الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٣٢ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 141 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٢ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : قالت أم سلمة : يا رسول الله ، يغزو الرجال ولا نغزو ، ولنا نصف الميراث .
فأنزل الله عز وجل : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أم سلمة أنها قالت : قلت : يا رسول الله .
.
.
فذكره ، وقال : غريب ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، أن أم سلمة قالت .
.
.
ورواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير وابن مردويه ، والحاكم في مستدركه ، من حديث الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : قالت أم سلمة : يا رسول الله ، لا نقاتل فنستشهد ، ولا نقطع الميراث!
فنزلت : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ) ثم نزلت : ( أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ) [ آل عمران : 195 ] .
ثم قال ابن أبي حاتم : وكذا روى سفيان بن عيينة ، يعني عن ابن أبي نجيح بهذا اللفظ .
وروى يحيى القطان ووكيع بن الجراح ، عن الثوري ، وعن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أم سلمة قالت : قلت : يا رسول الله .
.
.
وروي عن مقاتل بن حيان وخصيف نحو ذلك .
وروى ابن جرير من حديث ابن جريج ، عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا أنزلت في أم سلمة .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن شيخ من أهل مكة قال : نزلت هذه الآية في قول النساء : ليتنا الرجال فنجاهد كما يجاهدون ونغزو في سبيل الله عز وجل .
وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية ، حدثني أحمد بن عبد الرحمن ، حدثني أبي ، حدثنا الأشعث بن إسحاق ، عن جعفر - يعني ابن أبي المغيرة - عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في ] قوله [ ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ) قال : أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبي الله ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، وشهادة امرأتين برجل ، فنحن في العمل هكذا ، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة .
فأنزل الله هذه الآية : ( ولا تتمنوا ) فإنه عدل مني ، وأنا صنعته .
وقال السدي : قوله : في الآية ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) فإن الرجال قالوا : نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء ، كما لنا في السهام سهمان .
وقالت النساء : نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الرجال الشهداء ، فإنا لا نستطيع أن نقاتل ، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا فأبى الله ذلك ، ولكن قال لهم : سلوني من فضلي قال : ليس بعرض الدنيا .
وقد روي عن قتادة نحو ذلك .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : قوله : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) قال ولا يتمنى الرجل فيقول : " ليت لو أن لي مال فلان وأهله!
" فنهى الله عن ذلك ، ولكن يسأل الله من فضله .
وكذا قال محمد بن سيرين والحسن والضحاك وعطاء نحو ذلك وهو الظاهر من الآية ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح : " لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، فيقول رجل : لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله .
فهما في الأجر سواء " فإن هذا شيء غير ما نهت الآية عنه ، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا ، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا ، فقال : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) أي : في الأمور الدنيوية ، وكذا الدينية أيضا لحديث أم سلمة ، وابن عباس .
وهكذا قال عطاء بن أبي رباح : نزلت في النهي عن تمني ما لفلان ، وفي تمني النساء أن يكن رجالا فيغزون .
رواه ابن جرير .
ثم قال : ( للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ) أي : كل له جزاء على عمله بحسبه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
وهو قول ابن جرير .
وقيل : المراد بذلك في الميراث ، أي : كل يرث بحسبه .
رواه الترمذي عن ابن عباس : ثم أرشدهم إلى ما يصلحهم فقال : ( واسألوا الله من فضله ) ] أي [ لا تتمنوا ما فضل به بعضكم على بعض ، فإن هذا أمر محتوم ، والتمني لا يجدي شيئا ، ولكن سلوني من فضلي أعطكم; فإني كريم وهاب .
وقد روى الترمذي ، وابن مردويه من حديث حماد بن واقد : سمعت إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سلوا الله من فضله; فإن الله يحب أن يسأل وإن أفضل العبادة انتظار الفرج " .
ثم قال الترمذي : كذا رواه حماد بن واقد ، وليس بالحافظ ، ورواه أبو نعيم ، عن إسرائيل ، عن حكيم بن جبير ، عن رجل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح وكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع ، عن إسرائيل .
ثم رواه من حديث قيس بن الربيع ، عن حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله : " سلوا الله من فضله ، فإن الله يحب أن يسأل ، وإن أحب عباده إليه الذي يحب الفرج " .
ثم قال : ( إن الله كان بكل شيء عليما ) أي : هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها ، وبمن يستحق الفقر فيفقره ، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها ، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه; ولهذا قال : ( إن الله كان بكل شيء عليما )
القول في تأويل قوله : وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تشتهوا ما فضل الله به بعضكم على بعض.
(102) * * * وذكر أن ذلك نـزل في نساءٍ تمنين منازلَ الرجال، وأن يكون لهم ما لهم، فنهى الله عباده عن الأماني الباطلة، وأمرهم أن يسألوه من فضله، إذ كانت الأمانيّ تورِث أهلها الحسد والبغي بغير الحق.
(103) * * * ذكر الأخبار بما ذكرنا: 9236 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل، قال حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا نعطَي الميراث، ولا نغزو في سبيل الله فنُقتل؟
فنـزلت: " ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض ".
(104) 9237 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله: تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث!
فنـزلت: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ، ونـزلت: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ [سورة الأحزاب: 35].
9238 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ولا تتمنَّوا ما فضل الله به بعضكم على بعض "، يقول: لا يتمنى الرجل يقول: " ليت أنّ لي مالَ فلان وأهلَه "!
فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله.
9239 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض "، قال: قول النساء: " ليتنا رجالا فنغزو ونبلُغ ما يبلغ الرجال "!
(105) 9240 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض "، قولُ النساء يتمنين: " ليتنا رجال فنغزو "!
ثم ذكر مثل حديث محمد بن عمرو.
9241 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: أيْ رسول الله، أتغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصفُ الميراث؟
فنـزلت: " ولا تتمنوا ما فضل الله ".
(106) 9242 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن شيخ من أهل مكة قوله: " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض "، قال: كان النساء يقلن: " ليتنا رجال فنجاهد كما يجاهد الرجال، ونغزو في سبيل الله "!
فقال الله: " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ".
9243 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: تتمنى مالَ فلان ومال فلان!
وما يدريك؟
لعل هلاكَه في ذلك المال!
9244 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة ومجاهد: أنهما قالا نـزلت في أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة.
(107) 9245 - وبه قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء قال: هو الإنسان، يقول: " وددت أن لي مال فلان "!
قال: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ، وقول النساء: " ليت أنا رجالا فنغزو ونبلغ ما يبلغ الرجال "!
(108) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يتمنَّ بعضكم ما خصّ الله بعضًا من منازل الفضل.
*ذكر من قال ذلك: 9246 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض "، فإن الرجال قالوا: " نريد أن يكون لنا من الأجر الضعفُ على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، فنريد أن يكون لنا في الأجر أجران ".
وقالت النساء: " نريد أن يكون لنا أجرٌ مثل أجر الرجال، فإنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا "!
فأنـزل الله تعالى الآية، وقال لهم: سلوا الله من فضله، يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم.
9247 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد قال: نُهيتم عن الأمانيّ، ودُللتم على ما هو خير منه: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ .
9248 - حدثني المثنى قال، حدثنا عارم قال، حدثنا حماد بن زيد، &; 8-265 &; عن أيوب قال: كان محمد إذا سمع الرجل يتمنى في الدنيا قال: قد نهاكم الله عن هذا: " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض "، ودلكم على خير منه: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ .
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام على هذا التأويل: ولا تتمنوا، أيها الرجال والنساء، الذي فضل الله به بعضكم على بعض من منازل الفضل ودرجات الخير، وليرض أحدكم بما قسم الله له من نصيب، ولكن سَلُوا الله من فضله.
* * * القول في تأويل قوله : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: للرجال نصيب مما اكتسبوا، من الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية =" وللنساء نصيب " من ذلك مثل ذلك.
*ذكر من قال ذلك: 9249 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ، كان أهل الجاهلية لا يورَّثون المرأة شيئًا ولا الصبيَّ شيئًا، وإنما يجعلون الميراث لمن يَحْترف وينفع ويدفع.
(109) فلما نَجَزَ للمرأة نصيبها وللصبيّ نصيبه، (110) وجَعل للذكر مثل حظّ الأنثيين، قال النساء: " لو كان جعل أنصباءَنا في الميراث كأنصباء الرجال "!
وقال الرجال: " إنا لنرجو أن نفضَّل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث "!
فأنـزل الله: " للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن "، يقول: المرأة تُجزى بحسنتها عشر أمثالها، كما يُجْزى الرجل، قال الله تعالى: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ .
9250 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال، حدثني أبو ليلى قال، سمعت أبا حريز يقول: لما نـزل: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ، قالت النساء: كذلك عليهم نصيبان من الذنوب، كما لهم نصيبان من الميراث!
فأنـزل الله: " للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن "، يعني الذنوب = وَاسْأَلُوا اللَّهَ ، يا معشر النساء = مِنْ فَضْلِهِ .
(111) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: للرجال نصيب مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، وللنساء نصيب منهم.
*ذكر من قال ذلك: 9251 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن "، يعني: ما ترك الوالدان والأقربون: يقول: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ .
9252 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن أبي إسحاق، عن عكرمة أو غيره في قوله: " للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن "، قال: في الميراث، كانوا لا يورِّثون النساء.
* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية، قول من قال: معناه: للرجال نصيب من ثواب الله وعقابه مما اكتسبوا فعملوه من خير أو شر، وللنساء نصيب مما اكتسبن من ذلك كما للرجال.
وإنما قلنا إن ذلك أولى بتأويل الآية من قول من قال: " تأويله: للرجال نصيب من الميراث، وللنساء نصيب منه "، لأن الله جل ثناؤه أخبر أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبًا مما اكتسب.
وليس الميراث مما اكتسبه الوارث، وإنما هو مال أورثه الله عن ميّته بغير اكتساب، وإنما " الكسب " العمل، و " المكتسب ": المحترف.
(112) فغير جائز أن يكون معنى الآية = وقد قال الله: " للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ": للرجال نصيبٌ مما ورِثوا، وللنساء نصيب مما ورثن.
لأن ذلك لو كان كذلك لقيل: " للرجال نصيب مما لم يكتسبوا، وللنساء نصيب مما لم يكتسبن "!!
* * * القول في تأويل قوله : وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واسألوا الله من عونه وتوفيقه للعمل بما يرضيه عنكم من طاعته.
ففضله في هذا الموضع: توفيقه ومعونته كما:- (113) 9253 - حدثنا محمد بن مسلم الرازي قال، حدثنا أبو جعفر النفيلي قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن أشعث ، عن سعيد: " واسألوا الله من فضله "، قال: العبادة، ليست من أمر الدنيا.
9254 - حدثنا محمد بن مسلم قال، حدثني أبو جعفر قال، حدثنا موسى، عن ليث قال: " فضله "، العبادة، ليسَ من أمر الدنيا.
(114) 9255 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هشام، عن ليث، عن مجاهد في قوله: " واسألوا الله من فضله "، قال: ليس بعرض الدنيا.
9256 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " واسألوا الله من فضله "، يرزقكم الأعمال، وهو خير لكم.
9257 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي قال، حدثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل لم يسمه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يسأل، وإنّ من أفضل العبادة انتظار الفَرَج.
(115) * * * القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ الله كان بما يصلح عباده - فيما قسم لهم من خير، ورفع بعضهم فوق بعض في الدين والدنيا، وبغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم =" عليما "، يقول: ذا علم.
فلا تتمنوا (116) غير الذي قضى لكم، ولكن عليكم بطاعته، والتسليم لأمره، والرضى بقضائه، ومسألته من فضله.
------------------------- الهوامش : (102) انظر تفسير"التمني" فيما سلف 2: 366.
(103) ولكن هذا باب من القول والتشهي ، قد لج فيه أهل هذا الزمان ، وخلطوا في فهمه خلطًا لا خلاص منه إلا بصدق النية ، وبالفهم الصحيح لطبيعة هذا البشر ، وبالفصل بين ما هو أمان باطلة لا أصل لها من ضرورة ، وبالخروج من ربقة التقليد للأمم الغالبة ، وبالتحرر من أسر الاجتماع الفاسد الذي يضطرب بالأمم اليوم اضطرابًا شديدًا.
ولكن أهل ملتنا ، هداهم الله وأصلح شئونهم ، قد انساقوا في طريق الضلالة ، وخلطوا بين ما هو إصلاح لما فسد من أمورهم بالهمة والعقل والحكمة ، وبين ما هو إفساد في صورة إصلاح.
وقد غلا القوم وكثرت داعيتهم من ذوي الأحقاد ، الذين قاموا على صحافة زمانهم ، حتى تبلبلت الألسنة ، ومرجت العقول ، وانزلق كثير من الناس مع هؤلاء الدعاة ، حتى صرنا نجد من أهل العلم ، ممن ينتسب إلى الدين ، من يقول في ذلك مقالة يبرأ منها كل ذي دين.
وفرق بين أن تحيي أمة رجالا ونساء حياة صحيحة سليمة من الآفات والعاهات والجهالات ، وبين أن تسقط الأمة كل حاجز بين الرجال والنساء ، ويصبح الأمر كله أمر أمان باطلة ، تورث أهلها الحسد والبغي بغير الحق ، كما قال أبو جعفر لله دره ، ولله بلاؤه.
فاللهم اهدنا سواء السبيل ، في زمان خانت الألسنة فيه عقولها!
وليحذر الذين يخالفون عن أمر الله ، وعن قضائه فيهم ، أن تصيبهم قارعة تذهب بما بقي من آثارهم في هذه الأرض ، كما ذهبت بالذين من قبلهم.
(104) الحديث: 9236 - سفيان في هذا الإسناد: يجوز أن يكون الثوري ، وأن يكون ابن عيينة.
فمؤمل يروي عنهما ، وكلاهما روى هذا الحديث: الثوري في الرواية عقب هذه: 9237 ، وابن عيينة في الرواية: 9241.
وسيأتي تخريج الحديث في: 9241.
(105) في المطبوعة: "ليتنا رجال" بالرفع ، وهو الوجه السائر ، أما المخطوطة ، فقد كتب"رجالا" ، وضبطها بالقلم ضبطًا ، ولذلك أثبتها كما هي في المخطوطة ، و"ليت" تنصب الاسم وترفع الخبر ، وبعض النحويين ينصب الاسمين جميعًا ، وأنشدوا: يــا لَيْــتَ أَيَـامَ الصَّبَـا رَوَاجِعَـا وحكى بعض النحويين: أن بعض العرب يستعمل"ليت" ، بمنزلة"وجدت" ، فيعديها إلى مفعولين ، ويجريها مجرى الأفعال ، فيقول: "ليت زيدًا شاخصًا".
فرواية الخبر بالنصب ، صواب كما ترى ، لا معنى لتغييره.
ولا يحمل هذا على الخطأ من الناسخ ، فالظاهر أن أبا جعفر أتى بالخبر التالي وفيه: "ليتنا رجال" ، لينبه على هذه الرواية بالنصب.
وانظر ص 264 ، تعليق: 1.
(106) الحديث: 9241- هو في تفسير عبد الرزاق ، ص: 41 (مخطوط مصور) ، بهذا الإسناد.
وقد سبق بإسنادين آخرين: 9236 ، 9237.
ورواه أحمد في المسند 6: 322 (حلبي) ، عن سفيان ، وهو ابن عيينة ، بهذا الإسناد.
ورواه الترمذي 4: 88 ، عن ابن أبي عمر ، عن سفيان.
وفيه: "عن مجاهد ، عن أم سلمة: أنها قالت: يغزو الرجال..." ، إلخ.
ورواه الحاكم 2: 305-306 ، من طريق قبيصة بن عقبة ، عن سفيان - وهو الثوري - عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: "عن أم سلمة: أنها قالت...".
ورواه الواحدي في أسباب النزول ، ص 110 ، من طريق قتيبة ، عن ابن عيينة - كرواية عبد الرازق هنا ، وأحمد في المسند.
فاختلفت صيغة الرواية عن مجاهد.
ففي بعضها: "عن مجاهد ، قال: قالت أم سلمة".
وفي بعضها: "عن مجاهد عن أم سلمة: أنها قالت".
فالصيغة الأولى ظاهرها الإرسال ، لأن معناها أن مجاهدًا يحكي من قبل نفسه ما قالته أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون مرسلا ، لأنه لم يدرك ذلك.
والصيغة الثانية ظاهرها الاتصال ، لأن معناها أن مجاهدًا يذكر هذا رواية عن أم سلمة.
ثم يختلفون أيضًا في وصله دون حجة.
فقد قال الترمذي - بعد روايته"عن مجاهد عن أم سلمة"-: "هذا حديث مرسل.
ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، مرسلا: أن أم سلمة قالت كذا وكذا".
وقال الحالكم - بعد روايته"عن مجاهد عن أم سلمة"-: "هذا حديث على شرط الشيخين ، إن كان سمع مجاهد من أم سلمة".
ووافقه الذهبي على تصحيحه ، وأعرض عن تعليله فلم يشر إليه.
وعندي - بما أرى من السياق والقرائن - أن الروايتين بمعنى واحد ، وإنما هو اختلا ، في اللفظ من تصرف الرواة.
وكلها بمعنى"مجاهد عن أم سلمة".
فقد ثبت اللفظان من رواية ابن عيينة.
وكذا قد ثبتا في رواية الثوري ، هنا في: 9237 ، وفي رواية الحاكم.
وقد نقل ابن كثير 2: 428 ، عن ابن أبي حاتم أنه قال: "وروى يحيى القطان ووكيع بن الجراح ، عن الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أم سلمة ، قالت: قلت: يا رسول الله".
وأما حكم الترمذي في روايته من طريق ابن عيينة -بأنه حديث مرسل ، فإنه جزم بلا دليل.
ومجاهد أدرك أم سلمة يقينًا وعاصرها ، فإنه ولد سنة 21 ، وأم سلمة ماتت بعد سنة 60 على اليقين.
والمعاصرة - من الراوي الثقة - تحمل على الاتصال ، إلا أن يكون الراوي مدلسًا.
ولم يزعم أحد أن مجاهدًا مدلس ، إلا كلمة قالها القطب الحلبي في شرح البخاري ، حكاها عنه الحافظ في التهذيب 10: 44 ، ثم عقب عليها بقوله: "ولم أر من نسبه إلى التدليس".
وقال الحافظ أيضًا في الفتح 6: 194 ، ردًا على من زعم أن مجاهدًا لم يسمع من عبد الله بن عمرو - : "لكن سماع مجاهد بن عبد الله من عمرو ثابت ، وليس بمدلس".
فثبت عندنا اتصال الحديث وصحته.
والحمد لله.
والحديث ذكره ابن كثير 2: 428 ، من رواية المسند ، ثم أشار إلى روايات الترمذي ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وابن جرير ، والحاكم.
وذكره السيوطي 2: 149 ، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وسعيد بن منصور ، وابن المنذر.
(107) الأثر: 9244 - ابن كثير 2: 429 ، والدر المنثور 2: 149 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.
(108) في المطبوعة: "ليتنا رجال فنغزو" ، على الوجه السائر ، ولكني أثبت ما في المخطوطة ، ولم أغيره ، وهو صواب عند النحاة ، فإنهم يقولون: إن من بعض لغات العرب أن تنصب"أن" الاسم والخبر جميعًا ، قال بذلك أبو عبيد القاسم بن سلام والفراء وابن السيد وابن الطراوة.
واستشهدوا بقول الشاعر إذَا الْتَـفَّ جِـنْحُ اللَّيْـلِ، فَلْتَأْتِ، وَلْتَكُنْ خُطَــاكَ خِفَافًـا إنَّ حُرَّاسَـنَا أُسْـدَا وانظر التعليق السالف ص: 261 ، تعليق: 2.
(109) احترف لعياله ، وحرف لعياله: سعى لهم في الكسب وطلب الرزق.
(110) في المطبوعة والمخطوطة والدر المنثور 2: 149"لحق" ، واللام في المخطوطة مائلة.
فرأيت أن"لحق" هنا لا معنى لها ، ولم أجدها من قبل في كلام معناه كمعنى هذا الكلام ، واجتهدت قراءتها ، ورجحت أنها"نجز".
يقال: "نجز حاجته": إذا قضاها وعجلها ، كأنه قال: فلما عجل للمرأة نصيبها وقضاه.
(111) الأثر: 9250 -"عبد الرحمن بن أبي حماد" انظر ما سلف عنه برقم: 3109 ، 4077 ، 6691 ، 8431 ، ورواية المثنى عنه.
و"أبو ليلى" هو: "عبد الله بن ميسرة الكوفي" ، ويكنى"أبا إسحاق" ، وقد سلفت ترجمته برقم: 6920.
و"أبو حريز" هو: "عبد الله بن الحسين الأزدي" قاضي سجستان.
قال ابن حبان في الثقات: "صدوق" ، وقال ابن أبي عدي: "عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد".
وقال سعيد بن أبي مريم: "كان صاحب قياس ، وليس في الحديث شيء".
مترجم في التهذيب.
وكان في المطبوعة: "أبو جرير" ، وهو خطأ ، والمخطوطة غير منقوطة.
(112) انظر تفسير"الكسب" و"الاكتساب" فيما سلف 2: 273 ، 274 / 3: 100 ، 101 ، 128 ، 129 / 4: 449 / 6: 131 ، 295 / 7: 327 ، 364.
(113) انظر تفسير: "الفضل" فيما سلف 2: 344 / 5: 164 ، 571 / 6: 516 / 7: 299 ، 414.
(114) الأثران: 9253 ، 9254-"محمد بن مسلم الرازي" ، هو المعروف بابن واره ، واسمه"محمد بن مسلم بن عثمان بن عبد الله" ، الحافظ ، كان أحد المتقنين الأمناء ، قالوا: كان ابن مسلم شيئًا عجبًا.
وكان أبو زرعة الرازي لا يقوم لأحد ، ولا يجلس أحدًا في مكانه إلا ابن واره.
وكان ابن واره فيه بأو شديد وعجب.
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 79 ، وتاريخ بغداد 3: 256.
و"أبو جعفر النفيلي" ، هو: "عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل القضاعي" ، روى له الأئمة.
كان حافظًا ، وكان الإمام أحمد إذا رآه يعظمه.
مترجم في التهذيب.
(115) الأثر: 9257 -"حكيم بن جبير الأسدي" ، تكلموا فيه ، قال أحمد: "ضعيف الحديث مضطرب" ، وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث ، منكر الحديث ، له رأي غير محمود ، نسأل الله السلامة ، غال في التشيع".
وهذا الأثر رواه الترمذي في كتاب الدعوات: 514 من طريق: بشر بن معاذ العقدي ، عن حماد بن واقد ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، ثم قال الترمذي: "هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث ، وحماد بن واقد ليس بالحافظ.
وروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل ، عن حكيم بن جبير ، عن رجل ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح".
وقال ابن كثير في تفسيره 2: 430 ، ونقل ما قاله الترمذي: "وكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع عن إسرائيل.
ثم رواه من حديث قيس بن الربيع ، عن حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوا الله من فضله ، فإن الله يحب أن يسأل ، وإن أحب عباد الله إلى الله الذي يحب الفرج".
(116) في المخطوطة والمطبوعة: "ولا تتمنوا" ، والجيد ما أثبت.
قوله تعالى : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليمافيه أربع مسائل :الأولى : روى الترمذي عن أم سلمة أنها قالت : يغزو الرجال ولا يغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث ؛ فأنزل الله تعالى : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض .
قال مجاهد : وأنزل فيها إن المسلمين والمسلمات ، وكانت أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة .
قال أبو عيسى : هذا حديث مرسل ، ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، مرسل أن أم سلمة قالت كذا .
وقال قتادة : كان الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان ؛ فلما ورثوا وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن لو جعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال .
وقال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث ؛ فنزلت ، ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض .الثانية : قوله تعالى : " ولا تتمنوا " : التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل ، كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي ؛ فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني ؛ لأن فيه تعلق البال ونسيان الأجل .
وقد اختلف العلماء هل يدخل في هذا النهي الغبطة ، وهي أن يتمنى الرجل أن يكون له حال صاحبه وإن لم يتمن زوال حاله .
والجمهور على إجازة ذلك : مالك وغيره ؛ وهي المراد عند بعضهم في قوله عليه السلام لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار .
فمعنى قوله [ ص: 143 ] : لا حسد أي : لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الأمرين .
وقد نبه البخاري على هذا المعنى حيث بوب على هذا الحديث ( باب الاغتباط في العلم والحكمة ) قال المهلب : بين الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنيه ، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها .
قال ابن عطية : وأما التمني في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن ، وأما إذا تمنى المرء على الله من غير أن يقرن أمنيته بشيء مما قدمنا ذكره فذلك جائز ؛ وذلك موجود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قول : وددت أن أحيا ثم أقتل .قلت : هذا الحديث هو الذي صدر به البخاري كتاب التمني في صحيحه ، وهو يدل على تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها ، وفيه فضل الشهادة على سائر أعمال البر ؛ لأنه عليه السلام تمناها دون غيرها ، وذلك لرفيع منزلتها وكرامة أهلها ، فرزقه الله إياها ؛ لقوله : ما زالت أكلة خيبر تعاودني الآن أوان قطعت أبهري .
وفي الصحيح : إن الشهيد يقال له تمن فيقول أتمنى أن أرجع إلى الدنيا حتى أقتل في سبيلك مرة أخرى .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى إيمان أبي طالب وإيمان أبي لهب وصناديد قريش مع علمه بأنه لا يكون ؛ وكان يقول : واشوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني .
وهذا كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعية إلى الحسد والتباغض ، والتمني المنهي عنه في الآية من هذا القبيل ؛ فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر ، وسواء تمنيت مع ذلك أن يعود إليك أو لا .
وهذا هو الحسد بعينه ، وهو الذي ذمه الله تعالى بقوله : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ويدخل فيه أيضا خطبة الرجل على خطبة أخيه وبيعه على بيعه ؛ لأنه داعية الحسد والمقت .
وقد كره بعض العلماء الغبطة وأنها داخلة في النهي ، والصحيح جوازها على ما بينا ، وبالله توفيقنا .
وقال الضحاك : لا يحل لأحد أن يتمنى مال أحد ، ألم تسمع الذين قالوا : يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إلى أن قال : وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس حين خسف به وبداره وبأمواله لولا أن من الله علينا لخسف بنا وقال الكلبي : لا يتمن الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته ؛ ولكن ليقل : اللهم ارزقني مثله .
وهو كذلك في التوراة ، وكذلك قوله في القرآن واسألوا الله من فضله .
وقال ابن عباس : نهى الله سبحانه أن يتمنى الرجل مال فلان [ ص: 144 ] وأهله ، وأمر عباده المؤمنين أن يسألوه من فضله .
ومن الحجة للجمهور قوله صلى الله عليه وسلم : إنما الدنيا لأربعة نفر : رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل به رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل ، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو صادق النية يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء الحديث .
.
.
وقد تقدم .
خرجه الترمذي وصححه .وقال الحسن : لا يتمن أحدكم المال وما يدريه لعل هلاكه فيه ؛ وهذا إنما يصح إذا تمناه للدنيا ، وأما إذا تمناه للخير فقد جوزه الشرع ، فيتمناه العبد ليصل به إلى الرب ، ويفعل الله ما يشاء .الثالثة : قوله تعالى : للرجال نصيب مما اكتسبوا يريد من الثواب والعقاب وللنساء كذلك ؛ قال قتادة .
فللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال .
وقال ابن عباس : المراد بذلك الميراث .
والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة ، للذكر مثل حظ الأنثيين ؛ فنهى الله عز وجل عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد ؛ ولأن الله تعالى أعلم بمصالحهم منهم ؛ فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم .الرابعة : قوله تعالى : واسألوا الله من فضله روى الترمذي عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج وخرج أيضا ابن ماجه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يسأل الله يغضب عليه .
وهذا يدل على أن الأمر بالسؤال لله تعالى واجب ؛ وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى فنظمه فقال :الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضبوقال أحمد بن المعذل أبو الفضل الفقيه المالكي فأحسن :التمس الأرزاق عند الذي ما دونه إن سيل من حاجبمن يبغض التارك تسآله جودا ومن يرضى عن الطالبومن إذا قال جرى قوله بغير توقيع إلى كاتبوقد أشبعنا القول في هذا المعنى في كتاب " قمع الحرص بالزهد والقناعة " .
وقال سعيد بن جبير : واسألوا الله من فضله العبادة ، ليس من أمر الدنيا .
وقيل : سلوه التوفيق للعمل بما يرضيه .
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : سلوا ربكم حتى الشبع ؛ فإنه إن لم ييسره الله عز وجل لم يتيسر .
وقال سفيان بن عيينة : لم يأمر بالسؤال إلا ليعطي .[ ص: 145 ] وقرأ الكسائي وابن كثير : " وسلوا الله من فضله " بغير همز في جميع القرآن .
الباقون بالهمز .
" واسألوا الله " .
وأصله بالهمز إلا أنه حذفت الهمزة للتخفيف .
والله أعلم .
ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى بعضهم ما فضل الله به غيره من الأمور الممكنة وغير الممكنة.
فلا تتمنى النساء خصائص الرجال التي بها فضلهم على النساء، ولا صاحب الفقر والنقص حالة الغنى والكمال تمنيا مجردا لأن هذا هو الحسد بعينه، تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك ويسلب إياها.
ولأنه يقتضي السخط على قدر الله والإخلاد إلى الكسل والأماني الباطلة التي لا يقترن بها عمل ولا كسب.
وإنما المحمود أمران: أن يسعى العبد على حسب قدرته بما ينفعه من مصالحه الدينية والدنيوية، ويسأل الله تعالى من فضله، فلا يتكل على نفسه ولا على غير ربه.
ولهذا قال تعالى: { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا } أي: من أعمالهم المنتجة للمطلوب.
{ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ } فكل منهم لا يناله غير ما كسبه وتعب فيه.
{ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } أي: من جميع مصالحكم في الدين والدنيا.
فهذا كمال العبد وعنوان سعادته لا من يترك العمل، أو يتكل على نفسه غير مفتقر لربه، أو يجمع بين الأمرين فإن هذا مخذول خاسر.
وقوله: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } فيعطي من يعلمه أهلا لذلك، ويمنع من يعلمه غير مستحق.
قوله تعالى : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) الآية ، قال مجاهد : قالت أم سلمة : يا رسول الله إن الرجال يغزون ولا نغزو ولهم ضعف ما لنا من الميراث ، فلو كنا رجالا غزونا كما غزوا وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا .
فنزلت هذه الآية .
وقيل : لما جعل الله عز وجل للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث ، قالت النساء : نحن أحق وأحوج إلى الزيادة من الرجال ، لأنا ضعفاء وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش ، فأنزل الله تعالى : ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) وقال قتادة والسدي لما نزل قوله : ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) قال الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كما فضلنا عليهن في الميراث فقال الله تعالى : ( للرجال نصيب مما اكتسبوا ) من الأجر ( وللنساء نصيب مما اكتسبن ) معناه : أن الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء ، وذلك أن الحسنة تكون بعشر أمثالها يستوي فيها الرجال والنساء ، وإن فضل الرجال في الدنيا على النساء .
وقيل : معناه للرجال نصيب مما اكتسبوا من أمر الجهاد وللنساء نصيب مما اكتسبن من طاعة الأزواج وحفظ الفروج ، يعني إن كان للرجال فضل الجهاد فللنساء فضل طاعة الأزواج وحفظ الفروج .
قوله تعالى : ( واسألوا الله من فضله ) قرأ ابن كثير والكسائي وسلوا ، وسل ، وفسل إذا كان قبل السين واو أو فاء بغير همز ، ونقل حركة الهمزة إلى السين ، والباقون بسكون السين مهموزا .
فنهى الله تعالى عن التمني لما فيه من دواعي الحسد ، والحسد أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبه ويتمناها لنفسه ، وهو حرام ، والغبطة أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه وهو جائز .
قال الكلبي : لا يتمنى الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ، ولكن ليقل اللهم ارزقني مثله ، وهو كذلك في التوراة كذلك في القرآن .
قوله : ( واسألوا الله من فضله ) قال ابن عباس : واسألوا الله من فضله : أي : من رزقه ، قال سعيد بن جبير : من عبادته ، فهو سؤال التوفيق للعبادة ، قال سفيان بن عيينة : لم يأمر بالمسألة إلا ليعطي .
( إن الله كان بكل شيء عليما ) .
«ولا تتمنَّوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض» من جهة الدنيا أو الدين لئلا يؤدى إلى التحاسد والتباغض «للرجال نصيب» ثواب «مما اكتسبوا» بسبب ما عملوا من الجهاد وغيره «وللنساء نصيب مما اكتسبن» من طاعة أزواجهن وحفظ فروجهن نزلت لما قالت أم سلمة: ليتنا كنا رجالا فجاهدنا وكان لنا مثل أجر الرجال «واسألوا» بهمزة ودونها «الله من فضله» ما احتجتم إليه يعطكم «إن الله كان بكل شيء عليما» ومنه محل الفضل وسؤالكم.
ولا تتمنوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض، في المواهب والأرزاق وغير ذلك، فقد جعل الله للرجال نصيبًا مقدَّرًا من الجزاء بحسب عملهم، وجعل للنساء نصيبًا مما عملن، واسألوا الله الكريم الوهاب يُعْطِكم من فضله بدلا من التمني.
إن الله كان بكل شيء عليمًا، وهو أعلم بما يصلح عباده فيما قسمه لهم من خير.
روى المفسرون فى سبب نزول الآية الأولى روايات منها ما رواه الإِمام أحمد والترمذى عن مجاهد قال : قالت أم سلمة : يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو ، ولنا نصف الميراث فأنزل الله - تعالى - ( وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ) .وقال قتادة : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان ، فلما ورثوا وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين تمنى النساء أن لو جعل أنصباؤهن كأنصباء الرجال .
وقال الرجال : إنا لنرجوا أن نفضل على النساء بحسناتنا فى الآخرة كما فضلنا عليهن فى الميراث فنزلت ( وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ) .والتمنى المنهى عنه هنا : هو الذى يتضمن معنى الطمع فيما فى يد الغير ، والحسد له على ما أعطاه الله من مال أو جاه أو غير ذلك مما يجرى فيه التنافس بين الناس وذلك لأن التمنى بهذه الصورة يؤدى إلى شقاء النفس ، وفساد الخلق والدين ، ولأنه أشبه ما يكون بالاعتراض على قسمة الخالق العليم الخبير بأحوال خلقه وبشئون عباده .ولا يدخل فى التمنى المنهى عنه ما يسميه العلماء بالغبطة ، وهى أن يتمنى الرجل أن يكون له مثل ما عند غيره من خير دون أن ينقص شئ مما عند ذلك الغير .قال صاحب الكشاف : قوله ( وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ ) نهوا عن التحاسد وعن تمنى ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال ، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد ، وبما يصلح المقسوم له من بسط فى الرزق أو قبض ( وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ) فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم الله به ، علماً بأن ما قسم له هو مصلحته ، ولو كان خلافه لكان مفسدة له ، ولا يحسد أخاه على حظه .وقوله - تعالى - ( بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبن ) تعليل للنهى السابق .
أى لكل من فريقى الرجال والنساء حظ مقدر مما اكتسبوه من أعمال ، ونصيب معين فيما ورثوه أو أصابوه من أموال ، وإذا كان الأمر كذلك فلا يليق بعاقل أن يتمنى خلاف ما قسم الله له من رزق ، بل عليه أن يرضى بما قسم الله له .
فالله - تعالى - هو الذى قدر أرزاق الرجال والنساء على حسب ما تقتضيه حكمته وعلمه ، وهو الذى كلف كل فريق منهم بواجبات وأعمال تليق باستعداده وتكوينه .وقوله ( واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ) عطف على النهى .
فكأنه قيل : لا تتمنوا ولا تتطلعوا إلى ما فى أيدى غيركم ، ولا تحسدوه على ما رزقه الله ، بل اجعلوا تجاهكم إلى الله وحده ، والتمسوا منه ما تشاءوه من نعمه الجليلة ، ومن حظوظ الدنيا والآخرة ، فهو القائل( مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم ) وحذف المفعول من الجملة الكريمة لإِفادة العموم .
أى : واسألوا الله ما شئتم من إحسانه الزائد ، وإنعامه المتكاثر حتى تطمئن نفوسكم ، ويبتعد عنها الطمع والقلق والألم .قال ابن كثير : قوله ( واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ) أى لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض؛ فإن التمنى لا يجدى شيئاً ، ولكن سلونى من فضلى أعطكم فإنى كريم وهاب .
روى أبو نعيم وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل ، وإن أحب عباد الله إلى الله للذى يحب الفرج " .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( إِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) أى إن الله - تعالى - كان وما زال عليما بكل شئ من شئون هذا الكون ، وقد وزع - سبحانه - أرزاقه ومواهبه على عباده بمقتضى علمه وحكمته ، فجعل فيهم الغنى والفقير ، فيحتاج بعضهم إلى بعض ، وليتبادلوا المنافع التى لا غنى لهم عنها ، وكلف كل فريق منهم بما يتناسب مع تكونيه واستعداده ( صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ )
اعلم أن في النظم وجهين: الأول: قال القفال رحمه الله: إنه تعالى لما نهاهم في الآية المتقدمة عن أكل الأموال بالباطل، وعن قتل النفس، أمرهم في هذه الآية بما سهل عليهم ترك هذه المنهيات، وهو أن يرضى كل أحد بما قسم الله له، فانه إذا لم يرض بذلك وقع في الحسد، وإذا وقع في الحسد وقع لا محالة في أخذ الأموال بالباطل وفي قتل النفوس، فإما إذا رضي بما قدر الله أمكنه الاحتراز عن الظلم في النفوس وفي الأموال.
الوجه الثاني: في كيفية النظم: هو أن أخذ المال بالباطل وقتل النفس، من أعمال الجوارح فأمر أولا بتركهما ليصير الظاهر طاهراً عن الأفعال القبيحة، وهو الشريعة.
ثم أمر بعده بترك التعرض لنفوس الناس وأموالهم بالقلب على سبيل الحسد، ليصير الباطن طاهرا عن الاخلاق الذميمة، وذلك هو الطريقة.
ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: التمني عندنا عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون، ولهذا قلنا: إنه تعالى لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن لكان متمنيا.
وقالت المعتزلة: النهي عن قول القائل: ليته وجد كذا، أو ليته لم يوجد كذا، وهذا بعيد لأن مجرد اللفظ إذا لم يكن له معنى لا يكون تمنيا، بل لابد وأن يبحث عن معنى هذا اللفظ، ولا معنى له إلا ما ذكرناه من إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون.
المسألة الثانية: اعلم أن مراتب السعادات إما نفسانية، أو بدنية، أو خارجية.
أما السعادات النفسانية فنوعان: أحدهما: ما يتعلق بالقوة النظرية، وهو: الذكاء التام والحدس الكامل، والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية والكيفية.
وثانيهما: ما يتعلق بالقوة العملية، وهي: العفة التي هي وسط بين الخمود والفجور، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن، واستعمال الحكمة العملية الذي هو توسط بين البله والجربزة، ومجموع هذه الأحوال هو العدالة.
وأما السعادات البدنية: فالصحة والجمال، والعمر الطويل في ذلك مع اللذة والبهجة.
وأما السعادات الخارجية: فهي كثرة الأولاد الصلحاء، وكثرة العشائر، وكثرة الأصدقاء والأعوان، والرياسة التامة، ونفاذ القول، وكونه محبوبا للخلق حسن الذكر فيهم، مطاع الأمر فيهم، فهذا هو الاشارة الى مجامع السعادات، وبعضها فطرية لا سبيل للكسب فيه، وبعضها كسبية، وهذا الذي يكون كسبيا متى تأمل العاقل فيه يجده أيضا محض عطاء الله، فانه لا ترجيح للدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات، وإلا فيكون سبب السعي والجد مشتركا فيه، ويكون الفوز بالسعادة والوصول إلى المطلوب غير مشترك فيه، فهذا هو أقسام السعادات التي يفضل الله بعضهم على بعض فيها.
المسألة الثانية: أن الإنسان إذا شاهد أنواع الفضائل حاصلة لإنسان، ووجد نفسه خاليا عن جملتها أو عن أكثرها، فحينئذ يتألم قلبه ويتشوش خاطره، ثم يعرض هاهنا حالتان: إحداهما: أن يتمنى زوال تلك السعادات عن ذلك الإنسان، والأخرى: أن لا يتمنى ذلك، بل يتمنى حصول مثلها له.
أما الأول فهو الحسد المذموم، لأن المقصود الأول لمدبر العالم وخالقه: الإحسان إلى عبيده والجود اليهم وإفاضة أنواع الكرم عليهم، فمن تمنى زوال ذلك فكأنه اعترض على الله تعالى فيما هو المقصود بالقصد الأول من خلق العالم وإيجاد المكلفين، وأيضا ربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعم من ذلك الإنسان فيكون هذا اعتراضا على الله وقدحا في حكمته، وكل ذلك مما يلقيه في الكفر وظلمات البدعة، ويزيل عن قلبه نور الإيمان، وكما أن الحسد سبب للفساد في الدين، فكذلك هو السبب للفساد في الدنيا، فإنه يقطع المودة والمحبة والموالاة، ويقلب كل ذلك إلى أضدادها، فلهذا السبب نهى الله عباده عنه فقال: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ ﴾ .
واعلم أن سبب المنع من هذا الحسد يختلف باختلاف أصول الأديان، أما على مذهب أهل السنة والجماعة، فهو أنه تعالى فعال لما يريد: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ﴾ فلا اعتراض عليه في فعله.
ولا مجال لأحد في منازعته، وكل شيء صنعه ولا علة لصنعه، وإذا كان كذلك فقد صارت أبواب القيل والقال مسدودة، وطرق الاعتراضات مردودة.
وأما على مذهب المعتزلة فهذا الطريق أيضا مسدود، لأنه سبحانه علام الغيوب فهو أعرف من خلقه بوجوه المصالح ودقائق الحكم، ولهذا المعنى قال: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ﴾ وعلى التقديرين فلابد لكل عاقل من الرضا بقضاء الله سبحانه، ولهذا المعنى حكى الرسول صلى الله عليه وسلم عن رب العزة أنه قال: من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر لنعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر لنعمائي فليطلب ربا سواي فهذا هو الكلام فيما إذا تمنى زوال تلك النعمة عن ذلك الإنسان، ومما يؤكد ذلك ما روى ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتقوم مقامها فان الله هو رازقها».
والمقصود من كل ذلك المبالغة في المنع من الحسد.
أما إذا لم يتمن ذلك بل تمنى حصول مثلها له فمن الناس من جوز ذلك إلا أن المحققين قالوا: هذا أيضا لا يجوز، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة عليه في الدنيا، فلهذا السبب قال المحققون: إنه لا يجوز للانسان أن يقول: اللهم أعطني دارا مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحا في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.
وإذا تأمل الإنسان كثيرا لم يجد دعاء أحسن مما ذكر الله في القرآن تعليما لعباده وهو قوله: ﴿ آتنا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً ﴾ وروى قتادة عن الحسن أنه قال: لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال، كما في حق ثعلبة وهذا هو المراد بقوله في هذه الآية: ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ .
المسألة الرابعة: ذكروا في سبب النزول وجوها: الأول: قال مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا، فليتنا كنا رجالا فنزلت الآية.
الثاني: قال السدي: لما نزلت آية المواريث قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث وقال النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال كما في الميراث فنزلت الآية: الثالث: لما جعل الله الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين قالت النساء: نحن أحوج لأنّا ضعفاء، وهم أقدر على طلب المعاش فنزلت الآية.
الرابع: أتت واحدة من النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء.
فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا، فنزلت الآية.
فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟
فقال صلى الله عليه وسلم: «إن للحامل منكن أجر الصائم القائم فإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإذا أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس».
ثم قال تعالى: ﴿ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبن ﴾ .
واعلم أنه يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما يتعلق بأحوال الدنيا، وأن يكون ما يتعلق بأحوال الآخرة، وأن يكون ما يتعلق بهما.
أما الاحتمال الأول: ففيه وجوه: الأول: أن يكون المراد لكل فريق نصيب مما اكتسب من نعيم الدنيا، فينبغي أن يرضى بما قسم الله له.
الثاني: كل نصيب مقدر من الميراث على ما حكم الله به فوجب أن يرضى به، وأن يترك الاعتراض، والاكتساب على هذا القول بمعنى الاصابة والاحراز.
الثالث: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان، فأبطل الله ذلك بهذه الآية، وبين أن لكل واحد منهم نصيبا، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا كان أو كبيرا.
وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد بهذه الآية: ما يتعلق بأحوال الآخرة ففيه وجوه: الأول: المراد لكل أحد قدر من الثواب يستحقه بكرم الله ولطفه، فلا تتمنوا خلاف ذلك.
الثاني: لكل أحد جزاء مما اكتسب من الطاعات، فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم وتقديره: لا تضيع مالك وتتمن ما لغيرك.
الثالث: للرجال نصيب مما اكتسبوا سبب قيامهم بالنفقة على النساء، وللنساء نصيب مما اكتسبن، يريد حفظ فروجهن وطاعة أزواجهن، وقيامها بمصالح البيت من الطبخ والخبز وحفظ الثياب ومصالح المعاش، فالنصيب على هذا التقدير هو الثواب.
وأما الاحتمال الثالث: فهو أن يكون المراد من الآية: كل هذه الوجوه: لأن هذا اللفظ محتمل، ولا منافاة.
ثم قال تعالى: ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير والكسائي: ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ بغير همز، بشرط أن يكون أمراً من السؤال، وبشرط أن يكون قبله واو أو فاء، والباقون بالهمز في كل القرآن.
أما الأول: فنقل حركة الهمزة الى السين، واستغنى عن ألف الوصل فحذفها.
وأما الثاني: فعلى الأصل.
واتفقوا في قوله: ﴿ وَلْيَسْئَلُواْ ﴾ أنه بالهمزة، لأنه أمر لغائب.
المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: قوله: ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ في موضع المفعول الثاني في قول أبي الحسن ويكون المفعول الثاني محذوفا في قياس قول سيبويه، والصفة قائمة مقامه، كأنه قيل: واسألوا الله نعمته من فضله.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ تنبيه على أن الإنسان لا يجوز له أن يعين شيئاً في الطلب والدعاء، ولكن يطلب من فضل الله ما يكون سبباً لصلاحه في دينه ودنياه على سبيل الاطلاق.
ثم قال: ﴿ إِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَيء عَلِيماً ﴾ والمعنى أنه تعالى هو العالم بما يكون صالحا للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل، وليحترز في دعائه عن التعيين، فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ ﴾ نهوا عن التحاسد وعن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو قبض ﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ﴾ [الشورى: 27] فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له، ولا يحسد أخاه على حظه ﴿ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا ﴾ جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسباً له ﴿ واسألوا الله مِن فَضْلِهِ ﴾ ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل، ولكن سلوا الله من خزائنه التي لا تنفد.
وقيل: كان الرجال قالوا: إن الله فضلنا على النساء في الدنيا: لنا سهمان ولهن سهم واحد، فنرجو أن يكون لنا أجران في الآخرة على الأعمال ولهن أجر واحد، فقالت أم سلمة ونسوة معها: ليت الله كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجال فيكون لنا من الأجر مثل ما لهم.
فنزلت.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ ﴾ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كالجاهِ والمالِ، فَلَعَلَّ عَدَمَهُ خَيْرٌ والمُقْتَضِي لِلْمَنعِ كَوْنُهُ ذَرِيعَةً إلى التَّحاسُدِ والتَّعادِي، مُعْرِبَةً عَنْ عَدَمِ الرِّضا بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، وأنَّهُ تَشَهٍّ لِحُصُولِ الشَّيْءِ لَهُ مِن غَيْرِ طَلَبِ وهو مَذْمُومٌ، لِأنَّ تَمَنِّيَ ما لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مُعارَضَةٌ لِحِكْمَةِ القَدَرِ، وتَمَنِّي ما قُدِّرَ لَهُ بِكَسْبِ بِطالَةٍ وتَضْيِيعِ حَظٍّ، وتَمَنِّي ما قُدِّرَ لَهُ بِغَيْرِ كَسْبٍ ضائِعٌ ومُحالٌ.
﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ ﴾ بَيانٌ لِذَلِكَ أيْ لِكُلٍّ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ فَضْلٌ ونَصِيبٌ بِسَبَبِ ما اكْتَسَبَ ومِن أجْلِهِ، فاطْلُبُوا الفَضْلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالعَمَلِ لا بِالحَسَدِ، والتَّمَنِّي كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي».» وَقِيلَ المُرادُ نَصِيبُ المِيراثِ وتَفْضِيلُ الوَرَثَةِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ فِيهِ، وجَعَلَ ما قَسَمَ لِكُلٍّ مِنهم عَلى حَسَبِ ما عَرَفَ مِن حالِهِ المُوجِبَةِ لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ كالمُكْتَسِبِ لَهُ.
﴿ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ أيْ لا تَتَمَنَّوْا ما لِلنّاسِ واسْألُوا اللَّهَ مِثْلَهُ مِن خَزائِنِهِ الَّتِي لا تَنْفَذُ.
وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هو الحَسَدُ، أوْ لا تَتَمَنَّوْا واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ بِما يُقَرِّبُهُ ويَسُوقُهُ إلَيْكم.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ وسْئَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ وسَلْهم فَسَلِ الَّذِينَ وشَبَّهَهُ إذا كانَ أمْرًا مُواجِهًا بِهِ، وقَبْلَ السِّينِ واوٌ أوْ فاءٌ بِغَيْرِ هَمْزٍوَحَمْزَةُ في الوَقْفِ عَلى أصْلِهِ والباقُونَ بِالهَمْزِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ فَهو يَعْلَمُ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ إنْسانٍ فَيُفَضِّلُ عَنْ عِلْمٍ وتِبْيانٍ.
رُوِيَ « (أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ يَغْزُو الرِّجالُ ولا نَغْزُو وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ لَيْتَنا كُنّا رِجالًا فَنَزَلَتْ.» <div class="verse-tafsir"
ولما كان أخذ مال الغير بالباطل وقتل النفس بغير حق بتمني مال الغير وجاهه نهاهم عن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال بقوله {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ} لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما ينبغي لكل من بسط في الرزق أو قبض فعلى كل واحد أن يرضى بما قسم له ولا يحسد أخاه على حظه فالحسد أن يتمنى أن يكون ذلك الشئ له ويزول عن صاحبه والغبطة أن يتمنى مثل مالغيره وهو مرخص فيه والأول منهي عنه ولما قال الرجال نرجو أن يكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كالميراث وقالت النساء يكون وزرنا على نصف وزر الرجال كالميراث نزل {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا وَلِلنّسَاء نصيب مما اكتسبن} وليس ذلك على حسب الميراث {واسألوا الله مِن فضله} فإن خزائنه لا تنفذ ولا تتمنوا ما للناس من الفضل {إِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً} فالتفضيل منه عن علم بمواضع الاستحقاق قال ابن عبينة لم يأمر بالمسألة إلا ليعطي
وفي الحديث من لم يسأل الله من فضله غضب عليه وفيه إن الله تعالى ليمسك الخير الكثير عن عبده ويقول لا أعطي عبدي حتى يسألني وسلوا مكي وعلي
﴿ ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ ﴾ قالَ القَفّالُ: لَمّا نَهى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنْ أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، وقَتْلِ الأنْفُسِ، عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الطَّمَعِ في أمْوالِهِمْ، وقِيلَ: نَهاهم أوَّلًا عَنِ التَّعَرُّضِ لِأمْوالِهِمْ بِالجَوارِحِ، ثُمَّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَها بِالقَلْبِ عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ، لِتَطْهُرَ أعْمالُهُمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، فالمَعْنى: (ولا تَتَمَنَّوْا) ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى (بَعْضَكُمْ)، ومَيَّزَهُ (بِهِ) عَلَيْكُمْ، مِنَ المالِ والجاهِ، وكُلِّ ما يَجْرِي فِيهِ التَّنافُسُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ قِسْمَةٌ صادِرَةٌ مِن حَكِيمِ خَبِيرٍ، وعَلى كُلٍّ مِنَ المُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ أنْ يَرْضى بِما قُسِمَ لَهُ، ولا يَتَمَنّى حَظَّ المُفَضَّلِ ولا يَحْسُدْهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشْبَهُ بِالِاعْتِراضِ عَلى مَن أتْقَنَ كَلَّ شَيْءٍ، وأحْكَمَهُ، ودَبَّرَ العالَمَ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ، ونَظَمَهُ.
وأظْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ مَن باتَ حاسِدًا لِمَن باتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلَّبُ وإلى هَذا الوَجْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُما في الآيَةِ: لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: لَيْتَ ما أُعْطِيَ فُلانٌ مِنَ المالِ والنِّعْمَةِ والمَرْأةِ الحَسْناءِ كانَ عِنْدِي؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حَسَدًا، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي مِثْلَهُ، ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ التَّمَنِّيَ المَذْكُورَ كِنايَةٌ عَنِ الحَسَدِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المُقْتَضى لِلْمَنعِ عَنْهُ كَوْنَهُ ذَرِيعَةً لِلْحَسَدِ، ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ.
وزَعَمَ البَلْخِيُّ أنَّ المَعْنى: لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَمَنّى أنْ لَوْ كانَ امْرَأةً، ولا لِلْمَرْأةِ أنْ لَوْ كانَتْ رَجُلًا؛ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَفْعَلُ إلّا ما هو الأصْلَحُ، فَيَكُونُ قَدْ تَمَنّى ما لَيْسَ بِأصْلَحَ، ونَقَلَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ لَمّا جَعَلَ اللَّهُ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ قالَتِ النِّساءُ: نَحْنُ أحْوَجُ لِأنْ يَكُونَ لَنا سَهْمانِ ولِلرِّجالِ سَهْمٌ واحِدٌ؛ لِأنّا ضُعَفاءُ وهم أقْوِياءُ، وأقْدَرُ عَلى طَلَبِ المَعاشِ مِنّا، فَنَزَلَتْ، ثُمَّ قالَ: وهَذا هو الأنْسَبُ بِتَعْلِيلِ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في جَرَيانِ التَّمَنِّي بَيْنَ فَرِيقَيِ الرِّجالِ والنِّساءِ، ولَعَلَّ صِيغَةَ المُذَكَّرِ في النَّهْيِ لِما عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِالبَعْضِ، والمَعْنى: لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في المِيراثِ نَصِيبٌ مُعَيَّنُ المِقْدارِ مِمّا أصابَهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالِاكْتِسابِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهٍ اقْتَضاهُ حالُهُ لِنَصِيبِهِ بِاكْتِسابِهِ إيّاهُ؛ تَأْكِيدًا لِاسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنهُما لِنَصِيبِهِ، وتَقْوِيَةً لِاخْتِصاصِهِ، بِحَيْثُ لا يَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الِانْتِهاءَ عَنِ التَّمَنِّي المَذْكُورِ، انْتَهى.
وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ لِلْآيَةِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَكِنَّ القِيلَ الَّذِي نَقَلَهُ تَبَعًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ في سَبَبِ النُّزُولِ لَمْ نَقِفْ لَهُ عَلى سَنَدٍ، والَّذِي ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أخْبارٍ: الأوَّلُ: ما أخْرَجَهُ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَغْزُو الرِّجالُ ولا نَغْزُو، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ».
والثّانِي: ما أخْرَجَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ النِّساءَ سَألْنَ الجِهادَ، فَقُلْنَ: ودِدْنَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنا الغَزْوَ، فَنُصِيبُ مِنَ الأجْرِ ما يُصِيبُ الرِّجالُ، فَنَزَلَتْ.
والثّالِثُ: ما أخْرَجَهُ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ قالا: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ قالَ الرِّجالُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ بِحَسَناتِنا كَما فُضِّلْنا عَلَيْهِنَّ بِالمِيراثِ، فَيَكُونَ أجْرُنا عَلى الضِّعْفِ مِن أجْرِ النِّساءِ، وقالَتِ النِّساءُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ في الآخِرَةِ، كَما لَنا المِيراثُ عَلى النِّصْفِ مِن نَصِيبِهِمْ في الدُّنْيا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولا تَتَمَنَّوْا ﴾ إلى آخِرِها.
وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في «الدُّرِّ المَنثُورِ» نَحْوَ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ القِيلَ الَّذِي نَقَلَهُ ظاهِرٌ في حَمْلِ التَّمَنِّي المَنهِيِّ عَنْهُ عَلى الحَسَدِ، والخَبَرُ الأوَّلُ والثّانِي مِمّا أخْرَجَهُ الواحِدِيُّ لَيْسا كَذَلِكَ؛ إذْ عَلَيْهِما يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الحَسَدِ، أوْ عَلى ما هو ذَرِيعَةٌ لَهُ، ورُبَّما يَتَراءى أنَّ حَمْلَهُ عَلى الثّانِي نَظَرًا إلَيْهِما أظْهَرُ، وأمّا الخَبَرُ الثّالِثُ فَيَأْباهُ مَعْنى الآيَةِ، سَواءٌ كانَ التَّمَنِّي كِنايَةً عَنِ الحَسَدِ أوْ ذَرِيعَةً إلّا بِتَكَلُّفٍ بَعِيدٍ جِدًّا، ومَعْنى الآيَةِ عَلى الأوَّلَيْنِ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ حَظًّا مِنَ الثَّوابِ عَلى حَسَبِ ما كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الطّاعاتِ بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، فَلا تَتَمَنَّوْا خِلافَ هَذا التَّدْبِيرِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وفِيهِ اسْتِعْمالُ الِاكْتِسابِ في الخَيْرِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ في الشَّرِّ، واسْتُعْمِلَ الكَسْبُ في الخَيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ ﴾ وعَنْ مُقاتِلٍ وأبِي جَرِيرٍ أنَّهُما قالا: المُرادُ مِمّا اكْتَسَبُوا مِنَ الإثْمِ، وفِيهِ اسْتِعْمالُ اللّامِ مَعَ الشَّرِّ دُونَ (عَلى) وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ: لِكُلٍّ، وعَلى كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مِقْدارٌ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ حَسْبَما رَتَّبَهُ الحَكِيمُ عَلى أفْعالِهِ، إلّا أنَّهُ اسْتَغْنى بِاللّامِ عَنْ (عَلى) وبِالِاكْتِسابِ عَنِ الكَسْبِ، وهو كَما تَرى، ويَرُدُّ عَلى هَذِهِ المَعانِي أنَّهُ لا يُساعِدُها النَّظْمُ الكَرِيمُ المُتَعَلِّقُ بِالمَوارِيثِ وفَضائِلِ الرِّجالِ، ولَعَلَّ مَن يَذْهَبُ إلَيْها يَجْعَلُ الآيَةَ مُعْتَرِضَةَ في البَيْنِ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَعْنى الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ المَرْوِيِّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ نَصِيبًا مُقَدَّرًا في أزَلِ الآزالِ، مِن نَعِيمِ الدُّنْيا بِالتِّجاراتِ والزِّراعاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَكاسِبِ، فَلا يَتَمَنَّ خِلافَ ما قُسِمَ لَهُ.
﴿ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ بَعْدَ تَقْرِيرِ الِانْتِهاءِ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَمَنَّوْا نَصِيبَ غَيْرِكُمْ، ولا تَحْسُدُوا مَن فُضِّلَ عَلَيْكُمْ، واسْألُوا اللَّهَ تَعالى مِن إحْسانِهِ الزّائِدِ وإنْعامِهِ المُتَكاثِرِ، فَإنَّ خَزائِنَهُ مَمْلُوءَةٌ لا تَنْفَدُ أبَدًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ إفادَةً لِلْعُمُومِ، أيْ: واسْألُوا ما شِئْتُمْ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُعْطِيكُمُوهُ إنْ شاءَ، أوْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنَ السِّياقِ، أيْ: واسْألُوا مِثْلَهُ، ويُقالُ لِذَلِكَ: غِبْطَةٌ، وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ، أيْ: واسْألُوا اللَّهَ تَعالى فَضْلَهُ، وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ: ««لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكم مالَ أخِيهِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، اللَّهُمَّ أعْطِنِي مِثْلَهُ»» وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ - كَما في البَحْرِ - إلى المَنعِ عَنْ تَمَنِّي مِثْلِ نِعْمَةِ الغَيْرِ، ولَوْ بِدُونِ تَمَنِّي زَوالِها؛ لِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ رُبَّما كانَتْ مَفْسَدَةً لَهُ في دِينِهِ، ومَضَرَّةً عَلَيْهِ في دُنْياهُ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي دارًا مِثْلَ دارِ فُلانٍ، ولا زَوْجًا مِثْلَ زَوْجِهِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي ما يَكُونُ صَلاحًا لِي في دِينِي ودُنْيايَ ومَعادِي ومَعاشِي، ولا يَتَعَرَّضُ لِمَن فُضِّلَ عَلَيْهِ.
ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْمُحَقِّقِينَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالخَبَرِ، اللَّهُمَّ إلّا إذا لَمْ يُسَلِّمُوا صِحَّتَهُ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَتَمَنَّوُا الدُّنْيا، بَلِ اسْألُوا اللَّهَ تَعالى العِبادَةَ الَّتِي تُقَرِّبُكم إلَيْهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الثّانِي أنَّهُ إذا سَمِعَ الرَّجُلَ يَتَمَنّى الدُّنْيا يَقُولُ: قَدْ نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا ويَتْلُو الآيَةَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««سَلُوا اللَّهَ تَعالى مِن فَضْلِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ أنْ يُسْألَ، وإنَّ مِن أفْضَلِ العِبادَةِ انْتِظارُ الفَرَجِ»» وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَأْمُرْ سُبْحانَهُ بِالمَسْألَةِ إلّا لِيُعْطِيَ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ ولِذَلِكَ فَضَّلَ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ حَسَبَ مَراتِبِ اسْتِعْداداتِهِمْ، وتَفاوُتِ قابِلِيّاتِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ عَلِيمًا بِكُلٍّ شَيْءٍ، فَيَعْلَمُ ما تُضْمِرُونَهُ مِنَ الحَسَدِ ويُجازِيكم عَلَيْهِ،
وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ قال ابن عباس: يعني لا يتمنى الرجل مال أخيه، ولا امرأته، ولا دابته، ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله.
وقال الكلبي مثله.
وفيها وجه آخر وهو أن الرجال قالوا: إن الله فضلنا على النساء، فلنا سهمان ولهن سهم، ونرجو أن يكون لنا أجران في الأعمال.
وقالت أم سلمة: ليت الجهاد كتب على النساء.
فنزلت هذه الآية وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ويقال: إن النساء قلن: كما نقص سهمنا في الميراث، كذلك ينقص من أوزارنا، ويكون الإثم علينا أقل من الرجال، فنزلت الآية لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ولا يتمنى أحدكم أكثر مما عمل وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ من الشر ولا ينقص منهن شيء مما عملن من الإثم.
وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ جميعاً الرجال والنساء مِنْ فَضْلِهِ أي من رزقه إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فيما يصلح لكل واحد منهم من السهام، وبمن يصلح للجهاد.
قرأ ابن كثير والكسائي وسلوا الله بغير همز في جميع القرآن.
وقرأ الباقون واسألوا الله بالهمز وأصله الهمز، إلا أنه حذف الهمز للتخفيف.
قوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ أي بينا موالي يعني الورثة من الولد والإخوة وابن العم.
ويقال: الموالي العصبة: العم، وابن العم، وذوي القربى كقوله: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي [سورة مريم: 5] معناه: ولكل واحد منكم جعلنا الورثة لكي يرث مِمَّا تَرَكَ وهم الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ.
ثم قال: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قال الكلبي ومقاتل: كان الرجل يرغب في الرجل، فيحالفه ويعاقده على أن يكون في ميراثه كبعض ولده ثم قال: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي أعطوهم حظهم الذي سميتم لهم من الميراث هكذا قال مجاهد ثم نسخ بقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [سورة الأنفال: 75] ويقال: إنهم كانوا يوصون لهم بشيء من المال، فأمرهم بأن يؤتوا نصيبهم من الثلث.
ويقال: أراد به مولى الموالاة كانوا يرثون السدس.
ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً أي شاهد إن أعطيتموهم أو لم تعطوهم.
قرأ أهل الكوفة حمزة والكسائي وعاصم: والذين عقدت أيمانكم بغير ألف، والباقون بالألف.
قال أبو عبيدة: والاختيار عاقدت بالألف لأنه من معاقدة الحلف، فلا يكون إلا بين اثنين.
ومن قرأ عقدت معناه عقدت لهم أيمانكم فأضمر فيها لهم.
ثم قال: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ نزل في سعد بن الربيع، لطم امرأته بنت محمد بن مسلمة، فجاءت إلى رسول الله ، فأمرها رسول الله بالقصاص، فنزل جبريل من ساعته بهذه الآية الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ يعني مسلطون في أمور النساء وتأديبهم بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وذلك أن الرجل له الفضل على امرأته في إنفاقه عليها، ودفع الحق إليها.
ويقال: إن الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير، فجعل لهم حق القيام عليهن بما لهم من زيادة عقل ليس ذلك للنساء.
ويقال: للرجال زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء، لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين والضعف، فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك.
ثم قال: وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ أي فضلوا على النساء بما أنفقوا من أموالهم عليهن من المهر والنفقة.
ثم قال: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ يعني المحصنات من النساء في الدين، قانتات مطيعات لله تعالى ولأزواجهن.
ويقال: الصالحات يعني المحسنات إلى أزواجهن من النساء في الدين قانِتاتٌ أي مطيعات لله ولأزواجهن.
ويقال: الصالحات يعني الموحدات قانِتاتٌ يعني قائمات بأمور أزواجهن حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ أي لغيب أزواجهن في فروجهن، وفي أموال الأزواج بِما حَفِظَ اللَّهُ يقول: أي يحفظ الله إياهن.
قال مقاتل: وما صلة، يعني يحفظ الله لهن.
ثم قال عز وجل: وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ أي تعلمون عصيانهن فَعِظُوهُنَّ بالله، أي يقول لها: اتق الله، فإن حق الزوج عليك واجب، فإن لم تقبل ذلك.
قوله تعالى وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ قال الكلبي: أي ينسها وهو الهجر، ويقال: لا يقرب فراشها، لأن الزوج إذا أعرض عن فراشها فإن كانت محبة للزوج يشق عليها فترجع إلى الصلاح، وإن كانت مبغضة فتظهر السرور فيها، فيتبين أن النشوز من قبلها.
وقال الضحاك: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ أي يعرض عنها، فإن ذلك يغيظها، فإن لم ينفعها ذلك وَاضْرِبُوهُنَّ يعني ضرباً غير مبرح فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا يقول: لا تطلبوا عليهن غللا، ولا تكلفوهن الحب لكم، فإن الحب أمر القلب وليس لها ذلك بيدها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً أي رفيعاً علا فوق كل كبير، فلا يطلب من عباده الحب، ولا يكلفهم ما لا يطيقونه، ويطلب منهم الطاعة، فأنتم أيضاً لا تكلفوهن.
ويقال: إن الله مع علوه يتجاوز عن عباده، فأنتم أيضاً تجاوزوا ولا تطلبوا العلل.
ثم قال تعالى للأولياء وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما يقول: إن علمتم خلافاً بين الزوجين، ويقال: إن خفتم الفراق بينهما ولا تدرون من أيهما يقع النشوز فيقول: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها يعني رجلاً عدلاً من أهل الزوج له عقل وتمييز، يذهب إلى الرجل ويخلو به، ويقول له: أخبرني ما في نفسك أتهواها أم لا؟
حتى أعلم بمرادك، فإن قال: لا حاجة لي بها خذ مني لها ما استطعت وفرق بيني وبينها، فيعرف أن من قبله جاء النشوز.
وإن قال: فإني أهواها فأرضيها من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها، فيعرف أنه ليس بناشز.
ويخلو ولي المرأة بها ويقول: أتهوين زوجك أم لا؟
فإن قالت: فرق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد، علم أن النشوز من قبلها.
وإن قالت: لا تفرق بيننا ولكن حثّه حتى يزيد في نفقتي ويحسن إلي، علم أن النشوز ليس من قبلها.
فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة والزجر والنهي، وذلك قوله تعالى فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يعني عدلاً فينظران في أمرهما بالنصيحة والموعظة يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بالصلاح ويقال: كل اثنين يقومان في الإصلاح بين اثنين بالنصيحة، يقع الصلح بينهما لقوله تعالى إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما ثم قال: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً أي عليماً بهما خبيراً بنصيحتهما.
وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما يقول الخوارج إنه ليس الحكم لأحد سوى الله تعالى، فهذه كلمة حق ولكن يريدون بها الباطل.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟
قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
انتهى «١» .
وقوله تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ...
الآية: سَبَبُ الآيةِ أنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ: لَيْتَنَا اسْتَوَيْنَا مَعَ الرِّجالِ في المِيرَاثِ، وشَارَكْنَاهُمْ في الغَزْوِ، ورُوِيَ أنَّ أمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ ذَلِكَ، أو نحوه «٢» ، وقال الرِّجَالُ: لَيْتَ لَنَا فِي الآخِرَةِ حَظّاً زَائِداً عَلَى النِّسَاءِ كَمَا لَنَا عَلَيْهِنَّ فِي الدُّنْيَا، فنزلَتِ الآية.
قال ع «٣» : لأنَّ في تَمَنِّيهم هذا تحكُّماً على الشِّريعة وتطرُّقاً إِلى الدَّفْع في صَدْر حَكْم اللَّه تعالَى، فهذا نَهْيٌ عن كُلِّ تَمَنٍّ بخلاف حُكْم شرعيٍّ، وأما التمنِّي في الأعمال الصَّالحة، فذلك هو الحَسَن، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «وَدِدتُّ أنَ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أحياء، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا ...
» الحديث «٤» .
وفي غير موضع ولقوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
[النساء: ٣٢] .
قال القُشَيْرِيُّ: سمعْتُ الشيخ أبا عَلِيٍّ يقولُ: مِنْ علاَمَاتِ المَعْرفة أَلاَّ تسأل حوائجَكَ، قَلَّتْ أَوَ كَثُرَتْ إِلاَّ مِنَ اللَّهِ تعالَى مِثْلُ موسَى اشتاق إِلَى الرُّؤْية، فقال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣] ، واحتاج مرَّةً إِلى رغيفٍ، فقال: رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤]
انتهى من «التحبير» .
وقوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ ...
الآية: قالَتْ فرقة: معناه: من الأجْر، والحسناتِ، فكأنه قِيلَ للنَّاس: لا تَتَمَنَّوْا في أمرٍ مخالف لما حكم اللَّه بِهِ لاختيارٍ تَرَوْنَهُ أَنْتُمْ، فإِن اللَّه تعالَى قَدْ جَعَلَ لكلِّ أحدٍ نصيباً من الأجْر والفَضْلِ بحَسَب اكتسابِهِ فيما شَرَعَ لَهُ، وهذا قولٌ حَسَن، وفي تعليقه سبحانه النَّصِيبَ بالاِكتسابِ حَضٌّ علَى العَمَل، وتنبيهٌ على كَسْب الخير.
وقوله سبحانه: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، قال ابنُ جُبَيْر وغيره: هذا في فَضْل العباداتِ، والدِّينِ، لا في فضل الدنيا «١» ، وقال الجُمْهُور: ذلك على العمومِ، وهو الذي يقتضيه اللفظ، فقوله: وَسْئَلُوا اللَّهَ يقتضي مفْعولاً ثانياً، تقديره: واسألوا اللَّهَ الجَنَّة أو كثيراً من فضله.
وقوله تعالى: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ ...
أي: ولكلِّ أحدٍ، قال ابنُ عَبَّاس وغيرهِ:
المَوَالِي هنا العَصَبَةُ والوَرَثَةُ، والمعنَى: ولكلِّ أحدٍ جعلْنا موالِيَ يَرِثُونَ ممَّا تَرَكَ الوالدان والأقربُونَ.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ رفْعٌ بالاِبتداءِ، والخَبَرُ في قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ.
واختُلِفَ من المراد ب «الَّذِينَ» .
فقال الحسن وابنُ عبَّاس وابنُ جُبَيْر وغيرهم: هم الأحْلاَفُ، فإِنَّ العرب كانَتْ تتوارَثُ بالحِلْفِ، ثم نُسِخَتْ بآيَات الأنْفَالِ: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «٢» [الأنفال: ٧٥] .
وقال ابنُ عباس أيضاً: هم الذين كَانَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آخَى بينهم، كانوا يتوارَثُونَ بهذه الآيةِ حتى نُسِخَ ذلك بما تقدَّم «٣» .
وقال ابنُ المسيَّب: هم الذين كانوا يتبنّون «٤» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ: يَغْزُو الرِّجالُ، ولا نَغْزُو، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّ النِّساءَ قُلْنَ: ودِدْنَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنا الغَزْوَ، فَنُصِيبُ مِنَ الأجْرِ ما يُصِيبُ الرِّجالُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلْ ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ قالَ الرِّجالُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ نَفْضُلَ عَلى النِّساءِ بِحَسَناتِنا، كَما فُضِّلْنا عَلَيْهِنَّ في المِيراثِ، وقالَ النِّساءُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ، كَما لَنا المِيراثُ عَلى النِّصْفِ مِن نَصِيبِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
وَفِي مَعْنى هَذا التَّمَنِّي قَوْلانِ.
.
أحَدُهُما: أنْ يَتَمَنّى الرَّجُلُ مالَ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ.
والثّانِي: أنْ يَتَمَنّى النِّساءُ أنْ يَكُنَّ رِجالًا.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها قالَتْ: يا لَيْتَنا كُنّا رِجالًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
وَلِلتَّمَنِّي وُجُوهٌ.
أحَدُها: أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ أنْ يُحَصِّلَ لَهُ مالَ غَيْرِهِ، ويَزُولَ عَنِ الغَيْرِ، فَهَذا الحَسَدُ.
والثّانِي: أنْ يَتَمَنّى مِثْلَ ما لِغَيْرِهِ، ولا يُحِبُّ زَوالَهُ عَنِ الغَيْرِ، فَهَذا هو الغِبْطَةُ ورُبَّما لَمْ يَكُنْ نَيْلُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً في حَقِّ المُتَمَنِّي.
قالَ الحَسَنُ: لا تَمَنَّ مالَ فُلانٍ، ولا مالَ فَلانٍ، وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ هَلاكَهُ في ذَلِكَ المالِ؟
.
والثّالِثُ: أنَّ تَتَمَنّى المَرْأةُ أنْ تَكُونَ رَجُلًا، ونَحْوَ هَذا مِمّا لا يَقَعُ، فَلْيَعْلَمِ العَبْدُ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِالمَصالِحِ، فَلْيَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ، ولْتَكُنْ أمانِيهِ الزِّيادَةُ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهَذا الِاكْتِسابِ، المِيراثُ، وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ الثَّوابُ والعِقابُ.
فالمَعْنى: أنَّ المَرْأةَ تُثابُ كَثَوابِ الرَّجُلِ، وتَأْثَمُ كَإثْمِهِ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.
واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ بِأنَّ المِيراثَ لا يَحْصُلُ بِالِاكْتِسابِ، وبِأنَّ الآَيَةَ نَزَلَتْ لِأجْلِ التَّمَنِّي والفَضْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، وأبانٌ، وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ (وَسَلُوا اللَّهَ (فَسَلِ الَّذِينَ (فَسَلْ بَنِي إسْرائِيلَ (وَسَلْ مَن أرْسَلْنا وما كانَ مِثْلَهُ مِنَ الأمْرِ المُواجِهِ بِهِ، وقَبْلَهُ "واوٌ" أوْ "فاءٌ" فَهو غَيْرُ مَهْمُوزٍ عِنْدَهم.
وكَذَلِكَ نُقِلَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالهَمْزِ في ذَلِكَ كُلِّهِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿ وَلْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ﴾ أنَّهُ مَهْمُوزٌ.
وَفِي المُرادِ بِالفَضْلِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الفَضْلَ: الطّاعَةُ، قالَهُ سَعِيدٌ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، فَيَكُونُ المَعْنى: سَلُوا اللَّهَ ما تَتَمَنَّوْهُ مِنِ النِّعَمِ، ولا تَتَمَنَّوْا مالَ غَيْرِكم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْألُوا اللهُ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللهُ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ سَبَبُ الآيَةِ أنَّ النِساءَ قُلْنَ: لَيْتَنا اسْتَوَيْنا مَعَ الرِجالِ في المِيراثِ، وشَرَكْناهم في الغَزْوِ، ورُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ ذَلِكَ أو نَحْوَهُ، وقالَ الرِجالُ: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ حَظًّا زائِدًا عَلى النِساءِ، كَما لَنا عَلَيْهِنَّ في الدُنْيا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ في تَمَنِّيهِمْ هَذا تَحَكُّمًا عَلى الشَرِيعَةِ، وتَطَرُّقًا إلى الدَفْعِ في صَدْرِ حُكْمِ اللهِ، فَهَذا نَهْيٌ عن كُلِّ تَمَنٍّ لِخِلافِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، ويَدْخُلُ في النَهْيِ أنْ يَتَمَنّى الرَجُلُ حالَ الآخَرِ مِن دِينٍ أو دُنْيا، عَلى أنْ يَذْهَبَ ما عِنْدَ الآخَرِ، إذْ هَذا هو الحَسَدُ بِعَيْنِهِ، وقَدْ كَرِهَ بَعْضُ العُلَماءِ أنْ يَتَمَنّى أحَدٌ حالَ رَجُلٍ يَنْصِبُهُ في فِكْرِهِ وإنْ لَمْ يَتَمَنَّ زَوالَ حالِهِ، وهَذا في نِعَمِ الدُنْيا، وأمّا في الأعْمالِ الصالِحَةِ فَذَلِكَ هو الحَسَنُ، وأمّا إذا تَمَنّى المَرْءُ عَلى اللهِ مِن غَيْرِ أنْ يَقْرِنَ أُمْنِيَتَهُ بِشَيْءٍ مِمّا قَدَّمْناهُ فَذَلِكَ جائِزٌ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في حَدِيثِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في قَوْلِهِ: « "وَدِدْتُ أنْ أُقْتَلَ في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أحْيا فَأُقْتَلُ"،» وفي غَيْرِ مَوْضِعٍ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْألُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِلرِّجالِ نَصِيبٌ" ﴾ الآيَةُ- قالَ قَتادَةُ: مِنَ المِيراثِ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُوَرِّثُ النِساءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، ولَفْظَةُ الِاكْتِسابِ تَرُدُّ عَلَيْهِ رَدًّا بَيِّنًا، ولَكِنَّهُ يَتَرَكَّبُ عَلى قَوْلِ النِساءِ: لَيْتَنا ساوَيْنا الرِجالَ في المِيراثِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ بِسَبَبِهِنَّ: لا تَتَمَنَّوْا هَذا فَلِكُلٍّ نَصِيبُهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِنَ الأجْرِ والحَسَناتِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لِلنّاسِ: لا تَتَمَنَّوْا في أمْرٍ خِلافَ ما حَكَمَ اللهُ بِهِ، لِاخْتِيارٍ تَرَوْنَهُ أنْتُمْ، فَإنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ أحَدٍ نَصِيبًا مِنَ الأجْرِ والفَضْلِ بِحَسَبِ اكْتِسابِهِ فِيما شُرِعَ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ هو الواضِحُ البَيِّنُ الأعَمُّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لا تَتَمَنَّوْا خِلافَ ما حَدَّ اللهُ في تَفْضِيلِهِ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مَكاسِبَ تَخْتَصُّ بِهِ، فَهي نَصِيبُهُ، قَدْ جَعَلَ الجِهادَ والإنْفاقَ وسَعْيَ المَعِيشَةِ وحَمْلَ الكُلَفِ كالأحْكامِ والإمارَةِ والحِسْبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِلرِّجالِ، وجَعَلَ الحَمْلَ ومَشَقَّتَهُ وحُسْنَ التَبَعُّلِ وحِفْظَ غَيْبِ الزَوْجِ وخِدْمَةَ البُيُوتِ لِلنِّساءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كَقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، إلّا أنَّهُ فارَقَهُ بِتَقْسِيمِ الأعْمالِ.
وفي تَعْلِيقِهِ النَصِيبَ بِالِاكْتِسابِ حَضٌّ عَلى العَمَلِ، وتَنْبِيهٌ عَلى كَسْبِ الخَيْرِ.
قَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "واسْألُوا" بِالهَمْزِ وسُكُونِ السِينِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ: "وَسَلُوا" ألْقَيا حَرَكَةَ الهَمْزَةِ عَلى السِينِ، وهَذا حَيْثُ وقَعَتِ اللَفْظَةُ إلّا في قَوْلِهِ" "وَسْئَلُوا ما أنْفَقْتُمْ" فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى الهَمْزِ فِيهِ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ولَيْثُ بْنُ أبِي سَلِيمٍ: هَذا في العِباداتِ، والدِينِ، وأعْمالِ البِرِّ، لَيْسَ في فَضْلِ الدُنْيا.
وقالَ الجُمْهُورُ: ذَلِكَ عَلى العُمُومِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ، وقَوْلُهُ: "وَسْئَلُوا" يَقْتَضِي مَفْعُولًا ثانِيًا، فَهو -عِنْدَ بَعْضِ النَحْوِيِّينَ- في قَوْلِهِ: "مِن فَضْلِهِ"، التَقْدِيرُ: واسْألُوا اللهَ فَضْلَهُ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ هَذا لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ "مِن" في الواجِبِ، والمَفْعُولُ عِنْدَهُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: واسْألُوا اللهَ الجَنَّةَ، أو كَثِيرًا أو حَظًّا مِن فَضْلِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو الأصَحُّ، ويَحْسُنُ عِنْدِي أنْ يُقَدَّرَ المَفْعُولُ- أمانِيكُمْ، إذْ ما تَقَدَّمَ يُحَسِّنُ هَذا التَقْدِيرَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ مَعْناهُ: أنَّ عِلْمَ اللهِ قَدْ أوجَبَ الإصابَةَ والإتْقانَ والإحْكامَ، فَلا تُعارِضُوا بِتَمَنٍّ ولا غَيْرِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ يَعْلَمُ الأشْياءَ، والعَقائِدُ تُوجِبُ أنَّهُ يَعْلَمُ المَعْدُوماتِ الجائِزَ وُقُوعُها وإنْ لَمْ تَكُنْ أشْياءَ، والآيَةُ لا تُناقِضُ ذَلِكَ، بَلْ وقَفَتْ عَلى بَعْضِ مَعْلُوماتِهِ وأمْسَكَتْ عن بَعْضٍ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ [النساء: 29].
والمناسبة بين الجملتين المتعاطفتين: أنّ التمنّي يحبّب للمُتمنّي الشيء الذي تمنّاه، فإذا أحبّه أتْبَعَه نفسه فرام تحصيله وافتُتن به، فربما بعثه ذلك الافتتان إلى تدبير الحيل لتحصيله إن لم يكن بيده، وإلى الاستئثار به عن صاحب الحقّ فيغمض عينه عن ملاحظة الواجب من إعطاء الحقّ صاحبه وعن مناهي الشريعة التي تضمّنتها الجمل المعطوف عليها.
وقد أصبح هذا التمنّي في زماننا هذا فتنة لِطوائف من المسلمين سرت لهم من أخلاق الغلاة في طلب المساواة ممّا جرّ أمما كثيرة إلى نحلة الشيوعية فصاروا يتخبَّطون لطلب التساوي في كلّ شيء ويعانون إرهاقاً لم يحصّلوا منه على طائل.
فالنهي عن التمنّي وتطلّع النفوس إلى ما ليس لها جاء في هذه الآية عامّا، فكان كالتذييل للأحكام السابقة لسدّ ذرائعها وذرائع غيرها، فكان من جوامع الكلم في درء الشرور.
وقد كان التمنّي من أعظم وسائل الجرائم، فإنّه يفضي إلى الحسد، وقد كان أوّل جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد.
ولقد كثر ما انتبهت أموال، وقتلت نفوس للرغبة في بسطة رزق، أو فتنة نساء، أو نوال مُلك، والتاريخ طافح بحوادث من هذا القبيل.
والذي يبدو أنّ هذا التمنّي هو تمنّي أموال المثرين، وتمنّي أنصباء الوارثين، وتمنّي الاستئثار بأموال اليتامى ذكورهم وإناثهم، وتمنّي حرمان النساء من الميراث ليناسب ما سبق من إيتاء اليتامى أموالهم.
وإنصاف النساء في مُهورهنّ، وترك مضارّتهنّ إلجاء إلى إسقاطها، ومن إعطاء أنصباء الورثة كما قسم الله لهم.
وكلّ ذلك من تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق.
وقد أبدى القفّال مناسبة للعطف تندرج فيما ذكرته.
وفي «سنن الترمذي» عن مجاهد، عن أمّ سلمة أنّها قالت: «يا رسول الله يغزو الرجال ولا يغزو النساء، وإنّما لنا نصف الميراث، فأنزل الله ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ ».
قال الترمذي: هذا حديث مرسل.
قال ابن العربي: ورواياته كلّها حسان لم تبلغ درجة الصحّة.
قلت: لمّا كان مرسلا يكون قوله: فأنزل الله ﴿ ولا تتمنوا ﴾ إلخ.
من كلام مجاهد، ومعناه أنّ نزول هذه الآية كان قريباً من زمن قول أمّ سلمة، فكان في عمومها ما يردّ على أمّ سلمة وغيرها.
وقد رويت آثار: بعضها في أنّ هذه الآية نزلت في تمنّي النساء الجهاد؛ وبعضها في أنّها نزلت في قول امرأة «إنّ للذكر مثل حظّ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل أفنحن في العمل كذلك»؛ وبعضها في أنّ رجالاً قالوا: إنّ ثواب أعمالنا على الضعف من ثواب النساء؛ وبعضها في أنّ النساء سألن أجر الشهادة في سبيل الله وقلن لو كُتب علينا القتال لقاتلنا.
وكلّ ذلك جزئيات وأمثلة ممّا شمله عموم ﴿ ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ .
والتمنّي هو طلب حصول ما يعسر حصوله للطالب.
وذلك له أحوال؛ منها أن يتمنّى ما هو من فضل الله غير ملتفت فيه إلى شيء في يد الغير، ولا مانع يمنعه من شرع أو عادة، سواء كان ممكن الحصول كتمنّي الشهادة في سبيل الله، أم كان غير ممكن الحصول كقول النبي صلى الله عليه وسلم " وَلَوَدِدْتُ أني أقْتَلُ في سبيل الله ثم أُحيى ثم أقتل ثم أُحيى ثم أقتل ".
وقوله صلى الله عليه وسلم " ليتنا نرى إخواننا " يعني المسلمين الذين يجيئون بعده.
ومنها أن يتمنّى ما لا يمكن حصوله لمانع عادي أو شرعي، كتمنّي أمّ سلمة أن يغزو النساء كما يغزو الرجال، وأن تكون المرأة مساوية الرجل في الميراث؛ ومنها أن يتمنّى تمنيّا يدلّ على عدم الرضا بما ساقه الله والضجر منه، أو على الاضطراب والانزعاج، أو على عدم الرضا بالأحكام الشرعية.
ومنها أن يتمنّى نعمة تماثل نعمة في يد الغير مع إمكان حصولها للمتمنّي بدون أن تسلب من التي هي في يده كتمنّي عِلم مثل علم المجتهد أو مال مثل مال قارون.
ومنها أن يتمنّى ذلك لكن مثله لا يحصل إلاّ بسلب المنعَم عليه به كتمنّي مُلك بلدة معيّنة أو زوجة رجل معيّن.
ومنها أن يتمنّى زوال نعمة عن الغير بدون قصد مصيرها إلى المتمنّي.
وحاصل معنى النهي في الآية أنّه: إمّا نهي تنزيه لتربية المؤمنين على أن لا يشغلوا نفوسهم بما لا قبل لهم بنواله ضرورة أنّه سمّاه تمنّيا، لئلا يكونوا على الحالة التي ورد فيها حديث: " يتمنى على الله الأماني " ويكون قوله: ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ إرشاد إلى طلب الممكن، إذ قد علموا أنّ سؤال الله ودعاءه يكون في مرجوّ الحصول، وإلاّ كان سوء أدب.
وإمّا نهي تحريم، وهو الظاهر من عطفه على المنهيات المحرّمة، فيكون جريمة ظاهرة، أو قلبية كالحسد، بقرينة ذكره بعد قوله: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ [النساء: 29].
فالتمنّي الأوّل والرابع غير منهي عنهما، وقد ترجم البخاري في صحيحه «باب تمني الشهادة في سبيل الله وباب الاغتباط في العلم والحكمة»، وذكر حديث: " لا حسد إلاّ في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هَلَكته في الحقّ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها الناس ".
وأمّا التمنّي الثاني والثالث فمنهي عنهما لأنّهما يترتّب عليهما اضطراب النفس وعدم الرضا بما قسم الله والشكّ في حكمة الأحكام الشرعية.
وأمّا التمنّي الخامس والسادس فمنهي عنهما لا محالة، وهو من الحسد، وفي الحديث " لا تسأل المرأة طلاقَ أختها لتستفرغ صحفتها " ولذلك نهي عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، إلاّ إذ كان تَمَنِّيه في الحالة الخامسة تمنّيَ حصول ذلك له بعد من هي بيده بحيث لا يستعجل موته.
وقد قال أبو بكر، لمّا استَخْلَف عمر، يخاطب المهاجرين: «فكلّكم ورم أنفه يريد أن يكون له الأمر دونه».
والسادس أشدّ وهو شرّ الحسدين إلاّ إذا كان صاحب النعمة يستعين به على ضرّ يلحق الدين أو الأمّة أو على إضرار المتمنّي.
ثم محلّ النهي في الآية: هو التمنّي، وهو طلب ما لا قبل لأحد بتحصيله بكسبه، لأنّ ذلك هو الذي يبعث على سلوك مسالك العداء، فأمّا طلب ما يمكنه تحصيله من غير ضرّ بالغير فلا نهي عنه، لأنّه بطلبه ينصرف إلى تحصيله فيحصل فائدة دينية أو دنيوية، أمّا طلب ما لا قبل له بتحصيله فإن رجع إلى الفوائد الأخروية فلا ضير فيه.
وحكمة النهي عن الأقسام المنهي عنها من التمنّي أنّها تفسد ما بين الناس في معاملاتهم فينشأ عنها التحاسد، وهو أوّل ذنب عُصي الله به، إذْ حسد إبليس آدم، ثم ينشأ عن الحسد الغيظ والغضب فيفضي إلى أذى المحسود، وقد قال تعالى: ﴿ ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ [الفلق: 5].
وكان سبب أوّل جريمة في الدنيا الحسد: إذ حسد أحد ابني آدم أخاه فقتله، ثم إنّ تمنّي الأحوال المنهي عنها يَنْشأ في النفوس أوّلَ ما ينشأ خاطراً مجرّدا، ثم يربو في النفس رويداً رويداً حتّى يصير ملكة، فتدعو المرء إلى اجترام الجرائم ليشفي غلّته، فلذلك نهوا عنه ليزجروا نفوسهم عند حدوث هاته التمنّيات بزاجر الدين والحكمة فلا يَدعوها تربو في النفوس.
وما نشأت الثورات والدعايات إلى ابتراز الأموال بعناوين مختلفة إلاّ من تمنّي ما فضّل به الله بعض الناس على بعض، أو إلاّ أثر من آثار ما فضّل الله به بعض الناس على بعض.
وقوله: ﴿ بعضكم على بعض ﴾ صالح لأن يكون مراداً به آحاد الناس، ولأن يكون مراداً به أصنافهم.
وقوله: ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ الآية: إن أريدَ بذكر الرجال والنساء هنا قصد تعميم الناس مثل ما يُذكر المشرق والمغرب، والبر والبحر، والنجد والغَوْر، فالنهي المتقدّم على عمومه.
وهذه الجملة مسوقة مساق التعليل للنهي عن التمنّي قطعاً لعذر المُتمَنّين، وتأنيساً بالنهي، ولذلك فصلت؛ وإن أريد بالرجال والنساء كلاّ من النوعين بخصوصه بمعنى أنّ الرجال يختصّون بما اكتسبوه، والنساء يختصصن بما اكتسبن من الأموال، فالنهي المتقدّم متعلّق بالتمنّي الذي يفضي إلى أكلّ أموال اليتامى والنساء، أي ليس للأولياء أكل أموال مواليهم وولاياهم إذ لكلّ من هؤلاء ما اكتسب.
وهذه الجملة علّة لجملة محذوفة دلّت هي عليها، تقديرها: ولا تتمنّوا فتأكلوا أموال مواليكم.
والنصيب: الحظّ والمقدار، وهو صادق على الحظ في الآخرة والحظّ في الدنيا، وتقدّم آنفاً.
والاكتساب: السعي للكسب، وقد يستعار لحصول الشيء ولو بدون سعي وعلاججٍ.
و(مِن) للتبعيض أو للابتداء، والمعنى يحتمل أن يكون استحقّ الرجال والنساء كلّ حظّه من الأجر والثواب المنجرّ له من عمله، فلا فائدة في تمنّي فريق أن يعمل عمل فريق آخر، لأنّ الثواب غير منحصر في عمل معيَّن، فإنّ وسائل الثواب كثيرة فلا يسوءكم النهي عن تمنّي ما فضّل الله به بعضكم على بعض.
ويحتمل أنّ المعنى: استحقّ كلّ شخص، سواء كان رجلاً أم امرأة، حظّه من منافع الدنيا المنجرّ له ممّا سعى إليه بجهده، أو الذي هو بعض ما سعى إليه، فتمنّي أحد شيئاً لم يسع إليه ولم يكن من حقوقه، هو تمنّ غير عادل، فحَقَّ النهي عنه؛ أو المعنى استحقّ أولئك نصيبهم ممّا كسبوا، أي ممّا شُرع لهم من الميراث ونحوه، فلا يحسد أحدٌ أحداً على ما جعل له من الحقّ، لأنّ الله أعلم بأحقّيّة بعضكم على بعض.
وقوله: ﴿ وسئلوا الله من فضله ﴾ إن كان عطفاً على قوله: ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ الخ، الذي هو علّة النهي عن التمنّي، فالمعنى: للرجال مَزاياهم وحقوقهم، وللنساء مزاياهنّ وحقوقهنّ، فمن تمنّى ما لم يُعَدَّ لصنفه فقد اعتدى، لكن يسأل الله من فضله أن يعطيه ما أعدّ لصنفه من المزايا، ويجعل ثوابه مساوياً لثواب الأعمال التي لم تُعدّ لصنفه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: «لكن أفضل الجهاد حجّ مبرور» وإن كان عطفاً على النهي في قوله: و ﴿ لا تتمنوا ﴾ فالمعنى: لا تتمنّوا ما في يد الغير واسألوا الله من فضله فإنّ فضل الله يسع الإنعام على الكلّ، فلا أثر للتمنّي إلاّ تعب النفس.
وقرأ الجمهور: ﴿ واسألوا ﴾ بإثبات الهمزة بعد السين الساكنة وهي عين الفعل وقرأه ابن كثير، والكسائي بفتح السين وحذف الهمزة بعد نقل حركتها إلى السين الساكن قبلها تخفيفاً.
وقوله: ﴿ إن الله كان بكل شيء عليماً ﴾ تذييل مناسب لهذا التكليف، لأنّه متعلّق بعمل النفس لا يراقِب فيه إلاّ ربّه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:أحَدُهُما: هو قَوْلُ الإنْسانِ: لَيْتَ ما لِفُلانٍ لِي، ويَجُوزُ أنْ يَقُولَ: لَيْتَ مِثْلَهُ لِي، ومَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا في النَّهْيِ: هَلْ هو تَحْرِيمٌ أمْ أدَبٌ، فَقالَ الفَرّاءُ هو أدَبٌ، وقالَ غَيْرُهُ: هو تَحْرِيمٌ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو الأشْهَرُ - أنَّها نَزَلَتْ في نِساءٍ تَمَنَّيْنَ كالرِّجالِ في فَضْلِهِمْ ومالِهِمْ، فَرَوى عِكْرِمَةُ أنَّها نَزَلَتْ في أُمِّ سَلَمَةَ بِنْتِ أبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، ورَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، تَغْزُو الرِّجالُ ولا نَغْزُو، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ ﴾ » ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ ﴾ مِنَ الثَّوابِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ والعِقابِ عَلى مَعْصِيَتِهِ، ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِثْلُ ذَلِكَ، لِيَعْنِيَ أنَّ لِلْمَرْأةِ بِالحَسَنَةِ عَشْرُ أمْثالِها كالرَّجُلِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى ذَلِكَ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا مِن مِيراثِ مَوْتاهُمْ، ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِنهُ، لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
﴿ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنِ احْتَجْتُمْ إلى مالِ غَيْرِكم فاسْألُوا اللَّهَ أنْ يُعْطِيَكم مِثْلَ ذَلِكَ مِن فَضْلِهِ ولا تَتَمَنَّوْا مالَ غَيْرِكم.
والثّانِي: العِبادَةُ الَّتِي تَكْتَسِبُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ : " «اسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ فَإنَّهُ يُحِبُّ أنْ يُسْألَ وإنَّ أفْضَلَ العِبادَةِ انْتِظارُ الفَرَجِ» ".
﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ أنَّهُ قَسَّمَ الأرْزاقَ عَلى ما عَلِمَ وشاءَ فَيَنْبَغِي أنْ تَرْضَوْا بِما قَسَّمَ وتَسْألُوهُ مِن فَضْلِهِ غَيْرَ مُتَأسِّفِينَ لِغَيْرِكم في عَطِيَّةٍ.
والنَّهْيُ تَحْرِيمٌ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: لَيْتَ مالَ فُلانٍ مالِي، وإنَّما يَقُولُ: لَيْتَ مِثْلَهُ لِي.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي والحاكم وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن أم سلمة أنها قالت «يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو ولا نقاتل فنستشهد، وإنما لنا نصف الميراث.
فأنزل الله: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ وأنزل فيها ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ [ الأحزاب: 35] » .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة؟
فأنزل الله: ﴿ ولا تتمنوا ﴾ فإنه عدل مني وإن صنعته» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة قال: إن النساء سألن الجهاد فقلن وددنا أن الله جعل لنا الغزو، فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال.
فأنزل الله: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن مجاهد وعكرمة في الآية قالا: نزلت في أم سلمة بنت أبي أمية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي.
أن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان فنريد أن يكون لنا في الأجر أجران.
وقالت: النساء: نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الرجال الشهداء، فإنا لا نستطيع أن نقاتل ولو كتب علينا القتال لقاتلنا.
فأنزل الله الآية، وقال لهم سلوا الله من فضله يرزقكم الأعمال وهو خير لكم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ يقول: لا يتمنّ الرجل فيقول: ليت لي مال فلان وأهله.
فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ يعني مما ترك الوالدان والأقربون للذكر مثل حظ الأنثيين.
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: لا تتمن مال فلان ولا مال فلان، وما يدريك لعل هلاكه في ذلك المال.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئاً ولا الصبي شيئاً، وإنما يجعلون الميراث لمن يحترف وينفع ويدفع.
فلما لحق للمرأة نصيبها، وللصبي نصيبه، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وقالت النساء لو كان جعل أنصباءنا في الميراث كأنصباء الرجال.
وقال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسنات في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث.
فأنزل الله: ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ يقول: المرأة تجزى بحسنتها عشر أمثالها كما يجزى الرجل.
وأخرج ابن جرير عن أبي حريز قال: لما نزل ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ [ النساء: 11] قالت النساء: كذلك عليهم نصيبان من الذنوب كما لهم نصيبان من الميراث.
فأنزل الله: ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ يعني الذنوب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ قال: من الإثم ﴿ وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ قال: من الإثم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن سيرين، أنه كان إذا سمع الرجل يتمنى في الدنيا قال: قد نهاكم الله عن هذا ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ ودلكم على خير منه ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ قال: ليس بعرض الدنيا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ قال: العبادة ليس من أمر الدنيا.
وأخرج الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل» .
وأخرج ابن جرير من طريق حكيم بن جبير عن رجل لم يسمه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج» .
وأخرج أحمد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما سأل رجل مسلم الله الجنة ثلاثاً إلا قالت الجنة: اللهم أدخله، ولا استجار رجل مسلم من النار ثلاثاً إلا قالت النار: اللهم أجره» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ .
التمني في اللغة: تقدير ما يحب على جهة الاستمتاع به.
وقد مضى القول فيه عند قوله: ﴿ إِلَّا أَمَانِيَّ ﴾ .
قال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله: يغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا كنا رجالًا، فجاهدنا وغزونا، وكان لنا مثل أجر الرجال.
فنزلت هذه الآية (١) وهذا قول أكثر المفسرين.
قالوا: وفي هذه الآية: أن يتمنى أحد مال غيره ومنزل غيره، فإن ذلك هو الحسد.
وقد جاء: لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني، اللهم أعطني مثله (٢) وهذا النهي نهي تحريم عند أكثر العلماء.
وليس لأحد أن يقول: ليت مال فلان لي، وانما يجوز أن يقول: ليت مثله لي (٣) وقال الفراء: هذا نهي أدب وتنزيه، دون تحريم (٤) والصحيح هو الأول؛ لأنه لا يُعدل بصيغة النهي عن معناه إلا بقرينة.
وقوله تعالى: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ .
قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ مِمَّا اكْتَسَبُوا ﴾ يريد الجهاد، وما لا يصلح للنساء.
﴿ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ يريد حفظ فروجهن، وطاعة (زوجهن) (٥) (٦) وقال قتادة ومقاتل والسدي: قالت الرجال: إنا لنرجو أن نُفَضَّل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فُضِّلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء.
وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة، كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا.
فأنزل الله عز وجل: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ﴾ من الثواب والعقاب ﴿ وَلِلنِّسَاءِ ﴾ كذلك (٧) ولأصحاب المعاني في هذا وجه آخر: يقول: لكل فريق من الرجال والنساء نصيب مما اكتسب من نعيم الدنيا، فينبغي أن يقنع به رضًى بما قسم الله له، ولا يتمنى مال غيره.
وقوله تعالى: ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ .
أي إن احتجتم إلى ما لغيركم (وأجبكم) (٨) (٩) وقال رسول الله : "سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يُسأل" (١٠) قال أبو علي: (من) في قوله: ﴿ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ في موضع المفعول الثاني في قول أبي الحسن، ويكون المفعول الثاني محذوفًا في قياس قول سيبويه، والصفة قائمة مقامه (١١) (١) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 156، والترمذي (3022) كتاب تفسير القرآن، باب: 5 من سورة النساء، وقال: هذا حديث مرسل، والطبري 5/ 46 - 47، والحاكم في "المستدرك" 2/ 305، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 154.
(٢) ذكر هذا الأثر الفراء في "معاني القرآن" 1/ 265، وقد ورد بلفظ مقارب منسوبًا لابن عباس والكلبي.
انظر: الطبري 8/ 261، "بحر العلوم" 1/ 350، "الكشف والبيان" 4/ 48 ب.
(٣) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 38 ب.
(٤) انظر: "معاني القرآن" 1/ 264.
(٥) في (د): (أزواجهن) بالجمع.
(٦) لم أقف عليه، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 524 دون نسبة، وثبت عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: يعني ما ترك الوالدان والأقربون: يقول: للذكر مثل حظ الأنثيين.
"تفسير ابن عباس" ص 145، والطبري 5/ 49.
(٧) أخرج الأثر عن قتادة الطبري 47 - 48 بنحوه وذكر الأثر عنه وعن السدي الثعلبى في "الكشف والبيان" 4/ 48 ب، وانظر: "تفسير مقاتل بن سليمان" 1/ 369 ، "الدر المنثور" 2/ 267.
(٨) ورد في الأصل، ولعله تصحيف من الناسخ والصواب (أحبيتم).
(٩) انظر: "النكت والعيون" 1/ 478.
(١٠) أخرجه الترمذي (3571) كتاب الدعوات، باب: في انتظار الفرج وغير ذلك، وتكلم في إسناده، والطبري 5/ 49، وفيه ضعف وانظر: "ضعيف الجامع" 3/ 221.
(١١) "الحجة" 2/ 214.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ ﴾ الآية: سببها أن النساء قلن: ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث، وشاركناهم في الغزو.
فنزلت نهياً عن ذلك؛ لأن في تمنيهم ردُّ على حكم الشريعة، فيدخل في النهي تمني مخالفة الأحكام الشرعية كلها ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا ﴾ الآية: أي من الأجر والحسنات، وقيل: من الميراث، ويرده لفظ الاكتساب.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: {يكفر{ و ﴿ يدخلكم ﴾ بياء الغيبة: المفضل.
الباقون بالنون.
﴿ مدخلاً ﴾ بفتح الميم وكذلك في الحج: أبو جعفر ونافع.
الباقون بالضم ﴿ واسئلوا ﴾ وبابه مما دخل عليه واو العطف أو فاؤه بغير همزة: ابن كثير وعلي وخلف وسهل وحمزة في الوقف.
﴿ عقدت ﴾ من العقد: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون ﴿ عاقدت ﴾ من المعاقدة ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب: يزيد.
الباقون بالرفع.
﴿ والجار ﴾ بالإمالة: إبراهيم بن حماد وقتيبة ونصير وأبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو والنجاري عن ورش ﴿ والجار الجنب ﴾ بفتح الجيم وسكون النون: المفضل.
البقاون بضمتين ﴿ بالبخل ﴾ بفتحيتن حيث كان: حمزة وعلي وخلف والمفضل عباس مخير.
الباقون: بضم الباء وسكون الخاء.
﴿ حسنة ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع.
الباقون بالنصب ﴿ يضعفها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.
الباقون ﴿ يضاعفها ﴾ بالألف.
الوقوف: ﴿ كريماً ﴾ ه ﴿ على بعض ﴾ ط ﴿ مما اكتسبن ﴾ ط ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ ط بناء على أن ما بعد مبتدأ ﴿ نصيبهم ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ من أموالهم ﴾ ج لأن ما يتلوا مبتدأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ ط ﴿ واضربوهن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ سبيلاً ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ من أهلها ﴾ ج لأن " أن " للشرط مع اتحاد الكلام ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وابن السبيل ﴾ ط للعطف ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ فخوراً ﴾ ه لا بناء على أن الذين بدل ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ مهيناً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والعطف ﴿ باليوم الآخر ﴾ ط وإن جعل "الذين" مبتدأ لأن خبره محذوف أي فأولئك قرينهم الشيطان ﴿ قريناً ﴾ ه ﴿ رزقهم الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ذرة ﴾ ط لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى أي لا يظلم بنقص الثواب ومع ذلك يضاعفه ﴿ عظيماً ﴾ ه.
التفسير: هذا كالتفصيل للوعيد المتقدم.
ومن الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئاً منها فليستغفر الله فإنّ الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلاّ راجعاً عن الإسلام أو جاحداً فريضة أو منكراً لقدر.
وضعف بأن الذنوب لو كانت كلها كبائر لم يبق فرق بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر وبقوله : ﴿ وكل صغير وكبير مستطر ﴾ ﴿ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ﴾ وبأنه نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، وبقوله : ﴿ وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ﴾ ولا بد من فرق بين الفسوق والعصيان.
فالكبائر هي الفسوق، والصغائر العصيان.
حجة المانع ما روي عن ابن عباس: أنّ الذنب إنما يكبر لوجهين: لكثرة نعم من / عصى فيه ولجلالته، ولا شك أن نعمه غير متناهية وأنه أجل الموجودات فيكون عصيانه كبيراً.
وعورض بأنه أرحم الراحمين وأغنى عن طاعات المطيعين، وكل ذلك يوجب خفة الذنب وإن سلم أن الذنوب كلها كبائر من حيث إنها ذنوب ولكن بعضها أكبر من بعض وذلك يوجب التفاوت.
وإذ قد عرفت أن الذنوب بعضها صغائر وبعضها كبائر فالكبيرة تتميز عن الصغيرة بذاتها أو باعتبار فاعلها.
ذهب إلى كل واحد طائفة.
فمن الأولين من قال: ويروى عن ابن عباس كل ما جاء في القرآن مقروناً بذكر الوعيد فهو كبيرة كالقتل المحرم والزنا وأكل مال اليتيم وغيرها.
وزيف بأنه لا ذنب إلاّ وهو متعلق الذم عاجلاً والعقاب آجلاً فيكون كل ذنب كبيراً وهو خلاف المفروض.
وعن ابن مسعود أن الكبائر هي ما نهى الله في الآيات المتقدمة، وضعف بأنه ذكر الكبائر في سائر السور أيضاً فلا وجه للتخصيص.
وقيل: كل عمد فهو كبير.
ورُدّ بأنه إن أراد بالعمد أنه ليس بساهٍ فما هذا حاله فهو الذي نهى الله عنه فيكون كل ذنب كبيراً وقد أبطلناه، وإن أراد بالعمد أن يفعل المعصية مع العلم بأنها معصية فلا يكون كفر اليهود والنصارى كبيراً وهو باطل بالاتفاق.
وأما الذين يقولون الكبائر تمتاز عن الصغائر باعتبار فاعلها، فوجهه أنّ لكل طاعة قدراً من الثواب، ولكل معصية قدراً من العقاب.
فإذا وجد للإنسان طاعة ومعصية فالتعادل بين الاستحقاقين وإن كان ممكناً بحسب العقل إلاّ أنه غير ممكن بحسب السمع وإلاّ لم يكن مثل ذلك المكلف لا في الجنة ولا في النار وقد قال : ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ فلا بد من ترجيح أحدهما، ويلزم حينئذٍ الإحباط والتكفير.
والحق في هذه المسألة وعليه الأكثرون بعد ما مرّ من إثبات قسمة الذنب إلى الكبير والصغير أنه لم يميّز جملة الكبائر عن جملة الصغائر لما بين في هذه الآية أن الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر.
فلو عرف المكلف جميع الكبائر اجتنبها فقط واجترأ على الإقدام على الصغائر، أما إذا عرف أنه لا ذنب إلاّ ويجوز كونه كبيراً صار هذا المعنى زاجراً له عن الذنوب كلها، ونظير هذا في الشرع إخفاء ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، ووقت الموت في جملة الأوقات.
هذا ولا مانع من أن يبيّن الشارع في بعض الذنوب أنه كبيرة كما روي أنه قال: " اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " وذكر عند ابن عباس أنها سبعة / فقال: هي إلى السبعين أقرب.
وفي رواية إلى السبعمائة.
وعن ابن عمر أنه عدّ منها: استحلال آميّن البيت الحرام وشرب الخمر.
وعن ابن مسعود: زيادة القنوط من رحمة الله والأمن من مكره.
وفي بعض الروايات عن النبي زيادة قول الزور وعقوق الوالدين والسرقة.
وأما قول العلماء في الكبيرة فمنهم من قال: هي التي توجب الحد.
وقيل: هي التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص أو كتاب أو سنة.
وقيل: كل جريرة تؤذن بقلة اكتراث صاحبها بالدين.
وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار.
ويراد بالإصرار المداومة على نوع واحد من الصغائر، أو الإكثار منها وإن لم تكن من نوع واحد.
احتج أبو القاسم الكعبي بالآية على القطع بوعيد أهل الكبائر لأنها تدل على أنه إذا لم يجتنب الكبائر فلا تكفر عنه.
والجواب عنه أن استثناء نقيض المقدم لا ينتج ويؤيده قوله تعالى: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴾ وأداء الأمانة واجب أمنه أو لم يأمنه.
سلمنا أنّ الآية رجعت إلى قوله من لم يجتنب الكبائر لم يكفر عنه سيّئاته، فغايته أنه يكون عاماً في باب الوعيد.
والجواب عنه هو الجواب عن سائر العمومات، وهو أنه مشروط بعدم العفو عندنا كما أنه مشروط عندكم بعدم التوبة.
ثم قالت المعتزلة: إنّ عند اجتناب الكبائر يجب غفران الصغائر، وعندنا لا يجب على الله شيء بل كل ما يفعله فهو فضل وإحسان.
ويدخل في الاجتناب عن الكبائر الإتيان بالطاعات لأن ترك الواجب أيضاً كبيرة.
﴿ وندخلكم مدخلاً ﴾ فمن فتح الميم أراد مكان الدخول، ومن ضمها أراد الإدخال.
ووصفه بالكرم إشعار بأنه على وجه التعظيم خلاف إدخال أهل النار الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، أو هو وصف باعتبار صاحبه.
ثم إنه لما أمرهم بتهذيب أعمال الجوارح وهو أن لا يقدموا على أكل الأموال بالباطل وعلى قتل الأنفس، حثهم على تهذيب الأخلاق في الباطن.
أو نقول: لما نهاهم عن الأكل والقتل ولن يتم ذلك إلاّ بالرضا بالقضاء وتطييب القلب بالمقسوم المقدّر، فلا جرم قال: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ﴾ قالت المعتزلة: التمني قول القائل: "ليته كذا".
وقال أهل السنة: هو عبارة عن إرادة ما يعلم أن يظن أنه لا يكون ولهذا قالوا: إنه لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن كان متمنياً.
ثم مراتب السعادات إما نفسانية نظرية كالذكاء والحدس وحصول المعارف والحقائق، أو عملية كالأخلاق الفاضلة، وإما بدنية كالصحة والجمال والعمر، وإما خارجية كحصول الأولاد النجباء وكثرة العشائر والأصدقاء والرياسة التامة ونفاذ القول وكونه محبوباً للخلق حسن الذكر مطاع الأمر، فهذه مجامع السعادات.
وبعضها محض عطاء الله ، وبعضها مما / يظن أنها كسبية.
وبالحقيقة كلها عطاء منه فإنه لولا ترجيح الدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات وتوفيق الأسباب فلأي سبب يكون السعي والجد مشتركاً فيه، والفوز بالبغية والظفر بالمطلوب غير مشترك فيه؟
وإذا كان كذلك فما الفائدة في الحسد غير الاعتراض على مدبر الأمور وكافل مصالح الجمهور؟
فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ما قسم له هو خير له، ولو كان خلافه لكان وبالاً عليه كما قال: ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ وفي الكلمات القدسية: " من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر نعمائي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة مع الصديقين.
ومن لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي ولم يشكر نعمائي فليخرج من أرضي وسمائي وليطلب رباً سوائي" قال المحققون: لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم أعطني داراً مثل دار فلان، وزوجة مثل زوجة فلان، وإن كان هذا غبطة لا حسداً، بل ينبغي أن يقول: اللهم أعطني ما يكون صلاحاً لي في ديني ودنياي ومعادي ومعاشي.
وعن الحسن: لا يتمن أحد المال فلعل هلاكه في ذلك المال.
أما سبب النزول فعن مجاهد قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا فنزلت.
وعن قتادة والسدي: لما نزل قوله: ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ قال الرجال: نرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا في الميراث.
وقال النساء: نرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال.
وفي رواية قلن: نحن أحوج لأن ضعفاءهم أقدر على طلب المعاش فنزلت.
وقيل: أتت وافدة النساء إلى الرسول وقالت: رب الرجال والنساء واحد، وأنت الرسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم وأمنا حواء فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا؟
فنزلت الآية.
فقالت: وقد سبقنا الرجال بالجهاد فما لنا؟
فقال : "إن للحامل منكن أجر الصائم القائم، وإذا ضربها الطلق لم يدر أحد ما لها من الأجر، فإن أرضعت كان لها بكل مصة أجر إحياء نفس" .
﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ من نعيم الدنيا وثواب الآخرة فينبغي أن يرضوا بما قسم لهم، وكذا للنساء، أو لكل فريق جزاء ما اكتسب من الطاعات فلا ينبغي أن يضيعه بسبب الحسد المذموم.
وتلخيصه لا تضيع ما لك بتمني ما لغيرك.
أو ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا ﴾ بسبب قيامهم بالنفقة على النساء ﴿ وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ بحفظ فروجهن وطاعة أزواجهن والقيام بمصالح البيت ﴿ واسئلوا الله من فضله ﴾ فعنده من ذخائر الإنعام ما لا ينفده مطالب الأنام.
و "من" للتبعيض أي شيئاً من خزائن كرمه وطوله ﴿ إنّ الله كان بكل شيء / عليماً ﴾ فهو العالم بما يكون صلاحاً للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل وليفوّض التفصيل إليه فإن ذلك أقرب إلى الأدب وأوفق للطلب.
قوله وتعالى : ﴿ ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ يمكن تفسيره بحيث يكون الوالدان والأقربون وارثين وبحيث يكونان موروثاً منهما.
والمعنى على الأول: لكل أحد جعلنا ورثة في تركته.
ثم إنه كأنه قيل: ومَنْ هؤلاء الورثة؟
فقيل: هم الوالدان والأقربون فيحسن الوقف على قوله: ﴿ مما ترك ﴾ وفيه ضمير كل.
وأما على الثاني، فإما أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي ورثة، وإما أن يكون ﴿ جعلنا موالي ﴾ صفة ﴿ لكل ﴾ بل محذوف والعائد محذوف وكذا المبتدأ والتقدير: ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب مما ترك الوالدان والأقربون كما تقول: لكل من خلقه الله إنساناً من رزق الله.
أي حظ من رزق الله، والمولى لفظ مشترك بين معانٍ: منها المعتق لأنه ولي نعمته في عتقه، ومنها العبد المعتق لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه، وهذا كما يسمى الطالب غريماً لأن له اللزوم والمطالبة بحقه، ويسمى المطلوب غريماً لكون الدين لازماً له.
ومنها الحليف لأن الحالف يلي أمره بعقد اليمين، ومنها ابن العم لأنه يليه بالنصرة ومنه المولى للناصر قال : ﴿ ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ ومنها العصبة وهو المراد في الآية إذ هو الأليق بها كقوله : " أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالاً فماله للموالي العصبة، ومن ترك كلاً فأنا وليّه " وأما قوله: ﴿ والذين عقدت أيمانكم ﴾ فإما أن يكون مبتدأ ضمن معنى الشرط، فوقع قوله: ﴿ فآتوهم ﴾ خبره.
وإما أن يكون منصوباً على قولك: "زيداً فاضربه" مما توسط الفاء بين الفعل ومفعول مفسره إيذاناً بتلازمهما وإما أن يكون معطوفاً على ﴿ الوالدان ﴾ والإيمان جمع اليمين اليد أو الحلف.
من الناس من قال: الآية منسوخة.
وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك أي ما يهدر، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف فنسخ بقوله: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ﴾ وبقوله: ﴿ يوصيكم الله ﴾ وأيضاً: إن الواحد منهم كان يتخذ إنساناً أجنبياً ابناً له وهم الأدعياء، وكان النبي يؤاخي بين كل رجلين منهم، فكانوا يرثون بالتبني والمؤاخاة فنسخ، ومن المفسرين من زعم أنها غير منسوخة، وقوله: ﴿ والذين ﴾ معطوف على ما / قبله.
والمعنى: أن ما ترك الذين عقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به فلا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى الوارث، فيكون الضمير في ﴿ فآتوهم ﴾ للموالي قاله أبو علي الجبائي.
أو المراد بالذين عاقدت الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقداً بين ميراث الزوج والزوجة بعد ميراث الولد والوالدين كما في قوله: ﴿ يوصيكم الله ﴾ قاله أبو مسلم.
وقيل: المراد الميراث الحاصل بسبب الولاء.
وقيل: هم الحلفاء.
والمراد بإتياء نصيبهم النصرة والنصيحة والمصافاة.
وقال الأصم: المراد التحفة بالشيء القليل كقوله: ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يرث المولى الأسفل من الأعلى.
وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد أنه قال: يرث، لما روى ابن عباس "أن رجلاً أعتق عبداً له فمات المعتق ولم يترك إلاّ العتيق فجعل رسول الله ميراثه للغلام" .
والحديث عند الجمهور محمول على أن المال صار لبيت المال ثم دفعه النبي إلى الغلام لفقره، وقال أبو حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث بحق الموالاة، وخالفه الشافعي فيه.
وحكى الأقطع أن هذه المولاة لا تصح عند أبي حنيفة أيضاً إلا بين العرب دون العجم لرخاوة عقدهم في أمورهم، ﴿ إنّ الله كان على كل شيء شهيداً ﴾ لأنه عالم بجميع الجزئيات والكليات فشهد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه، وفيه وعيد للعاصين، ووعد للمطيعين.
هذا وقد مر أن النساء تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهم في الميراث ونحوه، فذكر في هذه الآية ما يشتمل على بعض أسباب التفضيل فقال: ﴿ الرجال قوّامون ﴾ يقال: هذا قيم المرأة وقوّامها بناء مبالغة للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها كما يقوم الوالي على الرعية ومنه سمي الرجال قوّاماً.
والضمير في بعضهم للرجال والنساء جميعاً أي إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل الله بعضهم - وهو الرجال - على بعض - وهم النساء.
وقيل: وفيه دليل على أن الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر.
وذكروا في فضل الرجال العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي، وأن منهم الأنبياء والعلماء والحكماء، وفيهم الإمامة الكبرى وهي الخلافة، الصغرى وهو الاقتداء بهم في الصلاة، وأنهم أهل الجهاد والأذان والخطبة والاعتكاف والشهادة في الحدود والقصاص بالاتفاق وفي الأنكحة عند الشافعي، وزيادة السهم في الميراث والتعصيب فيه، والحمالة تحمل الدية في القتل الخطأ، والقسامة والولاية في النكاح والطلاق والرجعة وعدد الأزواج وإليهم الانتساب، وكل ذلك يدل على فضلهم، وحاصلهم يرجع إلى العلم والقدرة.
ومنها سبب خارجيّ وذلك أنهم فضلوا عليهن بما أنفقوا أي أخرجوا في نكاحهن من أموالهم مهراً / ونفقة.
عن مقاتل "أن سعد بن الربيع، وكان من نقباء الأنصار، نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها.
فانطلق بها أبوها إلى رسول الله وقال: افرشته كريمتي فلطمها.
فقال رسول الله : لتقتص منه، وكانت قد نزلت آية القصاص، فانصرفت مع أبيها لتقتص منه فقال النبي : ارجعوا هذا جبيرل أتاني وأنزل الله هذه الآية.
فقال النبي : أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير ورفع القصاص" .
فلهذا قال العلماء: لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شَجها ولكن يجب العقل، وقيل: لا قصاص إلاّ في الجرح والقتل، وأما في اللطمة ونحوها فلا.
ثم قسم النساء قسمين، فوصف الصالحات منهن بأنهن قانتات مطيعات لله وللزوج حافظات للغيب قائمات بحقوق الزوج في غيبته، والغيب خلاف الشهادة.
ومواجب حفظ غيبة الزوج أن تحفظ نفسها عن الزنا لئلاّ يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلاّ يلحق به الولد الحاصل من نطفة غيره، وأن تحفظ أسراره عن الإفشاء وماله عن الضياع ومنزلها عما لا ينبغي شرعاً وعرفاً.
عن النبي : " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها وتلا الآية" و "ما" في قوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ موصولة والعائد محذوف أي بالذي حفظه الله لهن أي عليهن أن يحفظن حقوق الزوج في مقابلة ما حفظ الله حقوقهن على أزواجهن حيث أمرهم بالعدل فيهن في قوله: ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ فقوله: ﴿ بما حفظ الله ﴾ يجري مجرى قولهم "هذا بذاك" أي هذا في مقابلة ذاك، أو مصدرية والمعنى: أنهن حافظات للغيب بحفظ الله إياهن فإنهن لا يتيسر لهن حفظ الغيب إلاّ بتوفيق الله، أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب العظيم على الأمانة، وأوعدهن العذاب الشديد على الخيانة.
ومن قرأ ﴿ بما حفظ الله ﴾ بالنصب فـ "ما" أيضاً موصولة أي بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانته وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم، أو مصدرية أي بسبب حفظهن حدود الله وأوامره فإن المرأة لولا أنها تحاول رعاية تكليف الله وتجتهد في حفظ أوامره وإلا لما أطاعت زوجها.
ثم ذكر غير الصالحات منهن فقال: ﴿ واللاتي تخافون ﴾ تعرفون بالقرائن والأمارات ﴿ نشوزهن ﴾ عصيانهن والترفع عليكم بالخلاف من نشز الشيء ارتفع، ومنه نشز للأرض المرتفعة ﴿ فعظوهن ﴾ وهو أن يقول: اتقي الله فإن لي عليك حقاً، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي عليك فرض ونحو ذلك.
﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ أي في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف، وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع.
وقيل: في المضاجع أي ببيوتهن التي يبتن فيها أي لا / تبايتوهن.
وفي ضمن الهجران الامتناع من كلامها.
ولكن ينبغي أن لا يزيد في هجره الكلام على ثلاث، فإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها فتركت النشوز، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران فكان ذلك دليلاً على كمال نشوزها فيباح الضرب وذلك قوله: ﴿ واضربوهن ﴾ والأولى ترك الضرب لما روي أنه قال: " "لا تضربوا إماء الله فجاء عمر إلى رسول الله فقال: ذئرت النساء على أزواجهن أي اجترأن فرخص في ضربهن.
فأطاف بآل رسول الله نساء كثير يشكون أزواجهن فقال رسول الله : لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم " ومعناه أن الذين ضربوا أزواجهم ليسوا خيراً ممن لم يضربوا.
وإذا ضربها وجب أن لا يكون مفضياً إلى الهلاك ألبتة، وأن يكون مفرقاً على بدنها لا يوالي به في موضع واحد، ويتقي الوجه لأنه مجمع المحاسن، وأن يكون دون الأربعين.
وقيل: دون عشرين لأنه حد كامل في شرب العبد، ومنهم من لا يرى الضرب بالسياط ولا بالعصا.
وبالجملة فالتخفيف مرعي في هذا الباب ولهذا قال علي بن أبي طالب: يعظها بلسانه فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.
وقال آخرون: هذا الترتيب مرعي عند خوف النشوز، فأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل.
وروي عن النبي : " "علق سوطك حيث يراه أهلك " ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ﴾ بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهم كأن لم يكن ﴿ إن الله كان علياً ﴾ لا بالجهة ﴿ كبيراً ﴾ لا بالجثة ﴿ فاحذروا ﴾ واعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على أزواجكم وأرقائكم.
روي "أن أبا مسعود الأنصاري رفع سوطه ليضرب غلاماً له فبصر به رسول الله فصاح به: أبا مسعود، الله أقدر منك عليه.
فرمى بالسوط وأعتق الغلام" .
وفيه أنه مع علوه وكبرياء سلطانه تعصونه فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو إذا رجع الجاني عليكم، أو أنه مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون فكذلك لا تكلفوهن محبتكم فلعلهن لا يقدرن على ذلك، أو أنه مع علو شأنه وكبريائه يكتفي من العبيد بالظواهر ولا يهتك السرائر فأنتم أجدر بأن لا تفتشوا عما في قلبها من الحب والبغض إذا صلح حالها في الظاهر، أو أنهن إن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم فالله قادر قاهر ينتصف لهن منكم.
ثم بيّن أنه ليس بعد الضرب إلا المحاكمة فقال: ﴿ وإن خفتم ﴾ قال ابن عباس: أي علمتم وذلك لإصرارها على النشوز حيث لم يؤثر فيها الوعظ والهجران والضرب.
واعترض / عليه الزجاج بأنه إذا علم الشقاق قطعاً فلا حاجة إلى الحكمين.
وأجيب بأن الشقاق معلوم إلاّ أنا لا نعلم أن سبب الشقاق منه أو منها، فالحاجة إلى الحكمين لهذا المعهنى.
أو نقول: المراد إزالة الشقاق في الاستقبال، ومعنى ﴿ شقاق بينهما ﴾ شقاقاً بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع وهو إجراء الظرف مجرى المفعول به، أو على جعل البين مشاقاً مثل "نهاره صائم" والضمير للزوجين يدل عليهما مساق الكلام، أو ذكر الرجال والنساء ﴿ فابعثوا حكماً من أهله ﴾ رجلاً مقنعاً رضاً يصلح لحكومة الإصلاح بينهما ويهتدي إلى المقصود من البعث.
ولا بد فيه من العقل والبلوغ والحرية والإسلام، ويستحب أن يكون الحكمان من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن أحوالهما وتسكن إليهما نفوس الزوجين، فيبرزان لهما ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة، وموجبات كل من الأمرين.
وينبغي أن يخلو حكم الرجل بالرجل وحكم المرأة بالمرأة فيعرفان ما عندهما وما فيه رغبتهما، وإذا اجتمعا لم يخف أحدهما عن الآخر ما علم.
ثم المبعوثان وكيلان من جهة الزوجين أو موليان من جهة الحكام المخاطبين بقوله: ﴿ فابعثوا ﴾ فيه للشافعي قولان:- أصحهما وبه قال أبو حنيفة وأحمد - أنهما وكيلان لأن البضع حق الزوج والمال حق الزوجة وهما رشيدان.
والخطاب في قوله: ﴿ فإن خفتم ﴾ وفي ﴿ فابعثوا ﴾ لصالحي الأمة لأنه يجري مجرى دفع الضرر، فلكل أحد أن يقوم به.
وثانيهما - وبه قال مالك - أنهما موليان لأنه سماهما الحكمين.
ولما روي أن علياً بعث حكمين من زوجين فقال: أتدريان ما عليكما؟
عليكما إن رأيتما أن تجمعا فاجمعا وإن رأيتما أن تفرّقا ففرقا.
وعلى الأول يوكل الرجل الذي هو من أهله بالطلاق وبقبول العوض في الخلع، والمرأة الآخر ببذل العوض وقبول الطلاق، ولا يجوز بعثهما إلا برضاهما فإن لم يرضيا ولم يتفقا على شيء أدب القاضي الظالم واستوفى حق المظلوم.
وعلى الثاني لا يشترط رضا الزوجين في بعث الحكمين.
﴿ إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ﴾ فيه أربعة أوجه.
الأول: إن يرد الحكمان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى يتفقا على ما هو خير.
الثاني: إن يرد الزوجان إصلاحاً أبدل الله الزوجين بالشقاق وفاقاً.
الثالث: إن يرد الحكمان إصلاحاً يؤلف الله بين الزوجين.
الرابع: إن يرد الزوجان خيراً يوفق الله بين الحكمين حتى تتفق كلمتاهما ويحصل الغرض، والتوفيق جعل الأسباب موافقة للغرض ولا يستعمل إلا في الخير والطاعة.
وفيه أنه لا يتم شيء من الأغراض إلاّ بتوفيق الله وتيسيره ﴿ إنّ الله كان عليماً خبيراً ﴾ فيوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين بمقتضى علمه وإرادته.
وفيه وعيد للزوجين والحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق ووعد على الجد في حسم مادة الخصومة والخشونة.
/ ثم أرشد إلى مجامع الأخلاق الحسنة بقوله: ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ فإن من عبد الله وأشرك به شيئاً آخر فقد حبط عمله وضل سعيه ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ تقديره وأحسنوا بهما إحساناً.
يقال: أحسن بفلان وإلى فلان.
﴿ وبذي القربى واليتامى والمساكين ﴾ وقد مر تفاسيرها في البقرة.
قال أبو بكر الرازي: إن اضطر إلى قتل أبيه بأن يخاف أن يقتله إن ترك قتله جاز له أن يقتله ﴿ والجار ذي القربى ﴾ الذي قرب جواره ﴿ والجار الجنب ﴾ الذي بعد جواره.
عن النبي : " لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، ألا وإن الجوار أربعون داراً " وعن الزهري أنه أراد أربعين من كل جانب.
وقيل: الجار ذي القربى الجار القريب النسب، والجار الجنب الأجنبي.
والتركيب يدل على البعد، ومنه الجانبان للناحيتين، والجنبان لبعد كل منهما عن الآخر، ومنه الجنابة لبعده عن الطهارة وعن حضور الجماعة والمسجد ما لم يغتسل.
ومن قرأ ﴿ الجنب ﴾ فمعناه المجنوب مثل "خلق" بمعنى مخلوق، أو المراد ذي الجنب فحذف المضاف ﴿ والصاحب الجنب ﴾ وهو الذي حصل بجنبك إما رفيقاً في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكاً في تعلم أو حرفة، وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس، أو في مسجد أو غير ذلك من أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان، وقيل: الصاحب بالجنب المرأة فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك ﴿ وابن السبيل ﴾ المسافر الذي انقطع عن بلده، أو الضيف ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ عن علي بن أبي طالب أنه كان آخر كلام رسول الله ﴿ وما ملكت أيمانكم ﴾ وذكر اليمين تأكيد كما يقال: مشيت برجلي.
والإحسان إليهم أن لا يكلفهم فوق طاقتهم ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، بل يعاشروهم معاشرة جميلة ويعطيهم من الطعام والكسوة ما يليق بحالهم في كل وقت.
وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء وهو الكسب بفروجهن، ويضعون على العبيد الخراج الثقيل.
وقيل: كل حيوان فهو مملوك.والإحسان إلى كل نوع بما يليق بحاله طاعة عظيمة ﴿ إنّ الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً ﴾ تياهاً جهولاً يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، وعن الالتفات إلى حالهم والتفقد لهم والتحفي بهم، ويأنف من أقاربه إذا كانوا فقراء ومن جيرانه إذا كانوا ضعفاء.
وأصله من الخيلاء الكبر، والفخور المتطاول الذي يعد مناقبه، وعن ابن عباس هو الذي يفخر على عباد الله بما أعطاه من أنواع نعمه، ولعل هذا يجوز على سبيل التحدث بالنعم فقط ﴿ الذين يبخلون ﴾ البخل في اللغة منع الإحسان، وفي الشرع منع / الواجب.
وفيه أربع لغات: البخل مثل الفقر، والبخل بضم الباء وسكون الخاء، وبضمهما، وبفتحهما.
وسبب النظم أن الإحسان إلى الأصناف المذكورين إنما يكون في الأغلب بالمال فذم المعرضين عن ذلك الإحسان لحب المال، ويحتمل أن يشمل البخل بالعلم أيضاً، أي يبخلون بذات أيديهم وبما في أيدي غيرهم مقتاً للسخاء وهذه نهاية البخل.
وفي أمثالهم "أبخل من الضنين بنائل غيره" وقد عابهم بكتمان نعمة الله وما آتاهم من فضل الغنى حتى أوهموا الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان فخالفوا سنة نبي الله حيث قال : " "إنّ الله يحب أن يرى على عبده أثر نعمته " وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره فنم به عنده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك فأعجبه كلامه.
ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر مثل أن يظهر الشكاية من الله ولا يرضى بقضائه فلذلك قال: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ ويحتمل أن يراد كافر النعمة لا كافر الإيمان.
وقال ابن عباس: إنّ الآية في اليهود، كانوا يأتون رجالاً من الأنصار يخالطونهم وينتصحون لهم يقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون.
وأيضاً وإنهم كتموا صفة محمد ولم يبينوها للناس.
ثم لما ذمّ الذين لا ينفقون أموالهم عطف عليهم الذين ينفقون أموالهم ولكن ريا وفخاراً وليقال ما أسخاهم وما أجودهم لا ابتغاء وجه الله، ومثل هذا الإنفاق دليل على أنه لا يؤمن بالله واليوم الآخر وإلاّ أنفق لله أو للآخرة ﴿ ومن يكن الشيطان له قريناً ﴾ في الدنيا آمراً بالبخل والفحشاء ﴿ فساء قريناً ﴾ في الآخرة يقرن به في النار.
ثم استفهم على سبيل الإنكار فقال: ﴿ وماذا عليهم ﴾ أي أيّ تبعة ووبال عليهم؟
أو ما الذي عليهم في باب الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟
والمراد التوبيخ وإلاّ فكل منفعة في ذلك كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟
وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت باراً؟
﴿ وكان الله بهم عليماً ﴾ بعث على إصلاح أفعال القلوب التي يطلع عيلها علام الغيوب، وردع عن دواعي النفاق والرياء والسمعة والفخار.
احتج القائلون بأن الإيمان يصح على سبيل التقليد بأن قوله: ﴿ وماذا عليهم لو آمنوا ﴾ مشعر بأن الإتيان بالإيمان في غاية السهولة والاستدلال في غاية الصعوبة.
وأجيب بأن الصعوبة في الإيمان الاستدلالي التفصيلي لا الإجمالي.
وقال جمهور المعتزلة: لو كانوا غير قادرين لم يقل: ﴿ وماذا عليهم ﴾ كما لا يقال للمرأة ماذا عليها لو كانت رجلاً، وللقبيح ماذا عليه لو كان جميلاً.
وأجيب بعدم التحسين والتقبيح العقليين وأنه لا يسأل عما يفعل.
/ ثم رغب في الإيمان والطاعة قائلاً: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ والمثقال مفعال من الثقل كالميزان من الوزن.
والذرة النملة الصغيرة.
وعن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ذرة.
وانتصاب ﴿ مثقال ﴾ على أنه مفعول ثان أي لا ينقص الناس مثقال ذرة، أو على المصدر أي ظلماً قدر مقدارها، وأراد نفي الظلم رأساً إلا أنه أخرج الكلام على أصغر المتعارف.
وهذه الآية مما يتمسك به المعتزلة في أنه غير خالق لأعمال العباد وإلا كان ظلمهم منسوباً إليه، وفي أن العبد يستحق الثواب على طاعته وإلا كان منعه عنه ظلماً.
وأجيب بأنه إذا كان متصرفاً في ملكه كيف شاء فلا يتصور منه ظلم أصلاً.
وقد يحتج الأصحاب ههنا على صحة مذهبهم في عدم الإحباط بأن عقاب شرب قطرة من الخمر لو كان مزيلاً لطاعات سبعين سنة كان ظلماً، وفي عدم وعيد الفساق بأن عقاب شرب جرعة من الخمر لو كان دائماً مخلداً لزوم إبطال ثواب إيمان سبعين سنة وهو ظلم.
ثم قال: ﴿ وإن تك ﴾ حذفت النون من هذه الكلمة بعد سقوط الواو بالتقاء الساكنين لأجل التخفيف وكثرة الاستعمال.
من قرأ ﴿ حسنة ﴾ بالرفع فعلى "كان" التامة، ومن قرأ بالنصب فالتأنيث في ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث.
والمراد بالمضاعفة ليس هو المضاعفة بالمدة لأن مدة الثواب غير متناهية وتضعيف غير المتناهي محال، بل المراد المضاعفة بحسب المقدار، كأن يستحق عشرة أجزاء من الثواب فيجعله عشرين أو ثلاثين.
عن ابن مسعود أنه قال: "يؤتى بالعبد يوم القيامة وينادي مناد على رؤوس الأويلن والآخرين: هذا فلان ابن فلان، من كان له عليه حق فليأت إلى حقه، ثم يقال له: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: يا رب ومن أين وقد ذهبت الدنيا؟
فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة ضعفها الله لعبده وأدخله الجنة بفضل رحمته" ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ قال الحسن: الوعد بالمضاعفة أحب عند العلماء مما لو قال في الحسنة الواحدة مائة ألف حسنة، لأن هذا يكون مقداره معلوماً، أما على هذه العبارة فلا يعلم كميته إلاّ الله .
وعن أنس أن رسول الله قال: " "إنّ الله لا يظلم مؤمناً حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة.
وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها" أما قوله: ﴿ ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ﴾ فإن ﴿ لدن ﴾ بمعنى عند إلا أن لدن أكثر تمكناً.
يقول الرجل: عندي مال وإن كان المال ببلد آخر.
ولا يقول: لديّ مال إلاّ إذا كان بحضرته.
والمعتزلة حملوا / المضاعفة على القدر المستحق وهذا الثاني على الفضل التابع للأجر.
ويمكن أن يقال: الأول إشارة إلى السعادات الجسمانية، والثاني إشارة إلى اللذات الروحانية والله أعلم.
التأويل: جملة الكبائر مندرجة تحت ثلاث: إحداها اتباع الهوى وينشأ منه البدع والضلالات وطلب الشهوات وحظوظ النفس بترك الطاعات، وثانيتها حب الدنيا وينشعب منه القتل والظلم وأكل الحرام، وثالثتها رؤية غير الله وهو الشرك والرياء والنفاق وغيرها.
ثم أخبر أن الدين ليس بالتمني فقال: ﴿ ولا تتمنوا ﴾ فإنه لا يحصل بالتمني ولكن ﴿ للرجال ﴾ المجتهدين في الله ﴿ نصيب ﴾ مما جدوا في طلبه ﴿ وللنساء ﴾ وهم الذين يطلبون من الله غير الله ﴿ نصيب ﴾ على قدر همتهم في الطلب ﴿ واسألوا الله من فضله ﴾ فيه معنيان: سلوه من فضله الخاص وهو العلم اللدني ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً ﴾ أو سلوه منه ولا تسألوه من غيره ﴿ ولكل جعلنا موالي ﴾ لكل طالب صادق جعلنا استعداداً في الأزل للوراثة مما ترك والداه وأقرباؤه، طلبه لعدم الاستعداد والمشيئة.
والذين جرى بينكم وبينهم عقد الأخوة في الله ﴿ فآتوهم ﴾ بالنصح وحسن التربية والتسليك ﴿ نصيبهم ﴾ الذي قدّر لهم ﴿ الرجال قوّامون على النساء ﴾ بمصالح دينهن ودنياهن بتفضيل الله وهو استعداد الخلافة والوراثة ﴿ وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ أي تجريدهم عن الدنيا وتفريدهم للمولى.
﴿ فالصالحات ﴾ اللاتي يصلحن للكمال ﴿ قانتات ﴾ مطيعات لله لهن قلوب ﴿ حافظات ﴾ لواردات الغيب ﴿ بما حفظ الله ﴾ عليهن حقائق الغيب وأسراره.
﴿ واللاتي تخافون نشوزهن ﴾ إذا دارت عليهن كؤوس الواردات كما قيل: فأسكر القوم دور كاس *** وكان سكري من المدير ﴿ فعظوهن ﴾ باللسان وخوّفوهن بالهجران ليتأدب السكران ﴿ واضربوهن ﴾ بسوط الانفصال وفراق الإخوان كما كان حال الخضر مع موسى حيث قال: ﴿ هذا فراق بيني وبينك ﴾ هذا قانون أرباب الكمال إذا رأوا من أهل الإرادة إمارات الملال أو عربدة من غلبات الأحوال.
﴿ وإن خفتم ﴾ شقاقاً بين الشيخ الواصل والمريد المتكامل ﴿ فابعثوا ﴾ متوسطين من المشايخ الكاملين ومن السالكين المعتبرين ﴿ إن يريدا إصلاحاً ﴾ بينهما بما رأيا فيه صلاحهما ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ بالإرادة وحسن التربية ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ من الدنيا والعقبى لتتخلقوا بأخلاق الله وتحسنوا إلى الواليدن وغيرهما ﴿ إحساناً ﴾ بلا شرك ورياء وفخر وخيلاء والله ولي والتوفيق.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ الآية.
قيل: لا يتمنى الرجل مال أخيه، ولا امرأته، ولا داره، ولا شيئاً من الذي له؛ ولكن ليقل: اللَّهُمَّ ارزقني، تذكر النوع الذي رغبت؛ فالله واجد ذلك، وهو الواسع العليم.
وقيل: هو كذلك في التوراة.
وقيل: إن أم سلمة قالت: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ويذكر الرجال ولا نذكر؛ فنزلت الآية: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ ﴾ إلى قوله - عز وجل -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ﴾ .
ويحتمل: أن يكون هذا التمني في الديانة [وفي الدنيا]: أما في الديانة: هو أن يتمنى أحد أن يكون قدره مثل قدر آخر عند الناس من العلم، والزهد، وغير ذلك؛ فنهي أن يتمنى ذلك؛ إذ لم يبلغ هو ذلك المبلغ إلا باحتمال المكاره والمشقة والجهد.
وفي الدنيوية: هو أن يتمنى مال: أخيه، وزوجته، وخدمه.
ويحتمل: أن يكون معنى التمني: ما ذكر في خبر أم سلمة؛ لأن في ذلك الكفران بنعم الله؛ لأن النساء - وإن لم يُجْعَل عليهن القتال وغيره من الخيرات - رفع عنهن بعض المُؤُنات؛ ففي التمني الكفرانُ بتلك النعم التي أنعم الله - - عليهن.
وفي قوله - أيضاً -: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: الذي فضل الله بعضكم على بعض؛ فهو - والله أعلم - لما فيه السخط بحكمه، يريد الصرف إليه، أو لما فيه أنه إنما قصر فضله على ما رأى وألا يسع فضله له وللذي فضله، ولما النظر [إلى ما] أكرم به غيره بحق التمني - يلهي عن نعم الله - - عليه، أو لما يخرج ذلك مخرج العداوة، وحق نعم الله على كل أحد - أن يُعرف التعظيم له، وكذلك قيل: فضلت على غيرك؛ لترحمه وتتفضل عليه؛ للتعظيم، والتمني أوخش من الحسد؛ لأن الحسد هو إرادة الصرف عنه، وفي التمني ذلك وإرادة الفضل له به عليه.
﴿ وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ ﴾ - وتعالى - ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، وكان فضله في الحقيقة هو ما له ألا يبذل، وذلك يخرج على فضل في الدين، أو فضل في الخلق والمروءة، فأما فيما يرجع إلى نعم الدنيا مما لا يستعمله في أحد ذينك الوجهين - فهو في الظاهر نعمة، وفي الحقيقة بلية ومحنة؛ قال الله - وتعالى -: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ ﴾ الآية، وقال الله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ...
﴾ \[المؤمنون: 55\].
وجائز أن تكون الآية في النهي، مع ما مكنوا من النعم ووفقوا للخيرات: فإن كان لما وفقوا للخيرات - فحق ذلك أن يشكر لله؛ بما أكرم به من حسنات، ويرغب في التوفيق لمثله.
وإن كان في أمر النعم - فحقه أن يعينه بالدعاء؛ لتكون النعمة له [نعمة] لا بلية ونقمة، وترغب فيما يقربك إلى الله في عاقبة.
وقد ذكرنا أن أمّ سلمة تمنت بعض ما يقوم به الرجال من العبادات: نحو الجهاد وأشكاله؛ فنزل النهي عن ذلك، والترغيب في فضله في نوع ما تحتمل هي من الخيرات، دون الذي يفضل عليهن بالرفع عنهن، والله أعلم.
وفي قوله - أيضاً -: ﴿ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ...
﴾ الآية - يحتمل أن يكون على ما خاطب [رسول الله] بقوله - -: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...
﴾ الآية؛ فأخبر أن الذي أعطى - لم يعط للكرامة؛ ولكن ليفتنهم به، والعقل يأبى الرغبة فيما يفتن به دون ما يكرم به، ثم بيّن الذي هو أولى بالمشتهي من التمني، فقال: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ فرغب فيما له، وأمر بالسؤال من فضله؛ إذ لا يكون كسبه له إلا بفضله: كقوله - وتعالى -: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا ﴾ ، ثمّ قال الله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾ فبين أن كسبه عليه إلا بفضل الله، وبين أن الأولى به الإقبال على ما له عاقبته، والتضرع إلى الله - - بالإكرام دون الذي عليه في ذلك؛ خوف المقت، [والله أعلم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ .
مِثْلَهُ؛ فإن فضله واسع، ولا يتمنى مال أخيه وداره.
أو اسألوا الله - - العبادة، ولا تتمن ألا يكون لأخيك ذلك، ويكون لك، ثم أخبر أن ما يكون للرجال إنما يكون بالاكتساب، وما يكون للنساء يكون بالاكتساب، يكون لكلٍّ ما اكتسب من الأجر وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ ﴾ .
احتمل هذا - والله أعلم - أن يكون معطوفاً، مردوداً إلى قوله - وتعالى -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ﴾ الآية، ذكر - هاهنا - ما يرث الرجال والنساء من الوالدين والأقربين، ولم يذكر ما يرث الوالدان من الأولاد والأقربون بعضهم من بعض: من نحو العم، وابن العم، وغيرهم من القرابات؛ فذكر - هاهنا - ليعلم أن للمولى من الميراث مما ترك الوالدان والأقربون ما لأولئك من الوالدين والأقربين إذا لم يكن أولئك أن جعل لهؤلاء ما جعل لأولئك، ولم يذكر - أيضاً - ما للوالدين من الأولاد في قوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ...
﴾ الآية، ولكن ذكر في آية الوصية في قوله - -: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ذكر الوصية للوالدين والأقربين؛ ولم يذكر للأولاد - والله أعلم - أن الرجل قد يؤثر ولده على نفسه، وعلى غيرهم من الأقرباء، ولا كذلك الولد للوالد؛ فذكر الوصية للوالدين والأقربين لهذا المعنى؛ ليصل إليهم المعروف، وأمّا الأولاد فإنهم لا يؤثرون عليهم غيرهم؛ لذلك لم يذكرهم، والله أعلم.
وقيل في قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا ﴾ أي: بينا فيكون فيها بيان ما في الأولى من المواريث.
ثم قيل في الموالي: إنهم هم العصبة، وقيل: هم أولياء الأب، أو الأخ، أو ابن الأخ، وغيرهم من العصبة.
وقيل: هي الورثة، وهو قول ابن عباس، وكله واحد.
وروي عن أبي هريرة - - [أنه] قال: قال رسول الله : "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ، مَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالاً فَمَالُهُ لَمَوالي العَصَبَةِ، وَمَنْ تَرَكَ مَالاً أَوْ ضيَاعاً فَأَنَا وَليِّهُ؛ فَلاَ دُعَاءَ لَهُ" وعن ابن عباس - - قال: قال رسول الله : "أَلْحِقُوا المَالَ بِالْفَرَائِضِ، فَمَا أَبْقَتِ السِّهَامُ فَلأَِولَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" وعن عمر [بن الخطاب - -] قال: سمعت رسول الله [يقول:] "مَا أَحْرَزَ الوَالِدُ أَوْ الَوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ" وعن عمر - - أنه كتب: إذا كانت العصبة بعضهم أقرب بأم - فهم أحق بالمال.
وأجمع أهل العلم على أن أهل السهام إذا استوفوا سهامهم وبقى من المال شيء - أنه لعصبة الميت، وهم الرجال من قرابته من قبل أبيه ومواليه، وأنه لا يكون أحد من النساء عصبة إلا الأخوات من الأب والأم، أو من الأب مع البنات، والمرأة المعتقة؛ فإن هاتين عصبة وأجمعوا أن كل من اتصلت قرابته من قبل النساء بالميت فليس بعصبة، وأن المرأة إذا أعتقت عبداً أو أمة فإنها عصبة المعتق بعد موت أمه، إلا ابن مسعود - - فإنه يجعل لذوي الأرحام دون الموالي.
وأجمعوا أنه إذا اجتمع عصبتان فأقربهما أولى، وأقرب العصبة الابن، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأب، ثم الجدّ وإن علا، والأخ من الأب والأم، ثم الأخ من الأب، ثم ابن الأخ من الأب والأم، ثم ابن الأخ من الأب، ثم العم من الأب والأم، ثم العم من الأب، ثم ابن العم من الأب والأم، ثم ابن العم من الأب، ثم مولى النعمة، ثم ابن مولى النعمة وإن سفل، فهؤلاء كلهم عصبة الميت، وأقربهم أولاهم بما فضل من المال عن أصحاب السهام المذكور سهامهم، هو - والله أعلم - موافق لما ذكرنا من دليل الآية والسنة، وما تواتر من الروايات عن الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين.
وفي قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ ﴾ ، يحتمل: ولكل من الموالي جعلنا؛ على إضمار "نصيب" أو "حق" فيما ترك الوالدان والأقربون؛ فيكون تأويله قوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ ﴾ فيكونون هم مواليه بحق الميراث على تأويل أنهم أولى بما تركوا، وعلى مثله قوله: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ ووليه من يلحقه في ملكه؛ يفسره قوله - -: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ ﴾ وجميع آيات المواريث، إلا أنه لم يذكر للوالدين في هذه الجملة ولا للزوجين، ولا يدخلون في اسم القرابة، ولا في اسم الأولاد وقد جاء بالإيجاب لهم الكتاب وأجمعت عليه الأمة على غير دعوى النسخ فيه من أحد؛ ليعلم أن التخصيص بالذكر فالحق لا يقطع حق غير، لكنه يكون الأمر موقوفاً على وجود دليله، والله أعلم.
على أن في الإيجاب للأقربين وللموالي كفاية عن ذكر من ذكر؛ إذ بهم تكون كل القرابة، وبالتناكح يكون النسل، وهو المجعول لذلك، وكذلك لا يسقط حق هؤلاء بحال ولا يحجبون عن الكل بأحد، وقد جرى ذكر حقهم فيما نسخته هذه الآية من الوصية، والله أعلم.
ويحتمل قوله - -: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ ﴾ \[مَنْ\] يرجع الموالي إلى الذين ورثوه من تركة الأبوين والأقربين يجيز أن قد تجري المواريث فيما قد ورث نحو ما تجري فيما لم يكن ورث مرة؛ فرجع ذا إلى غير أولاد الأول وأقرباء الأول، أو أن يكون المقصود فيما ترك الوالدان والأقربون بما ذكر في أيهم نصيباً مفروضاً أن يكون هذا فيما ترك الوالدان والأقربون مع أصحاب الفرائض؛ فتكون هذه الآية في بيان حق العصبات؛ إذ لم يذكر لهم دون أن يكون معهم أصحاب الفرائض يرثون بحق السهام، لا بحق الفضول؛ فتكون عمل الآيات في المواريث ثلاث: أحدها: في أصحاب الفرائض، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ .
والثاني: حق في العصبات، وهو قوله - -: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ...
﴾ الآية.
والثالث: في حق ذوي الأرحام، وهو قوله: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ...
﴾ الآية [الأنفال: 75]، ثم ألحق بهؤلاء في حجاب الأبعدين - أهلَ العقد بقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ وإنما ذكر ذلك فيما يترك الميت، ولا وجه للعون والرفد منه أو النصر، مع ما ذكر نصيبهم في التركة، كما ذكر لأصحاب الفرائض، وعلى ذلك المرفوع لرسول الله فيمن أسلم على يدي آخر أنه أحق الناس محياه ومماته، وكذلك روي [عن] عمر وعلي وعبد الله مع ما كانت المواريث بهذا من قبل، فنسخ بقوله - -: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﴾ فإذا ارتفع ذلك ذهب التناسخ فوجب لهم؛ إذ بيت المال يرث بولاية الإيمان جملة، ولهذا تلك الولاية وولاية أخرى؛ فهو أحق، والله أعلم.
ويخلف هؤلاء من له رحم كما خلف ولاء العتاقة بما تقدم من النعمة بالإعتاق - حق العصبة من ذي النسب بقوله - -: "الولاء لحمة كلحمة النسب" قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ .
قل: هو من الأيمان كان حلفٌ في الجاهلية يقول الرجل لآخر: ترثني وأرثك، وتعقل عني وأعقل عنك، وتنصرني وأنصرك.
ويتحالفان على ذلك.
وقد قرىء بالألف "عاقدت" فهو من المحالفة.
ثم روي عن رسول الله : "لاَ حِلْفَ فِي الإِسْلاَمِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلَفٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ لّمْ يَزِدهُ الإِسْلاَمُ إِلاَّ شِدَّةٌ" وقيل: هو من ضرب اليمين في اليمين، وهو المبايعة؛ كان الرجل يعاقد الرجل ويبايعه في الجاهلية، فيموت؛ فيرثه.
وقيل: إن أبا بكر - - عاقد رجلا، فمات؛ فورثه؛ ولذلك خص المماليك بالذكر بهذا من قوله - -: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ لأنهم يشترون للخدمة، والمرء إذا خدم نفسه إنما يخدمها بيمينه، فإذا كان تأويل الآية ما ذكروا، فهو منسوخ بقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ وبما روينا من الخبر من قوله : "لاَ حِلْفَ فِي الإِسْلاَمِ، وَمَا كَانَ مِنْ حَلَفٍ فِي الجَاهليَّة لم يزده الإسلام إلا شدة" ويحتمل أن تكون الآية فيمن أسلم على يدي آخر ووالاه؛ على ما روي عن رسول الله : "مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الكُفْرِ عَلَى يَدَي رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مَحْيَاهُ وَمَمَاتَهُ" وروي عن عمر - - أن رجلا سأل عن رجل أسلم على يد رجل ويواليه؛ قال: هو مولاه؛ فإن أبي فلبيت المال.
وروي عن مسروق قال: أتيت عبد الله فقلت: إن رجلا كان عاملا علينا فخرج إلى الجبل، فمات، وترك ثلاثمائة درهم؟
فقال عبد الله: هل ترك وارثاً أو لأحد منكم عليه عقد ولاء؟
قلت: لا؛ فجعل ماله لبيت المال.
وكذا يقول أصحابنا - رحمهم الله -: من مات وترك وارثاً فما له لوارثه، وإن لم يكن له وارث فللذي أسلم على يديه ووالاه؛ لما روينا من الخبر: "هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مَحْيَاهُ وَمَمَاتَهُ" ، وقوله: "محياه" في العقل، و"مماته" في الميراث، وما روينا عن الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ قيل: هي الوصية إلى تمام الثلث؛ لأن الميراث قد نسخ بالآية التي في الأحزاب بقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ ﴾ ثم قال: ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً ﴾ فهي الوصية إلى تمام الثلث؛ فإذا كانت الآية في الذي أسلم على يديه ووالاه وعاقده فهو ليس بمنسوخ.
وقيل: ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ من النصر والمعونة والمشورة، ولا ميراث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴾ .
بما ذكر من الشرط والوفاء به، وبالله التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
ولا تتمنَّوا -أيها المؤمنون- ما فضل الله به بعضكم على بعض؛ لئلا يؤدي إلى السخط والحسد، فلا ينبغي للنساء أن يرتجين ما خص الله به الرجال فإن لكل فريق حظًّا من العمل الذي يلائمه، واطلبوا مِن الله أن يزيدَكم مِن عطائه؛ إن الله عليم بكل شيء؛ فأعطى كل نوع ما يناسبه من العمل.
<div class="verse-tafsir" id="91.gYjO9"
نهى أولًا عن أكل الناس بعضهم أموال بعض بالباطل وأوعد فاعل ذلك، وبيّن بعد ذلك وما قبله من المناهي ما يغفر منها وما لا يغفر، ثم أرشدنا بعد هذا كله إلى قطع عرق كل تعد على الأموال والأنفس وسائر الحقوق، وهو التمني وعدم استعمال كل لمواهبه في الجد والكسب وكل ما يتمناه الإنسان لنفسه من الخير.
وروي في سبب نزولها ثلاث روايات إحداها عن مجاهد قال: قالت أم سلمة رضي الله عنها: يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف الميراث.
فأنزل الله تعالى الآية، والثانية عن عكرمة أن النساء سألن الجهاد فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال.
فنزلت، والثالثة عن قتادة والسدي قالا: لما نزل قوله تعالى: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ﴾ قال الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا كما فضلنا عليهن في الميراث فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء، وقالت النساء إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ .
سبب تلك الروايات الحيرة في فهم الآية، ومعناها ظاهر، وهو أن الله تعالى كلف كلًا من الرجال والنساء أعمالًا، فما كان خاصًا بالرجال لهم نصيب من أجره لا يشاركهم فيه النساء، وما كان خاصًا بالنساء لهن نصيب من أجره لا يشاركهن فيه الرجال، وليس لأحدهما أن يتمنى ما هو مختص بالآخر، وجعل الخطاب عامًا للفريقين مع أن الرجال لم يتمنوا أن يكونوا نساء ولا أن يعملوا عمل النساء وهو الولادة وتربية الأولاد وغير ذلك مما هو معروف وإنما كان النساء هن اللواتي تمنين عمل الرجال، وأي عمل الرجال تمنين؟
تمنين أخص أعمال الرجولية وهو حماية الذمار والدفاع عن الحق بالقوة، ففي هذا التعبير عناية بالنساء وتلطف بهن وهن موضع للرأفة والرحمة لضعفهن وإخلاصهن فيما تمنين، والحكمة في ذلك أن لا يظهر ذلك التمني الناشئ عن الحياة الملية الشريفة فإن تمني مثل هذا العمل غريب من النساء جدًا؛ وسببه أن الأمة في عنفوان حياتها يكون النساء والأطفال فيها مشتركين مع الرجال في هذه الحياة وفي آثارها، وإنها لتسري فيها سريانًا عجيبًا، ومن عرف تاريخ الإسلام ونهضة العرب به وسيرة النبي والمؤمنين به في زمنه يرى أن النساء كن يسرن مع الرجال في كل منقبة وكل عمل، فقد كن يأتين ويبايعن النبي تلك المبايعة المذكورة في "سورة الممتحنة" كما كان يبايعه الرجال، وكن ينفرن معهم إذا نفروا للقتال، يخدمن الجرحى ويأتين غير ذلك من الأعمال، فأراد الله أن يختص النساء بأعمال البيوت والرجال بالأعمال الشاقة التي في خارجها ليتقن كل منهما عمله ويقوم به كما يجب مع الإخلاص له، وتنكير لفظ "نصيب" لإفادة أن ليس كل ما يعمله العامل يؤجر عليه وإنما الأجر على ما عمل بالإخلاص، ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ أي ليسأله كل منكم الإعانة والقوة على ما نيط به حيث لا يجوز له أن يتمنى ما نيط بالآخر.
ويدخل في هذا النهي تمني كل ما هو من الأمور الخلقية كالجمال والعقل إذ لا فائدة في تمنيها لمن لم يعطها، ولا يدخل فيه ما يقع تحت قدرة الإنسان من الأمور الكسبية إذ يحمد من الناس أن ينظر بعضهم إلى ما نال الآخر ويتمنى لنفسه مثله وخيرًا منه بالسعي والجد كأنه يقول وجهوا أنظاركم إلى ما يقع تحت كسبكم، ولا توجهوها إلى ما ليس في استطاعتكم فإنما الفضل بالأعمال الكسبية فلا تتمنوا شيئًا بغير كسبكم وعملكم.
<div class="verse-tafsir"