الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٤٩ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 56 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤٩ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا ) أي : إن تظهروا - أيها الناس - خيرا ، أو أخفيتموه ، أو عفوتم عمن أساء إليكم ، فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه ، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم .
ولهذا قال : ( إن الله كان عفوا قديرا ) ; ولهذا ورد في الأثر : أن حملة العرش يسبحون الله ، فيقول بعضهم : سبحانك على حلمك بعد علمك .
ويقول بعضهم : سبحانك على عفوك بعد قدرتك .
وفي الحديث الصحيح : " ما نقص مال من صدقة ، ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ، ومن تواضع لله رفعه الله " .
القول في تأويل قوله : إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه (12) " إن تبدوا " أيها الناس=" خيرًا "، يقول: إن تقولوا جميلا من القول لمن أحسن إليكم، فتظهروا ذلك شكرًا منكم له على ما كان منه من حسن إليكم (13) =،" أو تخفوه "، يقول: أو تتركوا إظهار ذلك &; 9-351 &; فلا تبدوه (14) =" أو تعفوا عن سوء "، يقول: أو تصفحوا لمن أساءَ إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنت لكم أن تجهروا له به=" فإن الله كان عفوًّا "، يقول: لم يزل ذا عفوٍ عن خلقه، يصفح عمن عصَاه وخالف أمره (15) =" قديرًا "، يقول: ذا قدرة على الانتقام منهم.
(16) وإنما يعني بذلك: أن الله لم يزل ذا عفو عن عباده، مع قدرته على عقابهم على معصيتهم إيّاه.
يقول: فاعفوا، أنتم أيضًا، أيها الناس، عمن أتى إليكم ظلمًا، ولا تجهروا له بالسوء من القول، وإن قدرتم على الإساءة إليه، كما يعفو عنكم ربكم مع قدرته على عقابكم، وأنتم تعصونه وتخالفون أمره.
* * * وفي قوله جل ثناؤه: " إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوًا قديرًا "، الدلالةُ الواضحةُ على أن تأويل قوله: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ، بخلاف التأويل الذي تأوله زيد بن أسلم، (17) في زعمه أن معناه: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لأهل النفاق، إلا من أقام على نفاقه، فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول.
وذلك أنه جل ثناؤه قال عَقِيب ذلك: " إن تبدوا خيرًا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء "، ومعقولٌ أن الله جل ثناؤه لم يأمر المؤمنين بالعفو عن المنافقين على نفاقهم، ولا نهاهم أن يسمُّوا من كان منهم معلنَ النفاق " منافقًا ".
بل العفو عن ذلك، مما لا وجه له معقول.
لأن " العفو " المفهوم، إنما هو صفح المرء عما له قبل غيره من حق.
وتسمية المنافق باسمه ليس بحق لأحد قِبَله، فيؤمر بعفوه عنه، وإنما هو اسم له.
وغير مفهوم الأمرُ بالعفو عن تسمية الشيء بما هو اسمه.
------------------ الهوامش : (12) في المطبوعة والمخطوطة: "يعني بذلك" ، والسياق يقتضي ما أثبت.
(13) انظر تفسير"الإبداء" فيما سلف 5 : 582.
(14) انظر تفسير"الإخفاء" فيما سلف 5 : 582.
(15) انظر تفسير"عفا" و"عفو" فيما سلف 2 : 503 / 3 : 371 / 7 : 215 ، 327 / 8 : 426 / 9 : 102.
وفي المطبوعة والمخطوطة: "يصفح لهم عمن عصاه" ، والصواب حذف"لهم" ، إذ لا مكان لها.
(16) انظر تفسير"قدير" فيما سلف ص: 298 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(17) انظر الأثران رقم: 10763 ، 10764.
ثم أتبع هذا بقوله إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فندب إلى العفو ورغب فيه .
والعفو من صفة الله تعالى مع القدرة على الانتقام ؛ وقد تقدم في " آل عمران " فضل العافين عن الناس .
ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها .
وقيل : إن عفوت فإن الله يعفو عنك .
روى ابن المبارك قال : حدثني من سمع الحسن يقول : إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة نودي ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا ؛ يصدق هذا الحديث قوله تعالى : فمن عفا وأصلح فأجره على الله .
ثم قال تعالى: { إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ } وهذا يشمل كل خير قوليّ وفعليّ، ظاهر وباطن، من واجب ومستحب.
{ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ } أي: عمن ساءكم في أبدانكم وأموالكم وأعراضكم، فتسمحوا عنه، فإن الجزاء من جنس العمل.
فمن عفا لله عفا الله عنه، ومن أحسن أحسن الله إليه، فلهذا قال: { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } أي: يعفو عن زلات عباده وذنوبهم العظيمة فيسدل عليهم ستره، ثم يعاملهم بعفوه التام الصادر عن قدرته.
وفي هذه الآية إرشاد إلى التفقه في معاني أسماء الله وصفاته، وأن الخلق والأمر صادر عنها، وهي مقتضية له، ولهذا يعلل الأحكام بالأسماء الحسنى، كما في هذه الآية.
لما ذكر عمل الخير والعفو عن المسيء رتب على ذلك، بأن أحالنا على معرفة أسمائه وأن ذلك يغنينا عن ذكر ثوابها الخاص.
قوله تعالى : ( إن تبدوا خيرا ) يعني : حسنة فيعمل بها كتبت له عشرا ، وإن هم بها ولم يعملها كتبت له حسنة واحدة ، وهو قوله ( أو تخفوه ) وقيل المراد من الخير : المال ، يريد : إن تبدوا صدقة تعطونها جهرا أو تخفوها فتعطوها سرا ، ( أو تعفوا عن سوء ) أي : عن مظلمة ، ( فإن الله كان عفوا قديرا ) أولى بالتجاوز عنكم يوم القيامة .
«إن تبدوا» تظهروا «خيرا» من أعمال البر «أو تخفوه» تعملوه سرا «أو تعفوا عن سوء» ظلم «فإن الله كان عفّوا قديرا».
نَدَب الله تعالى إلى العفو، ومهَّد له بأنَّ المؤمن: إمَّا أن يُظهر الخير، وإمَّا أن يُخفيه، وكذلك مع الإساءة: إما أن يظهرها في حال الانتصاف من المسيء، وإما أن يعفو ويصفح، والعفوُ أفضلُ؛ فإن من صفاته تعالى العفو عن عباده مع قدرته عليهم.
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى ، وحض على العفو والصفح وفعل الخير فقال : ( إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سواء فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ) .أى : إن تظهروا - أيها الناس - ( خَيْراً ) من طماعة وبر وقول حسن ، وفعل حسن ، أو ( تُخْفُوهُ ) أى ، تخفوه هذا الخير بأن تعملوه سرا ( أَوْ تَعْفُواْ عَن سواء ) بأن تصفحوا عمن أساء إلكم ، يكافئكم الله - تعالى - على ذلك مكافأة حسنة ، ويتجاوز عن خطاياكم ، ( فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ) أى : كثير العفو عن العصاة مع كمال قدرته على مؤاخذتهم ومعاقبتهم فاقتدوا بهذه الصفات الحميدة لتنالوا محبة الله ورضاه .فالآية الكريمة تدعو الناس إلى الإِكثار منفعل الخير سواء أكان سرا أو جهرا ، كما تدعو إلى العفو عن المسيئين إليهم .قال ابن كثير : وفى الحديث الصحيح : " ما نقص مال من صدقة .
وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا .
وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله " .وقال الفخر الرازى : اعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة فى أمرين : صدق مع الحق وخلق مع الخلق .ويتعلق بالخلق محصور فى قسمين : إيصال نفع إليهم ودفع ضرر عنهم .
فقوله .
( إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ ) إشارة إلى إيصال النفع إليهم .
وقوله : ( أَوْ تَعْفُواْ عَن سواء ) إشارة إلى فدع الضرر عنهم .
فدخل فى هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر .ثم بين - سبحانه - رذائل أهل الكتاب وأباطيلهم وسوء مصيرهم بعد حديثه القريب عن المنافقين .
فقال - تعالى -
اعلم أن معاقد الخيرات على كثرتها محصورة في أمرين: صدق مع الحق، وخلق مع الخلق، والذي يتعلق بالخلق محصور في قسمين إيصال نفع إليهم ودفع ضرر عنهم، فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر.
ثم قال تعالى: ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنه تعالى يعفو عن الجانبين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى وهو قول الحسن.
الثاني: أن الله كان عفواً لمن عفا، قديراً على إيصال الثواب إليه.
الثالث: قال الكلبي: إن الله تعالى أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إَلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ إلا جهر من ظلم استثنى من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم.
وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء.
وقيل: هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ [الشورى: 41] وقيل: ضاف رجل قوماً فلم يطعموه، فأصبح شاكياً، فعوتب على الشكاية فنزلت، وقرئ ﴿ إلا من ظلم ﴾ على البناء للفاعل للانقطاع.
أي ولكن الظالم راكب ما لا يحبه الله فيجهر بالسوء.
ويجوز أن يكون (من ظلم) مرفوعاً، كأنه قيل: لا يحب الله الجهر بالسوء، إلا الظالم على لغة من يقول: ما جاءني زيد إلا عمرو، بمعنى ما جاءني إلا عمرو.
ومنه ﴿ لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السموات والأرض الغيب إِلاَّ الله ﴾ [النمل: 65] ثم حث على العفو، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار، بعد ما أطلق الجهر به وجعله محبوباً، حثاً على الأحب إليه، والأفضل عنده والأدخل في الكرم والتخشع والعبودية، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تنبيهاً للعفو، ثم عطفه عليهما اعتداداً به وتنبيهاً على منزلته، وأن له مكاناً في باب الخير وسيطاً والدليل على أن العفو هو الغرض المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله: ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾ أي يعفو عن الجانين مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله.
<div class="verse-tafsir"
لا ﴿ يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ إلّا جَهْرَ مَن ظُلِمَ بِالدُّعاءِ عَلى الظّالِمِ والتَّظَلُّمِ مِنهُ.
وَرُوِيَ أنَّ رَجُلًا ضافَ قَوْمًا فَلَمْ يُطْعِمُوهُ فاشْتَكاهم فَعُوتِبَ عَلَيْهِ.
فَنَزَلَتْ.
وقُرِئَ مَن ظَلَمَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا أيْ ولَكِنَّ الظّالِمَ يَفْعَلُ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا ﴾ لِكَلامِ المَظْلُومِ.
﴿ عَلِيمًا ﴾ بِالظّالِمِ.
﴿ إنْ تُبْدُوا خَيْرًا ﴾ طاعَةً وبِرًّا.
﴿ أوْ تُخْفُوهُ ﴾ أوْ تَفْعَلُوهُ سِرًّا.
﴿ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ﴾ لَكُمُ المُؤاخَذَةُ عَلَيْهِ، وهو المَقْصُودُ وذِكْرُ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ تَشْبِيبٌ لَهُ، ولِذَلِكَ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ أيْ يُكْثِرُ العَفْوَ عَنِ العُصاةِ مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ فَأنْتُمْ أوْلى بِذَلِكَ، وهو حَثٌّ لِلْمَظْلُومِ عَلى العَفْوِ بَعْدَ ما رُخِّصَ لَهُ في الِانْتِظارِ حَمْلًا عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم حث على العفو وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار بعد ما أطلق الجهر به حثاً على الأفضل وذكر ابداء الخير وإخفاءه تسبيبا للعفو فقال {إن تبدوا خيرا}
النساء ١٣٣ _ ١٣٧
مكان جهر السوء {أَوْ تُخْفُوهُ} فتعملوه سراً ثم عطف العفو عليهما فقال {أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء} أي تمحوه عن قلوبكم والدليل على أن العفو هو المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله {فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} أي إنه لم يزل عفواً عن الآثام مع قدرته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنته
﴿ إنْ تُبْدُوا ﴾ أيْ: تُظْهِرُوا ﴿ خَيْرًا ﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وقِيلَ: المُرادُ: (إنْ تُبْدُوا) جَمِيلًا حَسَنًا مِنَ القَوْلِ فِيمَن أحْسَنَ إلَيْكم شُكْرًا لَهُ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخَيْرِ المالُ، والمَعْنى: إنْ تُظْهِرُوا التَّصَدُّقَ ﴿ أوْ تُخْفُوهُ ﴾ أيْ: تَفْعَلُوهُ سِرًّا، وقِيلَ: تَعْزِمُوا عَلى فِعْلِهِ ﴿ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ﴾ أيْ: تَصْفَحُوا عَمَّنْ أساءَ إلَيْكُمْ، مَعَ ما سُوِّغَ لَكم مِن مُؤاخَذَتِهِ، وأُذِنَ فِيها، والتَّنْصِيصُ عَلى هَذا مَعَ انْدِراجِهِ فِي ابْتِداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ - عَلى أحَدِ الأقْوالِ - لِلِاعْتِدادِ بِهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى مَنزِلَتِهِ، وكَوْنِهِ مِنَ الخَيْرِ بِمَكانٍ، وذِكْرُ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لَهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ فَإنَّ إيرادَ العَفْوِ في مَعْرِضِ جَوابِ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُمْدَةَ العَفْوُ مَعَ القُدْرَةِ، ولَوْ كانَ إبْداءُ الخَيْرِ وإخْفاؤُهُ أيْضًا مَقْصُودًا بِالشَّرْطِ لَمْ يَحْسُنِ الِاقْتِصارُ في الجَزاءِ عَلى كَوْنِ اللَّهِ تَعالى (عَفُوًّا قَدِيرًا) أيْ: يُكْثِرُ العَفْوَ عَنِ العُصاةِ مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ عَلى المُؤاخَذَةِ، وقالَ الحَسَنُ: يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ، فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الكَلْبِيُّ: هو أقْدَرُ عَلى عَفْوِ ذُنُوبِكم مِنكم عَلى عَفْوِ ذُنُوبِ مَن ظَلَمَكُمْ، وقِيلَ: (عَفُوًّا) عَمَّنْ عَفا (قَدِيرًا) عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ، نَقْلَهُ النَّيْسابُورِيُّ وغَيْرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ أي لا يحب أن يذكر بالقول القبيح لأحد من الناس إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فيقتص من القول بمثل ما ظلم، فلا جناح عليه.
نزلت الآية في شأن أبي بكر الصديق ، شتمه رجل فسكت أبو بكر مراراً، ثم ردّ عليه، ويقال: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فيدعو الله تعالى على ظالمه.
وقال الفراء: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ يعني ولا من ظلم.
وقال السدي: يقول من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم فليس عليه جناح.
وقال الضحاك: لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ أي لا يحب لكم أن تنزلوا برجل، فإذا ارتحلتم عنه تذمون طعامه إلا رجلاً أردتم النزول عليه عند حاجتكم فمنعكم.
وقال مجاهد: هو في الضيافة إذا دخل الرجل المسافر إلى القوم، يريد أن ينزل عليهم فلم يضيفوه، فقد رخص له أن يذكر كلاماً عنهم ويقول فيهم.
ويقال: يعني يسبه مثل ما سبه ما لم يكن كلاماً فيه حد أو كلمة لا تصلح، ولو لم يقل كان أفضل.
وقرأ بعضهم: إِلَّا مَنْ ظُلِمَ متصل بما يفعل الله بعذابكم إلا من ظلم، يعني من إشراك بالله، وهو شاذ من القراءة ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً أي سميعاً بدعاء المظلوم، عليماً بعقوبة الظالم.
ثم أخبر عن التجاوز أنه خير من الانتصار، فقال تعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً يعني إن تظهروا حسنة أَوْ تُخْفُوهُ يعني الحسنة أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ يعني يتجاوز عن ظالمه ولا يجهر بالسوء عنه، فهو أفضل لأن الله تعالى قادر على عباده فيعفو عنهم، وذلك قوله فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً يعني أن الله أقدر على العقوبة لكم، فيعفو عنكم.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ قال ابن عباس: نزلت الآية في أهل الكتاب، يؤمنون بموسى وعيسى ويكفرون بغيرهما، وهو قوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني يريدون أن يتخذوا ديناً لم يأمر به الله ورسوله وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ بموسى وعزير والتوراة وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ بمحمد وبعيسى والإنجيل والقرآن وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا يعني بين اليهودية والإسلام.
قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا حين كفروا ببعض الرسل وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً يهانون فيه.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ يعني أقروا بوحدانية الله تعالى وصدقوا بجميع الرسل وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ في الإيمان والتصديق، يعني لم يكفروا ولم يجحدوا بأحد من الأنبياء والرسل عليهم السلام، ويصدقون بجميع الكتب أُولئِكَ يعني أهل هذه الصفة سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ أي سنعطيهم ثوابهم في الجنة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوبهم رَحِيماً بهم لما كان منهم في الشرك.
قرأ عاصم في رواية حفص: يُؤْتِيهِمْ بالياء وقرأ الباقون نؤتيهم بالنون.
<div class="verse-tafsir"
به، وليس في ذِكْرِ المنافقينَ قَبْلَهُ ما يقتَضِي أنْ يُحْمَلَ عليهم خاصَّةً، مع احتمال الآية للعُمُومِ، فقطْعُهُ بأنَّ الآية في المنافِقِينَ حُكْمٌ لا يقُومُ به دليلٌ.
انتهى، وهو حَسَنٌ إذ حمل الآية على العُمُومِ أحْسَنُ.
والعَجَب من ع: كيف تَبِعَ الطبريُّ في هذا التَّخْصيصِ، ويظهر- واللَّه أعلم- أنهما عَوَّلا في تخصيص الآية على قوله تعالى: وَآمَنْتُمْ، وهو محتملٌ أن يحمل في حَقِّ المنافقين على ظاهره، وفي حقِّ المؤمنين على معنى: «دُمْتُمْ على إيمانكم» ، واللَّه أعلم.
والشُّكْرُ على الحقيقة لا يَكُونُ إلاَّ مقترناً بالإيمان، لكنه ذكر الإيمان تأكيداً وتنبيهاً على/ جلالة موقعه، ثم وَعَدَ سبحانه بقوله: وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً: أيْ يتقبَّل أقلَّ شيء مِنَ العَمَل، وينَمِّيه فذلك شُكْرٌ منه سبحانه لعباده، والشَّكُورُ من البهائمِ: الَّذي يأكل قليلاً، ويظهر به بَدَنُه، والعَرَبُ تقول في مثل: «أَشْكَرُ مِنْ بَرْوقَةٍ» لأنها يُقَالُ: تخضَرُّ وتتنضَّر بِظِلِّ السَّحاب دُونَ مَطَرٍ، وفي قوله: عَلِيماً: تحذيرٌ ونَدْبٌ إلى الإخلاص.
وقوله تعالى: لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ...
الآية: قراءة الجمهور «١» بضَمِّ الظاء، وقرىء «٢» شاذاً بفتحها، واختلف على قراءة الجمهورِ، فقالَتْ فرقةٌ: المعنى: لا يحبُّ اللَّه أنْ يَجْهَرَ أحدٌ بالسوء من القَوْل إلا مَنْ ظُلِم، فلا يُكْرَهُ له الجَهْرُ به، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في كيفيَّةِ الجَهْر بالسُّوء، وما هو المباحُ منه، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: لا بأسَ لِمَنْ ظلم أن ينتصر من ظلمه بمثْلِ ظُلْمِهِ، ويَجْهَرَ له بالسُّوء من القَوْل، أي: بما يوازي الظَّلاَمَةَ «٣» ، وقال مجاهد وغيره: نزلَتْ في الضَّيْفِ المُحَوَّلِ رَحْلُه، فإنَّه رُخِّصَ له أنْ يجهر بالسُّوءِ من القول للذي لم يُكْرِمْهُ، يريد: بقَدْر الظلمِ، والظُّلاَمةِ «٤» ،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تُبْدُوا خَيْرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن أعْمالِ البِرِّ كالصِّيامِ والصَّدَقَةِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ تَبْدُوا خَيْرًا بَدَلًا مِنَ السُّوءِ.
وأكْثَرُهم عَلى أنَّ "الهاءَ" في "تُخْفُوهُ" تَعُودُ إلى الخَيْرِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: تَعُودُ إلى السُّوءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: أيْ: لَمْ يَزَلْ ذا عَفْوٍ مَعَ قُدْرَتِهِ، فاعْفُوا أنْتُمْ مَعَ القُدْرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مِنَ ظُلِمَ وكانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ ﴿ إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أو تُخْفُوهُ أو تَعْفُوا عن سُوءٍ فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ اَلْمَحَبَّةُ في الشاهِدِ إرادَةٌ يَقْتَرِنُ بِها اسْتِحْسانٌ ومَيْلُ اعْتِقادٍ؛ فَتَكُونُ الأفْعالُ الظاهِرَةُ مِنَ المُحِبِّ بِحَسَبِ ذَلِكَ؛ والجَهْرُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ لا يَكُونُ مِنَ اللهِ تَعالى فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ أما إنَّهُ يُرِيدُ وُقُوعَ الواقِعِ مِنهُ؛ ولا يُحِبُّهُ هو في نَفْسِهِ.
والجَهْرَ: كَشْفُ الشَيْءِ؛ ومِنهُ الجَهْرَةُ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿ أرِنا اللهَ جَهْرَةً ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَهَرَتِ البِئْرُ"؛ إذا حُفِرَتْ حَتّى أخْرَجَتْ ماءَها.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ ؛ وقِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ بِضَمِّ الظاءِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعَطاءُ بْنُ السائِبِ؛ وعَبْدُ الأعْلى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ ؛ ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ؛ وغَيْرُهُمْ: "إلّا مَن ظَلَمَ"؛ بِفَتْحِ الظاءِ؛ واللامِ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِضَمِّ الظاءِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى: لا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ إلّا مَن ظُلِمَ؛ فَلا يُكَرَهُ لَهُ الجَهْرُ بِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في كَيْفِيَّةِ الجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وما هو المُباحُ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ الحَسَنُ: هو الرَجُلُ يَظْلِمُ الرَجُلَ؛ فَلا يَدْعُ عَلَيْهِ؛ ولَكِنْ لِيَقُلْ: "اَللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ؛ اللهُمَّ اسْتَخْرِجْ لِي حَقِّي؛ اللهُمَّ حُلْ بَيْنِي وبَيْنَ ما يُرِيدُ مِن ظُلْمِي"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ: اَلْمُباحُ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ؛ وإنْ صَبَرَ فَهو أحْسَنُ لَهُ؛ وَقالَ مُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُ: هو في الضَيْفِ المُحَوِّلِ رَحْلَهُ؛ فَإنَّهُ يَجْهَرُ لِلَّذِي لَمْ يُكْرِمْهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ فَقَدْ رَخَّصَ لَهُ أنْ يَقُولَ فِيهِ؛ وفي هَذا نَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومُقْتَضاها ذِكْرُ الظُلْمِ؛ وتَبْيِينُ الظُلامَةِ في ضِيافَةٍ وغَيْرِها؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ: لا بَأْسَ لِمَن ظُلِمَ أنْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِ ظُلْمِهِ؛ ويَجْهَرَ لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهَذِهِ الأقْوالُ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ: قَوْلِ الحَسَنِ؛ دُعاءٍ في المُدافَعَةِ؛ وتِلْكَ أقَلُّ مَنازِلِ السُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ وقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ الدُعاءِ عَلى الظالِمِ بِإطْلاقٍ في نَوْعِ الدُعاءِ؛ وقَوْلِ مُجاهِدٍ ؛ ذِكْرِ الظُلامَةِ والظُلْمِ؛ وقَوْلِ السُدِّيِّ ؛ الِانْتِصارِ بِما يُوازِي الظُلامَةَ.
وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ: "إلّا مَن ظُلِمَ"؛ مَعْناهُ: إلّا مَن أُكْرِهَ عَلى أنْ يَجْهَرَ بِسُوءٍ مِنَ القَوْلِ؛ كُفْرًا أو نَحْوَهُ؛ فَذَلِكَ مُباحٌ؛ والآيَةُ في الإكْراهِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ عَلى القِراءَةِ بِفَتْحِ الظاءِ واللامِ؛ فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنى: إلّا مَن ظَلَمَ في قَوْلٍ؛ أو في فِعْلٍ؛ فاجْهَرُوا لَهُ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ في مَعْنى النَهْيِ عن فِعْلِهِ؛ والتَوْبِيخِ؛ والرَدِّ عَلَيْهِ؛ قالَ: وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ اللهُ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ كانَ ذَلِكَ جَهْرًا بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ عَلى مَعْنى التَأْنِيسِ؛ والِاسْتِدْعاءِ إلى الشُكْرِ؛ والإيمانِ؛ ثُمَّ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يُجْهَرَ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا لِمَن ظَلَمَ في إقامَتِهِ عَلى النِفاقِ؛ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: ألَسْتَ المُنافِقَ الكافِرَ الَّذِي لَكَ في الآخِرَةِ الدَرْكُ الأسْفَلُ؟
ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ؛ وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الكَلامِ: ولا يُحِبُّ اللهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُوءِ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ تَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ مَن ظَلَمَ فَهو يَجْهَرُ بِالسُوءِ؛ وهو ظالِمٌ في ذَلِكَ.
وإعْرابُ "مَن" يَحْتَمِلُ في بَعْضِ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ النَصْبَ؛ ويَحْتَمِلُ الرَفْعَ؛ عَلى البَدَلِ مِن "أحَدٌ" اَلْمُقَدَّرُ؛ و"سَمِيعٌ"؛ "عَلِيمٌ": صِفَتانِ لائِقَتانِ بِالجَهْرِ بِالسُوءِ؛ وبِالظُلْمِ أيْضًا؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ ويُجازِي عَلَيْهِ.
وَلَمّا ذَكَرَ تَعالى عُذْرَ المَظْلُومِ في أنْ يَجْهَرَ بِالسُوءِ لِظالِمِهِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ عَرْضَ إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ؛ والعَفْوُ عَنِ السُوءِ وعَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ ؛ وعْدَ إخْفاءٍ؛ تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ؛ ورَغَّبَ في العَفْوِ؛ إذْ ذَكَرَ أنَّها صِفَتُهُ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ؛ فَفي هَذِهِ الألْفاظِ اليَسِيرَةِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ لِمَن تَأمَّلَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ ورُسُلِهِ ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ نَزَلَ في اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّهم في كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - كَأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِجَمِيعِ الرُسُلِ؛ وكُفْرُهم بِالرُسُلِ كُفْرٌ بِاللهِ؛ وفَرَّقُوا بَيْنَ اللهِ ورُسُلِهِ؛ في أنَّهم قالُوا: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِاللهِ؛ ولا نُؤْمِنُ بِفُلانٍ؛ وفُلانٍ؛ مِنَ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ ؛ قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ الأنْبِياءِ؛ وقِيلَ: هو تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِمُحَمَّدٍ في أنَّهُ نَبِيٌّ؛ لَكِنْ لَيْسَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَحْوِ هَذا مِن تَفْرِيقاتِهِمُ الَّتِي كانَتْ تَعَنُّتًا ورَوَغانًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ ؛ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ؛ والإسْلامِ؛ والكُفْرِ الصَرِيحِ المُجَلَّحِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُمُ الكافِرُونَ حَقًّا؛ لِئَلّا يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ الَّذِي عِنْدَهم مِنَ الإيمانِ يَنْفَعُهُمْ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
موقع هذه الآية عقب الآي التي قبلها أنّ الله لما شوّه حال المنافقين وشهّر بفضائحهم تشهيراً طويلاً، كان الكلام السابق بحيث يثير في نفوس السامعين نفوراً من النفاق وأحواله، وبغضاً للملموزين به، وخاصّة بعد أن وصفهم باتّخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وأنَّهم يستهزئون بالقرآن، ونَهى المسلمين عن القعود معهم، فحذّر الله المسلمين من أن يغيظهم ذلك على من يتوسّمون فيه النفاق، فيجاهِروهم بقول السوء، ورخَّص لِمن ظُلم من المسلمين أن يجهر لظالمه بالسوء، لأنّ ذلك دفاع عن نفسه.
روى البخاري: أنّ رجالاً اجتمعوا في بيت عِتبان بن مالك لطعام صنعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائل: أين مالك بن الدّخْشُم، فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحبّ الله ورسوله، فقال رسول الله: " لا تقل ذلك ألا تراه قد قال: لا إله إلاّ الله، يريد بذلك وجهَ الله، فقال: فإنَّا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين ".
الحديثَ.
فظنّ هذا القائل بمالك أنَّه منافق، لملازمته للمنافقين، فوصفه بأنَّه منافق لا يحبّ الله ورسوله.
فلعلّ هذه الآية نزلت للصدّ عن المجازفة بظنّ النفاق بمن ليس منافقاً.
وأيضاً لمّا كان من أخصّ أوصاف المنافقين إظهار خلاف ما يُبطنون فقد ذكرت نجواهم وذكر رياؤهم في هذه السورة وذكرت أشياء كثيرة من إظهارهم خلاف ما يبطنون في سورة البقرة كان ذلك يثير في النفوس خشية أن يكون إظهار خلاف ما في الباطن نفاقاً فأراد الله تبين الفارق بين الحالين.
وجملة ﴿ لا يحبّ ﴾ مفصولة لأنَّها استئناف ابتدائي لهذا الغرض الذي بينّاه: الجهر بالسوء من القول، وقد علم المسلمون أنّ المحبّة والكراهية تستحيل حقيقتهما على الله تعالى، لأنّهما انفعالان للنفس نحو استحسان الحسن، واستنكار القبيح، فالمراد لازمهما المناسب للإلهية، وهما الرضا والغضب.
وصيغة ﴿ لا يحبّ ﴾ ، بحسب قواعد الأصول، صيغة نفي الإذن.
والأصل فيه التحريم.
وهذا المراد هنا؛ لأنّ ﴿ لا يحبّ ﴾ يفيد معنى يكره، وهو يرجع إلى معنى النهي.
وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنّ الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً إلى قوله ويكره لكم قِيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ".
فهذه أمور ثلاثة أكثر أحوالها مُحرّم أو مكروه.
والمراد بالجهر ما يبلغ إلى أسماع الناس إذ ليس السرّ بالقول في نفس الناطق ممّا ينشأ عنه ضرّ.
وتقييده بالقول لأنَّه أضعف أنواع الأذى فيعلم أنّ السوء من الفعل أشدّ تحريماً.
واستثنى ﴿ مَن ظُلم ﴾ فرَخَّص له الجهرَ بالسوء من القول.
والمستثنى منه هو فاعلُ المصدر المقدّر الواقع في سياق النفي، المفيد للعموم، إذ التقدير: لا يحبّ الله جَهْر أحد بالسوء، أو يكون المستثنى مضافاً محذوفاً، أي: إلاّ جَهْرَ من ظلم، والمقصود ظاهر، وقد قضي في الكلام حقّ الإيجاز.
ورخَّص الله للمظلوم الجهر بالقول السيّئ ليشفي غضبه، حتّى لا يثوب إلى السيف أو إلى البَطش باليد، ففي هذا الإذن توسعة على من لا يمسك نفسه عند لحاق الظلم به، والمقصود من هذا هو الاحتراس في حكم ﴿ لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول ﴾ .
وقد دلَّت الآية على الإذن للمظلوم في جميع أنواع الجهر بالسوء من القول، وهو مخصوص بما لا يتجاوز حدّ التظلّم فيما بينه وبين ظالمه، أو شكاية ظلمه: أن يقول له: ظلمتني، أو أنت ظالم؛ وأن يقول للناس: إنَّه ظالم.
ومن ذلك الدعاءُ على الظالم جهراً لأنّ الدعاء عليه إعلان بظلمه وإحالته على عدل الله تعالى، ونظير هذا المعنى كثير في القرآن، وذلك مَخصوص بما لا يؤدّي إلى القذف، فإنّ دلائل النهي عن القذف وصيانة النفس من أن تتعرّض لِحدّ القذف أو تعزيز الغيبة، قائمة في الشريعة.
فهذا الاستثناء مفيد إباحة الجهر بالسوء من القول من جانب المظلوم في جانب ظالمه؛ ومنه ما في الحديث " مَطْلُ الغنيّ ظلم " أي فللممطول أن يقول: فلان مماطل وظالم.
وفي الحديث " لَيُّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته ".
وجملة ﴿ وكان الله سميعاً عليماً ﴾ عطف على ﴿ لا يحبّ ﴾ ، والمقصود أنَّه عليم بالأقوال الصادرة كلّها، عليم بالمقاصد والأمور كلّها، فذِكْرُ «عليماً» بعد «سميعاً» لقصد التعميم في العلم، تحذيراً من أن يظنّوا أنّ الله غير عالم ببعض ما يصدر منهم.
وبعد أن نَهى ورَخّص، ندب المرخَّصَ لهم إلى العفو وقوللِ الخير، فقال: ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفواعن سوء فإن الله كان عفواً قديراً ﴾ ، فإبداء الخير إظهاره.
وعُطف عليه ﴿ أو تخفوه ﴾ لزيادة الترغيب أنْ لا يظنّوا أنّ الثواب على إبداء الخير خاصّة، كقوله: ﴿ إن تبدوا الصدقات فنِعِمَّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ [البقرة: 271].
والعفو عن السوء بالصفح وترك المجازاة، فهو أمر عدميّ.
وجملة ﴿ فإنّ الله كان عفوّا قديرا ﴾ دليل جواب الشرط، وهو علّة له، وتقدير الجواب: يَعفُ عَنكم عند القدرة عليكم، كما أنّكم فعلتم الخير جهراً وخفية وعفوتم عند المقدرة على الأخذ بحقّكم، لأنّ المأذون فيه شرعاً يعتبر مقدوراً للمأذون، فجواب الشرط وعد بالمغفرة لهم في بعض ما يقترفونه جزاء عن فعل الخير وعن العفو عمّن اقترف ذنباً؛ فذكر ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه ﴾ تكملة لما اقتضاه قوله: ﴿ لا يحبّ الله الجهر بالسوء من القول ﴾ استكمالاً لموجبات العفو عن السيّئات، كما أفصح عنه قوله صلى الله عليه وسلم ﴿ وأتْبِع السيّئة الحسنةَ تَمْحُها ﴾ .
هذا ما أراه في معنى الجواب.
وقال المفسّرون: جملة الجزاء تحريض على العفو ببيان أنّ فيه تخلّفاً بالكمال، لأنّ صفات الله غاية الكمالات.
والتقدير: إن تبدو خيراً الخ تكونوا متخلّقين بصفات الله، فإنّ الله كان عفوّاً قديراً، وهذا التقدير لا يناسب إلاّ قوله: ﴿ أو نعفوا عن سوء ﴾ ولا يناسب قوله: ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه ﴾ إلاّ إذا خصّص ذلك بإبداء الخير لمن ظلمهم، وإخفائه عمّن ظلمهم.
وفي الحديث " أن تَعْفُو عمّن ظلمك وتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وتَصِلَ من قطعك ".
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي إلّا أنْ يَكُونَ مَظْلُومًا فَيَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: إلّا أنْ يَكُونَ مَظْلُومًا فَيَجْهَرَ بِظُلْمِ مَن ظَلَمَهُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: إلّا مَن ظُلِمَ فانْتَصَرَ مِن ظالِمِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ.
والرّابِعُ: إلّا أنْ يَكُونَ ضَيْفًا، فَيَنْزِلَ عَلى رَجُلٍ فَلا يُحْسِنُ ضِيافَتَهُ، فَلا بَأْسَ أنْ يَجْهَرَ بِذَمِّهِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
ثُمَّ قالَ بَعْدَ أنْ أباحَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ لِمَن كانَ مَظْلُومًا: ﴿ إنْ تُبْدُوا خَيْرًا أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ﴾ يَعْنِي خَيْرًا بَدَلًا مِنَ السُّوءِ، أوْ تُخْفُوا السُّوءَ، وإنْ لَمْ تُبْدُوا خَيْرًا اعْفُوا عَنِ السُّوءِ، كانَ أوْلى وأزْكى، وإنْ كانَ غَيْرُ العَفْوِ مُباحًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول...
﴾ الآية.
قال: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً، فإنه رخص له أن يدعو على من ظلمه، وإن يصبر فهو خير له.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال: هو الرجل يظلم فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي حل بينه وبين ما يريد ونحو هذا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: عذر الله المظلوم كما تسمعون أن يدعو.
وأخرج أبو داود عن عائشة.
أنها سرق لها شيء، فجعلت تدعو عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبخي عنه بدعائك» .
وأخرج الترمذي عنها.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دعا على من ظلمه فقد انتصر» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال: نزلت في رجل ضاف رجلاً بفلاة من الأرض، فلم يضفه، فنزلت ﴿ إلا من ظلم ﴾ ذكر أنه لم يضفه لا يزيد على ذلك.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج من عنده فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية يقول: إن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول من أحد من الخلق، ولكن يقول: من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم فليس عليه جناح.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كان أبي يقرأ ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ﴾ قال ابن زيد: يقول: من قام على ذلك النفاق فجهر له بالسوء حتى نزع.
وأخرج ابن المنذر عن إسماعيل ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ﴾ قال: كان الضحاك بن مزاحم يقول: هذا في التقديم والتأخير يقول الله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ [ النساء: 147] ﴿ إلا من ظلم ﴾ وكان يقرأها كذلك، ثم قال: ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ أي على كل حال.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا ﴾ قال ابن عباس: "يريد من أعمال البر، مثل: الصدقة والضيافة والصلة" (١) ﴿ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ﴾ قال: "يريد يأتيك من أخيك المسلم، أو من قريبك، أو من ولدك، أو من زوجتك" (٢) ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا ﴾ لمن عفا، متجاوزًا لذنوبه.
﴿ قَدِيرًا ﴾ على ثوابه (٣) وقال الحسن: " ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا ﴾ عن ذنوب العباد، إذ لم يُعجِّل عليهم بالعقوبة، ﴿ قَدِيرًا ﴾ على العفو" (٤) وقال الكلبي: معناه: أن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك (٥) (١) انظر: "زاد المسير" 2/ 239، و"البحر المحيط" 3/ 385.
(٢) لم أقف عليه، وانظر: "الوسيط" 2/ 754.
(٣) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 138 أ.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ أي إلاّ جهر المظلوم فيجوز له من الجهر أن يدعو على من ظلمه، وقيل: أن يذكر ما فعل به من الظلم، وقيل: أن يرد عليه بمثل مظلمته إن كان شتمه ﴿ إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ الآية: ترغيب في فعل الخير سراً وعلانية، وفي العفو عن الظلم بعد أن أباح الانتصار لأن العفو أحب إلى الله من الانتصار، وأكد ذلك بوصفه تعالى نفسه بالعفو مع القدرة.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ في الدرك ﴾ بسكون الراء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير الأعشى.
الباقون بالفتح ﴿ يؤتيهم ﴾ بالياء: حفص وعياش.
الباقون بالنون.
الوقوف: ﴿ خادعهم ﴾ ط لعطف المختلفين.
﴿ كسالى ﴾ لا لأن ﴿ يراؤون ﴾ .
صفتهم ﴿ قليلاً ﴾ ه ز بناء على أن ﴿ مذبذبين ﴾ نصب على الذم، والأوجه أنه حال أي يراؤون مذبذبين ﴿ بين ذلك ﴾ ق وقد قيل على تقدير الابتداء أي لا هم إلى هؤلاء، والأوجه أنه بيان الذبذبة أي لا منسوبين إلى هؤلاء ﴿ هؤلاء ﴾ الثانية ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ط للاستثناء.
﴿ مع المؤمنين ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ وآمنتم ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ظلم ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ببعض ﴾ لا للعطف ﴿ سبيلاً ﴾ ه لأ لأن ما بعده خبر "إن" وقيل: إن الخبر محذوف أي هلكوا وما يتلوه مستأنف.
﴿ حقاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده للعطف والاستئناف ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.
/ التفسير: قال الزجاج: أي يخادعون رسول الله أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ وهو خادعهم اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.
قال ابن عباس: يعطيهم نوراً كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين فينادون انظرونا نقتبس من نوركم.
وباقي تفسير المخادعة تقدم في أول البقرة.
كسالى جمع كسلان كسكارى في سكران أي يقومون متثاقلين متباطئين متقاعسين كما يرى من يفعل شيئاً على كره لا عن طيب نفس ورغبة وهو معنى الكسل.
والسبب في ذلك أنهم يبتغون بها في الحال ولا يرجون من فعلها ثواباً ولا يخافون من تركها عقاباً.
﴿ يراؤون الناس ﴾ أي لا يقومون إلى الصلاة إلاّ لأجل الرياء والسمعة.
ومعنى المفاعلة في الرياء أن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل، أو فاعل ههنا بمعنى فعل بالتشديد كقولك: ناعمة ونعمه ﴿ ولا يذكرون الله ﴾ أي ولا يصلون ﴿ إلا قليلاً ﴾ لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لا يصلون، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس، فإن لم يجدوا مندوحة فحينئذٍ يصلون.
وقيل: إنهم في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً وهو الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى وهو القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها.
وقيل: إنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات إلا ذكراً قليلاً في الندرة كما ترى من بعض المتهاونين بأمور الدين لو صحبته أياماً وليالي لم تسمع منه تهليله ولا تسبيحه ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق أوقاته، ويجوز أن يراد بالقلة العدم، قال قتادة: يريد أن الله لا يقبل صلاتهم لأن ما رده الله فكثيره قليل، وما قبله الله فقليله كثير.
ومعنى مذبذبين ذبذبهم الشيطان والهوى.
وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كل الجانبين أي يذاد ويدفع إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه.
وقرأ ابن عباس ﴿ مذبذبين ﴾ بالكسر أي يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم.
وعن أبي جعفر "مدبدين" بالدال غير المعجمة والمعنى أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة والدبة الطريقة.
ومعنى ﴿ بين ذلك ﴾ أي بين الكفر والإيمان لأن ذكر الكافرين والمؤمنين يدل على الكفر والإيمان وذلك قد يشار به إلى اثنين كقوله: ﴿ عوان بين ذلك ﴾ واعلم أن السبب في التذبذب هو أن الفعل يتوقف على الداعي، فإذا كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم وأنها سيالة متغيرة لزم وقوع التغير في الميل والرغبة، وإذا تعارضت الدواعي والصوارف بقي الإنسان في الحيرة والتردد، وأما من كان مطلوبه في فعله اقتناء الخيرات الباقية واكتساب السعادات الروحانية وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والزوال، لا جرم كان هذا الإنسان ثابتاً في / إيمانه راسخاً في شأنه فلهذا المعنى وصف أهل الإيمان بالثبات ﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ﴾ قيل: إنه ذمهم ترك طريقة المؤمنين وطريقة الكفار، والذم على ترك طريقة الكفار غير جائز, قلنا: إنما توجه الذم لأنهم عدلوا عن الكفر إلى ما هو أخبث وهو طريق النفاق ولهذا ورد فيهم من المبالغات ما ورد من قوله: ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ﴾ ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء ﴾ أي لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء، وهو نهي للمؤمنين عن موالاة المنافقين والتخلق بأخلاقهم ومذاهبهم.
ومعنى ﴿ سلطاناً ﴾ حجة بينة على النفاق لأن وليّ المنافق منافق لا محالة.
ومعنى قوله: ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ أي في أقصى قعرها فإن القعر الأخير من النار درك ودرك ومع ذلك وصف بالأسفل.
ودركات النار منازلها نقيض درجات الجنة، فبين أن المنافق في غاية البعد ونهاية الطرد عن حضرة الله وأنه مع فرعون لأنّ الدرك الأسفل أشد العذاب وقد قال عز من قائل: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ وقيل: إن النار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض.
قال أبو حاتم: جمع الدرك أدراك كفرس وأفراس، وجمع الدرك أدرك كفلس وأفلس.
ثم قال: ﴿ ولن تجد لهم نصيراً ﴾ احتجوا بهذا على إثبات الشفاعة في حق الفساق من أهل القبلة لأنه ذكره في معرض الزجر عن النفاق، فلو حصل نفي الشفاعة مع عدم النفاق لم يبق هذا زجراً عن النفاق من حيث إنه نفاق.
ثم استثنى منهم التائبين فشرط أموراً أربعة أولها التوبة.
وثانيها إصلاح ما أفسدوا من أسرارهم.
وثالثها الاعتصام بدين الله.
ورابعها الإخلاص لأنه إذا كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار تغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله وسعادة الآخرة والاعتصام بحبل الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها.
وعند حصول الشرائط قال: ﴿ فأولئك مع المؤمنين ﴾ ولم يقل مؤمنون تشريفاً للمؤمنين أنهم متبعون والمنافقون بعد الشرائط تبع لهم.
ثم بين وعد المؤمنين بقوله: ﴿ وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً ﴾ ليشمل المنافقين التائبين بالتبعية.
ثم برهن على أن فائدة الإيمان والعمل الصالح إنما ترجع على المكلفين فقال: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ لأن تعذيب الملوك بعض الرعية إنما يكون للتشفي من الغيظ ولدرك الثأر أو لجلب المنافقع أو لدفع المضار وأمثال هذه الأمور في حقه محال، وإنما المقصود حمل المكلفين على فعل الحسن وترك القبيح لينالوا السعادة العظمى، فمن امتثل وأطاع فكيف يليق بكرمه تعذيبه.
قالت المعتزلة: / هذا صريح في أنه لم يخلق أحداً لغرض التعذيب.
وفي أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وإلاّ لصار التقدير ما يفعل الله بعذابكم إن خلق الشكر والإيمان فيكم، ومعلوم أن هذا غير منتظم.
والجواب مسلم أنه غير مستكمل بالتعذيب ولا بالإثابة لكن وقوع البعض في مظاهر اللطف والبعض في مظاهر القهر ضروري كما سبق.
وأيضاً انتهاء الكل إلى إرادته وخلقه وتكوينه ضروري بواسطة أو بغير واسطة، فيؤول المعنى إلى أنه لا يعذبكم إن كنتم مظاهر اللطف وهذا كلام في غاية الصحة.
قال في الكشاف: وإنما قدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر أولاً إلى النعمة فيشكر شكراً مبهماً، ثم إذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به.
وأقول: إن لم تكن الواو للترتيب فلا سؤال، وإن كانت للترتيب فلعله إنما قدم الشكر في هذه الآية خلاف أكثر الآيات التي قدم الإيمان فيها على العمل الصالح وهو الأصل، لأن الآية مسوقة في غرض المنافقين، ولم يقع نزاع في إيمانهم ظاهراً وإنما يقع النزاع في بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني، فكان تقديم الشكر ههنا أهم لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله فيما خلق لأجله حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة ﴿ وكان الله شاكراً ﴾ مثيباً على الشكر فسمى جزاء الشكر شكراً، وفيه أنه يجزي على العمل القليل ثواباً كثيراً ﴿ عليماً ﴾ بالكليات والجزئيات من غير غلط ونسيان فيوصل جزاء الشاكرين إليهم كما يليق بحالهم بل كما يليق بكرمه وسعة فضلة ورحمته.
ثم إنه لما هتك ستر المنافقين وفضحهم وكان هتك الستر منافياً للكرم والرحمة ظاهراً ذكر ما يجري مجرى العذر من ذلك فقال: ﴿ لا يحب الله الجهر ﴾ الآية يعني أنه لا يحب إظهار الفضائح إلا في حق من ظلم وهم المسلمون الذين عظم ضرر المنافقين وكيدهم فيهم.
وأيضاً إن المنافقين إذا تاب وأصلح لم يكد يسلم من تعيير المسلمين إياه على ما صدر عنه في الماضي فبيّن أن تعييرهم بعد التوبة أمر مذموم وأنه لا يرضى به إلا من ظلم نفسه وعاد إلى نفاقه.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه لا يريد من عباده فعل القبائح لأن محبة الله عبارة عن إرادته.
وقالت الأشاعرة: المحبة عبارة عن إيصال الثواب على الفعل وحينئذ يصح أن يقال: إنه أراده وما أحبه.
قال أهل العلم: إنه لا يحب الجهر بالسوء ولا غير الجهر، ولكنه ذكر هذا الوصف لأن كيفية الواقعة أوجبت ذلك كقوله: ﴿ إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ﴾ والتبين واجب في الطعن والإقامة.
أما قوله: ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ فالاستثناء فيه متصل أو منقطع.
وعلى الأول قال أبو عبيدة: تقديره إلاّ جهر من ظلم فحذف المضاف.
وقال الزجاج: الجهر بمعنى المجاهر أي / لا يحب الله المجاهر بالسوء إلاّ من ظلم.
وعلى الثاني المعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته.
وماذا يفعل المظلوم؟
قال ابن عباس: له أن يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه.
وقال مجاهد: له أن يخبر بظلم ظالمه له.
وقال الأصم: لا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكنونة حذراً من الغيبة والريبة لكن له إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب.
وقال الحسن: له أن ينتصر من ظالمه.
وعن مجاهد أن ضيفاً تضيف قوماً فأساؤوا قراه فاشتكاهم فنزلت الآية رخصة في أن يشكو.
وقرأ الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ على البناء للفاعل.
وقيل: إنه كلام منقطع عما قبله أي لكن من ظلم فدعوه وخلوه.
وقال الفراء والزجاج: معناه لكن من ظلم فإنه يجهر له بالسوء من القول ﴿ وكان الله سميعاً عليماً ﴾ فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستوراً.
ثم حث على العفو بقوله: ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه ﴾ وهو إشارة إلى إيصال النفع ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ وهذا إشارة إلى دفع الضرر، وعلى هذين تدور المعاشرة مع الخلق.
﴿ فإنّ الله عفواً قديراً ﴾ قال الحسن: أي يعفو عن الجاني مع قردته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنّة الله.
وقيل: عفو لمن عفا، قدير على إيصال الثواب إليه، وقال الكلبي: معناه أن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك.
وفي الخبر "أن أبا بكر الصديق شتمه رجل فسكت مراراً ثم رد عليه فقام النبي فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس فلما رددت عليه قمت.
قال: إن ملكاً كان يجيب عنك، فلما رددت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أجلس عند مجيء الشيطان" .
ثم إنه تكلم بعد ذكر أحوال المنافقين في مذاهب اليهود والنصارى وأباطيلهم.
وذلك أنواع: الأول إيمانهم ببعض الأنبياء دون بعض فسلكهم في سلك من لا يقر بالوحدانية ولا بالنبوّات وهم الذين يكفرون بالله ورسله، وفي سلك من يقر بالوحدانية وينكر النبوّات وهم الذين يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله في الإيمان بالله والكفر بالرسل؛ وذلك أن اليهود آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد والفرقان، والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد والقرآن فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا بالبعض وأرادوا أن يتخذوا بين ذلك أي بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل سبيلاً أي واسطة ﴿ أولئك ﴾ أي الطوائف الثلاث ﴿ هم الكافرون ﴾ أما الطائفة الأولى فكفرهم ظاهر، وأما الثانية فلأنّ تكذيب الأنبياء وإنكارهم يستلزم تكذيب الله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ وأما الطائفة الثالثة فلأنّ الدليل الدال على نبوة بعض الأنبياء هو المعجزة ويلزم منه حصول النبوة حيث حصل المعجز فالقدح في بعض من ظهر على يده المعجزة هو القدح في كل نبي.
فقيل: هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء ولكن ليس إذا توجه بعض الإلزامات على إنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلاً به، فإلزام الكفر أمر والتزام الكفر غيره.
فالجواب أن الإلزام إذا كان خفياً / يحتاج فيه إلى فكر وتأمل فالأمر كما ذكرتم، أما إذا كان جلياً واضحاً لم يبق بين الإلزام والإلتزام فرق.
وانتصاب ﴿ حقاً ﴾ على أنه مصدر مؤكد لغيره كقوله: زيد قائم حقاً أي أخبرتك بهذا المعنى إخباراً حقاً أي ثابتاً.
وقيل: المراد هم الكافرون كفراً حقاً وطعن الواحدي فيه بأن الكفر لا يكون حقاً بوجه من الوجوه.
وأجيب بأن الحق ههنا الكامل الراسخ الثابت.
ثم ختم النوع بوعد المؤمنين.
ومعنى: ﴿ بين أحد ﴾ بين اثنين منهم أو جماعة لأن أحداً في سياق النفي يفيد التعدد.
ومعنى ﴿ سوف ﴾ توكيد الوعيد لا التأخر المجرد ولهذا قال سيبويه: لن أفعل نفى سوف أفعل.
فالمعنى أن إيتاء الأجور كائن لا محالة وإن تأخر.
التأويل: إنّ المنافقين يخادعون الله في الدنيا لأن الله خادعهم في الأزل حيث رش نوره وشاهدوه ثم أخطأهم إن شكرتم نعم الله عليكم وآمنتكم أنفسكم من عذابه ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ من العوام ولا من التحدث بالنفس من الخواص ولا من الخواطر من الأخص ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ إما بتقاضي دواعي البشرية من غير اختيار أو بابتلاء من اضطرار.
وأيضاً ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ بإفشاء سر الربوبية، وإظهار مواهب الألوهية، أو بكشف القناع من مكنونات الغيب ومصونات غيب الغيب ﴿ إلا من ظلم ﴾ بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال والجمال فاضطر إلى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني: أنا الحق وسبحاني ﴿ إن تبدوا خيراً ﴾ مما كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيهاً للخلق وإفادة بالحق، أو تخفوه صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب وفطامها عن المشارب ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ مما يدعو إليه هوى النفس الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل الله إظهاره سوءاً ﴿ فإن الله كان عفواً ﴾ فتكون عفواً متخلقاً بأخلاقه ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ فيه إشارة إلى أن الإيمان لا يتبعض وإن كان يزيد وينقص مثاله شعاع الشمس؛ إذا دخل كوّة البيت فيزيد وينقص بحسب سعة الكوة وضيقها، ولكن لا يمكن تجزئتها بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذ للشمس والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل - ﴿ لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ .
اختلف في تأويله وتلاوته: قال بعضهم: ﴿ لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ ﴾ من الدعاء إلا من ظلم؛ فإنه لا بأس أن يدعو إذا كان مظلوماً.
وقال آخرون: ﴿ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ هو الشتم؛ أخبر أنه لا يحب ذلك لأحد من الناس، ثم استثنى إلا مَنْ ظلم واعْتُدِيَ عليه؛ فإن رد عليه مثل ذلك، فلا حرج عليه.
وكذلك قال ابن عباس - - قال: ﴿ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ ﴾ أن يشتم الرجل المسلم في وجهه، إلا أن يشتمه فيرد كما قال، وذلك قول الله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ ، وإن يعفو فهو أفضل.
وقرأ بعضهم: "إلا من ظلم" بالنصب، فهو يحتمل: إلا من ظلم؛ فإن له الجهر بالسوء من القول، وإن لم يكن له ذلك؛ وهو كقوله - -: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ ؛ فإنهم - وإن لم يكن لهم حجة عليكم - فإنهم يحتجون عليكم؛ فعلى ذلك الظالم، وإن لم يكن له الجهر بالسوء من القول فإنه يفعل ذلك، والله أعلم.
ومن قرأ: ﴿ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ : بالرفع - فتأويله ما ذكرنا - والله أعلم -: أنه لا يبيح لأحد الجهر بالسوء من القول إلا المظلوم؛ فإنه يباح له أن يدعو على ظالمه، وينتصر منه.
والثاني: ما قيل: من سب آخر، فإنه لا يباح له ولا يؤذن أن يرد عليه مثله وينتصر منه.
وقيل: نزلت الآية في أبي بكر - - شتمه رجل بمكة، فسكت عنه ما شاء الله، ثم انتصر؛ فقام النبي وتركه.
وعن الحسن قال: قال رسول الله : "الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالاَ: فَهُوَ عَلى البَادِئ حَتَّى يَعْتديَ المَظْلومُ" .
وقال: "ألا لا تَسْتَبُّوا، فَإِنَّ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ لاَ مَحَالَةَ، فَعَلِمَ الرَّجُلُ مِنْ صَاحِبِهِ - فَلْيَقُلْ: إِنَّكَ لَجَبَّارٌ، وَإِنَّكَ لَبَخِيلٌ" وأصل هذا الاستثناء أن الأول - وإن لم يكن من نوع ما استثنى - فهو جزاؤه، وجزاء الشيء يسمى باسمه؛ كما سمى الله - عز وجل - [جزاء] السيئة: سيئة، بقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ ، وسمي جزاء الاعتداء: اعتداء، وإن لم يكن الثاني اعتداء ولا سيئة؛ فعلى ذلك استثنى ﴿ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ ، وإن لم يكن من نوعه؛ لأنه جزاء الظلم والاعتداء، والله أعلم.
وقيل: إن الآية نزلت في الضيف ينزل بالرجل فلا يضيفه، ولا يحسن إليه، فجعل له أن يأخذه بلسانه، وإلى هذا يذهب أكثر المتأولين، لكنه بعيد.
وفي قوله: ﴿ لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ دليل على أنه ليس في إباحة الشيء في حال - يوجب حظره في حال أخرى؛ لأنه نهي عن الجهر بالسوء من القول، ثم لم يدل ذلك على أنه لا ينهي عن ذلك في غير حال الجهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً ﴾ .
بجهر السوء: ﴿ عَلِيماً ﴾ به.
ثم قال: ﴿ إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ ﴾ .
يحتمل - والله أعلم - أن العفو والتجاوز خير عند الله من الانتصار؛ فيحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يكون على الترغيب: رغبهم - عز وجل - بالعفو عن السوء والمظلمة، فكما أنه يعفو عن خلقه، ويتجاوز عنهم مع قدرته على الانتقام - فاعفوا أنتم عن ظالمكم أيضاً، وإن [أنتم] قدرتم على الانتصار والانتقام منهم، فيكون لكم بذلك عند الله الثواب.
ويحتمل: أن يأمرهم بالعفو عن مظالمهم؛ ليعفو - عز وجل - عن مظالمهم التي فيما بينهم وبين ربهم؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾ - والله أعلم - فإن الله - عز جل - أقدر على عفو ذنوبكم منكم على عفو صاحبكم المسيء إليكم.
وقال بعضهم: الله أجدر وأحرى أن يعفو عنك إذا عفوت عن أخيك في الدنيا، وهو على ذلك أقدر.
<div class="verse-tafsir"
إن تُظْهرُوا أي خير قولي أو فعلي، أو تستروه، أو تَتجاوزوا عمن أساء إليكم؛ فإن الله كان عفوًا قديرًا، فليكن العفو من أخلاقكم، لعل الله أن يعفو عنكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.xnyeX"
يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.
وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.
إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟
أي دين أرشد إرشاده؟
أي شرع كشرعه في كماله؟
ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟
وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟
لا يحير جوابًا.
وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.
وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.
ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟
ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ .
فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.
متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].
الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.
آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].