الآية ١٩ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٩ من سورة النساء

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 209 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال البخاري : حدثنا محمد بن مقاتل ، حدثنا أسباط بن محمد ، حدثنا الشيباني عن عكرمة ، عن ابن عباس - قال الشيباني : وذكره أبو الحسن السوائي ، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس - : ( ياأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها ، فنزلت هذه الآية في ذلك .

هكذا رواه البخاري وأبو داود ، والنسائي ، وابن مردويه ، وابن أبي حاتم ، من حديث أبي إسحاق الشيباني - واسمه سليمان بن أبي سليمان - عن عكرمة ، وعن أبي الحسن السوائي واسمه عطاء ، كوفي أعمى - كلاهما عن ابن عباس بما تقدم .

وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي ، حدثني علي بن حسين ، عن أبيه ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته ، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها ، فأحكم الله تعالى عن ذلك ، أي نهى عن ذلك .

تفرد به أبو داود وقد رواه غير واحد عن ابن عباس بنحو ذلك ، فقال وكيع عن سفيان ، عن علي بن بذيمة ، عن مقسم ، عن ابن عباس : كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبا ، كان أحق بها ، فنزلت : ( ياأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) .

وروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( ياأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) قال : كان الرجل إذا مات وترك جارية ، ألقى عليها حميمه ثوبه ، فمنعها من الناس .

فإن كانت جميلة تزوجها ، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها .

وروى العوفي عنه : كان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته ، فورث نكاحها ولم ينكحها أحد غيره ، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية : فأنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) وقال زيد بن أسلم في الآية [ ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) ] كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله ، وكان يعضلها حتى يرثها ، أو يزوجها من أراد ، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها ، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها ، فنهى الله المؤمنين عن ذلك .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا موسى بن إسحاق ، حدثنا علي بن المنذر ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن أبيه قال : لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته ، وكان لهم ذلك في الجاهلية ، فأنزل الله : ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) ورواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل ، به .

ثم روي من طريق ابن جريج قال : أخبرني عطاء أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة ، حبسها أهله على الصبي يكون فيهم ، فنزلت : ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) الآية .

قال ابن جريج : وقال مجاهد : كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته ، ينكحها إن شاء ، إذا لم يكن ابنها ، أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه .

قال ابن جريج : وقال عكرمة : نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس ، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت ، فجنح عليها ابنه ، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، لا أنا ورثت زوجي ، ولا أنا تركت فأنكح ، فنزلت هذه الآية .

وقال السدي عن أبي مالك : كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها ، جاء وليه فألقى عليها ثوبا ، فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها حتى يشب أو تموت فيرثها ، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ، ولم يلق عليها ثوبا نجت ، فأنزل الله : [ تعالى ] ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) وقال مجاهد في الآية : كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها ، فيحبسها رجاء أن تموت امرأته ، فيتزوجها أو يزوجها ابنه .

رواه ابن أبي حاتم .

ثم قال : وروي عن الشعبي ، وعطاء بن أبي رباح ، وأبي مجلز ، والضحاك ، والزهري ، وعطاء الخراساني ، ومقاتل بن حيان - نحو ذلك .

قلت : فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية ، وما ذكره مجاهد ومن وافقه ، وكل ما كان فيه نوع من ذلك ، والله أعلم .

وقوله : ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) أي : لا تضاروهن في العشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقا من حقوقها عليك ، أو شيئا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( ولا تعضلوهن ) يقول : ولا تقهروهن ( لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) يعني : الرجل تكون له امرأة وهو كاره لصحبتها ، ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي .

وكذا قال الضحاك ، وقتادة [ وغير واحد ] واختاره ابن جرير .

وقال ابن المبارك وعبد الرزاق : أخبرنا معمر قال : أخبرني سماك بن الفضل ، عن ابن البيلماني قال : نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية ، والأخرى في أمر الإسلام .

قال عبد الله بن المبارك : يعني قوله : ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) في الجاهلية ( ولا تعضلوهن ) في الإسلام .

وقوله : ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) قال ابن مسعود ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، والشعبي ، والحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعطاء الخراساني ، والضحاك ، وأبو قلابة ، وأبو صالح ، والسدي ، وزيد بن أسلم ، وسعيد بن أبي هلال : يعني بذلك الزنا ، يعني : إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتضاجرها حتى تتركه لك وتخالعها ، كما قال تعالى في سورة البقرة : ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله [ فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ] ) الآية [ البقرة : 229 ] .

وقال ابن عباس ، وعكرمة ، والضحاك : الفاحشة المبينة : النشوز والعصيان .

واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله : الزنا ، والعصيان ، والنشوز ، وبذاء اللسان ، وغير ذلك .

يعني : أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها ، وهذا جيد ، والله أعلم ، وقد تقدم فيما رواه أبو داود منفردا به من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] في قوله : ( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) قال : وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته ، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها ، فأحكم الله عن ذلك ، أي نهى عن ذلك .

قال عكرمة والحسن البصري : وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية ، ولكن نهي المسلمون عن فعله في الإسلام .

قال عبد الرحمن بن زيد : كان العضل في قريش بمكة ، ينكح الرجل المرأة الشريفة فلعلها لا توافقه ، فيفارقها على أن لا تزوج إلا بإذنه ، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد ، فإذا خطبها الخاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها ، وإلا عضلها .

قال : فهذا قوله : ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) الآية .

وقال مجاهد في قوله : ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) هو كالعضل في سورة البقرة .

وقوله : ( وعاشروهن بالمعروف ) أي : طيبوا أقوالكم لهن ، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم ، كما تحب ذلك منها ، فافعل أنت بها مثله ، كما قال تعالى : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) [ البقرة : 228 ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي " وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة دائم البشر ، يداعب أهله ، ويتلطف بهم ، ويوسعهم نفقته ، ويضاحك نساءه ، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين يتودد إليها بذلك .

قالت : سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته ، وذلك قبل أن أحمل اللحم ، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني ، فقال : " هذه بتلك " ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان ، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها .

وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد ، يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار ، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام ، يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) [ الأحزاب : 21 ] .

وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتاب " الأحكام " ، ولله الحمد .

وقوله تعالى : ( فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا [ ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ] ) أي : فعسى أن يكون صبركم مع إمساككم لهن وكراهتهن فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة .

كما قال ابن عباس في هذه الآية : هو أن يعطف عليها ، فيرزق منها ولدا .

ويكون في ذلك الولد خير كثير وفي الحديث الصحيح : " لا يفرك مؤمن مؤمنة ، إن سخط منها خلقا رضي منها آخر " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قال أبو جعفر: يعني تبارك وتعالى [بقوله]: (60) " يا أيها الذين آمنوا "، يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله =" لا يحل لكم أن ترثوا النساء كَرهًا "، يقول: لا يحل لكم أن ترثوا نكاحَ نساء أقاربكم وآبائكم كَرْهًا.

(61) * * * فإن قال قائل: كيف كانوا يرثونهن؟

وما وجه تحريم وراثتهن؟

فقد علمت أن النساء مورثات كما الرجال مورثون!

قيل: إن ذلك ليس من معنى وراثتهن إذا هن مِتن فتركن مالا وإنما ذلك أنهن في الجاهلية كانت إحداهن إذا مات زوجها، كان ابنه أو قريبُه أولى بها من غيره، ومنها بنفسها، إن شاء نكحها، وإن شاء عضلها فمنعها من غيره ولم يزوّجها حتى تموت.

فحرّم الله تعالى ذلك على عباده، وحظَر عليهم نكاحَ حلائل آبائهم، ونهاهم عن عضلهن عن النكاح.

* * * وبنحو القول الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 8869 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أسباط بن محمد قال، حدثنا أبو إسحاق = يعني: الشيباني =، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن "، قال: كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحقَّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوّجوها، وإن شاؤوا لم يزوّجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنـزلت هذه الآية في ذلك.

(62) 8870 - وحدثني أحمد بن محمد الطوسي قال، حدثنا عبد الرحمن بن صالح قال، حدثني محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنـزل الله: " لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا " .

(63) * * * 8871 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري قالا في قوله: " لا يحل لكم أن ترثوا النساء كَرْهًا ولا تعضُلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبيِّنة "، وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضُلها حتى تموت أو تردَّ إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك = يعني أن الله نهاكم عن ذلك.

(64) 8872 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا "، قال: كانت الأنصار تفعل ذلك.

كان الرجل إذا مات حميمه، ورث حميمه امرأته، فيكون أولى بها من وليِّ نفسها.

(65) 8873 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا يحلُّ لكم أن ترثوا النساء كرهًا " الآية، قال: كان الرجل إذا مات أبوه أو حميمه، فهو أحق بامرأته، إن شاء أمسكها، أو يحبسها حتى تفتدي منه بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها = قال ابن جريج، فأخبرني عطاء بن أبي رباح: أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجلُ فترك امرأة حبسها أهلهُ على الصبيِّ يكون فيهم، فنـزلت: " لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا " الآية = قال ابن جريج، وقال مجاهد: كان الرجل إذا توفي أبوه، كان أحق بامرأته، ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو يُنكحها إن شاء أخاه أو ابن أخيه = قال ابن جريج، وقال عكرمة نـزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم، من الأوس، توفّي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تُركت فأنكح!

فنـزلت هذه الآية.

(66) 8874 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا "، قال: كان إذا توفي الرجل، كان ابنه الأكبر هو أحق بامرأته، ينكحها إذا شاء إذا لم يكن ابنها، أو يُنكحها من شاء، أخاه أو ابنَ أخيه.

8875 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن عمرو بن دينار، مثل قول مجاهد.

8876 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، سمعت عمرو بن دينار يقول مثل ذلك.

8877 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما قوله: " لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا "، فإن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سبق وارِث الميت فألقى عليها ثوبه، فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه، أو ينكحها فيأخذ مهرها.

وإن سبقته فذهبت إلى أهلها، فهم أحق بنفسها.

8878 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلي (67) قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا "، كانوا بالمدينة إذا مات حميم الرجل وترك امرأة، ألقى الرجل عليها ثوبه، فورث نكاحها، وكان أحق بها.

وكان ذلك عندهم نكاحًا.

فإن شاء أمسكها حتى تفتدي منه.

وكان هذا في الشِّرك.

8879 - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا "، قال: كانت الوراثة في أهل يثرب بالمدينة ههنا.

فكان الرجل يموت فيرث ابنه امرأة أبيه كما يرث أمه، لا تستطيع أن تمتنع، (68) فإن أحبّ أن يتخذها اتخذها كما كان أبوه يتخذها، وإن كره فارقها، وإن كان صغيرًا حبست عليه حتى يكبر، فإن شاء أصابها، وإن شاء فارقها.

فذلك قول الله تبارك وتعالى: " لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ".

8880 - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا "، وذلك أن رجالا من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها، فلم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنـزل الله عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ".

8881 - حدثني ابن وكيع قال، حدثني أبي قال، حدثنا سفيان، عن علي بن بذيمة، عن مقسم قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها فجاء رجلٌ فألقى عليها ثوبه، كان أحق الناس بها.

قال: فنـزلت هذه الآية: " لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ".

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية على هذا التأويل: يا أيها الذين آمنوا، لا يحل لكم أن ترثوا آباءكم وأقاربكم نكاح نسائهم كرها = فترك ذكر " الآباء " و " الأقارب " و " النكاح "، ووجّه الكلام إلى النهي عن وراثة النساء، اكتفاء بمعرفة المخاطبين بمعنى الكلام، إذ كان مفهومًا معناه عندهم.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يحل لكم، أيها الناس، أن ترثوا النساء تَرِكاتهن كرهًا.

قال: وإنما قيل ذلك كذلك، لأنهم كانوا يعضلون أيَاماهُنَّ، وهن كارهات للعضل، حتى يمتن، فيرثوهن أموالهنّ.

ذكر من قال ذلك: 8882 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا "، قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس.

فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.

(69) 8883 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري في قوله: " لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا "، قال: نـزلت في ناس من الأنصار، كانوا إذا مات الرجل منهم، فأمْلَكُ الناس بامرأته وليُّه، فيمسكها حتى تموت فيرثها، فنـزلت فيهم.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين بتأويل الآية، القولُ الذي ذكرناه عمن قال: معناه: " لا يحل لكم أن ترثوا نساء أقاربكم "، (70) لأن الله جل ثناؤه قد بين مواريث أهل المواريث، فذلك لأهله، كره وراثتهم إيَّاه الموروثَ ذلك عنه من الرجال أو النساء، أو رضي.

(71) فقد علم بذلك أنه جل ثناؤه لم يحظر على عباده أن يرثوا النساء فيما جعله لهم ميراثًا عنهن، (72) وأنه إنما حظَر أن يُكْرَهن موروثات، بمعنى حظر وراثة نكاحهن، إذا كان ميِّتهم الذي ورثوه قد كان مالكًا عليهن أمرَهن في النكاح ملك الرجل منفعة ما استأجر من الدور والأرضين وسائر مالَه منافع.

(73) فأبان الله جل ثناؤه لعباده: أن الذي يملكه الرجل منهم من بُضْع زوْجه، (74) معناه غير معنى ما يملك أحدهم من منافع سائر المملوكات التي تجوز إجارتها.

فإن المالك بُضع زوجته إذا هو مات، لم يكن ما كان له ملكًا من زوجته بالنكاح لورثته بعده، كما لهم من الأشياء التي كان يملكها بشراء أو هبة أو إجارة بعد موته، بميراثهم ذلك عنه.

(75) * * * وأما قوله تعالى: " ولا تعضُلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن "، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله.

فقال بعضهم: تأويله: " ولا تعضلوهن " : أي ولا تحبسوا، يا معشر ورثة من مات من الرجال، أزواجَهم عن نكاح من أردنَ نكاحه من الرجال، كيما يمتن =" فتذهبوا ببعض ما آتيتموهن "، أي: فتأخذوا من أموالهن إذا مِتن، &; 8-111 &; ما كان موتاكم الذين ورثتموهم ساقوا إليهن من صدقاتهن.

وممن قال ذلك جماعة قد ذكرنا بعضهم، منهم ابن عباس والحسن البصري وعكرمة.

(76) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تعضُلوا، أيها الناس، نساءكم فتحبسوهن ضرارًا، ولا حاجة لكم إليهن، فتُضِرُّوا بهن ليفتدين منكم بما آتيتموهن من صَدُقاتهن.

ذكر من قال ذلك: 8884 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ولا تعضلوهن "، يقول: لا تقهروهن =" لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن "، يعني، الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر، فَيُضِرُّ بها لتفتدي.

8885 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ولا تعضلوهن "، يقول: لا يحل لك أن تحبس امرأتك ضرارًا حتى تفتدي منك = قال وأخبرنا معمر قال، وأخبرني سماك بن الفضل، عن ابن البيلماني قال: نـزلت هاتان الآيتان، &; 8-112 &; إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام.

(77) 8886 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر قال، أخبرنا سماك بن الفضل، عن عبد الرحمن بن البيلماني في قوله: " لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن "، قال: نـزلت هاتان الآيتان: إحداهما في الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام، قال عبد الله: لا يحل لكم أن ترثوا النساء في الجاهلية، ولا تعضلوهن في الإسلام.

(78) 8887 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن سالم، عن سعيد: " ولا تعضلوهن "، قال: لا تحبسوهن.

8888 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن "، أما " تعضلوهن "، فيقول: تضاروهن ليفتدِين منكم.

8889 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " ولا تعضلوهن "، قال: " العضل "، أن يكره الرجل امرأته فيضرُّ بها حتى تفتدي منه، قال الله تبارك وتعالى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ [سورة النساء: 21].

(79) * * * وقال آخرون: المعنيُّ بالنهي عن عضل النساء في هذه الآية: أولياؤهن.

ذكر من قال ذلك: 8890 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن " أن ينكحن أزواجهن ، كالعَضْل في" سورة البقرة ".

(80) 8891 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

وقال آخرون: بل المنهيُّ عن ذلك: زوجُ المرأة بعد فراقه إياها.

وقالوا: ذلك كان من فعل الجاهلية، فنهوا عنه في الإسلام.

ذكر من قال ذلك: 8892 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان العضلُ في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأةَ الشريفة فلعلها أن لا توافقه، (81) فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته وأرضته أذن لها، وإلا عضلها، قال: فهذا قول الله: " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن " الآية.

* * * قال أبو جعفر: قد بينا فيما مضى معنى " العضل " وما أصله، بشواهد ذلك من الأدلة.

(82) وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصحة في تأويل قوله: " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن "، قول من قال: نهى الله جل ثناؤه زوج المرأة عن التضييق عليها والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محبّ، لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصَّداق.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل امرأة، إلا لأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها وحبسها على نفسه وهو لها كاره، مضارّة منه لها بذلك، ليأخذ منها ما آتاها بافتدائها منه نفسها بذلك = أو لوليها الذي إليه إنكاحها.

وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحدٍ غيرهما، وكان الوليُّ معلومًا أنه ليس ممن أتاها شيئًا فيقال إنْ عضلها عن النكاح: " عَضَلها ليذهب ببعض ما آتاها "، كان معلومًا أن الذي عنى الله تبارك وتعالى بنهيه عن عضلها، هو زوجها الذي له السبيلُ إلى عضلها ضرارًا لتفتدي منه.

وإذا صح ذلك، = وكان معلومًا أن الله تعالى ذكره لم يجعل لأحد السبيلَ على زوجته بعد فراقه إياها وبينونتها منه، فيكون له إلى عضلها سبيل لتفتدي منه من عَضْله إياها، أتت بفاحشة أم لم تأت بها، = (83) وكان الله جل ثناؤه قد أباح للأزواج عضلهن إذا آتين بفاحشة مبيِّنة حتى يفتدين منه = (84) كان بيِّنًا بذلك خطأ التأويل الذي تأوّله ابن زيد، وتأويلِ من قال: " عنى بالنهي عن العضل في هذه الآية أولياء الأيامى "، = وصحةُ ما قلنا فيه.

(85) * * * [قوله]: " ولا تعضلوهن " ، (86) في موضع نصب، عطفًا على قوله: " أن ترثوا النساء كرهًا ".

ومعناه: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا، ولا أن تعضلوهن.

(87) وكذلك هي فيما ذكر في حرف ابن مسعود.

ولو قيل: هو في موضع جزم على وجه النهي، لم يكن خطأ.

(88) * * * القول في تأويل قوله: إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لا يحل لكم، أيها المؤمنون، أن تعضُلوا نساءكم ضرارًا منكم لهن، وأنتم لصحبتهن كارهون، وهن لكم طائعات، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صدقاتهن =" إلا أن يأتين بفاحشة مبينة "، فيحل لكم حينئذ الضرارُ بهن ليفتدين منكم.

(89) ثم اختلف أهل التأويل في معنى " الفاحشة " التي ذكرها الله جل ثناؤه في هذا الموضع.

(90) فقال بعضهم: معناها الزنا، وقال: إذا زنت امرأة الرجل حلَّ له عَضْلها والضرارُ بها، لتفتدي منه بما آتاها من صداقها.

ذكر من قال ذلك: 8893 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا أشعث، عن الحسن - في البكر تَفْجُر قال: تضرب مئة، وتنفى سنة، وتردّ إلى زوجها ما أخذت منه.

وتأوَّل هذه الآية: " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ".

8894 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عطاء الخراساني - في الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة، أخذ ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك الحدود.

8895 - حدثنا أحمد بن منيع قال، حدثنا عبد الله بن المبارك قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة، (91) فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تختلع منه.

8896 - حدثنا ابن حميد قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرني معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة - في الرجل يطّلع من امرأته على فاحشة، فذكر نحوه.

8897 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدى: " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة "، وهو الزنا، فإذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن.

8898 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم: أنه سمع الحسن البصري: " إلا أن يأتين بفاحشة "، قال: الزنا.

قال: وسمعت الحسن وأبا الشعثاء يقولان: فإن فعلت، حلَّ لزوجها أن يكون هو يسألها الخُلْع، تفتدي نفسها.

(92) * * * وقال آخرون: " الفاحشة المبينة "، في هذا الموضع، النشوزُ.

ذكر من قال ذلك: 8899 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة "، وهو البغض والنُّشوز، فإذا فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية.

8900 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عنبسة، عن علي بن بذيمة، عن مقسم في قوله: ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يفحشن ) في قراءة ابن مسعود.

قال: إذا عصتك وآذتك، فقد حل لك أخذ ما أخذتْ منك.

(93) 8901 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مطرف بن طريف، عن خالد، عن الضحاك بن مزاحم: " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة "، قال: الفاحشة ههنا النشوز.

فإذا نشزَت، حل له أن يأخذ خُلْعها منها.

(94) 8902 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة "، قال: هو النشوز.

8903 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال عطاء بن أبي رباح: " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة "، فإن فعلن: إن شئتم أمسكتموهن، وإن شئتم أرسلتموهن.

8904 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، (95) سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة "، قال: عَدَل ربنا تبارك وتعالى في القضاء، فرجع إلى النساء فقال: " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة "، و " الفاحشة ": العصيان والنشوز.

فإذا كان ذلك من قِبَلها، فإن الله أمره أن يضربها، وأمره بالهَجر.

فإن لم تدع العصيان والنشوز، فلا جناح عليه بعد ذلك أن يأخذ منها الفدية.

* * * قال أبو جعفر: وأولى ما قيل في تأويل قوله: " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة "، أنه معنىٌّ به كل " فاحشة ": من بَذاءٍ باللسان على زوجها، (96) وأذى له، وزنًا بفرجها.

وذلك أن الله جل ثناؤه عم بقوله: " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة "، كلَّ فاحشة متبيّنةٍ ظاهرة.

(97) فكل زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زنًا أو نشوز، (98) فله عضْلُها على ما بين الله في كتابه، والتضييقُ عليها حتى تفتدي منه، بأيِّ معاني الفواحش أتت، (99) بعد أن تكون ظاهرة مبيِّنة = (100) بظاهر كتاب الله تبارك وتعالى، وصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالذي: 8905 - حدثني يونس بن سليمان البصري قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل قال، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يُوطِئن فُرُشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.

(101) 8906 - حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال، حدثنا زيد بن الحباب قال، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي قال، حدثني صدقة بن يسار، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيها الناس، إن النساء عندكم عَوَانٍ، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ولهن عليكم حق.

ومن حقكم عليهن أن لا يُوطئن فُرُشكم أحدًا ولا يعصينكم في معروف، وإذا فعلن ذلك، فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف.

(102) * * * = فأخبر صلى الله عليه وسلم أن من حق الزوج على المرأة أن لا توطئ فراشه أحدًا، وأن لا تعصيه في معروف، وأنّ الذي يجب لها من الرزق والكسوة عليه، وإنما هو واحب عليه إذا أدَّت هي إليه ما يجب عليها من الحق، بتركها إيطاء فراشه غيره، وتركها معصيته في معروف.

ومعلوم أن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " من حقكم عليهن أن لا يوطئن &; 8-120 &; فرشكم أحدًا " إنما هو أن لا يمكِّنّ من أنفسهن أحدًا سواكم.

(103) وإذا كان ما روينا في ذلك صحيحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبيِّنٌ أن لزوج المرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيرَه وأمكنت من جماعها سواه، أنَّ له من منعها الكسوةَ والرزقَ بالمعروف، مثلَ الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته في المعروف.

وإذ كان ذلك له، فمعلوم أنه غير مانع لها - بمنعه إياها ماله منعها - حقًّا لها واجبًا عليه.

وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها، فأخذ منها زوجها ما أعطته، أنه لم يأخذ ذلك عن عَضْل منهيّ عنه، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عَضْل له مباح.

وإذ كان ذلك كذلك، كان بينًا أنه داخل في استثناء الله تبارك وتعالى الذي استثناه من العاضلين بقوله: " ولا تعضُلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " .

وإذْ صح ذلك، فبيِّنٌ فساد قول من قال: " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة "، منسوخ بالحدود، (104) لأن الحدّ حق الله جل ثناؤه على من أتى بالفاحشة التي هي زنا.

وأما العَضْل لتفتدي المرأة من الزوج بما آتاها أو ببعضه، فحق لزوجها = كما عضله إياها وتضييقه عليها إذا هي نشزت عليه لتفتدي منه، حق له.

وليس حكم أحدهما يبطل حكم الآخر.

* * * قال أبو جعفر: فمعنى الآية: ولا يحل لكم، أيها الذين آمنوا، أن تعضلوا نساءكم فتضيِّقوا عليهن وتمنعوهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صَدُقاتكم، إلا أن يأتين بفاحشةٍ من زنا أو بَذاءٍ عليكم، وخلافٍ لكم فيما يجب عليهن لكم - مبيِّنة ظاهرة، فيحل لكم حينئذ عَضْلهن &; 8-121 &; والتضييق عليهن، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صداق إن هنّ افتدين منكم به.

* * * واختلف القرَأة في قراءة قوله: " مبينة ".

فقرأه بعضهم: " مُبَيَّنَةٍ" بفتح " الياء "، بمعنى أنها قد بُيِّنت لكم وأُعلنت وأُظهرت.

وقرأه بعضهم: " مُبَيِّنَةٍ" بكسر " الياء "، بمعنى أنها ظاهرة بينة للناس أنها فاحشة.

* * * وهما قراءتان مستفيضتان في قرأة أمصار الإسلام، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب في قراءته الصوابَ، لأن الفاحشة إذا أظهرها صاحبها فهي ظاهرة بيِّنة.

وإذا ظهرت، فبإظهار صاحبها إياها ظهرت.

فلا تكون ظاهرة بيِّنة إلا وهي مبيَّنة، ولا مبيَّنة إلا وهي مبيِّنة.

فلذلك رأيت القراءة بأيهما قرأ القارئ صوابًا.

* * * القول في تأويل قوله: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وعاشروهن بالمعروف "، وخالقوا، أيها الرجال، نساءكم وصاحبوهن =" بالمعروف "، يعني بما أمرتكم به من المصاحبة، (105) وذلك: إمساكهن بأداء حقوقهن التي فرض الله جل ثناؤه لهنّ عليكم إليهن، أو تسريح منكم لهنّ بإحسان، كما:- 8907 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا &; 8-122 &; أسباط، عن السدي: " وعاشروهن بالمعروف "، يقول: وخالطوهن.

* * * = كذا قال محمد بن الحسين، وإنما هو " خالقوهن "، من " العشرة " وهي المصاحبة.

(106) * * * القول في تأويل قوله: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: لا تعضلوا نساءكم لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من غير ريبة ولا نشوز كان منهن، ولكن عاشروهن بالمعروف وإن كرهتموهن، فلعلكم أن تكرهوهن فتمسكوهن، فيجعل الله لكم = في إمساككم إياهن على كُره منكم لهن = خيرًا كثيرًا، من ولد يرزقكم منهن، أو عطفكم عليهن بعد كراهتكم إياهن، كما:- 8908 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا "، يقول، فعسى الله أن يجعل في الكراهة خيرًا كثيرًا.

8909 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله: 8910 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا "، قال: الولد.

* * * 8911 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا "، والخير الكثير: أن يعطف عليها، فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرًا كثيرًا.

و " الهاء " في قوله: " ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا "، على قول مجاهد الذي ذكرناه، كناية عن مصدر " تكرهوا "، كأنّ معنى الكلام عنده: فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله في كُرْهه خيرًا كثيرًا.

(107) ولو كان تأويل الكلام: فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله في ذلك الشيء الذي تكرهونه خيرًا كثيرًا، كان جائزًا صحيحًا.

* * * --------------- (60) ما بين القوسين زيادة تقتضيها سياقة كلامه.

(61) انظر تفسير"الكره" فيما سلف 4: 297 ، 298 / 6: 565.

(62) الأثر : 8869 "أبو إسحاق الشيباني" ، هو: سليمان بن أبي سليمان ، مضت ترجمته برقم: 1307 ، 3003 ، 3023.

وهذا الأثر أخرجه البخاري في صحيحه (الفتح 8: 184) ، والبيهقي في السنن الكبرى 7: 138 ، وأبو داود في سننه 2: 310 رقم: 2089 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 131 ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر ، والنسائي وابن أبي حاتم.

وقد استوفى الحافظ ابن حجر الكلام فيه في الفتح وانظر تفسير ابن كثير 2: 381382.

(63) الأثر: 8870 "أحمد بن محمد الطوسي" ، شيخ الطبري ، روى عنه باسم"أحمد بن محمد بن حبيب" في التاريخ ، وتمام نسبه: "أحمد بن محمد بن نيزك بن حبيب" ، وقد مضت ترجمته برقم: 3833.

و"عبد الرحمن بن صالح الأزدي العتكي" ، كان رافضيًا ، وكان يغشى أحمد بن حنبل ، فيقربه ويدنيه.

فقيل له فيه ، فقال: سبحان الله!

رجل أحب قومًا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم!

وهو ثقة.

وقال يحيى بن معين: "يقدم عليكم رجل من أهل الكوفة ، يقال له عبد الرحمن بن صالح ، ثقة صدوق شيعي ، لأن يخر من السماء ، أحب إليه من أن يكذب في نصف حرف".

وقال ابن عدي: "معروف مشهور في الكوفيين ، لم يذكر بالضعف في الحديث ولا اتهم فيه ، إلا أنه محترق فيما كان فيه من التشيع".

مترجم في التهذيب.

و"يحيى بن سعيد" هو الأنصاري ، مضت ترجمته في: 2154 ، 3395 ، 5074.

و"محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف" ، روى عن أبيه = واسم أبيه: "أسعد" وعن أبان بن عثمان.

روى عنه يحيى بن سعيد ، وابن إسحاق ، ومالك.

ثقة ، وأشار الحافظ ابن حجر في ترجمته إلى هذا الأثر ، أنه رواه النسائي ، والظاهر أنه في السنن الكبرى.

و"أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري" واسمه"أسعد بن سهل..." ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعامين ، فيما روى.

قال ابن سعد: "ثقة كثير الحديث".

وهذا الأثر ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 132 ، وزاد نسبته للنسائي ، وابن أبي حاتم.

وخرجه ابن كثير منسوبًا إلى ابن مردويه بمثله 2: 382.

(64) الأثر: 8871 رواه أبو داود في سننه 1: 311 رقم: 2090 ، من طريق علي بن حسين بن واقد عن أبيه ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .

والدر المنثور 2: 131.

وقوله: "أحكم الله على ذلك" ، فسره بعد ، وأصله من"حكمت الفرس وأحكمته" إذا قدعته وكففته ، و"حكم الرجل وأحكمه" منعه مما يريد.

وفي المخطوطة"فأحكم عن ذلك" ، وأثبتت المطبوعة الأولى نص أبي داود والدر المنثور.

(65) "الحميم" القريب الذي توده ويودك ، وتهتم لأمره.

(66) الأثر: 8873 - خبر كبيشة بنت معن.

خرجه ابن الأثير في أسد الغابة 5: 538 ، ونسبه لأبي موسى - والسيوطي في الدر المنثور 2: 132 ، وزاد نسبته لابن المنذر.

وقوله: "جنح عليها": بسط عليها جناحه - أو كنفه - ومال عليها ، يعني أنه مال عليها ليحول بين الناس وبينها ، وسيأتي في الأثر رقم: 8877 تفسير جيد لمعنى هذه الكلمة ، وهو قول السدي: "فإن سبق وارث الميت فألقى عليها ثوبه ، فهو أحق بها أن ينكحها" ، فهذا الفعل - أي إلقاء الثوب على المرأة - هو الذي استعمل له عكرمة لفظ"جنح عليها".

ولم أجد في كتب اللغة من أثبت هذا المجاز الجيد ، وهو حقيق أن يثبت فيها مشروحًا.

فأثبته هناك إن شئت.

وانظر أيضًا إلقاء الثوب على المرأة في الآثار الآتية رقم: 8878 ، 8880 ، 8881 ، 8882.

(67) في المطبوعة: "عبيد بن سلمان" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة ، وقد سلف مرارًا في هذا الإسناد الدائر في التفسير.

(68) في المطبوعة والمخطوطة: "لا يستطيع أن يمنع" ، وهو خطأ من الناسخ لا يستقيم به الكلام ، وصواب قراءتها ما أثبت.

(69) في المطبوعة: "فإن كانت قبيحة حبسها..." ، وفي المخطوطة: "ذميمة" ، والصواب ما أثبت.

والدميمة: القبيحة.

(70) في المطبوعة: "أن ترثوا النساء كرهًا أقاربكم" ، وهو كلام فاسد كل الفساد ، وأساء التصرف في الخطأ الذي كان في المخطوطة ، وكان فيها: "أن ترثوا النساء أقاربكم" ، وهو سبق قلم من الناسخ ، صوابه ما أثبت.

(71) كان في المخطوطة: "فذلك لأهله نحوه وراثتهم إياه الموروث ذلك عنه من الرجال أو النساء أو رضي" ، فاستعجم على الناشر الأول للتفسير قوله: "نحوه" ولم يجد لها معنى ، فكتب الجملة: "فذلك لأهله نحو وراثتهم إياه الموروث ذلك عنه من الرجال أو النساء.

فقد علم بذلك..." جعل"نحوه""نحو" بغير هاء ، وحذف"أو رضي" ليستقيم الكلام فيما يتوهم ، ولكنه أصبح لغوًا لا معنى له!!

والصواب أن يقرأ"نحوه" -"كره" ، فيستقيم الكلام كما في المخطوطة بغير حذف.

وقد أساء ناشر المطبوعة الأولى إلى هذا الكتاب الجليل إساءة بليغة ، بما تصرف فيه ، كما رأيت في آلاف من تعليقاتي ، وكما سترى.

وغفر الله لنا وله.

(72) في المخطوطة والمطبوعة: "أن يرثوا النساء ما جعله لهم ميراثًا" ، وصواب السياق يقتضي"فيما" كما أثبتها.

(73) في المخطوطة: "وسائر ماله نافع" ، والصواب ما في المطبوعة ، وقوله: "ما له منافع" أي: وسائر الأشياء التي لها منافع ينتفع بها مالكها.

(74) في المطبوعة: "زوجته" وأثبت ما في المخطوطة.

و"البضع" (بضم الباء وسكون الضاد): فرج المرأة ، وقيل: هو الجماع ، وقيل: هو عقد النكاح.

وكلها متقاربة ، والأول أولاها ، والباقي متفرع عليه.

(75) في المخطوطة والمطبوعة: "بميراثه ذلك عنه" بالإفراد ، والصواب الجمع كما أثبته.

(76) انظر الآثار رقم: 8871 ، 8873 ، 8877 ، وما بعدها.

(77) الأثر: 8885 -"سماك بن الفضل الصنعاني" ، ثقة.

قال الثوري: لا يكاد يسقط له حديث لصحته.

و"معمر" ، هو معمر بن راشد ، يروى عنه.

و"ابن البيلماني" ، هو: عبد الرحمن بن البيلماني ، مولى عمر.

ثقة.

مضت ترجمته برقم: 4946 ، 4947.

(78) الأثر: 8886 -"عبد الله" يعني عبد الله بن المبارك.

وكان في المطبوعة: "والأخرى في الإسلام" بإسقاط"أمر".

وكذلك كتب ناسخ المخطوطة ، ولكنه زاد"أمر" في الهامش ، فأثبتها.

(79) في المطبوعة: "عبيد بن سلمان" ، وهو خطأ يكثر من ناشر المطبوعة السالفة ، والصواب من المخطوطة ، وهو إسناد دائر في التفسير.

(80) انظر تفسير الآية رقم: 232 ، في 5: 17-27.

وكان في المخطوطة: "كالعضل في سورة" وأسقط"البقرة".

(81) في المطبوعة: "فلعلها لا توافقه" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(82) انظر ما سلف 5: 24 ، 25 ، وما قبل ذلك من الآثار.

(83) قوله: "وكان الله جل ثناؤه" ، معطوف على قوله: "وكان معلومًا".

(84) قوله: "كان بينًا بذلك..." جواب"إذا" في قوله: "وإذا صح ذلك".

(85) قوله: "وصحة ما قلنا فيه" مرفوع معطوف على"خطأ" في قوله: "كان بينًا بذلك خطأ التأويل".

(86) زدت ما بين القوسين ، اتباعًا لنهج أبي جعفر في تفسير الآي السالفة كلها.

(87) في المطبوعة والمخطوطة: "ولا تعضلوهن" بإسقاط"أن" ، وهو خطأ ، يدل عليه قوله بعد: "وكذلك هي في حرف ابن مسعود" - وقراءة ابن مسعود: { ولا أن تعضلوهن } وانظر معاني القرآن للفراء 1: 259.

(88) انظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1: 259.

(89) في المخطوطة بعد: "ليفتدين منكم" ما نصه: "ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن" ، وهو تكرار أحسن الناشر الأول إذ حذفه.

(90) انظر تفسير"الفاحشة" و"الفحشاء" فيما سلف: 73 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(91) في المخطوطة: "إذا رأى الرجل امرأته فاحشة" والصواب ما في المطبوعة.

(92) في المخطوطة: "تفتدي سلها" غير بينة ، وصواب قراءتها فيما أرجح"نفسها".

أما المطبوعة ، فقد حذف الكلمة كلها ، وجعل الفعل"لتفتدي".

(93) الأثر: 8900 - مضى برقم: 4828 ، وانظر التعليق عليه هناك.

في المخطوطة: "فقد حل لك ما أخذت منك" وفوق"منك""ط" علامة الخطأ ، وقد صححه ناشر المطبوعة الأول من الدر المنثور 2: 132 ، وقد مضى في الإسناد السالف على الصواب.

وكان هنا"إذا عضلت وآذتك" ، وصوابه من الإسناد السالف ، كما بينته هناك.

(94) الأثر: 8901 -"مطرف بن طريف الحارثي" ، روى عن الشعبي وأبي إسحاق السبيعي ، وغيرهما ثقة.

مترجم في التهذيب.

"وخالد" هو: "خالد بن أبي نوف السجستاني" ، يروي عن ابن عباس مرسلا ، وروى عن عطاء بن أبي رباح ، والضحاك بن مزاحم.

وهو ثقة.

مترجم في التهذيب.

(95) في المطبوعة: "عبيد بن سلمان" ، وهو خطأ كثر جدًا في المطبوعة ، صوابه من المخطوطة ، وهو إسناد دائر في التفسير ، فلن أشير إلى تصحيحه بعد هذه المرة.

(96) في المطبوعة: "بذاءة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، و"البذاء" و"البذاءة" واحد.

(97) في المطبوعة: " مبينة ظاهرة" ، وهو لفظ الآية ، وفي المخطوطة سيئة الكتابة ، فرأيت الأجود أن تكون"متبينة" ، فأثبتها كذلك.

(98) في المطبوعة والمخطوطة: "فلكل زوج امرأة" ، والسياق يقتضي"فلكل" ، لقوله بعد"فله عضلها".

(99) في المخطوطة: "بأن معاني فواحش أتت" ، وهو تصحيف ، وفي المطبوعة: "بأي معاني فواحش أتت" ، فأصاب ، ولكنه أغفل أن يجعل"فواحش""الفواحش" لتستقيم عربية الكلام.

(100) قوله: "بظاهر كتاب الله" متعلق بقوله آنفًا": "فكل زوج امرأة...

فله عضلها...

بظاهر كتاب الله" وهكذا السياق.

(101) الحديث: 8905 -"يونس بن سليمان البصري" - شيخ الطبري: هكذا ثبت اسمه في هذا الموضع.

ولم أجد في شيوخ الطبري من يسمى بهذا ، بل لم أجد ذلك في سائر الرواة فيما عندي من المراجع.

والراجح - فيما أرى - بل أكاد أوقن أنه محرف عن"يوسف بن سلمان".

وقد روى عنه الطبري قطعتين من هذا الحديث ، بهذا الإسناد: 2003 ، 2365.

وهو حديث جابر - الطويل في الحج.

وهذا الحديث قطعة من حديث جابر بن عبد الله ، في صفة حجة الوداع.

وقد بينا تخريجه في: 2003.

وهذه القطعة ذكرها السيوطي 2: 132 ، منسوبة للطبري وحده!

ففاته - رحمه الله - أنها قطعة من الحديث الطويل.

(102) الحديث: 8906 - موسى بن عبد الرحمن المسروقي ، شيخ الطبري: مضت ترجمته في: 174.

وهذا الإسناد ضعيف جدًا ، من أجل"موسى بن عبيدة الربذي" ، كما بينا في: 1875 ، 1876.

والحديث ذكره السيوطي 2: 132 ، ولم ينسبه لغير الطبري.

ولم أجده في مكان آخر.

ومعناه ثابت صحيح ، بصحة حديث جابر الذي قبله هنا.

وهو ثابت أيضًا من حديث عمرو بن الأحوص الجشمي ، مرفوعًا.

رواه الترمذي وابن ماجه ، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".

كما في الترغيب والترهيب 3: 73.

وهو ثابت أيضًا من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه ، مرفوعًا.

رواه أحمد في المسند 5 : 72-73 (حلبي).

عوان جمع عانية: وهي الأسيرة ، يقول: هي عندكم بمنزلة الأسرى ، وصدق نبي الله ، هدى إلى الحق وبينه ، وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيما.

و"العانية" من: "عنا الرجل يعنو عنوًا وعناء" إذا ذل لك واستأسر ، فهو"عان".

(103) في المخطوطة والمطبوعة: "أن لا يمكن أنفسهن من أحد سواكم" ، وفي المخطوطة كتب"لا" على سين"أنفسهن" ، كأنه كان يوشك أن يصحح الكلمة ، ثم غفل عنها ، وصواب السياق يقتضي أن تكون الجملة كما أثبتها ، وإنما سها الناسخ.

(104) انظر ما سلف رقم: 8894.

(105) انظر تفسير"المعروف" فيما سلف: 8: 13 ، والمراجع هناك ، وأتم تعريف له فيما سلف: 7: 105.

(106) هذا التفريق الذي بين"خالقوهن" و"خالطوهن" ، وتصحيح أبي جعفر ، من حسن البصر بافتراق المعاني ، وحقها في أداء معاني اللغة ، ولا سيما في تفسير ألفاظها.

(107) في المخطوطة والمطبوعة: كتب هذه الجملة كنص الآية: "ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا" ، وليس ذلك بشيء ، بل السياق يقتضي أن يجعل"فيه" ، "في كرهه" ، لأنه تأويل معنى قوله إن"الهاء" في"فيه" كناية من مصدر"تكرهوا".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرافيه ثمان مسائل :الأولى : قوله تعالى : لا يحل لكم أن ترثوا النساء هذا متصل بما تقدم ذكره من الزوجات .

والمقصود نفي الظلم عنهن وإضرارهن ؛ والخطاب للأولياء .

وأن في موضع رفع ب " يحل " أي : لا يحل لكم وراثة النساء .

وكرها مصدر في موضع الحال .

واختلفت الروايات وأقوال المفسرين في سبب نزولها ؛ فروى البخاري عن ابن عباس يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك .

وأخرجه أبو داود بمعناه .

وقال الزهري وأبو مجلز : كان من عادتهم إذا مات الرجل يلقي ابنه من غيرها أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها ؛ فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت ، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا ؛ وإن شاء عضلها لتفتدي منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها ، فأنزل الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها .

فيكون المعنى : لا يحل لكم أن ترثوهن من [ ص: 84 ] أزواجهن فتكونوا أزواجا لهن .

وقيل : كان الوارث إن سبق فألقى عليها ثوبا فهو أحق بها ، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها ؛ قاله السدي .

وقيل : كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي منه بمالها أو تموت فيرث مالها .

فنزلت هذه الآية .

وأمر الزوج أن يطلقها إن كره صحبتها ولا يمسكها كرها ؛ فذلك قوله تعالى : لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها .

والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم ، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال .

" وكرها " بضم الكاف قراءة حمزة والكسائي ، الباقون بالفتح ، وهما لغتان .

وقال القتبي : الكره ( بالفتح ) بمعنى الإكراه ، والكره ( بالضم ) المشقة .

يقال : لتفعل ذلك طوعا أو كرها ، يعني طائعا أو مكرها .

والخطاب للأولياء .

وقيل : لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية إرثها ، أو يفتدين ببعض مهورهن ، وهذا أصح .

واختاره ابن عطية قال : ودليل ذلك قوله تعالى : إلا أن يأتين بفاحشة وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعا من الأمة ، وإنما ذلك للزوج ، على ما يأتي بيانه في المسألة بعد هذا .الثانية : قوله تعالى : ولا تعضلوهن قد تقدم معنى العضل وأنه المنع في " البقرة " .إلا أن يأتين بفاحشة اختلف الناس في معنى الفاحشة ؛ فقال الحسن : هو الزنا ، وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة ، وترد إلى زوجها ما أخذت منه .

وقال أبو قلابة ؛ إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه .

وقال السدي : إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن .

وقال ابن سيرين وأبو قلابة : لا يحل له أن يأخذ منها فدية إلا أن يجد على بطنها رجلا ، قال الله تعالى : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة .

وقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك وقتادة : الفاحشة المبينة في هذه الآية البغض والنشوز ، قالوا : فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها ؛ وهذا هو مذهب مالك .

قال ابن عطية : إلا أني لا أحفظ له نصا في الفاحشة في الآية .

وقال قوم : الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا ؛ وهذا في معنى النشوز .

ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع ؛ إلا أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركونا إلى قوله تعالى : لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن .

وقال مالك وجماعة من أهل العلم : للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك .

قال ابن عطية : والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى ، وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال .قال أبو عمر : قول ابن سيرين وأبي قلابة عندي ليس بشيء ؛ لأن الفاحشة قد تكون البذاء والأذى ؛ ومنه قيل للبذيء : فاحش ومتفحش ، وعلى أنه لو اطلع منها على الفاحشة كان له لعانها ، وإن شاء طلقها ؛ وأما أن يضارها حتى تفتدي منه بمالها فليس له ذلك ، ولا أعلم أحدا قال : له أن يضارها ويسيء إليها [ ص: 85 ] حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير أبي قلابة .

والله أعلم .وقال الله عز وجل : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله يعني في حسن العشرة والقيام بحق الزوج وقيامه بحقها فلا جناح عليهما فيما افتدت به وقال الله عز وجل : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا فهذه الآيات أصل هذا الباب .وقول رابع إلا أن يأتين بفاحشة مبينة إلا أن يزنين فيحبسن في البيوت ، فيكون هذا قبل النسخ ، وهذا في معنى قول عطاء ، وهو ضعيف .الثالثة : وإذا تنزلنا على القول بأن المراد بالخطاب في العضل الأولياء ففقهه أنه متى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها .

إلا الأب في بناته ؛ فإنه إن كان في عضله صلاح فلا يعترض ، قولا واحدا ، وذلك بالخاطب والخاطبين وإن صح عضله ففيه قولان في مذهب مالك : أنه كسائر الأولياء ، يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه .

والقول الآخر - لا يعرض له :الرابعة : يجوز أن يكون تعضلوهن جزما على النهي ، فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى ، ويجوز أن يكون نصبا عطفا على أن ترثوا فتكون الواو مشتركة عطفت فعلا على فعل .

وقرأ ابن مسعود ولا أن تعضلوهن فهذه القراءة تقوي احتمال النصب ، وأن العضل مما لا يجوز بالنص .الخامسة : قوله تعالى : " مبينة " بكسر الياء قراءة نافع وأبي عمرو ، والباقون بفتح الياء .

وقرأ ابن عباس " مبينة " بكسر الباء وسكون الياء ، من أبان الشيء ، يقال : أبان الأمر بنفسه ، وأبنته وبين وبينته ، وهذه القراءات كلها لغات فصيحة .السادسة : قوله تعالى : وعاشروهن بالمعروف أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة .

والخطاب للجميع ، إذ لكل أحد عشرة ، زوجا كان أو وليا ؛ ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج ، وهو مثل قوله تعالى : فإمساك بمعروف وذلك توفية حقها من المهر والنفقة ، وألا يعبس في وجهها بغير ذنب ، وأن يكون منطلقا في القول لا فظا ولا غليظا ولا مظهرا ميلا إلى غيرها .

والعشرة : المخالطة والممازجة .

ومنه قول طرفة : [ ص: 86 ]فلئن شطت نواها مرة لعلى عهد حبيب معتشر.

جعل الحبيب جمعا كالخليط والغريق .

وعاشره معاشرة ، وتعاشر القوم واعتشروا .

فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على الكمال ، فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش .

وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القضاء .

وقال بعضهم : هو أن يتصنع لها كما تتصنع له .

قال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي : أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية ، فقلت : ما هذا ؟

قال : إن هذه الملحفة ألقتها علي امرأتي ودهنتني بالطيب ، وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن .

وقال ابن عباس رضي الله عنه : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين المرأة لي .

وهذا داخل فيما ذكرناه .

قال ابن عطية : وإلى معنى الآية ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم : فاستمتع بها وفيها عوج أي لا يكن منك سوء عشرة مع اعوجاجها ؛ فعنها تنشأ المخالفة وبها يقع الشقاق ، وهو سبب الخلع .السابعة : استدل علماؤنا بقوله تعالى : وعاشروهن بالمعروف على أن المرأة إذا كانت لا يكفيها خادم واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها ، كابنة الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد ، وأن ذلك هو المعاشرة بالمعروف .

وقال الشافعي وأبو حنيفة : لا يلزمه إلا خادم واحد - وذلك يكفيها خدمة نفسها ، وليس في العالم امرأة إلا وخادم واحد يكفيها ؛ وهذا كالمقاتل تكون له أفراس عدة فلا يسهم له إلا لفرس واحد ؛ لأنه لا يمكنه القتال إلا على فرس واحد .

قال علماؤنا : وهذا غلط ؛ لأن مثل بنات الملوك اللاتي لهن خدمة كثيرة لا يكفيها خادم واحد ؛ لأنها تحتاج من غسل ثيابها لإصلاح مضجعها وغير ذلك إلى ما لا يقوم به الواحد ، وهذا بين .

والله أعلم .الثامنة : قوله تعالى : فإن كرهتموهن أي لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز ؛ فهذا يندب فيه إلى الاحتمال ، فعسى أن يئول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادا صالحين .

وأن رفع ب عسى وأن والفعل مصدر .قلت : ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر أو قال غيره .

المعنى : أي لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها .

أي لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها [ ص: 87 ] لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يحب .

وقال مكحول : سمعت ابن عمر يقول : إن الرجل ليستخير الله تعالى فيخار له ، فيسخط على ربه عز وجل فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له .

وذكر ابن العربي قال أخبرني أبو القاسم بن حبيب بالمهدية ، عن أبي القاسم السيوري عن أبي بكر بن عبد الرحمن حيث قال : كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة .

وكانت له زوجة سيئة العشرة وكانت تقصر في حقوقه وتؤذيه بلسانها ؛ فيقال له في أمرها ويعذل بالصبر عليها ، فكان يقول : أنا رجل قد أكمل الله علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني ، فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها .

قال علماؤنا : في هذا دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن الله لا يكره شيئا أباحه إلا الطلاق والأكل وإن الله ليبغض المعى إذا امتلأ .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كانوا في الجاهلية إذا مات أحدهم عن زوجته، رأى قريبُه كأخيه وابن عمه ونحوهما أنه أحق بزوجته من كل أحد، وحماها عن غيره، أحبت أو كرهت.

فإن أحبها تزوجها على صداق يحبه دونها، وإن لم يرضها عضلها فلا يزوجها إلا من يختاره هو، وربما امتنع من تزويجها حتى تبذل له شيئًا من ميراث قريبه أو من صداقها، وكان الرجل أيضا يعضل زوجته التي يكون يكرهها ليذهب ببعض ما آتاها، فنهى الله المؤمنين عن جميع هذه الأحوال إلا حالتين: إذا رضيت واختارت نكاح قريب زوجها الأول، كما هو مفهوم قوله: { كَرْهًا } وإذا أتين بفاحشة مبينة كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها لزوجها فإنه في هذه الحال يجوز له أن يعضلها، عقوبة لها على فعلها لتفتدي منه إذا كان عضلا بالعدل.

ثم قال: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها في ذلك الزمان والمكان، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال.

{ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } أي: ينبغي لكم -أيها الأزواج- أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا.

من ذلك امتثال أمر الله، وقبولُ وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة.

ومنها أن إجباره نفسَه -مع عدم محبته لها- فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة.

وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك.

وربما رزق منها ولدا صالحا نفع والديه في الدنيا والآخرة.

وهذا كله مع الإمكان في الإمساك وعدم المحذور.

فإن كان لا بد من الفراق، وليس للإمساك محل، فليس الإمساك بلازم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام ، إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألقى ثوبه على تلك المرأة وعلى خبائها ، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره ، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت ، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها لتفتدي منه بما ورثته من الميت ، أو تموت هي فيرثها ، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها ، فكانوا على هذا حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية ، فقام ابن له من غيرها يقال له حصن ، وقال مقاتل بن حيان : اسمه قيس بن أبي قيس ، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها ، ثم تركها ولم ينفق عليها ، يضارها لتفتدي منه ، فأتت كبيشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي ، فقال : " اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله " ، فأنزل الله تعالى هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) .

قرأ حمزة والكسائي : كرها بضم الكاف ، هاهنا وفي التوبة وقرأ الباقون بالفتح ، قال الكسائي : هما لغتان .

قال الفراء : الكره بالفتح ما أكره عليه ، وبالضم ما كان من قبل نفسه من المشقة .

( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) أي : لا تمنعوهن من الأزواج لتضجر فتفتدي ببعض مالها ، قيل : هذا خطاب لأولياء الميت ، والصحيح أنه خطاب للأزواج .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ساق إليها من المهر ، فنهى الله تعالى عن ذلك ، ثم قال : ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم .

واختلفوا في الفاحشة ، قال ابن مسعود وقتادة : هي النشوز ، وقال بعضهم وهو قول الحسن : هي الزنا ، يعني : المرأة إذا نشزت ، أو زنت حل للزوج أن يسألها الخلع ، وقال عطاء : كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها ، فنسخ الله تعالى ذلك بالحدود .

وقرأ ابن كثير وأبو بكر " مبينة ومبينات " بفتح الياء ، ووافق أهل المدينة والبصرة في " مبينات " والباقون بكسرها ، .

( وعاشروهن بالمعروف ) قال الحسن : رجع إلى أول الكلام ، يعني ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ( وعاشروهن بالمعروف ) والمعاشرة بالمعروف : هي الإجمال في القول والمبيت والنفقة ، وقيل : هو أن يتصنع لها كما تتصنع له ، ( فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) قيل : هو ولد صالح ، أو يعطفه الله عليها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيُّها الذين آمنوا لا يحلُّ لكم أن ترثوا النساء» أي ذاتهن «كرها» بالفتح والضم لغتان أي مكرهيهن على ذلك كانوا في الجاهلية يرثون نساء أقربائهم فإن شاءوا تزوجوهن بلا صداق أو زوَّجوهن وأخذوا صداقهن أو عضلوهن حتى يفتدين بما ورثنه أو يمتن فيرثوهن فنُهوا عن ذلك «ولا» أن «تعضلوهن» أي تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهن ولا رغبة لكم فيهن ضرارا «لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن» من المهر «إلا أن يأتين بفاحشة مبيَّنة» بفتح الياء وكسرها أي بينت أو هي بينة أي زنا أو نشوز فلكم أن تضاروهن حتى يفتدين منكم ويختلعن «وعاشروهن بالمعروف» أي بالإجمال في القول والنفقة والمبيت «فإن كرهتموهن» فاصبروا «فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا» ولعله يجعل فيهن ذلك بأن يرزقكم منهن ولدا صالحا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين آمنوا لا يجوز لكم أن تجعلوا نساء آبائكم من جملة تَرِكتهم، تتصرفون فيهن بالزواج منهن، أو المنع لهن، أو تزويجهن للآخرين، وهن كارهات لذلك كله، ولا يجوز لكم أن تضارُّوا أزواجكم وأنتم كارهون لهن؛ ليتنازلن عن بعض ما آتيتموهن من مهر ونحوه، إلا أن يرتكبن أمرا فاحشا كالزنى، فلكم حينئذ إمساكهن حتى تأخذوا ما أعطيتموهن.

ولتكن مصاحبتكم لنسائكم مبنية على التكريم والمحبة، وأداء ما لهن من حقوق.

فإن كرهتموهن لسبب من الأسباب الدنيوية فاصبروا؛ فعسى أن تكرهوا أمرًا من الأمور ويكون فيه خير كثير.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه القرآن نداء عاما إلى المؤمنين نهاهم فيه عما كان شائعا فى الجاهلية من ظلم للنساء؛ وإهدار لكرامتهن ، وأمرهم بحسن معاشرتهن ، وبعدم أخذ شئ من حقوقهن فقال - تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الذين .

.

.

.

.

مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) .قال القرطبى عند تفسيره للآية الأولى : اختلفت الروايات وأقوال المفسرين فى سبب نزولها؛ فروى البخارى عن ابن عباس قال : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ) .وقال الزهرى وأبو مجلز : كان من دعاتهم إذا مات الرجل يلقى ابنه من غيرها أو أقرب عصبة ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها ، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذى أصدقها الميت .

وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا ، وإن شاء عضلها لتفتدى منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها .

فأنزل الله هذه الآية : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ) .

الآية .وقيل : كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدى منه بمالها أو تموت فيرث مالها فنزلت هذه الآية .ثم قال القرطبى : والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه فى جاهليتهم ، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال .

.وهناك روايات أخرى فى سبب نزول هذه الآية هذه الآية ساقها ابن جرير وابن كثير وغيرهما ، وهى قريبة فى معناها ، مما أورده القرطبى ، لذا اكتفينا بما ساقه القرطبى .وكلمة ( كَرْهاً ) قرأها حمزة والكسائى بضم الكاف .

وقرأها الباقون بفتحها قال الكسائى : وهما لغتان بمعنى واحد .

وقال الفراء : الكره - بفتح الكاف - بمعنى الإِكراه .

وبالضم بمعنى المشقة .

فما أكره عليه الإِنسان فهو كره - بالفتح - وما كان من جهة نفسه فهو كره - بالضم - .والمعنى : يأيها الذين آمنوا وصدقوا بالحق الذى جاءهم من عند الله ، لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإِرث وهو كارهات لذلك أو مكرهات عليه ، لأن هذا الفعل من أفعال الجاهلية التي حرمها الإِسلام لما فيها من ظلم للمرأة وإهانة لكرامتا .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا ، ويظلموهن بأنواع من الظلم ، فزجروا عن ذلك .

فقيل : ( لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ) أى : أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكروهات .وقد وجه - سبحانه - النداء إلى المؤمنين فقال : ( أَيُّهَا الذين آمَنُواْ ) ليعم الخطاب جميع الأمة ، فيأخذ لك مكلف فيها بحظه منه سواء أكان هذا المكلف من أولياء المرأة أم من الأزواج أم من الحكام من غيرهم .

وفى مخاطبتهم بصفة الإِيمان تحريك لحرارة العقيدة فى قلوبهم ، وتحريض لهم على الاستجابة إلى ما يقتضيه الإِيمان من طاعة لشريعة الله - تعالى - .وصيغة ( لاَ يَحِلُّ لَكُمْ ) صيغة تحريم صريح؛ لأن الحل هو الإِباحة فى لسان العرب ولسان الشريعة .

فنفيه يراجف معنى التحريم .وليس النهى فى قوله : ( لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ) منصبا على إرث أموالهن كما هو المعتاد ، وإنما النهى منصب على إرث المراة ذاتها كما كانوا يفعلون فى الجاهلية؛ إذ كانوا يجعلون ذات المرأة كالمال فيرثونها من قريبهم كما يرثون ماله .وقوله ( كَرْهاً ) مصدر منصوب على أنه حال من النساء .

أى حال كونهن كارهات لذلك أو مكروهات عليه .والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه ، لأن تخصيص الشئ بالذكر لا يدل على نفى ما عداه ، كما فى قوله - تعالى - : ( وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ) وقوله : ( وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ) نهى آخر عن بعض الأعمال السيئة التى كان أهل الجاهلية يعاملون بها المرأة .

وهو معطوف على قوله : ( أَن تَرِثُواْ .

.

.

) .

وأعيد حرف " لا " للتوكيد .أى : لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ، ولا يحل لكم أن تعضلوهن .وأصل العضل : التضييق والحبس والمنع .

يقال : عضلت الناقة بولدها ، إذا نشب فى بطنها وتعسر عليه الخروج .

وهو : أعضل به الأمر ، إذا اشتد وتعسر .والمراد به هنا : منع المرأة من الزواج والتضييق عليها فى ذلك ، سواء أكان هذا المنع والتضييق من الزوج أم من غيره .أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ) .يقول : ولا تقهروهن لتذهبوا ببعض ما آيتموهن ، يعنى الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيؤذيها لتفتدى - أى : لتفتدى نفسها منه بأن تترك له مالها عليه من مهر أو مال - .وقيل : كان أولياء الميت يمنعون زوجته من التزوج بمن شاءت ، ويتركونها على ذلك حتى تدفع لهم ما أخذت من ميراث الميت ، أو حتى تموت فيرثوها .والمعنى : لا يحل لكم - أيها المؤمنون - أن ترثوا النساء كرها ، ولا أن تمنعوهن من الزواج ( لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ ) من الصداق أو غيره ، بأن يدفعن إليكم بعضه اضطراراً فتأخذوه منهن ، فإن هذا الفعل يبغضه الله - تعالى - .ويبدو لنا من سياق الآية أن النهى عن عضل المرأة هنا - وإن كان يتناول جميع المكلفين - ، إلا أن المعنى به الأزواج ابتداء ، لأنهم - فى الغالب - هم الذين كانوا يفعلون ذلك .ولذا قال ابن جرير - بعد أن ذكر الأقوال فى المعنى بالخطاب فى قوله : ( وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ) .وأولى الأقوال التى ذكرناها بالصحة فى تأويل قوله : ( وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ) قول من قال : " نهى الله زوج المرأة عن التضييق عليها ، والإِضرار بها ، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محب ، لتفتدى منه ببعض ما آتاها من الصداق " .وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة ، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل المرأة إلا لأحد رجلين : إما لزوجها بالتضييق عليها .

.

ليأخذ منها ما آتاها .

.

.

أو لوليها الذى إليه إنكاحها .

ولما كان الولى معلوما أنه ليس ممن آتاها شيئا .

كان معلوما أن الذى عنى الله - تعالى - بنهييه عن عضلها هو زوجها الذى له السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدى منه .والاستثناء فى قوله ( إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ) متصل من أعم العلل والأسباب ، أى لا تعضلوهن لعلة من العلل أو لسبب من الأسباب إلا أن يأتين بفاحشة مبينة .

لسوء أخلاقهن ، وكاشفة عن أحوالهن .

كالزنا والنشوز ، وسوء الخلق ، وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء وفحش القول ونحوه ، فلكم العذر فى هذه الأحوال فى طلب الخلع منهن ، وأخذ ما أتيتموهن من المهر لوجود السبب من جهتهن لا من جهتكم .والأصل فى هذا الحكم قوله - تعالى - ( وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا ) ويرى بعضهم أن الاستثناء هنا منقطع فيكون المعنى : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن لكن إن يأتين بفاحشة مبينة يحل لكم أخذ المهر الذى آتيتموهن إياه أو أخذ بعضه .ثم أمر الله - تعالى - الرجال - وخصوصا الأزواج - بحسن معاشرة النساء فقال : ( وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ) .والمعاشرة : مفاعلة من العشرة وهى المخالطة والمصاحبة .أى : وصاحبوهن وعاملوهن بالمعروف ، أى بما حض عليه الشرع وارتضاه العقل من الأفعال الحميدة ، والأقوال الحسنة .قال ابن كثير : قوله - تعالى - ( وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ) أى : طيبوا أقوالاكم لهن ، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم .

كما تحب ذلك منها ، فافعل أنت مثله .

كما قال - تعالى - ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعروف ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى " وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة ، دائم البشر ، يداعب أهله ، ويتلطف بهم ، ويضاحك نساءه .

حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين - رضى الله عنها - يتودد إليها بذلك .

قالت : سابقنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته .

وذلك قبل أن أحمل اللحم .

ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقنى .

فقال : هذه بتلك .

وكان صلى الله عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة فى بيت التي يبيت عندها فيأكل معهن العشاء فى بعض الأحيان ، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها .

وكان ينام مع المرأة من نسائه فى شعار واحد .

يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإِزار .وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلا قبل أن ينام .يؤانس بذلك صلى الله عليه وسلم .

وقد قال - تعالى - ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) هذا ، وللإِمام الغزالى كلام حسن فى كتابه الإِحياء عند حديثه عن آداب معاشرة النساء ، فقد قال ما ملخصه : ومن آداب المعاشرة حسن الخلق معهن ، واحتمال الأذى منهن ، ترحما عليهن ، لقصور عقلهن .

قال - تعالى - : ( وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ) وقال فى تعظيم حقهن : ( وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) .ثم قال : واعلم أنه حسن الخلق معها كف الأذى عنها ، بل احتمال الأذى منها ، والحلم عن طيشها وغضبها ، اقتداء برسولا لله صلى الله عليه وسلم .

فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام .

ومن آداب المعاشرة - أيضا - أن يزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة والمزح والملاعبة ، فهى التى تطيب قلوب النساء .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن فى الأعمال .وقال عمر - رضى الله عنه - ينبغى للرجل أن يكون فى أهله مثل الصبى .

فإذا التمسوا ما معنده وجدوه رجلا .وكان ابن عباس - رضى الله عنه - يقول : " إنى - لأتزين لامرأتى كما تتزين لى " .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أنه لا يصح للرجال أن يسترسلوا فى كراهية النساء إن عرضت لهم أسباب الكراهية ، بل عليهم أن يغلبوا النظر إلى المحاسن ، ويتغاضوا عن المكاره فقال : - تعالى - : ( فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) .أى : فإن كرهتم صحبتهن وإمساكهن فلا تتعجلوا فى مفارقتهن ، فإنه عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله لكم فى الصبر عليه وعدم إنفاذه خيراً كثيراً فى الدنيا والآخرة .فالآية الكريمة ترشد إلى حكم عظيمة منها أن على العاقل أن ينظر إلى الحياة الزوجية من جميع نواحيها ، لا من ناحية واحدة منها وهى ناحية البغض والحب .

.

وأن ينظر فى العلاقة التى بينه وبين زوجه بعين العقل والمصلحة المشتركة ، لا بعين الهوى .

.

وأن يحكم دينه وضميره قبل أن يحكم عاطفته ووجدانه .

فربما كرهت النفس ما هو أصلح فى الدين وأحمد وأدنى إلى الخير ، وأحبت ما هو بضد ذلك ، وربما يكون الشئ الذى كرهته اليوم ولكنها لم تسترسل فى كراهيته سيجعل الله فيه خيراً كثيراً فى المستقبل .

قال - تعالى - ( وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) قال القرطبى : روى الإِمام مسلم فى صحيح عن أبى هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يفرك مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خلقاً رضى منها آخر " أى : لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها .أى لا ينبغى له ذلك ، بل يغفر سيئتها لحسنتها ، ويتغاضى عما يكره لما يجب - والفرك البغض الكلى الذى تنسى مع كل المحاسن - .وقال مكحول : سمعت ابن عمر رضى الله عنهما - يقول : إن الرجل ليستخير الله - تعالى - فيخار له ، فيسخط على ربه - عز وجل - فلا يلبث أن ينظر فى العاقبة فإذا هو قد خير له .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بعد وصف التوبة عاد الى أحكام النساء، واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يؤذون النساء بأنواع كثيرة من الايذاء، ويظلمونهن بضروب من الظلم، فالله تعالى نهاهم عنها في هذه الآيات.

فالنوع الأول: قوله تعالى: ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: كان الرجل في الجاهلية اذا مات وكانت له زوجة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه على المرأة وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله، فصار أحق بها من سائر الناس ومن نفسها، فان شاء تزوجها بغير صداق، إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وبين أن ذلك حرام وأن الرجل لا يرث امرأة الميت منه، فعلى هذا القول المراد بقوله: ﴿ أَن تَرِثُواْ النساء ﴾ عين النساء، وأنهن لا يورثن من الميت.

والقول الثاني: ان الوراثة تعود الى المال، وذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها من الأزواج حتى تموت فيرثها مالها، فقال تعالى: لا يحل لكم أن ترثوا أموالهن وهن كارهات.

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي ﴿ كَرْهاً ﴾ بضم الكاف، وفي التوبة ﴿ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً  ﴾ وفي الأحقاف ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً  ﴾ كل ذلك بالضم، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم، والباقي بالفتح، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالفتح في جميع ذلك، قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، وقال الفراء: الكره بالفتح الاكراه، وبالضم المشقة، فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه فهو كره بالضم.

النوع الثاني: من الأشياء التي نهى الله عنها مما يتعلق بالنساء قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في محل ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ قولان: الأول: انه نصب بالعطف على حرف أن تقديره: ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا أن تعضلوهن في قراءة عبدالله، والثاني: أنه جزم بالنهي عطفا على ما تقدم تقديره، ولا ترثوا ولا تعضلوا.

المسألة الثانية: العضل: المنع، ومنه الداء العضال، وقد تقدم الاستقصاء فيه في قوله: ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أزواجهن  ﴾ .

المسألة الثالثة: المخاطب في قوله: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ من هو؟

فيه أقوال: الأول: أن الرجل منهم قد كان يكره زوجته ويريد مفارقتها، فكان يسيء العشرة معها ويضيق عليها حتى تفتدي منه نفسها بمهرها، وهذا القول اختيار أكثر المفسرين، فكأنه تعالى قال: لا يحل لكم التزوج بهن بالاكراه، وكذلك لا يحل لكم بعد التزوج بهن العضل والحبس لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن.

الثاني: أنه خطاب للوارث بأن يترك منعها من التزوج بمن شاءت وأرادت، كما كان يفعله أهل الجاهلية وقوله: ﴿ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ معناه أنهم كانوا يحبسون امرأة الميت وغرضهم أن تبذل المرأة ما أخذت من ميراث الميت.

الثالث: أنه خطاب للأولياء ونهى لهم عن عضل المرأة.

الرابع: أنه خطاب للأزواج.

فانهم في الجاهلية كانوا يطلقون المرأة وكانوا يعضلونهن عن التزوج ويضيقون الأمر عليهن لغرض أن يأخذوا منهن شيئا.

الخامس: أنه عام في الكل.

أما قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في الفاحشة المبينة قولان: الأول: أنها النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله، والمعنى إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب: إلا أن يفحش عليكم.

والقول الثاني: أنها الزنا، وهو قول الحسن وأبي قلابة والسدي.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ ﴾ استثناء من ماذا؟

فيه وجوه: الأول: انه استثناء من أخذ الأموال، يعني لا يحل له أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه إلا إذا زنت، والقائلون بهذا منهم من قال: بقي هذا الحكم وما نسخ، ومنهم من قال: انه منسوخ بآية الجلد.

الثاني: أنه استثناء من الحبس والامساك الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت  ﴾ وهو قول أبي مسلم وزعم أنه غير منسوخ.

الثالث: يمكن أن يكون ذلك استثناء من قوله: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ لأن العضل هو الحبس فدخل فيه الحبس في البيت، فالأولياء والأزواج نهوا عن حبسهن في البيوت إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فعند ذلك يحل للأولياء والأزواج حبسهن في البيوت.

المسألة الثالثة: قرأ نافع وأبو عمرو ﴿ مُّبَيّنَةٍ ﴾ بكسر الياء و ﴿ آيات مبينات  ﴾ بفتح الياء حيث كان، قال لأن في قوله: ﴿ مبينات ﴾ قصد إظهارها، وفي قوله: ﴿ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ ﴾ لم يقصد اظهارها، وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بالفتح فيهما، والباقون بكسر الياء فيهما، أما من قرأ بالفتح فله وجهان: الأول: أن الفاحشة والآيات لا فعل لهما في الحقيقة، إنما الله تعالى هو الذي بينهما.

والثاني: ان الفاحشة تتبين، فان يشهد عليها أربعة صارت مبينة، وأما الآيات فان الله تعالى بينها، وأما من قرأ بالكسر فوجهه أن الآيات إذا تبينت وظهرت صارت أسبابا للبيان وإذا صارت أسبابا للبيان جاز إسناد البيان اليها، كما أن الاصنام لما كانت أسبابا للضلال حسن اسناد الاضلال اليها كقوله تعالى: ﴿ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس  ﴾ .

النوع الثالث: من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء قوله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ وكان القوم يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم: وعاشروهن بالمعروف، قال الزجاج: هو النصفة في المبيت والنفقة، والاجمال في القول.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ أي كرهتم عشرتهن بالمعروف وصحبتهن، وآثرتم فراقهن ﴿ فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ والضمير في قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ إلى ماذا يعود؟

فيه وجهان: الأول: المعنى انكم إن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف فعسى أن يكون في صحبتهن الخير الكثير ومن قال بهذا القول فتارة فسر الخير الكثير بولد يحصل فتنقلب الكراهة محبة، والنفرة رغبة وتارة بأنه لما كره صحبتها ثم إنه يحمل ذلك المكروه طلبا لثواب الله، وأنفق عليها وأحسن اليها على خلاف الطبع، استحق الثواب الجزيل في العقبى والثناء الجميل في الدنيا.

الثاني: أن يكون المعنى إن كرهتموهن ورغبتم في مفارقتهن، فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيرا كثيرا، وذلك بأن تتخلص تلك المرأة من هذا الزوج وتجد زوجا خيراً منه، ونظيره قوله: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ  ﴾ وهذا قول أبي بكر الأصم، قال القاضي: وهذا بعيد لأنه تعالى حث بما ذكر على سبيل الاستمرار على الصحبة، فكيف يريد بذلك المفارقة.

النوع الرابع: من التكاليف المتعلقة بالنساء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان يبلون النساء بضروب من البلايا ويظلمونهن بأنواع من الظلم، فزجروا عن ذلك: كان الرجل إذا مات له قريب من أب أو أخ أو حميم عن امرأة، ألقي ثوبه عليها وقال أنا أحق بها من كلّ أحد.

فقيل ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً ﴾ أي أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك، أو مكرهات.

وقيل: كان يمسكها حتى تموت.

فقيل: لا يحل لكم أن تمسكوهنّ حتى ترثوا منهنّ وهنّ غير راضيات بإمساككم.

وكان الرجل إذا تزوّج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة والقهر.

لتفتدي منه بمالها وتختلع، فقيل: ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ.

والعضل: الحبس والتضييق.

ومنه: عضلت المرأة بولدها، إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ ﴾ وهي النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة، أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع.

ويدل عليه قراءة أبيّ: ﴿ إلا أن يفحشن عليكم ﴾ ، وعن الحسن: الفاحشة الزنا، فإن فعلت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع.

وقيل: كانوا إذا أصابت امرأة فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها.

وعن أبي قلابة ومحمد بن سيرين: لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها.

وعن قتادة: لا يحل أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه، يعني وإن زنت.

وقيل: نسخ ذلك بالحدود، وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ وهو النصفة في المبيت والنفقة، والإجمال في القول: ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، ولكن للنظر في أسباب الصلاح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ كانَ الرَّجُلُ إذا ماتَ ولَهُ عُصْبَةٌ ألْقى ثَوْبَهُ عَلى امْرَأتِهِ وقالَ: أنا أحَقُّ بِها ثُمَّ إنْ شاءَ تَزَوَّجَها بِصَداقِها الأوَّلِ، وإنْ شاءَ زَوَّجَها غَيْرَهُ وأخَذَ صَداقَها، وإنْ شاءَ عَضَلَها لِتَفْتَدِيَ بِما ورِثَتْ مِن زَوْجِها، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.

وقِيلَ: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوهُنَّ عَلى سَبِيلِ الإرْثِ فَتَتَزَوَّجُوهُنَّ كارِهاتٍ لِذَلِكَ أوْ مُكْرَهاتٍ عَلَيْهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ كُرْهًا بِالضَّمِّ في مَواضِعِهِ وهُما لُغَتانِ.

وَقِيلَ بِالضَّمِّ المَشَقَّةُ وبِالفَتْحِ ما يُكْرَهُ عَلَيْهِ.

﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ عُطِفَ عَلى أنْ تَرِثُوا، ولا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ أيْ ولا تَمْنَعُوهُنَّ مِنَ التَّزْوِيجِ، وأصْلُ العَضْلِ التَّضْيِيقُ يُقالُ عَضَلَتِ الدَّجاجَةُ بِبَيْضِها.

وَقِيلَ الخِطابُ مَعَ الأزْواجِ كانُوا يَحْبِسُونَ النِّساءَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ ورَغْبَةٍ حَتّى يَرِثُوا مِنهُنَّ أوْ يَخْتَلِعْنَ بِمُهُورِهِنَّ.

وَقِيلَ تَمَّ الكَلامُ بِقَوْلِهِ كَرْهًا ثُمَّ خاطَبَ الأزْواجَ ونَهاهم عَنِ العَضَلِ.

﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ كالنُّشُوزِ وسُوءِ العِشْرَةِ وعَدَمِ التَّعَفُّفِ، والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ عامِّ الظَّرْفِ أوِ المَفْعُولِ لَهُ تَقْدِيرُهُ ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِلِافْتِداءِ إلّا وقْتَ أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ، أوْ ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِعِلَّةٍ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ مُبَيِّنَةٍ هُنا وفي الأحْزابِ والطَّلاقِ بِفَتْحِ الياءِ والباقُونَ بِكَسْرِها فِيهِنَّ.

﴿ وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ بِالإنْصافِ في الفِعْلِ والإجْمالِ في القَوْلِ.

﴿ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ أيْ فَلا تُفارِقُوهُنَّ لِكَراهَةِ النَّفْسِ فَإنَّها قَدْ تَكْرَهُ ما هو أصْلَحُ دِينًا وأكْثَرُ خَيْرًا، وقَدْ تُحِبُّ ما هو بِخِلافِهِ.

ولْيَكُنْ نَظَرُكم إلى ما هو أصْلَحُ لِلدِّينِ وأدْنى إلى الخَيْرِ، وعَسى في الأصْلِ عِلَّةٌ فَأُقِيمَ مَقامَهُ.

والمَعْنى فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فاصْبِرُوا عَلَيْهِنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

كان الرجل يرث امرأة مورثه بأن يلقي عليها ثوبه فيتزوجها بلا مهر فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} أي أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكرهات كرهات بالفتح من الكراهة وبالضم حمزة وعلي من الإكراه مصدر في موضع الحال من المفعول والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه لأن تخصيص الشئ بالذكر لا بدل على نفي ما عداه كما في قوله ولا تقتلوا أولادكم خشية املاق وكان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة لتفتدي منه بمالها وتختلع فقيل {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} وهو منصوب عطفا على أن ترثوا ولا لتأكيد النفي أي لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن أو مجزوم بالنهي على الاستئناف فيجوز الوقف حينئذ على كرها والعضل الحبس والتضييق {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتيتموهن} من المهر واللام متعلقة بتعضلوا {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة {

النساء (١٩ _ ٢١)

هى النشوز وإيداء الزوج وأهله بالبذاء أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع وعن الحسن الفاحشة الزنا فإن فعلت حل لزوجها أن يسألها الخلع {مُّبَيِّنَةٍ} وبفتح الياء مكى وأبوبكر والاستثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له كأنه قيل ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة أو ولا تعضلوهن لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم {وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف} وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ} لقبحهن أو سوء خلقهن {فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فيه} فى ذلك الشئ أو فى الكره {خيرا كثيرا} ثوبا جزيلاً أو ولداً صالحاً والمعنى فإن كرهتموهن فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها فربما كرهت النفس ما هو أصلح فى

الدين وأدلى إلى الخير وأحبت ما هو بضد ذلك ولكن للنظر في أسباب الصلاح وإنما صح قوله {فعسى أَن تَكْرَهُواْ} جزاء للشرط لأن المعنى فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة فلعل لكم فيما تكرهونه خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ لَمّا نَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ عَنْ عاداتِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرِ اليَتامى والأمْوالِ عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِنانِ بِنَوْعٍ مِن سُنَنِهِمْ في النِّساءِ أنْفُسِهِنَّ أوْ أمْوالِهِنَّ؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ إذا ماتَ وتَرَكَ جارِيَةً ألْقى عَلَيْها حَمِيمُهُ ثَوْبَهُ فَمَنَعَها مِنَ النّاسِ فَإنْ كانَتْ جَمِيلَةً تَزَوَّجَها وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً حَبَسَها حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَها، وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ وأبِي داوُدَ «كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ إنْ شاءَ بَعْضُهم تَزَوَّجَها وإنْ شاءُوا زَوَّجُوها وإنْ شاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوها فَهم أحَقُّ بِها مِن أهْلِها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كُبَيْشَةَ ابْنَةِ مَعْنِ بْنِ عاصِمٍ مِنَ الأوْسِ كانَتْ عِنْدَ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ فَتُوُفِّيَ عَنْها فَجَنَحَ عَلَيْها ابْنُهُ فَجاءَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَتْ: لا أنا ورِثْتُ زَوْجِي ولا أنا تُرِكْتِ فَأُنْكَحُ فَنَزَلَتْ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كانَ أهْلُ يَثْرِبَ إذا ماتَ الرَّجُلُ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ ورِثَ امْرَأتَهُ مَن يَرِثُ مالَهُ، فَكانَ يَعْضُلُها حَتّى يَتَزَوَّجَها أوْ يُزَوِّجَها مَن أرادَ فَنَهى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنْ ذَلِكَ.

ورُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في الرَّجُلِ يَحْبِسُ المَرْأةَ عِنْدَهُ لا حاجَةَ لَهُ بِها ويَنْتَظِرُ مَوْتَها حَتّى يَرِثَها فالنِّساءُ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرِثُوا عَلى أنْ يَكُنَّ هُنَّ المَوْرُوثاتِ، وكَرْهًا مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ النِّساءِ، وقِيلَ: مِن ضَمِيرِ ﴿ تَرِثُوا ﴾ والمَعْنى لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا نِساءَ مَوْتاكم بِطَرِيقِ الإرْثِ عَلى زَعْمِكم كَما حَلَّ لَكم أخْذُ الأمْوالِ وهُنَّ كارِهاتٌ لِذَلِكَ أوْ مُكْرَهاتٌ عَلَيْهِ، أوْ أنْتُمْ مُكْرِهُونَ لَهُنَّ، وإمّا مَفْعُولٌ أوَّلُ لَهُ، والمَعْنى: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِنَ النِّساءِ المالَ بِطَرِيقِ الإرْثِ كَرْهًا والمُرادُ مِن ذَلِكَ أمْرُ الزَّوْجِ أنْ يُطَلِّقَ مَن كَرِهَ صُحْبَتَها ولا يُمْسِكَها كَرْهًا حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَ مِنها مالَها، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( كُرْهًا ) بِالضَّمِّ في مَواضِعِهِ، ووافَقَهُما عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ في الأحْقافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ في جَمِيعِ ذَلِكَ وهُما بِمَعْنًى كالضَّعْفِ والضُّعْفِ، وقِيلَ: الكُرْهُ بِالضَّمِّ الإكْراهُ وبِالفَتْحِ الكَراهِيَةُ، وقُرِئَ لا تَحِلُّ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ لِأنَّ أنْ تَرِثُوا بِمَعْنى الوِراثَةِ كَما قُرِئَ ﴿ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَقالَةِ، وهَذا عَكْسُ تَذْكِيرٍ المَصْدَرِ المُؤَنَّثِ لِتَأْوِيلِهِ بِأنْ والفِعْلِ، فَكُلٌّ مِنهُما جارٍ في اللِّسانِ الفَصِيحِ.

﴿ ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ أصْلُ العَضْلِ التَّضْيِيقُ والحَبْسُ، ومِنهُ عَضَلَتِ المَرْأةُ بِوَلَدِها عَسُرَ عَلَيْها كَأعْضَلَتْ فَهي مُعْضِلٌ ومُعَضِّلٌ، ويُقالُ: عَضَلَ المَرْأةَ يَعْضُلُها مُثَلَّثَةً عَضْلًا وعِضْلًا وعِضْلانًا بِكَسْرِهِما، وعَضَّلَها مَنَعَها الزَّوْجُ ظُلْمًا، وعَضَلَتِ الأرْضُ بِأهْلِها غَصَّتْ قالَ أوْسٌ: تَرى الأرْضَ مِنّا بِالفَضاءِ مَرِيضَةً ”مُعَضِّلَةً“ مِنّا بِجَيْشٍ عَرَمْرَمِ و( لا ) إمّا ناهِيَةٌ عَلى ما قِيلَ والفِعْلُ مَجْزُومٌ بِها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِناءً عَلى جَوازِ عَطْفِ جُمْلَةِ النَّهْيِ عَلى جُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ كَما نُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ، أوْ بِناءً عَلى أنَّ الجُمْلَةَ الأُولى في مَعْنى النَّهْيِ إذْ مَعْناها ”لا تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا“ فَإنَّهُ غَيْرُ حَلالٍ لَكم، وإمّا نافِيَةٌ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى تَرِثُوا كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَحِلُّ مِيراثُ النِّساءِ ”كَرْهًا“ ولا عَضْلَهُنَّ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ”ولا أنْ تَعْضُلُوهُنَّ“، وأمّا جَعْلُ لا نافِيَةً غَيْرَ مَزِيدَةٍ والفِعْلُ مَعْطُوفٌ عَلى المَنصُوبِ قَبْلَهُ فَقَدْ رَدَّهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ إذا عُطِفَ فِعْلٌ مَنفِيٌّ بِلا عَلى مُثْبَتٍ وكانا مَنصُوبَيْنِ فالقاعِدَةُ أنَّ النّاصِبَ يُقَدَّرُ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ لا بَعْدَ لا ولَوْ قَدَّرَتْهُ هُنا بَعْدَ العاطِفِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ فَسَدَّ المَعْنى كَما لا يَخْفى، والخِطابُ في المُتَعاطِفَيْنِ إمّا لِلْوَرَثَةِ غَيْرِ الأزْواجِ فَقَدْ كانُوا يَمْنَعُونَ المَرْأةَ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها مِنَ التَّزَوُّجِ لِتَفْتَدِيَ بِما ورِثَتْ مِن زَوْجِها، أوْ تُعْطِيهِمْ صَداقًا أخَذَتْهُ كَما كانُوا يَرِثُونَهُنَّ كَرْهًا، والمُرادُ بِما آتَيْتُمُوهُنَّ عَلى هَذا ما أتاهُ جِنْسُكم وإلّا لَمْ يَلْتَئِمِ الكَلامُ لِأنَّ الوَرَثَةَ ما آتَوْهُنَّ شَيْئًا، وإمّا لِلْأزْواجِ فَإنَّهم كَما كانُوا يَفْعَلُونَ ما تَقَدَّمَ كانُوا يُمْسِكُونَ النِّساءَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ لَهم إلَيْهِنَّ فَيُضارُّوهُنَّ ويُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ لِيَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَوْهُنَّ بِأنْ يَخْتَلِعْنَ بِمُهُورِهِنَّ، وإلى هَذا ذَهَبَ الكَثِيرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والِالتِئامُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ الأوَّلُ لِلْوَرَثَةِ، وهَذا الخِطابُ لِلْأزْواجِ والكَلامُ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( كَرْهًا ) فَلا يُرَدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ تَسْلِيمِ القاعِدَةِ أنَّهُ لا يُخاطَبُ في كَلامٍ واحِدٍ اثْنانِ مِن غَيْرِ نِداءٍ، فَلا يُقالُ: قُمْ واقْعُدْ خِطابًا لِزَيْدٍ وعَمْرٍو، بَلْ يُقالُ: قُمْ يا زَيْدُ، واقْعُدْ يا عَمْرُو، وقِيلَ: هَذا خِطابٌ لِلْأزْواجِ ولَكِنْ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ مَنكُوحاتِهِمْ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَتْ قُرَيْشٌ بِمَكَّةَ يَنْكِحُ الرَّجُلُ مِنهُمُ المَرْأةَ الشَّرِيفَةَ فَلَعَلَّها ما تُوافِقُهُ فَيُفارِقُها عَلى أنْ لا تَتَزَوَّجَ إلّا بِإذْنِهِ فَيَأْتِي بِالشُّهُودِ فَيُكْتَبُ ذَلِكَ عَلَيْها فَإذا خَطَبَها خاطِبٌ فَإنْ أعْطَتْهُ وأرْضَتْهُ أذِنَ لَها وإلّا عَضَلَها.

والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِتَذْهَبُوا ﴾ إلَخْ أنْ يَدْفَعْنَ إلَيْكم بَعْضَ ما آتَيْتُمُوهُنَّ وتَأْخُذُوهُ مِنهُنَّ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِفِعْلِهِنَّ لِكَوْنِهِ لِصُدُورِهِ عَنِ اضْطِرارٍ مِنهُنَّ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالذَّهابِ بِهِ لا بِالأخْذِ، والإذْهابُ لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِهِ بِبَيانِ تَضَمُّنِهِ لِأمْرَيْنِ كُلٌّ مِنهُما مَحْظُورٌ شَنِيعُ الأخْذِ والإذْهابِ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الذَّهابِ مُصْطَحِبًا بِهِ؛ وذَكَرَ البَعْضَ لِيُعْلَمَ مِنهُ أنَّ الذَّهابَ بِالكُلِّ أشْنَعُ شَنِيعٍ.

﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن بَيْنِ اللّازِمِ بِمَعْنى تَبَيَّنَ أوِ المُتَعَدِّي، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ مُبَيِّنَةٍ حالَ صاحِبِها.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( مُبَيَّنَةٍ ) عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ ( مُبَيِّنَةٍ ) عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ مِن أبانَ اللّازِمِ بِمَعْنى تَبَيَّنَ أوِ المُتَعَدِّي، والمُرادُ بِالفاحِشَةِ هُنا النُّشُوزُ وسُوءُ الخُلُقِ قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ عَبّاسٍ وآخَرُونَ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ إلّا أنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكم، وفي «الدُّرِّ المَنثُورِ» نِسْبَةُ هَذِهِ القِراءَةِ لَكِنْ بِدُونَ عَلَيْكم إلى أُبِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِها الزِّنا.

وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي قِلابَةَ وابْنِ سِيرِينَ، والِاسْتِثْناءُ قِيلَ: مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: مُتَّصِلٌ وهو مِن ظَرْفِ زَمانٍ عامٍّ أيْ لا تَعْضُلُوهُنَّ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ إيتائِهِنَّ إلَخْ، أوْ مِن حالٍ عامَّةٍ أيْ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في هَذِهِ الحالِ، أوْ مِن عِلَّةٍ عامَّةٍ أيْ لا تَعْضُلُوهُنَّ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِإيتائِهِنَّ ولا يَأْبى هَذا ذِكْرَ العِلَّةِ المَخْصُوصَةِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ العُمُومَ أيْ لِلذَّهابِ وغَيْرِهِ، وذِكْرُ فَرْدٍ مِنهُ لِنُكْتَةٍ أوْ لِأنَّ العِلَّةَ المَذْكُورَةَ غائِيَّةٌ والعامَّةُ المُقَدَّرَةُ باعِثَةٌ عَلى الفِعْلِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ في الوُجُودِ.

وفِي الآيَةِ إباحَةُ الخُلْعِ عِنْدَ النُّشُوزِ لِقِيامِ العُذْرِ بِوُجُودِ السَّبَبِ مِن جِهَتِهِنَّ.

/ وحُكِيَ عَنِ الأصَمِّ أنَّ إباحَةَ أخْذِ المالِ مِنهُنَّ كانَ قَبْلَ الحُدُودِ عُقُوبَةً لَهُنَّ.

ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْهُ كانَ الرَّجُلُ إذا أصابَتِ امْرَأتُهُ فاحِشَةً أخَذَ ما ساقَ إلَيْها وأخْرَجَها فَنَسَخَ ذَلِكَ الحُدُودَ، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ أنَّ هَذا مُتَعَلِّقٌ بِالعَضْلِ بِمَعْنى الحَبْسِ والإمْساكِ، ولا تَعَرُّضَ لَهُ بِأخْذِ المالِ فَفِيهِ إباحَةُ الحَبْسِ لَهُنَّ إذا أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ وهي الزِّنا عِنْدَ الأوَّلِ والسِّحاقُ عِنْدَ الثّانِي، فالآيَةُ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ ﴾ .

﴿ وعاشِرُوهُنَّ ﴾ أيْ خالِقُوهُنَّ ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ وهو ما لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ والمُرُوءَةُ، والمُرادُ هَهُنا النَّصَفَةُ في القَسْمِ والنَّفَقَةِ، والإجْمالُ في القَوْلِ والفِعْلِ.

وقِيلَ: المَعْرُوفُ أنْ لا يَضْرِبَها ولا يُسِيءَ الكَلامَ مَعَها ويَكُونَ مُنْبَسِطَ الوَجْهِ لَها، وقِيلَ: هو أنْ يَتَصَنَّعَ لَها كَما تَتَصَنَّعُ لَهُ، واسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ مَن أوْجَبَ لَهُنَّ الخِدْمَةَ إذا كُنَّ مِمَّنْ لا يَخْدِمْنَ أنْفُسَهُنَّ، والخِطابُ لِلَّذِينِ يُسِيئُونَ العِشْرَةَ مَعَ أزْواجِهِمْ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مُرْتَبِطًا بِما سَبَقَ أوَّلَ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ وفِيهِ بُعْدٌ.

﴿ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ أيْ كَرِهْتُمْ صُحْبَتَهُنَّ وإمْساكَهُنَّ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِنَّ ما يُوجِبُ ذَلِكَ ﴿ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ﴾ كالصُّحْبَةِ والإمْساكِ.

﴿ ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ كالوَلَدِ أوِ الأُلْفَةِ الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ الكَراهَةِ، وبِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ؛ وقَدْ أُقِيمَتْ مَقامَهُ إيذانًا بِقُوَّةِ اسْتِلْزامِها إيّاهُ فَإنَّ عَسى لِكَوْنِها لِإنْشاءِ التَّرَجِّي لا تَصْلُحُ لِلْجَوابِيَّةِ وهي تامَّةٌ رافِعَةٌ لِما بَعْدَها مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ الخَبَرِ، والمَعْنى فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فاصْبِرُوا عَلَيْهِنَّ، ولا تُفارِقُوهُنَّ لِكَراهَةِ الأنْفُسِ وحْدَها، فَلَعَلَّ ”لَكم“ فِيما تَكْرَهُونَهُ ”خَيْرًا كَثِيرًا“ فَإنَّ النَّفْسَ رُبَّما تَكْرَهُ ما يُحْمَدُ وتُحِبُّ ما هو بِخِلافِهِ، فَلْيَكُنْ مَطْمَحُ النَّظَرِ ما فِيهِ خَيْرٌ وصَلاحٌ، دُونَ ما تَهْوى الأنْفُسُ، ونَكَّرَ شَيْئًا وخَيْرًا ووَصَفَهُ بِما وصَفَهُ مُبالَغَةً في الحَمْلِ عَلى تَرْكِ المُفارَقَةِ وتَعْمِيمًا لِلْإرْشادِ، ولِذا اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الطَّلاقَ مَكْرُوهٌ، وقُرِئَ ( ويَجْعَلُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ حالٌ أيْ وهو أيْ ذَلِكَ الشَّيْءُ ( يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا )، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ واللَّهِ يَجْعَلُ اللَّهُ بِوَضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، فالواوُ حِينَئِذٍ حالِيَّةٌ.

وفي دُخُولِها عَلى المُضارِعِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ: الأوَّلُ: مَنعُ دُخُولِها عَلَيْهِ إلّا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، والثّانِي: جَوازُهُ مُطْلَقًا.

والثّالِثُ: التَّفْصِيلُ بِأنَّهُ إنْ تَضَمَّنَ نُكْتَةً كَدَفْعِ إيهامِ الوَصْفِيَّةِ حَسُنَ وإلّا فَلا، ولا يَخْفى أنَّ تَقْدِيرَ المُبْتَدَأِ هُنا خِلافُ الظّاهِرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات الرجل وله امرأة وله ولد من غيرها، أو له وارث غير الابن فألقى ثوبه عليها ورث نكاحها بالصداق الأول.

ويقول: أنا ولي زوجك فورثتك.

فإن كانت جميلة أمسكها، وإن لم تكن جميلة طول عليها لتفتدي منه، فنزلت هذه الآية.

وقال في رواية الضحاك: كان الرجل عنده عجوز ونفسه تتوق إلى الشابة، فيكره فراق العجوز لمالها، فيمسكها ولا يقربها حتى تفتدي منه بمالها أو تموت، فيرث مالها، فنزلت هذه الآية، وأمر الزوج بأن يطلقها إن كره صحبتها فلا يمسكها كرهاً.

فذلك قوله تعالى: لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً قرأ عاصم وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ونافع: (كَرهاً) بنصب الكاف.

وقرأ حمزة والكسائي: (كُرها) بالضم.

قال القتبي: (الكَره) بالنصب بمعنى الإكراه، (والكُره) بالرفع المشقة، ويقال: ليفعل ذلك طوعا أو كرها، يعني طائعاً أو مكرهاً.

ثم قال تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ أي لا تمنعوهن من الأزواج لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ من المهر وغيره إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وهي المعصية في النشوز على زوجها، فيحل له ما أخذ منها.

ويقال: إلا أن تزني فيحل له أن يفتدي منها، يعني إذا كانت بطيبة نفسها.

قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر (بفاحشة مبيَنة) بنصب الياء، وقرأ الباقون (مبِّيِنة) بكسر الياء.

فمن قرأ بالكسر يعني الفعل الفاحشة يعني فاحشة ظاهرة تبين منها نفسها.

ومن قرأ بالنصب يكون بمعنى المفعول.

قال مقاتل: نزلت هذه الآية في محصن بن أبي قيس، وامرأته هند بنت المغيرة وفي جماعة.

وقال الكلبي: نزلت في حصن بن أبي قيس وامرأته كبشة بنت معن.

ثم قال تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي صاحبوهن بالجميل فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ أي كرهتم صحبتهن فَعَسى يقول فلعل أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً من صحبتكم إياهن وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً يعني في صحبتهم يرزق لكم ولداً صالحاً، وهذا كقوله عز وجل وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ويقال وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً لعله إن أمسكها فيعطفه الله عليها من بعد ذلك، وأما أن يخلي سبيلها فيزوجها الله زوجاً غيره، فيرزقها الله منه الولد.

ثم قال: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ يعني تغيير زوج مَكانَ زَوْجٍ يعني إذا أراد الرجل أن يطلق زوجته ولم يكن منها نشوز، وأراد أن يتزوج غيرها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً من الذهب في المهر.

قال مجاهد: القنطار سبعون ألف دينار.

وقال عطاء: سبعة آلاف دينار.

وقال الحسن: ألف دينار أو اثني عشرة ألف درهم.

وقال قتادة: كان يقال القنطار مائة رطل من الذهب، أو ثمانون ألفاً من ورق.

وروي عن عبد الوهاب بن عطاء عن الكلبي قال: كل ما لم أسنده لكم فهو كله عن أبي صالح عن ابن عباس.

قال: القنطار ألف مثقال مما كان من ذهب أو فضة.

ثم قال تعالى فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أي فلا تستحلوا أن تأخذوا مما أعطيتم شيئاً إذا لم يكن النشوز من قبلها.

ثم قال: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً يقول: أتستحلون أخذه ظلماً وَإِثْماً مُبِيناً أي ذنباً ظاهراً.

ثم قال تعالى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ يقول: كيف تستحلون أخذه، يعني أخذ مهورهن وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ يقول: قد اجتمعا في لحاف واحد.

قال الفراء: الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة إن لم يجامعها، أو جامعها وقد وجب المهر.

وقال الكلبي: الإفضاء إذا كان معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، فقد وجب المهر.

وروى عوف الأعرابي عن زرارة بن أبي أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق باباً وأرخى ستراً، فقد وجب المهر والعدة.

وقال مقاتل: الإفضاء الجماع.

وبهذا القول قال بعض الناس: وأما علماؤنا رحمهم الله قالوا: إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة، دخل بها أو لم يدخل بها.

ثم قال: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً يقول: أوجبن عليكم عقداً وثيقاً بالنكاح.

وهو قوله تعالى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [البقرة: 229] فصار ذلك على الرجال ميثاقاً غليظاً من النساء ثم بيّن ما يحل للرجال من النساء وما لا يحل فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأَعْتَدْنا معناه: يسّرناه وأحضرناه.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً ...

الآية: قال ابن عَبَّاس: كانوا في الجاهليَّة، إذا مات الرجُلُ كانَ أولياؤه أحَقَّ بامرأته من أهلها، إن شاءوا تزوّجها أحدهم، وإن شاءوا زوّجوها من غيرهم، وإن شاءوا مَنَعُوهَا الزَّوَاج، فنزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ «١» .

وقال بعضُ المتأوِّلين: معنى الآية: لا يحلُّ لكم عَضْل النساءِ اللواتِي أنْتُم أولياء لهنَّ، وإمساكُهُنَّ دون تزويجٍ حتى يَمُتْنَ، فتورَثُ أموالُهُنَّ.

قال ع «٢» : فعلى هذا القولِ: فالموروث مالُهَا، لا هِيَ وروي نَحْوَ هذا عن ابْنِ عَبَّاس «٣» .

وقوله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ...

الآية: قال ابنُ عبَّاس وغيره: هي أيضاً في أولئك الأولياء الذين كَانُوا يَرِثُون المرأةَ، لأنهم كانوا يتزوَّجونها إذا كانَتْ جميلةً، ويمسِكُونها حتى تموتَ إذا كانت دميمةً «٤» وقال نحوَهُ الحَسَن، وعِكْرِمَة، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً: هي في الأزواج في الرَّجُل يُمْسِكُ المرأَةَ، ويسيءُ عِشْرتها حتى تَفْتَدِيَ منه فذلك لا يحلُّ له «٥» ، وقَالَ مثلَهُ قتادةَ «٦» ، وهو أقوى الأقوال ودليل ذلك: قوله:

إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ، وإذا أتَتْ بفاحشةٍ، فليس للوليِّ حَبْسُهَا حتَّى يذهب بمالِهَا إجماعاً من الأُمَّة، وإنما ذلك للزَّوْج على ما سنبيِّنه الآن (إن شاء اللَّه) ، وكذلك قوله:

عاشِرُوهُنَّ ...

إلى آخر الآية، يظهر منه تقويةُ ما ذكرته.

واختلِفَ في معنى «الفَاحِشَةِ» هنا، فقال الحسَنُ بنُ أبي الحَسَن: هو الزِّنَا «١» ، قال أبو قِلاَبَةَ: إذا زنَتِ امرأة الرجُلِ، فلا بأس أنْ يُضارَّها، ويَشُقَّ عليها حتى تَفْتَدِيَ منْه، وقال السُّدِّيُّ: إذا فعلْنَ ذلك، فَخُذُوا مهورَهُنَّ «٢» .

قلْتُ: وحديثُ المتلاعنَيْن يضعِّف هذا القول لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فَذَاكَ بِمَا استحللت مِنْ فَرْجِهَا ...

» الحديث «٣» .

وقال ابنُ عبَّاس وغيره: الفاحشةُ في هذه الآية: البُغْضُ والنُّشُوز فإذا نَشَزَتْ، حلَّ له أنْ يأخذ مالَهَا «٤» .

قال ع «٥» : وهو مذهبُ مالكٍ.

وقال قوم: الفاحشةُ: البَذَاء باللِّسان، وسوءُ العِشْرة قولاً وفعلاً، وهذا في معنَى النُّشُوز.

قال ع «٦» : والزنا أصعَبُ علَى الزَّوْج من النُّشُوز والأذى، وكُلُّ ذلك فاحشةٌ تُحِلُّ أَخْذَ المالِ.

وقوله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ: أمرٌ يعمُّ الأزواجَ والأولياءَ، ولكنَّ المتلبِّس في الأغلب بهذا الأمر الأزواجُ، والعِشْرَةُ: المخالطةُ والممازجة.

وقوله تعالى: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً،

قال السُّدِّيُّ: الخيرُ الكثيرُ في المرأة الولَدُ «١» ، وقال نحوَهُ ابْنُ عَباس» .

قال ع «٣» : ومِنْ فصاحة القرآن العمومُ الذي في لفظَةِ «شَيْء» لأنه يطَّرد هذا النَّظَرُ في كلِّ ما يكرهه المرءُ ممَّا يجمُلُ الصبْرُ عليه، ويحسُنُ، إذ عاقبةُ الصَّبْرِ إلى خيرٍ، إذا أريد به وَجْهُ اللَّهِ.

وقوله تعالى: وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ...

الآية: لما مضى في الآية المتقدِّمة حُكْمُ الفِرَاقِ الذي سبَبَهُ المرأةُ، وأنَّ للزوج أخْذَ المالِ منْها، عَقَّبَ ذلك بِذكْرِ الفِراقِ الذي سبَبَه الزَّوْجُ، والمَنْع من أخْذ مالها مع ذلك.

وقال بعضُ النَّاس: يؤخَذُ من الآية جوازُ المُغَالاة بالمُهُور، وقال قوم: لا تُعْطِي الآيةُ ذلك لأن التمثيل إنما جاء على جهة المبالغةِ «٤» .

والبُهْتان: مصدر في موضعِ الحالِ، ومعناه: مُبْهتاً، ثم وعظ تعالى عباده، وأَفْضى: معناه: بَاشَرَ، وقال مجاهدٌ وغيره: الإفْضَاءُ في هذه الآية: الجماعُ «٥» ، قال ابنُ عَبَّاس: ولكنَّ اللَّه كريمٌ يَكْنِي «٦» .

واختلف في المراد بالميثاقِ الغَليظِ.

فقال الحسن وغيره: / هو قوله تعالى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ «٧» [البقرة: ٢٢٩] وقال مجاهدٌ، وابنُ زَيْدٍ: الميثاقُ الغليظُ: عُقْدةُ النِّكاحِ «٨» ، وقول الرّجل:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا ماتَ، كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ، إنْ شاؤُوا زَوَّجُوها، وإنْ شاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: كانُوا في أوَّلِ الإسْلامِ إذا ماتَ الرَّجُلُ، قامَ أقْرَبُ النّاسِ مِنهُ، فَيُلْقِي عَلى امْرَأتِهِ ثَوْبًا، فَيَرِثُ نِكاحَها.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إذا تُوُفِّيَ الرَّجُلُ، فابْنُهُ الأكْبَرُ أحَقُّ بِامْرَأتِهِ، فَيَنْكِحُها إنْ شاءَ، أوْ يَنْكِحُها مَن شاءَ، وقالَ أبُو أُمامَةَ بْنِ سَهْلٍ ابْنِ حَنِيفٍ: لَمْ تُوَفِّي أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ أرادَ ابْنُهُ أنَّ يَتَزَوَّجَ امْرَأتَهُ مِن بَعْدِهِ، وكانَ ذَلِكَ لَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

قالَ عِكْرِمَةُ: واسْمُ هَذِهِ المَرْأةِ: كَبِيشَةُ بِنْتِ مَعْنِ بْنِ عاصِمٍ، وكانَ هَذا في العَرَبِ.

وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: كانَتِ الأنْصارُ تَفْعَلُهُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ هَذا في أهْلِ المَدِينَةِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِلْأوْلِياءِ ما لَمْ تَسْبِقِ المَرْأةُ، فَتَذْهَبُ إلى أهْلِها، فَإنْ ذَهَبَتْ، فَهي أحَقُّ بِنَفْسِها.

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ تَرِثُوا نِكاحَ النِّساءِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنْ تَرِثُوا أمْوالَهُنَّ كُرْهًا.

رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ يُلْقِي حَمِيمُ المَيِّتِ عَلى الجارِيَةِ ثَوْبًا، فَإنْ كانَتْ جَمِيلَةً تُزَوَّجَها، وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً حَبَسَها حَتّى تَمُوتَ، فَيَرِثُها.

٢ - واخْتَلَفَ القُرّاءُ في فَتْحِ كافِ "الكُرْهِ" وضَمَّتِها في أرْبَعَةِ مَواضِعَ: هاهُنا، وفي "التَّوْبَةِ" وفي "الأحْقافِ" في مَوْضِعَيْنِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرِو بِفَتْحِ الكافِ فِيهِنَّ، وضَمَّهُنَّ حَمْزَةُ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ بِالفَتْحِ في "النِّساءِ" و"التَّوْبَةِ"، وبِالضَّمِّ في "الأحْقافِ" .

وهُما لُغَتانِ، قَدْ ذَكَرْناهُما في "البَقَرَةِ" .

وَفِيمَن خُوطِبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ، ثُمَّ في العَضَلِ الَّذِي نَهى عَنْهُ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُكْرِهُ صُحْبَةَ امْرَأتِهِ، ولَها عَلَيْهِ مَهْرٌ، فَيَحْبِسُها، ويَضْرِبُها لِتَفْتَدِيَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَنْكِحُ المَرْأةَ الشَّرِيفَةَ، فَلَعَلَّها لا تُوافِقُهُ، فَيُفارِقُها عَلى أنْ لا تَتَزَوَّجَ إلّا بِإذْنِهِ، ويَشْهَدُ عَلى ذَلِكَ، فَإذا خَطَبَتْ، فَأرْضَتْهُ، أُذِنَ لَها، وإلّا عَضَلَها قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا بَعْدَ الطَّلاقِ يَعْضِلُونَ، كَما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أيْضًا.

وقَدْ ذَكَرْنا في "البَقَرَةِ" أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُطْلِّقُ المَرْأةَ، ثُمَّ يُراجِعُها، ثُمَّ يُطْلِّقُها كَذَلِكَ أبَدًا إلى غَيْرِ غايَةٍ يَقْصِدُ إضْرارَها، حَتّى نَزَلَتْ ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتانِ  ﴾ .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ، ثُمَّ في ما نُهُوا عَنْهُ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّ الرَّجُلَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَتْ لَهُ قَرابَةٌ قَرِيبَةٌ، ألْقى عَلَيْها ثَوْبَهُ، فَلَمْ تَتَزَوَّجْ أبَدًا غَيْرَهُ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ اليَتِيمَةَ كانَتْ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَيَحْبِسُها حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَتَزَوَّجَ بِابْنِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الأوْلِياءَ كانُوا يَمْنَعُونَ النِّساءَ مِنَ التَّزْوِيجِ، لِيَرِثُوهُنَّ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِوَرَثَةِ أزْواجِ النِّساءِ الَّذِينَ قِيلَ: لَهُمْ: لا يَحْلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا.

كانَ الرَّجُلُ يَرِثُ امْرَأةً قَرِيبَةً، فَيَعْضُلُها حَتّى تَمُوتَ، أوْ تَرُدَّ عَلَيْهِ صَداقَها.

هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ.

وعَلى هَذا يَكُونُ الكَلامُ مُتَّصِلًا بِالأوَّلِ، وعَلى الأقْوالِ.

الَّتِي قَبْلَهُ يَكُونُ ذِكْرُ العَضْلِ مُنْفَصِلًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَرِثُوا النِّساءَ ﴾ .

وَفِي الفاحِشَةِ قَوْلانِ.

.

أحَدُهُما: أنَّها النُّشُوزُ عَلى الزَّوْجِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ في جَماعَةٍ.

والثّانِي: الزِّنى، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ في جَماعَةٍ.

وقَدْ رَوى مَعْمَرٌ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، قالَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا أصابَتْ فاحِشَةً، أخَذَ زَوْجُها ما ساقَ إلَيْها، وأخْرَجَها، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالحَدِّ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ الحَدَّ حَقُّ اللَّهِ، والِافْتِداءَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ، ولَيْسَ أحَدُهُما: مُبْطِلًا لِلْآَخَرِ، والصَّحِيحُ: أنَّها إذا أتَتْ بِأيِّ فاحِشَةٍ كانَتْ، مِن زِنى الفَرْجِ، أوْ بَذاءَةِ اللِّسانِ، جازَ لَهُ أنْ يَعْضُلَها، ويُضَيِّقَ عَلَيْها حَتّى تَفْتَدِيَ.

فَأمّا قَوْلُهُ: "مُبَيِّنَةٍ" فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: "مُبَيَّنَةٍ"، و"آَياتٍ مُبَيَّناتٍ" بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما جَمِيعًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ الياءِ فِيهِما، وقَرَأ نافِعٌ، أبُو عَمْرٍو "مُبِيِّنَةٍ" كَسْرًا و"آَياتٍ مُبَيَّناتٍ" فَتْحًا.

وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "العَشْرَةِ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رُبَّما رَزَقَ اللَّهُ مِنهُما ولَدًا، فَجَعَلَ اللَّهُ في ولَدِها خَيْرًا كَثِيرًا.

وقَدْ نَدَبَتِ الآَيَةُ إلى إمْساكِ المَرْأةِ مَعَ الكَراهَةِ لَها، ونَبَّهَتْ عَلى مَعْنَيَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ الإنْسانَ لا يَعْلَمُ وُجُوهَ الصَّلاحِ، فَرُبَّ مَكْرُوهٍ عادَ مَحْمُودًا، ومَحْمُودٌ عادَ مَذْمُومًا.

والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ لا يَكادُ يَجِدُ مَحْبُوبًا لَيْسَ فِيهِ ما يَكْرَهُ، فَلْيَصْبِرْ عَلى ما يَكْرَهُ لِما يُحِبُّ.

وأنْشَدُوا في هَذا المَعْنى: ومَن لَمْ يُغْمِضْ عَيْنَهُ عَنْ صَدِيقِهِ وعَنْ بَعْضِ ما فِيهِ يَمُتْ وهْوَ عاتِبُ وَمِن ∗∗∗ يَتَتَبَّعْ جاهِدًا كُلَّ عَثْرَةٍ ∗∗∗ يَجِدْها ولا يَسْلَمْ لَهُ الدَّهْرَ صاحِبُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِساءَ كَرْهًا ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ إذا ماتَ الرَجُلُ كانَ أولِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ مِن أهْلِها، إنْ شاؤُوا تَزَوَّجَها أحَدُهُمْ، وإنْ شاؤُوا زَوَّجُوها مِن غَيْرِهِمْ، وإنْ شاؤُوا مَنَعُوها الزَواجَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، قالَ أبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ: لَمّا تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ، أرادَ ابْنُهُ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأتَهُ، وكانَ لَهم ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

ذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ ولَدِ أبِي قَيْسٍ مِحْصَنٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كانَتْ هَذِهِ السِيرَةُ في الأنْصارِ لازِمَةً، وكانَتْ في قُرَيْشٍ مُباحَةً مَعَ التَراضِي، ألا تَرى أنَّ أبا عَمْرِو بْنَ أُمَيَّةَ، خَلَفَ عَلى امْرَأةِ أبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَوَلَدَتْ مِن أبِي عَمْرٍو مُسافِرًا وأبا مُعَيْطٍ وكانَ لَها مِن أُمَيَّةَ أبُو العِيصِ وغَيْرُهُ، فَكانَ بَنُو أُمَيَّةَ إخْوَةَ مُسافِرٍ وأبِي مُعَيْطٍ وأعْمامَهُما.

وقالَ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ الَّذِي حَكَيْتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: عِكْرِمَةُ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وأبُو مِجْلَزٍ، قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في كُبَيْشَةَ بِنْتِ مَعْنٍ الأنْصارِيَّةِ، تُوُفِّيَ عنها أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الِابْنُ الأكْبَرُ أحَقَّ بِامْرَأةِ أبِيهِ إذا لَمْ يَكُنْ ولَدَها، وقالَ السُدِّيُّ: كانَ ولِيُّ المَيِّتِ إذا سَبَقَ فَألْقى عَلى امْرَأةِ المَيِّتِ ثَوْبَهُ، فَهو أحَقُّ بِها، وإنْ سَبَقَتْهُ فَذَهَبَتْ إلى أهْلِها كانَتْ أحَقَّ بِنَفْسِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والرِواياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ بِحَسَبِ السِيَرِ الجاهِلِيَّةِ، ولا مَنفَعَةَ في ذِكْرِ جَمِيعِ ذَلِكَ، إذْ قَدْ أذْهَبَهُ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَحِلُّ لَكُمْ ﴾ ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَجْعَلُوا النِساءَ كالمالِ، يُورَثْنَ عَنِ الرِجالِ المَوْتى كَما يُورَثُ المالُ، والمُتَلَبِّسُ بِالخِطابِ أولِياءُ المَوْتى، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: مَعْنى الآيَةِ: لا يَحِلُّ لَكم عَضْلُ النِساءِ اللَواتِي أنْتُمْ أولِياءُ لَهُنَّ وإمْساكُهُنَّ دُونَ تَزْوِيجٍ حَتّى يَمُتْنَ فَتُورَثُ أمْوالُهُنَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا القَوْلِ فالمَوْرُوثُ مالُها لا هِيَ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ.

والمُتَلَبِّسُ بِالخِطابِ أولِياءُ النِساءِ وأزْواجُهُنَّ إذا حَبَسُوهُنَّ مَعَ سُوءِ العِشْرَةِ طَماعِيَةَ أنْ يَرِثُوهُنَّ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ: "كَرْهًا" بِفَتْحِ الكافِ حَيْثُ وقَعَ في النِساءِ وسُورَةِ التَوْبَةِ وفي الأحْقافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ جَمِيعَ ذَلِكَ بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ في النِساءِ والتَوْبَةِ بِفَتْحِ الكافِ، وفي الأحْقافِ في المَوْضِعَيْنِ بِضَمِّها، والكَرْهُ والكُرْهُ لُغَتانِ كالضَعْفِ والضُعْفِ، والفَقْرِ والفُقْرِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.

وقالَ الفَرّاءُ: هو بِضَمِّ الكافِ: المَشَقَّةُ وبِفَتْحِها: إكْراهُ غَيْرٍ، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ ....

الآيَةِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هي أيْضًا في أُولَئِكَ الأولِياءِ الَّذِينَ كانُوا يَرِثُونَ المَرْأةَ لِأنَّهم كانُوا يَتَزَوَّجُونَها إذا كانَتْ جَمِيلَةً، ويُمْسِكُونَها حَتّى تَمُوتَ إذا كانَتْ دَمِيمَةً، وقالَ نَحْوَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجِيءُ في قَوْلِهِ "آتَيْتُمُوهُنَّ" خَلْطٌ أيْ: ما آتاها الرِجالُ قَبْلُ، فَهي كَقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي في الأزْواجِ: في الرَجُلِ يُمْسِكُ المَرْأةَ ويُسِيءُ عِشْرَتَها حَتّى تَفْتَدِيَ مِنهُ، فَذَلِكَ لا يَحِلُّ لَهُ، وقالَ مِثْلَهُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ البَيْلَمانِيِّ: الفَصْلُ الأوَّلُ مِنَ الآيَةِ هو في أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، والثانِي في العَضْلِ هو في أهْلِ الإسْلامِ في حَبْسِ الزَوْجَةِ ضِرارًا لِلْفِدْيَةِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَعْنى الآيَةِ: لا تَرِثُوا النِساءَ كَفِعْلِ الجاهِلِيَّةِ، ولا تَعْضُلُوهُنَّ في الإسْلامِ، وقالَ نَحْوَ هَذا القَوْلِ السُدِّيُّ والضَحّاكُ، وقالَ السُدِّيُّ: هَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ لِلْأولِياءِ، كالعَضْلِ المَنهِيِّ عنهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ، إلّا أنْ يَكُونَ العَضْلُ مِن ولِيٍّ وارِثٍ، فَهو يُؤَمِّلُ مَوْتَها، وإنْ كانَ غَيْرَ وارِثٍ فَبِأيِّ شَيْءٍ يَذْهَبُ؟

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذا العَضْلُ المَنهِيُّ عنهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو مِن سِيَرِ الجاهِلِيَّةِ في قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، إذا لَمْ يَتَوافَقِ الزَوْجانِ طَلَّقَها عَلى ألّا تَتَزَوَّجَ إلّا بِإذْنِهِ، ويُشْهِدُ عَلَيْها بِذَلِكَ، فَإذا خُطِبَتْ فَإنْ أعْطَتْهُ ورَشَتْهُ وإلّا عَضَلَ، فَفي هَذا نَزَلَتِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ: إنَّ العَضْلَ في اللُغَةِ: الحَبْسُ في شِدَّةٍ ومَضَرَّةٍ، والمَنعُ مِنَ الفَرَجِ في ذَلِكَ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أعْضَلَتِ الدَجاجَةُ وعَضَلَتْ إذا صَعُبَ عَلَيْها وضْعُ البَيْضَةِ، ومِنهُ أعْضَلَ الداءُ إذا لَحِجَ ولَمْ يَبْرَأْ، ومِنهُ داءٌ عُضالٌ،.وَمَشى عُرْفُ الفُقَهاءِ عَلى أنَّ العَضْلَ مِنَ الأولِياءِ في حَبْسِ النِساءِ عَنِ التَزْوِيجِ، وهو في اللُغَةِ أعَمُّ مِن هَذا حَسْبَما ذَكَرْتُ، يَقَعُ مِن ولِيٍّ ومِن زَوْجٍ، وأقْوى ما في هَذِهِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ المُرادَ الأزْواجُ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ ﴾ ، وإذا أتَتْ بِفاحِشَةٍ فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ حَبْسُها حَتّى يَذْهَبَ بِمالِها إجْماعًا مِنَ الأُمَّةِ، وإنَّما ذَلِكَ لِلزَّوْجِ عَلى ما سَنُبَيِّنُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللهُ.

وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ يَظْهَرُ مِنهُ تَقْوِيَةُ ما ذَكَرْتُهُ، وإنْ حانَ ذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرًا مُنْقَطِعًا مِنَ الأوَّلِ يُخَصُّ بِهِ الأزْواجُ.

وأمّا العَضْلُ فَمَنهِيٌّ عنهُ كُلُّ مَن يُتَصَوَّرُ في نازِلَةٍ عاضِلًا، ومَتى صَحَّ في ولِيٍّ أنَّهُ عاضِلٌ نَظَرَ القاضِي في أمْرِ المَرْأةِ وزَوَّجَها ولَمْ يَلْتَفِتْ، إلّا الأبِ في بَناتِهِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ في أمْرِهِ إشْكالٌ فَلا يُعْتَرَضُ قَوْلًا واحِدًا، وإنْ صَحَّ عَضْلُهُ فَفِيهِ قَوْلانِ في مَذْهَبِ مالِكٍ: أحَدُهُما أنَّهُ كَسائِرِ الأولِياءِ، يُزَوِّجُ القاضِي مَن شاءَ التَزْوِيجَ مِن بَناتِهِ وطَلَبِهِ، والقَوْلُ الآخَرُ إنَّهُ لا يَعْرِضُ لَهُ.

ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: "وَلا تَعْضُلُوهُنَّ" أنْ يَكُونَ جَزْمًا، فَتَكُونَ الواوُ عاطِفَةً جُمْلَةَ كَلامٍ مَقْطُوعَةً مِنَ الأُولى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "تَعْضُلُوهُنَّ" نَصْبًا عَطْفًا عَلى "تَرِثُوا" فَتَكُونَ الواوُ مُشْرِكَةً عاطِفَةَ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ.

وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَلا أنْ تَعْضُلُوهُنَّ".

فَهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي احْتِمالَ النَصْبِ، وأنَّ العَضْلَ مِمّا لا يَحِلُّ بِالنَصِّ وعَلى تَأْوِيلِ الجَزْمِ هو نَهْيٌ مُعَرَّضٌ لِطَلَبِ القَرائِنِ في التَحْرِيمِ أوِ الكَراهِيَةِ، واحْتِمالُ النَصْبِ أقْوى.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الفاحِشَةِ هُنا فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هو الزِنى، وإذا زَنَتِ البِكْرُ فَإنَّها تُجْلَدُ مِائَةً وتُنْفى سَنَةً، وتَرُدُّ إلى زَوْجِها ما أخَذَتْ مِنهُ، وقالَ أبُو قِلابَةَ: إذا زَنَتِ امْرَأةُ الرَجُلِ فَلا بَأْسَ أنْ يُضارَّها ويَشُقَّ عَلَيْها حَتّى تَفْتَدِيَ مِنهُ، وقالَ السُدِّيُّ: إذا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَخُذُوا مُهُورَهُنَّ، وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: كانَ هَذا الحُكْمُ ثُمَّ نُسِخَ بِالحُدُودِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَحِمَهُ اللهُ: الفاحِشَةُ في هَذِهِ الآيَةِ: البُغْضُ والنُشُوزُ، وقالَهُ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ، قالُوا: فَإذا نَشَزَتْ حَلَّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مالَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ، إلّا أنِّي لا أحْفَظُ لَهُ نَصًّا في مَعْنى الفاحِشَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقالَ قَوْمٌ: الفاحِشَةُ: البَذاءُ بِاللِسانِ وسُوءُ العِشْرَةِ قَوْلًا وفِعْلًا، وهَذا في مَعْنى النُشُوزِ.

ومِن أهْلِ العِلْمِ مَن يُجِيزُ أخْذَ المالِ مِنَ الناشِزِ عَلى جِهَةِ الخُلْعِ، إلّا أنَّهُ يَرى ألّا يَتَجاوَزَ ما أعْطاها، رُكُونًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ .

وقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لِلزَّوْجِ أنْ يَأْخُذَ مِنَ الناشِزِ جَمِيعَ ما تَمْلِكُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والزِنا أصْعَبُ عَلى الزَوْجِ مِنَ النُشُوزِ والأذى، وكُلُّ ذَلِكَ فاحِشَةٌ تُحِلُّ أخْذَ المالِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إلّا أنْ يَفْحُشْنَ، وعاشِرُوهُنَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خِلافٌ مُفْرِطٌ لِمُصْحَفِ الإمامِ.

وكَذَلِكَ ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "مُبَيَّنَةٍ" و"آياتٌ مُبَيَّناتٌ" بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "مُبَيِّنَةٍ"، و"مُبَيِّناتٌ" بِكَسْرِ الياءِ فِيهِما، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "مُبَيِّنَةٍ" بِالكَسْرِ، و"مُبَيَّناتٌ" بِالفَتْحِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "بِفاحِشَةٍ مُبِينَةٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ، مِن أبانَ الشَيْءُ.

وهَذِهِ القِراءاتُ كُلُّها لُغاتٌ فَصِيحَةٌ، يُقالُ: بَيَّنَ الشَيْءُ وأبانَ: إذا ظَهَرَ، وبانَ الشَيْءُ وبَيَّنْتُهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ أمْرٌ لِلْجَمِيعِ، إذْ لِكُلِّ أحَدٍ عِشْرَةٌ، زَوْجًا كانَ أو ولِيًّا، ولَكِنَّ المُتَلَبِّسَ في الأغْلَبِ بِهَذا الأمْرِ الأزْواجُ، والعِشْرَةُ المُخالَطَةُ والمُمازَجَةُ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ: فَلَئِنْ شَطَّتْ نَواها مَرَّةً لَعَلى عَهْدِ حَبِيبٍ مُعْتَشِرْ جَعَلَ "الحَبِيبَ" جَمْعًا كالخَلِيطِ والفَرِيقِ.

يُقالُ: عاشَرَهُ مُعاشَرَةً، وتَعاشَرَ القَوْمُ واعْتَشَرُوا، وأرى اللَفْظَةَ مِن أعْشارِ الجَزُورِ، لِأنَّها مُقاسَمَةٌ ومُخالَطَةٌ ومُخالَقَةٌ جَمِيلَةٌ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى الرِجالَ بِحُسْنِ صُحْبَةِ النِساءِ، وإلى هَذا يَنْظُرُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "فاسْتَمْتِعْ بِها وفِيها عِوَجٌ".» ثُمَّ أدَّبَ تَعالى عِبادَهُ بِقَوْلِهِ: "فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ" إلى آخِرِ الآيَةِ.

قالَ السُدِّيُّ: الخَيْرُ الكَثِيرُ في المَرْأةِ الوَلَدُ، وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن فَصاحَةِ القُرْآنِ العُمُومُ الَّذِي في لَفْظَةِ "شَيْءٍ" لِأنَّهُ يَطَّرِدُ هَذا النَظَرُ في كُلِّ ما يَكْرَهُهُ المَرْءُ مِمّا يَجْمُلُ الصَبْرُ عَلَيْهِ، فَيَحْسُنُ الصَبْرُ، إذْ عاقِبَتُهُ إلى خَيْرٍ، إذا أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء كَرْهاً ﴾ .

استئناف تشريع في أحكام النساء التي كان سياق السورة لبيانها وهي التي لم تزل آيها مبيّنة لأحكامها تأسيساً واستطراداً، وبدءا وعودا، وهذا حكم تابع لإبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من جعل زوج الميّت موروثة عنه وافتتح بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ للتنويه بما خوطبوا به.

وخوطب الذين آمنوا ليعمّ الخطاب جميع الأمّة، فيأخذ كلّ منهم بحظّه منه، فمريد الاختصاص بامرأة الميّت يعلم ما يختصّ به منه، والوليّ كذلك، وولاة الأمور كذلك.

وصيغة ﴿ لا يحل ﴾ صيغة نهي صريح لأنّ الحلّ هو الإباحة في لسان العرب ولسان الشريعة، فنفيه يرادف معنى التحريم.

والإرث حقيقته مصير الكسب إلى شخص عقب شخص آخر، وأكثر ما يستعمل في مصير الأموال، ويطلق الإرث مجازاً على تمحّض الملك لأحد بعد المشارك فيه، أو في حالة ادّعاء المشارك فيه، ومنه «يرث الأرض ومَن عليها»، وهو فعل متعدّ إلى واحد يتعدّى إلى المتاع الموروث، فتقول: ورثت مال فلان، وقد يتعدى إلى ذات الشخص الموروث، يقال: ورث فلان أباه، قال تعالى: ﴿ فهب لي من لدنك وليا يرثني ﴾ [مريم: 6] وهذا هو الغالب فيه إذا تعدّى إلى ما ليس بمال.

فتعدية فعل ﴿ أن ترثوا ﴾ إلى ﴿ النساء ﴾ من استعماله الأوّل: بتنزيل النساء منزلة الأموال الموروثة، لإفادة تبشيع الحالة التي كانوا عليها في الجاهلية.

أخرج البخاري، عن ابن عباس، قال: «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لم يزوجوّها، فهم أحقّ بها من أهلها فنزلت هذه الآية» وعن مجاهد، والسدّي، والزهري كان الابن الأكبر أحقّ بزوج أبيه إذا لم تكن أمّه، فإن لم يكن أبناء فوليّ الميّت إذا سبق فألقى على امرأة الميّت ثوبه فهو أحقّ بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحقّ بنفسها.

وكان من أشهر ما وقع من ذلك في الجاهلية أنّه لمّا مات أمية بن عبد شمس وترك امرأته ولها أولاد منه: العيص، وأبو العيص، والعاص، وأبو العاص، وله أولاد من غيرها منهم أبو عمرو بن أمية فخلف أبو عمرو على امرأة أبيه، فولدت له: مُسافراً، وأبا معيط، فكان الأعياص أعماماً لمسافر وأبي معيط وأخوتهما من الأمّ».

وقد قيل: نزلت الآية لمّا توفّي أبو قيس بن الأسلت رام ابنه أن يتزوّج امرأته كبشة بنت معن الأنصارية، فنزلت هذه الآية.

قال ابن عطية: وكانت هذه السيرة لازمة في الأنصار، وكانت في قريش مباحة مع التراضي.

وعلى هذا التفسير يكون قوله ﴿ كرهاً ﴾ حالا من النساء، أي كارهات غير راضيات، حتّى يرضين بأن يكنّ أزواجاً لمن يرضينه، مع مراعاة شروط النكاح، والخطاب على هذا الوجه لورثة الميّت.

وقد تكرّر هذا الإكراه بعوائدهم التي تمالؤوا عليها، بحيث لو رامت المرأة المحيد عنها، لأصبحت سبّة لها، ولما وجدت من ينصرها، وعلى هذا فالمراد بالنساء الأزواج، أي أزواج الأموات.

ويجوز أن يكون فعل (ترثوا) مستعملا في حقيقته ومتعدّيا إلى الموروث فيفيد النهي عن أحوال كانت في الجاهلية: منها أنّ الأولياء يعضلون النساء ذوات المال من التزوّج خشية أنّهنّ إذا تزوّجن يلدن فيرثهنّ أزواجهنّ وأولادهنّ ولم يكن للوليّ العاصب شيء من أموالهنّ، وهنّ يرغبن أن يتزوّجن؛ ومنها أنّ الأزواج كانوا يكرهون أزواجهم ويأبَون أن يطلّقوهنّ رغبة في أن يمتن عندهم فيرثوهنّ، فذلك إكراه لهنّ على البقاء على حالة الكراهية، إذ لا ترضى المرأة بذلك مختارة، وعلى هذا فالنساء مراد به جمع امرأة، وقرأ الجمهور: كرها بفتح الكاف وقرأه حمزة، والكسائي وخلف بضم الكاف وهما لغتان.

عطف النهي عن العضل على النهي عن إرث النساء كرها لمناسبة التماثل في الإكراه وفي أنّ متعلّقه سوء معاملة المرأة، وفي أنّ العضل لأجل أخذ مال منهنّ.

والعضل: منع وليّ المرأة إيّاها أن تتزوّج، وقد تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ﴾ في سورة البقرة [232] فإن كان المنهي عنه في قوله: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً } هو المعنى المتبادر من فعل (ترثوا)، وهو أخذ مال المرأة كرها عليها، فعطف ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ إمّا عطف خاصّ على عامّ، إن أريد خصوص منع الأزواج نساءهم من الطلاق مع الكراهية، رغبة في بقاء المرأة عنده حتّى تموت فيرث منها مالها، أو عطف مباين إن أريد النهي عن منعها من الطلاق حتّى يلجئها إلى الافتداء منه ببعض ما آتاها، وأيّامّا كان فإطلاق العضل على هذا الإمساك مجاز باعتبار المشابهة لأنّها كالتي لا زوج لها ولم تتمكّن من التزوّج.

وإن كان المَنهي عنه في قوله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء ﴾ المعنى المجازي لترثوا وهو كون المرأة ميراثاً، وهو ما كان يفعله أهل الجاهلية في معاملة أزواج أقاربهم وهو الأظهر فعطف ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ عطف حكم آخر من أحوال المعاملة، وهو النهي عن أن يعضل الوليّ المرأة من أن تتزوّج لتبقى عنده فإذا ماتت ورثها، ويتعيّن على هذا الاحتمال أن يكون ضمير الجمع في قوله: ﴿ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ راجعاً إلى من يتوقّع منه ذلك من المؤمنين وهم الأزواج خاصّة، وهذا ليس بعزيز أن يطلق ضمير صالح للجمع ويراد منه بعض ذلك الجمع بالقرينة، كقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ [النساء: 29] أي لا يقتل بعضكم أخاه، إذ قد يعرف أنّ أحداً لا يقتل نفسه، وكذلك ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ [النور: 61] أي يسلم الداخل على الجالس.

فالمعنى: ليذهب بعضكم ببعض ما آتاهنّ بعضكم، كأن يريد الوليّ أن يذهب في ميراثه ببعض مال مولاته الذي ورثته من أمّها أو قريبها أو من زوجها، فيكون في الضمير توزيع.

وإطلاق العضل على هذا المعنى حقيقة.

والذهاب في قوله: ﴿ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ مجاز في الأخذ، كقوله: ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ [البقرة: 17]، أي أزاله.

ليس إتيانهنّ بفاحشة مبيّنة بعضاً ممّا قبل الاستثناء لا من العضل ولا من الإذهاب ببعض المهر.

فيحتمل أن يكون الاستثناء متّصلا استثناءً من عموم أحوال الفعل الواقع في تعليل النهي، وهو إرادة الإذهاب ببعض ما آتَوْهُنّ، لأنّ عموم الأفراد يستلزم عموم الأحوال، أي إلاّ حال الإتيان بفاحشة فيجوز إذهابكم ببعض ما آتيتموهنّ.

ويحتمل أن يكون استثناء منقطعاً في معنى الاستدراك، أي لكن إتيانهنّ بفاحشة يُحِلّ لكم أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فقيل: هذا كان حكم الزوجة التي تأتي بفاحشة وأنّه نسخ بالحدّ.

وهو قول عطاء.

والفاحشة هنا عند جمهور العلماء هي الزنا، أي أنّ الرجل إذا تحقّق زنى زوجه فله أن يعضلها، فإذا طلبت الطلاق فله أن لا يطلّقها حتّى تفتدي منه ببعض صداقها، لأنّها تسبّبت في بَعْثَرة حال بيت الزوج، وأحوجته إلى تجديد زوجة أخرى، وذلك موكول لدينه وأمانة الإيمان.

فإنْ حاد عن ذلك فللقضاة حمله على الحقّ.

وإنّما لم يَجْعل المفاداةَ بجميع المهر لئلا تصير مدّةُ العصمة عريَّة عن عوض مقابل، هذا ما يؤخذ من كلام الحَسن.

وأبي قلابة، وابن سيرين وعطاء؛ لكن قال عطاء: هذا الحكم نسخ بحدّ الزنا وباللعان، فحرّم الإضرار والافتداء.

وقال ابن مسعود، وابن عباس، والضحّاك، وقتادة: الفاحشة هنا البغض والنشوز، فإذا نشزت جاز له أن يأخذ منها.

قال ابن عطيّة: وظاهر قول مالك بإجازة أخذ الخلع عن الناشز يناسب هذا إلاّ أنيّ لا أحفظ لمالك نصّا في الفاحشة في هذه الآية.

وقرأ الجمهور: مبيِّنة بكسر التحتية اسم فاعل من بيَّن اللازم بمعنى تبيَّن، كما في قولهم في المثل «بَيَّنَ الصبحُ لذي عَيْنَيْن».

وقرأه ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، وخلَف بفتح التحتية اسم مفعول من بيَّن المتعدي أي بيَّنها وأظْهَرَها بحيث أشْهَدَ عَليهنّ بها.

أعقب النهي عن إكراه النساء والإضرارِ بهنّ بالأمر بحسن المعاشرة معهنّ، فهذا اعتراض فيه معنى التذييل لما تقدّم من النهي، لأنّ حسن المعاشرة جامع لنفي الإضرار والإكراه، وزائد بمعاني إحسان الصحبة.

والمعاشرة مفاعلة من العِشْرة وهي المخالطة، قال ابن عطية: وأرى اللفظة من أعشار الجزور لأنّها مقاسمة ومخالطة، أي فأصل الاشتقاق من الاسم الجامد وهو عدد العشرة.

وأنَا أراها مشتقّة من العشِيرة أي الأهل، فعاشَره جَعَلَه من عشيرته، كما يقال: آخاه إذا جعله أخاً.

أمّا العشيرة فلا يعرف أصل اشتقاقها.

وقد قيل: إنها من العشرة أي اسم العدد وفيه نظر.

والمعروف ضدّ المنكر وسمّي الأمر المكروه منكراً لأنّ النفوس لا تأنس به، فكأنّه مجهول عندها نَكِرة، إذ الشأن أنّ المجهول يكون مكروهاً ثمّ أطلقوا اسم المنكر على المكروه، وأطلقوا ضدّه على المحبوب لأنّه تألفه النفوس.

والمعروف هنا ما حدّده الشرع ووصفه العرف.

والتفريع في قوله: ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ على لازم الأمر الذي في قوله: ﴿ وعاشروهن ﴾ وهو النهي عن سوء المعاشرة، أي فإن وجد سبب سوء المعاشرة وهو الكراهية.

وجملة ﴿ فعسى أن تكرهوا ﴾ نائبه مناب جواب الشرط، وهي عليه له فعلم الجواب منها.

وتقديره: فتثبتوا ولا تعجلوا بالطلاق، لأن قوله ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً ﴾ يفيد إمكان أن تكون المرأة المكروهة سببَ خيرات فيقتضي أن لا يتعجّل في الفراق.

و ﴿ عَسَى ﴾ هنا للمقاربة المجازية أو الترجّي.

و ﴿ أن تكرهوا ﴾ سادَ مسدّ معموليها، ﴿ وَيَجْعَلَ ﴾ معطوف على ﴿ تكرهوا ﴾ ، ومناط المقاربةِ والرجاءِ هو مجموع المعطوف والمعطوف عليه، بدلالة القرينة على ذلك.

وهذه حكمة عظيمة، إذ قد تكره النفوس ما في عاقبته خير فبعضه يمكن التوصّل إلى معرفة ما فيه من الخير عند غوص الرأي.

وبعضه قد علم الله أنّ فيه خيراً لكنّه لم يظهر للناس.

قال سهل بن حنيف، حين مرجعه من صفّين «اتَّهِموا الرأي فلقد رأيتُنا يَوم أبي جندل ولو نستطيع أن نردّ على رسول الله أمْره لردَدْنا.

واللَّه ورسولُه أعلم».

وقد قال تعالى، في سورة البقرة ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ﴾ [البقرة: 216].

والمقصود من هذا: الإرشادُ إلى إعماق النظر وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة.

ولا بميل الشهوات إلى ما في الأفعال من ملائم، حتّى يسبره بمسبار الرأي، فيتحقّق سلامة حسن الظاهر من سُوء خفايا الباطن.

واقتصر هنا على مقاربة حصول الكراهية لشيء فيه خير كثير، دون مقابلة، كما في آية البقرة (216) ﴿ وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ﴾ لأنّ المقام في سورة البقرة مقام بيان الحقيقة بطَرفيها إذ المخاطبون فيها كَرِهوا القتال، وأحبّوا السلم، فكان حالهم مقتضيا بيان أنّ القتال قد يكون هو الخير لما يحصل بعده من أمن دائم، وخضد شوكة العدوّ، وأنّ السلم قد تكون شرّا لما يحصل معها من استخفاف الأعداء بهم، وطمعهم فيهم، وذهاب عزّهم المفضي إلى استعبادهم، أمّا المقام في هذه السورة فهو لبيان حكم من حدث بينه وبين زوجه ما كَرّهه فيها، ورام فراقها، وليس له مع ذلك ميل إلى غيرها، فكان حاله مقتضياً بيان ما في كثير من المكروهات من الخيرات، ولا يناسب أن يبيّن له أنّ في بعض الأمور المحبوبة شروراً لكونه فتحا لباب التعلّل لهم بما يأخذون من الطرف الذي يميل إليه هواهم.

وأُسند جعل الخير في المكروه هُنا للَّه بقوله: ويجعل الله فيه خيراً كثيراً } المقتضى أنه جَعْل عارض لمكروه خاصّ، وفي سورة البقرة (216) قَال: ﴿ وهو خير لكم ﴾ لأنّ تلك بيان لما يقارن بعض الحقائق من الخفاء في ذات الحقيقة، ليكون رجاء الخير من القتال مطّردا في جميع الأحوال غير حاصل بجَعْل عارض، بخلاف هذه الآية، فإنّ الصبْر على الزوجة الموذية أو المكروهة إذا كان لأجل امتثال أمر الله بحسن معاشرتها، يكون جعل الخير في ذلك جزاءً من الله على الامتثال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ﴾ وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ في الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا ماتَ أحَدُهم عَنْ زَوْجَةٍ، كانَ ابْنُهُ وقَرِيبُهُ أوْلى بِها مِن غَيْرِهِ ومِنها بِنَفْسِها، فَإنْ شاءَ نَكَحَها كَأبِيهِ بِالصَّداقِ الأوَّلِ، وإنْ شاءَ زَوَّجَها ومَلَكَ صَداقَها، وإنْ شاءَ عَضَلَها عَنِ النِّكاحِ حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثَها أوْ تَفْتَدِيَ مِنهُ نَفْسَها بِصَداقِها، إلى أنْ تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ عَنْ زَوْجَتِهِ كُبَيْشَةَ بِنْتِ مَعْنِ بْنِ عاصِمٍ فَأرادَ ابْنُهُ أنْ يَتَزَوَّجَها فَجاءَتْ إلى النَّبِيِّ  فَقالَتْ يا نَبِيَّ اللَّهِ، لا أنا ورِثْتُ زَوْجِي، ولا أنا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِوَرَثَةِ الأزْواجِ أنْ [لا] يَمْنَعُوهُنَّ مِنَ التَّزْوِيجِ كَما ذَكَرْنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ أنْ [لا] يَعْضِلُوا نِساءَهم بَعْدَ الطَّلاقِ، كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَفْعَلُ في الجاهِلِيَّةِ وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ أنْ [لا] يَحْبِسُوا النِّساءَ كَرْهًا لِيَفْتَدِينَ نُفُوسَهُنَّ أوْ يَمُتْنَ فَيَرِثَهُنَّ الزَّوْجُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والشَّعْبِيِّ، والضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ فِيها هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الزِّنى، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وأبِي قِلابَةَ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّها النُّشُوزُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعائِشَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها البَذاءُ والأذى.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مِقْسَمٍ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلّا أنْ يُفْحِشْنَ).

﴿ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الوَلَدَ الصّالِحَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا ﴾ يَعْنِي أنَّهُنَّ قَدْ مَلَكْنَ الصَّداقَ، ولَيْسَ مِلْكُهُنَّ لِلصَّداقِ مَوْقُوفًا عَلى التَّمَسُّكِ بِهِنَّ، بَلْ ذَلِكَ لَهُنَّ مَعَ إمْساكِهِنَّ، وفِراقِهِنَّ.

﴿ أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ظُلْمًا بِالبُهْتانِ.

والثّانِي: أنْ يَبْهَتَها أنْ جَعَلَ ذَلِكَ لِيَسْتَرْجِعَهُ مِنها.

وَإنَّما مَنَعَ مِن ذَلِكَ مَعَ الِاسْتِبْدالِ بِهِنَّ وإنْ كانَ مَمْنُوعًا مِنهُ وإنْ لَمْ يَسْتَبْدِلْ بِهِنَّ أيْضًا لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ يَجُورُ مَعَ اسْتِبْدالِ غَيْرِها بِها أنْ يَأْخُذَ ما دَفَعَهُ إلَيْها لِيَدْفَعَهُ إلى مَنِ اسْتَبْدَلَ بِها مِنهُ وإنْ كانَ ذَلِكَ عُمُومًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ (الإفْضاءَ الجِماعُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الخَلْوَةُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

﴿ وَأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَقْدُ النِّكاحِ الَّذِي اسْتُحِلَّ بِهِ الفَرْجُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، والحَسَنِ، وابْنِ سِيرِينَ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما رَواهُ مُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ صُعْدَةَ بْنِ يَسارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (أيُّها النّاسُ، إنَّ النِّساءَ عِنْدَكم عَوانٌ أخَذْتُمُوهُنَّ بِأمانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ فَلَكم عَلَيْهِنَّ حَقٌّ ولَهُنَّ عَلَيْكم حَقٌّ، ومِن حَقِّكم عَلَيْهِنَّ ألّا يُوطِئْنَ فَرُشَكم أحَدًا ولا يَعْصِينَكم في مَعْرُوفٍ، فَإنْ فَعَلْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ)» .

واخْتُلِفَ في ثُبُوتِ حُكْمِها أوْ نَسْخِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا مِمّا أعْطاها سَواءٌ كانَتْ هي المُرِيدَةَ لِلطَّلاقِ أوْ هو، وهو قَوْلُ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ.

والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

وَقالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: حُكْمُها ثابِتٌ إلّا عِنْدَ خَوْفِ النُّشُوزِ فَيَجُوزُ أنْ يُفادِيَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يَخْلُفُونَ الآباءَ عَلى نِسائِهِمْ، فَجاءَ الإسْلامُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وعَفا عَمّا كانَ مِنهم في الجاهِلِيَّةِ أنْ يُؤاخَذُوا بِهِ إذا اجْتَنَبُوهُ في الإسْلامِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ.

والثّانِي: يَعْنِي لا تَنْكِحُوا كَنِكاحِ آبائِكم في الجاهِلِيَّةِ عَلى الوَجْهِ الفاسِدِ، إلّا ما سَلَفَ مِنكم في جاهِلِيَّتِكم فَإنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ إذا كانَ مِمّا يَجُوزُ الإقْرارُ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ التّابِعِينَ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ: ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ بِالنِّكاحِ الجائِزِ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنهم بِالزِّنى والسِّفاحِ، فَإنَّ نِكاحَهُنَّ حَلالٌ لَكم، لِأنَّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ حَلالًا، وإنَّما كانَ نِكاحُهُنَّ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: إلّا ما قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ فَإنَّكم تُؤاخَذُونَ بِهِ، قالُوهُ وهَذا مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، ومِنهم مَن جَعَلَهُ بِمَعْنى لَكِنْ.

﴿ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا ﴾ والمَقْتُ شِدَّةُ البُغْضِ لِقُبْحِ مُرْتَكِبِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: قَدْ مَقَتَهُ النّاسُ إذا أبْغَضُوهُ، ورَجُلٌ مَقِيتٌ، وكانَ يُقالُ لِوَلَدِ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأةِ أبِيهِ المَقْتِيُّ.

﴿ وَساءَ سَبِيلا ﴾ يَعْنِي طَرِيقًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري وأبو داود والنسائي والبيهقي في سننه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوّجوها فهم أحق بها من أهلها.

فنزلت هذه الآية في ذلك.

وأخرج أبو داود من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فاحكم الله عن ذلك.

أي نهى عن ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.

وهي قوله: ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ يعني لا تقهروهن ﴿ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضر بها لتفتدي.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات أبوه أو حميمه كان أحق بامرأة الميت، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدي منه بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها.

قال عطاء بن أبي رباح: وكان أهل الجاهلية إذا هلك الرجل فترك امرأة، يحبسها أهله على الصبي تكون فيهم، فنزلت ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ .

وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته- وكان لهم ذلك في الجاهلية- فأنزل الله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في كبشة ابنة معن بن عاصم أبي الأوس، كانت عند أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ.

فنزلت هذه الآية.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس أن رجالاً من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته فورث نكاحها فلم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده لتفتدي منه بفدية.

فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليُّه فألقى عليها ثوباً، فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها عليه حتى يشب أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوباً نجت.

فأنزل الله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير عن الزهري في الآية قال: نزلت في ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس بامرأته وليه، فيمسكها حتى تموت فيرثها.

فنزلت فيهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يتزوّجها أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها.

فنهى الله المؤمنين عن ذلك.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن عبد الرحمن بن السلماني في قوله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن ﴾ قال: نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام قال ابن المبارك ﴿ أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ في الجاهلية ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ في الإسلام.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ قال: لا تضر بامرأتك لتفتدي منك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ ولا تعضلوهن ﴾ يعني أن ينكحن أزواجهن، كالعضل في سورة البقرة.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كان العضل في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأة الشريفة فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها.

وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبيِّنة ﴾ قال: البغض والنشوز.

فإذا فعلت ذلك فقد حلَّ له منها الفدية.

وأخرج ابن جرير عن مقسم ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يفحشن ﴾ في قراءة ابن مسعود وقال: إذا آذتك فقد حل لك أخذ ما أخذت منك.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبيِّنة ﴾ يقول: إلا أن ينشزن.

وفي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب ﴿ إلا أن يفحشن ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الفاحشة هنا النشوز.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن عطاء الخراساني في الرجل، إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك الحدود.

وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة ﴾ قال: الزنا.

فإذا فعلت حلَّ لزوجها أن يكون هو يسألها الخلع.

وأخرج ابن المنذر عن أبي قلابة وابن سيرين قالا: لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها لأن الله يقول ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن جابر.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فَرْشَكُم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس إن النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً، ولا يعصينكم في معروف، وإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وعاشروهن ﴾ قال: خالطوهن.

قال ابن جرير: صفحه بعض الرواة.

وإنما هو خالقوهن.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: حقها عليك الصحبة الحسنة والكسوة والرزق المعروف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ يعني صحبتهن بالمعروف ﴿ فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ﴾ فيطلقها فتتزوج من بعده رجلاً، فيجعل الله له منها ولداً، ويجعل الله في تزويجها خيراً كثيراً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ قال: الخير الكثير.

أن يعطف عليها فيرزق الرجل ولدها ويجعل الله في ولدها خيراً كثيراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: فعسى الله أن يجعل في الكراهية خيراً كثيراً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ قال: الولد.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: إذا وقع بين الرجل وبين امرأته كلام فلا يعجل بطلاقها وليتأن بها وليصبر، فلعل الله سيريه منها ما يحب.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: عسى أن يمسكها وهو لها كاره فيجعل الله فيها خيراً كثيراً، قال: وكان الحسن يقول: عسى أن يطلقها فتتزوج غيره فيجعل الله له فيها خيراً كثيراً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ الآية.

قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية (١) (٢) وقال بعضهم: الوراثة تعود إلى المال، وذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها من الأزواج إلى أن تموت فيرثها ما ورثت من الميت، فقال الله تعالى: لا يحل لكم أن ترثوهن أموالهن وهن كارهات (٣) وقوله تعالى: ﴿ كَرْهًا ﴾ قرئ بفتح الكاف وضمها (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ  ﴾ ، إلا أنه اسم وبقية القرآن مصادر (٨) قال الأزهري: وقد أجمع كثير من أهل اللغة أن الكَره والكُره لغتان، فبأي لغة قرئ فجائز، إلا الفراء (٩) وقد ذكرنا قوله في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" [البقرة: 216].]].

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ ذكرنا معنى العضل في سورة البقرة [[انظر: "البسيط" [البقرة: 232].]].

قال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك: المَنهيّ عن العضل ههنا الأزواج، فهو أن يُمسكوهن إذا لم يكن لهم فيهن حاجة إضرارًا بهن حتى يَفتدين ببعض مُهورهن (١٠) وهذا القول اختيار الزجاج، قال: هؤلاء المُخاطَبون غير أولئك.

وكان الرجل منهم إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها لتفتدي منه، فأَعلمَ الله عز وجل أنّ ذلك لا يَحلّ (١١) وقوله تعالى: ﴿ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ يَصلح أن يكون نصبًا وجزمًا (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) قال الأزهري (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ .

قال ابن عباس في رواية عطاء، والحسن وأبو قلابة (٢٠) (٢١) وهو اختيار الزجاج (٢٢) وقال ابن مسعود وقتادة والضحاك: هي النشوز (٢٣) ثم اختلفوا في حُكم الآية؛ فقال الأكثرون: إذا زنت امرأة تحتَ رجُلٍ، أو نَشزَت عليه، حلّ له أن يَسْأَلها الخُلع، وأن يُضارَّها ويُسيء معاشرتها لتفتدي منه بالمهر.

قال أبو قلابة: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشةً فلا بأس أنْ يضارّها حتى تَخَتلِع منه (٢٤) (٢٥) وذهب بعضهم إلى أن هذا كان يجوز ثم نُسخ.

قال عطاء الخراساني: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشةً أَخذ منها ما ساق إليها وأخرجها (٢٦) (٢٧) وهذا الاختلاف على قول من يجعل الفاحشة الزنا، ومن جعلها النشوز فلا نَسخ عنده، وللزوج إذا نَشزت المرأة أن يُسيء (٢٨) واختلف (٢٩) (٣٠) قال سيبويه: يقال: أبان الأمر وأبنته واستبان، واستبنته، وبيّن وبيّنته (٣١) (٣٢) ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ قال ابن عباس: يريد احْجبها بما يَجِب لها عليك من الحق (٣٣) (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا  ﴾ .

قال ابن عباس (٣٥) ﴿ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ (٣٦) (٣٧) قال المفسرون: الخير الكثير في المرأة المكروهة أن يرزقه الله منها ولدًا صالحًا ويعطفه عليه (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ فِيهِ ﴾ الكناية تعود إلى قوله: ﴿ شَيْئًا ﴾ ، ويجوز أن تعود إلى الكراههَ والكُره؛ لأن الفعل يدل على المصدر (٣٩) (١) في "أسباب النزول" للمؤلف (151)، كان أهل المدينة في الجاهلية، وكذلك عند الثعلبي 4/ 28أ.

(٢) انظر: "تفسير القرآن" لعبد الرزاق 1/ 151، والطبري 4/ 305 - 308، "معاني == الزجاج" 2/ 30، "الكشف والبيان" 4/ 28 أ، "أسباب النزول" للمؤلف ص 151، "زاد المسير" 2/ 39، ابن كثير 1/ 506 - 507، "لباب النقول" ص 65، 66.

(٣) ممن ذهب إلى ذلك ابن عباس والزهري.

انظر: الطبري 4/ 306 - 307، "زاد المسير" 2/ 39، "الدر المنثور" 2/ 234 - 235.

وقد اختار الطبري القول الأول وأن المراد بوراثة النساء وراثة نكاحهن.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 305 - 306.

(٤) قراءة الضم لحمزة والكسائي، والفتح لبقية العشرة.

انظر: "السبعة" ص 229، "الحجة" 3/ 144، "المبسوط" ص 155، "النشر" 2/ 249.

(٥) "الحجة" 3/ 144.

(٦) هو ثعلب وقوله في "تهذيب اللغة" 4/ 3136.

(٧) في (د): بدون (بعض).

(٨) انتهى قول ثعلب من "تهذيب اللغة" 4/ 3136 (كره)، وانظر: "اللسان" 7/ 3865 نفس المادة.

(٩) انتهى من "تهذيب اللغة" 4/ 3136 (كره)، ووجهة نظر الفراء كما في "التهذيب" بقول الأزهري: فإنه زعم أن الكَره ما أكرهت نفسك عليه، والكُره ما أكرهك غيرك عليه، جئتك كَرها، وأدخلتني كُرها، وانظر: الثعلبي 4/ 28 ب.

(١٠) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 151، الطبري 4/ 305، "الكشف والبيان" 4/ 29ب، البغوي 2/ 186، "زاد المسير" 2/ 40، ابن كثير 1/ 507، "تحقيق المروي" عن ابن عباس 1/ 205.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 30.

(١٢) انظر: "معاني الفراء" 1/ 259، و"الطبري" 4/ 309، و"معاني الزجاج" 2/ 30.

(١٣) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 360، و"الطبري" 4/ 309.

(١٤) "معاني القرآن" 1/ 259، وانظر: "الطبري" 4/ 309، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 404.

(١٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 259، "معاني الزجاج" 2/ 30.

(١٦) "تهذيب اللغة" 3/ 2475 (عضل).

(١٧) في "تهذيب اللغة": حريمته.

(١٨) في "التهذيب": الحق الذي أبيح لها من النكاح، ولعل تعبير الواحدي أدق.

(١٩) انتهى من "تهذيب اللغة" 3/ 2475 (عضل)، وانظر: "اللسان" 5/ 2988 - 2989 المادة نفسها (٢٠) هو عبد الله بن زيد الجرمي البصري من مشاهير علماء التابعين وثقاتهم إلا أنه يدلس وفيه نصب يسير، وقد أخرج حديثه الجماعة توفي -رحمه الله- سنة 104هـ وقيل بعدها.

انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 30، "ميزان الاعتدال" 2/ 425، "التقريب" ص304رقم (3333).

(٢١) أخرج قول الحسن وأبي قلابة والسدي الطبري 4/ 310، وأما ابن عباس فإن الثابت عنه من رواية علي بن أبي طلحة كالقول الثاني، أن المراد: هو البغض والنشوز.

"تفسير ابن عباس" ص 140، وأخرجه الطبري 4/ 310.

وانظر في ذلك: "تفسير الهواري" 1/ 360، 361، البغوي 2/ 186، "زاد المسير" 2/ 41، ابن كثير 1/ 507، "الدر المنثور" 2/ 235.

(٢٢) "معاني القرآن" 2/ 30.

(٢٣) نص قول قتادة والضحاك ومعنى قول ابن مسعود حسبما أخرج الطبري ذلك عنهم في "تفسيره" 4/ 311، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 29 أ، "زاد المسير" 2/ 41، وابن كثير 1/ 507، "الدر المنثور" 2/ 236.

(٢٤) أخرجه الطبري 4/ 310، وانظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2475 (عضل).

(٢٥) "تهذيب اللغة" 3/ 2475 (عضل).

(٢٦) في (د): (ثم أخرجها).

(٢٧) أخرجه الطبري 4/ 311، وانظر: "زاد المسير" 2/ 41، "الدر المنثور" 2/ 236.

(٢٨) في (أ): (بشى) بالشين المعجمة، ولعله تصحيف.

(٢٩) في (د): (واختلاف).

(٣٠) قراءة الفتح لابن كثير وأبي بكر عن عاصم، والكسر للباقين.

انظر: "السبعة" ص230، "الحجة" 3/ 145، "الكشف" 1/ 383، "النشر" 2/ 248.

(٣١) قول سيبويه في "الكتاب" 4/ 63، وقد أخذه المؤلف من "الحجة" 3/ 145.

(٣٢) انظر: الطبري 4/ 312، "الحجة" 3/ 146، "حجة القراءات" ص 196، "الكشف" 1/ 383.

(٣٣) لم أقف على من خرجه عن ابن عباس، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 80.

(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 30، وانظر "معاني القرآن" للنحاس 2/ 47.

(٣٥) في "الوسيط" 2/ 484: قال عطاء.

(٣٦) في (أ): (خيركثير).

(٣٧) لم أقف عليه.

(٣٨) روى نحوه عن ابن عباس، وقال به كثير من المفسرين.

انظر: الطبري 4/ 313، و"تفسير الهواري" 1/ 361، والثعلبي 4/ 29 أ، والبغوي 2/ 186، و"زاد المسير" 2/ 42، وابن كثير 1/ 508، "الدر المنثور" 2/ 236.

(٣٩) انظر: الطبري 4/ 313، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 194، "الدر المصون" 3/ 632.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النسآء ﴾ قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته؛ إن شاؤوا تزوّجها أحدهم، وإن شاؤوا زوّجوها من غيرهم، وإن شاؤوا منعوها التزوّج، فنزلت الآية في ذلك، فمعنى الآية على هذا: لا يحل لكم أن تجعلوا النساء يورثن عن الرجال، كما يورث المال، وقيل: الخطاب للأزواج الذين يمسكون المرأة في العصمة، ليرثوا مالها من غير غبطة بها، وقيل: الخطاب للأولياء الذين يمنعون ولياتهم من التزوّج ليرثوهن دون الزوج ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ معطوف على ان ترثوا أو نهي والعضل المنع، قال ابن عباس: هي أيضاً في أولياء الزوج الذين يمنعون زوجته من التزوّج بعد موته، إلاّ أنّ قوله: ما آتيتموهن، ويقويه قوله: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف ﴾ ، فإن الأظهر فيه أن يكون في الأزواج، وقد يكون في غيرهم، وقيل: هي للأولياء ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة مُّبَيِّنَةٍ ﴾ قيل: الفاحشة هنا الزنا، وقيل: نشوز المرأة وبغضها في زوجها، فإذا نشزت جاز له أن يأخذ ما آتاها من صداق أو غيره ذلك من مالها، وهذا جائز على مذهب مالك في الخلع، إذا كان الضرر من المرأة، والزنا أصعب على الزوج من النشوز، فيجوز له أخذ الفدية ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ الآية: معناها إن كرهتم النساء لوجه فاصبروا عليه، فعسى أن يجعل الله الخير في وجه آخر، وقيل: الخير الكثير الولد، والأحسن العموم، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقاً رضي آخر» .

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ واحدة ﴾ بالرفع: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بالنصب.

﴿ فلأمه ﴾ وما بعده / بكسر الهمزة لأجل كسرة ما قبلها: حمزة وعلي.

الباقون بالضم ﴿ يوصي ﴾ وما بعد مبنياً للمفعول: ابن كثير وابن عامر ويحيى وحماد والمفضل وافق الأعشى في الأولى وحفص في الثانية.

الباقون: مبنياً للفاعل.

﴿ ندخله ﴾ بالنون في الحرفين: نافع وابن عامر وأبو جعفر.

الباقون بالياء.

وكذلك في سورة الفتح والتغابن والطلاق.

﴿ واللذان ﴾ بتشديد النون: ابن كثير، وكذلك قوله: ﴿ هذان  ﴾ و ﴿ هاتان ﴾ و ﴿ أرنا اللذين  ﴾ وأشباه ذلك.

وأما قوله ﴿ فذانك ﴾ فابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وعباس مخير.

الباقون: بالتخفيف ﴿ كرهاً ﴾ بالضم وكذلك في التوبة، حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالفتح ﴿ مبينة ﴾ ﴿ مبينات ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو بكر وحماد.

وقرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ مبينة ﴾ بالكسر ﴿ مبينات ﴾ بالفتح.

الباقون كلها بالكسر.

الوقوف: ﴿ الأنثيين ﴾ ج ﴿ ما ترك ﴾ ج ﴿ فلها النصف ﴾ ط لانتهاء حكم الأولاد ﴿ إن كان له ولد ﴾ ج ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ج ﴿ أو دين ﴾ ط ﴿ وأبناؤكم ﴾ ج لتقديرهم أبناؤكم، ولاحتمال كون آباؤكم مبتدأ وخبره.

﴿ لا تدرون ﴾ ﴿ نفعاً ﴾ ج ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ لم يكن لهن ولد ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط ﴿ منهما السدس ﴾ ج ﴿ دين ﴾ ط لأن غير حال عامله ﴿ يوصى ﴾ ﴿ مضار ﴾ ج لاحتمال نصب وصية به كما يجيء ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ط لأن ﴿ تلك ﴾ مبتدأ ﴿ حدود الله ﴾ ط ﴿ خالدين فيها ﴾ ط لأن ما بعده اعتراض مقرر للجزاء.

﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ خالداً فيها ﴾ ص لأن ما بعده من تتمة الجزاء.

﴿ مهين ﴾ ه ﴿ أربعة منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع الفاء.

﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ فآذوهما ﴾ ج ﴿ عنهما ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ السيئات ﴾ ط لأن حتى إذا تصلح للابتداء وجوابه ﴿ قال إني تبت  ﴾ وتصلح انتهاء لعمل السيئات ﴿ وهم كفار ﴾ ط ﴿ أليماً ﴾ ه ﴿ كرهاً ﴾ ط للعدول عن الإخبار إلى النهي ﴿ مبينة ﴾ ج للعارض بين المتفقين ﴿ بالمعروف ﴾ ج ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ ط ﴿ ومقتاً ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما بين حكم مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بيَّن أن اليتيم كيف يملك المال إرثاً ولم يكن ذلك إلا بيان جملة أحكام الميراث.

أو نقول: أجمل حكم الميراث في قوله: ﴿ للرجال نصيب ﴾ و ﴿ للنساء نصيب ﴾ ثم فصل ذلك بقوله ﴿ يوصيكم الله ﴾ أي يعهد إليكم ويأمركم في أولادكم في شأن ميراثهم.

واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يتوارثون بشيئين: النسب والعهد.

أما النسب فكانوا يورثون الكبار به ولا يورثون الصغار والإناث كما مر، وأما العهد فالحلف أو التبني كما سيجيء في تفسير قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم  ﴾ وكان التوريث بالعهد مقرر في أول الإسلام مع زيادة سببين آخرين: أحدهما الهجرة.

فكان المهاجر يرث من المهاجر وإن كان أجنبياً عنه إذا كان بينهما مزيد مخالطة ومخالصة، ولا يرثه غيره وإن كان من أقاربه.

والثاني المؤاخاة.

كان رسول الله  يؤاخي بين كل اثنين منهم فيكون سبباً للتوارث.

والذي تقرر عليه الأمر في الإسلام إن أسباب التوريث ثلاثة: قرابة ونكاح وولاء.

والمراد من الولاء أن المعتق يرث بالعصوبة من المعتق.

روي "أن رسول الله  ورث بنت حمزة من مولى لها" .

ووراء هذه الأسباب سبب عام وهو الإسلام، فمن مات ولم يخلف من يرثه بالأسباب الثلاثة فماله لبيت المال يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون عنه الدية.

قال  : " أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه " وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يوضع ماله في بيت المال على سبيل المصلحة لا إرثاً، لأنه لا يخلو عن ابن عم وإن بعد فألحق بالمال الضائع الذي لا يرجى ظهور مالكه.

وإنما بدأ  بذكر ميراث الأولاد لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ثم للأولاد حال انفراد وحال اجتماع مع أبوي الميت.

أما حال الانفراد فثلاث ذكور وإناث معاً، أو إناث فقط، أو ذكور فقط.

أما الحالة الأولى فبيانها قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ أي للذكر منهم، فحذف الراجع للعلم به وفيه أحكام ثلاثة: أحدها: خلف ذكراً واحداً وأنثى واحدة فله سهمان ولها واحد.

وثانيها: خلف ذكوراً وإناثاً لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم.

وثالثها: خلف مع الأولاد جمعاً آخرين كالزوجين، فهم يأخذون سهامهم والباقي بين الأولاد لكل ذكر مثل نصيب أنثيين.

وإنما لم يقل للأنثيين مثل حظ الذكر أو للأنثى نصف حظ الذكر إشعاراً بفضيلته كما ضوعف حظه لذلك، ولأن الابتداء بما ينبىء عن فضل أحد أدخل في الأدب من الابتداء بما ينبىء عن النقص، ولأنهم كانوا يورّثون الذكور دون الإناث فكأنه قيل لهم: كفى الذكور تضعيف من النصيب، فيقطعوا الطمع عن الزيادة.

وأما الحكمة في أنه  جعل نصيب النساء من المال أقل من نصيب الرجال، فلنقصان عقلهن ودينهن كما جاء في الحديث، ولأن احتياجهن إلى المال أقل لأن أزواجهن ينفقون عليهن، أو لكثرة الشهوة فيهن فقد يصير المال سبباً لزيادة فجورهن كما قيل: إن الشباب والفراغ والجده *** مفسدة للمرء أي مفسده.

فيكف حال المرأة؟

وعن جعفر الصادق  أن حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها، وأخذت حفنة أخرى وخبأتها، ثم أخذت حفنة أخرى ورفعتها إلى آدم.

فلما جعلت نصيب نفسها ضعف نصيب الرجل قلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل.

وأما الحالة الثانية فهن أكثر من اثنتين أو اثنتان أو واحدة.

وحكم / القسم الأول مبين في قوله: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ﴾ وحكم القسم الثالث في قوله: ﴿ وإن كانت واحدة فلها النصف ﴾ فمن قرأ بالرفع على "كان" التامة فظاهر، ومن قرأ بالنصب فالضمير في كانت إما أن يعود إلى النساء وجاز لعدم الإلباس بدليل واحدة، وإما أن يعود إلى غائب حكمي أي إن كانت البنت أو المولودة.

وقراءة النصب أوفق لقوله: ﴿ فإن كن نساء ﴾ وقراءة الرفع أيضاً حسنة لئلا يحتاج إلى التكلف في عود الضمير.

وجوّز صاحب الكشاف أن يكون الضمير في ﴿ كن ﴾ و ﴿ كانت ﴾ مبهمة وتكون ﴿ نساء ﴾ و ﴿ واحدة ﴾ تفسيراً لهما على أن "كان" تامة.

وأما القسم الثاني وهو حكم البنتين فغير مذكور في الآية صريحاً فلهذا اختلف العلماء فيه.

فعن ابن عباس أن فرضهما النصف كما في الواحدة، لأن الثلثين فرض البنات بشرط كونهن فوق اثنتين، فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.

وعورض بأن النصف أيضاً مشروط بالوحدة.

أقول: ولعله نظر إلى أن الاثنتين أقرب إلى الواحد من الأعداد غير المحصورة التي فوق الإثنتين سوى الثلاثة، والحمل على الأقرب أولى.

وقال الأكثرون من الصحابة وغيرهم: إن فرضهما الثلثان لأن من مات وخلف ابناً وبنتاً فللبنت الثلث بالآية، فيلزم أن يكون للبنتين الثلثان.

وأيضاً نصيب البنت مع الولد الذكر الثلث، فلأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث أولى لأن الذكر أقوى من الأنثى.

وعلى هذا فكان قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ دالاً على أنثيين، فذكر بعد ذلك أنهن وإن بلغن ما بلغن من العدد لم يتجاوز الثلثين.

وقيل: إن البنتين أمس رحماً بالميت من الأختين، لكنه  يقول في آخر السورة ﴿ فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان ﴾ فالبنتان أولى وهذا قياس جلي، ومما يؤيده أنه  لم يذكر ميراث الأخوات الكثيرة ليقاس ميراثهن على ميراث البنات الكثيرة كما يقاس ميراث البنتين على الأختين.

وقيل: لفظ ﴿ فوق ﴾ وهو صفة نساء أو خبر بعد خبر للتأكيد، أو ليخرج أقل الجمع وهو اثنان زائد كقوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق  ﴾ وقيل: فيه تقديم وتأخير والمراد: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما.

وعن جابر بن عبد الله قال: "جاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت: سعد بن الربيع، قتل معك يوم أحد وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما.

فقال: يقضي الله في ذلك ونزلت هذه الآية.

فقال لي رسول الله  : ادع لي المرأة وصاحبها.

فقال لعمهما: أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن وما بقي فلك" .

وأما الحالة الثالثة وهو ما إذا كان الأولاد ذكوراً فقط فلم يذكر في الآية، لأنه لما علم أن للذكر مثل حظ الأنثيين وقد تبين أن للبنت الواحدة النصف، علم منه أن للابن الواحد الكل، وإذا كان للواحد الكل، فإذا كانوا أكثر من واحد لم يحسن حرمان بعضهم ولا / ترجيح بعضهم فيكون المال مشتركاً بينهم بالسوية.

وأيضاً قال  : " وما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر" ولا نزاع في أن الابن عصبة ذكر، فإذا لم يكن معه صاحب فرض فله كل المال لا محالة.

والنص: سألت عن ولد الولد فقيل: اسم الولد يقع على ولد الابن أيضاً لقوله  : ﴿ يا بني آدم  ﴾ ﴿ يا بني إسرائيل  ﴾ .

وقيل: قيس ولد الولد على الولد لما أنه كولد الصلب في الإرث والتعصيب، ولكنه لا يستحق شيئاً مع أولاد الصلب على وجه الشركة، وإنما يستحق إذا لم يوجد ولد الصلب رأساً، أو لا يأخذ كما في مسألة بنت واحدة وبنت ابن فإنهما يأخذان الثلثين.

واعلم أن عموم قوله  ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ مخصوص بصور منها: أن العبد والحر لا يتوارثان.

ومنها أن القاتل لا يرث.

ومنها أن لا يتوارث أهل ملتين والمرتد ماله فيء لبيت المال سوءا اكتسب في الإسلام أو في الردة.

وعند أبي حنيفة: ما اكتسب في الإسلام يرثه أقاربه المسلمون.

ومنها أن الأنبياء لا يورثون خلافاً للشيعة.

روي أن فاطمة  ا لما طلبت الميراث احتجوا بقوله  : " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" واحتجت بقوله  حكاية عن زكريا ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب  ﴾ وبقوله: ﴿ وورث سليمان داود  ﴾ ، والأصل في التوريث للمال، ووراثة العلم أو الدين مجاز.

وبعموم قوله: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ ولأن المحتاج إلى هذه المسألة ما كان إلا علياً وفاطمة والعباس وهؤلاء كانوا من أكابر الزهاد والعلماء في الدين.

وأما أبو بكر فإنه ما كان محتاجاً إلى معرفة هذه المسألة البتة لأنه ما كان يخطر بباله أنه يرث الرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف يليق بالرسول  أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها ولا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشد الحاجة؟

وأيضاً يحتمل أن يكون قوله: "ما تركناه صدقة" صلة لقوله: "لا نورث" والمراد أن الشيء الذي تركناه صدقة فذلك الشيء لا يورث ولعل فائدة تخصيص الأنبياء بذلك أنهم إذا عزموا على التصدق بشيء فمجرد العزم يخرج ذلك عن ملكهم فلا يرثه وارثهم عنهم.

أجابوا بأن فاطمة  ا رضيت بقول أبي بكر بعد هذه المناظرة وانعقد الإجماع على ما ذهب إليه أبو بكر.

واعلم أن جميع ما ذكرنا إنما هو في حالة انفراد الأولاد، أما حالة اجتماعهم بالأبوين فذلك قوله: ﴿ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد ﴾ والمراد بالأبوين الأب والأم.

فغلب جانب الأب لشرفه، ومثله من التغليب في التثنية "القمران" و"العمران" و "الخافقان".

/ والضمير في ﴿ أبويه ﴾ يعود إلى الميت المعلوم من سياق الكلام في الميراث و ﴿ لكل واحد منهما ﴾ بدل من ﴿ لأبويه ﴾ بتكرير العامل.

وفائدة هذا البدل أنه لو قيل: ولأبويه السدس لأوهم اشتراكهما فيه.

ولو قيل: ولأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالتساوي أو بالتفاوت.

ولو قيل: ولكل واحد من أبويه السدس لفاتت فائدة الإجمال والتفصيل والإبهام والتفسير.

فقوله: ﴿ السدس ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأبويه ﴾ وقد توسط البدل بينهما للبيان.

واعلم أن للأبوين ثلاث أحوال: الأولى أن يحصل معهما ولد ولا نزاع أن اسم الولد يقع على الذكر وعلى الأنثى فههنا ثلاثة أوجه: أحدها أن يحصل معهما ولد ذكر واحد أو أكثر فللأبوين لكل واحد منهما السدس.

والباقي للأولاد بالسوية.

وثانيها أن يحصل معهما بنتان أو أكثر، فالحكم كما ذكر.

وثالثها أن يكون معهما بنت واحدة فههنا للبنت النصف وللأم السدس وللأب السدس بحكم الآية، والباقي للأب بحكم التعصيب.

فإن قيل: إن حق الوالدين على الولد مما لا يخفى فما الحكمة في أنه  جعل نصيب الأولاد أكثر ونصيب الوالدين أقل؟

فالجواب - والله أعلم - أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلا القليل غالباً، أما الأولاد فهم في زمان الصبا فاحتياجهم إلى المال أكثر وأيضاً كأنهما قالا بلسان الحال للأطفال: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً.

وأيضاً ولد الولد ولد، وترفيه حال الولد أهم عند الوالدين من ترفيه حالهما.

الحالة الثانية أن لا يكون معهما أحد من الأولاد ولا وارث سواهما وهو المراد بقوله: ﴿ فإن لم يكن له ولد وروثه أبواه ﴾ أي فقط ﴿ فلأمه الثلث ﴾ ويعلم منه أن الباقي يكون للأب فيكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ويحصل للاب السدس بالفرضية، والنصف بالعصوبة، ولأنه  قيد فرضية الثلث للأم بأن يكون الوارث منحصراُ في الأبوين اختلف العلماء في أنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين فكيف يكون فرض الأم؟

فقال ابن عباس: يدفع إلى الزوج نصيبه أو إلى الزوجة نصيبها، وللأم الثلث بحالة والباقي للأب.

وذهب الأكثرون إلى أن الزوج أو الزوجة لهما نصيبهما، ثم يدفع ثلث ما بقي إلى الأم والباقي للأب ليكون للذكر مثل حظ الأنثيين كما هو قاعدة الميراث عند اجتماع الذكر والأنثى، فيكون الأبوان كشريكين بينهما مال، فإذا صار شيء منه مستحقاً بقي الباقي بينهما على قدر الاستحقاق الأوّل.

وأيضاً الزوج إنما يأخذ سهمه بحكم عقد النكاح لا بحكم القرابة فأشبه الوصية في قسمة الباقي.

وعن ابن سيرين أنه وافق ابن عباس في الزوجة والأبوين.

فإنا إذا دفعنا الربع إلى الزوجة، والثلث إلى الأم بقي للأب الثلث ونصف السدس أكثر ما للأم، وخالفه في الزوج والأبوين لأنه إذا دفع إلى الزوج النصف وإلى الأم الثلث يبقى للأب السدس فيكون للأنثى مثل حظ الذكرين.

هذا عكس قوله  : ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ الحالة الثالثة أن يوجد معها الإخوة والأخوات وذلك قوله: ﴿ فإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ واتفقوا على أن واحداً من الإخوة أو الأخوات لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس، واتفقوا على أن ثلاثة منهم يحجبون لكن الاثنين مختلف فيهما.

فالأكثرون من الصحابة ذهبوا إلى إثبات الحجب بهما كما في الثلاثة بناء على أن الاثنين جمع لوجود التعدد في التثنية فما فوقها، فصح أن يتناول الأخوة للأخوين واستقراء باب الميراث يؤيد ذلك، فإنه جعل نصيب البنتين الثلثين مثل نصيب البنات وكذلك للأختين والأخوات.

وذكر الشيخ الكامل محيي الدين بن العربي في الفتوحات أنه رأى رسول الله  في المنام فسأله عن خلاف الأئمة في أن أقل الجمع اثناء أو ثلاثة، فعلمه أن أقل الجمع في الشفع اثنان وفي الوتر ثلاثة.

وقال  : " الاثنان فما فوقهما جماعة " وقد احتج ابن عباس بذلك على عثمان فقال: كيف تردّها إلى السدس بالأخوين وليسا بإخوة؟

فقال عثمان: لا أستطيع رد شيء كان قبلي ومضى في البلدان.

فأشار إلى إجماعهم قبل أن يظهر ابن عباس الخلاف.

ثم إن الاثنين أو الثلاثة إذا حجبوا الأم عن السدس، فذلك السدس يكون لهم حتى يبقى للأب الثلثان، أو لا يكون لهم شيء من الميراث ويكون خمسة الأسداس للأب.

ذهب ابن عباس إلى الأوّل، وذهب الجمهور إلى الثاني إذ لا يلزم من كون الشخص حاجباً كونه واراثاً ولم يرد لهم ذكرإلا بالحجب فوجب أن يبقى المال بعد حصول هذا الحجب على ملك الأبوين.

ثم ذكر أن هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء من بعد وصية يوصى بها أو دين.

حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق.

وإذا لم يكن أو كان لكنه قضى وفضل بعده شيء.

فإن أوصى الميت وصية أخرجت من ثلث ما فضل ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله  .

عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "إنكم لتقرؤن الوصية قبل الدين وإن الرسول  قضى بالدين قبل الوصية" .

والمراد أنه لا عبرة بالتقديم في الذكر لأن كلمة أو لا تفيد الترتيب ألبتة، وإنما استفيد الترتيب من السنة عكس الترتيب في اللفظ.

وفائدة هذا العكس أن الوصية تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فكان أدواؤها مظنة التفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه فكان في تقديمها ترغيب لهم في أدائها، ولهذا جيء بكلمة أو دلالة على التسوية بينهما في الوجوب، ولأن كل مال ليس يحصل فيه الأمران فجيء بأو الفاصلة ليدل على أنه إن كان أحدهما فالميراث بعده، وكذلك إن كان كلاهما فالوصية تشبه الدين من جهة أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد كل منهما.

ولكنها تفارق الدين من جهة / أنه متى هلك من المال شيء دخل النقصان في أنصباء أصحاب الوصية كما في الإرث بخلاف الدين فإنه يبقى بحاله.

ثم قال: ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً ﴾ قال أبو البقاء ﴿ أيهم ﴾ مبتدأ و ﴿ أقرب ﴾ خبره، والجملة في موضع نصب بـ ﴿ تدرون ﴾ وهي معلقة عن العمل لفظاً لأنها من أفعال القلوب.

وأقول: من الجائز أن لا تكون من أفعال القلوب بل تكون بمعنى المعرفة، وكان ﴿ أيهم ﴾ مفعولة مبنياً لحذف صدر الصلة نحو ﴿ لننزعن من كل شيعة أيهم أشد  ﴾ قال المفسرون: هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم، وبين قوله: ﴿ فريضة من الله ﴾ ومن حق الاعتراض أن يناسب ما اعترض بينه ويؤكده.

فقيل: هذا من تمام الوصية أي لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، من أوصى منهم أم من لم يوص.

يعني أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية عليكم عرض الدنيا وجعل الثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر، لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلاً قريباً في الصورة إلا أنه فانٍ فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلاً إلا أنه باقٍ فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى.

وقيل: عن ابن عباس أن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه فيرفع, وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه سأل أن يرفع ابنه إليه.

فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعة في الجنة بهذا اكثر أم بذلك.

وقيل: قد فرض الله الفرائض على ما هو عند حكمة، والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات.

فلو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع فوضعتم أنتم الأموال في غير موضعها.

وقيل: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة الإنفاق والذب عنه، فلا يدري أن الابن سيحتاج إلى أن ينفق الأب عليه أو الأب سيفتقر إلى الابن.

وقيل: المقصود جواز أن يموت هذا قبل: ذلك فيرثه وبالضد، والقول هو الأوّل.

﴿ فريضة من الله ﴾ نصبت على أنها صفة تقوم مقام المصدر المؤكد أي فرض الله ذلك فرضاً ﴿ إن الله كان عليماً ﴾ بكل المعلومات فيكون عالماً بما في قسمة المواريث من المصالح والمفاسد ﴿ حكيماً ﴾ لا يأمر إلا بما هو الأحسن الأصلح.

قال الخليل: "كان" ههنا منخلع عن اعتبار الاقتران بالزمان، لأنه  منزه عن الدخول تحت الزمان ولكنه من الأزل إلى الأبد عليم حكيم.

وقال سيبويه: إن القوم لما شاهدوا علماً وحكمة تعجبوا فقيل لهم: إن الله كان كذلك أي لم يزل موصوفاً بهذه الصفات.

هذا واعلم أن الوارث إما أن يكون متصلاً يالميت بغير واسطة أو بواسطة.

وعلى الأول فسبب الاتصال / إما أن يكون هو النسب أو الزوجية.

فهذه ثلاثة أقسام: الأوّل قرابة التوالد الفروع والأصول وهو أشرف الاتصالات لعدم الواسطة ولكثرة المخالطة ولغاية الألفة والشفقة، ولهذا قدّم في الذكر.

ويتلوه في الشرف القسم الثاني لمثل ما قلنا ولهذا أردفه بالقسم الأول وذلك قوله: ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ إلى قوله ﴿ توصون بها أو دين ﴾ ثم بيَّن أحوال القسم الثالث وهو الكلالة في قوله: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة ﴾ فما أحسن هذا النسق.

ولما جعل في الموجب النسبيّ حظ الرجل مثل حظ الأنثيين، فكذلك جعل في الموجب السببي وهو الزوجية حظ الزوج ضعف حظ الزوجة.

وقد نبه في الآية على فضل الرجال حيث ذكرهم على سبيل المخاطبة ثمان مرات، وذكرهن على الغيبة أقل من ذلك.

ثم الواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن، ولا فرق في الولد بين الذكر والأنثى، ولا بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن، ويخرج منه ولد البنت لأنه لا يرث.

وههنا مسألة.

قال الشافعي: يجوز للزوج غسل زوجته لأنها بعد الموت زوجته بدليل قوله  : ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ﴾ وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنها ليست زوجته، ولو كانت زوجته لحل له وطؤها لقوله: ﴿ إلا على أزواجكم ﴾ \[المؤمون: 6\] وأجيب بأنه لو كانت زوجته له لكان قوله ﴿ ما ترك أزواجكم ﴾ مجازاً.

ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل له وطؤها لزم التخصيص وإذا تعارض المجاز والتخصيص فالتخصيص أولى كما بين في أصول الفقه.

وكيف لا وقد علم في صور كثيرة حصول الزوجية مع حرمة الوطء كزمان الحيض والنفاس ونهار رمضان وعند اشتغالها بالصلاة المفروضة والحج المفروض وعند كونها في العدّة عن الوطء بالشبهة.

وأيضاً حل الوطء ثابت على خلاف الأصل لما فيه من المصالح، وعند الموت لم يبق شيء من تلك المصالح فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل ففيه مصالح فوجب القول ببقائه.

واختلفوا في تفسير الكلالة فعن أبي بكر الصديق  أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه.

الكلالة ما خلا الوالد والولد.

وعن عمر  : الكلالة من لا ولد له فقط.

وعنه في رواية أخرى التوقف.

وكان يقول: ثلاثة لأن يكون بينهم الرسول  لنا أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة والربا.

وقيل: الكلالة القرابة من غير جهة الولد والوالد.

ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة كما تقول: ما صمت عن عيّ.

قال الفرزدق: ورثتم قناة الملك لا عن كلالة *** عن ابني مناف عبد شمس وهاشم والمختار الصحيح من الأقوال قول أبي بكر لأن الكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوّة من الإعياء.

قال الأعشى: فآليت لا أرثي لها من كلالة *** ولا من وجى حتى تلاقي محمداً فاستعيرت للقرابة من غير جهة الوالد والولد لأنها بالإضافة إلى قرابة الأصول والفروع كلالة ضعيفة.

ويحتمل أن يقال: هي من الإكليل لأنهم يحيطون بالإنسان إحاطة الإكليل بالرأس بخلاف قرابة الولادة فإنها تذهب على الاستقامة كما قال: نسب تتابع كابراً عن كابر *** كالرمح أنبوباً على أنبوب وأيضاً فإنه  قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة إنْ امرؤا هلك ليس له ولد  ﴾ فاحتج عمر بذلك.

والجواب أنه  حكم في تلك الآية بتوريث الإخوة والإخوات حال كون الميت كلالة.

ولا شك أن الإخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فيلزم أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين.

وأيضاً إنه  ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة، ثم أتبعها ذكر الكلالة.

وهذا الترتيب يقتضي أن يكون الكلالة من عدا الوالدين والولد، ثم الكلالة قد يجعل وصفاً للمورث.

والمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، ويمكن أن يحمل عليه بيت الفرزدق أي ما ورثتم الملك عن الأعمام بل عن الآباء، فسمىالعم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث.

وقد يجعل وصفاً للوارث ومنه قول جابر: "مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي  فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة" وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد.

ويقال: رجل كلالة وامرأة كلالة وقوم كلالة لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والجلالة، وإذا جعلت صفة للوارث أو المورث كانت بمعنى ذي كلالة كما يقال: فلان من قرابتي أي من ذوي قرابتي.

ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة يقال: رجل هجاجة وفقاقة كلاهما بالتخفيف أي أحمق.

وقوله  : ﴿ وإن كان رجل يورث ﴾ فيه احتمالان: الأول وهو قول عطاء والضحاك: أن يكون مأخوذاً من ورث الرجل يرث فيكون الرجل هو الموروث منه، وينتصب كلالة على الحال أو على أنه خبر "كان" و ﴿ يورث ﴾ صفة رجل.

ويجوز أن يكون مفعولاً له أي يورث لأجل كونه كلالة.

والثاني وهو قول سعيد بن جبير أن يكون مبنياً للمفعول من أورث فالرجل حينئذٍ هو الوارث، وينتصب كلالة على الوجوه المذكورة.

قيل: ما السبب في أنه قال: ﴿ وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ﴾ ثم قال: ﴿ وله أخ ﴾ فكنى عن الرجل ولم يكن عن المرأة؟

والجواب أنه إذا جاء حرفان في معنى واحد جاز إسناد التفسير / إلى أيهما أريد، وجاز إسناد إليهما أيضاً.

تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله أو فليصلها.

والترجيح بالتذكير للشرف معارض بالتأنيث للقرب.

وإن قلت: فليصلهما جاز أيضاً.

ولعل التوحيد والتذكير في الآية أولى إما لأن الرجال في الأحكام أصل والنساء تبع لهم، وإما بتأويل أحد المذكورين.

ثم إن المفسرين أجمعوا على أن المراد من الأخ والأخت ههنا الأخ والأخت من الأم، ويدل عليه ما نسب إلى أبيّ وسعد بن أبي وقاص: ﴿ وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما ﴾ أي من الأخ والأخت ﴿ السدس ﴾ من غير مفاضلة الذكر على الأنثى.

هذا على الاحتمال الأوّل وهو أن الرجل مورث منه.

وأما على الاحتمال الثاني وهو أن الرجل وارث فالضمير عائد إلى الرجل وإلى واحد من أخيه أو أخته.

والمعنى مثل الأوّل، لأنك إذا قلت السدس له أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير فقد سوّيت بين الذكر والأنثى.

ثم قال ﴿ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ﴾ فبيّن أن نصيبهم كيفما كانوا لا يزداد على الثلث.

وقد يسند الإجماع إلى هذا بيانه أنه قال في آخر السورة ﴿ قل الله يفتيكم في الكلالة  ﴾ وأثبت للأختين الثلثين وللإخوة كل المال، وههنا أثبت للإخوة، والأخوات السدس عند الانفراد، والثلث عند الاجتماع، فعلم أن المراد من الإخوة والأخوات ههنا غير المراد من الإخوة والأخوات في تلك الآية.

فالمراد ههنا الإخوة والأخوات من الأم وهم الأخياف، وهناك الإخوة والأخوات من الأب والأم وهم الأعيان، أو من الأب وهم أولاد العلات.

فالكلالة وإن كانت عامة لمن عدا الوالد والولد إلا أنها في الآية خاصة كما بيَّنا ﴿ غير مضار ﴾ حال أي يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته.

ومن قرأ ﴿ يوصى ﴾ مبنياً للمفعول فعامل الحال محذوف يدل عليهالمذكور أي يوصى إذا علم أن ثمة موصياً والضمير فيه وهو ذو الحال يعود إلى رجل على تقدير أنه المورث، أو إلى الميت الدال عليه سياق الكلام أي إن كان الرجل وارثاً وضرار الورثة بأن يوصي بأزيد من الثلث أو بالثلث فما دونه ونيته مضارة الورثة ومغاضبتهم وقطع الميراث عنهم لا وجه الله.

وقد يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه، أو يبيع شيئاً بثمن بخس، أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لئلا يصل المال إلى الورثة.

قال العلماء: الأولى بالإنسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان في المال قلة وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان بالعكس أوصى على قانون العدالة, وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن الإضرار في الوصية من الكبائر، ويروى مرفوعاً وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة عن النبي  : " أن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى وحاف في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار.

وإن الرجل / ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة" وعنه " من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة " ﴿ وصية من الله ﴾ نصب على المصدر المؤكد أو على أنه مفعول ﴿ مضار ﴾ أي لا يضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو وصية من الله بالأولاد لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية ﴿ والله عليم ﴾ بمن جار في وصيته أو عدل ﴿ حليم ﴾ عن الجائر لا يعاجله بالعقوبة، وفيه من الوعيد ما لا يخفى.

ثم أكد الوعيد بالترغيب والترهيب فقال: ﴿ تلك حدود الله ﴾ وهو إشارة إلى جميع ما ذكر في السورة من أحكام اليتامى والوصايا والمواريث وغيرها، وهي الشرائع التي لا يجوز للمكلف أن يتجاوزها ويتخطاها إلى ما ليس له بحق.

وقوله: ﴿ ومن يطع الله ﴾ ﴿ ومن يعص الله ﴾ عام في هذه التكاليف وفي غيرها، كما أن الوالد يقبل على ولده ويؤدبه في أمر مخصوص، ثم يقول احذر مخالفتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور.

وإنما قيل: ﴿ يدخله ﴾ و ﴿ خالدين ﴾ حملاً على لفظ "من" ومعناه.

وانتصب ﴿ خالدين ﴾ و ﴿ خالداً ﴾ على الحال.

ولا يجوز أن يكونا صفتين لـ ﴿ جنات ﴾ و ﴿ ناراً ﴾ لأنهم جريا على غير من هماله، فكان يلزم حينئذٍ أن يقال: خالدين هم فيها وخالداً هو فيها.

قالت المعتزلة: الآية تدل على القطع بوعيد الفساق وخلودهم وذلك أن التعدي في جميع حدود الله محال، لأن من حدوده ترك اليهودية والنصرانية والمجوسية، والتعدي فيها هو الإتيان بجميعها وذلك محال.

فإن المراد تعدّي أي حدّ كان، ولأن الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكون المراد التعدي في هذه الحدود، وأجيب بما مر من أن ذلك مشروط عندكم بعدم التوبة، فأي مانع لنا من أن نزيد فيه شرطاً آخر وهو عدم العفو.

وبأن الآية لعلها مخصوصة بالكافر لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ أي: ومن يعص الله في كذا وفي كذا.

وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر.

نعم يخرج منه ما يخصصه دليل عقلي كما ذكرتم من استحالة الجمع بين اليهودية والنصرانية، ومما يؤكد كون الآية مخصوصة بالكافر أن قوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعاصي.

فلو كان المراد من قوله: ﴿ ويتعد حدوده ﴾ أيضاً ذلك لزم التكرار فوجب حمله على الكفر.

وإن سلم أن المراد هو التعدي في حدود المواريث فلعل المراد من التعدي هو اعتقاد كونها لا على وجه الحكمة والصواب ويلزم منه الكفر والله أعلم بمراده.

قوله عم طوله: ﴿ واللاتي يأتين / الفاحشة ﴾ الآية.

وجه النظم فيه أن التغيلظ عليهم في باب الفاحشة من جملة الإحسان إليهن المأمور به في الآيات المتقدمة.

وفيه أن مدار الشرع على العدل والإنصاف والاحتراز في كل باب من طرفي التفريط والإفراط،، فلا ينبغي أن يصير الإحسان إليهن سبباً لترك إقامة الحدود عليهن.

واللاتي جمع التي وفيه لغات: اللائي بالهمزة، واللواتي واللواتي فكأنهما جمعا الجمع.

وقد تحذف الياآت من الأربعة، وقد تسهل همزة اللائي بين الهمزة والياء لكونها مكسورة لقراءة ورش ﴿ واللائي يئسن من المحيض  ﴾ وقد يقال: اللاي بياء ساكنة بعد الألف من غير همز، وقد يقال: اللوا بحذف التاء والياء معاً.

وقد يقال: اللاآت كاللامات.

قال ابن الأنباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان التي، ومن الحيوان اللاتي كقوله: ﴿ أموالكم التي جعل الله لكم قياماً  ﴾ وقال في هذه الآية ﴿ واللاتي ﴾ لأن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد بخلاف جمع الحيوان فإن كل واحد منهما متميز عن غيره بخواص وصفات.

ومن العرب من يلغي هذا الفرق.

والفاحشة الفعلة المتزايدة في القبح مصدر كالعافية.

وأجمعوا على أنها الزنا ههنا.

قال المحققون: خصص هذا العمل بالفاحشة لأن القوى البدنية نطقية وغضبية وشهوية، وفساد الأولى الكفر والبدعة وأمثالها، وفساد الثانية القتل بغير حق ونحوه، وفساد الثالثة الزنا واللواط والسحق وما أشبهها وهذه أخص الجميع.

ومعنى ﴿ من نسائكم ﴾ من زوجاتكم أو من الحرائر أو من نسائكم المؤمنات والثيبات أقوال.

﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ احتياطاَ لأمر الزنا.

والمراد بقوله: ﴿ منكم ﴾ أي من رجالكم.

قال الزهري: مضت السنة من رسول الله  والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود فإن شهدوا مفصلاً مفسراً كقولهم: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة، أو كالرشاء في البئر.

ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم لا بمعنى عرضي كالحيض، ولا مع تحليل عالم كالمتعة، ولا بشبهة ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ خلدوهن محبوسات في بيوتكم ﴿ حتى يتوفاهن الموت ﴾ أي ملائكة الموت أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بالنكاح أو بالحد.

﴿ واللذان يأتيانها منكم ﴾ يعني الزاني والزانية أو اللائط والملوط ﴿ فآذوهما ﴾ فوبخوهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله أما لكما في النكاح مندوحة عن هذه؟

﴿ فإن تابا وأصلحا ﴾ وغيرا الحال ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ فاقطعوا التوبيخ والذم، أو خوطب الشهود الذين عثروا على سرهما أن يهددوهما بالرفع إلى الإمام والحد فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فأعرضوا عن العرض على الإمام.

واعلم أن للعلماء خلافاً في الآيتين.

فعن الحسن أن الثانية مقدمة في النزول.

أمروا بإيذاء الزانيين أولاً ثم أمروا بإمساك النساء في / البيوت إلى أن يتبين أحوالهن.

وقال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجال والنساء، وبالآية الأولى الثيب.

وعن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات وحدّها الحبس إلى الموت إلا أن يخلصهن الله، والثاني في اللائطين وحدّهما الأذى بالقول والفعل.

والدليل على ذلك تذكير اللذان ولفظ منكم أي من رجالكم كما في قوله: ﴿ أربعة منكم ﴾ وأما الزنا من الرجل والمرأة فذلك في سورة النور وحدّه في البكر الجلد وفي المحصن الرجم، وعلى هذا لايلزم نسخ شيء من الآيات ولا تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين.

وزيف قول أبي مسلم بأنه قول لم يقل به أحد، وبأن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواطة ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية.

وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم دليل على أن الآية ليست في اللواطة.

وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد - وهو من أكابر المفسرين - على أنه بيّن في الأصول أن استنباط تأويل جديد جائز، وأيضاً كان مطلوب الصحابة معرفة حدّ اللوطيّ وكمية ذلك وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح للحد.

وجمهور المفسرين على أن الآيتين في الزنا وأنهما منسوختان لما روى مسلم في كتابه عن عبادة بن الصامت "كان نبي الله  إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد له وجهه فأنزل عليه ذات يوم فلقي كذلك، فلما سري عنه قال: خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" .

ثم استقر الأمر آخراً على أن البكر يجلد ويغرّب والثيب يرجم فقط.

وقيل: إن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجلد.

وعن أصحاب أبي حنيفة أن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد نسخت بدلائل الرجم.

وقال في الكشاف: من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحد لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال.

وقال الشيخ أبو سليمان الخطابي في معالم السنن: إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث.

وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلاً.

ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً، فلما قال  : خذوا عني الثيب يرجم والبكر يجلد وينفى.

صار في هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخاً لها، وصار أيضاً مخصصاً لعموم آية الجلد والله  عليم.

ثم أخبر عن المستحقين لقبول التوبة وعن المستحقين لعدم القبول فقال: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ واجبة وجوب الوعد والكرم لا وجوباً يستحق بتركه الدم ﴿ للذين يعملون السوء بجهالة ﴾ قال أكثر المفسرين: كل من عصى فهو جاهل وفعله جهالة.

ولهذا قال موسى: ﴿ أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين  ﴾ لأنه حيث لم / يستعمل ما معه من العلم بالعقاب والثواب فكأنه لا علم له.

وبهذا التفسير تكون المعصية مع العلم بأنها معصية جهالة.

وقيل: المراد أنه جاهل بعقاب المعصية.

وقيل: المراد أن يكون جاهلاً بكونها معصية لكنه يكون متمكناً من تحصيل العلم بكونها معصية، ولهذا أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية لأنه متمكن من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنباً ومعصية، وأن النائم أو الساهي لا يستحق العقاب لأنه أتى بالقبيح غير متمكن من العلم بكونه قبيحاً.

أما المتعمد فإنه لا يكون داخلاً تحت الآية وإنما يعرف حاله بطريق القياس، وإنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة فلأن تكون واجبة على العامد أولى لأنه عالم بقبح تلك المعصية.

أما قوله: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ فقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب قبل حضور زمان الموت ونزول سلطانه ومعاينة أهواله.

وإنما كان ذلك الزمان قريباً لأن الأجل آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، ولأن مدة عمر اإنسان وإن طالت إذا قيست إلى طرفي الأزل والأبد كانت كالعدم، ولأن الإنسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فإنه يوصف بالقرب.

و"من" في ﴿ من قريب ﴾ إما لابتداء الغاية أي يجعل مبتدأ توبته من زمان قريب من المعصية، أو للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً لما قلنا ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب وإلا فهو تائب من بعيد ألا ترى إلى قوله: ﴿ حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ﴾ فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة، فبقي ما وراء ذلك في حكم القرب.

ومثله قوله  : " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " والفائدة في قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ بعد قوله: ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ أن الأوّل إعلام بأنه يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان, والثاني إخبار بأنه سيفعل ذلك.

أو المراد بالأوّل توفيق التوبة والإعانة عليها، وبالثاني قبولها ﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه ﴿ حكيماً ﴾ يجب في كرمه قبول توبتة العبد إذا تاب من قريب.

قال المحققون: قرب الموت وهو وقوعه في الشدائد بحيث يغلب على ظنه نزول الموت كما في القولنج، وفي حالة الطلق، وعند تلاطم الأمواج مع انكسار السفينة لا يمنع من قبول التوبة، بل التوبة حينئذٍ أولى بالقبول لقوله: ﴿ أمن يجيب المضطر إذا دعاه  ﴾ وإنما المانع من قبوله معاينة سلطان الموت ومشاهدة أحواله وأهواله بحيث تصير معرفته بالله ضرورية كما لأهل الآخرة، وحينئذٍ يسقط التكليف عنه إذ لم يبق في يده زمام الاختيار، وأفضى الأمر إلى حد الإلجاء والإجبار.

وههنا بحث للأشاعرة وهو أن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتاً، ويشاهدون أيضاً أهوال القيامة فيستدلون بها على وجود الفاعل، فكيف يكون ذلك العلم ضرورياً؟

وبتقدير كونه ضرورياً فلم يمنع ذلك صحة التكليف؟

وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الإله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم وأنه لا تنفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه وأيضا العلم النظري هو الذي لا يكون معه تجويز نقيضه، وعلى هذا فلا فرق بينه وبين الضروري ألبتة، وعلى هذا فكيف يصير النظري موجباً للتكليف، والضروري مانعاً من التكليف؟

فثبت ضعف هذا الفرق، وأنه  يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد وقبل التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً والمردود مقبولاً ﴿ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون  ﴾ وأقول: التحقيق فيه أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، وقوله صدق وأمره حق، وقد عين لعبيده حالين: دنيا وعقبى.

وقد أخبر أنه جعل الدنيا دار العمل، والعقبة دار الجزاء، وليس لأحد عليه اعتراض أنه لم يعكس الأمر.

ثم إن لليقين مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، وليس ببعيد أن لا يكون عليم اليقين منافياً للتكليف، ويكون عين اليقين منافياً له.

ثم عطف قوله: ﴿ ولا الذين يموتون ﴾ على ﴿ للذين يعملون السيئات ﴾ تسوية بين الذين سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم لأن حضرة الموت أوّل أحوال الآخرة، فكما إن المائت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت لمجاوزة كل منهما الحد المضروب للتوبة.

أو المعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الإيمان لا يقبل عند القريب من الموت، أو المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم.

﴿ أولئك أعتدنا لهم ﴾ أي أعددنا الوعيد نظير قوله: ﴿ فأولئك يتوب الله عليهم ﴾ في الوعد ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة.

قالت الوعيدية: المعطوف مغاير للمعطوف عليه.

لكن الطائفة الثانية كفار فالأوّلون فساق لكنهما مشتركان في العذاب الأليم، فثبت أن حكمهما واحد.

وأجيب بأن ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى أقرب المذكورين، ويعضده أن الكفار أشنع قولاً من الفساق، أو الطائفة الأولى هم الذين عاشوا على الكفر ثم تابوا في حضرة الموت كفرعون، والثانية هم الذين عاشوا على الكفر وماتوا عليه كنمرود مثلاً.

/ قوله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ من ههنا شروع في النهي عما كانوا عليه في الجاهلية من إيذاء النساء بصنوف من العذاب وضروب من البلاء وذلك أنواع: الأول قوله: ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا ﴾ وفيه قولان: أحدهما الوراثة تعود إلى المال أي لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثون أموالهن وهن كارهات لإمساككم، وثانيهما أنها ترجع إلى أعيانهن.

وكانوا إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه عليها وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله.

فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا الصداق الأوّل الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئاً فنزلت.

النوع الثاني: ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ قال أكثر المفسرين: كان الرجل منهم يكره زوجته ويريد مفارقتها فيسيء العشرة معها ويضيق الأمر عليها حتى تفتدي منه بمالها وتختلع فنهوا عن ذلك.

وقيل: إنه خطاب للوراث بأن يترك منعها من التزوّج بمن شاءت وأرادت لتبذل امرأة الميت ما أخذت من الميراث كما كان يفعله أهل الجاهلية.

وقيل: إنه نهي للأولياء عن عضل المرأة، أو للأزواج كما مر في سورة البقرة.

قال في الكشاف: إعراب ﴿ تعضلوهن ﴾ النصب عطفاً على ﴿ أن ترثوا ﴾ ولا لتأكيد النفي.

قلت: الظاهر أنه النهي لعطف الأمر وهو قوله: ﴿ وعاشروهن ﴾ عليه وصاحب الكشاف نظر إلى ما قبله وذهل عما بعده ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ من قرأ بالفتح فلأن الفاحشة لا فعل لها في الحقيقة وإنما الله  هو الذي بينها، أو الشهود الأربعة هم بينوها.

ومن قرأ بالكسر فلأنها إذا تبينت وظهرت صارت أسباباً للبيان كقوله: ﴿ إنهن أضللن كثيراً من الناس  ﴾ لما صرن أسباباً للضلال.

ثم إنه استثناء مماذا؟

قيل: من أخذ المال أي لا يحل له أن يحبسها ضراراً لتفتدي إلا إذا زنت فحينئذٍ حل لزوجها أن يسألها الخلع.

وكان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها.

وقيل: استثناء من العضل نهوا عن حبسهن في بيوت الأولياء والأزواج إلا بعد وجود الفاحشة.

ومن هؤلاء القائلين من زعم أن هذا الحكم منسوخ بآية الجلد.

وقيل: الفاحشة هي النشوز وشكاسة الخلق أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فإنهم معذورون حينئذٍ في طلب الخلع.

النوع الثالث من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ وهو الإجمال في القول والإنصاف في المبيت والنفقة ﴿ فإن كرهتموهن ﴾ ورغبتم في فراقهن ﴿ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة ويكون الخير في الاستمرار على المواصلة، منه الثناء في الدنيا بحسن الوفاء وكرم الخلق، ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى، ومنه حصول / ولد نجيب ومال كثير لليمن في صحبتها، قال  : " الشؤم في المرأة والفرس والدار" وقيل: المعنى إن رغبتم في مفارقتهن فربما جعل الله  في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً بأن تتخلص من زوج سيىء العشرة وتجد زوجاً آخر أوفق منه.

النوع الرابع من التكليف ﴿ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ﴾ وذلك أنه لما أذن في مضارتهن إذا أتين بفاحشة بين تحريم الضرار في غير حالة الفاحشة.

يروى أن الرجل منهم كان إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجته الأولى بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوّج المرأة روي يريدها فنهوا عنه.

والقنطار المال العظيم, وفيه دليل على جواز المغالاة في المهر.

روي أن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم.

فقامت امرأة وقالت: يا ابن الخطاب، الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية.

فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر ورجع عن ذلك.

ويحتمل أن يقال: ذكر إيتاء القنطار وارد على سبيل المبالغة والفرض لا الرخصة.

وهو في موضع الحال أي وقد آتيتم.

ومعنى الإيتاء الالتزام ووقوع العقد عليه سواء أدّى المال إليها أم لا.

واعلم أن النشوز إن كان من قبل الزوجة حل أخذ مال الخلع، وإن كان من قبل الزوج لم يحل إلا أنه يفيد الملك لو خالع، كما أن البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك.

﴿ أتأخذونه ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ بهتاناً ﴾ وهو أن يستقبل الرجل بأمر قبيح يقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير.

وفي الحديث " "إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته " وهو مصدر في موضع الحال أي باهتين وآثمين، أو على أنه مفعول له مثل: قعدت جبناً.

وقيل: بنزع الخافض أي ببهتان.

وقيل: بمضمر أي تصيبون بهتاناً.

وسبب تسيمة هذا الأخذ بهتاناً أنه  فرض لها ذلك المهر فمن استردّه فكأنه يقول ليس ذلك بفرض فيكون بهتاناً، أو أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر إليها وأن لا يأخذه منها فإذا أخذه منها صار القول الأوّل بهتاناً أي باطلاً، أو كان من عادتهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تفتدي، فلما كان هذا الأمر واقعاً على هذا الوجه في الأغلب سيق الكلام على ذلك.

وبالحقيقة أن أخذ هذا المال طعن في ذاتها من حيث إنه مشعر بأنها قد أتت بفاحشة وقبض على مالها فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر.

وقيل: المراد عقاب البهتان والإثم كقوله: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ ثم عجب من الأخذ مستفهماً فقال: ﴿ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ عن ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج وابن قتيبة وإليه ذهب الشافعي أن المراد بالإفضاء الجماع إذ الفضاء الساحة ويقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء.

وهذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع.

وقيل: الإفضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها وهو قول الكلبي واختاره الفراء، ويوافقه مذهب أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر.

ورجح مذهب الشافعي بأن الكلام ورد في معرض التعجب وهو إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قريباً في حصول الألفة والمودّة وذلك هو الجماع لا مجرد الخلوة، وأيضاً الإفضاء لا بد أن يكون مفسراً بفعل ينتهي منه إليها لأن كلمة "إلى" لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك إذا لم يحصل فعل من أفعال أحدهما إلى الآخر.

فإن قيل: على هذا يجب أن يكون التلامس والاضطجاع في لحاف واحد كافياً في تحقيق الإفضاء، وأنتم لا تقولون به؟

فالجواب أنه باطل بالإجماع إذ القائل قائلان: قائل بتفسير الإفضاء بالجماع، وقائل بتفسيره بمجرد الخلوة.

وأيضاً الشرع قد علق تقرر المهر بتحقيق الإفضاء، وقد اشتبه معناه أنه الخلوة أو الجماع فوجب الرجوع إلى ما قبل زمان الخلوة.

ومقتضى ذلك عدم تقرر المهر.

ثم أكد المنع من استرداد المهر بقوله: ﴿ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً ﴾ قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولكم زوّجتك هذه المرأة على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فقد سرحها بالإساءة.

وقال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق وإليها أشار في الحديث: " "واستحللتم فروجهن بكلمة الله " وقال آخرون: أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقاً غليظاً وصفه بالغلظ لقوّته قد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟

النوع الخامس من التكاليف المتعلقة بأمور النساء قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا عن ذلك.

وههنا مسألة خلافية قال أبو حنيفة: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي: لا يحرم.

حجة أبي حنيفة أن النكاح عبارة عن الوطء لقوله: ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره  ﴾ وبالاتفاق / لا يحصل التحليل بمجرد العقد.

ولقوله: ﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح  ﴾ اي الوطء لأن أهلية العقد حاصلة أبداً.

ولقوله: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية  ﴾ ولقوله  : " "ناكح اليد ملعون " فيدخل في الآية المزنية لأنها منكوحة أي موطوأة.

وعورض بالآيات الدالة على أن النكاح هو العقد كقوله: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم  ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء  ﴾ وبقوله  : " النكاح سنتي" ولا شك أن الوطء من حيث إنه وطء ليس سنة له.

وبقوله: " "ولدت من نكاح لا من سفاح " وبأن من حلف في أولاد الزنا إنهم ليسوا من أولاد النكاح لم يحنث.

سلمنا أن الوطء سمي بالنكاح لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكره أولى من حملها على ما ذكرنا مع إجماع المفسرين على أن سبب نزول الآية هو العقد لا الوطء؟

قالوا: حقيقة في الوطء مجاز في العقد لأنه في اللغة الضم، وهذا المعنى حاصل في الوطء لا في العقد.

وإنما أطلق النكاح على العقد إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، والحمل على الحقيقة أولى أو مشترك بينهما.

ويجوز استعماله في مفهوميه معاً، فتكون الآية نهياً عن الوطء وعن العقد معاً، أو لا يجوز استعماله في المفهومين فيكون نهياً عن القدر المشترك بينهما وهو الضم.

والنهي عن المشترك يكون نهياً عن القسمين، فإن النهي عن التلوين يكون نهياً عن التسويد والتبييض لا محالة، وأجيب بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه غير جائز، وبأن معنى الضم لا يتصوّر في العقد.

سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء ولكن ما في قوله: ﴿ ما نكح ﴾ لا نسلم أنها موصولة لأنها حقيقة في غير العقلاء وإنما هي مصدرية والتقدير: ولا تنكحوا نكاح آبائكم فإن أنكحتهم كانت بغير ولي وشهود وكانت مرفية ومهرية فنهوا عن مثل هذه الأنكحة.

قال محمد بن جرير الطبري.

سلمنا أن المراد لا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكنا لا نسلم أن "من" تفيد العموم وإذا لم تفد العموم لم تتناول محل النزاع.

لكن لم قلتم إن النهي للتحريم لا للتنزيه؟

سلمنا أن النهي للتحريم لكن لا نسلم أنه غير صحيح لأن النهي عندكم لا يدل على الفاسد كما في البيع الفاسد وفي صوم يوم النحر.

وإذا كان منعقداً صحيحاً.

ثم إنا نستدل على جواز نكاح مزنية الأب بقوله تعالى: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  ﴾ نهى عن نكاحهن إلى غاية نفي إيمانهن، وهذا يقتضي جواز نكاحهن بعد تلك الغاية على الإطلاق مزنية كانت أو غيرها، إلا ماأخرجه الدليل، وهكذا سائر العمومات كقوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ وكقوله  " إذا جاءكم من ترضون دينه فزوّجوه" " وقوله: " زوّجوا أبناءكم / الأكفاء" وبقوله  : " الحرام لا يحرّم الحلال" ودخول التخصيص فيه بما لو وقع قطرة من الخمر في إناء من الماء فتحرمه لا يمنع من الاستدلال به في غيره، وقد ناظر الشافعي محمد بن الحسن في هذه المسألة فوقع ختم الكلام على قول الشافعي وطء حدت به ووطء رجمت به فكيف يشتبهان؟

أما قوله  : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فللمفسرين فيه وجوه: أحسنها ما ذكره السيد صاحب حل العقد أنه على طريق المعنى.

فإن النهي يدل على المؤاخذة بارتكاب المنهي عنه فكأنه قيل: انتم مؤاخذون بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف قبل نزول آية التحريم فإنه معفوّ عنه.

وقال في الكشاف: هذا كما استثنى "غير أن سيوفهم" من قوله: "ولا عيب فيهم" يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فإنه لا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن.

والغرض المبالغة في تحريمه كقوله: ﴿ حتى يلج الجمل في سم الخياط  ﴾ وقولهم: حتى يبيض القار.

وقيل: استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل.

والمعنى لكن ما قد سلف فإن الله قد تجاوز عنه.

وقيل: "إلا" بمعنى"بعد" كقوله: ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى  ﴾ أي بعد موتتهم الأولى.

وقيل: إلا ما قد سلف فإنكم مقرّون عليه.

قالوا: إنه  أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنما فعل ذلك ليكون صرفهم عن هذه العادة على سبيل التدريج.

وزيف بعضهم هذا القول وقال ما أقرّ أحداً على نكاح امرأة أبيه وإن كان في الجاهلية.

وروي "أنه  بعث أبا بردة إلى رجل عرّس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله" إنه أي إن هذا النكاح كان قبل النهي فاحشة، أعلم الله  أن هذا الفعل كان أبداً ممقوتاً عند العرب، وهذا النكاح بعد النهي فاحشة في الإسلام لأنه كان في علم الله وحكمه موصوفاً بهذا الوصف، والمقت عبارة عن بغض مقرون باستحقار.

حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله  في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار.

قال بعضهم: مراتب القبح ثلاث: في العقول وفي الشرع وفي العادة.

فالفاحشة إشارة إلى القبح العقلي لأن زوجة الأب تشبه الأم، والمقت إشارة إلى القبح الشرعي.

﴿ وساء سبيلاً ﴾ إشارة إلى القبح العادي وساء فعل ذم وفاعله ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده والله  أعلم.

التأويل: الوراثة الدينية أيضاً سبب ونسب.

فالسبب هو الإرادة بلبس خرقة المشايخ والتشبه بهم، والنسب هو الصحبة معهم بالتسليم لتصرفات ولا يتهم ظاهراً وباطناً مستسلماً لأحكام التسليل والتربية ليتولد السالك بالنشأة الثانية من صلب ولايتهم.

ومن هنا قال  : / " الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد " وإنما يتوارث أهل الدين على قدر تعلقاتهم السببية والنسبية والذكورة والأنوثة في الجدّ والاجتهاد وحسن الاستعداد وبتوارثهم العلوم الدينية واللدنية كقوله  : " العلماء ورثة الأنبياء " وقول موسى للخضر ﴿ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً  ﴾ ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ هي النفوس الأمارات بالسوء ﴿ فاستشهدوا عليهم أربعة منكم ﴾ أي من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي التراب ومن خواصه الخسة والذلة، والماء ومن خواصه اللين والأنوثة والشرة، والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والشهوة، والنار ومن خواصها الكبر والغضب وحب الرياسة ﴿ فإن شهدوا ﴾ بأن يظهر بعض هذه الصفات من النفوس ﴿ فأمسكوهن في البيوت ﴾ في سجن الدينا وأغلقوا عليهم أبواب الحواس الخمس حتى تموت النفس بالانقطاع عن حظوظها دون حقوقها ﴿ أو يجعل الله لهن سبيلاً ﴾ بانفتاح روزنة القلوب إلى عالم الغيب ﴿ واللذان يأتيانها ﴾ أي النفس والقالب يأتيان من الفواحش ظاهراً في الأعمال وباطناً في الأحوال والأخلاق ﴿ فأذوهما ﴾ ظاهراً بالحدود وباطناً بالرياضات وترك الحظوظ ﴿ فأعرضوا عنهما ﴾ باللطف بعد العنف، وباليسر بعد العسر ﴿ بجهالة ﴾ أي بصفة الجهولية وهي داخلة في الظلومية لأن لا ظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والجهولية تقتضي المعصية فحسب.

فالعمل السوء إذا كان مصدره الجهولية فحسب يكون على عقيبة التوبة كما قال: ﴿ ثم يتوبون من قريب ﴾ أي عقيب المعصية.

قال  : " أتبع السيئة السنة تمحها" " والحسنة التوبة.

ويحتمل أن يقال: من قريب أي قبل أن يموت القلب بالإصرار فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت لأنها تكون اضطرارية باللسان لا اختيارية بالجنان ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ فيه إشارة إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة اكتساب الكمالات، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً ﴾ .

قال بعضهم: كان يجوز لهم أن يرثوا النساء طوعاً؛ لأنه إنما نهي أن يرثوهن كرهاً، فكان فيه دليل جواز وراثتهن طوعاً.

وأما عندنا: فإنه ليس فيه دليل جواز وراثتهن طوعاً، وإن كان النهي إنما كان في حال الكره؛ لأن الأصل عندنا: أن ليس في حظر الحكم في حال دليل إباحته في حال أخرى، ولا في إباحته في حال دليل حظره في حالة أخرى، ولا في حله في حال دليل حرمته في حال أخرى، ولا في حرمته في حال دليل حله في حال أخرى، دليل ذلك قوله -  -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ليس على أن لهم أن يقتلوا إذا لم يخشوا الإملاق، وقوله: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ  ﴾ ليس فيه أنه لا يحل له؛ إذا لم يؤت أجورهن، وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً  ﴾ .

والقصة في الآية ما قيل: إن الرجل إذا مات وترك امرأة، كان أولياؤه أحق بامرأته من ولى نفسها: إن شاءوا تزوجوها وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يتزوجوها؛ فنزلت الآية في ذلك.

[وقيل - أيضاً -: كانوا] في أول الإسلام إذا مات الرجل أقبل أقرب الناس منه فيلقي على امرأته ثوباً فيحدث نكاحها طوعاً وكرهاً؛ فنزلت الآية في ذلك.

والآية عندنا خرجت مخرج بيان التحريم على ما كانوا يفعلون؛ دليل ذلك قوله -  -: ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ نهي الأبناء أن ينكحوا ما نكح آباؤهم من النساء؛ فدل أن النهي كان في الحالين جميعاً: في حال الكره والرضا، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً...

﴾ الآية، تحتمل حرمة وراثتهن أبداً، وأن ذكره "كرهاً" لأوجه: أحدها: أن ليس في ذكر الحرمة في وجه أو ذكر الحكم في حال دلالة تخصيص الحال؛ كقوله -  وتعالى -: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ  ﴾ أنهن يحللن وإن لم يؤتين أجورهن، وإذا لم يصر ذلك شرطا صار كأنه قال الله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً ﴾ ، والله أعلم.

والثاني: أن تكون الوراثة أبداً تكون كرهاً ويجب الميراث سواء من فيه وله أولاد إذا كان وجه الوراثة، فذكره ذلك وغير ذلك سواء.

والثالث: أنهم كانوا يتوارثون النكاح، وهو أمر لا يحتمل الانقسام، ولا عند الاشتراك بالاستمتاع، فكان ذلك على تراض منهم لواحد.

أو [أن] يكون فيما كانت الوراثة ترجع إلى واحد؛ فيكون ذلك له بحق النكاح لا الميراث، فإذا حرم النكاح في حق من يرث من الذكور - وهم الآباء والأبناء - فبطل الميراث لو كان يجوز أن يورث.

ثم دلت هذه الآية في قطع وراثة منافع الأبضاع، وملك الأبضاع أدوم من ملك الإجارات؛ فيجب أن يكون قطع الإجارات أولى.

ودليل آخر على بطلان الوراثة: أن المرأة قد ترث الميراث؛ فتكون وراثة بعض نفسها، فبطل من حيث يراد إثباته.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: هو معطوف على [ ما تقدم]، وهو ما ذكرنا من الوراثة، [نهي أن] يعضلوهن؛ لِيُذْهِبُوا ما آتوهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة؛ قيل: لم يكن يومئذ عقوبة؛ إذا أتت المرأة بفاحشة سوى أخذ المهور منها، وكانوا يمسكونها على الوراثة، فإذا أتت بفاحشة [أخذ] ما آتاها، ثم يسرحها.

فإن قيل: إنما نهاها عن الوراثة؛ لأن الولي إذا ورثها ورثت هي نفسها؛ فيبطل بذلك، فالنهي لذلك.

قيل: لو كان لذلك فالمرأة إذا كانت ممن لا ترث عن الزوج مملوكة يجيء أن يحل ذلك؛ إذ لا وراثة ثَمَّ، فإذا لم يجز دل أنها خرجت على بيان التحريم، والله أعلم.

وقيل: في قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ على الابتداء، ليست على الأول، نهي الزوج أن يأخذ منها ما آتاها من المهر إلا أن يأتين بفاحشة مبينة.

ثم اختلف في قوله -  -: الفاحشة.

[قال بعضهم: هو الزنا، وهو ما ذكرنا.

وقال آخرون: الفاحشة] - هاهنا - هو النشوز، أي: إذا نشزت فلا بأس أن يأخذ منها ما آتاها.

وقيل: هو ما ذكره - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً  ﴾ لا تأخذوا منه شيئاً: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ  ﴾ نهى الأزواج أن يأخذوا منهن شيئاً إلا عندما يخافا ألا يقيما حدود الله، فيحنئذ أباح أخذ ما افتدت به، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ ، وهو ما ذكرنا من النشوز وخوف ترك إقامة حدود الله؛ فعند ذلك أباح له أخذ ما آتاها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ اختلف فيه: قيل: هو كقوله -  -: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ  ﴾ وكقوله -  -: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ  ﴾ .

وقيل: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ : في كلامها، وبرّها، والإنفاق عليها، والإحسان إليها والاجتناب عما لا يليق بها من الشتم والإيذاء، وغير ذلك.

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ يحتمل: بالفضل، ويحتمل: كما لو فعل بك مثل ذلك لم تنكره، بل تعرفه وتقبله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ قيل فيه بوجهين: قيل: كرهتم صحبتهن من قبحهن ودميمتهن، أو سوء خلقهن، فصبرتم على ذلك ﴿ وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ .

قيل: يهب لكم منهن أولاداً تقر بهم أعينكم، أو يعطي لكم في الآخرة ثواباً جزيلا بصحبتكم إياهن.

وقيل [في] قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ ﴾ أي: كرهتم فراقهن، ويجعل الله في الفراق خيراً كثيراً؛ كقوله -  -: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله , لا يجوز لكم أن ترثوا نساء آبائكم كما يُورثُ المال وتتصرفوا فيهن بالزواج بهن، أو تزويجهن ممن تشاؤون، أو منعهن من الزواج.

ولا يجوز لكم إمساك أزواجكم اللاتي تكرهونهن للإضرار بهن، حتى يتنازلن لكم عن بعض ما أعطيتموهن من مهر وغيره، إلا أن يرتكبن فاحشة واضحة كالزنى، فإذا فعلن ذلك جاز لكم إمساكهن والتضييق عليهن حتى يفتدين منكم بما أعطيتموهن، وصاحبوا نساءكم صحبة طيبة، بكف الأذى وبذل الإحسان، فإن كرهتموهن لأمر دنيوي فاصبروا عليهن؛ فلعل الله يجعل فيما تكرهون خيرًا كثيرًا في الحياة الدنيا والآخرة.

من فوائد الآيات ارتكاب فاحشة الزنى من أكثر المعاصي خطرًا على الفرد والمجتمع؛ ولهذا جاءت العقوبات عليها شديدة.

لُطْف الله ورحمته بعباده حيث فتح باب التوبة لكل مذنب، ويسَّر له أسبابها، وأعانه على سلوك سبيلها.

كل من عصى الله تعالى بعمد أو بغير عمد فهو جاهل بقدر من عصاه جل وعلا، وجاهل بآثار المعاصي وشؤمها عليه.

من أسباب استمرار الحياة الزوجية أن يكون نظر الزوج متوازنًا، فلا يحصر نظره فيما يكره، بل ينظر <div class="verse-tafsir" id="91.3GeBy"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وجه الاتصال ظاهر وهو أن الكلام من أول السورة في النساء والبيوت وإنما جاء ذكر التوبة استطرادًا.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا  ﴾ كانت العرب تحتقر النساء وتعدهن من قبيل المتاع والعروض، حتى كان الأقربون يرثون زوجة من يموت منهم كما يرثون ماله فحرم الله هذا العمل من أعمال الجاهلية، ولفظ الكره هنا ليس قيدًا وإنما هو بيان للواقع الذي كانوا عليه فإنهم كانوا يرثونهن بغير رضاهن.

﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ  ﴾ ليس معنى العضل هنا ما قاله المفسر (الجلال) من أنه المنع من زواج الغير، بل معناه لا تضاروهن ولا تضيقوا عليهن ليكرهنكم ويضطررن إلى الافتداء منكم، فقد كانوا يتزوجون من يعجبهم حسنها، ويزوجون من لا تعجبهم أو يمسكونها حتى تفتدى بما كانت ورثت من قريب الوارث أو ما كانت أخذت من صداق ونحوه أو المجموع من هذا وذاك، وربما كلفوها الزيادة إن علموا أنها تستطيعها، وذلك هو الفضل المحرم منها.

﴿ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ  ﴾ روي عن بعض مفسري السلف أن الفاحشة هنا هي الزنا، وعن بعضهم أنها النشوز، وعن بعضهم أنها الفحش بالقول.

والصواب عدم تعيينها وتخصيصها بأحد هذه الأمور بل تبقى على إطلاقها فتصدق بالسرقة أيضًا فإنها من الأمور الفاحشة الممقوتة عند الناس، ولكن يعتبر فيها الوصف المنصوص وهو أن تكون مبينة أي ظاهرة فاضحة لصاحبها، وإنما اشترط هذا القيد لئلا يظلم الرجل المرأة بإصابتها الهفوة واللمم، أو بمجرد سوء الظن والتهم، فمن الرجال الغيور السيء الظن يؤاخذ المرأة بالهفوة فيعدها فاحشة.

وقد حرم الله المضارة لأجل أن يأخذ الرجل منها بعض ما كان آتاها من صداق أو غيره فعلم منه أن المضارة لأخذ جميع ذلك أو أكثر منه حرام بالأولى، وإنما أُبيح للرجل أن يضيق على امرأته إذا أتت بالفاحشة المبينة، لأن المرأة قد تكره الرجل وتميل إلى غيره فتؤذيه بفحش من القول أو الفعل ليملها ويسأم معاشرتها فيطلقها فتأخذ ما كان آتاها وتتزوج آخر تتمتع معه بمال الأول، وربما فعلت معه بعد ذلك كما فعلت بالأول.

وإذا علم النساء أن العضل والتضييق بيد الرجال مما أبيح لهم إذا هن أهنهم بارتكاب الفاحشة المبينة فإن ذلك يكفهن عن ارتكابها والاحتيال بها على أرذل الكسب.

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ المدار في المعروف على ما تعرفه المرأة ولا تستنكره وما يليق به وبها بحسب طبقتهما في الناس.

﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا  ﴾ إن ذكر إرادة الاستبدال مبني على الغالب في مثل هذه الحالة وليس شرطًا لعدم حل أخذ شيء من مال المرأة، فإذا طلقها وهو لا يريد تزوج غيرها وإنما كره عشرتها، أو اختار الوحدة وعدم التقيد بالنساء أو غير ذلك فإنه لا يحل له أخذ شيء من مالها كما يعلم من اشتراط الإتيان بفاحشة مبينة.

﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ  ﴾ ، نكتة التعبير بقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ  ﴾ أي مع كون الظاهر أن يقول وقد أفضيتم إليهن أو أفضى أحدكم إلى الآخر، هي الإشارة إلى كون كل واحد من الزوجين بمنزلة جزء الآخر وبعضه المتمم لوجوده، فكأن بعض الحقيقة كان منفصلًا عن بعضها الآخر فوصل إليه بهذا الإفضاء واتحد به.

ثم قال: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا  ﴾ إن هذا الميثاق الذي أخذه النساء من الرجال لابد أن يكون مناسبًا لمعنى الإفضاء في كون كل منهما من شؤون الفطرة السليمة وهو، ما أشارت غليه الآية الكريمة: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً  ﴾ فهذه آية من آيات الفطرة الإلهية هي أقوى ما تعتمد عليه المرأة في ترك أبويها وإخوتها وسائر أهلها والرضا بالاتصال برجل غريب عنها تساهمه السراء والضراء، فمن آيات الله تعالى في هذا الإنسان أن تقبل المرأة بالانفصال من أهلها ذوي الغيرة عليها لأجل الاتصال بالغريب تكون زوجًا له، ويكون زوجًا لها، تسكن إليه ويسكن إليها، ويكون بينهما من المودة والرحمة أقوى من كل ما يكون بين ذوي القربى، فكأنه يقول إن المرأة لا تقدم على الزوجية وترضى بأن تترك جميع أنصارها وأحبائها لأجل زوجها إلا وهي واثقة بأن تكون صلتها به أقوى من كل صلة، وعيشتها معه أهنأ من كل عيشة، وهذا ميثاق فطري من أغلظ المواثيق وأشدها إحكامًا.

وإنما يفقه هذا المعنى الإنسان الذي يحس إحساس الإنسان، فليتأمل تلك الحالة التي ينشئها الله تعالى بين الرجل وامرأته يجد أن المرأة أضعف من الرجل وأنها تقبل عليه وتسلم نفسها إليه مع علمها بأنه قادر على هضم حقوقها، فعلى أي شيء تعتمد في هذا الإقبال والتسليم؟

وما هو الضمان الذي تأخذه عليه والميثاق الذي تواثقه به؟

ماذا يقع في نفس المرأة إذا قيل لها إنك ستكونين زوجًا لفلان؟

إن أول شيء يخطر في بالها عند سماع مثل هذا القول أو التفكر فيه وإن لم تسأل عنه هو أنها ستكون عنده على حال أفضل من حالها عند أبيها وأمها، وما ذلك إلا لشيء استقر في فطرتها وراء الشهوة، ذلك الشيء هو عقل إلهي وشعور فطري أودع فيها ميلًا إلى صلة مخصوصة لم تعهدها من قبل، وثقة مخصوصة لا تجدها في أحد من الأهل، وحنوًا مخصوصًا لا تجد له موضعًا إلا البعل، فمجموع ذلك هو الميثاق الغليظ الذي أخذته من الرجل بمقتضى نظام الفطرة الذي يوثق به ما لا يوثق بالكلام الموثق بالعهود والإيمان، وبه تعتقد المرأة أنها بالزواج قد أقبلت على سعادة ليس وراءها سعادة في هذه الحياة وإن لم تر من رضيت به زوجًا، ولم تسمع له من قبل كلامًا، فهذا ما علمنا الله تعالى إياه وذكرنا به -وهو مركوز في أعماق نفوسنا- بقوله إن النساء قد أخذن من الرجال بالزواج ميثاقًا غليظًا، فما هي قيمة من لا يفي بهذا الميثاق وما هي مكانته من الإنسانية؟!.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله