الآية ١٥٨ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٥٨ من سورة النساء

بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا ١٥٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٨ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٨ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ) أي منيع الجناب لا يرام جنابه ، ولا يضام من لاذ ببابه ( حكيما ) أي : في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها وله الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة ، والسلطان العظيم ، والأمر القديم .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء ، خرج على أصحابه - وفي البيت اثنا عشر رجلا من الحواريين - يعني : فخرج عليهم من عين في البيت ، ورأسه يقطر ماء ، فقال : إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة ، بعد أن آمن بي .

ثم قال : أيكم يلقى عليه شبهي ، فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ؟

فقام شاب من أحدثهم سنا ، فقال له : اجلس .

ثم أعاد عليهم فقام ذلك الشاب ، فقال : اجلس .

ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال : أنا .

فقال : أنت هو ذاك .

فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء .

قال : وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ، ثم صلبوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة ، بعد أن آمن به ، وافترقوا ثلاث فرق ، فقالت طائفة : كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء .

وهؤلاء اليعقوبية ، وقالت فرقة : كان فينا ابن الله ما شاء ، ثم رفعه الله إليه .

وهؤلاء النسطورية ، وقالت فرقة : كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء ، ثم رفعه الله إليه .

وهؤلاء المسلمون ، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة ، فقتلوها ، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم .

وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ، ورواه النسائي عن أبي كريب ، عن أبي معاوية ، بنحوه وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال لهم : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ، وهو رفيقي في الجنة ؟

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب القمي ، عن هارون بن عنترة ، عن وهب بن منبه قال : أتي عيسى وعنده سبعة عشر من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم .

فلما دخلوا عليه صورهم الله ، عز وجل ، كلهم على صورة عيسى ، فقالوا لهم : سحرتمونا .

ليبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعا .

فقال عيسى لأصحابه : من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة ؟

فقال رجل منهم : أنا .

فخرج إليهم وقال : أنا عيسى - وقد صوره الله على صورة عيسى - فأخذوه وقتلوه وصلبوه .

فمن ثم شبه لهم ، فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى ، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى ، ورفع الله عيسى من يومه ذلك .

وهذا سياق غريب جدا .

قال ابن جرير : وقد روي عن وهب نحو هذا القول ، وهو ما حدثني به المثنى ، حدثنا إسحاق ، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، حدثني عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهبا يقول : إن عيسى ابن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا ، جزع من الموت وشق عليه ، فدعا الحواريين فصنع لهم طعاما ، فقال : احضروني الليلة ، فإن لي إليكم حاجة .

فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم .

فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ، ويمسح أيديهم بثيابه ، فتعاظموا ذلك وتكارهوه ، فقال : ألا من رد علي شيئا الليلة مما أصنع ، فليس مني ولا أنا منه .

فأقروه ، حتى إذا فرغ من ذلك قال : أما ما صنعت بكم الليلة ، مما خدمتكم على الطعام ، وغسلت أيديكم بيدي ، فليكن لكم بي أسوة ، فإنكم ترون أني خيركم ، فلا يتعظم بعضكم على بعض ، وليبذل بعضكم نفسه لبعض ، كما بذلت نفسي لكم .

وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم عليها فتدعون لي الله ، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي .

فلما نصبوا أنفسهم للدعاء ، وأرادوا أن يجتهدوا ، أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء ، فجعل يوقظهم ويقول : سبحان الله !

أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها ؟

قالوا : والله ما ندري ما لنا .

لقد كنا نسمر فنكثر السمر ، وما نطيق الليلة سمرا ، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه .

فقال : يذهب بالراعي وتفرق الغنم .

وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه .

ثم قال : الحق ، ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات ، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة ، وليأكلن ثمني ، فخرجوا وتفرقوا ، وكانت اليهود تطلبه ، وأخذوا شمعون أحد الحواريين ، وقالوا : هذا من أصحابه .

فجحد وقال : ما أنا بصاحبه فتركوه ، ثم أخذه آخرون ، فجحد كذلك .

ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه ، فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال : ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح ؟

فجعلوا له ثلاثين درهما ، فأخذها ودلهم عليه ، وكان شبه عليهم قبل ذلك ، فأخذوه فاستوثقوا منه ، وربطوه بالحبل ، وجعلوا يقودونه ويقولون ، له : أنت كنت تحيي الموتى ، وتنهر الشيطان ، وتبرئ المجنون ، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل ؟

ويبصقون عليه ، ويلقون عليه الشوك ، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها ، فرفعه الله إليه ، وصلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا .

ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى عليه السلام ، فأبرأها الله من الجنون ، جاءتا تبكيان حيث المصلوب ، فجاءهما عيسى فقال : علام تبكيان ؟

فقالتا : عليك .

فقال : إني قد رفعني الله إليه ، ولم يصبني إلا خير ، وإن هذا شبه لهم فأمرا الحواريين يلقوني إلى مكان كذا وكذا .

فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر .

وفقدوا الذي كان باعه ودل عليه اليهود ، فسأل عنه أصحابه فقال : إنه ندم على ما صنع فاختنق ، وقتل نفسه فقال : لو تاب لتاب الله عليه .

ثم سألهم عن غلام كاد يتبعهم ، يقال له : يحيى ، قال : هو معكم ، فانطلقوا ، فإنه سيصبح كل إنسان يحدث بلغة قومه ، فلينذرهم وليدعهم .

سياق غريب جدا .

ثم قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق قال : كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلا منهم ، يقال له : داود ، فلما أجمعوا لذلك منه ، لم يفظع عبد من عباد الله بالموت - فيما ذكر لي - فظعه ولم يجزع منه جزعه ، ولم يدع الله في صرفه عنه دعاءه ، حتى إنه ليقول - فيما يزعمون - " اللهم إن كنت صارفا هذه الكأس عن أحد من خلقك فاصرفها عني " وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دما .

فدخل - المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه - هو وأصحابه ، وهم ثلاثة عشر بعيسى ، عليه السلام ، فلما أيقن أنهم داخلون عليه قال لأصحابه من الحواريين - وكانوا اثني عشر رجلا فطرس ويعقوب بن زبدي ويحنس أخو يعقوب ، وأنداربيس ، وفيلبس ، وأبرثلما ومنى وتوماس ، ويعقوب بن حلفيا ، وتداوسيس ، وقثانيا ويودس زكريا يوطا .

قال ابن حميد : قال سلمة ، قال ابن إسحاق : وكان [ فيهم فيما ] ذكر لي رجل اسمه سرجس ، فكانوا ثلاثة عشر رجلا سوى عيسى ، عليه السلام ، جحدته النصارى ، وذلك أنه هو الذي شبه لليهود مكان عيسى [ عليه السلام ] قال : فلا أدري ما هو ؟

من هؤلاء الاثني عشر ، أو كان ثالث عشر ، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى ، وكفروا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الخبر عنه .

فإن كانوا ثلاثة عشر فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا وهم بعيسى أربعة عشر ، وإن كانوا اثني عشر ، فإنهم دخلوا المدخل [ حين دخلوا ] وهم ثلاثة عشر .

قال ابن إسحاق : وحدثني رجل كان نصرانيا فأسلم : أن عيسى حين جاءه من الله ( إني متوفيك ورافعك إلي ) قال : يا معشر الحواريين ، أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يشبه للقوم في صورتي ، فيقتلوه في مكاني ؟

فقال سرجس : أنا ، يا روح الله .

قال : فاجلس في مجلسي .

فجلس فيه ، ورفع عيسى ، عليه السلام ، فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه ، فكان هو الذي صلبوه وشبه لهم به ، وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة ، قد رأوهم وأحصوا عدتهم .

فلما دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى ، فيما يرون وأصحابه ، وفقدوا رجلا من العدة ، فهو الذي اختلفوا فيه وكانوا لا يعرفون عيسى ، حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهما على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه ، فقال لهم : إذا دخلتم عليه فإني سأقبله ، وهو الذي أقبل ، فخذوه .

فلما دخلوا وقد رفع عيسى ، ورأى سرجس في صورة عيسى ، فلم يشكك أنه عيسى ، فأكب عليه فقبله فأخذوه فصلبوه .

ثم إن يودس زكريا يوطا ندم على ما صنع ، فاختنق بحبل حتى قتل نفسه ، وهو ملعون في النصارى ، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه ، وبعض النصارى يزعم أن يودس زكريا يوطا هو الذي شبه لهم ، فصلبوه وهو يقول : " إني لست بصاحبكم .

أنا الذي دللتكم عليه " .

والله أعلم أي ذلك كان .

وقال ابن جرير ، عن مجاهد : صلبوا رجلا شبهوه بعيسى ، ورفع الله ، عز وجل ، عيسى إلى السماء حيا .

واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) قال أبو جعفر: أما قوله جل ثناؤه: " بل رفعه الله إليه "، فإنه يعني: بل رفع الله المسيح إليه.

يقول: لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكن الله رفعه إليه فطهَّره من الذين كفروا.

* * * وقد بيّنا كيف كان رفع الله إياه إليه فيما مضى، وذكرنا اختلاف المختلفين في ذلك، والصحيحَ من القول فيه بالأدلة الشاهدة على صحته، بما أغنى عن إعادته.

(38) * * * وأما قوله: " وكان الله عزيزًا حكيمًا "، فإنه يعني: ولم يزل الله منتقمًا من أعدائه، (39) كانتقامه من الذين أخذتهم الصاعقة بظلمهم، وكلعنه الذين قصّ قصتهم بقوله: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ =" حكيمًا "، يقول: ذا حكمة في تدبيره وتصريفه خلقَه في قضائه.

(40) يقول: فاحذروا أيها السائلون محمدًا أن ينـزل عليكم كتابًا من السماء، من حلول عقوبتي بكم، كما حل بأوائلكم الذين فعلوا فعلكم، في تكذيبهم رسلي وافترائهم على أوليائي، وقد:- 10793- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمد بن إسحاق بن أبي سارة الرُّؤَاسيّ، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " وكان الله عزيزًا حكيمًا "، قال: معنى ذلك: أنه كذلك.

(41) -------------- الهوامش : (38) انظر ما سلف 6 : 455 - 460.

(39) انظر تفسير"عزيز" و"عزة" فيما سلف ص: 319 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.

(40) انظر تفسير"حكيم" فيما سلف من فهارس اللغة.

(41) الأثر: 10793 -"محمد بن إسحاق بن أبي سارة الرؤاسي" ، لم أعرف له ترجمة ، ولا وجدت له ذكرًا فيما بين يدي من الكتب ، وأخشى أن يكون في اسمه تحريف أو تصحيف.

وقول ابن عباس في تفسير الآية"معنى ذلك أنه كذلك" ، يريد أن الله كان ولم يزل عزيزًا حكيمًا.

وعند هذا الموضع انتهى الجزء السابع من مخطوطتنا وفي آخرها ما نصه: "نَجَز الجزء السابع من كتاب البيان ، بحمد الله وعونه وحُسن توفيقه ، وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الحمد لله ربّ العالمين يتلوه في أول الثامن إن شاء الله تعالى ، القول في تأويل قوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) وكان الفراغ منه في شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة وسبعمائة.

غفر الله لمؤلفه ولصاحبه ، ولكاتبه ، ولمن طالعَ فيه ودعا لهم بالمغفرة ورضى الله تعالى والجنة ، ولجميع المسلمين.

آمين ، ياربّ العالمين".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

بل رفعه الله إليه ابتداء كلام مستأنف ؛ أي إلى السماء ، والله تعالى متعال عن المكان ؛ وقد تقدم كيفية رفعه في " آل عمران " .

وكان الله عزيزا أي قويا بالنقمة من اليهود فسلط عليهم بطرس بن أستيسانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة .

حكيما حكم عليهم باللعنة والغضب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن قولهم: إنهم قتلوا المسيح عيسى وصلبوه، والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه بل شُبِّه لهم غيره، فقتلوا غيره وصلبوه.

وادعائهم أن قلوبهم غلف لا تفقه ما تقول لهم ولا تفهمه، وبصدهم الناس عن سبيل الله، فصدوهم عن الحق، ودعوهم إلى ما هم عليه من الضلال والغي.

وبأخذهم السحت والربا مع نهي الله لهم عنه والتشديد فيه.

فالذين فعلوا هذه الأفاعيل لا يستنكر عليهم أن يسألوا الرسول محمدا أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وهذه الطريقة من أحسن الطرق لمحاجة الخصم المبطل، وهو أنه إذا صدر منه من الاعتراض الباطل ما جعله شبهة له ولغيره في رد الحق أن يبين من حاله الخبيثة وأفعاله الشنيعة ما هو من أقبح ما صدر منه، ليعلم كل أحد أن هذا الاعتراض من ذلك الوادي الخسيس، وأن له مقدمات يُجعل هذا معها.

وكذلك كل اعتراض يعترضون به على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن يقابل بمثله أو ما هو أقوى منه في نبوة من يدعون إيمانهم به ليكتفى بذلك شرهم وينقمع باطلهم، وكل حجة سلكوها في تقريرهم لنبوة من آمنوا به فإنها ونظيرها وما هو أقوى منها، دالة ومقررة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

ولما كان المراد من تعديد ما عدد الله من قبائحهم هذه المقابلة لم يبسطها في هذا الموضع، بل أشار إليها، وأحال على مواضعها وقد بسطها في غير هذا الموضع في المحل اللائق ببسطها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( بل رفعه الله إليه ) وقيل قوله " يقينا " ترجع إلى ما بعده وقوله " وما قتلوه " كلام تام تقديره : بل رفعه الله إليه يقينا ، والهاء في " ما قتلوه " كناية عن عيسى عليه السلام ، وقال الفراء رحمه الله : معناه وما قتلوا الذي ظنوا أنه عيسى يقينا ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه : ما قتلوا ظنهم يقينا ، ( وكان الله عزيزا ) منيعا بالنقمة من اليهود ، ( حكيما ) حكم باللعنة والغضب عليهم ، فسلط عليهم ضيطوس بن اسبسيانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا» في ملكه «حكيما» في صنعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بل رفع الله عيسى إليه ببدنه وروحه حيًّا، وطهَّره من الذين كفروا.

وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره وقضائه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ) تأكيد لنجاة عيسى مما يزعمونه من قتلهم له ، وبيان لما أكرمه الله به من رعاية وتشريف .واليقين : هو العلم الجازم الذى لا يحمتل الشك والضمير فى قوله ( وَمَا قَتَلُوهُ ) لعيسى .وقوله ( يَقِيناً ) ذكر النحاة فى إعرابه وجوها من أشهرها : أنه نعت لمصدر محذوف مأخوذ من لفظ قتلوه : أى : ما قتلوه قتلا يقينا ، أى متيقنين معه من أن المقتول عيسى عليه السلام - وهذا فيه ترشيح للاختلاف والشك الذى اعتراهم .أو هو حال مؤكدة لنفى القتل .

أى انتفى قتلهم إياه إنتفاء يقينا .

فاليقين منصب على النفى .

أى : أن : نفى كونه قد قتل أمر متيقن مؤكد مجزوم به ، وليس ظنا كظنكم أو وهما كوهمكم يا معشر أهل الكتاب .وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك بقوله : قوله : ( وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ) أى : وما قتلوه قتلا يقينا .

أو ما قتلوه متيقنين كما ادعوا ذلك فى قولهم ( إِنَّا قَتَلْنَا المسيح ) أو يجعل ( يَقِيناً ) تأكيدا لقوله : ( وَمَا قَتَلُوهُ ) كقولك : ما قتلوه حقا .

أى حق انتفاء قتله حقا .والمعنى : أن اليهود قد زعموا أنهم قتلوا عيسى - عليه السلام - وزعمهم هذا أبعد ما يكون عن الحق والصواب ، لأن الحق المتيقن فى هذه المسألة أنهم لم يقتلوه ، فقد نجاه الله من مكرهم ، ورفع عيسى إليه ، وكان الله ( عَزِيزاً ) .

أى منيع الجناب ، لا يلجأ إليه أحد إلا أعزه وحماه .

( حَكِيماً ) فى جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور .هذا ، وجمهور العلماء على أن الله - تعالى - رفع عيسى إليه بجسده وروحه لا بروحه فقط قال بعض العلماء : والجمهور على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولا غفوة بجسده وروحه إلى السماء .

والخصوصية له - عليه السلام - هى فى رفعه بجسده وبقائه فيها إلى الأمر المقدر له .وفى بعضهم الرفع فى قوله - تعالى - ( بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ) بأنه رفع بالروح فقط .وقد بسطنا القول فى هذه المسألة عند تفسيرنا لسورة آل عمران فى قوله تعالى - : ( إِذْ قَالَ الله ياعيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ) و ( إِن ) هنا نافية بمعنى ما النافية ، والمخبر عنه محذوف قامت صفته مقامه .أى : وما أحد من أهل الكتاب .

وحذف أحد لأنه ملحوظ فى كل نفى يدخله الاستثناء .

نحو : ما قام إلا زيد .

أى ما قام أحد إلا زيد .وللمفسرين فى تفسير هذه الآية اتجاهان :الأول : أن الضمير فى قوله ( قَبْلَ مَوْتِهِ ) يعود إلى عيسى - عليه السلام - وعليه يكون المعنى : وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمن بعيسى - عند نزوله فى آخر الزمان - حق الإِيمان ، ( قَبْلَ مَوْتِهِ ) أى : قيل موت عيسى ، ( وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ ) عيسى - عليه السلام - ( عَلَيْهِمْ ) أى : على أهل الكتاب ( شَهِيداً ) فيشهد عليهم بأنه قد أمرهم بعباده الله وحده ، وأنه قد نهاهم عن الإِشراك معه آلهة أخرى .وقد انتصر لهذا الاتجاه كثير من المفسرين وعلى رأسهم شيخهم ابن جرير .

فقد قال - بعد سرد الأقوال فى الآية - : وأولى الأقوال بالصحة والصواب قول من قال .

تأويل ذلك : وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى .وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير بقوله : ولا شك أن الذى قاله ابن جرير هو الصحيح .

لأن المقصود من سياق الآيات ، بطلان ما زعمته اليهود من قتل عيسى وصلبه ، وبطلان تسليم من سلم لهم من النصارى الجهالة ذلك .

فقد أخبر الله - تعالى أن الأمر لم يكن كذلك ، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك .

ثم إن الله - تعالى - رفع إليه عيسى ، وإنه باق حى ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة .ثم عقد ابن كثير فصلا عنونه بقوله : ذكر الأحاديث الواردة فى نزول عيسى بن مريم إلى الأرض من السماء فى آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك به .ثم ساق ابن كثير جملة من الأحاديث فى هذا المعنى منها ما رواه الشيخان عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصلي ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، وحتى تكون السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وسادسها: قوله تعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله ﴾ .

وهذا يدل على كفر عظيم منهم لأنهم قالوا فعلنا ذلك، وهذا يدل على أنهم كانوا راغبين في قتله مجتهدين في ذلك، فلا شك أن هذا القدر كفر عظيم.

فإن قيل: اليهود كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة، فكيف قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله؟

والجواب عنه من وجهين: الأول: أنهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ  ﴾ وكقول كفار قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَقَالُواْ ياأيها الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ  ﴾ ، والثاني: أنه يجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عليه السلام عما كانوا يذكرونه به.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود أنهم زعموا أنهم قتلوا عيسى عليه السلام فالله تعالى كذبهم في هذه الدعوى وقال: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ ﴾ وفي الآية سؤالان: السؤال الأول: قوله: ﴿ شُبّهَ ﴾ مسند إلى ماذا؟

إن جعلته مسنداً إلى المسيح فهو مشبّه به وليس بمشبه، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر.

والجواب من وجهين: الأول: أنه مسند إلى الجار والمجرور، وهو كقولك: خيل إليه كأنه قيل: ولكن وقع لهم الشبه.

الثاني: أن يسند إلى ضمير المقتول لأن قوله: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ ﴾ يدل على أنه وقع القتل على غيره فصار ذلك الغير مذكوراً بهذا الطريق، فحسن إسناد ﴿ شُبّهَ ﴾ إليه.

السؤال الثاني: أنه إن جاز أن يقال: أن الله تعالى يلقي شبه إنسان على إنسان آخر فهذا يفتح باب السفسطة، فإنا إذا رأينا زيداً فلعله ليس بزيد، ولكنه ألقى شبه زيد عليه، وعند ذلك لا يبقى النكاح والطلاق والملك، وثوقاً به، وأيضاً يفضي إلى القدح في التواتر لأن خبر التواتر إنما يفيد العلم بشرط انتهائه في الآخرة إلى المحسوس، فإذا جوزنا حصول مثل هذه الشبهة في المحسوسات توجه الطعن في التواتر، وذلك يوجب القدح في جميع الشرائع، وليس لمجيب أن يجيب عنه بأن ذلك مختص بزمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنا نقول: لو صح ما ذكرتم فذاك إنما يعرف بالدليل والبرهان، فمن لم يعلم ذلك الدليل وذلك البرهان وجب أن لا يقطع بشيء من المحسوسات ووجب أن لا يعتمد على شيء من الأخبار المتواترة، وأيضاً ففي زماننا إن انسدت المعجزات فطريق الكرامات مفتوح، وحينئذ يعود الاحتمال المذكور في جميع الأزمنة: وبالجملة ففتح هذا الباب يوجب الطعن في التواتر، والطعن فيه يوجب الطعن في نبوّة جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهذا فرع يوجب الطعن في الأصول فكان مردوداً.

والجواب: اختلفت مذاهب العلماء في هذا الموضع وذكروا وجوهاً: الأول: قال كثير من المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله تعالى إلى السماء فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة من عوامهم، فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبسوا على الناس أنه المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح إلاّ بالاسم لأنه كان قليل المخالطة للناس، وبهذا الطريق زال السؤال.

لا يقال: إن النصارى ينقلون عن أسلافهم أنهم شاهدوه مقتولاً، لأنا نقول: إن تواتر النصارى ينتهي إلى أقوام قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب.

والطريق الثاني: أنه تعالى ألقى شبهه على إنسان آخر ثم فيه وجوه: الأول: أن اليهود لما علموا أنه حاضر في البيت الفلاني مع أصحابه أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه يقال له طيطايوس أن يدخل على عيسى عليه السلام ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله عيسى عليه السلام من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فظنوه هو فصلبوه وقتلوه.

الثاني: وكلوا بعيسى رجلاً يحرسه وصعد عيسى عليه السلام في الجبل ورفع إلى السماء، وألقى الله شبهه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست بعيسى.

الثالث: أن اليهود لما هموا بأخذه وكان مع عيسى عشرة من أصحابه فقال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟

فقال واحد منهم أنا، فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل، ورفع الله عيسى عليه السلام.

الرابع: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى عليه السلام، وكان منافقاً فذهب إلى اليهود ودلهم عليه، فلما دخل مع اليهود لأخذه ألقى الله تعالى شبهه عليه فقتل وصلب.

وهذه الوجوه متعارضة متدافعة، والله أعلم بحقائق الأمور.

ثم قال تعالى: ﴿ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ وفيه مسألتان: المسأله الأولى: اعلم أن في قوله: ﴿ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ ﴾ قولين: الأول: أنهم هم النصارى وذلك لأنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه، إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية، والملكانية، واليعقوبية.

أما النسطورية فقد زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وأكثر الحكماء يرون ما يقرب من هذا القول، قالوا: لأنه ثبت أن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو إما جسم شريف منساب في هذا البدن، وإما جوهر روحاني مجرد في ذاته وهو مدبر في هذا البدن، فالقتل إنما ورد على هذا الهيكل، وأما النفس التي هي في الحقيقة عيسى عليه السلام فالقتل ما ورد عليه، لا يقال: فكل إنسان كذلك فما الوجه لهذا التخصيص؟

لأنا نقول: إن نفسه كانت قدسية علوية سماوية شديدة الاشراق بالأنوار الإلهية عظيمة القرب من أرواح الملائكة، والنفس متى كانت كذلك لم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن، ثم إنها بعد الانفصال عن ظلمة البدن تتخلص إلى فسحة السموات وأنوار عالم الجلال فيعظم بهجتها وسعادتها هناك، ومعلوم أن هذه الأحوال غير حاصلة لكل الناس بل هي غير حاصلة من مبدأ خلقة آدم عليه السلام إلى قيام القيامة إلا لأشخاص قليلين، فهذا هو الفائدة في تخصيص عيسى عليه السلام بهذه الحالة.

وأما الملكانية فقالوا: القتل والصلب وصلا إلى الاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة.

وقالت اليعقوبية: القتل واللصلب وقعا بالمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، فهذا هو شرح مذاهب النصارى في هذا الباب، وهو المراد من قوله: ﴿ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِى شَكّ مّنْهُ ﴾ .

القول الثاني: أن المراد بالذين اختلفوا هم اليهود، وفيه وجهان: الأول: أنهم لما قتلوا الشخص المشبه به كان الشبه قد ألقى على وجهه ولم يلق عليه شبه جسد عيسى عليه السلام، فلما قتلوه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره.

الثاني: قال السدي: إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين في بيت، فدخل عليه رجل من اليهود ليخرجه ويقتله، فألقى الله شبه عيسى عليه ورفع إلى السماء، فأخذوا ذلك الرجل وقتلوه على أنه عيسى عليه السلام، ثم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟

فذلك اختلافهم فيه.

المسألة الثانية: احتج نفاة القياس بهذه الآية وقالوا: العمل بالقياس اتباع للظن، واتباع الظن مذموم في كتاب الله بدليل أنه إنما ذكره في معرض الذم، ألا ترى أنه تعالى وصف اليهود والنصارى هاهنا في معرض الذم بهذا فقال: ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ وقال في سورة الأنعام في مذمة الكفار ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ لا يَخْرُصُونَ  ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئاً  ﴾ وكل ذلك يدل على أن اتباع الظن مذموم.

والجواب: لا نسلم أن العمل بالقياس اتباع الظن، فإن الدليل القاطع لما دل على العمل بالقياس كان الحكم المستفاد من القياس معلوماً لا مظنوناً، وهذا الكلام له غور وفيه بحث.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ .

واعلم أن هذا اللفظ يحتمل وجهين: أحدهما: يقين عدم القتل، والآخر يقين عدم الفعل، فعلى التقدير الأول يكون المعنى: أنه تعالى أخبر أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا، ثم أخبر محمداً بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا، ثم أخبر محمداً بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه؟

ثم أكد ذلك بأنهم قتلوا ذلك الشخص الذي قتلوه لا على يقين أنه عيسى عليه السلام، بل حين ما قتلوه كانوا شاكين في أنه هل هو عيسى أم لا، والاحتمال الأول أولى لأنه تعالى قال بعده ﴿ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ وهذا الكلام إنما يصح إذا تقدم القطع واليقين بعدم القتل.

أما قوله: ﴿ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو والكسائي ﴿ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ بإدغام اللام في الراء والباقون بترك الإدغام، حجتهما قرب مخرج اللام من الراء والراء أقوى من اللام بحصول التكرير فيها، ولهذا لم يجز إدغام الراء في اللام لأن الأنقص يدغم في الأفضل، وحجة الباقين أن الراء واللام حرفان من كلمتين فالأولى ترك الإدغام.

المسألة الثانية: المشبهة احتجوا بقوله تعالى: ﴿ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ في إثبات الجهة.

والجواب: المراد الرفع إلى موضع لا يجرى فيه حكم غير الله تعالى كقوله: ﴿ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الامور  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ  ﴾ وكانت الهجرة في ذلك الوقت إلى المدينة، وقال إبراهيم ﴿ إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى  ﴾ .

المسألة الثالثة: رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ثابت بهذه الآية، ونظير هذه الآية قوله في آل عمران ﴿ إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ  ﴾ واعلم أنه تعالى لما ذكر عقيب ما شرح أنه وصل إلى عيسى أنواع كثيرة من البلاء والمحنة أنه رفعه إليه دل ذلك على أن رفعه إليه أعظم في باب الثواب من الجنة ومن كل ما فيها من اللذات الجسمانية، وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ .

والمراد من العزة كمال القدرة، ومن الحكمة كمال العلم، فنبّه بهذا على أن رفع عيسى من الدنيا إلى السموات وإن كان كالمتعذر على البشر لكنه لا تعذر فيه بالنسبة إلى قدرتي وإلى حكمتي، وهو نظير قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً  ﴾ فإن الإسراء وإن كان متعذراً بالنسبة إلى قدرة محمد إلا أنه سهل بالنسبة إلى قدرة الحق سبحانه ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي: أنّ كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا وغيرهما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى.

فنزلت.

وقيل: كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان أنك رسول الله، وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.

وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت، قال الحسن: ولو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم، وفيما آتاهم كفاية ﴿ فَقَدْ سَأَلُواْ موسى ﴾ جواب لشرط مقدر.

معناه: إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى.

﴿ أَكْبَرَ مِن ذلك ﴾ وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى وهم النقباء السبعون، لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومضاهين لهم في التعنت ﴿ جَهْرَةً ﴾ عياناً بمعنى أرناه نره جهرة ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ بسبب سؤالهم الرؤية.

ولو طلبوا أمراً جائزاً لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة، كما سأل إبراهيم عليه السلام أن يريه إحياء الموتى فلم يسمه ظالماً ولا رماه بالصاعقة، فتباً للمشبهة ورمياً بالصواعق ﴿ وَءَاتَيْنا مُوسَى اسلطانا مُّبِيناً ﴾ تسلطاً واستيلاء ظاهراً عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم حتى يتاب عليهم فأطاعوه، واحتبوا بأفنيتهم والسيوف تتساقط عليهم فيالك من سلطان مبين ﴿ بميثاقهم ﴾ بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ﴾ والطور مطل عليهم ﴿ ادخلوا الباب سُجَّداً ﴾ ولا تعدوا في السبت، وقد أخذ منهم الميثاق على ذلك، وقولهم سمعنا وأطعنا، ومعاهدتهم على أن يتموا عليه ثم نقضوه بعد.

وقرئ: ﴿ لا تعتدوا ﴾ .

﴿ ولا تعدّوا ﴾ ، بادغام التاء في الدال ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ فبنقضهم.

و(ما) مزيدة للتوكيد.

فإن قلت: بم تعلقت الباء؟

وما معنى التوكيد؟

قلت: إما أن يتعلق بمحذوف، كأنه قيل: فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا، وإما أن يتعلق بقوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ على أنّ قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ [النساء: 160] بدل من قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ وأما التوكيد فمعناه تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك.

فإن قلت: هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا ﴾ فيكون التقدير: فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم، بل طبع الله عليها بكفرهم.

قلت: لم يصح هذا التقدير لأنّ قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ ردّ وإنكار لقولهم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ فكان متعلقاً به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم: (قلوبنا غلف) أن الله خلق قلوبنا غلفاً، أي في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة، كما حكى الله عن المشركين وقالوا: ﴿ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم ﴾ [الزخرف: 20] وكمذهب المجبرة أخزاهم الله، فقيل لهم: بل خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفاً غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله.

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ ؟

قلت: الوجه أن يعطف على (فبما نقضهم) ويجعل قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ كلاماً تبع قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ على وجه الاستطراد، يجوز عطفه على ما يليه من قوله: (بكفرهم).

فإن قلت: ما معنى المجيء بالكفر معطوفاً على ما فيه ذكره، سواء عطف على ما قبل حرف الإضراب، أو على ما بعده، وهو قوله: ﴿ وَكُفْرِهِم بئايات الله ﴾ وقوله: ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ ؟

قلت: قد تكرّر منهم الكفر، لأنهم كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد صلوات الله عليهم، فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه، كأنه قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق، والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء وقولهم: قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم، وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم.

أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.

والبهتان العظيم: هو التزنية.

فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى عليه السلام، أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر بن الساحرة، والفاعل بن الفاعلة، فكيف قالوا: (إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله)؟

قلت: قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الشعراء: 27] ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيماً لما أرادوا بمثله كقوله: ﴿ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً ﴾ [الزخرف: 9] روي أنّ رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمّه فدعا عليهم «اللَّهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللَّهم العن من سبني وسب والدتي» ، فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟

فقال رجل منهم: أنا.

فألقي- عليه شبهه فقتل وصلب.

وقيل: كان رجلاً ينافق عيسى، فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، فدخل بيت عيسى فرفع عيسى وألقي شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه إله لا يصح قتله.

وقال بعضهم: إنه قتل وصلب.

وقال بعضهم إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟

وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

وقال بعضهم رفع إلى السماء وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا.

فإن قلت: ﴿ شُبّهَ ﴾ مسند إلى ماذا؟

إن جعلته مسنداً إلى المسيح، فالمسيح مشبه به وليس بمشبه، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر قلت: هو مسند إلى الجار والمجرور وهو ﴿ لهم ﴾ كقولك خيل إليه، كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه.

ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول: لأنّ قوله: إنا قتلنا يدل عليه، كأنه قيل: ولكن شبه لهم من قتلوه ﴿ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ استثناء منقطع لأنّ اتباع الظن ليس من جنس العلم، يعني: ولكنهم يتبعون الظن.

فإن قلت: قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين، ثم وصفوا بالظن والظن أن يرتجح أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين؟

قلت: أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا، فذاك ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ وما قتلوه قتلاً يقيناً.

أو ما قتلوه متيقنين، كما ادّعوا ذلك في قولهم: (إنا قتلنا المسيح) أو يجعل (يقيناً) تأكيداً لقوله: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ ﴾ كقولك: ما قتلوه حقاً أي حق انتفاء قتله حقاً.

وقيل: هو من قولهم: قتلت الشيء علماً ونحرته علماً إذا تبالغ فيه علمك.

وفيه تهكم، لأنه إذا نفى عنهم العلم نفياً كلياً بحرف الاستغراق.

ثم قيل: وما علموه علم يقين وإحاطة لم يكن إلا تهكماً بهم ﴿ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمننّ به.

ونحوه: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [الصافات: 164] ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ [مريم: 71] والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمننّ قبل موته بعيسى، وبأنه عبد الله ورسوله، يعني: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف.

وعن شهر بن حوشب: قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية، وقال: إني أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله، أتاك موسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبيّ.

وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله، فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.

قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن؟

قلت: حدثني محمد بن عليّ ابن الحنفية، فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية، أو من معدنها.

قال الكلبي: فقلت له: ما أردت إلى أن تقول حدثني محمد بن عليّ ابن الحنفية.

قال: أردت أن أغيظه، يعني بزيادة اسم عليّ، لأنه مشهور بابن الحنفية.

وعن ابن عباس أنه فسره كذلك، فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه قال: لا تخرج نفسه حتى يحرّك بها شفتيه.

قال: وإن خرّ من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.

وتدل عليه قراءة أبيّ: ﴿ إلا ليؤمننّ به قبل موتهم ﴾ بضم النون على معنى: وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم، لأنّ أحداً يصلح للجمع.

فإن قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟

قلت: فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لابد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم، بعثاً لهم وتنبيهاً على معالجة الإيمان به في أوان الانتفاع به، وليكون إلزاماً للحجة لهم، وكذلك قولهُ: ﴿ وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله.

وقيل: الضميران لعيسى، بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.

روي: «أنه ينزل من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه» ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به، على أن الله يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان، ويعلمهم نزوله وما أنزل له، ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم.

وقيل: الضمير في (به) يرجع إلى الله تعالى.

وقيل: إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ أيْ بِزَعْمِهِ ويَحْتَمِلُ أنَّهم قالُوهُ اسْتِهْزاءً، ونَظِيرُهُ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ وأنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِمَدْحِهِ، أوْ وضْعًا لِلذِّكْرِ الحَسَنِ مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ.

﴿ وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ رُوِيَ (أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَبَوْهُ وأُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى قِرَدَةً وخَنازِيرَ، فاجْتَمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ يَرْفَعُهُ إلى السَّماءِ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يَرْضى أنْ يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ ويُصْلَبَ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ، فَقامَ رَجُلٌ مِنهم فَألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَهُ فَقُتِلَ وصُلِبَ.

وقِيلَ (كانَ رَجُلًا يُنافِقُهُ فَخَرَجَ لِيَدُلَّ عَلَيْهِ، فَألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَهُ فَأُخِذَ وصُلِبَ وقُتِلَ )، وقِيلَ: (دَخَلَ طَيْطانُوسُ اليَهُودِيُّ بَيْتًا كانَ هو فِيهِ فَلَمْ يَجِدْهُ، وألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَهُ فَلَمّا خَرَجَ ظُنَّ أنَّهُ عِيسى فَأُخِذَ وصُلِبَ.

وأمْثالُ ذَلِكَ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي لا تُسْتَبْعَدُ في زَمانِ النُّبُوَّةِ، وإنَّما ذَمَّهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن جَراءَتِهِمْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَصْدِهِمْ قَتْلَ نَبِيِّهِ المُؤَيَّدِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، وتَبَجُّحِهِمْ بِهِ لا بِقَوْلِهِمْ هَذا عَلى حَسَبِ حُسْبانِهِمْ، وشُبِّهَ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كَأنَّهُ قِيلَ ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ بَيْنَ عِيسى والمَقْتُولِ أوْ في الأمْرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: لَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ ولَكِنْ أُرْجِفَ بِقَتْلِهِ فَشاعَ بَيْنَ النّاسِ، أوْ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ لِدَلالَةِ إنّا قَتَلْنا عَلى أنَّ ثَمَّ قَتِيلًا.

﴿ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا وقَعَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ اخْتَلَفَ النّاسُ فَقالَ بَعْضُ اليَهُودِ: إنَّهُ كانَ كاذِبًا فَقَتَلْناهُ حَقًّا، وتَرَدَّدَ آخَرُونَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ هَذا عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا، وقالَ بَعْضُهُمُ: الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والبَدَنُ بَدَنُ صاحِبِنا، وقالَ مَن سَمِعَ مِنهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَرْفَعُنِي إلى السَّماءِ: أنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ.

وقالَ قَوْمٌ: صُلِبَ النّاسُوتُ وصَعِدَ اللّاهُوتُ.

لَفي شَكٍّ مِنهُ لَفي تَرَدُّدٍ، والشَّكُّ كَما يُطْلَقُ عَلى ما لا يَتَرَجَّحُ أحَدُ طَرَفَيْهِ يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ التَّرَدُّدِ، وعَلى ما يُقابِلُ العِلْمَ ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُفَسَّرَ الشَّكُّ بِالجَهْلِ والعِلْمُ بِالِاعْتِقادِ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ جَزْمًا كانَ أوْ غَيْرُهُ فَيَتَّصِلُ الِاسْتِثْناءُ.

﴿ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴾ قَتْلًا يَقِينًا كَما زَعَمُوهُ بِقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ، أوْ مُتَيَقِّنِينَ.

وقِيلَ مَعْناهُ ما عَلِمُوهُ يَقِينًا كَقَوْلِ الشّاعِرِ: كَذاكَ تُخْبِرُ عَنْها العالِماتُ بِها ∗∗∗ وقَدْ قَتَلْتُ بِعِلْمِي ذَلِكُمُ يَقِينًا مِن قَوْلِهِمْ قَتَلْتُ الشَّيْءَ عِلْمًا ونَحَرْتُهُ عِلْمًا إذا تُبالِغُ في عِلْمِكَ.

﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ ﴾ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَتْلِهِ وإثْباتٌ لِرَفْعِهِ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ لا يَغْلِبُ عَلى ما يُرِيدُهُ.

﴿ حَكِيمًا ﴾ فِيما دَبَّرَهُ لِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ} إلى حيث لا حكم فيه لغير الله أو إلى السماء {وَكَانَ الله عَزِيزاً} في انتقامه من اليهود {حَكِيماً} فيما دبر من رفعه إليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقَوْلِهِمْ ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّبَجُّحِ.

﴿ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ ذَكَرُوهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ تَهَكُّمًا واسْتِهْزاءً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ﴾ إلَخْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم بِناءً عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ، وقِيلَ: إنَّهم وصَفُوهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الذَّمِّ، فَغُيِّرَ في الحِكايَةِ فَيَكُونُ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ، وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ مِنهُ؛ مَدْحًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَفْعًا لِمَحَلِّهِ، وإظْهارًا لِغايَةِ جَراءَتِهِمْ في تَصَدِّيهِمْ لِقَتْلِهِ، ونِهايَةَ وقاحَتِهِمْ في تَبَجُّحِهِمْ ﴿ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ﴾ حالٌ أوِ اعْتِراضٌ ﴿ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَبُّوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ يَهُوذا رَأْسَ اليَهُودِ، فَخافَ فَجَمَعَ اليَهُودَ، فاتَّفَقُوا عَلى قَتْلِهِ، فَسارُوا إلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَأدْخَلَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْتًا، ورَفَعَهُ مِنهُ إلى السَّماءِ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ طِيطانُوسُ لِيَقْتُلَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وأبْطَأ عَلَيْهِمْ، وألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا خَرَجَ قَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ في خَبَرٍ طَوِيلٍ، رَواهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ: «أتى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَعَهُ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ مِنَ الحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ، فَأحاطُوا بِهِمْ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ صَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى كُلَّهم عَلى صُورَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونا، لِيَبْرُزْ لَنا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لَنَقْتُلَنَّكم جَمِيعًا، فَقالَ عِيسى لِأصْحابِهِ: مَن يَشْتَرِي نَفْسَهُ مِنكُمُ اليَوْمَ بِالجَنَّةِ؟

فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: أنا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: أنا عِيسى، فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، ورَفَعَ اللَّهُ تَعالى عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ».

وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وإنِ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ الحَوارِيِّينَ، ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ غَيْرُ وهْبٍ أنَّ شَبَهَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُلْقِيَ عَلى جَمِيعِهِمْ، بَلْ قالُوا: أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى واحِدٍ، ورُفِعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بَيْنِهِمْ.

ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ وهْبٍ، وقالَ: إنَّهُ الأشْبَهُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ أخَذُوا إنْسانًا فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ عَلى مَوْضِعٍ عالٍ، ولَمْ يُمَكِّنُوا أحَدًا مِنَ الدُّنُوِّ مِنهُ، فَتَغَيَّرَتْ حِلْيَتُهُ، وقالُوا: إنّا قَتَلْنا عِيسى لِيُوهِمُوا بِذَلِكَ عَلى عَوامِّهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا أحاطُوا بِالبَيْتِ الَّذِي بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا دَخَلُوهُ ولَمْ يَجِدُوهُ فَخافُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإيمانِ اليَهُودِ، فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا.

وقِيلَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ الحَوارِيِّينَ يُنافِقُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا أرادُوا قَتْلَهُ قالَ: أنا أدُلُّكم عَلَيْهِ، وأخَذَ عَلى ذَلِكَ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا، فَدَخَلَ بَيْتَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرُفِعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى المُنافِقِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، والمُرادُ وقَعَ لَهم تَشْبِيهٌ بَيْنَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن صُلِبَ، أوْ في الأمْرِ - عَلى قَوْلِ الجُبّائِيِّ - أوْ هو مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ (إنّا قَتَلْنا) أيْ: (شُبِّهَ لَهُمْ) مَن قَتَلُوهُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ الضَّمِيرُ لِلْأمْرِ، و(شُبِّهَ) مِنَ الشُّبْهَةِ، أيِ: التَبَسَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ بِناءً عَلى ذَلِكَ القَوْلِ، ولَيْسَ المُسْنَدُ إلَيْهِ ضَمِيرَ المَسِيحِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ.

﴿ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ أيْ: في شَأْنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ لَمّا وقَعَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ اخْتَلَفَ النّاسُ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ كانَ كاذِبًا فَقَتَلْناهُ حَقًّا، وتَرَدَّدَ آخَرُونَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ هَذا عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا؟!

وإنْ كانَ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟!

وقالَ بَعْضُهُمُ: الوَجْهُ وجْهُ عِيسى، والبَدَنُ بَدَنُ صاحِبِنا، وقالَ مَن سَمِعَ مِنهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُنِي إلى السَّماءِ: إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ، وقالَتِ النَّصارى الَّذِينَ يَدَّعُونَ رُبُوبِيَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صُلِبَ النّاسُوتُ وصَعِدَ اللّاهُوتُ، ولِهَذا لا يَعُدُّونَ القَتْلَ نَقِيصَةً حَيْثُ لَمْ يُضِيفُوهُ إلى اللّاهُوتِ، ويَرُدُّ هَؤُلاءِ إنَّ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ عِنْدَ اليَعْقُوبِيَّةِ القائِلِينَ: إنَّ المَسِيحَ قَدْ صارَ بِالِاتِّحادِ طَبِيعَةً واحِدَةً، إذِ الطَّبِيعَةُ الواحِدَةُ لَمْ يَبْقَ فِيها ناسُوتٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ لاهُوتٍ، والشَّيْءُ الواحِدُ لا يُقالُ: ماتَ ولَمْ يَمُتْ، وأُهِينَ ولَمْ يُهَنْ.

وأمّا الرُّومُ القائِلُونَ بِأنَّ المَسِيحَ بَعْدَ الِاتِّحادِ باقٍ عَلى طَبِيعَتَيْنِ فَيُقالُ لَهُمْ: فَهَلْ فارَقَ اللّاهُوتُ ناسُوتَهُ عِنْدَ القَتْلِ؟

فَإنْ قالُوا: فارَقَهُ، فَقَدْ أبْطَلُوا دِينَهُمْ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ المَسِيحُ الرُّبُوبِيَّةَ عِنْدَهم إلّا بِالِاتِّحادِ، وإنْ قالُوا: لَمْ يُفارِقْهُ فَقَدِ التَزَمُوا ما ورَدَ عَلى اليَعْقُوبِيَّةِ، وهو قَتْلُ اللّاهُوتِ مَعَ النّاسُوتِ، وإنْ فَسَّرُوا الِاتِّحادَ بِالتَّدَرُّعِ، وهو أنَّ الإلَهَ جَعَلَهُ مَسْكَنًا وبَيْتًا ثُمَّ فارَقَهُ عِنْدَ وُرُودِ ما ورَدَ عَلى النّاسُوتِ أبْطَلُوا إلَهِيَّتَهُ في تِلْكَ الحالَةِ، وقُلْنا لَهُمْ: ألَيْسَ قَدْ أُهِينَ، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في إثْباتِ النَّقِيصَةِ، إذْ لَمْ يَأْنَفِ اللّاهُوتُ لِمَسْكَنِهِ أنَّ تَنالَهُ هَذِهِ النَّقائِصُ، فَإنْ كانَ قادِرًا عَلى نَفْيِها فَقَدْ أساءَ مُجاوَرَتَهُ ورَضِيَ بِنَقِيصَتِهِ، وذَلِكَ عائِدٌ بِالنَّقْصِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا فَذَلِكَ أبْعَدُ لَهُ عَنْ عِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَؤُلاءِ يُنْكِرُونَ إلْقاءَ الشَّبَهِ، ويَقُولُونَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إضْلالُ، ورَدُّهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُخْفى، ويُكْفى في إثْباتِهِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثابِتًا لَزِمَ تَكْذِيبُ المَسِيحِ، وإبْطالُ نُبُوَّتِهِ، بَلْ وسائِرُ النُّبُوّاتِ، عَلى أنَّ قَوْلَهم في الفَصْلِ: إنَّ المَصْلُوبَ قالَ: إلَهِي إلَهِي لِمَ تَرَكْتَنِي وخَذَلْتَنِي، وهو يُنافِي الرِّضا بِمُرِّ القَضا، ويُناقِضُ التَّسْلِيمَ لِأحْكامِ الحَكِيمِ، وأنَّهُ شَكى العَطَشَ وطَلَبَ الماءَ، والإنْجِيلُ مُصَرِّحٌ بِأنَّ المَسِيحَ كانَ يَطْوِي أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهم فِيهِ - إنْ صَحَّ - مِمّا يُنادِي عَلى أنَّ المَصْلُوبَ هو الشَّبَهُ كَما لا يَخْفى.

فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ ما يَعُمُّ اليَهُودَ والنَّصارى جَمِيعًا ﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ أيْ: لَفي تَرَدُّدٍ، وأصْلُ الشَّكِّ أنْ يُسْتَعْمَلَ في تَساوِي الطَّرَفَيْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّرَدُّدُ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ أحَدُ طَرَفَيْهِ، وهو المُرادُ هُنا، ولِذا أكَّدَهُ بِنَفْيِ العِلْمِ الشّامِلِ لِذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ ﴾ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ.

وجُوِّزَ أنْ يُفَسَّرَ الشَّكُّ بِالجَهْلِ، والعِلْمُ بِالِاعْتِقادِ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ جَزْمًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ مُتَّصِلٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ، إلّا أنَّهُ خِلافُ المَشْهُورِ، وما قِيلَ: إنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِنَ العِلْمِ قَطْعًا فَلا يُتَصَوَّرُ اتِّصالُهُ فَمَدْفُوعٌ بِأنَّ مَن قالَ بِهِ جَعَلَهُ بِمَعْنى الظَّنِّ المُتَّبَعِ ﴿ وما قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴾ الضَّمِيرُ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما هو الظّاهِرُ، أيْ: ما قَتَلُوهُ قَتْلًا يَقِينًا، أوْ مُتَيَقِّنِينَ، ولا يَرِدُ أنَّ نَفْيَ القَتْلِ المُتَيَقَّنِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ القَتْلِ المَشْكُوكِ؛ لِأنَّهُ لِنَفْيِ القَيْدِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهُ قُتِلَ في ظَنِّهِمْ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ، فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ جَعْلِ (يَقِينًا) مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ تَيَقَّنُوا ذَلِكَ يَقِينًا، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى العِلْمِ، وإلَيْهِ ذَهَبُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ: وما قَتَلُوا العِلْمَ (يَقِينًا) مِن قَوْلِهِمْ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ، وقَتَلْتُ كَذا عِلْمًا إذا تَبالَغَ عِلْمُكَ فِيهِ، وهو مَجازٌ كَما في الأساسِ، والمَعْنى: ما عَلِمُوهُ يَقِينًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلظَّنِّ، أيْ: ما قَطَعُوا الظَّنَّ يَقِينًا، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والسُّدِّيِّ، وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وأنَّ (يَقِينًا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ ﴾ أيْ: بَلْ رَفَعَهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ (يَقِينًا) ورَدَّهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ قَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ بَلْ فِيما قَبْلَها، والكَلامُ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَتْلِهِ وإثْباتٌ لِرَفْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفِيهِ تَقْدِيرُ مُضافٍ عِنْدَ أبِي حَيّانَ أيْ: إلى سَمائِهِ، قالَ: وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَدِيثِ المِعْراجِ، وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ، يَقْتُلُ الدَّجّالَ، ويَمْلَؤُها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ثُمَّ يَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً أوْ تَمامَها مِن سِنِّ رَفْعِهِ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، ويَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ، ويُدْفَنُ في حُجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ في بَيْتِ المَقْدِسِ.

وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ تَعالى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ، وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، فَطارَ مَعَ المَلائِكَةِ، فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ، فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا، وهَذا الرَّفْعُ عَلى المُخْتارِ كانَ قَبْلَ صَلْبِ الشَّبَهِ، وفي إنْجِيلِ لُوقا ما يُؤَيِّدُهُ.

وأمّا رُؤْيَةُ بَعْضِ الحَوارِيِّينَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ الصَّلْبِ فَهو مِن بابِ تَطَوُّرِ الرُّوحِ فَإنَّ لِلْقِدِّسِيِّينَ قُوَّةُ التَّطَوُّرِ في هَذا العالَمِ، وإنْ رُفِعَتْ أرْواحُهم إلى المَحَلِّ الأسْنى، وقَدْ وقَعَ التَّطَوُّرُ لِكَثِيرٍ مِن أوْلِياءِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وحِكاياتُهم في ذَلِكَ يَضِيقُ عَنْها نِطاقُ الحَصْرِ.

﴿ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ لا يُغْلَبُ فِيما يُرِيدُهُ ﴿ حَكِيمًا ﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَدْبِيراتُهُ سُبْحانَهُ في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإلْقاءُ الشَّبَهِ عَلى مَن ألْقاهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ يعني جملة واحدة كما جاء به موسى  .

ويقال: إن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وأصحابهما قالوا: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تنزل علينا كتاباً تحمله الملائكة إلينا فتقرؤه.

قال الله تعالى لمحمد  : فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ يعني إن هؤلاء من أصل أولئك القوم الذين فَقالُوا لموسى  أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً يعني عياناً، وهم القوم الذين ساروا مع موسى  إلى طور سيناء فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي أحرقتهم النار بِظُلْمِهِمْ أي بقولهم وسؤالهم ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أي ومع ذلك، قد عبدوا العجل وهم قوم موسى في حال غيبته مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي جاءهم موسى بالآيات والعلامات فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ كله ولم نستأصلهم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً أي حجة بينة، وهي اليد والعصا وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ يقول: قلعنا فوقهم الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ يعني بإقرارهم بما في التوراة حين أبوا أن يتقبلوا الشرائع وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً يعني باب أريحة منحنية أصلابهم وَقُلْنا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ يقول: لا تستحلوا أخذ السمك في يوم السبت.

قرأ نافع في رواية ورش لاَ تَعْدُوا بالتشديد، لأن أصله لا تعتدوا، فأدغم التاء في الدال وأقيم التشديد مقامه.

وقرأ الباقون لاَ تَعْدُوا بالتخفيف من عدا يعدو عدواناً.

ثم قال تعالى: وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً يعني إقراراً وثيقاً شديداً في التوراة، يعني تركوا هذه الأشياء كلها ونقضوا الميثاق.

ثم قال عز وجل: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ولم يذكر في هذه الآية جوابهم، والجواب فيه مضمر فكأنه قال: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غليظاً، فبنقضهم الميثاق لعنهم الله تعالى وخذلهم كقوله فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [النساء: 155] ثم قال: وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ يعني بكفرهم بآيات الله لعنهم الله وخذلهم.

ثم قال تعالى: وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ يعني: وبقتلهم الأنبياء بغير جرم وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ يعني: ذا غلاف ولا نفقه حديثك، وقرأ بعضهم: غلف بضم اللام وجماعة الغلاف يعني أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك.

قال الله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها يعني ختم الله على قلوبهم بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي لا يؤمنون إلا قليل منهم ويقال لا يؤمنون إلا بالقليل لأنهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقال مقاتل: يعني ما أقل ما يؤمنون، يقول: بأنهم لا يؤمنون البتة.

ثم قال تعالى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً وذلك أن مريم كانت متعبدة لله تعالى ناسكة، اصطفاها الله تعالى بولد بغير أب، فعيرها اليهود واتهموها وقذفوها بيوسف بن ماثان، وكان يوسف خادم بيت المقدس ويقال: كان ابن عمها، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم وبيّن بهتانهم فقال: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً يعني لعنهم الله وخذلهم بذلك وَقَوْلِهِمْ أي وبقولهم إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ هذا قول الله لا قول اليهود وقول اليهود إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مَرْيَمَ.

ثم قال الله تعالى رَسُولَ اللَّهِ يعني الذي هو رسول الله وذلك أن اليهود لما اجتمعوا على قتله هرب منهم ودخل في بيت، فأمر ملك اليهود رجلاً يدخل البيت يقال له يهوذا ويقال ططيانوس، فجاء جبريل  ورفع عيسى  إلى السماء، فلما دخل الرجل إلى البيت لم يجده، فألقى الله شبه عيسى عليه، فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وصلبوه.

ثم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟

وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

فاختلفوا فيما بينهم، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم فقال: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ يعني ألقي شبه عيسى على غيره فقتلوه.

ثم قال وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي من قتله مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يعني لم يكن عندهم علم يقين أنه قتل أو لم يقتل إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ أي قالوا قولاً بالظن وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً أي لم يستيقنوا بقتله، ويقال: يقيناً ما قتلوه بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وقال مقاتل: بل رفعه الله إلى السماء في شهر رمضان ليلة القدر.

وقال الضحاك: رفعه في يوم عاشوراء بين صلاتي المغرب والعشاء.

ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً أي منيعاً حين منع عيسى من القتل حَكِيماً حين حكم رفعه إلى السماء.

وقوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عيسى، أو نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: قتلاً يقينا.

انتهى.

وقوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ: يعني: إلى سمائِهِ وكرامتِهِ، وعيسى- عليه السلام- في السَّماءِ على ما تضمَّنه حديثُ الإِسراء في ذِكْرِ ابني الخالةِ عيسى ويحيى، ذكره البخاريُّ في حديث «١» المعراج، وذكره غيره، وهو هنالك مُقِيمٌ حتى يُنزله اللَّه تعالى لِقَتْلِ الدَّجَّال، وليملأَ الأرْضَ عَدْلاً وَيَحْيَا فيها أربعين سَنَةً، ثم يموت، كما يموت البشر.

وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ: اختُلِفَ في معنى الآيةِ:

فقال ابن عباس «٢» وغيره: الضميرُ في مَوْتِهِ راجعٌ إلى عيسى، والمعنى: أنه لا يبقى مِنْ أهْل الكتابِ أحَدٌ، إذا نَزَلَ عيسى إلى الأرْضِ، إلاَّ يؤمنُ بعيسى كما يؤمنُ سائرُ البَشَرِ، وترجِعُ الأدْيَانُ كلُّها واحداً، يعني: يرجعون على دين نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم إذْ عيسى واحدٌ من أمته وعلى شريعته، وأئمَّتنا منَّا كما ورد في الحديثِ الصَّحِيح.

وقال مجاهدٌ وابنُ عباسٍ أيضاً وغيرهما: الضميرُ في بِهِ لعيسى، وفي مَوْتِهِ للكتابيِّ، لَكن عند المعاينة للمَوْتِ فهو إيمانٌ لا ينفعه «٣» ، وقال عكرمةُ: الضَّميرُ في بِهِ لنبيِّنا محمَّد صلّى الله عليه وسلّم وقَبْلَ مَوْتِهِ للكتابيِّ «٤» قال: وليس يخرج يهوديٌّ ولا نصرانيّ من الدنيا حتّى يؤمن بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، ولو غَرِقَ أو سَقَطَ علَيْه جِدَارٌ، فإنه يؤمنُ في ذلك الوقْتِ، وفي مُصْحَفِ أبيِّ بْنِ كَعْب: «قَبْلَ مَوْتِهِمْ» ، ففي هذه القراءة تَقْوِيَةٌ لعود الضمير على الكتابيِّ «٥» .

قال ص: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ...

الآية: «إنْ» : هنا نافية، والمخبر عنه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: بِاعْتِرافِهِمْ بِقَتْلِهِمْ إيّاهُ، وما قَتَلُوهُ، يُعَذَّبُونَ عَذابَ مِن قَتَلَ، لِأنَّهم قَتَلُوا الَّذِي قَتَلُوا عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ وفي قَوْلِهِ: ﴿ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ اليَهُودِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلى زَعْمِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ، لا عَلى وجْهِ الحِكايَةِ عَنْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ أيْ: أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى غَيْرِهِ.

وَفِيمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بَعْضُ مَن أرادَ قَتْلَهُ مِنَ اليَهُودِ.

رَوى أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا اجْتَمَعَتْ عَلى قَتْلِ عِيسى، أدْخَلَهُ جِبْرِيلُ خَوْخَةً لَها رَوْزَنَةٌ، ودَخَلَ وراءَهُ رَجُلٌ مِنهم، فَألْقى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيسى، فَلَمّا خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ، قَتَلُوهُ يَظُنُّونَهُ عِيسى، ثُمَّ صَلَبُوهُ، وبِهَذا قالَ مُقاتِلٌ، وأبُو سُلَيْمانَ.

والثّانِي: أنَّهُ رَجُلٌ مِن أصْحابِ عِيسى، رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ عِيسى خَرَجَ عَلى أصْحابِهِ لَمّا أرادَ اللَّهُ رَفْعَهُ، فَقالَ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي، فَيُقْتَلُ مَكانِي، ويَكُونُ في دَرَجَتِي؟

فَقامَ شابٌّ، فَقالَ: أنا، فَقالَ: اجْلِسْ، ثُمَّ أعادَ القَوْلَ، فَقامَ الشّابُّ، فَقالَعِيسى: اجْلِسْ، ثُمَّ أعادَ، فَقالَ الشّابُّ: أنا، فَقالَ: نَعَمْ أنْتَ ذاكَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى، ورُفِعَ عِيسى، وجاءَ اليَهُودُ، فَأخَذُوا الرَّجُلَ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ.

وبِهَذا القَوْلِ قالَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ في المُخْتَلِفِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في هاءِ "فِيهِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها كِنايَةٌ عَنْ قَتْلِهِ، فاخْتَلَفُوا هَلْ قَتَلُوهُ أمْ لا؟

.

وَفِي سَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في ذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا قَتَلُوا الشَّخْصَ المُشَبَّهَ كانَ الشَّبَهُ قَدْ أُلْقِيَ عَلى وجْهِهِ دُونَ جَسَدِهِ، فَقالُوا: الوَجْهُ وجْهُ عِيسى، والجَسَدُ جَسَدُ غَيْرِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا: إنْ كانَ هَذا عِيسى، فَأيْنَ صاحِبُنا؟

وإنْ كانَ هَذا صاحِبَنا، فَأيْنَ عِيسى؟

يَعْنُونَ الَّذِي دَخَلَ في طَلَبِهِ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ "الهاءَ" كِنايَةٌ عَنْ عِيسى، واخْتِلافُهم فِيهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو ولَدُ زِنى، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو ساحِرٌ.

والثّانِي: أنَّ المُخْتَلِفِينَ النَّصارى، فَعَلى هَذا في هاءِ "فِيهِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى قَتْلِهِ، هَلْ قُتِلَ أمْ لا؟

.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلَيْهِ، هَلْ هو إلَهٌ أمْ لا؟

وفي هاءِ "مِنهُ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى قَتْلِهِ.

والثّانِي: إلى نَفْسِهِ، هَلْ هو إلَهٌ، أمْ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، أمْ هو ساحِرٌ؟

.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "اتِّباعَ: مَنصُوبٌ بِالِاسْتِثْناءِ، وهو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ.

والمَعْنى: ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلّا أنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وإنْ رَفَعَ جازَ عَلى أنْ يَجْعَلَ عِلْمَهُمُ اتِّباعَ الظَّنِّ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَتَلُوهُ ﴾ في "الهاءِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى الظَّنِّ فَيَكُونُ المَعْنى: وما قَتَلُوا ظَنَّهم يَقِينًا، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العِلْمِ، أيْ: ما قَتَلُوا [العِلْمَ بِهِ] يَقِينًا، تَقُولُ: قَتَلْتُهُ يَقِينًا، وقَتَلْتُهُ عِلْمًا [لِلرَّأْيِ والحَدِيثِ] هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا: أنَّ القَتْلَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ عَنْ قَهْرٍ واسْتِعْلاءٍ وغَلَبَةٍ، يَقُولُ: فَلَمْ يَكُنْ عِلْمُهم بِقَتْلِ المَسِيحِ عِلْمًا أُحِيطَ بِهِ، إنَّما كانَ ظَنًّا.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى عِيسى، فَيَكُونُ المَعْنى: وما قَتَلُوا عِيسى حَقًّا، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: "اليَقِينُ" مُؤَخَّرٌ في المَعْنى، فالتَّقْدِيرُ: وما قَتَلُوهُ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ يَقِينًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَنِّ وما قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴾ ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ وكانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ ﴿ وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ هَذِهِ الآيَةُ؛ والَّتِي قَبْلَها؛ عَدَّدَ اللهُ تَعالى فِيها أقْوالَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وأفْعالَهُمْ؛ عَلى اخْتِلافِ الأزْمانِ؛ وتَعاقُبِ القُرُونِ؛ فاجْتَمَعَ مِن ذَلِكَ تَوْبِيخُ خَلَفِهِمُ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وبَيانُ الحُجَّةِ في أنْ وجَبَتْ لَهُمُ اللَعْنَةُ؛ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ والمَسْكَنَةُ؛ فَهَذِهِ الطائِفَةُ الَّتِي قالَتْ: ﴿ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ ﴾ ؛ غَيْرُ الَّذِينَ نَقَضُوا المِيثاقَ في الطُورِ؛ وغَيْرُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ؛ وقَوْلُ بَنِي إسْرائِيلَ إنَّما هو إلى قَوْلِهِ: ﴿ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ رَسُولَ اللهِ ﴾ ؛ إنَّما هو إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى بِصِفَةٍ لِعِيسى؛ وهي الرِسالَةُ؛ عَلى جِهَةِ إظْهارِ ذَنْبِ هَؤُلاءِ المُقِرِّينَ بِالقَتْلِ؛ ولَزِمَهُمُ الذَنْبُ؛ وهم لَمْ يَقْتُلُوا عِيسى؛ لِأنَّهم صَلَبُوا ذَلِكَ الشَخْصَ عَلى أنَّهُ عِيسى؛ وعَلى أنَّ عِيسى كَذّابٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ؛ ولَكِنْ لَزِمَهُمُ الذَنْبُ مِن حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّ قَتْلَهم وقَعَ في عِيسى؛ فَكَأنَّهم قَتَلُوهُ؛ وإذا كانُوا قَتَلُوهُ فَلَيْسَ يَرْفَعُ الذَنْبَ عنهُمُ اعْتِقادُهم أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ؛ كَما أنَّ قُرَيْشًا في تَكْذِيبِها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لا يَنْفَعُهم فِيهِ اعْتِقادُهم أنَّهُ كَذّابٌ؛ بَلْ جازاهُمُ اللهُ عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ في نَفْسِهِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ ما قَتَلُوا عِيسى؛ ولا صَلَبُوهُ؛ "وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ"؛ واخْتَلَفَتِ الرُواةُ في هَذِهِ القِصَّةِ وكَيْفِيَّتِها اخْتِلافًا شَدِيدًا؛ أنا أخْتَصِرُ عُيُونَهُ؛ إذْ لَيْسَ في جَمِيعِهِ شَيْءٌ يَقْطَعُ بِصِحَّتِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيهِ شَيْءٌ؛ ولَيْسَ لَنا مُتَعَلَّقٌ في تَرْجِيحِ شَيْءٍ مِنهُ؛ إلّا ألْفاظُ كِتابِ اللهِ؛ فالَّذِي لا نَشُكُّ فِيهِ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ يَسِيحُ في الأرْضِ؛ ويَدْعُو إلى اللهِ؛ وكانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَطْلُبُهُ؛ ومَلِكُهم في ذَلِكَ الزَمانِ يَجْعَلُ عَلَيْهِ الجَعائِلَ؛ وكانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قَدِ انْضَوى إلَيْهِ الحَوارِيُّونَ يَسِيرُونَ مَعَهُ حَيْثُ سارَ؛ فَلَمّا كانَ في بَعْضِ الأوقاتِ شُعِرَ بِأمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَرُوِيَ أنَّ أحَدَ الحَوارِيِّينَ أُرْشِيَ عَلَيْهِ فَقَبِلَ الرِشْوَةَ؛ ودَلَّ عَلى مَكانِهِ؛ فَأُحِيطَ بِهِ؛ ثُمَّ نَدِمَ ذَلِكَ الحَوارِيُّ وخَنَقَ نَفْسَهُ؛ ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ جُعِلَ لَهُ جُعْلٌ؛ فَما زالَ يَنْقُرُ عَلَيْهِ حَتّى دَلَّ عَلى مَكانِهِ؛ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ؛ وأصْحابُهُ؛ بِتَلاحُقِ الطالِبِينَ بِهِمْ دَخَلُوا بَيْتًا بِمَرْأًى مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَرُوِيَ أنَّهم عَدُّوهم ثَلاثَةَ عَشَرَ؛ ورُوِيَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ وحُصِرُوا لَيْلًا؛ فَرُوِيَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - فَرَّقَ الحَوارِيِّينَ عن نَفْسِهِ تِلْكَ اللَيْلَةَ؛ ووَجَّهَهم إلى الآفاقِ؛ وبَقِيَ هو ورَجُلٌ مَعَهُ؛ فَرُفِعَ عِيسى؛ وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى الرَجُلِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الرَجُلُ؛ ورُوِيَ أنَّ الشَبَهَ أُلْقِيَ عَلى اليَهُودِيِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ؛ فَصُلِبَ؛ ورُوِيَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا أُحِيطَ بِهِمْ قالَ لِأصْحابِهِ: "أيُّكم يُلْقى شَبَهِي عَلَيْهِ فَيُقْتَلُ ويُخَلِّصُ هَؤُلاءِ؛ وهو رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟"؛ فَقالَ سَرْجِسُ: أنا؛ وأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى؛ ويُرْوى أنَّ شَبَهَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أُلْقِيَ عَلى الجَماعَةِ كُلِّها؛ فَلَمّا أخْرَجَهم بَنُو إسْرائِيلَ نَقُصَ واحِدٌ مِنَ العِدَّةِ؛ فَأخَذُوا واحِدًا مِمَّنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَبَهُ؛ حَسَبَ هَذِهِ الرِواياتِ الَّتِي ذَكَرْتُها؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَخْصُ؛ ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمُتَناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ أمْرُ رَفْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا رَأوا أمْرَ نُقْصانِ العَدَدِ؛ واخْتِلاطِ الأمْرِ؛ فَصُلِبَ ذَلِكَ الشَخْصُ؛ وأُبْعِدَ الناسُ عن خَشَبَتِهِ أيّامًا؛ حَتّى تَغَيَّرَ؛ ولَمْ تَثْبُتْ لَهُ صِفَةٌ؛ وحِينَئِذٍ دَنا الناسُ مِنهُ؛ ومَضى الحَوارِيُّونَ يُحَدِّثُونَ بِالآفاقِ أنَّ عِيسى صُلِبَ؛ فَهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَرَّقَهم وهو في البَيْتِ؛ أو عَلى أنَّ الشَبَهَ أُلْقِيَ عَلى الكُلِّ؛ ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كُلَّها لَمْ يَكُنْ فِيها إلْقاءُ شَبَهِ شَخْصِ عِيسى عَلى أحَدٍ؛ وإنَّما المَعْنى: ﴿ "وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ"؛ ﴾ أيْ: شَبَّهَ عَلَيْهِمُ المَلِكُ "اَلْمُمَخْرِقُ"؛ لِيَسْتَدِيمَ مُلْكُهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نَقَصَ واحِدٌ مِنَ الجَماعَةِ؛ وفَقَدَ عِيسى؛ عَمَدَ إلى أحَدِهِمْ؛ وبَطَشَ بِصَلْبِهِ؛ وفَرَّقَ الناسَ عنهُ؛ وقالَ: هَذا عِيسى قَدْ صُلِبَ؛ وانْحَلَّ أمْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ ؛ يَعْنِي اخْتِلافَ المُحاوِلِينَ لِأخْذِهِ؛ لِأنَّهم حِينَ فَقَدُوا واحِدًا مِنَ العَدَدِ؛ وتُحُدِّثَ بِرَفْعِ عِيسى اضْطَرَبُوا؛ واخْتَلَفُوا؛ وعَلى رِوايَةِ مَن رَوى أنَّهُ أُلْقِيَ شَبَهٌ؛ يُوشِكُ أنَّهُ بَقِيَ في ذَلِكَ الشَبَهِ مَواضِعُ لِلِاخْتِلافِ؛ لَكِنْ أجْمَعُوا عَلى صَلْبِ واحِدٍ عَلى غَيْرِ ثِقَةٍ؛ ولا يَقِينٍ أيُّهم هو.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فاليَقِينُ الَّذِي صَحَّ فِيهِ نَقْلُ الكافَّةِ عن حَواسِّها هو أنَّ شَخْصًا صُلِبَ؛ وأمّا هَلْ هو عِيسى أمْ لا؛ فَلَيْسَ هو مِن عِلْمِ الحَواسِّ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعْ في ذَلِكَ نَقْلُ كافَّةِ اليَهُودِ والنَصارى؛ ونَفى اللهُ عنهم أنْ يَكُونَ لَهم في أمْرِهِ عِلْمٌ عَلى ما هو بِهِ.

