الآية ١٦٠ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٦٠ من سورة النساء

فَبِظُلْمٍۢ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًۭا ١٦٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 71 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٠ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٠ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر ، تعالى ، أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة ، حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، وقال : قرأ ابن عباس : " طيبات كانت أحلت لهم " .

وهذا التحريم قد يكون قدريا ، بمعنى : أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم ، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم ، فحرموها على أنفسهم ، تشديدا منهم على أنفسهم وتضييقا وتنطعا .

ويحتمل أن يكون شرعيا بمعنى : أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالا لهم قبل ذلك ، كما قال تعالى : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ) [ آل عمران : 93 ] وقد قدمنا الكلام على هذه الآية وأن المراد : أن الجميع من الأطعمة كانت حلالا لهم ، من قبل أن تنزل التوراة ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها .

ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة ، كما قال في سورة الأنعام : ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ) [ الأنعام : 146 ] أي : إنما حرمنا عليهم ذلك ; لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه .

ولهذا قال : ( فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ) أي : صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق .

وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه ; ولهذا كانوا أعداء الرسل ، وقتلوا خلقا من الأنبياء ، وكذبوا عيسى ومحمدا ، صلوات الله وسلامه عليهما .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فحرَّمنا على اليهود الذين نقضوا ميثاقهم الذي واثقوا ربهم، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءهم، وقالوا البهتان على مريم، وفعلوا ما وصفهم الله في كتابه= طيباتٍ من المآكل وغيرها، كانت لهم حلالا عقوبة لهم بظلمهم، الذي أخبر الله عنهم في كتابه، (68) كما:- 10833- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " الآية، عوقب القوم بظلم ظلموه وبَغْيٍ بَغَوْه، حرمت عليهم أشياء ببغيهم وبظلمهم.

* * * وقوله: " وبصدّهم عن سبيل الله كثيرًا "، يعني: وبصدّهم عبادَ الله عن دينه وسبله التي شرعَها لعباده، صدًّا كثيرًا.

(69) وكان صدُّهم عن سبيل الله: بقولهم على الله الباطل، وادعائهم أن ذلك عن الله، وتبديلهم كتاب الله، وتحريف معانيه عن وجوهه.

وكان من عظيم ذلك: جحودهم نبوة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتركهم بيانَ ما قد علِموا من أمره لمن جَهِل أمره من الناس.

(70) * * * وبنحو ذلك كان مجاهد يقول: 10834- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثني أبو عاصم قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " وبصدّهم عن سبيل الله كثيرًا "، قال: أنفسَهم وغيرَهم عن الحق.

10835- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

------------------------ الهوامش : (68) انظر تفسير"هاد" فيما سلف 2 : 143 ، 507 ، 508.

وتفسير"الطيبات" فيما سلف 3 : 301 / 5 : 555 / 6 : 361 / 7 : 424 / 8 : 409.

(69) في المطبوعة: "التي شرحها لعبادة" وهو خطأ ظاهر.

(70) انظر تفسير"الصد" فيما سلف 4 : 300 / 7 : 53 / 8 : 482 ، 513 وتفسير"السبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراقوله تعالى : فبظلم من الذين هادوا قال الزجاج : هذا بدل من فبما نقضهم [ ص: 375 ] .

والطيبات ما نصه في قوله تعالى : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر وقدم الظلم على التحريم إذ هو الغرض الذي قصد إلى الإخبار عنه بأنه سبب التحريم .

وبصدهم عن سبيل الله أي وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم .

وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل كله تفسير للظلم الذي تعاطوه ، وكذلك ما قبله من نقضهم الميثاق وما بعده ؛ وقد مضى في " آل عمران " أن اختلاف العلماء في سبب التحريم على ثلاثة أقوال هذا أحدها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أخبر تعالى أنه حرم على أهل الكتاب كثيرا من الطيبات التي كانت حلالا عليهم، وهذا تحريم عقوبة بسبب ظلمهم واعتدائهم، وصدهم الناس عن سبيل الله، ومنعهم إياهم من الهدى، وبأخذهم الربا وقد نهوا عنه، فمنعوا المحتاجين ممن يبايعونه عن العدل، فعاقبهم الله من جنس فعلهم فمنعهم من كثير من الطيبات التي كانوا بصدد حلها، لكونها طيبة، وأما التحريم الذي على هذه الأمة فإنه تحريم تنزيه لهم عن الخبائث التي تضرهم في دينهم ودنياهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( فبظلم من الذين هادوا ) وهو ما تقدم ذكره من نقضهم الميثاق وكفرهم بآيات الله وبهتانهم على مريم ، وقولهم : إنا قتلنا المسيح ( حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) وهي ما ذكر في سورة الأنعام ، فقال : " وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر " ( الأنعام - 146 ) .

ونظم الآية : فبظلم من الذين هادوا وهو ما ذكرنا ، ( وبصدهم ) وبصرفهم أنفسهم وغيرهم ، ( عن سبيل الله كثيرا ) أي : عن دين الله صدا كثيرا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فبظلم» أي فبسبب ظلم «من الذين هادوا» هم اليهود «حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم» من التي في قوله تعالى: (حرمنا كل ذي ظفر) الآية «وبصدهم» الناس «عن سبيل الله» دينه صدا «كثيرا».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فبسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة حَرَّم الله عليهم طيبات من المأكل كانت حلالا لهم، وبسبب صدِّهم أنفسهم وغيرهم عن دين الله القويم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من جرائم اليهود ، وحكى بعض العقوبات التى حلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم فقال - تعالى ( فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ) .والفاء فى قوله ( فَبِظُلْمٍ ) للتفريع على جرائمهم السابقة ، والباء للسببية ، والتنكير للتهويل والتعظيم ، والجار والجرور متعلق بحرمنا .

وقدم الجار والمجرور على عامله للتنبيه على قبح سبب التحريم .والمعنى فبسبب ظلم عظيم شنيع وقع من أولئك اليهود حرمنا عليهم طسبات أحلت لهم ، ولو أنهم لم يقعوا فى هذا الظلم الشديد لما حرم الله عليهم هذه الطيبات التى هم فى حاجة إليها .والآية الكريمة تعليل لبعض العقوبات التى نزلت بهم بسبب ظلمهم وبغيهم ، ومن ضروب هذا الظلم والبغى ما سجله الله عليهم قبل ذلك من نقض للمواثيق ، ومن كفر بآيات الله .

وما سجله عليهم - أيضا - بعد ذلك من صدر عن سبيل الله ، ومن أخذ للربا وقد نهاهم عن آخذه .وهذه الطيبات التى حرمها الله لعيهم منها ما حكاه - سبحانه - فى سورة الأنعام بقوله : ( وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايآ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ ذلك جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ )والتعبير عنهم بقوله : ( فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ ) إيذان بشناعة ظلمهم ، حيث إنهم وقعوا فى هذا الظلم الشديد بعد توبتهم ورجوعهم عن عبادة العجل .

وقولهم : " إنا هدنا إليك " أى : بنا ورجعنا إليك يا ربنا .وقوله : ( أُحِلَّتْ لَهُمْ ) هذه الجملة صفة للطيبات فهى فى محل نصب .والمراد من وصفها بذلك .

بيان أنها كانت حلالا لهم قبل أن يرتكبوا ما راتكبوا من موبقات .

أى : حرمنا عليهم طيبات كانت حالا لهم ، ثم حرمت عليهم بسبب بغيهم وظلمهم .قال ابن كثير : - سبحانه - أنه بسبب ظلم اليهود ، وبسبب ما ارتكبوه من ذنوب ، حرمت عليهم طيبات كان قد أحلها لهم .

وقرأ ابن عباس : طيبات كانت أحلت لهم .

وهذا التحريم قد يكون قدريا .

بمعنى أن الله قيضهم لأن يتأولوا فى كتابهم ، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالا لهم فحرموها على أنفسهم تضييقا ، تنطعا .

ويحتمل أن يكون شرعيا .

بمعنى أنه - تعالى - حرم عليهم فى التوراة أشياء كانت حلال لهم قبل ذلك .

كما قال - تعالى - ( كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة ) وقوله : ( وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً ) معطوف هو وما بعده من أخذهم الربا وغيره على الظلم الذى تعاطوه .

من عطف الخاص على العام ، لأن هذه الجرائم تفسير وتفصيل لظلمهم .والصد والصدود : المنع .

أى : وبسبب صدهم أنفسهم عن طريق الحق التى شرعها الله لعباده وصدهم غيرهم عنها عنها صدا كثيرا ، بسبب ذلك عاقبناهم وطردناهم من رحمتنا .وقوله ( كَثِيراً ) صفة لمفعول محذوف منصوب بالمصدر وهو ( بِصَدِّهِمْ ) أى : وبصدهم عن سبيل الله جمعا كثيرا من الناس .

أو صفة لمصدر محذوف ، أى : وبصدهم عن سبيل الله صدا كثيرا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما شرح فضائح أعمال اليهود وقبائح الكافرين وأفعالهم ذكر عقيبه تشديده تعالى عليهم في الدنيا وفي الآخرة، أما تشديده عليهم في الدنيا فهو أنه تعالى حرّم عليهم طيبات كانت محللة لهم قبل ذلك، كما قال تعالى في موضع آخر ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون  ﴾ ثم إنه تعالى بيّن ما هو كالعلة الموجبة لهذه التشديدات.

واعلم أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين: الظلم للخلق، والإعراض عن الدين الحق، أما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله ﴾ ثم إنهم مع ذلك في غاية الحرص في طلب المال، فتارة يحصلونه بالربا مع أنهم نهوا عنه، وتارة بطريق الرشوة وهو المراد بقوله: ﴿ وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ سماعون للكَذِبَ أكالون لِلسُّحْتِ  ﴾ فهذه الأربعة هي الذنوب الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا وفي الآخرة، أما التشديد في الدنيا فهو الذي تقدم ذكره من تحريم الطيبات عليهم، وأما التشديد في الآخرة فهو المراد من قوله: ﴿ وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما وصف طريقة الكفار والجهال من اليهود وصف طريقة المؤمنين منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ فبأي ظلم منهم.

والمعنى ما حرمنا عليهم الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه.

وهو ما عدّد لهم من الكفر والكبائر العظيمة.

والطيبات التي حرّمت عليهم: ما ذكره في قوله: ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ﴾ [الأنعام: 146] وحرّمت عليهم الألبان، وكلَّما أذنبوا ذنباً صغيراً أو كبيراً حرّم عليهم بعض الطيبات في المطاعم وغيرها ﴿ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً ﴾ ناساً كثيراً أو صدًّا كثيراً ﴿ بالباطل ﴾ بالرشوة التي كانوا يأخذونها من سفلتهم في تحريف الكتاب ﴿ لكن الراسخون ﴾ يريد من آمن منهم، كعبد الله بن سلام وأضرابه، والراسخون في العلم الثابتون فيه المتقنون المستبصرون ﴿ والمؤمنون ﴾ يعني المؤمنين منهم، أو المؤمنون من المهاجرين والأنصار.

وارتفع الراسخون على الابتداء.

و ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ خبره.

و ﴿ وَالمقيمين ﴾ نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، وهو باب واسع.

وقد كسره سيبويه على أمثلة وشواهد.

ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف.

وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أنّ السابقين الأوّلين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم وخرقاً يرفوه من يلحق بهم.

وقيل: هو عطف على ﴿ بِمآ أُنزَلَ إِلَيْكَ ﴾ أي يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء.

وفي مصحف عبد الله: ﴿ والمقيمون ﴾ ، بالواو.

وهي قراءة مالك بن دينار، والجحدري، وعيسى الثقفي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ أيْ فَبِأيِّ ظُلْمٍ مِنهم.

﴿ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ﴾ ﴿ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ ناسًا كَثِيرًا أوْ صَدًّا كَثِيرًا.

﴿ وَأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ ﴾ كانَ الرِّبا مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ كَما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْنا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى دَلالَةِ النَّهْيِ عَلى التَّحْرِيمِ.

﴿ وَأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴾ بِالرَّشْوَةِ وسائِرِ الوُجُوهِ المُحَرَّمَةِ.

﴿ وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ دُونَ مَن تابَ وآمَنَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ} وهي ما ذكر في سورة الأنعام وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظفر الآية والمعنى ما حرمنا عليهم الطيبات الظلم عظيم ارتكبوه وهو ما عدد قبل هذا {وبصدهم عن سبيل الله} ويمنعهم عن الإيمان {كَثِيراً} أي خلقاً كثيراً أو صدا كثيرا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ أيْ: تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ إيذانٌ بِكَمالِ عِظَمِ ظُلْمِهِمْ بِتَذْكِيرِ وُقُوعِهِ بَعْدَ تِلْكَ التَّوْبَةِ الهائِلَةِ إثْرَ بَيانِ عِظَمِهِ بِالتَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ، أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ خارِجٍ عَنْ حُدُودِ الأشْياءِ والنَّظائِرِ صادِرٍ عَنْهم ﴿ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ ولِمَن قَبْلَهم لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ كَما زَعَمُوا، فَإنَّهم كانُوا كُلَّما ارْتَكَبُوا مَعْصِيَةً مِنَ المَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفُوها يُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ نَوْعٌ مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي كانَتْ مُحَلَّلَةً لَهم ولِمَن تَقَدَّمَهم مِن أسْلافِهِمْ؛ عُقُوبَةً لَهُمْ، ومَعَ ذَلِكَ كانُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ، ويَقُولُونَ: لَسْنا بِأوَّلِ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ، وبَكَّتَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ الآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ ما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في (الأنْعامِ) مُفَصَّلًا.

واسْتُشْكِلَ بِأنَّ التَّحْرِيمَ كانَ في التَّوْراةِ ولَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ كُفْرٌ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ أيْ: ناسًا كَثِيرًا، أوْ صَدًّا، أوْ زَمانًا كَثِيرًا، وقِيلَ في جَوابِهِ: إنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ التَّحْرِيمِ، فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.

وهَذا مَعْطُوفٌ عَلى الظُّلْمِ وجَعْلِهِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ بَيانًا لَهُ وهو - كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - لِدَفْعِ ما يُقالُ: إنَّ العَطْفَ عَلى المَعْمُولِ المُتَقَدِّمِ يُنافِي الحَصْرَ، ومَن جَعَلَ الظُّلْمَ بِمَعْناهُ، وجَعَلَ (بِصَدِّهِمْ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ فَلا إشْكالَ عَلَيْهِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ تَخْصِيصُ ما ذَكَرَهُ أهْلُ المَعانِي مِن أنَّهُ مُنافٍ لِلْحَصْرِ بِما إذا لَمْ يَكُنِ الثّانِي بَيانًا لِلْأوَّلِ، كَما إذا قُلْتَ: بِذَنْبٍ ضَرَبْتُ زَيْدًا وبِسُوءِ أدَبِهِ، فَإنَّ المُرادَ فِيهِ: لا بِغَيْرِ ذَنَبٍ، وكَذا خَصَّصُوا ذَلِكَ بِما إذا لَمْ يَكُنِ الحَصْرُ مُسْتَفادًا مِن غَيْرِ التَّقْدِيمِ، وأُعِيدَتِ الباءُ هُنا ولَمْ تُعَدْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ ﴾ لِأنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لَيْسَ مَعْمُولًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وحَيْثُ فُصِلَ بِمَعْمُولِهِ لَمْ تُعَدْ، وجُمْلَةُ (وقَدْ نُهُوا) حالِيَّةٌ.

وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الرِّبا كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ كَما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْنا، وأنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وإلّا لَما تَوَعَّدَ سُبْحانَهُ عَلى مُخالَفَتِهِ ﴿ وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴾ بِالرِّشْوَةِ وسائِرِ الوُجُوهِ المُحَرَّمَةِ ﴿ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهُمْ ﴾ أيْ: لِلْمُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، لا لِمَن تابَ وآمَنَ مِن بَيْنِهِمْ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ ﴿ عَذابًا ألِيمًا ﴾ سَيَذُوقُونَهُ في الآخِرَةِ كَما ذاقُوا في الدُّنْيا عُقُوبَةَ التَّحْرِيمِ.

وذُكِرَ في البَحْرِ أنَّ التَّحْرِيمَ كانَ عامًّا لِلظّالِمِ وغَيْرِهِ، وأنَّهُ مِن بابِ ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ دُونَ العَذابِ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: (لِلْكافِرِينَ) دُونَ (لَهُمْ) وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ أيْضًا، فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يقول: وما من أهل الكتاب إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ يعني بعيسى  قَبْلَ مَوْتِهِ وذلك أن اليهودي إذا حضرته الوفاة وعاين أمر الآخرة ضربته الملائكة، وقالت له: يا عدو الله أتاك عزير فكذبته، ويقال للنصراني: يا عدو الله أتاك عبد الله ورسوله، وهو عيسى، فزعمت أنه ابن الله، فيؤمن عند ذلك ويقر أنه عبد الله ورسوله، ولا ينفعه إيمانه في ذلك الوقت، ويكون إيمانهم عليهم شهيداً يوم القيامة.

وروي عن مجاهد أنه قال: ما من أحد من أهل الكتاب إِلاَّ ويؤمن بعيسى  قبل موته، فقيل له: وإن غرق أو احترق أو أكله السبع يؤمن بعيسى  ؟

فقال: نعم.

وروي أن الحجاج بن يوسف سأل شهر بن حوشب عن هذه الآية فقال إني لأوتى بالأسير من اليهود والنصارى، فآمر بضرب عنقه، وأنظر إليه في ذلك الوقت فلا أرى منه الإيمان، فقال له شهر بن حوشب: إنه حين يعاين أمر الآخرة يقر بأن عيسى عبد الله ورسوله فيؤمن به ولا ينفعه.

فقال له الحجاج: من أين أخذت هذا؟

قال: أخذته من محمد بن الحنفية.

فقال له الحجاج: لقد أخذت من عين صافية.

وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: قَبْلَ مَوْتِهِ يعني قبل موت عيسى  هكذا قال الحسن.

قال الفقيه: حدثنا عمر بن محمد، قال: حدّثنا أبو بكر الواسطي، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن رجل، عن الحسن في قوله: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ قال: قبل موت عيسى، والله إنه لحي عند الله الآن، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون.

وروي عن ابن عباس أنه قال: يمكث عيسى  في الأرض أربعين سنة نبياً إماماً مهدياً، ثم يموت وتصلي عليه هذه الأمة.

وقال الضحاك: يهبط عيسى  من السماء إلى الارض بعد خروج الدجال، فيكون هبوطه على صخرة بيت المقدس، ثم يقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويهدم البيع والكنائس، ولا يبقى على وجه الأرض يهودي ولا نصراني إلا آمن بالمسيح ودخل في الإسلام.

ثم قال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً يعني يكون عليهم عيسى  شهيداً، بأنه قد بلغهم الرسالة.

قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ يعني بشركهم حرمنا عليهم أشياء كانت حلالاً لهم، وهو كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم أحلت لهم وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً أي بصرفهم كثيراً من الناس عن دين الله على وجه التقديم وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا أي حرم عليهم الحلال بكفرهم، ويصرف الناس عن دين الله، وبأخذهم الربا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ أي يعني عن أخذ الربا في التوراة وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وهو أخذ الرشوة في الحكم وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي هيأنا لهم عذاباً وجيعاً دائماً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

محذوفٌ قامَتْ صفته مَقَامَهُ، أي: وما أحدٌ من أهل الكتاب كما حذف في قوله تعالى:

وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مريم: ٧١] ، وقوله تعالى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [الصافات: ١٦٤] أي: وما أحدٌ منا، وما أحدٌ منكم، قال الشيخُ أبو حَيَّانِ «١» : لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ:

جوابُ قَسَمٍ محذوفٍ، والقَسَم وجوابُهُ هو الخَبَرُ، وكذلك أيضا إِلَّا لَهُ مَقامٌ وإِلَّا وارِدُها، هما الخَبَرُ، قال الزَّجَّاج: وحَذْف «أَحَدٍ» مطلوبٌ في كلِّ نفْيٍ يدخله الإستثناءُ نحْوُ: مَا قَامَ إلاَّ زَيْدٌ، أيْ: ما قام أحد إلّا زيد.

انتهى.

فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)

وقوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ...

الآية:

فَبِظُلْمٍ: معطوفٌ على قوله سبحانه: فَبِما نَقْضِهِمْ [النساء: ١٥٥] ، والطيِّباتُ هنا: هي الشُّحُوم، وبعْضُ الذبائحِ، والطَّيْرُ والحُوت، وغَيْرُ ذلك، وقرأ ابن عباسٍ «٢» : «طَيِّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ» .

وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً: يحتملُ أن يريدَ صدَّهم في ذاتِهِمْ، ويحتملُ أن يريد صدّهم غيرهم، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا، هو الدرهمُ بالدرهَمَيْنِ إلى أَجَلٍ، ونحو ذلك ممَّا هو مَفْسَدَة، وقد نُهُوا عنه، ثم استثنى سبحانه الراسِخِينَ في العِلْمِ منهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلاَمٍ، ومُخَيْرِيقٍ، ومَنْ جرى مَجْراهم.

واختلف الناسُ في قوله سبحانه: وَالْمُقِيمِينَ، وكيف خالَفَ إعرابُهَا إعرابَ ما تقدَّم وما تأخَّر.

فقال بعضُ نحاة البَصْرة والكُوفة: إنما هذا مِنْ قَطْع النُّعُوت، إذا كَثُرَتْ على النصْبِ ب «أعْنِي» والرفعُ بعد ذلك ب «هُمْ» وقال قومٌ: وَالْمُقِيمِينَ: عطْفٌ على «ما» في قوله:

وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، والمعنى: ويؤمنون بالمقيمينَ الصَّلاَة، وهُمُ الملائكةُ، أو مَنْ تقدَّم من الأنبياء، وقال قومٌ: وَالْمُقِيمِينَ: عطْفٌ على الضمير في مِنْهُمْ، وقال آخَرُونَ: بل على الكاف في قوله: مِنْ قَبْلِكَ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ الرِّبا، وأنْ يَأْكُلُوا أمْوالَ النّاسِ ظُلْمًا، فَفَعَلُوا، وصَدُّوا عَنْ دِينِ اللَّهِ، وعَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما ذَكَرَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ  ﴾ عُقُوبَةً لَهم.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وظُلْمُهُمْ: نَقْضُهم مِيثاقَهم، وكُفْرُهم بِآياتِ اللَّهِ، وما ذَكَرَ في الآياتِ قَبْلَها.

وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قالَ: صَدُّهم أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنِ الحَقِّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَدُّهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، يَعْنِي: الإسْلامَ، وأكْلَهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، أيْ: بِالكَذِبِ عَلى دِينِ اللَّهِ، وأخْذِ الرُّشى عَلى حُكْمِ اللَّهِ، وتَبْدِيلِ الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ لِيَسْتَدِيمُوا المَأْكَلَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهم وبِصَدِّهِمْ عن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا ﴾ ﴿ وَأخْذِهِمُ الرِبا وقَدْ نُهُوا عنهُ وأكْلِهِمْ أمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا ﴾ ﴿ لَكِنِ الراسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَلاةَ والمُؤْتُونَ الزَكاةَ والمُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "فَبِظُلْمٍ"؛ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "فَبِما نَقْضِهِمْ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "فَبِنَقْضِهِمْ لَعَنّاهم وأوجَبْنا عَذابَهُمْ؛ فَبِظُلْمٍ مِنهم حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ المَطاعِمَ"؛ وجَعَلَ اللهُ هَذِهِ العُقُوبَةَ الدُنْيَوِيَّةَ إزاءَ ظُلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ في تَعَنُّتِهِمْ؛ وسائِرِ أخْلاقِهِمُ الدَمِيمَةِ؛ والطَيِّباتُ هُنا هي الشُحُومُ؛ وبَعْضُ الذَبائِحِ؛ والطَيْرُ؛ والحُوتُ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "طَيِّباتٍ (كانَتْ) أُحِلَّتْ لَهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَبِصَدِّهِمْ عن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "صَدِّهِمْ في ذاتِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "صَدِّهِمْ غَيْرَهُمْ"؛ وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو جَحْدُهم أمْرُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَإنَّهم صَدُّوا بِذَلِكَ جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ الناسِ عن سَبِيلِ اللهِ؛ و"وَأخْذِهِمُ الرِبا"؛ هُوَ: اَلدِّرْهَمُ بِالدِرْهَمَيْنِ إلى أجَلٍ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا هو مَفْسَدَةٌ؛ وقَدْ نُهُوا عنهُ؛ فَشَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ؛ مِن ذَلِكَ؛ ومِن كِراءِ العَيْنِ؛ ونَحْوِهِ.

وأكْلُ أمْوالِ الناسِ بِالباطِلِ هو الرِشا؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى مِن بَنِي إسْرائِيلَ الراسِخِينَ في عِلْمِ التَوْراةِ؛ الَّذِينَ قَدْ تَحَقَّقُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وعَلاماتِهِ؛ وهُمْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ ؛ ومُخَيْرِيقٌ؛ ومَن جَرى مُجْراهُما.

و"اَلْمُؤْمِنُونَ"؛ عُطِفَ عَلى "اَلرّاسِخُونَ"؛ وما أُنْزِلَ إلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - هو القُرْآنُ؛ والَّذِي أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ هو التَوْراةُ؛ والإنْجِيلُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "والمُقِيمِينَ"؛ وكَيْفَ خالَفَ إعْرابُها إعْرابَ ما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ؛ فَقالَ أبانُ بْنُ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ ؛ وعائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "ذَلِكَ مِن خَطَإ كاتِبِ المُصْحَفِ"؛ ورُوِيَ أنَّها في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "والمُقِيمُونَ"؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّها فِيهِ: "والمُقِيمِينَ"؛ كَما هي في مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ.

قالَ الفَرّاءُ: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "والمُقِيمُونَ"؛ وكَذَلِكَ رَوى عِصْمَةُ عَنِ الأعْمَشِ ؛ وكَذَلِكَ قَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وكَذا قَرَأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ؛ والجَحْدَرِيُّ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ ؛ وكَذَلِكَ رَوى يُونُسُ؛ وهارُونُ؛ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقالَ آخَرُونَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن خَطَإ الكاتِبِ؛ ولا خَطَأً في المُصْحَفِ؛ وإنَّما هَذا مِن قَطْعِ النُعُوتِ؛ إذا كَثُرَتْ؛ عَلى النَصْبِ بِـ "أعْنِي"؛ والرَفْعِ بَعْدَ ذَلِكَ بِـ "هُمْ"؛ وذَهَبَ إلى هَذا المَعْنى بَعْضُ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ؛ والبَصْرَةِ؛ وحُكِيَ عن سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قَطْعٌ عَلى المَدْحِ؛ وخَبَرُ "لَكِنِ": "يُؤْمِنُونَ"؛ لِأنَّ المَدْحَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمامِ الجُمْلَةِ الأُولى؛ وهَذا كَقَوْلِ خِرْنِقَ بِنْتِ هَفّانَ: لا يَبْعُدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ اَلنّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ والطَيِّبُونَ مَعاقِدَ الأُزْرِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ فُرِّقَ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ بِحَرْفِ العَطْفِ الَّذِي في الآيَةِ؛ فَإنَّهُ يُمْنَعُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَقْدِيرُ الفِعْلِ؛ وفي هَذا نَظَرٌ.

وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ تَعالى: "والمُقِيمِينَ"؛ لَيْسَ بِعَطْفٍ عَلى قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ"؛ ولَكِنْ عَلى "ما"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ ؛ والمَعْنى: ويُؤْمِنُونَ بِالمُقِيمِينَ الصَلاةِ؛ وهُمُ المَلائِكَةُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ؛ قالُوا: ثُمَّ رَجَعَ بِقَوْلِهِ: "والمُؤْتُونَ"؛ فَعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ"؛ وقالَ قَوْمٌ: "والمُقِيمِينَ"؛ عُطِفَ عَلى "وَما أُنْزِلَ"؛ والمُرادُ بِهِمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ؛ أيْ: يُؤْمِنُ الراسِخُونَ بِهِمْ؛ وبِما هم عَلَيْهِ؛ ويَكُونُ قَوْلُهُ: "والمُؤْتُونَ"؛ أيْ: وهُمُ المُؤْتُونَ؛ وقالَ قَوْمٌ: "والمُقِيمِينَ"؛ عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في "مِنهُمْ"؛ وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى الكافِ في قَوْلِهِ: "مِن قَبْلِكَ"؛ ويَعْنِي الأنْبِياءَ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَنُؤْتِيهِمْ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "سَيُؤْتِيهِمْ"؛ بِالياءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إن كان متعلَّق قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ النساء: 155) محذوفاً على أحد الوجهين المتقدّمين كان قوله: ﴿ فبظلم ﴾ مفرّعاً على مجموع جرائمهم السالفة.

فيكون المراد بظلمهم ظلماً آخر غير ما عُدّد من قبل، وإن كان قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ [النساء: 155] متعلّقاً بقوله: ﴿ حرّمنا عليهم ﴾ فقوله: ﴿ فبظلم ﴾ الخ بَدَل مطابق من جملة ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ [النساء: 155] بإعادة العامل في البدل منه لطول الفصل.

وفائدة الإتيان به أن يظهر تعلّقه بقوله: ﴿ حرّمنا عليهم طيّبات ﴾ إذ بَعُد ما بينه وبين متعلّقه، وهو قوله: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ [النساء: 155] ليقوى ارتباط الكلام.

وأتي في جملة البدل بلفظ جامع للمبدل منه وما عطف عليه: لأنّ نقض الميثاق، والكفر، وقتل الأنبياء، وقولهم قلوبنا غلف، وقولهم على مريم بهتاناً، وقولهم قتلنا عيسى: كلّ ذلك ظلم.

فكانت الجملة الأخيرة بمنزلة الفذلكة لما تقدّم، كأنَّه قيل: فبذلك كلّه حرّمنا عليهم، لكن عدل إلى لفظ الظلم لأنّه أحسن تفنّناً، وأكثر فائدة من الإتيان باسم الإشارة.

وقد مرّ بيان ذلك قريباً عند قوله تعالى: ﴿ فبما نقضهم ﴾ [النساء: 155].

ويجوز أن يكون ظلماً آخر أجْملَهُ القرآن.

وتنكير (ظلم) للتعظيم، والعدولُ عن أن يقول «فبظلمهم»، حتّى تأتي الضمائر متتابعة من قوله: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم ﴾ إلى آخره، إلى الاسم الظاهر وهو ﴿ الَّذين هادوا ﴾ لأجل بعد الضمير في الجملة المبدل منها: وهي ﴿ فبما نقضهم ﴾ [النساء: 155].

ولأنّ في الموصول وصلته ما يقتضي التنزّه عن الظلم لو كانوا كما وصفوا أنفسهم، فقالوا: ﴿ إنّا هدنا إليك ﴾ [الأعراف: 156]؛ فصدور الظلم عن الذين هادوا محلّ استغراب.

والآية اقتضت: أنّ تحريم ما حرّم عليهم إنَّما كان عقاباً لهم، وأنّ تلك المحرّمات ليس فيها من المفاسد ما يتقضي تحريم تناولها، وإلاّ لحُرمّت عليهم من أوّل مجيء الشريعة.

وقد قيل: إنّ المراد بهذه الطيّبات هو ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ وعلى الذين هادوا حرّمنا كلّ ذي ظُفر ومن البقر والغنم حرّمنا عليهم شحومهما إلى قوله ذلك جزيناهم ببغيهم ﴾ في سورة الأنعام (146)، فهذا هو الجزاء على ظلمهم.

نقل الفخر في آية سورة الأنعام عن عبد الجبّار أنَّه قال: نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر منهم لأنّ التكليف تعريض للثواب، والتعريض للثواب إحسان، فلم يُجِز أن يكون التكليف جزاء على الجرم.

قال الفخر: والجواب أنّ المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لقصد استحقاق الثواب ويمكن أن يكون للجرم.

وهذا الجواب مصادرة على أنّ ممّا يقوّي الإشكال أنّ العقوبة حقّها أن تُخصّ بالمجرمين ثُمّ تنسخ.

فالذي يظهر لي في الجواب: إمَّا أن يكون سبب تحريم تلك الطيّبات أنّ ما سرى في طباعهم بسبب بغيهم وظلمهم من القساوَة صار ذلك طبعاً في أمزجتهم فاقتضى أن يلطِّف الله طباعهم بتحريم مأكولات من طبعها تغليظ الطباع، ولذلك لمّا جاءهم عيسى أحلّ الله لهم بعض ما حرّم عليهم من ذلك لزوال موجب التحريم، وإمّا أن يكون تحريم ما حرّم عليهم عقاباً للذين ظلموا وبغوا ثُمّ بقي ذلك على من جاء بعدهم ليكون لهم ذِكْرى ويكون للأوّلين سُوء ذِكر من باب قوله: ﴿ واتَّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة ﴾ [الأنفال: 25]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «ما من نفس تُقتل ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوللِ كِفْل من دمها».

ذلك لأنّه أوّل من سَنّ القتل.

وإمّا لأنّ هذا التحريم عقوبة دنيوية راجعة إلى الحرمان من الطيّبات فلا نظر إلى ما يعرض لهذا التحريم تارة من الثواب على نيّة الامتثال للنهي، لندرة حصول هذه النيّة في التّرك.

وصَدّهم عن سبيل الله: إن كان مصدرَ صَدّ القاصر الذي مضارعه يصِدّ بكسر الصاد فالعنى بإعراضهم عن سبيل الله؛ وإن كان مصدر المتعدّي الذي قِياس مضارعه بضمّ الصاد، فلعلّهم كانوا يصدّون النّاس عن التقوى، ويقولون: سيغفر لنا، من زمن موسى قبل أن يحرّم عليهم بعض الطيّبات.

أمّا بعد موسى فقد صدّوا النّاس كثيراً، وعاندوا الأنبياء، وحاولوهم على كتم المواعظ، وكذّبوا عيسى، وعارضوا دعوة محمّد صلى الله عليه وسلم وسوّلوا لكثير من النّاس، جهراً أو نفاقاً، البقاء على الجاهليّة، كما تقدّم في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ [النساء: 51] الآيات.

ولذلك وصف ب ﴿ كثيراً ﴾ حالاً منه.

وأخذُهم الربا الذي نهوا عنه هو أن يأخذوه من قومهم خاصّة ويسوغ لهم أخذه من غير الإسرائليّين كما في الإصحاح23 من سفر التثنية «لا تقرض أخاك بربا ربَا قضّةٍ أو ربا طعام أو ربا شيء مّا ممّا يقرض بربا.

للأجنبي تقرض بربا».

والربا محرّم عليهم بنصّ التوراة في سفر الخروج في الإصحاح22 «أن أقرضَت فضّة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي لا تضعوا عليه ربا» وأكلُهم أموال النّاس بالباطل أعمّ من الربا فيشمل الرشوة المحرّمة عندهم، وأخذهم الفداء على الأسرى من قومهم، وغير ذلك.

والاستدراك بقوله: ﴿ لكن الراسخون في العلم ﴾ الخ ناشيء على ما يوهمه الكلام السابق ابتداء من قوله: ﴿ يسألك أهل الكتاب ﴾ [النساء: 153] من توغّلهم في الضلالة حتّى لا يرجى لأحد منهم خير وصلاح، فاستدرك بأنّ الراسخين في العلم منهم ليسوا كما توهَّم، فهم يؤمنون بالقرآن مثل عبد الله بن سلام ومخيريق.

والراسخ حقيقته الثابت القدم في المشي، لا يتزلزل؛ واستعير للتمكّن من الوصف مثل العلم بحيث لا تغرّه الشبه.

وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العِلم ﴾ في سورة آل عمران (7).

والرّاسخ في العلم بعيد عن التكلّف وعن التعنّت، فليس بينه وبين الحقّ حاجب، فهم يعرفون دلائل صدق الأنبياء ولا يسألونهم خوارق العادات.

وعطفُ المؤمنون } على ﴿ الراسخون ﴾ ثناء عليهم بأنّهم لم يسألوا نبيّهم أن يريهم الآيات الخوارقَ للعادة.

فلذلك قال ﴿ يؤمنون ﴾ ، أي جميعهم بما أنزل إليك، أي القرآن، وكفاهم به آية، وما أنزل من قبلك على الرسل، ولا يعادون رسل الله تعصّباً وحميّة.

والمراد بالمؤمنين في قوله: ﴿ والمؤمنون ﴾ الذين هداهم الله للإيمان من أهل الكتاب، ولم يكونوا من الراسخين في العلم منهم، مثل اليهودي الذي كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنَ به.

وعطف ﴿ المقيمين ﴾ بالنصب ثبت في المصحف الإمام، وقرآه المسلمون في الأقطار دون نكير؛ فعلمْنا أنّه طريقة عربية في عطف الأسماء الدالّة على صفات محامدَ، على أمثالها، فيجوز في بعض المعطوفات النصب على التخصيص بالمدح، والرفعُ على الاستئناف للاهتمام، كما فعلوا ذلك في النعوت المتتابعة، سواء كانت بدون عطف أم بعطف، كقوله تعالى: ﴿ ولكنْ البِرّ من آمن إلى قوله والصابرين ﴾ [البقرة: 177].

قال سيبويه في «كتابه» «بابُ ما ينتصب في التعظيم والمدح وإن شئت جَعلته صفة فجرَى على الأول، وإن شئتَ قطعته فابتدأتَه».

وذَكر من قبيل ما نحن بصدده هذه الآية فقال: «فلو كان كلُّه رفعاً كان جيّداً»، ومثْله ﴿ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضّرّاء ﴾ [البقرة: 177]، ونظيره قول الخِرْنق: لا يبْعَدَنْ قومي الذي هُمُو *** سُمّ العُداة وآفَة الجزر النازلون بكلّ معترك *** والطيِّبيّين معاقِدَ الأزْر في رواية يونس عن العرب: برفع (النازلون) ونصب (الطيِّبيين)، لتكون نظير هذه الآية.

والظاهر أنّ هذا ممّا يجري على قصد التفنّن عند تكرّر المتتابعات، ولذلك تكرّر وقوعه في القرآن في معطوفات متتابعات كما في سورة البقرة وفي هذه الآية، وفي قوله: ﴿ والصابون ﴾ في سورة المائدة (69).

وروي عن عائشة وأبان بن عثمان أنّ نصب ﴿ المقيمين ﴾ خطأ، من كاتب المصحف وقد عَدّتْ من الخطأ هذه الآية.

وقوله: ﴿ ولكن البرّ من آمن بالله إلى قوله والصابرين في البأساء ﴾ [البقرة: 177] وقولهِ: ﴿ إِنّ هذَان لساحرانِ ﴾ [طه: 63].

وقوله: ﴿ والصابُون ﴾ في سورة المائدة (69).

وقرأتْها عائشة، وعبد الله بن مسعود، وأبَي بن كعب، والحسن، ومالك بن دينار، والجحدري، وسعيد بن جبير، وعيسى بن عمر، وعمرو بن عبيد: والمقيمون } بالرفع.

ولا تردّ قراءة الجمهور المجمع عليها بقراءة شاذّة.

ومن النّاس من زعم أنّ نصب ﴿ المقيمين ﴾ ونحوه هو مظهر تأويل قول عثمان لكتّاب المصاحف حين أتمّوها وقرأها أنّه قال لهم: «أحسنتم وأجملتم وأرى لحناً قليلاً ستُقيمه العرب بألْسنتها».

وهذه أوهام وأخبار لم تصحّ عن الّذين نُسبت إليهم.

ومن البعيد جدّاً أن يخطئ كاتب المصحف في كلمة بين أخواتها فيفردها بالخطأ دون سابقتها أو تابعتها، وأبعد منه أن يجيء الخطأ في طائفة متماثلة من الكلمات وهي التي إعرابها بالحروف النائبة عن حركات الإعراب من المثنّى والجمع على حدّهِ.

ولا أحسب ما رواه عن عائشة وأبان بن عثمان في ذلك صحيحاً.

وقد علمتَ وجه عربيّته في المتعاطفات، وأمّا وجه عربية ﴿ إنّ هذان لساحران ﴾ فيأتي عند الكلام في سورة طه (63).

والظاهر أنّ تأويل قول عثمان هو ما وقع في رسم المصحف من نحو الألِفات المحذوفة.

قال صاحب الكشاف } : «وهُم كانوا أبْعَدَ همّة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدّها من بعدهم وخَرْقاً يَرْفوه مَنْ يَلْحَق بهم».

وقد تقدّم نظير هذا عند قوله تعالى: ﴿ والصابرين في البأساء والضرّاء ﴾ في سورة البقرة (177).

والوعد بالأجر العظيم بالنسبة للراسخين من أهل الكتاب لأنَّهم آمنوا برسولهم وبمحمّد وقد ورد في الحديث الصّحيح: أنّ لهم أجرين، وبالنسبة للمؤمنين من العرب لأنَّهم سبقوا غيرهم بالإيمان.

وقرأ الجمهور: سنوتيهم } بنون العظمة وقرأه حمزة وخلف بياء الغيبة والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ والمؤمنون بالله ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّصارى خاصَّةً.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ غَلَوْا فِيالمَسِيحِ، فَقالَتِ النَّصارى: هو الرَّبُّ، وقالَتِ اليَهُودُ: هو لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والغُلُوُّ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ومِنهُ غَلاءُ السِّعْرِ، إذا جاوَزَ الحَدَّ في الزِّيادَةِ، وغَلا في الدِّينِ، إذا فَرَّطَ في مُجاوَزَةِ الحَقِّ.

﴿ وَلا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ يَعْنِي في غُلُوِّهِمْ في المَسِيحِ.

﴿ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ رَدًّا عَلى مَن جَعَلَهُ إلَهًا، أوْ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ [أوْ] ساحِرًا.

﴿ وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ في كَلِمَتِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ حِينَ قالَ لَهُ كُنْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

الثّانِي: لِأنَّهُ بِشارَةُ اللَّهِ الَّتِي بَشَّرَ بِها، فَصارَ بِذَلِكَ كَلِمَةَ اللَّهِ.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِكَلامِ اللَّهِ.

﴿ وَرُوحٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ، وأضافَهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ رُوحًا; لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ النّاسُ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِنَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ بِإذْنِ اللَّهِ، والنَّفْخُ يُسَمّى في اللُّغَةِ رُوحًا، فَكانَ عَنِ النَّفْخِ فَسُمِّيَ بِهِ ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ في الثَّلاثَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ النَّصارى: أبٌ وابْنٌ ورُوحُ القُدُسِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: هو قَوْلُ مَن قالَ: آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ طيبات كانت أحلَّت لهم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرَّمنا عليهم طيبات أحلت لهم ﴾ قال: عوقب القوم بظلم ظلموه وبغي بغوه، فحرمت عليهم أشياء ببغيهم وظلمهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ وبصدهم عن سبيل الله كثيراً ﴾ قال: أنفسهم وغيرهم عن الحق.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾ إلى آخر الآيتين.

قال مقاتل: كان الله حرم على أهل التوراة أن يأكلوا الربا ونهاهم أن يأكلوا أموال الناس بالباطل، وصدوا عن دين الله وعن الإيمان بمحمد  ، فحرم الله عليهم عقوبة لهم ما ذكر في قوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ الآية (١) وقال قتادة: "عوقبوا على ظلمهم وبغيهم بتحريم أشياء عليهم" (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ قال مجاهد: وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن الحق (٣) (١) انظر: "تفسيره" 1/ 421، 422، و"زاد المسير" 2/ 250.

(٢) أخرجه الطبري 2/ 24، وعبد بن حميد وابن المنذر.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 434.

(٣) "تفسيره" 1/ 181، وأخرجه الطبري 24/ 2، وعبد بن حميد وابن المنذر.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 434.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَبِصَدِّهِمْ ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى الإعراض، فيكون كثيراً صفة لمصدر محذوف تقديره صدّاً كثيراً، أو بمعنى صدّهم لغيرهم، فيكون كثيراً مفعولاً بالصدّ، أي صدّوا كثيراً من الناس عن سبيل الله ﴿ لكن الراسخون فِي العلم مِنْهُمْ ﴾ هو عبد الله بن سلام، ومخيريق، ومن جرى مجراهم ﴿ والمقيمين ﴾ منصوب على المدح بإضمار فعل، وهو جائز كثيراً في الكلام، وقالت عائشة هو من لحن كتاب المصحف، وفي مصحف ابن مسعود: والمقيمون، على الأصل ﴿ إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ الآية: ردّ على اليهود الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، واحتجاج عليهم بأن الذي أتى به وحي: كما أتى من تقدّم من الأنبياء بالوحي من غير إنزال الكتاب من السماء، ولذلك أكثر من ذكر الأنبياء الذين كان شأنهم هذا لتقوم بهم الحجة ﴿ وَرُسُلاً قَدْ قصصناهم ﴾ منصوب بفعل مضمر أي أرسلنا رسلاً ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ﴾ تصريح بالكلام مؤكد بالمصدر، وذلك دليل على بطلان قول المعتزلة إنّ الشجرة هي التي كلمت موسى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تعدوا ﴾ بتشديد الدال مع سكون العين: أبو جعفر نافع غير ورش وقرأ ورش مفتوحة العين مشددة.

﴿ بل طبع ﴾ بالإدغام: علي وهشام وأبو عمرو وعن حمزة ﴿ بل رفعه ﴾ مظهراً وبابه: الحلواني عن قالون ﴿ سيؤتيهم ﴾ حمزة وخلف وقتيبة.

الباقون بالنون ﴿ زبوراً ﴾ بضم الزاي حيث كان: حمزة وخلف والباقون بالفتح.

الوقوف: ﴿ بظلمهم ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع أن مراد الكلام متحد.

﴿ عن ذلك ﴾ ج لأن التقدير وقد آتينا.

﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ 5 ﴿ غلف ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ص للعطف.

﴿ عظيماً ﴾ ه لا لأنّ التقدير وفي قولهم.

﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل ابتداء النفي والحال.

﴿ شبه لهم ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ الظن ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ يقيناً ﴾ ج لتقرير نفي القتل بإثبات الرفع ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ قبل موته ﴾ ط لأن الواو للاستئناف مع اتحاد المقصود.

﴿ شهيداً ﴾ ه ج للآية ولأن قوله: ﴿ فبظلم ﴾ راجع إلى / قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ ﴿ وقولهم ﴾ متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ .

﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ بالباطل ﴾ ط ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ج للعطف من مع تكرار الفعل.

﴿ وسليمن ﴾ ج لأنّ التقدير وقد آتينا التخصيص داود بإيتاء الزبر.

﴿ زبوراً ﴾ ه ج لأنّ التقدير وقصصنا رسلاً.

﴿ عليك ﴾ ط.

﴿ تكليماً ﴾ ه ج لاحتمال البدل والنصيب على المدح.

﴿ الرسل ﴾ ط ج ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ بعلمه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.

﴿ يشهدون ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ طريقاً ﴾ ه لا ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه.

التفسير: هذا نوع ثان من جهالات اليهود فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فأتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح.

وقيل: اقترحوا أن ينزل عليهم كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله.

وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.

فإن استكبرت ما سألوه ﴿ فقد سألوا ﴾ بمعنى سأل آباؤهم ومن هؤلاء على مذهبهم ﴿ موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ وأنما كان سؤال الرؤية أكبر من سؤال تنزيل الكتاب لأن التنزيل أمر ممكن في ذاته بخلاف رؤية الله عياناً فإنها ممتنعة لذاتها عند المعتزلة، أو ممتنعة في الدنيا عند غيرهم.

وفي قوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ وجوه: أحدها أن البينات الصاعقة لأنها تدل على قدرة الله  وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض، وعلى صدق موسى  في دعوى النبوة.

وثانيها أنها إنزال الصاعقة واحياؤهم بعد إماتتهم.

وثالثها أنها الآيات التسع من العصا واليد وفلق البحر وغيرها.

وفحوى الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً فإن موسى  قد أنزل عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات الباهرة ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ حيث لم نستأصل عبدة العجل ﴿ وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ﴾ تسلطاً ظاهراً وهو أن أمرهم بقتل أنفسهم، أو المراد قوّة أمره وكمال حاله وانكسار خصومه ففيه بشارة للنبي  بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم.

ثم حكى عنهم سائر جهالاتهم واصرارهم على أباطيلهم منها أنه  رفع الطور بميثاقهم أي بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه، ومنها قصة دخولهم الباب باب بيت المقدس، ومنها قصة اعتدائهم في السبت باصطياد السمك وقد مر جميع هذه القصص في سورة البقرة، وقيل: إن العدو ههنا ليس بمعنى الاعتداء وإنما هو بمعنى الحظر والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا / الرزاق.

ثم قال: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ أي العهد المؤكد غاية التوكيد على أن يتمسكوا بالتوراة ويعملوا بما فيها ﴿ فبما نقضهم ﴾ "ما" مزيدة للتوكيد أي فبنقضهم وبسبب كذا وكذا ثم قال: ﴿ بل طبع الله عليها ﴾ ردّاً لقولهم قلوبنا أوعية للعلم وتنبيهاًَ على أنه  ختم عليها فلهذا لا يصل أثره الدعوة البيان إليها، أو تكذيباً لادعائهم إن قلوبنا في أكنة وذلك بحسب تفسيري الغلف كما مر في سورة البقرة ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بموسى والتوراة على زعمهم وإلا فالكافر بنبي واحد كافر بجميع الأنبياء فالقلة في الحقيقة بمعنى العدم ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ فإنكارهم قدرة الله  على خلق الولد من غير أب وكذا إنكارهم نبوة عيسى كفر ونسبتهم الزنا لمريم بهتان عظيم لأنه ظهر لهم عند ولادة عيسى من الكرامات والمعجزات ما دلهم على براءتها من كل سوء ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﴾ قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ أو أنه  جعل الذكر الحسن مكان القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه من الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة.

﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ﴾ أي المقتول ﴿ لهم ﴾ لدلالة ذكر قتلنا على المقتول، أو يكون شبه مسنداً إلى الجار والمجرور وهولهم أي وقع لهم التشبيه، ولا يجوز أن يكون في شبه ضمير المسيح لأنه المشبه به وليس بمشبه.

قال أكثر المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله إلى السماء فخاف رؤساء اليهود وقوع الفتنة فيما بين عوامهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبَّسوا على الناس أنه هو المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح، إلاّ بالاسم لإنه كان قليل المخالطة مع الناس.

وقيل: إن اليهود لما علموا أنه في البيت الفلاني مع أصحابه, أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه ـ يقال له طيطانوس ـ أن يدخل على عيسى ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله  عيسى من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فخرج فظنوا أنه هو المسيح فصلبوه وقتلوه.

وقيل: وكلوا بعيسى  رجلاً يحرسه وصعد عيسى في الجبل ورفع إلى السماء وألقى الله الشبه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست عيسى.

وقيل إن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي.

فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فلما هموا بأخذه وكان معه عشرة من أصحابه قال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟

فقال واحد منهم: أنا فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ورفع الله عيسى.

وقيل: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى وكان منافقاً، فذهب إلى اليهود ودلهم عليه فلما دخل مع اليهود لأخذه / ألقى الله شبهه عليه فقتل وصلب ﴿ وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ﴾ قيل: إن المختلفين هم اليهود لما قتلوا الشخص المشبه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره.

وقال السبكي: لما قتلوا اليهودي المشبه مكانه قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

وقيل: إن المختلفين هم النصارى وذلك أنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية والملكانية واليعقوبية.

فالنسطورية زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهو قريب من قول الحكماء إنّ القتل والموت يرد على الهيكل لا على النفس المجردة، وعلى هذا فالفرق بين عيسى وبين سائر المصلوبين أن نفسه كانت قدسية علوية مشرقة قريبة من عالم الأرواح فلم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن.

وقالت الملكانية: القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة.

وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقع للمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، والشك في الأحكام استواء طرفي نقيضه عند الذاكر وقد يطلق عليه الظن وبهذا ذم في قوله: ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ وأما العمل بالقياس فليس من اتباع الظن في شيء لأنه عمل بالطرف الراجح، ولأن العلم بوجوب العمل قطعي.

ثم قال: ﴿ وما قتلوه يقيناً ﴾ وإنه يحتمل عدم يقين القتل أي قتلاً يقيناً أو متيقنين.

واليقين عقد جازم مطابق ثابت لدليل ويحتمل يقين عدم القتل على أن ﴿ يقيناً ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ وما قتلوه ﴾ أي حق انتفاء قتله حقاً وهذا أولى لقوله: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ وقيل: هو من قولهم قتلت الشيء علماً إذا تبالغ فيه علمه فيكون تهكماً بهم لأنه نفى عنهم العلم أولاً نفياً كلياً ثم نبه بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ على أن رفع عيسى إلى السماء بالنسبة إلى قدرته سهل وأن فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصيها إلاّ هو.

ثم قال: ﴿ وإن من أهل الكتاب إلاّ ليومننّ به قبل موته ﴾ فقوله: ﴿ إلاّ ليؤمنن به ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف "وإن" هي النافية.

التقدير: وما من أهل الكتاب أحد إلاّ ليؤمنن به كقوله: ﴿ وما منا إلاّ له مقام معلوم  ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ عائد إلى عيسى، وفي ﴿ موته ﴾ إلى أحد.

عن شهر بن حوشب قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلاّ تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية وقال: إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك.

فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله أتاك عيسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبي.

وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله فيؤمن به ويقول: إنه / عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.

قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن قلت؟

قلت: حدثني محمد بن علي ابن الحنفية فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية أو من معدنها.

وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟

قال: لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه.

قال: وإن خر من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع؟

قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.

وفائدة هذا الإخبار الوعيد وإلزام الحجة والبعث على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع، لأنه إذا لم يكن بد من الإيمان به فلأن يؤمنوا به حال التكليف ليقع معتداً به أولى.

وقيل: الضميران في ﴿ به ﴾ وفي ﴿ موته ﴾ لعيسى والمراد بأهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.

روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.

قال بعض المتكلمين: ينبغي أن يكون هذا عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف إذ لو نزل مع بقاء التكليف على وجه يعرف أنه عيسى.

فأما أن يكون نبياً - ولا نبي بعد محمد  - أو غير نبي وعزل الأنبياء لا يجوز.

وأجيب بأنه كان نبياً إلى مبعث محمد  وبعد ذلك انتهت مدة نبوته فلا يلزم عزله فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد  .

قال في الكشاف: ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلاّ ليؤمن به على أن الله  يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ويعلمهم نزوله وما أنزل له ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم وقيل: الضمير في ﴿ به ﴾ يرجع إلى الله  وقيل إلى محمد  ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله وكذلك كل نبي شاهد على أمته.

قوله: ﴿ فبظلم ﴾ التنوين للتعظيم يعني فبأي ظلم ﴿ من الذين هادوا ﴾ والذنوب نوعان: الظلم على الخلق وهو قوله: ﴿ فبظلم من الذين هادوا ﴾ الآية والإعراض عن الدين الحق وهو قوله: ﴿ وبصدّهم عن سبيل الله كثيراً ﴾ أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً.

ومن هذا القبيل أخذ الربا بعد النهي عنه وأكل أموال الناس بالباطل أي بالرشا على التحريف؛ فهذه الذنوب هي الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا والآخرة.

أما في الدنيا فتحريم بعض المطاعم الطيبة كما يجيء في سورة الأنعام: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر  ﴾ الآية وأما في الآخرة فقوله: ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ﴾ واعلم أن في متعلق قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ وما عطف عليه قولين: الأوّل أنه محذوف والتقدير: فبنقضهم وبكذا وكذا لعنّاهم أو سخطنا عليهم أو نحو ذلك ثم استأنف قوله: / ﴿ فبظلم ﴾ ومتعلقه ﴿ حرمنا ﴾ وكذا متعلق المعطوفات بعده.

الثاني أن متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ وقوله: ﴿ فبظلم ﴾ بدل من قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ قاله الزجاج.

ويرجح الأوّل بأن حذف المتعلق أفخم ليذهب الوهم كل مذهب، ولأنّ تحريم الطيبات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقها بتلك الجنايات العظائم.

قلت: لو جعل قوله: ﴿ وأعتدنا ﴾ معطوفاً على ﴿ حرمنا ﴾ زال هذا الإشكال، أما تكرار الكفر في الآيات ثلاث مرات ويلزم من عطف الثالث على الأوّل أو على الثاني عطف الشيء على نفسه فقد أجاب عنه في الكشاف بأنه قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد  فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنهم قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء عليهم السلام، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.

ثم وصف طريقة المؤمنين المحقين منهم فقال: ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ يعني عبدالله بن سلام وأضرابه ممن نبت في العلم وثبت وأتقن واستبصر حتى حصلت له المعارف بالاستدلال واليقين دون التقليد والتخمين، لأن المقلد يكون بحيث إذا شكك تشكك، أما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة ﴿ والمؤمنون ﴾ يريد المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار.

والراسخون مبتدأ و ﴿ يؤمنون ﴾ خبره.

أما قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ ففيه أقوال: الأوّل روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولا يخفى ركاكة هذا القول لأن هذا المصحف منقول بالتواتر عن رسول الله  فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟

الثاني قول البصريين إنه نصب على المدح لبيان فضيل الصلاة ﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ رفع على المدح لبيان فضل الزكاة كقولك: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد.

فتقدير الآية أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وطعن الكسائي في هذا القول بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام وههنا الخبر وهو قوله: ﴿ أولئك ﴾ إلخ منتظر.

والجواب أن الخبر ﴿ يؤمنون ﴾ ولو سلم فما الدليل على أنه لا يجوز الاعتراض بالمدح بين المبتدأ وخبره؟

الثالث وهو اختيار الكسائي أن المقيمين خفض للعطف على ما في قوله: ﴿ إنما أنزل إليك ﴾ والمراد بهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع واحد منهم من الصلاة قال  : ﴿ وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة  ﴾ أو الملائكة لقوله: ﴿ وإنا لنحن الصافون  ﴾ واعلم أن العلماء ثلاثة أقسام: العلماء بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، والعلماء بذات الله وصفاته الواجبة والممتنعة وأحوال / المبدإ والمعاد، والعلماء الجامعون بين العلمين المذكورين مع العمل بما يجب العمل به وهم الراسخون في العلم وأنهم أكابر العلماء، وإلى الأقسام الثلاثة أشار بقوله  : " جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء" اللهم اجعلنا من زمرتهم بفضلك يا مستعان.

ثم إنه  عاد إلى الجواب عن سؤال اليهود وهو اقتراح نزول الكتاب جملة فقال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ الآية.

فبدأ بذكر نوح  لأنه أول من شرع الله على لسان الأحكام والحلال والحرام، ثم قال: ﴿ والنبيين من بعده ﴾ ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم، ولم يذكر فيهم موسى لأن المقصود من تعداد هؤلاء الأنبياء أنهم كانوا رسلاً مع أن واحداً منهم ما أوتي كتاباً مثل التوراة دفعة واحدة.

ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ يعني أنكم اعترفتم، أن الزبور من عند الله، ثم إنه ما نزل على داود جملة واحدة وهذا إلزام حسن قوي والزبور كتاب داود  .

من قرأ بضم الزاي فعلى أنه جمع زبر وهو الكتاب كقدر وقدور.

ثم قال: ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ والمعنى أنه  إنه ذكر أحوال بعض الأنيباء في القرآن والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾ هذا أيضاً من تتمة الجواب.

والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى  بشرف التكليم معهم ولم يلزم منه الطعن في سائر الأنبياء فكيف يلزم الطعن بإنزال التوراة عليه دفعة وإنزال غيرها على غيره منجماً ﴿ رسلاً مبشرين ومنذرين ﴾ يعني أن المقصود من بعثة الأنبياء إلزام التكاليف بالإنذار والتبشير، وقد يتوقف هذا المطلوب على إنزال الكتب وقد يكون إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب إلى المصلحة لأنه إذا نزل جملة كثرة التكاليف فيثقل القبول كما ثقل على قوم موسى فعصوا.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ والمعنى أن عزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه وإن كان أمراً هيناً في القدرة وكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع، لأنه لو فعل ذلك لأصروا على اللجاج في كل قضية.

واحتج الأشاعرة بالآية على أن معرفة الله لا تثبت إلاّ بالسمع لقوله: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ فيكون قبل البعثة لهم حجة في ترك الطاعات والمعارف.

وأجابت المعتزلة بأن الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر وكان إرسالهم إزاحة للغفلة وتتميماً لإلزام الحجة مع إفادة تفصيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع.

والمعتزلة قالوا: في الآية دلالة على امتناع تكليف ما لا يطاق لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم القدرة والمكنة صالحاً للعذر أولى وعورض.

وأيضاً قالوا: الآية تدل على أن العبد قد يحتج على الرب فيبطل قول أهل السنة إنه لا / اعتراض عليه لأحد.

وأجيب بأنه يشبه الحجة وليس حجة في الحقيقة.

قوله: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ لا بد له من مستدرك لأن ﴿ لكن ﴾ لا يبتدأ به.

وفي ذلك المستدرك وجهان: أحدهما أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قول اليهود لو كان نبياً لنزل عليه الكتاب جملة، وهذا الكلام يتضمن أنه هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليه من السماء فلا جرم قيل: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ بأنه نازل عليه من السماء.

الثاني أنه  لما قال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك فنزل ﴿ لكن الله يشهد ﴾ ومعنى شهادة الله إنزال القرآن بحيث عجز عن معارضته الأولون والآخرون أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك.

ثم فسر ذلك وأوضح بقوله: ﴿ أنزله بعلمه ﴾ أي متلبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، أو بسبب علمه الكامل مثل: كتبت بالقلم وهذا كما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره إنما صنف هذا بكمال علمه يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف ذلك الكتاب، أو أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد فيه، أو أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من شياطين الجن والإنس ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ لأنهم لا يسبقونه بالقول فشهادته تستتبع شهادتهم ومن صدقه رب العالمين وملائكة السموات والأرضين لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس إياه ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ وإن لم يشهد غيره ﴿ إن الذين كفروا ﴾ بمحمد  والقرآن ﴿ وصدوا ﴾ غيرهم ﴿ عن سبيل الله ﴾ بإلقاء الشبهات كقولهم: لو كان رسولاً لأنزل عليه القرآن دفعة كما نزلت التوراة على موسى، وكقولهم إن شريعة موسى لا تنسخ وإن الأنبياء لا يكونوا إلاّ من ولد هارون وداود ﴿ قد ضلوا ضلالاً بعيداً ﴾ لأن غاية الضلال أن ينضم معه الإضلال.

﴿ إنّ الذين كفروا وظلموا ﴾ محمداً  بكتمان بعثته أو عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم.

ومعنى قوله: ﴿ ولا ليهديهم طريقاً ﴾ أنهم لا يسلكون إلاّ الطريق الموصل إلى جهنم أو لا يهديهم يوم القيامة إلاّ طريقها.

والعامل في ﴿ خالدين ﴾ معنى لا ليهديهم أي يعاقبهم أو يدخلهم النار خالدين.

﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ لأنه لا صارف له عن ذلك ولا يتعذر عليه إيصال الألم إليه شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية.

واللام في ﴿ الذين ﴾ إما لقوم معهودين علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإما للاستغراق فيجب أن يضمر شرط عدم التوبة.

وحمل المعتزلة قوله: ﴿ وظلموا ﴾ على أصحاب الكبائر بناء على أنه لا فرق عندهم بين الكافر وصاحب الكبيرة في أنه لا يغفر لهما إلاّ بالتوبة.

التأويل: ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ لعل خرة موسى بلن تراني كانت بشؤم القوم وما كان في انفسهم من سوء أدب هذا السؤال لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نبيهم، فما اتعظوا بحالة نبيهم لأنهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره.

فكلما زاد عنادهم زاد بلاؤهم وابتلاؤهم / كرفع الطور فوقهم وغير ذلك.

قال أهل الإشارة: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات والطيبات التي أحلت لهم ولأزواجهم الطيبين قبل التلوث بقذر المخالفات والإسراف في المباحات يستتبع حرمان المناجاة والقربات ﴿ لكن الراسخون في العلم ﴾ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية واللدنية ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ﴾ أي كل ما أوحينا إليك من سر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ أي ليلة المعراج ﴿ ورسلاً لم نقصصهم عليك  ﴾ الآن في القرآن مفصلة ﴿ أنزله بعلمه ﴾ تجلى له بصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ على تلك الخلوة وإن لم يكونوا معك في الخلوة ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على ما جرى.

قد كان ما كان سراً لا أبوح به *** ظن خيراً ولا تسأل عن الخبر <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ .

لولا آية أخرى سوى هذه؛ [وإلا] صرفنا قوله -  وتعالى -: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ ﴾ على المنع، دون حقيقة التحريم؛ لأنهم أهل كفر؛ فلا يبالون ما يتناولون من المحرم والمحلل، ولا يمتنعون عن التناول من ذلك؛ فإذا كان ما ذكرنا - فيجيء أن يعود تأويل الآية إلى المنع؛ كقوله -  -: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ  ﴾ فليس هو على التحريم؛ ولكن على المنع؛ أي: منعناه؛ فلم يأخذ من لبن المراضع دون لبن أمه؛ فعلى ذلك يجب أن يكون الأول.

ثم المنع لهم يكون من وجهين: أحدهما: منع من جهة منع الإنزال؛ لقلة الأمطار والقحط؛ كسني يوسف -  - وسني مكة، على ما كان لهم من القحط.

والثاني: منع من جهة الخلق: ألا يعطوا شيئاً، لا بيعاً ولا شراء ولا معروفاً.

ولكن في آية أخرى بيان أن قوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ - أنه على التحريم، ليس على المنع، وهو قوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذٰلِكَ جَزَيْنَٰهُم بِبَغْيِهِمْ  ﴾ : أخبر - عز وجل - أن ذلك جزاء بغيهم؛ فدل ما ذكرنا في الآية أن ذلك على حقيقة التحريم؛ لما يحتمل أن يكونوا لا يستحلون ما ذكر في الآية، ولكن كانوا يتناولون الربا على غير الاستحلال؛ فحرم ذلك عليهم.

وفي قوله -  -: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ دلالة لأصحابنا - رحمهم الله - في قولهم: إن من قد أَقَرَّ، فقال: هذا الشيء لفلان اشتريته منه - أنه له، ولا يؤخذ منه؛ وإلا في ظاهر قوله: هذا الشيء لفلان اشتريته منه - أنه إذا اشتراه منه لا يكون لفلان؛ فيكون ذلك منه إقراراً له، لكنه على الإضمار؛ كأنه قال: هذا الشيء كان لفلان اشتريته منه.

وكذلك قوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ أي: كانت أحلت لهم، وكذلك في حرف ابن مسعود -  - وحرف ابن عباس -  ما -: "حرمنا عليهم طيبات كانت أحلت لهم".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً ﴾ .

أي: بصدهم الناس عن سبيل الله كثيراً، يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أنهم صدوا من يستجهلون ويستسفهون عن سبيل الله: كانوا يدلون على الباطل وعلى غير سبيل الله، فذلك الصد محتمل.

ويحتمل: أنهم كانوا يصدون عن سبيل الله بالقتال والحرب.

وقوله: ﴿ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .

دل أن الربا لم يزل محرماً على الأمم كلها كما حرم على هذه الأمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: [يحتمل] أكل أموالهم بالباطل: هو الرشوة؛ كقوله -  -: ﴿ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ  ﴾ قيل: هو الرشوة.

وقيل: ما كانوا ينالون من أموال الأتباع والسفلة؛ بتحريفهم التوراة لهم، وهو قول ابن عباس،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً...

﴾ .

الآية ظاهره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ ﴾ .

استثنى الراسخين [في العلم] منهم.

والرسخ: هو ثبات الشيء في القلب؛ يقال: رسخ العلم في القلب، ورسخ الإيمان في القلب.

وقوله: ﴿ لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

رُوي عن عائشة -  ا - أنها قالت: هذا خطأ من الكاتب؛ هو: "المقيمون الصلاة، والمؤتون الزكاة".

وكذلك في حرف ابن مسعود -  -: "والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة".

وقال الكسائي: وجه قراءتنا: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ ﴾ يقول: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ويؤمنون بإقامة الصلاة؛ كما قال - عز وجل - في سورة البقرة ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ  ﴾ معناه: ولكن البر الإيمان بالله.

وقال بعضهم: قوله -  -: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ ﴾ يعني: الرسل.

وفي حرف حفصة -  ا -: "لكن الراسخون في العلم يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك المقيمين الصلاة المؤتين الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر سوف نؤتيهم أجراً عظيماً"، وكذلك في حرف أُبي: ﴿ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ ﴾ بالنصب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فبسبب ظلم اليهود حَرَّمْنَا عليهم بعض المآكل الطيبة التي كانت حلالًا لهم، فحرمنا عليهم كل ذي ظفر، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما، وبسبب صدهم أنفسهم وصدهم غيرهم عن سبيل الله، حتى صار الصد عن الخير سجية لهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.0M79P"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله