الآية ١٢٨ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٢٨ من سورة النساء

وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًۭا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًۭا ۚ وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌۭ ۗ وَأُحْضِرَتِ ٱلْأَنفُسُ ٱلشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا ١٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 171 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٨ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٨ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا ومشرعا عن حال الزوجين : تارة في حال نفور الرجل عن المرأة ، وتارة في حال اتفاقه معها ، وتارة في حال فراقه لها .

فالحالة الأولى : ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها ، أو يعرض عنها ، فلها أن تسقط حقها أو بعضه ، من نفقة أو كسوة ، أو مبيت ، أو غير ذلك من الحقوق عليه ، وله أن يقبل ذلك منها فلا جناح عليها في بذلها ذلك له ، ولا عليه في قبوله منها ; ولهذا قال تعالى : ( فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ) ثم قال ( والصلح خير ) أي : من الفراق .

وقوله : ( وأحضرت الأنفس الشح ) أي الصلح عند المشاحة خير من الفراق ; ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فراقها ، فصالحته على أن يمسكها ، وتترك يومها لعائشة ، فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك .

ذكر الرواية بذلك : قال أبو داود الطيالسي : حدثنا سليمان بن معاذ ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، لا تطلقني واجعل يومي لعائشة .

ففعل ، ونزلت هذه الآية : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) الآية ، قال ابن عباس : فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز .

ورواه الترمذي ، عن محمد بن المثنى ، عن أبي داود الطيالسي ، به .

وقال : حسن غريب وقال الشافعي أخبرنا مسلم ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي عن تسع نسوة ، وكان يقسم لثمان .

وفي الصحيحين ، من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لها بيوم سودة .

وفي صحيح البخاري ، من حديث الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، نحوه .

وقال سعيد بن منصور : أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن ، عن أبيه عروة قال : أنزل الله تعالى في سودة وأشباهها : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت ، ففزعت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وضنت بمكانها منه ، وعرفت من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة ومنزلتها منه ، فوهبت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة ، فقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم .

قال البيهقي : وقد رواه أحمد بن يونس : عن ابن أبي الزناد موصولا .

وهذه الطريق رواها الحاكم في مستدركه فقال : حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه ، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد ، حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أنها قالت له : يا ابن أختي ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا ، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا ، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس ، حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها ، ولقد قالت سودة بنت زمعة - حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم - : يا رسول الله ، يومي هذا لعائشة .

فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قالت عائشة : ففي ذلك أنزل الله : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) وكذا رواه أبو داود ، عن أحمد بن يونس ، به .

ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

وقد رواه [ الحافظ أبو بكر ] بن مردويه من طريق أبي بلال الأشعري ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، به نحوه .

ومن رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، عن هشام بن عروة ، بنحوه مختصرا ، والله أعلم .

وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول معجمه : حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام الدستوائي ، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى سودة بنت زمعة بطلاقها ، فلما أن أتاها جلست له على طريق عائشة ، فلما رأته قالت له : أنشدك بالذي أنزل عليك كلامه واصطفاك على خلقه لما راجعتني ، فإني قد كبرت ولا حاجة لي في الرجال ، لكن أريد أن أبعث مع نسائك يوم القيامة .

فراجعها فقالت : إني جعلت يومي وليلتي لحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهذا غريب مرسل .

وقد قال البخاري : حدثنا محمد بن مقاتل ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) قالت : الرجل تكون عنده المرأة ، ليس بمستكثر منها ، يريد أن يفارقها ، فتقول : أجعلك من شأني في حل .

فنزلت هذه الآية .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ) قالت : هذا في المرأة تكون عند الرجل ، فلعله ألا يكون يستكثر منها ، ولا يكون لها ولد ، ولها صحبة فتقول : لا تطلقني وأنت في حل من شأني .

حدثني المثنى ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ، عن عروة ، عن عائشة في قوله : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) قالت : هو الرجل يكون له المرأتان : إحداهما قد كبرت ، أو هي دميمة وهو لا يستكثر منها فتقول : لا تطلقني ، وأنت في حل من شأني .

وهذا الحديث ثابت في الصحيحين ، من غير وجه ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة بنحو ما تقدم ، ولله الحمد والمنة .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن أشعث ، عن ابن سيرين قال : جاء رجل إلى عمر ، رضي الله عنه ، فسأله عن آية ، فكره ذلك وضربه بالدرة ، فسأله آخر عن هذه الآية : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) فقال : عن مثل هذا فسلوا .

ثم قال : هذه المرأة تكون عند الرجل ، قد خلا من سنها ، فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها ، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني ، حدثنا مسدد ، حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك بن حرب ، عن خالد بن عرعرة قال : جاء رجل إلى علي بن أبي طالب [ رضي الله عنه ] فسأله عن قول الله عز وجل : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما ) قال علي : يكون الرجل عنده المرأة ، فتنبو عيناه عنها من دمامتها ، أو كبرها ، أو سوء خلقها ، أو قذذها ، فتكره فراقه ، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له ، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج .

وكذا رواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن حماد بن سلمة وأبي الأحوص .

ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل أربعتهم عن سماك ، به وكذا فسرها ابن عباس ، وعبيدة السلماني ، ومجاهد بن جبر ، والشعبي ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وعطية العوفي ومكحول ، والحكم بن عتبة ، والحسن ، وقتادة ، وغير واحد من السلف والأئمة ، ولا أعلم [ في ذلك ] خلافا في أن المراد بهذه الآية هذا والله أعلم .

وقال الشافعي : أنبأنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن ابن المسيب : أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرا إما كبرا أو غيره فأراد طلاقها فقالت : لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك .

فأنزل الله عز وجل : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) الآية .

وقد رواه الحاكم في مستدركه ، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار بأطول من هذا السياق .

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو ، حدثنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني ، أنبأنا علي بن محمد بن عيسى ، حدثنا أبو اليمان ، أخبرني شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري ، أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار : أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز المرء وإعراضه عن امرأته في قوله : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) إلى تمام الآيتين ، أن المرء إذا نشز عن امرأته وآثر عليها ، فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه ، فإن استقرت عنده على ذلك ، وكرهت أن يطلقها ، فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك ، فإن لم يعرض عليها الطلاق ، وصالحها على أن يعطيها من ماله ما ترضاه وتقر عنده على الأثرة في القسم من ماله ونفسه ، صلح له ذلك ، وجاز صلحها عليه ، كذلك ذكر سعيد بن المسيب وسليمان الصلح الذي قال الله عز وجل ( فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ) .

وقد ذكر لي أن رافع بن خديج الأنصاري - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - كانت عنده امرأة حتى إذا كبرت تزوج عليها فتاة شابة ، وآثر عليها الشابة ، فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة ، ثم أمهلها ، حتى إذا كادت تحل راجعها ، ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة أخرى ، ثم أمهلها ، حتى إذا كادت تحل راجعها ، ثم عاد فآثر الشابة عليها ، فناشدته الطلاق فقال لها : ما شئت ، إنما بقيت لك تطليقة واحدة ، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة ، وإن شئت فارقتك ، فقالت : لا بل أستقر على الأثرة .

فأمسكها على ذلك ، فكان ذلك صلحهما ، ولم ير رافع عليه إثما حين رضيت أن تستقر عنده على الأثرة فيما آثر به عليها .

وهذا رواه بتمامه عبد الرحمن بن أبي حاتم ، عن أبيه ، عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، فذكره بطوله ، والله أعلم وقوله : ( والصلح خير ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني التخيير ، أن يخير الزوج لها بين الإقامة والفراق ، خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها .

والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج ، وقبول الزوج ذلك ، خير من المفارقة بالكلية ، كما أمسك النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة ، رضي الله عنها ، ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه ، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه ، فهو أفضل في حقه عليه الصلاة والسلام .

ولما كان الوفاق أحب إلى الله [ عز وجل ] من الفراق قال : ( والصلح خير ) بل الطلاق بغيض إليه ، سبحانه وتعالى ; ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه جميعا ، عن كثير بن عبيد ، عن محمد بن خالد ، عن معرف بن واصل ، عن محارب بن دثار ، عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " .

ثم رواه أبو داود عن أحمد بن يونس ، عن معرف عن محارب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

.

.

فذكر معناه مرسلا .

وقوله : ( وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) [ أي ] وإن تتجشموا مشقة الصبر على من تكرهون منهن ، وتقسموا لهن أسوة أمثالهن ، فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن خافت امرأة من بعلها، يقول: علمت من زوجها (1) =" نشوزًا "، يعني: استعلاءً بنفسه عنها إلى غيرها، &; 9-268 &; أثَرةً عليها، وارتفاعًا بها عنها، إِما لبغْضة، وإما لكراهة منه بعض أسبابها (2) إِما دَمامتها، وإما سنها وكبرها، أو غير ذلك من أمورها (3) =" أو إعراضًا "، يعني: انصرافًا عنها بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه (4) =" فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا "، يقول: فلا حرج عليهما، يعني: على المرأة الخائفة نشوز بعلها أو إعراضه عنها (5) =" أن يصلحا بينهما صلحًا "، وهو أن تترك له يومها، أو تضعَ عنه بعض الواجب لها من حقّ عليه، تستعطِفه بذلك وتستديم المُقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح= يقول: " والصلح خير "، يعني: والصلح بترك بعض الحقّ استدامةً للحُرْمة، وتماسكًا بعقد النكاح، خيرٌ من طلب الفرقة والطلاق.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 10575- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة: أن رجلا أتى عليًّا رضي الله عنه يستفتيه في امرأة خافتْ من بعلها نشوزًا أو إعراضًا، فقال: قد تكون المرأة عند الرجل فتنبُو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو فقرها، فتكره فراقه.

فإن وضعت له من &; 9-269 &; مهرها شيئًا حَلَّ له، وإن جعلت له من أيامها شيئًا فلا حرج.

10576- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة قال: سئل علي رضي الله عنه: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا "، قال: المرأة الكبيرة، أو الدميمة، أو لا يحبها زوجها، فيصطلحان.

10577- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص كلهم، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن علي رضي الله عنه، بنحوه.

10578- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد بن عرعرة: أن رجلا سأل عليًّا رضي الله عنه عن قوله: " فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا "، قال: تكون المرأة عند الرجل دميمة، فتنبو عينُه عنها من دمامتها أو كبرها، فإن جعلت له من أيامها أو مالها شيئًا فلا جناح عليه.

(6) 10579- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى عمر فسأله عن آية، فكره ذلك وضربه بالدِّرّة، فسأله آخر عن هذه الآية: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، فقال: عن مثل هذا فَسلوا!

ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، (7) فيتزوج المرأة الشابَّة يلتمس ولدَها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائزٌ.

10580- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عمران بن عيينة قال، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " وإن امرأة &; 9-270 &; خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، قال: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر، فيريد أن يتزوج عليها، فيتصالحان بينهما صلحًا، (8) على أن لها يومًا، ولهذه يومان أو ثلاثة.

(9) 10581- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس، بنحوه= إلا أنه قال: حتى تلد أو تكبر= وقال أيضًا: فلا جناح عليهما أن يَصَّالحا على ليلة والأخرى ليلتين.

10582- حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير قال: هي المرأة تكون عند الرجل قد طالت صحبتها وكبرت، فيريد أن يستبدل بها، فتكره أن تفارقه، ويتزوج عليها فيصالحها على أن يجعل لها أيامًا، (10) وللأخرى الأيام والشهر.

10583- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، قال: هي المرأة تكون عند الرجل فيريد أن يفارقها، فتكره أن يفارقها، ويريد أن يتزوج فيقول: " إنّي لا أستطيع أن أقسم لك بمثل ما أقسم لها "، فتصالحه على أن يكون لها في الأيام يوم، فيتراضيان على ذلك، فيكونان على ما اصطلحا عليه.

10584- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خيرٌ"، قالت: هذا في المرأة تكون عند الرجل، فلعله أن يكون يستكبر منها، ولا يكون لها ولد ويكون لها صحبة، (11) فتقول: لا تطلقني، وأنت في حِلً من شأني.

(12) 10585- حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة في قوله: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، قالت: هذا الرجل يكون له امرأتان: إحداهما قد عجزت، أو هي دميمة وهو لا يستكثر منها، فتقول: لا تطلِّقني، وأنت في حلِّ من شأني.

10586- حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن &; 9-272 &; المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحوه= غير أنه قال: فتقول: أجعلك من شأني في حل!

فنـزلت هذه الآية في ذلك.

(13) 10587- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، فتلك المرأة تكون عند الرجل، لا يرى منها كبير ما يحبُّ، (14) وله امرأة غيرها أحبّ إليه منها، فيؤثرها عليها.

فأمره الله إذا كان ذلك، أن يقول لها: " يا هذه، إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة، فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، (15) وإن كرهت خلَّيت سبيلك!"، فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخيِّرها فلا جناح عليه، وهو قوله: " والصلح خيرٌ"، وهو التخيير.

10588- حدثنا الربيع بن سليمان وبحر بن نصر قالا حدثنا ابن وهب قال، حدثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أنـزل الله هذه الآية في المرأة إذا دخلت في السنّ، (16) فتجعل يومها لامرأة أخرى.

قالت ففي ذلك أنـزلت: " فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا ".

(17) 10589- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: سألته عن قول الله: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، قال: هي المرأة تكون مع زوجها، فيريد أن يتزوج عليها، فتصالحه من يومها على صلح.

قال: فهما على ما اصطلحا عليه.

فإن انتقضت به، (18) فعليه أن يعدِل عليها، أو يفارقها.

10590- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم: أنه كان يقول ذلك.

10591- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حجاج، عن مجاهد: أنه كان يقول ذلك.

10592- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة في قوله: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا " إلى آخر الآية، قال: يصالحها على ما رضيت دون حقها، فله ذلك ما رضيت.

فإذا أنكرت، أو قالت: " غِرْت "، فلها أن يعدل عليها، أو يرضيها، أو يطلِّقها.

10593- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن محمد قال: سألت عبيدة عن قول الله: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، قال: هو الرجل تكون له امرأة قدْ خلا من سنها، (19) فتصالحه عن حقها على شيء، فهو له ما رضيت.

فإذا كرهت، فلها أن يعدل عليها، أو يرضيها من حقها، أو يطلقها.

10594- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن هشام، عن ابن سيرين قال: سألت عبيدة عن قوله: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا "، فذكر نحو ذلك= إلا أنه قال: فإن سخطت، فله أن يرضيها، أو يوفيها حقَّها كله، أو يطلقها.

10595- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة قال، قال إبراهيم: إذا شاءت كانت على حقها، وإن شاءت أبت فردّت الصلح، فذاك بيدها.

فإن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها على حقها.

(20) 10596- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما "، قال قال علي: تكون المرأة عند الرجل الزّمان الكثير، فتخاف أن يطلِّقها، فتصالحه على صلح ما شاء وشاءت= يبيت عندها في كذا وكذا ليلة، وعند أخرى، ما تراضيا عليه= وأن تكون نفقتها دون ما كانت.

وما صالحته عليه من شيء فهو جائز.

10597- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن عبد الملك، عن أبيه، عن الحكم: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، قال: هي المرأة تكون عند الرجل، فيريد أن يخلِّي سبيلها.

فإذا خافت ذلك منه، فلا جناح عليهما أن يصطلحا بينهما صلحًا، تدع من أيامها إذا تزوج.

(21) 10598- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، إلى قوله: " والصلح خير "، وهو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فينكح عليها المرأة الشابة، فيكره أن يفارق أم ولده، فيصالحها على عطيَّةٍ من ماله ونفسه فيطيب له ذلك الصلح.

10599- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، فقرأ حتى بلغ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ، وهذا في الرجل تكون عنده المرأة قد خَلا من سنها، وهان عليه بعض أمرها، فيقول: " إن كنت راضيةً من نفسي ومالي بدون ما كنت ترضَيْنَ به قبل اليوم!"، (22) فإن اصطلحا من ذلك على أمر، فقد أحلَّ الله لهما ذلك، وإن أبت، فإنه لا يصلح له أن يحبسها على الخَسْف.

(23) 10600- حدثت عن الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: أنّ رافع بن خديج كان تحته امرأة قد خلا من سنها، فتزوج عليها شابة، فآثر الشابة عليها.

فأبت امرأته الأولى أن تقيم على ذلك، فطلقها تطليقة.

حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرتِ على الأثرة، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك!

قالت: بل راجعني وأصبر على الأثرة!

فراجعها، ثم آثر عليها، فلم تصبر على الأثرة، فطلَّقها أخرى وآثر عليها الشابة.

قال: فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنـزل فيه: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا ".

= قال الحسن قال، عبد الرزاق قال، معمر، وأخبرني أيوب، عن ابن سيرين عن عبيدة، بمثل حديث الزهري= وزاد فيه: فإن أضرَّ بها الثالثة، فإنّ عليه أن يوفِّيها حقها، أو يطلّقها.

(24) 10601- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، قال: قول الرجل لامرأته: " أنت كبيرة، وأنا أريد أن أستبدل امرأة شابَّة وضيئة، فقَرِّي على ولدك، فلا أقسم لك من نفسي شيئًا ".

فذلك الصلح بينهما، وهو أبو السَّنابل بن بَعْكك.

(25) 10602- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح: " من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، ثم ذكر نحوه= قال شبل: فقلت له: فإن كانت لك امرأة فتقسم لها ولم تقسم لهذه؟

قال: إذا صالحتْ على ذلك، (26) فليس عليه شيء.

10603- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر قال: سألت عامرًا عن الرجل تكون عنده المرأة يريد أن يطلقها، فتقول: " لا تطلقني، واقسم لي يومًا، وللتي تَزَّوَّج يومين "، قال: لا بأس به، هو صلح.

10604- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير "، قال: المرأة ترى من زوجها بعض الحطّ، (27) وتكون قد كبرت، أو لا تلد، فيريد زوجها أن ينكح غيرها، فيأتيها فيقول: " إني أريد أن أنكح امرأة شابة أشبَّ منك، (28) لعلها أن تَلِدَ لي وأوثرها في الأيام والنفقة "، فإن رضيت بذلك، وإلا طلقها، فيصطلحان على ما أحبَّا.

10605- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، قال: نشوزًا عنها، غَرِضَ بها.

(29) الرجل تكون له المرأتان=" أو إعراضًا "، بتركها=" فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا "، إما أن يرضيها فتحلله، وإما أن ترضِيَه فتعطِفُه على نفسها.

10606- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، يعني: البغض.

10607- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا "، فهو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فيتزوج عليها المرأة الشابة، فيميل إليها، وتكون أعجب إليه من الكبيرة، فيصالح الكبيرة على أن يعطيها من ماله ويقسم لها من نفسه نصيبًا معلومًا.

10608- حدثنا عمرو بن علي وزيد بن أخزم قالا حدثنا أبو داود قال، &; 9-278 &; حدثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خشيت سَوْدة أن يطلِّقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لا تطلِّقني على نسائك، ولا تَقسم لي.

ففعل، فنـزلت: " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا " .

(30) * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " أن يصلحا بينهما صلحًا " (31) فقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة وبعض أهل البصرة بفتح " الياء " وتشديد " الصاد "، بمعنى: أن يتصالحا بينهما صلحًا، ثم أدغمت " التاء " في" الصاد "، فَصُيِّرتا " صادًا " مشددة.

(32) * * * وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ( أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ) ، بضم " الياء " وتخفيف " الصاد "، بمعنى: أصلح الزوج والمرأة بينهما.

* * * قال أبو جعفر: وأعجب القراءتين في ذلك إليَّ قراءة من قرأ: ( أن يصالحا بينهما صلحا )، (33) بفتح " الياء " وتشديد " الصاد "، بمعنى: يتصالحا.

لأن " التصالح " في هذا الموضع أشهر وأوضح معنى، وأفصح وأكثرُ على ألسن العرب من " الإصلاح ".

و " الإصلاح " في خلاف " الإفساد " أشهر منه في معنى " التصالح ".

فإن ظن ظان أن في قوله: " صلحًا "، دلالة على أن قراءة من قرأ ذلك (يُصْلِحَا) بضم " الياء " أولى بالصواب، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن.

وذلك أن " الصلح " اسم وليس بفعل، فيستدلّ به على أولى القراءتين بالصواب في قوله: " يصلحا بينهما صلحًا ".

* * * القول في تأويل قوله : وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معناه: وأحضرت أنفس النساء الشح على أنصبائهن من أنفس أزواجهن وأموالهم.

(34) *ذكر من قال ذلك: 10609- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " وأحضرت الأنفس الشح "، قال: نصيبها منه.

10610- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو أحمد= وحدثنا ابن وكيع قال، &; 9-280 &; حدثنا ابن يمان= قالا جميعًا، حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: " وأحضرت الأنفس الشح "، قال: في الأيَّام.

10611- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: " وأحضرت الأنفس الشح "، قال: في الأيام والنفقة.

10612- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي وابن يمان، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: في النفقة.

10613- حدثنا ابن وكيع..

قال، حدثنا روح، عن ابن جريج، عن عطاء قال: في النفقة.

(35) 10614- وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء: " وأحضرت الأنفس الشح "، قال: في الأيام.

(36) 10615- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في هذه الآية: " وأحضرت الأنفس الشح "، قال: نفس المرأة على نصيبها من زوجها، من نفسه وماله.

10616- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، بمثله.

10617- حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك، قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مثله.

10618- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان، عن رجل، عن سعيد بن جبير: في النفقة.

10619- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن سعيد بن جبير قال: في الأيام والنفقة.

10620- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير قال: في الأيام والنفقة.

10621- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: " وأحضرت الأنفس الشح "، قال: المرأة تشحُّ على مال زوجها ونفسه.

10622- حدثنا المثنى قال، أخبرنا حبّان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير قال: جاءت المرأة حين نـزلت هذه الآية: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ، قالت: " إني أريد أن تقسم لي من نفسك "!

وقد كانت رضيت أن يدَعها فلا يطلِّقها ولا يأتيها، فأنـزل الله: " وأحضرت الأنفس الشحَّ".

10623- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وأحضرت الأنفس الشح "، قال: تطّلع نفسها إلى زوجها وإلى نفقته.

قال: وزعم أنها نـزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سودة بنت زمعة: كانت قد كبرت، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلِّقها، فاصطلحا على أن يمسكها، ويجعل يومها لعائشة، فشحَّت بمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: وأحضرت نفسُ كل واحدٍ من الرجل والمرأة، الشحَّ بحقه قِبَل صاحبه.

*ذكر من قال ذلك: 10624- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد &; 9-282 &; يقول في قوله: " وأحضرت الأنفس الشح "، قال: لا تطيب نفسُه أن يعطيها شيئًا، فتحلله= ولا تطيب نفسُها أن تعطيه شيئًا من مالها، فتعطفه عليها.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بذلك: أحضرت أنفس النساء الشحَّ بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة.

* * * و " الشح ": الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرصِ المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها.

* * * فتأويل الكلام: وأحضرت أنفس النساء أهواءَهن، من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن، والشح بذلك على ضَرائرهن.

* * * وبنحو ما قلنا في معنى " الشح " ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول: 10625- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " وأحضرت الأنفس الشح "، والشح، هواه في الشيء يحرِص عليه.

* * * وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب، من قول من قال: " عُني بذلك: وأحضرت أنفس الرجال والنساء الشح "، على ما قاله ابن زيد= لأن مصالحة الرجل امرأته بإعطائه إياها من ماله جُعْلا على أن تصفح له عن القسم لها، غير جائزة.

وذلك أنه غير معتاض عوضًا من جُعْله الذي بذله لها.

والجُعل لا يصح إلا على عِوض: إما عين، وإما منفعة.

والرجل متى جعل للمرأة جُعْلا على أن تصفح له عن يومها وليلتها، فلم يملك عليها عينًا ولا منفعة.

وإذْ كان ذلك كذلك، كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل.

وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا وجه لقول من قال: " عنى بذلك الرجل والمرأة ".

فإن ظن ظانّ أن ذلك إذْ كان حقًّا للمرأة، ولها المطالبة به، فللرجل افتداؤه منها بجُعل، فإن شفعة المستشفع في حصة من دارٍ اشتراها رجل من شريك له فيها حق، له المطالبة بها، فقد يجب أن يكون للمطلوب افتداءُ ذلك منه بجُعل.

وفي إجماع الجميع على أن الصلح في ذلك على عِوض غيرُ جائز، إذ كان غير مُعتاض منه المطلوب في الشفعة عينًا ولا نفعًا= ما يدل على بُطول صلح الرجل امرأته على عوض، على أن تصفح عن مطالبتها إياه بالقسمة لها.

وإذا فسد ذلك، صَح أن تأويل الآية ما قلنا.

وقد أبان الخبر الذي ذكرناه عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار (37) أنّ قوله: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ، الآية: نـزلت في أمر رافع بن خديج وزوجته، إذ تزوج عليها شابة، فآثر الشابَّة عليها، فأبت الكبيرة أن تَقِرَّ على الأثرة، فطلقها تطليقة وتركها.

فلما قارب انقضاء عِدَّتها خيَّرها بين الفراق والرجعة والصبر على الأثرة، فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة.

فراجعها وآثر عليها، فلم تصبر، فطلقها.

ففي ذلك دليل واضحٌ على أن قوله: " وأحضرت الأنفس الشح "، إنما عُني به: وأحضرت أنفس النساء الشحَّ بحقوقهن من أزواجهن، على ما وصفنا.

* * * قال أبو جعفر: وأما قوله " وإن تحسنوا وتتقوا "، فإنه يعني: وإن تحسنوا، أيها الرجال، في أفعالكم إلى نسائكم، (38) إذا كرهتم منهن دَمامة أو خُلُقًا أو بعضَ ما تكرهون منهن بالصبر عليهن، وإيفائهن حقوقهن وعشرتهن بالمعروف " وتتقوا "، يقول: وتتقوا الله فيهن بترك الجَوْر منكم عليهن فيما يجب لمن كرهتموه منهن عليكم، من القسمة له، والنفقة، والعشرة بالمعروف (39) =" فإن الله كان &; 9-284 &; بما تعملون خبيرًا "، يقول: فإن الله كان بما تعلمون في أمور نسائكم، أيها الرجال، من الإحسان إليهن والعشرة بالمعروف، والجور عليهن فيما يلزمكم لهنّ ويجب=" خبيرًا "، يعني: عالمًا خابرًا، لا يخفي عليه منه شيء، بل هو به عالم، وله محصٍ عليكم، حتى يوفِّيكم جزاءَ ذلك: المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته.

(40) -------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"الخوف" فيما سلف 4: 550 / ثم تفسيره بمعنى: العلم فيما سلف 8 : 298 ، 299.

وانظر تفسير"بعل" فيما سلف 4 : 526.

(2) في المطبوعة: "بعض أشياء بها" ، وهو كلام سخيف ، لم يحسن فهم ما في المخطوطة.

و"الأسباب" جمع"سبب" ، وأصله الحبل ، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شيء.

ثم استعمله أهل القرنين الثاني والثالث وما بعدهما بمعنى: كل ما يتصل بشيء أو يتعلق به.

وقد مضى في مواضع من كلام أبي جعفر أخشى أن أكون أشرت إليها في التعليق ، ثم غابت عني الآن.

(3) انظر تفسير"النشوز" فيما سلف 3 : 475 ، 476 / 8 : 299.

(4) انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف 2 : 298 ، 299 / 6 : 291 / 8: 88 ، 566.

(5) انظر تفسير"الجناح" فيما سلف ص: 163 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(6) في المطبوعة: "فليس عليه جناح" ، وهما سواء ، وأثبت ما في المخطوطة.

(7) في المخطوطة: "هذه الامرأة" وهو الأصل في إدخال التعريف على"امرأة" ، ولكنه قل في كلامهم ، وحكاه أبو علي الفارسي ، وهذا شاهده.

ولم أثبته ، وتركت ما في المطبوعة ، لئلا أغرب على القارئ!!

و"خلا من سنها" ، أي: كبرت ومضى معظم عمرها.

من قولهم: "خلا قرن وزمان" أي: مضى.

(8) في المطبوعة: "فيتصالحا" ، والصواب من المخطوطة.

(9) الأثر: 10580 -"عمران بن عيينة بن أبي عمران الهلالي" أخو"سفيان بن عيينة" قال ابن معين وأبو زرعة: "صالح الحديث" ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وهو صدوق.

وقال أبو حاتم: "لا يحتج بحديثه لأنه يأتي بالمناكير".

مترجم في التهذيب.

وقد مضى في رقم: 4189 ، بمثل هذا الإسناد.

(10) في المطبوعة: "فيتزوج عليها فيصالحا على أن يجعل ..." ، وأثبت ما في المخطوطة.

(11) في المطبوعة: "فلعله لا يكون تستكثر منها ، ولا يكون لها ولد ولها صحبة" ، غير ما في المخطوطة.

وأثبت ما في المخطوطة ، لأنه صواب في معناه ، قوله: "يستكبر منها" أي: يرى أنها بلغت من السن والكبر مبلغًا ، يحمله على طلب الشواب.

وقوله: "ولا يكون لها ولد يكون لها صحبة" ، أي: ولد يدعوه إلى صحبتها وترك مفارقتها.

والذي دعا الناشر أن يصححه هو أن حديث عائشة في روايات أخرى ، تقول: "الرجل عنده المرأة ليس بمستكثر منها ، يريد أن يفارقها" ، وهو لفظ البخاري ، وكما سيأتي في الأثر التالي: 10585.

ولكن ذلك ليس داعية إلى مثل هذا التغيير ، فإن المعنى الذي ذكرته ، قد جاء عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة في الأثر: 10585 ، 10588 ، وهو: "في المرأة إذا دخلت في السن".

فلا معنى لتغيير رواية إلا بعد التحقق من خطأ معناها ، أو صواب روايتها في مكان آخر.

وانظر تخريج هذا الأثر في التعاليق التالية.

(12) الأثر: 10584 - خبر هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، رواه أبو جعفر من ثلاث طرق متتابعة ، ومن طريق مفردة رقم: 10588.

ورواه البخاري بغير هذا اللفظ (الفتح 9 : 266) من طريق ابن سلام ، عن أبي معاوية ، عن هشام.

ثم رواه بلفظ آخر (الفتح 8 : 199).

ورواه البخاري بغير هذا اللفظ (الفتح 8 : 199) من طريق محمد بن مقاتل ، عن عبد الله بن المبارك ، عن هشام عن عائشة وهو إسناد أبي جعفر رقم: 10586.

ثم رواه بلفظ آخر (الفتح 9 : 266) من طريق ابن سلام ، عن أبي معاوية ، عن هشام.

ورواه مسلم (18 : 157) من طريق أبي كريب ، عن أبي أسامة ، عن هشام ، ولفظه أقرب إلى اللفظ الذي أقره ناشر المطبوعة الأولى ، وذلك: "نزلت في المرأة تكون عند الرجل ، فلعله أن لا يستكثر منها ، وتكون لها صحبة وولد ، فتكره أن يفارقها" الحديث.

وأخرجه البيهقي في السنن 7 : 296 بلفظ آخر.

(13) الأثران - 10585 ، 10586 - هما مكرر الأثر السالف من طريقين.

(14) في المطبوعة: "كثير ما يحب" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، فرجحت قراءتها كما أثبت.

(15) "المواساة" من"الأسوة" ، أصلها الهمزة ، فقلبت واوا تخفيفًا.

وهي المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق.

(16) قولها: "دخلت في السن" ، أي: كبرت وارتفعت سنها.

(17) الأثر: 10588 -"بحر بن نصر بن سابق الخولاني" المصري ، ثقة صدوق.

روى عن ابن وهب ، والشافعي ، وأسد بن موسى.

روى عنه أبو جعفر الطحاوي.

مترجم في التهذيب.

هذا ، والإسناد في المخطوطة ، ليس فيه"بحر بن نصر" ، بل هو مفرد بذكر الربيع.

ولم أجد الخبر من هذا الوجه في مكان آخر.

(18) في المطبوعة: "انتقصت به" بالصاد ، وأنا في شك لازم منها ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، فرجحت قراءتها كما أثبت ، من قولهم: "نقض الأمر بعد إبرامه ، وانتقض وتناقض" ، واستعمال"به" مع"انتقضت" عربي جيد ، كأنه يحمل معنى"خاص به" ، أي نقضه.

(19) "خلا من سنها" ، كبرت ومضى أطيب عمرها.

(20) الأثر: 10595 - هذا الأثر ساقط من المخطوطة.

(21) الأثر: 10597 -"يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الخزاعي" أبو زكرياء: ثقة.

مترجم في التهذيب.

وأبوه: "عبد الملك بن حميد بن أبي غنية" وهو"ابن أبي غنية" ، مضى برقم: 8535.

(22) جواب الشرط محذوف ، لدلالة الكلام عليه ، أي: إن كنت راضية بذلك ، فذلك ، وإلا فارقتك.

(23) "على الخسف": أي على النقيصة ، وتحميلها ما تكره.

(24) الأثر: 10600 - هذا الأثر رواه الحاكم في المستدرك 2 : 308 بهذا اللفظ من طريق إسحاق بن إبراهيم ، عن عبد الرزاق ، مرفوعًا إلى رافع بن خديج.

وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.

ورواه البيهقي في السنن 7 : 296 من طريق أخرى مطولا ، من طريق أبي اليمان ، عن شعيب بن أبي جمرة ، عن الزهري.

ورواه مالك في الموطأ: 548"عن ابن شهاب ، عن رافع بن خديج: أنه تزوج بنت محمد بن مسلمة الأنصاري" الحديث ، وهو قريب من لفظ معمر ، عن الزهري.

وروى الشافعي خبر رافع بن خديج ، مختصرًا من طريق سفيان بن عيينة ، عن الزهري (الأم 5 : 171) .

(25) الأثر: 10601 -"أبو السنابل بن بعكك بن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار القرشي" ، هو صحابي من مسلمة الفتح ، أخرج له الترمذي ، والنسائي وابن ماجه.

و"بعكك" (بفتح فسكون ففتح) على وزن"جعفر".

(26) في المطبوعة: "إذا صالحته" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(27) في المطبوعة: "بعض الجفاء" ، غير ما في المخطوطة.

و"الحط" الوضع والإنزال.

ويريد: بعض البخس من حقها ، والفتور في مودتها.

(28) في المطبوعة والمخطوطة: "أنسب منك" ، وهو تصحيف ، صواب قراءته ما أثبت.

(29) "غرض بها" (بالغين المفتوحة وكسر الراء): ضجر بها وملها.

وفي المخطوطة والمطبوعة بالعين المهملة ، وهو خطأ صوابه ما أثبت.

ثم قوله بعد ذلك: "الرجل تكون له المرأتان" ، يعني: أن ذلك في الرجل تكون له المرأتان.

وهو كلام مبتدأ لا يتعلق بالفعل الذي قبله.

(30) الأثر: 10608 -"زيد بن أخزم الطائي النبهاني" الحافظ ، روى عن أبي داود الطيالسي ، ويحيى القطان ، وابن مهدي ، وأبي عامر العقدي.

روى عنه الجماعة ، سوى مسلم.

قال النسائي: "ثقة".

ذبحه الزنج في الفتنة سنة 257.

مترجم في التهذيب.

و"أخزم" بالخاء المعجمة ، والزاي.

وكانا في المطبوعة: "أخرم" ، وهو خطأ.

وهذا الأثر ساقط من المخطوطة.

والأثر في مسند أبي داود: 349 رقم: 2683 ، وفي الترمذي في كتاب التفسير ، والبيهقي في السنن 3 : 297 ، واتفقت روايتهم جميعًا: " ...

فقالَتْ: لا تُطَلِّقني وأمسكني ، واجعل يومي لعائشة.

ففعل ، فنزلت هذه الآية: وَإن امرأةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أو إعراضًا ، الآية ، فما اصطلحا عليه من شَيءٍ فهو جائز".

فلا أدري من أين جاء هذا الاختلاف في لفظ الخبر؟

وأرجو أن لا يكون تصرفًا من ناسخ سابق.

وقال الترمذي بعقب روايته: "هذا حديث حسن صحيح غريب".

(31) في المخطوطة والمطبوعة: "أن يصالحا بينهما" بالألف ، وصواب كتابتها ما أثبت ، على رسم المصحف ، حتى يحتمل الرسم القراءتين جميعًا.

(32) هكذا رسم هذه القراءة: (أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا).

(33) في المخطوطة والمطبوعة معًا: "إلا أن يصالحا" ، زاد الناسخ"إلا" سهوًا ، وتابعه الناشر.

(34) في المطبوعة: "وأموالهن" ، والصواب من المخطوطة.

(35) الأثر: 10613 - أخشى أن يكون صواب إسناده"حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي قال ، حدثنا روح" سقط منه"حدثنا أبي قال".

(36) الأثر: 10614 - هذا الأثر ساقط من المخطوطة.

(37) هو الأثر رقم: 10600.

(38) انظر تفسير"الإحسان" فيما سلف من فهارس اللغة.

(39) انظر تفسير"التقوى" فيما سلف من فهارس اللغة.

(40) انظر تفسير"خبير" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرافيه سبع مسائل :الأولى : وإن امرأة رفع بإضمار فعل يفسره ما بعده .

وخافت بمعنى توقعت .

وقول من قال : خافت تيقنت خطأ .

قال الزجاج : المعنى وإن امرأة .

خافت من بعلها دوام النشوز .

قال النحاس : الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز التباعد ، والإعراض ألا يكلمها ولا يأنس بها .

ونزلت الآية بسبب سودة بنت زمعة .

روى الترمذي عن ابن عباس قال : خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : لا تطلقني وأمسكني ، واجعل يومي منك لعائشة ؛ ففعل فنزلت : " فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير " فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز ، قال : هذا حديث حسن غريب .

وروى ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رافع بن خديج كانت تحته خولة بنت محمد بن مسلمة ، فكره من أمرها إما كبرا وإما غيره ، فأراد أن يطلقها فقالت : لا تطلقني واقسم لي ما شئت ؛ فجرت السنة بذلك فنزلت وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا .

وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا قالت : الرجل تكون [ ص: 345 ] عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول : أجعلك من شأني في حل ؛ فنزلت هذه الآية .

وقراءة العامة " أن يصالحا " .

وقرأ أكثر الكوفيين " أن يصلحا " .

وقرأ الجحدري وعثمان البتي " أن يصلحا " والمعنى يصطلحا ثم أدغم .الثانية : في هذه الآية من الفقه الرد على الرعن الجهال الذين يرون أن الرجل إذا أخذ شباب المرأة وأسنت لا ينبغي أن يتبدل بها .

قال ابن أبي مليكة : إن سودة بنت زمعة لما أسنت أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها ، فآثرت الكون معه ، فقالت له : أمسكني واجعل يومي لعائشة ؛ ففعل صلى الله عليه وسلم ، وماتت وهي من أزواجه .قلت : وكذلك فعلت بنت محمد بن مسلمة ؛ روى مالك عن ابن شهاب عن رافع بن خديج أنه تزوج بنت محمد بن مسلمة الأنصارية ، فكانت عنده حتى كبرت ، فتزوج عليها فتاة شابة ، فآثر الشابة عليها ، فناشدته الطلاق ، فطلقها واحدة ، ثم أهملها حتى إذا كانت تحل راجعها ، ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فطلقها واحدة ، ثم راجعها فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فقال : ما شئت إنما بقيت واحدة ، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة ، وإن شئت فارقتك .

قالت : بل أستقر على الأثرة .

فأمسكها على ذلك ؛ ولم ير رافع عليه إثما حين قرت عنده على الأثرة .

رواه معمر عن الزهري بلفظه ومعناه وزاد : فذلك الصلح الذي بلغنا أنه نزل فيه وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير .

قال أبو عمر بن عبد البر : قوله والله أعلم : " فآثر الشابة عليها " يريد في الميل بنفسه إليها والنشاط لها ؛ لا أنه آثرها عليها في مطعم وملبس ومبيت ؛ لأن هذا لا ينبغي أن يظن بمثل رافع ، والله أعلم .

وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رجلا سأله عن هذه الآية فقال : هي المرأة تكون عند الرجل فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو فقرها أو كبرها أو سوء خلقها وتكره فراقه ؛ فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له أن يأخذ وإن جعلت له من أيامها فلا حرج .

وقال الضحاك : لا بأس أن ينقصها من حقها إذا تزوج من هي أشب منها وأعجب إليه .

وقال مقاتل بن حيان : هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها الشابة ؛ فيقول لهذه الكبيرة : أعطيك من مالي على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك من الليل والنهار ؛ فترضى الأخرى بما اصطلحا عليه ؛ وإن أبت ألا ترضى فعليه أن يعدل بينهما في القسم .الثالثة : قال علماؤنا : وفي هذا أن أنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة ؛ بأن يعطي [ ص: 346 ] الزوج على أن تصبر هي ، أو تعطي هي على أن يؤثر الزوج ، أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة ، أو يقع الصلح على الصبر والأثرة من غير عطاء ؛ فهذا كله مباح .

وقد يجوز أن تصالح إحداهن صاحبتها عن يومها بشيء تعطيها ، كما فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غضب على صفية ، فقالت لعائشة : أصلحي بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد وهبت يومي لك .

ذكره ابن خويز منداد في أحكامه عن عائشة قالت : وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية في شيء ؛ فقالت لي صفية : هل لك أن ترضين رسول الله صلى الله عليه وسلم عني ولك يومي ؟

قالت : فلبست خمارا كان عندي مصبوغا بزعفران ونضحته ، ثم جئت فجلست إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إليك عني فإنه ليس بيومك .

فقلت : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ؛ وأخبرته الخبر ، فرضي عنها .

وفيه أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن المفضولة ورضاها .الرابعة : قرأ الكوفيون " يصلحا " .

والباقون " أن يصالحا " .

الجحدري " يصلحا " فمن قرأ " يصالحا " فوجهه أن المعروف في كلام العرب إذا كان بين قوم تشاجر أن يقال : تصالح القوم ، ولا يقال : أصلح القوم ؟

ولو كان أصلح لكان مصدره إصلاحا .

ومن قرأ " يصلحا " فقد استعمل مثله في التشاجر والتنازع ؛ كما قال فأصلح بينهم .

ونصب قول : " صلحا " على هذه القراءة على أنه مفعول ، وهو اسم مثل العطاء من أعطيت .

فأصلحت صلحا مثل أصلحت أمرا ؛ وكذلك هو مفعول أيضا على قراءة من قرأ " يصالحا " لأن تفاعل قد جاء متعديا ؛ ويحتمل أن يكون مصدرا حذفت زوائده .

ومن قرأ " يصلحا " فالأصل " يصتلحا " ثم صار إلى يصطلحا ، ثم أبدلت الطاء صادا وأدغمت فيها الصاد ؛ ولم تبدل الصاد طاء لما فيها من امتداد الزفير .الخامسة : قوله تعالى : والصلح خير لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق .

ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك .

خير أي خير من الفرقة ؛ فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر ، وقال عليه السلام في البغضة : إنها الحالقة يعني حالقة الدين لا حالقة الشعر .[ ص: 347 ] السادسة : قوله تعالى : وأحضرت الأنفس الشح إخبار بأن الشح في كل أحد .

وأن الإنسان لا بد أن يشح بحكم خلقته وجبلته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره ؛ يقال : شح يشح ( بكسر الشين ) قال ابن جبير : هو شح المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها .

وقال ابن زيد : الشح هنا منه ومنها .

وقال ابن عطية : وهذا أحسن ؛ فإن الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها ، والغالب على الزوج الشح بنصيبه من الشابة .

والشح الضبط على المعتقدات والإرادة وفي الهمم والأموال ونحو ذلك ، فما أفرط منه على الدين فهو محمود ، وما أفرط منه في غيره ففيه بعض المذمة ، وهو الذي قال الله فيه : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون .

وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل وهي رذيلة .

وإذا آل البخل إلى هذه الأخلاق المذمومة والشيم اللئيمة لم يبق معه خير مرجو ولا صلاح مأمول .قلت : وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار : من سيدكم ؟

قالوا : الجد بن قيس على بخل فيه .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وأي داء أدوى من البخل !

قالوا : وكيف ذاك يا رسول الله ؟

قال : إن قوما نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء وتعتذر النساء ببعد الرجال ، ففعلوا وطال ذلك بهم ، فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء .

وقد تقدم ، ذكره الماوردي .السابعة : قوله تعالى : : وإن تحسنوا وتتقوا شرط فإن الله كان بما تعملون خبيرا جوابه وهذا خطاب للأزواج من حيث إن للزوج أن يشح ولا يحسن ؛ أي إن تحسنوا وتتقوا في عشرة النساء بإقامتكم عليهن مع كراهيتكم لصحبتهن واتقاء ظلمهن فهو أفضل لكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: إذا خافت المرأة نشوز زوجها أي: ترفعه عنها وعدم رغبته فيها وإعراضه عنها، فالأحسن في هذه الحالة أن يصلحا بينهما صلحا بأن تسمح المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها على وجه تبقى مع زوجها، إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة أو الكسوة أو المسكن، أو القسم بأن تسقط حقها منه، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها.

فإذا اتفقا على هذه الحالة فلا جناح ولا بأس عليهما فيها، لا عليها ولا على الزوج، فيجوز حينئذ لزوجها البقاء معها على هذه الحال، وهي خير من الفرقة، ولهذا قال: { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ْ} ويؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى أن الصلح بين مَن بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه، لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح.

وهو جائز في جميع الأشياء إلا إذا أحلّ حراما أو حرّم حلالا، فإنه لا يكون صلحا وإنما يكون جورا.

واعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضي لذلك ونبه على أنه خير، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان -مع ذلك- قد أمر الله به وحثّ عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه.

وذكر المانع بقوله: { وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحّ ْ} أي: جبلت النفوس على الشح، وهو: عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعا، أي: فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخُلُق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به ضده وهو السماحة، وهو بذل الحق الذي عليك؛ والاقتناع ببعض الحق الذي لك.

فمتى وفق الإنسان لهذا الخُلُق الحسن سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومعامله، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب.

بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر.

ثم قال: { وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا ْ} أي: تحسنوا في عبادة الخالق بأن يعبد العبد ربه كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإنه يراه، وتحسنوا إلى المخلوقين بجميع طرق الإحسان، من نفع بمال، أو علم، أو جاه، أو غير ذلك.

{ وَتَتَّقُوا ْ} الله بفعل جميع المأمورات، وترك جميع المحظورات.

أو تحسنوا بفعل المأمور، وتتقوا بترك المحظور { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ْ} قد أحاط به علما وخبرا، بظاهره وباطنه، فيحفظه لكم، ويجازيكم عليه أتم الجزاء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ) الآية ، نزلت في عمرة ويقال في خولة بنت محمد بن مسلمة ، وفي زوجها سعد بن الربيع - ويقال رافع بن خديج - تزوجها وهي شابة فلما علاها الكبر تزوج عليها امرأة شابة ، وآثرها عليها ، وجفا ابنة محمد بن سلمة ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه فنزلت فيها هذه الآية .

وقال سعيد بن جبير : كان رجل له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن يطلقها ويتزوج عليها غيرها ، فقالت : لا تطلقني ودعني أقوم على أولادي واقسم لي من كل شهرين إن شئت ، وإن شئت فلا تقسم لي .

فقال : إن كان يصلح ذلك فهو أحب إلي ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك ، فأنزل الله تعالى : ( وإن امرأة خافت ) أي علمت ( من بعلها ) أي : من زوجها ( نشوزا ) أي : بغضا ، قال الكلبي : يعني ترك مضاجعتها ، ( أو إعراضا ) بوجهه عنها وقلة مجالستها ، ( فلا جناح عليهما ) أي : على الزوج والمرأة ، أن يصالحا أي : يتصالحا ، وقرأ أهل الكوفة ( أن يصلحا ) من أصلح ، ( بينهما صلحا ) يعني : في القسمة والنفقة ، وهو أن يقول الزوج لها : إنك قد دخلت في السن وإني أريد أن أتزوج امرأة شابة جميلة أوثرها عليك في القسمة ليلا ونهارا فإن رضيت بهذا فأقيمي وإن كرهت خليت سبيلك ، فإن رضيت كانت هي المحسنة ولا تجبر على ذلك ، وإن لم ترض بدون حقها من القسم كان على الزوج أن يوفيها حقها من القسم والنفقة أو يسرحها بإحسان ، فإن أمسكها ووفاها حقها مع كراهية فهو محسن .

وقال سليمان بن يسار في هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما : فإن صالحته عن بعض حقها من القسم والنفقة فذلك جائز ما رضيت ، فإن أنكرته بعد الصلح فذلك لها ولها حقها .

وقال مقاتل بن حيان في هذه الآية : هو أن الرجل يكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها الشابة ، فيقول للكبيرة : [ أعطيتك من ] مالي نصيبا على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك فترضى بما اصطلحا عليه ، فإن أبت أن ترضى فعليه أن يعدل بينهما في القسم .

وعن علي رضي الله عنه في هذه الآية قال : تكون المرأة عند الرجل فتنبو عينه عنها من دمامة أو كبر فتكره فرقته ، فإن أعطته من مالها فهو له حل ، وإن أعطته من أيامها فهو له حل ( والصلح خير ) يعني : إقامتها بعد تخييره إياها ، والمصالحة على ترك بعض حقها من القسم والنفقة خير من الفرقة ، كمايروى أن سودة رضي الله عنها كانت امرأة كبيرة وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها ، فقالت : لا تطلقني وإنما بي أن أبعث في نسائك وقد جعلت نوبتي لعائشة رضي الله عنها فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة رضي الله عنها .

قوله تبارك وتعالى : ( وأحضرت الأنفس الشح ) يريد : شح كل واحد من الزوجين بنصيبه من الآخر ، والشح : أقبح البخل ، وحقيقته .

الحرص على منع الخير ، ( وإن تحسنوا ) أي : تصلحوا ( وتتقوا ) الجور ، وقيل : هذا خطاب مع الأزواج ، أي : وإن تحسنوا بالإقامة معها على الكراهة وتتقوا ظلمها ( فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) فيجزيكم بأعمالكم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن امرأة» مرفوع بفعل يفسره «خافت» توقعت «من بعلها» زوجها «نشوزا» ترفعا عليها بترك مضاجتعها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها «أو إعراضا» عنها بوجهه «فلا جُناح عليهما أن يَصَّالَحَا» فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد وفي قراءة يصلحا من أصلح «بينهما صلحا» في القسم والنفقة بأن تترك له شيئا طلبا لبقاء الصحبة فإن رضيت بذلك والإ فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها «والصلح خير» من الفرقة والنشوز والإعراض قال تعالى في بيان ما جبل عليه الإنسان «وأحضرت الأنفس الشح» شدة البخل أي جبلت عليه فكأنها حاضرته لا تغيب عنه، المعنى أن المرأة لا تكاد تسمح بنصيبها من زوجها والرجل لا يكاد يسمح عليها بنفسه إذا أحب غيرها «وإن تحسنوا» عشرة النساء «وتتقوا» الجور عليهن «فإن الله كان بما تعملون خبيرا» فيجازيكم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن علمت امرأة من زوجها ترفعًا عنها، وتعاليًا عليها أو انصرافًا عنها فلا إثم عليهما أن يتصالحا على ما تطيب به نفوسهما من القسمة أو النفقة، والصلح أولى وأفضل.

وجبلت النفوس على الشح والبخل.

وإن تحسنوا معاملة زوجاتكم وتخافوا الله فيهن، فإن الله كان بما تعملون من ذلك وغيره عالمًا لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض الأحكام التى تتعلق بالزوجين ، وعالج ما يقع بينهما من خلاف ونفرة علاجا حكيما فقال - تعالى - ( وَإِنِ امرأة خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً والصلح خَيْرٌ ) .والخوف معناه : توقع الانسان مكروها ينزل به .

وهو هنا مستعمل فى حقيقته إلا أنه لا يكون إلا بعد ظهور علامات تدل عليه من الرجل .

كأن يقول لها : إنك قد كبرت وأريد أن أتزوج بشابة .

إلى غير ذلك من الأحوال التى تلمسها الزوجة من زوجها بمقتضى مخالطتها له .والنشوز مأخوذ من النشز بمعنى الارتفاع ويوصف به الرجل والمرأة .

والمراد به هنا ما يكون من الرجل من استعلاء على زوجته .

ومجافة لها بترك مضاجعتها والتقصير فى نفقتها وفى حقوقها .والإِعراض عنها من مظاهره : التقليل من محادثتها ومؤانستها وإدخال السرور عليها .

وهو وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه الترمذى وحسنه عن ابن عباس فقال : " خشيت سودة بنت زمعة إحدى زوجات النبى صلى الله عليه وسلم أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله .

لا تطلقنى واجعل يومى لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية " .وأخرج الشافعى عن سعيد بن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرا فأراد طلاقها فقالت : لا تطلقنى واقسم لى ما بدالك .

فاصطلحا على صلح فجرت السنة بذلك ونزل القرآن .وروى عن عائشة أنها قالت : نزلت فى المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول له : أمسكنى وتزوج بغيرى وأنت فى حل من النفقة والقسم .وقوله : ( وَإِنِ امرأة ) فاعل لفعل واجب الإِضمار .

أى : وإن خافت امرأة خافت .وقوله : ( مِن بَعْلِهَا ) متعلق بخافت ، وقوله : ( فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ ) جواب الشرط .والمعنى : وإن خافت امرأة من زوجها ( نشوزا ) أى تجافيا عنها ، وترفعها عن صحبتها ( أَوْ إِعْرَاضاً ) أى : انصرافا عن محادثتها ومؤانستها على خلاف ما عهدته منه قبل ذلك ، ففى هذه الأحوال ( فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ ) أى : لا حرج ولا إثم على الزوجة وزوجها فى ( أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً ) يتفقان عليه فيما بينهما رعاية لرابطة الزوجية وإبقاء على دوامها ، وذلك بأن تترك المرأة بعض حقوقها حتى تسترضى زوجها وتعمل على إزالة ما فى نفسها من استعلاء وانصراف عنها .وقوله ( صْلِحَا ) مفعول مطلق مؤكد لعامله .

أو مفعول به على تأويل يصلحا بيوقعا صلحا .

و ( بَيْنَهُمَا ) حال من ( صْلِحَا ) لأنه كان نعتا له ونعت النكرة إذا تقدم عليها أعرب حالا ، وفيه إشارة إلى أن الأولى لهما أن لا يطلعا الناس على ذلك .

بل يكون ما يتفقان عليه سرا بينهما .وقد عبر - سبحانه - عن طلب الصلح بقوله ( فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ ) ترفقا فى الإِيجاب ، ونفيا لما يتوهم من أن تنازل أحدهما للآخر عن بعض حقه يؤدى إلى الإِثم ، لأن الصلح بينهما يقتضى أن يتسامح أحد الزوجين فى جزء من حقه ليظفر بخير أكثر مما تسامح فيه .

فإذا تركت المرأة بعض حقها لتدوم عشرتها مع زوجها بالمعروف فذلك لا إثم فيه بل إن فيه الخير .وأكد - سبحانه - هذا الصلح بقوله ( صْلِحَا ) للإِشارة إلى وجوب أن يكون الصلح بينهما حقيقيا لا شكليها ، وأن يكون بحيث تتلاقى فى القلوب ، وتصفوا النفوس .وتشع بينهما المودة والرحمة ، ويرضى كل واحد منهما بما قسم الله له .وقوله : ( والصلح خَيْرٌ ) جملة معترضة من مبتدأ وخبر لتأكيد الصلح الذى حض الله عليه قبل ذلك .أى : والصلح بين الزوجين خيرا من الفرقة وسوء العشرة ، اللهم إلا إذا استحال الصلح والوفاق بينهما فإنه فى هذه الحالة تكون الفرقة بينهما خيرا .

( وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ) .قال ابن كثير ما ملخصه : وقوله ( والصلح خَيْرٌ ) .

الظهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية كما أمسك النبى صلى الله عليه وسلم سودة على أن تركت يومها لعائشة ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه .

وفعله هذا لتتأسى به أمته فى مشروعية ذلك وجوازه فهو أفضل فى حقه صلى الله عليه وسلم ولما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق قال : ( والصلح خَيْرٌ ) ، بل الطلاق بغيض إليه - سبحانه ولهذا جاء الحديث الذى رواه أبو داود وابن ماجة عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " .وقوله - تعالى - ( وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح ) جملة أخرى معترضة جئ بها لبيان ما جبل عليه الإِنسان من طباع ، وللحض على الصلح حتى ولو خالف ما طبعت عليه النفس من سجايا .والفعل حضر يتعدى لواحد فدخلت عليه الهمزة فجعلت يتعدى لاثنين كما هنا .

إذ المفعول الأول نائب الفاعل وهو الأنفس والمفعول الثانى كلمة الشح .والشح : البخل مع الحرص ، والمراد : وأحضر الله الأنفس الشح .

أى جبل الله النفوس على الشح بما تملكه ، فالمرأة لا تكاد تتسامع أنو تتنازل عن شئ من حقها ، والرجل كذلك لا يكاد يتنازل عن شئ من حقوقه ، لأن حرص الإِنسان على حقه طبيعة فيه .

فعلى الزوجين أن يلاحظا ذلك وأن يخالفا ميولهما وطبعهما من أجل الإبقاء على الحياة الزوجية بصفاء ومودة .فالجملة الكريمة ترشد الإِنسان إلى داء من أدوائه وتأمره بمعالجته حتى ولو أدى ذلك إلى مخالفة ما جبلت عليه نفسه .ويرى ابن جرير أن المراد بالأنفس هنا أنفس النساء خاصة فقد قال ما ملخصه : وأولى القولين فى ذلك بالصواب : قول من قال : عنى بذلك .

أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من أزواجهن فى الأيام والنفقة .

والشح .

والإِفراط فى الحرص على الشئ .

وهو فى هذا الموضع : إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها .فتأويل الكلام : وأحضرت أنفس النساء أهواءهن من فرط الحرصَ على حقوقهن من أزواجهن ، والشح بذلك على ضرائرهن .ثم قال : ويشهد لهذا ما روى فى سبب نزول الآية من أنها نزلت فى أمر رافع بن خديج وزوجته ، إذ تزوج عليها شابة ، فآثر الشابة عليها ، فأبت الكبيرة أن تقر على الأثرة ، فطلقها تطليقة وتركها .فلما قارب انقضاء عدتها ، خيرها بين الفراق والرجعة والصبر على الأثرة .

فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة فراجعها وآثر عليها .

فلم تصبر .

ففى ذلك دليل وضاح على أن قوله - تعالى - ( وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح ) إنما عنى به : وأحضرت أنفس النساء الشح بحقوقهن من أزواجهن على ما وصفنا .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالأمر بخشيته ومراقبته ، والسير فى طريق الصلح والوفاق فقال : ( وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) .أى : وإن تحسنوا - أيها الرجال - فى أقوالكم وأفعالكم إلى نسائكم وتتقوا الله فيهن : بأن تتركوا التعالى عليهن والإِعراض عنهن وتصبروا على مالا ترضونه منهن ، من دمامة أو تقصير فى واجباتهن .

إن تفعلوا ذلك يرفع الله درجاتكم .

ويجزل ثوباكم ، لأنه - سبحانه - خبير بكل أحوالكم وأعمالكم ، ولن يضيع - سبحانه - أجر من أحسن أعملا .فالجملة الكريمة خطاب للأزواج بطريق الالتفات .

لقصد استمالتهم وترغيبهم فى حسن معاملة نسائهم ، وسلوك طريق الصلح معهن .هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة : أن على الزوجين أن يحسنا العشرة الزوجية كل واحد منهما من جانبه ، وأن يصبر كل واحد منهما على ما يكون من صاحبه من هفوات ومخالفات لا تخلو منها طبيعة الحياة الزوجية .

.وأن أحد الزوجين وإذا تنازل عن بعض حقوقه للآخر بقصد الإِبقاء على الحياة الزوجية جاز ذلك ، فإذا رغب رجل - مثلا - فى طلاق زوجته لسبب من الأسباب وكانت الزوجة تريد البقاء معه ، وتنزلت المرأة عن بعض حقوقها فى سبيل من الأسباب وكانت الزوجة تريد البقاء معه ، وتنازلت المرأة عن بعض حقوقها فى سبيل أن تبقى معه وتراضيا على ذلك عن طيب خاطر ، بأن أعطته بعض المال - مثلا - فإن ما أخذه منها لا يعد مالا حراما فى مثل هذه الحالة .

أما إذا تظاهر الرجل بالنشوز أو الإِعراض لكى ينال شيئا من حقوقها أو تتنازل له عن بعضها ، فإن ما يأخذه الرجل منها فى مثل هذه الحالة يكون أكلا لحقوق غيره بالباطل ، لأنه لم يكن راغبا حقيقة فى الطلاق وإنما تصنع النشوز أو الإِعراض اجتلابا لمالها ، واستدراراً لخيرها .

وقد نهى الله عن كل ذلك بل أمر بترك النشوز ، ووعد من يحسن المعاشرة الزوجية ويتقى الله بالأجر الجزيل .قال القرطبى ما ملخصخ : يجوز أن يعطى الزوج على أن تصبر .

أو تعطى هى على أن يبقيها فى عصمته ، أو يقع الصلح بينهما على الصبر والأثرة - أى يؤثر غيرها عليها من غير عطاء فهذا كله مباح .

وقد يجوز أن تصالح إحداهن صاحبتها عن يومها بشئ تعطيه إياها فقد غضب الرسول صلى الله عليه وسلم مرة على صفية فقالت لعائشة ، أصلحى بينى وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذهب لك يومى .قالت عائشة : فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست إلى جانبه .

فقال : " إليك عنى فإنه ليس بيومك " فقلت : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

وأخبرته الخبر ، فرضى عنها .

وفيه أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلابإذن المفضولة ورضاها .وقال بعض العلماء ما ملخصه : فإن قيل : إن الله - تعالى - قال فى نشوز المرأة : ( واللاتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهجروهن فِي المضاجع واضربوهن ) الآية وقال فى نشوز الرجل : ( وَإِنِ امرأة خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً ) .

الآية فجعل لنشوز المرأة عقوبة من زوجها يعظها ويهجرها فى المضجع ويضربها ولم يجعل لنشوز الرجل عقوبة من زوجته ، بل جعل له ترضية وتلطفا فما معنى ذلك؟والجواب عن ذلك : أن الله - تعالى - جعل الرجال قوامين على النساء ، فالرجل راعى المرأة ورئيسها المهيمن عليها .

ومن قضية ذلك ألا يكون للمرءوس معاقبة رئيسه ، وإلا انقلب الأمر وضاعت هيمنة الرئيس .وأن الله فضل الرجال على النساء فى العقل والدين .

ومن قضية ذلك ألا يكون نشوز من الرجل إلا لسبب قاهر .

ولكن المرأة لنقصان عقلها ودينها يكثر منها النشوز لأقل شئ تتوهمه سبباً .وأن نشوز الرجل أمارة من أمارات الكراهة وإرادة الفرقة .

وإذا كان الله قد جعل له حق الفرقة ولم يجعل للمرأة عليه سبيلا إذا هو أراد فرقتها فأولى ألا يجعل لها عليه سبيلا إذا بدت منه أمارات هذه الفرقة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا من جملة ما أخبر الله تعالى أنه يفتيهم به في النساء مما لم يتقدم ذكره في هذه السورة وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: هذه الآية شبيهة بقوله: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ  ﴾ وقوله: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا  ﴾ وهاهنا ارتفع ﴿ امرأة ﴾ بفعل يفسره ﴿ خافت ﴾ وكذا القول في جميع الآيات التي تلوناها والله أعلم.

المسألة الثانية: قال بعضهم: خافت أي علمت، وقال آخرون: ظنت، وكل ذلك ترك للظاهر من غير حاجة، بل المراد نفس الخوف إلاّ أن الخوف لا يحصل إلاّ عند ظهور الأمارات الدالة على وقوع الخوف، وتلك الأمارات هاهنا أن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو شيخة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة، والبعل هو الزوج، والأصل في البعل هو السيد، ثم سمي الزوج به لكونه كالسيد للزوجة؛ ويجمع البعل على بعولة، وقد سبق هذا في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ  ﴾ والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض، ونشوز الرجل في حق المرأة أن يعرض عنها ويعبس وجهه في وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها.

المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في سبب نزول الآية وجوهاً: الأول: روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الآية نزلت في ابن أبي السائب كانت له زوجة وله منها أولاد وكانت شيخة فهم بطلاقها، فقالت لا تطلقني ودعني أشتغل بمصالح أولادي وأقسم في كل شهر ليالي قليلة، فقال الزوج: إن كان الأمر كذلك فهو أصلح لي.

والثاني: أنها نزلت في قصة سودة بنت زمعة أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يطلقها، فالتمست أن يمسكها ويجعل نوبتها لعائشة، فأجاز النبي عليه الصلاة والسلام ذلك ولم يطلقها.

والثالث: روي عن عائشة أنها قالت: نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها، فتقول: أمسكني وتزوج بغيري، وأنت في حل من النفقة والقسم.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً ﴾ المراد بالنشوز إظهار الخشونة في القول أو الفعل أو فيهما، والمراد من الإعراض السكوت عن الخير والشر والمداعاة والإيذاء، وذلك لأن هذا الإعراض يدل دلالة قوية على النفرة والكراهة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ يُصْلِحَا ﴾ بضم الياء وكسر اللام وحذف الألف من الإصلاح، والباقون ﴿ يصالحا ﴾ بفتح الياء والصاد، والألف بين الصاد واللام وتشديد الصاد من التصالح، ويصالحا في الأصل هو يتصالحا، فسكنت التاء وأدغمت في الصاد.

ونظيره قوله: ﴿ اداركوا فِيهَا  ﴾ أصله تداركوا سكنت التاء وأبدلت بالدال لقرب المخرج وأدغمت في الدال، ثم اجتلبت الهمزة للابتداء بها فصار اداركوا.

إذا عرفت هذا فنقول: من قرأ ﴿ يُصْلِحَا ﴾ فوجهه أن الاصلاح عند التنازع والتشاجر مستعمل قال تعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ  ﴾ وقال: ﴿ أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس  ﴾ ومن قرأ ﴿ يصالحا ﴾ وهو الاختيار عند الأكثرين قال: أن يصالحا معناه يتوافقا، وهو أليق بهذا الموضع وفي حرف عبد الله: فلا جناح عليهما أن صالحا، وانتصب صلحاً في هذه القراءة على المصدر وكان الأصل أن يقال: تصالحا، ولكنه ورد كما في قوله: ﴿ والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً  ﴾ وقوله: ﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً  ﴾ وقول الشاعر: وبعد عطائك المائة الرتاعا *** المسألة الثانية: الصلح إنما يحصل في شيء يكون حقاً له، وحق المرأة على الزوج إما المهر أو النفقة أو القسم، فهذه الثلاثة هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى، أما الوطء فليس كذلك، لأن الزوج لا يجبر على الوطء.

إذا عرفت هذا فنقول: هذا الصلح عبارة عما إذا بذلت المرأة كل الصداق أو بعضه للزوج أو أسقطت عنه مؤنة النفقة، أو أسقطت عنه القسم، وكان غرضها من ذلك أن لا يطلقها زوجها، فإذا وقعت المصالحة على ذلك كان جائزاً.

ثم قال تعالى: ﴿ والصلح خَيْرٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الصلح مفرد دخل فيه حرف التعريف، والمفرد الذي دخل فيه حرف التعريف هل يفيد العموم أم لا؟

والذي نصرناه في أصول الفقه أنه لا يفيده، وذكرنا الدلائل الكثيرة فيه.

وأما إذا قلنا: إنه يفيد العموم فهاهنا بحث، وهو أنه إذا حصل هناك معهود سابق فحمله على العموم أولى أم على المعهود السابق؟

الأصح أن حمله على المعهود السابق أولى، وذلك لأنا إنما حملناه على الاستغراق ضرورة أنا لو لم نقل ذلك لصار مجملاً ويخرج عن الإفادة، فإذا حصل هناك معهود سابق اندفع هذا المحذور فوجب حمله عليه.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: من الناس من حمل قوله: ﴿ والصلح خَيْرٌ ﴾ على الاستغراق، ومنهم من حمله على المعهود السابق، يعني الصلح بين الزوجين خير من الفرقة، والأولون تمسكوا به في مسألة أن الصلح على الإنكار جائز كما هو قول أبي حنيفة، وأما نحن فقد بينا أن حمل هذا اللفظ على المعهود السابق أولى، فاندفع استدلالهم والله أعلم.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: هذه الجملة اعتراض، وكذلك قوله: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح ﴾ إلاّ أنه اعتراض مؤكد للمطلوب فحصل المقصود.

المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر أولاً قوله: ﴿ فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا ﴾ فقوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ ﴾ يوهم أنه رخصة، والغاية فيه ارتفاع الإثم، فبيّن تعالى أن هذا الصلح كما أنه لا جناح فيه ولا إثم فكذلك فيه خير عظيم ومنفعة كثيرة، فإنهما إذا تصالحا على شيء فذاك خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والإعراض، أما قوله تعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح ﴾ .

فأعلم أن الشح هو البخل، والمراد أن الشح جعل كالأمر المجاور للنفوس اللازم لها، يعني أن النفوس مطبوعة على الشح، ثم يحتمل أن يكون المراد منه أن المرأة تشح ببذل نصيبها وحقها، ويحتمل أن يكون المراد أن الزوج يشح بأن يقضي عمره معها مع دمامة وجهها وكبر سنها وعدم حصول اللذة بمجانستها.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنه خطاب مع الأزواج، يعني إن تحسنوا بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وتيقنتم النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة فإن الله كان بما تعملون من الإحسان والتقوى خبيراً، وهو يثيبكم عليه.

الثاني: أنه خطاب للزوج والمرأة، يعني وأن يحسن كل واحد منكما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم.

الثالث: أنه خطاب لغيرهما، يعني أن تحسنوا في المصالحة بينهما وتتقوا الميل إلى واحد منهما.

وحكى صاحب الكشاف: أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدم بني آدم، وامرأته من أجملهم، فنظرت إليه يوماً ثم قالت: الحمد لله، فقال مالك؟

فقالت حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله بالجنة عباده الشاكرين والصابرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ خافت مِن بَعْلِهَا ﴾ توقعت منه ذلك لما لاح لها مخايله وأماراته.

والنشوز: أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته والمودة والرحمة التي بين الرجل والمرأة، وأن يؤذيها بسب أو ضرب والإعراض: أن يعرض عنها بأن يقل محادثتها ومؤانستها، وذلك لبعض الأسباب من طعن في سنّ، أو دمامة، أو شيء في خلق أو خُلق، أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك فلا بأس بهما في أن يصلحا بينهما.

وقرئ: يصَّالحا.

ويصالحا، بمعنى: يتصالحا، ويصطلحا.

ونحو أصلح: اصبر في اصطبر ﴿ صُلْحاً ﴾ في معنى مصدر كل واحد من الأفعال الثلاثة.

ومعنى الصلح: أن يتصالحا على أن تطيب له نفساً عن القسمة أو عن بعضها، كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول صلى الله عليه وسلم وعرفت مكان عائشة من قلبه، فوهبت لها يومها.

وكما روى أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها وكان لها منه ولد فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على ولدي وتقسم لي في كل شهرين فقال: إن في هذا يصلح فهو أحب إليّ، فأقرها.

أو تهب له بعض المهر، أو كله، أو النفقة؛ فإن لم تفعل فليس له إلا أن يمسكها بإحسان أو يسرحها ﴿ والصلح خَيْرٌ ﴾ من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة.

أو هو خير من الخصومة في كل شيء.

أو الصلح خير من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور وهذه الجملة اعتراض، وكذلك قوله ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح ﴾ ومعنى إحضار الأنفس الشح أن الشح جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه، يعني أنها مطبوعة عليه والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها وبغير قسمتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها وأن يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ ﴾ بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن، وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة ﴿ وَتَتَّقُواْ ﴾ النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿ خَبِيراً ﴾ وهو يثيبكم عليه.

وكان عمران بن حطان الخارجي من أدمّ بني آدم، وامرأته من أجملهم، فأجالت في وجهه نظرها يوماً ثم تابعت الحمد لله، فقال: مالك؟

قالت: حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة.

قال: كيف؟

قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة عباده الشاكرين والصابرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها ﴾ تَوَقَّعَتْ مِنهُ لِما ظَهَرَ لَها مِنَ المَخايِلِ، وامْرَأةٌ فاعِلُ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ.

﴿ نُشُوزًا ﴾ تَجافِيًا عَنْها وتَرَفُّعًا عَنْ صُحْبَتِها كَراهَةً لَها ومَنعًا لِحُقُوقِها.

﴿ أوْ إعْراضًا ﴾ بِأنْ يُقِلَّ مُجالَسَتَها ومُحادَثَتَها.

﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا ﴾ أنْ يَتَصالَحا بِأنْ تَحُطَّ لَهُ بَعْضَ المَهْرِ، أوِ القَسْمِ، أوْ تَهَبَ لَهُ شَيْئًا تَسْتَمِيلُهُ بِهِ.

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ أنْ يُصْلِحا مِن أصْلَحَ بَيْنَ المُتَنازِعِينَ، وعَلى هَذا جازَ أنْ يَنْتَصِبَ صُلْحًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وبَيْنَهُما ظَرْفٌ أوْ حالٌ مِنهُ أوْ عَلى المَصْدَرِ كَما في القِراءَةِ الأُولى والمَفْعُولُ بَيْنَهُما أوْ هو مَحْذُوفٌ.

وقُرِئَ «يُصْلِحا» مِن أصْلَحَ بِمَعْنى اصْطَلَحَ.

﴿ والصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ مِنَ الفُرْقَةِ أوْ سُوءِ العِشْرَةِ أوْ مِنَ الخُصُومَةِ.

ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّفْضِيلُ بَلْ بَيانُ أنَّهُ مِنَ الخُيُورِ كَما أنَّ الخُصُومَةَ مِنَ الشُّرُورِ، وهو اعْتِراضٌ وكَذا قَوْلُهُ: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ ولِذَلِكَ اغْتَفَرَ عَدَمَ مُجانَسَتِهِما، والأوَّلُ لِلتَّرْغِيبِ في المُصالَحَةِ، والثّانِي لِتَمْهِيدِ العُذْرِ في المُماكَسَةِ.

ومَعْنى إحْضارِ الأنْفُسِ الشُّحَّ جَعْلُها حاضِرَةً لَهُ مَطْبُوعَةً عَلَيْهِ، فَلا تَكادُ المَرْأةُ تَسْمَحُ بِالإعْراضِ عَنْها والتَّقْصِيرِ في حَقِّها ولا الرَّجُلُ يَسْمَحُ بِأنْ يُمْسِكَها ويَقُومَ بِحَقِّها عَلى ما يَنْبَغِي إذا كَرِهَها أوْ أحَبَّ غَيْرَها.

﴿ وَإنْ تُحْسِنُوا ﴾ في العِشْرَةِ.

﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ النُّشُوزَ والإعْراضَ ونَقْصَ الحَقِّ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الإحْسانِ والخُصُومَةِ.

﴿ خَبِيرًا ﴾ عَلِيمًا بِهِ وبِالغَرَضِ فِيهِ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، أقامَ كَوْنَهُ عالِمًا بِأعْمالِهِمْ مَقامَ إثابَتِهِ إيّاهم عَلَيْها الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ جَوابُ الشَّرْطِ إقامَةً لِلسَّبَبِ مَقامَ المُسَبِّبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِنِ امرأة خافت مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً} توقعت منه ذلك لما لاح لها من مخايله وأمارته والنشوز أن يتجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته وأن يؤذيها بسبب أو ضرب {أَوْ إِعْرَاضاً} عنها بأن يقل محاذثتها ومؤانستها بسب كبر سن أو دمامة أو سوء في خلق أو خلق أو ملال أو طموح

النساء (١٢٨ _ ١٣٠)

عين إلى أخرى أو غير ذلك {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا} كوفي يصّالحا غيرهم أي يتصالحا وهو أصله فأبدلت التاء صاداء وأدغمت {صُلحاً} في معنى مصدر كل واحد من الفعلين ومعنى الصلح أن يتصالحا على أن تطيب له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو تهب له بعض المهر أو كله أو النفقة {والصلح خَيْرٌ} من الفرقة أو من الشوز أو من الخصومة في كل شيء أو والصلح خير من الخيور كما أن الخصومة شر من الشرور وهذه الجملة اعتراض كقوله {وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح} أي جعل الشح حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه يعني أنها مطبوعة عليه والمراد أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمها والرجل لا يكاد يسمع بأن يقسم لها إذا رغب عنها فكل واحد منهما يطلب ما فيه راحته وأحضرت يتعدى إلى مفعلوين والأول الأنفس ثم حث على مخالفة الطبع ومتابعة الشرع بقوله {وَإِن تُحْسِنُواْ} بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وأحببتم غيرهن وتصبروا على ذلك مراعاة لحق الصحبة {وَتَتَّقُواْ} النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة {فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الإحسان والتقوى {خَبِيراً} فيثيبكم عليه وكان عمر الخارجي من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم فنظرت إليه وقالت الحمد لله على أني وإياك من أهل الجنة قال كيف فقالت لأنك

رزقت مثلي فشكرت ورزقت مثلك فصبرت والجنة موعودة للشاكرين والصابرين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامٍ لَمْ تُبَيَّنْ قَبْلُ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««خَشِيَتْ سَوْدَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تُطَلِّقْنِي واجْعَلْ يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَفَعَلَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»».

وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ: ««أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةِ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَكَرِهَ مِنها أمْرًا إمّا كِبْرًا أوْ غَيْرَهُ، فَأرادَ طَلاقَها فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ فاصْطَلَحا عَلى صُلْحٍ فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ ونَزَلَ القُرْآنُ»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّها نَزَلَتْ في أبِي السّائِبِ.

أيْ: وإنْ خافَتِ امْرَأةٌ خافَتْ، فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ، وزَعَمَ الكُوفِيُّونَ أنَّ (امْرَأةٌ) مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ الخَبَرُ ولَيْسَ بِالمَرْضِيِّ، وقَدَّرَ بَعْضُهم هَنا كانَتْ لِاطِّرادِ حَذْفِ كانَ بَعْدَ إنَّ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ الِاشْتِغالِ، وهو مُخالِفٌ لِلْمَشْهُورِ بَيْنَ الجُمْهُورِ.

والخَوْفُ إمّا عَلى حَقِيقَتِهِ أوْ بِمَعْنى التَّوَقُّعِ أيْ: وإنِ امْرَأةٌ تَوَقَّعَتْ لِما ظَهَرَ لَها مِنَ المَخايِلِ ﴿ مِن بَعْلِها ﴾ أيْ: زَوْجِها، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(خافَتْ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُشُوزًا ﴾ أيِ: اسْتِعْلاءً وارْتِفاعًا بِنَفْسِهِ عَنْها إلى غَيْرِها لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ويُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِن صِفَةِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ ﴿ أوْ إعْراضًا ﴾ أيِ: انْصِرافًا بِوَجْهِهِ أوْ بِبَعْضِ مَنافِعِهِ الَّتِي كانَتْ لَها مِنهُ، وفي البَحْرِ: النُّشُوزُ أنْ يَتَجافى عَنْها، بِأنْ يَمْنَعَها نَفْسَهُ ونَفَقَتَهُ، والمَوَدَّةَ الَّتِي بَيْنَهُما، وأنْ يُؤْذِيَها بِسَبٍّ أوْ ضَرْبٍ مَثَلًا، والإعْراضُ أنْ يُقَلِّلَ مُحادَثَتَها ومُؤانَسَتَها لِطَعْنٍ في سِنٍّ، أوْ دَمامَةٍ، أوْ شَيْنٍ في خَلْقٍ أوْ خُلُقٍ، أوْ مَلالٍ، أوْ طُمُوحِ عَيْنٍ إلى أُخْرى، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وهو أخَفُّ مِنَ النُّشُوزِ ﴿ فَلا جُناحَ ﴾ أيْ: فَلا حَرَجَ ولا إثْمَ ﴿ عَلَيْهِما ﴾ أيِ: المَرْأةِ وبَعْلِها حِينَئِذٍ.

﴿ أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا ﴾ أيْ: في أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما، بِأنْ تَتْرُكَ المَرْأةُ لَهُ يَوْمَها كَما فَعَلَتْ سَوْدَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  أوْ تَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ ما يَجِبُ لَها مِن نَفَقَةٍ أوَكِسْوَةٍ، أوْ تَهَبَهُ المَهْرَ، أوْ شَيْئًا مِنهُ، أوْ تُعْطِيَهُ مالًا لِتَسْتَعْطِفَهُ بِذَلِكَ، وتَسْتَدِيمَ المُقامَ في حِبالِهِ، وصُدِّرَ ذَلِكَ بِنَفْيِ الجُناحِ لِنَفْيِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ ما يُؤْخَذُ كالرِّشْوَةِ فَلا يَحِلٌّ.

وقَرَأ غَيْرُ أهْلِ الكُوفَةِ (يَصّالَحا) بِفَتْحِ الياءِ، وتَشْدِيدِ الصّادِ، وألِفٍ بَعْدَها، وأصْلُهُ (يَتَصالَحا) فَأُبْدِلَتِ التّاءُ صادًا، وأُدْغِمَتْ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ (يَصَّلَحا) بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وأصْلُهُ (يَصْطَلِحا) فَخُفِّفَ بِإبْدالِ الطّاءِ المُبْدَلَةِ مِن تاءِ الِافْتِعالِ صادًّا، وأُدْغِمَتِ الأُولى فِيها، لا أنَّهُ أُبْدِلَتِ التّاءُ ابْتِداءً صادًّا وأُدْغِمَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ؛ لِأنَّ تاءَ الِافْتِعالِ يَجِبُ قَلْبَها طاءٌ بَعْدَ الأحْرُفِ الأرْبَعَةِ.

وقُرِئَ (يَصْطَلِحا) وهو ظاهِرٌ و(صُلْحًا) عَلى قِراءَةِ أهْلِ الكُوفَةِ إمّا مَفْعُولٌ بِهِ عَلى مَعْنى يُوَقِّعا الصُّلْحَ، أوْ بِواسِطَةِ حَرْفٍ أيْ: يُصْلِحُ، والمُرادُ بِهِ ما يُصْلَحُ بِهِ، و(بَيْنَهُما) ظَرْفٌ ذُكِرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَطَّلِعَ النّاسُ عَلى ما بَيْنَهُما بَلْ يَسْتُرانِهِ عَنْهُمْ، أوْ حالٌ مِن (صُلْحًا) أيْ: كائِنًا بَيْنَهُما، وإمّا مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ، أوْ مِن قَبِيلِ (أنْبَتَها اللَّهُ نَباتًا) و(بَيْنَهُما) هو المَفْعُولُ عَلى أنَّهُ اسْمٌ بِمَعْنى التَّبايُنِ والتَّخالُفِ، أوْ عَلى التَّوَسُّعِ في الظَّرْفِ لا عَلى تَقْدِيرِ ما بَيْنَهُما كَما قِيلَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (بَيْنَهُما) ظَرْفًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: حالَهُما ونَحْوَهُ، وعَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واقِعًا مَوْقِعَ (تَصالَحا) و(اصْطِلاحًا) وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى المَذْكُورِ، أيْ: فَيُصْلِحُ حالَهُما (صُلْحًا) واحْتِمالُ هَذا في القِراءَةِ الأُولى بَعِيدٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ (يَصّالَحا) أوْ (يَصَّلَحا) بِصُلْحٍ أيْ: بِشَيْءٍ تَقَعُ بِسَبَبِهِ المُصالَحَةُ.

﴿ والصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ أيْ: مِنَ الفُرْقَةِ وسُوءِ العِشْرَةِ، أوْ مِنَ الخُصُومَةِ، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، وإثْباتُ الخَيْرِيَّةِ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ أيْ: إنْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ فَهَذا أخْيَرُ مِنهُ، وإلّا فَلا خَيْرِيَّةَ فِيما ذُكِرَ، ويَجُوزُ أنْ لا يُرادَ بِـ(خَيْرٌ) التَّفْضِيلُ، بَلْ يُرادُ بِهِ المَصْدَرُ أوِ الصِّفَةُ، أيْ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ، فاللّامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَحْتَمِلُ العَهْدِيَّةَ والجِنْسِيَّةَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ ولِذَلِكَ اغْتُفِرَ عَدَمُ تَجانُسِهِما؛ إذِ الأُولى اسْمِيَّةٌ والثّانِيَةُ فِعْلِيَّةٌ، ولا مُناسَبَةَ مَعْنًى بَيْنَهُما، وفائِدَةُ الأُولى التَّرْغِيبُ في المُصالَحَةِ، والثّانِيَةُ تَمْهِيدٌ لِلْعُذْرِ في المُماسَكَةِ والمَشاقَّةِ كَما قِيلَ.

وحَضَرَ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ، وأحْضَرَ لِاثْنَيْنِ، والأوَّلُ هو (الأنْفَسُ) القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، والثّانِي (الشُّحَّ) والمُرادُ: أحْضَرَ اللَّهُ تَعالى (الأنْفُسُ الشُّحَّ) وهو البُخْلُ مَعَ الحِرْصِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ هو الثّانِي، أيْ: إنَّ الشُّحَّ جُعِلَ حاضِرًا لَها لا يَغِيبُ عَنْها أبَدًا، أوْ أنَّها جُعِلَتْ حاضِرَةً لَهُ مَطْبُوعَةً عَلَيْهِ، فَلا تَكادُ المَرْأةُ تَسْمَحُ بِحُقُوقِها مِنَ الرِّجالِ ولا الرَّجُلُ يَكادُ يَجُودُ بِالإنْفاقِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ مَثَلًا عَلى الَّتِي لا يُرِيدُها.

وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ في ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلصُّلْحِ وتَقْرِيرًا لَهُ، يُحَثُّ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَيْهِ، لَكِنْ لا بِالنَّظَرِ إلى حالِ نَفْسِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي التَّمادِي في الشِّقاقِ، بَلْ بِالنَّظَرِ إلى حالِ صاحِبِهِ، فَإنْ شُحَّ نَفْسِ الرَّجُلِ وعَدَمَ مَيْلِها عَنْ حالَتِها الجِبِلِّيَّةِ بِغَيْرِ اسْتِمالَةٍ مِمّا يَحْمِلُ المَرْأةَ عَلى بَذْلِ بَعْضِ حُقُوقِها إلَيْهِ لِاسْتِمالَتِهِ، وكَذا شُحُّ نَفْسِها بِحُقُوقِها مِمّا يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلى أنْ يَقْنَعَ مِن قِبَلِها بِشَيْءٍ يَسِيرٍ ولا يُكَلِّفَها بَذْلَ الكَثِيرِ، فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ الصُّلْحِ الَّذِي هو خَيْرٌ.

﴿ وإنْ تُحْسِنُوا ﴾ في العِشْرَةِ مَعَ النِّساءِ، ﴿ وتَتَّقُوا ﴾ النُّشُوزَ والإعْراضَ، وإنْ تَظافَرَتِ الأسْبابُ الدّاعِيَةُ إلَيْهِما، وتَصْبِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولَمْ تَضْطَرُّوهُنَّ عَلى فَوْتِ شَيْءٍ مِن حُقُوقِهِنَّ أوْ بَذْلِ ما يَعِزُّ عَلَيْهِنَّ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الإحْسانِ والتَّقْوى، أوْ بِجَمِيعِ ما تَعْمَلُونَ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ خَبِيرًا ﴾ فَيُجازِيكم ويُثِيبُكم عَلى ذَلِكَ، وقَدْ أقامَ سُبْحانَهُ كَوْنَهُ عالِمًا مُطَّلِعًا أكْمَلَ اطِّلاعٍ عَلى أعْمالِهِمْ مَقامَ مُجازاتِهِمْ وإثابَتِهِمْ عَلَيْها، الَّذِي هو في الحَقِيقَةِ جَوابُ الشَّرْطِ إقامَةَ السَّبَبِ مَقامَ المُسَبَّبِ، ولا يَخْفى ما في خِطابِ الأزْواجِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ رِعايَةِ حُقُوقِهِنَّ بِالإحْسانِ، ولَفْظِ التَّقْوى المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِ النُّشُوزِ والإعْراضِ مِمّا يُتَوَقّى مِنهُ، وتَرْتِيبِ الوَعْدِ الكَرِيمِ عَلى ذَلِكَ مِن لُطْفِ الِاسْتِمالَةِ، والتَّرْغِيبِ في حُسْنِ المُعامَلَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ أي علمت مِنْ بَعْلِها يعني زوجها نُشُوزاً يعني عصياناً في الأثرة أَوْ إِعْراضاً عنها وترك محادثتها، نزلت في رافع بن خديج تزوج امرأة أشبّ من امرأته خولة بنت محمد بن مسلمة.

وقال في رواية الكلبي: نزلت في ابنة محمد بن مسلمة، وفي زوجها أسعد بن الزبير تزوجها وهي شابة، فلما أدبرت وعلاها الكبر تزوج عليها امرأة شابة وآثرها عليها، وجفا بنت محمد بن مسلمة، فأتت رسول الله  فشكت إليه فنزل: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً يعني ترك مجامعتها أَوْ إِعْراضاً يعني يعرض بوجهه ويقل مجالستها ومحادثتها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي لا إثم على الزوج والمرأة أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما بضم الياء والتخفيف، وهو من الصلح.

وقرأ الباقون أن يصالحا بالألف وتشديد الصاد، لأن أصله وتصالحا فأدغمت التاء في الصاد، وأقيم التشديد مكانه، ثم قال: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ يعني الصلح خير من الفرقة.

ويقال: الصلح خير من النشوز، ويقال: الصلح خير من الخصومة والخلاف.

وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً قال: قول الرجل لامرأته أنت كبيرة، وإني أريد أن أستبدل بك شابة، فقري على ولدك ولا أقسم لك من نفسي شيئاً ورضيت بذلك، فذلك الصلح بينهما.

قال: وهذا قول أبي السنابل بن بعكك حين جرى بينهما هذا الصلح، ثم صارت الآية عامة في جواز الصلح الذي يجري فيما بين الناس، لقوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.

ثم قال تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ يعني الشح حملها على أن تدع نصيبها، ويقال: شحت المرأة بنصيبها من زوجها أن تدعه للأخرى، وشحّ الرجل بنصيبه من الأخرى.

وقال مقاتل: طمعها وحرصها يجرها إلى أن ترضى.

ثم قال تعالى: وَإِنْ تُحْسِنُوا يقول تحسنوا إليهن وَتَتَّقُوا الميل والجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً في الإحسان والجور.

قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ يقول: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب بين الشابة والكبيرة وَلَوْ حَرَصْتُمْ أي ولو جهدتم، ولكن اعدلوا في القسمة والنفقة فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ بالنفقة والقسمة إلى الشابة فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ بغير قسمة كالمسجونة لا أيم ولا ذات بعل.

وروي عن أبي هريرة عن النبيّ  أنه قال: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» .

وفي رواية أخرى «وَأَحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ» .

وروى أبو أيوب عن أبي قلابة قال: كان النبيّ  يقسم بين نسائه فيعدل في القسمة ويقول: «اللَّهُمَ هذا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ» .

يعني الحب والجماع.

ثم قال تعالى: وَإِنْ تُصْلِحُوا يعني تصلحوا بينهما بالسوية وَتَتَّقُوا الجور والميل فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً حيث رخص لكم في الصلح.

ثم قال عز وجل: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يعني الزوج والمرأة يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ يعني من رزقه.

وقال مجاهد: يعني الطلاق.

وروي عن جعفر بن محمد أن رجلاً شكا إليه الفقر فأمره بالنكاح، فذهب الرجل وتزوج ثم جاء إليه فشكا إليه الفقر، فأمره بالطلاق، فسئل عن ذلك فقال: أمرته بالنكاح.

وقلت: لعله من أهل هذه الآية إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور: 32] فلما لم يكن من أهل هذه الآية.

قلت: فلعله من أهل هذه الآية (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كلاًّ من سعته) وروي عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرأ فَتَذَرُوهَا كَأَنَّهَا مسجونة ثم قال: وَكانَ اللَّهُ واسِعاً يعني واسع الفضل حَكِيماً حكم بفرقتهما وتسويتهما.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إلى غَيْر ذلك ممَّا ذُكِرَ في مال اليتيم، والقسط: العدل، وباقي الآية بيّن.

وقوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً ...

الآية: هذه الآيةُ حُكْمٌ من اللَّه تعالى في أمْرِ المرأةِ الَّتِي تكُونُ ذاتَ سِنٍّ ونَحْو ذلك ممَّا يرغَبُ زوجُها عَنْها، فيعرض عليها الفُرْقَة أو الصَّبْر على الأَثَرة، فتُرِيدُ هي بَقَاءَ العِصْمة، فهذه التي أَبَاحَ اللَّه بينهما الصُّلْحَ ورَفَعَ الجُنَاحَ فيه.

واختلف في سَبَبِ نزولِ الآية، فقال ابنُ عبَّاس وجماعةٌ: نزلَتْ في النبيِّ- عليه السلام- وسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ «١» وفي المصنَّفات: أن سَوْدَةَ لما كَبِرَتْ، وَهَبَتْ يومها لعائشة «٢» ، وقال ابنُ المُسَيَّب وغيره: نزلت بسبب رافع بن خديج «٣» ...

وامرأتِهِ خَوْلَةَ «١» ، وقال مجاهدٌ: نزلَتْ بسبب أبي السَّنَابِلِ «٢» وامرأتِهِ «٣» ، ولفظُ ابنِ العربيِّ في «أحكامه» «٤» : قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً ...

الآية:

قالَتْ عائشةُ (رضي اللَّه تعالى عنها) : هِيَ المرأَةُ تكُونُ عند الرجُلِ ليس بمستكْثِرٍ منها يريدُ أنْ يفارقَهَا، فتقولُ لَهُ: أجعلُكَ مِنْ شأنِي في حِلٍّ، فنزلَتِ الآية، قال الفقيهُ أبو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: فرضوانُ اللَّه علَى الصِّدِّيقة المُطَهَّرة، لَقَدْ وفَّتْ بما حَمَّلها ربُّها من العَهْد في قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: ٣٤] انتهى.

وقوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ لفظٌ عامٌّ مطلقٌ يقتضي أنَّ الصُّلّحَ الحقيقيَّ الذي تسكن إلَيْه النفوسُ، ويزولُ به الخلافُ خَيْرٌ على الإطلاق، ويندرج تحْتَ هذا العموم أنَّ صُلْحَ الزوجَيْن/ على ما ذكرنا- خيرٌ من الفُرْقَة.

وقوله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ معذرةٌ عن عَبِيدِهِ تعالى، أي: لا بُدَّ للإنسان بحُكْم خلقته وجِبِلَّتهِ من أنْ يشحَّ على إرادته حتى يَحْمِلَ صاحبه على بعض ما يكره، وخصَّص المفسِّرون هذه اللفظة هنا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ سَوْدَةَ خَشِيَتْ أنْ يُطْلِّقَها رَسُولُ اللَّهِ  ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ لا تُطَلِّقُنِي، وأمْسِكْنِي، واجْعَلْ يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَفَعَلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ بِنْتَ مُحَمَّدٍ بْنِ مَسْلَمَةَ كانَتْ تَحْتَ رافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ، فَكَرِهَ مِنها أمْرًا، إمّا كِبْرًا، وإمّا غَيْرَةً، فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ: لا تُطَلِّقُنِي، واقْسِمْ لِي ما شِئْتَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

قالَ مُقاتِلٌ: واسْمُها خُوَيْلَةُ.

والثّالِثُ: قَدْ ذَكَرْناهُ عَنْ سالِمٍ الأفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في نُزُولِ الآَيَةِ الَّتِي قَبْلَها.

وقالَتْ عائِشَةُ: نَزَلَتْ في المَرْأةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَلا يَسْتَكْثِرُ مِنها ويُرِيدُ فِراقَها، ولَعَلَّها تَكُونُ لَهُ مُحِبَّةً أوْ يَكُونُ لَها ولَدٌ فَتَكْرَهُ فِراقَهُ، فَتَقُولُ لَهُ: لا تُطَلِّقْنِي وأمْسَكْنِي، وأنْتَ في حِلٍّ مِن شَأْنِي.

رَواهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ.

وَفِي خَوْفَ النُّشُوزِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ بِهِ عِنْدَ ظُهُورِهِ.

والثّانِي: الحَذَرُ مِن وُجُودِهِ لِأماراتِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والنُّشُوزُ مِن بَعْلِ المَرْأةِ: أنْ يُسِيءَ عِشْرَتَها، وأنْ يَمْنَعَها نَفْسَهُ ونَفَقَتَهُ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: نُشُوزًا، أيْ: نَبْوًا عَنْها إلى غَيْرِها، وإعْراضًا عَنْها، واشْتِغالًا بِغَيْرِها.

﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: يُصالِحا بَيْنَهُما بِفَتْحِ الياءِ، والتَّشْدِيدِ.

والأصْلُ: "يَتَصالَحا"، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُصْلِحا" بِضَمِّ الياءِ، والتَّخْفِيفِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: أنْ يُوقِعا بَيْنَهُما أمْرًا يَرْضَيانِ بِهِ، وتَدُومَ بَيْنَهُمُ الصُّحْبَةُ، مِثْلَ أنْ تَصْبِرَ عَلى تَفْضِيلِهِ.

ورُوِيَّ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُما أجازا لَهُما أنْ يَصْطَلِحا عَلى تَرْكِ بَعْضِ مَهْرِها، أوْ بَعْضِ أيّامِها، بِأنْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِها.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ والصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: خَيْرٌ مِنَ الفِرْقَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: خَيْرٌ مِنَ النُّشُوزِ والإعْراضِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قالَ قَتادَةُ: مَتى ما رَضِيَتْ بِدُونِ ما كانَ لَها، واصْطَلَحا عَلَيْهِ، جازَ، فَإنْ أبَتْ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يَحْبِسَها عَلى الخَسْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ "أُحْضِرَتْ" بِمَعْنى: ألْزَمَتْ.

و "الشُّحُّ": الإفْراطُ في الحِرْصِ عَلى الشَّيْءِ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: "الشُّحُّ": البُخْلُ مَعَ الحِرْصِ، وتَشاحَّ الرَّجُلانِ عَلى الأمْرِ: لا يُرِيدانِ أنْ يَفُوتَهُما.

وفِيمَن يَعُودُ إلَيْهِ هَذا الشُّحُّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: المَرْأةُ، فَتَقْدِيرُهُ: وأُحْضِرَتْ نَفْسُ المَرْأةِ الشُّحَّ بِحَقِّها مِن زَوْجِها، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: الزَّوْجانِ جَمِيعًا، فالمَرْأةُ تَشِحُّ عَلى مَكانِها مِن زَوْجِها، والرَّجُلِ يَشِحُّ عَلَيْها بِنَفْسِهِ إذا كانَ غَيْرُها أحَبَّ إلَيْهِ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تَطِيبُ نَفْسُهُ أنْ يُعْطِيَها شَيْئًا فَتُحَلِّلُهُ، ولا تَطِيبُ نَفْسُها أنْ تُعْطِيَهُ شَيْئًا مِن مالِها، فَتَعْطِفُهُ عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُحْسِنُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِالصَّبْرِ عَلى الَّتِي يَكْرَهُها.

والثّانِي: بِالإحْسانِ إلَيْها في عِشْرَتِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ يَعْنِي: الجَوْرُ عَلَيْها ﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أو إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُلْحُ خَيْرٌ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ وإنِ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِساءِ ولَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ هَذِهِ الآيَةُ حُكْمٌ مِنَ اللهِ تَعالى في أمْرِ المَرْأةِ الَّتِي تَكُونُ ذاتَ سِنٍّ ودَمامَةٍ؛ أو نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُرَغِّبُ زَوْجَها عنها؛ فَيَذْهَبُ الزَوْجُ إلى طَلاقِها؛ أو إلى إيثارِ شابَّةٍ عَلَيْها؛ ونَحْوِ هَذا مِمّا يَقْصِدُ بِهِ صَلاحَ نَفْسِهِ؛ ولا يَضُرُّها هي ضَرَرًا يُلْزِمُهُ إيّاها؛ بَلْ يَعْرِضُ عَلَيْها الفُرْقَةَ؛ أوِ الصَبْرَ عَلى الأثَرَةِ؛ فَتُرِيدُ هي بَقاءَ العِصْمَةِ؛ فَهَذِهِ الَّتِي أباحَ اللهُ تَعالى بَيْنَهُما الصُلْحَ؛ ورَفَعَ الجُناحَ فِيهِ؛ إذِ الجُناحُ في كُلِّ صُلْحٍ يَكُونُ عن ضَرَرٍ مِنَ الزَوْجِ يَفْعَلُهُ حَتّى تُعالِجَهُ؛ وأباحَ اللهُ تَعالى الصُلْحَ مَعَ الخَوْفِ؛ وظُهُورِ عَلاماتِ النُشُوزِ؛ أوِ الإعْراضِ؛ وهو - مَعَ وُقُوعِها - مُباحٌ أيْضًا؛ و"اَلنُّشُوزُ": اَلِارْتِفاعُ بِالنَفْسِ عن رُتْبَةِ حُسْنِ العِشْرَةِ؛ و"اَلْإعْراضُ" أخَفُّ مِنَ النُشُوزِ.

وأنْواعُ الصُلْحِ كُلُّها مُباحَةٌ في هَذِهِ النازِلَةِ: أنْ يُعْطِيَ الزَوْجُ عَلى أنْ تَصْبِرَ هِيَ؛ أو تُعْطِيَ هي عَلى ألّا يُؤْثِرَ الزَوْجُ؛ أو عَلى أنْ يُؤْثِرَ ويَتَمَسَّكَ بِالعِصْمَةِ؛ أو يَقَعَ الصُلْحُ عَلى الصَبْرِ عَلى الأثَرَةِ؛ فَهَذا كُلُّهُ مُباحٌ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ الآيَةِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وجَماعَةٌ مَعَهُ: نَزَلَتْ في النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ؛ حَدَّثَ الطَبَرِيُّ بِسَنَدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَشِيَتْ سَوْدَةُ أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي؛ واحْبِسْنِي مَعَ نِسائِكَ؛ ولا تَقْسِمْ لِي؛ فَفَعَلَ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أو إعْراضًا ﴾ ؛ اَلْآيَةُ؛» وفي المُصَنَّفاتِ «أنَّ سَوْدَةَ لَمّا كَبِرَتْ وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ»؛ وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ؛ وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ ؛ وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ؛ وخَوْلَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ؛ وذَلِكَ أنَّهُ خَلا مِن سِنِّها؛ فَتَزَوَّجَ عَلَيْها شابَّةً؛ فَآثَرَ الشابَّةَ؛ فَلَمْ تَصْبِرْ هِيَ؛ فَطَلَّقَها طَلْقَةً؛ ثُمَّ تَراجَعا؛ فَعادَ فَآثَرَ الشابَّةَ؛ فَلَمْ تَصْبِرْ هِيَ؛ فَطَلَّقَها أُخْرى؛ فَلَمّا بَقِيَ مِنَ العِدَّةِ يَسِيرٌ قالَ لَها: إنْ شِئْتِ راجَعْتُكِ وصَبَرْتِ عَلى الأثَرَةِ؛ وإنْ شِئْتِ تَرَكْتُكِ حَتّى يَخْلُوَ أجَلُكِ؛ قالَتْ: بَلْ راجِعْنِي وأصْبِرُ؛ فَراجَعَها؛ فَآثَرَ الشابَّةَ؛ فَلَمْ تَصْبِرْ؛ فَقالَ: إنَّما هي واحِدَةٌ؛ فَإمّا أنْ تُقِرِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِنَ الأثَرَةِ؛ وَإلّا طَلَّقْتُكِ؛ فَقَرَّتْ؛ فَهَذا هو الصُلْحُ الَّذِي أنْزَلَ اللهُ فِيهِ: "وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ".

وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ الآيَةُ بِسَبَبِ أبِي السَنابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ؛ وامْرَأتِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "يَصّالَحا"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وشَدِّ الصادِ؛ وألِفٍ بَعْدَها؛ وأصْلُها: "يَتَصالَحا"؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ: "يُصْلِحا"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وسُكُونِ الصادِ؛ دُونَ ألِفٍ؛ وقَرَأ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: "يُصالِحا"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ مِنَ المُفاعَلَةِ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ؛ وعُثْمانُ البَتِّيُّ: "يَصَّلِحا"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وشَدِّ الصادِ؛ أصْلُها: "يَصْطَلِحا"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أبْدَلَ الطاءَ صادًا؛ ثُمَّ أدْغَمَ فِيها الصادَ الَّتِي هي فاءٌ؛ فَصارَتْ: "يَصَّلِحا" ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنِ اصّالَحا"؛ وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "صُلْحًا"؛ ﴾ لَيْسَ الصُلْحُ مَصْدَرًا عَلى واحِدٍ مِن هَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي قُرِئَ بِها؛ فالَّذِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا؛ كَـ "اَلْعَطاءُ"؛ مَعَ "أعْطَيْتُ"؛ و"اَلْكَرامَةُ"؛ مَعَ "أكْرَمْتُ"؛ فَمَن قَرَأ "يُصْلِحا"؛ كانَ تَعَدِّيهِ إلى الصُلْحِ كَتَعَدِّيهِ إلى الأسْماءِ؛ كَما تَقُولُ: "أصْلَحْتُ ثَوْبًا"؛ ومَن قَرَأ: "يَصّالَحا"؛ مِن "تَفاعَلَ"؛ وعُرِفَ "تَفاعَلَ" أنَّهُ لا يَتَعَدّى؛ فَوَجْهُهُ أنَّ "تَفاعَلَ" قَدْ جاءَ مُتَعَدِّيًا في نَحْوِ قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: ومِن جَرْدَةٍ غُفْلٍ بَساطٍ تَحاسَنَتْ ∗∗∗ بِها الوَشْيَ قَرّاتُ الرِياحِ وخُورُها ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصُلْحُ مَصْدَرًا حُذِفَتْ زَوائِدُهُ؛ كَما قالَ: ..............

∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ تَهْلِكْ فَذَلِكَ كانَ قَدْرِي أيْ: تَقْدِيرِي قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هَذا كَلامُ أبِي عَلِيٍّ ؛ عَلى أنَّ "اَلْقَدْرُ" مَصْدَرٌ جارٍ عَلى أنَّ "قَدَرْتُ الأمْرَ"؛ بِمَعْنى: "قَدَّرْتُ"؛ بِالتَشْدِيدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والصُلْحُ خَيْرٌ ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ؛ مُطْلَقٌ؛ يَقْتَضِي أنَّ الصُلْحَ الحَقِيقِيَّ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النُفُوسُ؛ ويَزُولُ بِهِ الخِلافُ؛ خَيْرٌ عَلى الإطْلاقِ؛ ويَنْدَرِجُ تَحْتَ هَذا العُمُومِ أنَّ صُلْحَ الزَوْجَيْنِ - عَلى ما ذَكَرْنا - خَيْرٌ مِنَ الفُرْقَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ ﴾ ؛ مَعْذِرَةٌ عن عَبِيدِهِ تَعالى ؛ أيْ: لا بُدَّ لِلْإنْسانِ بِحُكْمِ خِلْقَتِهِ وجِبِلَّتِهِ مِن أنْ يَشِحَّ عَلى إرادَتِهِ؛ حَتّى يَحْمِلَ صاحِبَهُ عَلى بَعْضِ ما يَكْرَهُ؛ وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ هَذِهِ اللَفْظَةَ هُنا؛ فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو شُحُّ المَرْأةِ بِالنَفَقَةِ مِن زَوْجِها وبِقَسْمِهِ لَها أيّامَها؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلشُّحُّ هُنا مِنهُ؛ ومِنها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أحْسَنُ؛ فَإنَّ الغالِبَ عَلى المَرْأةِ الشُحُّ بِنَصِيبِها مِن زَوْجِها؛ والغالِبَ عَلى الزَوْجِ الشُحُّ بِنَصِيبِهِ مِنَ الشابَّةِ".

و"اَلشُّحُّ": اَلضَّبْطُ عَلى المُعْتَقَداتِ؛ والإراداتِ؛ والهِمَمِ؛ والأمْوالِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَما أفْرَطَ مِنها فَفِيهِ بَعْضُ المَذَمَّةِ؛ وهو الَّذِي قالَ تَعالى فِيهِ: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ  ﴾ ؛ وما صارَ إلى حَيِّزِ مَنعِ الحُقُوقِ الشَرْعِيَّةِ؛ أوِ الَّتِي تَقْتَضِيها المُرُوءَةُ؛ فَهو البُخْلُ؛ وهي رَذِيلَةٌ؛ لَكِنَّها قَدْ تَكُونُ في المُؤْمِنِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: «قِيلَ يا رَسُولَ اللهِ؛ أيَكُونُ المُؤْمِنُ بَخِيلًا؟

قالَ: "نَعَمْ"؛» وأمّا الشُحُّ فَفي كُلِّ أحَدٍ؛ لَكِنْ لا يُفْرِطُ؛ إلّا عَلى الدِينِ؛ ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ الشُحَّ في كُلِّ أحَدٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ شُحَّ نَفْسِهِ  ﴾ ؛ فَقَدْ أثْبَتَ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ شُحًّا؛ وقَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ؛ شَحِيحٌ"؛» وهَذا لَمْ يُرِدْ بِهِ واحِدًا بِعَيْنِهِ؛ ولَيْسَ يَجْمُلُ أنْ يُقالَ هُنا: "أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ؛ بَخِيلٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُحْسِنُوا ﴾ ؛ نَدْبٌ إلى الإحْسانِ في تَحْسِينِ العِشْرَةِ؛ وحَمْلِ أخْلاقِ الزَوْجَةِ؛ والصَبْرِ عَلى ما يُكْرَهُ مِن حالِها؛ وتَمَكَّنَ النَدْبُ إلى الإحْسانِ؛ مِن حَيْثُ لِلزَّوْجِ أنْ يَشِحَّ فَلا يُحْسِنُ.

﴿ "وَتَتَّقُوا"؛ ﴾ مَعْناهُ: تَتَّقُوا اللهَ في وصِيَّتِهِ بِالنِساءِ؛ إذْ هُنَّ عَوانٍ عِنْدَ الأزْواجِ؛ حَسْبَما فَسَّرَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: « "اِسْتَوْصُوا بِالنِساءِ خَيْرًا فَإنَّهُنَّ عَوانٍ عِنْدَكُمْ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِساءِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مَعْناهُ: اَلْعَدْلُ التامُّ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ المُسْتَوِي في الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ والمَحَبَّةِ؛ والجِماعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ «وَكانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ؛ ثُمَّ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ هَذا فِعْلِي فِيما أمْلِكُ؛ فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ"؛» يَعْنِي مَيْلَهُ بِقَلْبِهِ؛ وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ قَلْبِي فَلا أمْلِكُهُ؛ وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَأرْجُو أنْ أعْدِلَ"؛ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ومَيْلِهِ بِقَلْبِهِ إلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ فَوَصَفَ اللهُ تَعالى حالَةَ البَشَرِ؛ وأنَّهم بِحُكْمِ الخِلْقَةِ لا يَمْلِكُونَ مَيْلَ قُلُوبِهِمْ إلى بَعْضِ الأزْواجِ؛ دُونَ بَعْضٍ؛ ونَشاطِهِمْ إلَيْهِنَّ وبِشْرِهِمْ مَعَهُنَّ؛ ثُمَّ نَهى عَنِ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ؛ وهو أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَقْصِدُهُ مِنَ التَفْضِيلِ؛ وهو يَقْدِرُ ألّا يَفْعَلُهُ؛ فَهَذا هو كُلُّ المَيْلِ؛ وإنْ كانَ في أمْرٍ حَقِيرٍ؛ فَكَأنَّ الكَلامَ: "وَلا تَمِيلُوا النَوْعَ الَّذِي هو كُلُّ المَيْلِ؛ وهو المَقْصُودُ مِن قَوْلٍ؛ أو فِعْلٍ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ ﴾ ؛ أيْ: لا هي أيِّمٌ؛ ولا ذاتُ زَوْجٍ؛ وهَذا تَشْبِيهٌ بِالشَيْءِ المُعَلَّقِ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لا عَلى الأرْضِ اسْتَقَرَّ؛ ولا عَلى ما عُلِّقَ مِنهُ انْحَمَلَ؛ وهَذا مُطَّرِدٌ في قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: "اِرْضَ مِنَ المَرْكَبِ بِالتَعْلِيقِ"؛ وفي عُرْفِ النَحْوِيِّينَ في تَعْلِيقِ الفِعْلِ؛ ومِنهُ في حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: قَوْلُ المَرْأةِ: « "زَوْجِي العَشَنَّقُ؛ إنْ أنْطِقْ أُطَلَّقْ؛ وإنْ أسْكُتْ أُعَلَّقْ".» وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَتَذَرُوها كالمَسْجُونَةِ"؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "فَتَذَرُوها كَأنَّها مُعَلَّقَةٌ".

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا ﴾ ؛ أيْ: وإنْ تَلْتَزِمُوا ما يُلْزِمُكم مِنَ العَدْلِ فِيما تَمْلِكُونَ؛ ﴿ فَإنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ ؛ لِما لا تَمْلِكُونَهُ؛ مُتَجاوِزًا عنهُ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: غَفُورًا لِما سَلَفَ مِنكم مِنَ المَيْلِ كُلَّ المَيْلِ؛ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَعَلى هَذا فَهي مَغْفِرَةٌ مُخَصَّصَةٌ لِقَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ؛ واقَعُوا المَحْظُورَ في مُدَّةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -.

وجاءَ في الَّتِي قَبْلُ: ﴿ "وَإنْ تُحْسِنُوا"؛ ﴾ وفي هَذِهِ: ﴿ "وَإنْ تُصْلِحُوا"؛ ﴾ لِأنَّ الأوَّلَ في مَندُوبٍ إلَيْهِ؛ وهَذِهِ في لازِمٍ؛ لِأنَّ الرَجُلَ لَهُ هُنالِكَ ألّا يُحْسِنَ؛ وأنْ يَشِحَّ ويُصالِحَ بِما يُرْضِيهِ؛ وفي هَذِهِ لَيْسَ لَهُ أنْ يُصْلِحَ؛ بَلْ يَلْزَمُهُ العَدْلُ فِيما يَمْلِكُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف لبقية إفتاء الله تعالى.

وهذا حكم اختلال المعاشرة بين الزوجين، وقد تقدّم بعضه في قوله: ﴿ واللاتي تخافون نشوزهنّ ﴾ [النساء: 34] الآية، في هذه السورة، فذلك حكم فصْل القضاء بينهما، وما هنا حكم الانفصال بالصلح بينهما، وذلك ذكر فيه نشوز المرأة، وهنا ذكر نشوز البعْل.

والبعل زوج المرأة.

وقد تقدّم وجه إطلاق هذا الاسم عليه في قوله ﴿ وبعولتهنّ أحقّ بردهنّ في ذلك ﴾ في سورة البقرة (228).

وصيغة ﴿ فلا جناح ﴾ من صيغ الإباحة ظاهراً، فدلّ ذلك على الإذن للزوجين في صلح يقع بينهما.

وقد علم أنّ الإباحة لا تذكر إلاّ حيث يظنّ المنع، فالمقصود الإذن في صلح يكون بخلع: أي عوَض مالي تعطيه المرأة، أو تنازل عن بعض حقوقها، فيكون مفاد هذه الآية أعمّ من مفاد قوله تعالى: ﴿ ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهن شيئاً إلاّ أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ [البقرة: 229]، فسمّاه هناك افتداء، وسمّاه هنا صلحاً.

وقد شاع في الاستعمال إطلاق الصلح على التراضي بين الخصمين على إسقاط بعض الحقّ، وهو الأظهر هنا.

واصطلح الفقهاء من المالكية: على إطّلاق الافتداء على اختلاع المرأة من زوجها بمال تعطيه، وإطلاق الخلع على الاختلاع بإسقاطها عنه بقية الصداق، أو النفقة لها، أو لأولادها.

ويحتمل أن تكون صيغة ﴿ لا جناح ﴾ مستعملة في التحريض على الصلح، أي إصلاح أمرهما بالصلح وحسن المعاشرة، فنفي الجناح من الاستعارة التمليحية؛ شبّه حال من ترك الصلح واستمرّ على النشوز والإعراض بحال من ترك الصلح عن عمد لظنّه أنّ في الصلح جناحاً.

فالمراد الصلح بمعنى إصلاح ذات البين، والأشهر فيه أن يقال الإصلاح.

والمقصود الأمر بأسباب الصلح، وهي: الإغضاء عن الهفوات، ومقابلة الغلظة باللين، وهذا أنسب وأليق بما يرد بعده من قوله: ﴿ وإن يتفرّقا يغن الله كلاّ من سعته ﴾ .

وللنشوز والإعراض أحوال كثيرة: تقوى وتضعف، وتختلف عواقبها،.

باختلاف أحوال الأنفس، ويجمعها قوله: ﴿ خافت من بِعَلها نشوزاً أو إعراضاً ﴾ .

وللصلح أحوال كثيرة: منها المخالعة، فيدخل في ذلك ما ورد من الآثار الدالّة على حوادث من هذا القبيل.

ففي «صحيح البخاري»، عن عائشة، قالت في قوله تعالى: ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً ﴾ قالت: الرجل يكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول له أجعلك من شأني في حلّ.

فنزلت هذه الآية.

وروى الترمذي، بسند حسن عن ابن عباس، أنّ سودة أمّ المؤمنين وهبت يومها لعائشة، وفي أسباب النزول للواحدي: أنّ ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمراً، أيّ كِبَراً فأراد طلاقها، فقالت له: أمسكني واقْسِم لي ما بدَا لك.

فنزلت الآية في ذلك.

وقرأ الجمهور: ﴿ أن يصّالحا ﴾ بتشديد الصاد وفتح اللام وأصله يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: «إن يُصْلِحَا» بضمّ التحتيّة وتخفيف الصاد وكسر اللام أي يُصلح كلّ واحد منهما شأَنهما بما يبدو من وجوه المصالحة.

والتعريف في قوله: ﴿ والصلح خير ﴾ تعريف الجنس وليس تعريف العهد، لأنّ المقصود إثبات أنّ ماهية الصلح خير للناس، فهو تذييل للأمر بالصلح والترغيب فيه، وليس المقصود أنّ الصلح المذكورَ آنفاً، وهو الخلع، خير من النزاع بين الزوجين، لأنّ هذا، وإنّ صحّ معناه، ألاّ أنّ فائدة الوجه الأوّل أوفر، ولأنّ فيه التفادي عن إشكال تفضيل الصلح على النزاع في الخيرية مع أنّ النزاع لا خير فيه أصلاً.

ومن جعل الصلح الثاني عين الأوّل غرّته القاعدة المتداولة عند بعض النحاة، وهي: أنّ لفظ النكرة إذا أعيد معرّفاً باللام فهو عين الأولى.

وهذه القاعدة ذكرها ابن هشام الأنصاري في «مغني اللبيب» في الباب السادس، فقال: يقولون: «النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، وإذا أعيدت معرفة، أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كانت الثانية عين الأولى»، ثم ذكر أنّ في القرآن آيات تَرُدّ هذه الأحكام الأربعة كقوله تعالى: ﴿ الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوةً ثم جعل من بعد قوة ضعفاً ﴾ [الروم: 54] وقوله: ﴿ أن يصّالحا بينهما صلحاً والصلح خير ﴾ [النساء: 128] ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ [النحل: 88] والشيء لا يكون فوق نفسه ﴿ أن النَّفْس بالنفس ﴾ [المائدة: 45] ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تُنَزّل عليهم كتاباً من السماء ﴾ [النساء: 153]، وأنّ في كلام العرب ما يردّ ذلك أيضاً.

والحقّ أنّه لا يختلف في ذلك إذا قامت قرينة على أنّ الكلام لتعريف الجنس لا لتعريف العهد، كما هنا.

وقد تقدّم القول في إعادة المعرفة نكرة عند قوله تعالى: ﴿ وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ﴾ في سورة البقرة (193).

ويأتي عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه ﴾ في سورة الأنعام (37).

وقوله ﴿ خير ﴾ ليس هو تفضيلاً ولكنّه صفة مشبّهة، وزنه فَعْل، كقولهم: سَمْح وسَهْل، ويجمع على خيور.

أو هو مصدر مقابل الشرّ، فتكون إخباراً بالمصدر.

وأمّا المراد به التفضيل فأصل وزنه أفْعَل، فخفّف بطرح الهمزة ثم قلب حركته وسكونه.

جمعه أخيار، أي والصلح في ذاته خير عظيم.

والحمل على كونه تفضيلاً يستدعي أن يكون المفضّل عليه هو النشوز والإعراض.، وليس فيه كبير معنى.

وقد دلّت الآية على شدّة الترغيب في هذا الصلح بمؤكّدات ثلاثة: وهي المصدر المؤكّد في قوله: ﴿ صلحاً ﴾ ، والإظهارُ في مقام الإضمار في قوله: ﴿ والصلح خير ﴾ ، والإخبار عنه بالمصدر أو بالصفة المشبهة فإنّها تدلّ على فعللِ سَجية.

ومعنى ﴿ وأحضرت الأنفس الشحّ ﴾ ملازمة الشحّ للنفوس البشرية حتّى كأنّه حاضر لديها.

ولكونه من أفعال الجبلّة بُني فعله للمجهول على طريقة العرب في بناء كلّ فعل غير معلوممِ الفاعل للمجهول، كقولهم: شُغف بفلانة، واضطُرّ إلى كذا.

ف«الشحّ» منصوب على أنّه مفعول ثان ل«أحضرِت» لأنّه من باب أعطَى.

وأصل الشحّ في كلام العرب البخل بالمال، وفي الحديث " أنْ تَصْدّقَ وأنت صحيح شحيح تخشَى الفقر وتأمل الغنى " وقال تعالى: ﴿ ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ [الحشر: 9] ويطلق على حرص النفس على الحقوق وقلّة التسامح فيها، ومنه المشاحّة، وعكسه السماحة في الأمرين.

فيجوز أن يكون المراد بالصلح في هذه الآية صلح المال، وهو الفدية.

فالشحّ هو شحّ المال، وتعقيب قوله: ﴿ والصلح خير ﴾ بقوله: ﴿ وأحضرت الأنفس ﴾ على هذا الوجه بمنزلة قولهم بعد الأمر بما فيه مصلحة في موعظة أو نحوها: وما إخالك تفعل، لقصد التحريض.

ويجوز أن يكون المراد من الشحّ ما جبلت عليه النفوس: من المشاحّة، وعدم التساهل، وصعوبة الشكائم، فيكون المراد من الصلح صلح المال وغيره، فالمقصود من تعقيبه به تحذير الناس من أن يكونوا متلبّسين بهذه المشاحّة الحائلة دون المصالحة.

وتقدّم الكلام على البخل عند قوله تعالى: ﴿ ولا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله ﴾ في سورة آل عمران (180).

وقد اشتهر عند العرب ذمّ الشحّ بالمال، وذمّ من لا سماحة فيه، فكان هذا التعقيب تنفيراً من العوارض المانعة من السماحة والصلح، ولذلك ذيّل بقوله: ﴿ وإن تحسنوا وتتّقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ لما فيه من الترغيب في الإحسان والتقوى.

ثم عذر الناس في شأن النساء فقال: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ أي تمامَ العدل.

وجاء ب (لن) للمبالغة في النفي، لأنّ أمر النساء يغالب النفس، لأنّ الله جعل حُسن المرأة وخُلقها مؤثّراً أشدّ التأثير، فربّ امرأة لبيبة خفيفة الروح، وأخرى ثقيلة حمقاء، فتفاوتهنّ في ذلك وخلوّ بعضهنّ منه يؤثّر لا محالة تفاوتاً في محبّة الزوج بعض أزواجه، ولو كان حريصاً على إظهار العدل بينهنّ، فلذلك قال ﴿ ولو حرصتم ﴾ ، وأقام الله ميزان العدل بقوله: ﴿ فلا تميلوا كلّ الميل ﴾ ، أي لا يُفْرط أحدكم بإظهار الميل إلى أحداهنّ أشدّ الميل حتّى يسوء الأخرى بحيث تصير الأخرى كالمعلّقة.

فظهر أنّ متعلّق ﴿ تميلوا ﴾ مقدّر بإحداهنّ، وأنّ ضمير ﴿ تذروها ﴾ المنصوب عائد إلى غير المتعلّق المحذوف بالقرينة، وهو إيجاز بديع.

والمعلّقة: هي المرأة التي يهجرها زوجها هجراً طويلاً، فلا هي مطلّقة ولا هي زوجة، وفي حديث أمّ زرع «زوجي العَشَنَّق إنْ أنطِقْ أطَلَّقْ وإن أسكُتْ أعَلَّقْ»، وقالت ابنة الحُمَارس: إنّ هي إلاّ حِظَةٌ أو تَطليق *** أو صلَف أو بينَ ذاك تَعْليق وقد دلّ قوله: ﴿ ولن تستطيعوا إلى قوله: فلا تميلوا كلّ الميل ﴾ على أنّ المحبّة أمر قهري، وأنّ للتعلّق بالمرأة أسباباً توجبه قد لا تتوفّر في بعض النساء، فلا يُكلّف الزوج بما ليس في وسعه من الحبّ والاستحسان، ولكنّ من الحبّ حظّاً هو اختياري، وهو أن يَرُوض الزوج نفسه على الإحسان لامرأته، وتحمُّل ما لا يلائمه من خلقها أو أخلاقها ما استطاع، وحسن المعاشرة لها، حتّى يحصّل من الألف بها والحنوّ عليها اختياراً بطول التكرّر والتعوّد.

ما يقوم مقام الميل الطبيعي.

فذلك من الميل إليها الموصى به في قوله: ﴿ فلا تميلوا كلّ الميل ﴾ ، أي إلى إحداهنّ أو عن إحداهنّ.

ثم وسّع الله عليهما إن لم تنجح المصالحة بينهما فأذن لهما في الفراق بقوله: ﴿ وإن يتفرّقا يغن الله كلاًّ من سعته ﴾ .

وفي قوله: ﴿ يغن الله كلاَ من سعته ﴾ إشارة إلى أنّ الفراق قد يكون خيراً لهما لأنّ الفراق خير من سوء المعاشرة.

ومعنى إغناء الله كلاًّ: إغناؤه عن الآخر.

وفي الآية إشارة إلى أنّ إغناء الله كلاّ إنّما يكون عن الفراق المسبوق بالسعي في الصلح.

وقوله: ﴿ وكان الله واسعاً حكيماً ﴾ تذييل وتنهية للكلام في حكم النساء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا ﴾ الآيَةَ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ هَمَّ بِطَلاقِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فَجَعَلَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ عَلى ألّا يُطَلِّقَها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيها.

وَهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ امْرَأةٍ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا.

والنُّشُوزُ: التَّرَفُّعُ عَنْها لِبُغْضِها، والإعْراضُ: أنْ يَنْصَرِفَ عَنِ المَيْلِ إلَيْها لِمُؤاخَذَةٍ أوْ أثَرَةٍ.

﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا ﴾ إمّا مِن تَرْكِ مَهْرٍ أوْ إسْقاطِ قَسْمٍ.

﴿ والصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي خَيْرًا مِنَ النُّشُوزِ والإعْراضِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: خَيْرٌ مِنَ الفُرْقَةِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنْفُسُ النِّساءِ أُحْضِرَتِ الشُّحَّ عَنْ حُقُوقِهِنَّ مِن أزْواجِهِنَّ وأمْوالِهِنَّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أُحْضِرَتْ نَفْسُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ الشُّحَّ بِحَقِّهِ قَبْلَ صاحِبِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ﴾ يَعْنِي بِقُلُوبِكم ومَحَبَّتِكم.

﴿ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ولَوْ حَرَصْتُمْ أنْ تَعْدِلُوا في المَحَبَّةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: ولَوْ حَرَصْتُمْ في الجِماعِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ ﴾ أيْ فَلا تَمِيلُوا بِأفْعالِكم فَتُتْبِعُوها أهْواءَكم.

﴿ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ ﴾ يَعْنِي لا أيِّمًا ولا ذاتَ زَوْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ ﴾ يَعْنِي الزَّوْجَيْنِ إنْ تَفَرَّقا بِالطَّلاقِ.

﴿ يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُغْنِي اللَّهُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالقَناعَةِ والصَّبْرِ عَنْ صاحِبِهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن سَعَتِهِ ﴾ أيْ مِن رَحْمَتِهِ، لِأنَّهُ واسِعُ الرَّحْمَةِ.

والثّانِي: يُغْنِي اللَّهُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ بِمَن هو خَيْرٌ مِنهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن سَعَتِهِ ﴾ أيْ مِن قُدْرَتِهِ لِأنَّهُ واسِعُ القُدْرَةِ.

والثّالِثُ: يُغْنِي اللَّهُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِمالٍ يَكُونُ أنْفَعَ لَهُ مِن صاحِبِهِ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن سَعَتِهِ ﴾ أيْ مِن غِناهُ لِأنَّهُ واسِعُ الغِنى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطيالسي والترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: «خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة، ففعل ونزلت هذه الآية ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا...

﴾ الآية.

قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز» .

وأخرج ابن سعد وأبو داود والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان يطوف علينا يومياً من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله يومي هو لعائشة.

فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة: فأنزل الله في ذلك ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن المنذر عن عائشة ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً...

﴾ الآية.

قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس مستكثراً منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل.

فنزلت هذه الآية.

وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية ﴿ والصلح خير ﴾ في رجل كانت تحته امرأة قد طالت صحبتها وولدت منه أولاداً، فأراد أن يستبدل بها، فراضته على أن يقيم عندها ولا يقيم لها.

وأخرج مالك وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن رافع بن خديج.

أنه كانت تحته امرأة قد خلا من سنها، فتزوج عليها شابة فآثرها عليها، فأبت الأولى أن تقر، فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك؟

قالت: بل راجعني.

فراجعا فلم تصبر على الأثرة، فطلقها أخرى وآثر عليها الشابة، فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً...

﴾ الآية.

وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن سعيد ابن المسيب.

أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمراً، إما كبراً أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني.

واقسم لي ما بدا لك، فاصطلحا على صلح، فجرت السنة بذلك، ونزل القرآن ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عمر.

أن رجلاً سأله عن آية؟

فكره ذلك وضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً ﴾ فقال: عن مثل هذا فسلوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، فيتزوج المرأة الثانية يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن علي بن أبي طالب.

أنه سئل عن هذه الآية فقال: هو الرجل عنده امرأتان، فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراقها، فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها، فما طابت به نفسها فلا بأس به، فإن رجعت سوَّى بينهما.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر، فيريد أن يتزوج عليها، فيتصالحان بينهما صلحاً على أن لها يوماً ولهذه يومان أو ثلاثة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: تلك المرأة تكون عند الرجل لا يرى منها كثيراً مما يحب، وله امرأة غيرها أحب إليه منها فيؤثرها عليها، فأمر الله إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك، فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخبرها فلا جناح عليه، وهو قوله: ﴿ والصلح خير ﴾ يعني أن تخيير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فينكح عليها المرأة الشابة، ويكره أن يفارق أم ولده فيصالحها على عطية من ماله ونفسه، فيطيب له ذلك الصلح.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: نزلت في أبي السنابل بن بعكك.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سودة بنت زمعة.

وأخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» .

وأخرج الحاكم عن كثير بن عبدالله بن عوف عن أبيه عن جده: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الصلح حائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالاً أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ قال: تشح عند الصلح على نصيبها من زوجها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ قال: هواه في الشيء يحرص عليه.

وفي قوله: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ قال: في الحب والجماع.

وفي قوله: ﴿ فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ﴾ قال: لا هي أيِّم ولا هي ذات زوج.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة قال: نزلت هذه الآية ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ في عائشة، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها أكثر من غيرها.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: كانوا يستحبون أن يسوّوا بين الضرائر حتى في الطيب، يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن جابر بن زيد قال: كانت لي امرأتان، فلقد كنت أعدل بينهما حتى أعد القبل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين.

في الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: إن كانوا ليسوّون بين الضرائر حتى تبقى الفضلة مما لا يكال من السويق والطعام، فيقسمونه كفاً كفاً إذا كان مما لا يستطاع كيله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ قال: في الجماع.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عبيدة في قوله: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ قال في الحب ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ قال: في الغشيان ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ لا أيِّم ولا ذات زوج.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ قال: يعني في الحب ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ قال: لا تتعمدوا الإساءة.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية يقول: لا تمل عليها، فلا تنفق عليها، ولا تقسم لها يوماً.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية يقول: إن أحببت واحدة وأبغضت واحدة فاعدل بينهما.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ قال: لا مطلقة ولا ذات بعل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ كالمعلقة ﴾ قال: كالمسجونة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن يتفرقا ﴾ قال: الطلاق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان الله غنياً ﴾ قال: غنياً عن خلقه ﴿ حميداً ﴾ قال: مستحمداً إليهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ قال: حفيظاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ﴾ قال: قادر والله ربنا على ذلك أن يهلك من خلقه ما شاء ويأت بآخرين من بعدهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: أي علمت (١) وقال الزجاج: خافت (٢) (٣) ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ  ﴾ .

وأما البعل فقال الليث: البعل: الزوج، يقال: بعل يبعل بعولة، فهو باعل (٤) (٥) قال الأزهري: وهذا من أغاليط الليث، إنما سُمي زوج المرأة بعلًا لأنه سيدها ومالكها، وليس من باب الاستعلاج في شيء (٦) وروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية (٧) (٨) ويقال للرجل: هو بعل المرأة، وللمرأة: بعله، وبعلته.

ويجمع البعل: بعولة (٩) وقوله تعالى: ﴿ نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ﴾ يقال: نشزت المرأة، تنشُزُ وتنشِزُ نشوزًا، إذا استعصت على زوجها، وأصله من قولهم: نشز الشيء، إذا ارتفع، وقد مر (١٠) قال أبو إسحاق: النشوز يكون من الزوجين، وهو كراهة كل واحد منهما صاحبه، واشتقاقه من النشز وهو ما ارتفع من الأرض (١١) قال المفسرون: ﴿ نُشُوزًا ﴾ ترفعًا لبغضها ﴿ أَوْ إِعْرَاضًا ﴾ عنها لموجدة وأثرة (١٢) قال الكلبي: يعني ترك مجامعتها، وإِعْرَاضًا بوجهه عنها (١٣) وقال مقاتل: ﴿ نُشُوزًا ﴾ عصيانًا - يعني: الأثرة، وهو قول ابن عباس ﴿ أَوْ إِعْرَاضًا ﴾ عنها لما به من الميل إلى أخرى (١٤) وقال الزجاج: النشوز من بعل المرأة أن يسيء عشرتها، وأن يمنعها نفسه ونفقته (١٥) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ﴾ .

جعل الله عز وجل الصلح (جائزًا) (١٦) قال جميع المفسرين: هذا الصلح في القسمة والنفقة، وهو أن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة، أو قد دخلت في السن وأريد أن أتزوج عليك شابة جميلة، وأوثرها عليك في القسمة بالليل والنهار، فإن رضيت بهذا فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك.

فإن رضيت بذلك (كانت الواجب) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) روى خالد بن عرعرة (٢١) ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا ﴾ الآية.

قال: "تكون المرأة عند الرجل، فتنبو عينه عنها من دمامه أو كبر، فتفتدي منه بكره فرقته، فإن أعطته من مالها فهو له حل، وإن أعطته من أيامها فهو له حل" (٢٢) واختلف القراء في قوله: (يَصّالَحَا) فقرئ: (يُصْلِحَا) (٢٣) (٢٤) وفي حرف عبد الله: (فلا جناح عليهما أن أصَّالَحا) (٢٥) وانتصب (صلحًا) في هذه القراءة على المصدر، ولكنه بحذف الزوائد كما قال: وإن يَهلِكْ فذلكَ كان قَدْري (٢٦) أي: تقديري.

وقد يوضع الاسم موضع المصدر، كقول القطامي: وبعد عطائِكَ المائة الرِّتاعا (٢٧) قال أبو حاتم (٢٨) ﴿ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا  ﴾ ، ﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا  ﴾ ، مما يخالف المصدر المصدر (٢٩) "ومن قرأ: ﴿ يُصْلِحَا ﴾ فإن الإصلاح عند التنازع والتشاجر أيضًا قد استعمل، كما استعمل: تصالحا، قال الله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} [البقرة: 182]، وقال: ﴿ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ  ﴾ .

والصلح على هذه القراءة اسم تعدى الفعل إليه كتعدِّيه إلى الأسماء.

فقوله: (يُصلحا صلحًا) كقولك: "أصلحت ثوبًا" (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ .

قال ابن عباس: "يريد أعظم لثوابه وثوابها" (٣١) وقال الكلبي: والصلح خير من النشوز والإعراض والإقامة عليهما (٣٢) وقال الزجاج: الصلح خير من الفرقة (٣٣) قال أهل المعاني: يقول: إن يصالحا على شيء خير من أن يتفرقا، أو يُقيما على النشوز والإعراض (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ .

الشح: البُخل، والشحيح: البخيل، وجمعه: أشحة (٣٥) قال الفراء: يقال: شح يشِحُّ، بكسر الشين.

قال: وكذلك كل فعيل من النعوت إذا كان مضاعفًا، مثل: خفيف وذفيف (٣٦) (٣٧) قال ابن عباس: "يريد والغالب على نفس المرأة الشح على نصيبها من زوجها ومالها" (٣٨) (٣٩) وقال الفراء: ضن الرجل بنصيبه ميت الشابة، وضنت الكبيرة بنصيبها منه (٤٠) وهو قول جماعة من المفسرين، قالوا: شحت المرأة بنصيبها من زوجها، وشح الرجل بنصيبه من الأخرى (٤١) وقال الحسن وابن سيرين: أُحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة والشح (٤٢) (٤٣) (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد حسن المعاشرة والصحبة، وتتقوا الله فإنها أمانة (٤٥) وقال الكلبي: "يعني تُصلحوا وتتقوا الجوز والميل" (٤٦) (١) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99، و"تفسير مقاتل" 1/ 412.

(٢) في "معاني الزجاج": "إن خافت".

(٣) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 116.

(٤) في "العين" 2/ 149: "فهو بعل" وهذا اللفظ عند المؤلف من "تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل).

(٥) "العين" 2/ 149، وفيه: "مستبعل" بدل "مستعلج" وما ذكره المؤلف من "التهذيب"، و"مستعلج" غير واضح المعنى، فقد يكون ما في العين هو الصواب، لا غير.

(٦) "تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل).

ولم يرد في "العين" الاستعلاج كما تقدم، وإنما ورد الاستبعال، فليتنبه.

(٧) يحتمل أن هذا الكلام من ابن عباس أو من المصنف والثاني أقرب.

(٨) لم أقف عليه عن ابن عباس، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل).

(٩) نظر: "الصحاح" 4/ 1635 (بعل).

(١٠) انظر فيما سبق عند تفسير الآية 34 (١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 47، وقد ذكر الزجاج ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ  ﴾ .

(١٢) انظر: الطبري 5/ 305، و"بحر العلوم" 1/ 392، و"الكشف والبيان" 4/ 127 ب، و"النكت والعيون" 1/ 533.

(١٣) "الكشف والبيان" 4/ 127 ب، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.

(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 412، ولم أقف عليه عن ابن عباس.

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 115.

(١٦) في المخطوط: جائز (بدون نصب).

(١٧) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "كان الواجب"، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 127 ب.

(١٨) ما بين المعقوفين في المخطوط: "الخسف"، والتصويب من "الكشف والبيان" 4/ 127 ب.

(١٩) هكذا في المخطوط، والأولى: "ولا يجبر"، انظر: "الكشف والبيان" 4/ 127 ب.

(٢٠) من "الكشف والبيان" 4/ 127 ب بتصرف يسير، وانظر: "تفسير ابن عباس" ص 160، والطبري 5/ 306، و"معاني الزجاج" 2/ 116، و"بحر العلوم" 1/ 293، و"النكت والعيون" 1/ 533.

(٢١) هو خالد بن عرعرة التيمي، سمع عليًّا وروى عنه سماك بن حرب والقاسم بن عوف الشيباني.

انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري 3/ 163، و"الجرح والتعديل" 3/ 343.

(٢٢) أخرجه بنحوه من طرق الطبري 5/ 306، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 411.

(٢٣) قراءة: "يصّالَحا" بتشديد الصاد المفتوحة بعدها مد لابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبي يعقوب، وقرأ الباقون "يُصْلحا" بضم الياء وسكون الصاد.

انظر: "السبعة" ص 238، و"الحجة" 3/ 183، و"المبسوط" ص 158.

(٢٤) انظر: الطبري 5/ 310، و"الحجة" 3/ 183.

(٢٥) "الحجة" 3/ 183، وانظر: "البحر المحيط" 3/ 363.

(٢٦) عجز بيت ليزيد بن سنان، وصدره: فإن يبرأ فلم أنفث عليه "الحجة" 2/ 129، و"حاشيته" 3/ 184.

(٢٧) عجز بيت للقطامي، وصدره: أكفرًا بعد رد الموت عني والمئة الرتاع من الإبل.

"الحجة" 1/ 182، 3/ 184، و"الخصائص" 1/ 221.

(٢٨) هو سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم النحوي السجستاني، تقدمت ترجمته.

(٢٩) لم أقف على قول أبي حاتم، وقد أشار إليه مكي في "الكشف" 1/ 399.

(٣٠) "الحجة" 3/ 183، 184، وانظر: "الكشف" 1/ 399.

(٣١) لم أقف عيه.

(٣٢) لم أقف عيه.

(٣٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 116.

(٣٤) انظر: "النكت والعيون" 1/ 533، و"زاد المسير" 2/ 218.

(٣٥) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1835 (شح).

(٣٦) ذفيف بمعنى: خفيف سريع.

انظر: "اللسان" 3/ 1505 (ذفف).

(٣٧) في "تهذيب اللغة" 2/ 1836 (شح).

(٣٨) أخرجه بنحو الطبري 5/ 310، وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 412.

(٣٩) أخرجه عنه من طرق الطبري 5/ 311، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 533.

(٤٠) "معاني القرآن" 1/ 291.

(٤١) من "الكشف والبيان" 4/ 128 ب، وانظر: الطبري 5/ 311 - 312، و"بحر العلوم" 1/ 393، و"النكت والعيون" 1/ 533، و"زاد المسير" 2/ 219.

(٤٢) هكذا في المخطوط، ولعل الواو زائدة من الناسخ.

(٤٣) ذكره عن الحسن الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 533، ولم أقف عليه عن ابن سيرين.

(٤٤) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 116.

(٤٥) لم أقف عليه.

(٤٦) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنِ امرأة خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا ﴾ معنى الآية إباحَة الصلح بين الزوجين، إذا خافت النشوز أو الإعراض، وكما يجوز الصلح مع الخوف كذلك يجوز بعد وقوع النشوز أو الإعراض وقد تقدّم معنى النشوز، وأما الإعراض فهو أخف، ووجوه الصلح كثيرة منها أن يعطيها الزوج شيئاً أو تعطيه هي أو تسقط حقها من النفقة أو الاستمتاع أو غير ذلك، وسبب الآية أن يودة بنت زمعة لما كبرت خافت أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له: أمسكني في نسائك ولا تقسم لي وقد وهبت يومي لعائشة ﴿ والصلح خَيْرٌ ﴾ لفظ عام يدخل فيه صلح الزوجين وغيرهما، وقيل: معناه صلح الزوجين خير من فراقهما فخير على هذا للتفضيل، واللام في الصلح للعهد ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح ﴾ معناه أن الشح جعل حاضراً مع النفوس لا يغيب عنها؛ لأنها جبلت عليه.

والشح هو أن لا يسمح الإنسان لغيره بشيء من حظوظ نفسه، وشح المرأة من هذا هو طلبها لحقها من النفقة والاستمتاع، وشح الزوج هو منع الصداق والتضييق في النفقة وزهده في المرأة لكبر سنها أو قبح صورتها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يصلحا ﴾ من الإصلاح: عاصم وعلي وحمزة وخلف.

الباقون.

﴿ يصالحا ﴾ من التصالح وإدعام التاء في الصاد ﴿ إن يشأ ﴾ حيث كان بغير همز: الأعشى وأوقيه وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.

﴿ وإن تلوا ﴾ بواو واحدة: ابن عامر وحمزة.

الباقون بالواوين ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ كلاهما على ما لم يسم فاعله من التنزيل والإنزال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والباقون: ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ مبنيين للفاعل من التنزيل والإنزال أيضاً.

﴿ وقد نزل ﴾ مشدداً مبنياً للفاعل: عاصم ويعقوب.

الباقون مبنياً للمفعول.

الوقوف: ﴿ في النساء ﴾ ط ﴿ فيهن ﴾ لا للعطف أي الله والمتلو يفتيكم ﴿ الولدان ﴾ لا للعطف أيضاً أي في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ صلحاً ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ الشح ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ كالمعلقة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سعته ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ أن اتقوا الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ حميداً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ بآخرين ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ والأقربين ﴾ ج لابتداء الشرط مع اتفاق المعنى ﴿ أن تعدلوا ﴾ ج لذلك ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أليماً ﴾ ه لا لأن "الذين" صفة المنافقين وإن كان يحتمل النصب والرفع على الذم ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج لأن ما بعده كالتعليل.

/ ﴿ مثلهم ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة المنافقين.

﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع أنه بيان التربص ﴿ معكم ﴾ ز لترجيح جانب العطف وإتمام بيان النفاق.

﴿ نصيب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب: "إن" ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.

التفسير: أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق والبعث على قبول التكاليف هو ما عليه القرآن الكريم من اقتران الوعد بالوعيد وخلط الترغيب بالترهيب وضم الآيات الدالة على العظمة والكبرياء إلى بيان الأحكام.

والاستفتاء طلب الفتوى.

يقال: استفتيت الرجل فأفتاني إفتاء وفتيا وفتوى وهما اسمان يوضعان موضع الإفتاء وهو إظهار المشكل من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل كأنه قوي بيانه ما أشكل فشب وصار فتياً قوياً.

والاستفتاء لا يقع في ذوات النساء وإنما يقع في حالة من أحوالهن فلذلك اختلفوا؛ فعن بعضهم أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما مر في أول السورة فنزلت في توريثهم.

وقيل: إنه في الأوصياء.

وقيل: في توفية الصداق لهن كانت اليتيمة تكون عند الرجل فإن كانت جميلة ومال إليها تزوج بها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها.

أما قوله: ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ ففيه وجوه: أحدها أنه رفع بالابتداء معطوفاً على اسم الله أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب يفتيكم أيضاً.

ويجوز أن يكون رفعاً على الفاعلية لكونه عطفاً على المستتر في يفتيكم، وجاز بلا تأكيد للفصل أي يفتيكم الله والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى كقولك: أعجبني زيد وكرمه.

وذلك المتلو هو قوله: ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى  ﴾ كما سلف في أول السورة جعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب.

وثانيها ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ مبتدأ و ﴿ في الكتاب ﴾ خبره وهي جملة معترضة ويكون المراد من الكتاب اللوح المحفوظ.

والغرض تعظيم حال هذه الآية وأن المخل بها وبمقتضاها من رعاية حقوق اليتامى ظالم متهاون بما عظمه الله، ونظيره في تعظيم القرآن قوله: ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم  ﴾ وثالثها أنه مجرور على القسم لمعنى التعظيم أيضاً كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن وحق المتلو.

ورابعها أن يكون مجروراً على أنه معطوف على المجرور في ﴿ فيهن ﴾ قال الزجاج: إنه ليس بسديد لفظاً لعدم إعادة الخافض، ومعنى لأنه لا معنى لقوله القائل: يفتي الله فيما يتلى عليكم من الكتاب، لأن الإفتاء إنما يكون في المسائل.

وقوله: ﴿ في يتامى النساء ﴾ على الوجه الأول صلة ﴿ يتلى ﴾ أي يتلى عليكم في معناهن أو بدل من ﴿ فيهن ﴾ وعلى سائر الوجوه بدل من ﴿ فيهن ﴾ لا غير.

والإضافة في ﴿ يتامى النساء ﴾ قال الكوفيون: إنها إضافة الصفة إلى الموصوف وأصله في النساء اليتامى.

وقال البصريون: إنها / على تأويل جرد قطيفة وسحق عمامة.

وجوز بعضهم أن يكون المراد بالنساء أمهات اليتامى كما في قصة أم كجة.

ومعنى ﴿ لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث بناء على أنها نزلت في ميراث اليتامى والصغار.

وقال غيره: يعني ما كتب لهن من الصداق.

﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الشهوة والنفرة أي ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، أو ترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن احتج أصحاب أبي حنيفة بالآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة.

ورد باحتمال أن يكون المراد وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، ولأن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر فخطبها المغيرة بن شعبة ورغبت أمها في المال، فجاؤا إلى رسول الله  فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها.

فقال النبي  : "إنها صغيرة وأنها لا تزوج إلا بإذنها وفرق بينها وبين ابن عمر" .

ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ نزلت في ميراث الصغار.

والخطاب في ﴿ أن تقوموا ﴾ للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم.

قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وأن تقوموا ﴾ منصوباً أي ويأمركم أن تقوموا.

ومن جملة ما أخبر الله  أنه يفتيهم به في النساء لكن لم يتقدم ذكره.

قوله ﴿ وإن امرأة خافت ﴾ ارتفاع ﴿ امرأة ﴾ بفعل يفسره خافت أي علمت.

وقيل: ظنت والظاهر أنه على معناه الأصلي إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور العلامات الدالة على وقوع المخوف كأن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو مسنة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة، والبعل الزوج، والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل منهما صاحبه ويتبع نشوز الرجل أن يعرض عنها ويقبح وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها.

عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول: أمسكني وتزوج بغيري وأنت في حل من النفقة والقسم كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله  وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها.

ومعنى الصلح وهو مصدر من غير لفظ الفعل مثل ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ﴿ أن يصالحا ﴾ على أن تطيب المرأة له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو عن المهر والنفقة فإن هذه الأمور هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى.

أما الوطء فليس كذلك لأن الزوج لا يجبر على الوطء ﴿ والصلح خير ﴾ من الفرقة أو من النشوز والإعراض فاللام للعهد، أو هو خير من الخصومة في كل شيء فاللام للاستغراق وبه تمسك أصحاب أبي حنيفة في جواز الصلح على الإنكار، أو الصلح خير من الخيرات كما أن الخصومة شر من الشرور, والجملة معترضة، وكذا قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب محصل للمقصود.

والشح البخل مع / حرص، وأرض شحاح لا تسيل إلا من مطر كثير.

جعل الشح كالأمر الحاضر للنفوس لأنها جلبت على ذلك.

ثم يحتمل أن يكون هذا تعريضاً بالمرأة أنها تشح ببذل نصيبها أو حقها، أو بالزوج أنه يشح بأنه ينقضي عمره معها مع دمامتها وكبر سنها وعدم الالتذاذ بصحبتها.

واعلم أنه رخص أولاً في الصلح بقوله: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ وغايته ارتفاع الإثم، ثم بين أنه كما لا جناح فيه فكذلك فيه خير كثير.

ثم حث على الإحسان والتقوى وحسم مادة الخصومة رأساً فقال: ﴿ وإن تحسنوا ﴾ أي بالإقامة على نسائكم ﴿ وإن كرهتموهن ﴾ وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة المحوجة إلى الصلح ﴿ فإن الله كان بما تعملون ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿ خبيراً ﴾ فيثيبكم على ذلك.

وعلى هذا فالخطاب للأزواج، وقيل: الخطاب للزوجين أن يحسن كل منهما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم.

وقيل: لغيرهما أن يحسنوا في المصالحة بينهما ويتقوا الميل إلى واحد منهما.

يحكى أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم.

فأجالت يوماً نظرها في وجهه ثم قالت: الحمد لله.

فقال: مالك؟

فقالت: حمدت الله على إني وإياك من أهل الجنة.

لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، والشاكر والصابر من أهل الجنة.

﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا ﴾ لن تقدروا على التسوية بين النساء في ميل الطباع ﴿ ولو حرصتم ﴾ وإذا لم تقدروا عليها بحيث لا يقع ميل ألبتة ولا زيادة ولا نقصان لم تكونوا مكلفين به، وهذا تفسير يناسب مذهب المعتزلة من أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ أي رفع عنكم تمام العدل وغايته ولكن ائتوا منه ما استطعتم بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم.

وبوجه آخر لن تستطيعوا التسوية في الميل القلبي ﴿ ولو حرصتم ﴾ ولا التسوية الكلية في نتائج الحب من الأقوال والأفعال لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها ونفقتها وسائر حقوقها وحظوظها من غير رضا منها ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين السماء والأرض لا على قرار أي غير ذات بعل ولا مطلقة.

والغرض النهي عن الميل الكلي مع جواز التفريط في العدل الكلي في نتائج الميل القلبي، وأما الميل القلبي فمعفو بالكل وبالبعض لأن القلب ليس في تصرف الإنسان وإنما هو بين أصبعين من أصابع الرحمن.

عن النبي  أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل فيقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" يعني المحبة لأن / عائشة كانت أحب إليه.

وعنه  : "من كانت له امرأتان يميل مع أحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" ﴿ وإن تصلحوا ﴾ ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ﴿ وتتقوا ﴾ فيما يستقبل ﴿ فإن الله كان غفوراً رحيماً وإن يتفرقا يغن الله كلاً ﴾ يرزق كل واحد منهما زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشته.

والسعة الغنى والمقدرة ﴿ وكان الله واسعاً ﴾ من الرزق والفضل والرحمة والعلم وأي كمال يفرض ولهذا أطلق.

﴿ حكيماً ﴾ قال ابن عباس: فيما حكم ووعظ.

وقال الكلبي: فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان.

ثم قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وهو كالتفسير لسعة ملكه وملكه.

وفيه أن الذي أمر به من العدل والإحسان إلى اليتامى والنسوان ليس لعجز أو افتقار وإنما يعود فائدة ذلك إلى المكلف لأنه الأحسن له في دنياه وعقباه.

ثم بين أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة لم يلحقها نسخ وتبديل، وإن استغناءه  بالنسبة إلى الأمم السالفة كهو بالنسبة إلى الأمم الآتية فقال: ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي جنسه ليشمل التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف.

وقوله: ﴿ من قبلكم ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ وصينا ﴾ أو بـ ﴿ أوتوا ﴾ وقوله: ﴿ وإياكم ﴾ عطف على ﴿ الذين ﴾ ومعنى ﴿ أن اتقوا ﴾ بأن اتقوا وتكون "أن" المفسرة لأن التوصية في معنى القول.

﴿ وإن تكفروا ﴾ عطف على ﴿ اتقوا ﴾ أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى.

وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصى يخشون عقابه ويرجون ثوابه.

أو قلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة وغيرهم من يوحده ويعبده ويتقيه ﴿ وكان الله ﴾ مع ذلك ﴿ غنياً ﴾ عن خلقه وعن عباداتهم ﴿ حميداً ﴾ في ذاته وإن لم يحمده واحد منهم.

ثم كرر قوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ﴾ تقريراً لأنه أهل أن يتقى وتوكيداً لاستغنائه عن طاعات المطيعين وسيئات المذنبين.

ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ يعدمكم أيها الناس ﴿ ويأت بآخرين ﴾ يوجد خلقاً آخرين غير الإنس أو من جنس الإنس ﴿ وكان الله ﴾ على ذلك الإعدام ثم الإيجاد ﴿ قديراً ﴾ بليغ القدرة لم يزل موصوفاً بذلك ولن يزال كذلك.

وفي الآية من التخويف والغضب ما لا يخفى.

وقيل: الخطاب لأعداء النبي  من العرب والمراد بآخرين ناس يوالونه.

يروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله  /بيده على ظهر سلمان وقال: "إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس" .

ثم رغب الإنسان فيما عنده من الكرامة فقال: ﴿ من كان يريد ثواب الدنيا ﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾ فماله يطلب الأخس بالذات مع أنه إذا طلب الأشرف تبعه الأخس.

فالتقدير: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ليحصل ربط الجزاء بالشرط ﴿ وكان الله سميعا ﴾ لأقوال المجاهدين والطالبين ﴿ بصيراً ﴾ بمطامح عيونهم ومطارح ظنونهم فيجازيهم على نحو ذلك.

ثم بيّن أنّ كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ مجتهدين في اختيار العدل محترزين عن ارتكاب الميل ﴿ شهداء لله ﴾ لوجهه ولأجل مرضاته كما أمرتم بإقامتها ولو كانت تلك الشهادة وبالاً على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين بأن يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره.

وفي كلام الحكماء: "إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى".

أو المراد الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها وأن يقول: أشهد أنّ لفلان على والدي كذا أو على أقاربي كذا.

وإنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لله عكس قوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط  ﴾ لأنّ شهادة الله  عبارة عن كونه خالقاً للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية قوانين العدل في تلك المخلوقات، والأول مقدم علىالثاني.

وأما في حق العباد فالعدالة مقدمة على الشهادة تقدم الشرط على المشروط فاعلم ﴿ إن يكن ﴾ المشهود عليه ﴿ غنياً أو فقيراً ﴾ فلا تكتموا الشهادة طلباً لرضا الغني أو ترحماً على الفقير ﴿ فالله أولى ﴾ بأمورهما ومصالحهما.

وكان حق النسق أن لو قيل فالله أولى به أي بأحد هذين إلاّ أنه ثنى الضمير ليعود إلى الجنسين كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الفقير والغني أي بالأغنياء والفقراء يريد بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ولولا أنّ الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها.

قال السدي: "اختصم إلى النبي  غني وفقير وكان ميله إلى الفقير رأى أنّ الفقير لا يظلم الغني فأبى الله إلاّ أن يقوم بالقسط في الغني والفقير" وأنزل الآية.

وقوله: ﴿ أن تعدلوا ﴾ يحتمل أن يكون من العدل أو من العدول فكأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق.

واحتمال آخر وهو أن يراد اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا أي حتى تتصفوا بصفة العدالة لأنّ العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى.

ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ﴿ وأن تلووا ﴾ بواوين من لوى يلوي إذا فتل، وبواو واحدة من الولاية والمعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل ﴿ أو تعرضوا ﴾ عن الشهادة بما عندكم أو إن وليتم إقامة الشهادة أو تركتموها.

واعلم أن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلاّ / إذا كان راسخ القدم في الإيمان فلهذا أردف ما ذكر بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ وظاهر مشعر بالأمر بتحصيل الحاصل.

فالمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ في الماضي والحاضر ﴿ آمنوا ﴾ في المستقبل أي دوموا على الإيمان واثبتوا.

الثاني: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ تقليداً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً.

الثالث: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ استدلالاً إجمالياً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً تفصيلياً.

الرابع: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله ﴿ آمنوا ﴾ بأن كنه الله  وعظمته وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا ينتهي إليها عقولكم.

الخامس قال الكلبي: "إن عبد الله بن سلام وأسداً وأسيداً ابني كعب وثعلبة بن قيس وجماعة من مؤمني أهل الكتاب قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل فأنزل الله هذه الآية فآمنوا بكل ذلك" .

وقيل: إن المخاطبين ليسوا هم المسلمين والتقدير: ﴿ يا أيها الذين آمنوأ ﴾ بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل ﴿ آمنوا ﴾ بمحمد  والقرآن وبجميع الكتب المنزلة من قبل لا ببعضها فقط، لأن طريق العلم بصدق النبي هو المعجز وأنه حاصل في الكل، فالخطاب لليهود والنصارى.

أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالسان ﴿ آمنوا ﴾ بالقلب فهم المنافقون, أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللات والعزى ﴿ آمنوا ﴾ بالله فهم المشركون، والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل جنسه.

فإن قيل: لم ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب.

وذكر في مراتب الكفر أموراً خمسة؟

أجيب بأن الإيمان بالثلاثة يلزم منه الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر، لكنه ربما ادّعى الإنسان أنه يؤمن بالثلاثة ثم إنه ينكر الملائكة واليوم الآخر لتأويلات فاسدة، فلما كان هذا الاحتمال قائماً نص على أن منكر الملائكة والقيامة كافر بالله.

فإن قيل: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب في مراتب الكفر عكس الأمر؟

فالجواب أن الكتاب مقدم على الرسول في مرتبة النزول من الخالق إلى الخلق، وأما في العروج فالرسول مقدم على الكتاب.

وبوجه آخر الرسول الأول هو نبينا محمد  والرسل عام له ولغيره، فلما خص ذكره أولاً للتشريف جعل ذكره تالياً لذكر الله لمزيد التشريف ولبيان أفضليته  .

ثم لما رغب في الإيمان والثبات عليه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً ﴾ والمراد الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان تارات وأطواراً.

قال القفال: وليس المراد بيان العدد بل المراد ترددهم وتمرنهم على ذلك.

وقيل: اليهود هم آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بعزير ثم آمنوا بداود ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً عند مقدم محمد  .

وقيل: هم المنافقون أظهروا الإسلام / ثم كفروا بنفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، ثم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، ثم ازدادوا كفراً بجدهم واجتهادهم في استخراج وجوه المكايد في حق المسلمين.

قيل: هم طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة والكفر أخرى على ما أخبر الله  عنهم أنهم قالوا: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون  ﴾ ثم إنهم بالغوا في ذلك وازدادوا إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام.

وفي الآية دلالة على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وذلك يبطل مذهب القائلين بالموافاة وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت الشخص على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان.

وفيها أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان فيجب أن يكون الإيمان كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذا الآخر.

وكيف يزداد كفرهم فيه وجوه: أحدهها أنهم ماتوا على كفرهم.

وثانيها بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم وعلى هذا فإصابة الطاعات وقت الإيمان تكون زيادة في الإيمان.

وثالثها استهزاؤهم بالدين.

أما قوله  : ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ فقيل عليه اللام تفيد نفي التأكيد وهذا لا يليق بالوضع إنما اللائق به تأكيد النفي.

وأجيب بأن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم أفاد تأكيد النفي.

ثم أورد عليه أن الكفر قبل التوبة غير مغفور على الإطلاق وحينئذٍ تضيع الشرائط المذكورة في الآية، وبعد التوبة مغفور ولو بعد ألف مرة فكيف يصح النفي؟

وأجيب بأن اللام في الذين لمعهودين وهم قوم علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر لا يتوبون عنه قط، فقوله: ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ إخبار عن موتهم على الكفر، أو اللام للاستغراق وخرج الكلام على الغالب المعتاد وهو أن من كان مضطرب الحال كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر، لم يكن للإيمان في قلبه وقع واحتشام.

فالظاهر من حال مثله أنه يموت على الكفر، فليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبراً بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب كالفاسق يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يرجى منه الثبات والغالب أنه يموت على الفسق.

﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ أي إلى الإيمان عند الأشاعرة، وعند المعتزلة إلى الجنة.

أو محمول على المنع من زيادة الألطاف.

﴿ بشر المنافقين ﴾ تهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتهم الضرب ﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾ كان المنافقون يوادّون اليهود اعتقاداً منهم أن أمر محمد  لا يتم وحينئذٍ يبتغون بودّهم أن يحصل لهم بهم قوة وغلبة، فخيّب الله آمالهم بقوله: ﴿ فإن العزة لله جميعاً ﴾ وعزّة الله تستتبع عزة الرسول والمؤمنين كقوله: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ و ﴿ جميعاً ﴾ حال من العزة أي مجموعة.

قال المفسرون: إنّ المشركين كانوا بمكة يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤن به / وبين أظهرهم المسلمون ولا يتهيّأ لهم حينئذِ الإنكار عليهم ظاهراً فنزلت إذا ذاك.

﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ فكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ويجالسهم بعض المنافقين فأنزل الله  في هؤلاء المنافقين ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب ﴾ معنى آية الأنعام ﴿ أن إذا سمعتم آيات الله ﴾ هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر والمعنى أنه إذا سمعتم آيات الله حال كونها يكفر بها ويستهزأ بها.

وقال الكسائي: المعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات كما يقال: سمعت عبد الله يلام وفيه نظر، لأنّ إيقاع فعل السماع على الآيات ممكن بخلاف إيقاعه على عبد الله.

﴿ إنكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ إذا مثلهم ﴾ مثل الأحبار في الكفر و "إذن" ههنا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر ولذلك لم يذكر بعدها الفعل أي إذن تكونوا مثلهم، وأفرد ﴿ مثلهم ﴾ لأنها في معنى المصدر نحو ﴿ أنؤمن لبشرين مثلنا ﴾ \[المؤمنون:47\] وقد جمع في قوله: ﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم  ﴾ وإنما لم يحكم بكفر المسلمين بمكة لمجالسة المشركين الخائضين وحكم بنفاق هؤلاء بالمدينة لمجالسة أحبار اليهود الخائضين، لأن مجالسة أولئك المسلمين كانت للضرورة وفي أوان ضعف الإسلام ولم يرد نهي بعد، ومجالسة هؤلاء المنافقين كانت في وقت الاختيار وقوة الإسلام وبعد ورود النهي.

قال أهل العلم: في الآية دليل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان شريكهم في الإثم.

ثم حقق كون المنافقين مثل الكافرين بقوله: ﴿ إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ﴾ يعني القاعدين والمقعود معهم.

والضمير في ﴿ معهم ﴾ يعود إلى الكافرين المستهزئين بدلالة ﴿ يكفر بها ويستهزأ بهأ ﴾ وأراد ﴿ جامع ﴾ بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين تخفيفاً في اللفظ.

والمعنى أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة ومثله قوله  : "المرء مع من أحب" ﴿ يتربصون بكم ﴾ ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من نصر أو إخفاق.

﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ ظهور على اليهود ﴿ قالوا ألم نكن معكم ﴾ مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة ﴿ وإن كان للكافرين ﴾ أي اليهود نصيب استيلاء مّا في الظاهر ﴿ قالوا ألم نستحوذ عليكم ﴾ الحوذ السوق السريع والاستحواذ الغلبة.

وهذا جاء بالواو على أصله كما جاء استروح واستصوب.

وفي الآية وجهان: الأول ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ﴿ ونمنعكم من المؤمنين ﴾ بأن ثبطناهم عنكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم.

الثاني أنّ أولئك الكفار كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام.

ثم إنّ المنافقين نفروهم / وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد  ويقوى أمركم.

فالمراد ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وأرشدناكم إلى مصالحكم فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.

وفي تسمية ظفر المؤمنين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً تثبيت للمؤمنين وتعظيم لما هم عليه من الدين وتحقير لشأن الكافرين وتوهين لأمرهم، فكان ظفر المسلمين أمر عظيم يفتح له أبواب السماء حين ينزل على أولياء الله، وظفر الكافرين حظ دنيوي ينقضي ولا يبقى منه إلاّ الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي بين المؤمن والمنافق.

والغرض أنه يقال: ما وضع السيف على المنافقين في الدنيا ولكن أخر عقابهم إلى يوم القيامة ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ قال علي وابن عباس: المراد في الدنيا ولكن بالحجة أي حجة المسلمين غالبة على حجة الكل.

وقيل: في الآخرة.

وقيل: عام في الكل.

والشافعي بنى عليه مسائل منها: أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه إلى دار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية.

ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً.

ومنها أنّ المسلم لا يقتل بالذمي والله  أعلم.

التأويل: النفس للروح كالمرأة للزوج و ﴿ يتامى النساء ﴾ صفات النفوس و ﴿ ما كتب لهن ﴾ ما أوجب الله للنفوس من الحقوق.

وحاصل المعنى أنّ نفسك مطيتك فارفق بها وإليه الإشارة بقوله: ﴿ والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح ﴾ فالروح تشح بترك حقوق الله، والنفس تشح بحظوظها ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ في رفض حظوظ النفس ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين العالم العلوي والعالم السفلي ﴿ وإن يتفرّقا ﴾ أي الروح والنفس فالروح تجتذب بجذبة دع نفسك وتعالى إلى سعة غنى الله في عالم هويته لتستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود.

والنفس تجتذب عن الروح بجذبة ارجعي إلى ربك إلى سعة غنى الله في عالم فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ للإيمان ثلاث مراتب: إيمان للعوام أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث والجنة والنار والقدر وهذا إيمان غيبي، وإيمان للخواص وهو أنه  إذا تجلّى للعبد بصفة من صفاته خضع له جميع أجزاء وجوده وآمن بالكلية وهذا إيمان عياني، وإيمان للأخص وهو بعد رفع الحجب الأنانية حين أفناه بصفة الجلال وأبقاه بصفة الجمال فلم يبق له إلا عين وبقي في العين وهذا إيمان عيني ﴿ إنّ الذين آمنوا ﴾ أي بالتقليد ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم يكن للتقليد أصل ﴿ ثم آمنوا ﴾ بالاستدلال العقلي ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم تكن عقولهم مشرقة بالنور الإلهي ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ بالشبهات والاعتراضات ﴿ لم يكن الله ﴾ في الأزل غافراً لهم بنوره عند الرش ﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ اليوم لأن الأصل لا يخطىء ﴿ بشر المنافقين ﴾ أي بشرهم بأن أصلهم من / جوهر الكفار ولهذا اتخذوا الكافرين أولياء فإنّ ائتلافهم ههنا نتيجة تعارف أرواحهم وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون.

/ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ...

﴾ الآية.

ذكر الاستفتاء في النساء، وليس فيه بيان عما وقع به السؤال؛ إذ قد يجوز أن يكون في الجواب بيان المراد في السؤال، وإن لم يكن في السؤال بيان؛ نحو قوله -  -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ  ﴾ ؛ دل الأمر باعتزال النساء في المحيض - على أن السؤال عن المحيض إنما كان عن الاعتزال، وإن لم يكن في السؤال بيان المراد؛ وكذلك قوله -  -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 220]؛ دل قوله: ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ ﴾ على أن السؤال إنما كان عن مخالطة اليتامى؛ وكقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ  ﴾ ،؛ دل قوله ﴿ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ على أن السؤال عن الخمر والميسر - ما ذكر في الجواب من الإثم، وإن لم يكن في السؤال بيان ذلك.

ثم قوله -  -: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ ليس في السؤال ولا في الجواب بيان ما وقع به السؤال؛ فيحتمل أن يكون السؤال في أمورهن جميعاً: في الميراث وغير ذلك من الحقوق، ثم ذكر واحداً فواحداً؛ كقوله -  -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ  ﴾ ، كقوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ﴾ الآية [النساء: 32]، هذا في الميراث.

وأما في الحقوق فقال الله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ .

ويحتمل غيرها من الحقوق سوى حقوق النكاح، فترك البيان في الجواب؛ لما ذكر واحداً فواحداً في غيرها من الآي؛ إذ الجواب خرج مخرج العدة أنه يفعل بقوله - عز وجل -: ﴿ يُفْتِيكُمْ ﴾ ، وقد فعل هذا، والله أعلم.

ويحتمل غير هذا: وهو أن يترك البيان في السؤال والجواب؛ لنوازل يعرفها أهلها، لم يحتج إلى بيان ما وقع به السؤال؛ لمعرفة أهلها [به].

ويحتمل ما قاله أهل التأويل: وهو أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار من الأولاد؛ وإنما كانوا يورثون المقاتلة من الرجال والذين يجرزون الغنائم، فلما بين الله - عز وجل - للنساء وللصغار نصيباً في الأموال، وفرض لهم حقّاً، سألوا [عند ذلك] رسول الله  عن ذلك؛ فأنزل الله -  -: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ ، وكذلك روي عن ابن عباس -  - وذكر القصة هكذا، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون السؤال وقع عن يتامى النساء؛ ألا ترى أنه قال - عز جل -: ﴿ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ الآية.

قيل: كانت اليتيمة في حجر الرجل ذات مال؛ يرغب عن أن يتزوجها لدمامتها، ويمنعها عن الأزواج؛ رغبة في مالها، وهكذا روي عن عائشة،  ا.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية [النساء: 3].

وقوله: ﴿ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ ﴾ .

هذا - والله أعلم - كأنه معطوف على قوله: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ ﴾ ، والمستضعفون من الولدان، على ما ذكرنا من الميراث والحقوق.

﴿ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ﴾ .

في إبقاء حقوقهم وأداء ما لهم عليكم.

﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً ﴾ .

فيجزيكم به، أو كان به عليما: من يفعل الخير ومن لا يفعل الخير، والله أعلم.

وعن الحسن في قوله: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ ، أي: ترغبون عن نكاحهن.

وعن ابن سيرين: لا يرغب في نكاحها؛ لدمامتها، ولا يزوجها غيره؛ رغبة في مالها.

وعلى ذلك يخرج قوله -  -: ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ...

﴾ الآية، وقوله -  -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ...

﴾ الآية [النساء: 3].

وفي قوله -  - ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ دلالة أن للولي أن يزوج اليتيمة الصغيرة؛ لأنه لو لم يكن [له] ذلك - لم يكن للعتاب على ترك تزويجهن من غيرهم معنى.

فإن قيل: اسم اليتيم يقع على الصغيرة والكبيرة جميعاً؛ فلعل المراد من اليتيمة: الكبيرة هاهنا، قيل: هو كذلك، غير أن الغالب يقع على الصغائر منهن، والله أعلم.

وفيه دلالة: أن النكاح قد يقوم بالواحد؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ ؛ فلو لم يكن له أن يتزوجها - لم يكن لهذا العتاب معنى؛ دل أن له أن ينكح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً ﴾ .

قيل: خافت، أي: علمت من بعلها نشوزاً.

وقيل: الخوف - هاهنا - خوف لا غير، فمن قال بالخوف فهو حمل على أن يظهر لها منه جفاء؛ يجفوها لدمامتها أو لكبرها، ويسيء صحبتها؛ لترضي بالفراق عنه؛ ليتزوج غيرها، وهو الخوف حقيقة.

وهكذا روي عن ابن عباس -  - أنه قال: إن سودة بنت زمعة خشيت أن يطلقها النبي  فجعلت يومها لعائشة -  ا - فأنزل الله -  -: ﴿ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً...

﴾ الآية.

ثم قال: فهذا الصلح الذي أمر به الله.

فجعل الخوف - هاهنا - خشية.

وعن عائشة -  ا - أنها قالت: هي المرأة تكون عند الرجل دميمة، ولا يحبها زوجها؛ فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني.

وقيل: ﴿ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً ﴾ أي: علمت، والعلم هو أن يكون للرجل امرأتان: إحداهما كبيرة أو دميمة، والأخرى شابة، يميل قلبه إلى الشابة منهما، ويكره صحبة الكبيرة منهما، ويستثقل المقام معها، وأراد فراقها؛ فتقول: لا تفارقني، واجعل أيامي لضرتي، أو يصالحها على أن يكون عند الشابة أكثر من عند الكبيرة، وهو ما روي عن عائشة -  ا - أنها قالت: هي المرأة تكون عند الرجل دميمة، ولا يحبها [زوجها]؛ فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني.

فالخوف هو ما يظهر لها من نشوزه قبل تزوج أخرى - بأعلام، والعلم هو ما يظهر من ترك مضاجعته إياها، وسوء صحبته معها.

وعلى هذين الوجهين رُوي عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - عن بعضهم: يكون عند الرجل امرأتان: إحداهما كبيرة، والأخرى شابة؛ فيؤثر الشابة على الكبيرة؛ فيجري بينهما صلح على أن يمسكها ولا يفارقها على الرضا منها بإبطال حقها أو بدونه، وهو ما روينا من خبر ابن عباس -  - أن سودة -  ا - جعلت أيامها لعائشة -  ا - خشية أن يفارقها.

وكذلك رُوي عن عمر،  .

وروي عن علي -  - أنه أتاه رجل يستفتيه في امرأة خافت من بعلها نشوزاً؛ قال: هي المرأة تكون عند الرجل؛ فتنبو عيناه من دمامتها أو كبرها، أو فقرها، أو سوء خلقها؛ فيكون فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئاً حل له، وإن جعلت من أيامها شيئاً لغيرها فلا حرج.

دلت هذه الأحاديث التي ذكرنا على أن الرجل إذا كان له نسوة أن يسوي بينهن، فيقيم عند كل واحدة يوماً، إلا أن يصطلحا على غير ذلك، والصلح خير، كما قال الله، عز وجل.

وبين قوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية.

أن على الرجل - وإن عدل بين نسائه في قسمة الأيام - ألا يخلي إحداهن من الوطء، والله أعلم.

ولا يكون وطؤه كله لغيرها، وتكون الأخرى كالمعلقة التي ليست بأيم ولا ذات زوج، لكنها إذا رضيت بإبطال حقها أو بدون حقها فإنه لا حرج على الزوج في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً ﴾ .

يحتمل: أن يكون رفع الحرج عن الزوج خاصة، وإن كان الفعل مضافاً إليهما؛ إذ ليس للمرأة في ترك حقها حرج، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ  ﴾ ليس على المرأة جناح في الافتداء؛ لأنها تفتدى بمالها، ولها أن تُمَلِّكَ على مالها من شاءت؛ فكأنه قال - عز وجل -: فلا جناح عليه في أخذ ما افتدت، أو في إبطال حقها إذا رضيت.

ويحتمل: أن يكون على ما ذكر، وهو أن لا حرج على المرأة المقام معه وإن استثقل الزوج ذلك ويكره صحبتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: شحت المرأة بنصيبها من زوجها أن تدعه للأخرى، وشح الرجل بنصيبه من الأخرى.

وقيل: الشح: الحرص، وهو أن يحرص كل على حقه.

وكأن الشح والحرص واحد، وإن كان أحدهما في المنع، والآخر في الطلب؛ لأن البخل يحمله على الحرص، والحرص يحمله على المنع، وكل واحد منهما يكون سبباً للآخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ .

في أن تعطوهن أكثر من حقهن، وتتقوا في ألا تبخسوا من حقهن شيئاً.

ويحتمل: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ ﴾ في [إبقاء] حقهن، والتسوية بينهن، وتتقوا الجور والميل، وتفضيل بعض على بعض.

ويحتمل: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ ﴾ في اتباع ما أمركم الله من طاعته، وتتقوا عما نهاكم الله من معاصيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ .

على الترغيب والوعيد، وقد ذكرنا معناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ .

عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ في إيفاء الحق أن يستوي في قلوبكم الحب ﴿ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ على العدل؛ لا تقدرون عليه في ذلك.

﴿ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ ﴾ .

إلى التي تحب في النفقة والقسم؛ فتأتي الشابة التي تعجبك، وتدع الأخرى بغير قسم ولا نفقة.

روي عن عمر -  - أنه كان يقول: اللَّهُمَّ أما قلبي فلا أملك، ولكن أرجو أن أعدل فيما سوى ذلك.

والعدل - هاهنا - التسوية؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ  ﴾ ليس هو ضد الجور؛ ولكن التسوية: يسوون بين ربهم وبين الأصنام في العبادة.

وعن عبيدة قال: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ في الحب.

وروي عن أبي قلابة -  - أن النبي  كان يعدل بين نسائه في القسمة ويقول: "اللَّهُمَّ هذه قِسْمَتِي فِيْمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تُؤَاخِذْنِي فِيمَا تَمْلِكُ أَنْتَ وَلاَ أَمْلِكُ" وأصل ذلك: أن في كل ما كان المرء مدفوعاً مضطرّاً - فإنه غير مكلف في ذلك، وفي كل ما كان باختيار منه وإيثار غير عليه - فإنه مكلف في ذلك، والحب مما يدفع المرء فيه ويضطر، ولا صنع له فيه، لم يكلف التسوية فيما يكون مدفوعاً فيه مضطرّاً؛ لأنه لا يملك التسوية، وعلى هذا يخرج قولنا: إن الكافر مكلف بالإيمان في حال الكفر؛ لشغله به، واختياره فعل الكفر، ليس كالمضطر، وقد ذكرنا - فيما تقدم -: أن الاستطاعة تكون على ضربين: استطاعة أحوال وأسباب، واستطاعة أفعال، والاستطاعة التي هي استطاعة الأحوال والأسباب من نحو الصحة والسلامة وغيرهما يجوز قبل ومع وبعد، وأما استطاعة الأفعال فإنها لا تكون إلا مع الفعل، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ ﴾ : في النفقة والقسمة، معناه: لا يحملنكم شدة الحب والميل بالقلب أن تتركوا الإنفاق عليها وإيفاء الحق، أعني: حق القسم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ﴾ .

ليست بأيم ولا ذات بعل، ليست هي بأيم تتكلف هي مؤنتها كما تتكلف الأيم، ولا ذات بعل يتحمل البعل مؤنتها.

وفي حرف أبي بن كعب: "فتذروها كالمسجونة"، وهو ما ذكرنا: لا ينفق هو عليها، ولا يطلقها؛ لتتزوج زوجاً آخر، فهي كالمحبوسة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ .

هم ما ذكرنا في قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .

هذا ينقض قول من يقول: إنه لم يكن رحيماً ثم صار رحيماً؛ لأنه أخبر أنه كان رحيماً، وهو يقول: صار رحيما، وبالله العصمة.

ثم المسألة: بأن المرأة إذا جعلت أيامها لضرتها، كان لها أن ترجع وتفسخ ذلك؛ لأنها جعلت لها ما لم يجب بعدُ ولم يلزم؛ فكان كمن أبرأ آخر عن حق لم يجب بعد، فإن إبراءه - باطل، له أن يعود إليه، فيأخذه به إذا وجب؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ .

أي: الزوجان [إن تفرقا؛ لما] لم يقدر الزوج على التسوية بينهن ﴿ يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ : المرأة تتزوج آخر، والرجل بأمرأة [أخرى].

ويحتمل: ﴿ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ أن كل واحد منهما - وإن كان غنيا بالآخر في حال النكاح - فالله قادر على أن يغني كل واحد منهما بعد الافتراق، كما كان يرزق قبل الفراق.

وفيه دليل قطع طمع الارتزاق من غير الله، وإن جاز أن يجعل غيره سبباً في ذلك؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ ﴾ ؛ ليعلم كلٌّ أن غناه لم يكن بالآخر؛ حيث وعد لهما الغناء، وكذلك في قوله -  -: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ...

 ﴾ إلى قوله -  -: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ  ﴾ - دليل قطع طمع الارتزاق بعضهم من بعض في النكاح؛ لما وعد لهم الغناء إذا كانوا فقراء.

وفيه دليل وقوع الفرقة بينهما بالمرأة، وبالمكنى من الكلام؛ لمشاركتهما فيه، وإن كان الزوج هو المنفرد بالفراق؛ لما أضاف [الفعل] إليهما بقوله: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ ﴾ وكذلك قوله -  -: ﴿ فَارِقُوهُنَّ  ﴾ و ﴿ سَرِّحُوهُنَّ  ﴾ ، والله أعلم.

وفيه دليل لزوم النفقة في العدة؛ لأنه ذكر الافتراق، والفراق إنما يكون بانقضاء العدة، ثم أخبر - عز وجل - عن غناء كل واحد منهما بالآخر قبل الفراق؛ دل أن للمرأة غناء بالزوج ما دامت بالعدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً ﴾ .

قيل: واسعاً: جوداً.

وقيل: واسعاً: يوسع على كل منهما رزقه، ﴿ حَكِيماً ﴾ حكم على الزوج: إمساكاً بمعروف أو تسريحاً بإحسان.

وقيل: حكيماً؛ حيث حكم فرقتهما.

وأصل الحكيم: أن يضع كل شيء موضعه.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن خافت امرأة من زوجها ترفُّعًا عنها وعدم رغبة فيها فلا إثم عليهما أن يتصالحا بأن تتنازل عن بعض الحقوق الواجبة لها كحق النفقة والمبيت، والصلح هنا خير لهما من الطلاق، وقد جُبِلت النفوس على الحرص والبخل، فلا ترغب في التنازل عما لها من حق، فينبغي للزوجين علاج هذا الخلق بتربية النفس على التسامح والإحسان.

وإن تحسنوا في كل شؤونكم، وتتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإن الله كان بما تعملون خبيرًا، لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم به.

<div class="verse-tafsir" id="91.94Rbk"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله