الآية ١٣٠ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٣٠ من سورة النساء

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلًّۭا مِّن سَعَتِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمًۭا ١٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٠ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٠ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ) وهذه هي الحالة الثالثة ، وهي حالة الفراق ، وقد أخبر تعالى أنهما إذا تفرقا فإن الله يغنيه عنها ويغنيها عنه ، بأن يعوضه بها من هو خير له منها ، ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه : ( وكان الله واسعا حكيما ) أي : واسع الفضل عظيم المن ، حكيما في جميع أفعاله وأقداره وشرعه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن أبت المرأة التي قد نشز عليها زوجها= إذ أعرض عنها بالميل منه إلى ضرّتها لجمالها أو شبابها، أو غير ذلك مما تميل النفوس له إليها (54) = الصلحَ بصفحها لزوجها عن يومها وليلتها، (55) وطلبت حقَّها منه من القسم والنفقة، وما أوجب الله لها عليه= وأبى الزوج الأخذَ عليها بالإحسان الذي ندبه الله إليه بقوله: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ، وإلحاقَها في القسم لها والنفقة والعشرة بالتي هو إليها مائل، (56) فتفرقا &; 9-294 &; بطلاق الزوج إياها=" يُغْنِ الله كلا من سعته "، يقول: يغن الله الزوجَ والمرأة المطلقة من سعة فضله.

أما هذه، فبزوج هو أصلح لها من المطلِّق الأول، أو برزق أوسع وعصمة.

وأما هذا، فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلقة، (57) أو عفة=" وكان الله واسعًا "، يعني: وكان الله واسعًا لهما، في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه (58) =" حكيمًا "، فيما قضى بينه وبينها من الفرقة والطلاق، وسائر المعاني التي عرفناها من الحكم بينهما في هذه الآيات وغيرها، وفي غير ذلك من أحكامه وتدبيره وقضاياه في خلقه.

(59) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 10672- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته "، قال: الطلاق.

(60) 10673 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

------------------------ الهوامش : (54) في المطبوعة: "أو أعرض عنها ...

مما تميل النفوس به إليها" ، غير"إذ" ، و"له" ، وهما نص المخطوطة ، وهو الصواب.

ويعني: مما تميل النفوس من أجله إلى هذه المرأة التي وصف.

(55) في المطبوعة والمخطوطة: "الصلح لصفحها" والصواب ما أثبت ، وقوله: "الصلح" منصوب ، مفعول به لقوله: "فإن أبت المرأة ...

الصلح" ، هكذا السياق.

(56) قوله: "وإلحاقها" معطوف في السياق على قوله: "وأبى الزوج الأخذ عليها بالإحسان ...

وإلحاقها ...".

(57) انظر تفسير"السعة" فيما سلف ص: 121.

وقوله: "أو عفة" يعني: فبرزق واسع ...

أو بعفة.

(58) انظر تفسير"واسع" فيما سلف 2 : 537 / 5 : 516 ، 575 / 6: 517.

(59) انظر تفسير"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.

(60) في المطبوعة: "قال: الطلاق ، يغني الله كلا من سعته" ، وليس ذلك كله في المخطوطة بل سقط منها بقية الخبر.

فاقتصرت على ما جاء في الدر المنثور 2 : 234 ، عن مجاهد وهو: "قال: الطلاق" ، كما أثبته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيماقوله تعالى : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته أي وإن لم يصطلحا بل تفرقا فليحسنا [ ص: 349 ] ظنهما بالله ، فقد يقيض للرجل امرأة تقر بها عينه ، وللمرأة من يوسع عليها .

وروي عن جعفر بن محمد أن رجلا شكا إليه الفقر ، فأمره بالنكاح ، فذهب الرجل وتزوج ؛ ثم جاء إليه وشكا إليه الفقر ، فأمره بالطلاق ؛ فسئل عن هذه الآية فقال : أمرته بالنكاح لعله من أهل هذه الآية : إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله فلما لم يكن من أهل تلك الآية أمرته بالطلاق فقلت : فلعله من أهل هذه الآية وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الحالة الثالثة بين الزوجين، إذا تعذر الاتفاق فإنه لا بأس بالفراق، فقال: { وَإِنْ يَتَفَرَّقَا ْ} أي: بطلاق أو فسخ أو خلع أو غير ذلك { يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا ْ} من الزوجين { مِنْ سَعَتِهِ ْ} أي: من فضله وإحسانه الواسع الشامل.

فيغني الزوج بزوجة خير له منها، ويغنيها من فضله وإن انقطع نصيبها من زوجها، فإن رزقها على المتكفل بأرزاق جميع الخلق، القائم بمصالحهم، ولعل الله يرزقها زوجا خيرا منه، { وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا ْ} أي: كثير الفضل واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه إلى حيث وصل إليه علمه.

ولكنه مع ذلك { حَكِيمًا ْ} أي: يعطي بحكمة، ويمنع لحكمة.

فإذا اقتضت حكمته منع بعض عباده من إحسانه، بسبب من العبد لا يستحق معه الإحسان، حرمه عدلا وحكمة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(وإن يتفرقا ) يعني : الزوج والمرأة بالطلاق ، ( يغن الله كلا من سعته ) من رزقه ، يعني : المرأة بزوج آخر والزوج بامرأة أخرى ، ( وكان الله واسعا حكيما ) واسع الفضل والرحمة حكيما فيما أمر به ونهى عنه .

وجملة حكم الآية : أن الرجل إذا كانت تحته امرأتان أو أكثر فإنه يجب عليه التسوية بينهن في القسم ، فإن ترك التسوية بينهن في فعل القسم عصى الله تعالى ، وعليه القضاء للمظلومة ، والتسوية شرط في البيتوتة ، أما في الجماع فلا لأنه يدور على النشاط وليس ذلك إليه ولو كانت في نكاحه حرة وأمة فإنه يبيت عند الحرة ليلتين وعند الأمة ليلة واحدة ، وإذا تزوج جديدة على قديمات عنده يخص الجديدة بأن يبيت عندها سبع ليال على التوالي إن كانت بكرا ، وإن كانت ثيبا فثلاث ليال ثم يسوي بعد ذلك بين الكل ، ولا يجب قضاء هذه الليالي للقديمات .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، ثنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، ثنا محمد بن يوسف ، ثنا محمد بن إسماعيل ، ثنا يوسف بن راشد ، ثنا أبو أسامة ، ثنا سفيان الثوري ، ثنا أيوب وخالد ، عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال : من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا ، ثم قسم ، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ، ثم قسم .

قال أبو قلابة : ولو شئت لقلت : إن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

وإذا أراد الرجل سفر حاجة فيجوز له أن يحمل بعض نسائه مع نفسه بعد أن يقرع بينهن فيه ، ثم لا يجب عليه أن يقضي للباقيات مدة سفره ، وإن طالت إذا لم يزد مقامه في بلده على مدة المسافرين ، والدليل عليه ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، ثنا أبو العباس الأصم ، ثنا الربيع ، ثنا الشافعي ، ثنا عمي محمد بن علي بن شافع ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها ، أما إذا أراد سفر نقلة فليس له تخصيص بعضهن لا بالقرعة ولا بغيرها " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن يتفرقا» أي الزوجان بالطلاق «يُغن الله كلا» عن صاحبه «من سعته» أي فضله بأن يرزقها زوجا غيره ويرزقه غيرها «وكان الله واسعا» لخلقه في الفضل «حكيما» فيما دبره لهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن وقعت الفرقة بين الرجل وامرأته، فإن الله تعالى يغني كلا منهما من فضله وسعته؛ فإنه سبحانه وتعالى واسع الفضل والمنة، حكيم فيما يقضي به بين عباده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فقال - تعالى - ( وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ الله وَاسِعاً حَكِيماً ) .وإن عز الصلح بين الزوجين واختارا الفراق تخوفا من ترك حقوق الله التى أوجبها على كل واحد منهما ( يُغْنِ الله كُلاًّ ) منهما ( مِّن سَعَتِهِ ) أى يجعل كل واحد منهما مستغنيا عن الآخر ( وَكَانَ الله وَاسِعاً حَكِيماً ) أى : وكان الله - تعالى - وما يزال واسعا أى واسع الغنى والرحمة والفضل ( حَكِيماً ) فى جميع أفعاله وأحكامه .وبهذا نرى أن هذه الآيات الكريمة قد وضعت أحكم الأسس للحياة الزوجية السليمة ، وعالجت أمراضها بالعلاج الشافى الحكيم ، فقد أمرت الرجال بأن يؤدوا للنساء حقوقهن ، وأن يعاشروهن بالمعروف ، وأن على الزوجين إذا ما دب بينهما خلاف أن يعالجاه فيما بينها بالتصالح والتسامح ، وإذا اقتضى الأمر أن يتنازل أحدهما للآخر عن جانب من حقوقه فليفعل من أجل الإِبقاء على الحياة الزوجية .

وأن الرجل لا يستطيع أن يعدل عدلا مطلقا كاملا بين زوجاته ، ولكن هذا لا يمنعه من العدل بينهن بالقدر الذى يستطيعه بدون تقصير أو ميل مع الهوى ، فإن الميسور لا يسقط بالمعسور .

وأنه إذا استحال الصلح وتنافرت الطباع ، وساءت العشرة كان الفراق بينهما أجدى ، إذ الفراق مع الإِحسان خير من الإِمساك مع المعاشرة السيئة التى عز معها الإِصلاح والوفاق والتقارب بين القلوب .وبعد أن بين - سبحانه - ما ينبغى أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين ووسائل علاج أدوائها .

.

بعد كل ذلك يبن - سبحانه - أن كل شئ فى ملكه وتحت سلطانه ، فعلى الناس أن يخشوه ويراقبوه ويشتغلوا بعبادته فقال - تعالى - : ( وَللَّهِ مَا فِي .

.

.

سَمِيعاً بَصِيراً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ ﴾ .

وأعلم أنه تعالى ذكر جواز الصلح إن أرادا ذلك، فإن رغبا في المفارقة فالله سبحانه بيّن جوازه بهذه الآية أيضاً، ووعد لهما أن يغني كل واحد منهما عن صاحبه بعد الطلاق، أو يكون المعنى أنه يغني كل واحد منهما بزوج خير من زوجه الأول، ويعيش أهنأ من عيشه الأول.

ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله واسعا حَكِيماً ﴾ والمعنى أنه تعالى لما وعد كل واحد منهما بأنه يغنيه من سعته وصف نفسه بكونه واسعاً، وإنما جاز وصف الله تعالى بذلك لأنه تعالى واسع الرزق، واسع الفضل، واسع الرحمة، واسع القدرة، واسع العلم، فلو ذكر تعالى أنه واسع في كذا لاختص ذلك بذلك المذكور، ولكنه لما ذكر الواسع وما أضافه إلى شيء معين دلّ على أنه واسع في جميع الكمالات، وتحقيقه في العقل أن الموجود إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى، وما سواه ممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الله الواجب لذاته، وإذا كان كذلك كان كل ما سواه من الموجودات فإنما يوجد بإيجاده وتكوينه، فلزم من هذا كونه واسع العلم والقدرة والحكمة، والرحمة، والفضل والجود، والكرم.

وقوله: ﴿ حَكِيماً ﴾ قال ابن عباس: يريد فيما حكم ووعظ وقال الكلبي: يريد فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريح بإحسان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: وإن يتفارقا، بمعنى وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه ﴿ يُغْنِ الله كُلاًّ ﴾ يرزقه زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشه.

والسعة الغني.

والمقدرة: والواسع: الغني المقتدر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ﴾ لِأنَّ العَدْلَ أنْ لا يَقَعَ مَيْلٌ ألْبَتَّةَ وهو مُتَعَذِّرٌ فَلِذَلِكَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُقَسِّمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ ويَقُولُ: «هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ» .

﴿ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ أيْ عَلى تَحَرِّي ذَلِكَ وبالَغْتُمْ فِيهِ.

﴿ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ ﴾ بِتَرْكِ المُسْتَطاعِ والجَوْرِ عَلى المَرْغُوبِ عَنْها، فَإنَّ ما لا يُدْرَكُ كُلُّهُ لا يُتْرَكُ كُلُّهُ.

﴿ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ ﴾ الَّتِي لَيْسَتْ ذاتَ بَعْلٍ ولا مُطَلَّقَةً.

وَعَنِ النَّبِيِّ  : «مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ» .

﴿ وَإنْ تُصْلِحُوا ﴾ ما كُنْتُمْ تُفْسِدُونَ مِن أُمُورِهِنَّ.

﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ فِيمَ يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ يَغْفِرُ لَكم ما مَضى مِن مَيْلِكم.

﴿ وَإنْ يَتَفَرَّقا ﴾ وقُرِئَ «وَإنْ يَتَفارَقا» أيْ: وإنْ يُفارِقْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ.

﴿ يُغْنِ اللَّهُ كُلا ﴾ مِنهُما عَنِ الآخَرِ بِبَدَلٍ أوْ سَلْوَةٍ.

﴿ مِن سَعَتِهِ ﴾ غِناهُ وقُدْرَتِهِ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا ﴾ مُقْتَدِرًا مُتْقِنًا في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِن يَتَفَرَّقَا} أي إن لم يصطلح الزوجان على شيء وتفرقا بالخلع أو بتطليقه إياها وإيفائه مهرها ونفقة عدتها {يُغْنِ الله كُلاًّ}

كل واحد منهما {مِّن سَعَتِهِ} من غناه أي يرزقه زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشه {وَكَانَ الله واسعا} بتحليل النكاح {حَكِيماً} بالإذن في السراح فالسعة الغنى والقدرة والواسع الغني المقتدر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ يَتَفَرَّقا ﴾ أيِ: المَرْأةُ وبَعْلُها، وقُرِئَ (يَتَفارَقا) أيْ: وإنْ لَمْ يَصْطَلِحا ولَمْ يَقَعْ بَيْنَهُما وِفاقٌ بِوَجْهٍ ما مِنَ الصُّلْحِ وغَيْرِهِ ووَقَعَتْ بَيْنَهُما الفُرْقَةُ بِطَلاقٍ ﴿ يُغْنِ اللَّهُ كُلا ﴾ مِنهُما أيْ: يَجْعَلُهُ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الآخَرِ، ويَكْفِهِ ما أهَمَّهُ، وقِيلَ: يُغْنِي الزَّوْجَ بِامْرَأةٍ أُخْرى، والمَرْأةَ بِزَوْجٍ آخَرَ ﴿ مِن سَعَتِهِ ﴾ أيْ: مِن غِناهُ وقُدْرَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِكُلٍّ مِنَ الزُّجَّيْنِ بَعْدَ الطَّلاقِ، وقِيلَ: زَجْرٌ لَهُما عَنِ المُفارَقَةِ، وكَيْفَما كانَ فَهو مُقَيَّدٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ وكانَ اللَّهُ واسِعًا ﴾ أيْ: غَنِيًّا وكافِيًا لِلْخَلْقِ، أوْ مُقْتَدِرًا، أوْ عالِمًا ﴿ حَكِيمًا ﴾ مُتْقِنًا في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ أي علمت مِنْ بَعْلِها يعني زوجها نُشُوزاً يعني عصياناً في الأثرة أَوْ إِعْراضاً عنها وترك محادثتها، نزلت في رافع بن خديج تزوج امرأة أشبّ من امرأته خولة بنت محمد بن مسلمة.

وقال في رواية الكلبي: نزلت في ابنة محمد بن مسلمة، وفي زوجها أسعد بن الزبير تزوجها وهي شابة، فلما أدبرت وعلاها الكبر تزوج عليها امرأة شابة وآثرها عليها، وجفا بنت محمد بن مسلمة، فأتت رسول الله  فشكت إليه فنزل: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً يعني ترك مجامعتها أَوْ إِعْراضاً يعني يعرض بوجهه ويقل مجالستها ومحادثتها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أي لا إثم على الزوج والمرأة أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً قرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما بضم الياء والتخفيف، وهو من الصلح.

وقرأ الباقون أن يصالحا بالألف وتشديد الصاد، لأن أصله وتصالحا فأدغمت التاء في الصاد، وأقيم التشديد مكانه، ثم قال: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ يعني الصلح خير من الفرقة.

ويقال: الصلح خير من النشوز، ويقال: الصلح خير من الخصومة والخلاف.

وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً قال: قول الرجل لامرأته أنت كبيرة، وإني أريد أن أستبدل بك شابة، فقري على ولدك ولا أقسم لك من نفسي شيئاً ورضيت بذلك، فذلك الصلح بينهما.

قال: وهذا قول أبي السنابل بن بعكك حين جرى بينهما هذا الصلح، ثم صارت الآية عامة في جواز الصلح الذي يجري فيما بين الناس، لقوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.

ثم قال تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ يعني الشح حملها على أن تدع نصيبها، ويقال: شحت المرأة بنصيبها من زوجها أن تدعه للأخرى، وشحّ الرجل بنصيبه من الأخرى.

وقال مقاتل: طمعها وحرصها يجرها إلى أن ترضى.

ثم قال تعالى: وَإِنْ تُحْسِنُوا يقول تحسنوا إليهن وَتَتَّقُوا الميل والجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً في الإحسان والجور.

قوله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ يقول: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب بين الشابة والكبيرة وَلَوْ حَرَصْتُمْ أي ولو جهدتم، ولكن اعدلوا في القسمة والنفقة فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ بالنفقة والقسمة إلى الشابة فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ بغير قسمة كالمسجونة لا أيم ولا ذات بعل.

وروي عن أبي هريرة عن النبيّ  أنه قال: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَالَ إِلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» .

وفي رواية أخرى «وَأَحَدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ» .

وروى أبو أيوب عن أبي قلابة قال: كان النبيّ  يقسم بين نسائه فيعدل في القسمة ويقول: «اللَّهُمَ هذا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ» .

يعني الحب والجماع.

ثم قال تعالى: وَإِنْ تُصْلِحُوا يعني تصلحوا بينهما بالسوية وَتَتَّقُوا الجور والميل فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً حيث رخص لكم في الصلح.

ثم قال عز وجل: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يعني الزوج والمرأة يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ يعني من رزقه.

وقال مجاهد: يعني الطلاق.

وروي عن جعفر بن محمد أن رجلاً شكا إليه الفقر فأمره بالنكاح، فذهب الرجل وتزوج ثم جاء إليه فشكا إليه الفقر، فأمره بالطلاق، فسئل عن ذلك فقال: أمرته بالنكاح.

وقلت: لعله من أهل هذه الآية إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور: 32] فلما لم يكن من أهل هذه الآية.

قلت: فلعله من أهل هذه الآية (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كلاًّ من سعته) وروي عن أبيّ بن كعب أنه كان يقرأ فَتَذَرُوهَا كَأَنَّهَا مسجونة ثم قال: وَكانَ اللَّهُ واسِعاً يعني واسع الفضل حَكِيماً حكم بفرقتهما وتسويتهما.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الإطلاق، والمستوِي في الأفعالِ، والأقوالِ، والمحبَّة، والجِمَاعِ، وغير ذلك، «وكان صلّى الله عليه وسلّم يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ، هَذَا فِعْلِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا تَمْلِكُ، وَلاَ أَمْلِكُ» «١» .

فوصف اللَّه سبحانه حالة البَشَر أنهم بحُكْم الخِلْقَةِ لا يملكُونَ مَيْلَ قلوبهم إلى بعضِ الأزواج، دون بعضٍ، ثم نهى سبحانه عن المَيْل كلَّ الميل، وهو أنْ يفعل فعلاً يقصِدُه من التفضيل، وهو يقدر ألاَّ يفعله، فهذا هو كلُّ المَيْل، وإن كان في أمر حقير.

وقوله سبحانه: فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ، أي: لا هي أيّم، ولا ذات زوج، وجاء في التي قبل: وَإِنْ تُحْسِنُوا، وفي هذه: وَإِنْ تُصْلِحُوا لأن الأولى في مندوب إليه، وفي هذه في لازم إذ يلزمه العدل فيما يملك.

وقوله تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ...

الآية: إنْ شَحَّ كلُّ واحدٍ من الزوجَيْن، فلم يتصالحا، لكنهما تفرَّقا بطلاقٍ، فإن اللَّه تعالى يغنِي كلَّ واحدٍ منهما عن صاحبه بفَضْلِهِ، ولطائِفِ صُنْعه في المالِ، والعِشْرة، والسَّعَة، وجَوْدِ المراداتِ، والتمكُّن منها، والواسعُ: معناه: الذي عنده خزائن كلّ شيء.

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣)

وقوله سبحانه: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ: تنبيهٌ على موضع الرجاءِ لهذَيْن المفترقَيْن، ثم جاء بعد ذلك قوله: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تنبيهاً على استغنائه عن العباد، ومقدّمة للخبر بكونه غنيّا حميد، ثم جاء بعد

ذلك قوله: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا مقدِّمة للوعيد، فهذه وجوهُ تَكْرَارِ هذا الخبرِ الواحدِ ثلاثَ مرَّاتٍ متقاربةٍ.

ت: وفي تمشيته هذه عندي نَظَرٌ، والأحْسَنُ بقاءُ الكلامِ على نَسَقِهِ فقوله (رحمه اللَّه) : «تَنْبِيه على مَوْضِعِ الرَّجَاءِ لهذين المفترقَيْن» - حَسَنٌ، وإنما الذي فيه قَلَقٌ ما بعده من توجيهه.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ ...

الآية: لفظٌ عامٌّ لكل مَنْ أوتيَ كتاباً، فإنَّ وصيَّته سبحانه لعباده لم تَزَلْ منذُ أوجَدَهُمْ.

ت: قال الأستاذ أبو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ «١» في «سِرَاجِ المُلُوكِ» /: ولما ضَرَبَ ابْنُ مُلْجِمٍ «٢» عليًّا (رضي اللَّه عنه) ، أُدْخِلَ منزلَهُ، فاعترته غشيةٌ، ثم أفاقَ، فدعا أولاده

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَتَفَرَّقا ﴾ يَقُولُ: وإنْ أبَتِ المَرْأةُ أنْ تَسْمَحَ لِزَوْجِها بِإيثارِ الَّتِي يَمِيلُ إلَيْها، واخْتارَتِ الفُرْقَةَ، فَإنَّ اللَّهَ يُغْنِي كُلَّ واحِدٍ مِن سَعَتِهِ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: يُغْنِي المَرْأةَ بِرَجُلٍ، والرَّجُلِ بِامْرَأةٍ.

ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوجِبُ الرَّغْبَةَ إلَيْهِ في طَلَبِ الخَيْرِ، فَقالَ: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ يَعْنِي: أهْلُ التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، وسائِرِ الكُتُبِ ﴿ وَإيّاكُمْ ﴾ يا أهْلَ القُرْآَنِ ﴿ أنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ قِيلَ: وحِّدُوهُ ﴿ وَإنْ تَكْفُرُوا ﴾ بِما أوْصاكم بِهِ ﴿ فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ فَلا يَضُرُّهُ خِلافُكم.

وقِيلَ: لَهُ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَهم أطْوَعُ لَهُ مِنكم.

وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ (البَقَرَةِ) مَعْنى "الغَنِيُّ الحَمِيدُ"، وفي (آَلِ عِمْرانَ) مَعْنى "الوَكِيلُ" .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلا مِن سَعَتِهِ وكانَ اللهُ واسِعًا حَكِيمًا ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللهَ غَنِيًّا حَمِيدًا ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا ﴾ ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها الناسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴾ اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ "يَتَفَرَّقا"؛ لِلزَّوْجَيْنِ اللَذَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما؛ أيْ: "إنْ شَحَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما؛ فَلَمْ يَتَصالَحا؛ لَكِنَّهُما تَفَرَّقا بِطَلاقٍ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى يُغْنِي كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عن صاحِبِهِ بِفَضْلِهِ؛ ولَطائِفِ صُنْعِهِ؛ في المالِ؛ والعِشْرَةِ؛ والسَعَةِ؛ وجُودِ المُراداتِ؛ والتَمَكُّنِ مِنها؛ وذَهَبَ بَعْضُ الفُقَهاءِ المالِكِيِّينَ إلى أنَّ التَفَرُّقَ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِالقَوْلِ؛ إذِ الطَلاقُ قَوْلٌ؛ واحْتَجَّ بِهَذِهِ عَلى قَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "اَلْبَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا"؛» إذْ مَذْهَبُ مالِكٍ في الحَدِيثِ أنَّهُ التَفَرُّقُ بِالقَوْلِ؛ لا بِالبَدَنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ إخْبارَها إنَّما هو عَنِ افْتِراقِهِما بِالأبْدانِ؛ وتَراخِي المُدَّةِ بِزَوالِ العِصْمَةِ؛ والإغْناءُ إنَّما يَقَعُ في ثانِي حالٍ؛ ولَوْ كانَتِ الفُرْقَةُ في الآيَةِ الطَلاقَ لَما كانَ لِلْمَرْأةِ فِيها نَصِيبٌ يُوجِبُ ظُهُورَ ضَمِيرِها في الفِعْلِ؛ وهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنَ المُعارَضَةِ في المَسْألَةِ؛ و"اَلْواسِعُ"؛ مَعْناهُ: اَلَّذِي عِنْدَهُ خَزائِنُ كُلِّ شَيْءٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ الرَجاءِ لِهَذَيْنِ المُفْتَرِقَيْنِ؛ ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ ؛ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادِ؛ ومُقَدِّمَةٌ لِلْخَبَرِ بِكَوْنِهِ "غَنِيًّا حَمِيدًا"؛ ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ؛ وكَفى بِاللهِ وكِيلا ﴾ ؛ مُقَدِّمَةٌ لِلْوَعِيدِ؛ فَهَذِهِ وُجُوهُ تَكْرارِ هَذا الخَبَرِ الواحِدِ ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَقارِبَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ ؛ لَفْظٌ عامٌّ لِكُلِّ مَن أُوتِيَ كِتابًا؛ فَإنَّ وصِيَّةَ اللهِ عِبادَهُ بِالتَقْوى لَمْ تَزَلْ مُنْذُ أوَجَدَهُمْ؛ و"اَلْوَكِيلُ": اَلْقائِمُ بِالأُمُورِ؛ المُنْفِذُ فِيها ما رَآهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيُّها الناسُ ﴾ ؛ مُخاطَبَةٌ لِلْحاضِرِينَ مِنَ العَرَبِ؛ وتَوْقِيفٌ لِلسّامِعِينَ؛ لِتَحَضُّرِ أذْهانِهِمْ؛ وقَوْلُهُ: "بِآخَرِينَ"؛ يُرِيدُ: مِن نَوْعِكُمْ؛ ورُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِيَدِهِ عَلى كَتِفِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ ؛ وقالَ: "هم قَوْمُ هَذا"؛» وتَحْتَمِلُ ألْفاظُ الآيَةِ أنْ تَكُونَ وعِيدًا لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ؛ ويَكُونَ الآخَرُونَ مِن غَيْرِ نَوْعِهِمْ؛ كَما قَدْ رُوِيَ: أنَّهُ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَعْبُدُونَ اللهَ قَبْلَ بَنِي آدَمَ؛ وقُدْرَةُ اللهِ تَعالى عَلى ما ذُكِرَ تَقْضِي بِها العُقُولُ بِبَداهَتِها؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: هَذا الوَعِيدُ والتَوْبِيخُ هو لِلْقَوْمِ الَّذِينَ شَفَّعُوا في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ وخاصَمُوا عنهُ في أمْرِ خِيانَتِهِ في الدِرْعِ؛ والدَقِيقِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ واللَفْظُ إنَّما يَظْهَرُ حُسْنُ رَصْفِهِ بِعُمُومِهِ؛ وانْسِحابِهِ عَلى العالَمِ جُمْلَةً؛ أوِ العالَمِ الحاضِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف لبقية إفتاء الله تعالى.

وهذا حكم اختلال المعاشرة بين الزوجين، وقد تقدّم بعضه في قوله: ﴿ واللاتي تخافون نشوزهنّ ﴾ [النساء: 34] الآية، في هذه السورة، فذلك حكم فصْل القضاء بينهما، وما هنا حكم الانفصال بالصلح بينهما، وذلك ذكر فيه نشوز المرأة، وهنا ذكر نشوز البعْل.

والبعل زوج المرأة.

وقد تقدّم وجه إطلاق هذا الاسم عليه في قوله ﴿ وبعولتهنّ أحقّ بردهنّ في ذلك ﴾ في سورة البقرة (228).

وصيغة ﴿ فلا جناح ﴾ من صيغ الإباحة ظاهراً، فدلّ ذلك على الإذن للزوجين في صلح يقع بينهما.

وقد علم أنّ الإباحة لا تذكر إلاّ حيث يظنّ المنع، فالمقصود الإذن في صلح يكون بخلع: أي عوَض مالي تعطيه المرأة، أو تنازل عن بعض حقوقها، فيكون مفاد هذه الآية أعمّ من مفاد قوله تعالى: ﴿ ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهن شيئاً إلاّ أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ﴾ [البقرة: 229]، فسمّاه هناك افتداء، وسمّاه هنا صلحاً.

وقد شاع في الاستعمال إطلاق الصلح على التراضي بين الخصمين على إسقاط بعض الحقّ، وهو الأظهر هنا.

واصطلح الفقهاء من المالكية: على إطّلاق الافتداء على اختلاع المرأة من زوجها بمال تعطيه، وإطلاق الخلع على الاختلاع بإسقاطها عنه بقية الصداق، أو النفقة لها، أو لأولادها.

ويحتمل أن تكون صيغة ﴿ لا جناح ﴾ مستعملة في التحريض على الصلح، أي إصلاح أمرهما بالصلح وحسن المعاشرة، فنفي الجناح من الاستعارة التمليحية؛ شبّه حال من ترك الصلح واستمرّ على النشوز والإعراض بحال من ترك الصلح عن عمد لظنّه أنّ في الصلح جناحاً.

فالمراد الصلح بمعنى إصلاح ذات البين، والأشهر فيه أن يقال الإصلاح.

والمقصود الأمر بأسباب الصلح، وهي: الإغضاء عن الهفوات، ومقابلة الغلظة باللين، وهذا أنسب وأليق بما يرد بعده من قوله: ﴿ وإن يتفرّقا يغن الله كلاّ من سعته ﴾ .

وللنشوز والإعراض أحوال كثيرة: تقوى وتضعف، وتختلف عواقبها،.

باختلاف أحوال الأنفس، ويجمعها قوله: ﴿ خافت من بِعَلها نشوزاً أو إعراضاً ﴾ .

وللصلح أحوال كثيرة: منها المخالعة، فيدخل في ذلك ما ورد من الآثار الدالّة على حوادث من هذا القبيل.

ففي «صحيح البخاري»، عن عائشة، قالت في قوله تعالى: ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً ﴾ قالت: الرجل يكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول له أجعلك من شأني في حلّ.

فنزلت هذه الآية.

وروى الترمذي، بسند حسن عن ابن عباس، أنّ سودة أمّ المؤمنين وهبت يومها لعائشة، وفي أسباب النزول للواحدي: أنّ ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمراً، أيّ كِبَراً فأراد طلاقها، فقالت له: أمسكني واقْسِم لي ما بدَا لك.

فنزلت الآية في ذلك.

وقرأ الجمهور: ﴿ أن يصّالحا ﴾ بتشديد الصاد وفتح اللام وأصله يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف: «إن يُصْلِحَا» بضمّ التحتيّة وتخفيف الصاد وكسر اللام أي يُصلح كلّ واحد منهما شأَنهما بما يبدو من وجوه المصالحة.

والتعريف في قوله: ﴿ والصلح خير ﴾ تعريف الجنس وليس تعريف العهد، لأنّ المقصود إثبات أنّ ماهية الصلح خير للناس، فهو تذييل للأمر بالصلح والترغيب فيه، وليس المقصود أنّ الصلح المذكورَ آنفاً، وهو الخلع، خير من النزاع بين الزوجين، لأنّ هذا، وإنّ صحّ معناه، ألاّ أنّ فائدة الوجه الأوّل أوفر، ولأنّ فيه التفادي عن إشكال تفضيل الصلح على النزاع في الخيرية مع أنّ النزاع لا خير فيه أصلاً.

ومن جعل الصلح الثاني عين الأوّل غرّته القاعدة المتداولة عند بعض النحاة، وهي: أنّ لفظ النكرة إذا أعيد معرّفاً باللام فهو عين الأولى.

وهذه القاعدة ذكرها ابن هشام الأنصاري في «مغني اللبيب» في الباب السادس، فقال: يقولون: «النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، وإذا أعيدت معرفة، أو أعيدت المعرفة معرفة أو نكرة كانت الثانية عين الأولى»، ثم ذكر أنّ في القرآن آيات تَرُدّ هذه الأحكام الأربعة كقوله تعالى: ﴿ الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوةً ثم جعل من بعد قوة ضعفاً ﴾ [الروم: 54] وقوله: ﴿ أن يصّالحا بينهما صلحاً والصلح خير ﴾ [النساء: 128] ﴿ زدناهم عذاباً فوق العذاب ﴾ [النحل: 88] والشيء لا يكون فوق نفسه ﴿ أن النَّفْس بالنفس ﴾ [المائدة: 45] ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تُنَزّل عليهم كتاباً من السماء ﴾ [النساء: 153]، وأنّ في كلام العرب ما يردّ ذلك أيضاً.

والحقّ أنّه لا يختلف في ذلك إذا قامت قرينة على أنّ الكلام لتعريف الجنس لا لتعريف العهد، كما هنا.

وقد تقدّم القول في إعادة المعرفة نكرة عند قوله تعالى: ﴿ وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ﴾ في سورة البقرة (193).

ويأتي عند قوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربّه ﴾ في سورة الأنعام (37).

وقوله ﴿ خير ﴾ ليس هو تفضيلاً ولكنّه صفة مشبّهة، وزنه فَعْل، كقولهم: سَمْح وسَهْل، ويجمع على خيور.

أو هو مصدر مقابل الشرّ، فتكون إخباراً بالمصدر.

وأمّا المراد به التفضيل فأصل وزنه أفْعَل، فخفّف بطرح الهمزة ثم قلب حركته وسكونه.

جمعه أخيار، أي والصلح في ذاته خير عظيم.

والحمل على كونه تفضيلاً يستدعي أن يكون المفضّل عليه هو النشوز والإعراض.، وليس فيه كبير معنى.

وقد دلّت الآية على شدّة الترغيب في هذا الصلح بمؤكّدات ثلاثة: وهي المصدر المؤكّد في قوله: ﴿ صلحاً ﴾ ، والإظهارُ في مقام الإضمار في قوله: ﴿ والصلح خير ﴾ ، والإخبار عنه بالمصدر أو بالصفة المشبهة فإنّها تدلّ على فعللِ سَجية.

ومعنى ﴿ وأحضرت الأنفس الشحّ ﴾ ملازمة الشحّ للنفوس البشرية حتّى كأنّه حاضر لديها.

ولكونه من أفعال الجبلّة بُني فعله للمجهول على طريقة العرب في بناء كلّ فعل غير معلوممِ الفاعل للمجهول، كقولهم: شُغف بفلانة، واضطُرّ إلى كذا.

ف«الشحّ» منصوب على أنّه مفعول ثان ل«أحضرِت» لأنّه من باب أعطَى.

وأصل الشحّ في كلام العرب البخل بالمال، وفي الحديث " أنْ تَصْدّقَ وأنت صحيح شحيح تخشَى الفقر وتأمل الغنى " وقال تعالى: ﴿ ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون ﴾ [الحشر: 9] ويطلق على حرص النفس على الحقوق وقلّة التسامح فيها، ومنه المشاحّة، وعكسه السماحة في الأمرين.

فيجوز أن يكون المراد بالصلح في هذه الآية صلح المال، وهو الفدية.

فالشحّ هو شحّ المال، وتعقيب قوله: ﴿ والصلح خير ﴾ بقوله: ﴿ وأحضرت الأنفس ﴾ على هذا الوجه بمنزلة قولهم بعد الأمر بما فيه مصلحة في موعظة أو نحوها: وما إخالك تفعل، لقصد التحريض.

ويجوز أن يكون المراد من الشحّ ما جبلت عليه النفوس: من المشاحّة، وعدم التساهل، وصعوبة الشكائم، فيكون المراد من الصلح صلح المال وغيره، فالمقصود من تعقيبه به تحذير الناس من أن يكونوا متلبّسين بهذه المشاحّة الحائلة دون المصالحة.

وتقدّم الكلام على البخل عند قوله تعالى: ﴿ ولا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله ﴾ في سورة آل عمران (180).

وقد اشتهر عند العرب ذمّ الشحّ بالمال، وذمّ من لا سماحة فيه، فكان هذا التعقيب تنفيراً من العوارض المانعة من السماحة والصلح، ولذلك ذيّل بقوله: ﴿ وإن تحسنوا وتتّقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ لما فيه من الترغيب في الإحسان والتقوى.

ثم عذر الناس في شأن النساء فقال: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ أي تمامَ العدل.

وجاء ب (لن) للمبالغة في النفي، لأنّ أمر النساء يغالب النفس، لأنّ الله جعل حُسن المرأة وخُلقها مؤثّراً أشدّ التأثير، فربّ امرأة لبيبة خفيفة الروح، وأخرى ثقيلة حمقاء، فتفاوتهنّ في ذلك وخلوّ بعضهنّ منه يؤثّر لا محالة تفاوتاً في محبّة الزوج بعض أزواجه، ولو كان حريصاً على إظهار العدل بينهنّ، فلذلك قال ﴿ ولو حرصتم ﴾ ، وأقام الله ميزان العدل بقوله: ﴿ فلا تميلوا كلّ الميل ﴾ ، أي لا يُفْرط أحدكم بإظهار الميل إلى أحداهنّ أشدّ الميل حتّى يسوء الأخرى بحيث تصير الأخرى كالمعلّقة.

فظهر أنّ متعلّق ﴿ تميلوا ﴾ مقدّر بإحداهنّ، وأنّ ضمير ﴿ تذروها ﴾ المنصوب عائد إلى غير المتعلّق المحذوف بالقرينة، وهو إيجاز بديع.

والمعلّقة: هي المرأة التي يهجرها زوجها هجراً طويلاً، فلا هي مطلّقة ولا هي زوجة، وفي حديث أمّ زرع «زوجي العَشَنَّق إنْ أنطِقْ أطَلَّقْ وإن أسكُتْ أعَلَّقْ»، وقالت ابنة الحُمَارس: إنّ هي إلاّ حِظَةٌ أو تَطليق *** أو صلَف أو بينَ ذاك تَعْليق وقد دلّ قوله: ﴿ ولن تستطيعوا إلى قوله: فلا تميلوا كلّ الميل ﴾ على أنّ المحبّة أمر قهري، وأنّ للتعلّق بالمرأة أسباباً توجبه قد لا تتوفّر في بعض النساء، فلا يُكلّف الزوج بما ليس في وسعه من الحبّ والاستحسان، ولكنّ من الحبّ حظّاً هو اختياري، وهو أن يَرُوض الزوج نفسه على الإحسان لامرأته، وتحمُّل ما لا يلائمه من خلقها أو أخلاقها ما استطاع، وحسن المعاشرة لها، حتّى يحصّل من الألف بها والحنوّ عليها اختياراً بطول التكرّر والتعوّد.

ما يقوم مقام الميل الطبيعي.

فذلك من الميل إليها الموصى به في قوله: ﴿ فلا تميلوا كلّ الميل ﴾ ، أي إلى إحداهنّ أو عن إحداهنّ.

ثم وسّع الله عليهما إن لم تنجح المصالحة بينهما فأذن لهما في الفراق بقوله: ﴿ وإن يتفرّقا يغن الله كلاًّ من سعته ﴾ .

وفي قوله: ﴿ يغن الله كلاَ من سعته ﴾ إشارة إلى أنّ الفراق قد يكون خيراً لهما لأنّ الفراق خير من سوء المعاشرة.

ومعنى إغناء الله كلاًّ: إغناؤه عن الآخر.

وفي الآية إشارة إلى أنّ إغناء الله كلاّ إنّما يكون عن الفراق المسبوق بالسعي في الصلح.

وقوله: ﴿ وكان الله واسعاً حكيماً ﴾ تذييل وتنهية للكلام في حكم النساء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا ﴾ الآيَةَ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ هَمَّ بِطَلاقِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فَجَعَلَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ عَلى ألّا يُطَلِّقَها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيها.

وَهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ امْرَأةٍ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا.

والنُّشُوزُ: التَّرَفُّعُ عَنْها لِبُغْضِها، والإعْراضُ: أنْ يَنْصَرِفَ عَنِ المَيْلِ إلَيْها لِمُؤاخَذَةٍ أوْ أثَرَةٍ.

﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا ﴾ إمّا مِن تَرْكِ مَهْرٍ أوْ إسْقاطِ قَسْمٍ.

﴿ والصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي خَيْرًا مِنَ النُّشُوزِ والإعْراضِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: خَيْرٌ مِنَ الفُرْقَةِ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنْفُسُ النِّساءِ أُحْضِرَتِ الشُّحَّ عَنْ حُقُوقِهِنَّ مِن أزْواجِهِنَّ وأمْوالِهِنَّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أُحْضِرَتْ نَفْسُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ الشُّحَّ بِحَقِّهِ قَبْلَ صاحِبِهِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ﴾ يَعْنِي بِقُلُوبِكم ومَحَبَّتِكم.

﴿ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ولَوْ حَرَصْتُمْ أنْ تَعْدِلُوا في المَحَبَّةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: ولَوْ حَرَصْتُمْ في الجِماعِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ ﴾ أيْ فَلا تَمِيلُوا بِأفْعالِكم فَتُتْبِعُوها أهْواءَكم.

﴿ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ ﴾ يَعْنِي لا أيِّمًا ولا ذاتَ زَوْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ ﴾ يَعْنِي الزَّوْجَيْنِ إنْ تَفَرَّقا بِالطَّلاقِ.

﴿ يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُغْنِي اللَّهُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالقَناعَةِ والصَّبْرِ عَنْ صاحِبِهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن سَعَتِهِ ﴾ أيْ مِن رَحْمَتِهِ، لِأنَّهُ واسِعُ الرَّحْمَةِ.

والثّانِي: يُغْنِي اللَّهُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ بِمَن هو خَيْرٌ مِنهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن سَعَتِهِ ﴾ أيْ مِن قُدْرَتِهِ لِأنَّهُ واسِعُ القُدْرَةِ.

والثّالِثُ: يُغْنِي اللَّهُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِمالٍ يَكُونُ أنْفَعَ لَهُ مِن صاحِبِهِ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مِن سَعَتِهِ ﴾ أيْ مِن غِناهُ لِأنَّهُ واسِعُ الغِنى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الطيالسي والترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: «خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة، ففعل ونزلت هذه الآية ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا...

﴾ الآية.

قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز» .

وأخرج ابن سعد وأبو داود والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان يطوف علينا يومياً من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله يومي هو لعائشة.

فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة: فأنزل الله في ذلك ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن المنذر عن عائشة ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً...

﴾ الآية.

قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس مستكثراً منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل.

فنزلت هذه الآية.

وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية ﴿ والصلح خير ﴾ في رجل كانت تحته امرأة قد طالت صحبتها وولدت منه أولاداً، فأراد أن يستبدل بها، فراضته على أن يقيم عندها ولا يقيم لها.

وأخرج مالك وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن رافع بن خديج.

أنه كانت تحته امرأة قد خلا من سنها، فتزوج عليها شابة فآثرها عليها، فأبت الأولى أن تقر، فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك؟

قالت: بل راجعني.

فراجعا فلم تصبر على الأثرة، فطلقها أخرى وآثر عليها الشابة، فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً...

﴾ الآية.

وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن سعيد ابن المسيب.

أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمراً، إما كبراً أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني.

واقسم لي ما بدا لك، فاصطلحا على صلح، فجرت السنة بذلك، ونزل القرآن ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عمر.

أن رجلاً سأله عن آية؟

فكره ذلك وضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً ﴾ فقال: عن مثل هذا فسلوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، فيتزوج المرأة الثانية يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.

وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن علي بن أبي طالب.

أنه سئل عن هذه الآية فقال: هو الرجل عنده امرأتان، فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراقها، فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها، فما طابت به نفسها فلا بأس به، فإن رجعت سوَّى بينهما.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر، فيريد أن يتزوج عليها، فيتصالحان بينهما صلحاً على أن لها يوماً ولهذه يومان أو ثلاثة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: تلك المرأة تكون عند الرجل لا يرى منها كثيراً مما يحب، وله امرأة غيرها أحب إليه منها فيؤثرها عليها، فأمر الله إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك، فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخبرها فلا جناح عليه، وهو قوله: ﴿ والصلح خير ﴾ يعني أن تخيير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فينكح عليها المرأة الشابة، ويكره أن يفارق أم ولده فيصالحها على عطية من ماله ونفسه، فيطيب له ذلك الصلح.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: نزلت في أبي السنابل بن بعكك.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سودة بنت زمعة.

وأخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» .

وأخرج الحاكم عن كثير بن عبدالله بن عوف عن أبيه عن جده: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الصلح حائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالاً أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ قال: تشح عند الصلح على نصيبها من زوجها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ قال: هواه في الشيء يحرص عليه.

وفي قوله: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ قال: في الحب والجماع.

وفي قوله: ﴿ فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ﴾ قال: لا هي أيِّم ولا هي ذات زوج.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة قال: نزلت هذه الآية ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ في عائشة، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها أكثر من غيرها.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: كانوا يستحبون أن يسوّوا بين الضرائر حتى في الطيب، يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن جابر بن زيد قال: كانت لي امرأتان، فلقد كنت أعدل بينهما حتى أعد القبل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين.

في الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى.

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: إن كانوا ليسوّون بين الضرائر حتى تبقى الفضلة مما لا يكال من السويق والطعام، فيقسمونه كفاً كفاً إذا كان مما لا يستطاع كيله.

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ قال: في الجماع.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عبيدة في قوله: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ قال في الحب ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ قال: في الغشيان ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ لا أيِّم ولا ذات زوج.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ قال: يعني في الحب ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ قال: لا تتعمدوا الإساءة.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية يقول: لا تمل عليها، فلا تنفق عليها، ولا تقسم لها يوماً.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية يقول: إن أحببت واحدة وأبغضت واحدة فاعدل بينهما.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ قال: لا مطلقة ولا ذات بعل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ كالمعلقة ﴾ قال: كالمسجونة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن يتفرقا ﴾ قال: الطلاق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان الله غنياً ﴾ قال: غنياً عن خلقه ﴿ حميداً ﴾ قال: مستحمداً إليهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ قال: حفيظاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ﴾ قال: قادر والله ربنا على ذلك أن يهلك من خلقه ما شاء ويأت بآخرين من بعدهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا ﴾ ذكر الله جواز الصلح بين الزوجين إن أحبا أن يجتمعا ويتآلفا، فإن أبت الكبيرة الصلح، وأبت إلا التسوية بينها وبين الشابة، فتفرقا بالطلاق، فقد وعد الله تعالى لهما أن يغني كل واحد منهما عن صاحبه -بعد الطلاق- من فضله الواسع، كما أغنى كل واحد بصاحبه قبل الطلاق.

وهذا تسلية لكل واحد منهما، وهذا معنى قول الكلبي وغيره (١) وقال ابن عباس في قوله: ﴿ يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ﴾ : يريد يُعوض للرجل ما يحب، ويعوض المرأة ما تُحب، ويوسع عليهما (٢) وقال الكلبي: (يُغني الله من رزقه) المرأة بزوج، والزوج بامرأة (٣) ﴿ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا  ﴾ .

قال ابن عباس: "يريد لجميع خلقه" (٤) وقال الكلبي: واسعًا لهما في النكاح (٥) وقال أصحاب المعاني: إنما جاز وصف الله بأنه واسع لما فيه من المبالغة في الصفة، وذكر أنه واسع الرزق، واسع الفضل، واسع الرحمة، وواسع القدرة.

ولو ذكر على الأصل لاقتصر على واحد منها، وإذا أطلق ذهب الوهم إلى جميعها، فكان أبلغ في الصفة من هذه الجهة (٦) وقوله تعالى: ﴿ حَكِيمًا  ﴾ .

قال ابن عباس: يريد فيما حكم ووعظ (٧) وقال الكلبي: حكم على الزوج إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان (٨) (١) انظر: "زاد المسير" 2/ 220، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.

(٢) انظرت "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.

(٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 220، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.

(٦) انظر: "البحر المحيط" 3/ 366 (٧) لم أقف عليه.

(٨) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 99.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَن تستطيعوا أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النسآء ﴾ معناه العدل التام الكامل في الأقوال والأفعال والمحبة وغير ذلك فرفع الله ذلك عن عباده، فإنهم لا يستطيعون.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه ثم يقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني بما لا أملك» يعني: ميله بقلبه وقيل: إنّ الآية نزلت في ميله صلى الله عليه وسلم بقلبه إلى عائشة، ومعناها اعتذار من الله تعالى عن عباده ﴿ فَتَذَرُوهَا كالمعلقة ﴾ أي لا ذات زوج ولا مطلقة ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا ﴾ الآية: معناها إن تفرّق الزوجان بطلاق أغنى الله كل واحد منهما من فضله عن صاحبه، وهذا وعد بخير وتأنيس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يصلحا ﴾ من الإصلاح: عاصم وعلي وحمزة وخلف.

الباقون.

﴿ يصالحا ﴾ من التصالح وإدعام التاء في الصاد ﴿ إن يشأ ﴾ حيث كان بغير همز: الأعشى وأوقيه وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.

﴿ وإن تلوا ﴾ بواو واحدة: ابن عامر وحمزة.

الباقون بالواوين ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ كلاهما على ما لم يسم فاعله من التنزيل والإنزال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والباقون: ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ مبنيين للفاعل من التنزيل والإنزال أيضاً.

﴿ وقد نزل ﴾ مشدداً مبنياً للفاعل: عاصم ويعقوب.

الباقون مبنياً للمفعول.

الوقوف: ﴿ في النساء ﴾ ط ﴿ فيهن ﴾ لا للعطف أي الله والمتلو يفتيكم ﴿ الولدان ﴾ لا للعطف أيضاً أي في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ صلحاً ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ الشح ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ كالمعلقة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سعته ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ أن اتقوا الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ حميداً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ بآخرين ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ والأقربين ﴾ ج لابتداء الشرط مع اتفاق المعنى ﴿ أن تعدلوا ﴾ ج لذلك ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أليماً ﴾ ه لا لأن "الذين" صفة المنافقين وإن كان يحتمل النصب والرفع على الذم ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج لأن ما بعده كالتعليل.

/ ﴿ مثلهم ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة المنافقين.

﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع أنه بيان التربص ﴿ معكم ﴾ ز لترجيح جانب العطف وإتمام بيان النفاق.

﴿ نصيب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب: "إن" ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.

التفسير: أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق والبعث على قبول التكاليف هو ما عليه القرآن الكريم من اقتران الوعد بالوعيد وخلط الترغيب بالترهيب وضم الآيات الدالة على العظمة والكبرياء إلى بيان الأحكام.

والاستفتاء طلب الفتوى.

يقال: استفتيت الرجل فأفتاني إفتاء وفتيا وفتوى وهما اسمان يوضعان موضع الإفتاء وهو إظهار المشكل من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل كأنه قوي بيانه ما أشكل فشب وصار فتياً قوياً.

والاستفتاء لا يقع في ذوات النساء وإنما يقع في حالة من أحوالهن فلذلك اختلفوا؛ فعن بعضهم أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما مر في أول السورة فنزلت في توريثهم.

وقيل: إنه في الأوصياء.

وقيل: في توفية الصداق لهن كانت اليتيمة تكون عند الرجل فإن كانت جميلة ومال إليها تزوج بها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها.

أما قوله: ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ ففيه وجوه: أحدها أنه رفع بالابتداء معطوفاً على اسم الله أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب يفتيكم أيضاً.

ويجوز أن يكون رفعاً على الفاعلية لكونه عطفاً على المستتر في يفتيكم، وجاز بلا تأكيد للفصل أي يفتيكم الله والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى كقولك: أعجبني زيد وكرمه.

وذلك المتلو هو قوله: ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى  ﴾ كما سلف في أول السورة جعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب.

وثانيها ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ مبتدأ و ﴿ في الكتاب ﴾ خبره وهي جملة معترضة ويكون المراد من الكتاب اللوح المحفوظ.

والغرض تعظيم حال هذه الآية وأن المخل بها وبمقتضاها من رعاية حقوق اليتامى ظالم متهاون بما عظمه الله، ونظيره في تعظيم القرآن قوله: ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم  ﴾ وثالثها أنه مجرور على القسم لمعنى التعظيم أيضاً كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن وحق المتلو.

ورابعها أن يكون مجروراً على أنه معطوف على المجرور في ﴿ فيهن ﴾ قال الزجاج: إنه ليس بسديد لفظاً لعدم إعادة الخافض، ومعنى لأنه لا معنى لقوله القائل: يفتي الله فيما يتلى عليكم من الكتاب، لأن الإفتاء إنما يكون في المسائل.

وقوله: ﴿ في يتامى النساء ﴾ على الوجه الأول صلة ﴿ يتلى ﴾ أي يتلى عليكم في معناهن أو بدل من ﴿ فيهن ﴾ وعلى سائر الوجوه بدل من ﴿ فيهن ﴾ لا غير.

والإضافة في ﴿ يتامى النساء ﴾ قال الكوفيون: إنها إضافة الصفة إلى الموصوف وأصله في النساء اليتامى.

وقال البصريون: إنها / على تأويل جرد قطيفة وسحق عمامة.

وجوز بعضهم أن يكون المراد بالنساء أمهات اليتامى كما في قصة أم كجة.

ومعنى ﴿ لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث بناء على أنها نزلت في ميراث اليتامى والصغار.

وقال غيره: يعني ما كتب لهن من الصداق.

﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الشهوة والنفرة أي ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، أو ترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن احتج أصحاب أبي حنيفة بالآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة.

ورد باحتمال أن يكون المراد وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، ولأن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر فخطبها المغيرة بن شعبة ورغبت أمها في المال، فجاؤا إلى رسول الله  فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها.

فقال النبي  : "إنها صغيرة وأنها لا تزوج إلا بإذنها وفرق بينها وبين ابن عمر" .

ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ نزلت في ميراث الصغار.

والخطاب في ﴿ أن تقوموا ﴾ للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم.

قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وأن تقوموا ﴾ منصوباً أي ويأمركم أن تقوموا.

ومن جملة ما أخبر الله  أنه يفتيهم به في النساء لكن لم يتقدم ذكره.

قوله ﴿ وإن امرأة خافت ﴾ ارتفاع ﴿ امرأة ﴾ بفعل يفسره خافت أي علمت.

وقيل: ظنت والظاهر أنه على معناه الأصلي إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور العلامات الدالة على وقوع المخوف كأن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو مسنة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة، والبعل الزوج، والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل منهما صاحبه ويتبع نشوز الرجل أن يعرض عنها ويقبح وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها.

عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول: أمسكني وتزوج بغيري وأنت في حل من النفقة والقسم كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله  وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها.

ومعنى الصلح وهو مصدر من غير لفظ الفعل مثل ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً  ﴾ ﴿ أن يصالحا ﴾ على أن تطيب المرأة له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو عن المهر والنفقة فإن هذه الأمور هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى.

أما الوطء فليس كذلك لأن الزوج لا يجبر على الوطء ﴿ والصلح خير ﴾ من الفرقة أو من النشوز والإعراض فاللام للعهد، أو هو خير من الخصومة في كل شيء فاللام للاستغراق وبه تمسك أصحاب أبي حنيفة في جواز الصلح على الإنكار، أو الصلح خير من الخيرات كما أن الخصومة شر من الشرور, والجملة معترضة، وكذا قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب محصل للمقصود.

والشح البخل مع / حرص، وأرض شحاح لا تسيل إلا من مطر كثير.

جعل الشح كالأمر الحاضر للنفوس لأنها جلبت على ذلك.

ثم يحتمل أن يكون هذا تعريضاً بالمرأة أنها تشح ببذل نصيبها أو حقها، أو بالزوج أنه يشح بأنه ينقضي عمره معها مع دمامتها وكبر سنها وعدم الالتذاذ بصحبتها.

واعلم أنه رخص أولاً في الصلح بقوله: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ وغايته ارتفاع الإثم، ثم بين أنه كما لا جناح فيه فكذلك فيه خير كثير.

ثم حث على الإحسان والتقوى وحسم مادة الخصومة رأساً فقال: ﴿ وإن تحسنوا ﴾ أي بالإقامة على نسائكم ﴿ وإن كرهتموهن ﴾ وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة المحوجة إلى الصلح ﴿ فإن الله كان بما تعملون ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿ خبيراً ﴾ فيثيبكم على ذلك.

وعلى هذا فالخطاب للأزواج، وقيل: الخطاب للزوجين أن يحسن كل منهما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم.

وقيل: لغيرهما أن يحسنوا في المصالحة بينهما ويتقوا الميل إلى واحد منهما.

يحكى أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم.

فأجالت يوماً نظرها في وجهه ثم قالت: الحمد لله.

فقال: مالك؟

فقالت: حمدت الله على إني وإياك من أهل الجنة.

لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، والشاكر والصابر من أهل الجنة.

﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا ﴾ لن تقدروا على التسوية بين النساء في ميل الطباع ﴿ ولو حرصتم ﴾ وإذا لم تقدروا عليها بحيث لا يقع ميل ألبتة ولا زيادة ولا نقصان لم تكونوا مكلفين به، وهذا تفسير يناسب مذهب المعتزلة من أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ أي رفع عنكم تمام العدل وغايته ولكن ائتوا منه ما استطعتم بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم.

وبوجه آخر لن تستطيعوا التسوية في الميل القلبي ﴿ ولو حرصتم ﴾ ولا التسوية الكلية في نتائج الحب من الأقوال والأفعال لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها ونفقتها وسائر حقوقها وحظوظها من غير رضا منها ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين السماء والأرض لا على قرار أي غير ذات بعل ولا مطلقة.

والغرض النهي عن الميل الكلي مع جواز التفريط في العدل الكلي في نتائج الميل القلبي، وأما الميل القلبي فمعفو بالكل وبالبعض لأن القلب ليس في تصرف الإنسان وإنما هو بين أصبعين من أصابع الرحمن.

عن النبي  أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل فيقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" يعني المحبة لأن / عائشة كانت أحب إليه.

وعنه  : "من كانت له امرأتان يميل مع أحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" ﴿ وإن تصلحوا ﴾ ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ﴿ وتتقوا ﴾ فيما يستقبل ﴿ فإن الله كان غفوراً رحيماً وإن يتفرقا يغن الله كلاً ﴾ يرزق كل واحد منهما زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشته.

والسعة الغنى والمقدرة ﴿ وكان الله واسعاً ﴾ من الرزق والفضل والرحمة والعلم وأي كمال يفرض ولهذا أطلق.

﴿ حكيماً ﴾ قال ابن عباس: فيما حكم ووعظ.

وقال الكلبي: فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان.

ثم قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وهو كالتفسير لسعة ملكه وملكه.

وفيه أن الذي أمر به من العدل والإحسان إلى اليتامى والنسوان ليس لعجز أو افتقار وإنما يعود فائدة ذلك إلى المكلف لأنه الأحسن له في دنياه وعقباه.

ثم بين أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة لم يلحقها نسخ وتبديل، وإن استغناءه  بالنسبة إلى الأمم السالفة كهو بالنسبة إلى الأمم الآتية فقال: ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي جنسه ليشمل التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف.

وقوله: ﴿ من قبلكم ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ وصينا ﴾ أو بـ ﴿ أوتوا ﴾ وقوله: ﴿ وإياكم ﴾ عطف على ﴿ الذين ﴾ ومعنى ﴿ أن اتقوا ﴾ بأن اتقوا وتكون "أن" المفسرة لأن التوصية في معنى القول.

﴿ وإن تكفروا ﴾ عطف على ﴿ اتقوا ﴾ أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى.

وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصى يخشون عقابه ويرجون ثوابه.

أو قلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة وغيرهم من يوحده ويعبده ويتقيه ﴿ وكان الله ﴾ مع ذلك ﴿ غنياً ﴾ عن خلقه وعن عباداتهم ﴿ حميداً ﴾ في ذاته وإن لم يحمده واحد منهم.

ثم كرر قوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ﴾ تقريراً لأنه أهل أن يتقى وتوكيداً لاستغنائه عن طاعات المطيعين وسيئات المذنبين.

ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ يعدمكم أيها الناس ﴿ ويأت بآخرين ﴾ يوجد خلقاً آخرين غير الإنس أو من جنس الإنس ﴿ وكان الله ﴾ على ذلك الإعدام ثم الإيجاد ﴿ قديراً ﴾ بليغ القدرة لم يزل موصوفاً بذلك ولن يزال كذلك.

وفي الآية من التخويف والغضب ما لا يخفى.

وقيل: الخطاب لأعداء النبي  من العرب والمراد بآخرين ناس يوالونه.

يروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله  /بيده على ظهر سلمان وقال: "إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس" .

ثم رغب الإنسان فيما عنده من الكرامة فقال: ﴿ من كان يريد ثواب الدنيا ﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾ فماله يطلب الأخس بالذات مع أنه إذا طلب الأشرف تبعه الأخس.

فالتقدير: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ليحصل ربط الجزاء بالشرط ﴿ وكان الله سميعا ﴾ لأقوال المجاهدين والطالبين ﴿ بصيراً ﴾ بمطامح عيونهم ومطارح ظنونهم فيجازيهم على نحو ذلك.

ثم بيّن أنّ كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ مجتهدين في اختيار العدل محترزين عن ارتكاب الميل ﴿ شهداء لله ﴾ لوجهه ولأجل مرضاته كما أمرتم بإقامتها ولو كانت تلك الشهادة وبالاً على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين بأن يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره.

وفي كلام الحكماء: "إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى".

أو المراد الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها وأن يقول: أشهد أنّ لفلان على والدي كذا أو على أقاربي كذا.

وإنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لله عكس قوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط  ﴾ لأنّ شهادة الله  عبارة عن كونه خالقاً للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية قوانين العدل في تلك المخلوقات، والأول مقدم علىالثاني.

وأما في حق العباد فالعدالة مقدمة على الشهادة تقدم الشرط على المشروط فاعلم ﴿ إن يكن ﴾ المشهود عليه ﴿ غنياً أو فقيراً ﴾ فلا تكتموا الشهادة طلباً لرضا الغني أو ترحماً على الفقير ﴿ فالله أولى ﴾ بأمورهما ومصالحهما.

وكان حق النسق أن لو قيل فالله أولى به أي بأحد هذين إلاّ أنه ثنى الضمير ليعود إلى الجنسين كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الفقير والغني أي بالأغنياء والفقراء يريد بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ولولا أنّ الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها.

قال السدي: "اختصم إلى النبي  غني وفقير وكان ميله إلى الفقير رأى أنّ الفقير لا يظلم الغني فأبى الله إلاّ أن يقوم بالقسط في الغني والفقير" وأنزل الآية.

وقوله: ﴿ أن تعدلوا ﴾ يحتمل أن يكون من العدل أو من العدول فكأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق.

واحتمال آخر وهو أن يراد اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا أي حتى تتصفوا بصفة العدالة لأنّ العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى.

ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ﴿ وأن تلووا ﴾ بواوين من لوى يلوي إذا فتل، وبواو واحدة من الولاية والمعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل ﴿ أو تعرضوا ﴾ عن الشهادة بما عندكم أو إن وليتم إقامة الشهادة أو تركتموها.

واعلم أن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلاّ / إذا كان راسخ القدم في الإيمان فلهذا أردف ما ذكر بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ وظاهر مشعر بالأمر بتحصيل الحاصل.

فالمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ في الماضي والحاضر ﴿ آمنوا ﴾ في المستقبل أي دوموا على الإيمان واثبتوا.

الثاني: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ تقليداً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً.

الثالث: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ استدلالاً إجمالياً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً تفصيلياً.

الرابع: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله ﴿ آمنوا ﴾ بأن كنه الله  وعظمته وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا ينتهي إليها عقولكم.

الخامس قال الكلبي: "إن عبد الله بن سلام وأسداً وأسيداً ابني كعب وثعلبة بن قيس وجماعة من مؤمني أهل الكتاب قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل فأنزل الله هذه الآية فآمنوا بكل ذلك" .

وقيل: إن المخاطبين ليسوا هم المسلمين والتقدير: ﴿ يا أيها الذين آمنوأ ﴾ بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل ﴿ آمنوا ﴾ بمحمد  والقرآن وبجميع الكتب المنزلة من قبل لا ببعضها فقط، لأن طريق العلم بصدق النبي هو المعجز وأنه حاصل في الكل، فالخطاب لليهود والنصارى.

أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالسان ﴿ آمنوا ﴾ بالقلب فهم المنافقون, أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللات والعزى ﴿ آمنوا ﴾ بالله فهم المشركون، والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل جنسه.

فإن قيل: لم ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب.

وذكر في مراتب الكفر أموراً خمسة؟

أجيب بأن الإيمان بالثلاثة يلزم منه الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر، لكنه ربما ادّعى الإنسان أنه يؤمن بالثلاثة ثم إنه ينكر الملائكة واليوم الآخر لتأويلات فاسدة، فلما كان هذا الاحتمال قائماً نص على أن منكر الملائكة والقيامة كافر بالله.

فإن قيل: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب في مراتب الكفر عكس الأمر؟

فالجواب أن الكتاب مقدم على الرسول في مرتبة النزول من الخالق إلى الخلق، وأما في العروج فالرسول مقدم على الكتاب.

وبوجه آخر الرسول الأول هو نبينا محمد  والرسل عام له ولغيره، فلما خص ذكره أولاً للتشريف جعل ذكره تالياً لذكر الله لمزيد التشريف ولبيان أفضليته  .

ثم لما رغب في الإيمان والثبات عليه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً ﴾ والمراد الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان تارات وأطواراً.

قال القفال: وليس المراد بيان العدد بل المراد ترددهم وتمرنهم على ذلك.

وقيل: اليهود هم آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بعزير ثم آمنوا بداود ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً عند مقدم محمد  .

وقيل: هم المنافقون أظهروا الإسلام / ثم كفروا بنفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، ثم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، ثم ازدادوا كفراً بجدهم واجتهادهم في استخراج وجوه المكايد في حق المسلمين.

قيل: هم طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة والكفر أخرى على ما أخبر الله  عنهم أنهم قالوا: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون  ﴾ ثم إنهم بالغوا في ذلك وازدادوا إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام.

وفي الآية دلالة على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وذلك يبطل مذهب القائلين بالموافاة وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت الشخص على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان.

وفيها أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان فيجب أن يكون الإيمان كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذا الآخر.

وكيف يزداد كفرهم فيه وجوه: أحدهها أنهم ماتوا على كفرهم.

وثانيها بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم وعلى هذا فإصابة الطاعات وقت الإيمان تكون زيادة في الإيمان.

وثالثها استهزاؤهم بالدين.

أما قوله  : ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ فقيل عليه اللام تفيد نفي التأكيد وهذا لا يليق بالوضع إنما اللائق به تأكيد النفي.

وأجيب بأن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم أفاد تأكيد النفي.

ثم أورد عليه أن الكفر قبل التوبة غير مغفور على الإطلاق وحينئذٍ تضيع الشرائط المذكورة في الآية، وبعد التوبة مغفور ولو بعد ألف مرة فكيف يصح النفي؟

وأجيب بأن اللام في الذين لمعهودين وهم قوم علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر لا يتوبون عنه قط، فقوله: ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ إخبار عن موتهم على الكفر، أو اللام للاستغراق وخرج الكلام على الغالب المعتاد وهو أن من كان مضطرب الحال كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر، لم يكن للإيمان في قلبه وقع واحتشام.

فالظاهر من حال مثله أنه يموت على الكفر، فليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبراً بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب كالفاسق يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يرجى منه الثبات والغالب أنه يموت على الفسق.

﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ أي إلى الإيمان عند الأشاعرة، وعند المعتزلة إلى الجنة.

أو محمول على المنع من زيادة الألطاف.

﴿ بشر المنافقين ﴾ تهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتهم الضرب ﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾ كان المنافقون يوادّون اليهود اعتقاداً منهم أن أمر محمد  لا يتم وحينئذٍ يبتغون بودّهم أن يحصل لهم بهم قوة وغلبة، فخيّب الله آمالهم بقوله: ﴿ فإن العزة لله جميعاً ﴾ وعزّة الله تستتبع عزة الرسول والمؤمنين كقوله: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين  ﴾ و ﴿ جميعاً ﴾ حال من العزة أي مجموعة.

قال المفسرون: إنّ المشركين كانوا بمكة يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤن به / وبين أظهرهم المسلمون ولا يتهيّأ لهم حينئذِ الإنكار عليهم ظاهراً فنزلت إذا ذاك.

﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ فكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ويجالسهم بعض المنافقين فأنزل الله  في هؤلاء المنافقين ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب ﴾ معنى آية الأنعام ﴿ أن إذا سمعتم آيات الله ﴾ هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر والمعنى أنه إذا سمعتم آيات الله حال كونها يكفر بها ويستهزأ بها.

وقال الكسائي: المعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات كما يقال: سمعت عبد الله يلام وفيه نظر، لأنّ إيقاع فعل السماع على الآيات ممكن بخلاف إيقاعه على عبد الله.

﴿ إنكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ إذا مثلهم ﴾ مثل الأحبار في الكفر و "إذن" ههنا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر ولذلك لم يذكر بعدها الفعل أي إذن تكونوا مثلهم، وأفرد ﴿ مثلهم ﴾ لأنها في معنى المصدر نحو ﴿ أنؤمن لبشرين مثلنا ﴾ \[المؤمنون:47\] وقد جمع في قوله: ﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم  ﴾ وإنما لم يحكم بكفر المسلمين بمكة لمجالسة المشركين الخائضين وحكم بنفاق هؤلاء بالمدينة لمجالسة أحبار اليهود الخائضين، لأن مجالسة أولئك المسلمين كانت للضرورة وفي أوان ضعف الإسلام ولم يرد نهي بعد، ومجالسة هؤلاء المنافقين كانت في وقت الاختيار وقوة الإسلام وبعد ورود النهي.

قال أهل العلم: في الآية دليل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان شريكهم في الإثم.

ثم حقق كون المنافقين مثل الكافرين بقوله: ﴿ إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ﴾ يعني القاعدين والمقعود معهم.

والضمير في ﴿ معهم ﴾ يعود إلى الكافرين المستهزئين بدلالة ﴿ يكفر بها ويستهزأ بهأ ﴾ وأراد ﴿ جامع ﴾ بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين تخفيفاً في اللفظ.

والمعنى أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة ومثله قوله  : "المرء مع من أحب" ﴿ يتربصون بكم ﴾ ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من نصر أو إخفاق.

﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ ظهور على اليهود ﴿ قالوا ألم نكن معكم ﴾ مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة ﴿ وإن كان للكافرين ﴾ أي اليهود نصيب استيلاء مّا في الظاهر ﴿ قالوا ألم نستحوذ عليكم ﴾ الحوذ السوق السريع والاستحواذ الغلبة.

وهذا جاء بالواو على أصله كما جاء استروح واستصوب.

وفي الآية وجهان: الأول ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ﴿ ونمنعكم من المؤمنين ﴾ بأن ثبطناهم عنكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم.

الثاني أنّ أولئك الكفار كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام.

ثم إنّ المنافقين نفروهم / وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد  ويقوى أمركم.

فالمراد ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وأرشدناكم إلى مصالحكم فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.

وفي تسمية ظفر المؤمنين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً تثبيت للمؤمنين وتعظيم لما هم عليه من الدين وتحقير لشأن الكافرين وتوهين لأمرهم، فكان ظفر المسلمين أمر عظيم يفتح له أبواب السماء حين ينزل على أولياء الله، وظفر الكافرين حظ دنيوي ينقضي ولا يبقى منه إلاّ الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي بين المؤمن والمنافق.

والغرض أنه يقال: ما وضع السيف على المنافقين في الدنيا ولكن أخر عقابهم إلى يوم القيامة ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ قال علي وابن عباس: المراد في الدنيا ولكن بالحجة أي حجة المسلمين غالبة على حجة الكل.

وقيل: في الآخرة.

وقيل: عام في الكل.

والشافعي بنى عليه مسائل منها: أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه إلى دار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية.

ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً.

ومنها أنّ المسلم لا يقتل بالذمي والله  أعلم.

التأويل: النفس للروح كالمرأة للزوج و ﴿ يتامى النساء ﴾ صفات النفوس و ﴿ ما كتب لهن ﴾ ما أوجب الله للنفوس من الحقوق.

وحاصل المعنى أنّ نفسك مطيتك فارفق بها وإليه الإشارة بقوله: ﴿ والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح ﴾ فالروح تشح بترك حقوق الله، والنفس تشح بحظوظها ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ في رفض حظوظ النفس ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين العالم العلوي والعالم السفلي ﴿ وإن يتفرّقا ﴾ أي الروح والنفس فالروح تجتذب بجذبة دع نفسك وتعالى إلى سعة غنى الله في عالم هويته لتستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود.

والنفس تجتذب عن الروح بجذبة ارجعي إلى ربك إلى سعة غنى الله في عالم فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ للإيمان ثلاث مراتب: إيمان للعوام أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث والجنة والنار والقدر وهذا إيمان غيبي، وإيمان للخواص وهو أنه  إذا تجلّى للعبد بصفة من صفاته خضع له جميع أجزاء وجوده وآمن بالكلية وهذا إيمان عياني، وإيمان للأخص وهو بعد رفع الحجب الأنانية حين أفناه بصفة الجلال وأبقاه بصفة الجمال فلم يبق له إلا عين وبقي في العين وهذا إيمان عيني ﴿ إنّ الذين آمنوا ﴾ أي بالتقليد ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم يكن للتقليد أصل ﴿ ثم آمنوا ﴾ بالاستدلال العقلي ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم تكن عقولهم مشرقة بالنور الإلهي ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ بالشبهات والاعتراضات ﴿ لم يكن الله ﴾ في الأزل غافراً لهم بنوره عند الرش ﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ اليوم لأن الأصل لا يخطىء ﴿ بشر المنافقين ﴾ أي بشرهم بأن أصلهم من / جوهر الكفار ولهذا اتخذوا الكافرين أولياء فإنّ ائتلافهم ههنا نتيجة تعارف أرواحهم وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون.

/ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ...

﴾ الآية.

ذكر الاستفتاء في النساء، وليس فيه بيان عما وقع به السؤال؛ إذ قد يجوز أن يكون في الجواب بيان المراد في السؤال، وإن لم يكن في السؤال بيان؛ نحو قوله -  -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ  ﴾ ؛ دل الأمر باعتزال النساء في المحيض - على أن السؤال عن المحيض إنما كان عن الاعتزال، وإن لم يكن في السؤال بيان المراد؛ وكذلك قوله -  -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 220]؛ دل قوله: ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ ﴾ على أن السؤال إنما كان عن مخالطة اليتامى؛ وكقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ  ﴾ ،؛ دل قوله ﴿ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ على أن السؤال عن الخمر والميسر - ما ذكر في الجواب من الإثم، وإن لم يكن في السؤال بيان ذلك.

ثم قوله -  -: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ ليس في السؤال ولا في الجواب بيان ما وقع به السؤال؛ فيحتمل أن يكون السؤال في أمورهن جميعاً: في الميراث وغير ذلك من الحقوق، ثم ذكر واحداً فواحداً؛ كقوله -  -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ  ﴾ ، كقوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ﴾ الآية [النساء: 32]، هذا في الميراث.

وأما في الحقوق فقال الله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ .

ويحتمل غيرها من الحقوق سوى حقوق النكاح، فترك البيان في الجواب؛ لما ذكر واحداً فواحداً في غيرها من الآي؛ إذ الجواب خرج مخرج العدة أنه يفعل بقوله - عز وجل -: ﴿ يُفْتِيكُمْ ﴾ ، وقد فعل هذا، والله أعلم.

ويحتمل غير هذا: وهو أن يترك البيان في السؤال والجواب؛ لنوازل يعرفها أهلها، لم يحتج إلى بيان ما وقع به السؤال؛ لمعرفة أهلها [به].

ويحتمل ما قاله أهل التأويل: وهو أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار من الأولاد؛ وإنما كانوا يورثون المقاتلة من الرجال والذين يجرزون الغنائم، فلما بين الله - عز وجل - للنساء وللصغار نصيباً في الأموال، وفرض لهم حقّاً، سألوا [عند ذلك] رسول الله  عن ذلك؛ فأنزل الله -  -: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾ ، وكذلك روي عن ابن عباس -  - وذكر القصة هكذا، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون السؤال وقع عن يتامى النساء؛ ألا ترى أنه قال - عز جل -: ﴿ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ الآية.

قيل: كانت اليتيمة في حجر الرجل ذات مال؛ يرغب عن أن يتزوجها لدمامتها، ويمنعها عن الأزواج؛ رغبة في مالها، وهكذا روي عن عائشة،  ا.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية [النساء: 3].

وقوله: ﴿ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ ﴾ .

هذا - والله أعلم - كأنه معطوف على قوله: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ ﴾ ، والمستضعفون من الولدان، على ما ذكرنا من الميراث والحقوق.

﴿ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ﴾ .

في إبقاء حقوقهم وأداء ما لهم عليكم.

﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً ﴾ .

فيجزيكم به، أو كان به عليما: من يفعل الخير ومن لا يفعل الخير، والله أعلم.

وعن الحسن في قوله: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ ، أي: ترغبون عن نكاحهن.

وعن ابن سيرين: لا يرغب في نكاحها؛ لدمامتها، ولا يزوجها غيره؛ رغبة في مالها.

وعلى ذلك يخرج قوله -  -: ﴿ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ...

﴾ الآية، وقوله -  -: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ...

﴾ الآية [النساء: 3].

وفي قوله -  - ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ دلالة أن للولي أن يزوج اليتيمة الصغيرة؛ لأنه لو لم يكن [له] ذلك - لم يكن للعتاب على ترك تزويجهن من غيرهم معنى.

فإن قيل: اسم اليتيم يقع على الصغيرة والكبيرة جميعاً؛ فلعل المراد من اليتيمة: الكبيرة هاهنا، قيل: هو كذلك، غير أن الغالب يقع على الصغائر منهن، والله أعلم.

وفيه دلالة: أن النكاح قد يقوم بالواحد؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ ؛ فلو لم يكن له أن يتزوجها - لم يكن لهذا العتاب معنى؛ دل أن له أن ينكح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً ﴾ .

قيل: خافت، أي: علمت من بعلها نشوزاً.

وقيل: الخوف - هاهنا - خوف لا غير، فمن قال بالخوف فهو حمل على أن يظهر لها منه جفاء؛ يجفوها لدمامتها أو لكبرها، ويسيء صحبتها؛ لترضي بالفراق عنه؛ ليتزوج غيرها، وهو الخوف حقيقة.

وهكذا روي عن ابن عباس -  - أنه قال: إن سودة بنت زمعة خشيت أن يطلقها النبي  فجعلت يومها لعائشة -  ا - فأنزل الله -  -: ﴿ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً...

﴾ الآية.

ثم قال: فهذا الصلح الذي أمر به الله.

فجعل الخوف - هاهنا - خشية.

وعن عائشة -  ا - أنها قالت: هي المرأة تكون عند الرجل دميمة، ولا يحبها زوجها؛ فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني.

وقيل: ﴿ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً ﴾ أي: علمت، والعلم هو أن يكون للرجل امرأتان: إحداهما كبيرة أو دميمة، والأخرى شابة، يميل قلبه إلى الشابة منهما، ويكره صحبة الكبيرة منهما، ويستثقل المقام معها، وأراد فراقها؛ فتقول: لا تفارقني، واجعل أيامي لضرتي، أو يصالحها على أن يكون عند الشابة أكثر من عند الكبيرة، وهو ما روي عن عائشة -  ا - أنها قالت: هي المرأة تكون عند الرجل دميمة، ولا يحبها [زوجها]؛ فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني.

فالخوف هو ما يظهر لها من نشوزه قبل تزوج أخرى - بأعلام، والعلم هو ما يظهر من ترك مضاجعته إياها، وسوء صحبته معها.

وعلى هذين الوجهين رُوي عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - عن بعضهم: يكون عند الرجل امرأتان: إحداهما كبيرة، والأخرى شابة؛ فيؤثر الشابة على الكبيرة؛ فيجري بينهما صلح على أن يمسكها ولا يفارقها على الرضا منها بإبطال حقها أو بدونه، وهو ما روينا من خبر ابن عباس -  - أن سودة -  ا - جعلت أيامها لعائشة -  ا - خشية أن يفارقها.

وكذلك رُوي عن عمر،  .

وروي عن علي -  - أنه أتاه رجل يستفتيه في امرأة خافت من بعلها نشوزاً؛ قال: هي المرأة تكون عند الرجل؛ فتنبو عيناه من دمامتها أو كبرها، أو فقرها، أو سوء خلقها؛ فيكون فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئاً حل له، وإن جعلت من أيامها شيئاً لغيرها فلا حرج.

دلت هذه الأحاديث التي ذكرنا على أن الرجل إذا كان له نسوة أن يسوي بينهن، فيقيم عند كل واحدة يوماً، إلا أن يصطلحا على غير ذلك، والصلح خير، كما قال الله، عز وجل.

وبين قوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ...

﴾ الآية.

أن على الرجل - وإن عدل بين نسائه في قسمة الأيام - ألا يخلي إحداهن من الوطء، والله أعلم.

ولا يكون وطؤه كله لغيرها، وتكون الأخرى كالمعلقة التي ليست بأيم ولا ذات زوج، لكنها إذا رضيت بإبطال حقها أو بدون حقها فإنه لا حرج على الزوج في ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً ﴾ .

يحتمل: أن يكون رفع الحرج عن الزوج خاصة، وإن كان الفعل مضافاً إليهما؛ إذ ليس للمرأة في ترك حقها حرج، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ  ﴾ ليس على المرأة جناح في الافتداء؛ لأنها تفتدى بمالها، ولها أن تُمَلِّكَ على مالها من شاءت؛ فكأنه قال - عز وجل -: فلا جناح عليه في أخذ ما افتدت، أو في إبطال حقها إذا رضيت.

ويحتمل: أن يكون على ما ذكر، وهو أن لا حرج على المرأة المقام معه وإن استثقل الزوج ذلك ويكره صحبتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: شحت المرأة بنصيبها من زوجها أن تدعه للأخرى، وشح الرجل بنصيبه من الأخرى.

وقيل: الشح: الحرص، وهو أن يحرص كل على حقه.

وكأن الشح والحرص واحد، وإن كان أحدهما في المنع، والآخر في الطلب؛ لأن البخل يحمله على الحرص، والحرص يحمله على المنع، وكل واحد منهما يكون سبباً للآخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ .

في أن تعطوهن أكثر من حقهن، وتتقوا في ألا تبخسوا من حقهن شيئاً.

ويحتمل: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ ﴾ في [إبقاء] حقهن، والتسوية بينهن، وتتقوا الجور والميل، وتفضيل بعض على بعض.

ويحتمل: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ ﴾ في اتباع ما أمركم الله من طاعته، وتتقوا عما نهاكم الله من معاصيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ .

على الترغيب والوعيد، وقد ذكرنا معناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ .

عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ في إيفاء الحق أن يستوي في قلوبكم الحب ﴿ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ على العدل؛ لا تقدرون عليه في ذلك.

﴿ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ ﴾ .

إلى التي تحب في النفقة والقسم؛ فتأتي الشابة التي تعجبك، وتدع الأخرى بغير قسم ولا نفقة.

روي عن عمر -  - أنه كان يقول: اللَّهُمَّ أما قلبي فلا أملك، ولكن أرجو أن أعدل فيما سوى ذلك.

والعدل - هاهنا - التسوية؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ  ﴾ ليس هو ضد الجور؛ ولكن التسوية: يسوون بين ربهم وبين الأصنام في العبادة.

وعن عبيدة قال: ﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ في الحب.

وروي عن أبي قلابة -  - أن النبي  كان يعدل بين نسائه في القسمة ويقول: "اللَّهُمَّ هذه قِسْمَتِي فِيْمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تُؤَاخِذْنِي فِيمَا تَمْلِكُ أَنْتَ وَلاَ أَمْلِكُ" وأصل ذلك: أن في كل ما كان المرء مدفوعاً مضطرّاً - فإنه غير مكلف في ذلك، وفي كل ما كان باختيار منه وإيثار غير عليه - فإنه مكلف في ذلك، والحب مما يدفع المرء فيه ويضطر، ولا صنع له فيه، لم يكلف التسوية فيما يكون مدفوعاً فيه مضطرّاً؛ لأنه لا يملك التسوية، وعلى هذا يخرج قولنا: إن الكافر مكلف بالإيمان في حال الكفر؛ لشغله به، واختياره فعل الكفر، ليس كالمضطر، وقد ذكرنا - فيما تقدم -: أن الاستطاعة تكون على ضربين: استطاعة أحوال وأسباب، واستطاعة أفعال، والاستطاعة التي هي استطاعة الأحوال والأسباب من نحو الصحة والسلامة وغيرهما يجوز قبل ومع وبعد، وأما استطاعة الأفعال فإنها لا تكون إلا مع الفعل، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ ﴾ : في النفقة والقسمة، معناه: لا يحملنكم شدة الحب والميل بالقلب أن تتركوا الإنفاق عليها وإيفاء الحق، أعني: حق القسم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ ﴾ .

ليست بأيم ولا ذات بعل، ليست هي بأيم تتكلف هي مؤنتها كما تتكلف الأيم، ولا ذات بعل يتحمل البعل مؤنتها.

وفي حرف أبي بن كعب: "فتذروها كالمسجونة"، وهو ما ذكرنا: لا ينفق هو عليها، ولا يطلقها؛ لتتزوج زوجاً آخر، فهي كالمحبوسة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ .

هم ما ذكرنا في قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ .

هذا ينقض قول من يقول: إنه لم يكن رحيماً ثم صار رحيماً؛ لأنه أخبر أنه كان رحيماً، وهو يقول: صار رحيما، وبالله العصمة.

ثم المسألة: بأن المرأة إذا جعلت أيامها لضرتها، كان لها أن ترجع وتفسخ ذلك؛ لأنها جعلت لها ما لم يجب بعدُ ولم يلزم؛ فكان كمن أبرأ آخر عن حق لم يجب بعد، فإن إبراءه - باطل، له أن يعود إليه، فيأخذه به إذا وجب؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ .

أي: الزوجان [إن تفرقا؛ لما] لم يقدر الزوج على التسوية بينهن ﴿ يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ : المرأة تتزوج آخر، والرجل بأمرأة [أخرى].

ويحتمل: ﴿ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ أن كل واحد منهما - وإن كان غنيا بالآخر في حال النكاح - فالله قادر على أن يغني كل واحد منهما بعد الافتراق، كما كان يرزق قبل الفراق.

وفيه دليل قطع طمع الارتزاق من غير الله، وإن جاز أن يجعل غيره سبباً في ذلك؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ ﴾ ؛ ليعلم كلٌّ أن غناه لم يكن بالآخر؛ حيث وعد لهما الغناء، وكذلك في قوله -  -: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ...

 ﴾ إلى قوله -  -: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ  ﴾ - دليل قطع طمع الارتزاق بعضهم من بعض في النكاح؛ لما وعد لهم الغناء إذا كانوا فقراء.

وفيه دليل وقوع الفرقة بينهما بالمرأة، وبالمكنى من الكلام؛ لمشاركتهما فيه، وإن كان الزوج هو المنفرد بالفراق؛ لما أضاف [الفعل] إليهما بقوله: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ ﴾ وكذلك قوله -  -: ﴿ فَارِقُوهُنَّ  ﴾ و ﴿ سَرِّحُوهُنَّ  ﴾ ، والله أعلم.

وفيه دليل لزوم النفقة في العدة؛ لأنه ذكر الافتراق، والفراق إنما يكون بانقضاء العدة، ثم أخبر - عز وجل - عن غناء كل واحد منهما بالآخر قبل الفراق؛ دل أن للمرأة غناء بالزوج ما دامت بالعدة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً ﴾ .

قيل: واسعاً: جوداً.

وقيل: واسعاً: يوسع على كل منهما رزقه، ﴿ حَكِيماً ﴾ حكم على الزوج: إمساكاً بمعروف أو تسريحاً بإحسان.

وقيل: حكيماً؛ حيث حكم فرقتهما.

وأصل الحكيم: أن يضع كل شيء موضعه.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن تفرق الزوجان بطلاق أو خُلْع أغْنَى الله كلًّا منهما من فضله الواسع، فيغني الرجل بزوجة خير له منها، ويغني المرأة بزوج خير لها منه، وكان الله واسع الفضل والرحمة، حكيمًا في تدبيره وتقديره.

<div class="verse-tafsir" id="91.2oxp6"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله