث؟!.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الله لا يغفر أن يُشرك به، بل يُخلد المشرك في النار، ويغفر ما دون الشرك من المعاصي لمن يشاء برحمته وفضله، ومن يشرك مع الله أحدًا فقد تاه عن الحق وبعد عنه بعدًا كثيرًا؛ لأنه سَوَّى بين الخالق والمخلوق.

<div class="verse-tafsir" id="91.GQaxR"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم صدور هذه الآية في هذه السورة وتتمها هناك ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا  ﴾ وقد تقدمها هنالك إثبات ضلال أهل الكتاب وتحريفهم، ودعوتهم إلى الإيمان بما أنزله الله على نبيه مصدقًا لما معهم، فقد بيّن لهم أن اتباع الرسول فيما جاء به والتسليم له درجات -فمنها ما تغلب النفوس على مخالفته نزوات الشهوة وثورات الغضب ثم يعود صاحبه ويتوب، فهذا مما قد تناله المغفرة، وأما التوحيد الذي هو أساس الدين فلا يُغْفَر الميل عنه إلى ضرب من ضروب الشك.

والآيات التي قبل هذه الآية تفيد أن السياق هنا كالسياق هناك فأعادها لذلك المقصد وهو بيان أن مشاقة الرسول ومخالفته إنما تكون بالخروج عن التوحيد والوقوع في الشرك لأن؛ التوحيد روح الدين وقوامه، فالمناسبة هنا تقتضي أن يعاد هذا المعنى، وهي إعادة تنادي البلاغة بطلبها، ولا تعد من التكرار الذي قالوا إنه ينافي البلاغة، فإن هذا إنما يتحقق إذا كان المخاطبون قد فهموا منك معنى تمام الفهم كما تريد ثم ذكرته لهم بعبارة لا تزيدهم فائدة ولا تأثيرًا جديدًا ولا تمكينًا للمعنى، وأما ما يفيد شيئًا من هذا الذي ذكرناه فهو الذي تقتضيه البلاغة.

﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا  ﴾ إن كثيرًا من المفسرين قالوا إن المراد بالإناث هنا الموتى لأن العرب تطلق عليهم لفظ الإناث لضعفهم أو يقال لعجزهم، ومع ذلك كان يعظمون بعض الموتى ويدعونها كما يفعل ذلك كثير من أهل الكتاب ومسلمي القرون.

وهذا هو الذي اختاره، والمراد بالدعاء ذلك التوجه المخصوص بطلب المعونة لهيبة غيبية لا يعقل الإنسان معناها، أما تفسير البعض للإناث بالأصنام، فهو مستبعد، وكذلك تفسيرها بالملائكة، لأنهم سموهم بنات الله.

﴿ وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا  ﴾ أي وما يدعون بدعوتها إلا شيطانًا مريدًا، قالوا الشيطان يطلق على العارم الخبيث من الجن والإنس، والمريد والمارد المتعري من الخيرات من قولهم: شجر أمرد إذا تعرى من الورق ومنه رملة مرداء لم تنبت شيئًا، أو هو من مرد على الشيء إذا مرن عليه حتى صار يأتيه بغير تكلف ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ  ﴾ أي شيطانًا مرد على الإغواء والإضلال، أو تمرد واستكبر عن الطاعة ثم وصفه وصفًا آخر فقال ﴿ لَعْنَةُ اللَّهِ  ﴾ واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد مع السخط والإهانة والخزي، أي أبعده الله عن مواقع فضله وتوفيقه وموجبات رحمته، أي أنهم يدعون إلا ذلك الشيطان المريد الملعون الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان ما يوسوس في صدره ويعده ويمينه كما بينه قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا  ﴾ إلخ.

النصيب المفروض هو ما للشيطان في نفس كل أحد من الاستعداد للشر الذي هو أحد النجدين في قوله تعالى: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ فهذا هو عون الشيطان على الإنسان، وهو عام في الناس حتى المعصومين، ولكن أخبرنا الله تعالى أنه ليس له سلطان على عباده المخلصين، فإذا هو زين لهم شيئًا لا يغلبهم على عمله، فما من إنسان إلا ويشعر في نفسه بوسوسة الشيطان فإن لم يكن بالشرك فبالمعصية والإصرار عليها أو الرياء في العبادة.

وهذا القول وأمثاله في القرآن المجيد في مخاطبة إبليس مع البارئ جلّ وعلا هو من الأقوال التكوينية أي التي يعبر بها عن تكوين العالم، وما خلقه الله عليه كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ فقوله تعالى هذا للسماء والأرض قول تكويني لا تكليفي فهو من قبيل قوله للشيء.

﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ وقولهما: ﴿ أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ تكويني أيضًا فهو عبارة عن كونهما وجدتا كما أراد الله تعالى أن توجدا عليه كما يجيب العبد العاقل نداء مولاه.

والمعنى أن الشيطان خلق هكذا فدعاؤه متمرد على الحق بعيد عن الخير مغري بإغواء البشر وإضلالهم كما عبر عن طبعه وسجيته بصيغة القسم: ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ  ﴾ ..

إن إضلاله لمن يضلهم هو عبارة عن صرفهم عن العقائد الصحيحة بمعنى أنه يشغلهم عن الدلائل الموصلة إلى الحق والهدى، وأما التمنية فهي في الأعمال بأن يزين لهم الاستعجال باللذات الحاضرة والتسويف بالتوبة وبالعمل الصالح، بل هذا اسم جامع لأنواع وحي الشيطان كلها وتغريره للناس بعفو الله ورحمته ومغفرته.

﴿ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ  ﴾ البتك يقارب البت في معناه العام الذي هو القطع والفصل، فالبت يقال في قطع الحبل والوصل من الحسيات، وفي الطلاق يقال طلقها بتة أي طلاقًا بائًنًا.

والبتك يقال في قطع الأعضاء والشعر ونتف الريش، وبتكت الشعر تناولت بتكة منه وهي بالكسر القطعة المنجذبة جمعها بتك قال الشاعر: * طارت وفي يده من ريشها بتك * والمراد به ما كانوا يفعلونه من قطع آذان بعض الأنعام لأصنامهم كالبحائر التي كانوا يقطعون أو يشقون آذانها شقًا واسعًا ويتركون الحمل عليها.

وكان هذا من أسخف أعمالهم الوثنية وسفه عقولهم ولهذا خصه بالذكر وإن كان داخلًا فيما قبله.

﴿ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ  ﴾ جرى قليل من المفسرين على أن المراد بتغيير خلق الله تغيير دينه، وذهب بعضهم إلى أنه التغيير الحسي، وبعضهم إلى أنه التغيير المعنوي وبعضهم إلى ما يشملها، وقال كثير منهم إن المراد تغيير الفطرة الإنسانية بتحويلها عما فطرت عليه من الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق، وتربيتها على الأباطيل والرذائل والمنكرات، فالله سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وهؤلاء يفسدون ما خلق ويطمسون عقول الناس.

﴿ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا  يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ لولا وعود الشيطان لما عني أولياؤه بنشر مذاهبهم الفاسدة وآرائهم وأضاليلهم، التي يبتغون بها الرفعة والجاه والمال، وهؤلاء موجودون في كل زمان ويعرفون بمقاصدهم، وقد دل على هذا ما قبله ولكنه ذكره ليصل به قوله: ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا  ﴾ أي إلا باطلًا يغترون به ولا يملكون منه ما يحبون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد