الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٦٩ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 57 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦٩ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( إلا طريق جهنم ) وهذا استثناء منقطع ( خالدين فيها أبدا [ وكان ذلك على الله يسيرا ] ) .
القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الذين جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا بالله بجحود ذلك، وظلموا بمُقامهم على الكفر على علم منهم، بظلمهم عبادَ الله، وحسدًا للعرب، وبغيًا على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم=" لم يكن الله ليغفر لهم "، يعني: لم يكن الله ليعفو عن ذنوبهم بتركه عقوبتهم عليها، ولكنه يفضحهم بها بعقوبته إياهم عليها (23) =" ولا ليهديهم طريقًا "، يقول: ولم يكن الله تعالى ذكره ليهدي هؤلاء الذين كفروا وظلموا، الذين وصفنا صفتهم، فيوفقهم لطريق من الطرق التي ينالون بها ثوابَ الله، ويصلون بلزومهم إياه إلى الجنة، ولكنه يخذلهم عن ذلك، حتى يسلكوا طريق جهنم.
وإنما كنى بذكر " الطريق " عن الدين.
وإنما معنى الكلام: لم يكن الله ليوفقهم للإسلام، ولكنه يخذلهم عنه إلى " طريق جهنم "، وهو الكفر، يعني: حتى يكفروا بالله ورسله، فيدخلوا جهنم=" خالدين فيها أبدًا "، يقول: مقيمين فيها أبدًا=" وكان ذلك على الله يسيرًا "، يقول: وكان تخليدُ هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم في جهنم، على الله يسيرًا، لأنه لا يقدر من أراد ذلك به على الامتناع منه، ولا له أحد يمنعه منه، ولا يستصعب عليه ما أراد فعله به من ذلك، وكان ذلك على الله يسيرًا، لأن الخلق خلقُه، والأمرَ أمرُه.
___________________ الهوامش : (23) في المطبوعة: "إياهم عليهم" ، والصواب من المخطوطة.
لا يوجد تفسير لهذه الأية
ولهذا قال: { لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ } وإنما تعذرت المغفرة لهم والهداية لأنهم استمروا في طغيانهم، وازدادوا في كفرانهم فطبع على قلوبهم وانسدت عليهم طرق الهداية بما كسبوا، { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } أي: لا يبالي الله بهم ولا يعبأ، لأنهم لا يصلحون للخير، ولا يليق بهم إلا الحالة التي اختاروها لأنفسهم.
( إلا طريق جهنم ) يعني اليهودية ، ( خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا ) وهذا في حق من سبق حكمه فيهم أنهم لا يؤمنون .
«إلا طريق جهنم» أي الطريق المؤدي إليها «خالدين» مقدرين الخلود «فيها» إذا دخلوها «أبدا وكان ذلك على الله يسيرا» هينا.
إلا طريق جهنم ماكثين فيها أبدًا، وكان ذلك على الله يسيرًا، فلا يعجزه شيء.
إن هؤلاء الذين جمعوا بين الكفر والظلم ( لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ) .أى : لم يكن الله ليغفر لهم ، لأنه - سبحانه - لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ولم يكن - سبحانه - ليهديهم طريق من طرق الخير ، لكنه - سبحانه - يهديهم إلى طريق تؤدى بهم إلى جهنم خالدين فيها أبدا ، بسبب إيثارهم الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية ، وبسبب فساد استعدادهم ، وسوء اختيارهم .والتعبير بالهداية فى جانب طريق النار من باب التهكم بهم .وقوله ( خَالِدِينَ فِيهَآ ) حال مقدرة من الضمير المنصوب فى ( يَهْدِيَهُمْ ) ، لأن المراد بالهداية هداتيهم فى الدنيا إلى طريق جهنم .
أى : ما يؤدى بهم إلى الدخول فيها .وقوله ( أَبَداً ) منصوب على الظرفية ، وهو مؤكد للخلود فى النار؛ رافع لاحتمال أن يراد بالخلود المكث الطويل .أى : خالدين فيها خلودا أبديا بحيث لا يخرجون منها .وقوله : ( وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ) تذييل قصد به تحقير شأنهم ، وبيان أنه - سبحانه - لا يعبأ بهم .والمراد : وكان ذلك - أى : انتفاء غفران ذنبوهم ، وانتفاء هدايتهم إلى طريق الخير ، وقذفهم فى جهنم وبئس المهاد - كان كل ذلك على الله يسيرا .
أى : هينا سهلا لأنه - سبحانه - لا يستعصى على قدرته شئ .
أعلم أن هذا من صفات اليهود الذين تقدم ذكرهم، والمراد أنهم كفروا بمحمد وبالقرآن وصدوا غيرهم عن سبيل الله، وذلك بإلقاء الشبهات في قلوبهم نحو قولهم: لو كان رسولاً لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء كما نزلت التوراة على موسى، وقولهم: إن الله تعالى ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم القيامة، وقولهم: إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود، وقوله: ﴿ قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً ﴾ وذلك لأن أشد الناس ضلالاً من كان ضالاً ويعتقد في نفسه أنه محق، ثم إنه يتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال والجاه، ثم إنه يبذل كنه جهده في إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال، فهذا الإنسان لا شك أنه قد بلغ في الضلال إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات، فلهذا قال تعالى في حقهم ﴿ قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً ﴾ ولما وصف تعالى كيفية ضلالهم ذكر بعده وعيدهم فقال: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ ﴾ محمداً بكتمان ذكر بعثته وظلموا عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم ﴿ لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ .
واعلم أنا إن حملنا قوله: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ على المعهود السابق لم يحتج إلى إضمار شرط في هذا الوعيد، لأنا نحمل الوعيد في الآية على أقوام علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإن حملناه على الاستغراق أضمرنا فيه شرط عدم التوبة، ثم قال: ﴿ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ والمعنى أنه تعالى لا يهديهم يوم القيامة إلى الجنة بل يهديهم إلى طريق جهنم ﴿ وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً ﴾ انتصب خالدين على الحال، والعامل فيه معنى لا ليهديهم لأنه بمنزلة نعاقبهم خالدين، وانتصب ﴿ أَبَدًا ﴾ على الظرف، وكان ذلك على الله يسيراً، والمعنى لا يتعذر عليه شيء فكان إيصال الألم إليهم شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية يسيراً عليه وإن كان متعذراً على غيره.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ ﴾ جمعوا بين الكفر والمعاصي، وكان بعضهم كافرين وبعضهم ظالمين أصحاب كبائر، لأنه لا فرق بين الفريقين في أنه لا يغفر لهما إلا بالتوبة ﴿ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ﴾ لا يلطف بهم فيسلكون الطريق الموصل إلى جهنم.
أو لا يهديهم يوم القيامة طريقاً إلا طريقها ﴿ يَسِيراً ﴾ أي لا صارف له عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا ﴾ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ ولِأنَّ المُضِلَّ يَكُونُ أغْرَقَ في الضَّلالِ وأبْعَدَ مِنِ الِانْقِلاعِ عَنْهُ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا ﴾ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإنْكارِ نُبُوَّتِهِ، أوِ النّاسُ بِصَدِّهِمْ عَمّا فِيهِ صَلاحُهم وخَلاصُهم أوْ بِأعَمِّ مِن ذَلِكَ.
والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ إذِ المُرادُ بِهِمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الكُفْرِ والظُّلْمِ.
﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا ﴾ ﴿ إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ لَجَرى حُكْمُهُ السّابِقُ ووَعْدُهُ المَحْتُومُ عَلى أنَّ مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ فَهو خالِدٌ في النّارِ وخالِدِينَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
﴿ وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ لا يَصْعُبُ عَلَيْهِ ولا يَسْتَعْظِمُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً} وكان تخليدهم في جهنم سهلا عليه والتقدير يعاقبهم خالدين
فهو حال مقدرة والآيتان في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ويموتون على الكفر
﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِما ذُكِرَ آنِفًا ﴿ وظَلَمُوا ﴾ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِإنْكارِ نُبُوَّتِهِ، وكِتْمانِ نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ، أوِ النّاسَ بِصَدِّهِمْ لَهم عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، والمُرادُ أنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ وهَذا النَّوْعِ مِنَ الظُّلْمِ ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ لِاسْتِحالَةِ تَعَلُّقِ المَغْفِرَةِ بِالكافِرِ، والآيَةُ في اليَهُودِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ: إنَّها في المُشْرِكِينَ، وما قَبْلَها في اليَهُودِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ الظُّلْمِ ما لَيْسَ بِكُفْرٍ مِن سائِرِ أنْواعِ الكَبائِرِ، وحَمَلَ الآيَةَ عَلى مَعْنى: إنَّ الَّذِينَ كانَ بَعْضُهم كافِرِينَ وبَعْضُهم ظالِمِينَ أصْحابُ كَبائِرَ ( ﴿ لَمْ يَكُنِ ﴾ ) إلَخْ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ إلّا اعْتِقادُ أنَّ العُصاةَ مُخَلَّدُونَ في النّارِ تَخْلِيدَ الكُفّارِ، والآيَةُ تَنْبُو عَنْ هَذا المُعْتَقَدِ؛ فَإنَّهُ قَدْ جُعِلَ فِيها الفِعْلانِ كِلاهُما صِلَةً لِلْمَوْصُولِ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ الفِعْلَيْنِ جَمِيعًا مِن كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِهِ، ألا تُراكَ إذا قُلْتَ: الزَّيْدُونَ قامُوا، فَقَدْ أسْنَدْتَ القِيامَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ الجَمْعِ، فَكَذَلِكَ لَوْ عَطَفْتَ عَلَيْهِ فِعْلًا آخَرَ لَزِمَ فِيهِ ذَلِكَ ضَرُورَةً، وسِياقُ الآيَةِ أيْضًا يَأْبى ذَلِكَ المَعْنى، لَكِنْ لَمْ يَزَلْ دَيْدَنُ المُعْتَزِلَةِ اتِّباعَ الهَوى فَلا يُبالُونَ بَأيِّ وادٍ وقَعُوا.
﴿ ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا ﴾ ﴿ إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِلْهِدايَةِ إلى الحَقِّ والأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي هي طَرِيقُ الجَنَّةِ، والمُرادُ مِنَ الهِدايَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ بِطَرِيقِ الإشارَةِ - كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ -: خَلْقُهُ سُبْحانَهُ لِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُؤَدِّيَةِ لَهم إلى جَهَنَّمَ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِمْ، أوْ سُوقُهم إلى جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّعْبِيرَ بِالهِدايَةِ تَهَكُّمٌ إنْ لَمْ يُرَدْ بِها مُطْلَقُ الدَّلالَةِ، والطَّرِيقُ عَلى عُمُومِهِ، والِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلٌ كَما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ.
وجَوَّزَ السَّمِينُ أنْ يُرادَ بِالطَّرِيقِ شَيْءٌ مَخْصُوصٌ، وهو العَمَلُ الصّالِحُ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ لِأنَّ الخُلُودَ يَكُونُ بَعْدَ إيصالِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، ولَوْ قُدِّرَ ( يُقِيمُونَ خالِدِينَ ) لَمْ يَلْتَئِمْ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عَنْ جَعْلِهِ حالًا مُقَدَّرَةً بِأنَّ هَذا مِنَ الدَّلالَةِ المُوصِلَةِ إلى جَهَنَّمَ، أوِ الدَّلالَةِ إلى طَرِيقٍ يُوصِلُ إلَيْها، فَهو حالٌ عَنِ المَفْعُولِ بِاعْتِبارِ الإيصالِ لا الدَّلالَةِ، فَتَدَبَّرْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أبَدًا ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، رافِعٌ احْتِمالَ أنْ يُرادَ بِالخُلُودِ المُكْثُ الطَّوِيلُ ﴿ وكانَ ذَلِكَ ﴾ أيِ: انْتِفاءُ غُفْرانِهِ وهِدايَتِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُمْ، وطَرْحُهم في النّارِ إلى الأبَدِ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ سَهْلًا لا صارِفَ لَهُ عَنْهُ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِهِمْ، وبَيانٌ لِأنَّهُ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ ولا يُبالِي.
<div class="verse-tafsir"
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي أرسلنا رسلاً مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار لِئَلَّا يَكُونَ يقول: لكيلا يكون لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ يعني: بعد إرسال الرسل، كي لا يقولوا يوم القيامة إنك لم ترسل إلينا رسولاً.
ولو إن الله تعالى لم يرسل رسولاً كان ذلك عدلاً منه إذ أعطى كل واحد من خلقه من العقل ما يعرفه، ولكن أرسل تفضلاً منه، ولكي يكون زيادة في الحجة عليهم.
ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً.
عَزِيزاً بالنقمة لمن يجحده حَكِيماً حكم إرسال الرسل والأنبياء عليهم السلام.
قوله تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ قال ابن عباس: وذلك أن رؤساء مكة أتوا إلى رسول الله ، فقالوا سألنا اليهود عن صفتك ونعتك، فزعموا أنهم لا يعرفونك في كتابهم، فأتِنا بمن يشهد لك بأنك نبي مبعوث فنزل: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ يعني إن لم يشهد لك أحد منهم، فالله تعالى أعظم شهادة من خلقه، هو يشهد لك بأنك نبيّ ويظهر نبوتك.
قال القتبي: هذا من الاختصار لأنه لما نزل إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ [سورة النساء: 163] قال المشركون: لا نشهد لك بهذا فمن يشهد لك؟
فنزلت هذه الآية حكاية قولهم.
فقال تعالى لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ لأن كلمة لكن إنما تجيء بعد نفي شيء، فوجب ذلك الشيء بها.
ثم قال تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أي بأمره.
ويقال: أنزل القرآن الذي فيه علمه.
ثم قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ أيضاً على شهادتك بالذي شهدت أنه الحق وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً فلا أحد أفضل من الله تعالى، شهادة بأنه أنزل عليك القرآن.
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني صرفوا الناس عن دين الله قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً عن الحق.
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا أي جحدوا وأشركوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ أي ما داموا على كفرهم وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً يعني: لا يوفقهم لطريق الإسلام إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ يعني: يتركهم ويخذلهم في طريق الكفر عقوبة لكفرهم ولجحودهم وهو طريق جهنم.
ويقال: إلا العمل الذي يجبرهم إلى جهنم.
وقال الضحاك: لا يهديهم طريقاً يوم القيامة، أي لا يرفع لهم إلا طريق جهنم.
وذلك أن أهل الإيمان يرفع لهم في الموقف طريق تأخذ بهم إلى الجنة، ويرفع لأهل الكفر طريق ينتهي بهم إلى النار.
ثم قال تعالى: خالِدِينَ فِيها أَبَداً أي دائمين فيها وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي خلودهم وعذابهم في النار هيّن على الله تعالى.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ ...
الآية: سببُهَا قولُ اليَهُود: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٩١] .
وقال ص: «لكن» : استدراكٌ، ولا يُبتدأُ بها، فيتعيَّن تقديرُ جملةٍ قبلها يبيِّنها سببُ النزول، وهو أنه لَمَّا نزل: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [النساء: ١٦٣] ، قالوا: ما نشهَدُ لك بهذا فَنَزَلَ: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ.
انتهى.
وقوله تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، هذه الآيةُ مِنْ أقوى متعلَّقات أهْل السنَّة في إثبات عِلْمِ اللَّه عزَّ وجلَّ خلافاً للمعتزلةِ في أنهم يقولُونَ: عَالِمٌ بِلاَ عِلْمٍ، والمعنى عند أهْل السُّنَّة:
أنزله، وهو يَعْلَمُ/ إنزالَهُ ونُزُولَهُ.
وقوله سبحانه: وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ: تقويةٌ لأمر نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وردٌّ على اليهود.
وقوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً، تقديره: وكفَى اللَّهُ شهيداً، لكنه دخلَتِ الباءُ لتدُلَّ على أنَّ المراد اكتفوا باللَّهِ، وباقي الآية بيّن.
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣)
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ...
الآية: خطابٌ لجميعَ النَّاسِ، وهي دعاءٌ إلى الشرْعِ، ولو كانَتْ في أمر من أوامر الأحكام، ونَحْوِ هذا، لكانتُ: «يا أيها الذين آمنوا» ، والرسول في الآية: نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، ثم قال سبحانه: وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وهذا خبرٌ بالاستغناء، وإنَّ ضَرَر الكُفْر إنما هو
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: هُمُ اليَهُودُ أيْضًا كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ.
وفي الظُّلْمِ المَذْكُورِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ جَحْدُهم صِفَةَ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ في كِتابِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ يُرِيدُ مَن ماتَ مِنهم عَلى الكُفْرِ.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَسْتُرَ عَلَيْهِمْ قَبِيحَ فِعالِهِمْ، بَلْ يَفْضَحُهم في الدُّنْيا، ويُعاقِبُهم بِالقَتْلِ والجَلاءِ والسَّبْيِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ ﴿ وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا ﴾ يَنْجُونَ فِيهِ.
وَقالَ مُقاتِلٌ: طَرِيقًا إلى الهُدى ﴿ وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ يَعْنِي: كانَ عَذابُهم عَلى اللَّهِ هَيِّنًا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ وكانَ اللهِ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ ﴿ لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا ﴾ ﴿ إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرًا ﴾ "رُسُلًا"؛ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ قَبْلُ؛ و"مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ"؛ حالانِ؛ أيْ: يُبَشِّرُونَ بِالجَنَّةِ مَن آمَنَ؛ وأطاعَ؛ ويُنْذِرُونَ بِالنارِ مَن كَفَرَ؛ وعَصى؛ وأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَقْطَعَ بِالرُسُلِ احْتِجاجَ مَن يَقُولُ: لَوْ بُعِثَ إلَيَّ لَآمَنتُ؛ واللهُ تَعالى عَزِيزٌ؛ لا يُغالِبُهُ شَيْءٌ؛ ولا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ؛ وهو - مَعَ ذَلِكَ - حَكِيمٌ؛ تَصْدُرُ أفْعالُهُ عن حِكْمَةٍ؛ فَكَذَلِكَ قَطَعَ الحُجَّةَ بِالرُسُلِ حِكْمَةً مِنهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: سَبَبُها قَوْلُ اليَهُودِ: ﴿ ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ ؛ وقالَ بَعْضُهم لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: ما نَعْلَمُ يا مُحَمَّدُ أنَّ اللهَ أرْسَلَ إلَيْكَ؛ ولا أنْزَلَ عَلَيْكَ شَيْئًا؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ والجَرّاحُ الحَكَمِيُّ: "لَكِنَّ اللهَ يَشْهَدُ"؛ بِشَدِّ النُونِ؛ ونَصْبِ المَكْتُوبَةِ عَلى اسْمِ "لَكِنَّ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ ؛ هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى مُتَعَلِّقاتِ أهْلِ السُنَّةِ في إثْباتِ عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في أنَّهم يَقُولُونَ: عالِمٌ بِلا عِلْمٍ؛ والمَعْنى - عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ -: أنْزَلَهُ وهو يَعْلَمُ إنْزالَهُ ونُزُولَهُ؛ ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أنْزَلَهُ مُقْتَرِنًا بِعِلْمِهِ؛ أيْ: فِيهِ عِلْمُهُ مِن غُيُوبٍ؛ وأوامِرَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فالعِلْمُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ الَّتِي في القُرْآنِ؛ كَما هو في قَوْلِ الخَضِرِ: "ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن هَذا البَحْرِ"؛ مَعْناهُ: مِن عِلْمِ اللهِ الَّذِي بَثَّ في عِبادِهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنْزَلَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "أُنْزِلَ"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾ ؛ تَقْوِيَةٌ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ورَدٌّ عَلى اليَهُودِ؛ قالَ قَتادَةُ: "شُهُودٌ واللهِ غَيْرُ مُتَّهَمَةٌ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا ﴾ ؛ تَقْدِيرُهُ: وكَفى اللهُ شَهِيدًا؛ لَكِنْ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ: اِكْتَفُوا بِاللهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ الناسَ عن سَبِيلِ اللهِ تَعالى أنَّهم قَدْ بَعُدُوا عَنِ الحَقِّ؛ وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا؛ لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عنهُ؛ ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "وَصُدُّوا"؛ بِضَمِّ الصادِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكافِرِينَ الظالِمِينَ في أنْ وضَعُوا الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وهو الكُفْرُ بِاللهِ؛ واللهُ تَعالى يَسْتَوْجِبُ مِنهم غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِنِعَمِهِ الظاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ إنَّهم بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لِيَغْفِرَ لَهُمْ؛ وهَذِهِ العِبارَةُ أقْوى مِنَ الإخْبارِ المُجَرَّدِ أنَّهُ لا يَغْفِرُ؛ ومِثالُ ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: "أنا لا أبِيعُ هَذا الشَيْءَ"؛ فُهِمَ مِنكَ الِاغْتِباطُ بِهِ؛ فَإذا قُلْتَ: "أنا ما كُنْتُ لِأبِيعَ هَذا الشَيْءَ"؛ فالِاغْتِباطُ مِنكَ أكْثَرُ؛ هَذا هو المَفْهُومُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا ﴾ ﴿ إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ ؛ هَذِهِ هِدايَةُ الطُرُقِ؛ ولَيْسَتْ بِالإرْشادِ عَلى الإطْلاقِ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ؛ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ أمْرِ الكُفّارِ؛ وأنَّهم لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً؛ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: "يَذْهَبُ الصالِحُونَ؛ الأوَّلُ فالأوَّلُ حَتّى تَبْقى حُثالَةٌ كَحُثالَةِ التَمْرِ؛ لا يُبالِيهِمُ اللهُ بالَةً"؛ اَلْمَعْنى: إذْ هم كُفّارٌ في آخِرِ الزَمانِ؛ وعَلَيْهِمْ تَقُومُ الساعَةُ.
<div class="verse-tafsir"
الجملة بيان لجملة ﴿ قد ضلّوا ضلالاً بعيداً ﴾ [النساء: 167]، لأنّ السامع يترقّب معرفة جزاء هذا الضلال قبيّنته هذه الجملة.
وإعادة الموصول وصلته دون أن يذكر ضميرهم لتُبنَى عليه صلة ﴿ وظلموا ﴾ ، ولأنّ في تكرير الصّلة تنديداً عليهم.
ويجيء على الوجهين في المراد من الذين كفروا في الآية الّتي قبلها أن يكون عطْفُ الظلممِ على الكفر في قوله: ﴿ إن الذين كفروا وظلموا ﴾ إمَّا أن يراد به ظلم النّفس، وظلم النبي والمسلمين، وذلك اللائق بأهل الكتاب؛ وإمَّا أن يراد به الشرك، كما هو شائع في استْعمال القرآن كقوله: ﴿ إنّ الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13]، فيكون من عطف الأخصّ على الأعمّ في الأنواع؛ وإمّا أن يراد به التعدّي على النّاس، كظلمهم النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجه من أرضه، وتأليب النّاس عليه، وغير ذلك، وظلمهم المؤمنين بتعذيبهم في الله، وإخراجهم، ومصادرتهم في أموالهم، ومعاملتهم بالنفاق والسخريّة والخداع؛ وإمّا أن يراد به ارتكاب المفاسد والجرائم ممّا استقرّ عند أهل العقول أنَّه ظلم وعدوان.
وقوله: ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ صيغة جحود، وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى: ﴿ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ﴾ في سورة آل عمران (79)، فهي تقتضي تحقيق النفي، وقد نفي عن الله أن يغفر لهم تحذيراً من البقاء على الكفر والظلم، لأنّ هذا الحكم نِيط بالوصف ولم يُنط بأشخاص معروفين، فإن هم أقلعوا عن الكفر والظلم لم يكونوا من الَّذين كفروا وظلموا.
ومعنى نفي أن يهديهم طريقاً: إن كان طريقاً يومَ القيامة فهو واضح: أي لا يهديهم طريقاً بوصلهم إلى مكان إلاّ طريقاً يوصل إلى جهنّم.
ويجوز أن يراد من الطريق الآيات في الدنيا، كقوله: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ [الفاتحة: 6].
فنفي هديهم إليه إنذار بأنّ الكفر والظلم من شأنهما أن يخيّما على القلب بغشاوة تمنعه من وصول الهدي إليه، ليحذر المتلبّس بالكفر والظلم من التوغّل فيهما، فلعلَّه أن يصبح ولا مخلّص له منهما.
ونفي هدى الله أيّاهم على هذا الوجه مجاز عقلي في نفي تيسير أسباب الهدى بحسب قانون حصول الأسباب وحصول آثارها بعدها.
وعلى أي الاحتمالين فتوبة الكافر الظالم بالإيمان مقبولة، وكثيراً ما آمن الكافرون الظالمون وحسن إيمانهم، وآيات قبول التّوبة، وكذلك مشاهدة الواقع، ممّا يهدي إلى تأويل هذه الآية، وتقدّم نظير هذه الآية قريباً، أي ﴿ الذين آمنوا ثُمّ كفروا ﴾ [النساء: 137] الآية.
وقوله: ﴿ إلا طريق جهنم ﴾ استثناء متّصل إن كان الطريق الذي نفي هديهم إليه الطريقَ الحقيقي، ومنقطع إن أريد بالطريق الأوّل الهدى.
وفي هذا الاستثناء تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه: لأنّ الكلام مسوق للإنذار، والاستثناء فيه رائحة إطماع، ثُمّ إذا سمع المستثنى تبيّن أنّه من قبيل الإنذار.
وفيه تهكّم لأنّه استثنى من الطريق المعمول ﴿ لِيَهْدِيهم ﴾ ، وليس الإقحام بهم في طريق جهنّم بهدي لأنّ الهدي هو إرشاد الضالّ إلى المكان المحبوب.
ولذلك عقّبه بقوله: ﴿ وكان ذلك ﴾ أي الإقحام بهم في طريق النّار على الله يسيراً إذ لا يعجزه شيء، وإذ هم عبيده يصرفهم إلى حيث يشاء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّصارى خاصَّةً.
والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَّصارى، لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ غَلَوْا فِيالمَسِيحِ، فَقالَتِ النَّصارى: هو الرَّبُّ، وقالَتِ اليَهُودُ: هو لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والغُلُوُّ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ومِنهُ غَلاءُ السِّعْرِ، إذا جاوَزَ الحَدَّ في الزِّيادَةِ، وغَلا في الدِّينِ، إذا فَرَّطَ في مُجاوَزَةِ الحَقِّ.
﴿ وَلا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ يَعْنِي في غُلُوِّهِمْ في المَسِيحِ.
﴿ إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ رَدًّا عَلى مَن جَعَلَهُ إلَهًا، أوْ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ [أوْ] ساحِرًا.
﴿ وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ﴾ في كَلِمَتِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ حِينَ قالَ لَهُ كُنْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
الثّانِي: لِأنَّهُ بِشارَةُ اللَّهِ الَّتِي بَشَّرَ بِها، فَصارَ بِذَلِكَ كَلِمَةَ اللَّهِ.
والثّالِثُ: لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ كَما يُهْتَدى بِكَلامِ اللَّهِ.
﴿ وَرُوحٌ مِنهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ، وأضافَهُ اللَّهُ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ رُوحًا; لِأنَّهُ يَحْيا بِهِ النّاسُ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِنَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ بِإذْنِ اللَّهِ، والنَّفْخُ يُسَمّى في اللُّغَةِ رُوحًا، فَكانَ عَنِ النَّفْخِ فَسُمِّيَ بِهِ ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾ في الثَّلاثَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو قَوْلُ النَّصارى: أبٌ وابْنٌ ورُوحُ القُدُسِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.
والثّانِي: هو قَوْلُ مَن قالَ: آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن اسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: «إني والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلك..
!
فأنزل الله: ﴿ لكن الله يشهد..
﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ لكن الله يشهد..
﴾ الآية.
قال: شهود والله غير متهمة.
<div class="verse-tafsir"
وفسر الطريق ههنا: بدين الإسلام (١) ﴿ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ قالوا: يعني اليهودية، وهو طريق جهنم (٢) وقوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ خالدين على الحال (٣) وانتصب (أَبَدًا) على الظرف، وهو في المستقبل نظير قط في الماضي، نحو: لا أراه أبدًا، وما رأيته قط.
وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ لأنه لا يتعذر عليه ولا يضره، ولأنه قادر على أن يخلق لهم العذاب والألم شيئًا بعد شيء إلى ما لا يتناهى، وذلك أنه لما وصف أنه لا نهاية لخلودهم في جهنم بين أنه لا يتعذر ذلك عليه.
(١) الطبري 6/ 40، و"بحر العلوم" 1/ 406، و"الكشف والبيان" 4/ 145 ب.
(٢) "الكشف والبيان" 4/ 145، وانظر: البغوي 2/ 313 (٣) انظر: "الدر المصون" 4/ 163.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ ﴾ منصوب بفعل مضمر أو على البدل ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل ﴾ أي بعثهم الله ليقطع حجة من يقول: لو أرسل إليّ رسولاً لآمنت ﴿ لكن الله يَشْهَدُ ﴾ الآية: معناها أنّ الله يشهد بأن القرآن من عنده، وكذلك تشهد الملائكة بذلك، وسبب الآية: إنكار اليهود للوحي، فجاء الاستدراك على تقدير أنهم قالوا: لن نشهد بما أنزل إليك، فقيل: لكن الله يشهد بذلك، وفي الآية من أدوات البيان الترديد، وهو ذكر الشهادة أولاً، ثم ذكرها في آخر الآية ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ في هذا دليل لأهل السنة على إثبات علم الله، خلافاً للمعتزلة في قولهم إنه عالم بلا علم، وقد تأوّلوا الآية بتأويل بعيد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا تعدوا ﴾ بتشديد الدال مع سكون العين: أبو جعفر نافع غير ورش وقرأ ورش مفتوحة العين مشددة.
﴿ بل طبع ﴾ بالإدغام: علي وهشام وأبو عمرو وعن حمزة ﴿ بل رفعه ﴾ مظهراً وبابه: الحلواني عن قالون ﴿ سيؤتيهم ﴾ حمزة وخلف وقتيبة.
الباقون بالنون ﴿ زبوراً ﴾ بضم الزاي حيث كان: حمزة وخلف والباقون بالفتح.
الوقوف: ﴿ بظلمهم ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع أن مراد الكلام متحد.
﴿ عن ذلك ﴾ ج لأن التقدير وقد آتينا.
﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ 5 ﴿ غلف ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ص للعطف.
﴿ عظيماً ﴾ ه لا لأنّ التقدير وفي قولهم.
﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل ابتداء النفي والحال.
﴿ شبه لهم ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ الظن ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ يقيناً ﴾ ج لتقرير نفي القتل بإثبات الرفع ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ قبل موته ﴾ ط لأن الواو للاستئناف مع اتحاد المقصود.
﴿ شهيداً ﴾ ه ج للآية ولأن قوله: ﴿ فبظلم ﴾ راجع إلى / قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ ﴿ وقولهم ﴾ متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ .
﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ بالباطل ﴾ ط ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ج للعطف من مع تكرار الفعل.
﴿ وسليمن ﴾ ج لأنّ التقدير وقد آتينا التخصيص داود بإيتاء الزبر.
﴿ زبوراً ﴾ ه ج لأنّ التقدير وقصصنا رسلاً.
﴿ عليك ﴾ ط.
﴿ تكليماً ﴾ ه ج لاحتمال البدل والنصيب على المدح.
﴿ الرسل ﴾ ط ج ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ بعلمه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.
﴿ يشهدون ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ طريقاً ﴾ ه لا ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه.
التفسير: هذا نوع ثان من جهالات اليهود فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فأتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح.
وقيل: اقترحوا أن ينزل عليهم كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله.
وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.
فإن استكبرت ما سألوه ﴿ فقد سألوا ﴾ بمعنى سأل آباؤهم ومن هؤلاء على مذهبهم ﴿ موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ وأنما كان سؤال الرؤية أكبر من سؤال تنزيل الكتاب لأن التنزيل أمر ممكن في ذاته بخلاف رؤية الله عياناً فإنها ممتنعة لذاتها عند المعتزلة، أو ممتنعة في الدنيا عند غيرهم.
وفي قوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ وجوه: أحدها أن البينات الصاعقة لأنها تدل على قدرة الله وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض، وعلى صدق موسى في دعوى النبوة.
وثانيها أنها إنزال الصاعقة واحياؤهم بعد إماتتهم.
وثالثها أنها الآيات التسع من العصا واليد وفلق البحر وغيرها.
وفحوى الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً فإن موسى قد أنزل عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات الباهرة ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ حيث لم نستأصل عبدة العجل ﴿ وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ﴾ تسلطاً ظاهراً وهو أن أمرهم بقتل أنفسهم، أو المراد قوّة أمره وكمال حاله وانكسار خصومه ففيه بشارة للنبي بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم.
ثم حكى عنهم سائر جهالاتهم واصرارهم على أباطيلهم منها أنه رفع الطور بميثاقهم أي بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه، ومنها قصة دخولهم الباب باب بيت المقدس، ومنها قصة اعتدائهم في السبت باصطياد السمك وقد مر جميع هذه القصص في سورة البقرة، وقيل: إن العدو ههنا ليس بمعنى الاعتداء وإنما هو بمعنى الحظر والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا / الرزاق.
ثم قال: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ أي العهد المؤكد غاية التوكيد على أن يتمسكوا بالتوراة ويعملوا بما فيها ﴿ فبما نقضهم ﴾ "ما" مزيدة للتوكيد أي فبنقضهم وبسبب كذا وكذا ثم قال: ﴿ بل طبع الله عليها ﴾ ردّاً لقولهم قلوبنا أوعية للعلم وتنبيهاًَ على أنه ختم عليها فلهذا لا يصل أثره الدعوة البيان إليها، أو تكذيباً لادعائهم إن قلوبنا في أكنة وذلك بحسب تفسيري الغلف كما مر في سورة البقرة ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بموسى والتوراة على زعمهم وإلا فالكافر بنبي واحد كافر بجميع الأنبياء فالقلة في الحقيقة بمعنى العدم ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ فإنكارهم قدرة الله على خلق الولد من غير أب وكذا إنكارهم نبوة عيسى كفر ونسبتهم الزنا لمريم بهتان عظيم لأنه ظهر لهم عند ولادة عيسى من الكرامات والمعجزات ما دلهم على براءتها من كل سوء ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﴾ قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ﴾ أو أنه جعل الذكر الحسن مكان القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه من الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة.
﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ﴾ أي المقتول ﴿ لهم ﴾ لدلالة ذكر قتلنا على المقتول، أو يكون شبه مسنداً إلى الجار والمجرور وهولهم أي وقع لهم التشبيه، ولا يجوز أن يكون في شبه ضمير المسيح لأنه المشبه به وليس بمشبه.
قال أكثر المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله إلى السماء فخاف رؤساء اليهود وقوع الفتنة فيما بين عوامهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبَّسوا على الناس أنه هو المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح، إلاّ بالاسم لإنه كان قليل المخالطة مع الناس.
وقيل: إن اليهود لما علموا أنه في البيت الفلاني مع أصحابه, أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه ـ يقال له طيطانوس ـ أن يدخل على عيسى ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله عيسى من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فخرج فظنوا أنه هو المسيح فصلبوه وقتلوه.
وقيل: وكلوا بعيسى رجلاً يحرسه وصعد عيسى في الجبل ورفع إلى السماء وألقى الله الشبه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست عيسى.
وقيل إن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي.
فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فلما هموا بأخذه وكان معه عشرة من أصحابه قال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟
فقال واحد منهم: أنا فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ورفع الله عيسى.
وقيل: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى وكان منافقاً، فذهب إلى اليهود ودلهم عليه فلما دخل مع اليهود لأخذه / ألقى الله شبهه عليه فقتل وصلب ﴿ وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ﴾ قيل: إن المختلفين هم اليهود لما قتلوا الشخص المشبه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره.
وقال السبكي: لما قتلوا اليهودي المشبه مكانه قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟
وقيل: إن المختلفين هم النصارى وذلك أنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية والملكانية واليعقوبية.
فالنسطورية زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهو قريب من قول الحكماء إنّ القتل والموت يرد على الهيكل لا على النفس المجردة، وعلى هذا فالفرق بين عيسى وبين سائر المصلوبين أن نفسه كانت قدسية علوية مشرقة قريبة من عالم الأرواح فلم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن.
وقالت الملكانية: القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة.
وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقع للمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، والشك في الأحكام استواء طرفي نقيضه عند الذاكر وقد يطلق عليه الظن وبهذا ذم في قوله: ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ وأما العمل بالقياس فليس من اتباع الظن في شيء لأنه عمل بالطرف الراجح، ولأن العلم بوجوب العمل قطعي.
ثم قال: ﴿ وما قتلوه يقيناً ﴾ وإنه يحتمل عدم يقين القتل أي قتلاً يقيناً أو متيقنين.
واليقين عقد جازم مطابق ثابت لدليل ويحتمل يقين عدم القتل على أن ﴿ يقيناً ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ وما قتلوه ﴾ أي حق انتفاء قتله حقاً وهذا أولى لقوله: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ وقيل: هو من قولهم قتلت الشيء علماً إذا تبالغ فيه علمه فيكون تهكماً بهم لأنه نفى عنهم العلم أولاً نفياً كلياً ثم نبه بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ على أن رفع عيسى إلى السماء بالنسبة إلى قدرته سهل وأن فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصيها إلاّ هو.
ثم قال: ﴿ وإن من أهل الكتاب إلاّ ليومننّ به قبل موته ﴾ فقوله: ﴿ إلاّ ليؤمنن به ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف "وإن" هي النافية.
التقدير: وما من أهل الكتاب أحد إلاّ ليؤمنن به كقوله: ﴿ وما منا إلاّ له مقام معلوم ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ عائد إلى عيسى، وفي ﴿ موته ﴾ إلى أحد.
عن شهر بن حوشب قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلاّ تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية وقال: إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك.
فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله أتاك عيسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبي.
وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله فيؤمن به ويقول: إنه / عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.
قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن قلت؟
قلت: حدثني محمد بن علي ابن الحنفية فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية أو من معدنها.
وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟
قال: لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه.
قال: وإن خر من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع؟
قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.
وفائدة هذا الإخبار الوعيد وإلزام الحجة والبعث على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع، لأنه إذا لم يكن بد من الإيمان به فلأن يؤمنوا به حال التكليف ليقع معتداً به أولى.
وقيل: الضميران في ﴿ به ﴾ وفي ﴿ موته ﴾ لعيسى والمراد بأهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.
روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.
قال بعض المتكلمين: ينبغي أن يكون هذا عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف إذ لو نزل مع بقاء التكليف على وجه يعرف أنه عيسى.
فأما أن يكون نبياً - ولا نبي بعد محمد - أو غير نبي وعزل الأنبياء لا يجوز.
وأجيب بأنه كان نبياً إلى مبعث محمد وبعد ذلك انتهت مدة نبوته فلا يلزم عزله فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد .
قال في الكشاف: ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلاّ ليؤمن به على أن الله يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ويعلمهم نزوله وما أنزل له ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم وقيل: الضمير في ﴿ به ﴾ يرجع إلى الله وقيل إلى محمد ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله وكذلك كل نبي شاهد على أمته.
قوله: ﴿ فبظلم ﴾ التنوين للتعظيم يعني فبأي ظلم ﴿ من الذين هادوا ﴾ والذنوب نوعان: الظلم على الخلق وهو قوله: ﴿ فبظلم من الذين هادوا ﴾ الآية والإعراض عن الدين الحق وهو قوله: ﴿ وبصدّهم عن سبيل الله كثيراً ﴾ أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً.
ومن هذا القبيل أخذ الربا بعد النهي عنه وأكل أموال الناس بالباطل أي بالرشا على التحريف؛ فهذه الذنوب هي الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فتحريم بعض المطاعم الطيبة كما يجيء في سورة الأنعام: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ﴾ الآية وأما في الآخرة فقوله: ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ﴾ واعلم أن في متعلق قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ وما عطف عليه قولين: الأوّل أنه محذوف والتقدير: فبنقضهم وبكذا وكذا لعنّاهم أو سخطنا عليهم أو نحو ذلك ثم استأنف قوله: / ﴿ فبظلم ﴾ ومتعلقه ﴿ حرمنا ﴾ وكذا متعلق المعطوفات بعده.
الثاني أن متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ وقوله: ﴿ فبظلم ﴾ بدل من قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ قاله الزجاج.
ويرجح الأوّل بأن حذف المتعلق أفخم ليذهب الوهم كل مذهب، ولأنّ تحريم الطيبات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقها بتلك الجنايات العظائم.
قلت: لو جعل قوله: ﴿ وأعتدنا ﴾ معطوفاً على ﴿ حرمنا ﴾ زال هذا الإشكال، أما تكرار الكفر في الآيات ثلاث مرات ويلزم من عطف الثالث على الأوّل أو على الثاني عطف الشيء على نفسه فقد أجاب عنه في الكشاف بأنه قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنهم قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء عليهم السلام، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.
ثم وصف طريقة المؤمنين المحقين منهم فقال: ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ يعني عبدالله بن سلام وأضرابه ممن نبت في العلم وثبت وأتقن واستبصر حتى حصلت له المعارف بالاستدلال واليقين دون التقليد والتخمين، لأن المقلد يكون بحيث إذا شكك تشكك، أما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة ﴿ والمؤمنون ﴾ يريد المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار.
والراسخون مبتدأ و ﴿ يؤمنون ﴾ خبره.
أما قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ ففيه أقوال: الأوّل روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولا يخفى ركاكة هذا القول لأن هذا المصحف منقول بالتواتر عن رسول الله فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟
الثاني قول البصريين إنه نصب على المدح لبيان فضيل الصلاة ﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ رفع على المدح لبيان فضل الزكاة كقولك: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد.
فتقدير الآية أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وطعن الكسائي في هذا القول بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام وههنا الخبر وهو قوله: ﴿ أولئك ﴾ إلخ منتظر.
والجواب أن الخبر ﴿ يؤمنون ﴾ ولو سلم فما الدليل على أنه لا يجوز الاعتراض بالمدح بين المبتدأ وخبره؟
الثالث وهو اختيار الكسائي أن المقيمين خفض للعطف على ما في قوله: ﴿ إنما أنزل إليك ﴾ والمراد بهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع واحد منهم من الصلاة قال : ﴿ وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة ﴾ أو الملائكة لقوله: ﴿ وإنا لنحن الصافون ﴾ واعلم أن العلماء ثلاثة أقسام: العلماء بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، والعلماء بذات الله وصفاته الواجبة والممتنعة وأحوال / المبدإ والمعاد، والعلماء الجامعون بين العلمين المذكورين مع العمل بما يجب العمل به وهم الراسخون في العلم وأنهم أكابر العلماء، وإلى الأقسام الثلاثة أشار بقوله : " جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء" اللهم اجعلنا من زمرتهم بفضلك يا مستعان.
ثم إنه عاد إلى الجواب عن سؤال اليهود وهو اقتراح نزول الكتاب جملة فقال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ الآية.
فبدأ بذكر نوح لأنه أول من شرع الله على لسان الأحكام والحلال والحرام، ثم قال: ﴿ والنبيين من بعده ﴾ ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم، ولم يذكر فيهم موسى لأن المقصود من تعداد هؤلاء الأنبياء أنهم كانوا رسلاً مع أن واحداً منهم ما أوتي كتاباً مثل التوراة دفعة واحدة.
ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ يعني أنكم اعترفتم، أن الزبور من عند الله، ثم إنه ما نزل على داود جملة واحدة وهذا إلزام حسن قوي والزبور كتاب داود .
من قرأ بضم الزاي فعلى أنه جمع زبر وهو الكتاب كقدر وقدور.
ثم قال: ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ والمعنى أنه إنه ذكر أحوال بعض الأنيباء في القرآن والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾ هذا أيضاً من تتمة الجواب.
والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى بشرف التكليم معهم ولم يلزم منه الطعن في سائر الأنبياء فكيف يلزم الطعن بإنزال التوراة عليه دفعة وإنزال غيرها على غيره منجماً ﴿ رسلاً مبشرين ومنذرين ﴾ يعني أن المقصود من بعثة الأنبياء إلزام التكاليف بالإنذار والتبشير، وقد يتوقف هذا المطلوب على إنزال الكتب وقد يكون إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب إلى المصلحة لأنه إذا نزل جملة كثرة التكاليف فيثقل القبول كما ثقل على قوم موسى فعصوا.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ والمعنى أن عزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه وإن كان أمراً هيناً في القدرة وكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع، لأنه لو فعل ذلك لأصروا على اللجاج في كل قضية.
واحتج الأشاعرة بالآية على أن معرفة الله لا تثبت إلاّ بالسمع لقوله: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ فيكون قبل البعثة لهم حجة في ترك الطاعات والمعارف.
وأجابت المعتزلة بأن الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر وكان إرسالهم إزاحة للغفلة وتتميماً لإلزام الحجة مع إفادة تفصيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع.
والمعتزلة قالوا: في الآية دلالة على امتناع تكليف ما لا يطاق لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم القدرة والمكنة صالحاً للعذر أولى وعورض.
وأيضاً قالوا: الآية تدل على أن العبد قد يحتج على الرب فيبطل قول أهل السنة إنه لا / اعتراض عليه لأحد.
وأجيب بأنه يشبه الحجة وليس حجة في الحقيقة.
قوله: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ لا بد له من مستدرك لأن ﴿ لكن ﴾ لا يبتدأ به.
وفي ذلك المستدرك وجهان: أحدهما أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قول اليهود لو كان نبياً لنزل عليه الكتاب جملة، وهذا الكلام يتضمن أنه هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليه من السماء فلا جرم قيل: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ بأنه نازل عليه من السماء.
الثاني أنه لما قال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك فنزل ﴿ لكن الله يشهد ﴾ ومعنى شهادة الله إنزال القرآن بحيث عجز عن معارضته الأولون والآخرون أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك.
ثم فسر ذلك وأوضح بقوله: ﴿ أنزله بعلمه ﴾ أي متلبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، أو بسبب علمه الكامل مثل: كتبت بالقلم وهذا كما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره إنما صنف هذا بكمال علمه يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف ذلك الكتاب، أو أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد فيه، أو أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من شياطين الجن والإنس ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ لأنهم لا يسبقونه بالقول فشهادته تستتبع شهادتهم ومن صدقه رب العالمين وملائكة السموات والأرضين لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس إياه ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ وإن لم يشهد غيره ﴿ إن الذين كفروا ﴾ بمحمد والقرآن ﴿ وصدوا ﴾ غيرهم ﴿ عن سبيل الله ﴾ بإلقاء الشبهات كقولهم: لو كان رسولاً لأنزل عليه القرآن دفعة كما نزلت التوراة على موسى، وكقولهم إن شريعة موسى لا تنسخ وإن الأنبياء لا يكونوا إلاّ من ولد هارون وداود ﴿ قد ضلوا ضلالاً بعيداً ﴾ لأن غاية الضلال أن ينضم معه الإضلال.
﴿ إنّ الذين كفروا وظلموا ﴾ محمداً بكتمان بعثته أو عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم.
ومعنى قوله: ﴿ ولا ليهديهم طريقاً ﴾ أنهم لا يسلكون إلاّ الطريق الموصل إلى جهنم أو لا يهديهم يوم القيامة إلاّ طريقها.
والعامل في ﴿ خالدين ﴾ معنى لا ليهديهم أي يعاقبهم أو يدخلهم النار خالدين.
﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ لأنه لا صارف له عن ذلك ولا يتعذر عليه إيصال الألم إليه شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية.
واللام في ﴿ الذين ﴾ إما لقوم معهودين علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإما للاستغراق فيجب أن يضمر شرط عدم التوبة.
وحمل المعتزلة قوله: ﴿ وظلموا ﴾ على أصحاب الكبائر بناء على أنه لا فرق عندهم بين الكافر وصاحب الكبيرة في أنه لا يغفر لهما إلاّ بالتوبة.
التأويل: ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ لعل خرة موسى بلن تراني كانت بشؤم القوم وما كان في انفسهم من سوء أدب هذا السؤال لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نبيهم، فما اتعظوا بحالة نبيهم لأنهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره.
فكلما زاد عنادهم زاد بلاؤهم وابتلاؤهم / كرفع الطور فوقهم وغير ذلك.
قال أهل الإشارة: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات والطيبات التي أحلت لهم ولأزواجهم الطيبين قبل التلوث بقذر المخالفات والإسراف في المباحات يستتبع حرمان المناجاة والقربات ﴿ لكن الراسخون في العلم ﴾ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية واللدنية ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ﴾ أي كل ما أوحينا إليك من سر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ أي ليلة المعراج ﴿ ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ الآن في القرآن مفصلة ﴿ أنزله بعلمه ﴾ تجلى له بصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ على تلك الخلوة وإن لم يكونوا معك في الخلوة ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على ما جرى.
قد كان ما كان سراً لا أبوح به *** ظن خيراً ولا تسأل عن الخبر <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
أي: كفروا بآيات الله.
﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاً بَعِيداً ﴾ .
أي: قد تاهوا وتحيروا تحيراً طويلا.
ويحتمل: ﴿ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاً بَعِيداً ﴾ أي: هلكوا هلاكاً لا نجاة لهم، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ ﴾ .
أي: كفروا بآيات الله وحججه، وظلموا أمر الله وتركوه.
ويحتمل قوله - -: ﴿ وَظَلَمُواْ ﴾ حيث جعلوا أنفسهم لغير الله، وجعلوا العبادة لمن دونه، وهو إنما خلقهم؛ ليجعلوا عبادتهم له، فقد وضعوا أنفسهم في غير موضعها؛ لذلك وصفهم بالظلم؛ لأن الظلم: وضع الشيء [في] غير موضعه.
ويحتمل: ظلموا أنفسهم، وإن كانوا لا يقصدون ظلم أنفسهم؛ فإن حاصل ذلك يرجع إلى أنفسهم؛ فكأنهم ظلموا أنفسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ ﴾ .
كأنه على الإضمار بألا يهديهم في الآخرة طريقاً إلا طريق جهنم.
ويحتمل ما قال أهل التأويل، قالوا: لا يهديهم طريق الإسلام إلا طريق جهنم: طريق الكفر والشرك هما طريقا جهنم في الدنيا، والإسلام هو طريق الجنة في الدنيا.
وهذه الآية والآية الأولى في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، ويموتون على ذلك؛ حيث أخبر أنه - عز وجل - لا يغفر لهم، ولا يهديهم.
﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً ﴾ .
ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ : بالحق الذي لله عليكم.
ويحتمل: ﴿ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ بالحق الذي لبعضكم على بعض، قد جاءكم الرسول من الله ببيان ذلك كله.
ويحتمل [قوله]: ﴿ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ الحق الذي هو ضد الباطل ونقيضه، وفرق بينهما، وأزال الشبه؛ إن لم تعاندوا ولم تكابروا.
﴿ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ .
لأن الذي كان يمنعهم عن الإيمان بالله حب الرياسة، وخوف زوال المنافع التي كانت لهم؛ فقال: ﴿ فَآمِنُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾ ؛ لأن ذلك لكم في الدنيا، والآخرة دائم لا يزول؛ فذلك خير لكم من الذي يكون في وقت ثم يزول عنكم عن سريع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...
﴾ الآية.
يخبر - والله أعلم - أن ما يأمر خلقه وينهى ليس يأمر وينهى لحاجة له أو لمنفعة؛ ولكن يأمر وينهى لحاجة الخلق ومنافعهم؛ إذ من له ما في السماوات وما في الأرض وملكهما - لا يقع له حاجة ولا منفعة، وهو غني بذاته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ .
عليماً: عن علم بأحوالكم خلقكم، لا عن جهل، وعليماً بما به صلاحكم وفسادكم.
﴿ حَكِيماً ﴾ : حيث وضع كل شيء موضعه.
ويحتمل قوله - - ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ وجهاً آخر، وهو: [الذي تكفرونه] يقْدرِ أن يخلق خلقاً آخر سواكم يطيعونه؛ إذ له ما في السماوات وما في الأرض، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
إلا الطريق المؤدية إلى دخول جهنم ماكثين فيها دائمًا، وكان ذلك على الله هينًا، فهو لا يعجزه شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.EG0ak"
يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.
وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.
إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟
أي دين أرشد إرشاده؟
أي شرع كشرعه في كماله؟
ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟
وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟
لا يحير جوابًا.
وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.
وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.
ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟
ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ .
فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.
متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].
الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.
آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].