الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٢٦ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 106 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم - أيها المؤمنون - ما أحل لكم وحرم عليكم ، مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها ، ( ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) يعني : طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها ( ويتوب عليكم ) أي من الإثم والمحارم ، ( والله عليم حكيم ) أي في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله .
القول في تأويل قوله : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يريد الله ليبين لكم "، حلاله وحرامَه =" وَيهديكم سُنن الذين من قبلكم "، يقول: وليسددكم (101) =" سُنن الذين من قبلكم "، يعني: سُبل من قبلكم من أهل الإيمان بالله وأنبيائه، ومناهجهم فيما حرّم عليكم من نكاح الأمهات والبنات والأخوات وسائر ما حرم عليكم في الآيتين اللتين بَيَّن فيهما ما حرّم من النساء (102) =" ويتوب عليكم "، يقول: يريد الله أن يرجع بكم إلى طاعته في ذلك، مما كنتم عليه من معصيته في فعلكم ذلك قبلَ الإسلام، وقبل أن يوحي ما أوحىَ إلى نبيه من ذلك =" عليكم "، ليتجاوز لكم بتوبتكم عما سلف منكم من قبيح ذلك قبل إنابتكم وتوبتكم =" والله عليم "، يقول: والله ذو علم بما يصلح عباده في أدْيانهم ودنياهم وغير ذلك من أمورهم، وبما يأتون ويذَرون مما أحل أو حرم عليهم، حافظ ذلك كله عليهم =" حكيم " بتدبيره فيهم، في تصريفهم فيما صرّفهم فيه.
(103) * * * واختلف أهل العربية في معنى قوله: " يريد الله ليبين لكم ".
فقال بعضهم: معنى ذلك: يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم.
وقال: ذلك كما قال: وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [سورة الشورى: 15] بكسر " اللام "، لأن معناه: أمرت بهذا من أجل ذلك.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: يريد الله أنْ يُبين لكم ويهديكم سُنن الذين من قبلكم.
وقالوا: من شأن العرب التعقيبُ بين " كي" و " لام كي" و " أن "، ووضْعُ كل واحدة منهن موضع كلِّ واحدة من أختها معَ" أردت " و " أمرت ".
فيقولون: " أمرتكَ أن تذهب، ولتذهب "، و " أردت أن تذهب ولتذهب "، كما قال الله جل ثناؤه: وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [سورة الأنعام: 71]، وقال في موضع آخر: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ [سورة الأنعام: 14]، (104) وكما قال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ [سورة الصف: 8]، ثم قال في موضع آخر، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا [سورة التوبة: 32].
واعتلوا في توجيههم " أن " مع " أمرت " و " أردت " إلى معنى " كي"، وتوجيه " كي" مع ذلك إلى معنى " أن "، لطلب " أردت " و " أمرت " الاستقبال، وأنها لا يصلح معها الماضي، (105) لا يقال: " أمرتك أن قمت "، ولا " أردت أن قمت ".
قالوا: فلما كانت " أن " قد تكون مع الماضي في غير " أردت " و " أمرت "، وَكَّدُوا لها معنى الاستقبال بما لا يكون معه ماض من الأفعال بحال، (106) من " كي" و " اللام " التي في معنى " كي".
قالوا: وكذلك جمعت العرب بينهن أحيانًا في الحرف الواحد، فقال قائلهم في الجمع: (107) أَرَدْتَ لِكَيْمَــا أَنْ تَطِــيرَ بِقِــرْبَتِي فَتَتْرُكَهَــا شَــنًّا بِبَيْــدَاءَ بَلَقْــعِ (108) فجمع بينهن، لاتفاق معانيهن واختلاف ألفاظهن، كما قال الآخر: (109) قَـدْ يَكْسِـبُ المَـالَ الهِـدَانُ الجَـافِي بِغَــيْرِ لا عَصْــفٍ وَلا اصْطِـرَافِ (110) فجمع بين " غير " و " لا "، توكيدًا للنفي.
قالوا: إنما يجوز أن يجعل " أن " مكان " كي"، و " كي" مكان " أن "، في الأماكن التي لا يَصْحب جالبَ ذلك ماض من الأفعال أو غير المستقبل.
فأما ما صحبه ماض من الأفعال وغير المستقبل، فلا يجوز ذلك.
لا يجوز عندهم أن يقال: " طننت ليقوم "، ولا " أظن ليقوم "، بمعنى: أظن أن يقوم = لأنّ [" أنْ"]، (111) التي تدخل مع الظن تكون مع الماضي من الفعل، يقال: " أظن أن قد قام زيد "، ومع المستقبل، ومع الأسماء.
(112) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي، قولُ من قال: إن " اللام " في قوله: " يريد الله ليبين لكم "، بمعنى: يريد الله أنْ يبين لكم، لما ذكرتُ من علة من قال إنّ ذلك كذلك.
* * * --------------- (101) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف من فهارس اللغة.
(102) انظر تفسير"السنة" فيما سلف 7: 230 ، 231 ، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 124.
(103) انظر تفسير سائر ألفاظ الآية فيما سلف ، في فهارس اللغة.
(104) في المخطوطة والمطبوعة: "وأمرت أن أكون" ، وهو سهو من الناسخ ، وأثبت نص التلاوة.
(105) في المطبوعة: "وأيهما" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وكأنها خطأ مطبعي.
(106) في المطبوعة: "ذكروا لها معنى الاستقبال..." ، وهو كلام لا معنى له ، صوابه ما أثبته من المخطوطة ، والظاهر أن الناشر استنكر عبارة أبي جعفر فغيرها.
وعبارة الفراء في معاني القرآن: "استوثقوا لمعنى الاستقبال".
(107) لا يعرف قائله.
(108) معاني القرآن للفراء 1: 262 ، الإنصاف: 242 ، الخزانة 3: 585 ، والعيني (هامش الخزانة) 4: 405 ، وغيرها ، كما قال صاحب الخزانة: "وهذا بيت قلما خلا منه كتاب نحوي".
"الشن": الخلق البالي: و"البيداء": المفازة المهلكة ، و"البلقع": الأرض القفر التي لا شيء بها.
يقول: إنما أردت بذلك هلاكي وضياعي في قفرة مهلكة.
(109) ينسب إلى العجاج ، وإلى رؤبة ، وليس في ديوانه ، وانظر التعليق التالي.
(110) ديوان العجاج: 40 ، 82 ، معاني القرآن للفراء 1: 262 ، الإنصاف: 242.
واللسان (صرف) (عصف) (هدن) ، والبيت التالي ، هو الوارد في شعر العجاج: قَــالَ الَّـذِي جَـمَّعْتَ لِـي صَـوَافِي مِـنْ غَـيْرِ لا عَصْـفٍ وَلا اصْطِرَافِ وهو من قصيدة يعاتب فيها ولده رؤبة ، فرد عليه ولده رؤبة بقصيدة في ديوانه: 99.
فظاهر أن هذا هو سبب الخلط في نسبة هذا الشعر ، والصواب أنه للعجاج ، لأنه من معنى عتابه ولده حين كبر وأرعش ، وظن أن ابنه طمع في ماله ورجا هلاكه ، وختم قصيدته بقوله: لَيْسَ كَـــذَاكُمْ وَلَـــدُ الأَشْــرَافِ أَعْجَــلَنِي المَــوْتَ وَلَــمْ يُكًـافِ سَـــوْفَ يُجَــازيك مَلِيـــكٌ وَافِ بِــالأَخْذِ إنْ جَــازَاكَ، أَوْ يُعــافِي و"الهدان": الجبان ، أو الوخم الثقيل النوام الذي لا يبكر في حاجة.
و"عصف يعصف" و"اعتصف": طلب وكسب واحتال.
و"العصف": الكسب والاحتيال.
و"صرفت الرجل في أمري ، فتصرف واصطرف": أي احتال في طلب الكسب.
(111) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، استظهرتها من السياق ، ومن معاني القرآن للفراء.
(112) ومثالهما عند الفراء 1: 263 ما نصه"ومع المستقبل ، فتقول: أظن أن سيقوم زيد = ومع الأسماء فتقول: أظن أنك قائم" وهذا الذي مضى هو مختصر مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 261-263.
قوله تعالى : يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيمأي ليبين لكم أمر دينكم ومصالح أمركم ، وما يحل لكم وما يحرم عليكم .
وذلك يدل على امتناع خلو واقعة عن حكم الله تعالى ؛ ومنه قوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء على ما يأتي .
وقال بعد هذا : يريد الله أن يخفف عنكم فجاء هذا ب أن والأول باللام .
فقال الفراء : العرب تعاقب بين لام كي وأن ؛ فتأتي باللام التي على معنى " كي " في موضع " أن " في أردت وأمرت ؛ فيقولون : أردت أن تفعل ، وأردت تفعل ؛ لأنهما يطلبان المستقبل .
ولا يجوز ظننت لتفعل ؛ لأنك تقول ظننت أن قد قمت .
وفي التنزيل وأمرت لأعدل بينكم وأمرنا لنسلم لرب العالمين .
يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم .
يريدون أن يطفئوا نور الله .
قال الشاعر :أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل[ ص: 130 ] يريد أن أنسى .
قال النحاس : وخطأ الزجاج هذا القول وقال : لو كانت اللام بمعنى " أن " لدخلت عليها لام أخرى ؛ كما تقول : جئت كي تكرمني ، ثم تقول جئت لكي تكرمني .
وأنشدنا قيس بن عبادة :أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهودقال : والتقدير إرادته ليبين لكم .
قال النحاس : وزاد الأمر على هذا حتى سماها بعض القراء لام أن ؛ وقيل : المعنى يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم .ويهديكم سنن الذين من قبلكم أي من أهل الحق .
وقيل : معنى يهديكم يبين لكم طرق الذين من قبلكم من أهل الحق وأهل الباطل .
وقال بعض أهل النظر : في هذا دليل على أن كل ما حرم الله قبل هذه الآية علينا فقد حرم على من كان قبلنا .قال النحاس : وهذا غلط ؛ لأنه يكون المعنى ويبين لكم أمر من كان قبلكم ممن كان يجتنب ما نهي عنه ، وقد يكون ويبين لكم كما بين لمن كان قبلكم من الأنبياء فلا يومي به إلى هذا بعينه .
ويقال : إن قوله يريد الله ابتداء القصة ، أي يريد الله أن يبين لكم كيفية طاعته .
ويهديكم يعرفكم سنن الذين من قبلكم أنهم لما تركوا أمري كيف عاقبتهم ، وأنتم إذا فعلتم ذلك لا أعاقبكم ولكني أتوب عليكم .
والله عليم بمن تاب حكيم بقبول التوبة .
يخبر تعالى بمنته العظيمة ومنحته الجسيمة، وحسن تربيته لعباده المؤمنين وسهولة دينه فقال: { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ } أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه من الحق والباطل، والحلال والحرام، { وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } أي: الذين أنعم الله عليهم من النبيين وأتباعهم، في سيرهم الحميدة، وأفعالهم السديدة، وشمائلهم الكاملة، وتوفيقهم التام.
فلذلك نفذ ما أراده، ووضح لكم وبين بيانا كما بين لمن قبلكم، وهداكم هداية عظيمة في العلم والعمل.
{ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } أي: يلطف بكم في أحوالكم وما شرعه لكم حتى تمكنوا من الوقوف على ما حده الله، والاكتفاء بما أحله فتقل ذنوبكم بسبب ما يسر الله عليكم فهذا من توبته على عباده.
ومن توبته عليهم أنهم إذا أذنبوا فتح لهم أبواب الرحمة وأوزع قلوبهم الإنابة إليه، والتذلل بين يديه ثم يتوب عليهم بقبول ما وفقهم له.
فله الحمد والشكر على ذلك.
وقوله: { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي: كامل الحكمة، فمن علمه أن علمكم ما لم تكونوا تعلمون، ومنها هذه الأشياء والحدود.
ومن حكمته أنه يتوب على من اقتضت حكمته ورحمته التوبة عليه، ويخذل من اقتضت حكمته وعدله من لا يصلح للتوبة.
قوله تعالى : ( يريد الله ليبين لكم ) أي : أن يبين لكم ، كقوله تعالى : " وأمرت لأعدل بينكم " ( الشورى - 15 ) أي : أن أعدل ، وقوله : " وأمرنا لنسلم لرب العالمين " ( الأنعام - 71 ) ، وقال في موضع آخر " وأمرت أن أسلم " ( غافر - 66 ) .
ومعنى الآية : يريد الله أن يبين لكم ، أي : يوضح لكم شرائع دينكم ومصالح أموركم ، قال عطاء : يبين لكم ما يقربكم منه ، قال الكلبي : يبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم ، ( ويهديكم ) ويرشدكم ، ( سنن ) شرائع ، ( الذين من قبلكم ) في تحريم الأمهات والبنات والأخوات ، فإنها كانت محرمة على من قبلكم .
وقيل : ويهديكم الملة الحنيفية وهي ملة إبراهيم عليه السلام ، ( ويتوب عليكم ) ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم ، وقيل : يرجع بكم من المعصية التي كنتم عليها إلى طاعته ، وقيل : يوفقكم للتوبة ( والله عليم ) بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم ، ( حكيم ) فيما دبر من أمورهم .
«يريد الله ليبين لكم» شرائع دينكم ومصالح أمركم «ويهديكم سنن» طرائق «الذين من قبلكم» من الأنبياء في التحليل والتحريم فتتَّبعوهم «وينوب عليكم» يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته «والله عليم» بكم «حكيم» فيما دبره لكم.
يريد الله تعالى بهذه التشريعات، أن يوضح لكم معالم دينه القويم، وشرعه الحكيم، ويدلكم على طرق الأنبياء والصالحين من قبلكم في الحلال والحرام، ويتوب عليكم بالرجوع بكم إلى الطاعات، وهو سبحانه عليم بما يصلح شأن عباده، حكيم فيما شرعه لكم.
قوله - تعالى - : ( يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) استئناف مقرر لما سبق من الأحكام ، وقد ساقه - سبحانه - لإِيناس قلوب المؤمنين حتى يمتثلوا عن اقتناع وتسليم لما شرعه الله لهم من أحكام .قال الآلوسى : ومثل هذا التركيب - قوله ( يُرِيدُ الله لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) .
وقع فى كلام العرب قديما وخرجه النحاة على مذاهب :فقيل مفعول ( يُرِيدُ ) محذوف أى : يريد الله تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه .
واللام للتعليل .
.
.
نسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين .فتعلق الإِرادة غير التبيين ، وإنما فعلوه لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف .وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤول بالمصدر من غير سابك ، كما قيل به فى قولهم : " تسمع بالمعيدى خير من أن تراه " أى إرادتى كائنة للتبين .
وفيه تكلف .وذهب الكوفيون إلى أن اللام هى الناصبة للفعل من غير إضمار أن ، وهى وما بعدها مفعول للفعل المقدم أى : يريد الله البيان لكم .والمعنى : يريد الله - تعالى - بما شرع لكم من أحكام ، وبما ذكر من محرمات ومباحات أن يبين لكم ما فيه خيركم وصلاحكم وسعادتكم ، وأن يميز لكم بين الحلال والحرام والحسن والقبيح .وقوله : ( وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ) معطوف على ما قبله .والسنن : جمع سنة وهى الطريقة وفى أكثر استعمالها تكون للطريقة المثلى الهادية إلى الحق .أى : ويهديكم مناهد وطرائق من تقدمكم من الأنبياء والصالحين ، لتقتفوا آثارهم وتسلكوا سبيلهم .وليس المراد أن جميع ما شرعه من حلال أو من حرام كان مشروعا بعينه للأمم السابقة .
بل المراد أن الله كما قد شرع للأمم السابقة من الأحكام ما هم فى حاجة إليه وما اقتضته مصالحهم ، فكذلك قد شرع لنا ما نحن فى حاجة إليه وما يحقق مصالحنا ، فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة فى ذاتها إلا أنها متفقة فى باب المصالح .وقوله : ( وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) معطوف على ما قبله .والتوبة معناها : ترك الذنب مع الندم عليه والعزم على عدم العود ، وذلك مستحيل فى حقه - سبحانه - لذا قالوا : المراد بها هنا المغفرة لتسببها عنها .
أو المراد بها قبول التوبة .أى : ويقبل توبتكم متى رجعتم إليه بصدق وإخلاص ، فقد تكفل - سبحانه - لعباده أن يغفر لهم خطاياهم متى تابوا إليه توبة صادقة نصوحا وفى التعبير عن قبول التوبة بقوله ( وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) إشارة إلى ما يتضمنه معنى قبول التوبة من ستر للذنوب ، ومنع لكشفها ، فهى غطاء على المعاصى يمنعها من الظهور حتى يذهب تأثيرها فى النفس :فالآية الكريمة تحريض على التوبة ، لأن الوعد بقبولها متى كانت صادقة يغرى الناس .بطرق بابها وبالإِكثار منها .
.وقوله : ( والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) أى والله - تعالى - ذو علم شامل لجميع الأشياء ، فيعلم أن ما شرع لكم من أحكام مناسب لكم ، وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم ، ومتى تكون توبة أحدكم صادقة ومتى لا تكون كذلك ( حَكِيمٌ ) يضع الأمور فى مواضعها .
فيبين لمن يشاء ، ويهدى من يشاء ، ويتوب على من يشاء .فأنت ترى أن هذه الآية قد بينت جانبا من مظاهر فضل الله ورحمته بعباده ، حيث كشفت للناس أن الله - تعالى - يريد بإنزاله لهذا القرآن أن يبين لهم التكاليف التى كلفهم بها ليعرفوا الخير من الشر ، وأن يرشدهم إلى سبل من تقدمهم من أهل الحق ، وأن يغفر لهم ذنوبهم متى أخلصوا له التوبة .
فيه مسائل: المسألة الأولى: اللام في قوله: ﴿ لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ فيه وجهان: الأول: قالوا: إنه قد تُقام اللامُ مقام أن في أردت وأمرت، فيقال: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم، قال تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله ﴾ يعني يريدون أن يطفؤا، وقال: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين ﴾ .
والوجه الثاني: أن نقول؛ إن في الآية إضمارا، والتقدير: يريد الله إنزال هذه الآيات ليبين لكم دينكم وشرعكم، وكذا القول في سائر الآيات التي ذكروها، فقوله: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله ﴾ يعني يريدون كيدهم وعنادهم ليطفؤا، وأمرنا بما أمرنا لنسلم.
المسألة الثانية: قال بعض المفسرين: قوله: ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ معناهما شي واحد، والتكرير لأجل التأكيد، وهذا ضعيف، والحق أن المراد من قوله: ﴿ لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ هو أنه تعالى بين لنا هذه التكاليف، وميز فيها الحلال من الحرام والحَسَن من القبيح.
ثم قال: ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أن هذا دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا وتحليله لنا من النساء في الآيات المتقدمة، فقد كان الحكم أيضا كذلك في جميع الشرائع والمِلَل، والثاني: أنه ليس المراد ذلك، بل المراد أنه تعالى يهديكم سُنَنَ الذين من قبلكم في بيان مالكم فيه من المصلحة كما بينه لهم، فان الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها، إلا أنها متفقة في باب المصالح، وفيه قول ثالث: وهو أن المعنى: أنه يهديكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق لتجتنبوا الباطل وتتبعوا الحق.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ قال القاضي: معناه أنه تعالى كما أراد منا نفس الطاعة، فلا جرم بينها وأزال الشبهة عنها، كذلك وقع التقصير والتفريط منا، فيريد أن يتوب علينا، لأن المكلف قد يطيع فيستحق الثواب، وقد يعصي فيحتاج إلى التلافي بالتوبة.
واعلم أن في الآية إشكالا: وهو أن الحق إما أن يكون ما يقول أهل السنة من أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، وإما أن يكون الحق ما تقوله المعتزلة من أن فعل العبد ليس مخلوقا لله تعالى، والآية مشكلة على كلا القولين.
أما على القول الأول: فلأن على هذا القول كل ما يريده الله تعالى فانه يحصل، فاذا أراد أن يتوب علينا وجب أن يحصل التوبة لكلنا، ومعلوم أنه ليس كذلك، وأما على القول الثاني: فهو تعالى يريد منا أن نتوب باختيارنا وفعلنا، وقوله: ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ظاهره مشعر بأنه تعالى هو الذي يخلق التوبة فينا ويحصل لنا هذه التوبة، فهذه الآية مشكلة على كلا القولين.
والجواب أن نقول: إن قوله: ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ صريح في أنه تعالى هو الذي يفعل التوبة فينا.
والعقل أيضا مؤكد له، لأن التوبة عبارة عن الندم في الماضي، والعزم على عدم العَوْد في المستقبل، والندم والعزم من باب الإرادات، والإرادة لا يمكن إرادتها، وإلا لزم التسلسل، فاذن الارادة يمتنع أن تكون فعل الانسان، فعلمنا أن هذا الندم وهذا العزم لا يحصلان إلا بتخليق الله تعالى، فصار هذا البرهان العقلي دالا على صحة ما أشعر به ظاهر القرآن، وهو أنه تعالى هو الذي يتوب علينا، فأما قوله: لو تاب علينا لحصلت هذه التوبة، فنقول: قوله: ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ خطاب مع الأمة، وقد تاب عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات، وحصلت هذه التوبة لهم، فزال الإشكالُ، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أي عليم بأحوالكم، حكيم في كل ما يفعله بكم ويحكم عليكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبين كما زيدت في: لا أبالك، لتأكيد إضافة الأب.
والمعنى: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم، وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ويرشدكم إلى طاعات إن قمتم بها كانت كفارات لسيآتكم فيتوب عليكم ويكفر لكم ﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ أن تفعلوا ما تستوجبون به أن يتوب عليكم ﴿ وَيُرِيدُ ﴾ الفجرة ﴿ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً ﴾ وهو الميل عن القصد والحق، ولا ميل أعظم منه بمساعدتهم وموافقتهم على اتباع الشهوات.
وقيل: هم اليهود.
وقيل: المجوس: كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهنّ الله قالوا: فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة، والخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت، يقول تعالى يريدون أن تكونوا زناة مثلهم (يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ) إحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص ﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴾ لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعات.
وعن سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء، فقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشو بالأخرى.
وإن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء.
وقرئ: ﴿ أن يميلوا ﴾ بالياء.
والضمير للذين يتبعون الشهوات.
وقرأ ابن عباس: ﴿ وخلق الإنسانَ ﴾ على البناء للفاعل ونصب الإنسان وعنه رضي الله عنه: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: ﴿ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ ﴾ ، ﴿ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، ﴿ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ ﴾ ، ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ ﴾ [النساء: 31] ، ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ [النساء: 40] ، ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [النساء: 48] ﴿ ومَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ [النساء: 110] ، ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ ﴾ [النساء: 147] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ ما تَعَبَّدَكم بِهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، أوْ ما خَفِيَ عَنْكم مِن مَصالِحِكم ومَحاسِنِ أعْمالِكُمْ، ولِيُبَيِّنَ مَفْعُولُ يُرِيدُ واللّامُ زِيدَتْ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ اللّازِمِ لِلْإرادَةِ كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ: أرَدْتُ لِكَيْما يَعْلَمَ النّاسُ أنَّهُ ∗∗∗ سَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شُهُودُ وَقِيلَ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، ولِيُبَيِّنَ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ يُرِيدُ الحَقَّ لِأجْلِهِ.
﴿ وَيَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ مَناهِجَ مَن تَقَدَّمَكم مِن أهْلِ الرُّشْدِ لِتَسْلُكُوا طُرُقَهم.
﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ويَغْفِرَ لَكم ذُنُوبَكُمْ، أوْ يُرْشِدَكم إلى ما يَمْنَعُكم عَنِ المَعاصِي ويَحُثُّكم عَلى التَّوْبَةِ، أوْ إلى ما يَكُونُ كَفّارَةً لِسَيِّئاتِكم.
﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِها ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في وضْعِها.
<div class="verse-tafsir"
{يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ} أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإرادة النبيين كما زيدت في لا أبالك لتأكيد إضافة الأب والمعنى يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عليكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ} وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} ويوفقكم للتوبة عما كنتم عليه من الخلاف {والله عَلِيمٌ}
بمصالح عباده {حَكِيمٌ} فيما شرع لهم
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ، ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ قَدِيمًا، وخَرَّجَهُ النُّحاةُ - كَما قالَ الشِّهابُ - عَلى مَذاهِبَ، فَقِيلَ: مَفْعُولٌ يُرِيدُ: (مَحْذُوفٌ) أيْ: تَحْلِيلَ ما أحَلَّ وتَحْرِيمَ ما حَرَّمَ ونَحْوُهُ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ أوِ العاقِبَةِ، أيْ: ذَلِكَ لِأجْلِ التَّبْيِينِ، ونُسِبَ هَذا إلى سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، فَتَعَلُّقُ الإرادَةِ غَيْرُ التَّبْيِينِ، وإنَّما فَعَلُوهُ لِئَلّا يَتَعَدّى الفِعْلُ إلى مَفْعُولِهِ المُتَأخِّرِ عَنْهُ بِاللّامِ، وهو مُمْتَنِعٌ أوْ ضَعِيفٌ.
قِيلَ: إنَّهُ إذا قُصِدَ التَّأْكِيدُ جازَ مِن غَيْرِ ضَعْفٍ، وقَدْ قُصِدَ هُنا تَأْكِيدُ الِاسْتِقْبالِ اللّازِمِ لِلْإرادَةِ، ولَكِنْ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ، وإلّا فَإرادَةُ اللَّهِ قَدِيمَةٌ، وسَمّى صاحِبُ اللُّبابِ هَذِهِ اللّامَ لامَ التَّكْمِلَةِ، وجَعَلَها مُقابِلَةً لِلامِ التَّعْدِيَةِ.
وذَهَبَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ إلى أنَّ الفِعْلَ مُؤَوَّلُ بِالمَصْدَرِ مِن غَيْرِ سابِكٍ، كَما قِيلَ بِهِ فِي: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ، عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُهُ، أيْ: إرادَتِي كائِنَةٌ لِلتَّبْيِينِ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ اللّامَ هي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ (أنْ) وهي وما بَعْدَها مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّمِ؛ لِأنَّ اللّامَ قَدْ تُقامُ مَقامَ (أنْ) في فِعْلِ الإرادَةِ والأمْرِ، والبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ، ويَقُولُونَ: إنَّ وظِيفَةَ اللّامِ الجَرُّ، والنَّصْبُ بِـ(أنْ) مُضْمَرَةً بَعْدَها، ومَفْعُولُ (يُبَيِّنَ) عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ مَحْذُوفٌ، أيْ (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) ما هو خَفِيٌّ عَنْكم مِن مَصالِحِكم وأفاضِلِ أعْمالِكُمْ، أوْ ما تَعَبَّدَكم بِهِ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: (لِيُبَيِّنَ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَهْدِيَكُمْ ﴾ تَنازَعا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أيْ: مَناهِجَ مَن تَقَدَّمَكم مِنَ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ؛ لِتَقْتَفُوا أثَرَهُمْ، وتَتَّبِعُوا سَيْرَهُمْ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ الحُكْمَ كانَ كَذَلِكَ في الأُمَمِ السّابِقَةِ، كَما قِيلَ بِهِ، بَلِ المُرادُ كَوْنُ ما ذُكِرَ مِن نَوْعِ طَرائِقِ المُتَقَدِّمِينَ الرّاشِدِينَ وجِنْسِها في بَيانِ المَصالِحِ ﴿ ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وحَيْثُ كانَتِ التَّوْبَةُ تُرِكَ الذَّنْبُ مَعَ النَّدَمِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، وهو مِمّا يَسْتَحِيلُ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، ارْتَكَبُوا تَأْوِيلَ ذَلِكَ في هَذا المَقامِ بِأحَدِ أُمُورٍ: فَقِيلَ إنَّ التَّوْبَةَ هُنا بِمَعْنى المَغْفِرَةِ مَجازًا؛ لِتَسَبُّبِها عَنْها، أوْ بِمَعْنى الإرْشادِ إلى ما يَمْنَعُ عَنِ المَعاصِي عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ تَمْنَعُ عَنْها، كَما أنَّ إرْشادَهُ تَعالى كَذَلِكَ، أوْ مَجازٌ عَنْ حَثِّهِ تَعالى عَلَيْها؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لَها عَكْسَ الأوَّلِ، أوْ بِمَعْنى الإرْشادِ إلى ما يُكَفِّرُها عَلى التَّشْبِيهِ أيْضًا، وإلى جَمِيعِ ذَلِكَ أشارَ ناصِرُ الدِّينِ البَيْضاوِيُّ.
وقَرَّرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ هَذا مِن وضْعِ المُسَبَّبِ مَوْضِعَ السَّبَبِ، وذَلِكَ لِعَطْفِ (ويَتُوبُ) عَلى (ويَهْدِيَكُمْ) إلَخْ عَلى سَبِيلِ البَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم ويُرْشِدَكم إلى الطّاعاتِ، فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ (ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ) وما يَرِدُ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ مِن لُزُومِ تَخالُفِ المُرادِ عَنِ الإرادَةِ - وهي عِلَّةٌ تامَّةٌ - يَدْفَعُهُ كَوْنُ الخِطابِ لَيْسَ عامًّا لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، بَلْ لِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ حَصَلَتْ لَهم هَذِهِ التَّوْبَةُ، ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِالأشْياءِ، فَيَعْلَمُ ما شَرَعَ لَكم مِنَ الأحْكامِ، وما سَلَكَهُ المُهْتَدُونَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ، وما يَنْفَعُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ وما يَضُرُّهم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ مَراعٍ في جَمِيعِ أفْعالِهِ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ، فَيُبَيِّنُ لِمَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، ويَتُوبُ عَلى مَن يَشاءُ، ولا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ <div class="verse-tafsir"
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي بيّن لكم أن الصبر خير لكم من نكاح الإماء، ويقال: يبين لكم إباحة نكاح الأمة عند العذر.
ثم قال تعالى: وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أي شرائع الذين من قبلكم بأنه لم يحل لهم تزوج الإماء، وقد أحل لكم ذلك.
وقال مقاتل: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ حكم حلاله وحرامه من النساء، وَيَهْدِيَكُمْ أي يبين لكم شرائع من كان قبلكم.
وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي يتجاوز عنكم ما كان منكم قبل التحريم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمن فعله منكم بعد التحريم حَكِيمٌ فيما نهاكم عن نكاح الاماء إن لم يجد طولاً.
والنهي نهي استحباب لا نهي وجوب.
ويقال: إن هذا ابتداء القصة، يريد الله أن يبين لكم كيفية طاعته وَيَهْدِيَكُمْ يعني يعرفكم سنن الذين من قبلكم، يعني أنهم لما تركوا أمري فكيف عاقبتهم؟
وأنتم إذا فعلتم ذلك لا أعاقبكم، ولكني أتوب عليكم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بمن تاب حَكِيمٌ حكم بقبول التوبة.
ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ أي يتجاوز عنكم ما كان منكم من قبل التحريم، ويقال: يتجاوز عنكم الزلل والخطايا وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً يعني اليهود والنصارى، ويقال: المجوس.
أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً يعني أن تخطئوا خطأً عظيماً، لأن بعض الكفار كانوا يجيزون نكاح الأخت من الأب، وَبَنَاتُ الاخ، وَبَنَاتُ الاخت، فلما حرم الله تعالى ذلك قالوا للمسلمين: إنكم تنكحون ابنة الخالة والعمة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ويقال: ويريدون الذين يتبعون الشهوات، ويقال: إن اليهود يريدون أن يقفوا منكم على الزلل والخطايا، يعني: أن الله تعالى قد بين لكم لكي لا يقفوا منكم على الزلل والخطايا.
ثم قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ يقول: يهون عليكم الأمر إذ رخص لكم في نكاح الإماء، وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً أي لا يصبر على النكاح.
وقال الضحاك: يخفف عنكم أي يريد أن يضع عنكم أوزاركم، ويضع عنكم آثامكم.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يعني بالظلم باليمين الكاذبة ليقطع بها مال أخيه.
ثم استثنى ما استفضل الرجل من مال أخيه في تجارته أنه لا بأس به فقال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ويقال: إلا ما كان بينهما تجارة، وهو أن يكون مضارباً له، فله أن يأكل من مال المضاربة إذا خرج إلى السفر.
ويقال: إلا ما يأكل الرجل شيئاً عند اشترائه ليذوقه.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم: تِجارَةً بنصب الهاء على معنى خبر تكون.
وقرأ الباقون بالضم على معنى الاسم.
ثم قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا يقتل بعضكم بعضاً، فإنكم أهل دين واحد.
ويقال وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعني أن يوجب الرجل على نفسه قتل نفسه، فإيجابه باطل.
وقال القتبي: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ يعني لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، ولا يقتل بعضكم بعضاً كقوله: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة الحجرات: 11] أي لا تعيبوا إخوانكم.
ويقال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا تقتلوها بالكسل والبخل إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً إذ نهى عن القتل وعن أخذ الأموال.
قوله تعالى وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً يعني اعتداء ويقال: مستحلاً وَظُلْماً أي وجوراً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً هذا وعيد لهم من الله تعالى، يعني يدخله في الآخرة النار وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي عذابه هين عليه.
قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ قال مقاتل: يعني ما نهي عنه من أول هذه السورة إلى هذه الآية وقال في رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس .
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ الكبائر كل شيء سمى الله تعالى فيه النار لمن عمل بها، أو شيء نزل فيه حدّ في الدنيا، فمن اجتنب من هذا وهو مؤمن كفر الله عنه ما سواه من الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، وشهر رمضان إلى شهر رمضان إن شاء الله تعالى.
قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، قال: حدثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي الضحاك، عن مسروق، عن ابن مسعود قال: الكبائر من أول السورة إلى قوله إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: الْكَبَائِرُ أَرْبَعَةٌ: الإياس مِنْ رَوْحِ الله، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله، وَالأَمْنُ من مكر الله، والشرك بالله.
وروى عامر الشعبي عن النبي أنه قال: «ألا أُنْبِئَكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ: الإِشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ» .
وقال ابن عمر الكبائر تسعة: الشرك بالله، وقتل المؤمن متعمداً، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا والسحر، وعقوق الوالدين، واستحلال حرمة البيت الحرام.
ويقال: الكبيرة ما أصر عليها صاحبها.
ويقال: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
ثم قال تعالى: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يقول: نمحو عنكم ذنوبكم ما دون الكبائر وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً في الآخرة وهي الجنة.
قرأ نافع: مدخلاً بنصب الميم، والباقون بالضم.
فمن قرأ بالنصب فهو اسم الموضع وهو الجنة، ومن قرأ بالضم فهو المصدر والموضع جميعاً.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ يعني: عَنْ نكاحِ الإماء قاله ابنُ عَبَّاس وغيره «١» : وهذا نَدْبٌ إلى التَّرْك وعِلَّتُهُ مَا يؤَدِّي إلَيْه نكاحُ الإِماءِ مِن استرقاق الوَلَدِ ومِهْنَتِهنَّ.
وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ ...
الآية: التقديرُ عندَ سيبَوَيْهِ: يريد اللَّهُ لأنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، ويَهْدِيَكُمْ، بمعنى: يُرْشِدَكُمْ، والسُّنَنُ: الطُّرُقُ، ووجوهُ الأمورِ، وأَنحاؤُها، والَّذِينَ مِنْ قبلنا: هم المؤمِنُونَ مِنْ كُلِّ شريعةٍ.
وقوله سبحانه: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ...
الآية: مَقْصِدُ هذه الآيةِ الإخبارُ عن إرَادَة الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، فقُدِّمَتْ إرادةُ اللَّه تعالى تَوْطِئَةً مُظْهِرة لفسَادِ إرادة مُتَّبِعِي الشهواتِ، واختلف المتأوِّلون في تَعْيينِ مُتَّبِعِي الشَّهَوَات، فقال مجاهدٌ: هم الزناةُ «٢» ، وقال السُّدِّيُّ: هم اليهودُ والنصارى «٣» ، وقالَتْ فرقة: هم اليهودُ خاصَّة لأنَّهم أرادوا أنْ يتبعهم المُسْلِمُونَ في نِكَاحِ الأَخَوَاتِ مِنَ الأب، وقال ابنُ زَيْد: ذلك على العمومِ في هؤلاءِ، وفي كُلِّ متَّبعِ شهوةٍ «٤» ورجَّحه الطبريُّ «٥» .
وقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ...
الآية: أي: لَمَّا علمنا ضَعْفَكُمْ عَنِ الصَّبْر عن النِّساء، خَفَّفنا عَنْكم بإباحة الإماء، قاله مجاهدٌ وغَيْره «٦» ، وهو ظاهرُ مقصودِ الآيةِ، ثم بَعْدَ هذا المَقْصِدِ تَخْرُجُ الآية مَخْرَجَ التفضُّلِ لأنها تتناوَلُ كُلَّ ما خفَّفه اللَّه سبحانَهُ عَنْ عباده، وجعله الدِّينَ يُسْراً، ويقع الإخبار عن ضَعْف الإنسان عامّا حسبما هو
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ اللّامُ بِمَعْنى: "أنْ" وهَذا مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، ومِثْلُهُ ﴿ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ ، ﴿ وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ ﴾ ، ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا ﴾ .
والبَيانُ مِنِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّصِّ تارَةً، وبِدَلالَةِ النَّصِّ أُخْرى.
قالَ الزَّجّاجُ: و"السُّنَنُ": الطُّرُقُ، فالمَعْنى: يَدُلُّكم عَلى طاعَتِهِ، كَما دَلَّ الأنْبِياءَ وتابِعِيهِمْ.
وقالَ غَيْرُهُ: مَعْنى الكَلامِ: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم سُنَنَ مَن قَبْلِكم مِن أهْلِ الحَقِّ والباطِلِ، لِتَجْتَنِبُوا الباطِلَ وتُجِيبُوا الحَقَّ، ويَهْدِيَكم إلى الحَقِّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ واللهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا ﴾ ﴿ يُرِيدُ اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عنكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا ﴾ اخْتَلَفَ النُحاةُ في اللامِ مِن قَوْلِهِ: "لِيُبَيِّنَ" -فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ- رَحِمَهُ اللهُ: أنَّ التَقْدِيرَ: لِأنْ يُبَيِّنَ، والمَفْعُولُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُرِيدُ اللهُ هَذا، فَإنْ كانَتْ لامَ الجَرِّ أو لامَ كَيْ فَلا بُدَّ فِيهِما مِن تَقْدِيرِ "أنْ" لِأنَّهُما لا يَدْخُلانِ إلّا عَلى الأسْماءِ.
وقالَ الفَرّاءُ والكُوفِيُّونَ: اللامُ نَفْسُها بِمَنزِلَةِ "أنْ" وهو ضَعِيفٌ.
ونَظِيرُ هَذِهِ اللامِ قَوْلُ الشاعِرِ: أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها........................
وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: إرادَتِي لِأنْسى.
"وَيَهْدِيَكُمْ" بِمَعْنى: يُرْشِدُكُمْ، لا يَتَوَجَّهُ غَيْرَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ السُنَنِ.
والسُنَنُ: الطُرُقُ ووُجُوهُ الأُمُورِ وأنْحاؤُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ مِن قُوَّةِ هَذا الكَلامِ أنَّ شِرْعَتَنا في المَشْرُوعاتِ كَشِرْعَةِ مَن قَبْلَنا، ولَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وإنَّما هَذِهِ الهِدايَةُ في أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا في أنّا خُوطِبْنا في كُلِّ قِصَّةٍ نَهْيًا وأمْرًا، كَما خُوطِبُوا هم أيْضًا في قِصَصِهِمْ، وشُرِعَ لَنا كَما شُرِعَ لَهُمْ، فَهُدِينا سُنَنَهم في ذَلِكَ وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْكامُنا وأحْكامُهُمْ، والأمْرُ الثانِي أنَّ هَدْيَنا سُنَنَهم في أنْ أطَعْنا وسَمِعْنا كَما سَمِعُوا وأطاعُوا، فَوَقَعَ التَماثُلُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ.
والَّذِينَ مِن قَبْلِنا: هُمُ المُؤْمِنُونَ في كُلِّ شَرِيعَةٍ.
وتَوْبَةُ اللهِ عَلى عَبْدِهِ هي رُجُوعُهُ بِهِ عَنِ المَعاصِي إلى الطاعاتِ، وتَوْفِيقُهُ لَهُ.
وحَسُنَ "عَلِيمٌ" هُنا بِحَسَبِ ما تَقَدَّمَ مِن سُنَنِ الشَرائِعِ ومَوْضِعِ المَصالِحِ، و"حَكِيمٌ" أيْ: مُصِيبٌ بِالأشْياءِ مَواضِعَها بِحَسَبِ الحِكْمَةِ والإتْقانِ.
وتَكْرارُ إرادَةِ اللهِ تَعالى التَوْبَةَ عَلى عِبادِهِ تَقْوِيَةٌ لِلْإخْبارِ الأوَّلِ، ولَيْسَ المَقْصِدُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا الإخْبارَ عن إرادَةِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَهَواتِ، فَقُدِّمَتْ إرادَةُ اللهِ تَوْطِئَةً مُظْهِرَةً لِفَسادِ إرادَةِ مُتَّبِعِي الشَهَواتِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مُتَّبِعِي الشَهَواتِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ الزُناةُ.
وقالَ السُدِّيُّ: هُمُ اليَهُودُ والنَصارى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَتَّبِعَهُمُ المُسْلِمُونَ في نِكاحِ الأخَواتِ مِنَ الأبِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ عَلى العُمُومِ في هَؤُلاءِ، وفي كُلِّ مُتَّبِعٍ شَهْوَةً، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "مَيْلًا" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مَيَلًا" بِفَتْحِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ اللهُ أنْ يُخَفِّفَ عنكُمْ ﴾ ، المَقْصِدُ الظاهِرُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّها في تَخْفِيفِ اللهِ تَعالى تَرْكَ نِكاحِ الإماءِ بِإباحَةِ ذَلِكَ، وأنَّ إخْبارَهُ عن ضَعْفِ الإنْسانِ إنَّما هو في بابِ النِساءِ، أيْ: لَمّا عَلِمْنا ضَعْفَكم عَنِ الصَبْرِ عَنِ النِساءِ خَفَّفْنا عنكم بِإباحَةِ الإماءِ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وطاوُسُ.
وقالَ طاوُسُ: لَيْسَ يَكُونُ الإنْسانُ في شَيْءٍ أضْعَفَ مِنهُ في أمْرِ النِساءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ثُمَّ بَعْدَ هَذا المَقْصِدِ تَخْرُجُ الآيَةُ في مَخْرَجِ التَفَضُّلِ، لِأنَّها تَتَناوَلُ كُلَّ ما خَفَّفَ اللهُ تَعالى عن عِبادِهِ، وجَعْلَهُ الدِينَ يُسْرًا، ويَقَعُ الإخْبارُ عن ضَعْفِ الإنْسانِ عامًّا حَسْبَما هو في نَفْسِهِ ضَعِيفٌ يَسْتَمِيلُهُ هَواهُ في الأغْلَبِ.
و"الإنْسانُ" رُفِعَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، و"ضَعِيفًا" حالٌ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: "وَخَلْقُ الإنْسانِ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، و"ضَعِيفًا" حالٌ أيْضًا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ و"خُلِقَ" بِمَعْنى جُعِلَ فَيُكْسِبُها ذَلِكَ قُوَّةَ التَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: "ضَعِيفًا" مَفْعُولًا ثانِيًا.
<div class="verse-tafsir"
تذييل يقصد منه استئناس المؤمنين واستنزال نفوسهم إلى امتثال الأحكام المتقدّمة من أوّل السورة إلى هنا، فإنّها أحكام جمّة وأوامر ونواه تفضي إلى خلع عوائدَ ألفوها، وصرفِهم عن شهوات استباحوها، كما أشار إليه قوله بعد هذا ﴿ ويريد الذين يتبعون الشهوات ﴾ [النساء: 27]، أي الاسترسال على ما كانوا عليه في الجاهلية، فأعقب ذلك ببيان أنّ في ذلك بيانا وهُدى.
حتّى لا تكون شريعة هذه الأمّة دون شرائع الأمم التي قبلها، بل تفوقُها في انتظام أحوالها، فكان هذا كالاعتذار على ما ذكر من المحرّمات.
فقوله: ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ تعليل لتفصيل الأحكام في مواقع الشبهات كي لا يضلّوا كما ضلّ من قبلهم، ففيه أنّ هذه الشريعة أهدى ممّا قبلها.
وقوله: ﴿ ويهديكم سنن الذين من قبلكم ﴾ بَيان لقصدِ إلحاق هذه الأمّة بمزايا الأمم التي قبلها.
والإرادة: القصد والعزم على العمل، وتطلق على الصفة الإلهيّة التي تخصّص الممكن ببعض ما يجوز عليه.
والامتنانُ بما شرعه الله للمسلمين من توضيح الأحكام قد حصلت إرادته فيما مضى، وإنّا عُبّر بصيغة المضارع هنا للدلالة على تجدّد البيان واستمراره، فإنّ هذه التشريعات دائمة مستمرّة تكون بيانا للمخاطبين ولمن جاء بعدهم، وللدلالة على أنّ الله يُبقي بعدها بياناً متعاقباً.
وقوله: ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ انتصب فعل (يبيّنَ) بأنْ المصدرية محذوفة، والمصدر المنسبك مفعول (يريد)، أي يريد الله البيانَ لكم والهُدى والتوبةَ، فكانَ أصل الاستعمال ذكر (أنْ) المصدرية، ولذلك فاللام هنا لتوكيد معنى الفعل الذي قبلها، وقد شاعت زيادة هذه اللاّم بعد مادّة الإرادة وبعد مادّة الأمر معاقِبة لأن المصدرية.
تقول، أريد أن تفعل وأريد لِتَفْعَل، وقال تعالى: ﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ [التوبة: 32] وقال: ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ [الصف: 8] وقال: ﴿ وأمرت أن أسلم لرب العالمين ﴾ [غافر: 66] وقال: ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ [الشورى: 15] فإذا جاؤوا باللاّم أشبهت لام التعليل فقدّروا (أنْ) بعد اللام المؤكّدة كما قد روها بعد لاَم كي لأنّها أشبهتها في الصورة، ولذلك قال الفرّاء: اللام نائبة عن أن المصدرية.
وإلى هذه الطريقة مال صاحب «الكشاف».
وقال سيبويه: هي لام التعليل أي لام كي، وأنّ ما بعدها علّة، ومفعولَ الفعل الذي قبلها محذوف يقدّر بالقرينة، أي يريد الله التحليل والتحريم ليبيّن.
ومنهم من قرّر قول سيبويه بأنّ المفعول المحذوف دلّ عليه التعليل المذكور فيقدّر: يريد الله البيانَ ليبيّن، فيكون الكلام مبالغة بجعل العلّة نفس المعلّل.
وقال الخليل، وسيبويه في رواية عنه: اللاّم ظَرف مستقرّ هو خبر عن الفعل السابق، وذلك الفعلُ مقدّر بالمصدر دون سابك على حدّ «تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه» أي إرادة الله كائنة للبيان، ولعلّ الكلام عندهم محمول على المبالغة كأنّ إرادة الله انحصرت في ذلك.
وقالت طائفة قليلة: هذه اللاّم للتقوية على خلاف الأصل، لأنّ لام التقوية إنّما يجاء بها إذا ضعف العامل بالفرعية أو بالتأخّر.
وأحسن الوجوه قول سيبويه، بدليل دخول اللام على كَي في قول قيس بن سعد بن عَبادة الخزرجي.
أردتُ لكيمَا يَعْلَمَ الناسُ أنّها *** سَراويلُ قَيس والوفود شهود وعن النحّاس أنّ بعض القرّاء سمّى هذه اللاّم لام (أنْ).
ومعنى ﴿ ويهديكم سنن الذين من قبلكم ﴾ الهداية إلى أصول ما صلح به حال الأمم التي سبقتنا، من كليات الشرائع، ومقاصدها.
قال الفخر: «فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها، إلاّ أنّها متّفقة في باب المصالح».
قلت: فهو كقوله تعالى: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ الآية.
وقوله: ﴿ ويتوب عليكم ﴾ أي يتقبّل توبتكم، إذْ آمنتم ونبذتم ما كان عليه أهل الشرك من نكاح أزواج الآباء، ونكاح أمّهات نسائكم، ونكاح الربائب، والجمع بين الأختين.
ومعنى: ﴿ ويتوب عليكم ﴾ يقبل توبتكم الكاملة باتّباع الإسلام، فلا تنقضوا ذلك بارتكاب الحرام.
وليس معنى ﴿ ويتوب عليكم ﴾ يوفّقكم للتوبة، فيشكل بأنّ مراد الله لا يتخلّف، إذ ليس التوفيق للتوبة بمطّرد في جميع الناس.
فالآية تحريض على التوبة بطريق الكناية لأنّ الوعد بقبولها يستلزم التحريض عليها مثل ما في الحديث: " فيقول هل من مستغفر فأغفر له، هل من داع فأستجيب له " هذا هو الوجه في تفسيرها، وللفخر وغيره هنا تكلّفات لا داعي إليها.
وقوله: ﴿ والله عليم حكيم ﴾ مناسب للبيان والهداية والترغيب في التوبة بطريق الوعد بقبولها، فإنّ كلّ ذلك أثر العلم والحكمة في إرشاد الأمّة وتقريبها إلى الرشد.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ الزُّناةُ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّالِثُ: كُلُّ مُتَّبِعِ شَهْوَةٍ غَيْرِ مُباحَةٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا ﴾ يُخَفِّفُ عَنْكم في نِكاحِ الإماءِ، وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا عَنِ احْتِمالِ الصَّبْرِ عَنْ جِماعِ النِّساءِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي الدنيا في التوبة والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أوّلهن ﴿ يريد الله ليبيِّن لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ﴾ والثانية ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً ﴾ والثالثة ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ والرابعة ﴿ أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً ﴾ [ النساء: 31] والخامسة ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة...
﴾ [ النساء: 40] الآية.
والسادسة ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله..
﴾ [ النساء: 110] الآية.
والسابعة ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر...
﴾ [ النساء: 48] الآية.
والثامنة ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله ﴾ للذين عملوا من الذنوب ﴿ غفوراً رحيماً ﴾ [ النساء: 152] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ﴿ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ﴾ من تحريم الأمهات والبنات، كذلك كان سنة الذين من قبلكم وفي قوله: ﴿ أن تميلوا ميلاً عظيماً ﴾ قال: الميل العظيم، أن اليهود يزعمون أن نكاح الأخت من الأب حلال من الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ ويريد الذين يتبعون الشهوات ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ويريد الذين يتبعون الشهوات ﴾ قال: الزنا ﴿ أن تميلوا ميلاً عظيماً ﴾ قال: يريدون أن تكونوا مثلهم، تزنون، كما يزنون.
وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عباس ﴿ ويريد الذين يتبعون الشهوات ﴾ قال: الزنا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ يقول: في نكاح الأمة، وفي كل شيء فيه يسر.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس ﴿ وخلق الإِنسان ضعيفاً ﴾ قال: في أمر النساء، ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في النساء.
قال وكيع: يذهب عقله عندهن.
وأخرج الخرائطي في اعتلال القلوب عن طاوس في قوله: ﴿ وخلق الإِنسان ضعيفاً ﴾ قال: إذا نظر إلى النساء لم يصبر.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ يريد الله أن يخفِّف عنكم ﴾ قال: رخص لكم في نكاح الإماء حين تضطرون إليهن ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ قال: لو لم يرخص له فيها لم يكن إلا الأمر الأول، إذا لم يجد حرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ الآية.
اختلفت النحوية (١) ﴿ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ .
فقال الفراء: العرب تجعل اللام التي بمعنى (كي) في موضع (أن) في: أردت وأمرت، فتقول: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم.
قال الله: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ ، وقال: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا ﴾ ، و ﴿ أَنْ يُطْفِئُوا ﴾ .
وإنما صلحت اللام في موضع أن في: أمرت وأردت؛ لأنهما يطلبان المستقبل، ولا يصلحان مع الماضي، ألا ترى أنك تقول: أمرتك أن تقوم، ولا يصلح: أمرتك أن قمت.
(وكذلك: أردت أن تقوم، ولا يصلح: أردت أن قمت) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) فجمع بين اللام و (بين) (٨) وقال الله تعالى: ﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾ .
وقال الآخر (٩) أردتَ لِكَيمَا أنْ تَطِير بِقِربتي ...
فتتركُها شنًّا ببَيْداءَ بَلْقَعِ (١٠) وإنما جمعوا بينهما (١١) (١٢) وأنكر الزجاج أن تقع اللام في معنى (أن)، واستشهد على ذلك بقول الشاعر: أردت لِكَيما يعلمُ الناس أنها ...
سراويل سعدٍ (١٣) (١٤) فلو كانت بمعنى أن لم تدخل على كي، كما لا يدخل عليها أن.
(ومذهب سيبويه وأصحابه أن اللام فى خلت في هذا وأشباهه على تقدير المصدر، أي: الإرادة للبيان) (١٥) ﴿ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ ، أي: إن كانت عبارتكم للرؤيا، وكذلك قوله: ﴿ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ أي: الذين هم رهبتهم لربهم (١٦) وأنشدوا لكُثَيّر: أُريد لأنّسى ذِكرَها فكأنما ...
تَخَيَّل لي ليلى بكل سبيلِ (١٧) أي: إرادتي لهذا.
فأما التفسير، فقال ابن عباس: يريد الله ليبين لكم ما يبعدكم منه ويقربكم إلى طاعته (١٨) وقال الكلبي: يريد الله ليبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم (١٩) وقال غيره: يريد الله أن يبين لكم شرائع دينكم ومصالح أمركم (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ .
قال ابن عباس: يريد دين إبراهيم وإسماعيل، دين الحنيفية (٢١) وقال الزجاج: أي: يدلكم على طاعته، كما دل الأنبياء والذين اتبعوهم من قبلكم (٢٢) وقال مقاتل (٢٣) (٢٤) وقال الكلبي: يقول: هكذا حرمت على مَن كان قبلكم من أهل التوراة، والإنجيل، و (الزبور) (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ .
قال ابن عباس: حتى لا تعرفوا غيره ولا تدعوا معه إلهًا آخر (٢٧) وبيان هذا المعنى ما قاله محمد بن جرير: يعني: يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها (٢٨) (٢٩) ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بما يُصلحكم في تدبيره فيكم (٣٠) (١) هكذا في (أ)، (د).
ومراده النُّحاة.
(٢) ما بين القوسين ليس في "معاني القرآن" المطبوع لديّ، فقد يكون ساقطًا منه، وهذا يدل على أهمية "البسيط" في تكميل لبعض الناقص من المصادر المتقدمة.
(٣) في "معاني الفراء" 1/ 262 بدل على: في.
(٤) ما بين القوسين ليس في "معاني الفراء" المطبوع لديّ.
(٥) عند الفراء: وأنشدني أبو ثروان.
(٦) في (أ)، (د): (ذى).
(٧) ينظر: "همع الهوامع" 2/ 371، و"خزانة الأدب" 8/ 486، و"اللسان" (أثل)، و"الأمالي" 2/ 46.
(٨) ليس في (د).
(٩) في (أ)، (د) الآ، فقد يكون سقط آخر الكلمة سهوًا من الناسخ.
(١٠) البيت غير منسوب في الطبري 5/ 27، "الإنصاف" للأنباري ص 466.
وجاء في حاشيته: ..
وشنًا: أي يابسة متخرقة، والبيداء: الصحراء التي يبيد سالكها.
أي يهلك، والبلقع الخالية.
والشاهد منه أن الشاعر أظهر أن بعد: كي.
(١١) في "معاني الفراء" (بينهن) بالجمع، وكذلك بقية الضمائر.
(١٢) "معاني الفراء" 1/ 261، 262، وانظر: "تفسير الطبري" 5/ 26 - 28، "معاني الزجاج" 2/ 32، 43،، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 409، "الكشف والبيان" 4/ 40 ب.
(١٣) في "معاني الزجاج" 2/ 43: قيس بدل: سعد، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 409.
وهو الصواب كما سيأتي في الكلام على البيت.
(١٤) البيت لقيس بن سعد بن عُبادة في قصةٍ أوردها المُبَرِّد في "الكامل" 2/ 152.
خلاصتها: أن ملك الروم بعث رجلًا طويلا إلى معاوية يتحداه أن يجد أطول منه، وكان قيس بن سعد آيةً في الطول، فبعث إليه معاوية، فلما حضر وعلم الخبر خلع سراويله وأمر الرومي بلبسها فبلغت ثندوته، فخجل الرومي وضحك القوم، لكن قيسًا ليم على ذلك، فقال أبياتًا هذا مطلعها.
(١٥) ما بين القوسين ليس في "معاني الزجاج".
(١٦) انتهى من "معاني الزجاج" 2/ 43 بتصرف.
(١٧) "ديوانه" ص 108، "المحتسب" 2/ 32، والبيت غير منسوب في "الكشف والبيان" 4/ 41 أ.
(١٨) لم أقف عليه، وقد ذكر الثعلبي معناه عن عطاء.
انظر: "الكشف والبيان" 4/ 41 أ، "معالم التنزيل" 2/ 198.
(١٩) من "الكشف والبيان"4/ 41 أ، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 348، "معالم التنزيل" 2/ 198، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 82 (٢٠) قال ذلك الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 41 أ، لكن فيه: أموركم بدل: أمركم.
(٢١) لم أقف عليه (٢٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 43.
(٢٣) هو مقاتل بن حيان كما في "الدر المنثور" 2/ 256.
(٢٤) ذكره بمعناه السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 348، وأورده السيوطي بلفظه في "الدر المنثور" 2/ 256، وعزاه لابن أبي حاتم في تفسيره، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 41 أ.
(٢٥) في (أ) كأنها: (الربيون).
(٢٦) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص82.
(٢٧) لم أقف عليه.
وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 82 (٢٨) في (أ): (عليه).
(٢٩) انتهى من "تفسير الطبري" 5/ 27 بمعناه.
(٣٠) انظر: الطبري 5/ 27، "الكشف والبيان" 4/ 41 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات ﴾ معناها إباحة تزويج الفتيات، وهنّ الإماء للرجل إذا لم يجد طولاً للمحصنات، والطوْل هنا هو السعة في المال، والمحصنات هنا يراد بهنّ؛ الحرائر غير المملوكات.
ومذهب مالك وأكثر أصحابه أنه: لا يجوز للحر نكاح أمه إلاّ بشرطين: أحدهما: عدم الطول؛ وهو ألا يجد ما يتزوج به حرة، والآخر: خوف العنت، وهو الزنا لقوله بعد هذا: ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ ﴾ ، وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين على القول بأن دليل الخطاب لا يعتبر، واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمة التي تتزوج لقوله تعالى: ﴿ مِّن فتياتكم المؤمنات ﴾ إلاّ أهل العراق فلم يشترطوه، وإعراب طولاً: مفعولاً بالاستطاعة، وأن ينكح بدل منه وهو في موضع نصب بتقدير لأن ينكح؛ ويحتمل أن يكون طولاً منصوباً على المصدر والعامل فيه الاستطاعة لأنها بمعنى يتقارب، وأن ينكح على هذا مفعول بالاستطاعة أو بالمصدر ﴿ والله أَعْلَمُ بإيمانكم ﴾ معناه أنه يعلم بواطن الأمور ولكم ظواهرها، فإذا كانت الأمة ظاهرة الإيمان، فنكاحها صحيح، وعلم باطنها إلى الله ﴿ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ ﴾ أي إماؤكم منكم، وهذا تأنيس بنكاح الإماء، لأن بعض العرب كان يأنف من ذلك ﴿ فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ أي بإذن ساداتهن المالكين لهنّ ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ أي صدقاتهن، وهذا يقتضي أنهنّ أحق بصدقاتهنّ من ساداتهنّ، وهو مذهب مالك ﴿ بالمعروف ﴾ أي بالشرع على ما تقتضيه السنة ﴿ محصنات غَيْرَ مسافحات ﴾ أي عفيفات غير زانيات، وهو منصوب على الحال والعامل فيه فانكحوهنّ ﴿ وَلاَ متخذات أخدان ﴾ جمع خدن وهو الخليل، وكان من نساء الجاهلية من تتخذ خدناً تزني معه خاصة، ومنهن من كانت لا تردّ يد لامس ﴿ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب ﴾ معنى ذلك أن الأمة إذا زنت بعد أن أحصنت فعليها نصف حدّ الحرة، فإن الحرة تجلد في الزنا مائة جلدة، والأمة تجلد خمسين، فإذا أحصن يريد به هنا تزوّجن، والفاحشة هنا الزنا، والمحصنات هنا الحرائر، والعذاب هنا الحدّ فاقتضت الآية حدّ الأمة إذا زنت بعد أن تزوّجت، ويؤخذ حدّ غير المتزوّجة من السنة؛ وهو مثل حدّ المتزوّجة وهذا على قراءة أُحصنَّ بضم الهمزة وكسر الصاد، وقرئ بفتحهما، ومعناه أسلمن، وقيل: تزوّجن ﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ ﴾ الإشارة إلى تزوّج الأمة أي إنما يجوز لمن خشي على نفسه الزنا، لا لمن يملك نفسه ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ المراد الصبر عن نكاح الإماء، وهذا يندب إلى تركه، وعلته ما يؤدي إليه من استرقاق الولد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ والمحصنات ﴾ في كل القرآن بكسر الصاد إلاّ قوله: ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ على الباقون بالفتح ﴿ وأحل ﴾ مبنياً للمفعول: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الباقون: مبنياً للفاعل ﴿ أحصن ﴾ بفتح الهمزة والصاد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
الباقون: ﴿ أحصن ﴾ بضم الهمزة وكسر الصاد.
﴿ تجارة ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.
الباقون: بالرفع.
الوقوف: ﴿ دخلتم بهن ﴾ الأولى (ز) لابتداء الشرط مع اتحاد المقصود ﴿ فلا جناح عليكم ﴾ (ز) لذلك فإن جملة الشرط معترضة ﴿ أصلابكم ﴾ (لا) للعطف ﴿ سلف ﴾ (ط) / ﴿ رحيماً ﴾ (ه) لا للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ (ج) لأن ﴿ كتاب الله ﴾ يحتمل أن يكون مصدر التحريم لأنه في معنى الكتابة، ويحتمل أن يكون مصدر محذوف أي كتب الله كتاباً، والأحسن أن يكون مفعولاً له أي حرمت لكتاب الله.
من قرأ ﴿ وأحل ﴾ بالفتح لم يحسن الوقف له على ﴿ عليكم ﴾ للعطف على "كتب"، ومن قرأ ﴿ وأحل ﴾ بالضم عطفاً على ﴿ حرمت ﴾ جاز له الوقف لطول الكلام ﴿ مسافحين ﴾ (ط) لابتداء حكم المتعة ﴿ فريضة ﴾ (ط) ﴿ الفريضة ﴾ (ه) ﴿ حكيماً ﴾ (ه) ﴿ فتياتكم المؤمنات ﴾ (ط) ﴿ بإيمانكم ﴾ (ط) ﴿ من بعض ﴾ (ج) لعطف المختلفين ﴿ أخدان ﴾ (ج) لذلك ﴿ من العذاب ﴾ (ط) ﴿ العنت منكم ﴾ (ط) ﴿ خير لكم ﴾ (ط) ﴿ رحيم ﴾ (ه) ﴿ ويتوب عليكم ﴾ (ط) ﴿ حكيم ﴾ (5) ﴿ عظيماً ﴾ (ه) ﴿ يخفف عنكم ﴾ (ج) لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى أي يخفف لضعفكم ﴿ ضعيفاً ﴾ (ه) ﴿ أنفسكم ﴾ (ط) ﴿ رحيماً ﴾ (ه) ﴿ ناراً ﴾ (ط) ﴿ يسيراً ﴾ (ه).
التفسير: إنه نص على تحريم أربعة عشر صنفاً من النسوان، سبعة من جهة النسب: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة أخرى لا من جهة النسب: الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء، وبنات النساء بشرط الدخول بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء - وهذه في الآية المتقدمة - والجمع بين الأختين، والمحصنات من النساء.
وذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال وذلك غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أولى من بعض وهذا معنى الإجمال.
والجواب من المعلوم بالضرورة من دين محمد أن المراد منه تحريم نكاحهن لا سيما وقد تقدم قوله: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ﴾ ومثله قوله : "لا يحل دم امرىء مسلم إلاّ لإحدى خصال ثلاث " فإنه لا يشتبه أن المراد لا يحل إراقة دمه.
ثم إنّ قوله: ﴿ حرمت ﴾ إنشاء للتحريم كقول القائل "بعت" أو "طلقت" لا إخبار عن التحريم في الزمان الماضي ولا يشتبه أن المحرم هو الله كقوله: ﴿ بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور ﴾ والخطاب لأولئك الحاضرين بالذات ولمن عداهم من الأمة بالتبعية.
والأصل في كل حكم هو الاستمرار والتأبيد ما لم ينسخه ناسخ، والقرينة / تدل على أن المراد أنه حرم على كل أحد أمه خاصة وبنته خاصة.
واعلم أنّ حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمان آدم إلى هذا الزمان، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان، بل إنّ زرادشت نبي المجوس بزعمهم قال بحله إلاّ أن أكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان كذاباً.
أما نكاح الأخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحاً في زمان آدم وذلك للضرورة، وبعض المسلمين ينكره ويقول: إنه بعث الحور من الجنة حتى تزوج بهن أبناء آدم، ويرد عليه أنّ هذا النسل حينئذ لا يكون محض أولاد آدم وذلك بالإجماع باطل.
قال العلماء: السبب في تحريم الأمهات والبنات أن الوطء إذلال وإهانة فلا يليق بالأصل والجزء.
والأمهات جمع الأم والهاء زائدة.
ووزن أم "فعل" أو أصلية ووزنه "فع".
وقد يجيء جمعه على "أمات" وقد يقال الأمهات للإنسان، والأمات لغيره، وكل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو درجات بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك.
ولا شك أن لفظ الأم حقيقة في التي ولدتك، أما في الجدة فيحتمل أن يكون حقيقة أيضاً وحينئذٍ يكون اللفظ متواطئاً فيها إن كان موضوعاً بإزاء قدر مشترك بينهما، وتكون الآية نصاً في تحريمها أو يكون مشتركاً بينهما.
وحينئذٍ إن جوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه فالآية نص في تحريمها أيضاً وإلا فطريقان: أحدهما أن تحريم الجدات مستفاد من الإجماع، والثاني أنه تكلم بهذه الآية مرتين لكل من المفهومين.
وكذا الكلام إن قلنا إنّ الأم حقيقة في الوالدة مجاز في الجدات.
قال الشافعي: إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه.
حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لكونه محرّماً قطعاً في حكم الشرع فيكون وطؤها زناً محضاً.
الصنف الثاني من المحرمات البنات ويراد بهن كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث أو بذكور.
والكلام في أن إطلاق لفظ البنت على بنت الابن وبنت البنت حقيقة أو مجاز كما مر في الأمهات.
قال أبو حنيفة: البنت المخلوقة من ماء الزنا تحرم على الزاني.
وقال الشافعي: لا تحرم لأنها ليست بنتاً له شرعاً لقوله : " "الولد للفراش" وهذا يقتضي حصر النسب في الفراش، ولأنها لو كانت بنتاً له لأخذت الميراث ولثبت له ولاية الإجبار عليها، ولوجب عليه نفقتها وحضانتها، ولحل الخلوة بها، لكن التوالي باطلة بالاتفاق فكذا المقدم.
وأيضاً إنّ أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتاً له على الحقيقة وهي كونها مخلوقة من مائه، أو بناء على حكم الشرع والأول باطل على مذهبه طرداً وعكساً.
أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكراً وافتضها وحبسها ي داره إلى أن تلد فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائة قطعاً مع أنه لا يثبت نسبه إلاّ عند الاستلحاق، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه.
والثاني أيضاً باطل بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزاني من الزاني، ولو انتسب إليه وجب على القاضي منعه.
الصنف الثالث: الأخوات ويشمل الأخوات من الأب والأم، ومن الأب فقط، ومن الأم فقط، الصنف الرابع والخامس العمات والخالات.
قال الواحدي: كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي أمك، وكل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك.
وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك، ولاتحرم أولاد العمات وأولاد الخالات.
الصنف السادس والسابع: بنات الأخ وبنات الأخت، والقول فيهما كالقول في بنت الصلب.
الثامن والتاسع: قوله: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ﴾ سمى المرضعات أمهات تفخيماً لشأنهن كما سمى أزواج النبي أمهات لحرمتهن.
وليس قوله: ﴿ وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ﴾ كقول القائل: وأمهاتكم اللاتي كسونكم أو أطعمنكم.
وإلاّ كان تكراراً لقوله: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ بل المراد أن الرضاع هو الذي تستحق هي بسببه الأمومة ويعلم من تسمية المرضعة.
أما والراضعة أختاً إنه أجرى الرضاع مجرى النسب لأن المرحمات بسبب النسب سبع: اثنتان بالولادة وهما الأمهات والبنات، والباقية بطريق الإخوة وهو الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، فذكر من كل واحد من القسمين صورة واحدة تنبيهاً بها على الباقي منهما.
فذكر من قسم الولادة الأمهات، ومن قسم الإخوة الأخوات.
ثم إنه أكد هذا البيان بصريح قوله: " "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " فصار صريح الحديث مطابقاً لمفهوم الآية.
وهذا بيان لطيف فأمك من الرضاع كل أنثى أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من ولدك من الآباء والأمهات، أو ولدت المرضعة، أو الفحل الذي منه اللبن بواسطة أو بغير واسطة.
وبنتك من الرضاع كل أنثى أرضعت بلبنك، أو أرضعت بلبن من ولدت من الأبناء أو البنات.
وأختك من الرضاع كل أنثى أرضعتها أمك أو أرضعت بلبن أبيك، أو ولدتها المرضعة أو الفحل الذي جر لبنه على المرضعة.
وعمتك كل أنثى من الرضاع من جهة الأب، وكل أنثى أرضعت بلبن واحد من أجدادك، أو كانت أخت الفحل الذي ارضعت / بلبنه.
ومن جهت الأم كل أنثى هي أخت ذكر أرضعت أمك بلبنه بواسطة أو بغير واسطة.
وخالتك من الرضاع من جهة الأم كل أنثى هي أخت أمك من الرضاع، أو أخت من ارضعتك من النسب أو الرضاع.
ومن جهة الأب كل أنثى هي أخت أنثى أرضعت أباك من الرضاع أو النسب.
وبنات الإخوة والأخوات من الرضاع كل أنثى ولدها ابن مرضعتك أو بنتها أو ولدها ابن الفحل الذي منه اللبن، أو بنته من الرضاع أو النسب، أو أرضعتها أختك أو أرضعت بلبن أخيك.
وكذلك حكم بنات أولاد من أرضعته أختك أو أرضعت بلبن أخيك من الرضاع أو النسب، وكذلك بنات من أرضعته أمك أو أرضع بلبن أبيك وبنات أولادهما من الرضاع أو النسب.
والرضاع المحرّم قد يسبق النكاح فيمنع انعقاده، وقد يطرأ عليه فيقطعه.
وللرضاع أركان: أحدها المرضع ويجب أن تكون امرأة، فلبن البهيمة لا يثبت تحريماً بين الذكر والأنثى للذين شربا منه وكذا لبن الرجل، وأن تكون حية.
وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد يتعلق بلبن الميتة التحريم، وأن تكون محتملة للولادة بأن بلغت تسع سنين.
وثانيها اللبن ويتعلق به التحريم ولو تغيّر بحموضة أو انعقاد أو إغلاء أو اتخذ منه جبن أو زيد أو مخيض أو أقط أو ثرد فيه طعام أو عجن به دقيق وخبز أو خلط بمائع حلال أو حرام.
وثالثها المحل وهو معدة الصبي الحي فلا أثر للحقنة، ولا بعد الحولين الهلاليين، ولا للوصول إلى معدة الصبي الميت.
ولا بد مع ذلك من خمس رضعات لقوله : " لا تحرم المصة والمصتان ولا الرضعة والرضعتان" ولما روت عائشة " خمس رضعات يحرّمن " وعند أبي حنيفة: الرضعة الواحدة كافية.
الصنف العاشر قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ ويدخل فيه الجدات من قبل الأب والأم.
الحادي عشر ﴿ وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ والربائب جمع ربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها مربوبة لأنّ الرجل يربها.
والحجور جمع حجر بالفتح والكسر.
وكونها في حجرة عبارة عن تربيته وهو بناء للكلام على الغالب ومثله هو في حضانة فلان وأصله من الحضن الذي هو الإبط.
وقال أبو عبيد: في حجوركم أي في بيوتكم.
وعن علي أنه جعل كونها ربيبة له وكونها في حجرة شرطاً في التحريم وهو استدلال حسن.
وأما سائر العلماء فذهبوا إلى / أنّ الكلام أخرج مخرج الأعم الأغلب، وأنه إذا دخل بالمرأة حرمت ابنتها عليه سواء كانت في تربيته أو لم تكن.
أما اشتراط الدخول بأمها فلقوله: ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ وهو متعلق بربائبكم كا تقول: بنات رسول الله من خديجة.
وأما عدم اشتراط التربية فلقوله: ﴿ فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ﴾ علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، وهذا يقتضي أن السبب لحصول الجناح هو مجرد الدخول.
وذهب جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر وأظهر الروايات عن ابن عباس.
وحجتهم أنه تعالى ذكر جملتين وهو قوله: ﴿ وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم ﴾ ثم ذكر شرطاً وهو قوله: ﴿ من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ﴾ فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبراً في الجملتين معاً.
وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين فعلى أن قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ جملة مستقلة بنفسها ولم يدل دليل على عود ذلك الشرط إليه إذ الظاهر تعلق الشرط بالثانية، وإذا تعلق الشرط بالثانية أو تعلق بإحدى الجمليتين فلا حاجة إلى تعليقه بأخرى.
وأيضاً عود الشرط إلى الجملة الأولى وحدها باطل بالإجماع وكذا عوده إليهما معاً، لأنّ معنى "من" مع الأولى البيان، ومعناها مع الثانية ابتداء الغاية، واستعمال اللفظ المشترك في مفهومية معاً غير جائز.
نعم لو جعل "من" للاتصال كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ أمكن اعتبار الاتصال في النساء والربائب معاً، فأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتهن، كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهن بناتهن.
إلاّ أن هذا التفسير فيه خلل من جهة اللفظ ومن جهة المعنى.
أما اللفظ فلأن قوله: ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ وكذا ربائبكم يكون حينئذٍ مبتدأ وقوله ﴿ من نسائكم ﴾ خبراً ويقع بين المعطوفات فاصلة لأن قوله: ﴿ وحلائل أبنائكم ﴾ وما بعده معطوف على فاعل ﴿ حرمت ﴾ .
وأما من جهة المعنى فلأن الحكم بالاتصال والاتحاد يقتضي التحليل لا التحريم ظاهراً.
ومما يدل على أن الجملة الأولى مرسلة ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي أنه قال: " إذا نكح الرجل امرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلّقها فإن شاء تزوّج البنت " وكان عبد الله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة إذا طلق بنتها فبل المسيس وهو يومئذٍ بالكوفة.
فاتفق أن ذهب إلى المدينة فصادفهم مجميعن على خلاف فتواه، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة.
وعن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: إنّ الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فله ذلك، وإن ماتت عنده لم يتزوّج أمها أقام الموت مقام الدخول في التحريم كما قام مقامه في باب المهر.
والدخول بهن كناية عن الجماع كقولهم: بنى عليها أو ضرب عليها الحجاب.
يعني أدخلتموهن الستر، والباء للتعدية، وقد تقدم أن الخلوة الصحيحة عند أبي حنيفة تقوم مقام الدخول في التحريم، وقد تمسك أبو بكر الرازي بالآية في إثبات أن الزنى يوجب حرمة المصاهرة.
قال: لأنّ الدخول بها اسم لمطلق الوطء من نكاح كان أو سفاح, ورد بأنّ تقديم قوله: ﴿ من نسائكم ﴾ يوجب تخصيص الوطء بالحلال.
الصنف الثاني عشر ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ فيخرج المتبنى وكان في صدر الإسلام بمنزلة الابن إلى أن نزل: ﴿ وما جعل أدعياءكم أبناءكم ﴾ ﴿ لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ﴾ وحكم الابن من الرضاع حكم الابن من النسب في تحريم حليلته على أبيه لقوله : " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وإن كان ظاهراً قوله: ﴿ وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ﴾ وظاهر قوله: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ يقتضي الحل فههنا قد تخصص عموم القرآن بخبر الواحد.
واتفقوا على أنّ حرمة التزوّج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد ولا تتوقف الحرمة على الدخول.
وما روي عن ابن عباس أنه قال: أبهموا ما أبهم الله أراد به التأبيد.
ألا ترى أنه قال في السبع المحرّمات من جهة النسب إنها من المبهمات أي من اللواتي تثبت حرمتهن على التأبيد؟
واتفقوا أيضاً على تحريم حليلة ولد الولد على الجد.
أما جارية الابن فقد قال أبو حنيفة: يجوز للأب أن يتزوّج بها.
وقال الشافعي: لا يجوز لأنّ الحليلة فعيله إما بمعنى المفعول من الحل أي المحللة، أو من الحلول بمعنى أن السيد يحل فيها، وإما بمعنى الفاعل لأنهما يحلاّن في لحاف واحد، أو يحل كل واحد منهما في قلب صاحبه لما بينهما من الإلفة والمودّة.
وعلى التقادير يصدق على جارية الإبن أنها حليلته كما يصدق على زوجته أنها حليلته فتناولها الحرمة بالآية.
الصنف الثالث عشر ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ أي حرمت عليكم الجمع بينهما والتأنيث للتغليب أو للاكتساب أو بتأويل الخصلة.
ويمكن أن يقال: الواو نائب عن الفعل المطلق من غير اعتبار تذكيره أو تأنيثه، والجمع يكون إما بالنكاح أو بالملك أو بهما.
أما النكاح فلو عقد عليهما معاً فنكاحهما باطل، وعلى الترتيب بطل الثاني / لأنّ الدفع أسهل من الرفع، وأما الجمع بينهما بملك اليمين أو بأن ينكح إحداهما ويشتري الأخرى فقد اختلف الصحابة فيه؛ فقال علي وعمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر: لا يجوز الجمع بينهما لإطلاق الآية، ولأنه لو لجاز الجمع بينهما في الملك لجاز وطؤهما معاً لقوله : ﴿ إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون:6\] ولأن الأصل في الإبضاع الحرمة، فلو سلم أن الآية تدل على الجواز فالأحوط جانب الترك.
وأما سائر الصحابة والفقهاء فقد قالوا: النهي وارد عن نكاحهما، فلو جمع بينهما في الملك جاز إلاّ أنه إذا وطىء إحداهما حرّم وطء الثانية عليه، ولا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج.
قال أبو حنيفة ههنا: لا يجوز نكاح الأخت في عدّة الأخت البائن لأنّ النكاح الأول كأنه باق بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة.
وقال الشافعي: يجوز لأن نكاح المطلّقة زائل بدليل لزوم الحد بوطئها.
وأما وجوب العدة ولزوم النفقة فنقول: متى حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها، ولا يلزم من حصول القدرة على حبسها حصول النكاح لأن استثناء عين التالي لا ينتج.
وإذا أسلم الكافر وتحته أختان فقد قال الشافعي: اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى سواء تزوّج بهما معاً أو على الترتيب، لأنّ الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشرائع في أحكام الدنيا إذ لا يتصوّر تكليفه بالفروع ما دام كافراً.
نعم يعاقب بترك الفروع في الآخرة كما يعاقب على ترك الإسلام ومما يؤيّد قول الشافعي ما روي أن فيروزاً الديلي أسلم على ثمان نسوة فقال : " اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن" أطلق ولم يتفحص عن الترتيب.
وقال أبو حنيفة: إن تزوّج بهما معاً تركهما أو على الترتيب فارق الثانية، لأنّ الخطاب في قوله: ﴿ وأن تجمعوا ﴾ عام فيتناول المؤمن والكافر فخالف أصليه حيث جعل النهي دالاً على الفساد، والكافر مخاطباً بالفروع.
ومما يدل على أن الخطاب الفروع لا يظهر أثر في حق الكافر في الأحكام الدنيوية الإجماع على أنه لو تزوج بغير وليّ وشهود أو على سبيل القهر والغصب فبعد الإسلام يقرّر ذلك النكاح، أما قوله : ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ فمعناه أن ما مضى مغفور بدليل قوله: ﴿ إنّ الله كان غفوراً رحيماً ﴾ وقد مرّ نظيره.
واعلم أنّ رسول الله ألحق بالأختين جميع المحارم حيث قال: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" وضبط العلماء ذلك بأنّ كل شخصين بينهما قرابة أو رضاع / لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى حرّم النكاح بينهما فلا يجوز الجمع بينهما، فيحرم الجمع بين المرأة وبنت أخيها وبنات أولاد أخيها.
وكذلك بين المرأة وبنت أختها وبنات أولاد أختها سواء كانت العمومة والخؤولة من النسب أوالرضاع.
ولا يحرم نكاح المرأة وأم زوجها، ولا نكاح المرأة وبنت زوجها لأنه لا توجد الحرمة على تقدير ذكورة كل واحدة منهما، وإنما توجد على تقدير ذكورة أم الزوج أو بنته فقط لمكان المصاهرة حينئذٍ بخلاف ما لو فرضت المرأة ذكراً فإنه لا يكون بينهما قرابة ولا رضاع.
وقد يضبط تحريم الجمع بعبارتين أخريين: إحداهما يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع يقتضي المحرمية، والثانية يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما وصلة قرابة أو رضاع لو كانت تلك الوصلة بينك وبين امرأة لحرمت عليك.
الصنف الرابع عشر ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ وقد ورد الإحصان في القرآن بمعان: أحدها الحرية ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ وثانيها العفة ﴿ محصنات غير مسافحات ﴾ أحصنت فرجها.
وثالثها الإسلام ﴿ فإذا أحصن ﴾ قيل في تفسيره إذا أسلمن.
ورابعها كونها بذات زوج ﴿ والمحصنات من النساء ﴾ أي ذوات الأزواج منهن.
والوجوه كلها مشتركة في أصل المعنى اللغوي وهو المنع.
يقال: مدينة حصينة ودرع حصينة مانعة صاحبها من الآفات والجراحات.
والحرية سبب لمنع الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه، والعفة مانعة من ارتكاب المناهي، وكذا الإسلام والزوج مانع لزوجته من كثير من الأمور، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا، قرىء بكسر الصاد لأنهن أحصن فروجهن بالتزوج.
ومعنى قوله: ﴿ إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ أن اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال لغزاة المسلمين؛ وهكذا إذا سبى الزوجان معاً خلافاً لأبي حنيفة قياساً على شراء الأمة واتهابها وارثها فإن كلاً منها لا يوجب الفرقة.
وأجيب بأنّ الحاصل عند السبي إحداث الملك فيها، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص، والأول أقوى فظهر الفرق.
وقيل: المعنى أن ذوات لأزواج حرام عليكم إلاّ إذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع الفراق بينهن وبين أزواجهنّ.
وقيل: المحصنات الحرائر.
والمعنى حرمت عليكم الحرائر إلاّ العدد الذي جعله الله ملكاً لكم وهو الأربع، أو إلاّ ما أثبت الله لكم ملكاً عليهن لحصول الشرائط المعتبرة من حضور الولي والشهود وغير ذلك، والقول هو الأول لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي فنزلت: ﴿ والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ فاستحللناهن.
ثم أكد تحريم المذكورات بقوله: ﴿ كتاب الله عليكم ﴾ قال الزجاج: يحتمل أن يكون منصوباً باسم فعل ويكون ﴿ عليكم ﴾ مفسراً له أي الزموا كتاب الله ﴿ وأحلّ لكم ما وراء ذلكم ﴾ أي ما وراء هذه المذكورات سواء كن / مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية أو خفية أو ببيان النبي كما قلنا في تحريم الجمع بين الأختين وغيرهما.
وقد دخل بعد هذه العناية في الآية تخصيصات أخر منها: أنّ المطلقة ثلاثاً لا تحل ودليل ذلك قوله: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ ومنها الحربية والمرتدة بدليل قوله: ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ ومنها المعتدة بدليل قوله: ﴿ والمطلّقات يتربصن ﴾ ومنها أن من في نكاحه حرة لم يجز له أن ينكح أمة بالاتفاق.
وعند الشافعي القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة بدليل ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ ومنها الخامسة بدليل ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ومنها الملاعنة لقوله : " المتلاعنان لا يجتمعان أبداً" وقوله: ﴿ أن تبتغوا ﴾ مفعول له أي بين لكم ما يحل مما يحرم إرادة أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم في حال كونكم محصنين ولا في حال كونكم مسافحين، لئلاّ تضيّعوا أموالكم التي جعل الله لكم قياماً فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم.
ويجوز أن يكون ﴿ تبتغوا ﴾ بدلاً من ﴿ ما وراء ذلك ﴾ ومفعول ﴿ تبتغوا ﴾ مقدر وهو النساء.
والأجود أن لا يقدر لأنّه مفهوم منسوق الكلام وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم.
ومعنى محصنين متعففين عن الزنا وسمي الزنا سفاحاً لأنّه لا غرض للزاني إلاّ سفح النطفة أي صبّها.
قال أبو حنيفة: لا يجوز المهر بأقل من عشرة دراهم لأنّه قيد التحليل بالابتغاء بالأموال والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالاً.
وقال الشافعي: يجوز بالقليل والكثير لأنّ قوله: ﴿ بأموالكم ﴾ مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي توزع الفرد على الفرد، فيتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالاً، والقليل والكثير في هذه الحقيقة سواء.
وعن جابر عن النبي أنه قال: " من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق فقد استحل " وقال أبو حنيفة: لو تزوّج بها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهراً ولها مهر مثلها، لأنّ الابتغاء بالمال شرط والمال اسم للأعيان لا للمنافع، وكذا قوله ﴿ وآتوا النساء صدقاتهم نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه ﴾ والإيتاء والأكل من صفة الأعيان.
ولو تزوّج امرأة على خدمة سنة وإن كان حراً فلها مهر مثلها، وإن كان عبداً فلها خدمة سنة، وقال الشافعي: الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز وليس فيه أن الابتغاء بغيره جائز أو لا.
وأيضاً قد خرج الخطاب مخرج الأعم الأغلب فلا يدل على نفي ما سواه.
ومما يدل على جواز جعل المنفعة صداقاً قوله في قصة شعيب ﴿ على أن تأجرني ثماني حجج ﴾ والأصل في شرع من قبلنا البقاء إلى أن يظهر الناسخ.
وأيضاً التي وهبت نفسها لما لم يجد الرجل الذي أراد التزوّج بها شيئاً قال : "هل معك شيء من القرآن؟
قال: نعم، سورة كذا وكذا.
فقال: زوّجتكها / بما معك من القرآن" .
ومنه يعلم جواز عتق الأمة صداقاً لها لا سيما وقد روي عن النبي "أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها" وكونه من خواصه ممنوع.
﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ أي فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو عقد عليهن أو خلوة صحيحة عند أبي حنيفة ﴿ فآتوهن أجورهن ﴾ أي عليه فأسقط الراجع للعلم به.
ويجوز أن يراد بما النساء "ومن" للتبعيض أو البيان لا لابتداء الاستمتاع، ويكون رجوع الضمير إليه في ﴿ به ﴾ على اللفظ وفي ﴿ فآتوهن ﴾ على المعنى.
والأجور المهور لأنّ المهر ثواب على البضع كما يسمى بدل منافع الدار والدابة أجراً.
و ﴿ فريضة ﴾ حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو أقيمت مقام إيتاء لأنّ الإيتاء مفروض، أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة.
ولا يخفى أنه إن استمتع بها بدخول بها يجب تمام المهر، وإن استمتع بعقد النكاح فقط فالأجر نصف المهر.
قال أكثر علماء الأمة: إنّ الآية في النكاح المؤبد.
وقيل: المراد بها حكم المتعة وهي أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معلوم ليجامعها، سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها.
واتفقوا على أنها كانت مباحة في أول الإسلام، ثم السواد الأعظم من الأمة على أنها صارت منسوخة.
وذهب الباقون ومنهم الشيعة إلى أنها ثابتة كما كانت، ويروى هذا عن ابن عباس وعمران بن الحصين.
قال عمارة: "سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟
قال: لا سفاح ولا نكاح.
قلت: فما هي؟
قال: هي متعة كما يقال.
قال: قلت هل لها عدة؟
قال: نعم، عدّتها حيضة.
قلت: هل يتواراثان؟
قال: لا" .
وفي رواية أخرى عنه أن الناس لما ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس في المتعة قال: "قاتلهم الله إني ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق لكني قلت: إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير" ، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهم إني أتوب إليك من قولي في الصرف والمتعة.
وأما عمران بن الحصين فإنه قال: "نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها وأمرنا بها رسول الله وتمتعنا معه ومات ولم ينهنا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء" - يريد أن عمر نهى عنها - وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي أنه قال: "لولا أن عمرو نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي" .
حجة الجمهور على حرمة المتعة أنّ الوطء لا يحل إلاّ في الزوجة أو المملوكة لقوله : ﴿ إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون:6\] وهذه المرأة ليست بمملوكة ولا بزوجة وإلاّ لحصل التوارث ولثبت النسب ولوجبت العدة عليها بالأشهر والتوالي باطلة بأسرها بالاتفاق.
وروي عن عمر أنه نهى عن المتعة على المنبر بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم، فلو سكتوا لعلمهم بحرمتها فذاك، ولو سكتوا لجهلهم / بحلها وحرمتها فمحال عادة لشدة احتياجهم إلى البحث عن أمور النكاح، ولو سكتوا مع علمهم بحلها فإخفاء الحق مداهنة وكفر وبدعة وذلك محال منهم، وما روي عن عمر أنه قال: "لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته" .
ثم إنّ الصحابة لم ينكروا عليه مع أنّ الرجم لا يجوز في المتعة فلعله ذكر ذلك على سبيل التهديد والسياسة ومثل ذلك جائز للإمام عند المصلحة.
ألا ترى أنه قال " من منع منا الزكاة فإنا آخذوها منه وشطر ماله" مع أن أخذ شطر المال من مانعي الزكاة غير جائز إلاّ للسياسة، وروى الواحدي في البسيط عن مالك عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي "أن رسول الله نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الإنسية" .
قال: وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: "غدوت على رسول الله فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسند ظهره إلى الكعبة يقول: يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرمه عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً" .
القائلون بإباحة المتعة قالوا: الابتغاء بالأموال يتناول الاستمتاع بالمرأة على سبيل التأبيد وعلى سبيل التوقيت، بل الآية مقصورة على نكاح المتعة لما روي أن أبي بن كعب كان يقرأ ﴿ فما استمتعتم به منهم إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ﴾ وبه قرأ ابن عباس أيضاً، والصحابة ما أنكروا عليهما فكان إجماعاً.
وأيضاً أمر بإيتاء الأجور لمجرد الاستمتاع أي التلذذ وهذا في المتعة، وأما في النكاح المطلق فيلزم الأجر بالعقد.
وأيضاً قال في أول السورة: ﴿ فانكحوا ﴾ فناسب أن تحمل هذه الآية على نكاح المتعة لئلاّ يلزم التكرار في سورة واحدة، والحمل على حكم جديد أولى.
ومما يدل على ثبوت المتعة ما جاء في الروايات أنّ النبي "نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر" .
وأكثر الروايات أنه "أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتح" .
وذلك أنّ أصحابه شكوا إليه يومئذٍ طول العزوبة فقال: "استمتعوا من هذه النساء" .
وقول من قال إنه حصل التحليل مراراً والنسخ مراراً ضعيف لم يقل به أحد من المعتبرين إلاّ الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات.
ونهي عمر يدل على أنه كان ثابتاً في عهد الرسول، وما كان ثابتاً في عهده لم يمكن نسخه بقول عمر كما أشار إليه عمران بن الحصين.
وأجيب بأنّ المراد من قول عمر "وأنا أنهي عنها" أنه قد ثبت عندي نسخها في زمان الرسول وقد سلموا له ذلك فكان إجماعاً.
﴿ ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ﴾ الذين حملوا الآية على بيان / حكم النكاح قالوا: المراد أنه إذا كان المهر مقدّراً بمقدار معين فلا حرج في أن تحط عنه شيئاً أو تبرّئه عنه بالكلية كقوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء ﴾ وقال الزجاج: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر، إذا طلّقها قبل الدخول.
قال أبو حنيفة: إلحاق الزيادة بالصداق جائز لأنّ التراضي قد يقع على الزيادة وقد يقع على النقصان وهي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة وكان لها نصف المسمى في العقد.
وقال الشافعي: الزيادة بمنزلة الهبة.
فإن أقبضها ملكته بالقبض وإن لم يقبضها بطلت، والدليل على بطلان هذه الزيادة أنها لو التحقت بالأصل فإما أن ترفع العقد الأول وتحدث عقداً ثانياً وهو باطل بالإجماع، وإما أن تحصل عقداً مع بقاء العقد الأول وهو تحصيل الحاصل.
والذين حملوا الآية على حكم المتعة قالوا: المراد أنه ليس للرجل سبيل على المرأة من بعد الفريضة وهي المقدار المفروض من الأجر والأجل، فإن قال لها زيدي في الأيام وأزيد في الأجر فهي بالخيار.
﴿ إنّ الله كان عليماً حكيماً ﴾ لا يشرع الأحكام إلاّ على وفق الحكمة والصواب.
ثم وسع الأمر على عبادة فقال: ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ فضلاً في المال وسعة ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه كما أن القصر قصور فيه ونقصان.و ﴿ أن ينكح ﴾ متعلق بـ ﴿ طولاً ﴾ يقال: طال على الأمر إذا غلبه فتمكن من فعله.
والمحصنات ههنا الحرائر، والمعنى ومن لم يقدر على نكاح الحرة فلينكح من الإماء التي ملكتها أيمانكم.
قال ابن عباس: يريد جارية أخيك فإنّ الإنسان لا يجوز له أن يتزوّج بجارية نفسه والفتيات المملوكات.
تقول العرب للأمة فتاة وللعبد فتى.
عن النبي : "لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي" وقال الشافعي: إنّ الله شرط في نكاح الإماء ثلاث شرائط: اثنتان في الناكح الأولى فقد طول الحرة وهو عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة كما يقول الرجل: لا أستطيع أن أحج إذا كان لا يجد ما يحج به.
فإذا كان كذلك جاز له التزوّج بالأمة لأنّ العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة ساداتهن.
والثانية خشية العنت كما يجيء في آخر الآية.
والثالثة في المنكوحة وهي أن تكون الأمة لمسلم ومع ذلك تكون مؤمنة لا كافرة لقوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ فالقيد الأول مستفاد من قوله: ﴿ من فتياتكم ﴾ أي من فتيات المسلمين لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين، والقيد الثاني من وصف الفتيات بالمؤمنات.
أما فائدة القيد الأول فهي أن الولد تابع / للأم في الحرية والرق، وحينئذٍ يعلق الولد رقيقاً على ملك الكافر.
إلاّ أن هذا القيد ألغاه أكثر الأئمة لأنّ الولد إذا رق للكافر بيع عليه في الحال.
وأما فائدة القيد الثاني فالحذر من اجتماع النقصانين الكفر والرق.
وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن ومذهب مالك والشافعي.
أما أبو حنيفة فإنه يقول: الغني والفقير سواء في جواز نكاح الأمة.
وذلك أنه يحمل النكاح في الآية على الوطء ويقول: المراد أن من لم يملك فراش الحرة فله أن ينكح أمة.
ثم الأمة لو كانت كتابية جاز له نكاحها ولكن نكاح الأمة المؤمنة أفضل فحمل التقييد في الآية على الفضل لا على الوجوب قياساً على جواز نكاح الحرة الكتابية بالإجماع مع وصف الحرائر أيضاً بالمؤمنات.
وأجيب بالفرق وهو اجتماع النقصانين.
ومن الناس من قال: لا يجوز التزوّج بالكتابيات ألبتة ولا شك أن في الآية دلالة على الحذر عن نكاح الإماء وأن الإقدام عليه لا يجوز إلاّ عند الضرورة وذلك لتباعة الولد الأم في الرق، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة فربما تعوّدت بسبب ذلك فجوراً وقحة، ولما للمولى عليها من حق الاستخدام فلا تخلص لخدمة الزوج، ولأنّ السيد قد يبيعها فتصير مطلقة عند من يقول بذلك، ولأنّ مهرها ملك لمولاها فلا تقدر على هبة مهرها من زوجها ولا على إبرائه.
﴿ والله أعلم بإيمانكم ﴾ قال الزجاج: أي اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور والله أعلم بما في الصدور.
﴿ بعضكم من بعض ﴾ كلكم أولاد آدم فلا يتداخلكم أنفة من التزوّج بالإماء عند الضرورة، أو كلكم مشتركون في الإيمان وهو أعظم المقاصد فإذا حصل الاشتراك فيه فما وراءه غير ملتفت إليه.
وفيه توهين ما كانوا عليه في الجاهلية من الفخر بالأنساب والأحساب وتأنيس بنكاح الإماء إذا كن مؤمنات.
ثم شرح كيفية هذا النكاح فقال: ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ فلذلك اتفقوا على أنّ نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل لأنّ نكاحهن غير واجب فيتوجه الأمر إلى اشتراط الإذن، ولأنّ التزوّج بها يعطل على السيد أكثر منافعها فوجب أن لا يجوز إلاّ بإذنه.
ولفظ القرآن مقتصر على الأمة.
وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث.
روى جابر عن النبي : " "إذا تزوّج العبد بغير إذن سيده فهو عاهر" واستدل الشافعي بالآية على أنّ المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلاّ بإذن الولي لأنّ قوله: ﴿ فانكحوهن ﴾ الضمير فيه يعود إلى الإماء.
والأمة ذات موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والإشارة إلى ذات موصوفة بصفة عرضية زائلة تبقى بعد زوال تلك الصفة بدليل أنه لو حلف لم يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخاً ثم تكلم معه / يحنث في يمينه.
فعند زوال الرق عنها وهي حرة عاقلة بالغة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها، وإذا ثبت الحكم في هذه الصورة ثبت في سائر الصورة ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
واعترض على قول الشافعي بأنّ ظاهر الآية يدل على الاكتفاء بحصول إذن أهلها وعنده لا يجوز للمرأة أن تزوّج أمتها.
وأجيب بأن المراد بالإذن الرضا، وعندنا أن رضا المولى لا بد منه.
فإما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه، وأيضاً إن أهلهن عبارة عمن يقدر على إنكاحهن وهو المولى إن كان رجلاً أو ولي المولى إن كان امرأة.
سلمنا أن الأهل هو المولى لكنه عام يخصصه قوله : " العاهر هي التي تنكح نفسها " إذ يلزمه أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكها ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
قلت: الإنصاف أن استدلال الشافعي لا يتم.
فلقائل أن يقول: لا نسلم أن صفة الرق للأمة عرضية من حيث إنها أمة، وإن سلمنا ذلك فلا نسلم أن الإشارة إلى ذات الأمة في الآية تبقى بعد زوال صفة الرق.
فكونها مثل قول القائل لا أتكلم مع هذا الشاب ممنوع.
فمن المعلوم عرفاً أن المراد به ذات الشاب من حيث هو ولكنه كقول الحالف: لا أكلم شاباً.
فحينئذٍ لو كلّم زيداً وزيد شاب حنث فإذا صار شيخاً ثم كلمه لم يحنث.
﴿ وآتوهن أجورهن ﴾ أي مهورهن وفيه دلالة على وجوب مهرها إذا نكحها - سمى لها المهر أو لم يسم - وفي قوله: ﴿ بالمعروف ﴾ دلالة على أنه مبني على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد المتعارف وهو مهر المثل، أو المراد بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء.
وقيل: الأجور النفقة عليهن لأن المهر مقدر فلا معنى لاشتراط المعروف فيه فكأنه بيَّن أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة.
وعن بعض أصحاب مالك أنّ الأمة هي المستحقة لقبض مهرها، وأنّ المولى إذا آجرها للخدمة كان هو المستحق للأجرة دونها واحتجوا في المهر بظاهر قوله: ﴿ وآتوهن أجورهن ﴾ وأما الجمهور فعلى أن مهرها لمولاها لقوله : ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ﴾ وهذا ينفي كون المملوكة مالكة لشيء أصلاً، ولأنّ منافعها كانت مملوكة للسيد وقد أباحها للزوج بعقد النكاح فوجب أن يستحق بدلها.
وأما ظاهر الآية فلو حملنا لفظ الأجور على النفقة فلا إشكال، ولو حملناه على المهور فالجواب أنها ثمن أبضاعهن فلذلك أضيف الأجور إليهن.
وليس في قوله: ﴿ وآتوهن ﴾ ما يوجب كون المهر ملكاً لهن.
وهب أن المهر ملك لهن ولكنه قال: " العبد وما يملكه لمولاه " أو المراد وآتوا مواليهن فحذف المضاف ﴿ محصنات ﴾ قال ابن عباس: أي عفائف وهو حال من قوله: / ﴿ فانكحوهن ﴾ وظاهره يقتضي حرمة نكاح الزواني لكن الأكثرون على أنه يجوز فالآية محمولة على الندب والاستحباب.
﴿ غير مسافحات ﴾ قال أكثر المفسرين: المسافحة هي التي تؤاجر نفسها أي رجل أرادها، ومتخذة الخدن هي التي لها صديق معيّن.
وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبراً عندهم فلا جرم أفردهما الله بالذكر تنصيصاً على حرمتهما معاً.
والأخدان جمع خدن كالأتراب جمع ترب.
والخدن الذي يخادنك أي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن، يقع على الذكر والأنثى.
﴿ فإذا أحصن ﴾ بالتزوّج وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، أو بالإسلام وهو قول عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي.
وكأنه ذكر حال إيمانهن في النكاح في قوله: ﴿ من فتياتكم المؤمنات ﴾ ثم كرر ذلك في حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة.
وههنا إشكال وهو أن المحصنات في قوله: ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ أريد بها الحرائر المتزوجات أو الحرائر الأبكار.
وعلى الأول يجب عليهن نصف الرجم وتنصيف الرجم محال، وعلى الثاني يجب عليهن خمسون جلدة وهذا القدر واجب في زنا الأمة محصنة كانت أو لم تكن، وقد علق ذلك في الآية بمجموع الأمرين: الإحصان والزنا.
والجواب أنا نختار القسم الأول ويسقط الرجم عنهن بالدليل العقلي لأن الرجم لا يتنصف، أو الثاني والمراد بيان تخفيف عذابهن.
وذلك أن حد الزنا يغلظ عند التزوج فهذه إذا زنت وقد تزوّجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليها، فلأن يكون قبل التزوّج هذا القدر أولى.
واعلم أن الخوارج اتفقوا على إنكار الرجم واحتجوا بأنّ الآية تدل على أنّ عذاب الأمة نصف عذاب الحرة المحصنة، فلو كان على الحرة الرجم لزم تنصيف الرجم في حق الأمة وهو محال.
والجواب ما مرّ أن المخصص في حق الأمة دليل عقلي، والفقهاء جعلوا الآية أصلاً في نقصان حكم العبد عن حكم الحرة في غير الحد وإن كان من الأمور ما لا يجب ذلك فيه كالصلاة والصوم وغيرهما.
﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى نكاح الإماء بالاتفاق ﴿ لمن خشي العنت منكم ﴾ وقد عرفت فيما مرّ أن معناه الوقوع في أمر شاق.
وللمفسرين ههنا قولان: أحدهما أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة ربما تدعو إلى الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب الأليم في الآخرة، والثاني أن الشبق قد يفضي إلى الأمراض الشديدة كأوجاع الوركين والظهر والوسواس وكاختناق الرحم للنساء، والأول أليق ببيان القرآن وعليه أكثر العلماء.
﴿ وأن تصبروا ﴾ أي صبركم عن نكاح الإماء بعد شروطه المبيحة متعففين خير لكم لما فيه من المفاسد المذكورة.
وعن النبي : " الحرائر صلاح البيت / والإماء هلاك البيت" ﴿ والله غفور رحيم ﴾ تأكيد لما ذكره من أن الأولى ترك النكاح إلاّ أنه أباحه لاحتياج المكلفين فهو من باب المغفرة والرحمة ﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ أقيمت اللام مقام "أن" في قولك أريد أن يقوم.
وقيل: زيدت اللام وقدر "أن" وذلك لتأكيد إرادة التبيين كما زيدت في "لا أبا لك" لتأكيد إضافة الأب.
وقيل: في الآية إضمار والأصل يريد الله إنزال هذه الأحكام ليبين لكم دينكم وشرعكم وما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم ويهديكم مناهج من كان قبلكم.
قيل: المراد أن كل ما بيّن لنا من التحريم والتحليل في شأن النساء فقد كان الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل.
وقيل: بل المراد أن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها إلاّ أنها متفقة في باب المصالح، وقيل: المعنى سنن من كان قبلكم من أهل الحق لتقتدوا بهم ويتوب عليكم.
قال القاضي: معناه كما أراد منا نفس الطاعة فلا جرم بينها وأزاح الشبه عنها، كذلك يريد أن يتوب علينا إن وقع تقصير وتفريط.
وفي الآية إشعار بأنه هو الذي يخلق التوبة فينا، فيرد عليه أنه إذا أراد التوبة منا وجب أن تحصل التوبة لكلنا وليس كذلك.
وأجيب بأنّ المراد التوبة في باب نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات وقد حصلت هذه التوبة، وكذا الكلام في قوله: ﴿ والله يريد أن يتوب عليكم ﴾ وقالت المعتزلة: يريد أن تفعلوا ما تستوجبون به أن يتوب عليكم ﴿ ويريد ﴾ الفجرة ﴿ الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ﴾ عن الحق والقصد ﴿ ميلاً عظيماً ﴾ وقيل: هم اليهود، وقيل: المجوس كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهن الله قالوا: فإنكم تحلّون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة حرام عليكم فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلت.
يقول: يريدون أن تكونوا زناة مثلهم.
﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص.
﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ فلضعفه خفف تكليفه ولم يثقل.
أما ضعف خلقته بالنسبة إلى كثير من المخلوقات بل الحيوانات فظاهر ولهذا اشتد احتياجه إلى التعاون والتمدن والأغذية والأدوية والمساكن والملابس والذخائر والمعاملات إلى غير ذلك من الضرورات، وأما ضعف عزائمه ودواعيه فأظهر ولهذا لا يصبر على مشاق الطاعات ولا عن الشهوات ولا سيما عن النساء.
عن سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلاّ أتاهم من قبل النساء، لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف علي النساء.
عن ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت.
﴿ يريد الله ليبين لكم ﴾ ﴿ ويريد الله أن يتوب عليكم ﴾ ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ ﴿ من يعمل سوءاً / أو يظلم نفسه ﴾ ﴿ ما يفعل الله بعذابكم ﴾ اللهم لا تحرمنا مواعيدك إنك لا تخلف الميعاد.
ثم إنه لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهر والنفقات بيَّن عقيب ذلك أنه كيف يتصرف في الأموال فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ بما لا يبيحه الشرع بوجه وقد مر تفسيره في البقرة في قوله: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ ﴿ إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم ﴾ وقد سبق مثله في آخر البقرة.
وخص التجارة بالذكر وإن كان غير ذلك من الأموال المستفادة بنحو الهبة والإرث وأخذ الصدقات والمهور وأروش الجنايات حلالاً، لأنّ أكثر أسباب الرزق يتعلق بالتجارة.
ويدخل تحت هذا النهي أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال نفسه بالباطل كما أن قوله : ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه.
قال أبو حنيفة: النهي في المعاملات لا يدل على البطلان.
وقال الشافعي: يدل لأن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول المالك فذلك غير منعقد بالإجماع فالتصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي وهو الله أولى أن يكون باطلاً.
وأي فرق بين قوله: "لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين" وبين قوله: "لا تبيعو الحر" وإذا كان الثاني غير منعقد بالاتفاق فكذا الأول.
وقال أبو حنيفة: خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة لأن التراضي المذكور في الآية قد حصل.
وقال الشافعي: لا شك أن هذا التراضي يقتضي الحل إلاّ أنا نثبت بعد ذلك للمتبايعين الخيار بقوله : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ من كان من جنسكم من المؤمنين لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة حينما يعرضه غم أو خوف أو مرض شديد يرى قتل نفسه أسهل عليه.
عن الحسن البصري قال: حدثنا جندب بن عبد الله أن رسول الله قال: " كان رجل جرح فقتل نفسه فقال الله: بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة " وعن أبي هريرة قال: "شهدنا مع رسول الله خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: هذا من أهل النار.
فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً فأصابته جراح.
فقيل له: يا رسول الله الذي قلت له آنفاً إنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد مات.
فقال النبي إلى / النار.
فكاد بعض المسلمين أن يرتاب.
فبيناهم على ذلك إذ قيل له: إنه لم يمت ولكن به جراحات شديدة، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي فقال: الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله" .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : " "من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً.
ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً.
ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً " وعن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزاة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صلّيت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي فقال: يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟
فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ فضحك رسول الله ولم يقل شيئاً.
وقيل: معنى الآية لا تفعلوا ما تستحقون به القتل من القتل والردة والزنا بعد الإحصان ﴿ إنّ الله كان بكم رحيماً ﴾ ولأجل رحمته نهاكم عما يضركم عاجلاً وآجلاً.
وقيل من رحمته أنه لم يأمركم بقتل أنفسكم كما أمر بني إسرائيل بذلك توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم.
﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ القتل ﴿ عدواناً وظلماً ﴾ لا خطأ ولا قصاصاً.
هذا قول عطاء.
وقال الزجاج: ذلك إشارة إلى القتل والأكل بالباطل.
وعن ابن عباس أنه عائد إلى كل ما نهى الله عنه من أول السورة.
وتنكير النار للتعظيم أو للنوع.
﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ مثل على وفق المتعارف كقوله: ﴿ وهو أهون عليه ﴾ وإلاّ فلا مانع له عن حكمه ولا منازع له في ملكه.
التأويل: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ الآية كلها إشارات إلى نهي التعليق ومنع التصرف في الأمهات السفليات والمتوالدات من أوصاف الإنسان وصفات الحيوان.
﴿ إنّ الله كان غفوراً ﴾ بأنواع غفرانه ظلمات الصفات الإنسانية التي تتولد من تصرفات الحواس في المحسوسات عند الضرورات بالأمر لا بالطبع ﴿ رحيماً ﴾ بالمؤمنين فيما اضطرهم إليه من التصرفات بقدر الحاجة الضرورية.
﴿ والمحصنات من النساء ﴾ هي الدنيا التي تصرف فيها العلويات ﴿ إلاّ ما ملكت أيمانكم ﴾ بإذن الله حيث قال: ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ ﴿ محصنين ﴾ حرائر من الدنيا وما فيها ﴿ غير مسافحين ﴾ في الطلب مياه وجوهكم.
﴿ فما استمتعتم به منهن ﴾ من الضروريات فأعطوا حقوق تلك الحظوظ بالطاعة والشكر والذكر.
ثم إنّ الله أحب نزاهة قلب المؤمن عن دنس حب الدنيا كما أحب / نزاهة فراشه فقال: ﴿ ومن لم يستطع ﴾ أي من لم يقدر أن يسخر عجوز الدنيا الصالحة بأسرها ويجعلها منكوحة له ويحصنها بتصرّف شرائع الإسلام بحيث لا يكون لها تصرف في قلبه بوجه ما، فليتصرف في القدر الذي ملكت يمين قلبه من الدنيا ولم تملك قلبه لأنها مأمورة بخدمته وهي مؤمنة له بالخدمة كما قال حكاية عن الله : " يا دنيا اخدمي من خدمني واستخدمي من خدمك" ﴿ محصنات ﴾ بالصدق والإخلاق ﴿ غير مسافحات ﴾ بالتبذير والإسراف ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ من النفس والهوى ﴿ فإذا أحصن ﴾ بالإخلاص في العطاء والمنع والأخذ والدفع ﴿ فإن أتين بفاحشة ﴾ هي غلبات شهواتها على القلب فليبذل نصف ما ملكت يمينه من الدنيا في الله جناية وغرامة فهو حدها كما أن حدّ عجوز الدنيا إذا أحصنها ذوو الطول من الرجال فأتت بفاحشة إهلاكها بالكلية بالبذل في الله كما كان حال سليمان إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد لما شغلته عن الصلاة وأتت بفاحشة حب الخيل فطفق مسحاً بالسوق والأعناق ﴿ ذلك ﴾ التصرف في قدر من الدنيا ﴿ لمن خشي ﴾ ضعف النفس وقلة صبرها على ترك الدنيا وامتناعها عن قبول الأوامر والنواهي ﴿ وأن تصبروا ﴾ عن التصرّف في الدنيا بالكلية ﴿ خير لكم ﴾ كما قال : " "يا طالب الدنيا لتبر فتركها خير وأبر " ﴿ يريد الله أن يخفف عنكم ﴾ فلكم المعونة ولغيركم المؤونة.
قال إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إ لى ربي ﴾ وأخبر عن حال موسى بقوله: ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ وعن حال نبينا بقوله: ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ﴾ وعن حال هذه الأمة بقوله: ﴿ سنريهم آياتنا ﴾ والمعونة هي الجذبة التي توازي عمل الثقلين، فلا جرم كان لغير نبيّنا الوصول إلى السموات فقط، وكان لنبيّنا الوصول إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، ولأمته التقرّب: " "لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه" والفرق بين النبي والولي، أنّ النبي مستقل بنفسه والولي لا يمكنه السير إلاّ في متابعة النبي وتسليكه.
﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ ولهذا أعين بالخدمة حتى يتصل بقوّة ذلك إلى مقام لا يصل إليه الثقلان بسعيهم إلى الأبد، وضعفه بالنسبة إلى جلال الله وكماله وإلاّ فهو أقوى في حمل الأمانة من سائر المخلوقات، وايضاً من ضعفه أنه لا يصبر عن الله لحظة فإنه يحبهم ويحبونه.
الصبر يحمد في المواطن كلها *** إلاّ عليك فإنه لا يحمد وكان أبو الحسن الخرقاني يقول: لو لم ألق نفساً لم أبق.
وغير الإنسان يصبر عن الله / لعدم المحبة.
ومن ضعفه أنه لا يصبر مع الله عند غلبات سطوات التجلي كما أنه كان يغان على قلبه وكان يقول حينئذٍ: كلميني يا حميراء.
وكان الشبلي يقول: لا معك قرار ولا منك فرار، المستغاث بك منك إليك.
ضعف الإنسان سبب كماله وسعادته، فساعة يتصف بصفات البهيمة، وساعة يتسم بسمات الملك، وليس لغيره هذا الاستعداد فلهذا جاء في الحديث الرباني: " أنا ملك حي لا أموت أبداً فأطعني عبدي لعلك تكون ملكاً حياً لا تموت أبداً " ﴿ إلا أن تكون تجارة ﴾ أي تجارة تنجيكم من عذاب أليم.
﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ بصرف أموالكم في شهواتها فإن ذلك سمها القاتل ﴿ إن الله كان بكم رحيماً ﴾ إذ بيّن لكم هذه الآفات ودلكم على هذه التجارات.
﴿ ومن يفعل ﴾ صرف المال إلى الهوى تعدياً عن أمر الله وظلماً على نفسه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: يريد الله أن يبين لكم ما تؤتون وما تنفقون، وما لكم وما عليكم، ويبين ما به صلاحكم ومعاشكم في أمر دينكم ودنياكم، لكن حقيقة المراد بالآية: إما أن يكون أراد جميع ما ذكر، أو معنى خاصّاً مما احتمله الكلام، وليس لنا القطع على ما أراد به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ .
[يحتمل] وجوهاً: أي: يبين لكم سبيل الذين من قبلكم، أي: سبيل الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - وأهل الهدى والطاعة منهم؛ ليعلموا ما عملوا هم وينتهوا عما انتهوا، وكذلك في حرف ابن مسعود - -: ﴿ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ سبل الذين من قبلكم.
ويحتمل: قوله: ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي: أمر الرسالة والنبوة؛ ليهديكم محمد وهو رسول؛ إذ أمر الرسالة والنبوة ليس ببديع، قد كان في الأمم السالفة رسل وأنبياء - عليهم السلام - فأمر رسالة محمد ونبوته ليس ببديع ولا حادث؛ كقوله - -: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي: يبين لكم أن كيف كان سنته في الذين خلوا من قبل في أهلاك من عاند الله ورسوله، واستئصال من استأصلهم بتكذيب الرسل والأنبياء - عليهم السلام - والخلاف لهم؛ كقوله - -: ﴿ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ وقوله - -: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ﴾ .
وقيل: ﴿ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ شرائع الذين من قبلكم من المحرمات والمحللات: من أهل التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائر الكتب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ .
أي: يريد أن يتوب عليكم.
وفي قوله - - أيضاً -: ﴿ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ يحتمل: يهديكم تلك السنن، أي: يبينها لكم أنها كانت ماذا؟
ويحتمل: ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ بمعنى: جعل تلك السنن هداية لكم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ يحتمل: سنته وسيرته في الذين من قبلكم؛ لتعتبروا به.
ويحتمل: سنتهم التي لزموها، وسيرتهم التي سلكوها بما لها من العواقب؛ لتتعظوا بها، والله أعلم بحقيقة ما انصرف إليه مراد الآية، لكن فيما احتمله، فهاهنا موعظة بيناها فيه، وعلى ذلك معنى قوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ يحتمل: كل ما به لنا نفع، أو كل ما بنا إليه حاجة، أو كل ما علينا القيام به، أو يرجع ذلك إلى الخاص مما يريد بالآية الإخبار عنه، وأن الذي علينا النظر فيما قد يفضل البيان عنه، وفيما أنبأنا عن سنته فيمن تقدمنا مما نرجو به الهداية والشفاء؛ للقيام بما علينا في ذلك من الحق دون الشهادة عليه - جل ثناؤه - بالمراد فيها في مخرج الكناية دون التصريح من الموعود.
وقوله - -: ﴿ لِيُبَيِّنَ ﴾ وأن يبين في مفهوم الخطاب فيما جرى به الذكر في هذه الآية واحد؛ إذ لو كان ذكر "أن" لسبق إلى الفهم غير الذي سبق في هذا على حق العباد من التفاهم، والله أعلم.
ثم كان معلوماً فيما أراد بقوله: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ ﴾ أنه لو لم يبين ما أراد بهذا الوعد ولم يهد - أنه كان يلحقه الخلف في الوعد؛ فعلى ذلك فيمن قال: يريد الله أن يتوب عليكم، ويريد الله أن يخفف عنكم: لو لم يكن يخفف ويتوب على من أريد بقوله: يتوب ويخفف عنكم - يلحقه الخلف في الوعد، ثم يخالف وصف كافر في حال أنه ممن تاب الله عليه؛ ثبت أنه لم يدخل في قوله - وتعالى - ﴿ وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ فإذا ثبت أنه لم يدخل فيه وجب فيه أمران: أحدهما: أن الإرادة ليست بأمر؛ إذ قد أمر الكافر بالتوبة.
والثاني: أن كل من لم يتب فهو ممن لم يرد الله أن يتوب عليه، وهو في قوله - -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ على أن الله - - قال في المؤمنين: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ﴾ وقال في الكفار: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ على التفريق بين الذي في علمه أن يختم مؤمنا، ومن في علمه أن يختم كافراً، على أن إرادة الهداية مع إرادة ألا يجعل له الحظ في الآخرة على الموعود - خلف، وإرادة من لا تدبير له في فعله، ولا يتصل به فعله - تمنٍّ في متعارف الأمر وتشهٍّ، ولا يجوز أن يضاف إلى لله - - الإرادة من هذا الوجه؛ فكان له حق الإرادة وهي التي يوصف بها من فعله الاختيار ثبت أن الله - - في فعل العباد فعلا: بحيث فعله يوصف بالإرادة، وفي ذلك وجوب القول بخلق أفعال العباد.
أو أن يكون المراد من تلك الإرادة - إذا لم تحتمل التمني، ولا الأمر - أن تكون الإرادة [التي تنفي] القهر والغلبة؛ فيلزم إذا ثبت نفي القهر - الوصفُ بالإرادة، وثبت أنه مريد لكل فعل نفي عنه القهر في وجوده، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ .
بما يؤتي [وينفي]، عليم بما به معاشكم وصلاحكم، وما به فسادكم وفساد معاشكم، ونحوه.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ وضع كل شيء موضعه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ .
قالت المعتزلة: قد أراد الله - - توبة من لا يتوب؛ فيقال لهم: ما التوبة عندكم؟
أليس عندكم التوبة: التجاوز والدعاء؟
فإذا وعد أن يتوب ولم يفعل - فهل ترك ذلك لا بعجز أو ذلك إلا لعجز أو بداء به، أو ذلك الوصف له بالعجز أو الجهل، فنعوذ بالله من الزيغ عن الحق، والسرف في القول.
وأما تأويله عندنا: والله يريد أن يتوب عليكم في الذي علمه أنهم يتوبون، أو كان ذلك إخباراً عن قوم أراد الله أن يتوب عليهم فتابوا.
وقال قوم: قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: يأمر أن يتوبوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ ﴾ الآية.
[أي]: من اختيار الدنيا على الدين، والأولى على الآخرة؛ لهوى يتبعه، وشهوة تغلبه، لا لتقصير من الله - عز وجل - عن البيان؛ بل لتركهم النظر والتأمل بالعواقب غلبت عليهم شهواتهم، واتبعوا أهواء أنفسهم: إما رياسة طلبوها، وإما سعة في الدنيا بغوها؛ فذلك الذي يمنعهم عن النظر في العاقبة، والتأمل في الآخرة؛ لذلك مالوا ميلا عظيماً، وخسروا خسراناً مبيناً، وضلوا ضلالا بعيداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ يحتمل هذا: أنه خفف علينا، ولم يحمل ما حمل على الأمم السالفة من الإصر والشدائد والأثقال والمشقات، مما جعل توبتهم قتلَ بعضهم بعضاً، وجعل توبتنا الندامة بالقلب، والرجوع عمّا ارتكبوا.
أو أن يقال: خفف عنا؛ حيث لم يستأصلنا، ولم يهلكنا بالخلاف له وترك الطاعة، على ما استأصل أولئك وأهلكهم.
ويحتمل التخفيف عنا - أيضاً -: وهو ما خفف علينا من إقامة العبادات والطاعات، من نحو: الحج، والجهاد، وغيره، حتى جعل القيام بذلك أخف على الإنسان وأيسر من قيامه بأخف العبادات [والطاعات] وأيسرها، وذلك من تخفيف الله علينا وتيسيره؛ فضلا منه ورحمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً ﴾ .
يحتمل: أن يكون أراد به الكافر؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾ وكقوله - -: و ﴿ إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً ﴾ وقد قيل: كل موضع ذكر فيه الإنسان فهو في كافر من ضعفه يضيق صدره، ويمل نفسه بطول الترك في النعم حتى يضجر فيها.
ويحتمل: أنه أراد به الكافر والمسلم، ووضعُه في ابتداء حاله أنه كان ضعيفاً؛ كقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ﴾ .
ويحتمل وصفه بالضعف له؛ لأنه ضعيف في نفسه، يمل من الطاعات والعبادات التي جعل الله عليه، ليس كالملائكة؛ حيث وصفهم أنهم لا يفترون ولا يستحسرون، ﴿ يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ﴾ ولا كذلك بنو آدم.
<div class="verse-tafsir"
يريد الله سبحانه بتشريعه هذه الأحكام لكم أن يبين لكم معالم شرعه ودينه، وما فيه مصالحكم في الدنيا والآخرة، ويريد أن يرشدكم إلى طرق الأنبياء من قبلكم في التحليل والتحريم، وشمائلهم الكريمة، وسيرهم الحميدة لتتبعوهم، ويريد أن يرجع بكم عن معصيته إلى طاعته، والله عليم بما فيه مصلحة عباده فيشرعه لهم، حكيم في تشريعه وتدبيره لشؤونهم.
من فوائد الآيات حُرْمة نكاح المتزوجات: حرائر أو إماء حتى تنقضي عدتهن أيًا كان سبب العدة.
أن مهر المرأة يتعين بعد الدخول بها، وجواز أن تحط بعض مهرها إذا كان بطيب نفس منها.
جواز نكاح الإماء المؤمنات عند عدم القدرة على نكاح الحرائر؛ إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنى.
من مقاصد الشريعة بيان الهدى والضلال، وإرشاد الناس إلى سنن الهدى التي تردهم إلى الله تعالى.
<div class="verse-tafsir" id="91.7gQe5"
قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ إلخ، استئناف بياني كأن قائلًا يقول ما هي حكمة هذه الأحكام وفائدتها لنا وهل كلف الله تعالى أمم الأنبياء السابقين إياها أو مثلها فلم يبح لهم أن يتزوجوا كل امرأة؟
وهل كان ما أمرنا به ونهانا عنه تشديدًا علينا أم تخفيفًا عنا؟؟
فجاءت الآيات مبينة أجوبة هذه الأسئلة التي من شأنها أن تخطر بالبال بعد العلم بتلك الأحكام، وقوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ ﴾ معناه أن يبين، فاللام ناصبة بمعنى "أن" المصدرية كما قال الكوفيون، ومثله ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ .
﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ ومنهم الذين يقولون بنكاح المتعة.
<div class="verse-tafsir"