الآية ١٢٦ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٢٦ من سورة النساء

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍۢ مُّحِيطًۭا ١٢٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٦ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) أي : الجميع ملكه وعبيده وخلقه ، وهو المتصرف في جميع ذلك ، لا راد لما قضى ، ولا معقب لما حكم ، ولا يسأل عما يفعل ، لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته .

وقوله : ( وكان الله بكل شيء محيطا ) أي : علمه نافذ في جميع ذلك ، لا تخفى عليه خافية من عباده ، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للناظرين وما توارى .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا ، لطاعته ربَّه، وإخلاصه العبادة له، والمسارعةِ إلى رضاه ومحبته، لا من حاجةٍ به إليه وإلى خُلَّته.

وكيف يحتاج إليه وإلى خلَّته، وله ما في السموات وما في الأرض من قليل وكثير مِلْكًا، والمالك الذي إليه حاجة مُلْكه، دون حاجته إليه؟

يقول: (63) فكذلك حاجة إبراهيم إليه، لا حاجته إليه فيتخذه من أجل حاجته إليه خليلا ولكنه اتخذه خليلا لمسارعته إلى رضاه ومحبته.

يقول: فكذلك فسارعوا إلى رضايَ ومحبتي لأتخذكم لي أولياء=" وكان الله بكل شيء محيطًا "، ولم يزل الله محصيًا لكل ما هو فاعله عبادُه من خير وشرّ، عالمًا بذلك، لا يخفى عليه شيء منه، ولا يعزب عنه منه مثقال ذرَّة.

(64) ---------------------- الهوامش : (63) قوله: "يقول" ليست في المطبوعة ، وهي ثابتة في المخطوطة.

(64) انظر تفسير"كان" بمعنى: لم يزل ، فيما سلف في فهارس اللغة (كون)= وتفسير"الإحاطة" و"محيط" فيما سلف ص: 193 ، تعليق: 1.

والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاقوله تعالى : ولله ما في السماوات وما في الأرض أي ملكا واختراعا .

والمعنى إنه اتخذ إبراهيم خليلا بحسن طاعته لا لحاجته إلى مخالته ولا للتكثير به والاعتضاد ؛ وكيف وله ما في السماوات وما في الأرض ؟

وإنما أكرمه لامتثاله لأمره .قوله تعالى : وكان الله بكل شيء محيطا أي أحاط علمه بكل الأشياء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذه الآية الكريمة فيها بيان إحاطة الله تعالى بجميع الأشياء، فأخبر أنه له { مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ْ} أي: الجميع ملكه وعبيده، فهم المملوكون وهو المالك المتفرد بتدبيرهم، وقد أحاط علمه بجميع المعلومات، وبصره بجميع المبصرات، وسمعه بجميع المسموعات، ونفذت مشيئته وقدرته بجميع الموجودات، ووسعت رحمته أهل الأرض والسماوات، وقهر بعزه وقهره كل مخلوق، ودانت له جميع الأشياء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا ) أي : أحاط علمه بجميع الأشياء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولله ما في السماوات وما في الأرض» ملكا وخلقا وعبيدا «وكان الله بكل شيء محيطا» علما وقدرة أي لم يزل متصفا بذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولله جميع ما في هذا الكون من المخلوقات، فهي ملك له تعالى وحده.

وكان الله تعالى بكل شيء محيطًا، لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان أنه هو المالك لكل شئ ، والمهيمن على شئون هذا الكون فقال : ( وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً ) .أى : ولله - تعالى - وحده جميع ما فى السماوات وما فى الأرض من موجودات ، فهو خالقها ومالكها ولا يخرج عن ملكوته شئ منها .

وكان الله - تعالى - بكل شئ محيطا ، بحيث لا تخفى عليه خافية من شئون خلقه ، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد بشرت المؤمنين بحسن الثواب ، وبينت أن ثواب الله لا ينال بالأمانى وإنما ينال بالإِيمان والعمل الصالح ، وأن الدين الحق هو الذى يدعو الإِنسان إلى إخلاص نفسه لله ، وإلى إحسان العمل فى طاعته ، وإلى اتباع ما كان عليه إبراهيم من منهاج سليم ، وخلق قويم .

وأنه - سبحانه هو المتصرف فى شئون هذا الكون ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أعلم أنه تعالى لما شرط حصول النجاة والفوز بالجنة بكون الإنسان مؤمناً شرح الإيمان وبين فضله من وجهين: أحدهما: أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والخضوع والانقياد لله تعالى، والثاني: وهو أنه الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكل واحد من هذين الوجهين سبب مستقل بالترغيب في دين الإسلام.

أما الوجه الأول: فأعلم أن دين الإسلام مبين على أمرين: الاعتقاد والعمل: أما الاعتقاد فإليه الإشارة بقوله: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ ﴾ وذلك لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع.

والوجه أحسن أعضاء الإنسان، فالإنسان إذا عرف بقلبه ربه وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه فقد أسلم وجهه لله، وأما العمل فإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ ويدخل فيه فعل الحسنات وترك السيئات، فتأمل في هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض، وأيضاً فقوله: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ يفيد الحصر، معناه أنه أسلم نفسه لله وما أسلم لغير الله وهذا تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلا عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق وأظهار التبري من الحول والقوة، وأيضاً ففيه تنبيه على فساد طريقة من استعان بغير الله، فإن المشركين كانوا يستعينون بالأصنام ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، والدهرية والطبيعيون يستعينون بالأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها، واليهود كانوا يقولون في دفع عقاب الآخرة عنهم: أنهم من أولاد الأنبياء، والنصارى كانوا يقولون: ثالث ثلاثة، فجميع الفرق قد استعانوا بغير الله.

وأما المعتزلة فهم في الحقيقة ما أسلمت وجوههم لله لأنهم يرون الطاعة الموجبة لثوابهم من أنفسهم، وأما أهل السنة الذين فوضوا التدبير والتكوين والإبداع والخلق إلى الحق سبحانه وتعالى، واعتقدوا أنه لا موجد ولا مؤثر إلا لله فهم الذين أسلموا وجوههم لله وعولوا بالكلية على فضل الله، وانقطع نظرهم عن كل شيء ما سوى الله.

وأما الوجه الثاني في بيان فضيلة الإسلام: وهو أن محمداً عليه الصلاة والسلام إنما دعا الخلق إلى دين إبراهيم عليه السلام، فلقد اشتهر عند كل الخلق أن إبراهيم عليه السلام ما كان يدعو إلا إلى الله تعالى كما قال: ﴿ إِنَّنِى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ  ﴾ وما كان يدعو إلى عبادة فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة، بل كان دينه الدعوة إلى الله والإعراض عن كل ما سوى الله ودعوة محمد عليه الصلاة والسلام قد كان قريباً من شرع إبراهيم عليه السلام في الختان وفي الأعمال المتعلقة بالكعبة: مثل الصلاة إليها والطواف بها والسعي والرمي والوقوف والحلق والكلمات العشر المذكورة في قوله: ﴿ وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ  ﴾ ولما ثبت أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام كان قريباً من شرع إبراهيم ثم إن شرع إبراهيم مقبول عند الكل، وذلك لأن العرب لا يفتخرون بشيء كافتخارهم بالانتساب إلى إبراهيم، وأما اليهود والنصارى فلا شك في كونهم مفتخرين به، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون شرع محمد مقبولاً عند الكل.

وأما قوله: ﴿ حَنِيفاً ﴾ ففيه بحثان: الأول: يجوز أن يكون حالاً للمتبوع، وأن يكون حالاً للتابع، كما إذا قلت: رأيت راكباً، فإنه يجوز أن يكون الراكب حالاً للمرئي والرائي.

البحث الثاني: الحنيف المائل، ومعناه أنه مائل عن الأديان كلها، لأن ما سواه باطل، والحق أنه مائل عن كل ظاهر وباطن، وتحقيق الكلام فيه أن الباطل وإن كان بعيداً من الباطل الذي يضاده فقد يكون قريباً من الباطل الذي يجانسه، وأما الحق فإنه واحد فيكون مائلاً عن كل ما عداه كالمركز الذي يكون في غاية البعد عن جميع أجزاء الدائرة.

فإن قيل: ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمد عليه الصلاة والسلام نفس شرع إبراهيم، وعلى هذا التقدير لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة مستقلة، وأنتم لا تقولون بذلك.

قلنا: يجوز أن تكون ملة إبراهيم داخلة في ملة محمد عليه الصلاة والسلام مع اشتمال هذه الملة على زوائد حسنة وفوائد جليلة.

ثم قال تعالى: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها، وفيه وجهان: الأول: أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في علو الدرجة في الدين أن اتخذه الله خليلاً كان جديراً بأن يتبع خلقه وطريقته.

والثاني: أنه لما ذكر ملة إبراهيم ووصفه بكونه حنيفاً ثم قال عقيبه ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ أشعر هذا بأنه سبحانه إنما اتخذه خليلاً لأنه كان عالماً بذلك الشرع آتياً بتلك التكاليف، ومما يؤكد هذا قوله: ﴿ وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا  ﴾ وهذا يدل على أنه سبحانه إنما جعله إماماً للخلق لأنه أتم تلك الكلمات.

وإذ ثبت هذا فنقول: لما دلت الآية على أن إبراهيم عليه السلام إنما كان بهذا المنصب العالي وهو كونه خليلاً لله تعالى بسبب أنه كان عاملاً بتلك الشريعة كان هذا تنبيهاً على أن من عمل بهذا الشرع لابد وأن يفوز بأعظم المناصب في الدين، وذلك يفيد الترغيب العظيم في هذا الدين.

فإن قيل: ما موقع قوله: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ قلنا: هذه الجملة اعتراضية لا محل لها من الاعراب، ونظيره ما جاء في الشعر من قوله: والحوادث جمة *** والجملة الاعتراضية من شأنها تأكيد ذلك الكلام، والأمر هاهنا كذلك على ما بيناه.

المسألة الثانية: ذكروا في اشتقاق الخليل وجوهاً: الأول: أن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره، والذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه، ولا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة.

قيل: لما أطلع الله إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد الله، ومنعهم عن عبادة النجم والقمر والشمس، ومنعهم عن عبادة الأوثان ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان جعله الله إماماً للخلق ورسولاً إليهم، وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته، فلهذه الاختصاصات سماه خليلاً، لأن محبة الله لعبده عبارة عن إرادته لإيصال الخيرات والمنافع إليه.

الوجه الثاني في اشتقاق اسم الخليل: أنه الذي يوافقك في خلالك.

أقول: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «تخلقوا بأخلاق الله» فيشبه أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في هذا الباب مبلغاً لم يبلغه أحد ممن تقدم لا جرم خصه الله بهذا التشريف.

الوجه الثالث: قال صاحب الكشاف: إن الخليل هو الذي يسايرك في طريقك، من الخل وهو الطريق في الرمل، وهذا الوجه قريب من الوجه الثاني، أو يحمل ذلك على شدة طاعته لله وعدم تمرده في ظاهره وباطنه عن حكم الله، كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين  ﴾ .

الوجه الرابع: الخليل هو الذي يسد خللك كما تسد خلله، وهذا القول ضعيف لأن إبراهيم عليه السلام لما كان خليلاً مع الله امتنع أن يقال: إنه يسد الخلل، ومن هاهنا علمنا أنه لا يمكن تفسير الخليل بذلك، أما المفسرون فقد ذكروا في سبب نزول هذا اللقب وجوها: الأول: أنه لما صار الرمل الذي أتى به غلمانه دقيقاً قالت امرأته: هذا من عند خليلك المصري، فقال إبراهيم: بل هو من خليلي الله، والثاني: قال شهر بن حوشب: هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي فقال إبراهيم عليه السلام: اذكره مرة أخرى، فقال لا أذكره مجاناً، فقال لك مالي كله، فذكره الملك بصوت أشجى من الأول، فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي، فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك، وإنما كان المقصود امتحانك، فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله لا جرم اتخذه الله خليلاً.

الثالث: روى طاوس عن ابن عباس أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه وظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلاً سميناً وقربه إليهم وقال كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره، فقال جبريل أنت خليل الله، فنزل هذا الوصف.

وأقول: فيه عندي وجه آخر، وهو أن جوهر الروح إذا كان مضيئاً مشرقاً علوياً قليل التعلق باللذات الجسمانية والأحوال الجسدانية، ثم انضاف إلى مثل هذا الجوهر المقدس الشريف أعمال تزيده صقالة عن الكدورات الجسمانية وأفكار تزيده استنارة بالمعارف القدسية والجلايا الإلهية، صار مثل هذا الإنسان متوغلاً في عالم القدس والطهارة متبرئاً عن علائق الجسم والحس، ثم لا يزال هذا الإنسان يتزايد في هذه الأحوال الشريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلاّ الله، ولا يسمع إلاّ الله، ولا يتحرك إلاّ بالله، ولا يسكن إلاّ بالله، ولا يمشي إلا بالله، فكان نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية وتخلل فيها وغاص في جواهرها، وتوغل في ماهياتها، فمثل هذا الإنسان هو الموصوف حقاً بأنه خليل لما أنه تخللت محبة الله في جميع قواه، وإليه الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: اللّهم اجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً وفي عصبي نوراً.

المسألة الثالثة: قال بعض النصارى: لما جاز إطلاق اسم الخليل على إنسان معين على سبيل الاعزاز والتشريف، فلم لا يجوز إطلاق اسم الابن في حق عيسى عليه السلام على سبيل الاعزاز والتشريف.

وجوابه: أن الفرق أن كونه خليلاً عبارة عن المحبة المفرطة، وذلك لا يقتضي الجنسية، أما الابن فإنه مشعر بالجنسية، وجلّ الإله عن مجانسة الممكنات ومشابهة المحدثات.

ثم قال تعالى: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَكَانَ الله بِكُلّ شَيء مُّحِيطاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها، وفيه وجوه: الأول: أن يكون المعنى أنه لم يتخذ الله إبراهيم خليلاً لاحتياجه إليه في أمر من الأمور كما تكون خلة الآدميين، وكيف يعقل ذلك وله ملك السموات والأرض، وما كان كذلك، فكيف يعقل أن يكون محتاجاً إلى البشر الضعيف، وإنما اتخذه خليلاً بمحض الفضل والإحسان والكرم، ولأنه لما كان مخلصاً في العبودية لا جرم خصه الله بهذا التشريف، والحاصل أن كونه خليلاً يوهم الجنسية فهو سبحانه أزال وهم المجانسة والمشاكلة بهذا الكلام.

والثاني: أنه تعالى ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع أنواعاً كثيرة من الأمر والنهي والوعد والوعيد، فبيّن هاهنا أنه إله المحدثات وموجد الكائنات والممكنات، ومن كان كذلك كان ملكاً مطاعاً فوجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وأن ينقاد لأمره ونهيه.

الثالث: أنه تعالى لما ذكر الوعد والوعيد ولا يمكن الوفاء بهما إلاّ عند حصول أمرين: أحدهما: القدرة التامة المتعلقة بجميع الكائنات والممكنات.

والثاني: العلم التام المتعلق بجميع الجزئيات والكليات حتى لا يشتبه عليه المطيع والعاصي والمحسن والمسيء، فدل على كمال قدرته بقوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ وعلى كمال علمه بقوله: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيء مُّحِيطاً ﴾ الرابع: أنه سبحانه لما وصف إبراهيم بأنه خليله بين أنه مع هذه الخلة عبد له، وذلك لأنه له ما في السموات وما في الأرض، ويجري هذا مجرى قوله: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ آتِى الرحمن عَبْداً  ﴾ ومجرى قوله: ﴿ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملائكة المقربون  ﴾ يعني أن الملائكة مع كمالهم في صفة القدرة والقوة في صفة العلم والحكمة لما لم يستنكفوا عن عبودية الله فكيف يمكن أن يستنكف المسيح مع ضعف بشريته عن عبودية اللها كذا هاهنا، يعني إذا كان كل من في السموات والأرض ملكه في تسخيره ونفاذ إلهيته فكيف يعقل أن يقال: إن اتخاذ الله إبراهيم عليه السلام خليلاً يخرجه عن عبودية الله، وهذه الوجوه كلها حسنة متناسبة.

المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ ولم يقل (من) لأنه ذهب مذهب الجنس، والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنيس ذكر بما.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيء محيطاً ﴾ فيه وجهان: أحدهما: المراد منه الإحاطة في العلم.

والثاني: المراد منه الإحاطة بالقدرة، كما في قوله لعالى ﴿ وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا  ﴾ قال القائلون بهذا القول: وليس لقائل أن يقول لما دل قوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ على كمال القدرة، فلو حملنا قوله: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيء مُّحِيطاً ﴾ على كمال القدرة لزم التكرار، وذلك لأنا نقول: إن قوله: ﴿ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ لا يفيد ظاهره إلاّ كونه تعالى قادراً مالكاً لكل ما في السموات وما في الأرض، ولا يفيد كونه قادراً على ما يكون خارجاً عنهما ومغايراً لهما، فلما قال: ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيء مُّحِيطاً ﴾ دل على كونه قادراً على ما لا نهاية له من المقدورات خارجاً عن هذه السموات والأرض، على أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الكائنات والممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه، فهذا تقرير هذا القول، إلاّ أن القول الأول أحسن لما بينا أن الإلهية والوفاء بالوعد إنما يحصل ويكمل بمجموع القدرة والعلم، فلابد من ذكرهما معاً، وإنما قدم ذكر القدرة على ذكر العلم لما ثبت في علم الأصول أن العلم بالله هو العلم بكونه قادراً، ثم بعد العلم بكونه قادراً يعلم كونه عالماً لما أن الفعل بحدوثه يدل على القدرة، وبما فيه من الأحكام والإتقان يدل على العلم، ولا شك أن الأول مقدم على الثاني.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ﴾ متصل بذكر العمال الصالحين والطالحين.

معناه: أن له ملك أهل السموات والأرض، فطاعته واجبة عليهم ﴿ وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْء مُّحِيطاً ﴾ فكان عالماً بأعمالهم فمجازيهم على خيرها وشرها.

فعليهم أن يختاروا لأنفسهم ما هو أصلح لها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ أخْلَصَ نَفْسَهُ لِلَّهِ لا يَعْرِفُ لَها رَبًّا سِواهُ.

وقِيلَ بَذَلَ وجْهَهُ لَهُ في السُّجُودِ وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُنْتَهى ما تَبْلُغُهُ القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ.

﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ آتٍ بِالحَسَناتِ تارِكٌ لِلسَّيِّئاتِ.

﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ المُوافِقَةَ لِدِينِ الإسْلامِ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِها ﴿ حَنِيفًا ﴾ مائِلًا عَنْ سائِرِ الأدْيانِ، وهو حالٌ مِنَ المُتَّبِعِ أوْ مِنَ المِلَّةِ أوْ إبْراهِيمَ.

﴿ واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا ﴾ اصْطَفاهُ وخَصَّصَهُ بِكَرامَةٍ تُشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ، وإنَّما أعادَ ذِكْرَهُ ولَمْ يُضْمَرْ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَنْصِيصًا عَلى أنَّهُ المَمْدُوحُ.

والخُلَّةُ مِنَ الخِلالِ فَإنَّهُ وُدٌّ تَخَلَّلَ النَّفْسَ وخالَطَها.

وقِيلَ مِنَ الخَلَلِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَلِيلَيْنِ يَسُدُّ خَلَلَ الآخَرِ، أوْ مِنَ الخَلِّ وهو الطَّرِيقُ في الرَّمْلِ فَإنَّهُما يَتَرافَقانِ في الطَّرِيقَةِ، أوْ مِنَ الخَلَّةِ بِمَعْنى الخَصْلَةِ فَإنَّهُما يَتَوافَقانِ في الخِصالِ.

والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِها لِلتَّرْغِيبِ في اتِّباعِ مِلَّتِهِ  والإيذانِ بِأنَّهُ نِهايَةٌ في الحُسْنِ وغايَةُ كَمالِ البَشَرِ.

رُوِيَ « (أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ إلى خَلِيلٍ لَهُ بِمِصْرَ في أزْمَةٍ أصابَتِ النّاسَ يَمْتارُ مِنهُ فَقالَ خَلِيلُهُ: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ يُرِيدُ لِنَفْسِهِ لَفَعَلْتُ، ولَكِنْ يُرِيدُ لِلْأضْيافِ وقَدْ أصابَنا ما أصابَ النّاسَ، فاجْتازَ غِلْمانُهُ بِبَطْحاءَ لَيِّنَةٍ فَمَلَؤُوا مِنها الغَرائِرَ حَياءٌ مِنَ النّاسِ فَلَمّا أخْبَرُوا إبْراهِيمَ ساءَهُ الخَبَرُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْناهُ فَنامَ وقامَتْ سارَّةُ إلى غِرارَةٍ مِنها فَأخْرَجَتْ حُوّارى واخْتَبَزَتْ، فاسْتَيْقَظَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فاشْتَمَّ رائِحَةَ الخُبْزِ فَقالَ: مِن أيْنَ لَكم هَذا؟

فَقالَتْ: مِن خَلِيلِكَ المِصْرِيِّ، فَقالَ: بَلْ هو مِن عِنْدِ خَلِيلِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَسَمّاهُ اللَّهُ خَلِيلًا» .

﴿ وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا يَخْتارُ مِنهُما مَن يَشاءُ وما يَشاءُ.

وقِيلَ هو مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ العُمّالِ مُقَرِّرٌ لِوُجُوبِ طاعَتِهِ عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى مُجازاتِهِمْ عَلى الأعْمالِ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ إحاطَةَ عِلْمٍ وقُدْرَةٍ فَكانَ عالِمًا بِأعْمالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلى خَيْرِها وشَرِّها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وفى قوله {وَللَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض} دليل على أن اتخاذه خليلا لا يحتاج الخليل إليه لالاحتياجه تعالى لأنه منزه عن ذلك {وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْءً مُّحِيطاً} عالماً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ ﴾ عَلى أنَّهُ كالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ العَمَلِ، وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن أحْسَنُ دِينًا ﴾ اعْتِراضٌ، أيْ: إنَّ جَمِيعَ ما في العُلُوِّ والسُّفْلِ مِنَ المَوْجُوداتِ لِلَّهِ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا لا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنها، فَيُجازِي كُلًّا بِمُوجَبِ أعْمالِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وأنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ واتَّخَذَ اللَّهُ ﴾ إلَخْ، بِناءً عَلى أنَّ مَعْناهُ اخْتارَهُ واصْطَفاهُ، أيْ: هو مالِكٌ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ فَيَخْتارُ مَن يُرِيدُهُ مِنهم كَإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَهو لِبَيانِ أنَّ اصْطَفاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ تَعالى.

وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اتِّخاذَهُ تَعالى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -خَلِيلًا لَيْسَ لِاحْتِياجِهِ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ لِشَأْنٍ مِن شُئُونِهِ كَما هو دَأْبُ المَخْلُوقِينَ - فَإنَّ مَدارَ خُلَّتِهِمُ افْتِقارُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ في مَصالِحِهِمْ - بَلْ لِمُجَرَّدِ تَكْرِمَتِهِ وتَشْرِيفِهِ، وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنْ خُلَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا تُخْرِجُهُ عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى.

﴿ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ إحاطَةُ عِلْمٍ وقُدْرَةٍ بِناءً عَلى أنَّ حَقِيقَةً الإحاطَةِ في الأجْسامِ، فَلا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ وارْتِكابِ المَجازِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الخَلَفُ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ ما قَبْلَهُ عَلى سائِرِ وُجُوهِهِ.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ في أرْضِ الِاسْتِعْدادِ لِمُحارَبَةِ عَدُوِّ النَّفْسِ، أوْ تَحْصِيلِ أحْوالِ الكِمالاتِ (فَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) أيْ: تَنْقُصُوا مِنَ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ ﴿ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: حُجِبُوا عَنِ الحَقِّ مِن قُوى الوَهْمِ والتَّخَيُّلِ، وحاصِلُهُ التَّرْخِيصُ لِأرْبابِ السُّلُوكِ عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةِ القُوى أنْ يَنْقُصُوا مِنَ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ ويَزِيدُوا في الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ كالفِكْرِ والذِّكْرِ؛ لِيَصِفُوَ القَلْبُ، ويُشْرِقَ نُورُهُ عَلى القُوى، فَتَقِلَّ غائِلَتُها، فَتَزْكُوَ عِنْدَ ذَلِكَ الأعْمالُ البَدَنِيَّةُ، ولا يَجُوزُ عِنْدَ أهْلِ الِاخْتِصاصِ تَرْكُ الفَرائِضِ لِذَلِكَ كَما زَعَمَهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ.

﴿ وإذا كُنْتَ فِيهِمْ ﴾ ولَمْ تَكُنْ غائِبًا عَنْهم بِسَيْرِكَ في غَيْبِ الغَيْبِ، وجَلالِ المُشاهِدَةِ، وعائِمًا في بِحارِ «لِي مَعَ اللَّهِ تَعالى وقْتٌ لا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ» ﴿ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ﴾ أيِ: الأعْمالَ البَدَنِيَّةَ ﴿ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ﴾ ولِيَفْعَلُوا كَما تَفْعَلُ ﴿ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ ﴾ مِن قُوى الرُّوحِ، ويَجْمَعُوا حَواسَّهم لِيَتَأتّى لَهُمُ المُشابَهَةُ، أوْ لِيَقِفُوا عَلى ما في فِعْلِكَ مِنَ الأسْرارِ فَلا تُضِلُّهُمُ الوَساوِسُ ﴿ فَإذا سَجَدُوا ﴾ وبَلَغُوا الغايَةَ في مَعْرِفَةِ ما أقَمْتَهُ لَهُمْ، وأتَوْا بِهِ عَلى وجْهِهِ ﴿ فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ ﴾ ذابِّينَ عَنْكُمُ اعْتِراضَ الجاهِلِينَ، أوْ قائِمِينَ بِحَوائِجِكُمُ الضَّرُورِيَّةِ ﴿ ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى ﴾ مِنهم ﴿ لَمْ يُصَلُّوا ﴾ بَعْدُ ﴿ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾ ولْيَفْعَلُوا فِعْلَكَ ﴿ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ ﴾ كَما أخَذَ الأوَّلُونَ أسْلِحَتَهُمْ، وإنَّما أمَرَ هَؤُلاءِ بِأخْذِ الحَذَرِ أيْضًا حَثًّا لَهم عَلى مَزِيدِ الِاحْتِياطِ؛ لِئَلّا يُقَصِّرُوا فِيها، يُرادُ مِنهُمُ اتِّكالًا عَلى الأخْذِ بَعْدُ مِمَّنْ أخَذَ أوَّلًا مِن رَسُولِ اللَّهِ  .

وحاصِلُ هَذا الإشارَةُ إلى أنَّ تَعْلِيمَ الشَّرائِعِ والآدابِ لِلْمُرِيدِينَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لِطائِفَةٍ طائِفَةٍ مِنهُمْ؛ لِيَتَمَكَّنَ ذَلِكَ لَدَيْهِمْ أتَمَّ تَمَكُّنٍ، وقِيلَ: الطّائِفَةُ الأوْلى إشارَةٌ إلى الخَواصِّ، والثّانِيَةُ إلى العَوامِّ، ولِهَذا اكْتُفِيَ في الأوَّلِ بِالأمْرِ بِأخْذِ الأسْلِحَةِ، وفي الثّانِي أمْرُ الحَذَرِ أيْضًا ﴿ ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وهم قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ ﴿ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكُمْ ﴾ وهي قُوى الرُّوحِ ﴿ وأمْتِعَتِكُمْ ﴾ وهي المَعارِفُ الإلَهِيَّةُ ﴿ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ﴾ ويَرْمُونَكم بِنِبالِ الآفاتِ والشُّكُوكِ ويُهْلِكُونَكم ﴿ ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى ﴾ بِأنْ أصابَكم شُؤْبُوبٌ ﴿ مِن مَطَرٍ ﴾ يَعْنِي مَطَرَ سَحائِبِ التَّجَلِّياتِ ﴿ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ بِحُمّى الوَجْدِ والغَرامِ، وعَجَزْتُمْ عَنْ أعْمالٍ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿ أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ ﴾ وتَتْرُكُوا أعْمالَ تِلْكَ القُوى، حَتّى يَتَجَلّى ذَلِكَ السَّحابُ، ويَنْقَطِعَ المَطَرُ، وتَهْتَزَّ أرْضُ قُلُوبِكم بِأزْهارِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وتُطْفَأ حُمّى الوَجْدِ بِمِياهِ القُرْبِ ﴿ وخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ عِنْدَ وضْعِ أسْلِحَتِكُمْ، واحْفَظُوا قُلُوبَكم مِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى ﴿ إنَّ اللَّهَ ﴾ تَعالى ﴿ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ ﴾ مِنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ ﴿ عَذابًا مُهِينًا ﴾ أيْ: مُذِلًّا لَهُمْ، وذَلِكَ عِنْدَ حِفْظِ القَلْبِ، وتَنُّورِ الرُّوحِ.

﴿ فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ ﴾ أيْ: أدَّيْتُمُوها ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ في جَمِيعِ الأحْوالِ ﴿ قِيامًا ﴾ في مَقامِ الرُّوحِ بِالمُشاهَدَةِ ﴿ وقُعُودًا ﴾ في مَحَلِّ القَلْبِ بِالمُكاشَفَةِ ﴿ وعَلى جُنُوبِكُمْ ﴾ أيْ: تَقَلُّباتِكم في مَكانِ النَّفْسِ بِالمُجاهِدَةِ ﴿ فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ ﴾ ووَصَلْتُمْ إلى مَحَلِّ البَقاءِ ﴿ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ فَأدُّوها عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ لِسَلامَةِ القَلْبِ حِينَئِذٍ عَنِ الوَساوِسِ النَّفْسانِيَّةِ، الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ الحَدَثِ عِنْدَ أهْلِ الِاخْتِصاصِ ﴿ إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا ﴾ فَلا تَسْقُطُ عَنْهم ما دامَ العَقْلُ والحَياةُ ﴿ ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ ﴾ الَّذِينَ يُحارِبُونَكم وهُمُ النَّفْسُ وقُواها ﴿ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ ﴾ مِنكم لِمَنعِكم لَهم عَنْ شَهَواتِهِمْ ﴿ كَما تَأْلَمُونَ ﴾ مِنهم لِمُعارَضَتِهِمْ لَكم عَنِ المَسِيرِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ: تَأْمُلُونَ مِنهُ سُبْحانَهُ ﴿ ما لا يَرْجُونَ ﴾ لِأنَّكم تَرْجُونَ التَّنَعُّمَ بِجَنَّةِ القُرْبِ والمُشاهَدَةِ، ولا يَخْطُرُ ذَلِكَ لَهم بِبالٍ، أوْ تَخافُونَ القَطِيعَةَ وهم لا يَخافُونَها ﴿ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ فَيَعْلَمُ أحْوالَكم وأحْوالَهم ﴿ حَكِيمًا ﴾ فَيَفِيضُ عَلى القَوابِلِ حَسَبَ القابِلِيّاتِ.

﴿ إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ أيْ: عِلْمَ تَفاصِيلِ الصِّفاتِ وأحْكامِ تَجَلِّياتِها ﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الكِتابَ بِالصِّدْقِ، أوْ قائِمًا أنْتَ بِالحَقِّ لا بِنَفْسِكَ ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ ﴾ خَواصِّهِمْ وعَوامِّهِمْ ﴿ بِما أراكَ اللَّهُ ﴾ أيْ: بِما عَلَّمَكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ الحِكْمَةِ ﴿ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ ﴾ الَّذِينَ لَمْ يُؤَدُّوا أمانَةَ اللَّهِ تَعالى، الَّتِي أُودِعَتْ عِنْدَهم في الأزَلِ مِمّا ذُكِرَ في اسْتِعْدادِهِمْ مِن إمْكانِ طاعَتِهِ وامْتِثالِ أمْرِهِ ﴿ خَصِيمًا ﴾ تَدْفَعُ عَنْهُمُ العِقابَ، وتُسَلِّطُ الخَلْقَ عَلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والهَوانِ، أوْ تَقُولُ لِلَّهِ تَعالى: يا رَبِّ لِمَ خَذَلْتَهم وقَهَرْتَهُمْ؛ فَإنَّهم ظالِمُونَ، ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ عَلَيْهِمْ.

﴿ واسْتَغْفِرِ اللَّهَ ﴾ مِنَ المَيْلِ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الرَّحْمَةُ الَّتِي أحاطَتْ بِكَ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فَيَفْعَلُ ما تَطْلُبُهُ مِنهُ وزِيادَةً ﴿ ولا تُجادِلْ ﴾ أحَدًا عَنِ ﴿ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ بِتَضْيِيعِ حُقُوقِها ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا ﴾ لِنَفْسِهِ ﴿ أثِيمًا ﴾ مُرْتَكِبًا الإثْمَ، مَيّالًا مَعَ الشَّهَواتِ.

﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ﴾ بِكِتْمانِ رَذائِلِهِمْ وصِفاتِ نُفُوسِهِمْ ﴿ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ﴾ بِإزالَتِها وقَلْعِها ﴿ وهُوَ مَعَهُمْ ﴾ مُحِيطٌ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿ إذْ يُبَيِّتُونَ ﴾ أيْ: يُدَبِّرُونَ في ظُلْمَةِ عالَمِ النَّفْسِ والطَّبِيعَةِ ﴿ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ ﴾ مِنَ الوَهْمِيّاتِ والتَّخَيُّلاتِ الفاسِدَةِ ﴿ وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ فَيُجازِيهِمْ حَسَبَ أعْمالِهِمْ.

﴿ ومَن يَعْمَلْ سُوءًا ﴾ بِظُهُورِ صِفَةٍ مِن صِفاتِ نَفْسِهِ ﴿ أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ بِنَقْصِ شَيْءٍ مِن كِمالاتِها ﴿ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ ﴾ ويَطْلُبُ مِنهُ سَتْرَ ذَلِكَ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ والتَّذَلُّلِ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فَيَسْتُرُ ويُعْطِي ما يَقْتَضِيهِ الِاسْتِعْدادُ ﴿ ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً ﴾ بِإظْهارِ بَعْضِ الرَّذائِلِ ﴿ أوْ إثْمًا ﴾ بِمَحْوِ ما في الِاسْتِعْدادِ ﴿ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا ﴾ بِأنْ يَقُولَ: حَمَلَنِي اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، أوْ حَمَلَنِي فُلانٌ عَلَيْهِ ﴿ فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا ﴾ حَيْثُ فَعَلَ ونَسَبَ فِعْلَهُ إلى الغَيْرِ، ولَوْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِذَلِكَ طالِبَةً لَهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ في الأزَلِ لَمْ يُفِضْ عَلَيْهِ ولَمْ يَبْرُزْ إلى ساحَةِ الوُجُودِ، ولِذا أفْحَمَ إبْلِيسُ اللَّعِينُ أتْباعَهُ بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى لَنا مِن قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿ فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ).

﴾ ﴿ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ﴾ أيْ: تَوْفِيقُهُ وإمْدادُهُ لِسُلُوكِ طَرِيقِهِ ورَحْمَتِهِ، حَيْثُ وهَبَ لَكَ الكَمالَ المُطْلَقَ ﴿ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ لِعَوْدِ ضَرَرِهِ عَلَيْهِمْ، وحِفْظِكَ في قِلاعِ اسْتِعْدادِكَ عَنْ أنْ يَنالَكَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ (وأنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ) الجامِعَ لِتَفاصِيلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، الَّتِي هي أحْكامُ تِلْكَ التَّفاصِيلِ مَعَ العَمَلِ ﴿ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ مِن عِلْمِ عَواقِبِ الخَلْقِ وعِلْمِ ما كانَ وما سَيَكُونُ ﴿ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ حَيْثُ جَعَلَكَ أهْلًا لِمَقامِ ﴿ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى ﴾ ومَنَّ عَلَيْكَ بِما لا يُحِيطُ بِهِ سِوى نِطاقُ الوُجُودِ.

﴿ لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ ﴾ وهو ما كانَ مِن جِنْسِ الفُضُولِ، والأمْرِ الَّذِي لا يَعْنِي (إلّا) نَجْوى ﴿ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ ﴾ وأرْشَدَ إلى فَضِيلَةِ السَّخاءِ النّاشِئِ مِنَ العِفَّةِ ﴿ أوْ مَعْرُوفٍ ﴾ قَوْلِيٍّ كَتَعَلُّمِ عِلْمٍ، أوْ فِعْلِيٍّ كَإغاثَةِ مَلْهُوفٍ ﴿ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ﴾ الَّذِي هو مِن بابِ العَدْلِ ﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ ويَجْمَعُ بَيْنَ الكِمالاتِ ﴿ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ﴾ لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ مِن كُلِّ ما يَعُودُ بِهِ الفَضِيلَةُ رَذِيلَةً (فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ اللَّهُ) تَعالى ﴿ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ويُدْخِلُهُ جَنّاتِ الصِّفاتِ.

﴿ ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ ﴾ أيْ: يُخالِفْ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ  أوِ العَقْلُ المُسَمّى عِنْدَهم بِالرَّسُولِ النَّفْسِيِّ ﴿ ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيْ: غَيْرَ ما عَلَيْهِ أصْحابُ النَّبِيِّ  ومَنِ اقْتَفى أثَرَهم مِنَ الأخْيارِ أوِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ الحِرْمانِ ﴿ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ لِمَن يَصْلاها.

﴿ إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا ﴾ وهي الأصْنامُ المُسَمّاةُ بِالنُّفُوسِ؛ إذْ كُلُّ مَن يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى فَهو عابِدٌ لِنَفْسِهِ، مُطِيعٌ لِهَواها، أوِ المُرادُ بِالإناثِ المُمْكَناتِ؛ لِأنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ مُحْتاجٌ ناقِصٌ مِن جِهَةِ إمْكانِهِ، مُنْفَعِلٌ مُتَأثِّرٌ عِنْدَ تَعَيُّنِهِ، فَهو أشْبَهُ كَلِّ شَيْءٍ بِالأُنْثى ﴿ وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا ﴾ وهو شَيْطانُ الوَهْمِ، حَيْثُ قَبِلُوا إغْواءَهُ وأطاعُوهُ ﴿ لَعَنَهُ اللَّهُ ﴾ أيْ: أبْعَدَهُ عَنْ رِياضِ قُرْبِهِ ﴿ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ وهم غَيْرُ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ اسْتُثْنُوا فِي آيَةٍ أُخْرى ﴿ ولأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ الحَقِّ ﴿ ولأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ الأمانِيَّ الفاسِدَةَ، مِن كَسْبِ اللَّذّاتِ الفانِيَةِ ﴿ ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ﴾ أيْ: فَلْيَقْطَعُنَّ آذانَ نُفُوسِهِمْ عَنْ سَماعِ ما يَنْفَعُهم ﴿ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ وهي الفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها مِنَ التَّوْحِيدِ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ووَحَّدُوا، وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، واسْتَقامُوا ﴿ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ ﴾ جَنَّةِ الأفْعالِ، وجَنَّةِ الصِّفاتِ، وجَنَّةِ الذّاتِ.

﴿ لَيْسَ ﴾ أيْ: حُصُولُ المَوْعُودِ ﴿ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ ﴾ بَلْ لا بُدَّ مِنَ السَّعْيِ فِيما يَقْتَضِيهِ، وفي المَثَلِ: «إنَّ التَّمَنِّي رَأْسُ مالِ المُفْلِسِ» ﴿ ومَن أحْسَنُ دِينًا ﴾ أيْ: حالًا ﴿ مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ وسَلَّمَ نَفْسَهُ إلَيْهِ وفَنِيَ فِيهِ ﴿ وهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ مُشاهِدٌ لِلْجَمِيعِ في عَيْنِ التَّفْضِيلِ، سالِكٌ طَرِيقَ الإحْسانِ بِالِاسْتِقامَةِ في الأعْمالِ ﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ في التَّوْحِيدِ ﴿ حَنِيفًا ﴾ مائِلًا عَنِ السُّوى ﴿ واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا ﴾ حَيْثُ تَخَلَّلَتِ المَعْرِفَةُ جَمِيعَ أجْزائِهِ مِن حَيْثُ ما هو مُرَكَّبٌ، فَلَمْ يَبْقَ جَوْهَرٌ فَرْدٌ إلّا وقَدْ حَلَّتْ فِيهِ مَعْرِفَةُ رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو عارِفٌ بِهِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنهُ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ دَمَ الحَلّاجِ لَمّا وقَعَ عَلى الأرْضِ انْكَتَبَ بِكُلِّ قَطْرَةٍ مِنهُ (اللَّهُ) وأنْشَدَ: ما قُدَّ لِي عُضْوٌ ولا مِفْصَلُ إلّا وفِيهِ لَكم ذِكْرُ ﴿ ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ لِأنَّ كُلَّ ما بَرَزَ في الوُجُودِ فَهو شَأْنٌ مِن شُئُونِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهُ الَّذِي أفاضَ عَلَيْهِ الجُودَ، وهو رَبُّ الكَرَمِ والجُودِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ أي أخلص دينه لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ في عمله ويقال: وهو موحد وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً أي مستقيما، ويقال: مائلاً إلى دين الإسلام.

ثم قال تعالى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا وذلك أن إبراهيم  كان يوسع على الضعفاء الطعام، واحتاج في بعض الأوقات إلى الطعام، فبعث غلمانه مع الجمال إلى خليل له بمصر ليقرضه شيئاً من الطعام فيرد عليه إذا أدرك إنزاله، فلما انتهوا إليه قال: إِنّى أَخَافُ أَن أحتاج قبل إدراك الإنزال، فلم يدفع إليهم ورجعوا، فاستحيا الغلامان أن يدخلوا في قرية إبراهيم والناس ينظرون إليهم وليس معهم شيء، فجعلوا الرحل في الجواليق وحملوا على الجمال، وجاءوا إلى منزل إبراهيم  وألقوا الأحمال وتفرقوا، وجاء واحد منهم وأخبر إبراهيم بالقصة فاغتمّ لذلك ودخل البيت ونام، فخرجت جواريه ونظرن إلى الأحمال فإذا الجواليق دقيق، فرفعن منها وجعلن يخبزن خبزاً، حتى إذا استيقظ إبراهيم  وخرج وقال: من أين هذا الدقيق؟

فقلن: من عند خليلك المصري.

فقال إبراهيم: ليس هذا من عند خليلي المصري ولكن من عند خليل السماء.

فاتخذه الله تعالى خليلاً بذلك.

ويقال: لما دخلت عليه الملائكة في شبه الآدميين، وجاءهم بعجل سمين فلم يأكلوا منه، وقالوا: إنا لا نأكل شيئاً بغير ثمن.

فقال لهم: أعطوني ثمنه وكلوه.

قالوا: وما ثمنه؟

قال: أن تقولوا في أوله بسم الله وفي آخره الحمد لله.

فقالوا فيما بينهم: حقاً على الله أن يتخذه خليلاً فاتخذه الله خليلاً.

ويقال: إنه أضاف رؤساء الكفار، وأهدى لهم هدايا وأحسن إليهم فقالوا له: ما حاجتك؟

فقال: حاجتي أن تسجدوا لله سجدة، فسجدوا.

فدعا الله تعالى وقال: اللهم إني قد فعلت ما أمكنني، فافعل أنت ما أنت أهل لذلك.

فوفقهم الله تعالى للإسلام فاتخذه الله خليلاً لذلك.

وروى جابر بن عبد الله عن رسول الله  أنه قال: «اتَّخَذَ الله إِبْراهِيمَ خَلِيلاً لإطْعَامِهِ الطَّعَامَ وَإِفْشَائِهِ السَّلاَمَ وَصَلاَتِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» .

ثم قال عز وجل: وَلِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كلهم عبيده وفي ملكه وحكمه نافذ فيهم وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً أحاط علمه بكل شيء.

قوله تعالى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ أي يسألونك عن ميراث النساء، نزلت في أم كجة التي ذكرنا في أول السورة قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ أي يبين لكم ما لهن من الميراث وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أي وكتاب الله يفتيكم بذلك فِي يَتامَى النِّساءِ يعني في ميراث يتامى النساء اللَّاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ لا تعطونهن مَا كُتِبَ لَهُنَّ أي ما فرض لهن من الميراث وَتَرْغَبُونَ أي وتزهدون أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ لدمامتهن.

وروى معمر عن إبراهيم قال: كان الرجل يكون عنده اليتيمة الدميمة ولها مال، ويكره أن يزوجها من غيره من أجل مالها.

قال إبراهيم: وكان عمر يأمر الرجل إذا كانت عنده اليتيمة الدميمة ولها مال، أن يتزوجها.

وروى عروة عن عائشة  ا أنها قالت: كانت يتيمة في حجر رجل، فأراد أن يتزوجها ولم يكمل صداق نصابها، فأمروا بإكمال الصداق.

وقال مجاهد: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئاً، ويقولون: لا يغزون، ففرض الله لهم الميراث وأمر لليتيم بالقسط.

ثم قال تعالى: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ يقول: يسألونك عن ميراث المستضعفين مِنَ الْوِلْدانِ ويقال: يفتيكم في المستضعفين من الولدان وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ أي بالعدل وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً يجازيكم.

وفي هذه الآية دليل على أن ما سوى الأب والجد إذا زوج اليتيمة جاز، وفيه أنه إذا زوج من نفسه جاز إذا كانت غير ذي رحم محرم.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى «١» [البقرة: ١١١] ، وقالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠] ، قال الطبريُّ «٢» : وقول مجاهدٍ أولى بالصواب، وذلك أنَّ المسلمين لم يَجْرِ لأمانيِّهم ذِكْرٌ فيما مضى من الآيِ، وإنما جرى ذكْرُ أمانيِّ نصيبِ الشَّيْطَانِ.

انتهى.

وعليه عَوَّل ص: في سبب نزولِ الآية، أعني: على تأويل مجاهد.

وقوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ.

قال جمهورُ النَّاس: لفظ الآية عَامٌّ، فالكافر والمؤمنُ مُجَازًى، فأما مجازاة الكافر، فالنّار، وأما مجازاة المؤمِنِ، فبِنَكَبَاتِ الدُّنْيَا فَمَنْ بقي له سُوءٌ إلى الآخرة، فهو في المشيئة يغفر اللَّه لمن يشاء، ويجازي من يشاء.

وقوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ، دخلَتْ «من» للتبعيض إذا الصالحاتُ على الكمالِ ممَّا لا يطيقُهُ البَشَر ففِي هذا رفْقٌ بالعبادِ، لكنْ في هذا البَعْضِ الفرائضُ، وما أمْكَنَ من المندوبِ إلَيْهِ، ثم قَيَّد الأمر بالإيمان إذ لا ينفعُ عمَلٌ دونه، والنَّقِيرُ: النُّكْتَةُ التي في ظَهْر النَّواة ومنه تَنْبُتُ، وعن ابن عبَّاس: ما تَنْقُرُهُ بأصبعِكَ «٣» .

ثم أخبر تعالى إخباراً موقفاً على أنه لا أحسن ديناً مِمَّن أسلم وجْهَهُ للَّه، أي: أخلَص مَقْصِدَهُ وتَوَجُّهَهُ، وأحْسَنَ في أعماله، واتبع الحنيفيَّةَ ملَّةَ إبراهيمَ إمامِ العالَمِ، وقُدْوَةِ الأديانِ، ثم ذكَر سبحانه تشريفَهُ لنبيِّه إبراهيم- عليه السلام- باتخاذه خليلاً، وسمَّاه خليلاً إذ كان خُلُوصه، وعبادتُه، واجتهاده على الغايةِ الَّتي يجري إلَيْها المحبُّ المبالغ، وذهب قوم إلى أنهُ سُمِّي خليلاً من «الخَلَّة» - بفتح الخاء-، أي: لأنه أنزل خَلَّته وفاقته باللَّه تعالى، وكذلك شَرَّف اللَّه نبيَّنا محمداً صلّى الله عليه وسلّم/ بالخَلَّة كما هو مصرَّح به في الحديثِ الصحيح.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ أيْ: أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ وما تَفْعَلُوا مِنَ خَيْرٍ فَإنَّ اللهُ كانَ بِهِ عَلِيمًا ﴾ ذَكَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - سِعَةَ مُلْكِهِ؛ وإحاطَتَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ عَقِبَ ذِكْرِ الدِينِ؛ وتَبْيِينِ الجادَّةِ مِنهُ؛ تَرْغِيبًا في طاعَةِ اللهِ ؛ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَيَسْتَفْتُونَكَ"؛ ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ قَوْمٍ مِنَ الصَحابَةِ عن أمْرِ النِساءِ؛ وأحْكامِهِنَّ في المَوارِيثِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿ اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ ﴾ ؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَ ما سَألْتُمْ عنهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ و"ما" أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿ "فِيهِنَّ"؛ ﴾ أيْ: ويُفْتِيكم فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى ؛ وقالَ: أفْتاهُمُ اللهُ فِيما سَألُوا عنهُ؛ وفِيما لَمْ يَسْألُوا عنهُ؛ ويُضْعِفُ هَذا التَأْوِيلَ ما فِيهِ مِنَ العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ المَخْفُوضِ بِغَيْرِ إعادَةِ حَرْفِ الخَفْضِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ و ﴿ "ما" ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أيْ: ويُفْتِيكم ما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ؛ يَعْنِي القُرْآنَ؛ والإشارَةُ بِهَذا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ في أمْرِ النِساءِ؛ وهو قَوْلُهُ تَعالى - في صَدْرِ السُورَةِ -: ﴿ وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِساءِ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ «قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوَّلًا؛ ثُمَّ سَألَ ناسٌ بَعْدَها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن أمْرِ النِساءِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِساءِ؛ قُلِ اللهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ »؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي يَتامى النِساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ ؛ مَعْناهُ النَهْيُ عَمّا كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِن ضَمِّ اليَتِيمَةِ الجَمِيلَةِ الغَنِيَّةِ بِدُونِ ما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ المَهْرِ؛ ومِن عَضْلِ الدَمِيمَةِ الفَقِيرَةِ أبَدًا؛ والدَمِيمَةِ الغَنِيَّةِ؛ حَتّى تَمُوتَ؛ فَيَرِثَها العاضِلُ؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَقْصِدُ بِهِ الوَلِيُّ مَنفَعَةَ نَفْسِهِ؛ لا نَفْعَ اليَتِيمَةِ؛ والَّذِي كَتَبَ اللهُ لَهُنَّ: هو تَوْفِيَةُ ما تَسْتَحِقُّهُ مِن مَهْرٍ؛ وإلْحاقُها بِأقْرانِها.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللهِ المَدَنِيُّ: "فِي يَيامى النِساءِ"؛ بِياءَيْنِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: والقَوْلُ في هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ أرادَ "أيامى"؛ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً؛ كَما قُلِبَتْ في قَوْلِهِمْ: "باهِلَةُ بْنُ يَعْصُرَ"؛ وإنَّما هو "ابْنُ أعْصُرَ"؛ لِأنَّهُ إنَّما يُسَمّى بِقَوْلِهِ: أبُنَيَّ إنَّ أباكَ غَيَّرَ لَوْنَهُ ∗∗∗ كَرُّ اللَيالِي واخْتِلافُ الأعْصُرِ وكَما قُلِبَتِ الياءُ هَمْزَةً في قَوْلِهِمْ: "قَطَعَ اللهُ أدَهُ"؛ يُرِيدُونَ: "يَدَهُ"؛ و"أيامى": جَمْعُ "أيِّمٌ"؛ أصْلُهُ: "أيايِمُ"؛ قُلِبَتِ اللامُ مَوْضِعَ العَيْنِ؛ فَجاءَ: "أيامى"؛ ثُمَّ أُبْدِلَتْ مِنَ الكَسْرَةِ فَتْحَةٌ؛ ومِنَ الياءِ ألِفٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "يُشْبِهُ أنَّ الداعِيَ إلى هَذا اسْتِثْقالُ الضَمَّةِ عَلى الياءِ"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: كُسِّرَ "أيِّمٌ" عَلى "أيْمى"؛ عَلى وزْنِ "سَكْرى"؛ و"قَتْلى"؛ مِن حَيْثُ الأُيُومَةُ بَلِيَّةٌ تَدْخُلُ كُرْهًا؛ ثُمَّ كُسِّرَ "أيْمى" عَلى "أيامى"؛ لَكانَ وجْهًا حَسَنًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ ؛ إنْ كانَتِ الجارِيَةُ غَنِيَّةً جَمِيلَةً فالرَغْبَةُ في نِكاحِها؛ وإنْ كانَتْ بِالعَكْسِ فالرَغْبَةُ عن نِكاحِها؛ وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - يَأْخُذُ الناسُ بِالدَرَجَةِ الفُضْلى في هَذا المَعْنى؛ فَكانَ إذا سَألَ الوَلِيَّ عن ولِيَّتِهِ فَقِيلَ: هي غَنِيَّةٌ جَمِيلَةٌ؛ قالَ لَهُ: "اُطْلُبْ لَها مَن هو خَيْرٌ مِنكَ وأعْوَدُ عَلَيْها بِالنَفْعِ"؛ وإذا قِيلَ لَهُ: هي دَمِيمَةٌ فَقِيرَةٌ؛ قالَ لَهُ: "أنْتَ أولى بِها؛ وبِالسَتْرِ عَلَيْها؛ مِن غَيْرِكَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ ﴾ ؛ عَطْفٌ عَلى: ﴿ يَتامى النِساءِ ﴾ ؛ والَّذِي تُلِيَ في المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللهُ في أولادِكُمْ  ﴾ ؛ وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُورِّثُ الصَبِيَّةَ؛ ولا الصَبِيَّ الصَغِيرَ؛ وكانَ الكَبِيرُ يَنْفَرِدُ بِالمالِ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّما يَرِثُ المالَ مَن يَحْمِي الحَوْزَةَ؛ ويَرُدُّ الغَنِيمَةَ؛ ويُقاتِلُ عَنِ الحَرِيمِ؛ فَفَرَضَ اللهُ لِكُلِّ واحِدٍ حَقَّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ ﴾ ؛ عَطْفٌ أيْضًا عَلى ما تَقَدَّمَ؛ والَّذِي تُلِيَ في هَذا المَعْنى هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ  ﴾ ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ في مالِ اليَتِيمِ؛ و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ؛ وباقِي الآيَةِ وعْدٌ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ بِالجَزاءِ الجَمِيلِ؛ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أنّ الواو للحال من ضمير ﴿ يدخلون الجنّة ﴾ [النساء: 124] الذي ما صْدَقُه المؤمنون الصالحون، فلما ذكر ثواب المؤمنين أعقبه بتفضيل دينهم.

والاستفهامُ إنكاري.

وانتصب ﴿ دينا ﴾ على التمييز.

وإسلام الوجه كناية عن تمام الطاعة والاعتراف بالعبودية، وهو أحسن الكنايات، لأنّ الوجه أشرف الأعضاء، وفيه ما كان به الإنسان إنساناً، وفي القرآن ﴿ فقُل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعني ﴾ [آل عمران: 20].

والعرب تذكر أشياء من هذا القبيل كقوله: ﴿ لنسفعن بالناصية ﴾ [العلق: 15]، ويقولون: أخذ بساقه، أي تمكن منه، وكأنّه تمثيل لإمساك الرعاة الأنعام.

وفي الحديث " الطلاق لمن أخذ بالساق ".

ويقولون: ألقى إليه القياد، وألقى إليه الزمام، وقال زيد بن عمرو بن نفيل: يَقُولُ أنفي لكَ عَاننٍ رَاغِم *** ويقولون: يدي رهن لفلان.

وأراد بإسلام الوجه الاعتراف بوجود الله ووحدانيته.

وقد تقدّم ما فيه بيان لهذا عنا، قوله تعالى: ﴿ إنّ الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] وقوله: ﴿ وأوصى بها إبراهيم بنيه ﴾ [البقرة: 132].

وجملة «وهو محسن» حال قصد منها اتّصافه بالإحسان حين إسلامه وجهَه لله، أي خلع الشرك قاصداً الإحسان، أي راغباً في الإسلام لِمَا رأى فيه من الدعوة إلى الإحسان.

ومعنى ﴿ واتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ أنه اتّبع شريعة الإسلام التي هي على أُسس ملّة إبراهيم.

فهذه ثلاثة أوصاف بها يكمل معنى الدخول في الإسلام، ولعلّها هي: الإيمان، والإحسان، والإسلام.

ولك أن تجعل معنى ﴿ أسلم وجهه لله ﴾ أنّه دخل في الإسلام، وأنّ قوله: ﴿ وهو محسن ﴾ مخلص راغب في الخير، وأنّ اتّباع ملّة إبراهيم عني به التوحيد.

وتقدّم أنّ ﴿ حنيفاً ﴾ معناه مائلاً عن الشرك أو متعبّداً.

وإذا جعلت معنى قوله: ﴿ وهو محسن ﴾ أي عامل الصالحات كان قوله: ﴿ واتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ بمنزلة عطف المرادف وهو بعيد.

وقوله: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ عطف ثناء إبراهيم على مدح من اتّبع دينه زيادة تنويه بدين إبراهيم، فأخبر أنّ الله اتّخذ إبراهيم خليلاً.

والخليل في كلام العرب الصاحب الملازم الذي لا يخفى عنه شيء من أمور صاحبه، مشتقّ من الخِلال، وهو النواحي المتخلّلة للمكان ﴿ فترى الودق يخرج من خلاله ﴾ [النور: 43] ﴿ فجّرنا خلالهما نهرا ﴾ [الكهف: 33].

هذا أظهر الوجوه في اشتقاق الخليل.

ويقال: خِلّ وخُلّ بكسر الخاء وضمّها ومؤنّثهُ: خُلّة بضمّ الخاء، ولا يقال بكسر الخاء، قال كعب: أكرم بها خُلَّةً لو أنَّها صدقت وجمعها خلائل.

وتطلق الخلّة بضمّ الخاء على الصحبة الخالصة ﴿ لا بيع فيه ولا خُلّة ولا شفاعة ﴾ [البقرة: 254]، وجمعها خِلال ﴿ مِنْ قَبْلِ أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ﴾ [إبراهيم: 31].

ومعنى اتُخاذ الله إبراهيم خليلاً شدّة رِضَى اللَّهِ عنه، إذ قد علم كلّ أحد أنّ الخلّة الحقيقية تستحِيل على الله فأريد لوازمها وهي الرضى، واستجابة الدعوة، وذكره بخير، ونحو ذلك.

وجملة ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ الخ تذييل جعل كالاحتراس، على أنّ المراد بالخليل لازم معنى الخلّة، وليست هي كخلّة الناس مقتضية المساواة أو التفضيل، فالمراد منها الكناية عن عبودية إبراهيم في جملة ﴿ ما في السموات وما في الأرض ﴾ .

والمحيط: العليم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ ﴾ في الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ لَيْسَ الثَّوابُ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الإسْلامِ، وهو قَوْلُ مَسْرُوقٍ، والسُّدِّيِّ.

﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ السُّوءُ ما يَسُوءُ مِنَ القَبائِحِ، وفِيهِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الكَبائِرُ، وهَذا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما يَلْقاهُ الإنْسانُ في الدُّنْيا مِنَ الأحْزانِ والمَصائِبِ جَزاءً عَنْ سَيِّئاتِهِ كَما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ شَقَّتْ عَلى المُسْلِمِينَ وبَلَغَتْ بِهِمْ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَبْلُغَ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: (قارِبُوا وسَدِّدُوا فَفي كُلِّ ما يُصابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفّارَةٌ حَتّى النَّكْبَةُ يُنْكَبُها أوِ الشَّوْكَةُ يُشاكُها)» .

ورَوى الأعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ فَقالَ: (يا أبا بَكْرٍ إنَّ المُصِيبَةَ في الدُّنْيا جَزاءٌ)» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وديننا خير الأديان.

فقال الله تعالى ﴿ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة» .

وأخرج ابن جرير والطبراني في السنة عن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام، واصطفى محمداً بالرؤية.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن الضريس عن معاذ بن جبل.

أنه لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم.

وأخرج الحاكم وصححه عن جندب: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يتوفى: «إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً» .

وأخرج الطبراني وابن عساكر عن ابن مسعود قال: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وإن صاحبكم خليل الله، وإن محمداً سيد بني آدم يوم القيامة.

ثم قرأ ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ﴾ [ الإسراء: 79] .

وأخرج الطبراني عن سمرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الأنبياء يوم القيامة كل اثنين منهم خليلان دون سائرهم.

قال فخليلي منهم يومئذ خليل الله إبراهيم» .

وأخرج الطبراني والبزار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة قصراً من درة لا صدع فيه ولا وهن، أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلاً» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم؟!.

وأخرج الترمذي وابن مردويه عن ابن عباس قال: «جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: إن الله اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله.

وقال آخر: ماذا بأعجب من أن كلم الله موسى تكليماً.

وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته.

وقال آخر: آدم اصطفاه الله.

فخرج عليهم فسلم فقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم ان إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه الله ربه كذلك، ألا وإني حبيب الله ولا فخر، وأنا أول شافع، وأول مشفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتحها الله، فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر» .

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات قال: أوحى الله إلى إبراهيم: أتدري لم اتخذتك خليلاً؟

قال: لا يا رب.

قال: لأني اطلعت إلى قلبك فوجدتك تحب أن ترزأ ولا ترزأ.

وأخرج ابن المنذر عن ابن أبزى قال: دخل إبراهيم عليه السلام منزله، فجاءه ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، فقال له إبراهيم: بإذن من دخلت؟

قال: بإذن رب المنزل.

فعرفه إبراهيم فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من عباده خليلاً.

قال إبراهيم: ونحن ذلك!

قال: وما تصنع به؟

قال: أكون خادماً له حتى أموت.

قال: فإنه أنت.

وبأي شيء اتخذني خليلاً؟

قال: بأنك تحب أن تعطي ولا تأخذ.

وأخرج البيهقي في الشعب عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟

قال: لإطعامه الطعام يا محمد» .

وأخرج الديلمي بسند واهٍ عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس: «يا عم أتدري لم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟

هبط إليه جبريل فقال: أيها الخليل هل تدري بم استوجبت الخلة؟

فقال: لا أدري يا جبريل!

قال: لأنك تعطي ولا تأخذ» .

وأخرج الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في فضائل العباس عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم اتخذه خليلاً، واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزاراً، ثم اصطفى من ولد نزار مضر، ثم اصطفى من مضر كنانة، ثم اصطفى من كنانة قريشاً، ثم اصطفى من قريش بني هاشم، ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب، ثم اصطفاني من بني عبد المطلب» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه وابن عساكر والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ اتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ وموسى نجياً، واتخذني حبيباً، ثم قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيِّي» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن علي بن أبي طالب قال: أوّل من يكسى يوم القيامة إبراهيم قبطيتين والنبي صلى الله عليه وسلم حلة حبرة وهو عن يمين العرش.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ قال أصحاب المعاني: لما دعا الله الخلق إلى طاعته والانقياد لأمره، بيّن سعة قدرته وكثرة مملوكاته، ليُرغب إليه بالطاعة له (١) وقال بعضهم: لما قال: ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ بيّن أن ذلك إنما هو لحسن الطاعة، لا لحاجةٍ إلى الطاعة والمخالة، ولكن لمجازاة المحسن بإحسانه، وبين أنه مع ذلك عبد له.

وهذا معنى قول الزجاج (٢) وإنما قال: ﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ ولم يقل: (من)، لأنه ذهب به مذهب الجنس، والذي يعقل إذا ذكر، وأريد به الجنس ذكر بـ (ما)، كقول الشاعر: وما جرم وما ذاك السَّويق (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ أي عالمًا علم إحاطة، وهو العلم بالشيء من كل وجه حتى لا يشد عنه نوع من علمه.

ويجوز أن يكون محيطًا بالقدرة عليه، كما قال جل وعز: ﴿ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا  ﴾ .

وقد ذكرنا معنى المحيط فيما تقدم [[انظر: [البقرة: 19].]].

(١) انظر: الطبري 5/ 298، و"البحر المحيط" 3/ 357.

(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 114.

(٣) عجز بيت لزياد بن الأعجم، وصدره: تكلفني سويق الكرم جرم والبيت من شواهد سيبويه في الكتاب 1/ 301 دون نسبة، ونسبه لزياد بن قتيبة في "الشعر والشعراء" ص 281، كما استشهد به دون نسبة المبرد في "الكامل" 1/ 323، والزجاجي في "الجمل في النحو" ص 118.

وجرم: قبيلة، والسويق: الخمر.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم ﴾ أي دين الإسلام ﴿ حَنِيفاً ﴾ حال من المتبع أو من إبراهيم ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ أي صفياً، وهو مشتق من الخلة بمعنى المودّة، وفي ذلك تشريف لإبراهيم، وترغيب في اتباعه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يؤتيه ﴾ بالياء: أبو عمرو وحمزة خلف وقتيبة وسهل.

الباقون بالنون.

﴿ نوله ﴾ ﴿ ونصله ﴾ مثل ﴿ يؤده  ﴾ .

﴿ يدخلون ﴾ بضم الياء وفتح الخاء وكذلك في "مريم" و "حم المؤمن": أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ويزيد وأبو بكر وحماد.

الآخرون بالعكس ﴿ إبراهام ﴾ وما بعده في هذه السورة: هشام وكذلك روى الموصلي عن الأخفش عن ابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف.

﴿ مريداً ﴾ لا لأن ما بعده صفى له.

﴿ لعنه الله ﴾ م لأنّ قوله: ﴿ وقال ﴾ غير معطوف على ﴿ لعنه ﴾ ﴿ مفروضاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ خلق الله ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ط كيلا يصير ﴿ يعدهم ﴾ وصفاً للخسران ﴿ ويمنيهم ﴾ ط ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ محيصاً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ قيلاً ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط يجز به لا للعطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ نقيراً ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: ثم أشار إلى ما كانوا يتناجون به حيث يبيتون ما لا يرضى من القول.

والنجوى سر بين اثنين وكذا النجو يقال: نجوته نجواً أي ساررته وكذلك ناجيته.

قال الفراء: قد تكون النجى اسماً ومصدراً، والآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق بعضاً إلاّ أنها في المعنى عامة.

والمراد أنه لا خير فيما يتناجى به الناس ويخوضون فيه من الحديث.

﴿ إلاّ من أمر بصدقة ﴾ وفي محل "من" وجوه مبنية على معنى النجوى.

فإن كان النجوى السر جاز أن يكون "من" في موضع النصب لأنه استنثاء الشيء من خلاف جنسه كقوله إلاّ أواريّ ومعناه لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير، أو في موضع الرفع كقوله: إلاّ اليعافير وإلاّ العيس.

أبو عبيد جعل هذا من باب حذف المضاف معناه إلاّ نجوى من أمر على أنه مجرور بدل من كثير كما تقول: لا خير في قيامهم إلاّ قيام زيد أي في قيامه، وعلى هذا يكون الاستثناء من جنسه.

وإن كان النجوى بمعنى ذوي نجوى كقوله: ﴿ وإذ هم نجوى  ﴾ كان محله أيضاً مجروراً من ﴿ كثير ﴾ أو من نجوى كما لو قلت: لا خير في جماعة من القوم إلاّ زيد إن شئت أتبعت زيداً الجماعة وإن شئت أتبعته القوم.

وإنما قال: ﴿ لا خير في كثير ﴾ مع أنه يصدق الحكم كلياً بدليل قوله  : " كلام ابن آدم كله عليه / لا له إلاّ ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر" أو ذكر الله استجلاباً للقلوب وليكون أدخل في الاعتراف به، وليخرج عنه الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

واعلم أن قول الخير إما أن يتعلق بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، والأول إن كان من الخيرات الجسمانية فهو الأمر بالصدقة، وإن كان من الخيرات الروحانية بتكميل القوة النظرية أو العملية فهو الأمر بالمعروف.

والثاني هو الإصلاح بين الناس فثبت أن الآية مشتملة على جوامع الخيرات ومكارم الأخلاق، وهذه الأوامر وإن كانت مستحسنة في الظاهر إلاّ أنها لا تقع في حيّز القبول إلاّ إذا عمل صاحبها بما أمر كيلا يكون من زمرة ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ﴾ ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون  ﴾ وإلاّ إذا طلب بها وجه الله فلهذا قال: ﴿ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ ويمكن أن يقال: إنّ معنى ﴿ ومن يفعل ﴾ الأمر والمراد ومن يأمر فعبر عن الأمر بالفعل لأنّ الأمر فعل من الأفعال.

والمراد بقوله: ﴿ من أمر ﴾ من فعل لأنّ الأمر يلزمه الفعل غالباً.

ثم قال: ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ قال الزجاج: إنّ طعمة كان قد تبيّن له بما أظهر الله من أمره ما دلّه على صحة نبوة محمد  فعادى الرسول وأظهر الخلاف وارتد على عقبيه واتبع دين عبادة الأوثان وهو غير دين الموحدين وسبيلهم.

ومعنى ﴿ نوله ما تولى ﴾ نجعله والياً لما اختاره لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه.

قال بعض الأئمة: هذا منسوخ بآية السيف ولا سيما في حق المرتد.

والظاهر أن المراد به الطبع والخذلان ﴿ ونصله جهنم ﴾ نلزمه إياها ﴿ وساءت مصيراً ﴾ هي.

وانتصب ﴿ مصيراً ﴾ على التمييز من الضمير المبهم في ساءت لأنه يعود إلى ما في الذهن لا إلى المذكور.

يحكى أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب الله دالّة على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وقف على هذه الآية.

ووجه الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لأنه  جمع بين اتباع غير سبيلهم وبين مشاقة الرسول ورتب الوعيد عليهما، واتباع غير سبيل المؤمنين يلزمه عدم اتباع سبيل المؤمنين لاستحالة الجمع بين الضدين أو النقيضين.

فعدم اتباع سبيل المؤمنين حرام فاتباع سبيلهم واجب كموالاة الرسول.

وفي الاية دلالة على وجوب عصمة النبي  وعلى وجوب الاقتداء بأقواله وأفعاله وإلاّ وجب المشاقة في بعض من الأمور وهي منهي عنها في الكل.

قيل: في الآية دلالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلاّ بالنظر والاستدلال لأنّ الهدى اسم للدليل لا للعلم إذ لا معنى لتبيين العلم لكنه رتب الوعيد على المخالفة بعد تبيين الدليل فيكون تبيين الدليل معتبراً في صحة الدين.

وأقول: الموقوف على النظر هو معرفة وجود الواجب لذاته وصحة نبوّة / النبي  والباقي يكفي في اعتقاده إخبار الصادق على أن إخبار الصادق أيضاً دليل فلا حكم إلاّ عن دليل.

ثم إنه كرّر في السورة قوله: ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للتأكيد.

وقيل: لقصة طعمة وإشراكه بالله.

﴿ ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ﴾ لأنّه لا أجلى من وجود الصانع ووحدته، والمطلوب كلما كان أجلى كان نقيضه أبعد.

ثم أوضح هذا المعنى بقوله  : ﴿ إن يدعون ﴾ أي ما يعبدون ﴿ من دونه إلاّ إناثاً ﴾ أي أوثاناً وكانوا يسمونها بأسماء الإناث كاللات والعزى، فاللات تأنيث الله، والعزى تأنيث الأعز.

قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلاّ ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ويؤيده قراءة عائشة ﴿ إلاّ أوثاناً ﴾ وقراءة ابن عباس ﴿ إلاّ أثنا ﴾ جمع وثن مثل أسد وأسد إلاّ أن الواو أبدلت همزة كأجوه.

وقيل: المراد إلاّ أمواتاً لأنّ الإخبار عن الأموات يكون كالإخبار عن الإناث.

تقول: هذه الأحجار أعجبتني كما تقول هذه المرأة أعجبتني، ولأن الأنثى أخس من الذكر والميت أخس من الحي.

وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله.

وقيل: إنّ بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون الملائكة بنات الله.

﴿ وإن يدعون ﴾ ما يعبدون بعبادة الأصنام ﴿ إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ بالغاً في العصيان مجرداً عن الطاعة.

يقال: شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والأمرد ذلك الذي لم تنبت له لحية.

قال المفسرون: كان في كل واحدة من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم.

وقالت المعتزلة: جعلت طاعتهم للشيطان عبادة له لأنّه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه.

والظاهر أنّ المراد بالشيطان ههنا هو إبليس لأنه وصف بقوله: ﴿ لعنه الله وقال لأتخذن ﴾ وهو جواب قسم محذوف أي شيطاناً جامعاً بين لعنة الله إياه وبين هذا القول الشنيع وهو الإخبار عن الاتخاذ مؤكداً بالقسم.

ويمكن أن يقال: المراد بلعنة الله ما استحق به اللعن من استكباره عن السجود كقولهم: أبيت اللعن أي لا فعلت ما تستحقه به.

ومعنى ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ حظاً مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي وأصل الفرض القطع ومنه الفريضة لأنه قاطع الأعذار ﴿ وقد فرضتم لهن فريضة  ﴾ جعلتم لهن قطعة من المال.

وفرض الجندي رزقه المقطوع المعين.

قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وذلك لما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي  قال: يقول الله  : " "يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير بيديك.

قال: أخرج بعث النار.

قال: وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" الحديث.

وههنا سؤال وهو أن حزب الشيطان وهم الذين يتبعون خطواته من الكفار والفساق لما كانوا أكثر من حزب الله / فلم أطلق عليهم لفظ النصيب مع أنه لا يتناول إلاّ القسم الأقل؟

والجواب أنّ هذا التفاوت إنما يحصل من نوع البشر، أما إذا ضمّ الملائكة إليهم فالغلبة للمحقين لا محالة.

وأيضاً الغلبة لأهل الحق وإن قلّوا، وغيرهم كالعدم وإن كثروا ﴿ ولأضلنهم ﴾ يعني عن الحق قالت المعتزلة: فيه دلالة على أصلين من أصولنا: الأول أنّ المضل هو الشيطان دون الله، والثاني أنّ الإضلال ليس عبارة عن خلق الكفر والضلال فإنّ الشيطان بالاتفاق لا يقدر على ذلك.

وأجيب بأنّ هذا كلام إبليس فلا يكون حجة على أنّ كلامه في هذه المسألة مضطرب جداً فتارة يميل إلى القدر المحض وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ﴿ لأغوينهم  ﴾ وأخرى إلى الجبر المحض كقوله: ﴿ رب بما أغويتني  ﴾ ﴿ ولأمنينهم ﴾ الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال واقتحام الأهوال وانتظام الأحوال فلا يكاد يقدم على التوبة والإقبال على تهيئة زاد الآخرة حتى يصير قلبه كالحجارة أو اشد قسوة.

﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ البتك القطع، وسيف باتك أي صارم، والتبتيك التقطيع شدّد للكثرة.

وجمهور المفسرين على أنّ المراد به ههنا قطع آذان البحائر كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن إذا جاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ويسمونها بحيرة.

وقال بعضهم: كانوا يقطعون آذان الأنعام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق.

قوله: ﴿ فليبتكن ﴾ صيغة غابر للغائبين واللام لجواب قسم آخر أي فوالله ليبتكن وأصله ليبتكون، فلما دخلت النون الثقيلة سقطت نون الرفع ولتوالي الأمثال وواو الجمع لالتقاء الساكنين واكتفى بالضمة، والفاء للتسبيب والإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها والجملة كالتفسير لقوله: ﴿ ولآمرنهم ﴾ ومثله في الإعراب قوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ والمراد من التغيير إما المعنوي وإما الحسي.

فمن الأول قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن الضحاك ومجاهد والنخعي وقتادة والسدي أنه تغيير دين الله بتبديل الحرام حلالاً وبالعكس، أو بإبطال الاستعداد الفطري ﴿ فطرت الله التي فطر الناس عليها  ﴾ " كل مولود يولد على الفطرة " ومن الثاني قول الحسن المراد ما روى ابن مسعود عن النبي  : " لعن الله الواشمات والواشرات والمتنمصات " وذلك أنّ المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا.

أما وشم اليد فهو أن / يغرزها بالإبرة ثم يذر عليها النيل.

والوشر تحديد الأسنان، والتنميص نتف شعر الحاجب وغيره.

وقال أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبو صالح: تغيير خلق الله هو الخصاء وقطع الآذان وفقء العيون.

وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً أعور وأعين فحلها.

وخصاء البهائم مباح عند عامة العلماء وأما في بني آدم فمحظور.

وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم لأنّ الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم.

وقال ابن زيد: هو التخنث تشبه الذكر بالأنثى.

وعلى هذا فالسحق أيضاً داخل في الآية لأنّه تشبه الأنثى بالذكر.

وحكى الزجاج عن بعضهم أن الله  خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب، وخلق الشمس والقمر مسخرين للناس ينتفعون بهما فعبدوهما فغيروا خلق الله.

واعلم أن دخول الضرر في الإنسان إنما يكون على ثلاثة أوجه: التشويش والنقصان والبطلان، فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في ضرر الدين وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ثم فصل ذلك بقوله: ﴿ ولأمنينهم ﴾ وهو الضرر من جنس التشويش لأن صاحب الأماني يتشوّش فكره في استخراج الحيل الدقيقة والوسائل اللطيفة في تحصيل مطالبة الشهوية والغضبية والشيطانية.

وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ إشارة إلى الضرر بالنقصان لأنّ الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف العزم في طلب الآخرة.

وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ إشارة إلى البطلان لأن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الباقية فلا يزال يتزايد ميله وركونه إلى الدنيا حتى يتغير قلبه بالكلية ولا يخطر بباله ذكر الآخرة.

﴿ ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله ﴾ بأن فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به ﴿ فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ إذ فاته أشرف المطالب بسبب الاشتغال بأخسها.

والسبب فيه أنّ الشيطان يعدهم ويمنيهم فيقول للشخص إنه سيطول عمره وينال من الدنيا مقصوده ويستولي على أعدائه ويوقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت لي كما تيسرت لغيري ﴿ وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً ﴾ لأنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ونال مأموله على أحسن الوجوه فلا بد أن يكون عند الموت في أشد حسرة وأبلغ حيرة لأنّ المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الإلف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته آلم وأنكى.

وأيضاً لعل الشيطان يعدهم أنه لا قيامة ولا حساب ولا جزاء ولا عقاب فاجتهدوا في استيفاء اللذات العاجلة واغتنموا فرصة الحياة الزائلة فلذلك قيل: ﴿ أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصاً ﴾ مفراً ومعدلاً وله معنيان: أحدهما لا بدّ لهم من ورودها، الثاني التخليد بمعنى الدوام للكفار أو طول المكث للفساق.

/ ثم أردف الوعيد بالوعد على سنته المعهودة فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ﴾ قال أهل السنة: لو كان الخلود الدوام لزم التكرار فإذن هو طول المكث المطلق.

وقوله: ﴿ أبداً ﴾ مفيد للتأبيد.

﴿ وعد الله حقاً ﴾ مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره لأن قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعد منه تعالى ومضمونه هو مضمون وعد الله، وأما ﴿ حقاً ﴾ فمضمونه أخص من مضمون الوعد لأن الوعد من حيث هو وعد يحتمل أن يكون حقاً وأن لا يكون فمضموناهما متغايران تغاير الجنس والنوع ﴿ ومن أصدق من الله قيلاً ﴾ توكيد ثالث بليغ من قبل الاستفهام المتضمن للإنكار.

وفائدة هذه التوكيدات معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وإلقاء أمانية الفارغة والتنبيه على أن قول أصدق القائلين أولى بالقبول من قول من لا أحد أكذب منه.

والقيل: مصدر قال قولاً.

وعن ابن السكيت أن القيل والقال اسمان لا مصدران.

عن أبي صالح قال: جلس أهل الكتب أهل التوراة والإنجيل وأهل القرآن كل صنف يقول لصاحبه نحن خير منكم فنزلت: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ وقال مسروق وقتادة: احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم؛ نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم.

وقال المسلمون: نحن أهدى منكم وأولى بالله؛ نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب التى قبله فنزلت.

ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناواهم من أهل الأديان بقوله: ﴿ ومن يعمل من الصالحات ﴾ وبقوله: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ الآيتان.

وقيل: الخطاب في: ﴿ أمانيكم ﴾ لعبدة الأوثان, وأمانيهم أن لا يكون حشر ولا نشر ولا معاد ولا عقاب وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله.

وقيل: الخطاب للمسلمين وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر، وأما أماني أهل الكتاب فقولهم: ﴿ لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ﴿ لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة  ﴾ واسم "ليس" مضمر فقيل: أي ليس وضع الدين على أمانيكم.

وقيل: ليس الثواب الذي تقدم الوعد به في قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعن الحسن ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب أي أثر فيه وصدقه العمل، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل.

ويؤيد هذا المعنى قوله بياناً للمذكور: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ﴾ فمن هنا استدلت المعتزلة بالآية على القطع بوعيد الفساق ونفي الشفاعة، وأجيب بأنه مخصوص بالكفار لأنهم مخاطبون بالفروع عندنا.

سلمنا أنه يعم المؤمن والكافر إلاّ أنه مخصوص في حق / المؤمن بقوله: ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون جزاؤهم الآلام والأسقام والهموم والغموم الدنيوية؟

روي أنه لما نزلت الآية قال أبو بكر: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟

فقال  : " غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألست تمرض أليس يصيبك اللأواء؟

فهو ما تجزون" .

عن عائشة أن رجلاً قرأ هذه الآية فقال: أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا.

فبلغ النبي  كلامه فقال: "يجزي المؤمن في الدنيا بمصيبة في جسده وبما يؤذيه" .وعن أبي هريرة لما نزلت الآية بكينا وحزنا وقلنا: "يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئاً، فقال  : أبشروا فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلاّ جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه" ، سلمنا أن الجزاء إنما يصل إليه في الأخرة لكنه روي عن ابن عباس "أنه لما نزلت الآية شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءاً فكيف الجزاء؟

فقال  : إنه  وعد على الطاعة عشر حسنات، وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة، فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره" .

وأيضاً المؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات فوجب القطع بأنه يدخل الجنة.

قالوا: إن صاحب الكبيرة غير مؤمن، وأجيب بنحو قوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ أما حديث نفي الشفاعة فإذا كانت شفاعة الملائكة والأنبياء بإذن الله صدق أنه لا ولي لأحد ولا نصيراً إلاّ الله.

قال في الكشاف: "من" في قوله: ﴿ من الصالحات ﴾ للتبعيض أراد ومن يعمل بعض الصالحات لان كلاّ لا يتمكن من كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو في وسعه، وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة ولا صلاة في بعض الأحوال.

ومن في قوله: ﴿ من ذكر ﴾ لتبيين الإبهام في: ﴿ من يعمل ﴾ والضمير في: ﴿ لا يظلمون ﴾ عائد إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً، أو يعود إلى الصالحين فقط.

وذكره عند أحد الفريقين يغني عن ذكره عند الآخر والمسيء مستغن عن هذا القيد، فمن المعلوم أن أرحم الراحمين لا يزيد في عقابه وأما نقصان الفضل في الثواب كان محتملاً فأزيل ذلك الوهم، ثم بين فضل الإيمان المشروط به الفوز بالجنة فقال: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ وبيان الفضل من وجهين: الأول أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والانقياد لله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أسلم وجهه لله ﴾ وهو راجع إلى الاعتقاد الحق وعلى إظهار كمال الطاعة وحسن العمل والإخلاص وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وهو محسن ﴾ وهو عائد إلى فعل الخيرات وترك المنكرات بصفاء النيات وخلوص الطويات.

وفيه تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلاّ / عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق، وإظهار التبري من الحول والقوة، ومن الاستعانة بغير المعبود الحق من الأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها كائناً من كان الوجه الثاني أن محمداً  إنما دعا الخلق إلى ما يشبه دين أبيه إبراهيم  ، ومن المشهور فيما بين أهل الأديان أنه ما كان يدعو إلى عباده فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة، بل كان مائلاً عن الملل الباطلة بعيداً عنها بعد المركز عن جميع أجزاء الدائرة ولهذا شرف بقوله: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ وهذه جملة معترضة والسبب في إيرادها أن يعلم أن من كان في علو الدرجة بهذه الحيثية كان جديراً بأن تتبع طريقته.

قال العلماء: إن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره وقد دخل حبه في خلال قلبه، ولما أطلع الله  إبراهيم  على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة أخرى إلى توحيد الله ومنعهم عن عبادة النجوم والقمر والشمس وعن عبادة الأوثان، ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ثم جعله الله إماماً للناس ورسولاً إليهم وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته إلى يوم الدين كان خليلاً لله، لأن خلته عبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع.

وقيل: الخليل، هو الذي يوافقك في خلالك وقد قال  : " "تخلقوا بأخلاق الله" فلما بلغ إبراهيم  في مكارم الأخلاق مبلغاً لم يبلغه من تقدمه فلا جرم استحق اسم الخليل.

وقيل: الخليل الذي يسايرك في طريقك من الخل وهو الطريق في الرمل، فلما كان إبراهيم منقاداً لكل ما أمر به مجتنباً عن كل ما نهى عنه فكأنه ساير ووافق أوامر الله  ونواهيه فاستحق اسم الخليل لذلك.

هذا من جهة الاشتقاق, وأما من قبل أسباب النزول فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله  : "يا جبريل بم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟

قال: لإطعامه الطعام يا محمد" .

وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي: "دخل إبراهيم فجأة فرأى ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، فقال إبراهيم  : بإذن من دخلت؟

فقال: بإذن رب المنزل.

فعرفه إبراهيم  .

فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من عباده خليلاً.

قال إبراهيم: ومن ذلك؟

قال: وما تصنع به؟

قال: أكون خادماً له حتى أموت.

قال: فإنه أنت" .

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "أصاب الناس سنة جهدوا فيها فحشدوا إلى باب إبراهيم: يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له، فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله بمصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له ولكنه يريد للأضياف وقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم فمروا ببطحاء فقالوا: لو أنا احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة إنا لنستحي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة، فملؤا تلك الغرائر.

ثم إنهم أتوا إبراهيم وسارة نائمة فأعلموه ذلك فاهتم إبراهيم لمكان الناس فغلبته عيناه فنام واستيقظت / سارة فقامت إلى تلك الغرائر ففتحتها فإذا هي أجود حوّاري تكون فأمرت الخابزين فخبزوا وأطعموا الناس واستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام فقال: يا سارة من أين هذا الطعام؟

فقالت: من عند خليلك المصري.

فقال: هذا من عند خليلي الله فيومئذٍ اتخذه الله خليلاً" .

وقال شهر بن حوشب: "هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شج.

فقال إبراهيم: اذكره مرة أخرى فقال: لا أذكره مجاناً.

فقال: لك مالي كله.

فذكره الملك بصوت أشجى من الأول.

فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي.

فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك وإنما كان المقصود امتحانك" .

فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

وروى طاوس عن ابن عباس "أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلاً سميناً وقربه إليهم وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبريل: أنت خليل الله" .

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : " اتخذ الله إبراهيم خليلاً وموسى نجياً واتخذني حبيباً.

ثم قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي " قلت: ذكرت الفرق بين الخليل والحبيب في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ إذ قال له ربه أسلم  ﴾ فتذكر، قال في التفسير الكبير: إذا استنار جوهر الروح بالمعارف القدسية الجلايا الإلهية صار الإنسان متوغلاً في عالم القدس فلا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا الله، ولا يتحرك إلا لله، ولا يسكن إلا لله، فهذا الشخص يستحق أن يسمى خليل الله لما أن محبة الله ونوره تخللت في جميع قواه.

قال بعض النصارى: إذا جاز إطلاق الخليل على إنسان تشريفاً فلم له يجز إطلاق الابن على آخر لمثل ذلك؟

والجواب أن الخلة لا تقتضي الجنسية بخلاف البنوة وإنه  متعال عن مجانسة المحدثات.

ولهذا قال بعد ذلك: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ ليعلم أنه لم يتخذ إبراهيم خليلاً للمجانسة أو الاحتياج, ولكنه اصطفاه لمجرد الفضل والأمتنان، وفيه أنه مع خلته لم يستنكف أن يكون عبداً له داخلاً تحت ملكه وملكه، وفيه أن من كان في القهر والتسخير بهذه الحيثية وجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وينقاد لأوامره ونواهيه كما قال إبراهيم: ﴿ أسلمت لرب العالمين  ﴾ وأيضاً إنه لما ذكر الوعد والوعيد وإنه لا يمكن الوفاء بهما إلاّ بالقدرة التامة على جميع الممكنات والعلم الكامل الشامل لجميع الكليات والجزئيات أشار إلى الأول بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإلى الثاني بقوله: ﴿ وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ وإنما قدم القدرة على العلم لأن الفعل بحدوثه يدل على القدرة وبما فيه من الإحكام والإتقان يدل على العلم، ولا ريب أن الاعتبار الأول مقدم على الثاني.

وقال بعضهم: الإحاطة أيضاً ههنا بمعنى القدرة كقوله  : ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط / الله بها  ﴾ ولا يلزم تكرار لأن الأول لا يدل إلا على مالك لكل ما في السموات والأرض قادر عليهما والثاني يفيد القدرة المطلقة على جميع الأشياء وإن فرضت خارج السموات والأرض، وعلى أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه.

التأويل: ﴿ لا خير في كثير ﴾ من نجوى النفس والهوى والشيطان إلاّ فيمن أمر بالخيرات وهو الله بالوحي وبالخواطر الرحمانية ثم خواص عباده.

﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ أي يخالف الإلهام الرباني ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ بأن يتبع الهوى وتسويل النفس والشيطان ﴿ نوله ما تولى ﴾ نكلله بالخذلان إلى ما تولي ﴿ ونصله ﴾ بسلاسل معاملاته.

﴿ جهنم ﴾ الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية.

﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ ولو كان مغفوراً لم يشرك به ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآن ﴿ فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ وهو الضلال بالإضلال الأزلي فافهم ﴿ إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً ﴾ صفات ذميمة يتولد منها الشرك ﴿ وإن يدعون إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ هي الدنيا كما قال  : " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله وما والاه " والنصيب المفروض طائفة خلقهم الله أهلاً للنار ﴿ ولأضلنهم ﴾ كذب عدو الله فإنه مزين وليس إليه من الضلالة شيء كما قال  : " "بعثت مبلغاً وليس إليّ من الهداية شيء " ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وهو قوله: " "هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي " .

﴿ ليس بأمانيكم ﴾ يعني عوام الخلق الذين يذنبون ولا يتوبون ويطمعون أن يغفر الله لهم وقد قال: ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً  ﴾ و ﴿ ولا أماني أهل الكتاب ﴾ علماء السوء الذين يغرون العوام بالرجاء والطمع ويقطعون عليهم طريق الطلب والاجتهاد فليس من تمنى نعمته من غير أن يتعنى في خدمته كمن تعنى في خدمته من غير أن يتمنى نعمته ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ في الحال بإظهار الرين على مرآة قلبه كما قال  : " إذا أذنب عبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ورجع منه صقل" ﴿ ولا يجد له من دون الله ولياً ﴾ يخرجه من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة والتوبة.

﴿ ولا نصيراً ﴾ ينصره بالظفر على النفس الأمارة ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ أي من قلب أو نفس ﴿ ومن / أحسن ديناً ﴾ يعني من محمد  حين أسلم سره وروحه وقلبه ونفسه وشيطانه كما قال: " "أسلم شيطاني على يدي" " ومن إسلام نفسه يقول يوم القيامة: "أمتى أمتي" حين يقول الأنبياء نفسي نفسي ﴿ وهو محسن ﴾ بمعنى أنه من أهل المشاهدة يعبد الله كأنه يراه بل يراه ولأنه أحسن خلقه العظيم إلى أن بلغ حد الكمال والختم.

واتبع ملة إبراهيم بأن الله اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً.

قيل لمجنون بني عامر: ما اسمك؟

قال: ليلى.

وقيل لمحمد  .

ما اسمك؟

قال: الحبيب.

فكان محمد  حبيباً خليلاً أي فقيراً من الخلة الحاجة لأنه افتقر بالكلية إلى الله في كل أحواله.

والفرق بين مقام الخليل ومقام الحبيب أنالخليل اتخذ الآلهة عدواً في الله ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ والحبيب اتخذ نفسه عدواً في الله وقال: ليت رب محمد لم يخلق محمداً وهذا مقام الفناء في الفناء بل البقاء بعد الفناء فلا جرم يقول بالرب عن الرب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ .

أخبر - عز وجل - أن الأمر ليس بالأماني؛ ولكن إلى الله - عز وجل - فهو - والله أعلم - يحتمل أن يكون في المنزلة والقدر عند الله؛ لأنهم قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ ، وقالوا: ﴿ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ  ﴾ ، وغير ذلك من الأماني.

وأهل التأويل يذهبون إلى غير هذا، وقالوا: إن كل فريق منهم كانوا يقولون: إن ديننا خير من دينكم، ونحن أفضل من هؤلاء؛ فنزل: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

وذلك بعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ .

اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله -  -: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ، يعني: ركا يجز به؛ يدل على ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ ، وذلك وصف الكافر ألا يكون له ولي يتولى حفظه، ولا نصير ينصره؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ؛ ذكر الذين يعملون الصالحات - وهم مؤمنون - أن يدخلوا الجنة؛ فهذا - أيضاً - يدل أن قوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ أراد به الشرك.

وقال آخرون: قوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ، أي: كل سوء يدخل فيه المسلم والكافر؛ ألا ترى أنه رُوي عن أبي بكر الصديق -  - "لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله، كيف الفلاح بعد هذا وكل شيء عملناه جزينا به؟!

قال: غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ!

أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟

أَلَسْتَ تَنْصَبُ؟

أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟

أَلَسْتَ يُصَيبُكَ الأَذَى؟

فَهَذَا مَا تُجْزَوْنَ بِهِ، يُجْزَى بِهِ المُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا، وَالَكافِرُ فِي الآخِرَةِ" ، فإن كان التأويل هذا؛ فقوله: ﴿ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ : هو في الكافر؛ أي: لا يجد له وليّاً ولا نصيرا إذا لم يرجع عن كفره ومات عليه، وأما إذا رجع عن ذلك، وتاب، ومات على الإيمان؛ فإنه يجد له وليا ونصيرا: ينصره الله -  - وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ .

في الآية دليل أن الأعمال الصالحات غير الإيمان؛ لأنه قال -  -: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ...

وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ، ولو كان إيماناً؛ فيصير كأنه قال: ومن يعمل الإيمان وهو مؤمن؛ فدل - بما ذكرنا - أنها غير الإيمان، وفيه دلالة - أيضاً - أن الأعمال الصالحة إنما تنفع إذا كان ثمة إيمان؛ لأنه شرط فيه الإيمان بقوله -  -: ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ؛ دل أن الأعمال الصالحة لا تنفع إذا لم يكن ثمة إيمان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾ .

قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ...

﴾ الآية.

يحتمل وجهين: يحتمل من أحسن دينا من المسلمين ممن يعمل جميع عمله موافقا لدينه - ممن لم يعمل؟!

بل الذي عمل بجميع عمله موافقا لدينه - أحسن دينا من الذي لم يعمل شيئا، [وهو] كما روي في الخبر عن رسول الله  [أنه] قال: "لَوْ وُزنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -  - بإِيمان جميع أمتي، لرجح إيمانه" وقال رسول الله  : "قوي في دينه، ضعيف في بدنه" ؛ ألا ترى أنه خرج لمقاتلة أهل الردة وحده؟!

وذلك لقوته في الدين وصلابته فيه، لا لزيادة الإيمان، ولا لنقصان إيمان في غيره، والله أعلم.

والثاني: مقابلة سائر الأديان، أي: ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله - ممن لم يسلم وجهه لله ...

إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله ﴾ ، عن الحسن قال: أسلم جميع جهة أمره إلى الله، أي: جميع ما يعمل إنما يعمل لله، لا يعمل لغير الله.

وقيل: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله ﴾ ، أي: أخلص نفسه لله، ولا يجعل لأحد فيها شركا؛ كقوله -  -: ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ  ﴾ الأية، أي: يسلم نفسه له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: قوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ : يحسن ما يعمل، أي: جميع ما يعمل؛ لعلم له فيه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ : من الإحسان، وهو أن يزيد العمل على المفروض عليه: يؤدي المفروض عليه، ويزيد على ذلك أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً ﴾ .

الملة: قيل: هي الدين.

وقيل: الملة: السنة، [وكأن السنة] أقرب؛ لأن دين الأنبياء  كلهم واحد، لا يختلف دين إبراهيم -  - ودين غيره من الأنبياء، عليهم السلام.

وأما السنن والشرائع فيجوز أن تختلف؛ ألا ترى أنه رُوي في الخبر: "ملة رسول الله صلى الله عليه سلم" ، وفي بعضها: "سنة رسول الله  " : جعل السنة تفسير الملة؛ فالملة بالسنة أشبه.

ثم خص ملة إبراهيم  لأن سننه كانت توافق سنن نبينا [محمد]  والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَنِيفاً ﴾ قيل: مخلصاً.

وقيل: سمي حنيفاً، أي: مائلا إلى الحق؛ ولذلك سمي الأحنف: أحنفاً؛ لميل أحد قدميه إلى الأخرى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾ .

ذكر في بعض الأخبار أن الله - عز وجل - أوحى إلى إبراهيم  : أن لي خليلا في الأرض؛ فقال: يا رب، من هو؟

قال: فأوحى الله -  - إليه: لِمَ؟

أي: لم تسألني عنه؟

قال: حتى أحبه وأتخذه خليلاً كما اتخذته خليلا، أو كلام نحو هذا؛ فقال: أنت يا إبراهيم.

وأصل الخلة: المنزلة، والرفعة، والكرامة، يقول: ﴿ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾ ، أي: جعل له عنده منزلة وكرامة لم يجعل مثلها لأحد من الخلائق؛ لما ابتلاه الله ببلايا، وامتحنه بمحن لم يبتل أحداً بمثلها، فصبر عليها، من ذلك: ما ألقي في النار، فصبر، ولم يستعن بأحد سواه، وما ابتلي بذبح ولده، فأضجعه، وما أمر أن يترك أهله وولده الطفل في جبال مكة: لا ماء هنالك، ولا زرع، ولا نبات؛ ففعل، ومن ذلك أمر المهاجرة ...

مما يكثر ذلك؛ فجائز تخصيصه بالخلة لذلك، والله أعلم.

وجائز أن يكون ذلك كرامة [أكرمه] الله بها؛ لأن أهل الأديان كلهم ينتسبون إليه، ويدَّعون أنهم على دينه، وعلى ذلك يخرج قوله: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، [وَعََلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ]" .

قيل: خص هو بهذين الوجهين اللذين ذكرتهما في الخلة.

وقيل: إنه اتخذه خليلا؛ لأنه كان يعطي ولا يأخذ، وكان يحب الضيف، وكان لا يأكل وحده وإن بقي طويلا، والله أعلم بذلك.

وأصل الخلة ما ذكرنا من الكرامة والمنزلة؛ لأن من يحب آخر يبره ويكرمه، ومن لا يحبه يعادهِ، ويظهر له الجفاء، ولا قوة إلا بالله.

واختلف في المعنى الذي وصف إبراهيم -  - بالخلة أنه خليل الله: فقد قيل: بما سخت نفسه في بذل كل لذة من لذات الدنيا لله، وله تَبَوِّء في مكان إتيان الأضياف وأبناء السبيل، وكان لا يأكل وحده، وكانت عادته التقديم بكل ما يتهيأ له عند نزول الأضياف عليه، والابتداء بذلك قبل كل أمر، والقيام للأضياف مع عظم منزلته؛ أيد ذلك أمر الملائكة الذين جاءوه بالبشارة، والله أعلم.

وقيل: إنما امتحنه الله بأمور فصبر عليها؛ نحو النار ألقي فيها لله، وذبح الولد، والهجرة مرتين، وبذل الأهل والولد لله، حيث لا ضرع، ولا زرع، ولا ماء، وغير ذلك مما أكرمه الله -  - بالثناء عليه: بوفاء ما امتحن، وإتمام ما ابتلي من قوله: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ  ﴾ ، وفي قوله -  -: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ  ﴾ .

ويحاج فرعونه وجميع قومه، ويجادلهم فيمن يعبدونهم، فغلبهم، وألزمهم حجة الله، وغير ذلك من وجوه المحن.

وقيل: بما به كان بدء البيت الذي جعله الله قياماً للناس، ومأمناً للخلق، ومثاباً لهم ومنسكاً؛ فعظم شأنه فيما بالخلق إليه حاجته في أمر الدين؛ وعلى ذلك أكرمه الله -  - بميل القلوب إليه، وإظهار التدين بدينه من جميع أصناف أهل الأديان، والله أعلم.

وقيل: إنما هو: لله خصائص في أهل الخيرة من الرسل وأولي العزم منهم: اختصهم بأسماء عرفن في الفضائل والكرامات، نحو القول بكليم الله، وروح الله، وذبيح الله، وحبيب الله؛ فعلى ذلك كان لإبراهيم -  - خصوصية في الاسم؛ فسماه الله خليلا؛ [فنحن نقول] - وبالله التوفيق -: ونحن نعلم بأن الله -  - لا يسميه بالذي ذكر عبثاً باطلا؛ ولكنه سماه به تعظيماً لقدره، وإظهاراً لكرامته، وبياناً لمنزلته عنده لما شاء من الوجوه التي لعلها لم يطلع عليها من الخلق، ولا يحتمل أن يدرك ذلك إلا بالوحي؛ فحق ذلك علينا تعظيمه ومعرفته بالذي اختصه الله واصطفاه، دون تكلف المعنى الذي له كان ذلك، مع ما لا وجه ولا معنى صار حقيق ذلك وأكرم به، إلا بمعنى أكرمه الله وأكرمه بفضل الله ورحمته؛ فلله أن يبتدئه بالخلة ثم يكرمه بأنواع الكرامات التي هي آثار الخلة، وأن يكرمه بأنواع الكرامات التي لديها تقع كرامات الخلة ويصلح، ولله المنُّ في ذلك والفضل، وعلينا الحمد لله والشكر؛ بما أكرمنا من معرفة كرام خلقه، وجعل [قلوبنا عامرة بمودتهم]؛ حتى صاروا - بفضل الله ورحمته - أحب إلينا من أمسِّ الخلق بنا، بل من أنفسنا، ولا قوة إلا بالله.

ثم ليس للنصارى ادعاء النبوة لله من حيث الكرامة على الاعتبار بالخلة؛ لأن الله -  وتعالى - عظم أمر الأولاد حتى جعله كالشرك، ولا كذلك أمر الخلة، ولأن أمر الأولاد حقه المجانسة، والخلة حقه الموافقة.

ثم أصل الأولاد: الشهوة والحاجة، والخلة: الطاعة والتعظيم، مما يرجع أحد الوجهين إلى شهوة الولد وحاجته، والآخر إلى تعظيم يكون من ذلك العبد وتبجيله والطاعة له والخضوع.

ثم الأصل: أن المعنى الذي تقتضيه الخلة [قد يجوز] أن يظفر كل بالطاعة، وإن كان الاسم له في حق النهاية؛ نحو قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ...

﴾ الآية [البقرة: 222]، وقوله -  -: ﴿ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، والمحبة قريبة من الخلة، ومحال أن يحق معنى الأولاد والنبوة بشيء من الطاعة؛ لذلك اختلف الأمران، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية.

تأويل هذه الآية - والله أعلم - أنه وإن أكرمهم وأعظم منزلتهم عنده وأعلاها - فإنهم لم يأنفوا عن عبادته، ولم يخرجوا أنفسهم من أن يكونوا عبيداً؛ بل كلما ازداد لهم عند الله - والله أعلم - منزلة وقدر - كانوا أخضع له وأطوع؛ كقوله -  -: ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ  لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 19].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً ﴾ .

أي: أحاط بكل شيء علمه، وهو يخرج على الوعيد، أي: عن علم منه خلقهم لا عن جهل بصنيعهم كملوك الأرض، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل - أيضاً: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً ﴾ وبصيراً، وعليما، ونحو ذلك يخرج على التوعيد والتخويف؛ ليكونوا مراقبين له، حذرين؛ كمن يعلم في الأمور أن عليه رقيباً، والله أعلم.

ويخرج على الابتلاء: أنه أمر من يكتب الأعمال لا للخفاء عليه، لكن بما إذ لا يمتحن لحاجة به؛ ولكن لمصلحة عباده، فيمتحن بما شاء، فامتحن أولئك الكتبة بما يكونون أبداً متيقنين ناظرين، لا يغفلون عن ذلك؛ طاعة منهم لله.

والثاني: أن يكون العلم بمن يكتب عليه كل أمره - فيما جُبل عليه البشر - أذكر له وأشد في التنبيه؛ فجرى حكم الله في ذلك؛ إذ أمر المحنة موضوع على المصلحة، وذلك أبلغ في الوجود، والله أعلم.

ويخرج على أن الله -  - كان بذلك محيطاً؛ ليعلموا أنهم لا يتركون سُدى، بل يحصى عليهم للجزاء، والله أعلم.

وجملة ذلك: أن الله -  - قال كان كذا؛ ليعلم أنه لا عن جهل خلق الخلق وبعث الرسل، وأنشأ الآيات، مما عليه أمر الخلق أنهم كيف يعاملون من ذكرت، وذلك خارج على حد الحكمة، وإن كان لا يعرفون في بعث الرسل إلى من يكذبهم، ولا تقوية الأعداء على ما به قهر الأولياء، ولا الأمر والنهي لمن يعلم أنه لا يأتمر ولا ينتهي - كبيرَ حكمة، وبما كان ذلك من الله فهو خارج على حد الحكمة؛ إذ ذلك كله من الخلق يقع لحاجة أو لمنفعة ترجع إليهم؛ فإذا ناقض - خرج الفعل من الحكمة.

فأما الله -  وتعالى - يمتحن عباده، ويبعث الرسل - عليهم السلام - لحاجة بالمبعوث إليهم وبالممتحنين، ولمنافع ترجع إليهم؛ فيكون ذلك منه كهدايا؛ فمن لا يقبلها فنفسه يضر ولحقها يبخس، لا أن يرجع إليه ذلك؛ فزال ذلك المعنى الذي له خرج الفعل من الخلق عن حد الحكمة؛ فلزم القول بموافقة الحكمة والمصلحة، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولله وحده ملك ما في السماوات وما في الأرض، وكان الله محيطًا بكل شيء من خلقه علمًا وقدرة وتدبيرًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.PV6Re"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر