الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٢٤ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 303 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٤ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله [ تعالى ] ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) أي : وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات وهن المزوجات ( إلا ما ملكت أيمانكم ) يعني : إلا ما ملكتموهن بالسبي ، فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن ، فإن الآية نزلت في ذلك .
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا سفيان - هو الثوري - عن عثمان البتي ، عن أبي الخليل ، عن أبي سعيد الخدري قال : أصبنا نساء من سبي أوطاس ، ولهن أزواج ، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج ، فسألنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فنزلت هذه الآية : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) [ قال ] فاستحللنا فروجهن .
وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع ، عن هشيم ، ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ، ثلاثتهم عن عثمان البتي ، ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سواري عن عثمان البتي ، ورواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة ، كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم ، عن أبي سعيد الخدري ، فذكره ، وهكذا رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة عن أبي الخليل ، عن أبي سعيد ، به .
وقد روي من وجه آخر عن أبي الخليل ، عن أبي علقمة الهاشمي ، عن أبي سعيد قال الإمام أحمد : حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أبي الخليل ، عن أبي علقمة ، عن أبي سعيد الخدري ; أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أوطاس ، لهن أزواج من أهل الشرك ، فكأن أناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن قال : فنزلت هذه الآية في ذلك : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة - زاد مسلم : وشعبة - ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى ، ثلاثتهم عن قتادة ، بإسناده نحوه .
وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، ولا أعلم أن أحدا ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة .
كذا قال .
وقد تابعه سعيد وشعبة ، والله أعلم .
وقد روى الطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس : أنها نزلت في سبايا خيبر ، وذكر مثل حديث أبي سعيد ، وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها ، أخذا بعموم هذه الآية .
قال ابن جرير : حدثنا ابن مثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم : أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج ؟
قال : كان عبد الله يقول : بيعها طلاقها ، ويتلو هذه الآية ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) وكذا رواه سفيان عن منصور ، ومغيرة والأعمش عن إبراهيم ، عن ابن مسعود قال : بيعها طلاقها .
وهو منقطع .
وقال سفيان الثوري ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن ابن مسعود قال : إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها .
ورواه سعيد ، عن قتادة قال : إن أبي بن كعب ، وجابر بن عبد الله ، وابن عباس قالوا : بيعها طلاقها .
وقال ابن جرير : حدثني يعقوب ، [ حدثنا ] ابن علية ، عن خالد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : طلاق الأمة ست بيعها طلاقها ، وعتقها طلاقها ، وهبتها طلاقها ، وبراءتها طلاقها ، وطلاق زوجها طلاقها .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب قوله : ( والمحصنات من النساء ) قال : هن ذوات الأزواج ، حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك فبيعها طلاقها وقال معمر : وقال الحسن مثل ذلك .
وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن في قوله : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) قال : إذا كان لها زوج فبيعها طلاقها .
وقال عوف ، عن الحسن : بيع الأمة طلاقها وبيعه طلاقها .
فهذا قول هؤلاء من السلف [ رحمهم الله ] وقد خالفهم الجمهور قديما وحديثا ، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقها ; لأن المشتري نائب عن البائع ، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها ، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما; فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ونجزت عتقها ، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث ، بل خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الفسخ والبقاء ، فاختارت الفسخ ، وقصتها مشهورة ، فلو كان بيع الأمة طلاقها - كما قال هؤلاء لما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما خيرها دل على بقاء النكاح ، وأن المراد من الآية المسبيات فقط ، والله أعلم .
وقد قيل : المراد بقوله : ( والمحصنات من النساء ) يعني : العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي واحدة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا .
حكاه ابن جرير عن أبي العالية وطاوس وغيرهما .
وقال عمر وعبيدة : ( والمحصنات من النساء ) ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم .
وقوله : ( كتاب الله عليكم ) أي : هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم ، فالزموا كتابه ، ولا تخرجوا عن حدوده ، والزموا شرعه وما فرضه .
وقد قال عبيدة وعطاء والسدي في قوله : ( كتاب الله عليكم ) يعني الأربع .
وقال إبراهيم : ( كتاب الله عليكم ) يعني : ما حرم عليكم .
وقوله : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) أي : ما عدا من ذكرنا من المحارم هن لكم حلال ، قاله عطاء وغيره .
وقال عبيدة والسدي : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) ما دون الأربع ، وهذا بعيد ، والصحيح قول عطاء كما تقدم .
وقال قتادة ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) يعني : ما ملكت أيمانكم .
وهذه الآية هي التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين ، وقول من قال : أحلتهما آية وحرمتهما آية .
وقوله : ( أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين ) أي : تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي; ولهذا قال : ( محصنين غير مسافحين ) وقوله : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) أي : كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك ، كقوله : ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) [ النساء : 21 ] وكقوله ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ) [ النساء : 4 ] وكقوله ( ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ) [ البقرة : 229 ] وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة ، ولا شك أنه كان مشروعا في ابتداء الإسلام ، ثم نسخ بعد ذلك .
وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ ، ثم أبيح ثم نسخ ، مرتين .
وقال آخرون أكثر من ذلك ، وقال آخرون : إنما أبيح مرة ، ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك .
وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة ، وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل ، رحمهم الله تعالى .
وكان ابن عباس ، وأبي بن كعب ، وسعيد بن جبير ، والسدي يقرءون : " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة " .
وقال مجاهد : نزلت في نكاح المتعة ، ولكن الجمهور على خلاف ذلك ، والعمدة ما ثبت في الصحيحين ، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [ رضي الله عنه ] قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب " الأحكام " .
وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني ، عن أبيه : أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة ، فقال : " يأيها الناس ، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء ، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " وفي رواية لمسلم في حجة الوداع وله ألفاظ موضعها كتاب " الأحكام " .
وقوله : ( ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ) من حمل هذه الآية على نكاح المتعة إلى أجل مسمى قال : فلا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تراضوا على زيادة به وزيادة للجعل .
قال السدي : إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى - يعني الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها - قبل انقضاء الأجل بينهما فقال : أتمتع منك أيضا بكذا وكذا ، فازداد قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة ، وهو قوله : ( ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ) .
قال السدي : إذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل ، وهي منه بريئة ، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها ، وليس بينهما ميراث ، فلا يرث واحد منهما صاحبه .
ومن قال بالقول الأول جعل معناه كقوله : ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة [ فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ] ) [ النساء : 4 ] أي : إذا فرضت لها صداقا فأبرأتك منه ، أو عن شيء منه فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك .
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه قال : زعم الحضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر ، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة ، فقال : ( ولا جناح عليكم ) أيها الناس ( فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ) يعني : إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ ، واختار هذا القول ابن جرير ، وقال [ علي ] بن أبي طلحة عن ابن عباس : ( ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ) والتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها ، ويعني في المقام أو الفراق .
وقوله : ( إن الله كان عليما حكيما ) مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات [ العظيمة ] .
والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم القول في تأويل قوله تعالى : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } يعني بذلك جل ثناؤه : حرمت عليكم المحصنات من النساء , إلا ما ملكت أيمانكم .
واختلف أهل التأويل في المحصنات التي عناهن الله في هذه الآية , فقال بعضهم : هن ذوات الأزواج غير المسبيات منهن .
وملك اليمين : السبايا اللواتي فرق بينهن وبين أزواجهن السباء , فحللن لمن صرن له بملك اليمين من غير طلاق كان من زوجها الحربي لها .
ذكر من قال ذلك : 7124 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا إسرائيل , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال : كل ذات زوج إتيانها زنا , إلا ما سبيت .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن عطية , قال : ثنا إسرائيل , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , مثله .
7125 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس في قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } يقول : كل امرأة لها زوج فهي عليك حرام إلا أمة ملكتها ولها زوج بأرض الحرب , فهي لك حلال إذا استبرأتها .
7126 - وحدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن خالد , عن أبي قلابة في قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : ما سبيتم من النساء , إذا سبيت المرأة ولها زوج في قومها , فلا بأس أن تطأها .
7127 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : كل امرأة محصنة لها زوج فهي محرمة إلا ما ملكت يمينك من السبي وهي محصنة لها زوج , فلا تحرم عليك به .
قال : كان أبي يقول ذلك .
7128 - حدثني المثنى , قال : ثنا عتبة بن سعيد الحمصي , قال : ثنا سعيد , عن مكحول في قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : السبايا .
واعتل قائلو هذه المقالة بالأخبار التي رويت أن هذه الآية نزلت فيمن سبي من أوطاس.
ذكر الرواية بذلك : 7129 - حدثنا بشر بن معاذ قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن أبي الخليل , عن أبي علقمة الهاشمي , عن أبي سعيد الخدري : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس , فلقوا عدوا , فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين , فكان المسلمون يتأثمون من غشيانهن , فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } أي هن حلال لكم إذا ما انقضت عددهن .
* - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن صالح أبي الخليل : أن أبا علقمة الهاشمي حدث , أن أبا سعيد الخدري حدث : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين سرية , فأصابوا حيا من أحياء العرب يوم أوطاس , فهزموهم وأصابوا لهم سبايا , فكان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأثمون من غشيانهن من أجل أزواجهن , فأنزل الله تبارك وتعالى { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } منهن فحلال لكم ذلك .
* - حدثني علي بن سعيد الكناني , قال : ثنا عبد الرحيم بن سليمان , عن أشعث بن سوار , عن عثمان البتي , عن أبي الخليل , عن أبي سعيد الخدري , قال : لما سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل أوطاس , قلنا : يا رسول الله , كيف نقع على نساء قد عرفنا أنسابهن وأزواجهن ؟
قال : فنزلت هذه الآية : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري , عن عثمان البتي , [ عن أبي الخليل ] عن أبي سعيد الخدري , قال : أصبنا نساء من سبي أوطاس لهن أزواج , فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج , فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم , فنزلت : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } فاستحللنا فروجهن .
* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , عن أبي الخليل عن أبي سعيد , قال : نزلت في يوم أوطاس , أصاب المسلمون سبايا لهن أزواج في الشرك , فقال : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } يقول : إلا ما أفاء الله عليكم , قال : فاستحللنا بها فروجهن.
وقال آخرون ممن قال : " المحصنات ذوات الأزواج في هذا الموضع " .
بل هن كل ذات زوج من النساء حرام على غير أزواجهن , إلا أن تكون مملوكة اشتراها مشتر من مولاها فتحل لمشتريها , ويبطل بيع سيدها إياها النكاح بينها وبين زوجها .
ذكر من قال ذلك : 7130 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن عبد الله في قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : كل ذات زوج عليك حرام إلا أن تشتريها , أو ما ملكت يمينك .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , عن شعبة , عن مغيرة عن إبراهيم : أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج , قال : كان عبد الله يقول : بيعها طلاقها , ويتلو هذه الآية : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن إبراهيم , عن عبد الله في قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : كل ذات زوج عليك حرام , إلا ما اشتريت بمالك ; وكان يقول : بيع الأمة : طلاقها.
7131 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , عن ابن المسيب قوله : { والمحصنات من النساء } قال : هن ذوات الأزواج حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك , فبيعها طلاقها .
قال معمر : وقال الحسن مثل ذلك .
7132 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن الحسن في قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : إذا كان لها زوج فبيعها طلاقها .
7133 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : حدثنا سعيد , عن قتادة أن أبي بن كعب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك قالوا : بيعها طلاقها .
7134 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة أن أبي بن كعب وجابرا وابن عباس , قالوا : بيعها طلاقها .
* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا عمر بن عبيد , عن مغيرة , عن إبراهيم , قال : قال عبد الله : بيع الأمة طلاقها.
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن منصور ومغيرة والأعمش , عن إبراهيم , عن عبد الله , قال : بيع الأمة طلاقها .
* - حدثنا بن بشار , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سعيد , عن حماد , عن إبراهيم , عن عبد الله .
مثله .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن حماد , عن إبراهيم , عن عبد الله مثله .
7135 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن خالد , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : طلاق الأمة ست : بيعها طلاقها , وعتقها طلاقها , وهبتها طلاقها , وبراءتها طلاقها , وطلاق زوجها طلاقها .
7136 - حدثني أحمد بن المغيرة الحمصي .
قال : ثنا عثمان بن سعيد , عن عيسى ابن أبي إسحاق , عن أشعث , عن الحسن , عن أبي بن كعب : أنه قال : بيع الأمة طلاقها .
7137 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الأعلى , عن عوف , عن الحسن , قال : بيع الأمة طلاقها , وبيعه طلاقها .
7138 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا خالد , عن أبي قلابة , قال : قال عبد الله : مشتريها أحق ببضعها .
يعني : الأمة تباع ولها زوج .
* - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر , عن أبيه , عن الحسن , قال : طلاق الأمة بيعها .
* - حدثنا حميد , قال : ثنا سفيان بن حبيب , قال : ثنا يونس , عن الحسن أن أبيا , قال : بيعها طلاقها .
7139 - حدثنا أحمد , قال : ثنا سفيان , عن خالد , عن أبي قلابة , عن ابن مسعود , قال : إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها .
7140 - حدثنا حميد , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثني سعيد , عن قتادة , عن أبي معشر , عن إبراهيم , قال : بيعها طلاقها.
قال : فقيل لإبراهيم : فبيعه ؟
قال : ذلك ما لا نقول فيه شيئا .
وقال آخرون : بل معنى المحصنات في هذا الموضع : العفائف.
قالوا : وتأويل الآية : والعفائف من النساء حرام أيضا عليكم , إلا ما ملكت أيمانكم منهن بنكاح وصداق وسنة وشهود من واحدة إلى أربع .
ذكر من قال ذلك : 7141 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن أبي جعفر , عن أبي العالية , قال : يقول : انكحوا ما طاب لكم من النساء : مثنى , وثلاث , ورباع , ثم حرم ما حرم من النسب والصهر , ثم قال : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : فرجع إلى أول السورة إلى أربع , فقال : هن حرام أيضا , إلا بصداق وسنة وشهود .
7142 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن أيوب , عن ابن سيرين عن عبيدة , قال : أحل الله لك أربعا في أول السورة , وحرم نكاح كل محصنة بعد الأربع , إلا ما ملكت يمينك .
قال معمر : وأخبرني ابن طاوس عن أبيه : إلا ما ملكت يمينك , قال : فزوجك مما ملكت يمينك , يقول : حرم الله الزنا , لا يحل لك أن تطأ امرأة إلا ما ملكت يمينك.
7143 - حدثنا علي بن مسروق الكندي , قال : ثنا عبد الرحيم بن سليمان , عن هشام بن حسان , عن ابن سيرين , قال : سألت عبيدة عن قول الله تعالى : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : أربع .
7144 - حدثني علي بن سعيد , قال : ثنا عبد الرحيم , عن أشعث بن سوار , عن ابن سيرين , عن عبيدة , عن عمر بن الخطاب , مثله .
7145 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن أشعث , عن جعفر , عن سعيد بن جبير في قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : الأربع , فما بعدهن حرام .
7146 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , قال : سألت عطاء عنها , فقال : حرم الله ذوات القرابة , ثم قال : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } يقول : حرم ما فوق الأربع منهن .
7147 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { والمحصنات من النساء } قال : الخامسة حرام كحرمة الأمهات والأخوات .
ذكر من قال : عنى بالمحصنات في هذا الموضع العفائف من المسلمين وأهل الكتاب .
7148 - حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد , قال : ثنا عتاب بن بشير , عن خصيف , عن مجاهد , عن ابن عباس في قوله : { والمحصنات } قال : العفيفة العاقلة من مسلمة , أو من أهل الكتاب .
7149 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , عن بعض أصحابه , عن مجاهد : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : العفائف .
وقال آخرون : المحصنات في هذا الموضع ذوات الأزواج غير أن الذي حرم الله منهن في هذه الآية الزنا بهن , وأباحهن بقوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } بالنكاح أو الملك .
ذكر من قال ذلك : 7150 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله تعالى : { والمحصنات } قال : نهى عن الزنا.
* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { والمحصنات من النساء } قال : نهى عن الزنا أن تنكح المرأة زوجين .
7151 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : كل ذات زوج عليكم حرام , إلا الأربع اللاتي ينكحن بالبينة والمهر .
7152 - حدثنا أحمد بن عثمان , قال : ثنا وهب بن جرير , قال : ثنا أبي , قال : سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري , عن سعيد بن المسيب : أنه سئل عن المحصنات من النساء , قال : هن ذوات الأزواج.
7153 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن حماد , عن إبراهيم , عن عبد الله , قال : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين.
وقال علي : ذوات الأزواج من المشركين .
7154 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن سالم , عن سعيد , عن ابن عباس , في قوله : { والمحصنات من النساء } قال : كل ذات زوج عليكم حرام .
7155 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن عبد الكريم , عن مكحول , نحوه .
7156 - حدثني المثنى , قال : ثنا الحماني , قال : ثنا شريك , عن الصلت بن بهرام , عن إبراهيم , نحوه.
7157 - محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم }.
..
إلى { وأحل لكم ما وراء ذلكم } يعني : ذوات الأزواج من النساء لا يحل نكاحهن , يقول : لا يخلب ولا يعد فتنشز على زوجها , وكل امرأة لا تنكح إلا ببينة ومهر فهي من المحصنات التي حرم الله إلا ما ملكت أيمانكم , يعني : التي أحل الله من النساء , وهو ما أحل من حرائر النساء مثنى وثلاث ورباع .
وقال آخرون : بل هن نساء أهل الكتاب .
ذكر من قال ذلك : 7158 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا عيسى بن عبيد , عن أيوب بن أبي العوجاء عن أبي مجلز في قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } قال : نساء أهل الكتاب.
وقال آخرون : بل هن الحرائر .
ذكر من قال ذلك : 7159 - حدثنا ابن بشار , قال : ثني حماد بن مسعدة , قال : ثنا سليمان بن عرعرة , في قوله : { والمحصنات من النساء } قال : الحرائر .
وقال آخرون : المحصنات : هن العفائف وذوات الأزواج , وحرام كل من الصنفين إلا بنكاح أو ملك يمين.
ذكر من قال ذلك : 7160 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني عقيل , عن ابن شهاب , وسئل عن قول الله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم }.
..
الآية , قال : نرى أنه حرم في هذه الآية المحصنات من النساء ذوات الأزواج أن ينكحن مع أزواجهن - والمحصنات : العفائف - ولا يحللن إلا بنكاح , أو ملك يمين .
والإحصان إحصانان : إحصان تزويج , وإحصان عفاف في الحرائر والمملوكات , كل ذلك حرم الله , إلا بنكاح أو ملك يمين.
وقال آخرون : نزلت هذه الآية في نسائكن يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج , فيتزوجهن بعض المسلمين , ثم يقدم أزواجهن مهاجرين , فنهي المسلمون عن نكاحهن .
ذكر من قال ذلك : 7161 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : ثني حبيب بن أبي ثابت عن أبي سعيد الخدري , قال : كان النساء يأتيننا ثم يهاجر أزواجهن فمنعناهن ; يعني قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } وقد ذكر ابن عباس وجماعة غيره أنه كان ملتبسا عليهم تأويل ذلك .
7162 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن عمرو بن مرة , قال : قال رجل لسعيد بن جبير : أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } فلم يقل فيها شيئا ؟
قال : فقال : كان لا يعلمها.
7163 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى , عن مجاهد , قال : لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل , قوله : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } .
..
إلى قوله : { فما استمتعتم به منهن } ...
إلى آخر الآية .
قال أبو جعفر : فأما المحصنات فإنهن جمع محصنة , وهي التي قد منع فرجها بزوج , يقال منه : أحصن الرجل امرأته فهو يحصنها إحصانا وحصنت هي فهي تحصن حصانة : إذا عفت , وهي حاصن من النساء : عفيفة , كما قال العجاج : وحاصن من حاصنات ملس عن الأذى وعن قراف الوقس ويقال أيضا إذا هي عفت وحفظت فرجها من الفجور : قد أحصنت فرجها فهي محصنة , كما قال جل ثناؤه : { ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها } 66 12 بمعنى : حفظته من الريبة ومنعته من الفجور .
وإنما قيل لحصون المدائن والقرى حصون لمنعها من أرادها وأهلها , وحفظها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها , ولذلك قيل للدرع درع حصينة .
فإذا كان أصلا لإحصان ما ذكرنا من المنع والحفظ فبين أن معنى قوله : { والمحصنات من النساء } والممنوعات من النساء حرام عليكم { إلا ما ملكت أيمانكم } وإذ كان ذلك معناه , وكان الإحصان قد يكون بالحرية , كما قال جل ثناؤه : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } 5 5 ويكون بالإسلام , كما قال تعالى ذكره : { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } 4 25 ويكون بالعفة كما قال جل ثناؤه : { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } 24 4 ويكون بالزوج ; ولم يكن تبارك وتعالى خص محصنة دون محصنة في قوله : { والمحصنات من النساء } فواجب أن يكون كل محصنة بأي معاني الإحصان كان إحصانها حراما علينا سفاحا أو نكاحا , إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء , كما أباحه لنا كتاب الله جل ثناؤه , أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل الله .
فالذي أباحه تبارك وتعالى لنا نكاحا من الحرائر الأربع سوى اللواتي حرمن علينا بالنسب والصهر , ومن الإماء ما سبينا من العدو سوى اللواتي وافق معناهن معنى ما حرم علينا من الحرائر بالنسب والصهر , فإنهن والحرائر فيما يحل ويحرم بذلك المعنى متفقات المعاني , وسوى اللواتي سبيناهن من أهل الكتابين ولهن أزواج , فإن السباء يحلهن لمن سباهن بعد الاستبراء , وبعد إخراج حق الله تبارك وتعالى الذي جعله لأهل الخمس منهن .
فأما السفاح فإن الله تبارك وتعالى حرمه من جميعهن , فلم يحله من حرة ولا أمة ولا مسلمة ولا كافرة مشركة .
وأما الأمة التي لها زوج فإنها لا تحل لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها , أو وفاته وانقضاء عدتها منه , فأما بيع سيدها إياها فغير موجب بينها وبين زوجها فراقا ولا تحليلا لمشتريها , لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنه خير بريرة إذ أعتقتها عائشة بين المقام مع زوجها الذي كان سادتها زوجوها منه في حال رقها , وبين فراقه " ولم يجعل صلى الله عليه وسلم عتق عائشة إياها طلاقا .
ولو كان عتقها وزوال ملك عائشة إياها لها طلاقا لم يكن لتخيير النبي صلى الله عليه وسلم إياها بين المقام مع زوجها والفراق معنى , ولوجب بالعتق الفراق , وبزوال ملك عائشة عنها الطلاق ; فلما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الذي ذكرنا وبين المقام مع زوجها والفراق كان معلوما أنه لم يخير بين ذلك إلا والنكاح عقده ثابت , كما كان قبل زوال ملك عائشة عنها , فكان نظيرا للعتق الذي هو زوال ملك مالك المملوكة ذات الزوج عنها البيع الذي هو زوال ملك مالكها عنها , إذ كان أحدهما زوالا ببيع والآخر بعتق في أن الفرقة لا يجب بها بينها وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما طلاق وإن اختلفا في معان أخر , من أن لها في العتق الخيار في المقام مع زوجها والفراق , لعلة مفارقة معنى البيع , وليس ذلك لها في البيع .
فإن قال قائل : وكيف يكون معنيا بالاستثناء من قوله : { والمحصنات من النساء } ما وراء الأربع من الخمس إلى ما فوقهن بالنكاح والمنكوحات به غير مملوكات ؟
قيل له : إن الله تعالى لم يخص بقوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } المملوكات الرقاب دون المملوك عليها بعقد النكاح أمرها , بل عم بقوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } كلا المعنيين , أعني ملك الرقبة وملك الاستمتاع بالنكاح , لأن جميع ذلك ملكته أيماننا , أما هذه فملك استمتاع , وأما هذه فملك استخدام واستمتاع وتصريف فيما أبيح لمالكها منها .
ومن ادعى أن الله تبارك وتعالى عنى بقوله : { والمحصنات من النساء } محصنة وغير محصنة , سوى من ذكرنا أولا بالاستثناء بقوله : { إلا ما ملكت أيمانكم } بعض أملاك أيماننا دون بعض , غير الذي دللنا على أنه غير معني به , سئل البرهان على دعواه من أصل أو نظير , فلن يقول في ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله .
فإن اعتل معتل منكم بحديث أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في سبايا أوطاس , قيل له : إن سبايا أوطاس لم يوطأن بالملك والسباء دون الإسلام , وذلك أنهن كن مشركات من عبدة الأوثان , وقد قامت الحجة بأن نساء عبدة الأوثان لا يحللن بالملك دون الإسلام , وأنهن إذا أسلمن فرق الإسلام بينهن وبين الأزواج , سبايا كن أو مهاجرات , غير أنة إذا كن سبايا حللن إذا هن أسلمن بالاستبراء.
فلا حجة لمحتج في أن المحصنات اللاتي عناهن بقوله , { والمحصنات من النساء } ذوات الأزواج من السبايا دون غيرهن بخبر أبي سعيد الخدري أن ذلك نزل في سبايا أوطاس , لأنه وإن كان فيهن نزل , فلم ينزل في إباحة وطئهن بالسباء خاصة دون غيره من المعاني التي ذكرنا , مع أن الآية تنزل في معنى فتعم ما نزلت به فيه وغيره , فيلزم حكمها جميع ما عمته لما قد بينا من القول في العموم والخصوص في كتابنا " كتاب البيان عن أصول الأحكام " .كتاب الله عليكم القول في تأويل قوله تعالى : { كتاب الله عليكم } يعني تعالى ذكره : كتابا من الله عليكم .
فأخرج الكتاب مصدرا من غير لفظه.
وإنما جاز ذلك لأن قوله تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم } .
..
إلى قوله : { كتاب الله عليكم } بمعنى : كتب الله تحريم ما حرم من ذلك وتحليل ما حلل من ذلك عليكم كتابا .
وبما قلنا في ذلك , قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : 7164 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن إبراهيم , قال : { كتاب الله عليكم } قال : ما حرم عليكم .
7165 - حدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : سألت عطاء عنها فقال : { كتاب الله عليكم } قال : هو الذي كتب عليكم الأربع أن لا تزيدوا.
7166 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن ابن عون , عن محمد بن سيرين , قال : قلت لعبيدة : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم } وأشار ابن عون بأصابعه الأربع .
* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا هشام , عن ابن سيرين , قال : سألت عبيدة , عن قوله : { كتاب الله عليكم } قال : أربع .
7167 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { كتاب الله عليكم } الأربع .
7168 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { كتاب الله عليكم } قال : هذا أمر الله عليكم , قال : يريد ما حرم عليهم من هؤلاء وما أحل لهم.
وقرأ : { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم } .
..
إلى آخر الآية .
قال : كتاب الله عليكم الذي كتبه , وأمره الذي أمركم به .
{ كتاب الله عليكم } أمر الله.
وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله : { كتاب الله عليكم } منصوب على وجه الإغراء , بمعنى : عليكم كتاب الله , الزموا كتاب الله .
والذي قال من ذلك غير مستفيض في كلام العرب , وذلك أنه لا [ تكاد ] تنصب بالحرف الذي تغري به , لا تكاد تقول : أخاك عليك وأباك دونك , وإن كان جائزا.
والذي هو أولى بكتاب الله أن يكون محمولا على المعروف من لسان من نزل بلسانه هذا مع ما ذكرنا من تأويل أهل التأويل ذلك بمعنى ما قلنا , وخلاف ما وجهه إليه من زعم أنه نصب على وجه الإغراء .وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم القول في تأويل قوله تعالى : { وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : معنى ذلك : وأحل لكم ما دون الخمس أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح .
ذكر من قال ذلك : 7169 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن المفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ما دون الأربع أن تبتغوا بأموالكم .
7170 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن سفيان , عن هشام , عن ابن سيرين , عن عبيدة السلماني : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } يعني : ما دون الأربع .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأحل لكم ما وراء ذلكم من سمي لكم تحريمه من أقاربكم .
ذكر من قال ذلك : 7171 - حدثنا القاسم , قال ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , قال : سألت عطاء عنها , فقال : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } قال : ما وراء ذات القرابة , { أن تبتغوا بأموالكم } .
..
الآية .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } عدد ما أحل لكم من المحصنات من النساء الحرائر ومن الإماء .
ذكر من قال ذلك : 7172 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة في قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } قال : ما ملكت أيمانكم .
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب , ما نحن مبينوه ; وهو أن الله جل ثناؤه بين لعباده المحرمات بالنسب والصهر , ثم المحرمات من المحصنات من النساء , ثم أخبرهم جل ثناؤه أنه قد أحل لهم ما عدا هؤلاء المحرمات المبينات في هاتين الآيتين أن نبتغيه بأموالنا نكاحا وملك يمين لا سفاحا .
فإن قال قائل : عرفنا المحللات اللواتي هن وراء المحرمات بالأنساب والأصهار , فما المحللات من المحصنات والمحرمات منهن ؟
قيل : هو ما دون الخمس من واحدة إلى أربع على ما ذكرنا عن عبيدة والسدي من الحرائر , فأما ما عدا ذوات الأزواج فغير عدد محصور بملك اليمين .
وإنما قلنا إن ذلك كذلك , لأن قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } عام في كل محلل لنا من النساء أن نبتغيها بأموالنا , فليس توجيه معنى ذلك إلى بعض منهن بأولى من بعض , إلا أن تقوم بأن ذلك كذلك حجة يجب التسليم لها , ولا حجة بأن ذلك كذلك.
واختلف القراء في قراءة قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } فقرأ ذلك بعضهم : " وأحل لكم " بفتح الألف من أحل , بمعنى : كتب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم.
وقرأه آخرون : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } اعتبارا بقوله : { حرمت عليكم أمهاتكم .
..
وأحل لكم ما وراء ذلكم } قال أبو جعفر : والذي نقول في ذلك إنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة الإسلام غير مختلفتي المعنى , فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب الحق .
وأما معنى قوله : { ما وراء ذلكم } فإنه يعني : ما عدا هؤلاء اللواتي حرمتهن عليكم أن تبتغوا بأموالكم , يقول : أن تطلبوا وتلتمسوا بأموالكم , إما شراء بها وإما نكاحا بصداق معلوم , كما قال جل ثناؤه : { ويكفرون بما وراءه } 2 91 يعني : بما عداه وبما سواه .
وأما موضع " أن " من قوله : { أن تبتغوا بأموالكم } فرفع ترجمة عن " ما " التي في قوله : { وأحل لكم ما وراء ذلكم } في قراءة من قرأ : { وأحل } بضم الألف .
ونصب على ذلك في قراءة من قرأ ذلك .
" وأحل " بفتح الألف .
وقد يحتمل النصب في ذلك في القراءتين على معنى : وأحل لكم ما وراء ذلكم لأن تبتغوا , فلما حذفت اللام الخافضة اتصلت بالفعل قبلها فنصبت .
وقد يحتمل أن تكون في موضع خفض بهذا المعنى إذ كانت اللام في هذا الموضع معلوما أن بالكلام إليها الحاجة .محصنين غير مسافحين القول في تأويل قوله تعالى : { محصنين غير مسافحين } يعني بقوله جل ثناؤه : { محصنين } أعفاء بابتغائكم ما وراء ما حرم عليكم من النساء بأموالكم { غير مسافحين } يقول : غير مزانين .
كما : 7173 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله { محصنين } قال : متناكحين.
{ غير مسافحين } قال : زانين بكل زانية .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قال : { محصنين } متناكحين .
{ غير مسافحين } السفاح : الزنا .
7174 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { محصنين غير مسافحين } يقول : محصنين غير زناة .فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة القول في تأويل قوله تعالى : { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { فما استمتعتم به منهن } فقال بعضهم : معناه : فما نكحتم منهن فجامعتموهن , يعني من النساء ; { فآتوهن أجورهن فريضة } يعني : صدقاتهن فريضة معلومة.
ذكر من قال ذلك : 7175 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } يقول : إذا تزوج الرجل منكم ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله .
والاستمتاع هو النكاح , وهو قوله : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } 4 4 7176 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الحسن , في قوله : { فما استمتعتم به منهن } قال : هو النكاح .
7177 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فما استمتعتم به منهن } النكاح .
* - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن مجاهد , قوله : { فما استمتعتم به منهن } قال : النكاح أراد .
7178 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } .
..
الآية , قال : هذا النكاح , وما في القرآن الإنكاح إذا أخذتها واستمتعت بها , فأعطها أجرها الصداق , فإن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ فرض الله عليها العدة وفرض لها الميراث .
قال : والاستمتاع هو النكاح ههنا إذا دخل بها.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فما تمتعتم به منهن بأجر تمتع اللذة , لا بنكاح مطلق على وجه النكاح الذي يكون بولي وشهود ومهر .
ذكر من قال ذلك : 7179 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة " .
فهذه المتعة الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى , ويشهد شاهدين , وينكح بإذن وليها , وإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل وهي منه برية , وعليها أن تستبرئ ما في رحمها , وليس بينهما ميراث , ليس يرث واحد منهما صاحبه .
7180 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فما استمتعتم به منهن } قال : يعني نكاح المتعة.
7181 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا يحيى بن عيسى , قال : ثنا نصير بن أبي الأشعث , قال : ثني حبيب بن أبي ثابت , عن أبيه , قال : أعطاني ابن عباس مصحفا , فقال : هذا على قراءة أبي .
قال أبو كريب , قال يحيى : فرأيت المصحف عند نصير فيه : " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " .
7182 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا داود , عن أبي نضرة , قال : سألت ابن عباس عن متعة النساء , قال : أما تقرأ سورة النساء ؟
قال : قلت بلى .
قال : فما تقرأ فيها : " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " ؟
قلت : لا , لو قرأتها هكذا ما سألتك !
قال : فإنها كذا.
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثني عبد الأعلى , قال : ثني داود , عن أبي نضرة , قال : سألت ابن عباس عن المتعة , فذكر نحوه .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي سلمة , عن أبي نضرة , قال : قرأت هذه الآية على ابن عباس : { فما استمتعتم به منهن } قال ابن عباس : " إلى أجل مسمى " , قال قلت : ما أقرؤها كذلك !
قال : والله لأنزلها الله كذلك ثلاث مرات .
7183 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا أبو داود , قال : ثنا شعبة , عن أبي إسحاق , عن عمير : أن ابن عباس قرأ : " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة وثنا خلاد بن أسلم , قال : أخبرنا النضر , قال : أخبرنا شعبة , عن أبي إسحاق , عن ابن عباس , بنحوه .
7184 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : في قراءة أبي بن كعب : " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " .
7185 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , قال : سألته عن هذه الآية : { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم } إلى هذا الموضع : { فما استمتعتم به منهن } أمنسوخة هي ؟
قال : لا .
قال الحكم : قال علي رضي الله عنه : لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي .
7186 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا عيسى بن عمر القارئ الأسدي , عن عمرو بن مرة أنه سمع سعيد بن جبير يقرأ : " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن " .
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله : فما نكحتموه منهن فجامعتموه فآتوهن أجورهن ; لقيام الحجة بتحريم الله متعة النساء على غير وجه النكاح الصحيح أو الملك الصحيح على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم .
7187 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز , قال : ثني الربيع بن سبرة الجهني , عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : " استمتعوا من هذه النساء " والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج .
وقد دللنا على أن المتعة على غير النكاح الصحيح حرام في غير هذا الموضع من كتبنا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وأما ما روي عن أبي بن كعب وابن عباس من قراءتهما : " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " فقراءة بخلاف ما جاءت به مصاحف المسلمين , وغير جائز لأحد أن يلحق في كتاب الله تعالى شيئا لم يأت به الخبر القاطع العذر عمن لا يجوز خلافه .ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة القول في تأويل قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : معنى ذلك : لا حرج عليكم أيها الأزواج إن أدركتكم عسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهن فريضة فيما تراضيتم به , من حط وبراءة , بعد الفرض الذي سلف منكم لهن ما كنتم فرضتم.
ذكر من قال ذلك : 7188 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , عن أبيه , قال : زعم حضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر , ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة , فقال الله : { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } وقال آخرون : معنى ذلك : ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم أنتم والنساء واللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى , إذا انقضى الأجل الذي أجلتموه بينكم وبينهم في الفراق , أن يزدنكم في الأجل وتزيدوا من الأجر والفريضة قبل أن يستبرئن أرحامهن .
ذكر من قال ذلك : 7189 - حدثنا محمد بن الحسين , قال : ثنا أحمد بن مفضل , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى , يعني : الأجرة التي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما , فقال : أتمتع منك أيضا بكذا وكذا , فازداد قبل أن يستبرئ رحمها , ثم تنقضي المدة , وهو قوله : { فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } وقال آخرون : معنى ذلك : ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم بعد أن تؤتوهن أجورهن على استمتاعكم بهن من مقام وفراق .
ذكر من قال ذلك : 7190 - حدثنا المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثنا معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس , قوله : { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } والتراضي أن يوفيها صداقها , ثم يخيرها.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولا جناح عليكم فيما وضعت عنكم نساؤكم من صدقاتهن من بعد الفريضة .
ذكر من قال ذلك : 7191 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } قال : إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ .
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : معنى ذلك : ولا حرج عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به أنتم ونساؤكم من بعد إعطائهن أجورهن على النكاح الذي جرى بينكم وبينهن من حط ما وجب لهن عليكم , أو إبراء أو تأخير ووضع .
وذلك نظير قوله جل ثناؤه : { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } 4 4 فأما الذي قاله السدي فقول لا معنى له لفساد القول بإحلال جماع امرأة بغير نكاح ولا ملك يمين .إن الله كان عليما حكيما وأما قوله : { إن الله كان عليما حكيما } فإنه يعني : إن الله كان ذا علم بما يصلحكم أيها الناس في مناكحكم وغيرها من أموركم وأمور سائر خلقه بما يدبر لكم ولهم من التدبير , وفيما يأمركم وينهاكم ; لا يدخل حكمته خلل ولا زلل .
والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيمافيه أربع عشرة مسائل :الأولى : قوله تعالى : والمحصنات عطف على المحرمات والمذكورات قبل .
والتحصن : التمنع ؛ ومنه الحصن لأنه يمتنع فيه ؛ ومنه قوله تعالى : [ ص: 106 ] وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم الأنبياء : أي لتمنعكم ؛ ومنه الحصان للفرس ( بكسر الحاء ) لأنه يمنع صاحبه من الهلاك .
والحصان ( بفتح الحاء ) : المرأة العفيفة لمنعها نفسها من الهلاك .
وحصنت المرأة تحصن فهي حصان ؛ مثل جبنت فهي جبان .
وقال حسان في عائشة رضي الله عنها :حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافلوالمصدر الحصانة ( بفتح الحاء ) والحصن كالعلم .
فالمراد بالمحصنات هاهنا ذوات الأزواج ؛ يقال : امرأة محصنة أي متزوجة ، ومحصنة أي حرة ؛ ومنه والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب .
ومحصنة أي عفيفة ؛ قال الله تعالى : محصنات غير مسافحات وقال : محصنين غير مسافحين .
ومحصنة ومحصنة وحصان أي عفيفة ، أي ممتنعة من الفسق ، والحرية تمنع الحرة مما يتعاطاه العبيد .
قال الله تعالى : والذين يرمون المحصنات أي الحرائر ، وكان عرف الإماء في الجاهلية الزنى ؛ ألا ترى إلى قول هند بنت عتبة للنبي صلى الله عليه وسلم حين بايعته : " وهل تزني الحرة " ؟
والزوج أيضا يمنع زوجه من أن تزوج غيره ؛ فبناء ( ح ص ن ) معناه المنع كما بينا .
ويستعمل الإحصان في الإسلام ؛ لأنه حافظ ومانع ، ولم يرد في الكتاب وورد في السنة ؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : الإيمان قيد لفتك .
ومنه قول الهذلي :فليس كعهد الدار يا أم مالك ولكن أحاطت بالرقاب السلاسلوقال الشاعر :قالت هلم إلى الحديث فقلت لا يأبى عليك الله والإسلامومنه قول سحيم :كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياالثانية : إذا ثبت هذا فقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية ؛ فقال ابن عباس وأبو قلابة [ ص: 107 ] وابن زيد ومكحول والزهري وأبو سعيد الخدري : المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج خاصة ، أي هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب ، فإن تلك حلال للذي تقع في سهمه وإن كان لها زوج .
وهو قول الشافعي في أن السباء يقطع العصمة ؛ وقاله ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك ، وقال به أشهب .
يدل عليه ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا ؛ فكان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين ، فأنزل الله عز وجل في ذلك والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم .
أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن .
وهذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن وطء المسبيات ذوات الأزواج ؛ فأنزل الله تعالى في جوابهم إلا ما ملكت أيمانكم .
وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى .
واختلفوا في استبرائها بماذا يكون ؛ فقال الحسن : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستبرئون المسبية بحيضة ؛ وقد روي ذلك من حديث أبي سعيد الخدري في سبايا أوطاس ( لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ) .
ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثرا حتى يقال إن المسبية مملوكة ولكنها كانت زوجة زال نكاحها فتعتد عدة الإماء ، على ما نقل عن الحسن بن صالح قال : عليها العدة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب .
وكافة العلماء رأوا استبراءها واستبراء التي لا زوج لها واحدا في أن الجميع بحيضة واحدة .
والمشهور من مذهب مالك أنه لا فرق بين أن يسبى الزوجان مجتمعين أو متفرقين .
وروى عنه ابن بكير أنهما إن سبيا جميعا واستبقي الرجل أقرا على نكاحهما ؛ فرأى في هذه الرواية أن استبقاءه إبقاء لما يملكه ؛ لأنه قد صار له عهد وزوجته من جملة ما يملكه ، فلا يحال بينه وبينها ؛ وهو قول أبي حنيفة والثوري ، وبه قال ابن القاسم ورواه عن مالك .
والصحيح الأول ؛ لما ذكرناه ؛ ولأن الله تعالى قال : إلا ما ملكت أيمانكم فأحال على ملك اليمين وجعله هو المؤثر فيتعلق الحكم به من حيث العموم والتعليل جميعا ، إلا ما خصه الدليل .
وفي الآية قول ثان قاله عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس في رواية عكرمة : أن المراد بالآية ذوات الأزواج ، أي فهن حرام إلا أن يشتري الرجل الأمة ذات الزوج فإن بيعها طلاقها والصدقة [ ص: 108 ] بها طلاقها وأن تورث طلاقها وتطليق الزوج طلاقها .
قال ابن مسعود : فإذا بيعت الأمة ولها زوج فالمشتري أحق ببضعها وكذلك المسبية ؛ كل ذلك موجب للفرقة بينها وبين زوجها .
قالوا : وإذا كان كذلك فلا بد أن يكون بيع الأمة طلاقا لها ؛ لأن الفرج محرم على اثنين في حال واحدة بإجماع من المسلمين .قلت : وهذا يرده حديث بريرة ؛ لأن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة وأعتقتها ثم خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت ذات زوج ؛ وفي إجماعهم على أن بريرة قد خيرت تحت زوجها مغيث بعد أن اشترتها عائشة فأعتقتها لدليل على أن بيع الأمة ليس طلاقها ؛ وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث ، وألا طلاق لها إلا الطلاق .
وقد احتج بعضهم بعموم قوله : إلا ما ملكت أيمانكم وقياسا على المسبيات .
وما ذكرناه من حديث بريرة يخصه ويرده ، وأن ذلك إنما هو خاص بالمسبيات على حديث أبي سعيد ، وهو الصواب والحق إن شاء الله تعالى .
وفي الآية قول ثالث : روى الثوري عن مجاهد عن إبراهيم قال ابن مسعود في قوله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال : ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين .
وقال علي بن أبي طالب : ذوات الأزواج من المشركين .
وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب والمحصنات من النساء هن ذوات الأزواج ؛ ويرجع ذلك إلى أن الله حرم الزنى .
وقالت طائفة : المحصنات في هذه الآية يراد به العفائف ، أي كل النساء حرام .
وألبسهن اسم الإحصان من كان منهن ذات زوج أو غير ذات زوج ؛ إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك .إلا ما ملكت أيمانكم قالوا : معناه بنكاح أو شراء .
هذا قول أبي العالية وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء ، ورواه عبيدة عن عمر ؛ فأدخلوا النكاح تحت ملك اليمين ، ويكون معنى الآية عندهم في قوله تعالى : إلا ما ملكت أيمانكم يعني تملكون عصمتهن بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء ، فكأنهن كلهن ملك يمين وما عدا ذلك فزنى ، وهذا قول حسن .
وقد قال ابن عباس : المحصنات العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب .
قال ابن عطية : وبهذا التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنى ؛ وأسند الطبري أن رجلا قال لسعيد بن جبير : أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئا ؟
فقال سعيد : كان ابن عباس لا يعلمها .
وأسند أيضا عن مجاهد أنه قال : لو أعلم من يفسر لي هذه الآية [ ص: 109 ] لضربت إليه أكباد الإبل : قوله والمحصنات إلى قوله حكيما .
قال ابن عطية : ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ابن عباس ولا كيف انتهى مجاهد إلى هذا القول ؟الثالثة : قوله تعالى : كتاب الله عليكم نصب على المصدر المؤكد ، أي حرمت هذه النساء كتابا من الله عليكم .
ومعنى حرمت عليكم كتب الله عليكم .
وقال الزجاج والكوفيون : هو نصب على الإغراء ، أي الزموا كتاب الله ، أو عليكم كتاب الله .
وفيه نظر على ما ذكره أبو علي ؛ فإن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء ، فلا يقال : زيدا عليك ، أو زيدا دونك ؛ بل يقال : عليك زيدا ودونك عمرا ، وهذا الذي قاله صحيح على أنه يكون منصوبا ب عليكم وأما على تقدير حذف الفعل فيجوز ويجوز الرفع على معنى هذا كتاب الله وفرضه وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السميقع " كتب الله عليكم " على الفعل الماضي المسند إلى اسم الله تعالى والمعنى كتب الله عليكم ما قصه من التحريم وقال عبيدة السلماني وغيره قوله كتاب الله عليكم إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله تعالى : مثنى وثلاث ورباع وفي هذا بعد ؛ والأظهر أن قوله : كتاب الله عليكم إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله .الرابعة : قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص " وأحل لكم " ردا على حرمت عليكم .
الباقون بالفتح ردا على قوله تعالى : كتاب الله عليكم .
وهذا يقتضي ألا يحرم من النساء إلا من ذكر ، وليس كذلك ؛ فإن الله تعالى قد حرم على لسان نبيه من لم يذكر في الآية فيضم إليها ، قال الله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا .
روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها .
وقال ابن شهاب : فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة ، وقد قيل : إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقى من الآية نفسها ؛ لأن الله تعالى حرم الجمع بين الأختين ، والجمع بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأختين ؛ أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمة في معنى [ ص: 110 ] الوالد .
والصحيح الأول ؛ لأن الكتاب والسنة كالشيء الواحد ؛ فكأنه قال : أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب ، وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد عليه السلام .
وقول ابن شهاب : " فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة " إنما صار إلى ذلك لأنه حمل الخالة والعمة على العموم وتم له ذلك ؛ لأن العمة اسم لكل أنثى شاركت أباك في أصليه أو في أحدهما والخالة كذلك كما بيناه .
وفي مصنف أبي داود وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى .
وروى أبو داود أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره أن يجمع بين العمة والخالة وبين العمتين والخالتين .
الرواية لا يجمع برفع العين على الخبر على المشروعية فيتضمن النهي عن ذلك ، وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه بالنكاح .
وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها ، ولا يعتد بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه ، ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة .
وقوله : لا يجمع بين العمتين والخالتين فقد أشكل على بعض أهل العلم وتحير في معناه حتى حمله على ما يبعد أو لا يجوز ؛ فقال : معنى بين العمتين على المجاز ، أي بين العمة وبنت أخيها ؛ فقيل لهما : عمتان ، كما قيل : سنة العمرين أبي بكر وعمر ؛ قال : وبين الخالتين مثله .
قال النحاس : وهذا من التعسف الذي لا يكاد يسمع بمثله ، وفيه أيضا مع التعسف أنه يكون كلاما مكررا لغير فائدة ؛ لأنه إذا كان المعنى نهى أن يجمع بين العمة وبنت أخيها وبين العمتين يعني به العمة وبنت أخيها صار الكلام مكررا لغير فائدة ؛ وأيضا فلو كان كما قال لوجب أن يكون وبين الخالة ، وليس كذلك الحديث ؛ لأن الحديث ( نهى أن يجمع بين العمة والخالة ) .
فالواجب على لفظ الحديث ألا يجمع بين امرأتين إحداهما عمة الأخرى والأخرى خالة الأخرى .
قال النحاس : وهذا يخرج على معنى صحيح ، يكون رجل وابنه تزوجا امرأة وابنتها ؛ تزوج الرجل البنت وتزوج الابن الأم فولد لكل واحد منهما ابنة من هاتين الزوجتين ؛ فابنة الأب عمة ابنة الابن ، وابنة الابن خالة ابنة الأب .
وأما الجمع بين الخالتين فهذا يوجب أن يكونا امرأتين كل واحدة منهما خالة الأخرى ؛ وذلك أن يكون رجل تزوج ابنة رجل وتزوج الآخر ابنته ، فولد لكل واحد منهما ابنة ، [ ص: 111 ] فابنة كل واحد منهما خالة الأخرى .
وأما الجمع بين العمتين فيوجب ألا يجمع بين امرأتين كل واحدة منهما عمة الأخرى ؛ وذلك أن يتزوج رجل أم رجل ويتزوج الآخر أم الآخر ، فيولد لكل واحد منهما ابنة فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى ؛ فهذا ما حرم الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مما ليس في القرآن .الخامسة : وإذا تقرر هذا فقد عقد العلماء فيمن يحرم الجمع بينهن عقدا حسنا ؛ فروى معتمر بن سليمان عن فضيل بن ميسرة عن أبي جرير عن الشعبي قال : كل امرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج الأخرى فالجمع بينهما باطل .
فقلت له : عمن هذا ؟
قال : عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال سفيان الثوري : تفسيره عندنا أن يكون من النسب ، ولا يكون بمنزلة امرأة وابنة زوجها يجمع بينهما إن شاء .
قال أبو عمر : وهذا على مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحديث وغيرهم فيما علمت لا يختلفون في هذا الأصل .
وقد كره قوم من السلف أن يجمع الرجل بين ابنة رجل وامرأته من أجل أن أحدهما لو كان ذكرا لم يحل له نكاح الأخرى .
والذي عليه العلماء أنه لا بأس بذلك ، وأن المراعى النسب دون غيره من المصاهرة ؛ ثم ورد في بعض الأخبار التنبيه على العلة في منع الجمع بين من ذكر ، وذلك ما يفضي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة مما يقع بين الضرائر من الشنآن والشرور بسبب الغيرة ؛ فروى ابن عباس قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة ، وقال : إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ذكره أبو محمد الأصيلي في فوائده وابن عبد البر وغيرهما .
ومن مراسيل أبي داود عن حسين بن طلحة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على أخواتها مخافة القطيعة ؛ وقد طرد بعض السلف هذه العلة فمنع الجمع بين المرأة وقريبتها ، وسواء كانت بنت عم أو بنت خال أو بنت خالة ؛ روي ذلك عن إسحاق بن طلحة وعكرمة وقتادة وعطاء في رواية ابن أبي نجيح ، وروى عنه ابن جريج أنه لا بأس بذلك وهو الصحيح .
وقد نكح حسن بن حسين بن علي في ليلة واحدة ابنة محمد بن علي وابنة عمر بن علي فجمع بين ابنتي عم ؛ ذكره عبد الرزاق .
زاد ابن عيينة : فأصبح نساؤهم لا يدرين إلى أيتهما يذهبن ؛ وقد كره مالك هذا ، وليس بحرام عنده .
وفي سماع ابن القاسم : سئل مالك عن ابنتي العم أيجمع بينهما ؟
فقال : ما أعلمه حراما .
قيل له : أفتكرهه ؟
قال : إن ناسا ليتقونه ؛ قال ابن القاسم : وهو حلال لا بأس به .
قال ابن المنذر : لا أعلم أحدا أبطل هذا النكاح .
وهما داخلتان في جملة ما أبيح بالنكاح غير خارجتين منه بكتاب ولا سنة ولا إجماع ، وكذلك الجمع بين ابنتي عمة وابنتي [ ص: 112 ] خالة .
وقال السدي في قوله تعالى : وأحل لكم ما وراء ذلكم : يعني النكاح فيما دون الفرج .
وقيل : المعنى وأحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقربائكم .
قتادة : يعني بذلك ملك اليمين خاصة .السادسة : قوله تعالى : أن تبتغوا بأموالكم لفظ يجمع التزوج والشراء .
و " أن " في موضع نصب بدل من " ما " ، وعلى قراءة حمزة في موضع رفع ؛ ويحتمل أن يكون المعنى لأن ، أو بأن ؛ فتحذف اللام أو الباء فيكون في موضع نصب .
ومحصنين نصب على الحال ، ومعناه متعففين عن الزنى .
غير مسافحين أي غير زانين .
والسفاح الزنى ، وهو مأخوذ من سفح الماء ، أي صبه وسيلانه ؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع الدفاف في عرس : هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر .
وقد قيل : إن قوله محصنين غير مسافحين يحتمل وجهين : أحدهما : ما ذكرناه وهو الإحصان بعقد النكاح ، تقديره اطلبوا منافع البضع بأموالكم على وجه النكاح لا على وجه السفاح ؛ فيكون للآية على هذا الوجه عموم .
ويحتمل أن يقال : محصنين أي الإحصان صفة لهن ، ومعناه لتزوجوهن على شرط الإحصان فيهن ؛ والوجه الأول أولى ؛ لأنه متى أمكن جري الآية على عمومها والتعلق بمقتضاها فهو أولى ؛ ولأن مقتضى الوجه الثاني أن المسافحات لا يحل التزوج بهن ، وذلك خلاف الإجماع .السابعة : قوله تعالى : بأموالكم أباح الله تعالى الفروج بالأموال ولم يحصل ، فوجب إذا حصل بغير المال ألا تقع الإباحة به ؛ لأنها على غير الشرط المأذون فيه ، كما لو عقد على خمر أو خنزير أو ما لا يصح تملكه .
ويرد على أحمد قوله في أن العتق يكون صداقا ؛ لأنه ليس فيه تسليم مال وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن استحقت به تسليم مال إليها ؛ فإن الذي كان يملكه المولى من عنده لم ينتقل إليها وإنما سقط .
فإذا لم يسلم الزوج إليها شيئا ولم تستحق عليه شيئا ، وإنما أتلف به ملكه ، لم يكن مهرا .
وهذا بين مع قوله تعالى : وآتوا النساء وذلك أمر يقتضي الإيجاب ، وإعطاء العتق لا يصح .
وقوله تعالى : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه وذلك محال في العتق ، فلم يبق أن يكون الصداق إلا مالا لقوله تعالى : بأموالكم اختلف من قال بذلك في قدر ذلك ؛ فتعلق الشافعي بعموم قوله تعالى : بأموالكم في جواز الصداق بقليل وكثير ، وهو الصحيح ؛ ويعضده قوله عليه السلام في [ ص: 113 ] حديث الموهوبة ولو خاتما من حديد .
وقوله عليه السلام : أنكحوا الأيامى ؛ ثلاثا .
قيل : ما العلائق بينهم يا رسول الله ؟
قال : ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبا من أراك .
وقال أبو سعيد الخدري : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صداق النساء فقال : هو ما اصطلح عليه أهلوهم .
وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو أن رجلا أعطى امرأة ملء يديه طعاما كانت به حلالا .
أخرجهما الدارقطني في سننه .
قال الشافعي : كل ما جاز أن يكون ثمنا لشيء ، أو جاز أن يكون أجرة جاز أن يكون صداقا ، وهذا قول جمهور أهل العلم .
وجماعة أهل الحديث من أهل المدينة وغيرها ، كلهم أجازوا الصداق بقليل المال وكثيره ، وهو قول عبد الله بن وهب صاحب مالك ، واختاره ابن المنذر وغيره .
قال سعيد بن المسيب : لو أصدقها سوطا حلت به ، وأنكح ابنته من عبد الله بن وداعة بدرهمين .
وقال ربيعة : يجوز النكاح بدرهم .
وقال أبو الزناد ما تراضى به الأهلون وقال مالك : لا يكون الصداق أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلا قال بعض أصحابنا في تعليل له : وكان أشبه الأشياء بذلك قطع اليد ، لأن البضع عضو واليد عضو يستباح بمقدر من المال ، وذلك ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلا ؛ فرد مالك البضع إليه قياسا على اليد .
قال أبو عمر : قد تقدمه إلى هذا أبو حنيفة ، فقاس الصداق على قطع اليد ، واليد عنده لا تقطع إلا في دينار ذهبا أو عشرة دراهم كيلا ، ولا صداق عنده أقل من ذلك ، وعلى ذلك جماعة أصحابه وأهل مذهبه ، وهو قول أكثر أهل بلده في قطع اليد لا في أقل الصداق .
وقد قال الداراوردي لمالك إذ قال لا صداق أقل من ربع دينار : تعرقت فيها يا أبا عبد الله أي سلكت فيها سبيل أهل العراق .
وقد احتج أبو حنيفة بما رواه جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا صداق دون عشرة دراهم أخرجه الدارقطني .
وفي سنده مبشر بن عبيد متروك .
وروي عن داود الأودي عن الشعبي عن علي عليه السلام : لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم .
قال أحمد بن حنبل : لقن غياث بن إبراهيم داود الأودي عن الشعبي عن علي : لا مهر أقل من عشرة دراهم .
فصار حديثا .
وقال النخعي : أقله أربعون درهما .
سعيد بن جبير : خمسون درهما .
ابن شبرمة : خمسة دراهم .
ورواه الدارقطني عن ابن عباس عن علي رضي الله عنه : لا مهر أقل من خمسة دراهم .الثامنة : قوله تعالى : فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة الاستمتاع التلذذ والأجور المهور ؛ وسمي المهر أجرا لأنه أجر الاستمتاع ، وهذا نص على أن المهر يسمى أجرا ، وذلك دليل على أنه في مقابلة البضع ؛ لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرا .
وقد [ ص: 114 ] اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو : بدن المرأة أو منفعة البضع أو الحل ؛ ثلاثة أقوال ، والظاهر المجموع ؛ فإن العقد يقتضي كل ذلك .
والله أعلم .التاسعة : واختلف العلماء في معنى الآية ؛ فقال الحسن ومجاهد وغيرهما : المعنى فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح فآتوهن أجورهن أي مهورهن ، فإذا جامعها مرة واحدة فقد وجب المهر كاملا إن كان مسمى ، أو مهر مثلها إن لم يسم .
فإن كان النكاح فاسدا فقد اختلفت الرواية عن مالك في النكاح الفاسد ، هل تستحق به مهر المثل ، أو المسمى إذا كان مهرا صحيحا ؟
فقال مرة المهر المسمى ، وهو ظاهر مذهبه ؛ وذلك أن ما تراضوا عليه يقين ، ومهر المثل اجتهاد فيجب أن يرجع إلى ما تيقناه ؛ لأن الأموال لا تستحق بالشك .
ووجه قوله : " مهر المثل " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن دخل بها فلها مهر مثلها بما استحل من فرجها .
قال ابن خويز منداد : ولا يجوز أن تحمل الآية على جواز المتعة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وحرمه ؛ ولأن الله تعالى قال : فانكحوهن بإذن أهلهن ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هو النكاح الشرعي بولي وشاهدين ، ونكاح المتعة ليس كذلك .
وقال الجمهور : المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام .
وقرأ ابن عباس وأبي وابن جبير " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن " ثم نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال سعيد بن المسيب : نسختها آية الميراث ؛ إذ كانت المتعة لا ميراث فيها .
وقالت عائشة والقاسم بن محمد : تحريمها ونسخها في القرآن ؛ وذلك في قوله تعالى : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين .
وليست المتعة نكاحا ولا ملك يمين .
وروى الدارقطني عن علي بن أبي طالب قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة ، قال : وإنما كانت لمن لم يجد ، فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت .
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : نسخ صوم رمضان كل صوم ، ونسخت الزكاة كل صدقة ، ونسخ الطلاق والعدة والميراث المتعة ، ونسخت الأضحية كل ذبح .
وعن ابن مسعود قال : المتعة منسوخة نسخها الطلاق والعدة والميراث .
وروى عطاء عن ابن عباس قال : ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي .[ ص: 115 ] العاشرة : واختلف العلماء كم مرة أبيحت ونسخت ؛ ففي صحيح مسلم عن عبد الله قال : كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء ؛ فقلنا : ألا نستخصي ؟
فنهانا عن ذلك ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل .
قال أبو حاتم البستي في صحيحه : قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم " ألا نستخصي " دليل على أن المتعة كانت محظورة قبل أن أبيح لهم الاستمتاع ، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنى ، ثم رخص لهم في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل ثم نهى عنها عام خيبر ، ثم أذن فيها عام الفتح ، ثم حرمها بعد ثلاث ، فهي محرمة إلى يوم القيامة .
وقال ابن العربي : وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة ؛ لأنها أبيحت في صدر الإسلام ثم حرمت يوم خيبر ، ثم أبيحت في غزوة أوطاس ، ثم حرمت بعد ذلك واستقر الأمر على التحريم ، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسألة القبلة ، لأن النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت بعد ذلك .
وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها : إنها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرات ؛ فروى ابن أبي عمرة أنها كانت في صدر الإسلام .
وروى سلمة بن الأكوع أنها كانت عام أوطاس .
ومن رواية علي تحريمها يوم خيبر .
ومن رواية الربيع بن سبرة إباحتها يوم الفتح .قلت : وهذه الطرق كلها في صحيح مسلم ؛ وفي غيره عن علي نهيه عنها في غزوة تبوك ؛ رواه إسحاق بن راشد عن الزهري عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن علي ، ولم يتابع إسحاق بن راشد على هذه الرواية عن ابن شهاب ، قاله أبو عمر رحمه الله .
وفي مصنف أبي داود من حديث الربيع بن سبرة النهي عنها في حجة الوداع ، وذهب أبو داود إلى أن هذا أصح ما روي في ذلك .
وقال عمرو عن الحسن : ما حلت المتعة قط إلا ثلاثا في عمرة القضاء ما حلت قبلها ولا بعدها .
وروي هذا عن سبرة أيضا ؛ فهذه سبعة مواطن أحلت فيها المتعة وحرمت .
قال أبو جعفر الطحاوي : كل هؤلاء الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاقها أخبروا أنها كانت في سفر ، وأن النهي لحقها في ذلك السفر بعد ذلك ، فمنع منها ، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حضر ؛ وكذلك روي عن ابن مسعود .
فأما حديث سبرة الذي فيه إباحة النبي صلى الله عليه وسلم لها في حجة الوداع فخارج عن معانيها كلها ؛ وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز خاصة ، وقد رواه إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فذكر أن ذلك كان في فتح مكة وأنهم شكوا إليه العزبة فرخص لهم فيها ، ومحال أن يشكوا إليه العزبة في حجة الوداع ؛ لأنهم كانوا حجوا بالنساء ، [ ص: 116 ] وكان تزويج النساء بمكة يمكنهم ، ولم يكونوا حينئذ كما كانوا في الغزوات المتقدمة .
ويحتمل أنه لما كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم تكرير مثل هذا في مغازيه وفي المواضع الجامعة ، ذكر تحريمها في حجة الوداع ؛ لاجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه ، فأكد ذلك حتى لا تبقى شبهة لأحد يدعي تحليلها ؛ ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيرا .الحادية عشرة : روى الليث بن سعد عن بكير بن الأشج عن عمار مولى الشريد قال : سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح ؟
قال : لا سفاح ولا نكاح .قلت : فما هي ؟
قال : المتعة كما قال الله تعالى .قلت : هل عليها عدة ؟
قال : نعم حيضة .قلت : يتوارثان ، قال : لا .
قال أبو عمر : لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه ، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق .
وقال ابن عطية : " وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الولي إلى أجل مسمى ؛ وعلى أن لا ميراث بينهما ، ويعطيها ما اتفقا عليه ؛ فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل ويستبرئ رحمها : لأن الولد لا حق فيه بلا شك ، فإن لم تحمل حلت لغيره .
وفي كتاب النحاس : في هذا خطأ وأن الولد لا يلحق في نكاح المتعة " .قلت : هذا هو المفهوم من عبارة النحاس ؛ فإنه قال : وإنما المتعة أن يقول لها : أتزوجك يوما - أو ما أشبه ذلك - على أنه لا عدة عليك ولا ميراث بيننا ولا طلاق ولا شاهد يشهد على ذلك ؛ وهذا هو الزنى بعينه ولم يبح قط في الإسلام ؛ ولذلك قال عمر : لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيبته تحت الحجارة .الثانية عشرة : وقد اختلف علماؤنا إذا دخل في نكاح المتعة هل يحد ولا يلحق به الولد أو يدفع الحد للشبهة ويلحق به الولد على قولين ؛ ولكن يعذر ويعاقب .
وإذا لحق اليوم الولد في نكاح المتعة في قول بعض العلماء مع القول بتحريمه ، فكيف لا يلحق في ذلك الوقت الذي أبيح ، فدل على أن نكاح المتعة كان على حكم النكاح الصحيح ، ويفارقه في الأجل والميراث .
وحكى المهدوي عن ابن عباس أن نكاح المتعة كان بلا ولي ولا شهود .
وفيما حكاه ضعف ؛ لما ذكرنا .
قال ابن العربي : وقد كان ابن عباس يقول بجوازها ، ثم ثبت رجوعه عنها ، فانعقد الإجماع على تحريمها ؛ فإذا فعلها أحد رجم في مشهور المذهب .
وفي رواية أخرى عن مالك : لا يرجم ؛ لأن نكاح المتعة ليس بحرام ، ولكن لأصل آخر لعلمائنا غريب انفردوا به دون سائر العلماء ؛ وهو أن ما حرم بالسنة هل هو مثل ما حرم بالقرآن أم لا ؟
فمن رواية بعض المدنيين عن مالك أنهما ليسا بسواء ؛ وهذا ضعيف .
وقال أبو بكر الطرطوسي : ولم يرخص في نكاح المتعة إلا عمران بن حصين وابن عباس وبعض الصحابة وطائفة من أهل [ ص: 117 ] البيت .
وفي قول ابن عباس يقول الشاعر :أقول للركب إذ طال الثواء بنا يا صاح هل لك في فتيا ابن عباسفي بضة رخصة الأطراف ناعمة تكون مثواك حتى مرجع الناسوسائر العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة ، وأن المتعة حرام .
وقال أبو عمر : أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا على مذهب ابن عباس وحرمها سائر الناس .
وقال معمر : قال الزهري : ازداد الناس لها مقتا حتى قال الشاعر :قال المحدث لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباسكما تقدم .الثالثة عشرة : قوله تعالى : " أجورهن " يعم المال وغيره ، فيجوز أن يكون الصداق منافع أعيان .
وقد اختلف في هذا العلماء ؛ فمنعه مالك والمزني والليث وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه ؛ إلا أن أبا حنيفة قال : إذا تزوج على ذلك فالنكاح جائز وهو في حكم من لم يسم لها ، ولها مهر مثلها إن دخل بها ، وإن لم يدخل بها فلها المتعة .
وكرهه ابن القاسم في كتاب محمد وأجازه أصبغ .
قال ابن شاس : فإن وقع مضى في قول أكثر الأصحاب .
وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم .
وقال الشافعي : النكاح ثابت وعليه أن يعلمها ما شرط لها .
فإن طلقها قبل الدخول ففيها للشافعي قولان : أحدهما أن لها نصف أجر تعليم تلك السورة ، والآخر أن لها نصف مهر مثلها .
وقال إسحاق : النكاح جائز .
قال أبو الحسن اللخمي : والقول بجواز جميع ذلك أحسن .
والإجارة والحج كغيرهما من الأموال التي تتملك وتباع وتشترى .
وإنما كره ذلك مالك لأنه يستحب أن يكون الصداق معجلا ، والإجارة والحج في معنى المؤجل .احتج أهل القول الأول بأن الله تعالى قال : بأموالكم وتحقيق المال ما تتعلق به الأطماع ، ويعد للانتفاع ، ومنفعة الرقبة في الإجارة ومنفعة التعليم للعلم كله ليس بمال .
قال الطحاوي : والأصل المجتمع عليه أن رجلا لو استأجر رجلا على أن يعلمه سورة من القرآن سماها ، بدرهم لم يجز ؛ لأن الإجارات لا تجوز إلا لأحد معنيين ؛ إما على عمل بعينه كخياطة ثوب وما أشبهه ، وإما على وقت معلوم ؛ وكان إذا استأجره على تعليم سورة فتلك إجارة لا على وقت معلوم ولا على عمل معلوم ، وإنما استأجره على أن يعلم ، وقد يفهم بقليل التعليم وكثيره في قليل الأوقات وكثيرها .
وكذلك لو باعه داره على أن يعلمه سورة من القرآن لم يجز للمعاني [ ص: 118 ] التي ذكرناها في الإجارات .
وإذا كان التعليم لا يملك به المنافع ولا أعيان الأموال ثبت بالنظر أنه لا تملك به الأبضاع .
والله الموفق .احتج من أجاز ذلك بحديث سهل بن سعد في حديث الموهوبة ، وفيه فقال : اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن .
في رواية قال : انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن .
قالوا : ففي هذا دليل على انعقاد النكاح وتأخر المهر الذي هو التعليم ، وهذا على الظاهر من قوله : بما معك من القرآن فإن الباء للعوض ؛ كما تقول : خذ هذا بهذا ، أي عوضا منه .
وقوله في الرواية الأخرى : ( فعلمها ) نص في الأمر بالتعليم ، والمساق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح ، ولا يلتفت لقول من قال إن ذلك كان إكراما للرجل بما حفظه من القرآن ، أي لما حفظه ، فتكون الباء بمعنى اللام ؛ فإن الحديث الثاني يصرح بخلافه في قوله : فعلمها من القرآن .
ولا حجة فيما روي عن أبي طلحة أنه خطب أم سليم فقالت : إن أسلم تزوجته .
فأسلم فتزوجها ؛ فلا يعلم مهر كان أكرم من مهرها ، كان مهرها الإسلام فإن ذلك خاص به .
وأيضا فإنه لا يصل إليها منه شيء بخلاف التعليم وغيره من المنافع .
وقد زوج شعيب عليه السلام ابنته من موسى عليه السلام على أن يرعى له غنما في صداقها ؛ على ما يأتي بيانه في سورة " القصص " .
وقد روي من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه : يا فلان هل تزوجت قال : لا ، وليس معي ما أتزوج به .
قال : أليس معك قل هو الله أحد ؟
قال : بلى !
قال : ثلث القرآن ، أليس معك آية الكرسي ؟
قال : بلى !
قال : ربع القرآن ، أليس معك إذا جاء نصر الله والفتح ؟
قال : بلى !
قال : ربع القرآن أليس معك إذا زلزلت ؟
قال : بلى !
قال : ربع القرآن .
تزوج تزوج .قلت : وقد أخرج الدارقطني حديث سهل من حديث ابن مسعود ، وفيه زيادة تبين ، ما احتج به مالك وغيره ، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ينكح هذه ؟
فقام ذلك الرجل فقال : أنا يا رسول الله ؛ فقال : ألك مال ؟
قال : لا ، يا رسول الله ؛ قال : فهل تقرأ من القرآن شيئا ؟
.
قال : نعم ، سورة البقرة ، وسورة المفصل .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها وإذا رزقك الله عوضتها .
فتزوجها الرجل على ذلك .
وهذا نص - لو صح - في أن التعليم لا يكون صداقا .
قال الدارقطني : تفرد به عتبة بن السكن وهو متروك الحديث .
و " فريضة " نصب على المصدر في موضع الحال ، أي مفروضة .الرابعة عشرة : قوله تعالى : ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة أي من زيادة ونقصان في المهر ؛ فإن ذلك سائغ عند التراضي بعد استقرار الفريضة .
والمراد [ ص: 119 ] إبراء المرأة عن المهر ، أو توفية الرجل كل المهر إن طلق قبل الدخول .
وقال القائلون بأن الآية في المتعة : هذا إشارة إلى ما تراضيا عليه من زيادة في مدة المتعة في أول الإسلام ؛ فإنه كان يتزوج الرجل المرأة شهرا على دينار مثلا ، فإذا انقضى الشهر فربما كان يقول : زيديني في الأجل أزدك في المهر .
فبين أن ذلك كان جائزا عند التراضي .
{ وَ } من المحرمات في النكاح { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ } أي: ذوات الأزواج.
فإنه يحرم نكاحهن ما دمن في ذمة الزوج حتى تطلق وتنقضي عدتها.
{ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } أي: بالسبي، فإذا سبيت الكافرة ذات الزوج حلت للمسلمين بعد أن تستبرأ.
وأما إذا بيعت الأمة المزوجة أو وهبت فإنه لا ينفسخ نكاحها لأن المالك الثاني نزل منزلة الأول ولقصة بريرة حين خيرها النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: { كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } أي: الزموه واهتدوا به فإن فيه الشفاء والنور وفيه تفصيل الحلال من الحرام.
ودخل في قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } كلُّ ما لم يذكر في هذه الآية، فإنه حلال طيب.
فالحرام محصور والحلال ليس له حد ولا حصر لطفًا من الله ورحمة وتيسيرًا للعباد.
وقوله: { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } أي: تطلبوا من وقع عليه نظركم واختياركم من اللاتي أباحهن الله لكم حالة كونكم { مُحْصِنِينَ } أي: مستعفين عن الزنا، ومعفين نساءكم.
{ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } والسفح: سفح الماء في الحلال والحرام، فإن الفاعل لذلك لا يحصن زوجته لكونه وضع شهوته في الحرام فتضعف داعيته للحلال فلا يبقى محصنا لزوجته.
وفيها دلالة على أنه لا يزوج غير العفيف لقوله تعالى: { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } .{ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } أي: ممن تزوجتموها { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي: الأجور في مقابلة الاستمتاع.
ولهذا إذا دخل الزوج بزوجته تقرر عليه صداقها { فَرِيضَةً } أي: إتيانكم إياهن أجورهن فرض فرضه الله عليكم، ليس بمنزلة التبرع الذي إن شاء أمضاه وإن شاء رده.
أو معنى قوله فريضة: أي: مقدرة قد قدرتموها فوجبت عليكم، فلا تنقصوا منها شيئًا.
{ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ } أي: بزيادة من الزوج أو إسقاط من الزوجة عن رضا وطيب نفس [هذا قول كثير من المفسرين، وقال كثير منهم: إنها نزلت في متعة النساء التي كانت حلالا في أول الإسلام ثم حرمها النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يؤمر بتوقيتها وأجرها، ثم إذا انقضى الأمد الذي بينهما فتراضيا بعد الفريضة فلا حرج عليهما، والله أعلم].
{ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } أي: كامل العلم واسعه، كامل الحكمة: فمن علمه وحكمته شرع لكم هذه الشرائع وحد لكم هذه الحدود الفاصلة بين الحلال والحرام.
قوله تعالى : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) يعني : ذوات الأزواج ، لا يحل للغير نكاحهن قبل مفارقة الأزواج ، وهذه السابعة من النساء اللاتي حرمت بالسبب .
قال أبو سعيد الخدري : نزلت في نساء كن يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين ، ثم قدم أزواجهن مهاجرين فنهى الله المسلمين عن نكاحهن ، ثم استثنى فقال : ( إلا ما ملكت أيمانكم ) يعني : السبايا اللواتي سبين ولهن أزواج في دار الحرب فيحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء ، لأن بالسبي يرتفع النكاح بينها وبين زوجها .
قال أبو سعيد الخدري : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين جيشا إلى أوطاس فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين ، فكرهوا غشيانهن ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقال عطاء : أراد بقوله ( إلا ما ملكت أيمانكم ) أن تكون أمته في نكاح عبده فيجوز أن ينزعها منه .
وقيل : أراد بالمحصنات الحرائر ، ومعناه : أن ما فوق الأربع حرام منهن إلا ما ملكت أيمانكم ، فإنه لا عدد عليكم في الجواري .
قوله تعالى : ( كتاب الله عليكم ) نصب على المصدر ، أي : كتب الله عليكم كتاب الله ، وقيل : نصب على الإغراء ، أي : الزموا كتاب الله عليكم ، أي : فرض الله تعالى .
قوله تعالى : ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص " أحل " بضم الأول وكسر الحاء ، لقوله ( حرمت عليكم ) وقرأ الآخرون بالنصب ، أي : أحل الله لكم ما وراء ذلكم ، أي : ما سوى ذلكم الذي ذكرت من المحرمات ، ( أن تبتغوا ) تطلبوا ، ( بأموالكم ) أي تنكحوا بصداق أو تشتروا بثمن ، ( محصنين ) أي : متزوجين أو متعففين ، ( غير مسافحين ) أي : غير زانين ، مأخوذ من سفح الماء وصبه وهو المني ، ( فما استمتعتم به منهن ) اختلفوا في معناه ، فقال الحسن ومجاهد : أراد ما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح ، ( فآتوهن أجورهن ) أي : مهورهن ، وقال آخرون : هو نكاح المتعة وهو أن ينكح امرأة إلى مدة فإذا انقضت تلك المدة بانت منه بلا طلاق ، وتستبرئ رحمها وليس بينهما ميراث ، وكان ذلك مباحا في ابتداء الإسلام ، ثم نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أنا محمد بن عيسى الجلودي ، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أنا مسلم بن الحجاج ، أنا محمد بن عبد الله بن نمير ، أنا أبي ، أنا عبد العزيز بن عمر ، حدثني الربيع بن سبرة الجهني ، أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء ، وإن الله تعالى قد حرم ذلك إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي ، عن أبيهما ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر ، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية .
وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم : أن نكاح المتعة حرام ، والآية منسوخة .
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يذهب إلى أن الآية محكمة ، ويرخص في نكاح المتعة .
وروي عن أبي نضرة قال سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة ، فقال : أما تقرأ في سورة النساء : " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " ؟
قلت : لا أقرأها هكذا ، قال ابن عباس : هكذا أنزل الله ، ثلاث مرات .
وقيل : إن ابن عباس رضي الله عنهما رجع عن ذلك .
وروى سالم عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها؟
، لا أجد رجلا نكحها إلا رجمته بالحجارة ، وقال : هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث .
قال الربيع بن سليمان : سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول : لا أعلم في الإسلام شيئا أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم غير المتعة .
قوله تعالى : ( فآتوهن أجورهن ) أي : مهورهن ، ( فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ) فمن حمل ما قبله على نكاح المتعة أراد أنهما [ إذا عقد عقدا إلى أجل بمال ] فإذا تم الأجل فإن شاءت المرأة زادت في الأجل وزاد الرجل في الأجر ، وإن لم يتراضيا فارقها ، ومن حمل الآية على الاستمتاع بالنكاح الصحيح ، قال المراد بقوله ( ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به ) الإبراء عن المهر والافتداء والاعتياض ( إن الله كان عليما حكيما ) .
[ فصل في قدر الصداق وفيما يستحب منه ] اعلم أنه لا تقدير لأكثر الصداق لقوله تعالى : ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ) والمستحب أن لا يغالى فيه ، قال عمر بن الخطاب : ألا لا تغالوا صدقة النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئا من نسائه ولا أنكح شيئا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا جعفر بن محمد المفلس ، أنا هارون بن إسحاق ، أنا يحيى بن محمد الحارثي ، أنا عبد العزيز بن محمد ، عن يزيد بن عبد الله بن الهادي ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة قال : سألت عائشة رضي الله عنها كم كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه؟
قالت : كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا ، قالت : أتدري ما النش؟
قلت : لا قالت : نصف أوقية ، فتلك خمسمائة درهم ، هذا صداق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه .
أما أقل الصداق فقد اختلفوا فيه : فذهب جماعة إلى أنه لا تقدير لأقله ، بل ما جاز أن يكون مبيعا أو ثمنا جاز أن يكون صداقا ، وهو قول ربيعة وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، قال عمر بن الخطاب : في ثلاث قبضات زبيب مهر ، وقال سعيد بن المسيب : لو أصدقها سوطا جاز .
وقال قوم : يتقدر : بنصاب السرقة ، وهو قول مالك وأبي حنيفة ، غير أن نصاب السرقة عند مالك ثلاثة دراهم وعند أبي حنيفة عشرة دراهم .
والدليل على أنه لا يتقدر : ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، قال : أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت : يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك ، فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال : يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك فيها حاجة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل عندك من شيء تصدقها " ؟
قال : ما عندي إلا إزاري هذا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أعطيتها جلست لا إزار لك ، فالتمس شيئا " ، فقال : ما أجد ، فقال : " فالتمس ولو خاتما من حديد " ، فالتمس فلم يجد شيئا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل معك من القرآن شيء " ؟
قال : نعم سورة كذا وسورة كذا - لسور سماها - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " قد زوجتكها بما معك من القرآن " .
وفيه دليل على أنه لا تقدير لأقل الصداق ، لأنه قال : " التمس شيئا " فهذا يدل على جواز أي شيء كان من المال ، وقال : " ولو خاتما من حديد " ولا قيمة لخاتم الحديد إلا القليل التافه .
وفي الحديث دليل على أنه يجوز تعليم القرآن صداقا وهو قول الشافعي رحمه الله ، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز ، وهو قول أصحاب الرأي ، وكل عمل جاز الاستئجار عليه مثل البناء والخياطة وغير ذلك من الأعمال جاز أن يجعل صداقا ، ولم يجوز أبو حنيفة رضي الله عنه أن يجعل منفعة الحر صداقا ، والحديث حجة لمن جوزه بعدما أخبر الله تعالى عن شعيب عليه السلام حيث زوج ابنته من موسى عليهما السلام على العمل ، فقال : " إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج " ( القصص - 27 ) .
«و» حرمت عليكم «المحصَنات» أي ذوات الأزواج «من النساء» أن تنكحوهن قبل مفارقة أزواجهن حرائر مسلمات كن أو لا «إلا ما ملكت أيمانكم» من الإماء بالسبي فلكم وطؤهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء «كتاب الله» نصب على المصدر أي كتب ذلك «عليكم وَأحلَّ» بالبناء للفاعل والمفعول «لكم ما وراء ذلكم» أي سوى ما حرم عليكم من النساء «أن تبتغوا» تطلبوا النساء «بأموالكم» بصداق أو ثمن «محصنين» متزوجين «غير مسافحين» زانين «فما» فمن «استمتعتم» تمتعتم «به منهن» ممن تزوجتم بالوطء «فآتوهن أجورهن» مهورهن التي فرضتم لهن «فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم» أنتم وهن «به من بعد الفريضة» من حطها أو بعضها أو زيادة عليها «إن الله كان عليما» بخلقه «حكيما» فيما دبره لهم.
ويحرم عليكم نكاح المتزوجات من النساء، إلا مَنْ سَبَيْتُم منهن في الجهاد، فإنه يحل لكم نكاحهن، بعد استبراء أرحامهن بحيضة، كتب الله عليكم تحريم نكاح هؤلاء، وأجاز لكم نكاح مَن سواهن، ممَّا أحله الله لكم أن تطلبوا بأموالكم العفة عن اقتراف الحرام.
فما استمتعتم به منهن بالنكاح الصحيح، فأعطوهن مهورهن، التي فرض الله لهن عليكم، ولا إثم عليكم فيما تمَّ التراضي به بينكم، من الزيادة أو النقصان في المهر، بعد ثبوت الفريضة.
إن الله تعالى كان عليمًا بأمور عباده، حكيما في أحكامه وتدبيره.
ثم بين - سبحانه - نوعا سابعا من المحرمات فقال : ( والمحصنات مِنَ النسآء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ ) .وقوله ( والمحصنات ) من الإِحصان وهو فى اللغة بمعنى المنع .
يقال : هذه درع حصينة ، أى مانعة صاحبها من الجراحة .
ويقال : هذا موضع حصين ، أى مانع من يريده بسوء .
ويقال امرأة حصينة أى مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو حريتها أو زواجها .قال الراغب : ويقال حصان للمرأة العفيفة ولذات الحرمة .
قال - تعالى - : ( وَمَرْيَمَ ابنت عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ) وقال - تعالى - ( فَإِذَآ أُحْصِنَّ ) أى تزوجن .
وأحصن زوجن والحصان فى الجملة : المرأة المحسنة إما بعفتها أو بتزوجها أو يمانع من شرفها وحريتها .
والمراد بالمحصنات هنا : ذوات الأزواج من النساء .وقوله ( والمحصنات مِنَ النسآء ) معطوف على قوله ( وَأُمَّهَاتُكُمُ ) فى قوله - تعالى - : فى آية المحرمات السابقة ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) إلخ .والمعنى : وكما حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم إلخ ، فقد حرم عليكم - أيضا - نكاح ذوات الأزواج من النساء قبل مفارقة أزواجهن لهن ، لكى لا تختلط المياه فتضيع الأنساب .وقوله ( إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ ) استثناء من تحريم نكاح ذوات الأزواج .والمراد به : النساء المسبيات اللاتى أصابهن السبى ولهن أزواج فى دار الحرب ، فانه يحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء ، لارتفاع النكاح بينهن وبين أزواجهن بمجرد السبى .
و بسبيهن وحدهن دون أزواجهن .أى : وحرم الله - تعالى - عليكم نكاح ذوات الأزواج من النساء ، إلا ما ملكتموهن بسبى فسباؤكم لهن هادم لنكاحهن السابق فى دار الكفر ، ومبيح لكم نكاحهن بعد استبرائهن .قال القرطبى ما ملخصه : فالمراد بالمحصنات هاهنا ذوات الأزواج .
أى هن محرمات إلا ما ملكت اليمين بالسبى من أرض الحرب ، فإن تلك حلال للذى تقع فى سهمه وإن كان لها زوج ، وهو قول الشافعى فى أن السباء يقطع العصمة .
وقاله ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك ، وقال به أشهب يدل عليه ما رواه مسلم فى صحيح عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا يوم حنين إلى أوطاس فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا .
فكان ناس من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وقد تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين .
فأنزل الله - عز وجل - فى ذلك ( والمحصنات مِنَ النسآء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ ) أى فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن ، وهذا نص صحيح صريح فى أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم عن وطء المسبيات ذوات الأزواج فأنزل الله فى جوابهم ( إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ ) .
وبه قال مالك وابو حنيفة وأصحابه والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى - .وقيل إن المراد بالمحصنات هنا : ذوات الأزواج - كما تقدم - ، ولما ملكت أيمانكم : مطلق ملك اليمين .
فكل من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو سباء أو غير ذلك وكانت متزوجة كان ذلك الانتقال مقتضيا لطلاقها وحلها لمن انتلقت إليه .وهذا القول ضعيف ، لأن عائشة - رضى الله عنها - اشترت بريرة وأعتقتها وكانت ذات زوج ، ثم خيرها النبى صلى الله عليه وسلم بين فسخ نكاحها من زوجها وبين بقائها على هذا النكاح ، فدل ذلك على أن بيع الأمة ليس هادما للعصمة ، لأنه لو كان هادما لها ما خير النبى صلى الله عليه وسلم بريرة .أخرج البخارى عن عائشة - " رضى الله عنها - قالت : اشتريت بريرة .
فاشترط أهلها ولاءها .
فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال : " أتقيها فإن الولاء لمن أعطى الورق " .قالت : فأعتقتها .
قال : فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخيرها فى زوجها ، فقالت : لو أعطانى كذا وكذا مابت عنده .
فاختارت نفسها " .وقوله - تعالى - ( كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ ) ساقه - سبحانه - لتأكيده تحريم نكاح الأنواع التى سبق ذكرها .وقوله ( كِتَابَ ) مصدر كتب ، وهو مصدر مؤكد بعامله أى : كتب الله عليكم تحريم هذه الأنواع التى سبق ذكرها وفرضه فرضا ، فليس لكم أن تفعلوا شيئا مما حرمه الله عليكم ، وإنما الواجب عليكم أن تقفوا عند حدوده وشرعه .وقيل : إن قوله ( كِتَابَ ) منصوب على الإِغراء .
أى : الزموا كتابا لله الذى هو حجة عليكم إلى يوم القيامة ولا تخالفوا شيئا من أوامره أو نواهيه .وعليه فيكون المراد بالكتاب هنا القرآن الكريم الذى شرع الله فيه ما شرع من الأحكام .وإلى هنا تكون هذه الآيات الثلاث قد بينت خمسة عشر نوعا من الأنكحة المحرمة .أما الآية الأولى وهى قوله - تعالى : ( وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ) الخ فقد بينت نوعا واحدا .وأما الآية الثانية وهى قوله - تعالى - : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) الخ فقد بينت ثلاثة عشر نوعا .وأما الآية الثانية وهى قوله - تعالى - : ( والمحصنات مِنَ النسآء ) .
الخ فقد بينت نوعا واحدا .قال الفخر الرازى عند تفسيره لقوله - تعالى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) .
.
.
الآية : اعلم أنه - تعالى - نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النساء : سبعة منهن من جهة النسب وهن : الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخلات وبنات الأخ وبنات الأخت .وسبعة أخرى لا من جهة النسب وهن : الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة ، وأمهات النساء والربائب بنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء ، وأزواج الأبناء والآباء إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ها هنا ، وأزواج الآباء مذكورة فى الآية المتقدمة ، - وهى قوله ( وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء ) والجمع بين الاختين .هذا ، وبعد أن بين - سبحانه - المحرمات من النساء ، عقب ذلك بإيراد جملة كريمة بين فيها ما يحل نكاحه من النساء فقال - تعالى - : ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ) .و ( مَّا ) هنا المراد بها عموم النساء .وكلمة ( وَرَاءَ ) هنا بمعنى غير أو دون كما فى قول بعضهم : ( وليس وراء الله للمرء مذهب ) .واسم الإِشارة ( أُحِلَّ لَكُمْ ) يعود إلى ما تقدم من المحرمات .والجملة الكريمة معطوفة على قوله ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ) الخ .ومن قرأ ( أُحِلَّ لَكُمْ ) ببناء الفعل للفاعل جعلها معطوفة على كتب المقدر فى قوله ( كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ .
.
.
) .والمعنى : حرمت عليكم هؤلاء المذكورات ، وأحل لكم نكاح ما سواهن من النساء .قال القرطبى : قوله - تعالى ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ) قرأ حمزة والكسائى وعاصم فى رواية حفص ( وَأُحِلَّ لَكُمْ ) ردا على ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ) وقرأ الباقون بالفتح ردا على قوله - تعالى - ( كِتَابَ الله عَلَيْكُمْ ) .وهذا يقتضى ألا يحرم من النساء إلا من ذكر ، وليس كذلك؛ فإن الله - تعالى - قدر حرم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من لم يذكر فى الآية فيضم إليها .
قال - تعالى - : ( وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا ) روى مسلم عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها " وقد قيل : إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها - أو خالتها - فى معنى الجمع بين الأختين؛ أو لأن الخالة فى معنى الوالدة والعمة فى معنى الوالد والصحيح الأول : لأن الكتاب والسنة كالشئ الواحد فكأنه قال : " أحللت لكم ما وراء من ذكرنا فى الكتاب وما وراء ما أكملت به البيان على لسان محمد صلى الله عليه وسلم " .ثم رفع - سبحانه - من شأن المرأة وكرمها بأن جعل إيتاءها المهر شرطا لاستحلال نكاحها إعزازا لها فقال - تعالى - ( أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) .وقوله : ( تَبْتَغُواْ ) من الابتغاء بمعنى الطلب الشديد .وقوله : ( مُّحْصِنِينَ ) من الإِحصان وهو هنا بمعنى العفة وتحصين النفس ومنعها عن الوقوع فيما يغضب الله - تعالى - .وقوله : ( مُسَافِحِينَ ) من السفاح بمعنى الزنا والمسافح : هو الزانى .
ولفظ السفاح مأخوذ من السفح وهو صب الماء وسيلانه .
به الزنا؛ لأن الزانى لا غرض له إلا صب النطفة فقط دون نظر إلى الأهداف الشريفة التى شرعها الله وراء النكاح .وقوله ( أَن تَبْتَغُواْ ) فى محل نصب بنزع الخافض على أنه مفعول له لما دل عليه الكلام و ( مُّحْصِنِينَ ) و ( غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) حالان من فاعل ( تَبْتَغُواْ ) .والمعنى : بين لكم - سبحانه - ما حرم عليكم من النساء ، وأحل لكم ما وراء ذلكم ، من أجل أن تطلبوا الزواج من النساء اللائى أحلهن الله لكم أشد الطلب ، عن طريق ما تقدمونه لهن من أموالكم كمهور ، وبذلك تكونون قد أحصنتم أنفسكم ومنعتموها عن السفاح والفجور والزنا .قال بعضهم : وكان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل منهم قال : انكحينى .
فإذا أراد الزنا قال : بعض الشفعية : لا حجة فى ذلك ، لأن تخصيص المال كونه الأغلب المتعارف ، فيجوز النكاح على ما ليس بمال .
ويؤيد ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلا خطب الواهبة نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم ماذا معك من القرآن؟
قال : معى سورة كذا وكذا وعددهن .
قال : تقرؤهن على ظهر قلبك؟
قال : نعم قال : اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن " .ووجه التأييد أنه لو كان فى الآية حجة لما خالفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلا ، والتعليم ليس له ذكر فى الخبر ، فيجوز أن يكون مراده صلى الله عليه وسلم : زوجتك تعظيما للقرآن ولأجل ما معك منه .ثم قال - تعالى - : ( فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) .والاستمتاع : طلب المتعة والتلذذ بما فيه منفعة ولذة .والمراد بقوله ( أُجُورَهُنَّ ) أى مهورهن لأنها فى مقابلة الاستمتاع فسميت أجراً .و ( مَا ) فى قوله ( فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ ) واقعة على الاستمتاع والعائد فى الخبر محذوف أى فآتوهن أجورهن عليه .والمعنى : فما انتفعتم وتلذذتم به من النساء عن طريق النكاح الصحيح فآتوهن أجورهن عليه .ويصح أن يكون ( مَا ) واقعة على النساء باعتبار الجنس أو الوصف .
وأعاد الضمير عليها مفرداً فى قوله ( بِهِ ) باعتبار لفظها ، وأعاده عليها جمعا فى قوله ( مِنْهُنَّ ) باعتبار معناها .ومن فى قوله ( مِنْهُنَّ ) للتبعيض أو للبيان .
والجار والمجرور فى موضع النصب على الحال من ضمير ( بِهِ ) :والمعنى : فأى فرد أو الفرد الذى تمتعتم به حال كونه من جنس النساء أو بعضهن فأعطوهن أجورهن على ذلك .
والمراد من الأجور : المهور .
وسمى المهر أجراً؛ لأنه بدل عن المنفعة لا عن العين .وقوله ( فَرِيضَةً ) مصدر مؤكد لفعل محذوف أى : فرض الله عليكم ذلك فريضة .
أو حال من الأجور بمعنى مفروضة .
أى : فآتوهن أجورهن حالة كونها مفروضة عليكم .ثم بين - سبحانه - أنه لا حرج فى أن يتنازل أحد الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن جزء منه ما دام ذلك حاصلا بالتراضى فقال - : ( وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) .أى : لا إثم ولا حرج عليكم فيما تراضيتم به أنتم وهو من إسقاط شئ من المهر أو الإِبراء منه أو الزيادة عليه ما دام ذلك بالتراضى بينكم ومن بعد اتفاقكم على مقدار المهر الذى سميتموه وفرضتموه على أنفسكم .وقد ذيل - سبحانه - الآية الكريمة بقوله ( إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) لبيان أن ما شرعه هو بمقتضى علمه الذى أحاط بكل شئ ، وبمقتضى حكمته التى تضع كل شئ فى موضعه .فأنت ترى ان الآية الكريمة مسوقة لبيان بعض الأنواع من النساء اللاتى حرم الله نكاحهن ، ولبيان ما أحله الله منهن بعبارة جامعة ، ثم لبيان أن الله - تعالى - قد فرض على الأزواج الذين يبتغون الزوجات عن طريق النكاح الصحيح الشريف أن يعطوهن مهورهن عوضا عن انتفاعهم بهن ، وأنه لا حرج فى أن يتنازل أحد الزوجين لصاحبه عن حقه أو عن شئ منه ما دام ذلك بسماحة نفس ، ومن بعد تسمية المهر المقدر .هذا ، وقد حمل بعض الناس هذه الآية على أنها واردة فى نكاح المتعة وهو عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين لكى يستمتع بها .قالوا : لأن معنى قوله - تعالى - : ( فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) : فمن جامعتموهن ممن نكحتموهن نكاح المتعة فآتوهن أجورهن .ولا شك أن هذا القول بعيد عن الصواب ، لأنه من المعلوم أن النكاح الذى يحقق الإِحصان والذى لا يكون الزوج به مسافحا .
هو النكاح الصحيح الدائم المستوفى شرائطه ، والذى وصفه الله بقوله ( وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) .وإذاً فقد بطل حمل الآية على أنها فى نكاح المتعة؛ لأنها تتحدث عن النكاح الصحيح الذى يتحقق معه الإِحصان ، وليس النكاح الذى لا يقصد به إلا سفح الماء وقضاء الشهوة .قال ابن كثير : وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة ، ولا شك أنه كان مشروعا فى ابتداء الإِسلام ثم نسخ بعد ذلك .
وقد روى عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة .
ولكن الجمهور على خلاف ذلك ، والعمدة ما ثبت فى الصحيحين عن امير المؤمنين على بن أبى طالب قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ، وفى صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة الجهنى عن أبيه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يأ أيها الناس إنى كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء ، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة .
فمن كانت عنده منهن شئ فليخل سبيله ، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا " .وقال الآلوسى : وقيل الآية فى المتعة ، وهى النكاح إلى أجل معلوم من يوم أو أكثر .والمراد ، ( وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ ) من استئناف عقد آخر بعد انقضاء الأجل المضروب فى عقد المتعة ، بأن يزيد الرجل فى الأجر وتزيد المرأة فى المدة ، وإلى ذلك ذهبت الإِمامية - من طائفة الشيعة - .ثم قال : ولا نزاع عندنا فى أنها أحلت ثم حرمت ، والصواب المختار أن التحريم والإِباحة كانا مرتين .
فقد كانت حلالا قبل يوم خيبر ثم حرمت يوم خيبر ، ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لاتصالهما ، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاث تحريما مؤبداً إلى يوم القيامة .
.
.وقال بعض العلماء : وهذا النصف وهو قوله - تعالى - ( فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) قد تعلق به بعض المفسدين الذين لم يفهموا معنى العلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة ، فادعوا أنه يبيح المتعة .
.
والنص بعيد عن هذا المعنى الفاسد بعد من قالوه عن الهداية؛ لأن الكلام كله فى عقد الزواج فسابقه ولاحقه فى عقد الزواج ، والمتعة حتى على كلامهم لا يسمى عقد نكاح أبدا .وقد تعلقوا مع هذا بعبارات رووها عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أباح المتعة فى غزوات ثم نسخها ، وبأن ابن عباس كان يبيحها فى الغزوات وهذا الاستلال باطل ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم نسخها ، فكان عليهم عند تعلقهم برواية مسلم أن يأخذوا بها جملة أو يتركوها ، وجملتها تؤدى إلى النسخ لا إلى البقاء .وإذا قالوا إننا نتفق معكم على الإِباحة ونخالفكم فى النسخ فنأخذ المجمع عليه ونترك غيره قلنا لهم : إن النصوص التى أثبتت الإِباحة هى التى أثبتت النسخ ، وما اتفقنا معكم على الإِباحة ، لأننا نقرر نسخ الإِباحة .على أننا نقول : إن ترك النبى صلى الله عليه وسلم المتعة لهم قبل الأمر الجازم بالمنع ، ليس من قبيل الإِباحة ، بل هو من قبيل الترك حتى تستأنس القلوب بالإِيمان وتترك عادات الجاهلية ، وقد كان شائعا بينهم اتخاذ الأخدان وهو ما نسميه اتخاذ الخلائل .
وهذه هى متعتهم ، فنى القرآن الكريمة والنبى صلى الله عليه وسلم عنها .
وإن الترك مدة لا يسمى إباحة وإنما يسمى متعتهم ، فنهى القرآن الكريم والنبى صلى الله عليه وسلم عنها .
وإن الترك مدة لا يسمى إباحة وإنما يسمى عفوا حتى تخرج النفوس من جاهليتها ، والذين يستبيحونها باقون على الجاهلية الأولى .وابن عباس - رضى الله عنه - قد رجع عن فتواه بعد أن قال له إمام الهدى على بن أبى طالب : إنك امرؤ تائه ، لقد نسخا النبى صلى الله عليه وسلم والله لا أوتى بمستمتعين إلا رجمتهما .وبذلك نرى أن الآية الكريمة واردة فى شأن النكاح الصحيح الذى يحقق الإِحصان ولا يكون الزوج به مسافحا .
وأن القول بأنها تدل على نكاح المتعة قول بعيد عن الحق والصواب للأسباب التى سبق ذكرها .
قوله تعالى: ﴿ والمحصنات مِنَ النساء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم كتاب الله عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ .
فيه مسائل: المسألة الأولى: الاحصان في اللغة المنع، وكذلك الحصانة، يقال: مدينة حصي <div class="verse-tafsir"
﴿ والمحصنات ﴾ القراءة بفتح الصاد.
وعن طلحة بن مصرف أنه قرأ بكسر الصاد.
وهنّ ذوات الأزواج.
لأنهنّ أحصنّ فروجهنّ بالتزويج.
فهنّ محصنات ومحصنات ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ يريد: ما ملكت أيمانهم من اللاتي سبين ولهنّ أزواج في دار الكفر فهنّ حلال لغزاة المسلمين وإن كنّ محصنات.
وفي معناه قول الفرزدق: وَذَاتُ حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا ** حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ مصدر مؤكد، أي كتب الله ذلك عليكم كتاباً وفرضه فرضاً، وهو تحريم ما حرّم.
فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ ؟
قلت: على الفعل المضمر الذي نصب ﴿ كتاب الله ﴾ أي كتب الله عليكم تحريم ذلك، وأحلّ لكم ما وراء ذلكم.
ويدل عليه قراءة اليماني: ﴿ كتب الله عليكم ﴾ ، ﴿ وأحلّ لكم ﴾ .
وروى عن اليماني: كتب الله عليكم، على الجمع والرفع أي هذه فرائض الله عليكم.
ومن قرأ: ﴿ وأحلّ لكم ﴾ ، على البناء للمفعول، فقد عطفه على حرمت.
﴿ أَن تَبْتَغُواْ ﴾ مفعول له بمعنى بين لكم ما يحلّ مما يحرم، إرادة أن يكون ابتغاؤكم ﴿ بأموالكم ﴾ التي جعل الله لكم قياماً في حال كونكم ﴿ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين ﴾ لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين.
والإحصان: العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، والأموال: المهور وما يخرج في المناكح.
فإن قلت: أين مفعول تبتغوا؟
قلت: يجوز أن يكون مقدّراً وهو النساء.
والأجود أن لا يقدر، وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم.
ويجوز أن يكون ﴿ أن تبتغوا ﴾ بدلاً من ﴿ وراء ذلك ﴾ والمسافح الزاني، من السفح وهو صبّ المنيّ.
وكان الفاجر يقول للفاجرة: سافحيني وماذيني من المذي ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو خلوة صحيحة أو عقد عليهنّ ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ عليه، فأسقط الراجع إلى (ما) لأنه لا يلبس، كقوله: ﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ [لقمان: 17] بإسقاط منه.
ويجوز أن تكون (ما) في معنى النساء، و(من) للتبعيض أو البيان، ويرجع الضمير إليه على اللفظ في به، وعلى المعنى في ﴿ فَئَاتُوهُنَّ ﴾ وأجورهن مهورهن لأن المهر ثواب على البضع ﴿ فَرِيضَةً ﴾ حال من الأجور بمعنى مفروضة أو وضعت موضع إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد.
أي فرض ذلك فريضة ﴿ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة ﴾ فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله أو يزيد لها على مقداره.
وقيل فيما تراضيا به من مقام أو فراق وقيل: نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسوله عليه الصلاة والسلام ثم نسخت، كان الرجل ينكح المرأة وقتاً معلوماً ليلة أو ليلتين أو أسبوعاً بثوب أو غير ذلك، ويقضي منها وطره ثم يسرحها.
سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها.
وعن عمر: لا أوتى برجل تزوّج امرأة إلى أجل إلا رجمتهما بالحجارة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أباحها، ثم أصبح يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء: ألا إن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة» ، وقيل: أبيح مرتين وحرّم مرتين.
وعن ابن عباس هي محكمة يعني لم تنسخ، وكان يقرأ: ﴿ فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى ﴾ .
ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللَّهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقولي في الصرف.
الطول: الفضل، يقال: لفلان على فلان طول أي زيادة وفضل.
وقد طاله طولاً فهو طائل.
قال: لَقَدْ زَادَنِي حُبًّا لِنَفْسِي أَنَّنِي ** بَغِيضٌ إِلَى كُلِّ امرئ غَيْرِ طَائِلِ ومنه قولهم: ما حلا منه بطائل، أي بشيء يعتدّ به مما له فضل وخطر.
ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه، كما أن القصر قصور فيه ونقصان.
والمعنى: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرّة فلينكح أَمَةً.
قال ابن عباس: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الإماء وهو الظاهر، وعليه مذهب الشافعي رحمه الله.
وأمّا أبو حنيفة رحمه الله فيقول: الغنيّ والفقير سواء في جواز نكاح الأمة، ويفسر الآية بأن من لم يملك فراش الحرّة، على أن النكاح هو الوطء، فله أن ينكح أمة.
وفي رواية عن ابن عباس أنه قال: ومما وسع الله على هذه الأمة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسراً.
وكذلك قوله: ﴿ مِّن فتياتكم المؤمنات ﴾ الظاهر أن لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وهو مذهب أهل الحجاز.
وعند أهل العراق يجوز نكاحها، ونكاح الأمة المؤمنة أفضل، فحملوه على الفضل لا على الوجوب، واستشهدوا على أن الإيمان ليس بشرط بوصف الحرائر به، مع علمنا أنه ليس بشرط فيهن على الاتفاق، ولكنه أفضل.
فإن قلت: لم كان نكاح الأمة منحطاً عن نكاح الحرة؟
قلت: لما فيه من اتباع الولد الأم في الرق، ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة، والعزة من صفات المؤمنين.
وقوله: ﴿ مّن فتياتكم ﴾ أي من فتيات المسلمين، لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين.
فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ والله أَعْلَمُ بإيمانكم ﴾ ؟
قلت: معناه أن الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب، وهذا تأنيس بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه ﴿ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ ﴾ أي أنتم وأرقاؤكم متواصلون متناسبون لاشتراككم في الإيمان، لا يفضل حر عبداً إلا برجحان فيه ﴿ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ اشتراط لإذن الموالي في نكاحهن.
ويحتج به لقول أبي حنيفة أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن، لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم.
﴿ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ب المعروف ﴾ وأدّوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء واللز.
فإن قلت: الموالي هم ملاك مهورهن لا هن، والواجب أداؤها إليهم لا إليهن، فلم قيل: وآتوهن؟
قلت: لأنهن وما في أيديهن مال الموالي، فكان أداؤها إليهن أداء إلى الموالي.
أو على أن أصله: فآتوا مواليهن، فحذف المضاف ﴿ المحصنات ﴾ عفائف.
والأخدان: الأخلاء في السرّ، كأنه قيل: غير مجاهرات بالسفاح ولا مسرات له ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ بالتزويج.
وقرئ: ﴿ أحصن ﴾ ﴿ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات ﴾ أي الحرائر ﴿ مّنَ العذاب ﴾ من الحدّ كقوله: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا ﴾ [النور: 2] ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب ﴾ [النور: 8] ولا رجم عليهن، لأن الرجم لا يتنصف ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى نكاح الإماء ﴿ لِمَنْ خَشِىَ العنت ﴾ لمن خاف الإثم الذي يؤدي إليه غلبة الشهوة.
وأصل العنت: انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم.
وقيل: أريد به الحدّ، لأنه إذا هويها خشي أن يواقعها فيحدّ فيتزوجها ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ ﴾ في محل الرفع على الابتداء، أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ﴾ ذَواتِ الأزْواجِ، أحْصَنَهُنَّ التَّزْوِيجُ أوِ الأزْواجُ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الصّادِ في جَمِيعِ القُرْآنِ لِأنَّهُنَّ أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ.
﴿ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ يُرِيدُ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ اللّاتِي سُبِينَ ولَهُنَّ أزْواجٌ كُفّارٌ فَهُنَّ حَلالٌ لِلسّابِينَ، والنِّكاحُ مُرْتَفِعٌ بِالسَّبْيِ لِقَوْلِ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «أصَبْنا سَبايا يَوْمَ أوْطاسٍ ولَهُنَّ أزْواجٌ كُفّارٌ، فَكَرِهْنا أنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ فَسَألْنا النَّبِيَّ ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فاسْتَحْلَلْناهُنَّ.» وإيّاهُ عَنى الفَرَزْدَقُ بِقَوْلِهِ: وذاتُ حَلِيلٍ أنْكَحَتْها رِماحُنا ∗∗∗ حَلالٌ لِمَن يَبْنِي بِها لَمْ تُطَلَّقِ وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ لَوْ سُبِيَ الزَّوْجانِ لَمْ يَرْتَفِعِ النِّكاحُ ولَمْ تَحِلَّ لِلسّابِي.
وإطْلاقُ الآيَةِ والحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.
﴿ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكم تَحْرِيمَ هَؤُلاءِ كِتابًا.
وقُرِئَ «كُتُبُ» اللَّهِ بِالجَمْعِ والرَّفْعِ أيْ هَذِهِ فَرائِضُ اللَّهِ عَلَيْكم «وَكَتَبَ اللَّهُ» بِلَفْظِ الفِعْلِ.
﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ عُطِفَ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ الَّذِي نَصَبَ كِتابَ اللَّهِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَطْفًا عَلى حُرِّمَتْ.
﴿ ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ ما سِوى المُحَرَّماتِ الثَّمانِ المَذْكُورَةِ.
وخُصَّ عَنْهُ بِالسُّنَّةِ ما في مَعْنى المَذْكُوراتِ كَسائِرِ مُحَرَّماتِ الرِّضاعِ، والجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها وخالَتِها.
﴿ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ والمَعْنى أُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم إرادَةَ أنْ تَبْتَغُوا النِّساءَ بِأمْوالِكم بِالصَّرْفِ في مُهُورِهِنَّ، أوْ أثْمانِهِنَّ في حالِ كَوْنِكم مُحْصَنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ، ويَجُوزُ أنْ لا يُقَدَّرَ مَفْعُولُ تَبْتَغُوا وكَأنَّهُ قِيلَ إرادَةَ أنْ يَصْرِفُوا أمْوالَكم مُحْصَنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ أوْ بَدَلٌ مِمّا وراءَ ذَلِكَ بَدَلُ الِاشْتِمالِ.
واحْتَجَّ بِهِ الحَنَفِيَّةُ عَلى أنَّ المَهْرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مالًا.
ولا حُجَّةَ فِيهِ.
والإحْصانُ العِفَّةُ فَإنَّها تَحْصِينٌ لِلنَّفْسِ عَنِ اللَّوْمِ والعِقابِ، والسِّفاحُ الزِّنا مِنَ السَّفْحِ وهو صَبُّ المَنِيِّ فَإنَّهُ الغَرَضُ مِنهُ.
﴿ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ ﴾ فَمَن تَمَتَّعْتُمْ بِهِ مِنَ المَنكُوحاتِ، أوْ فَما اسْتَمَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ مِن جِماعٍ أوْ عَقْدٍ عَلَيْهِنَّ.
﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ مُهُورَهُنَّ فَإنَّ المَهْرَ في مُقابَلَةِ الِاسْتِمْتاعِ.
﴿ فَرِيضَةً ﴾ حالٌ مِنَ الأُجُورِ بِمَعْنى مَفْرُوضَةً، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إيتاءً مَفْرُوضًا أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ.
﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ ﴾ فِيما يُزادُ عَلى المُسَمّى أوْ يُحَطُّ عَنْهُ بِالتَّراضِي، أوْ فِيما تَراضَيا بِهِ مِن نَفَقَةٍ أوْ مَقامٍ أوْ فِراقٍ.
وقِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في المُتْعَةِ الَّتِي كانَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ حِينَ فُتِحَتْ مَكَّةُ ثُمَّ نُسِخَتْ لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أباحَها ثُمَّ أصْبَحَ يَقُولُ: «يا أيُّها النّاسُ إنِّي كُنْتُ أمَرْتُكم بِالِاسْتِمْتاعِ مِن هَذِهِ النِّساءِ ألا إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ».» وَهِيَ النِّكاحُ المُؤَقَّتُ بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ سُمِّيَ بِها إذِ الغَرَضُ مِنهُ مُجَرَّدُ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ، أوْ تَمْتِيعِها بِما تُعْطى.
وجَوَّزَها ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا ﴾ بِالمَصالِحِ.
﴿ حَكِيمًا ﴾ فِيما شَرَعَ مِنَ الأحْكامِ.
<div class="verse-tafsir"
{والمحصنات مِنَ النساء} أي ذوات الأزواج لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج قرأ الكسائي بفتح الصاد هنا وفي سائر القرآن بكسرها وغيره بفتحها في جميع القرآن {إلا ما ملكت أيمانكم} بالسى وزوجها في دار الحرب والمعنى وحرم عليكم نكاح المنكوحات أي اللاتي لهن أزواج إلا ما ملكتموهن بسببهن وإخراجهن بدون أزواجهن لوقوع الفرقة بتباين الدارين لا بالسى فتحل الغنائم بملك اليمين بعد الاستبراء {كتاب الله
عَلَيْكُمْ} مصدر مؤكد أي كتب الله ذلك عليكم كتاباً وفرضه فريضة وهو تحريم ما حرم وعطف {وَأُحِلَّ لَكُمْ} على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله أي كتب الله عليكم تحريم ذلك وأحل لكم {مَّا وَرَاء ذلكم} ما سوى المحرمات المذكورة وأحل كوفي غير أبي بكر عطف على حرمت {أَن تَبْتَغُواْ} مفعول له أي بين لكم ما يحل مما يحرم لأن تبتغوا أو بدل مما وراء ذلكم ومفعول
النساء (٢٤ _ ٢٥)
تبتغوا مقدر وهو النساء والأجود ألا يقدر {بأموالكم} يعني المهور وفيه دليل على أن النكاح لا يكون إلا بمهر وأنه يجب وإن لم يسم وأن غير المال لا يصلح مهراً وأن القليل لا يصلح مهار إذ الحبة لا تعد مالاً عادة {مُّحْصِنِينَ} في حال كونكم محصنين {غَيْرَ مسافحين} لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دينكم ودنياكم ولا فساد أعظم من الجمع بين الخسرانين والإحصان العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام والمسافح الزاني ن السفح وهو صب المني {فَمَا استمتعتم بِهِ منهن} فما نكحتموه منهن {فآتوهن أُجُورَهُنَّ} مهورهن لأن المهر ثواب على البضع فما فى معنى النساء ومن للتبعيض أو للبيان ويرجع الضمير إليه على اللفظ في به وعلى المعنى في فآتوهن {فَرِيضَةً} حال من الأجور أي مفروضة أو وضعت موضع إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة} فيما تحط عنه من المهر أوتهب له من كله أو يزيد لها على مقداره أو فيما تراضيا به من مقام أو فراق {إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً} بالأشياء قبل خلقها {حَكِيماً} فيما فرض لهم من عقد النكاح الذي به حفظت الأنساب
وقيل إن قوله فما استمتعتم نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسوله ثم نسخت
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ.
والمُرادُ بِهِنَّ عَلى المَشْهُورِ ذَواتُ الأزْواجِ، أحْصَنَهُنَّ التَّزَوُّجُ، أوِ الأزْواجُ، أوِ الأوْلِياءُ، أيْ مَنَعَهُنَّ عَنِ الوُقُوعِ في الإثِمْ، وأجْمَعَ القُرّاءُ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى فَتْحِ الصّادِ هُنا، ورِوايَةُ الفَتْحِ عَنِ الكِسائِيِّ لا تَصِحُّ، والمَشْهُورُ رِوايَةُ ذَلِكَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، وعَلَيْهِ يَكُونُ اسْمَ فاعِلٍ؛ لِأنَّهُنَّ أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ عَنْ غَيْرِ أزْواجِهِنَّ، أوْ أحْصَنَّ أزْواجَهُنَّ.
وقِيلَ: الصِّيغَةُ لِلْفاعِلِ عَلى القِراءَةِ الأُولى أيْضًا، فَقَدْ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كَلُّ أفْعَلَ اسْمُ فاعِلِهِ بِالكَسْرِ إلّا ثَلاثَةَ أحْرُفٍ: أحْصَنَ وألْفَجَ؛ إذا ذَهَبَ مالُهُ، وأسْهَبَ؛ إذا كَثُرَ كَلامُهُ.
وحُكِيَ عَنِ الأزْهَرِيِّ مِثْلُهُ، وقالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّ امْرَأةٍ عَفِيفَةٍ مُحْصَنَةٌ ومُحْصِنَةٌ، وكُلُّ امْرَأةٍ مُتَزَوِّجَةٍ مُحْصَنَةٌ بِالفَتْحِ لا غَيْرَ، ويُقالُ: حُصِنَتِ المَرْأةُ - بِالضَّمِّ - حُصْنًا أيْ عَفَّتْ، فَهي حاصِنٌ وحَصْنانُ بِالفَتْحِ وحَصْناءُ أيْضًا بَيِّنَةُ الحَصانَةِ، وفَرَسٌ حِصانٌ بِالكَسْرِ بَيِّنُ التَّحْصِينِ والتَّحَصُّنِ.
ويُقالُ: إنَّهُ سُمِّيَ حِصانًا؛ لِأنَّهُ ضَنَّ بِمائِهِ فَلَمْ يَنْزُ إلّا عَلى كَرِيمَةٍ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى سَمَّوْا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الخَيْلِ حِصانًا.
والإحْصانُ في المَرْأةِ ورَدَ في اللُّغَةِ، واسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ بِأرْبَعَةِ مَعانٍ: الإسْلامُ، والحُرِّيَّةُ، والتَّزَوُّجُ، والعِفَّةُ، وزادَ الرّافِعِيُّ العَقْلَ؛ لِمَنعِهِ مِنَ الفَواحِشِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ (المُحْصَناتِ) أيْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ كائِناتٍ مِنَ النِّساءِ، وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ عُمُومِها، وقِيلَ: دَفْعُ تَوَهُّمِ شُمُولِها لِلرِّجالِ، بِناءً عَلى كَوْنِها صِفَةً لِلْأنْفُسِ، وهي شامِلَةٌ لِلذُّكُورِ والإناثِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، وفي المُرادِ بِالآيَةِ غُمُوضٌ، حَتّى قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ مَن يُفَسِّرُها لِي لَضَرَبْتُ إلَيْهِ أكْبادَ الإبِلِ، أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي السَّوْداءِ قالَ: سَألْتُ عِكْرِمَةَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ والمُحْصَناتُ ﴾ إلَخْ فَقالَ: لا أدْرِي، ولِلْعُلَماءِ المُتَقَدِّمِينَ فِيها أقْوالٌ، أحُدُها: أنَّ المُرادَ بِها المُزَوَّجاتُ، كَما قَدَّمْنا.
والمُرادُ بِالمِلْكِ المِلْكُ بِالسَّبْيِ خاصَّةً؛ فَإنَّهُ المُقْتَضِي لِفَسْخِ النِّكاحِ وحَلِّها لِلسّابِي دُونَ غَيْرِهِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعُثْمانَ وجُمْهُورِ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينَ، والأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، لَكِنْ وقْعَ الخِلافُ، هَلْ مُجَرَّدُ السَّبْيِ مُحِلٌّ لِذَلِكَ، أوْ سَبْيُها وحْدَها؟
فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - مُجَرَّدُ السَّبْيِ مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ ومُحِلٌّ لِلنِّكاحِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - سَبْيُها وحْدَها، حَتّى لَوْ سُبِيَتْ مَعَهُ لَمْ تَحِلَّ لِلسّابِي، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «أصَبْنا سَبْيًا يَوْمَ أوْطاسٍ، ولَهُنَّ أزْواجٌ، فَكَرِهْنا أنْ نَقَعَ عَلَيْهِنَّ، فَسَألْنا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فاسْتَحْلَلْناهُنَّ،» وهَذِهِ الرِّوايَةُ عَنْهُ أصَحُّ مِنَ الرِّوايَةِ الأُخْرى أنَّها نَزَلَتْ في المُهاجِراتِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا مِن قَصْرِ العامِّ عَلى سَبَبِهِ، وهو مُخالِفٌ لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ خُصُوصُ السَّبَبِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن ذاكَ القَصْرِ في شَيْءٍ، وإنَّما خُصَّ لِمُعارَضَةِ دَلِيلٍ آخَرَ، وهو الحَدِيثُ المَشْهُورُ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - «أنَّها لَمّا اشْتَرَتْ بِرَيْرَةَ وكانَتْ مُزَوَّجَةً أعْتَقَتْها، وخَيَّرَها النَّبِيُّ » فَلَوْ كانَ بَيْعُ الأمَةِ طَلاقًا ما خَيَّرَها، فاقْتُصِرَ بِالعامِّ حِينَئِذٍ عَلى سَبَبِهِ الوارِدِ عَلَيْهِ؛ لَمّا كانَ غَيْرُ البَيْعِ مِن أنْواعِ الِانْتِقالاتِ كالبَيْعِ في أنَّهُ مِلْكٌ اخْتِيارِيٌّ مُتَرَتِّبٌ عَلى مِلْكٍ مُتَقَدِّمٍ، بِخِلافِ السِّباءِ فَإنَّهُ مِلْكٌ جَدِيدٌ قَهْرِيٌّ فَلا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، كَذا قِيلَ، واعْتَرَضَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ بِإطْلاقِ الآيَةِ والخَبَرِ عَلى الإمامِ الأعْظَمِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وجَعَلُوا ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ، وأجابَ الشِّهابُ بِأنَّ الإطْلاقَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَفي الأحْكامِ المَرْوِيِّ أنَّهُ لَمّا كانَ يَوْمُ أوْطاسٍ لَحِقَتِ الرِّجالُ بِالجِبالِ، وأخَذَتِ النِّساءَ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كَيْفَ نَصْنَعُ ولَهُنَّ أزْواجٌ؟
فَأنْزَلُ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، وكَذا في حُنَيْنٍ، كَما ذَكَرَهُ أهْلُ المَغازِي، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ أزْواجٌ، فَإنِ احْتَجُّوا بِعُمُومِ اللَّفْظِ قِيلَ لَهُمْ: قَدِ اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِعامٍّ، وأنَّهُ لا تَجِبُ الفُرْقَةُ بِتَجَدُّدِ المِلْكِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الفُرْقَةَ لِمَعْنًى آخَرَ، وهو اخْتِلافُ الدّارَيْنِ، فَلَزِمَ تَخْصِيصُها بِالمَسْبِيّاتِ وحْدَهُنَّ، ولَيْسَ السَّبْيُ سَبَبَ الفُرْقَةِ؛ بِدَلِيلِ أنَّها لَوْ خَرَجَتْ مُسْلِمَةً أوْ ذِمِّيَّةً ولَمْ يَلْحَقْ بِها زَوْجُها وقَعَتِ الفُرْقَةُ بِلا خِلافٍ.
وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في المُهاجِراتِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ ﴾ فَلا يَرِدُ ما أُورِدَ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ بِالمُحْصَناتِ ما قَدَّمْنا، وبِالمِلْكِ مُطْلَقُ مِلْكِ اليَمِينِ، فَكُلُّ مَنِ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِلْكُ أمَةٍ بِبَيْعٍ أوْ هِبَةٍ أوْ سِباءٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وكانَتْ مُزَوَّجَةً كانَ ذَلِكَ الِانْتِقالُ مُقْتَضِيًا لِطَلاقِها وحِلِّها لِمَنِ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الإمامِيَّةِ.
وثالِثُها: أنَّ المُحْصَناتِ أعَمُّ مِنَ العَفائِفِ والحَرائِرِ وذَواتِ الأزْواجِ، والمِلْكَ أعَمُّ مِن مِلْكِ اليَمِينِ ومِلْكِ الِاسْتِمْتاعِ بِالنِّكاحِ، فَيَرْجِعُ مَعْنى الآيَةِ إلى تَحْرِيمِ الزِّنا، وحُرْمَةِ كُلِّ أجْنَبِيَّةٍ إلّا بِعَقْدٍ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ والسُّدِّيُّ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ، واخْتارَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ.
ورابِعُها: كَوْنُ المُرادِ مِنَ المُحْصَناتِ الحَرائِرَ، ومِنَ المِلْكِ المُطْلَقَ، والمَقْصُودُ تَحْرِيمُ الحَرائِرِ بَعْدَ الأرْبَعِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وغَيْرُهُ، عَنْ عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: «أحَلَّ اللَّهُ تَعالى لَكَ أرْبَعًا في أوَّلِ السُّورَةِ، وحَرَّمَ نِكاحَ كُلِّ مُحْصَنَةٍ بَعْدَ الأرْبَعِ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ» ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ كَثِيرٍ.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: المُرادُ مِنَ المُحْصَناتِ ذَواتُ الأزْواجِ، والمَوْصُولُ إمّا عامٌّ حَسَبَ عُمُومِ صِلَتِهِ، والِاسْتِثْناءُ لَيْسَ لِإخْراجِ جَمِيعِ الأفْرادِ مِن حُكْمِ التَّحْرِيمِ بِطَرِيقِ شُمُولِ النَّفْيِ، بَلْ بِطَرِيقِ نَفْيِ الشُّمُولِ المُسْتَلْزِمِ لِإخْراجِ البَعْضِ، أيْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ عَلى الإطْلاقِ إلّا المُحْصَناتِ اللّاتِي مَلَكْتُمُوهُنَّ، فَإنَّهُنَّ لَسْنَ مِنَ المُحَرَّماتِ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ فِيهِنَّ مَن لا يَحْرُمُ نِكاحُهُنَّ في الجُمْلَةِ، وهُنَّ المَسْبِيّاتُ بِغَيْرِ أزْواجِهِنَّ، أوْ مُطْلَقًا عَلى اخْتِلافِ المَذْهَبَيْنِ، وإمّا خاصٌّ بِالمَسْبِيّاتِ، فالمَعْنى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ إلّا اللّاتِي سُبَيْنَ؛ فَإنَّ نِكاحَهُنَّ مَشْرُوعٌ في الجُمْلَةِ، أيْ لِغَيْرِ مُلّاكِهِنَّ، وأمّا حِلُّهُنَّ لَهم بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ فَمَفْهُومٌ بِدَلالَةِ النَّصِّ؛ لِاتِّحادِ المَناطِ لا بِعِبارَتِهِ؛ لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالمُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ بِحُكْمِ مِلْكِ النِّكاحِ، وإنَّما ثُبُوتُ حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ بِحُكْمِ مِلْكِ اليَمِينِ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ، وذَلِكَ مِمّا لا يَجْرِي فِيهِ الِاسْتِثْناءُ قَطْعًا، وأمّا عَدُّهُنَّ مِن ذَواتِ الأزْواجِ مَعَ تَحَقُّقِ الفُرْقَةِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ قَطْعًا بِتَبايُنِ الدّارَيْنِ أوْ بِالسِّباءِ فَمَبْنِيٌّ عَلى اعْتِقادِ النّاسِ؛ حَيْثُ كانُوا غافِلِينَ عَنِ الفُرْقَةِ، كَما يُنْبِي عَنْ ذَلِكَ خَبَرُ أبِي سَعِيدٍ، ولَيْسَ في تَرَتُّبِ ما فِيهِ مِنَ الحُكْمِ عَلى نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما يَدُلُّ عَلى كَوْنِها مَسُوقَةً لَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتَوَقَّفُ عَلى إفادَتِها لَهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الدَّلالاتِ، لا عَلى إفادَتِها بِطَرِيقِ العِبارَةِ أوْ نَحْوِها.
واعْتُرِضَ بِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ خِلافِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ ما وجْهٍ، ولا مانِعَ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنْ يَكُونَ مَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ حُرْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالمُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ بِحُكْمِ مِلْكِ النِّكاحِ فَقَطْ، مِن أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ بِاعْتِبارِ لازِمِ تَحْرِيمِ النِّكاحِ، وهو تَحْرِيمُ الوَطْءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَحْرُمُ عَلَيْكم نِكاحُ المُحْصَناتِ، فَلا يَجُوزُ لَكم وطْؤُهُنَّ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ، فَإنَّهُ يَجُوزُ لَكم وطْؤُهُنَّ، فَتَدَبَّرْ ﴿ كِتابَ اللَّهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ، أيْ: كَتَبَ اللَّهُ تَعالى ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ تَحْرِيمَ هَؤُلاءِ كِتابًا، ولا يُنافِيهِ الإضافَةُ كَما تُوُهِّمَ، والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها و ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ وقِيلَ: ﴿ كِتابَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيِ: الزَمُوا كِتابَ اللَّهِ و ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِالمَصْدَرِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنهُ، وقِيلَ: هو إغْراءٌ آخَرُ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، وقَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِعَلَيْكُمْ، واسْتَدَلُّوا بِهِ عَلى جَوازِ تَقْدِيمِ المَفْعُولِ في بابِ الإغْراءِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأ أبُو السَّمَيْقَعِ: (كُتُبُ اللَّهِ) بِالجَمْعِ والرَّفْعِ، أيْ هَذِهِ فَرائِضُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكم و(كَتَبَ اللَّهُ) بِلَفْظِ الفِعْلِ.
﴿ وأُحِلَّ لَكُمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى القِراءَةِ الأُولى مَعْطُوفًا عَلى (حُرِّمَتْ) وعَلى الثّانِيَةِ مَعْطُوفًا عَلى (كَتَبَ) المُقَدَّرِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ما اخْتارَهُ مِنَ التَّفْرِقَةِ غَيْرُ مُخْتارٍ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ (كَتَبَ) لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَها، وهَذِهِ غَيْرُ مُؤَكِّدَةٍ، فَلا يَنْبَغِي عَطْفُها عَلى المُؤَكَّدَةِ، بَلْ عَلى الجُمْلَةِ المُؤَسَّسَةِ، خُصُوصًا مَعَ تَناسُبِهِما بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، ونَظَرِ فِيهِ الحَلَبِيُّ ولَعَلَّ وجْهَ النَّظَرِ أنَّ تَحْلِيلَ ما سِوى ذَلِكَ مُؤَكِّدٌ لِتَحْرِيمِهِ مَعْنًى، وما ذُكِرَ أمْرٌ اسْتِحْسانِيٌّ؛ رِعايَةً لِمُناسَبَةٍ ظاهِرَةٍ ﴿ ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ المُحَرَّماتِ، أيْ: أُحِلَّ لَكم نِكاحُ ما سِواهُنَّ انْفِرادًا وجَمْعًا، وفي إيثارِ اسْمِ الإشارَةِ عَلى الضَّمِيرِ إشارَةٌ إلى مُشارَكَةِ مَن في مَعْنى المَذْكُوراتِ لِلْمَذْكُوراتِ في حُكْمِ الحُرْمَةِ، فَلا يَرِدُ حُرْمَةُ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها، وكَذا الجَمْعُ بَيْنَ كُلِّ امْرَأتَيْنِ أيَّتُهُما فَرَضَتْ ذَكَرًا لَمْ تَحِلَّ لَها الأُخْرى، كَما بُيِّنَ في الفُرُوعِ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ مَن ذُكِرَ داخِلٌ فِيما تَقَدَّمَ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ، كَما مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، وحَدِيثُ تَخْصِيصِ هَذا العُمُومِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ مَشْهُورٌ.
﴿ أنْ تَبْتَغُوا ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ بَيَّنَ لَكم تَحْرِيمَ المُحَرَّماتِ المَذْكُوراتِ وإحْلالَ ما سِواهُنَّ إرادَةَ وطَلَبَ أنْ تَبْتَغُوا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَبْتَغُوا النِّساءَ، أوْ مَتْرُوكٌ، أيْ تَفْعَلُوا الِابْتِغاءَ بِأمْوالِكُمْ، بِأنْ تَصْرِفُوها إلى مُهُورِهِنَّ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ﴿ ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ بِتَقْدِيرِ المَفْعُولِ ضَمِيرًا.
وجَوَّزَ بَعْضَهم كَوْنَ (ما) عِبارَةً عَنِ الفِعْلِ، كالتَّزَوُّجِ والنِّكاحِ، وجَعَلَ هَذا بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَعْمِيمُ الكَلامِ، بِحَيْثُ يَشْمَلُ صَرْفَ الأمْوالِ إلى المُهُورِ والأثْمانِ، ﴿ مُحْصِنِينَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (تَبْتَغُوا) والمُرادُ بِالإحْصانِ هُنا العِفَّةُ وتَحْصِينُ النَّفْسِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى، ﴿ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ البارِزِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ، وهي في الحَقِيقَةِ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والسِّفاحُ الزِّنا، مِنَ السَّفْحِ، وهو صَبُّ الماءِ، وسُمِّيَ الزِّنا بِهِ؛ لِأنَّ الزّانِيَ لا غَرَضَ لَهُ إلّا صَبَّ النُّطْفَةِ فَقَطْ لا النَّسْلُ، وعَنِ الزَّجّاجِ: المُسافِحَةُ والمُسافِحُ الزّانِيانِ اللَّذانِ لا يَمْتَنِعانِ مِن أحَدٍ، ويُقالُ لِلْمَرْأةِ إذا كانَتْ تَزْنِي بِواحِدٍ: ذاتُ خِدْنٍ، ومَفْعُولُ الوَصْفَيْنِ مَحْذُوفٌ، أيْ: مُحْصِنِينَ فُرُوجَكم أوْ نُفُوسَكم غَيْرَ مُسافِحِينَ الزَّوانِيَ، وظاهِرُ الآيَةِ حُجَّةٌ لِمَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَهْرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مالًا كالإمامِ الأعْظَمِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقالَ بَعْضَ الشّافِعِيَّةِ: لا حُجَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ المالِ لِكَوْنِهِ الأغْلَبَ المُتَعارَفَ، فَيَجُوزُ النِّكاحُ عَلى ما لَيْسَ بِمالٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ سَألَ رَجُلًا خَطَبَ الواهِبَةَ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ماذا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟
قالَ: مَعِيَ سُورَةُ كَذا وكَذا، وعَدَّدَهُنَّ قالَ: تَقْرَأُهُنَّ عَلى ظَهْرِ قَلْبِكَ؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ،» ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّهُ لَوْ كانَ في الآيَةِ حُجَّةٌ لَما خالَفَها رَسُولُ اللَّهِ .
وأُجِيبَ بِأنَّ كَوْنَ القُرْآنِ مَعَهُ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ بَدَلًا، والتَّعْلِيمُ لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ في الخَبَرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: زَوَّجْتُكَ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ، ولِأجْلِ ما مَعَكَ مِنهُ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ولَعَلَّ في الخَبَرِ إشارَةً إلَيْهِ ﴿ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ ﴾ (ما) إمّا عِبارَةٌ عَنِ النِّساءِ أوْ عَمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ مِنَ الأفْعالِ، وعَلَيْهِما فَهي إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، وأيًّا ما كانَ فَهي مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها عَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ فِعْلُ الشَّرْطِ أوْ جَوابُهُ أوْ كِلاهُما، وعَلى تَقْدِيرِ المَوْصُولِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، ثُمَّ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها بِمَعْنى النِّساءِ بِتَقْدِيرِيَّةِ العائِدِ إلى المُبْتَدَأِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (فَآتُوهُنَّ) و(مِن) بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (بِهِ)، واسْتِعْمالُ (ما) لِلْعُقَلاءِ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِها الوَصْفُ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وقَدْ رُوعِيَ في الضَّمِيرِ أوَّلًا جانِبُ اللَّفْظِ وأخِيرًا جانَبُ المَعْنى، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ لا لِلطَّلَبِ، والمَعْنى: فَأيُّ فَرْدٍ أوِ فالفَرْدُ الَّذِي تَمَتَّعْتُمْ بِهِ حالَ كَوْنِهِ مِن جِنْسِ النِّساءِ أوْ بِعْضِهِنَّ فَأعْطُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها عِبارَةً عَمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ (فَمِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِمْتاعِ بِمَعْنى التَّمَتُّعِ أيْضًا، و(ما) لِما لا يَعْقِلُ، والعائِدُ إلى المُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَأيُّ فِعْلٍ تَمَتَّعْتُمْ بِهِ مِن قِبَلِهِنَّ مِنَ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ لِأجْلِهِ أوْ بِمُقابَلَتِهِ، والمُرادُ مِنَ الأُجُورِ المُهُورُ، وسُمِّيَ المَهْرُ أجْرًا؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ المَنفَعَةِ لا عَنِ العَيْنِ، ﴿ فَرِيضَةً ﴾ حالٌ مِنَ الأُجُورِ، بِمَعْنى مَفْرُوضَةٍ أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيتاءً مَفْرُوضًا، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، أيْ: فُرِضَ ذَلِكَ فَرِيضَةً، فَهي كالقَطِيعَةِ بِمَعْنى القَطْعِ، ﴿ ولا جُناحَ ﴾ أيْ لا إثْمَ ﴿ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ ﴾ مِنَ الحَطِّ عَنِ المَهْرِ أوِ الإبْراءِ مِنهُ أوِ الزِّيادَةِ عَلى المُسَمّى، ولا جُناحَ في زِيادَةِ الزِّيادَةِ؛ لِعَدَمِ مُساعَدَةِ (لا جُناحَ) إذا جَعَلَ الخِطابَ لِلْأزْواجِ تَغْلِيبًا؛ فَإنَّ أخْذَ الزِّيادَةِ مَظِنَّةُ ثُبُوتِ المَنفِيِّ لِلزَّوْجَةِ ﴿ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ ﴾ أيِ الشَّيْءِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ: ﴿ فِيما تَراضَيْتُمْ ﴾ مِن نَفَقَةٍ ونَحْوِها، وقِيلَ: مِن مَقامٍ أوْ فِراقٍ، وتَعَقَّبَهُ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ ذِكْرُ الفَرِيضَةِ إذْ لا تَعَلُّقَ لَهُما بِها، إلّا أنْ يَكُونَ الفِراقُ بِطَرِيقِ المُخالَعَةِ، وقِيلَ: الآيَةُ في المُتْعَةِ وهي النِّكاحُ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ مِن يَوْمٍ أوْ أكْثَرَ، والمُرادُ: ﴿ ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ ﴾ مِنِ اسْتِئْنافِ عَقْدٍ آخَرَ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ المَضْرُوبِ في عَقْدِ المُتْعَةِ، بِأنْ يَزِيدَ الرَّجُلُ في الأجْرِ وتُزِيدَهُ المَرْأةُ في المُدَّةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَتِ الإمامِيَّةُ، والآيَةُ أحَدُ أدِلَّتِهِمْ عَلى جَوازِ المُتْعَةِ، وأيَّدُوا اسْتِدْلالَهم بِها بِأنَّها في حَرْفِ أُبَيٍّ: (فَما اسْتَمَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى) وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والكَلامُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، ولا نِزاعَ عِنْدَنا في أنَّها أُحِلَّتْ ثُمَّ حُرِّمَتْ، وذَكَرَ القاضِي عِياضٌ في ذَلِكَ كَلامًا طَوِيلًا، والصَّوابُ المُخْتارُ أنَّ التَّحْرِيمَ والإباحَةَ كانا مَرَّتَيْنِ، وكانَتْ حَلالًا قَبْلَ يَوْمِ خَيْبَرَ، ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَ خَيْبَرَ، ثُمَّ أُبِيحَتْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وهو يَوْمُ أوْطاسٍ لِاتِّصالِهِما، ثُمَّ حُرِّمَتْ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ ثَلاثٍ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واسْتَمَرَّ التَّحْرِيمُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الإباحَةَ مُخْتَصَّةٌ بِما قَبْلَ خَيْبَرَ، والتَّحْرِيمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلتَّأْبِيدِ، وإنَّ الَّذِي كانَ يَوْمَ الفَتْحِ مُجَرَّدَ تَوْكِيدِ التَّحْرِيمِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ إباحَةِ يَوْمِ الفَتْحِ، إذِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَأْبى ذَلِكَ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما فِيهِ مَقْنَعٌ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ كانَ يَقُولُ بِحِلِّها، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ حِينَ قالَ لَهُ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: إنَّكَ رَجُلٌ تائِهٌ؛ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهى عَنِ المُتْعَةِ،» كَذا قِيلَ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ حِينَ قالَ لَهُ عَلِيٌّ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قامَ بِمَكَّةَ فَقالَ: إنَّ ناسًا أعْمى اللَّهُ قُلُوبَهم كَما أعْمى أبْصارَهم يُفْتُونَ بِالمُتْعَةِ، يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ، يَعْنِي ابْنَ عَبّاسٍ، كَما قالَ النَّوَوِيُّ، فَناداهُ فَقالَ: إنَّكَ لَجِلْفٌ جافٍّ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ كانَتِ المُتْعَةُ تُفْعَلُ في عَهْدِ إمامِ المُتَّقِينَ، يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَرِّبْ نَفْسَكَ، فَواللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَها لَأرْجُمَنَّكَ بِأحْجارِكَ، فَإنَّ هَذا إنَّما كانَ في خِلافَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وذَلِكَ بَعْدَ وفاةِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ مُسْتَمِرُّ القَوْلِ عَلى جَوازِها، لَمْ يَرْجِعْ إلى قَوْلِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وبِهَذا قالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في شَرْحِ المِنهاجِ، فالأوْلى أنْ يُحْكَمَ بِأنَّهُ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «إنَّما كانَتِ المُتْعَةُ في أوَّلِ الإسْلامِ، كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ البَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِها مَعْرِفَةٌ فَيَتَزَوَّجُ المَرْأةَ بِقَدْرِ ما يَرى أنَّهُ مُقِيمٌ، فَتَحْفَظُ لَهُ مَتاعَهُ وتَصْلُحُ لَهُ شَأْنَهُ» حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ فَكُلُّ فَرْجٍ سِواهُما حَرامٌ، ويُحْمَلُ هَذا عَلى أنَّهُ اطَّلَعَ عَلى أنَّ الأمْرَ إنَّما كانَ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَرَجَعَ إلَيْهِ وحَكاهُ، وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ إنَّما أباحَها حالَةَ الِاضْطِرارِ والعَنَتِ في الأسْفارِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: لَقَدْ سارَتْ بِفُتْياكَ الرُّكْبانُ، وقالَ فِيها الشُّعَراءُ، قالَ: وما قالُوا؟
قُلْتُ: قالُوا: قَدْ قُلْتُ لِلشَّيْخِ لَمّا طالَ مَجْلِسُهُ يا صاحِ هَلْ لَكَ في فَتْوى ابْنِ عَبّاسِ هَلْ لَكَ في رُخْصَةِ الأطْرافِ آنِسَةٍ ∗∗∗ تَكُونُ مَثْواكَ حَتّى مَصْدَرِ النّاسِ فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ!
ما بِهَذا أفْتَيْتُ، وما هي إلّا كالمَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، ولا تَحِلُّ إلّا لِلْمُضْطَرِّ، ومِن هُنا قالَ الحازِمِيُّ: إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ أباحَها لَهم وهم في بُيُوتِهِمْ وأوْطانِهِمْ، وإنَّما أباحَها لَهم في أوْقاتٍ بِحَسَبِ الضَّرُوراتِ، حَتّى حَرَّمَها عَلَيْهِمْ في آخِرِ الأمْرِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ، وأمّا ما رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَسْتَمْتِعُونَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ حَتّى نَهى عَنْها عُمَرُ فَمَحْمُولٌ عَلى أنَّ الَّذِي اسْتَمْتَعَ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ النَّسْخُ، ونَهْيُ عُمَرَ كانَ لِإظْهارِ ذَلِكَ، حَيْثُ شاعَتِ المُتْعَةُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلَغْهُ النَّهْيُ عَنْها، ومَعْنى: أنا مُحَرِّمُها في كَلامِهِ - إنَّ صَحَّ -: مُظْهِرٌ تَحْرِيمِها لا مُنْشِئُهُ، كَما يَزْعُمُهُ الشِّيعَةُ، وهَذِهِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى الحِلِّ، والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ في المُتْعَةِ غَلَطٌ، وتَفْسِيرُ البَعْضِ لَها بِذَلِكَ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّ نَظْمَ القُرْآنِ الكَرِيمِ يَأْباهُ؛ حَيْثُ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أوَّلًا المُحَرَّماتِ، ثُمَّ قالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ ﴾ وفِيهِ شَرْطٌ بِحَسَبِ المَعْنى، فَيَبْطُلُ تَحْلِيلُ الفَرْجِ وإعارَتُهُ، وقَدْ قالَ بِهِما الشِّيعَةُ، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى النَّهْيِ عَنْ كَوْنِ القَصْدِ مُجَرَّدَ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، وصَبِّ الماءِ، واسْتِفْراغِ أوْعِيَةِ المَنِيِّ، فَبَطَلَتِ المُتْعَةُ بِهَذا القَيْدِ؛ لِأنَّ مَقْصُودَ المُتَمَتِّعِ لَيْسَ إلّا ذاكَ، دُونَ التَّأهُّلِ والِاسْتِيلادِ، وحِمايَةِ الذِّمارِ والعِرْضِ، ولِذا تَجِدُ المُتَمَتَّعَ بِها في كُلِّ شَهْرٍ تَحْتَ صاحِبٍ، وفي كُلِّ سَنَةٍ بِحِجْرِ مُلاعِبٍ، فالإحْصانُ غَيْرُ حاصِلٍ في امْرَأةِ المُتْعَةِ أصْلًا، ولِهَذا قالَتِ الشِّيعَةَ: إنَّ المُتَمَتِّعَ الغَيْرَ النّاكِحِ إذْ زَنى لا رَجْمَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ فَرَّعَ سُبْحانَهُ عَلى حالِ النِّكاحِ قَوْلَهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: (فَإذا اسْتَمْتَعْتُمْ) وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالِاسْتِمْتاعِ هو الوَطْءُ والدُّخُولُ، لا الِاسْتِمْتاعُ بِمَعْنى المُتْعَةِ الَّتِي يَقُولُ بِها الشِّيعَةِ، والقِراءَةُ الَّتِي يَنْقُلُونَها عَمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الصَّحابَةِ شاذَّةٌ.
وما دَلَّ عَلى التَّحْرِيمِ كَآيَةِ: ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ ﴾ قَطْعِيٌّ، فَلا تُعارِضْهُ عَلى أنَّ الدَّلِيلَيْنِ إذا تَساوَيا في القُوَّةِ وتَعارَضا في الحِلِّ والحُرْمَةِ قَدِّمْ دَلِيلَ الحُرْمَةِ مِنهُما، ولَيْسَ لِلشِّيعَةِ أنْ يَقُولُوا: إنَّ المَرْأةَ المُتَمَتَّعَ بِها مَمْلُوكَةٌ؛ لِبَداهَةِ بُطْلانِهِ، أوْ زَوْجَةٌ؛ لِانْتِفاءِ جَمِيعِ لَوازِمِ الزَّوْجِيَّةِ، كالمِيراثِ والعِدَّةِ والطَّلاقِ والنَّفَقَةِ فِيها، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عُلَماؤُهم.
ورَوى أبُو نُصَيْرٍ مِنهم في صَحِيحِهِ عَنِ الصّادِقِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأةِ المُتْعَةِ، أهِيَ مِنَ الأرْبَعِ؟
قالَ: لا، ولا مِنَ السَّبْعِينَ، وهو صَرِيحٌ في أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً، وإلّا لَكانَتْ مَحْسُوبَةً في الأرْبَعِ، وبِالجُمْلَةِ: الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حِلِّ المُتْعَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، كَما لا يَخْفى، ولا خِلافَ الآنَ بَيْنَ الأئِمَّةِ وعُلَماءِ الأمْصارِ - إلّا الشِّيعَةَ - في عَدَمِ جَوازِها، ونَقَلُ الحَلِّ عَنْ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - غَلَطٌ، لا أصْلَ لَهُ، بَلْ في حَدِّ المُتَمَتِّعِ رِوايَتانِ عَنْهُ، ومَذْهَبُ الأكْثَرِينَ أنَّهُ لا يُحَدُّ لِشُبْهَةِ العَقْدِ وشُبْهَةِ الخِلافِ، ومَأْخَذُ الخِلافِ عَلى ما قالَ النَّوَوِيُّ: اخْتِلافُ الأُصُولِيِّينَ في أنَّ الإجْماعَ بَعْدَ الخِلافِ هَلْ يَرْفَعُ الخِلافَ؟
وتَصِيرُ المَسْألَةُ مُجْمَعًا عَلَيْها، فَبَعْضٌ قالَ: لا يَرْفَعُهُ بَلْ يَدُومُ الخِلافُ ولا تَصِيرُ المَسْألَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مُجْمَعًا عَلَيْها أبَدًا، وبِهِ قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ، وقالَ آخَرُونَ: بِأنَّ الإجْماعَ اللّاحِقَ يَرْفَعُ الخِلافَ السّابِقَ، وتَمامُهُ في الأُصُولِ، وحَكى بَعْضُهم عَنْ زُفَرَ أنَّهُ قالَ: مَن نَكَحَ نِكاحَ مُتْعَةٍ تَأبَّدَ نِكاحُهُ، ويَكُونُ ذِكْرُ التَّأْجِيلِ مِن بابِ الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في النِّكاحِ، وهي مَلْغِيَّةٌ فِيها، والمَشْهُورُ في كُتُبِ أصْحابِنا أنَّهُ قالَ ذَلِكَ في النِّكاحِ المُؤَقَّتِ - وفي كَوْنِهِ عَيْنَ نِكاحِ المُتْعَةِ - بَحْثٌ، فَقَدْ قالَ بَعْضُهم بِاشْتِراطِ الشُّهُودِ في المُؤَقَّتِ وعَدَمِهِ في المُتْعَةِ، ولَفْظُ التَّزْوِيجِ أوِ النِّكاحِ في الأوَّلِ، وأسْتَمْتِعُ أوْ أتَمَتَّعُ في الثّانِي، وقالَ آخَرُونَ: النِّكاحُ المُؤَقَّتُ مِن أفْرادِ المُتْعَةِ، وذَكَرَ ابْنُ الهُمامِ أنَّ النِّكاحَ لا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ المُتْعَةِ، وإنْ قُصِدَ بِهِ النِّكاحَ الصَّحِيحَ المُؤَبَّدَ، وحَضَرَ الشُّهُودُ؛ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ مَجازًا عَنْ مَعْنى النِّكاحِ، كَما بَيَّنَهُ في المَبْسُوطِ، بَقِيَ: ما لَوْ نَكَحَ مُطْلَقًا ونِيَّتُهُ أنْ لا يَمْكُثَ مَعَها إلّا مُدَّةً نَواها، فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ نِكاحًا صَحِيحًا حَلالِيًّا أمْ لا؟
الجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ، بَلْ حَكى القاضِي الإجْماعَ عَلَيْهِ، وشَذَّ الأوْزاعِيُّ فَقالَ: هو نِكاحُ مُتْعَةٍ، ولا خَيْرَ فِيهِ، فَيَنْبَغِي عَدَمُ نِيَّةِ ذَلِكَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا ﴾ بِما يُصْلِحُ أمْرَ الخَلْقِ ﴿ حَكِيمًا ﴾ فِيما شَرَعَ لَهُمْ، ومِن ذَلِكَ عَقْدُ النِّكاحِ الَّذِي يَحْفَظُ الأمْوالَ والأنْسابَ.
<div class="verse-tafsir"
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ قال في رواية الكلبي وفي رواية الضحاك، يعني ذوات الأزواج حرام عليكم إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من سبايا، فإذا ملك الرجل امرأة لها زوج في دار الحرب واستبرأ رحمها بحيضة، فهي حلال له.
وهذا موافق لما روي عن أبي سعيد الخدري أن المسلمين أصابوا يوم أوطاس سبايا لهن أزواج من المشركين، فتأثم المسلمون منهن وقالوا: لهن أزواج، فأنزل الله تعالى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يقول: ما أفاء الله عليكم من ذلك، وإن كان لهن أزواج من المشركين، فلا بأس بأن يأتيها الرجل إذا استبرأ رحمها.
وقال في رواية مقاتل: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ يعني كل امرأة ليست تحتكم، فهي حرام عليكم.
ثم استثنى من المحصنات فقال: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني إلا ما قد تزوجتم مِّنَ النسآء مثنى وثلاث ورباع.
قوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أي هذا ما حرم عليكم في الكتاب، ويقال: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ معناه: هذا الذي يقرأ عليكم هو كتاب الله تعالى، فاتبعوه ولا تخالفوه.
وقال الزجاج: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ منصوب على التأكيد، محمول على المعنى، لأن معناه حرمت عليكم أمهاتكم، كتب الله عليكم هذا كتاباً.
ويجوز أن يكون منصوباً على جهة الأمر، كأنه قال: الزموا كتاب الله فيكون عليكم مفسراً له.
ثم قال تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ يقول: رخص لكم ما سوى ذلكم، فالله تعالى قد ذكر ما حرم في هذه الآية من قوله وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ أربع عشرة من المحرمات، سبع بالنسب وسبع بالسبب.
ثم بيّن المحللات فقال: وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ يعني ما سوى هذه الأربع عشرة التي ذكر في هذه الآية، فلو كان الأمر على ظاهر هذه الآية، لكان يجوز ما سوى ذلك إلا أنه قد جاء الأثر عن رسول الله أنه قال: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» وقال: «لا تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلا عَلَى خَالَتِها» .
فوجب اتباعه لأن الله تعالى قال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] .
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص: وَأُحِلَّ لَكُمْ بضم الألف وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم لأنه عطف على قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ.
ومن قرأ بالنصب لأنه نسق على قوله كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.
ثم قال تعالى: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ يعني أن تتزوجوا بأموالكم، ويقال: تشتروا بأموالكم الجواري مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ يقول: كونوا متعففين من الزنى غير زانين فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قال مقاتل: يعني به المتعة، أي فما استمتعتم منهن إلى أجل مسمى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي أعطوهن ما شرطتم لهن من المال وإنما كانت إباحة المتعة في بعض المغازي، ثم نهي عن ذلك.
وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى.
وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها هذه الأمة، ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إنما رخص في المتعة في بعض المغازي، ثم نسختها آية الطلاق والميراث والعدة.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قال النكاح فآتوهن أجورهن، يعني مهورهن.
وقال في رواية الكلبي: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ بعد النكاح فآتوهن أجورهن، أي مهورهن فَرِيضَةً لهن عليكم.
وقال الضحاك: فما استمتعتم به منهن أي فما تزوجتم بهن فأعطوهن مهورهن وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ قال بعضهم: يعني المتعة قبل أن تنسخ، أجاز لهما أن يتراضيا على زيادة الأجل والمال.
وقال بعضهم: يعني المهر، لا جناح على الزوجين أن يتراضيا بعد النكاح على زيادة المهر إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً فيما رخّص لكم من نكاح الأجانب حَكِيماً فيما حرم عليكم من ذوات المحارم.
ثم قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أي غنى، يقول: من لم يجد منكم سعة في المال أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ يعني الحرائر، فليتزوج الإماء فذلك قوله: فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من الإماء.
ويقال: من لم يستطع منكم طولا، يعني من لم يكن له منكم مقدرة على الحرة، فليتزوج الأمة، يعني: إذا لم يكن له امرأة حرة.
وقد قال بعض الناس: إذا كان للرجل من المال مقدار ما يمكنه أن يتزوج بالحرة، لا يجوز أن يتزوج الأمة.
وفي قول علمائنا: يجوز إذا لم يكن عنده امرأة حرة، لأنه لو صرف إلى ذلك الوجه لا يضر، لأن كل مال يمكن أن يتزوج به الأمة يمكن أن يتزوج به الحرة، ولكن معناه كون الحرة عنده أفضل.
ثم قال: تعالى مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ يعني يتزوج الأمة المسلمة.
وقال بعض الناس: لا يجوز أن يتزوج أمة يهودية أو نصرانية، لأن الله تعالى قال مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ.
وفي قول علمائنا: يجوز نكاح الأمة اليهودية والنصرانية، وذكر المؤمنات ليس بشرط أنه لا يجوز غيرها، وهذا بمنزلة قوله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [النساء: 3] فإن خاف ألا يعدل فيتزوج أكثر من واحدة جاز، ولكن الأفضل أن لا يتزوج، فكذلك هاهنا الأفضل أن يتزوج الأمة إلا المؤمنة ولو تزوج غير المؤمنة جاز.
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ يقول: والله أعلم بإيمانكم في الحقيقة، وأنتم تعرفون الظاهر وليس عليكم أن تبحثوا عن الباطن.
وقال مقاتل: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه فما ملكت أيمانكم بعضكم من بعض يعني يتزوج هذا وليدة هذا، وهذا وليدة هذا.
ثم قال: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ من غيره.
ويقال: معناه والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض، يعني بعضكم من بعض في النسب، يعني محلكم ولد آدم ولا فخر فيما بينكم.
ويقال: دينكم واحد أي بعضكم على دين بعض.
ثم قال تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يعني الولاية بإذن أربابهن وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ يقول: أعطوهن مهورهن بالمعروف، يعني بإذن أهلهن، لأنه إذا أعطى الأمة مهرها بغير إذن مولاها واستهلكت، ضمن الزوج للمولى.
ويقال: مهراً غير مهر البغي، يعني بعد ما أطلق ذلك.
ثم قال: مُحْصَناتٍ أي عفائف غَيْرَ مُسافِحاتٍ أي زواني، ويقال: غير معلنات بالزنى وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ يعني أخلاء في السر، لأن أهل الجاهلية كان فيهن زواني في العلانية، ولهن رايات منصوبة وبعضهن اتخذن أخداناً يعني أخلاء في السر، ولا يفعلن بالعلانية فنهى الله عن نكاح الفريقين جميعاً.
فقال: تزوجوا محصنات غير معلنات بالزنى ولا في السر.
قرأ الكسائي: محصنات بكسر الصاد في جميع القرآن إلا في قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ وقرأ الباقون في جميع القرآن بالنصب.
ثم قال تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ يعني أسلمن.
ويقال: إذا أعففن.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي: فَإِذا أُحْصِنَّ بالنصب.
وقرأ الباقون بالضم.
وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ بالنصب، ومعناه إذا أسلمن.
وقرأ ابن عباس بالضم، يعني أحصن بالأزواج.
فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يعني الزنى فَعَلَيْهِنَّ أي وجب عليهن نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ يعني إذا زنت الأمة فحدّها نصف حدّ الحرة، خمسون جلدة.
والفائدة في نقصان حدهن والله أعلم أنهن أضعف من الحرائر، فجعل عقوبتهن أقل.
ويقال لأنهن لا يصلن إلى مرادهن كما تصل الحرائر إلى مرادهن.
ويقال: لأن العقوبة تجب على قدر النعمة، ألا ترى أن الله تعالى قال لأزواج النبي يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [سورة الأحزاب: 32] فلما كانت نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشد، فكذلك الأمة لما كانت نعمتها أقل كانت عقوبتها أدنى.
وذكر في الآية حدّ الإماء خاصة ولم يذكر حد العبيد، ولكن حد العبيد والإماء سواء، خمسون جلدة في الزنى، وفي حد القذف وشرب الخمر أربعون جلدة، لأن حد الأمة إنما نقص لنقصان الرق، وذلك في العبد موجود.
وروي عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ما أنهما قالا: حدّ العبد نصف حد الحر.
ثم قال تعالى: ذلِكَ يعني هذا الذي ذكر في الآية، وهو رخصة نكاح الأمة لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم في دينه.
ويقال: الزنى والفجور.
قال القتبي: أصله المضرور الإفساد.
قال تعالى وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء خَيْرٌ لَكُمْ من تزوجهن، لأنه لو تزوج الأمة يصير ولده عبداً.
وروي عن عمر أنه قال: أيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه، أي يصير ولده رقيقاً، فالصبر عن ذلك أفضل لكيلا يرق ولده.
وقال مجاهد: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ يقول: وإن تصبروا على نكاح الأمة خير لكم من أن تقعوا في الفجور.
وَاللَّهُ غَفُورٌ لما أصبتم منهن قبل تحليله رَحِيمٌ حين رخص في نكاح الإماء.
ويقال: رحيم إذ لم يعجل العقوبة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ عطْفاً على المُحَرَّمَاتِ، قيل: والتحصّن التمنّع، ومنه
الحِصْن، وحصنت المرأة: امتنعت بوجه مِنْ وُجُوه الاِمتناعِ، وأَحْصَنَتْ نَفْسَهَا، وأَحْصَنَهَا غيْرُها، والإحْصَانُ تستعمله العَرَبُ في أربعةِ أشياءَ، وعلى ذلك تصرَّفَتِ اللفظة في كتاب
اللَّهِ عزَّ وجلَّ: فتستعملُهُ في الزَّوَاجِ لأنَّ مِلْكَ الزَّوْجِ منعة وحفظ، وتستعمله في الحرِّيَّة
لأنَّ الإماء كان عُرْفُهُنَّ في الجاهليَّة الزِّنَا، والحُرَّةُ بخلافِ ذلك ألا ترى إلى قول هند:
«وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ» ، وتستعمله في الإسلام لأنه حافظٌ، وتستعمله في العِفَّة «١» لأنها إذا ارتبط بها إنسانٌ، وظهرَتْ على شَخْصٍ مَّا، وتخلَّق بها، فهي مَنَعَةٌ وحفْظٌ.
وحيثما وقعتِ اللفظة في القرآن، فلا تجدُها تخرُجُ عن هذه المعانِي، لكنَّها قد تقوى فيها بعضُ هذه المعانِي دُونَ بَعْض كما سيأتي بيانُهُ في مكانه (إن شاء اللَّه) .
فقوله سبحانه في هذه الآية: وَالْمُحْصَناتُ قال فيه ابنُ عَبَّاس وغيره: هنَّ ذواتُ الأزواجِ، محرَّماتٌ إلاَّ ما ملكَتِ اليمينُ بِالسَّبْيِ «٢» ، ورُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ أنه سُئِلَ عن هذه الآية: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ، فقال: نرى أنه حَرَّم في هذه الآية ذَوَاتِ الأزواجِ، والعَفَائِفَ مِنْ حَرَائِرَ ومملوكاتٍ، ولم يحلَّ شيءٌ من ذلك إلاَّ بنكاحٍ، أو شراءٍ، أو تملُّك «٣» ، وهذا قولٌ حَسَنٌ عَمَّم لفظَ الإحصانِ، ولَفْظَ ملكِ اليمين، وذلك راجعٌ إلى أنَّ اللَّه حَرَّم الزنا، قال عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وغيره: قوله سبحانه: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: إشارةٌ إلى ما ثبت من القرآن من قوله سبحانه: مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ «٤» [النساء: ٣] وفي هذا بعد،
والأظْهَرُ أنَّ قوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجِزِ بَيْنَ الناسِ، وبَيْنَ ما كانَتِ الجاهليةُ تفعله.
قال الفَخْر «١» : وكِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: مصْدَرٌ من غير لفظ الفَعْلِ، قال الزَّجَّاج:
ويجوزُ أَنْ يكونَ مَنْصُوباً على جهة الأَمْرِ، ويكون عَلَيْكُمْ خبراً له، فيكون المعنَى:
الزموا كتابَ اللَّهِ.
انتهى.
وفي «التمهيد» لأبي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: أي: حكمه فيكُمْ وقضاؤُه عليكم.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَراءَ ذلِكُمْ، قال عطاء وغيره: المعنى: وأُحِلَّ لكم ما وراء مَنْ حُرِّم «٢» ، قلْتُ: أي: على ما علم تفصيله من الشريعة.
قال ع «٣» : وأَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ: لفظ يجمع/ التزوّج والشراء، ومُحْصِنِينَ: معناه: متعفِّفين، أي: تُحْصِنُونَ أنفسكم بذلك، غَيْرَ مُسافِحِينَ، أي:
غَيْرَ زُنَاةٍ، والسِّفَاحُ: الزنا.
وقوله سبحانه: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، قال ابن عَبَّاس وغيره:
المعنى: فإذا استمتعتم بالزوْجَة، ووَقَعَ الوطْء، ولو مرَّةً، فقد وجَب إعطاء الأجْرِ، وهو المهر «٤» كلُّه، وقال ابنُ عَبَّاس أيضاً وغيره: إن الآية نزلَتْ في نكاح «٥» ...
..
..
..
..
المُتْعة «١» ، قال ابنُ المُسَيَّب: ثم نُسِختْ «٢» .
قال ع «٣» : وقد كانَتِ المتعةُ في صَدْرِ الإسلامِ، ثم نهى عنها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله تعالى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ، أي: مِنْ حَطٍّ أو تأخيرٍ بعد استقرار الفَريضَةِ، ومَنْ قال بأنَّ الآية المتقدِّمة في المُتْعَة، قال: الإشارةُ بهذه إلى أنَّ ما تراضَيَا علَيْه من زيادةٍ في مُدَّة المتعة، وزيادة في الأجر جائز.
وقوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا ...
الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره:
الطَّوْل هنا: السَّعَة في المالِ «١» وقاله مالِكٌ في «المُدَوَّنة» ، فعلى هذا التأويلِ لا يصحُّ للحُرِّ أنْ يتزوَّج الأَمَةَ إلاَّ باجتماع شرطَيْنِ: عَدَمِ السَّعَةِ في المالِ، وخَوْفِ العَنَتِ، وهذا هو نصُّ مالك في «المدوَّنة» .
قال مالك في «المُدَوَّنة» : «ولَيْسَتِ الحُرَّة تحته بِطَوْل، إنْ خَشِيَ العَنَتَ» ، وقال في «كتاب محمَّد» ما يقتضِي أنَّ الحُرَّة بمثابة الطَّوْل.
قال الشيخُ أبو الحَسَن اللَّخْمِيُّ: وهو ظاهرُ القرآن، ونحوه عنِ ابْنِ حَبيبٍ «٢» .
وقال أبو حنيفة: وجودُ الحُرَّة تحته لا يَجُوزُ معه نكاحُ الأَمَةِ وقاله «٣» الطَّبَرِيُّ، وتقولُ: طَالَ الرَّجُلُ طَوْلاً (بفتح الطاء) إذا تفضَّل، ووَجَدَ، واتسع، وطُولاً (بضمها) : في ضِدِّ القصر، والْمُحْصَناتُ في هذا الموضع: الحرائرُ- والفتاةُ، وإن كَانَتْ في اللغة واقعةً على الشَّابَّة، أَيَّةً كانَتْ، فعرفها في الإماء، وفتى كذلك، والْمُؤْمِناتِ في هذا الموضع: صفةٌ مشترطةٌ عند مالك، وجمهور أصحابه، فلا يجوزُ نكاحُ أمةٍ كافرةٍ «٤»
عندهم قُلْتُ: والعلَّة في مَنْعِ نكاحِ الأَمَةِ ما يئول إليه الحال من استرقاق الولد.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، ومعناه: واللَّهُ أعلمُ ببَوَاطِنِ الأمور، ولكم ظواهرُها، فإذا كانَتِ الفتاةُ ظاهِرُها الإيمانُ، فنكاحها صحيح، وفي اللفظ
أيضاً: تنبيهٌ على أنهُ ربَّما كان إيمانُ أَمَةٍ أَفْضَلَ مِنْ إيمانِ بعضِ الحرائرِ، فلا تَعْجَبُوا بمعْنَى الحُرِّيَّة، والمَقْصِدُ بهذا الكلامِ أنَّ الناس سواءٌ، بَنُو الحرائرِ، وبَنُو الإمَاءِ، أكرمهم عنْدَ اللَّهِ أتقاهُمْ، وفي هذا توطئَةٌ لنفوسِ العَرَبِ التي كانَتْ تَسْتَهْجِنُ ولَدَ الأَمَةِ.
وقوله تعالى: فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، معناه: بولايةِ أربابِهِنَّ المالكين، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، أي: مُهُورَهُنَّ، بِالْمَعْرُوفِ: معناه: بالشَّرْع والسُّنَّة، ومُحْصَناتٍ:
الظاهرُ أنه بمعنى عفيفاتٍ.
قال ص: مُحْصَنَاتٍ: منصوبٌ على الحَالِ، والظَّاهِرُ أنَّ العَامِلَ وآتُوهُنَّ، ويجوزُ أَنْ يَكُونَ العامِلُ: فانكحوهن مُحْصَنَاتٍ، أي: عفائفَ.
انتهى.
والمسافِحَاتُ: الزوانِي المتبذِّلاتُ اللَّوَاتِي هُنَّ سُوقٌ للزِّنا، ومتَّخِذَاتُ الأخدانِ هنَّ المُسْتَتِرَاتُ اللواتِي يصحبن واحداً واحداً، ويَزْنينَ خفيةً، وهذان كانا نَوْعَيْن في زنا الجاهليَّة قاله ابنُ عبَّاس وغيره «١» .
وقوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ ...
الآية، أي: تزوَّجْن، قال الزُّهْرِيُّ وغيره:
فالمتزوِّجة محدودةٌ بالقرآن، والمُسْلِمَةُ غير المتزوِّجة محدودةٌ بالحديث، وفي مسلمٍ والبخاريُّ، «أنه قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الأَمَةُ إذَا زَنَتْ، ولَمْ تُحْصَنْ» ، فأوْجَبَ/ علَيْها الحدَّ» والفاحشة «١» ، هنا الزّنا.
قال ص: وجوابُ: «إذَا» : «فإنْ أتَيْنَ» ، وجوابه.
انتهى.
والْمُحْصَناتِ في هذه الآية: الحَرَائِرُ إذ هي الصفَةُ المَشْرُوطة في الحدِّ الكامِلِ، والرَّجْمُ لا يتنصَّف، فلم يُرَدْ في الآية بإجماع، والعَنَتُ في اللغة: المَشَقَّة.
قال ابنُ عباسٍ وغيره: والمَقْصِدُ به هنا الزنا «١» .
قَوْلُهُ: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ﴾ أمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَرَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: أصَبْنا سَبايا يَوْمَ أوَطاسٍ لَهُنَّ أزْواجٌ، فَكَرِهْنا أنْ نَقْعَ عَلَيْهِنَّ، فَسَألْنا النَّبِيَّ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فاسْتَحْلَلْناهُنَّ.
وَأمّا خِلافَ القُرّاءِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ بِفَتْحِ الصّادِ في كُلِّ القُرْآنِ، وفَتْحِ الكِسائِيِّ الصّادَّ في هَذِهِ وحَّدَها، وقَرَأ سائِرَ القُرْآَنِ بِالكَسْرِ، و"المُحْصَناتِ" و"مُحْصَناتٍ" .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والإحْصانُ: أنْ يَحْمِيَ الشَّيْءَ، ويَمْنَعَ مِنهُ، فالمُحْصَناتُ [مِنَ النِّساءِ]: ذَواتُ الأزْواجِ، لِأنَّ الأزْواجَ أحْصَنُوهُنَّ، ومَنَعُوا مِنهُنَّ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ والمُحْصَناتُ: الحَرائِرُ وإنْ لَمْ يَكُنَّ مُتَزَوِّجاتٍ، لِأنَّ الحُرَّةَ تُحْصَنُ وتُحَصِّنُ، ولَيْسَتْ كالأمَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ ﴾ وقالَ: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ ﴾ يَعْنِي: الحَرائِرُ، والمُحْصَناتُ: العَفائِفُ.
وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ﴾ يَعْنِي: العَفائِفُ.
وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها ﴾ أيْ: عَفَتْ.
وَفِي المُرادِ بِالمُحْصَناتِ هاهُنا: ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: ذَواتُ الأزْواجِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والنَّخْعِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.
والثّانِي: العَفائِفُ: فَإنَّهُنَّ حَرامٌ عَلى الرِّجالِ إلّا بِعَقْدِ نِكاحٍ، أوْ مِلْكِ يَمِينٍ.
وهَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وأبِي العالِيَةَ، وعَطاءٍ، وعُبَيْدَةَ، والسُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: الحَرائِرُ، فالمَعْنى: أنَّهُنَّ حَرامٌ بَعْدِ الأرْبَعِ اللَّواتِي ذَكَرْنَ في أوَّلِ السُّورَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُبَيْدَةَ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ السَّبايا في الحُرُوبِ، وعَلى هَذا تَأوَّلَ الآَيَةَ عَلِيٌّ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ هَؤُلاءِ لا يَرَوْنَ بَيْعَ الأمَةِ طَلاقًا.
والثّانِي: إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ الإماءِ ذَواتِ الأزْواجِ، بِسَبْيٍ أوْ غَيْرِ سَبْيٍ، وعَلى هَذا تَأوَّلَ الآيَةَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرٌ، وأنَسٌ، وكانَ هَؤُلاءِ يَرَوْنَ بَيْعَ الأمَةِ طَلاقًا.
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ: أنَّهم قالُوا: بَيْعُ الأمَةِ طَلاقُها، والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ النَّبِيَّ خَيَّرَ بَرِيرَةَ إذْ أعْتَقَتْها عائِشَةٌ، بَيْنَ المَقامِ مَعَ زَوْجِها الَّذِي زَوَّجَها مِنهُ سادَتُها في حالِ رِقِّها، وبَيْنَ فِراقِهِ، ولَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ عِتْقَ عائِشَةَ إيّاها طَلاقًا، ولَوْ كانَ طَلاقًا لَمْ يَكُنْ لِتَخْيِيرِهِ إيّاها مَعْنًى.
ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ ما ذَكَرْناهُ مِن سَبَبِ نُزُولِ الآَيَةِ.
وَعَلى القَوْلِ الثّانِي: العَفائِفُ حَرامٌ إلّا بِمِلْكٍ، والمِلْكُ يَكُونُ عَقْدًا، ويَكُونُ مِلْكَ يَمِينٍ.
وَعَلى القَوْلِ الثّالِثِ: الحَرائِرُ حَرامٌ بَعْدَ الأرْبَعِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ الإماءِ، فَإنَّهُنَّ لَمْ يُحْصَرْنَ بِعَدَدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى التَّوْكِيدِ، مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ ﴾ : كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكم هَذا كِتابًا، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى جِهَةِ الأمْرِ، ويَكُونُ "عَلَيْكُمْ" مُفَسِّرًا لَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: الزَمُوا كِتابَ اللَّهِ.
قالَ: ﴿ وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ أيْ: ما بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ، إلّا أنَّ السُّنَةَ، قَدْ حَرَّمَتْ تَزْوِيجَ المَرْأةَ عَلى عَمَّتِها، وتَزْوِيجَها عَلى خالَتِها، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو عِمْرانَ: ( كُتُب اللَّهِ عَلَيْكم ) بِفَتْحِ الكافِ، والتّاءِ، والباءِ، مِن غَيْرِ ألِفٍ، ورَفْعِ الهاءِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: وأحَلَّ بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ الألِفِ.
* فَصْلٌ قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: وعامَّةُ العُلَماءِ ذَهَبُوا إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ تَحْلِيلٌ ورَدَ بِلَفْظِ العُمُومِ، وأنَّهُ عُمُومُ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، والمُخَصَّصُ لَهُ «نَهْيُ النَّبِيِّ أنْ تُنْكَحَ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها، أوْ عَلى خالَتِها،» ولَيْسَ هَذا عَلى سَبِيلِ النَّسْخِ.
وذَهَبَ طائِفَةٌ إلى أنَّ التَّحْلِيلَ المَذْكُورَ في الآَيَةِ مَنسُوخٌ بِهَذا الحَدِيثِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ ﴾ أيْ: تَطْلُبُوا إمّا بِصَداقٍ في نِكاحٍ، أوْ ثَمَنٍ في مِلْكِ "مُحْصِنِينَ" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مُتَزَوِّجِينَ، وقالَ الزَّجّاجُ: عاقِدِينَ التَّزْوِيجَ، وقالَ غَيْرُهُما: مُتَعَفِّفِينَ غَيْرَ زانِينَ.
والسِّفاحُ: الزِّنى، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ مِن سَفَحْتُ القِرْبَةَ: إذا صَبَبْتَها، فَسُمِّيَ الزِّنى سِفاحًا، لِأنَّهُ [يُسافِحُ] يَصُبُّ النُّطْفَةَ، وتَصُبُّ المَرْأةُ النُّطْفَةَ.
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: السِّفاحُ: صَبُّ الماءِ بِلا عَقْدٍ، ولا نِكاحٍ، فَهو كالشَّيْءِ يَسْفَحُ ضَياعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الِاسْتِمْتاعُ في النِّكاحِ بِالمُهُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّهُ الِاسْتِمْتاعُ إلى أجَلٍ مُسَمّى مِن غَيْرِ عَقْدِ نِكاحٍ.
وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُفْتِي بِجَوازِ المُتْعَةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وقَدْ تَكَلَّفَ قَوْمٌ مِن مُفَسِّرِي القُرّاءِ، فَقالُوا: المُرادُ بِهَذِهِ الآَيَةِ نِكاحُ المُتْعَةِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ نَهى عَنْ مُتْعَةِ النِّساءِ،» وهَذا تَكَلُّفٌ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، لِأنَّ النَّبِيَّ أجازَ المُتْعَةَ، ثُمَّ مَنَعَ مِنها، فَكانَ قَوْلُهُ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ.
وأمّا الآَيَةُ، فَإنَّها لَمْ تَتَضَمَّنْ جَوازَ المُتْعَةِ.
لِأنَّهُ تَعالى قالَ فِيها: ﴿ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى النِّكاحِ الصَّحِيحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ ﴾ فَما نَكَحْتُمُوهُنَّ عَلى الشَّرِيطَةِ الَّتِي جَرَتْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ أيْ: عاقِدِينَ التَّزْوِيجَ ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أيْ: مُهُورُهُنَّ.
ومَن ذَهَبَ في الآَيَةِ إلى غَيْرِ هَذا، فَقَدْ أخْطَأ، وجَهِلَ اللُّغَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: لا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَرَكَتْهُ المَرْأةُ مِن صَداقِها، ووَهَبَتْهُ لِزَوْجِها، هَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن مَقامٍ، أوْ فِرْقَةٍ بَعْدَ أداءِ الفَرِيضَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: ولا جُناحَ عَلَيْكم أيُّها الأزْواجُ إذا أعْسَرْتُمْ بَعْدَ الفَرْضِ لِنِسائِكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن أنْ يُنْقِصْنَكم أوْ يُبَرِّئْنَكم، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ التَّيْمِيُّ.
والرّابِعُ: لا جُناحَ عَلَيْكم إذا انْقَضى أجْلُ المُتْعَةِ أنْ يَزِدْنَكم في الأجَلِ، وتَزِيدُونَهُنَّ في الأجْرِ مِن غَيْرِ اسْتِبْراءٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وهو يَعُودُ إلى قِصَّةِ المُتْعَةِ.
والخامِسُ: لا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَهَبَ المَرْأةُ لِلرَّجُلِ مَهْرَها، أوْ يَهَبَ هو لِلَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِها نِصْفَ المَهْرِ الَّذِي لا يَجِبُ عَلَيْهِ.
قالَهُ الزَّجّاجُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ عامٌّ في الزِّيادَةِ، والنُّقْصانِ، والتَّأْخِيرِ، والإبْراءِ، قالَهُ القاضِي أبُو يَعْلى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللهِ عَلَيْكم وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنَ بَعْدِ الفَرِيضَةِ إنَّ اللهِ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ "والمُحْصَناتُ" عَطْفٌ عَلى المُحَرَّماتِ قَبْلُ.
والتَحَصُّنُ: التَمَنُّعُ، يُقالُ حَصُنَ المَكانُ: إذا امْتَنَعَ، ومِنهُ الحِصْنُ، وحَصُنَتِ المَرْأةُ: امْتَنَعَتْ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الِامْتِناعِ، وأحْصَنَتْ نَفْسَها، وأحْصَنَها غَيْرُها.
والإحْصانُ تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في أرْبَعَةِ أشْياءَ.
وعَلى ذَلِكَ تَصَرَّفَتِ اللَفْظَةُ في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: فَتَسْتَعْمِلُهُ في الزَواجِ، لِأنَّ مِلْكَ الزَوْجَةِ مَنَعَةٌ وحِفْظٌ.
ويَسْتَعْمِلُونَ الإحْصانِ في الحُرِّيَّةِ، لِأنَّ الإماءَ كانَ عُرْفُهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ الزِنى، والحُرَّةُ بِخِلافِ ذَلِكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، حِينَ بايَعَتْهُ: "وَهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ؟" فالحُرِّيَّةُ مَنَعَةٌ وحِفْظٌ.
ويَسْتَعْمِلُونَ الإحْصانَ في الإسْلامِ لِأنَّهُ حافِظٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الإيمانُ قَيْدُ الفَتْكِ".» ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدارِ يا أُمَّ مالِكٍ ولَكِنْ أحاطَتْ بِالرِقابِ السَلاسِلُ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: قالَتْ هَلُمَّ إلى الحَدِيثِ فَقُلْتُ لا ∗∗∗ يَأْبى عَلَيْكِ اللهُ والإسْلامُ وَمِنهُ قَوْلُ سُحَيْمٍ: ............
∗∗∗.......
∗∗∗ كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا ومِنهُ قَوْلُ أبِي حَيَّةَ: رَمَتْنِي وسِتْرُ اللهِ بَيْنِي وبَيْنَها فَإنَّ أحَدَ الأقْوالِ في السِتْرِ أنَّهُ أرادَ بِهِ الإسْلامَ.
ويَسْتَعْمِلُونَ الإحْصانَ في العِفَّةِ، لِأنَّهُ إذا ارْتَبَطَ بِها إنْسانٌ وظَهَرَتْ عَلى شَخْصٍ ما وتَخَلَّقَ بِها فَهي مَنَعَةٌ وحِفْظٌ.
وحَيْثُما وقَعَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ فَلا تَجِدُها تَخْرُجُ عن هَذِهِ المَعانِي، لَكِنَّها قَدْ تَقْوى فِيها بَعْضُ هَذِهِ المَعانِي دُونَ بَعْضٍ، بِحَسَبِ مَوْضِعٍ ومَوْضِعٍ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ في أماكِنِهِ إنْ شاءَ اللهُ.
فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ "والمُحْصَناتُ"، ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قِلابَةَ، وابْنُ زَيْدٍ، ومَكْحُولٌ، والزُهْرِيُّ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: هُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ، أيْ: هُنَّ مُحَرَّماتٌ إلّا ما مَلَكَتِ اليَمِينُ بِالسِباءِ مِن أرْضِ الحَرْبِ، فَإنَّ تِلْكَ حَلالٌ لِلَّذِي تَقَعُ في سَهْمِهِ وإنْ كانَ لَها زَوْجٌ ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ "أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ بَعَثَ جَيْشًا إلى أوطاسٍ، فَلَقُوا عَدُوًّا وأصابُوا سَبْيًا لَهُنَّ أزْواجٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَتَأثَّمَ المُسْلِمُونَ مِن غِشْيانِهِنَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُرَخِّصَةً".» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: مَعْنى المُحْصَناتِ: ذَواتُ الأزْواجِ، فَهُنَّ حَرامٌ إلّا أنْ يَشْتَرِيَ الرَجُلُ الأمَةَ ذاتَ الزَوْجِ، فَإنَّ بَيْعَها طَلاقُها، وهِبَتَها طَلاقُها والصَدَقَةَ بِها طَلاقُها، وأنْ تُعْتَقَ طَلاقُها، وأنْ تُورَثَ طَلاقُها، وتَطْلِيقَ الزَوْجِ طَلاقُها.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا بِيعَتِ الأمَةُ ولَها زَوْجٌ فالمُشْتَرِي أحَقُّ بِبُضْعِها.
ومَذْهَبُ مالِكٍ والشافِعِيِّ وجُمْهُورِ العُلَماءِ أنَّ انْتِقالَ المِلْكِ في الأمَةِ لا يَكُونُ طَلاقًا، ولا طَلاقَ لَها إلّا الطَلاقَ.
وقالَ قَوْمٌ: المُحْصَناتُ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- العَفائِفُ، أيْ: كُلُّ النِساءِ حَرامٌ، وألْبَسَهُنَّ اسْمَ الإحْصانِ إذِ الشَرائِعُ في أنْفُسِها تَقْتَضِي ذَلِكَ.
﴿ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ قالُوا: مَعْناهُ: بِنِكاحٍ أو شِراءٍ، كُلُّ ذَلِكَ تَحْتَ مِلْكِ اليَمِينِ.
قالَ بِهَذا القَوْلِ أبُو العالِيَةِ وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ، وطاوُسُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، ورَواهُ عُبَيْدَةُ عن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْصَناتُ: العَفائِفُ مِنَ المُسْلِمِينَ ومِن أهْلِ الكِتابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذا التَأْوِيلِ يَرْجِعُ مَعْنى الآيَةِ إلى تَحْرِيمِ الزِنى.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عُرْوَةَ أنَّهُ قالَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "والمُحْصَناتُ": هُنَّ الحَرائِرُ، ويَكُونُ ﴿ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ مَعْناهُ: بِنِكاحٍ.
هَذا عَلى اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ، وإنْ أُرِيدَ الإماءُ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا.
ورُوِيَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ نِساءٌ يَأْتِينَنا مُهاجِراتٍ، ثُمَّ يُهاجِرُ أزْواجُهُنَّ، فَمُنِعْناهُنَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: "والمُحْصَناتُ"...
الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ يَرْجِعُ إلى ما قَدْ ذُكِرَ مِنَ الأقْوالِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أنَّ رَجُلًا قالَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أما رَأيْتَ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ سُئِلَ عن هَذِهِ الآيَةِ ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ ﴾ فَلَمْ يَقُلْ فِيها شَيْئًا؟
فَقالَ سَعِيدُ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ لا يَعْلَمُها، وأسْنَدَ أيْضًا عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ أعْلَمُ مَن يُفَسِّرُ لِي هَذِهِ الآيَةَ لَضَرَبْتُ إلَيْهِ أكْبادَ الإبِلِ.
قَوْلُهُ: "والمُحْصَناتُ" إلى قَوْلِهِ: "حَكِيمًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا أدْرِي كَيْفَ نُسِبَ هَذا القَوْلُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ؟
ولا كَيْفَ انْتَهى مُجاهِدٌ إلى هَذا القَوْلِ؟
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ سُئِلَ عن هَذِهِ الآيَةِ ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ ﴾ فَقالَ: يُرْوى أنَّهُ حَرَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ ذَواتَ الأزْواجِ والعَفائِفَ مِن حَرائِرَ ومَمْلُوكاتٍ.
ولَمْ يُحِلَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا بِالنِكاحِ أوِ الشِراءِ والتَمَلُّكِ.
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، عَمَّمَ لَفْظَ الإحْصانِ، ولَفْظَ مِلْكِ اليَمِينِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَتَخَرَّجُ عِنْدِي قَوْلُ مالِكٍ في المُوَطَّإ، فَإنَّهُ قالَ: هُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى أنَّ اللهَ حَرَّمَ الزِنى، فَفَسَّرَ الإحْصانَ بِالزَواجِ، ثُمَّ عادَ عَلَيْهِ بِالعِفَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "والمُحْصَناتُ" بِفَتْحِ الصادِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ كَذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ وحْدَهُ.
وقَرَأ سائِرَ ما في القُرْآنِ: "المُحْصِناتُ" بِكَسْرِ الصادِ، "وَمُحْصِناتٍ" كَذَلِكَ.
ورُوِيَ عن عَلْقَمَةَ أنَّهُ قَرَأ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ بِكَسْرِ الصادِ، فَفَتْحُ الصادِ هو عَلى مَعْنى: أحْصَنَهُنَّ غَيْرُهُنَّ مِن زَوْجٍ أو إسْلامٍ أو عِفَّةٍ أو حُرِّيَّةٍ.
وكَسْرُ الصادِ هو عَلى مَعْنى: أنَّهُنَّ أحْصَنَّ أنْفُسَهُنَّ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أو بِبَعْضِها.
وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ: "والمُحْصُناتُ" بِضَمِّ الصادِ، وهَذا عَلى إتْباعِ الضَمَّةِ الضَمَّةَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "كِتابَ اللهِ" وذَلِكَ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "كَتَبَ اللهُ عَلَيْكُمْ" عَلى الفِعْلِ الماضِي المُسْنَدِ إلى اسْمِ اللهِ تَعالى.
وقالَ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: "كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ" إشارَةٌ إلى ما ثَبَتَ في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: "مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ" وفي هَذا بُعْدٌ، والأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: "كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ" إنَّما هو إشارَةٌ إلى التَحْرِيمِ الحاجِزِ بَيْنَ الناسِ وبَيْنَ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ ، فَقالَ السُدِّيُّ: المَعْنى: وأُحِلَّ لَكم ما دُونَ الخَمْسِ، أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم عَلى وجْهِ النِكاحِ، وقالَ نَحْوَهُ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ.
وقالَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ: المَعْنى: وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ مَن حُرِّمَ مِن سائِرِ القَرابَةِ فَهُنَّ حَلالٌ لَكم تَزْوِيجُهُنَّ.
وقالَ قَتادَةُ: وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم مِنَ الإماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ هَذِهِ الأقْوالِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأحَلَّ لَكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ والحاءِ، وهَذِهِ مُناسِبَةٌ لِقَوْلِهِ: "كِتابَ اللهِ"، إذِ المَعْنى: كَتَبَ اللهُ ذَلِكَ كِتابًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَأُحِلَّ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الحاءِ، وهَذِهِ مُناسِبَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ .
والوَراءُ في هَذِهِ الآيَةِ: ما يُعْتَبَرُ أمْرُهُ بَعْدَ اعْتِبارِ المُحَرَّماتِ.
فَهُنَّ وراءَ أُولَئِكَ بِهَذا الوَجْهِ، و ﴿ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ ﴾ لَفْظٌ يَجْمَعُ التَزَوُّجَ والشِراءَ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ النَصْبُ بِإسْقاطِ الباءِ.
و"مُحْصِنِينَ" مَعْناهُ: مُتَعَفِّفِينَ، أيْ: تُحْصِنُونَ أنْفُسَكم بِذَلِكَ "غَيْرَ مُسافِحِينَ"، أيْ: غَيْرَ زُناةٍ، والسِفاحُ: الزِنى، وهو مَأْخُوذٌ مِن: سَفْحِ الماءِ أيْ: صَبِّهِ وسَيَلانِهِ، ولَزِمَ هَذا الِاسْمُ الزِنى، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ حِينَ سَمِعَ الدَفّافَ في عُرْسٍ: « "هَذا النِكاحُ لا السِفاحُ ولا نِكاحُ السِرِّ".» واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمُ: المَعْنى: فَإذا اسْتَمْتَعْتُمْ بِالزَوْجَةِ، ووَقَعَ الوَطْءُ ولَوْ مَرَّةً فَقَدْ وجَبَ إعْطاءُ الأجْرِ، وهو المَهْرُ كُلُّهُ،وَلَفْظَةُ "فَما" تُعْطِي أنَّ بِيَسِيرِ الوَطْءِ يَجِبُ إيتاءُ الأجْرِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٍ، والسُدِّيِّ، وغَيْرِهِمْ: أنَّ الآيَةَ في نِكاحِ المُتْعَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ -إلى أجَلٍ مُسَمّىً- فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِأبِي نَضْرَةَ: "هَكَذا أنْزَلَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ".
ورَوى الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: "لَوْلا أنَّ عُمَرَ نَهى عَنِ المُتْعَةِ ما زَنى إلّا شَقِيٌّ".
وقَدْ كانَتِ المُتْعَةُ في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ نَهى عنها النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: نَسَخَتْها آيَةُ المِيراثِ، إذْ كانَتِ المُتْعَةُ لا مِيراثَ فِيها.
وقِيلَ: قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ .
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ ﴾ .
ولا زَوْجِيَّةَ مَعَ الأجَلِ ورَفْعِ الطَلاقِ والعِدَّةِ، والمِيراثِ.
وكانَتْ: أنْ يَتَزَوَّجَ الرَجُلُ المَرْأةَ بِشاهِدَيْنِ وَإذْنِ الوَلِيِّ إلى أجَلٍ مُسَمّىً، وعَلى ألّا مِيراثَ بَيْنَهُما.
ويُعْطِيها ما اتَّفَقا عَلَيْهِ، فَإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْها سَبِيلٌ، وتَسْتَبْرِئُ رَحِمَها لِأنَّ الوَلَدَ لاحِقٌ فِيهِ بِلا شَكٍّ، فَإنْ لَمْ تَحْمِلْ حَلَّتْ لِغَيْرِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي كِتابِ النَحّاسِ: في هَذا خَطَأٌ فاحِشٌ في اللَفْظِ، يُوهِمُ أنَّ الوَلَدَ لا يَلْحَقُ في نِكاحِ المُتْعَةِ.
وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ كانَ بِلا ولِيٍّ ولا شُهُودٍ، وفِيما حَكاهُ ضَعْفٌ.
"فَرِيضَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةِ، فَقالَ القائِلُونَ بِأنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ أمْرٌ بِإيتاءِ مُهُورِ النِساءِ إذا دُخِلَ بِهِنَّ: إنَّ هَذِهِ إشارَةٌ إلى ما يُتَراضى بِهِ مِن حَطٍّ أو تَأْخِيرٍ بَعْدَ اسْتِقْرارِ الفَرِيضَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ الَّذِي يَكُونُ عَلى وجْهِ الرِضا جائِزٌ ماضٍ.
وقالَ القائِلُونَ بِأنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ هي أمْرُ المُتْعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ إلى أنَّ ما تَراضَيا عَلَيْهِ مِن زِيادَةٍ في مُدَّةِ المُتْعَةِ، وزِيادَةٍ في الأجْرِ جائِزٌ سائِغٌ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والمحصنات مِنَ النسآء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ .
عطف على ﴿ وأن تجمعوا ﴾ [النساء: 23] والتقدير: وحُرّمت عليكم المحصنات من النساء إلخ...
فهذا الصنف من المحرّمات لعارض نظيرَ الجمع بين الأختين.
والمحصنات بفتح الصاد من أحصنها الرجل إذا حفظها واستقّل بها عن غيره، ويقال: امرأة محصنة بكسر الصاد أحصنت نفسها عن غير زوجها، ولم يقرأ قوله: ﴿ والمحصنات ﴾ في هذه الآية إلاَّ بالفتح.
ويقال أحصَنَ الرجُلُ فهو محصِن بكسر الصاد لا غير، ولا يقال محصَن: ولذلك لم يقرأ أحد: محصَنين غير مسافحين بفتح الصاد، وقريء قوله: ﴿ ومحصنات ﴾ بالفتح والكسر وقوله: ﴿ فإذا أحصن ﴾ [النساء: 25] بضم الهمزة وكسر الصاد، وبفتح الهمزة وفتح الصاد.
والمراد هنا المعنى الأول، أي وحرّمت عليكم ذوات الأزواج ما دُمن في عصمة أزواجهنّ، فالمقصود تحريم اشتراك رجلين فأكثر في عصمة امرأة، وذلك إبطال لنوع من النكاح كان في الجاهلية يسمّى الضِّمَاد، ولنوع آخر ورد ذكره في حديث عائشة: أن يشترك الرجال في المرأة وهم دون العشرة، فإذا حملت ووضعت حملها أرسلت إليهم فلا يستطيع أحد منهم أن يمتنع، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمّي من أحبّت باسمه فيلحق به.
ونوع آخر يسمّى نكاح الاستبضاع؛ وهو أن يقول الزوج لامرأته إذا طَهرت من حيضها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسّها حتّى يتبيّن حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها.
قالت عائشة: وإنما يفعل هذا رغبة في نجابة الولد، وأحسب أنّ هذا كان يقع بتراض بين الرجلين، والمقصد لا ينحصر في نجابة الولد، فقد يكون لبذل مال أو صحبة.
فدَلّت الآية على تحريم كلّ عقد على نكاح ذات الزوج، أي تحريم أن يكون للمرأة أكثر من زوج واحد.
وأفادت الآية تعميم حرمتهنّ ولو كان أزواجهنّ مشركين، ولذلك لزم الاستثناء بقوله: ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ أي إلاّ اللائي سبَيتُموهنّ في الحرب، لأنّ اليمين في كلام العرب كناية عن اليد حين تمسك السيف.
وقد جعل الله السبي هادما للنكاح تقريراً لمعتاد الأمم في الحروب، وتخويفاً أن لا يناصبوا الإسلام لأنّهم لو رفع عنهم السبي لتكالبوا على قتال المسلمين، إذ لا شيء يحذره العربي من الحرب أشدّ من سبي نسوته، ثم من أسره، كما قال النابغة: حِذاراً على أن لا تُنال مقادتي *** ولاَ نسوتي حتّى يمُتْن حَرائراً واتّفق المسلمون على أنّ سبي المرأة دون زوجها يهدم النكاح، ويُحلّها لمن وقعت في قسمته عند قسمة المغانم.
واختلفوا في التي تسبَى مع زوجها: فالجمهور على أنّ سبيها يهدم نكاحها، وهذا إغضاء من الحكمة التي شرع لأجلها إبقاء حكم الاسترقاق بالأسر.
وأومأت إليها الصلة بقوله: ﴿ ملكت أيمانكم ﴾ وإلاّ لقال: إلاّ ما تركت أزواجهنّ.
ومن العلماء من قال: إنّ دخول الأمة ذاتتِ الزوج في ملك جديد غير ملك الذي زوَّجها من ذلك الزوج يسوّغ لمالكها الجديد إبطال عقد الزوجية بينها وبين زوجها، كالتي تباع أو توهب أو تورث، فانتقال الملك عندهم طلاق.
وهذا قول ابن مسعود، وأبَي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وسعيد، والحسن البصري، وهو شذوذ؛ فإنّ مالكها الثاني إنّما اشتراها عالماً بأنّها ذات زوج، وكأنَّ الحامل لهم على ذلك تصحيح معنى الاستثناء، وإبقاء صيغة المضيّ على ظاهرها في قوله: ﴿ ملكت ﴾ أي ما كن مملوكات لهم من قبل.
والجواب عن ذلك أن المراد بقوله: ﴿ ملكت ﴾ ما تجدّد ملكها بعد أن كانت حرّة ذات زوج.
فالفعل مستعمل في معنى التجدّد.
وقد نقل عن ابن عباس أنّه تحيّر في تفسير هذه الآية، وقال: «لو أعلم أحداً يعلم تفسيرها لضربت إليه أكباد الإبل».
ولعلّه يعني من يعلم تفسيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان بعض المسلمين في الزمن الأول يتوهّم أنّ أمة الرجل إذا زوَّجها من زوج لا يحرم على السيّد قِربانها، مع كونها ذات زوج.
وقد رأيت منقولاً عن مالك: أنّ رجلا من ثقيف كان فعل ذلك في زمان عُمر، وأنّ عمر سأله عن أمته التي زوجّها وهل يطَؤها، فأنكر، فقال له: لو اعترفتَ لجعلتُكَ نَكَالاً.
وقوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ تذييل، وهو تحريض على وجوب الوقوف عند كتاب الله، ف ﴿ عليكم ﴾ نائب مناب (الزَمُوا)، وهو مُصيَّر بمعنى اسم الفعل، وذلك كثير في الظروف والمجرورات المنزَّلة منزلة أسماء الأفعال بالقرينة، كقولهم: إليك، ودُونك، وعَليك.
و ﴿ كتاب الله ﴾ مفعوله مُقدّم عليه عند الكوفيين، أو يجعل منصوباً ب (عليكم) محذوفاً دلّ عليه المذكور بعده، على أنّه تأكيد له، تخريجاً على تأويل سيبويه في قول الراجز: يأيُّها المائِحُ دلوي دُونك *** إنّي رأيت الناس يحمدونك ويجوز أن يكون ﴿ كتاب ﴾ مصدراً نائباً مناب فعلِه، أي كَتَب الله ذلك كتاباً، و ﴿ عليكم ﴾ متعلّقاً به.
عطف على قوله: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ [النساء: 23] وما بعدَه، وبذلك تلتئم الجمل الثلاث في الخبرية المراد بها الإنشاء، وفي الفعلية والماضوية.
وقرأ الجمهور: ﴿ وأحل لكم ﴾ بالبناء للفاعل، والضمير المستتر عائد إلى اسم الجلالة من قوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ .
وأسند التحليل إلى الله تعالى إظهاراً للمنّة، ولِذلك خالف طريقة إسناد التحريم إلى المجهول في قوله: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ لأنّ التحريم مشقّة فليس المقام فيه مقام منّة.
وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر: ﴿ وأحل ﴾ بضم الهمزة وكسر الحاء على البناء للنائب على طريقة ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ .
والوراء هنا بمعنى غير ودُون، كقول النابغة: وليسَ وراءَ اللَّه للمرءِ مذهب *** وهو مجاز؛ لأنّ الوراء هو الجهة التي هي جهة ظهر ما يضاف إليه.
والكلام تمثيل لحال المخاطبين بحال السائر يَترك ما وراءه ويتجاوزه.
والمعنى: أحلّ لكم ما عَدا أولئكم المحرّمات، وهذا أنزِل قبل تحريم ما حرّمته السُّنة نحو (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها)، ونحو (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
وقوله: ﴿ أن تبتغوا بأموالكم ﴾ يجوز أن يكون بدل اشتمال من (ما) باعتبار كون الموصول مفعولا ل (أحَلَّ)، والتقدير: أن تبتغوهنّ بأموالكم فإنّ النساء المبَاحات لا تحلّ إلاّ بعد العقد وإعطاء المهور، فالعقد هو مدلول (تبتغوا)، وبذل المهر هو مدلول (بأموالكم)، ورابط الجملة محذوف: تقديره أن تبتغوه، والاشتمال هنا كالاشتمال في قول النابغة: مخافة عمرو أن تكون جياده *** يقدن إلينا بين حاف وناعل ويجوز أن يجعل ﴿ أن تبتغوا ﴾ معمولا للام التعليل محذوفةٍ، أي أحَلَّهُن لتبتغوهنّ بأموالكم، والمقصود هو عين ما قرّر في الوجه الأول.
و ﴿ محصنِين ﴾ حال من فاعل (تبتغوا) أي محصنين أنفسكم من الزنى، والمراد متزوّجين على الوجه المعروف.
﴿ غير مسافحين ﴾ حال ثانية، والمسافح الزاني، لأنّ الزنى يسمّى السفاح، مشتقّا من السفح، وهو أن يهراق الماء دون حَبْس، يقال: سَفَح الماءُ.
وذلك أنّ الرجل والمرأة يبذل كلّ منهما للآخر ما رامه منه دون قيد ولا رضَى وليّ، فكأنّهم اشتقّوه من معنى البذل بلا تقيّد بأمرٍ معروف؛ لأنّ المِعطاء يطلق عليه السَّفَّاح.
وكان الرجل إذا أراد من المرأة الفاحشة يقول لها: سافحيني، فرجع معنى السفاح إلى التباذل وإطلاق العنان، وقيل: لأنّه بلا عقد، فكأنّه سَفَح سفحاً، أي صبّا لا يحجبه شيء، وغير هذا في اشتقاقه لا يَصحّ، لأنّه لا يختصّ بالزنى.
تفريع على ﴿ أن تبتغوا بأموالكم ﴾ وهو تفريع لفظي لبيان حقّ المرأة في المهر وأنّه في مقابلة الاستمتاع تأكيداً لما سبقه من قوله تعالى: ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ [النساء: 4] سواء عند الجمهور الذين يجعلون الصداق ركنا للنكاح، أو عند أبي حنيفة الذي يجعله مجرّد حقّ للزوجة أن تطالب به؛ ولذلك فالظاهر أن تجعل (ما) اسم شرط صادقاً على الاستمتاع، لبيان أنّه لا يجوز إخلاء النكاح عن المهر، لأنّه الفارق بينه وبين السفاح، ولذلك قرن الخبر بالفاء في قوله: ﴿ فأتوهن أجزرهن فريضة ﴾ لأنّه اعتبر جواباً للشرط.
والاستمتاع: الانتفاع، والسين والتاء فيه للمبالغة، وسمَّى الله النكاح استمتاعاً لأنّه منفعة دنيوية، وجميع منافع الدنيا متاع، قال تعالى: ﴿ وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ﴾ [الرعد: 26].
والضمير المجرور بالباء عائد على (مَا).
و(مِنْ) تبعيضية، أي: فإن استمتعتم بشيء منهن فآتوهنّ؛ فلا يجوز استمتاع بهنّ دون مهر.
أو يكون (مَا) صادقة على النساء، والمجرور بالباء عائداً إلى الاستمتاع المأخوذ من استمتعتم و(من) بيانية، أي فأي امرأة استمتعتم بها فآتوها.
ويجوز أن تجعل (مَا) موصولة، ويكون دخول الفاء في خبرها لمعاملتها معاملة الشرط، وجيء حينئذ ب (ما) ولم يعبر ب (مَن) لأنّ المراد جنس النساء لا القصد إلى امرأة واحدة، على أنّ (ما) تجيء للعاقل كثيراً ولا عكس: و ﴿ فريضةً ﴾ حال من ﴿ أجورهن ﴾ أي مفروضة، أي مقدرة بينكم.
والمقصد من ذلك قطع الخصومات في أعظم معاملة يقصد منها الوثاق وحسن السمعة.
وأمّا نكاح التفويض: وهو أن ينعقد النكاح مع السكوت عن المهر، وهو جائز عند جميع الفقهاء؛ فجوازه مبني على أنّهم لا يفوّضون إلاّ وهم يعلمون معتاد أمثالهم، ويكون (فريضة) بمعنى تقديراً، ولذلك قال: ﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ ، أي فيما زدتم لهنّ أو أسقطن لكم عن طيب نفس.
فهذا معنى الآية بيّنا لا غبار عليه.
وذهب جمع: منهم ابن عباس، وأُبيّ بن كعب، وابن جبير: أنّها نزلت في نكاح المتعة لما وقع فيها من قوله: ﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ .
ونكاح المتعة: هو الذي تعاقد الزوجان على أن تكون العصمة بينهما مؤجّلة بزمان أو بحالة، فإذا انقضى ذلك الأجل ارتفعت العصمة، وهو نكاح قد أبيح في الإسلام لا محالة، ووقع النهي عنه يوم خيبر، أو يوم حنين على الأصحّ.
والذين قالوا: حُرّم يوم خيبر قالوا: ثم أبيح في غزوة الفتح، ثم نهي عنه في اليوم الثالث من يوم الفتح.
وقيل: نهي عنه في حجّة الوداع، قال أبو داود: وهو أصحّ.
والذي استخلصناه أنّ الروايات فيها مضطربة اضطراباً كبيراً.
وقد اختلف العلماء في الأخير من شأنه: فذهب الجمهور إلى أنّ الأمر استقرّ على تحريمه، فمنهم من قال: نسخته آية المواريث لأنّ فيها ﴿ ولكم نصف ما ترك أزواجكم ولهن الربع مما تركتم ﴾ [النساء: 12] فجعل للأزواج حَظّا من الميراث، وقد كانت المتعة لا ميراث فيها.
وقيل: نسخها ما رواه مسلم عن سَبْرة الجهني، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسنداً ظهره إلى الكعبة ثالث يوم من الفتح يقول: " أيها الناس إن كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هذه النساء إلا أن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة ".
وانفراد سبرة به في مِثل ذلك اليوم مغمز في روايته، على أنّه ثبت أنّ الناس استمتعوا.
وعن علي بن أبي طالب، وعمران بن حصين، وابن عباس، وجماعة من التابعين والصحابة أنّهم قالوا بجوازه.
قيل: مطْلقاً، وهو قول الإمَامية، وقيل: في حال الضرورة عند أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن.
وروي عن ابن عباس أنّه قال: لولا أنّ عُمر نهى عن المتعة ما زنى إلاَّ شَفى.
وعن عمران بن حصين في «الصحيح» أنه قال: «نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدَها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال رجلٌ برأيه ما شَاء» يعني عُمر بن الخطاب حين نهى عنها في زمن من خلافته بعد أن عملوا بها في معظم خلافته، وكان ابن عباس يفتي بها، فلمّا قال له سعيد بن جبير: أتدري ما صنعتَ بفتواك فقد سارت بها الركبان حتّى قال القائل: قد قلتُ للركب إذْ طال الثَّواءُ بنا *** يا صاح هل لك في فتوى ابن عبّاس في بَضَّةِ رخصةِ الأطراف ناعمةٍ *** تَكُونُ مثواكَ حتّى مَرْجععِ الناس أمسك عن الفتوى وقال: إنّما أحللت مثل ما أحلّ الله الميتة والدم، يريد عند الضرورة.
واختلف العلماء في ثبات علي على إباحتها، وفي رجوعه.
والذي عليه علماؤنا أنّه رجع عن إباحتها.
أمّا عمران بن حصين فثبت على الإباحة.
وكذلك ابن عباس على «الصحيح».
وقال مالك: يُفسخ نكاح المتعة قبل البناء وبعد البناء، وفسخه بغير طلاق، وقيل: بطلاق، ولا حدَّ فيه على الصحيح من المذهب، وأرجح الأقوال أنّها رخصة للمسافر ونحوه من أحوال الضرورات، ووجه مخالفتها للمقصد من النكاح ما فيها من التأجيل.
وللنظر في ذلك مجال.
والذي يُستخلص من مختلف الأخبار أنّ المتعة أذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، ونهى عنها مرتين، والذي يفهم من ذلك أن ليس ذلك بنسخ مكرّر ولكنّه إناطة إباحتها بحال الاضطرار، فاشتبه على الرواة تحقيق عذر الرخصة بأنّه نسخ.
وقد ثبت أنّ الناس استمتعوا في زمن أبي بكر، وعمر، ثم نهى عنها عمر في آخر خلافته.
والذي استخلصناه في حكم نكاح المتعة أنّه جائز عند الضرورة الداعية إلى تأجيل مدّة العصمة، مثل الغربة في سفر أو غزو إذا لم تكن مع الرجل زوجهُ.
ويشترط فيه ما يشترط في النكاح من صداق وإشهاد ووليّ حيث يُشترط، وأنّها تبين منه عند انتهاء الأجل، وأنّها لا ميراث فيها بين الرجل والمرأة، إذا مات أحدهما في مدة الاستمتاع، وأنّ عدّتها حيضة واحدة، وأنّ الأولاد لاَحقون بأبيهم المستمتِع.
وشذّ النحّاس فزعم أنّه لا يلحق الولد بأبيه في نكاح المتعة.
ونحن نرى أنّ هذه الآية بمعزل عن أن تكون نازلة في نكاح المتعة، وليس سياقها سامحا بذلك، ولكنّها صالحة لاندراج المتعة في عموم ﴿ ما استمتعتم ﴾ فيُرجع في مشروعية نكاح المتعة إلى ما سمعتَ آنفاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ يَعْنِي ذَواتَ الأزْواجِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِالسَّبْيِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي قِلابَةَ، والزُّهْرِيِّ، ومَكْحُولٍ، وابْنِ زَيْدٍ.
وَقَدْ رَوى عُثْمانُ البَتِّيُّ عَنْ أبِي خَلِيلٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «لَما سَبى رَسُولُ اللَّهِ أهْلَ أوْطاسَ، قُلْنا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ نَقَعُ عَلى نِساءٍ قَدْ عَرَفْنا أنْسابَهُنَّ وأزْواجَهُنَّ؟
قالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» ﴿ والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ والثّانِي: أنَّ المُحْصَناتِ ذَواتُ الأزْواجِ حَرامٌ عَلى غَيْرِ أزْواجِهِنَّ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنَ الإماءِ، إذا اشْتَراها مُشْتَرٍ بَطَلَ نِكاحُها وحَلَّتْ لِمُشْتَرِيها ويَكُونُ بَيْعُها طَلاقَها، وهَذا قَوْلُابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ، قالَ الحَسَنُ: طَلاقُ الأمَةِ يُثْبِتُ نَسَبَها، وبَيْعَها، وعِتْقَها، وهِبَتَها، ومِيراثَها، وطَلاقَ زَوْجِها.
الثّالِثُ: أنَّ المُحْصَناتِ مِنَ النِّساءِ العَفائِفُ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِعَقْدِ النِّكاحِ، أوْ مِلْكِ اليَمِينِ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي العالِيَةِ، وعَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ، وعَطاءٍ، والسُّدِّيِّ.
والرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في نِساءٍ كُنَّ هاجَرْنَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ولَهُنَّ أزْواجٌ، فَتَزَوَّجَهُنَّ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ قَدِمَ أزْواجُهُنَّ مُهاجِرِينَ، فَنُهِيَ المُسْلِمُونَ عَنْ نِكاحِهِنَّ، وهَذا قَوْلُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ.
وَأصْلُ الإحْصانِ المَنعُ، ومِنهُ حِصْنُ البَلَدِ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ العَدُوِّ، ودِرْعٌ حَصِينَةٌ أيْ مَنِيعَةٌ، وفَرَسٌ حِصانٌ، لِأنَّ صاحِبَهُ يَمْتَنِعُ بِهِ مِنَ الهَلَكَةِ، وامْرَأةٌ حَصانٌ، وهي العَفِيفَةُ لِأنَّها تَمْتَنِعُ مِنَ الفاحِشَةِ، ومِنهُ ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها ﴾ .
﴿ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: حُرِّمَ ذَلِكَ عَلَيْكم كِتابًا مِنَ اللَّهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ الزَمُوا كِتابَ اللَّهِ.
والثّالِثُ: أنَّ كِتابَ اللَّهِ قَيِّمٌ عَلَيْكم فِيما تَسْتَحِلُّونَهُ وتُحَرِّمُونَهُ.
﴿ وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ ما دُونَ الخُمُسِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: ما وراءَ ذَواتِ المَحارِمِ مِن أقارِبِكم، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.
والثّالِثُ: ما وراءَ ذَلِكم مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
﴿ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ ﴾ يَعْنِي أنْ تَلْتَمِسُوا بِأمْوالِكم إمّا شِراءً بِثَمَنٍ، أوْ نِكاحًا بِصَداقٍ.
﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ﴾ يَعْنِي مُتَناكِحِينَ غَيْرَ زانِينَ، وأصْلُ السِّفاحِ صَبُّ الماءِ، ومِنهُ سَفَحَ الدَّمْعَ إذا صَبَّهُ، وسَفْحُ الجَبَلِ أسْفَلُهُ لِأنَّهُ مَصَبُّ الماءِ فِيهِ، وسِفاحُ الزِّنى لِصَبِّ مائِهِ حَرامًا.
﴿ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ أيْ آتُوهُنَّ صَدُقاتِهِنَّ مَعْلُومَةً، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها المُتْعَةُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى مِن غَيْرِ نِكاحٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ كانَ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: فَمًا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمّى، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ كَذَلِكَ يَقْرَأُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وقالَ الحَكَمُ: قالَ عَلِيٌّ: لَوْلا أنَّ عُمَرَ نَهى عَنِ المُتْعَةِ ما زَنى إلّا شَقِيٌّ، وهَذا لا يَثْبُتُ، والمَحْكِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خِلافُهُ، وأنَّهُ تابَ مِنَ المُتْعَةِ ورِبا النَّقْدِ.
﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ لا حَرَجَ عَلَيْكم أيُّها الأزْواجُ إنْ أُعْسِرْتُمْ بَعْدَ أنْ فَرَضْتُمْ لِنِسائِكم مَهْرًا عَنْ تَراضٍ أنْ يَنْقُصْنَكم مِنهُ ويَتْرُكْنَكم، وهَذا قَوْلُ سُلَيْمانَ بْنِ المُعْتَمِرِ.
والثّانِي: لا جُناحَ عَلَيْكم أيُّها النّاسُ فِيما تَراضَيْتُمْ أنْتُمْ والنِّساءُ اللَّواتِي اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، إذا انْقَضى الأجَلُ بَيْنَكم أنْ يَزِدْنَكم في الأجَلِ وتَزِيدُوهُنَّ في الأجْرِ قَبْلَ أنْ يَسْتَبْرِئْنَ أرْحامَهُنَّ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: لا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ ودَفَعْتُمُوهُ أنْ يَعُودَ إلَيْكم عَنْ تَراضٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: كانَ عَلِيمًا بِالأشْياءِ قَبْلَ خَلْقِها، حَكِيمًا في تَقْدِيرِهِ وتَدْبِيرِهِ لَها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّ القَوْمَ شاهَدُوا عِلْمًا وحِكْمَةً فَقِيلَ لَهُمْ: إنْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَزَلْ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.
والثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ عَنِ الماضِي يَقُومُ مَقامَ الخَبَرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطيالسي وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطحاوي وابن حبان والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدوّاً فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرَّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ يقول: إلا ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بذلك فروجهن.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس في الآية قال: نزلت يوم حنين لما فتح الله حنيناً أصاب المسلمون نساءً لهن أزواج، وكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة قالت: إن لي زوجاً فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
فأنزلت هذه الآية ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ يعني السبية من المشركين، تصاب لا بأس بذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن جبير في الآية قال: نزلت في نساء أهل حنين لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً أصاب المسلمون سبايا، فكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة منهن قالت: إن لي زوجاً.
فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فأنزل الله: ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ قال: السبايا من ذوات الأزواج.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ قال: كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية يقول: كل امرأة لها زوج فهي عليك حرام إلا أمة ملكتها ولها زوج بأرض الحرب، فهي لك حلال إذا استبرأتها.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة والطبراني عن علي وابن مسعود في قوله: ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ قال علي: المشركات إذا سبين حلت له، وقال ابن مسعود: المشركات والمسلمات.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ قال: كل ذات زوج عليك حرام إلا ما اشتريت بمالك، وكان يقول: بيع الأمة طلاقها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: طلاق الأمة ست بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ قال: ذوات الأزواج.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن أنس بن مالك ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ قال: ذوات الأزواج الحرائر حرام إلا ما ملكت أيمانكم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ قال: ذوات الأزواج.
وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن سعيد بن المسيب ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ قال: هن ذوات الأزواج، ومرجع ذلك إلى أن حرَّم الله الزنا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ قال: نهين عن الزنا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي في الآية قال: نزلت يوم أوطاس.
وأخرج ابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال: كان النساء يأتيننا ثم يهاجر أزواجهن، فمنعناهن بقوله: ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ يعني بذلك ذوات الأزواج من النساء، لا يحل نكاحهن يقول: لا تحلب ولا تعد فتنشز على بعلها، وكل امرأة لا تنكح إلا ببينة ومهر فهي من المحصنات التي حرم ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ يعني التي أحل الله من النساء، وهو ما أحلَّ من حرائر النساء مثنى وثلاث ورباع.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ قال: لا يحل له أن يتزوّج فوق أربع، فما زاد فهو عليه حرام كأمه وأخته.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية قال: يقول ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ﴾ [ النساء: 3] ثم حرَّم ما حرَّم من النسب والصهر، ثم قال: ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ فرجع إلى أول السورة إلى أربع.
فقال: هن حرام أيضاً إلا لمن نكح بصداق وسنَّة وشهود.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن عبيدة قال: أحل الله لك أربعاً في أول السورة، وحرم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك.
وأخرج ابن جرير عن عطاء أنه سئل عن قوله: ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ فقال: حرم ما فرق الأربع منهن.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ والمحصنات ﴾ قال: العفيفة العاقلة من مسلمة أو من أهل الكتاب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ قال: إلا الأربع اللاتي ينكحن بالبينة والمهر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ قال: ينزع الرجل وليدته امرأة عبده.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ قال هي حل للرجل إلا ما أنكح مما ملكت يمينه فإنها لا تحل له.
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن مرة قال: قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ فلم يقل فيها شيئاً؟
فقال: كان لا يعلمها.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل، قوله: ﴿ والمحصنات من النساء...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي السوداء قال: سألت عكرمة عن هذه الآية ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ فقال: لا أدري...
!
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «الإحصان إحصانان: إحصان نكاح، وإحصان عفاف» قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث منكر.
وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب أنه سئل عن قوله: ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ قال: نرى أنه حرم في هذه الآية ﴿ المحصنات من النساء ﴾ ذوات الأزواج أن ينكحن مع أزواجهن، والمحصنات العفائف، ولا يحللن إلا بنكاح أوملك يمين، والإحصان إحصانان: إحصان تزويج، وإحصان عفاف في الحرائر والمملوكات، كل ذلك حرم الله إلا بنكاح أوملك يمين.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد.
أنه كان يقرأ كل شيء في القرآن ﴿ والمحصنات ﴾ [ المائدة: 5] بكسر الصاد إلا التي في النساء ﴿ والمحصنات ﴾ من النساء بالنصب.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ بنصب الصاد، وكان يحيى بن وثاب يقرأ ﴿ والمحصنات ﴾ بكسر الصاد.
وأخرج عبد بن حميد عن الأسود أنه كان ربما قرأ ﴿ والمحصنات ﴾ والمحصنات.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة.
أن هذه الآية التي في سورة النساء ﴿ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ﴾ نزلت في امرأة يقال لها: معاذة.
وكانت تحت شيخ من بني سدوس يقال له: شجاع بن الحرث.
وكان معها ضرة لها قد ولدت لشجاع أولاداً رجالاً، وإن شجاعاً انطلق يميز أهله من هجر فمر بمعاذة ابن عم لها فقالت له: احملني إلى أهلي فإنه ليس عند هذا الشيخ خير.
فاحتملها فانطلق بها فوافق ذلك جيئة الشيخ، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله وأفضل العرب ** إني خرجت أبغيها الطعام في رجب فتولت والطت بالذنب ** وهي شر غالب لمن غلب رأت غلاماً واركاً على ** قتب لها وله أرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليّ عليّ فإن كان الرجل كشف بها ثوباً فارجموها وإلا فردوا على الشيخ امرأته، فانطلق مالك بن شجاع وابن ضرتها فطلبها، فجاء بها ونزلت بيتها» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبيدة السلماني في قوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال: الأربع.
وأخرج ابن جرير من طريق عبيدة عن عمر بن الخطاب.
مثله.
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال: واحدة إلى أربع في النكاح.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال: ما حرم عليكم.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس.
أنه قرأ ﴿ وأحل لكم ﴾ بضم الألف وكسر الحاء.
وأخرج عن عاصم.
أنه قرأ ﴿ وأحل لكم ﴾ بالنصب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: ﴿ وراء ﴾ أمام.
في القرآن كله غير حرفين ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ يعني سوى ذلكم ﴿ فمن ابتغى وراء ذلك ﴾ يعني سوى ذلك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ قال: ما دون الأربع.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال: هذا النسب ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ قال: ما وراء هذا النسب.
وأخرج ابن جرير عن عطاء ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ قال: ما وراء ذات القرابة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ قال: ما ملكت أيمانكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ قال: من الإماء يعني السراري.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ محصنين ﴾ قال: متناكحين ﴿ غير مسافحين ﴾ قال: غير زانين بكل زانية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
أنه سئل عن السفاح؟
قال: الزنا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ﴾ يقول: إذا تزوّج الرجل منكم المرأة ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله (والاستمتاع) هو النكاح.
وهو قوله: ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ﴾ [ النساء: 4] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان متعة النساء في أوّل الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يحفظ متاعه، فيتزوّج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته، فتنظر له متاعه وتصلح له ضيعته، وكان يقرأ ﴿ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ﴾ نسختها ﴿ محصنين غير مسافحين ﴾ وكان الإحصان بيد الرجل، يمسك متى شاء ويطلق متى شاء.
وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كانت المتعة في أول الإسلام، وكانوا يقرأون هذه الآية ﴿ فما استمتعتم به منهنَّ إلى أجل مسمى..
﴾ الآية.
فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته، لتحفظ متاعه وتصلح له شأنه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ [ النساء: 23] إلى آخر الآية فنسخ الأولى فحرمت المتعة، وتصديقها من القرآن ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ [ المؤمنون: 6] وما سوى هذا الفرج فهو حرام.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه من طرق عن أبي نضرة قال: قرأت على ابن عباس ﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ﴾ قال ابن عباس: ﴿ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ﴾ .
فقلت: ما نقرؤها كذلك!
فقال ابن عباس: والله لأنزلها الله كذلك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: في قراءة أبي بن كعب ﴿ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ﴾ .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سعيد بن جبير قال: في قراءة أبي بن كعب ﴿ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق عن عطاء.
أنه سمع ابن عباس يقرؤها ﴿ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ﴾ وقال ابن عباس: في حرف أبي ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ قال: يعني نكاح المتعة.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: هذه المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى، فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث.
ليس يرث واحد منهما صاحبه.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: «كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساؤنا فقلنا: ألا نستخصي؟
فنهانا عن ذلك، ورخص لنا أن نتزوّج المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ﴾ [ المائدة: 87] » .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم عن سبرة الجهني قال: «أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة في متعة النساء، فخرجت أنا ورجل من قومي- ولي عليه فضل في الجمال، وهو قريب من الدمامة- مع كل واحد منا برد، أما بردي فخلق، وأما برد ابن عمي فبرد جديد غض، حتى إذا كنا بأعلى مكة تلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟
قالت: وما تبذلان؟
فنشر كل واحد منا برده، فجعلت تنظر إلى الرجلين، فإذا رآها صاحبي قال: إن برد هذا خلق وبردي جديد غض.
فتقول: وبرد هذا لا بأس به.
ثم استمتعت منها فلم تخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سبرة قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً بين الركن والباب، وهو يقول: يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وإن الله حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال: «رخصَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهى عنها بعدها» .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ﴾ قال: نسختها ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ [ الطلاق: 1] .
﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ [ البقرة: 228] .
﴿ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ﴾ [ الطلاق: 4] .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال: نسخت آية الميراث المتعة.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال: المتعة منسوخة، نسخها الطلاق، والصدقة، والعدة، والميراث.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن علي قال: نسخ رمضان كل صوم، ونسخت الزكاة كل صدقة، ونسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث، ونسخت الضحية كل ذبيحة.
وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن الحكم.
أنه سئل عن هذه الآية أمنسوخة؟
قال: لا.
وقال عليّ: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي.
وأخرج البخاري عن أبي جمرة قال: سئل ابن عباس عن متعة النساء فرخص فيها.
فقال له مولى له: إنما كان ذلك وفي النساء قلة والحال شديد!
فقال ابن عباس: نعم.
وأخرج البيهقي عن علي قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة، وإنما كانت لمن لم يجد.
فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت» .
وأخرج النحاس عن علي بن أبي طالب أنه قال لابن عباس: إنك رجل تائه «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة» .
وأخرج البيهقي عن أبي ذر قال: «إنما أحلت لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متعة النساء ثلاثة أيام، نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج البيهقي عن عمر.
أنه خطب فقال: «ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، لا أوتي بأحد نكحها إلا رجمته.
وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية» .
وأخرج مالك وعبد الرزاق عن عروة بن الزبير.
أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة فحملت منه.
فخرج عمر بن الخطاب يجر رداءه فقال: هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت.
وأخرج عبد الرزاق عن خالد بن المهاجر قال: أرخص ابن عباس للناس في المتعة فقال له ابن عمرة الأنصاري: ما هذا يا ابن عباس...؟!
فقال ابن عباس: فعلت مع إمام المتقين فقال ابن أبي عمرة: اللهم غفرا.
!
إنما كانت المتعة رخصة كالضرورة إلى الميتة والدم ولحم الخنزير، ثم أحكم الله الدين بعد.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: والله ما كانت المتعة إلا ثلاثة أيام، أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ما كانت قبل ذلك ولا بعد.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: «نهى عمر عن متعتين: متعة النساء، ومتعة الحج» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن نافع أن عمر سئل عن المتعة، فقال: حرام...
فقيل له: إن ابن عباس يفتي بها!
قال: فهلا ترمرم بها في زمان عمر؟.
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: لا يحل لرجل أن ينكح امرأة إلا نكاح الإسلام بمهرها ويرثها وترثه، ولا يقاضيها على أجل، إنها امرأته، فإن مات أحدهما لم يتوارثا.
وأخرج ابن المنذر والطبراني والبيهقي من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ماذا صنعت، ذهب الركاب بفتياك؟
وقالت فيه الشعراء؟!
قال: وما قالوا؟!
قلت: قالوا: أقول للشيخ لما طال مجلسه ** يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس هل لك رخصة الأطراف آنسة ** تكون مثواك حتى مصدر الناس فقال إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس قال: يرحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد، ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي قال: وهي التي في سورة النساء ﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ إلى كذا وكذا من الأجل، على كذا وكذا...
قال: وليس بينهما وراثة، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم، وإن تفرقا فنعم...
وليس بينهما نكاح.
وأخبر أنه سمع ابن عباس يراها الآن حلالاً.
وأخرج ابن المنذر من طريق عمار مولى الشريد قال: سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟
فقال: لا سفاح ولا نكاح.
قلت: فما هي؟!
قال: هي المتعة كما قال الله.
قلت هل لها من عدة؟
قال: نعم.
عدتها حيضة.
قلت: هل يتوارثان؟
قال: لا.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فآتوهن أجورهن فريضة ﴾ قال: ما تراضوا عليه من قليل أو كثير.
وأخرج ابن جرير عن حضرمي.
أن رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة فقال الله: ﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ قال: التراضي أن يوفي لها صداقها ثم يخيرها.
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن شهاب في الآية قال: نزل ذلك في النكاح، فإذا فرض الصداق فلا جناح عليهما فيما تراضيا به من بعد الفريضة من إنجاز صداقها قليل أو كثير.
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ربيعة في الآية قال: إن أعطت زوجها من بعد الفريضة أو وضعت إليه فذلك الذي قال.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: إن وضعت لك منه شيئاً فهو سائغ.
وأخرج عن السدي في الآية قال: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى التي تمتع بها فقال: أتمتع منك أيضاً بكذا وكذا...
قبل أن يستبرئ رحمها.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ الآية.
الإحصان في اللغة أصله المَنع، وكذلك الحَصَانة، ولذلك قيل: مدينة حصينة، ودرعٌ حصينة، أي: مانعة صاحبها من الجَرح.
قال الله تعالى: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ ﴾ معناه: لتمنعكم وتُحرِزَكم (١) (٢) ﴿ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ ، أي: منعته من الزنا، ويقال: حَصَنَت المرأة تحصُن: إذا عفّت عن الريبة حُصنا وهي حَصان، مثل: جبنت جُبنًا وهي جبان (٣) قال سيبويه: وقالوا أيضًا: حِصنا كما قالوا: عِلما (٤) وقال أبو عبيد والزجاج والكسائي: حصانة أيضًا (٥) وقال شمر: امرأة حصان وحاصِن، وهي العفيفة، وأنشد: وحاصن من حاصِنات ملسِ ...
من الأذى ومن قِراف الوَقْسِ (٦) وأنشد ابن السكيت (٧) الحِصن أدنى لو تأييته ...
من حثيِك التُّرب على الراكِب (٨) وقال الزجاج: يقال: امرأة حصان بينّة الحصن، وفرس حصان: بيّن التحصن والتحصين، وبناء حصين: بيّن الحصانة، ولو قيل في كله: الحصانة، لجاز بإجماع (٩) وأما الإحصان فإنه يقع على معان كلها ترجع إلى معنى واحد، منها الحرية، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ يعني: الحرائر (١٠) ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ ﴾ يعني الحرائر، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ ، أي: الحرائر (١١) ومنها (١٢) ﴿ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ﴾ ، (١٣) ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ [المائدة:5] وقوله: ﴿ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ ، أي: أعفته.
ومنها الإسلام، من ذلك قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ قيل في تفسيره: أسلمن (١٤) ومنها كون المرأة ذات زوج، يقال: امرأة محصنة، إذا كانت ذات زوج، والمحصنات: المتزوجات، بدلالة قوله: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ يعني: ذوات الأزواج (١٥) وليس تبعد هذه المعاني عما عليه موضوع اللغة، فإن الإحصان هو أن يُحمى الشيء وُيمنع، والحرّة تُحَصِّن نفسها وتَحصُن هي، وليست كالأمة.
والعفة أيضًا مانعة من الزنا، والعفيفة تمنع نفسها، وكذلك الإسلام مانع من الفواحش، والمحصنة ذات الزوج؛ لأن الزوج أحصنها ومنع منها.
واختلف القراء في: ﴿ الْمُحْصَنَاتُ ﴾ فقرأوا بفتح الصاد وكسرها في جميع القرآن (١٦) (١٧) فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن، ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن (١٨) قال أبو عبيد (١٩) (٢٠) فأما ما سوى الحرف الأول فالقراء مختلفون، فمنهم من يكسر الصاد، ومنهم من يفتحها، فمن نصب، ذهب إلى ذوات الأزواج، ومن كسر ذهب إلى أنهن أسلمن فأحصنّ أنفسهن فهن محصنات (٢١) وقال الليث: أُحصِنت المرأة فهي محصنة، وهي التي أحصنها زوجها، وهن المُحصنات، والمعنى أنهن أحُصِنّ بأزواجهن (٢٢) أخبرني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، عن ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: كلام العرب كله على: أفْعَل فهو مُفْعِل، إلا ثلاثة أحرف: أَحصَن فهو مُحصَن، وألفَج فهو ملفَج (٢٣) (٢٤) وأما التفسير فالمحصنات في هذه الآية ذوات الأزواج (٢٥) (٢٦) ثم استثنى فقال: ﴿ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ يريد: إلا ما ملكتموهن بالسبي من دار الحرب، فإنها تحل لمالكها ولا عِدّة عليها، فتُستبرأ بحيضة وتوطأ.
وهذا قول ابن مسعود (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) قال أبو سعيد الخُدري: لما كان يوم أوْطَاس أَصَبْنا نساءً لهن أزواج في المشركين، فكرههنّ رجال منا، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ (٣١) ولا يمكن حمل المحصنات في هذه الآية على الحرائر، ولا على المسلمات، ولا على العفائف؛ لأن التحريم مُحالٌ في هذه الأجناس، فتعين حملها على الوجه الرابع وهو المنكوحة.
وإذا وقع السبا على الزوجين الحربيّين أو على أحدهما انقطع منادي رسول الله : "ألا لا تُوطأ حاملٌ حتى تضع، ولا حائلٌ حتى تحيض" (٣٢) فأباح وطأهن بعد الاستبراء، لانفساخ نكاحهن.
وذهب جماعة من الصحابة -بظاهر هذه الآية- إلى أن الأَمَة المنكوحة إذا بيعت وقع عليها الطلاق، وبانت من الزوج بالبيع.
واحتجوا بقوله: ﴿ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ قالوا: فإذا ملكها البائع وجب أن يحل له وطؤها.
وهذا يحكى عن ابن عباس وابن مسعود وأُبَيّ (٣٣) (٣٤) وليس الأمر على ما ذهبوا إليه؛ فإن هذه الآية مخصوصة بملك اليمن في الحربية إذا سبيت من دار العرب، بدليل حديث بريرة (٣٥) ، وكانت مزوجة، فاختارت الفراق (٣٦) وهذا الذي ذكرنا من أن البيع لا يكون طلاقًا مذهب عمر (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد: هذا ما حرم الله عليكم (٣٩) وانتصابه على مصدر جرى الفعل من غيره، كأنه قيل: حرمت هذه النساء كتابًا من الله عليكم، أي: كتابة (٤٠) ومعنى الكتابة ههنا التحريم؛ لأنه كتابة التحريم، أي: إثباته وتأكيده.
ومثله: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي ﴾ ، وقد مر كثير من هذا، (وهذا) (٤١) (٤٢) وقد كشف أبو علي عن هذا فقال: ليس انتصابه على: عليكم كتاب الله، ولكن كتاب مصدر، دل ما تقدم على الفعل الناصب له، وذلك أن قوله: ﴿ حُرِمَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ فيه دلالة على أن ذلك مكتوب عليهم فانتصب ﴿ كِتَابَ اللَّهِ ﴾ بهذا الفعل الذي دل عليه ما تقدمه من الكلام (٤٣) [ما (٤٤) (٤٥) قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبًا على جهة الأمر، ويكون: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ مُفسرًا له، فيكون المعنى: الزموا كتاب الله (٤٦) قال الفراء: وقد قال بعض النحويين: معناه: عليكم كتاب الله، واحتج بقول الشاعر: يا أيها المائح دلوى دونكا (٤٧) فالدلو عِنْده في موضع نصب، كما يقال: دونك زيدًا، وهذا لا يصح عند النحويين، لأن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء، لا تقول العرب: زيدًا عليك، أو زيدًا دونك.
إنما تقول: عليك زيدًا، ودونك زيدًا (٤٨) قال الزجاج (٤٩) (٥٠) ..........
دلوى دونكما (٥١) الدلو في موضع رفع، على معنى: هذه دلوي دونك، كقولك: زيدٌ فاضربوه، وإن نصبت الدلوَ أضمرت في الكلام شيئًا، كأنك تقول: خذ دلوي، أو دونك دلوي دونك (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ .
وقرئ: ﴿ وَأُحِلَّ ﴾ بضم الألف (٥٣) (٥٤) ﴿ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ : كتب الله عليكم كتابًا وأحلّ لكم فبناء الفتح للفاعل ههنا أحسن.
ومن بين (٥٥) (٥٦) ﴿ حُرِّمَت ﴾ ، فلما كان التحريم مبنيًّا للمفعول به كذلك الإحلال.
وقوله تعالى: ﴿ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ قال الفراء وغيره: يقول ما سوى ذلك، كقوله: ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ يريد: سواه (٥٧) وقال الزجاج: ومعنى: ﴿ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ : أي: ما بعد هذه النساء التي حُرّمت حلال (٥٨) وهذا الإحلال مخصوص بالسنة، وهو ما ذكرنا من تحريم تَزَوُّج المرأة على عمتها وعلى خالتها (٥٩) قال أبو إسحاق: لم يقل الله عز وجل: لا أحرم عليكم غير هؤلاء، وقال: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ ، قال: وآتاهم أن الخالة كالوالدة، وأن العمة بمنزلة الوالد في وجوب الحق كالوالدة.
(٦٠) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ ﴾ .
محل ﴿ أَنْ ﴾ رفع على البدل من (ما) في قراءة من قرأ ﴿ وأُحلَّ ﴾ بضم الألف، ومن قرأ بالفتح كان محل (أن) نصبًا.
قالوا: ويجوز أن يكون محلّه نصبً على القراءتين بفقد الخافض، كأنه قيل: لأن تبتغوا، ثم حذف الخافض (٦١) والمعنى: أحلّ لكم أن تطلبوا بأموالكم، إما بنكاح وصداق، أو بملك وثمن، وفي هذا دليل على أن الصداق لا يَتَقدّر بشيء؛ لإطلاق قوله: ﴿ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ ﴾ ، فمن ابتغى بقدر جاز أن يكون ثمنًا في بيعٍ أو أجرة في إجارة فقد استحل.
وقوله تعالى: ﴿ مُحْصِنِينَ ﴾ .
أي: متعففين عن الزنا، وهو قول ابن عباس (٦٢) وقال مجاهد: ناكحين (٦٣) (٦٤) (٦٥) وقال الفراء: يقول: أن تبتغوا الحلال (٦٦) وقوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ .
أي: غير زانين.
عن مجاهد (٦٧) (٦٨) وقال ابن عباس: السفاح الزنا (٦٩) قال الليث: السفاح والمسافحة: أن تقيم امرأة مع رجل على فجور من غير تزويج صحيح، والمُسافِحة: الزانية (٧٠) قال: قال لي جبريل: "ما بينك وبين آدم نكاح لا سفاح فيه" (٧١) وأصله في اللغة: من السَّفح وهو الصَّبّ، يقال: سفح الدمع مسفوحًا، وسفح الدم: صبّه، وفلان سفّاحٌ للدماء: أي: سفّاك (٧٢) وسمي الزنا سِفاحًا، لأنه ليس ثم حرمةُ نكاح ولا عقد تزويج (٧٣) (٧٤) وقوله تعالى: ﴿ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ .
قال الحسن ومجاهد وابن زيد وأكثر المفسرين: يعني: فما انتفعتم وتلذّذتم من النساء بالنكاح الصحيح (٧٥) (٧٦) ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ .
أي: مهورهن، فإن استمتع بالدخول بها آتى (٧٧) (٧٨) والاستمتاع في اللغة: الانتفاع، وكل ما انتفع به فهو متاع (٧٩) (٨٠) وسُمي المهر في هذه الآية أجرًا لأنه أجر الاستمتاع (٨١) وانتصاب الفريضة ههنا على الحال، أي: مفروضة (٨٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ﴾ .
قال عطاء: يريد: إذا سميت المهر بعدّة من الدنانير أو الحيوان، فلا حرج بعد ذلك أن تحطّ من عدة الدنانير أو الحيوان، إذا كان ذلك برضا المرأة (٨٣) وقال الزجاج: أي: لا إثم عليكم في أن تَهب المرأة للزوج مهرها، أو يهب الرجل للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول (٨٤) وقيل: هذا في الخُلع، يقول: لا جناح عليكم فيما تَفتدي به المرأة نفسها (٨٥) وذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بالاستمتاع في هذه الآية المُتعة (٨٦) ، لما قدم مكة في عمرته، تزين نساء أهل مكة، فشكا أصحاب رسول الله إليه العُزبة (٨٧) (٨٨) وكان الرجل في صدر الإسلام يعطي المرأة دينارًا أو دراهم، أو ما كان، مما يتراضيان به، على أن يستمتع بها يومًا أو أسبوعًا، على ما يتراضيان عليه من الأجل، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليه أن يستبرئ رحمها فإن قال لها: زيديني في الأيام وأزيدك في الأجر كانت المرأة بالخيار، إن شاءت فَعَلت ذلك، وإن شاءت لم تفعل (٨٩) قالوا: وذلك قوله: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ﴾ أي: من زيادة الأجل والأجر (٩٠) (٩١) (٩٢) (٩٣) قال عمارة (٩٤) (٩٥) (٩٦) وروى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٩٧) ويغمصُ (٩٨) أقول للركب إذْ طَالَ الثَّواءُ بنا ...
يا صَاحِ هَلْ لَك في فُتيا ابن عباسِ هل لك في رَخصة الأطرافِ ناعمة ...
تكون مَثواك حتى رجعة الناس (٩٩) (١٠٠) وقال عمران بن حُصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله عز وجل ولم ينزل آية بعدها تنسخها، وأمرنا بها رسول الله وتمتعنا معه، ومات ولم يَنهنا عنه.
قال رجلٌ بَعْدُ برأيهِ ما شاء (١٠١) وجميع الصحابة على أن المتعة منسوخة حرام (١٠٢) روى الربيع بن (سَبرة) (١٠٣) (١٠٤) فإذا هو قائم بين الركن والمقام، مسندٌ ظهره إلى الكعبة، يقول: "يا أيها الناس إني كنتُ أمرتُكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرَّم عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليُخَلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" (١٠٥) وروى الحارث بن غُزَيّة (١٠٦) قال: "مُتعة النساء حرام" (١٠٧) وقال عمر : لَنْ أُوتَى برجلٍ منكم نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة (١٠٨) وروي عن ابن الحَنفيّة (١٠٩) مر بابن عباس وهو يفتي بنكاح المتعة أنه لا بأس بها، فقال: إن رسول الله نهى عنها وعن لحوم الحُمُر الأهلية يوم خيبر (١١٠) قال أبو عبيد: هذا التوقيت يرجع إلى النهي عن لحوم الحُمُر؛ لأن الرخصة في المتعة كانت في عمرة النبي ، وهي بعد خيبر، والنهي عن المتعةُ مطلق غير مُؤَقت (١١١) وكانت عائشة إذا ذُكِر لها المتعة قالت: والله ما نجد في كتاب الله إلا النكاح والاستِسرار، ثم تتلو هذه الآيات الثلاثة: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ ، إلى آخرها (١١٢) وقال ابن مسعود: المتعة منسوخة، نسخها الطلاق والصَّداق والعِدّة والميراث (١١٣) قال أبو عبيد: فالمسلمون اليوم مُجمعون على أن متعة النساء قد نُسخت بالتحريم، نسخها الكتاب والسنة (١١٤) هذا قول أهل العلم اليوم جميعًا من أهل العراق، وأهل الحجاز، وأهل الشام، وأصحاب الأثر، وأصحاب الرأي: أنه لا رُخصة فيها لمضطر ولا غيره.
وقد رُوي عن ابن عباس شيء شبيه بالرجوع عنها، وهو ما روى عطاء الخرساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ قال: نسختها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ (١١٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا ﴾ أي: بما يُصْلِح أمر العباد (حكيمً) فيما بين (١١٦) (١١٧) (١) "تهذيب اللغة" 1/ 843 - 844 (حصن) بتصرف.
(٢) انظر: "الطبري" 5/ 7.
(٣) انظر: "جمهرة اللغة" 2/ 543 - 544 (حصن)، والطبري 5/ 7، "تهذيب اللغة" 1/ 844 (حصن).
(٤) انظر: "الحجة" 3/ 147.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 844 (حصن).
(٦) قول شمر وما أنشد في "تهذيب اللغة" 1/ 844 (حصن)، وقال الأزهري: الوقس: الجرب.
ملس: لا عيب بهن.
وانظر "اللسان" 2/ 902، والرجز منسوب للعجاج في "مجاز القرآن" 1/ 122، "جمهرة اللغة" 2/ 543 - 544 (حصن)، و"تفسير الطبري" 5/ 7.
(٧) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، تقدمت ترجمته.
(٨) انظر: "اللسان" 2/ 902 (حصن).
(٩) ليس في "معاني الزجاج" عند تفسيره لهذه الآية.
(١٠) انظر: "الطبري" 5/ 24.
(١١) هذا رأي ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وابن زيد وغيرهم.
انظر "تفسير ابن عباس" ص 143، والطبري 5/ 17.
(١٢) أي من المعاني التي يقع عليها لفظ الإحصان.
(١٣) انظر "تفسير ابن عباس" ص 143، والطبري 5/ 19.
(١٤) ممن قال بذلك ابن مسعود والشعبي وإبراهيم التيمي والسدي.
انظر: الطبري 5/ 20، "الدر المنثور" 2/ 255.
(١٥) انظر: الطبري 5/ 1، "الكشف والبيان" 4/ 36 ب، "الدر المنثور" 2/ 246 - 247.
(١٦) قراءة الكسر للكسائي، والفتح لبقية العشرة.
انظر: "السبعة" ص 230، "الحجة" 3/ 146، "المبسوط في القراءات العشر" ص155، "النشر" 2/ 249.
(١٧) انظر المصادر السابقة.
(١٨) انظر: "حجة القراءات" ص 196، 197.
(١٩) أخذ قول أبي عبيد من "تهذيب اللغة" 1/ 844 (حصن).
(٢٠) في (أ)، (د): النساء، والتصويب من "تهذيب اللغة".
(٢١) انتهى من "تهذيب اللغة" 1/ 844 (حصن).
(٢٢) انظر: "العين" 3/ 118، "تهذيب اللغة" 1/ 844 (حصن).
(٢٣) في النسخة (أ) وعند هذا اللفظ كتب هامش بغير خط النسخة وهو بحدود سطرين أو ثلاثة، بعضه غير واضح، وقد تبين لي منه ما يلي: ألفج بالجيم المعجمة أفلس قال رؤبة: أحسابكم في العسر والإلفاج ...
شِيبت بعذبٍ طيّب المزاج وقال: جارية شبت شبابًا عَسلجا ...
في حجر من لم يك عنها ملفجا يقال: عسلجت الشجرة: أخرجت عساليجها، وهي ما لان واخضر من قضبانها.
وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1783 (سهب)، 4/ 3280 (لفج)، "الصحاح" 1/ 329 (عسلج)، 2/ 339 (لفج)، "اللسان" 7/ 4052 - 4053 (لفج).
(٢٤) في "تهذيب اللغة" 2/ 1783 (سهب) لكن رواية الأزهري، عن طريق شمر، عن ابن الأعرابي، وفيه تقديم أسهب على أحصن.
(٢٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 122، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 117، والطبري 5/ 1، "الكشف والبيان" 4/ 36/ ب، "الدر المنثور" 2/ 246 - 247.
(٢٦) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 405.
(٢٧) قول ابن مسعود أن المراد بقوله: ﴿ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ هي المشتراة بالمال، لا المسبيّة.
انظر: "الطبري" 5/ 3، "الدر المنثور" 2/ 247.
(٢٨) هو الإمام أبو عبد الله زيد بن أسلم، له تفسير يرويه عنه ابنه عبد الرحمن هذا.
(٢٩) هو أبو عبد الله مَكْحول الشامي، فقيه، كان مفتي دمشق وعالمها، من مشاهير علماء التابعين، وقد وثقه كثير من أهل العلم وأخرج له مسلم والأربعة.
توفي -رحمه الله- سنة 113هـ.
وقيل غير ذلك.
انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص114، "ميزان الاعتدال" 4/ 177، "تقريب التهذيب" 4/ 148.
(٣٠) أخرج الآثار عن ابن عباس، وأبي قلابة، وابن زيد، وأبيه، ومكحول، والزهري، الطبري 5/ 60201، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 247 - 248.
(٣١) أخرجه مسلم بنحوه (1456) كتاب الرضاع، باب: جواز وطء المسبية بعد == الاستبراء 2/ 1079 (ح 35) وغيره، وكذلك المؤلف في "أسباب النزول" ص 152 - 153 من طرق.
(٣٢) أخرجه الإمام أحمد 3/ 62، وأبو داود (2155) كتاب النكاح، باب: في وطء السبايا، والحاكم 2/ 195، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يُخرجاه، ووافقه الذهبي، وعندهم أن هذا الحديث في سبي أوطاس.
(٣٣) هو أبو المُنذِر أُبَيّ بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري، من رواة الأحاديث وقُرَّاء الصحابة وكتاب الوحي ومن أصحاب العقبة الثانية وقد شهد بدرًا وما بعدها وتوفي سنة 30 هـ.
انظر: "الاستيعاب" 1/ 161 - 162، "الإصابة" 1/ 19، "الأعلام" 1/ 82.
(٣٤) أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 3 - 4، وانظر: "زاد المسير" 2/ 50، "الدر المنثور" 2/ 247.
(٣٥) هي مولاة عائشة - ما- كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل بني هلال، وقيل لآل عتبة بن أبي إسرائيل، وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، وقد عتقت تحت زوجها فخيرها النبي ، فكانت سنّة.
انظر: "الاستيعاب" 4/ 357، "أسد الغابة" 7/ 39، "الإصابة" 4/ 251 - 252.
(٣٦) أخرجه بمعناه البخاري (2536) كتاب العتق، باب: بيع الولاء وهبته، وانظر "تفسير ابن كثير" 2/ 517.
(٣٧) عند ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 50: ابن عمر.
(٣٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 50.
(٣٩) لم أجده عن ابن عباس، وقد أخرجه الطبري، عن إبراهيم التيمي، "جامع البيان" 5/ 9، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" عن إبراهيم وعزاه -إضافة إلى الطبري- إلى عبد الله بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
انظر.
"الدر المنثور" 2/ 249.
(٤٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 260، و"الطبري" 5/ 9، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 406.
(٤١) ليس في (د).
(٤٢) انظر: "معاني الفراء" 2/ 260، "معاني الزجاج" 2/ 36.
(٤٣) انظر: "الحجة" 2/ 353، "المسائل الحلبيات" ص 203.
(٤٤) ما بين القوسين المعقوفين ليس في النسخ واستدركته من مصادر التوثيق الآتية.
(٤٥) البيت لأبي كبير الهُذلي يصف شابًا جلْدًا خفيف الجسم إذا نام لا يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه دون بطنه.
والمقصود بالمِحمَل: محمل السيف.
انظر: "الكتاب" 1/ 359، "الشعر والشعراء" ص 447، "المقتضب" 3/ 204، "الخصائص" 2/ 309، "ديوان الهذليين" 2/ 13.
والشاهد منه.
أن طي نصب بفعل مقدر، تقديره: طويَ طيّ المِحْمَل.
(٤٦) "معاني القرآن" 2/ 36.
(٤٧) حذف المؤلف عجز البيت، وهو عند الفراء: إني رأيت الناس يحمدونكا "معاني القرآن" 1/ 60، ونسب في الحاشية إلى شاعر جاهلي من بني أسيد بن عمرو بن تميم، وقد ورد البيت في "الأمالي للقالي" 2/ 244، "تهذيب اللغة" 4/ 3322 (ماح)، "الإنصاف" للأنباري ص 187.
والمائح: هو الذي ينزل في البئر إذا قلّ الماء فيملأ الدلو.
(٤٨) "معاني القرآن" 1/ 260.
(٤٩) في "معاني القرآن" 2/ 36.
(٥٠) في "معاني الزجاج": منصوبه، ولعله هو الصواب.
(٥١) تقدم البيت قريبًا.
(٥٢) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 36، 37.
(٥٣) وكسر الحاء، وهذه القراءة لعاصم برواية حفص وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف.
انظر: "المبسوط" ص 156، "الحجة" 3/ 150، "النشر" 2/ 549.
(٥٤) أي فتح الألف والحاء (أَحَلّ) وهذه القراءة للباقين من العشرة.
انظر المصادر السابقة.
(٥٥) هكذا هذه الكلمة في (أ)، ولعل الصواب: بَنَى، لما في "الحجة" 3/ 150.
(٥٦) التعقيب على القراءتين من "الحجة" 3/ 150.
(٥٧) "معاني القرآن" 1/ 261.
(٥٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 37 (٥٩) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 37، وقد تقدم الحديث في ذلك.
(٦٠) انتهى كلام أبي إسحاق الزجاج من "معاني القرآن" 2/ 37.
(٦١) انظر "معاني الفراء" 1/ 261، الطبري 5/ 11، "معاني الزجاج" 2/ 37، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 446، "الكشف والبيان" 4/ 37/ أ.
(٦٢) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكر المؤلف هذا القول دون نسبة لأحد في "الوسيط" 2/ 501، وانظر الطبري 5/ 11.
(٦٣) "تفسير مجاهد" 1/ 152، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 5/ 11، وهو فيهما بلفظ: متناكحين.
وانظر: "الدر المنثور" 2/ 249.
(٦٤) ما بين القوسين ليس في (أ).
(٦٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 37.
(٦٦) "معاني القرآن" 1/ 261.
(٦٧) "تفسيره" 1/ 152، وأخرجه الطبري 5/ 11 بدون لفظ غير.
(٦٨) أخرجه الطبري 5/ 11 بلفظ: غير زناة.
(٦٩) لم أجده إلا في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 82 بلفظ مجاهد.
(٧٠) من "تهذيب اللغة" 2/ 1700، وهو في "العين" 3/ 147 (سفح).
(٧١) انظر: "العين" 3/ 147، ولم أقف عليه في المصادر الحديثية.
(٧٢) انظر: "العين" 3/ 147، "معاني الزجاج" 2/ 38، "تهذيب اللغة" 2/ 1699 "الصحاح" 1/ 375 (سفح).
(٧٣) انظر: "معاني القرآن" 2/ 38، "تهذيب اللغة" 2/ 1700 (سفح).
(٧٤) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 117 - 118، "تهذيب اللغة" 4/ 326 (سفح).
(٧٥) أخرج الآثار عن الحسن ومجاهد وابن زيد الطبري 5/ 11 - 12 بلفظ النكاح، وقد أفاد المؤلف لفظه من "الكشف والبيان" 4/ 37/ ب، وانظر: "الوسيط" 2/ 57.
(٧٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 38 بتصرف.
(٧٧) في (د): (إلى).
(٧٨) من "معاني الزجاج" بنصه 2/ 38، وانظر: "الطبري" 5/ 12، "تهذيب اللغة" 4/ 3459 (متع).
"الكشف والبيان" 4/ 39/ أ.
(٧٩) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 38، "تهذيب اللغة" 4/ 3459 (متع).
(٨٠) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 118، و"الطبري" 5/ 12، "معاني الزجاج" 2/ 38، "الكشف والبيان" 4/ 39 أ.
(٨١) انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 4/ 39 أ.
(٨٢) وقيل: مصدر في موضع الحال.
انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 406، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 195.
(٨٣) لم أقف عليه، وقد ورد بمعناه عن ابن عباس وابن زيد.
انظر: "الطبري " 5/ 14، "زاد المسير" 2/ 54.
(٨٤) العبارة في "معاني الزجاج" 2/ 39: أي لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب إلا لمن دخل بها، وهذه العبارة مشكلة؛ لأن غير المدخول بها يجب لها نصف الصداق بلا هبة لقوله سبحانه: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ﴾ ، إلا أن يكون المراد بعبارة الزجاج هذه: نصف المهر الآخر، ويحتمل التصحيف من النساخ، وعلى كلٍّ فعبارة الزجاج عند المؤلف أوضح وأصوب وقد ذكرها في تفسيره الآخر "الوسيط" 2/ 502.
(٨٥) نحوه مَرويّ عن ابن عباس.
انظر: "الطبري" 5/ 14، "زاد المسير" 2/ 52.
(٨٦) هذا قول لابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم.
انظر: الطبري 5/ 12 - 13، "الكشف والبيان" 4/ 37 ب.
(٨٧) العُزبة: من العُزوبة، أي البعد عن النكاح والتجرد عن النساء.
انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 3/ 228.
(٨٨) أخرجه بلفظه الأول أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 73، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 38 ب.
(٨٩) انظر: "الطبري" 5/ 13 - 14، "الكشف والبيان" 4/ 38 ب، "النكت والعيون" 1/ 471.
(٩٠) انظر: "النكت والعيون" 1/ 471، "زاد المسير" 2/ 55.
(٩١) انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 80.
(٩٢) هو أبو نُجيد عِمران بن حُصين بن عُبيد الخُزاعي أسلم عام خيبر وغزا مع النبي ، كان من فضلاء الصحابة ومجابَ الدعوة، مرض فكان على سريره ثلاثين عامًا حتى توفي سنة 52 هـ وكانت الملائكة تسلم عليه.
انظر: "الاستيعاب" 3/ 284 - 285، "أسد الغابة" 4/ 281، "الإصابة" 3/ 26 - 27.
(٩٣) سيورد المؤلف ما يدل على ذلك عن ابن عباس وعمران بن حصين.
(٩٤) هكذا في (أ)، وفي "الدر المنثور" 2/ 253: عمار، بدون تاء.
(٩٥) تابعي ثقة كما في ثقات العجلي.
(٩٦) أخرجه أبو عُبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 80، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 253 بلفظه، وعزاه لابن المنذر.
(٩٧) هو أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود الهُذلي المدني تابعي ثقة ثبت أحد كبار فقهاء المدينة في عصره، جامع بين العلم والصلاح وهو معلم عمر بن عبد العزيز رحمهما الله كان ضرير البصر، وتوفي سنة 94 هـ وقيل غير ذلك.
انظر: "تاريخ الثقات" 2/ 111، "مشاهير علماء الأمصار" ص 64، "التقريب" ص 372 رقم (4309).
(٩٨) غَمِصَ-بفتح الميم وكسرها- يَغمِص غمصًا، وهو الاستصغار أو العيب، انظر "الصحاح" 3/ 1047 (غمص).
وفي النسخة (أ) تعليق في الحاشية كلمتين أو ثلاث، لم يتبين، والظاهر أنه شرح لهذه الكلمة الغربية.
(٩٩) انظر: "عيون الأخبار" 4/ 59، و"تفسير القرطبي" 5/ 133، و"الدر المنثور"==2/ 487، و"السنن الكبرى" للبيهقي 7/ 205، و"التمهيد" لابن عبد البر 10/ 117، و"أخبار مكة" للفاكهي 3/ 12.
(١٠٠) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 81، 82، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 38 أ، "الدر المنثور" 2/ 471.
(١٠١) أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 38 أ.
(١٠٢) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 38 أ.
(١٠٣) في (د): (سبر) بالتذكير، والصواب ما أثبته.
انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 73.
(١٠٤) هو الربيع بن سبرة بن معبد الجهني المدني تابعي ثقة، وثقه النسائي وابن حبان وأخرج حديثه مسلم وأهل السنن، عده ابن حجر من الطبقة الثالثة.
ولم تذكر سنة وفاته.
انظر: "تاريخ الثقات" 1/ 354، "تهذيب التهذيب" 1/ 592، "التقريب" ص 206 رقم (1891).
(١٠٥) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 73، ومسلم في "صحيحه" كتاب النكاح، باب: 3 نكاح المتعة 2/ 1025 (ح 21)، وفيهما: " ..
ألا وإن الله قد حرم عليكم ذلك ..
" بزيادة اسم الإشارة، وهو الأصوب.
(١٠٦) هو الحارث بن غزَيّة، وقيل: غزية بن الحارث الأنصاري المدني، صحابي جليل روى عن رسول الله .
انظر: "الاستيعاب" 3/ 318، "أسد الغابة" 1/ 410، "الإصابة" 3/ 185.
(١٠٧) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 75.
(١٠٨) جزء من أثر أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 76، ومسلم (1217) كتاب الحج، باب: في المتعة بالحج والعمرة.
(١٠٩) هو أبو القاسم أو أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي من أفاضل أهل البيت، ومن العلماء الثقات، عرف بابن الحنفية نسبة إلى أمه من بني حنيفة.
توفي سنة 73 هـ وقيل بعد الثمانين.
انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 62، "سير أعلام النبلاء" 4/ 110، "التقريب" ص 497 رقم (6157).
(١١٠) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 75، والبخاري (5115) بنحوه في كتاب النكاح، باب: نهى رسول الله عن نكاح المتعة آخرا 6/ 129، ومسلم (1407) كتاب النكاح، باب: نكاح المتعة.
(١١١) انظر: "الناسخ والمنسوخ" ص 75.
(١١٢) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 87، وذكره الثعلبي بمعناه في "الكشف والبيان" 4/ 39 أ.
(١١٣) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 79.
(١١٤) "الناسخ والمنسوخ" ص 80، وانظر: "البغوي" 2/ 193.
(١١٥) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 83، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 191، 192، وضعفه المحقق إسناده.
(١١٦) في "معاني الزجاج" 2/ 39: فرض.
(١١٧) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 39.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والمحصنات مِنَ النسآء ﴾ المراد هنا ذوات الأزواج، وهو معطوف على المحرمات المذكورة قبله، والمعنى انه لا يحل نكاح المرأة إذا كانت في عصمة الرجل ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم ﴾ يريد السبايا في أشهر الأقوال، والاستثناء متصل، والمعنى: أن المرأة الكافرة إذا كان لها زوج، ثم سبيت: جاز لمن ملكها من المسلمين أن يطأها، وسبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً إلى أوطاس، فأصابوا سبايا من العدوّ لهنّ أزواج من المشركين، فتأثم المسلمون من غشيانهنّ، فنزلت الآية مبيحة لذلك ومذهب مالك أن السبي يهدم النكاح سواء سُبي الزوجان الكافران معاً أو سُبي أحدهما قبل الآخر، وقال ابن المواز: لا يهدم السبي النكاح ﴿ كتاب الله عَلَيْكُمْ ﴾ منصوب على المصدرية: أي كتب الله عليكم كتاباً وهو تحريم ما حرم؛ وهو عند الكوفيين منصوب على الإغراء ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذلكم ﴾ معناه: أحلّ لكم تزويج من سوى ما حرم من النساء، وعطف أحل على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله، والفاعل هو الله أي طتب الله عليكم تحريم من ذكر، وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴿ أَن تَبْتَغُواْ ﴾ مفعول من أجله، أو بدل مما وراء ذلكم، وحذف مفعوله وهو النساء ﴿ مُّحْصِنِينَ ﴾ هنا العفة ونصبه على الحال من الفاعل في تبتغوا ﴿ غَيْرَ مسافحين ﴾ أي غير زناة، والسفاح هو هنا الزنا ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ قال ابن عباس وغيره: معناها إذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء فقد وجب إعطاء الأجر، وهو الصداق كاملاً.
وقيل: إنها في نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل من غير ميراث، وكان جائزاً في أول الإسلام فنزلت هذه الآية في وجوب الصداق فيه، ثم حرم عند جمهور العلماء، فالآية على هذا منسوخة بالخبر الثابت في تحريم نكاح المتعة، وقيل نسختها آية الفرائض لأن نكاح المتعة لا ميراث فيه، وقيل: نسختها ﴿ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ [المؤمنون: 5] وروي عن ابن عباس جواز نكاح المتعة، وروي أنه رجع عنه ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تراضيتم ﴾ مَنْ قال: إن الآية المتقدمة في مهور النساء فمعنى هذه جواز ما يتراضون به من حط النساء من الصداق، أو تأخيره بعد استقرار الفريضة ومن قال: إن الآية في نكاح المتعة.
فمعنى هذا جواز ما يتراضون به من زيادة في مدة المتعة وزيادة في الأجر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والمحصنات ﴾ في كل القرآن بكسر الصاد إلاّ قوله: ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ على الباقون بالفتح ﴿ وأحل ﴾ مبنياً للمفعول: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ أحصن ﴾ بفتح الهمزة والصاد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
الباقون: ﴿ أحصن ﴾ بضم الهمزة وكسر الصاد.
﴿ تجارة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
الباقون: بالرفع.
الوقوف: ﴿ دخلتم بهن ﴾ الأولى (ز) لابتداء الشرط مع اتحاد المقصود ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ (ز) لذلك فإن جملة الشرط معترضة ﴿ أصلابكم ﴾ (لا) للعطف ﴿ سلف ﴾ (ط) / ﴿ رحيماً ﴾ (ه) لا للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ (ج) لأن ﴿ كتاب الله ﴾ يحتمل أن يكون مصدر التحريم لأنه في معنى الكتابة، ويحتمل أن يكون مصدر محذوف أي كتب الله كتاباً، والأحسن أن يكون مفعولاً له أي حرمت لكتاب الله.
من قرأ ﴿ وأحل ﴾ بالفتح لم يحسن الوقف له على ﴿ عليكم ﴾ للعطف على "كتب"، ومن قرأ ﴿ وأحل ﴾ بالضم عطفاً على ﴿ حرمت ﴾ جاز له الوقف لطول الكلام ﴿ مسافحين ﴾ (ط) لابتداء حكم المتعة ﴿ فريضة ﴾ (ط) ﴿ الفريضة ﴾ (ه) ﴿ حكيماً ﴾ (ه) ﴿ فتياتكم المؤمنات ﴾ (ط) ﴿ بإيمانكم ﴾ (ط) ﴿ من بعض ﴾ (ج) لعطف المختلفين ﴿ أخدان ﴾ (ج) لذلك ﴿ من العذاب ﴾ (ط) ﴿ العنت منكم ﴾ (ط) ﴿ خير لكم ﴾ (ط) ﴿ رحيم ﴾ (ه) ﴿ ويتوب عليكم ﴾ (ط) ﴿ حكيم ﴾ (5) ﴿ عظيماً ﴾ (ه) ﴿ يخفف عنكم ﴾ (ج) لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى أي يخفف لضعفكم ﴿ ضعيفاً ﴾ (ه) ﴿ أنفسكم ﴾ (ط) ﴿ رحيماً ﴾ (ه) ﴿ ناراً ﴾ (ط) ﴿ يسيراً ﴾ (ه).
التفسير: إنه نص على تحريم أربعة عشر صنفاً من النسوان، سبعة من جهة النسب: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة أخرى لا من جهة النسب: الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء، وبنات النساء بشرط الدخول بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء - وهذه في الآية المتقدمة - والجمع بين الأختين، والمحصنات من النساء.
وذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال وذلك غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أولى من بعض وهذا معنى الإجمال.
والجواب من المعلوم بالضرورة من دين محمد أن المراد منه تحريم نكاحهن لا سيما وقد تقدم قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ ومثله قوله : "لا يحل دم امرىء مسلم إلاّ لإحدى خصال ثلاث " فإنه لا يشتبه أن المراد لا يحل إراقة دمه.
ثم إنّ قوله: ﴿ حرمت ﴾ إنشاء للتحريم كقول القائل "بعت" أو "طلقت" لا إخبار عن التحريم في الزمان الماضي ولا يشتبه أن المحرم هو الله كقوله: ﴿ بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ﴾ والخطاب لأولئك الحاضرين بالذات ولمن عداهم من الأمة بالتبعية.
والأصل في كل حكم هو الاستمرار والتأبيد ما لم ينسخه ناسخ، والقرينة / تدل على أن المراد أنه حرم على كل أحد أمه خاصة وبنته خاصة.
واعلم أنّ حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمان آدم إلى هذا الزمان، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان، بل إنّ زرادشت نبي المجوس بزعمهم قال بحله إلاّ أن أكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان كذاباً.
أما نكاح الأخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحاً في زمان آدم وذلك للضرورة، وبعض المسلمين ينكره ويقول: إنه بعث الحور من الجنة حتى تزوج بهن أبناء آدم، ويرد عليه أنّ هذا النسل حينئذ لا يكون محض أولاد آدم وذلك بالإجماع باطل.
قال العلماء: السبب في تحريم الأمهات والبنات أن الوطء إذلال وإهانة فلا يليق بالأصل والجزء.
والأمهات جمع الأم والهاء زائدة.
ووزن أم "فعل" أو أصلية ووزنه "فع".
وقد يجيء جمعه على "أمات" وقد يقال الأمهات للإنسان، والأمات لغيره، وكل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو درجات بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك.
ولا شك أن لفظ الأم حقيقة في التي ولدتك، أما في الجدة فيحتمل أن يكون حقيقة أيضاً وحينئذٍ يكون اللفظ متواطئاً فيها إن كان موضوعاً بإزاء قدر مشترك بينهما، وتكون الآية نصاً في تحريمها أو يكون مشتركاً بينهما.
وحينئذٍ إن جوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه فالآية نص في تحريمها أيضاً وإلا فطريقان: أحدهما أن تحريم الجدات مستفاد من الإجماع، والثاني أنه تكلم بهذه الآية مرتين لكل من المفهومين.
وكذا الكلام إن قلنا إنّ الأم حقيقة في الوالدة مجاز في الجدات.
قال الشافعي: إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه.
حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لكونه محرّماً قطعاً في حكم الشرع فيكون وطؤها زناً محضاً.
الصنف الثاني من المحرمات البنات ويراد بهن كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث أو بذكور.
والكلام في أن إطلاق لفظ البنت على بنت الابن وبنت البنت حقيقة أو مجاز كما مر في الأمهات.
قال أبو حنيفة: البنت المخلوقة من ماء الزنا تحرم على الزاني.
وقال الشافعي: لا تحرم لأنها ليست بنتاً له شرعاً لقوله : " "الولد للفراش" وهذا يقتضي حصر النسب في الفراش، ولأنها لو كانت بنتاً له لأخذت الميراث ولثبت له ولاية الإجبار عليها، ولوجب عليه نفقتها وحضانتها، ولحل الخلوة بها، لكن التوالي باطلة بالاتفاق فكذا المقدم.
وأيضاً إنّ أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتاً له على الحقيقة وهي كونها مخلوقة من مائه، أو بناء على حكم الشرع والأول باطل على مذهبه طرداً وعكساً.
أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكراً وافتضها وحبسها ي داره إلى أن تلد فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائة قطعاً مع أنه لا يثبت نسبه إلاّ عند الاستلحاق، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه.
والثاني أيضاً باطل بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزاني من الزاني، ولو انتسب إليه وجب على القاضي منعه.
الصنف الثالث: الأخوات ويشمل الأخوات من الأب والأم، ومن الأب فقط، ومن الأم فقط، الصنف الرابع والخامس العمات والخالات.
قال الواحدي: كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي أمك، وكل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك.
وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك، ولاتحرم أولاد العمات وأولاد الخالات.
الصنف السادس والسابع: بنات الأخ وبنات الأخت، والقول فيهما كالقول في بنت الصلب.
الثامن والتاسع: قوله: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ﴾ سمى المرضعات أمهات تفخيماً لشأنهن كما سمى أزواج النبي أمهات لحرمتهن.
وليس قوله: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ﴾ كقول القائل: وأمهاتكم اللاتي كسونكم أو أطعمنكم.
وإلاّ كان تكراراً لقوله: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ بل المراد أن الرضاع هو الذي تستحق هي بسببه الأمومة ويعلم من تسمية المرضعة.
أما والراضعة أختاً إنه أجرى الرضاع مجرى النسب لأن المرحمات بسبب النسب سبع: اثنتان بالولادة وهما الأمهات والبنات، والباقية بطريق الإخوة وهو الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، فذكر من كل واحد من القسمين صورة واحدة تنبيهاً بها على الباقي منهما.
فذكر من قسم الولادة الأمهات، ومن قسم الإخوة الأخوات.
ثم إنه أكد هذا البيان بصريح قوله: " "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " فصار صريح الحديث مطابقاً لمفهوم الآية.
وهذا بيان لطيف فأمك من الرضاع كل أنثى أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من ولدك من الآباء والأمهات، أو ولدت المرضعة، أو الفحل الذي منه اللبن بواسطة أو بغير واسطة.
وبنتك من الرضاع كل أنثى أرضعت بلبنك، أو أرضعت بلبن من ولدت من الأبناء أو البنات.
وأختك من الرضاع كل أنثى أرضعتها أمك أو أرضعت بلبن أبيك، أو ولدتها المرضعة أو الفحل الذي جر لبنه على المرضعة.
وعمتك كل أنثى من الرضاع من جهة الأب، وكل أنثى أرضعت بلبن واحد من أجدادك، أو كانت أخت الفحل الذي ارضعت / بلبنه.
ومن جهت الأم كل أنثى هي أخت ذكر أرضعت أمك بلبنه بواسطة أو بغير واسطة.
وخالتك من الرضاع من جهة الأم كل أنثى هي أخت أمك من الرضاع، أو أخت من ارضعتك من النسب أو الرضاع.
ومن جهة الأب كل أنثى هي أخت أنثى أرضعت أباك من الرضاع أو النسب.
وبنات الإخوة والأخوات من الرضاع كل أنثى ولدها ابن مرضعتك أو بنتها أو ولدها ابن الفحل الذي منه اللبن، أو بنته من الرضاع أو النسب، أو أرضعتها أختك أو أرضعت بلبن أخيك.
وكذلك حكم بنات أولاد من أرضعته أختك أو أرضعت بلبن أخيك من الرضاع أو النسب، وكذلك بنات من أرضعته أمك أو أرضع بلبن أبيك وبنات أولادهما من الرضاع أو النسب.
والرضاع المحرّم قد يسبق النكاح فيمنع انعقاده، وقد يطرأ عليه فيقطعه.
وللرضاع أركان: أحدها المرضع ويجب أن تكون امرأة، فلبن البهيمة لا يثبت تحريماً بين الذكر والأنثى للذين شربا منه وكذا لبن الرجل، وأن تكون حية.
وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد يتعلق بلبن الميتة التحريم، وأن تكون محتملة للولادة بأن بلغت تسع سنين.
وثانيها اللبن ويتعلق به التحريم ولو تغيّر بحموضة أو انعقاد أو إغلاء أو اتخذ منه جبن أو زيد أو مخيض أو أقط أو ثرد فيه طعام أو عجن به دقيق وخبز أو خلط بمائع حلال أو حرام.
وثالثها المحل وهو معدة الصبي الحي فلا أثر للحقنة، ولا بعد الحولين الهلاليين، ولا للوصول إلى معدة الصبي الميت.
ولا بد مع ذلك من خمس رضعات لقوله : " لا تحرم المصة والمصتان ولا الرضعة والرضعتان" ولما روت عائشة " خمس رضعات يحرّمن " وعند أبي حنيفة: الرضعة الواحدة كافية.
الصنف العاشر قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ ويدخل فيه الجدات من قبل الأب والأم.
الحادي عشر ﴿ وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ والربائب جمع ربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها مربوبة لأنّ الرجل يربها.
والحجور جمع حجر بالفتح والكسر.
وكونها في حجرة عبارة عن تربيته وهو بناء للكلام على الغالب ومثله هو في حضانة فلان وأصله من الحضن الذي هو الإبط.
وقال أبو عبيد: في حجوركم أي في بيوتكم.
وعن علي أنه جعل كونها ربيبة له وكونها في حجرة شرطاً في التحريم وهو استدلال حسن.
وأما سائر العلماء فذهبوا إلى / أنّ الكلام أخرج مخرج الأعم الأغلب، وأنه إذا دخل بالمرأة حرمت ابنتها عليه سواء كانت في تربيته أو لم تكن.
أما اشتراط الدخول بأمها فلقوله: ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ وهو متعلق بربائبكم كا تقول: بنات رسول الله من خديجة.
وأما عدم اشتراط التربية فلقوله: ﴿ فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ﴾ علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، وهذا يقتضي أن السبب لحصول الجناح هو مجرد الدخول.
وذهب جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر وأظهر الروايات عن ابن عباس.
وحجتهم أنه تعالى ذكر جملتين وهو قوله: ﴿ وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ ثم ذكر شرطاً وهو قوله: ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبراً في الجملتين معاً.
وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين فعلى أن قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ جملة مستقلة بنفسها ولم يدل دليل على عود ذلك الشرط إليه إذ الظاهر تعلق الشرط بالثانية، وإذا تعلق الشرط بالثانية أو تعلق بإحدى الجمليتين فلا حاجة إلى تعليقه بأخرى.
وأيضاً عود الشرط إلى الجملة الأولى وحدها باطل بالإجماع وكذا عوده إليهما معاً، لأنّ معنى "من" مع الأولى البيان، ومعناها مع الثانية ابتداء الغاية، واستعمال اللفظ المشترك في مفهومية معاً غير جائز.
نعم لو جعل "من" للاتصال كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ أمكن اعتبار الاتصال في النساء والربائب معاً، فأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتهن، كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهن بناتهن.
إلاّ أن هذا التفسير فيه خلل من جهة اللفظ ومن جهة المعنى.
أما اللفظ فلأن قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ وكذا ربائبكم يكون حينئذٍ مبتدأ وقوله ﴿ من نسائكم ﴾ خبراً ويقع بين المعطوفات فاصلة لأن قوله: ﴿ وحلائل أبنائكم ﴾ وما بعده معطوف على فاعل ﴿ حرمت ﴾ .
وأما من جهة المعنى فلأن الحكم بالاتصال والاتحاد يقتضي التحليل لا التحريم ظاهراً.
ومما يدل على أن الجملة الأولى مرسلة ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي أنه قال: " إذا نكح الرجل امرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلّقها فإن شاء تزوّج البنت " وكان عبد الله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة إذا طلق بنتها فبل المسيس وهو يومئذٍ بالكوفة.
فاتفق أن ذهب إلى المدينة فصادفهم مجميعن على خلاف فتواه، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة.
وعن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: إنّ الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فله ذلك، وإن ماتت عنده لم يتزوّج أمها أقام الموت مقام الدخول في التحريم كما قام مقامه في باب المهر.
والدخول بهن كناية عن الجماع كقولهم: بنى عليها أو ضرب عليها الحجاب.
يعني أدخلتموهن الستر، والباء للتعدية، وقد تقدم أن الخلوة الصحيحة عند أبي حنيفة تقوم مقام الدخول في التحريم، وقد تمسك أبو بكر الرازي بالآية في إثبات أن الزنى يوجب حرمة المصاهرة.
قال: لأنّ الدخول بها اسم لمطلق الوطء من نكاح كان أو سفاح, ورد بأنّ تقديم قوله: ﴿ من نسائكم ﴾ يوجب تخصيص الوطء بالحلال.
الصنف الثاني عشر ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ فيخرج المتبنى وكان في صدر الإسلام بمنزلة الابن إلى أن نزل: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ ﴿ لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ﴾ وحكم الابن من الرضاع حكم الابن من النسب في تحريم حليلته على أبيه لقوله : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وإن كان ظاهراً قوله: ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ وظاهر قوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ يقتضي الحل فههنا قد تخصص عموم القرآن بخبر الواحد.
واتفقوا على أنّ حرمة التزوّج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد ولا تتوقف الحرمة على الدخول.
وما روي عن ابن عباس أنه قال: أبهموا ما أبهم الله أراد به التأبيد.
ألا ترى أنه قال في السبع المحرّمات من جهة النسب إنها من المبهمات أي من اللواتي تثبت حرمتهن على التأبيد؟
واتفقوا أيضاً على تحريم حليلة ولد الولد على الجد.
أما جارية الابن فقد قال أبو حنيفة: يجوز للأب أن يتزوّج بها.
وقال الشافعي: لا يجوز لأنّ الحليلة فعيله إما بمعنى المفعول من الحل أي المحللة، أو من الحلول بمعنى أن السيد يحل فيها، وإما بمعنى الفاعل لأنهما يحلاّن في لحاف واحد، أو يحل كل واحد منهما في قلب صاحبه لما بينهما من الإلفة والمودّة.
وعلى التقادير يصدق على جارية الإبن أنها حليلته كما يصدق على زوجته أنها حليلته فتناولها الحرمة بالآية.
الصنف الثالث عشر ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ أي حرمت عليكم الجمع بينهما والتأنيث للتغليب أو للاكتساب أو بتأويل الخصلة.
ويمكن أن يقال: الواو نائب عن الفعل المطلق من غير اعتبار تذكيره أو تأنيثه، والجمع يكون إما بالنكاح أو بالملك أو بهما.
أما النكاح فلو عقد عليهما معاً فنكاحهما باطل، وعلى الترتيب بطل الثاني / لأنّ الدفع أسهل من الرفع، وأما الجمع بينهما بملك اليمين أو بأن ينكح إحداهما ويشتري الأخرى فقد اختلف الصحابة فيه؛ فقال علي وعمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر: لا يجوز الجمع بينهما لإطلاق الآية، ولأنه لو لجاز الجمع بينهما في الملك لجاز وطؤهما معاً لقوله : ﴿ إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون:6\] ولأن الأصل في الإبضاع الحرمة، فلو سلم أن الآية تدل على الجواز فالأحوط جانب الترك.
وأما سائر الصحابة والفقهاء فقد قالوا: النهي وارد عن نكاحهما، فلو جمع بينهما في الملك جاز إلاّ أنه إذا وطىء إحداهما حرّم وطء الثانية عليه، ولا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج.
قال أبو حنيفة ههنا: لا يجوز نكاح الأخت في عدّة الأخت البائن لأنّ النكاح الأول كأنه باق بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة.
وقال الشافعي: يجوز لأن نكاح المطلّقة زائل بدليل لزوم الحد بوطئها.
وأما وجوب العدة ولزوم النفقة فنقول: متى حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها، ولا يلزم من حصول القدرة على حبسها حصول النكاح لأن استثناء عين التالي لا ينتج.
وإذا أسلم الكافر وتحته أختان فقد قال الشافعي: اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى سواء تزوّج بهما معاً أو على الترتيب، لأنّ الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشرائع في أحكام الدنيا إذ لا يتصوّر تكليفه بالفروع ما دام كافراً.
نعم يعاقب بترك الفروع في الآخرة كما يعاقب على ترك الإسلام ومما يؤيّد قول الشافعي ما روي أن فيروزاً الديلي أسلم على ثمان نسوة فقال : " اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن" أطلق ولم يتفحص عن الترتيب.
وقال أبو حنيفة: إن تزوّج بهما معاً تركهما أو على الترتيب فارق الثانية، لأنّ الخطاب في قوله: ﴿ وأن تجمعوا ﴾ عام فيتناول المؤمن والكافر فخالف أصليه حيث جعل النهي دالاً على الفساد، والكافر مخاطباً بالفروع.
ومما يدل على أن الخطاب الفروع لا يظهر أثر في حق الكافر في الأحكام الدنيوية الإجماع على أنه لو تزوج بغير وليّ وشهود أو على سبيل القهر والغصب فبعد الإسلام يقرّر ذلك النكاح، أما قوله : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فمعناه أن ما مضى مغفور بدليل قوله: ﴿ إنّ الله كان غفوراً رحيماً ﴾ وقد مرّ نظيره.
واعلم أنّ رسول الله ألحق بالأختين جميع المحارم حيث قال: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" وضبط العلماء ذلك بأنّ كل شخصين بينهما قرابة أو رضاع / لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى حرّم النكاح بينهما فلا يجوز الجمع بينهما، فيحرم الجمع بين المرأة وبنت أخيها وبنات أولاد أخيها.
وكذلك بين المرأة وبنت أختها وبنات أولاد أختها سواء كانت العمومة والخؤولة من النسب أوالرضاع.
ولا يحرم نكاح المرأة وأم زوجها، ولا نكاح المرأة وبنت زوجها لأنه لا توجد الحرمة على تقدير ذكورة كل واحدة منهما، وإنما توجد على تقدير ذكورة أم الزوج أو بنته فقط لمكان المصاهرة حينئذٍ بخلاف ما لو فرضت المرأة ذكراً فإنه لا يكون بينهما قرابة ولا رضاع.
وقد يضبط تحريم الجمع بعبارتين أخريين: إحداهما يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع يقتضي المحرمية، والثانية يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما وصلة قرابة أو رضاع لو كانت تلك الوصلة بينك وبين امرأة لحرمت عليك.
الصنف الرابع عشر ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ وقد ورد الإحصان في القرآن بمعان: أحدها الحرية ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ وثانيها العفة ﴿ محصنات غير مسافحات ﴾ أحصنت فرجها.
وثالثها الإسلام ﴿ فإذا أحصن ﴾ قيل في تفسيره إذا أسلمن.
ورابعها كونها بذات زوج ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ أي ذوات الأزواج منهن.
والوجوه كلها مشتركة في أصل المعنى اللغوي وهو المنع.
يقال: مدينة حصينة ودرع حصينة مانعة صاحبها من الآفات والجراحات.
والحرية سبب لمنع الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه، والعفة مانعة من ارتكاب المناهي، وكذا الإسلام والزوج مانع لزوجته من كثير من الأمور، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا، قرىء بكسر الصاد لأنهن أحصن فروجهن بالتزوج.
ومعنى قوله: ﴿ إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ أن اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال لغزاة المسلمين؛ وهكذا إذا سبى الزوجان معاً خلافاً لأبي حنيفة قياساً على شراء الأمة واتهابها وارثها فإن كلاً منها لا يوجب الفرقة.
وأجيب بأنّ الحاصل عند السبي إحداث الملك فيها، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص، والأول أقوى فظهر الفرق.
وقيل: المعنى أن ذوات لأزواج حرام عليكم إلاّ إذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع الفراق بينهن وبين أزواجهنّ.
وقيل: المحصنات الحرائر.
والمعنى حرمت عليكم الحرائر إلاّ العدد الذي جعله الله ملكاً لكم وهو الأربع، أو إلاّ ما أثبت الله لكم ملكاً عليهن لحصول الشرائط المعتبرة من حضور الولي والشهود وغير ذلك، والقول هو الأول لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي فنزلت: ﴿ والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ فاستحللناهن.
ثم أكد تحريم المذكورات بقوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال الزجاج: يحتمل أن يكون منصوباً باسم فعل ويكون ﴿ عليكم ﴾ مفسراً له أي الزموا كتاب الله ﴿ وأحلّ لكم ما وراء ذلكم ﴾ أي ما وراء هذه المذكورات سواء كن / مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية أو خفية أو ببيان النبي كما قلنا في تحريم الجمع بين الأختين وغيرهما.
وقد دخل بعد هذه العناية في الآية تخصيصات أخر منها: أنّ المطلقة ثلاثاً لا تحل ودليل ذلك قوله: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ ومنها الحربية والمرتدة بدليل قوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ ومنها المعتدة بدليل قوله: ﴿ والمطلّقات يتربصن ﴾ ومنها أن من في نكاحه حرة لم يجز له أن ينكح أمة بالاتفاق.
وعند الشافعي القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة بدليل ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ ومنها الخامسة بدليل ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ومنها الملاعنة لقوله : " المتلاعنان لا يجتمعان أبداً" وقوله: ﴿ أن تبتغوا ﴾ مفعول له أي بين لكم ما يحل مما يحرم إرادة أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم في حال كونكم محصنين ولا في حال كونكم مسافحين، لئلاّ تضيّعوا أموالكم التي جعل الله لكم قياماً فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم.
ويجوز أن يكون ﴿ تبتغوا ﴾ بدلاً من ﴿ ما وراء ذلك ﴾ ومفعول ﴿ تبتغوا ﴾ مقدر وهو النساء.
والأجود أن لا يقدر لأنّه مفهوم منسوق الكلام وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم.
ومعنى محصنين متعففين عن الزنا وسمي الزنا سفاحاً لأنّه لا غرض للزاني إلاّ سفح النطفة أي صبّها.
قال أبو حنيفة: لا يجوز المهر بأقل من عشرة دراهم لأنّه قيد التحليل بالابتغاء بالأموال والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالاً.
وقال الشافعي: يجوز بالقليل والكثير لأنّ قوله: ﴿ بأموالكم ﴾ مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي توزع الفرد على الفرد، فيتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالاً، والقليل والكثير في هذه الحقيقة سواء.
وعن جابر عن النبي أنه قال: " من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق فقد استحل " وقال أبو حنيفة: لو تزوّج بها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهراً ولها مهر مثلها، لأنّ الابتغاء بالمال شرط والمال اسم للأعيان لا للمنافع، وكذا قوله ﴿ وآتوا النساء صدقاتهم نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه ﴾ والإيتاء والأكل من صفة الأعيان.
ولو تزوّج امرأة على خدمة سنة وإن كان حراً فلها مهر مثلها، وإن كان عبداً فلها خدمة سنة، وقال الشافعي: الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز وليس فيه أن الابتغاء بغيره جائز أو لا.
وأيضاً قد خرج الخطاب مخرج الأعم الأغلب فلا يدل على نفي ما سواه.
ومما يدل على جواز جعل المنفعة صداقاً قوله في قصة شعيب ﴿ على أن تأجرني ثماني حجج ﴾ والأصل في شرع من قبلنا البقاء إلى أن يظهر الناسخ.
وأيضاً التي وهبت نفسها لما لم يجد الرجل الذي أراد التزوّج بها شيئاً قال : "هل معك شيء من القرآن؟
قال: نعم، سورة كذا وكذا.
فقال: زوّجتكها / بما معك من القرآن" .
ومنه يعلم جواز عتق الأمة صداقاً لها لا سيما وقد روي عن النبي "أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" وكونه من خواصه ممنوع.
﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ أي فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو عقد عليهن أو خلوة صحيحة عند أبي حنيفة ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ أي عليه فأسقط الراجع للعلم به.
ويجوز أن يراد بما النساء "ومن" للتبعيض أو البيان لا لابتداء الاستمتاع، ويكون رجوع الضمير إليه في ﴿ به ﴾ على اللفظ وفي ﴿ فآتوهن ﴾ على المعنى.
والأجور المهور لأنّ المهر ثواب على البضع كما يسمى بدل منافع الدار والدابة أجراً.
و ﴿ فريضة ﴾ حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو أقيمت مقام إيتاء لأنّ الإيتاء مفروض، أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة.
ولا يخفى أنه إن استمتع بها بدخول بها يجب تمام المهر، وإن استمتع بعقد النكاح فقط فالأجر نصف المهر.
قال أكثر علماء الأمة: إنّ الآية في النكاح المؤبد.
وقيل: المراد بها حكم المتعة وهي أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معلوم ليجامعها، سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها.
واتفقوا على أنها كانت مباحة في أول الإسلام، ثم السواد الأعظم من الأمة على أنها صارت منسوخة.
وذهب الباقون ومنهم الشيعة إلى أنها ثابتة كما كانت، ويروى هذا عن ابن عباس وعمران بن الحصين.
قال عمارة: "سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟
قال: لا سفاح ولا نكاح.
قلت: فما هي؟
قال: هي متعة كما يقال.
قال: قلت هل لها عدة؟
قال: نعم، عدّتها حيضة.
قلت: هل يتواراثان؟
قال: لا" .
وفي رواية أخرى عنه أن الناس لما ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس في المتعة قال: "قاتلهم الله إني ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق لكني قلت: إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير" ، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهم إني أتوب إليك من قولي في الصرف والمتعة.
وأما عمران بن الحصين فإنه قال: "نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها وأمرنا بها رسول الله وتمتعنا معه ومات ولم ينهنا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء" - يريد أن عمر نهى عنها - وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي أنه قال: "لولا أن عمرو نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي" .
حجة الجمهور على حرمة المتعة أنّ الوطء لا يحل إلاّ في الزوجة أو المملوكة لقوله : ﴿ إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون:6\] وهذه المرأة ليست بمملوكة ولا بزوجة وإلاّ لحصل التوارث ولثبت النسب ولوجبت العدة عليها بالأشهر والتوالي باطلة بأسرها بالاتفاق.
وروي عن عمر أنه نهى عن المتعة على المنبر بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم، فلو سكتوا لعلمهم بحرمتها فذاك، ولو سكتوا لجهلهم / بحلها وحرمتها فمحال عادة لشدة احتياجهم إلى البحث عن أمور النكاح، ولو سكتوا مع علمهم بحلها فإخفاء الحق مداهنة وكفر وبدعة وذلك محال منهم، وما روي عن عمر أنه قال: "لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته" .
ثم إنّ الصحابة لم ينكروا عليه مع أنّ الرجم لا يجوز في المتعة فلعله ذكر ذلك على سبيل التهديد والسياسة ومثل ذلك جائز للإمام عند المصلحة.
ألا ترى أنه قال " من منع منا الزكاة فإنا آخذوها منه وشطر ماله" مع أن أخذ شطر المال من مانعي الزكاة غير جائز إلاّ للسياسة، وروى الواحدي في البسيط عن مالك عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي "أن رسول الله نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الإنسية" .
قال: وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: "غدوت على رسول الله فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسند ظهره إلى الكعبة يقول: يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرمه عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً" .
القائلون بإباحة المتعة قالوا: الابتغاء بالأموال يتناول الاستمتاع بالمرأة على سبيل التأبيد وعلى سبيل التوقيت، بل الآية مقصورة على نكاح المتعة لما روي أن أبي بن كعب كان يقرأ ﴿ فما استمتعتم به منهم إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ﴾ وبه قرأ ابن عباس أيضاً، والصحابة ما أنكروا عليهما فكان إجماعاً.
وأيضاً أمر بإيتاء الأجور لمجرد الاستمتاع أي التلذذ وهذا في المتعة، وأما في النكاح المطلق فيلزم الأجر بالعقد.
وأيضاً قال في أول السورة: ﴿ فانكحوا ﴾ فناسب أن تحمل هذه الآية على نكاح المتعة لئلاّ يلزم التكرار في سورة واحدة، والحمل على حكم جديد أولى.
ومما يدل على ثبوت المتعة ما جاء في الروايات أنّ النبي "نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر" .
وأكثر الروايات أنه "أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتح" .
وذلك أنّ أصحابه شكوا إليه يومئذٍ طول العزوبة فقال: "استمتعوا من هذه النساء" .
وقول من قال إنه حصل التحليل مراراً والنسخ مراراً ضعيف لم يقل به أحد من المعتبرين إلاّ الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات.
ونهي عمر يدل على أنه كان ثابتاً في عهد الرسول، وما كان ثابتاً في عهده لم يمكن نسخه بقول عمر كما أشار إليه عمران بن الحصين.
وأجيب بأنّ المراد من قول عمر "وأنا أنهي عنها" أنه قد ثبت عندي نسخها في زمان الرسول وقد سلموا له ذلك فكان إجماعاً.
﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ الذين حملوا الآية على بيان / حكم النكاح قالوا: المراد أنه إذا كان المهر مقدّراً بمقدار معين فلا حرج في أن تحط عنه شيئاً أو تبرّئه عنه بالكلية كقوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء ﴾ وقال الزجاج: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر، إذا طلّقها قبل الدخول.
قال أبو حنيفة: إلحاق الزيادة بالصداق جائز لأنّ التراضي قد يقع على الزيادة وقد يقع على النقصان وهي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة وكان لها نصف المسمى في العقد.
وقال الشافعي: الزيادة بمنزلة الهبة.
فإن أقبضها ملكته بالقبض وإن لم يقبضها بطلت، والدليل على بطلان هذه الزيادة أنها لو التحقت بالأصل فإما أن ترفع العقد الأول وتحدث عقداً ثانياً وهو باطل بالإجماع، وإما أن تحصل عقداً مع بقاء العقد الأول وهو تحصيل الحاصل.
والذين حملوا الآية على حكم المتعة قالوا: المراد أنه ليس للرجل سبيل على المرأة من بعد الفريضة وهي المقدار المفروض من الأجر والأجل، فإن قال لها زيدي في الأيام وأزيد في الأجر فهي بالخيار.
﴿ إنّ الله كان عليماً حكيماً ﴾ لا يشرع الأحكام إلاّ على وفق الحكمة والصواب.
ثم وسع الأمر على عبادة فقال: ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ فضلاً في المال وسعة ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه كما أن القصر قصور فيه ونقصان.و ﴿ أن ينكح ﴾ متعلق بـ ﴿ طولاً ﴾ يقال: طال على الأمر إذا غلبه فتمكن من فعله.
والمحصنات ههنا الحرائر، والمعنى ومن لم يقدر على نكاح الحرة فلينكح من الإماء التي ملكتها أيمانكم.
قال ابن عباس: يريد جارية أخيك فإنّ الإنسان لا يجوز له أن يتزوّج بجارية نفسه والفتيات المملوكات.
تقول العرب للأمة فتاة وللعبد فتى.
عن النبي : "لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي" وقال الشافعي: إنّ الله شرط في نكاح الإماء ثلاث شرائط: اثنتان في الناكح الأولى فقد طول الحرة وهو عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة كما يقول الرجل: لا أستطيع أن أحج إذا كان لا يجد ما يحج به.
فإذا كان كذلك جاز له التزوّج بالأمة لأنّ العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة ساداتهن.
والثانية خشية العنت كما يجيء في آخر الآية.
والثالثة في المنكوحة وهي أن تكون الأمة لمسلم ومع ذلك تكون مؤمنة لا كافرة لقوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ فالقيد الأول مستفاد من قوله: ﴿ من فتياتكم ﴾ أي من فتيات المسلمين لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين، والقيد الثاني من وصف الفتيات بالمؤمنات.
أما فائدة القيد الأول فهي أن الولد تابع / للأم في الحرية والرق، وحينئذٍ يعلق الولد رقيقاً على ملك الكافر.
إلاّ أن هذا القيد ألغاه أكثر الأئمة لأنّ الولد إذا رق للكافر بيع عليه في الحال.
وأما فائدة القيد الثاني فالحذر من اجتماع النقصانين الكفر والرق.
وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن ومذهب مالك والشافعي.
أما أبو حنيفة فإنه يقول: الغني والفقير سواء في جواز نكاح الأمة.
وذلك أنه يحمل النكاح في الآية على الوطء ويقول: المراد أن من لم يملك فراش الحرة فله أن ينكح أمة.
ثم الأمة لو كانت كتابية جاز له نكاحها ولكن نكاح الأمة المؤمنة أفضل فحمل التقييد في الآية على الفضل لا على الوجوب قياساً على جواز نكاح الحرة الكتابية بالإجماع مع وصف الحرائر أيضاً بالمؤمنات.
وأجيب بالفرق وهو اجتماع النقصانين.
ومن الناس من قال: لا يجوز التزوّج بالكتابيات ألبتة ولا شك أن في الآية دلالة على الحذر عن نكاح الإماء وأن الإقدام عليه لا يجوز إلاّ عند الضرورة وذلك لتباعة الولد الأم في الرق، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة فربما تعوّدت بسبب ذلك فجوراً وقحة، ولما للمولى عليها من حق الاستخدام فلا تخلص لخدمة الزوج، ولأنّ السيد قد يبيعها فتصير مطلقة عند من يقول بذلك، ولأنّ مهرها ملك لمولاها فلا تقدر على هبة مهرها من زوجها ولا على إبرائه.
﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ قال الزجاج: أي اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور والله أعلم بما في الصدور.
﴿ بعضكم من بعض ﴾ كلكم أولاد آدم فلا يتداخلكم أنفة من التزوّج بالإماء عند الضرورة، أو كلكم مشتركون في الإيمان وهو أعظم المقاصد فإذا حصل الاشتراك فيه فما وراءه غير ملتفت إليه.
وفيه توهين ما كانوا عليه في الجاهلية من الفخر بالأنساب والأحساب وتأنيس بنكاح الإماء إذا كن مؤمنات.
ثم شرح كيفية هذا النكاح فقال: ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ فلذلك اتفقوا على أنّ نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل لأنّ نكاحهن غير واجب فيتوجه الأمر إلى اشتراط الإذن، ولأنّ التزوّج بها يعطل على السيد أكثر منافعها فوجب أن لا يجوز إلاّ بإذنه.
ولفظ القرآن مقتصر على الأمة.
وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث.
روى جابر عن النبي : " "إذا تزوّج العبد بغير إذن سيده فهو عاهر" واستدل الشافعي بالآية على أنّ المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلاّ بإذن الولي لأنّ قوله: ﴿ فانكحوهن ﴾ الضمير فيه يعود إلى الإماء.
والأمة ذات موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والإشارة إلى ذات موصوفة بصفة عرضية زائلة تبقى بعد زوال تلك الصفة بدليل أنه لو حلف لم يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخاً ثم تكلم معه / يحنث في يمينه.
فعند زوال الرق عنها وهي حرة عاقلة بالغة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها، وإذا ثبت الحكم في هذه الصورة ثبت في سائر الصورة ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
واعترض على قول الشافعي بأنّ ظاهر الآية يدل على الاكتفاء بحصول إذن أهلها وعنده لا يجوز للمرأة أن تزوّج أمتها.
وأجيب بأن المراد بالإذن الرضا، وعندنا أن رضا المولى لا بد منه.
فإما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه، وأيضاً إن أهلهن عبارة عمن يقدر على إنكاحهن وهو المولى إن كان رجلاً أو ولي المولى إن كان امرأة.
سلمنا أن الأهل هو المولى لكنه عام يخصصه قوله : " العاهر هي التي تنكح نفسها " إذ يلزمه أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكها ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
قلت: الإنصاف أن استدلال الشافعي لا يتم.
فلقائل أن يقول: لا نسلم أن صفة الرق للأمة عرضية من حيث إنها أمة، وإن سلمنا ذلك فلا نسلم أن الإشارة إلى ذات الأمة في الآية تبقى بعد زوال صفة الرق.
فكونها مثل قول القائل لا أتكلم مع هذا الشاب ممنوع.
فمن المعلوم عرفاً أن المراد به ذات الشاب من حيث هو ولكنه كقول الحالف: لا أكلم شاباً.
فحينئذٍ لو كلّم زيداً وزيد شاب حنث فإذا صار شيخاً ثم كلمه لم يحنث.
﴿ وآتوهن أجورهن ﴾ أي مهورهن وفيه دلالة على وجوب مهرها إذا نكحها - سمى لها المهر أو لم يسم - وفي قوله: ﴿ بالمعروف ﴾ دلالة على أنه مبني على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد المتعارف وهو مهر المثل، أو المراد بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء.
وقيل: الأجور النفقة عليهن لأن المهر مقدر فلا معنى لاشتراط المعروف فيه فكأنه بيَّن أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة.
وعن بعض أصحاب مالك أنّ الأمة هي المستحقة لقبض مهرها، وأنّ المولى إذا آجرها للخدمة كان هو المستحق للأجرة دونها واحتجوا في المهر بظاهر قوله: ﴿ وآتوهن أجورهن ﴾ وأما الجمهور فعلى أن مهرها لمولاها لقوله : ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ وهذا ينفي كون المملوكة مالكة لشيء أصلاً، ولأنّ منافعها كانت مملوكة للسيد وقد أباحها للزوج بعقد النكاح فوجب أن يستحق بدلها.
وأما ظاهر الآية فلو حملنا لفظ الأجور على النفقة فلا إشكال، ولو حملناه على المهور فالجواب أنها ثمن أبضاعهن فلذلك أضيف الأجور إليهن.
وليس في قوله: ﴿ وآتوهن ﴾ ما يوجب كون المهر ملكاً لهن.
وهب أن المهر ملك لهن ولكنه قال: " العبد وما يملكه لمولاه " أو المراد وآتوا مواليهن فحذف المضاف ﴿ محصنات ﴾ قال ابن عباس: أي عفائف وهو حال من قوله: / ﴿ فانكحوهن ﴾ وظاهره يقتضي حرمة نكاح الزواني لكن الأكثرون على أنه يجوز فالآية محمولة على الندب والاستحباب.
﴿ غير مسافحات ﴾ قال أكثر المفسرين: المسافحة هي التي تؤاجر نفسها أي رجل أرادها، ومتخذة الخدن هي التي لها صديق معيّن.
وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبراً عندهم فلا جرم أفردهما الله بالذكر تنصيصاً على حرمتهما معاً.
والأخدان جمع خدن كالأتراب جمع ترب.
والخدن الذي يخادنك أي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن، يقع على الذكر والأنثى.
﴿ فإذا أحصن ﴾ بالتزوّج وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، أو بالإسلام وهو قول عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي.
وكأنه ذكر حال إيمانهن في النكاح في قوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ ثم كرر ذلك في حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة.
وههنا إشكال وهو أن المحصنات في قوله: ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ أريد بها الحرائر المتزوجات أو الحرائر الأبكار.
وعلى الأول يجب عليهن نصف الرجم وتنصيف الرجم محال، وعلى الثاني يجب عليهن خمسون جلدة وهذا القدر واجب في زنا الأمة محصنة كانت أو لم تكن، وقد علق ذلك في الآية بمجموع الأمرين: الإحصان والزنا.
والجواب أنا نختار القسم الأول ويسقط الرجم عنهن بالدليل العقلي لأن الرجم لا يتنصف، أو الثاني والمراد بيان تخفيف عذابهن.
وذلك أن حد الزنا يغلظ عند التزوج فهذه إذا زنت وقد تزوّجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليها، فلأن يكون قبل التزوّج هذا القدر أولى.
واعلم أن الخوارج اتفقوا على إنكار الرجم واحتجوا بأنّ الآية تدل على أنّ عذاب الأمة نصف عذاب الحرة المحصنة، فلو كان على الحرة الرجم لزم تنصيف الرجم في حق الأمة وهو محال.
والجواب ما مرّ أن المخصص في حق الأمة دليل عقلي، والفقهاء جعلوا الآية أصلاً في نقصان حكم العبد عن حكم الحرة في غير الحد وإن كان من الأمور ما لا يجب ذلك فيه كالصلاة والصوم وغيرهما.
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى نكاح الإماء بالاتفاق ﴿ لمن خشي العنت منكم ﴾ وقد عرفت فيما مرّ أن معناه الوقوع في أمر شاق.
وللمفسرين ههنا قولان: أحدهما أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة ربما تدعو إلى الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب الأليم في الآخرة، والثاني أن الشبق قد يفضي إلى الأمراض الشديدة كأوجاع الوركين والظهر والوسواس وكاختناق الرحم للنساء، والأول أليق ببيان القرآن وعليه أكثر العلماء.
﴿ وأن تصبروا ﴾ أي صبركم عن نكاح الإماء بعد شروطه المبيحة متعففين خير لكم لما فيه من المفاسد المذكورة.
وعن النبي : " الحرائر صلاح البيت / والإماء هلاك البيت" ﴿ والله غفور رحيم ﴾ تأكيد لما ذكره من أن الأولى ترك النكاح إلاّ أنه أباحه لاحتياج المكلفين فهو من باب المغفرة والرحمة ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ أقيمت اللام مقام "أن" في قولك أريد أن يقوم.
وقيل: زيدت اللام وقدر "أن" وذلك لتأكيد إرادة التبيين كما زيدت في "لا أبا لك" لتأكيد إضافة الأب.
وقيل: في الآية إضمار والأصل يريد الله إنزال هذه الأحكام ليبين لكم دينكم وشرعكم وما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم ويهديكم مناهج من كان قبلكم.
قيل: المراد أن كل ما بيّن لنا من التحريم والتحليل في شأن النساء فقد كان الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل.
وقيل: بل المراد أن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها إلاّ أنها متفقة في باب المصالح، وقيل: المعنى سنن من كان قبلكم من أهل الحق لتقتدوا بهم ويتوب عليكم.
قال القاضي: معناه كما أراد منا نفس الطاعة فلا جرم بينها وأزاح الشبه عنها، كذلك يريد أن يتوب علينا إن وقع تقصير وتفريط.
وفي الآية إشعار بأنه هو الذي يخلق التوبة فينا، فيرد عليه أنه إذا أراد التوبة منا وجب أن تحصل التوبة لكلنا وليس كذلك.
وأجيب بأنّ المراد التوبة في باب نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات وقد حصلت هذه التوبة، وكذا الكلام في قوله: ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ وقالت المعتزلة: يريد أن تفعلوا ما تستوجبون به أن يتوب عليكم ﴿ ويريد ﴾ الفجرة ﴿ الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ﴾ عن الحق والقصد ﴿ ميلاً عظيماً ﴾ وقيل: هم اليهود، وقيل: المجوس كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهن الله قالوا: فإنكم تحلّون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة حرام عليكم فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلت.
يقول: يريدون أن تكونوا زناة مثلهم.
﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص.
﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ فلضعفه خفف تكليفه ولم يثقل.
أما ضعف خلقته بالنسبة إلى كثير من المخلوقات بل الحيوانات فظاهر ولهذا اشتد احتياجه إلى التعاون والتمدن والأغذية والأدوية والمساكن والملابس والذخائر والمعاملات إلى غير ذلك من الضرورات، وأما ضعف عزائمه ودواعيه فأظهر ولهذا لا يصبر على مشاق الطاعات ولا عن الشهوات ولا سيما عن النساء.
عن سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلاّ أتاهم من قبل النساء، لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف علي النساء.
عن ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت.
﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ ﴿ ويريد الله أن يتوب عليكم ﴾ ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ ﴿ من يعمل سوءاً / أو يظلم نفسه ﴾ ﴿ ما يفعل الله بعذابكم ﴾ اللهم لا تحرمنا مواعيدك إنك لا تخلف الميعاد.
ثم إنه لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهر والنفقات بيَّن عقيب ذلك أنه كيف يتصرف في الأموال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ بما لا يبيحه الشرع بوجه وقد مر تفسيره في البقرة في قوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ ﴿ إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ وقد سبق مثله في آخر البقرة.
وخص التجارة بالذكر وإن كان غير ذلك من الأموال المستفادة بنحو الهبة والإرث وأخذ الصدقات والمهور وأروش الجنايات حلالاً، لأنّ أكثر أسباب الرزق يتعلق بالتجارة.
ويدخل تحت هذا النهي أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال نفسه بالباطل كما أن قوله : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه.
قال أبو حنيفة: النهي في المعاملات لا يدل على البطلان.
وقال الشافعي: يدل لأن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول المالك فذلك غير منعقد بالإجماع فالتصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي وهو الله أولى أن يكون باطلاً.
وأي فرق بين قوله: "لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين" وبين قوله: "لا تبيعو الحر" وإذا كان الثاني غير منعقد بالاتفاق فكذا الأول.
وقال أبو حنيفة: خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة لأن التراضي المذكور في الآية قد حصل.
وقال الشافعي: لا شك أن هذا التراضي يقتضي الحل إلاّ أنا نثبت بعد ذلك للمتبايعين الخيار بقوله : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ من كان من جنسكم من المؤمنين لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة حينما يعرضه غم أو خوف أو مرض شديد يرى قتل نفسه أسهل عليه.
عن الحسن البصري قال: حدثنا جندب بن عبد الله أن رسول الله قال: " كان رجل جرح فقتل نفسه فقال الله: بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة " وعن أبي هريرة قال: "شهدنا مع رسول الله خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: هذا من أهل النار.
فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً فأصابته جراح.
فقيل له: يا رسول الله الذي قلت له آنفاً إنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد مات.
فقال النبي إلى / النار.
فكاد بعض المسلمين أن يرتاب.
فبيناهم على ذلك إذ قيل له: إنه لم يمت ولكن به جراحات شديدة، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي فقال: الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله" .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : " "من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً.
ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً.
ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً " وعن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزاة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صلّيت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي فقال: يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟
فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ فضحك رسول الله ولم يقل شيئاً.
وقيل: معنى الآية لا تفعلوا ما تستحقون به القتل من القتل والردة والزنا بعد الإحصان ﴿ إنّ الله كان بكم رحيماً ﴾ ولأجل رحمته نهاكم عما يضركم عاجلاً وآجلاً.
وقيل من رحمته أنه لم يأمركم بقتل أنفسكم كما أمر بني إسرائيل بذلك توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم.
﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ القتل ﴿ عدواناً وظلماً ﴾ لا خطأ ولا قصاصاً.
هذا قول عطاء.
وقال الزجاج: ذلك إشارة إلى القتل والأكل بالباطل.
وعن ابن عباس أنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة.
وتنكير النار للتعظيم أو للنوع.
﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ مثل على وفق المتعارف كقوله: ﴿ وهو أهون عليه ﴾ وإلاّ فلا مانع له عن حكمه ولا منازع له في ملكه.
التأويل: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ الآية كلها إشارات إلى نهي التعليق ومنع التصرف في الأمهات السفليات والمتوالدات من أوصاف الإنسان وصفات الحيوان.
﴿ إنّ الله كان غفوراً ﴾ بأنواع غفرانه ظلمات الصفات الإنسانية التي تتولد من تصرفات الحواس في المحسوسات عند الضرورات بالأمر لا بالطبع ﴿ رحيماً ﴾ بالمؤمنين فيما اضطرهم إليه من التصرفات بقدر الحاجة الضرورية.
﴿ والمحصنات من النساء ﴾ هي الدنيا التي تصرف فيها العلويات ﴿ إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ بإذن الله حيث قال: ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ ﴿ محصنين ﴾ حرائر من الدنيا وما فيها ﴿ غير مسافحين ﴾ في الطلب مياه وجوهكم.
﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ من الضروريات فأعطوا حقوق تلك الحظوظ بالطاعة والشكر والذكر.
ثم إنّ الله أحب نزاهة قلب المؤمن عن دنس حب الدنيا كما أحب / نزاهة فراشه فقال: ﴿ ومن لم يستطع ﴾ أي من لم يقدر أن يسخر عجوز الدنيا الصالحة بأسرها ويجعلها منكوحة له ويحصنها بتصرّف شرائع الإسلام بحيث لا يكون لها تصرف في قلبه بوجه ما، فليتصرف في القدر الذي ملكت يمين قلبه من الدنيا ولم تملك قلبه لأنها مأمورة بخدمته وهي مؤمنة له بالخدمة كما قال حكاية عن الله : " يا دنيا اخدمي من خدمني واستخدمي من خدمك" ﴿ محصنات ﴾ بالصدق والإخلاق ﴿ غير مسافحات ﴾ بالتبذير والإسراف ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ من النفس والهوى ﴿ فإذا أحصن ﴾ بالإخلاص في العطاء والمنع والأخذ والدفع ﴿ فإن أتين بفاحشة ﴾ هي غلبات شهواتها على القلب فليبذل نصف ما ملكت يمينه من الدنيا في الله جناية وغرامة فهو حدها كما أن حدّ عجوز الدنيا إذا أحصنها ذوو الطول من الرجال فأتت بفاحشة إهلاكها بالكلية بالبذل في الله كما كان حال سليمان إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد لما شغلته عن الصلاة وأتت بفاحشة حب الخيل فطفق مسحاً بالسوق والأعناق ﴿ ذلك ﴾ التصرف في قدر من الدنيا ﴿ لمن خشي ﴾ ضعف النفس وقلة صبرها على ترك الدنيا وامتناعها عن قبول الأوامر والنواهي ﴿ وأن تصبروا ﴾ عن التصرّف في الدنيا بالكلية ﴿ خير لكم ﴾ كما قال : " "يا طالب الدنيا لتبر فتركها خير وأبر " ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ فلكم المعونة ولغيركم المؤونة.
قال إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إ لى ربي ﴾ وأخبر عن حال موسى بقوله: ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ وعن حال نبينا بقوله: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ وعن حال هذه الأمة بقوله: ﴿ سنريهم آياتنا ﴾ والمعونة هي الجذبة التي توازي عمل الثقلين، فلا جرم كان لغير نبيّنا الوصول إلى السموات فقط، وكان لنبيّنا الوصول إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، ولأمته التقرّب: " "لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه" والفرق بين النبي والولي، أنّ النبي مستقل بنفسه والولي لا يمكنه السير إلاّ في متابعة النبي وتسليكه.
﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ ولهذا أعين بالخدمة حتى يتصل بقوّة ذلك إلى مقام لا يصل إليه الثقلان بسعيهم إلى الأبد، وضعفه بالنسبة إلى جلال الله وكماله وإلاّ فهو أقوى في حمل الأمانة من سائر المخلوقات، وايضاً من ضعفه أنه لا يصبر عن الله لحظة فإنه يحبهم ويحبونه.
الصبر يحمد في المواطن كلها *** إلاّ عليك فإنه لا يحمد وكان أبو الحسن الخرقاني يقول: لو لم ألق نفساً لم أبق.
وغير الإنسان يصبر عن الله / لعدم المحبة.
ومن ضعفه أنه لا يصبر مع الله عند غلبات سطوات التجلي كما أنه كان يغان على قلبه وكان يقول حينئذٍ: كلميني يا حميراء.
وكان الشبلي يقول: لا معك قرار ولا منك فرار، المستغاث بك منك إليك.
ضعف الإنسان سبب كماله وسعادته، فساعة يتصف بصفات البهيمة، وساعة يتسم بسمات الملك، وليس لغيره هذا الاستعداد فلهذا جاء في الحديث الرباني: " أنا ملك حي لا أموت أبداً فأطعني عبدي لعلك تكون ملكاً حياً لا تموت أبداً " ﴿ إلا أن تكون تجارة ﴾ أي تجارة تنجيكم من عذاب أليم.
﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ بصرف أموالكم في شهواتها فإن ذلك سمها القاتل ﴿ إن الله كان بكم رحيماً ﴾ إذ بيّن لكم هذه الآفات ودلكم على هذه التجارات.
﴿ ومن يفعل ﴾ صرف المال إلى الهوى تعدياً عن أمر الله وظلماً على نفسه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ اختلف في تأويله: قال ابن مسعود - -: "والمحصنات عن النساء إلا ما ملكت أيمانكم" قال: ذات الأزواج من المسلمين والمشركين.
وقال علي - -: ذات الأزواج من المشركين.
وذهب عبد الله في تأويل الآية إلى أن بيع الأمة طلاقها؛ فيحل للمشتري وطؤها، وأسر الكتابية والمشركة يحلها لمولاها؛ وإن كان لها زوج في دار الحرب.
وذهب علي - - إلى أن الآية نزلت في المشركات.
وعن ابن عباس - -: قال: كل ذات زوج إتيانها زنا؛ إلا ما سبيت.
وروي عن أبي سعيد الخدري - - قال: وقعت في سهمي يوم أوطاس جارية، فبينا أنا أسوقها إذ رفعت رأسها إلى الحل فقالت: ذلك زوجي؛ فأنزل الله - وتعالى -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ...
﴾ الآية، قال أبو سعيد - -: فاستحللنا فروجهن بها.
بيّن أبو سعيد [الخدري] في حديثه أن الآية نزلت في المشركات ذات الأزواج، وكأن حديثه يقوّي قول علي بن أبي طالب - - ومن وافقه.
وقيل - أيضاً - في تأويل الآية: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ قال: والمحصنات من النساء حرام على الرجال إلا ما ملكت يمينك، قال: ملك يمينه امرأته.
وعن أبي قلابة قال: ما سبيتم من النساء، إذا سبيت المرأة ولها زوج من قومها، فلا بأس أن يطأها.
وعن ابن عباس - -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ قال: لا يحل له أن يتزوج فوق أربع نسوة وما زاد عليهن، فهو عليه حرام كأمه وابنته وأخته: ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ الإماء فإنه على أربع وأكثر من أربع.
وعن أبي سعيد الخدري - -: ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ هنّ نساءكنَّ نُصيبهن، يهاجرن ولا يهاجر أزواجهن، فمنعناهن في هذه الآية، ثم أنزل الله - عز وجل - في الممتحنة: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ حللن لنا بعد أن نتزوجهن، وفيه نهى عن الزنا وأباح التزويج، فجعلوا ملك اليمين التزويج.
وأصح التأويلين وأولاهما بالقبول ما روي عن علي [بن أبي طالب - -] وابن عباس - - لما روي عن النبي في ذلك، وظاهر القرآن يدل على أن ذلك هو الحق؛ لأنّ الله - - قد فَصل في غير هذا الموضع بين التزويج وملك اليمين، فجعل ملك اليمين الإماء؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ \[المؤمنون: 6\] [و] قال: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ﴾ فهاتان الآيتان تدلان على أن قول الله - وتعالى - في آية المحصنات: ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ على غير الأزواج، كما روي عن الجماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - الذين ذكرناهم، ثم الكلام بين علي وابن مسعود - ما - ونحن نعلم أن ابن مسعود - - أوجب على الأمة إذا باعها مولاها ولها زوج - العدة؛ إذا كان قد دخل بها، وأنها عنده لا تحل لمولاها حتى تنقضي عدتها، فلم يجعلها حلالا للمولى الثاني بملكه إيّاها؛ فكان قول علي - - أشبه بظاهر الآية؛ لأنه تأول الآية على متزوجة تحل بالملك لمولاها في حال الملك من قول عبد الله؛ إذ جعلها محرمة وإن كانت مملوكة حتى تمضي عدتها.
وفي ذلك وجه آخر: وهو أن الله - - قال: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ وعند الله يحرمها على البائع ويحلها للمشتري، ولم يخص الله - - أحداً من المالكين.
[وروي عن] علي بن أبي طالب - - حمل الآية على امرأة كافرة متزوجة سبيت، فأحلها الله - -: هي لمالكها، فلم تعرف من حال المملوكة، هذا مع موافقة الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري، .
وظاهر الآية يدل على أن المأسورة ذات الزوج لا عدة عليها، وهو قوله - : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ فأمر ألا يردهن إليهم وينكحهن، فلما جاز أن يتزوج الحرة إذا خرجت مسلمة ولا عدة عليها، حلت إذا سبيت فملكت قبل أن تعتد.
والثاني: إنها كانت حرة، فأبطل السبي حكم الحرية والزوجية، فكذلك يبطل حكم العدة.
هذا كله إذا سبيت ولم يكن معها زوجها، فأمّا إذا سبيت وزوجها معها، فإن الفرقة لا تقع بينهما؛ لأنها لو بانت من زوجها بانت للرق، والرق لا يمنع ابتداء النكاح كيف يعمل في فسخ نكاح ثابت؟
ولكن اختلاف الدارين هو الموقع فيما بينهما الفرقة؛ لفوت الاجتماع بينهما، وإذا فات الاجتماع بين الزوجين والإياس عن الانتفاع وقعت الفرقة فيما بينهما، وهذا يبطل قول من يقول: إنه تقع الفرقة فيما بينهما للرق.
والثالث: أنّ العدّة حق من حقوق الزوج؛ يبين ذلك قول الله - وتعالى -: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ فلا يجوز أن يبقى للحربي على المسلمة الخارجة إلى دار الإسلام حق، فإذا لم تكن عليها العدة لها أن تتزوج، وسبيل الأمة المسبية مسألة الحرة المسلمة؛ لأن حكم الإسلام قد جرى عليها؛ فحلت للمولى وإن كان لها في دار الحرب زوج.
ومن الدليل - أيضاً - على أن المسبية ذات الزوج يحل تزوجها ووطؤها لمولاها: أن رسول الله تزوج صفية بنت حيي بن أخطب في رجوعه من خيبر قبل أن يصل إلى المدينة، ومعلوم أنه كان لها زوج كبير، وأن عدّتها منه لو كانت واجبة لم تنقض في تلك المدة؛ فهذا يبين ألا عدة على مسبية من زوجها المقيم في دار الحرب، ولا على مسلمة إذا خرجت من دار الحرب، وأقام زوجها هنالك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ...
﴾ الآية.
قيل فيه بأوجه ثلاثة: أحدها: في المسبية ذات الأزواج، وكذلك روي عن علي وأبي سعيد الخدري - ما - فيكون فيه أمران: أحدهما: الحرمة على الأزواج.
والثاني: ارتفاع العدة؛ إذ هما حقان للحربي، وحقه في نفسه لا يمنع الاسترقاق، ولو كانت حُرَّة الاستمتاع فمثله في زوجته، لكن يدخل على هذا سبي الزوج معها أن الرق قد ثبت فيهما ولم يبطل النكاح؛ فيجاب لهذا بوجهين: أحدهما: الاستحسان من حيث يلزم المولى حق الإنكاح بقوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ...
﴾ ، فلم يبطل عليه التجديد، وليس هذا في سبي الزوجة؛ فلا تعفف لها به، وهو في دار الحرب.
والثاني: أن يكون الزوج وحق الرق إنما يجب إذا أخرج المرء من يد نفسه، والمملوك قد يكون له يد في النكاح، فكأنها لم تخرج من يده إذا سبي معها، وإذا لم يسبيا لا يكون لمن في دار الحرب يد في دار الإسلام.
وفي حق الآية عبارة أخرى: أنها إذا سبيت دونه انقطعت عنها عصمة الزوج، وقد جعل الله - - انقطاع عصمته بسبب حل غيره؛ لقوله - -: ﴿ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ...
﴾ إلى قوله ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾ وقد جعل ذلك في الزوج سبباً لقطع عصمته بقوله - -: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ ﴾ وعصمة الزوجين عصمة مشتركة، أيهما خرج مسلماً خرج لئلا يعود، وكذلك المختلف يختلف لئلا يخرج؛ فبطلت العصمة بينهما، وأحل التناكح، ولو خرجا معاً لا، فمثله أمر السبي.
وتأويل آخر: أن يكون قوله - -: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ...
﴾ الآية إلى قوله: ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ...
﴾ الآية، على ألا يحل وراء الأربع إلا ملك يمين، وعلى هذا في غير ذات الأزواج، وقد روي مثله عن ابن عباس - - ويكون في ذلك بيان ما كانت حرمته من حيث العدد، ويختص في النكاح، فإن كان النكاح وملك اليمين فيما كانت الحرمة من حيث المنكوحة يستوي من حيث كانت حرمة العدد بحيث العقد بما فيه من الحقوق التي لا يقوم لها إلا بشر قد عصم، وملك اليمين لا يجب فيه ذلك، وما كانت الحرمة بحيث نفس المرأة تستوي لاستواء الملكين في حق الحل والحرمة.
ووجه آخر: قيل: المحصنات: هن الحرائر، وما ملكت أيمانكم بالنكاح، فذهب من يقول بهذا إلى ما لو لم يذكر "إيمان"، ولكن قال: "المحصنات من النساء إلا ما ملكتم"؛ فيكون التحريم في غير النكاح، لكنه بعيد على المعهود من الكلام أنه لا يتكلم به إلا في ملك اليمين خاصّة، ويجوز جعل من الإماء على خطر وطء الزانيات على الموالي، واختيار المتعففات منهن لمكان الأولاد.
وقوله - -: ﴿ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ .
قيل: كتب الله عليكم ما ذكر مما مرّ في هؤلاء الإناث.
وقال الكسائي: نصب كتاب الله على قوله: حرم كذا وأحل كذا، كتاب الله عليكم؛ على الأمر؛ يقول: عليكم كتاب الله، ودونكم كتاب الله، اتبعوا كتاب الله، في نحو هذا المعنى.
وقيل: ﴿ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ يقول: هذا حرام الله عليكم في الكتاب.
وقيل: هذا التحريم من النكاح قضاء الله عليكم في الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ اختلف فيه: قيل: ﴿ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ أي: ما سوى ذلكم، وهو قول ابن عباس، ؛ دليله قوله: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ﴾ أي: سواه.
وقيل: ﴿ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ أي: ما قبله وأمامه، وهو كقوله: ﴿ وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ ﴾ وهو كان أمامهم.
وقيل: ﴿ وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ أي: بعد ذلك وخلفه، وهو ظاهر.
ومن قال سوى ذلك يقول: أحل لكم ما سوى ذلكم الذي حرم عليكم ما لم يسم لكم.
ومن قال ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ : أمام ذلك وقبله، وهو ما ذكر قبل هذه المحرمات: قوله: ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ﴾ .
ومن قال: ﴿ مَّا وَرَاءَ ﴾ : بعد، أي: ما بعد الأربعة الأصناف المحرمة: المحرمات بالنسب، والمحرمات بالرضاعة، والمحرمات بالصهر، والمحرمات بالجمع، يقول أحل لكم ما بعد هؤلاء الأربعة الأصناف.
وقيل في قوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ﴾ : هن المتعففات من الإماء ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ من الإماء المسافحات الزانيات، كأنه قال: فاستمتعوا بالمتعففات منهن ولا تستمتعوا بالزانيات؛ لأنهن يلبسن عليكم النسب، وهو كقوله - -: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ ﴾ بين الله - - أن النكاح لا يكون إلا ببدل يكون مالاً؛ لأنه قال: ﴿ بِأَمْوَٰلِكُمْ ﴾ .
وفي الآية دلالة - أيضاً - على أن ما يملك ولا يقع عليه اسم المال لا يَكْفِيَنَّ مهراً؛ لأنه قال: ﴿ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ولا يسمّى الدانق والحبة: مالاً، ولو كانت الحبة مالاً كانت التمرة مالاً، فثبت بما وصفنا من دلالة الآية أن المهور لا تكون إلا من الأملاك.
فإن قيل: روي أن النبي قال لرجل: "قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" ، قيل: تأويله عندنا - والله أعلم -: "بما معك من القرآن" أي: من أجل ما معك من القرآن، ولا يجوز أن تكون السورة مهراً بدليل الكتاب؛ لأنها ليست بمال، وكذلك كل شيء ليس بمال ولا يكون له قيمة، فلا يجوز أن يكون مهراً، وكذلك قوله - وتعالى -: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ يدل على أن السورة وما لا يتمول لا يكون مهراً.
وروي عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف - - تزوج على وزن نواة من الذهب.
قلنا: وزن نواة من الذهب يكون ديناراً.
فإن قيل: قد بين في الخبر قيمتها ثلاثة دراهم وثلث، لكن لا ندري من كان المقوم للنواة، ولا يجوز أن يجعل تقويم ذلك المقوم وتفسيره حجة على علمائنا حتى نعلم ذلك، مع ما قال قوم: إن النواة عشرة دراهم، وهو ما قال إبراهيم.
فإن قيل: روي عن جابر - - قال: قال رسول الله : "مَنْ أَعْطَى فِي نِكَاحٍ مِلْءَ كَفِّهِ طَعَاماً أَوْ دَقِيقاً أَوْ سَوِيقاً فَقَدِ اسْتَحَلَّ" وكذلك يقول أصحابنا - رحمهم الله - ولكن يتم لها عشرة دراهم، ولم يقل النبي : ولا شيء عليه سوى ذلك مع ما يقول المخالف لنا إذا كان المهر مما لا يتمول لم يكن مهراً، وملء الكف من الطعام لا يتمول، وإن جعل ذلك مهراً فقد ترك أصله: أن ما لا يتمول فليس بمهر، فكذلك ما روي عن النبي قال: "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" ولم يذكر أن ليس عليه سوى ذلك، وأهل العلم مجمعون على أن السورة لا تكون مهراً.
ومن الحجة لعلمائنا ما روي عن جابر بن عبد الله - - عن النبي أنه قال: "لاَ مَهْرَ دُونَ عَشَرَةٍ" وروي عن علي - - قال: "لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم" وعن ابن عمر - - مثله.
على أن أهل العلم أجمعوا أن النكاح لا يكون إلا ببدل، وأنه خالف سائر الأملاك التي توهب ويتصدق بها بغير بدل، وكل يجعل لذلك حدّاً، وإن اختلفوا في ذلك المقدر والحد، وكل يقول - أيضاً -: إن التافه لا يكون مهراً، فذهب أصحابنا أن الفروج لما لم تملك إلا ببدل، لم يجعل البدل إلا ما أجمعوا عليه، وهو عشرة دراهم؛ إذ كان النكاح مخصوصاً ألا يملك إلا ببدل دون غيره من الأملاك.
وقوله - عز وجل-: ﴿ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ﴾ .
قيل: متناكحين غير زانين بكل زانية.
وقيل: ﴿ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ ﴾ أي: عفائف للفروج، وغير مسافحين في العلانية بالزنا؛ وكأنه أمر - عز وجل - ابتغاء النكاح بالأموال، ونهي عن الاستمتاع بغير مال.
وقيل: المسافح الذي يزني بكل امرأة يجدها، والمسافِحَةُ كذلك تزني بكل أحد.
والمتخذات أخدان: هن اللاتي لا يزنين إلا بأخدانهن.
والسفاح من الفعل: ما ظهر وعلا.
مسألة في المتعة: وقوله - -: ﴿ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .
ذهب قوم إلى جواز المتعة بهذه الآية؛ يقولون: ذكر الاستمتاع بهن ولم يذكر النكاح، وذكر الأجر بعد الاستمتاع، والمهر إنما يجب في النكاح بالعقد: يؤخذ الزوج أولا بالمهر ثم يستمتع بها؛ فهو بالمتعة والإجازة أشبه؛ كقوله - -: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أمر بإيتاء الأجرة إذا أرضعن فعلى ذلك: لما ذكر الاستمتاع بهن، وأمر بإيتاء الأجر لا المهر؛ دل أنها نزلت في المتعة.
وأمّا عندنا: فإنها نزلت في النكاح؛ دليله ما تقدم من الذكر، وهو قوله: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ ﴾ نكاحاً، وقوله: ﴿ مُّحْصِنِينَ ﴾ : متناكحين، ﴿ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ﴾ غير زانين.
وقوله - -: ﴿ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ ﴾ كل ذلك يدل أنه في النكاح، فكذلك قوله: ﴿ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ في النكاح ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ وقد سمى الله المهر أجراً؛ كقوله: ﴿ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، وقال: ﴿ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .
وأما قولهم: ذكر إيتاء الأجر بعد الاستمتاع والمهر يجب بالنكاح - فهو على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: فآتوهن أجورهن إذا استمتعتم بهن؛ كقوله - -: ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ [أي: طلقوهن] - إذا طلقتم - لعدتهن، ونحو ذلك كثير.
وقال أبو بكر الأصم: دل قوله: ﴿ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ فآتوهن مهورهن كملا، وإذا لم يدخلوا بهن فالنصف بالآية الأخرى؛ فهذا فائدة ذكر الأجور والاستمتاع، وهو بالنكاح أشبه وأولى من المتعة؛ لما ذكرنا من تحريم الأجناس من المحرمات في أولها وإباحتها في آخرها ما وراء ذلك، وبين - أيضاً - أن الاستمتاع هنا النكاح، وأن الأجر هو المهر؛ لما ذكرنا.
وروي عن ابن عباس - - قال: رحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد؛ فلولا نهيه عنها إيانا ما زنى إلا شقي، وكان يراها حراماً حلالا.
قال: [وكان يقول] في حرف أبي: "إلى أجل مسمى".
وروي عنه أنه قال: إن الناس هذا قد أكثروا في المتعة، فقال: إنها لا تحل إلا لمن اضطر إليها؛ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير؛ فدل قوله: إنها بمنزلة الميتة على أنه رجع عن قوله الأول؛ فإن كانت المتعة في حال غير الضرورة حراماً فهي في حال الضرورة حرام، وإنما أحل الله المحرم في الضرورة إذا خاف الرجل على تلف نفسه، وليس في ترك الوطء خوف تلف نفسه.
وروي عن ابن عباس - - في قوله - -: ﴿ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ قال: نسخها: ﴿ يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ...
﴾ الآية [الطلاق: 1].
هذا يدل على أنه رجع عن قوله الأول.
و[من] الدليل على تحريمها قول الله - وتعالى -: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ \[المؤمنون: 5-6\] فحرم الله - - من الجماع ما عدا النكاح وملك اليمين، والمتعة ليست بملك نكاح، ولا ملك يمين؛ فهي داخلة في التحريم.
ومن الدليل على تحريمها ما روي عن علي - - عن رسول الله [أنه] نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم [الحمر] الإنسية.
وعن سبرة الجهني، عن [رسول الله] أنه نهي عن متعة النساء يوم فتح مكة.
وعن ابن عمر - - قال: نهى النبي يوم خيبر عن متعة النساء، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية.
وفي خبر آخر أنه كان قائماً بين الركن والمقام وهو يقول: "إِنِّي كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي المُتْعَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيُفَارِقْهُ، وَلاَ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً؛ فَإِنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ حَرَّمَهَا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ" وعن ابن عمر - - قال: سمعت عمر - - يقول في المتعة: لو تقدمت فيها لرجمت.
وعن عبد الله قال: المتعة - متعة النساء - منسوخة، نسخها الطلاق، والصداق، والعدة، والمواريث، والحقوق التي تجب في النكاح.
وعن عائشة - ا - أنها إذا ذكر لها المتعة قالت: والله ما نجد في كتاب الله النكاح والاستسرار، ثم تتلو هذه الآية: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ الآية [المؤمنون: 5].
وعن عمر - - قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما.
فأنكر قوم على عمر - - إقراره أنهما فعلا في عهد النبي ونهيه عنهما.
لكن الجواب في ذلك كحكم أنه علم بنهي النبي عن متعة النساء، وما نزل فيها من نص القرآن؛ فكان وعيده لاحقاً بمن فعلها لعلمه بأنها منسوخة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ يحتمل الإجارة.
ويحتمل التسريح بالنكاح أنه إذا كان بعد الاستمتاع يؤتيهن كل المهر؛ لأنه ذكر المهر في النكاح، والبعض بعد الطلاق، فبين الكل في هذا، وأيد هذا التأويل ما كان عليه ذكر المحرمات والإحلال أنه كله بالنكاح، وكذلك على ذلك قوله - -: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ﴾ أن كله في النكاح لا في الإجارة وإن ذكر فيه الأجر كما ذكر للإماء، ولو كان بالإجارة فهو منسوخ بقوله: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ ﴾ كان ذلك إجارة وصف أنه بغي، ونهوا عن ذلك.
وبقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ \[المؤمنون: 5\] ذكر أن مُبْتَغى وراء ذلك باغٍ بهذا لو عرف بحكم الكتاب، فما ذكرته له ناسخ، ولو عرف بالإخبار، فكانت أخبار الإباحة رويت مقروناً بها النهي، فمن رام الأخذ بطرف منها على الإغضاء عن الطرف الثاني أعطى خصمه الإغضاء عليه بالطرف الثاني والمنع عما قال به.
ثم امتناع الأمة عن العمل على ظهور الحاجة، ونفور الطباع عن قبول مثله من أحد في المتضدين؛ فاصبر على الحق.
ثم دل ما روي عن ابن مسعود - - أنه قال: نسخه الطلاق والعدة - أن الأول كان نكاحها يمضي بمضي المدة أبطله ارتفاع أحكام النكاح عنه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ﴾ .
في الآية دلالة أن الزيادة في المهر جائزة؛ لأن الفريضة هي التسمية.
فإن قيل: قوله: ﴿ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ ﴾ معناه [قوله]: ﴿ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ...
﴾ : هو أن تبذل المرأة من مهرها شيئاً للزوج، أو الزوج لها.
قيل: لو كان ذلك كذلك برضاها؛ يعني: رضا زوجها، وقال: ﴿ تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ ﴾ فجعل للزوج في الرضا نصيباً، ومعناه - والله أعلم - أن الزوج إذا زاد على المهر فذلك جائز، فهذا التراضي إنما يكون منهما جميعاً في الحالين، وذلك أصل الزيادة في المهر، والثمن في البيع، وأشباه ذلك.
وقد روي عن النبي أنه كان يخطب أم سلمة ويقول: "إِنْ كَانَ إِيْمَانُكِ أَنْ أَزِيدَكِ فِي الصَّدَاقِ زِدْتُكِ، وَإِنْ أَزِدْكِ أَزِدِ النُّسوَةَ" وروي عن علي - - قال: زدها، فهو أعظم للبركة.
وروي عن عثمان وعمار كذلك.
وقد دل الكتاب والسنة وقول الصحابة على جواز ذلك، فهو الحق، وعلى ذلك جمهور المسلمين في بياعاتهم وتجاراتهم.
ومن الدليل - أيضاً - على جواز الزيادة في الثمن والمهر وأنها تصير كأنها [كانت] مسماة في عقد البيع -: أن رجلا لو اشترى من رجل عبداً بيعاً باتّاً، ثم إن أحدهما جعل لصاحبه الخيار يوماً فنقض البيع - أن نقضه جائز، ويصير ذلك كالخيار المشروط في أصل البيع، وكذلك رجل اشترى عبداً بألف درهم حالَّة، ثم إن البائع أَجَّلَ المشتري في الثمن شهراً - كان الأجل جائزاً، ويصير كأنهما سميا الأجل في عقد البيع، فوجب أن تكون الزيادة بعد البيع في الثمن، كأنها كانت في عقد البيع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ \[عليما\] فيما حرم وأحل، حكيما حيث وضع كل شيء موضعه.
<div class="verse-tafsir"
وحرم عليكم نكاح المتزوجات من النساء، إلا ما ملكتموهن بالسبي في الجهاد في سبيل الله، فيحل لكم وطؤهن بعد استبراء أرحامهن بحيضة، فرض الله ذلك عليكم فرضًا، وأحل الله ما عدا ذلكم من النساء، أن تطلبوا بأموالكم إحصان أنفسكم وإعفافها بالحلال غير قاصدين الزنى، فمن تمتعتم بهن بالنكاح فأعطوهن مهورهن التي جعلها الله فريضة واجبة عليكم، ولا إثم عليكم فيما وقع عليه تراضيكم من بعد تحديد المهر الواجب من زيادة عليه أو مسامحة في بعضه، إن الله كان عليمًا بخلقه لا يخفى عليه منهم شيء، حكيمًا في تدبيره وتشريعه.
<div class="verse-tafsir" id="91.lNBGv"
المحصنات المتزوجات، وما ملكت الأيمان بالسبي في حرب دينية وأزواجهن كفار في دار الحرب ينفسخ نكاحهن ويحل الاستمتاع بهن بعد الاستبراء.
فإذا قيل إن ما ملكت الأيمان يشمل المملوكة المتزوجة في دار الإسلام وهي محرمة على سيدها أن يفترشها بالإجماع!
فالجواب أن العموم هنا مخصوص بالمسبيات، وسكت عن المملوكات المتزوجات لأن التزوج بالمملوكات خلاف الأصل، وهو مكروه في الشرع والذوق والعقل، فهو كالتنبيه إلى أنه لا ينبغي أن يكون، ولذلك شدد فيه كما يأتي ويزاد على هذا أنه أَمْر لم يكن معروفًا عند التنزيل.
أما لماذا قال: ﴿ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ مع أن صيغة الجمع مغنية عن هذا القيد؟
..
فقال بعضهم: النكتة في ذلك تأكيد العموم، وليس هذا القول كافيًا ولا وافيًا، وصرح بعضهم بغموض النكتة في ذلك، واستشكله المفسرون، حتى روي عن مجاهد أنه قال: لو كنت أعلم من يفسرها لضربت إليه أكباد الإبل -أي لسافر إليه وإن بعد مكانه.
وعندي أن هذا القيد يكاد يكون بديهيًا، فإن لفظ ﴿ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ قد يراد به العفيفات أو المسلمات، فلو لم يقل هنا ﴿ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ لتوهم أن المحصنات إنما يحرم نكاحهن إذا كن مسلمات، فأفاد هذا القيد العموم والإطلاق، أي أن عقد الزوجية محترم مطلقًا، لا فرق فيه بين المؤمنات والكافات والحرائر والمملوكات، فيحرم تزوج أية امرأة في عصمة رجل وحصنه.
﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ ذكر فيما مر أكثر المحرمات من النساء، وبقي من المحرمات بالرضاعة غير الأمهات والأخوات من المحرمات بالنسب، ومثل الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وقد قال إنه أحل لنا ما وراء ذلك، فربما يقال إنه يدخل فيه ما ذكر آنفًا ونحوه من المحرم إجماعًا أو بنصوص أخرى كالمطلقة ثلاثًا والمشركة والمرتدة!
والجواب: أن بعض ما ذكر يؤخذ مما تقدم، فإن الله تعالى قد ذكر من كل صنف من المحرمات بعضه فدخل في الأمهات الجدات، وفي البنات بنات الأولاد إلخ، وبعضها يؤخذ من آيات أخرى كتحريم المشركات والمطلقة ثلاثًا على مطلقها في سورة البقرة، وقد يقال إن ما ذكر هنا من المحرمات مجمل بينته السنة، والسر في النص على ما ذكر أنه كان واقعًا شائعًا في الجاهلية فهو يعلمنا بالنص على الواقع أن لا نتعرض إلا للأمور الوجودية، وأن الأمور المفروضة والمتخيلة لا ينبغي الالتفات لها ولا الاشتغال بها.
﴿ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ معناه أن يقصد الرجل إحصان المرأة وحفظها أن ينالها أحد سواه ليكن عفيفات طاهرات، ولا يكون التزوج لمجرد التمتع وسفح الماء وإراقته، وهو يدل على بطلان النكاح الموقت وهو نكاح المتعة الذي يشترط فيه الأجل.
﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ فسروا الطول هنا بالمال الذي يدفع مهرًا وهو تحكم ضيقوا به معنى الكلمة، وهي من مادة الطول -بالضم- فمعناها الفضل والزيادة، والفضل يختلف باختلاف الأشخاص والطبقات، وقد قدر بعضهم -"كالحنفية"- المهر بدراهم معدودة، فقال بعضهم ربع دينار، وقال بعضهم عشرة دراهم وليس في الكتاب ولا في السنة ما يؤيده، بل ورد أن النبي قال لمريد الزواج: "التمس ولو خاتمًا من حديد"، وروي أن بعضهم تزوج بتعليم الزوجة شيئًا من القرآن مهرًا، وتزوج بعضهم بنعلين، ولم يقيد السلف المهر بقدر معين.
وتفسير الطول بالغنى لا يلائم تحديد المحددين فإنه لا يكاد أحد يجد أمة يرضى أن يزوجها سيدها بأقل من ربع دينار، أو عشرة دراهم، أو نعلين.
وفسره أبو حنيفة بأن يكون عنده حرة يستمتع بنكاحها بالفعل، أي ومن لم يكن منكم متزوجًا امرأة حرة مؤمنة فله أن يتزوج أمة، فحاصله عدم الجمع بين الحرة والأمة، والطول أوسع من كل ما قالوه، وهو الفضل والسعة المعنوية والمادية فقد يعجز الرجل عن التزوج بحرة وهو ذو مال يقدر به على المهر المعتاد لنفور النساء منه لعيب في خُلقه أو خَلْقه، وقد يعجز عن القيام بغير المهر من حقوق المرأة الحرة فإن لها حقوقًا كثيرة في النفقة والمساواة وغير ذلك وليس للأمة مثل تلك الحقوق كلها، ففقد استطاعة الطول له صور كثير، والمؤمنات ليس بقيد في الحرائر ولا الإماء أيضًا وإن قيل به وإنما هو لبيان الواقع فإنه كان نهاهم عن نكاح المشركات في سورة البقرة وهن أولئك الوثنيات اللواتي لا كتاب لقومهن وسكت عن نكاح الكتابيات والنهي عن نكاح المشركات لا يشملهن، فكان الزواج محصورًا في المؤمنات فذكره لأنه الواقع.
ثم صرح بحل زواجهن في سورة المائدة وهي قد نزلت بعد سورة النساء بلا خلاف، وفي الوصف بالمؤمنة إرشاد إلى ترجيحها على الكتابية عند التعارض.
﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ : إيتاء الأجور بالمعروف معناه بالمتعارف بين الناس ولم يقل هنا كما قال في الحرائر "فريضة" لأن المؤنة فيه أخف، والأمر أهون، والتساهل في أجور الإماء معهود بين الناس، ولا إشكال في إعطائها المهر مع كونها لا تملك لأن المملوك يقبض وإن كان لا يملك وقد نقل أبو بكر الرازي عن بعض أئمة المالكية أن السيد إذا زوج جاريته فقد جعل للزوج ضربًا من الولاية عليها لا يشاركه هو فيه فما تأخذه من الزوج يكون في مقابلة ما أسقط السيد حقه منه، فلا يكون له حظ منه بل يكون لها وحدها، وهذا هو الصحيح.
﴿ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ : وأن تصبروا خير لكم لما فيه من تربية الإرادة وملكة العفة وتحكيم العقل بالهوى ومن عدم تعريض الولد للرق، ولفساد الأخلاق بالإرث، فإن الجارية بمنزلة المتاع والحيوان، فهي تشعر دائمًا بالذل والهوان، فيرث أولادها إحساسها ووجدانها الخسيس.
<div class="verse-tafsir"