ثُمَّ اسْتَثْنى اتِّباعَ الظَنِّ؛ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ؛ إذِ الظَنُّ والعِلْمُ يَضُمُّهُما جِنْسٌ واحِدٌ: أنَّهُما مِن مُعْتَقَداتٍ النَفْسِ؛ وقَدْ يَقُولُ الظانُّ - عَلى طَرِيقِ التَجَوُّزِ -: "عِلْمِي في هَذا الأمْرِ أنَّهُ كَذا"؛ وهو يَعْنِي ظَنَّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴾ ؛ اِخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "قَتَلُوهُ"؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الظَنِّ؛ كَما تَقُولُ: "قَتَلْتُ هَذا الأمْرَ عِلْمًا"؛ فالمَعْنى: وما صَحَّ ظَنُّهم عِنْدَهُمْ؛ ولا تَحَقَّقُوهُ يَقِينًا؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وجَماعَةٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ أخْبَرَ أنَّهم لَمْ يَقْتُلُوهُ يَقِينًا؛ فَيَصِحُّ لَهُمُ الإصْفاقُ؛ ويُثْبِتُ نَقْلُ كافَّتِهِمْ؛ ومُضَمَّنُ الكَلامِ أنَّهم ما قَتَلُوهُ في الحَقِيقَةِ جُمْلَةً واحِدَةً؛ لا يَقِينًا؛ ولا شَكًّا؛ لَكِنْ لَمّا حَصَلَتْ في ذَلِكَ الدَعْوى صارَ قَتْلُهُ عِنْدَهم مَشْكُوكًا فِيهِ؛ وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اللِسانِ: اَلْكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ: "وَما قَتَلُوهُ"؛ و"يَقِينًا": مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلنَّفْيِ في قَوْلِهِ: "وَما قَتَلُوهُ"؛ اَلْمَعْنى: يُخْبِرُكم يَقِينًا؛ أو يَقُصُّ عَلَيْكم يَقِينًا؛ أو أيْقِنُوا بِذَلِكَ يَقِينًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ ﴾ ؛ يَعْنِي إلى سَمائِهِ؛ وكَرامَتِهِ؛ وعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - حَيٌّ في السَماءِ الثانِيَةِ؛ عَلى ما تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الإسْراءِ في ذِكْرِ ابْنَيِ الخالَةِ: عِيسى ويَحْيى ؛ ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في حَدِيثِ المِعْراجِ؛ وذَكَرَهُ غَيْرُهُ؛ وهو هُناكَ مُقِيمٌ حَتّى يُنْزِلَهُ اللهُ لِقَتْلِ الدَجّالِ؛ ولِيَمْلَأ الأرْضَ عَدْلًا؛ ويَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً؛ ثُمَّ يَمُوتُ كَما يَمُوتُ البَشَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ ؛ اِخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الآيَةِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو مالِكٍ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلضَّمِيرُ في "مَوْتِهِ"؛ راجِعٌ إلى عِيسى؛ والمَعْنى: إنَّهُ لا يَبْقى مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إذا نَزَلَ عِيسى إلى الأرْضِ إلّا يُؤْمِنُ بِعِيسى؛ كَما يُؤْمِنُ سائِرُ البَشَرِ؛ وتَرْجِعُ الأدْيانُ كُلُّها واحِدًا؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وغَيْرُهُما: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ لِعِيسى؛ وفي "مَوْتِهِ"؛ لِلْكِتابِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ"؛ قالُوا: ولَيْسَ يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى؛ رُوحِ اللهِ؛ ويَعْلَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ ولَكِنْ عِنْدَ المُعايَنَةِ لِلْمَوْتِ؛ فَهو إيمانٌ لا يَنْفَعُهُ؛ كَما لَمْ يَنْفَعْ فِرْعَوْنَ إيمانُهُ عِنْدَ المُعايَنَةِ؛ وقالَ هَذا القَوْلَ عِكْرِمَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ أيْضًا؛ وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: اَلضَّمِيرُ في "بِهِ"؛ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وفي "قَبْلَ مَوْتِهِ"؛ لِلْكِتابِيِّ؛ قالَ: ولَيْسَ يَخْرُجُ يَهُودِيٌّ؛ ولا نَصْرانِيٌّ مِنَ الدُنْيا حَتّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ؛ ولَوْ غَرِقَ؛ أو سَقَطَ عَلَيْهِ جِدارٌ؛ فَإنَّهُ يُؤْمِنُ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَبْلَ مَوْتِهِمْ"؛ فَفي هَذِهِ القِراءَةِ تَقْوِيَةٌ لِعَوْدِ الضَمِيرِ عَلى الكِتابِيِّ؛ وقَرَأ الفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ: "وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ"؛ بِتَشْدِيدِ "إنْ"؛ والضَمِيرُ المُسْتَتِرُ في "يَكُونُ"؛ هو لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ في جُلِّ الأقْوالِ؛ ولِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في قَوْلِ عِكْرِمَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ .

عُطف ﴿ وبكفرهم ﴾ مرّة ثانية على قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ [النساء: 155] ولم يُستغن عنه بقوله: ﴿ وكفرِهم بآيات الله ﴾ [النساء: 155] وأعيد مع ذلك حرف الجرّ الذي يغني عنه حرفُ العطف قصداً للتأكيد، واعتبر العطف لأجل بُعْد ما بيّن اللفظين، ولأنَّه في مقام التهويل لأمر الكفر، فالمتكلّم يذكره ويُعيده: يتثبّت ويُرى أنّه لا ريبة في إناطة الحكم به، ونظير هذا التكرير قول لبيد: فتَنَازَعَا سَبِطاً يَطِيرُ ظلالُه *** كدُخان مُشْعَلَة يُشَبُّ ضِرامُها مَشْمُولة غُلِثَتْ بنابت عرفج *** كَدُخَان نار سَاطِع أسْنَامُها فأعاد التشبيه بقوله: (كدُخان نَار) ليحقّق معنى التشبيه الأوّل.

وفي «الكشاف» «تكرّر الكفر منهم لأنّهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلوات الله عليهم فعطف بعض كفرهم على بعض»، أي فالكفر الثاني اعتبر مخالفاً للذي قبله باعتبار عطف قوله: ﴿ وقولهم على مريم بهتاناً ﴾ .

ونظيره قول عويف القوافي: اللؤم أكرمُ من وَبْر ووالدِه *** واللؤمُ أكرم من وَبْرٍ وما ولدا إذْ عطف قوله: (واللؤم أكرم من وبر) باعتبار أنّ الثاني قد عطف عليه قولُه: (وما ولدا).

والبهتان مصدر بَهَتَه إذا أتاه بقول أو عمل لا يترقّبه ولا يجد له جوابا، والذي يتعمّد ذلك بَهُوت، وجمعه: بُهُت وبُهْت.

وقد زيّن اليهود ما شاءوا في الإفك على مريم عليها السلام.

أمّا قولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم، فَمحلّ المؤاخذة عليهم منه: هو أنّهم قصدوا أن يعدّوا هذا الإثم في مفاخر أسلافهم الراجعة إلى الإخلاف بالعهد المبيّن في سبيل نصر الدين.

والمسيح كان لَقباً لعيسى عليه السلام لقَّبه به اليهود تهكّماً عليه: لأنّ معنى المسيح في اللغة العبرية بمعنى المَلِك، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ في سورة آل عمران (45)، وهو لقب قصدوا منه التهكّم، فصار لقباً له بينهم.

وقلب الله قصدهم تحقيره فجعله تعظيماً له.

ونظيره ما كان يطلق بعض المشركين على النبي محمّد اسم مذمَّم، قالت امرأة أبي لهب: مذمَّماً عصينا، وأمره أبينا.

فقال النبي ألا تعجبون كيف يصرف الله عنّي شتم قريش ولعنهم، يشتمون ويلعنون مذمّماً وأنا محمد.

وقوله: رسول الله } إن كان من الحكاية: فالمقصود منه الثناء عليه والإيمان إلى أنّ الذين يتبجّحون بقتله أحرياء بما رتّب لهم على قولهم ذلك، فيكون نصبُ ﴿ رسول الله ﴾ على المدح، وإن كان من المحكي: فوصفهم إيّاه مقصود منه التهكّم، كقول المشركين للنبيء صلى الله عليه وسلم ﴿ يَأيّها الذي نُزّل عَلَيْهِ الذكر إنَّكَ لمجْنون ﴾ [الحجر: 6] وقول أهل مدين لشعيب ﴿ أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنَّك لأنْتَ الحليمُ الرشيد ﴾ [هود: 87] فيكون نصب «رسول الله» على النعت للمسيح.

وقوله ﴿ وما قتلوه ﴾ الخ الظاهر أنّ الواو فيه للحال، أي قولهم ذلك في حال أنّهم ما قتلوه، وليس خبراً عن نفي القتل لأنَّه لو كان خبراً لاقتضى الحال تأكيده بمؤكّدات قويَّة، ولكنَّه لمّا كان حالاً من فاعل القول المعطوف على أسباب لعنهم ومؤاخذتهم كانت تلك الأسباب مفيدة ثبوت كذبهم، على أنّه يجوز كونه خبراً معطوفاً على الجمل المخبر بها عنهم، ويكون تجريده من المؤكّدات: إمَّا لاعتبار أنّ المخاطب به هم المؤمنون، وإمَّا لاعتبار هذا الخبر غنيّاً عن التأكيد، فيكون ترك التأكيد تخريجاً على خلاف مقتضى الظاهر، وإمّا لكونه لم يُتلقّ إلاّ من الله العالم بخفيّات الأمور فكان أعظم من أن يؤكّد.

وعطف ﴿ وما صلبوه ﴾ لأنّ الصلب قد يكون دون القتل، فقد كانوا ربما صلبوا الجاني تعذيباً له ثم عفوا عنه، وقال تعالى: ﴿ إنَّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله...

أن يُقتَّلوا أو يصلَّبوا ﴾ [المائدة: 33].

والمشهور في الاستعمال: أنّ الصلب هو أن يوثق المعدود للقتل على خشبة بحيث لا يستطيع التحرّك ثم يطعن بالرمح أو يرمى بسهم، وكذلك كانوا يزعمون أنّ عيسى صلب ثم طعن برمح في قلبه.

وجملة ﴿ ولكن شبَّه لهم ﴾ استدراك، والمستدرك هو ما أفاده ﴿ وما قتلوه ﴾ من كون هذا القول لا شبهة فيه.

وأنَّه اختلاق محض، فبيّن بالاستدراك أنّ أصل ظنّهم أنّهم قتلوه أنّهم توهّموا أنّهم قتلوه، وهي شبهة أوهمت اليهود أنّهم قتلوا المسيح، وهي ما رَأوه ظاهراً من وقوع قتل وصلْب على ذات يعتقدونها ذات المسيح، وبهذا وردت الآثار في تأويل كيفيَّة معنى الشبه.

وقوله: ﴿ شبّه لهم ﴾ يحتمل أن يكون معناه: أنّ اليهود الَّذِين زعموا قتْلَهم المسيحَ في زمانهم قد شُبّه لهم مُشبَّه بالمسيح فقتلوه، وَنجَّى الله المسيح من إهانة القتل، فيكون قوله: ﴿ شبِّه ﴾ فعلاً مبْنيّاً للمجهول، مشتقّاً من الشبه، وهو المماثلة في الصورة.

وحذف المفعول الذي حقّه أن يكون نائب فاعل (شبّه) للدلالة فعل (شبّه) عليه؛ فالتقدير: شبِّه مشبَّه فيكون «لهم» نائباً عن الفاعل.

وضمير (لهم) على هذا الوجه عائد إلى الذين قالوا: ﴿ إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ﴾ وهم يهود زمانه، أي وقعت لهم المشابهة، واللام على هذا بمعنى عند كما تقول: حصل لي ظنّ بكذا.

والاستدراك بيِّن على هذا الاحتمال.

ويحتمل أن يكون المعنى ولكن شبّه لليهود الأولين والآخرين خبر صلب المسيح، أي اشتبه عليهم الكذب بالصدق، فيكون من باب قول العرب: خُيِّل إليك، واختُلِط على فلان.

وليس ثمّة شبيه بعيسى ولكن الكذب في خبره شبيه بالصدق، واللام على هذا لام الأجل: أي لُبس الخبرُ كذبُه بالصدق لأجْلهم، أي لتضليلهم، أي أنّ كبراءهم اختلقوه لهم ليبردوا غليلهم من الحَنَق على عيسى إذ جاء بإبطال ضلالاتهم.

أو تكون اللام بمعنى على للاستعلاء المجازي، كقوله تعالى: ﴿ وإن أسأتم فلها ﴾ [الإسراء: 7].

ونكتة العدول عن حرف على تضمين فعل شُبّه معنى صُنع، أي صنع الأحبار هذا الخبر لأجل إدخال الشبهة على عامّتهم.

وفي الأخبار أنّ (يهوذا الاسخريوطي) أحد أصحاب المسيح، وكان قد ضلّ ونافق، هو الذي وشى بعيسى عليه السلام وهُو الذي ألْقَى الله عليه شبهَ عيسى، وأنَّه الذي صُلب، وهذا أصله في إنجيل برنابي أحد تلاميذ الحواريين، وهذا يلائم الاحتمال الأول.

ويقال: إنّ (بيلاطس)، وَاليَ فلسطين، سئل في رومة عن قضية قتل عيسى وَصَلبه فأجاب بأنّه لا عِلم له بشيء من هذه القضية، فتأيّد بذلك اضطراب النّاس في وقوع قتله وصلبه، ولم يقع، وإنَّما اختلق اليهود خبره، وهذا يلائم الاحتمال الثاني.

والّذي يجب اعتقاده بنصّ القرآن: أنّ المسيح لم يُقتل، ولا صُلب، وأنّ الله رَفَعَه إليه ونجّاه من طالبيه، وأمَّا ما عدا ذلك فالأمر فيه محتمل.

وقد تقدّم الكلام في رفعه في قوله تعالى: ﴿ إنّي متوفّيك ورافعك إلَيّ ﴾ في سورة آل عمران [55] وقوله: وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } يدلّ على وقوع خلاف في شأن قتل المسيح.

والخلافُ فيه موجود بين المسيحيين: فجمهورهم يقولون: قتلته اليهود، وبعضهم يقول: لم يقتله اليهود، ولكن قتلوا يهوذا الاسخريوطي الذي شبّه لهم بالمسيح، وهذا الاعتقاد مسطور في إنجيل برنابي الذي تعتبره الكنيسية اليوم كتاباً محرّفاً فالمعنى أنّ معظم النّصارى المختلفين في شأنه غير مؤمنين بصلبه، بل يخالج أنفسهم الشكّ، ويتظاهرون باليقين، وما هو باليقين، فما لهم به من علم قاطع إلاّ اتّباع الظنّ.

فالمراد بالظنّ هنا: معنى الشكّ، وقد أطلق الظنّ على هذا في مواضع كثيرة من كلام العرب، وفي القرآن ﴿ إنّ بعض الظنّ إثم ﴾ [الحجرات: 12]، وفي الحديث الصحيح: «إيَّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكْذَبُ الحديث» فالاستثناء في قوله ﴿ إلاّ اتّباع الظنّ ﴾ مُنقطع، كقول النابغة: حَلفت يميناً غير ذي مثنوية *** ولا عِلْمَ إلاّ حُسنَ ظنّ بصَاحب يجوزُ أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ﴾ ويجُوز أن يعطف على قوله: ﴿ مالهم به من علم ﴾ .

واليقين: العلم الجازم الذي لا يحتمل الشكّ، فهو اسمُ مصدر، والمصدر اليَقَن بِالتحريك، يقال: يَقِن كفرح يَيْقَن يَقَنا، وهو مصدر قليل الاستعمال، ويقال: أيقن يُوقن إيقاناً، وهو الشائع.

وقوله ﴿ يقيناً ﴾ يجوز أن يكون نصب على النيابة عن المفعول المطلق المؤكِّد لمضمون جملة قبله: لأنّ مضمون: ﴿ وما قتلوه يقينا ﴾ بعد قوله: ﴿ وقولهم إنّا قتلنا المسيح ﴾ إلى قوله ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكنّ شبّه لهم ﴾ يدلّ على أنّ انتفاء قتلهم إيّاه أمر متيقّن، فصحّ أن يكون يقيناً مؤكّداً لهذا المضمون.

ويصحّ أن يكون في موضع الحال من الواو في ﴿ قتلوه ﴾ ، أي ما قتلوه متيقّنين قتْلَه، ويكون النفي منصبّاً على القيد والمقيّد معاً، بقرينة قوله قبله ﴿ ومَا قتلوه وما صلبوه ﴾ ، أي: هم في زعمهم قتْله ليسوا بمُوقنين بذلك للاضطراب الذي حصل في شخصه حينَ إمساك من أمسكوه، وعلى هذا الوجه فالقتل مستعمل في حقيقته.

وضمير النصب في ﴿ قتلوه ﴾ عائد إلى عيسى ابن مريم عليه السلام.

ويجوز أن يكون القتل مستعملاً مجازاً في التمكّن من الشيء والتغلّب عليه كقولهم: قَتَلَ الخمرَ إذا مزجها حتّى أزال قُوّتَها، وقولهم: قَتَل أرضاً عالِمُها، ومن شعر «الحماسة» في بَاب الهجاء: يَروعك من سعدِ ابن عمرو جُسومها *** وتزهَد فيها حين تقتلُهَا خُبْراً وقول الشاعر: كذلِكَ تخبر عنهَا العالمات بها *** وقد قَتَلْتُ بعلمي ذلكم يَقَنا وقول الآخر: قتلتني الأيام حين قتلتها *** خبُرا فأبْصِرْ قَاتلاً مقتولاً وضمير النصب في ﴿ قتلوه ﴾ عائد إلى العلم من قوله تعالى ﴿ ما لهم به من علم ﴾ ، فيكون ﴿ يقيناً ﴾ على هذا تمييزاً لنسبة (قتلوه).

ولذلك كلّه أعقب بالإبطال بقوله: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ أي فلم يظفروا به.

والرفع: إبعاده عن هذا العالم إلى عالم السماوات، و(إلى) إفادة الانتهاء المجازي بمعنى التشريف، أي رفعه الله رفع قرب وزلفى.

وقد تقدّم الكلام على معنى هذا الرفع، وعلى الاختلاف في أنّ عيسى عليه السّلام بقي حيّاً أوْ أماته الله، عند قوله تعالى: ﴿ إنّي متوفّيك ورافِعك إليّ ﴾ في سورة آل عمران (55).

والتذييل بقوله: وكان الله عزيزاً حكيماً} ظاهر الموقع لأنّه لمّا عزّ فقد حقّ لعزّه أن يُعِزّ أولياءَه، ولمّا كان حكيماً فقد أتقن صُنع هذا الرفع فجعله فتنة للكافرين، وتبصرة للمؤمنين، وعقوبة ليهوذا الخائن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَحْجُوبَةٌ عَنْ فَهْمِ الإعْجازِ ودَلائِلِ التَّصْدِيقِ، كالمَحْجُوبِ في غُلافَةٍ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: يَعْنِي أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ وهي لا تَفْهَمُ احْتِجاجَكَ ولا تَعْرِفُ إعْجازَكَ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهم عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ إعْراضًا، وعَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي إبْطالًا.

﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَعَلَ فِيها عَلامَةً تَدُلُّ المَلائِكَةَ عَلى كُفْرِهِمْ كَعَلامَةِ المَطْبُوعِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

الثّانِي: ذَمَّهم بِأنَّ قُلُوبَهم كالمَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا ولا تُطِيعُ مُرْشِدًا، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القَلِيلَ مِنهم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ.

الثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ إلّا بِقَلِيلٍ، وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الأنْبِياءِ دُونَ جَمِيعِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ ، أمّا قَوْلُهُمْ: ﴿ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ فَهو مِن قَوْلِ اليَهُودِ، أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهم.

أمّا ﴿ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ اليَهُودِ بِمَعْنى رَسُولِ اللَّهِ في زَعْمِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى وجْهِ الإخْبارِ عَنْهم، وتَقْدِيرُهُ: الَّذِي هو رَسُولِي.

﴿ وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَهُ فَألْقى شَبَهَهُ عَلى غَيْرِهِ، فَظَنُّوهُ المَسِيحَ فَقَتَلُوهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، ووَهْبٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَهُ بِعَيْنِهِ، وإنْ كانَ مَشْهُورًا فِيهِمْ بِالذِّكْرِ، فارْتَشى مِنهم يَهُودِيٌّ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا، ودَلَّهم عَلى غَيْرِهِ مُوهِمًا لَهم أنَّهُ المَسِيحُ، فَشُبِّهَ عَلَيْهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَهُ، فَخافَ رُؤَساؤُهم فِتْنَةَ عَوامِّهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ مَنَعَهم عَنْهُ، فَعَمَدُوا إلى غَيْرِهِ، فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، ومَوَّهُوا عَلى العامَّةِ أنَّهُ المَسِيحُ، لِيَزُولَ افْتِتانُهم بِهِ.

﴿ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَبْلَ قَتْلِهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو إلَهٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو ولَدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو ساحِرٌ، فَشَكُّوا ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ ﴾ الشَّكُّ الَّذِي حَدَثَ فِيهِمْ بِالِاخْتِلافِ.

والثّانِي: ما لَهم بِحالِهِ مِن عِلْمٍ - هَلْ كانَ رَسُولًا أوْ غَيْرَ رَسُولٍ؟

- إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ.

﴿ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وما قَتَلُوا ظَنَّهم يَقِينًا كَقَوْلِ القائِلِ: ما قَتَلْتُهُ عِلْمًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وجُوَيْبِرٍ.

والثّانِي: وما قَتَلُوا أمْرَهُ يَقِينًا أنَّ الرَّجُلَ هو المَسِيحُ أوْ غَيْرُهُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَفَعَهُ إلى مَوْضِعٍ لا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ أحَدٍ مِنَ العِبادِ، فَصارَ رَفْعُهُ إلى حَيْثُ لا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ العِبادِ رَفْعًا إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: أنَّهُ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِالمَسِيحِ قَبْلَ مَوْتِ المَسِيحِ، إذا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مالِكٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِالمَسِيحِ قَبْلَ مَوْتِ الكِتابِيِّ عِنْدَ المُعايَنَةِ، فَيُؤْمِنُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الحَقِّ وبِالمَسِيحِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، وابْنِ سِيرِينَ، وجُوَيْبِرٍ.

والثّالِثُ: إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِمُحَمَّدٍ  قَبْلَ مَوْتِ الكِتابِيِّ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ يَعْنِي المَسِيحَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَكُونُ شَهِيدًا بِتَكْذِيبِ مَن كَذَّبَهُ وتَصْدِيقِ مَن صَدَّقَهُ مِن أهْلِ عَصْرِهِ.

والثّانِي: يَكُونُ شَهِيدًا أنَّهُ بَلَّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ، وأقَرَّ بِالعُبُودِيَّةِ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وفي البيت إثنا عشر رجلاً من الحواريين، فخرج عليهم من غير البيت ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي إثني عشر مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي، فقام شاب من أحدثهم سناً، فقال له: اجلس.

ثم أعاد عليهم فقام الشاب، فقال: اجلس.

ثم أعاد عليهم فقام الشاب، فقال: أنا.

فقال: أنت ذاك، فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء.

قال: وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، وكفر به بعضهم إثني عشر مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، وقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، فهؤلاء اليعقوبية.

وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله، وهؤلاء المسلمون.

فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل ﴾ يعني الطائفة التي آمنت في زمن عيسى، وكفرت الطائفة التي كفرت في زمن عيسى ﴿ فأيدنا الذين آمنوا ﴾ في زمن عيسى بإظهار محمد دينهم على دين الكافرين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح...

﴾ الآية.

قال: أولئك أعداء الله اليهود، افتخروا بقتل عيسى، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه، وذكر لنا أنه قال لأصحابه: أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول؟

قال رجل من أصحابه: أنا يا نبي الله، فقتل ذلك الرجل، ومنع الله نبيه ورفعه إليه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ شُبِّه لهم ﴾ قال: صلبوا رجلاً غير عيسى شبه بعيسى يحسبونه إياه، ورفع الله إليه عيسى حياً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وما قتلوه يقيناً ﴾ قال: يعني لم يقتلوا ظنهم يقيناً.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: ما قتلوا ظنهم يقيناً.

وأخرج ابن جرير مثله، عن جويبر والسدي.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن عساكر من طريق ثابت البناني عن أبي رافع قال: رُفِع عيسى ابن مريم وعليه مدرعة، وخُفَّا راع، وحذافة يخذف بها الطير.

وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق ثابت البناني عن أبي العالية قال: ما ترك عيسى بن مريم حين رفع إلا مدرعة صوف، وخفَّيْ راع، وقذافة يقذف بها الطير.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الجبار بن عبد الله بن سليمان قال: أقبل عيسى ابن مريم على أصحابه ليلة رفع فقال لهم: لا تأكلوا بكتاب الله أجراً فانكم إن لم تفعلوا أقعدكم الله على منابر الحجر منها خير من الدنيا وما فيها.

قال عبد الجبار: وهي المقاعد التي ذكر الله في القرآن ﴿ في مقعد صدق عند مليك مقتدر ﴾ [ القمر: 55] ورفع عليه السلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن وهب بن منبه قال: إن عيسى لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين فصنع لهم طعاماً، فقال: احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليلة عَشَّاهُم وقام يحدثهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضيهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارموه فقال: ألا من رد عليَّ شيئاً الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه، فأقروه حتى فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم فلا يتعظم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم، وأما حاجتي التي استعنتكم عليها، فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخِّر أجلي، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله..

!

ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها؟

قالوا: والله ما ندري ما كنا لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمراً، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال: يذهب بالراعي وتتفرق الغنم، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه، ثم قال: الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنني أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني، فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا: هذا من أصحابه.

فجحد وقال: ما أنا بصاحبه فتركوه، ثم أخذه آخرون كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟

فجعلوا له ثلاثين درهماً، فأخذها ودلهم عليه وكان شبِّه عليهم قبل ذلك، فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل، فجعلوا يقودونه ويقولون: أنت كنت تحيي الميت، وتبرئ المجنون، أفلا تخلِّص نفسك من هذا الحبل؟

ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله إليه وصلبوا ما شُبِّه لهم، فمكث سبعاً.

ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: علام تبكيان؟!

قالتا عليك.

قال: إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبِّه لهم، فأمروا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا، فألقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وقعد الذي كان باعه ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه فقالوا: إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل قال: لو تاب تاب الله عليه، ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحنا؟

فقال: هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة فليتدبرهم وليدعهم.

وأخرج ابن المنذر عن وهب بن منبه قال: إن عيسى عليه السلام كان سياحاً فمر على امرأة تستقي، فقال: اسقيني من مائك الذي من شرب منه مات وأسقيك من مائي الذي من شرب منه حيي؟

قال: وصادف امرأة حكيمة فقالت له: أما تكتفي بمائك الذي من شرب منه حيي عن مائي الذي من شرب منه مات؟

قال: إن ماءك عاجل ومائي آجل.

قالت: لعلك هذا الرجل الذي يقال له عيسى ابن مريم؟

قال: فإني أنا هو، وأنا أدعوك إلى عبادة الله وترك ما تعبدين من دون الله عز وجل.

قالت: فأتني على ما تقول ببرهان؟

قال: برهان ذلك أن ترجعي إلى زوجك فيطلقك.

قالت: إن في هذا لآية بينة، ما في بني إسرائيل امرأة أكرم على زوجها مني، ولئن كان كما تقول إني لأعرف أنك صادق.

قال: فرجعت إلى زوجها، وزوجها شاب غيور فقال: ما بَطُؤ بِكِ؟

قالت: مر علي رجل فأرادت أن تخبره عن عيسى، فاحتملته الغيرة فطلقها، فقالت: لقد صدقني صاحبي.

فخرجت تتبع عيسى وقد آمنت به، فأتى عيسى ومعه سبعة وعشرون من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم، فدخلوا عليهم وقد صوّرهم الله على صورة عيسى، فقالوا: قد سحرتمونا؟

لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً، فقال عيسى لأصحابه: من يشتري منكم نفسه بالجنة؟

فقال رجل من القوم: أنا.

فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثم شُبِّه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى وصلبوه، فظنت النصارى مثل ذلك، ورفع الله عيسى من يومه ذلك.

فبلغ المرأة أن عيسى قد قتل وصلب، فجاءت حتى بنت مسجداً إلى أصل شجرته، فجعلت تصلي وتبكي على عيسى، فسمعت صوتاً من فوقها صوت عيسى لا تنكره: أي فلانة إنهم والله ما قتلوني وما صلبوني ولكن شُبِّه لهم، وآية ذلك أن الحواريين يجتمعون الليلة في بيتك، فيفترقون اثنتي عشرة فرقة كل فرقة منهم تدعو قوماً إلى دين الله، فلما أمسوا اجتمعوا في بيتها، فقالت لهم: إني سمعت الليلة شيئاً أحدِّثكم به وعسى أن تكذبوني وهو الحق، سمعت صوت عيسى وهو يقول: يا فلانة إني والله ما قتلت ولا صلبت، وآية ذلك أنكم تجتمعون الليلة في بيتي، فتفترقون اثنتي عشرة فرقة، فقالوا: إن الذي سمعت كما سمعت، فإن عيسى لم يقتل ولم يصلب إنما قتل فلان وصلب، وما اجتمعنا في بيتك إلا لما قال، نريد أن نخرج دعاة في الأرض، فكان ممن توجه إلى الروم نسطور وصاحبان له، فأما صاحباه فخرجا، وأما نسطور فحبسته حاجة له فقال لهما: ارفقا ولا تخرقا ولا تستبطئاني في شيء، فلما قدما الكورة التي أرادا قدما في يوم عيدهم، وقد برز ملكهم وبرز معه أهل مملكته، فأتاه الرجلان فقاما بين يديه، فقالا له: اتق الله فإنكم تعملون بمعاصي الله وتنتهكون حرم الله مع ما شاء الله أن يقولا.

قال: فأسف الملك وهمَّ بقتلهما، فقام إليه نفر من أهل مملكته فقالوا: إن هذا يوم لا تهرق فيه دما، وقد ظفرت بصاحبيك فإن أحببت أن تحبسهما حتى يمضي عيدنا ثم ترى فيهما رأيك فعلت، فأمر بحبسهما ثم ضُرِب على أذنه بالنسيان لهما، حتى قدم نسطور فسأل عنهما فأخبر بشأنهما وإنهما محبوسان في السجن، فدخل عليهما فقال: ألم أقل لكما ارفقا ولا تخرقا ولا تستبطئاني في شيء، هل تدريان ما مثلكما؟

مثلكما مثل امرأة لم تصب ولداً حتى دخلت في السن فأصابت بعدما دخلت في السن ولداً، فأحبت أن تعجل شبابه لتنتفع به، فحملت على معدته ما لا تطيق فقتلته، ثم قال لهما: والآن فلا تستبطئاني في شيء، ثم خرج فانطلق حتى أتى باب الملك، وكان إذا جلس الناس وضع سريره وجلس الناس سمطاً بين يديه، وكانوا إذا ابتلوا بحلال أو حرام رفعوا له، فنظر فيه ثم سأل عنه من يليه في مجلسه، وسأل الناس بعضهم بعضاً حتى تنتهي المسألة إلى أقصى المجلس، وجاء نسطور حتى جلس في أقصى القوم، فلما ردوا على الملك جواب من أجابه، وردوا عليه جواب نسطور فسمع بشيء عليه نور وحلا في مسامعه فقال: من صاحب هذا القول؟

فقيل: الرجل الذي في أقصى القوم.

فقال: عليَّ به.

فقال: أنت القائل كذا وكذا؟

قال: نعم.

قال: فما تقول في كذا وكذا؟

قال: كذا وكذا.

فجعل لا يسأله عن شيء إلا فسَّره له.

فقال: عندك هذا العلم وأنت تجلس في آخر القوم؟

ضعوا له عند سريري مجلساً؟

ثم قال: إن أتاك ابني فلا تقم له عنه، ثم أقبل على نسطور وترك الناس، فلما عرف أن منزلته قد تثبتت قال: لأزورنه.

فقال: أيها الملك رجل بعيد الدار بعيد الضيعة، فإن أحببت أن تقضي حاجتك مني وتأذن لي فأنصرف إلى أهلي.

فقال: يا نسطور ليس إلى ذلك سبيل، فإن أحببت أن تحمل أهلك إلينا فلك المواساة، وإن أحببت أن تأخذ من بيت المال حاجتك فتبعث به إلى أهلك فعلت، فسكت نسطور.

ثم تحيَّن يوماً فمات لهم فيه ميت فقال: أيها الملك بلغني أن رجلين أتياك يعيبان دينك؟

قال: فذكرهما فأرسل إليهما، فقال: يا نسطور أنت حكم بيني وبينهما ما قلت من شيء رضيت.

قال: نعم أيها الملك، هذا ميت قد مات في بني إسرائيل فمرهما حتى يَدْعُوَا ربهما فيحييه لهما ففي ذلك آية بيِّنة، قال: فأتى بالميت فوضع عنده، فقاما وتوضآ ودعوا ربهما فرد عليه روحه وتكلم، فقال: أيها الملك إن في هذه لآية بينة، ولكن مرهما بغير ما أجمع أهل مملكتك، ثم قل لآلهتك، فإن كانت تقدر أن تضر هذين فليس أمرهما بشيء، وإن كان هذان يقدران أن يضرا آلهتك فأمرهما قوي، فجمع الملك أهل مملكته ودخل البيت الذي فيه الآلهة، فخر ساجداً هو ومن معه من أهل مملكته وخرَّ نسطور ساجداً، وقال: اللهم إني أسجد لك وأكيد هذه الآلهة أن تعبد من دونك، ثم رفع الملك رأسه فقال: إن هذين يريدان أن يبدلا دينكم ويدعوا إلى إله غيركم، فافقأوا أعينهما أو اجذموهما أو شلوهما، فلم تردَّ عليه الآلهة شيئاً، وقد كان نسطور أمر صاحبيه أن يحملا معهما فأساً، فقال: أيها الملك قل لهذين أيقدران أن يضرا آلهتك؟

قال: أتقدران على أن تضرا آلهتنا؟

قالا: خلِّ بيننا وبينها، فأقبلا عليها فكسراها، فقال نسطور: أما أنا فآمنت برب هذين، وقال الملك: وأنا آمنت برب هذين، وقال جميع الناس: آمنا برب هذين، فقال نسطور لصاحبيه: هكذا الرفق.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ قال: معنى ذلك أنه كذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس.

أن يهودياً قال له: إنكم تزعمون أن الله كان عزيزاً حكيماً فكيف هو اليوم؟

قال ابن عباس: إنه كان من نفسه عزيزاً حكيماً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ﴾ أكثر القراء على إدغام اللام في الراء، لقرب مخرج اللام من الراء والراء متمكنة فيها، كالتكرير، ولهذا لم يُجز إدغام الراء في اللام؛ لأن الأنقص يدغم في الأفضل.

ويجوز الإظهار في: ﴿ بَلْ رَفَعَهُ ﴾ ، لأن اللام والراء من كلمتين.

ومعنى ﴿ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ﴾ أي إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سوى الله فيه حكم، وكان رفعه إلى ذلك الموضع رفعًا إليه، لأن رفع عن أن يجري عليه حكم أحد من العباد، كقوله: ﴿ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ  ﴾ (١) يؤكد ما قلنا أنَّ الحسن قال: ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ﴾ إلى السماء (٢) ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ وكانت الهجرة يومئذٍ إلى المدينة، وكذلك ما أخبر به عن (إبراهيم) (٣) ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي  ﴾ وكان ذاهبًا إلى الشام، فجعل ذهابه إلى الموضع الذي أمره ربه ذهابًا إلى ربه.

﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ في اقتداره على نجاة من يشاء من عباده.

﴿ حَكِيمًا ﴾ في تدبير في النجاة.

(١) وقد وردت هذِه الجملة في أكثر من آية.

انظر: "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم" ص 301 (رجع).

(٢) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 436، و"النكت والعيون" 1/ 544.

(٣) طمست الكلمة في المخطوط ، والآية في إبراهيم -  -.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ عدّد الله في جملة قبائحهم قوله: إنا قتلنا المسيح لأنهم قالوها افتخاراً وجرأة مع أنهم كذبوا في ذلك، ولزمهم الذنب، وهم لم يقتلوه لأنهم صلبوا الشخص الذي ألقى عليه شبهه، وهم يعتقدون أنه عيسى، وروي أن عيسى قال للحواريين أيكم يلقى عليه شبهي.

فيقتل ويكون رفيقي في الجنة، فقال أحدهم أنا فألقي عليه شبه عيسى فقتل على أنه عيسى وقيل بل دلّ على عيسى يهوديّ، فألقى الله شبه عيسى على اليهودي فقتل اليه اليهودي ورفع عيسى إلى السماء حياً، حتى ينزل إلى الأرض فيقتل الدجال ﴿ رَسُولَ الله ﴾ إن قيل: كيف قالوا فيه رسول الله، وهم يكفرون به ويسبونه؟

فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم قالوا ذلك على وجه التحكم والاستهزاء، والثاني: أنهم قالوه على حسب اعتقاد المسلمين فيه كأنهم قالوا رسول الله عندكم أو بزعمكم.

الثالث: أنه من قول الله لا من قولهم فيوقف قبله، وفائدة تعظيم ذنبهم وتقبيح قولهم إنا قتلناه ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ﴾ ردّ عليه وتكذيب لهم وللنصارى أيضاً في قولهم: إنه صلب حتى عبدوا الصليب من أجل ذلك.

والعجب كل العجب من تناقضهم في قولهم إنه إله أو ابن إله ثم يقولون إنه صلب ﴿ ولكن شُبِّهَ ﴾ فيه تأويلان: أحدهما: ما ذكرناه من إلقاء شبهه على الحواري أو اليهودي، والآخر: أنّ معناه شبه لهم الأمر؛ أي خلط لهم القوم الذين حاولوا قتله بأنهم قتلوا رجلاً آخر وصلبوه ومنعوا الناس أن يقربوا منه، حتى تغير بحيث لا يعرف، وقالوا للناس: هذا عيسى، ولم يكن عنسى، فاعتقد الناس صدقهم وكانوا متعمدين للكذب ﴿ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ روي أنه لما رفع عيسى وألقي شبهه على غيره فقتلوه، قالوا: إن كان هذا المقتول عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

فاختلفوا، فقال بعضهم هو هو، وقال بعضهم ليس هو، فأجمعوا أن شخصاً قتل، واختلفوا من كان ﴿ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ استثناء منقطع لأنّ العلم تحقيق والظن تردّده، وقال ابن عطية: هو متصل إذا الظن والعلم بجمعهما جنس المعتقدات، فإن قيل: كيف وصفهم بالشك وهو تردّد بين احتمالين على السواء ثم وصفهم بالظنّ وهو ترجيح أحد الاحتمالين؟

فالجواب أنهم كانوا على الشك، ثم لاحت لهم أمارات فظنوا، قاله الزمخشري، وقد يقال: الظن بمعنى الشك وبمعنى الوهم الذي هو أضعف من الشك ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ أي ما قتلوه قتلاً يقيناً فإعراب يقيناً على هذا صفة لمصدر محذوف، وقيل: هي مصدر في موضع الحال: أي ما قتلوه متيقنين، وقيل: هو تأكيد للنفي الذي في قوله: ما قتلوه أي يتقين نفي قتله، وهو على هذا منصوب على المصدرية ﴿ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ ﴾ أي: إلى سمائه وقد ورد في حديث الإسراء أنه في السماء الثانية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تعدوا ﴾ بتشديد الدال مع سكون العين: أبو جعفر نافع غير ورش وقرأ ورش مفتوحة العين مشددة.

﴿ بل طبع ﴾ بالإدغام: علي وهشام وأبو عمرو وعن حمزة ﴿ بل رفعه ﴾ مظهراً وبابه: الحلواني عن قالون ﴿ سيؤتيهم ﴾ حمزة وخلف وقتيبة.

الباقون بالنون ﴿ زبوراً ﴾ بضم الزاي حيث كان: حمزة وخلف والباقون بالفتح.

الوقوف: ﴿ بظلمهم ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع أن مراد الكلام متحد.

﴿ عن ذلك ﴾ ج لأن التقدير وقد آتينا.

﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ 5 ﴿ غلف ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ص للعطف.

﴿ عظيماً ﴾ ه لا لأنّ التقدير وفي قولهم.

﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل ابتداء النفي والحال.

﴿ شبه لهم ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ الظن ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ يقيناً ﴾ ج لتقرير نفي القتل بإثبات الرفع ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ قبل موته ﴾ ط لأن الواو للاستئناف مع اتحاد المقصود.

﴿ شهيداً ﴾ ه ج للآية ولأن قوله: ﴿ فبظلم ﴾ راجع إلى / قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ ﴿ وقولهم ﴾ متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ .

﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ بالباطل ﴾ ط ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ج للعطف من مع تكرار الفعل.

﴿ وسليمن ﴾ ج لأنّ التقدير وقد آتينا التخصيص داود بإيتاء الزبر.

﴿ زبوراً ﴾ ه ج لأنّ التقدير وقصصنا رسلاً.

﴿ عليك ﴾ ط.

﴿ تكليماً ﴾ ه ج لاحتمال البدل والنصيب على المدح.

﴿ الرسل ﴾ ط ج ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ بعلمه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.

﴿ يشهدون ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ طريقاً ﴾ ه لا ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه.

التفسير: هذا نوع ثان من جهالات اليهود فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فأتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح.

وقيل: اقترحوا أن ينزل عليهم كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله.

وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.

فإن استكبرت ما سألوه ﴿ فقد سألوا ﴾ بمعنى سأل آباؤهم ومن هؤلاء على مذهبهم ﴿ موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ وأنما كان سؤال الرؤية أكبر من سؤال تنزيل الكتاب لأن التنزيل أمر ممكن في ذاته بخلاف رؤية الله عياناً فإنها ممتنعة لذاتها عند المعتزلة، أو ممتنعة في الدنيا عند غيرهم.

وفي قوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ وجوه: أحدها أن البينات الصاعقة لأنها تدل على قدرة الله  وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض، وعلى صدق موسى  في دعوى النبوة.

وثانيها أنها إنزال الصاعقة واحياؤهم بعد إماتتهم.

وثالثها أنها الآيات التسع من العصا واليد وفلق البحر وغيرها.

وفحوى الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً فإن موسى  قد أنزل عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات الباهرة ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ حيث لم نستأصل عبدة العجل ﴿ وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ﴾ تسلطاً ظاهراً وهو أن أمرهم بقتل أنفسهم، أو المراد قوّة أمره وكمال حاله وانكسار خصومه ففيه بشارة للنبي  بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم.

ثم حكى عنهم سائر جهالاتهم واصرارهم على أباطيلهم منها أنه  رفع الطور بميثاقهم أي بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه، ومنها قصة دخولهم الباب باب بيت المقدس، ومنها قصة اعتدائهم في السبت باصطياد السمك وقد مر جميع هذه القصص في سورة البقرة، وقيل: إن العدو ههنا ليس بمعنى الاعتداء وإنما هو بمعنى الحظر والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا / الرزاق.

ثم قال: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ أي العهد المؤكد غاية التوكيد على أن يتمسكوا بالتوراة ويعملوا بما فيها ﴿ فبما نقضهم ﴾ "ما" مزيدة للتوكيد أي فبنقضهم وبسبب كذا وكذا ثم قال: ﴿ بل طبع الله عليها ﴾ ردّاً لقولهم قلوبنا أوعية للعلم وتنبيهاًَ على أنه  ختم عليها فلهذا لا يصل أثره الدعوة البيان إليها، أو تكذيباً لادعائهم إن قلوبنا في أكنة وذلك بحسب تفسيري الغلف كما مر في سورة البقرة ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بموسى والتوراة على زعمهم وإلا فالكافر بنبي واحد كافر بجميع الأنبياء فالقلة في الحقيقة بمعنى العدم ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ فإنكارهم قدرة الله  على خلق الولد من غير أب وكذا إنكارهم نبوة عيسى كفر ونسبتهم الزنا لمريم بهتان عظيم لأنه ظهر لهم عند ولادة عيسى من الكرامات والمعجزات ما دلهم على براءتها من كل سوء ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﴾ قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ أو أنه  جعل الذكر الحسن مكان القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه من الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة.

﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ﴾ أي المقتول ﴿ لهم ﴾ لدلالة ذكر قتلنا على المقتول، أو يكون شبه مسنداً إلى الجار والمجرور وهولهم أي وقع لهم التشبيه، ولا يجوز أن يكون في شبه ضمير المسيح لأنه المشبه به وليس بمشبه.

قال أكثر المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله إلى السماء فخاف رؤساء اليهود وقوع الفتنة فيما بين عوامهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبَّسوا على الناس أنه هو المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح، إلاّ بالاسم لإنه كان قليل المخالطة مع الناس.

وقيل: إن اليهود لما علموا أنه في البيت الفلاني مع أصحابه, أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه ـ يقال له طيطانوس ـ أن يدخل على عيسى ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله  عيسى من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فخرج فظنوا أنه هو المسيح فصلبوه وقتلوه.

وقيل: وكلوا بعيسى  رجلاً يحرسه وصعد عيسى في الجبل ورفع إلى السماء وألقى الله الشبه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست عيسى.

وقيل إن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي.

فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فلما هموا بأخذه وكان معه عشرة من أصحابه قال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟

فقال واحد منهم: أنا فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ورفع الله عيسى.

وقيل: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى وكان منافقاً، فذهب إلى اليهود ودلهم عليه فلما دخل مع اليهود لأخذه / ألقى الله شبهه عليه فقتل وصلب ﴿ وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ﴾ قيل: إن المختلفين هم اليهود لما قتلوا الشخص المشبه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره.

وقال السبكي: لما قتلوا اليهودي المشبه مكانه قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

وقيل: إن المختلفين هم النصارى وذلك أنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية والملكانية واليعقوبية.

فالنسطورية زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهو قريب من قول الحكماء إنّ القتل والموت يرد على الهيكل لا على النفس المجردة، وعلى هذا فالفرق بين عيسى وبين سائر المصلوبين أن نفسه كانت قدسية علوية مشرقة قريبة من عالم الأرواح فلم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن.

وقالت الملكانية: القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة.

وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقع للمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، والشك في الأحكام استواء طرفي نقيضه عند الذاكر وقد يطلق عليه الظن وبهذا ذم في قوله: ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ وأما العمل بالقياس فليس من اتباع الظن في شيء لأنه عمل بالطرف الراجح، ولأن العلم بوجوب العمل قطعي.

ثم قال: ﴿ وما قتلوه يقيناً ﴾ وإنه يحتمل عدم يقين القتل أي قتلاً يقيناً أو متيقنين.

واليقين عقد جازم مطابق ثابت لدليل ويحتمل يقين عدم القتل على أن ﴿ يقيناً ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ وما قتلوه ﴾ أي حق انتفاء قتله حقاً وهذا أولى لقوله: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ وقيل: هو من قولهم قتلت الشيء علماً إذا تبالغ فيه علمه فيكون تهكماً بهم لأنه نفى عنهم العلم أولاً نفياً كلياً ثم نبه بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ على أن رفع عيسى إلى السماء بالنسبة إلى قدرته سهل وأن فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصيها إلاّ هو.

ثم قال: ﴿ وإن من أهل الكتاب إلاّ ليومننّ به قبل موته ﴾ فقوله: ﴿ إلاّ ليؤمنن به ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف "وإن" هي النافية.

التقدير: وما من أهل الكتاب أحد إلاّ ليؤمنن به كقوله: ﴿ وما منا إلاّ له مقام معلوم  ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ عائد إلى عيسى، وفي ﴿ موته ﴾ إلى أحد.

عن شهر بن حوشب قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلاّ تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية وقال: إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك.

فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله أتاك عيسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبي.

وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله فيؤمن به ويقول: إنه / عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.

قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن قلت؟

قلت: حدثني محمد بن علي ابن الحنفية فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية أو من معدنها.

وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟

قال: لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه.

قال: وإن خر من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع؟

قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.

وفائدة هذا الإخبار الوعيد وإلزام الحجة والبعث على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع، لأنه إذا لم يكن بد من الإيمان به فلأن يؤمنوا به حال التكليف ليقع معتداً به أولى.

وقيل: الضميران في ﴿ به ﴾ وفي ﴿ موته ﴾ لعيسى والمراد بأهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.

روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.

قال بعض المتكلمين: ينبغي أن يكون هذا عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف إذ لو نزل مع بقاء التكليف على وجه يعرف أنه عيسى.

فأما أن يكون نبياً - ولا نبي بعد محمد  - أو غير نبي وعزل الأنبياء لا يجوز.

وأجيب بأنه كان نبياً إلى مبعث محمد  وبعد ذلك انتهت مدة نبوته فلا يلزم عزله فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد  .

قال في الكشاف: ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلاّ ليؤمن به على أن الله  يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ويعلمهم نزوله وما أنزل له ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم وقيل: الضمير في ﴿ به ﴾ يرجع إلى الله  وقيل إلى محمد  ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله وكذلك كل نبي شاهد على أمته.

قوله: ﴿ فبظلم ﴾ التنوين للتعظيم يعني فبأي ظلم ﴿ من الذين هادوا ﴾ والذنوب نوعان: الظلم على الخلق وهو قوله: ﴿ فبظلم من الذين هادوا ﴾ الآية والإعراض عن الدين الحق وهو قوله: ﴿ وبصدّهم عن سبيل الله كثيراً ﴾ أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً.

ومن هذا القبيل أخذ الربا بعد النهي عنه وأكل أموال الناس بالباطل أي بالرشا على التحريف؛ فهذه الذنوب هي الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا والآخرة.

أما في الدنيا فتحريم بعض المطاعم الطيبة كما يجيء في سورة الأنعام: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر  ﴾ الآية وأما في الآخرة فقوله: ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ﴾ واعلم أن في متعلق قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ وما عطف عليه قولين: الأوّل أنه محذوف والتقدير: فبنقضهم وبكذا وكذا لعنّاهم أو سخطنا عليهم أو نحو ذلك ثم استأنف قوله: / ﴿ فبظلم ﴾ ومتعلقه ﴿ حرمنا ﴾ وكذا متعلق المعطوفات بعده.

الثاني أن متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ وقوله: ﴿ فبظلم ﴾ بدل من قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ قاله الزجاج.

ويرجح الأوّل بأن حذف المتعلق أفخم ليذهب الوهم كل مذهب، ولأنّ تحريم الطيبات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقها بتلك الجنايات العظائم.

قلت: لو جعل قوله: ﴿ وأعتدنا ﴾ معطوفاً على ﴿ حرمنا ﴾ زال هذا الإشكال، أما تكرار الكفر في الآيات ثلاث مرات ويلزم من عطف الثالث على الأوّل أو على الثاني عطف الشيء على نفسه فقد أجاب عنه في الكشاف بأنه قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد  فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنهم قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء عليهم السلام، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.

ثم وصف طريقة المؤمنين المحقين منهم فقال: ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ يعني عبدالله بن سلام وأضرابه ممن نبت في العلم وثبت وأتقن واستبصر حتى حصلت له المعارف بالاستدلال واليقين دون التقليد والتخمين، لأن المقلد يكون بحيث إذا شكك تشكك، أما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة ﴿ والمؤمنون ﴾ يريد المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار.

والراسخون مبتدأ و ﴿ يؤمنون ﴾ خبره.

أما قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ ففيه أقوال: الأوّل روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولا يخفى ركاكة هذا القول لأن هذا المصحف منقول بالتواتر عن رسول الله  فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟

الثاني قول البصريين إنه نصب على المدح لبيان فضيل الصلاة ﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ رفع على المدح لبيان فضل الزكاة كقولك: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد.

فتقدير الآية أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وطعن الكسائي في هذا القول بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام وههنا الخبر وهو قوله: ﴿ أولئك ﴾ إلخ منتظر.

والجواب أن الخبر ﴿ يؤمنون ﴾ ولو سلم فما الدليل على أنه لا يجوز الاعتراض بالمدح بين المبتدأ وخبره؟

الثالث وهو اختيار الكسائي أن المقيمين خفض للعطف على ما في قوله: ﴿ إنما أنزل إليك ﴾ والمراد بهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع واحد منهم من الصلاة قال  : ﴿ وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة  ﴾ أو الملائكة لقوله: ﴿ وإنا لنحن الصافون  ﴾ واعلم أن العلماء ثلاثة أقسام: العلماء بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، والعلماء بذات الله وصفاته الواجبة والممتنعة وأحوال / المبدإ والمعاد، والعلماء الجامعون بين العلمين المذكورين مع العمل بما يجب العمل به وهم الراسخون في العلم وأنهم أكابر العلماء، وإلى الأقسام الثلاثة أشار بقوله  : " جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء" اللهم اجعلنا من زمرتهم بفضلك يا مستعان.

ثم إنه  عاد إلى الجواب عن سؤال اليهود وهو اقتراح نزول الكتاب جملة فقال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ الآية.

فبدأ بذكر نوح  لأنه أول من شرع الله على لسان الأحكام والحلال والحرام، ثم قال: ﴿ والنبيين من بعده ﴾ ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم، ولم يذكر فيهم موسى لأن المقصود من تعداد هؤلاء الأنبياء أنهم كانوا رسلاً مع أن واحداً منهم ما أوتي كتاباً مثل التوراة دفعة واحدة.

ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ يعني أنكم اعترفتم، أن الزبور من عند الله، ثم إنه ما نزل على داود جملة واحدة وهذا إلزام حسن قوي والزبور كتاب داود  .

من قرأ بضم الزاي فعلى أنه جمع زبر وهو الكتاب كقدر وقدور.

ثم قال: ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ والمعنى أنه  إنه ذكر أحوال بعض الأنيباء في القرآن والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾ هذا أيضاً من تتمة الجواب.

والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى  بشرف التكليم معهم ولم يلزم منه الطعن في سائر الأنبياء فكيف يلزم الطعن بإنزال التوراة عليه دفعة وإنزال غيرها على غيره منجماً ﴿ رسلاً مبشرين ومنذرين ﴾ يعني أن المقصود من بعثة الأنبياء إلزام التكاليف بالإنذار والتبشير، وقد يتوقف هذا المطلوب على إنزال الكتب وقد يكون إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب إلى المصلحة لأنه إذا نزل جملة كثرة التكاليف فيثقل القبول كما ثقل على قوم موسى فعصوا.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ والمعنى أن عزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه وإن كان أمراً هيناً في القدرة وكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع، لأنه لو فعل ذلك لأصروا على اللجاج في كل قضية.

واحتج الأشاعرة بالآية على أن معرفة الله لا تثبت إلاّ بالسمع لقوله: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ فيكون قبل البعثة لهم حجة في ترك الطاعات والمعارف.

وأجابت المعتزلة بأن الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر وكان إرسالهم إزاحة للغفلة وتتميماً لإلزام الحجة مع إفادة تفصيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع.

والمعتزلة قالوا: في الآية دلالة على امتناع تكليف ما لا يطاق لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم القدرة والمكنة صالحاً للعذر أولى وعورض.

وأيضاً قالوا: الآية تدل على أن العبد قد يحتج على الرب فيبطل قول أهل السنة إنه لا / اعتراض عليه لأحد.

وأجيب بأنه يشبه الحجة وليس حجة في الحقيقة.

قوله: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ لا بد له من مستدرك لأن ﴿ لكن ﴾ لا يبتدأ به.

وفي ذلك المستدرك وجهان: أحدهما أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قول اليهود لو كان نبياً لنزل عليه الكتاب جملة، وهذا الكلام يتضمن أنه هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليه من السماء فلا جرم قيل: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ بأنه نازل عليه من السماء.

الثاني أنه  لما قال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك فنزل ﴿ لكن الله يشهد ﴾ ومعنى شهادة الله إنزال القرآن بحيث عجز عن معارضته الأولون والآخرون أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك.

ثم فسر ذلك وأوضح بقوله: ﴿ أنزله بعلمه ﴾ أي متلبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، أو بسبب علمه الكامل مثل: كتبت بالقلم وهذا كما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره إنما صنف هذا بكمال علمه يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف ذلك الكتاب، أو أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد فيه، أو أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من شياطين الجن والإنس ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ لأنهم لا يسبقونه بالقول فشهادته تستتبع شهادتهم ومن صدقه رب العالمين وملائكة السموات والأرضين لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس إياه ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ وإن لم يشهد غيره ﴿ إن الذين كفروا ﴾ بمحمد  والقرآن ﴿ وصدوا ﴾ غيرهم ﴿ عن سبيل الله ﴾ بإلقاء الشبهات كقولهم: لو كان رسولاً لأنزل عليه القرآن دفعة كما نزلت التوراة على موسى، وكقولهم إن شريعة موسى لا تنسخ وإن الأنبياء لا يكونوا إلاّ من ولد هارون وداود ﴿ قد ضلوا ضلالاً بعيداً ﴾ لأن غاية الضلال أن ينضم معه الإضلال.

﴿ إنّ الذين كفروا وظلموا ﴾ محمداً  بكتمان بعثته أو عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم.

ومعنى قوله: ﴿ ولا ليهديهم طريقاً ﴾ أنهم لا يسلكون إلاّ الطريق الموصل إلى جهنم أو لا يهديهم يوم القيامة إلاّ طريقها.

والعامل في ﴿ خالدين ﴾ معنى لا ليهديهم أي يعاقبهم أو يدخلهم النار خالدين.

﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ لأنه لا صارف له عن ذلك ولا يتعذر عليه إيصال الألم إليه شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية.

واللام في ﴿ الذين ﴾ إما لقوم معهودين علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإما للاستغراق فيجب أن يضمر شرط عدم التوبة.

وحمل المعتزلة قوله: ﴿ وظلموا ﴾ على أصحاب الكبائر بناء على أنه لا فرق عندهم بين الكافر وصاحب الكبيرة في أنه لا يغفر لهما إلاّ بالتوبة.

التأويل: ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ لعل خرة موسى بلن تراني كانت بشؤم القوم وما كان في انفسهم من سوء أدب هذا السؤال لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نبيهم، فما اتعظوا بحالة نبيهم لأنهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره.

فكلما زاد عنادهم زاد بلاؤهم وابتلاؤهم / كرفع الطور فوقهم وغير ذلك.

قال أهل الإشارة: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات والطيبات التي أحلت لهم ولأزواجهم الطيبين قبل التلوث بقذر المخالفات والإسراف في المباحات يستتبع حرمان المناجاة والقربات ﴿ لكن الراسخون في العلم ﴾ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية واللدنية ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ﴾ أي كل ما أوحينا إليك من سر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ أي ليلة المعراج ﴿ ورسلاً لم نقصصهم عليك  ﴾ الآن في القرآن مفصلة ﴿ أنزله بعلمه ﴾ تجلى له بصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ على تلك الخلوة وإن لم يكونوا معك في الخلوة ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على ما جرى.

قد كان ما كان سراً لا أبوح به *** ظن خيراً ولا تسأل عن الخبر <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً ﴾ .

قال ابن عباس -  -: قذفوها بالزنا، وهو قولهم: ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً  ﴾ .

وقيل في قوله -  -: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ أي: كفرهم بمحمد  وبالقرآن، وقولهم على مريم ما قالوا: ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً  ﴾ .

﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ ﴾ .

قيل: سمي مسيحاً؛ لأن جبريل  مسحه بالبركة؛ فهو كالممسوح الفعيل، بمعنى المفعول، وذلك جائز في اللغة.

وقيل: المسيح، بمعنى: ماسح؛ لأنه كان يمسح المريض والأبرص والأكمه فيبرأ؛ فسمي لذلك مسيحاً، وذلك جائز الفعيل بمعنى فاعل، والله أعلم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ...

﴾ الآية.

لبعض الناس تعلق بهذه الآية بوجهين: أحدهما: في احتمال الغلط والخطأ في المشاهدات والمعاينات.

والثاني: في احتمال المتواتر من الأخبار الغلط والكذب؛ وذلك أنه قيل في القصة: إن اليهود طلبت عيسى -  - ليقتلوه، فحاصروه في بيت ومعه نفر غير أصحابه من الحواريين، فأدركهم المساء؛ فباتوا يحرسونه؛ فأوحى الله -  - إلى عيسى -  -: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ  ﴾ ؛ فأخبر أصحابه، وقال: أيكم يحب أن يلقى عليه شبهي فيقتل، ويجعله الله يوم القيامة معي وفي درجتي؟

فقال رجل منهم: أنا يا رسول الله؛ فألقى الله -  - عليه شبهه ورفع عيسى  ، فلما أصبح القوم أخذوا الذي ألقى الله عليه شبهه؛ فقتلوه، وصلبوه.

وقيل: إنه ألقى شبهه على رجل من اليهود.

وقيل: إنه  لما هموا بقتله التجأ إلى بيت، فدخل فيه، فإذا [هم قد] جاءوا في طلبه، فدخل رجل منهم البيت ليقتله، فأبطأ عليهم؛ فظنوا أنه [قد قتله]، فلما خرج وقد ألقى شبهه عليه؛ فقتلوه، وقالوا لما قتلوا ذلك الرجل؛ وعندهم أنه عيسى؛ لما كان به شبهه، ثم لم يكن ذلك عيسى فلا يمنع أيضاً أن ما يشاهد ويعاين أنه - في الحقيقة - على غير ذلك، كما شاهد أولئك القوم وعاينوا، وعندهم أنه عيسى، ثم لم يكن، والله أعلم.

ثم الخبر - أيضاً - قد تواتر فيهم بقتل عيسى، فكان كذباً ما يمنع - أيضاً - أن الأخبار المتواترة يجوز أن تخرج كذباً وغلطاً.

قيل: أما الخبر بقتله إنما انتشر عن ستة أو سبعة؛ على ما ذكر في القصة، والخبر الذي كان انتشاره بذلك القدر من العدد، هو من أخبار الآحاد عندنا.

وأما قوله -  -: ﴿ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ .

يجوز أن يكون ذلك التشبيه تشبيه خبر أن قتل من إلقاء الشبه على غيره، وقتله حقيقة؛ وذلك أنه ذكر في بعض القصة: أنهم لما طلبوه في ذلك البيت فلم يجدوه، ولم يكن غاب أحد منهم - قالوا: قتلناه؛ لأنهم قالوا: إنه دخل البيت، فدخلوه على أثره، فلم يجدوه - كان ذلك إنباء عن عظيم آيات رسالته؛ فلم يحبوا أن يقولوا ذلك، فقالوا: قتلناه، كذباً؛ فذلك تشبيه لهم، والله أعلم.

فإن احتمل هذا - لم يكن ما قالوا من تخطئة العين لهم درك، ولو كان ما قال أهل التأويل من إلقاء شبهه عليه؛ فذلك من آيات رسالته، أراد الله أن تكون آياته قائمة بعد غيبته عنهم، وفي حال إقامته بينهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ \[قيل: لفي شك\] من قتل عيسى -  - قتل أو لم يقتل؟

وقيل: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ في عيسى، أي: على الشك يقولون [ذلك.

قال الله -  -]: ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ﴾ .

أي: ليس لهم بذلك إلا اتباع الظن: إلا قولا منهم بظنهم في غير يقين.

﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ .

أي: ما قتلوا ظنهم يقيناً؛ ﴿ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ ﴾ .

وقيل: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ أي: يقيناً ما قتلوه.

﴿ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً ﴾ .

قيل: عزيزا حين حال بينهم وبين عيسى أن يقتلوه ويصلوا إليه.

﴿ حَكِيماً ﴾ .

حكم أن يرفعه الله حيّاً.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ في أن رسله يكونون معصومين، وهو قوله -  -: ﴿ كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ  ﴾ ، وقوله - عز وجل أيضاً: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ  إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ  ﴾ ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: قوله -  -: ﴿ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ أي: قبل موت عيسى، إذا نزل من السماء - آمنوا به أجمعين، وبه يقول الحسن.

وقال الكلبي: إن الله -  - إذا أنزل عيسى -  - عند مخرج الدجال، فقتل الدجال - يؤمن به بقية أهل الكتاب؛ فلا يبقى يهودي ولا نصراني إلا أسلم.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ أي: قبل موت الكتابي؛ لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى،  .

[وكذلك رُوي عن ابن عباس -  -: قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى -  -] قيل: إن ضرب بالسيف؟

قال: وإن ضرب بالسيف.

وقال: هي في حرف أُبَي: "إلا ليؤمنن به قبل موتهم".

لكن التأويل إن كان هو الثاني؛ فهو في رؤسائهم الذين كانت لهم الرياسة، فلم يؤمنوا؛ خوفاً على ذهاب تلك الرياسة والمنافع التي كانت لهم، فلما حضرهم الموت أيقنوا بذهاب ذلك عنهم؛ فعند ذلك يؤمنون، وهو - والله أعلم - كقوله -  -: ﴿ وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ...

 ﴾ ، لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت؛ كقوله -  -: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ  ﴾ ؛ لأنه إيمانُ دفع العذاب والاضطرار؛ كقوله -  -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ...

 ﴾ الآية؛ فكان إيمانهم إيمان دفع العذاب عن أنفسهم، لا إيمان حقيقة؛ لأنه لو كان إيمان حقيقة لقبل، ولكن إيمان دفع العذاب؛ كقول فرعون حين أدركه الغرق: ﴿ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ  ﴾ ، فلم يقبل منه ذلك؛ لأنه إيمان دفع العذاب، وإيمان الاضطرار، لا إيمان حقيقة؛ فعلى ذلك الأول، وبالله التوفيق.

وقيل في حرف ابن مسعود -  -: "وإن من أهل الكتاب إلا من ليؤمنن به قبل موته".

وفي حرف حفصة -  ا -: "وإن كل أهل الكتاب لما ليؤمنن به قبل موته".

وقيل: ﴿ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ  ﴾ قيل: بالله.

وقيل: بعيسى.

وقيل: بمحمد  ؛ ذلك أن عيسى  إذا نزل يدعو الناس إلى الإيمان بمحمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ .

قيل: إنه يكون عليهم شهيداً بأنه قد بلغ رسالة ربه إليهم، وأقر على نفسه بالعبودية.

وقيل: الشهيد: الحافظ.

وقيل: "ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا".

وقيل: يكون محمد عليهم شهيداً، وهذا كله محتمل، والله أعلم ما أراد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

بل نجَّاه الله من مكرهم، ورفعه الله بجسمه روحه إليه، وكان الله عزيزًا في ملكه، لا يغالبه أحد، حكيمًا في تدبيره وقضائه وشرعه.

<div class="verse-tafsir" id="91.d49eE"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله