الآية ٤٢ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٤٢ من سورة النساء

يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا ٤٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 123 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٢ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٢ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقال جويبر عن الضحاك أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال يا ابن عباس قول الله تعالى "يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا" وقوله والله ربنا ما كنا مشركين فقال له ابن عباس إنى أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت ألقى على ابن عباس متشابه القرآن فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله تعالى يجمع الناس يوم القيامة في بقيع واحد فيقول المشركون إن الله لا يقبل من أحد شيئا إلا ممن وحده فيقولون تعالوا نجحد فيسألهم فيقولون "والله ربنا ما كنا مشركين" قال فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم وتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين.

فعند ذلك يتمنون لو أن الأرض سويت بهم "ولا يكتمون الله حديثا" رواه ابن جرير.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يوم نجيء من كلّ أمة بشهيد، ونجيء بك على أمتك يا محمد شهيدًا =" يود الذين كفروا "، يقول: يتمنى الذين جحدوا وحدانية الله وعصوا رسوله، =" لو تُسَوَّى بهم الأرض "..

(40) * * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهل الحجاز ومكة والمدينة: ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ )" بتشديد "" السين " و " الواو " وفتح " التاء "، بمعنى: لو تَتَسوّى بهم الأرض، ثم أدغمت " التاء " الثانية في" السين "، يراد به: أنهم يودّون لو صاروا ترابًا فكانوا سواءً هم والأرض.

وقرأ آخرون ذلك: ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ ) ، بفتح " التاء " وتخفيف " السين ".

وهي قراءة عامة قرأة أهل الكوفة بالمعنى الأول، غير أنهم تركوا تشديد " السين "، واعتلوا بأن العرب لا تكاد تجمع بين تشديدين في حرف واحد.

وقرأ ذلك آخرون: ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ )، بمعنى: لو سوّاهم الله والأرض، فصاروا ترابًا مثلها بتصييره إياهم، كما يفعل ذلك بمن ذكر أنه يفعله به من البهائم.

قال أبو جعفر: وكل هذه القراءات متقاربات المعنى، وبأي ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ، لأن من تمنى منهم أن يكون يومئذ ترابًا، إنما يتمنى أن يكون كذلك بتكوين الله إياه كذلك.

وكذلك من تمنى أن يكون الله جعله كذلك، فقد تمنى أن يكون ترابًا.

على أن الأمر وإن كان كذلك، فأعجبُ القراءة إليّ في ذلك: ( لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ )، بفتح " التاء " وتخفيف " السين " كراهية الجمع بين تشديدين في حرف واحد = وللتوفيق في المعنى بين ذلك وبين قوله: وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا [سورة النبأ: 40].

فأخبر الله عنهم جل ثناؤه أنهم يتمنون أن كانوا ترابًا، ولم يخبر عنهم أنهم قالوا: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا .

فكذلك قوله: " لو تَسوّى بهم الأرض " فيسوَّوا هم.

وهي أعجب إلي، ليوافق ذلك المعنى الذي أخبرَ عنهم &; 8-373 &; بقوله: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا .

وأما قوله: " ولا يكتمون الله حديثًا "، فإن أهل التأويل تأوّلوه بمعنى: ولا تكتم الله جوارحُهم حديثًا، وإن جحدتْ ذلك أفواههم.

ذكر من قال ذلك: 9520 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام قال، حدثنا عمرو، عن مطرف، عن.

المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: أتى رجلٌ ابن عباس فقال: سمعت الله يقول وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [سورة الأنعام: 23]، وقال في آية أخرى: " ولا يكتمون الله حديثًا ".

فقال ابن عباس: أما قوله: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهلُ الإسلام قالوا: " تعالوا فلنجحد "!

فقالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ !

فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا يكتمون الله حديثًا.

9521 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياءُ تختلفُ علي في القرآن؟

فقال: ما هو؟

أشك في القرآن؟

قال: ليس بالشك، ولكنه اختلاف!

قال: فهات ما اختلف عليك.

قال: أسمع الله يقول: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [سورة الأنعام: 23]، وقال: " ولا يكتمون الله حديثًا "، وقد كتموا!

فقال ابن عباس: أما قوله: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب، ولا يغفر شركًا، ولا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره = جحد المشركون فقالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، رجاءَ أن يغفر لهم، فختم على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك: " يَودّ الذين كفروا وَعصوُا الرسول لو تسوَّى بهم الأرضُ ولا يكتمون الله حديثًا ".

9522 - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا الزبير، عن الضحاك: أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس، قول الله تبارك وتعالى: " يومئذ يودّ الذين &; 8-375 &; كفروا وعصوا الرّسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا "، وقوله: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ؟

فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: " ألقى علي ابن عباس مُتَشابه القرآن "، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بَقيع واحد، (41) فيقول المشركون: " إن الله لا يقبل من أحد شيئًا إلا ممن وحّده "!

فيقولون: " تعالوا نَقُل "!

(42) فيسألهم فيقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ، قال: فيختم على أفواههم، ويستنطق جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سُوِّيت بهم ولا يكتمون الله حديثًا.

9523 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " يومئذ يود الذين كفروا وعصوُا الرسول لو تسوَّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثًا "، يعني: أن تسوّى الأرضُ بالجبال والأرضُ، عليهم.

(43) فتأويل الآية على هذا القول الذي حكيناه عن ابن عباس: يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول، لو تسوّى بهم الأرض ولم يكتموا الله حديثًا (44) = كأنهم تمنوا أنهم سوُّوا مع الأرض، وأنهم لم يكونوا كتموا الله حديثًا.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: يومئذ لا يكتمون الله حديثًا = ويودّون لو تسوّى بهم الأرض.

وليس بمنكتم عن الله شيء من حديثهم، لعلمه جل ذكره بجميع حديثهم وأمرهم، فإن همْ كتموه بألسنتهم فجحدوه، (45) لا يخفى عليه شيء منه.

------------------ الهوامش : (40) انظر تفسير"ود" فيما سلف 2: 470 / 5: 542.

(41) "البقيع": المكان المتسع من الأرض ، يكون فيه بعض الشجر.

(42) في المطبوعة: "تعالوا نجحد" ، غير ما في المخطوطة ، وهو ما أثبته ، ولم يستطع أن يعرف لها معنى ، وهي صواب ، وإن كانت كتب اللغة قد قصرت في إثبات هذا المعنى.

وذلك أن"نقل" هنا من"القول" يراد به الكذب أو التعريض به ، وقد مر بي ذلك في كتب السيرة مرارًا منها ، ما قرأته في سيرة ابن هشام 3: 58 ، في خبر مقتل كعب الأشرف وقول محمد بن مسلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله ، لا بد لنا من أن نقول"!

فقال رسول الله: "قولوا ما بدا لكم ، فأنتم في حل من ذلك".

وهو شبيه المعنى بالكذب.

(43) في المطبوعة: "أن تسوى الأرض بالجبال عليهم" حذف"الأرض" الثانية ، والصواب ما في المخطوطة.

(44) في المطبوعة: "ولا يكتمون الله حديثًا" ، وهو خطأ فاحش ، والصواب ما في المخطوطة.

(45) في المطبوعة: "فإنهم إن كتموه بألسنتهم" ، وهو خطأ فاحش أيضًا ، والصواب ما في المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاضمت الواو في عصوا .

لالتقاء الساكنين ، ويجوز كسرها .

وقرأ نافع وابن عامر " تسوى " بفتح التاء والتشديد في السين .

وحمزة والكسائي كذلك إلا أنهما خففا السين .

والباقون ضموا التاء وخففوا السين ، مبنيا للمفعول والفاعل غير مسمى .

والمعنى لو يسوي الله بهم الأرض .

أي يجعلهم والأرض سواء .

ومعنى آخر : تمنوا لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض مستوية عليهم ؛ لأنهم من التراب نقلوا .

وعلى القراءة الأولى والثانية فالأرض فاعلة ، والمعنى تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فساخوا فيها ؛ قاله قتادة .

وقيل : الباء بمعنى على ، أي لو تسوى عليهم أي تنشق فتسوى عليهم ؛ عن الحسن .

فقراءة التشديد على الإدغام ، والتخفيف على حذف التاء .

وقيل : إنما تمنوا هذا حين رأوا البهائم تصير ترابا وعلموا أنهم مخلدون في النار ؛ وهذا معنى قوله تعالى : ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا .

وقيل : إنما تمنوا هذا حين شهدت هذه الأمة للأنبياء على ما تقدم في " البقرة " عند قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا الآية .

فتقول الأمم الخالية : إن فيهم الزناة والسراق فلا تقبل شهادتهم فيزكيهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول المشركون : والله ربنا ما كنا مشركين فيختم على أفواههم وتشهد [ ص: 174 ] أرجلهم وأيديهم بما كانوا يكسبون ؛ فذلك قوله تعالى : يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض يعني تخسف بهم .

والله أعلم .قوله تعالى : ولا يكتمون الله حديثا قال الزجاج : قال بعضهم : ولا يكتمون الله حديثا مستأنف ؛ لأن ما عملوه ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه .

وقال بعضهم : هو معطوف ، والمعنى يود لو أن الأرض سويت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثا ؛ لأنه ظهر كذبهم .

وسئل ابن عباس عن هذه الآية ، وعن قوله تعالى : والله ربنا ما كنا مشركين فقال : لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا : والله ربنا ما كنا مشركين فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثا .

وقال الحسن وقتادة : الآخرة مواطن يكون هذا في بعضها وهذا في بعضها .

ومعناه أنهم لما تبين لهم وحوسبوا لم يكتموا .

وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الأنعام " إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ } أي: جمعوا بين الكفر بالله وبرسوله، ومعصيةِ الرسول { لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ } أي: تبتلعهم ويكونون ترابا وعدما، كما قال تعالى: { وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا }.

{ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا } أي: بل يقرون له بما عملوا، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.

يومئذ يوفيهم الله جزاءهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين.

فأما ما ورد من أن الكفار يكتمون كفرهم وجحودهم، فإن ذلك يكون في بعض مواضع القيامة، حين يظنون أن جحودهم ينفعهم من عذاب الله، فإذا عرفوا الحقائق وشهدت عليهم جوارحهم حينئذ ينجلي الأمر، ولا يبقى للكتمان موضع، ولا نفع ولا فائدة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( يومئذ ) أي يوم القيامة ، ( يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ) قرأ أهل المدينة وابن عامر " تسوى " بفتح التاء وتشديد السين على معنى تتسوى ، فأدغمت التاء الثانية في السين ، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء وتخفيف السين على حذف تاء التفعل كقوله تعالى " لا تكلم نفس إلا بإذنه " ( هود - 11 ) وقرأ الباقون بضم التاء وتخفيف السين على المجهول ، أي : لو سويت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئا واحدا .

وقال قتادة وأبو عبيدة : يعني لو تخرقت الأرض فساخوا فيها وعادوا إليها ثم تسوى بهم ، أي : عليهم الأرض .

وقيل : ودوا لو أنهم لم يبعثوا لأنهم إنما نقلوا من التراب ، وكانت الأرض مستوية عليهم .

وقال الكلبي : يقول الله عز وجل للبهائم والوحوش والطير والسباع : كونوا ترابا فتسوى بهن الأرض ، فعند ذلك يتمنى الكافر أن لو كان ترابا كما قال الله تعالى : " ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا " ( النبإ 40 ) .

( ولا يكتمون الله حديثا ) قال عطاء : ودوا لو تسوى بهم الأرض وأنهم لم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا نعته .

وقال الآخرون : بل هو كلام مستأنف ، يعني : ولا يكتمون الله حديثا لأن ما عملوا لا يخفى على الله ولا يقدرون على كتمانه .

وقال الكلبي وجماعة : ( ولا يكتمون الله حديثا ) لأن جوارحهم تشهد عليهم .

قال سعيد بن جبير : قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما : إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي ، قال : هات ما اختلف عليك ، قال : " فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون " ( المؤمنون - 101 ) ، " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " ( الطور - 25 ) وقال : " ولا يكتمون الله حديثا " ، وقال " والله ربنا ما كنا مشركين " ( الأنعام - 23 ) فقد كتموا ، وقال : " أم السماء بناها " ، إلى قوله تعالى : " والأرض بعد ذلك دحاها " ، فذكر خلق السماء قبل الأرض ، ثم قال : " أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين " ، إلى قوله : " طائعين " ( فصلت 9 - 11 ) فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء ، وقال : وكان الله غفورا رحيما وكان الله عزيزا حكيما فكأنه كان ثم مضى؟

.

فقال ابن عباس رضي الله عنهما : فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى قال الله تعالى : " ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله " ( الزمر - 68 ) ، فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون ، ثم في النفخة الآخرة ( أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ) ، وأما قوله : ( ما كنا مشركين ( ولا يكتمون الله حديثا ) ، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم ، فيقول المشركون : تعالوا نقل لم نكن مشركين ، فيختم على أفواههم وتنطق أيديهم فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا ، وعنده ( يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ) ، و ( خلق الأرض في يومين ) ، ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض ، ودحيها : أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين ، فقال : : خلق الأرض في يومين فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام ، وخلقت السموات في يومين ، ( وكان الله غفورا رحيما ) أي : لم يزل كذلك ، فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند الله .

وقال الحسن : إنها مواطن ، ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسا ، وفي موطن يتكلمون ويكذبون ويقولون : ما كنا مشركين ، وما كنا نعمل من سوء ، وفي موضع يعترفون على أنفسهم وهو قوله : ( فاعترفوا بذنبهم ) وفي موضع لا يتساءلون ، وفي موطن يسألون الرجعة ، وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم ، وهو قوله تعالى : ( ولا يكتمون الله حديثا ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يومئذ» يوم المجيء «يود الذين كفروا وعصوا الرَّسول لو» أي أن «تُسَوَّى» بالبناء للمفعول والفاعل مع حذف إحدى التاءين في الأصل ومع إدغامها في السين أي تتسوى «بهم الأرض» بأن يكونوا ترابا مثلها لعظم هوله كما في آية أخرى (ويقول الكافر يا ليتنى كنت ترابا) «ولا يكتمون الله حديثا» عما عملوه وفي وقت آخر يكتمونه ويقولون (والله ربِّنا ما كنا مشركين).

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يوم يكون ذلك، يتمنى الذين كفروا بالله تعالى وخالفوا الرسول ولم يطيعوه، لو يجعلهم الله والأرض سواء، فيصيرون ترابًا، حتى لا يبعثوا وهم لا يستطيعون أن يُخفوا عن الله شيئًا مما في أنفسهم، إذ ختم الله على أفواههم، وشَهِدَتْ عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله تعالى - ( يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول ) استئناف مبين لحالهم التى أشير إلى شدتها وفظاعتها بقوله ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً ) .والتنوين فى قوله ( يَوْمَئِذٍ ) عوض عن الجملتين السابقتين أى مجئ الشهيد على كل أمة ، ومجئ الرسول شهيدا على قومه .أى : يوم أن يشهد الرسل على أقوامهم بأنهم قد بلغوهم رسالة الله ، ويوم أن تشهد أنت يا محمد على من كذبك من قومك بأنك قد أمرتهم بعبادة الله وحده يومئذ وهو يوم القيامة ، يتمنى ويحب الذين كفروا وعصوا الرسول الذى جاء لهدايتهم ( لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ) أى يودون لو انشقت الأرض فبلعتهم لما يرون من هول الموقف ولما سيحل بهم من الخزى والفضيحة والعذاب .

أو يودون لو يدفنون فيها فتسوى عليهم كما تسوى على الموتى ويبقون على هذه الحال فى باطنها بدون بعث أو نشور ، حتى ما أُعد لهم من عقاب بسبب سوء أعمالهم .والمقصود أنهم لشدة خوفهم وفزعهم يتمنون أن لو أفتم الأرض فى باطنها بحيث لا يظهر شئ منهم عليها فى أى وقت من الأوقات .وجملة ( لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ) مفعول ( يَوَدُّ ) على أن لو مصدرية .

أى : يودون أن يدفنوا وتسوى الأرض متلبسة بهم حتى لكأنهم جزء منها .وقوله ( وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ) معطوف على ( يَوَدُّ ) أى أنهم يومئذ يودون لوتسوى بهم الأرض ، ويعترفون لله تعالى بجميع ما فعلوه ، لأنهم لو كتموا شيئا بألسنتهم لشهدت عليهم بقية جوارحهم .ويصح أن تكون الواو فى قوله ( وَلاَ يَكْتُمُونَ ) للحال .

أى : أنهم يومئذ يودون لوتسوى بهم الأرض والحال أنهم مع ذلك لا يكتمون عن الله - تعالى - حديثا من أحوالهم فى الدنيا لأنهم لا يستطيعون هذا الكتمان .والمقصود أنهم مع شدة هلعهم وجزعهم لن يستطيعوا أن يفلتوا من عقاب الله ، ولن يستطيعوا أن يكتموا شيئا مما ارتكبوه من جرائم .أخرج ابن جرير عن الضحاك أن نافع بن الأزرق - وكان ممن يسألون عن متشابه القرآن - أنى إلى ابن عباس فقال : يا ابن عباس : قال الله - تعالى - ( وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ) وقوله ( والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ) - كيف الجمع بينهما -؟

فقال له ابن عباس .

إنى أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت : ألقى على ابن عباس متشابه القرآن .

فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله - تعالى - يجمع الناس يوم القيامة فى بقيع واحد .

فيقول المشركون : إن الله لا يقبل من أحد شيئا إلا ممن وحده .

فيقولون : تعالوا نجحد فيسألهم فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين .قال : فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم فنشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين .

فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم ولا يكتمون الله حديثا .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت بإخلاص العبادة لله - تعالى - وحده كما أمرت بالإِحسان إلى الوالدين والأقربين ، واليتامى والمساكين؛ وإلى الجار القريب والبعيد ، وإلى الصاحب والمسافر والمملوك ، ونهت عن البخل والرياء وجحود الحق واتباع الشيطان .

وبينت أن الله - تعالى - لا يظلم أحداً مثقال ذرة وأنه - سبحانه - يضاعف ثواب الحسنات ، ويعطى المحسن من ألوان الخير مالا يعلمه إلا هو - سبحانه - ونبهت الكافرين إلى سوء مصيرهم حتى يثوبوا إلى رشدهم ويسيروا فى الطريق القويم من قبل أن يأتى يوم تنكشف فيه الحقائق وينالون فيه ما يستحقون من عقاب دون أن ينفعهم الندم أو التمنى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وجه النظم هو أنه تعالى بين أن في الآخرة لا يجري على أحد ظلم، وأنه تعالى يجازي المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه، فبين تعالى في هذه الآية أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق، لتكون الحجة على المسئ أبلغ، والتبكيت له أعظم وحسرته أشد، ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول وأظهر الطاعة أعظم، ويكون هذا وعيداً للكفار الذين قال الله فيهم: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ ووعداً للمطيعين الذين قال الله فيهم: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها  ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: إقرأ القرآن علي قال: فقلت يا رسول الله أنت الذي علمتنيه فقال: أحب أن أسمعه من غيري قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية بكى الرسول صلى الله عليه وسلم، قال ابن مسعود فأمسكت عن القراءة.

وذكر السدي أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون للرسل بالبلاغ، والرسول صلى الله عليه وسلم يشهد لأمته بالتصديق، فلهذا قال: ﴿ جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ وحكي عن عيسى عليه السلام أنه قال: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ  ﴾ .

المسألة الثانية: من عادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه: كيف بك إذا كان كذا وكذا، وإذا فعل فلان كذا، وإذا جاء وقت كذا، فمعنى هذا الكلام: كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل امة برسولها، واستشهدك على هؤلاء، يعني قومه المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف أحوالهم.

ثم إن أهل كل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم، وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه السلام: ﴿ وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم ﴾ .

ثم انه تعالى وصف ذلك اليوم فقال: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول ﴾ يقتضي كون عصيان الرسول مغايرا للكفر.

لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز، فوجب حمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفر، إذا ثبت هذا فنقول: الآية دالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الاسلام، وأنهم كما يعاقبون يوم القيامة على الكفر فيعاقبون أيضا على تلك المعاصي.

لأنه لو لم يكن لتلك المعصية أثر في هذا المعنى لما كان في ذكر معصيتهم في هذا الموضع أثر.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو ﴿ تسوى ﴾ مضمومة التاء خفيفة السين على ما لم يسم فاعله، وقرأ نافع وابن عامر ﴿ تسوى ﴾ مفتوحة التاء مشددة السين بمعنى: تتسوى، فأدغم التاء في السين لقربها منها، ولا يكره اجتماع التشديدين في هذه القراءة لأن لها نظائر في التنزيل كقوله: ﴿ اطيرنا بِكَ  ﴾ ﴿ وازينت  ﴾ ﴿ ويذكرون  ﴾ وفي هذه القراءة اتساع، وهو إسناد الفعل إلى الأرض وقرأ حمزة والكسائي ﴿ تسوى ﴾ مفتوحة التاء والسين خفيفة، حذفا التاء التى أدغمها نافع، لأنها كما اعتلت بالادغام اعتلت بالحذف.

المسألة الثالثة: ذكروا في تفسير قوله: ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ وجوها: الأول: لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى.

والثاني: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء.

الثالث: تصير البهائم ترابا فيودون حالها كقوله: ﴿ ياليتنى كُنتُ ترابا  ﴾ .

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ فيه لأهل التأويل طريقان: الأول: أن هذا متصل بما قبله.

والثاني: أنه كلام مبتدأ، فاذا جعلناه متصلا احتمل وجهين: أحدهما: ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما: يودون لو تنطبق عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا كفروا به ولا نافقوا، وعلى هذا القول: الكتمان عائد إلى ما كتموا من أمر محمد صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله تعالى يغفر لأهل الاسلام ولا يغفر شركا، قالوا: تعالوا فلنجحد فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يعملون، فهنالك يودون أنهم كانوا ترابا ولم يكتموا الله حديثا.

الطريق الثاني في التأويل: أن هذا الكلام مستأنف، فان ما عملوه ظاهر عند الله، فكيف يقدرون على كتمانه؟

المسألة الخامسة: فان قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ .

والجواب من وجوه: الأول: أن مواطن القيامة كثيرة، فموطن لا يتكلمون فيه وهو قوله: ﴿ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً  ﴾ وموطن يتكلمون فيه كقوله: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء  ﴾ وقولهم: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ فيكذبون في مواطن، وفي مواطن يعترفون على أنفسهم بالكفر ويسألون الرجعة وهو قولهم: ﴿ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا  ﴾ وآخر تلك المواطن أن يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم وجلودهم، فنعوذ بالله من خزي ذلك اليوم.

الثاني: أن هذا الكتمان غير واقع، بل هو داخل في التمني على ما بينا.

الثالث: أنهم لم يقصدوا الكتمان، وإنما أخبروا على حسب ما توهموا، وتقديره: والله ما كنا مشركين عند أنفسنا، بل مصيبين في ظنوننا حتى تحققنا الآن.

وسيجيء الكلام في هذه المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى.

النوع العاشر: من التكاليف المذكورة في هذه السورة.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الذرّة النملة الصغيرة.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ مثقال نملة ﴾ ، وعن ابن عباس: أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة.

وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ذرة.

وفيه دليل على أنه لو نقص من الأجر أدنى شيء وأصغره، أو زاد في العقاب لكان ظلماً، وأنه لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ وإن يكن مثقال ذرّة حسنة وإنما أنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى مؤنث.

وقرئ- بالرفع- على كان التامة ﴿ يضاعفها ﴾ يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية.

وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبي هريرة: بلغني عنك أنك تقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة» قال أبو هريرة: لا، بل سمعته يقول: إن الله تعالى يعطيه ألفي ألف حسنة ثم تلا هذه الآية.

والمراد: الكثرة لا التحديد ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل عطاء عظيماً وسماه (أجراً) لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته.

وقرئ: ﴿ يضعفها ﴾ بالتشديد والتخفيف، من أضعف وضعف: وقرأ ابن هرمز: ﴿ نضاعفها ﴾ بالنون ﴿ فَكَيْفَ ﴾ يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم ﴿ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، كقوله: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ [المائدة: 117] .

﴿ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاءِ ﴾ المكذبين ﴿ شَهِيداً ﴾ وعن ابن مسعود: أنه قرأ سورة النساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ﴿ حسبنا ﴾ ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الارض ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى.

وقيل: يودّون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء وقيل: تصير البهائم تراباً، فيودّون حالها ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم.

وقيل الواو للحال، أي يودون أن يدفنوا تحت الأرض وأنهم لا يكتمون الله حديثاً.

ولا يكذبون في قولهم: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [الأنعام: 23] ، لأنهم إذا قالوا ذلك وجحدوا شركهم، ختم الله على أفواههم عند ذلك، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك فلشدة الأمر عليهم يتمنون أن تسوى بهم الأرض: وقرئ: ﴿ تسوى ﴾ ، بحذف التاء من تتسوى.

يقال: سويته فتسوّى نحو: لويته فتلوى.

وتسوى بإدغام التاء في السين، كقوله: ﴿ يسمعون ﴾ [الصافات: 8] ، وماضيه أسوى كأزكى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَكَيْفَ ﴾ أيْ فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وغَيْرِهِمْ؟

﴿ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ يَعْنِي نَبِيَّهم يَشْهَدُ عَلى فَسادِ عَقائِدِهِمْ وقُبْحِ أعْمالِهِمْ، والعامِلُ في الظَّرْفِ مَضْمُونُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مِن هَوْلِ الأمْرِ وتَعْظِيمِ الشَّأْنِ.

﴿ وَجِئْنا بِكَ ﴾ يا مُحَمَّدُ.

﴿ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ تَشْهَدُ عَلى صِدْقِ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ لِعِلْمِكَ بِعَقائِدِهِمْ، واسْتِجْماعِ شَرْعِكَ مَجامِعَ قَواعِدِهِمْ.

وقِيلَ هَؤُلاءِ إشارَةٌ إلى الكَفَرَةِ المُسْتَفْهَمِ عَنْ حالِهِمْ.

وقِيلَ إلى المُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ حِينَئِذٍ، أيْ يَوَدُّ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ وعِصْيانِ الأمْرِ، أوِ الكَفَرَةِ والعُصاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يُدْفَنُوا فَتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ كالمَوْتى، أوْ لَمْ يُبْعَثُوا أوْ لَمْ يُخْلَقُوا وكانُوا هم والأرْضُ سَواءً.

﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ ولا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ لِأنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ الواوُ لِلْحالِ أيْ يَوَدُّونَ أنْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ وحالُهم أنَّهم لا يَكْتُمُونَ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ولا يُكَذِّبُونَهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ إذْ رُوِيَ: أنَّهم إذا قالُوا ذَلِكَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهُمْ، فَيَشْتَدُّ الأمْرُ عَلَيْهِمْ فَيَتَمَنَّوْنَ أنْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ.

وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ تُسَوّى بِهِمْ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَتَسَوّى فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ تُسَوّى عَلى حَذْفِ التّاءِ الثّانِيَةِ يُقالُ سَوَّيْتُهُ فَتَسَوّى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يَوْمَئِذٍ} ظرف لقوله {يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ} بالله {وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض} لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى أو يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها تسوى بفتح التاء وتخفيف السين والإمالة وحذف إحدى التاءين من تتسوى حمزة وعلي تسوى بإدغام التاء في السين مدني وشامي {وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً} مستأنف أي ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمُ الَّتِي أُشِيرَ إلى شِدَّتِها وفَظاعَتِها، وتَنْوِينُ (إذٍ) عِوَضٌ - عَلى الصَّحِيحِ - عَنِ الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، وقِيلَ: عَنِ الأُولى، وقِيلَ: عَنِ الأخِيرَةِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَوَدُّ) وجَعْلُهُ مُتَعَلِّقًا (بِشَهِيدٍ) وجُمْلَةُ (يَوَدُّ) صِفَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فِيهِ بِعِيدٌ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا المُكَذِّبُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ ما اعْتَراهم مِنَ الحالِ الفَظِيعَةِ والأمْرِ الهائِلِ، وإيرادُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَشْرِيفِهِ وزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِ مُكَذِّبِيهِ، وإمّا جِنْسُ الكَفَرَةِ، ويَدْخُلُ أُولَئِكَ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ مِنَ (الرَّسُولَ) الجِنْسُ أيْضًا، ويُزِيدُ شَرَفَهُ انْتِظامُهُ لِلنَّبِيِّ  انْتِظامًا أوَّلِيًّا، و(عَصَوْا) مَعْطُوفٌ عَلى (كَفَرُوا) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والمُرادُ عِصْيانُهم بِما سِوى الكُفْرِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطِبُونَ بِالفُرُوعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (كَفَرُوا) وقَدْ مُرادَةٌ، وقِيلَ: صِلَةٌ لِمَوْصُولٍ آخَرَ، أيْ: والَّذِينَ عَصَوْا، فالإخْبارُ عَنْ نَوْعَيْنِ: الكَفَرَةِ والعُصاةِ، وهو ظاهِرٌ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إضْمارَ المَوْصُولِ كالفِراءِ، وفي المَسْألَةِ خِلافٌ، أيْ: يَوَدُّ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِمَزِيدِ شِدَّتِهِ ومُضاعَفِ هَوْلِهِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ في الدُّنْيا.

﴿ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ﴾ إمّا مَفْعُولُ (يَوَدُّ) عَلى أنَّ (لَوْ) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا وتُسَوّى الأرْضُ مُلْتَبِسَةً بِهِمْ، أوْ تُسَوّى عَلَيْهِمْ كالمَوْتى، وقِيلَ: يَوَدُّونَ أنَّهم بَقُوا تُرابًا عَلى أصْلِهِمْ مِن غَيْرِ خَلْقٍ، وتَمَنَّوْا أنَّهم كانُوا هم والأرْضُ سَواءً، وقِيلَ: تَصِيرُ البَهائِمُ تُرابًا فَيَوَدُّونَ حالَها.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى: يَوَدُّونَ أنْ يَمْشِيَ عَلَيْهِمْ أهْلُ الجَمْعِ يَطَئُونَهم بِأقْدامِهِمْ كَما يَطَئُونَ الأرْضَ، وقِيلَ: يَوَدُّونَ لَوْ يُعَدَّلُ بِهِمُ الأرْضَ، أيْ يُؤْخَذُ مِنهم ما عَلَيْها فَدِيَةً، وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى أنْ (لَوْ) عَلى بابِها، ومَفْعُولُ (يَوَدُّ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الجُمْلَةِ، وكَذا جَوابُ (لَوْ) إيذانًا بِغايَةِ ظُهُورِهِ، أيْ: يَوَدُّونَ تَسْوِيَةَ الأرْضِ بِهِمْ (لَوْ تُسَوّى) لَسُرُّوا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَزِيدُ (تَسَوّى) عَلى أنَّ أصْلَهُ (تَتَسَوّى) فَأُدْغِمَ التّاءُ في السِّينِ لِقُرْبِها مِنها، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (تَسَوّى) بِحَذْفِ التّاءِ الثّانِيَةِ مَعَ الإمالَةِ، يُقالُ: سَوَّيْتُهُ فَتَسَوّى.

﴿ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ عَطْفٌ عَلى (يَوَدُّ) أيْ أنَّهم يَوْمَئِذٍ لا يَكْتُمُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَدِيثًا؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى الكِتْمانِ، حَيْثُ إنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما صَنَعُوا، أوْ أنَّهم لا يَكْتُمُونَ شَيْئًا مِن أعْمالِهِمْ، بَلْ يَعْتَرِفُونَ بِها، فَيُدْخَلُونَ النّارَ بِاعْتِرافِهِمْ، وإنَّما لا يَكْتُمُونَ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم لا يَنْفَعُهُمُ الكِتْمانُ، وإنَّما يَقُولُونَ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ في بَعْضِ المَواطِنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ، أيْ: يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا في الأرْضِ وهم لا يَكْتُمُونَ مِنهُ تَعالى حَدِيثًا، ولا يَكْذِبُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ إذْ رَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -أنَّهم إذا قالُوا ذَلِكَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ، فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهُمْ، فَيَتَمَنَّوْنَ أنْ (تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ).

وجَعْلُها لِلْعَطْفِ وما بَعْدَها مَعْطُوفٌ عَلى (تُسَوّى) عَلى مَعْنى: يَوَدُّونَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ وأنَّهم لا يَكُونُونَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ  وبَعْثَهُ في الدُّنْيا، كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، بَعِيدٌ جِدًّا، وأقْرَبُ مِنهُ العَطْفُ عَلى مَفْعُولِ (يَوَدُّ) عَلى مَعْنى يَوَدُّونَ تَسْوِيَةَ الأرْضِ بِهِمْ وانْتِفاءِ كِتْمانِهِمْ إذْ قالُوا ﴿ واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ ﴾ .

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ بِأنْ يُكاشِفَكم بِأسْرارِهِ المُودَعَةِ فِيكم أثْناءَ السَّيْرِ إلَيْهِ، ﴿ ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أيْ: مَقاماتِهِمْ وحالاتِهِمْ ورِياضاتِهِمْ، وأشارَ إلى الواصِلِينَ إلَيْهِ قَبْلَ المُخاطِبِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِالسُّنَنِ إلى التَّفْوِيضِ والتَّسْلِيمِ والرِّضا بِالمَقْدُورِ، فَإنَّ ذَلِكَ شَنْشَنَةُ الصِّدِّيقِينَ ونَشْنَشَةُ الواصِلِينَ ﴿ ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ مِن ذَنْبِ وجُودِكم حِينَ يُفْنِيكم فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّبْيِينُ إشارَةً إلى الإيصالِ إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ، والهِدايَةُ إلى تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، والتَّوْبَةُ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِمَراتِبِ اسْتِعْدادِكم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ ومِن حِكْمَتِهِ أنْ يُفِيضَ عَلَيْكم حَسَبَ قابِلِيّاتِكم واللَّهِ ﴿ واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ تَكْرارٌ لِما تَقَدَّمَ إيذانًا بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ؛ لِأنَّهُ غايَةُ المَراتِبِ ﴿ ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ ﴾ أيِ اللَّذائِذَ الفانِيَةَ الحاجِبَةَ عَنِ الوُصُولِ إلى الحَضْرَةِ ﴿ أنْ تَمِيلُوا ﴾ إلى السِّوى ﴿ مَيْلا عَظِيمًا ﴾ لِتَكُوِنُوا مِثْلَهم ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ أثْقالَ العُبُودِيَّةِ في مَقامِ المُشاهِدَةِ، أوْ أثْقالَ النَّفْسِ بِفَتْحِ بابِ الِاسْتِلْذاذِ بِالعِبادَةِ بَعْدَ الصَّبْرِ عَلَيْها ﴿ وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا ﴾ عَنْ حَمْلِ وارِداتِ الغَيْبِ وسَطَواتِ المُشاهَدَةِ، فَلا يَسْتَطِيعُ حَمْلَ ذَلِكَ إلّا بِتَأْيِيدٍ إلَهِيٍّ، أوْ ضَعِيفًا لا يُطِيقُ الحِجابَ عَنْ مَحْبُوبِهِ لَحْظَةً، ولا يَصْبِرُ عَنْ مَطْلُوبِهِ ساعَةً؛ لِكَمالِ شَوْقِهِ ومَزِيدِ غَرامِهِ.

والصَّبْرُ يُحْمَدُ في المَواطِنِ كُلِّها إلّا عَلَيْكَ فَإنَّهُ مَذْمُومُ وكانَ الشِّبْلِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ يَقُولُ: إلَهِي لا مَعَكَ قَرارٌ، ولا مِنكَ فِرارٌ، المُسْتَغاثُ بِكَ إلَيْكَ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ لا تَأْكُلُوا ﴾ أيْ تَذْهَبُوا ﴿ أمْوالَكُمْ ﴾ وهو ما حَصَلَ لَكم مِن عالَمِ الغَيْبِ بِالكَسْبِ الِاسْتِعْدادِيِّ ﴿ بَيْنَكم بِالباطِلِ ﴾ بِأنْ تُنْفِقُوا عَلى غَيْرِ وجْهِهِ وتُودِعُوهُ غَيْرَ أهْلِهِ ﴿ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً ﴾ أيْ: إلّا أنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ تَصَرُّفًا صادِرًا ﴿ عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ ﴾ واسْتِحْسانٍ، أُلْقِيَ مِن عالَمِ الإلْهامِ إلَيْكُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مُباحٌ لَكم ﴿ ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ بِالغَفْلَةِ عَنْها، فَإنَّ مَن غَفَلَ عَنْها غَفَلَ عَنْ رَبِّهِ، ومَن غَفَلَ عَنْ رَبِّهِ فَقَدْ هَلَكَ، أوْ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ، أيْ: أرْواحَكُمُ القُدْسِيَّةَ بِمُباشَرَتِكم ما لا يَلِيقُ، فَإنَّ مُباشَرَةَ ما لا يَلِيقُ يَمْنَعُ الرُّوحَ مِن طَيَرانِها في عالَمِ المُشاهِداتِ، ويَحْجُبُ عَنْها أنْوارَ المُكاشَفاتِ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ ﴾ في أزَلِ الآزالِ ﴿ بِكم رَحِيمًا ﴾ فَلِذا أرْشَدَكم إلى ما أرْشَدَكم ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ وهي عِنْدُ العارِفِينَ رُؤْيَةُ العُبُودِيَّةِ في مَشْهَدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وطَلَبُ الأعْواضِ في الخِدْمَةِ، ومَيْلُ النَّفْسِ إلى السِّوى مِنَ العَرْشِ إلى الثَّرى، والسُّكُونُ في مَقامِ الكَراماتِ، ودَعْوى المَقاماتِ السّامِيَةِ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها.

وأكْبَرُ الكَبائِرِ إثْباتُ وُجُودٍ غَيْرِ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ﴿ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ أيْ: نَمْحُ عَنْكم تَلَوُّناتِكم بِظُهُورِ نُورِ التَّوْحِيدِ ﴿ ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا ﴾ وهي حَضْرَةُ عَيْنِ الجَمْعِ ﴿ ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ ﴾ مِنَ الكَمالاتِ التّابِعَةِ لِلِاسْتِعْداداتِ؛ فَإنَّ حُصُولَ كَمالِ شَخْصٍ لِآخَرَ مُحالٌ إذا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لَهُ، ولِهَذا عَبَّرَ بِالتَّمَنِّي ﴿ لِلرِّجالِ ﴾ وهُمُ الأفْرادُ الواصِلُونَ ﴿ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ﴾ بِنُورِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ ولِلنِّساءِ ﴾ وهُمُ النّاقِصُونَ القاصِرُونَ ﴿ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ ﴾ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْكم ما تَقْتَضِيهِ قابِلِيّاتُكم ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِعْدادِ فَيُعْطِيكم ما يَلِيقُ بِكم ﴿ ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ أيْ: ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم (مَوالِيَ) نَصِيبٌ مِنَ الِاسْتِعْدادِ، يَرِثُونَ بِهِ مِمّا تَرَكَهُ والِداهُمْ، وهُما الرُّوحُ والقَلْبُ، والأقْرَبُونَ وهُمُ القُوى الرُّوحانِيَّةُ ﴿ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ وهُمُ المُرِيدُونَ ﴿ فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ ﴾ مِنَ الفَيْضِ عَلى قَدْرِ نَصِيبِهِمْ مِنَ الِاسْتِعْدادِ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ إذْ كَلُّ شَيْءٍ مُظْهِرٌ لِاسْمٍ مِن أسْمائِهِ.

﴿ الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ ﴾ أيِ الكامِلُونَ شَأْنُهُمُ القِيامُ بِتَدْبِيرِ النّاقِصِينَ، والإنْفاقُ عَلَيْهِمْ مَن فُيُوضاتِهِمْ ﴿ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ بِالِاسْتِعْدادِ ﴿ وبِما أنْفَقُوا ﴾ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وطَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿ مِن أمْوالِهِمْ ﴾ أيْ قُواهم أوْ مَعارِفِهِمْ ﴿ فالصّالِحاتُ ﴾ لِلسُّلُوكِ مِنَ النِّساءِ بِالمَعْنى السّابِقِ ﴿ قانِتاتٌ ﴾ مُطِيعاتٌ لِلَّهِ تَعالى بِالعِباداتِ القالِبِيَّةِ ﴿ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾ أيِ القَلْبِ عَنْ دَنَسِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، ولَعَلَّهُ إشارَةٌ إلى العِباداتِ القَلْبِيَّةِ ﴿ بِما حَفِظَ اللَّهُ ﴾ لَهم مِنَ الِاسْتِعْدادِ ﴿ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ تَرَفُّعَهُنَّ عَنِ الِانْقِيادِ إلى ما يَنْفَعُهُنَّ ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ بِذِكْرِ أحْوالِ الصّالِحِينَ ومَقاماتِهِمْ؛ فَإنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ إلى ما يُمْدَحُ لَها غالِبًا ﴿ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ ﴾ أيِ امْنَعُوا دُخُولَ أنْوارِ فُيُوضاتِكم إلى حُجُراتِ قُلُوبِهِنَّ لِيَسْتَوْحِشْنَ، فَرُبَّما يَرْجِعْنَ عَنْ ذَلِكَ التَّرَفُّعِ ﴿ واضْرِبُوهُنَّ ﴾ بِعَصى القَهْرِ إنْ لَمْ يَنْجَعْ ما تَقَدَّمَ فِيهِنَّ ﴿ فَإنْ أطَعْنَكُمْ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ورَجَعْنَ عَنِ التَّرَفُّعِ والأنانِيَّةِ ﴿ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا ﴾ بِتَكْلِيفِهِنَّ فَوْقَ طاقَتِهِنَّ، وخِلافَ مُقْتَضى اسْتِعْدادِهِنَّ ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ ومَعَ هَذا لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا فَوْقَ طاقَتِهِ، وخِلافَ مُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ ﴿ وإنْ خِفْتُمْ ﴾ أيُّها المُرْشِدُونَ الكُمَّلُ ﴿ شِقاقَ بَيْنِهِما ﴾ أيْ بَيْنَ الشَّيْخِ والمُرِيدِ ﴿ فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها ﴾ فابْعَثُوا مُتَوَسِّطَيْنِ مِنَ المَشايِخِ والسّالِكِينَ ﴿ إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ بَيْنِهِما ﴾ وهِمَّةُ الرِّجالِ تَقْلَعُ الجِبالَ.

ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الرِّجالُ إشارَةً إلى العُقُولِ الكامِلَةِ، والنِّساءُ إشارَةً إلى النُّفُوسِ النّاقِصَةِ، ولا شَكَّ أنَّ العَقْلَ هو القائِمُ بِتَدْبِيرِ النَّفْسِ وإرْشادِها إلى ما يُصْلِحُها، ويُرادُ مِنَ الحَكَمَيْنِ حِينَئِذٍ ما يَتَوَسَّطُ بَيْنَ العَقْلِ والنَّفْسِ مِنَ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿ واعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ والفَناءِ فِيهِ ﴿ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ مِمّا تَحْسَبُونَهُ شَيْئًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، إذْ لا وُجُودَ حَقِيقَةً لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿ وبِالوالِدَيْنِ ﴾ الرُّوحِ والنَّفْسِ اللَّذَيْنِ تَوَلَّدَ بَيْنَهُما القَلْبُ أحْسِنُوا ﴿ إحْسانًا ﴾ فاسْتَفِيضُوا مِنَ الأوَّلِ وتَوَجَّهُوا بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وزَكُّوا الثّانِيَ، وطَهِّرُوا بُرْدَيْهِ ﴿ وبِذِي القُرْبى ﴾ وهم مَن يُناسِبُكم بِالِاسْتِعْدادِ الأصْلِيِّ والمُشاكَلَةِ الرُّوحانِيَّةِ ﴿ واليَتامى ﴾ المُسْتَعِدِّينَ المُنْقَطِعِينَ عَنْ نُورِ الأبِ وهو الرُّوحُ بِالِاحْتِجابِ ﴿ والمَساكِينِ ﴾ العامِلِينَ الَّذِينَ لا حَظَّ لَهم مِنَ المَعارِفِ، ولِذا سَكَنُوا عَنِ السَّيْرِ، وهُمُ النّاسِكُونَ ﴿ والجارِ ذِي القُرْبى ﴾ القَرِيبِ مِن مَقامِكَ في السُّلُوكِ ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ البَعِيدِ عَنْ مَقامِكَ ﴿ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ ﴾ الَّذِي هو في عَيْنِ مَقامِكَ ﴿ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ أيِ السّالِكِ المُتَغَرِّبِ عَنْ مَأْوى النَّفْسِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلى مَقامٍ بَعْدُ ﴿ وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ مِنَ المُنْتَمِينَ إلَيْكم بِالمَحَبَّةِ والإرادَةِ، وقِيلَ: (الوالِدَيْنِ) إشارَةٌ إلى المَشايِخِ وإحْسانِ المُرِيدِ إلَيْهِمْ بِالطّاعَةِ والِانْقِيادِ إلَيْهِمْ، وامْتِثالِ أوامِرِهِمْ، فَإنَّهم أطِبّاءُ القُلُوبِ، وهم أعْرَفُ بِالدّاءِ والدَّواءِ، ولا يُداوُونَ إلّا بِما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى، وإنْ خَفِيَ عَلى المُرِيدِ وجْهُهُ.

ومِن هُنا قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: أمَرَنِي رَبِّي أمَرًا وأمَرَنِي السِّرِّيُّ أمْرًا فَقَدَّمْتُ أمْرَ السِّرِّيِّ عَلى أمْرِ رَبِّي، وكُلُّ ما وجَدْتُ فَهو مِن بَرَكاتِهِ، وأوَّلَ ”الجارِ ذِي القُرْبى“ بِالرُّوحِ النّاطِقَةِ العارِفَةِ العاشِقَةِ المَلَكُوتِيَّةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنَ العَدَمِ بِتَجَلِّي القِدَمِ، وانْقَدَحَتْ مِن نُورِ الأزَلِ، وهي أقْرَبُ كُلِّ شَيْءٍ، وهي جارُ اللَّهِ تَعالى المَصْبُوغَةُ بِنُورِهِ، والإحْسانُ إلَيْها أنْ تُطْلِقَها مِن فِتْنَةِ الطَّبِيعَةِ، وتُقَدِّسَ مَسْكَنَها مِن حُظُوظِ البَشَرِيَّةِ لِتَطِيرَ بِجَناحِ المَعْرِفَةِ والشَّوْقِ إلى عالَمِ المُشاهِدَةِ ﴿ والجارِ الجُنُبِ ﴾ بِالصُّورَةِ الحامِلَةِ لِلرُّوحِ، والإحْسانُ إلَيْها أنْ تَفْطِمَ جَوارِحَها مَن رَضَعَ ضَرْعَ الشَّهَواتِ ﴿ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ ﴾ وهو القَلْبُ الَّذِي يَصْحَبُكَ في سَفَرِ الغَيْبِ، والإحْسانُ إلَيْهِ أنْ تُفْرِدَهُ مِنَ الحَدَثانِ، وتُشَوِّقَهُ إلى جَمالِ الرَّحْمَنِ، وقِيلَ: هو النَّفْسُ الأمّارَةُ، وفي الخَبَرِ: ««أعْدى عَدُّوِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ»» والإحْسانُ إلَيْها أنْ تَحْبِسَها في سِجْنِ العُبُودِيَّةِ، وتُحْرِقَها بِنِيرانِ المَحَبَّةِ، وأوَّلَ ”ابْنِ السَّبِيلِ“ بِالوَلِيِّ الكامِلِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَتَنَقَّلُ مِن نُورِ الأفْعالِ إلى نُورِ الصِّفاتِ، ومِن نُورِ الصِّفاتِ إلى نُورِ الذّاتِ، والإحْسانُ إلَيْهِ كَتْمُ سِرِّهِ، وعَدَمُ الخُرُوجِ عَنْ دائِرَةِ أمْرِهِ.

وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: وإنْ شِئْتَ أوَّلْتَ (ذا القُرْبى) بِما يَتَّصِلُ بِالشَّخْصِ مِنَ المُجَرَّداتِ (واليَتامى) بِالقُوى الرُّوحانِيَّةِ (والمَساكِينِ) بِالقُوى النَّفْسانِيَّةِ مِنَ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ وغَيْرِها (والجارِ ذِي القُرْبى) بِالعَقْلِ (والجارِ الجُنُبِ) بِالوَهْمِ (والصّاحِبِ بِالجَنْبِ) بِالشَّوْقِ والإرادَةِ (وابْنِ السَّبِيلِ) بِالفِكْرِ والمَمالِيكِ بِالمَلَكاتِ المُكْتَسَبَةِ، الَّتِي هي مَصادِرُ الأفْعالِ الجَمِيلَةِ، وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ جِدًّا.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا ﴾ يَسْعى بِالسُّلُوكِ في نَفْسِهِ ﴿ فَخُورًا ﴾ بِأحْوالِهِ ومَقاماتِهِ، مُحْتَجِبًا بِرُؤْيَتِها ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى المُسْتَحِقِّينَ فَلا يَعْمَلُونَ بِعُلُومِهِمْ ولا يُعَلِّمُونَها ﴿ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ﴾ قالًا أوْ حالًا ﴿ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ فَلا يَشْكُرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ، أوْ يَكْتُمُونَ ما أُوتُوا مِنَ المَعارِفِ في كَتْمِ الِاسْتِعْدادِ وظُلْمَةِ القُوَّةِ حَتّى كَأنَّها مَعْدُومَةٌ ﴿ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ ﴾ لِلْحَقِّ، السّاتِرِينَ أنْوارَ الوَحْدَةِ بِظُلْمَةِ الكَثْرَةِ ﴿ عَذابًا مُهِينًا ﴾ يُهِينُهم في ذُلِّ وجُودِهِمْ وشَيْنِ صِفاتِهِمْ ﴿ والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ ﴾ أيْ يُبْرِزُونَ كَمالاتِهِمْ ﴿ رِئاءَ النّاسِ ﴾ مُرائِينَ النّاسَ بِأنَّها لَهم ﴿ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ؛ لِيَعْلَمُوا أنْ لا كَمالَ إلّا لَهُ ﴿ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ أيِ الفَناءِ فِيهِ سُبْحانَهُ، لِيَبْرُزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴿ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ ﴾ النَّفْسُ وقُواها ﴿ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا ﴾ لِأنَّهُ يُضِلُّهُ عَنِ الحَقِّ كَهَؤُلاءِ ﴿ وماذا عَلَيْهِمْ ﴾ ما كانَ يَضُرُّهم ﴿ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ فَصَدَّقُوا بِالتَّوْحِيدِ والفَناءِ فِيهِ ﴿ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ﴾ ولَمْ يَرَوْا كَمالًا لِأنْفُسِهِمْ ﴿ وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ فَيُجازِيهِمْ بِالبَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ مِقْدارَ ما يَظْهَرُ مِنَ الهَباءِ ﴿ وإنْ تَكُ حَسَنَةً ﴾ ولا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذا كانَتْ لَهُ، فَإنْ كانَتْ لَهُ يُضاعِفُها بِالتَّأْيِيدِ الحَقّانِيِّ ﴿ ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ وهو الشُّهُودُ الذّاتِيُّ أوِ العِلْمُ اللَّدُنِّيِّ ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ وهو ما يَحْضُرُ كُلَّ أحَدٍ، ويَظْهَرُ لَهُ بِصُورَةِ مُعْتَقَدِهِ فَيَكْشِفُ عَنْ حالِهِ ﴿ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ ﴾ وهُمُ المُحَمَّدِيُّونَ ﴿ شَهِيدًا ﴾ ومِن لَوازِمِ الإتْيانِ بِالحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ شَهِيدًا لِلْمُحَمَّدِيِّينَ مَعْرِفَتُهم لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ التَّحَوُّلِ في جَمِيعِ الصُّوَرِ، فَلَيْسَ شَهِيدُهم في الحَقِيقَةِ إلّا الحَقَّ سُبْحانَهُ ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِالِاحْتِجابِ ﴿ وعَصَوُا الرَّسُولَ ﴾ بِعَدَمِ المُتابَعَةِ ﴿ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ﴾ لِتَنْطَمِسَ نُفُوسُهُمْ، أوْ تَصِيرَ ساذَجَةً لا نَقْشَ فِيها مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والرَّذائِلِ المُوبَقَةِ ﴿ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ أيْ لا يَقْدِرُونَ عَلى كَتْمِ حَدِيثٍ مِن تِلْكَ النُّقُوشِ، وهَيْهاتَ، أنّى يُخْفُونَ شَيْئًا مِنها، وقَدْ صارَتِ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ!

سَهْمٌ أصابَ ورامِيهِ بِذِي سَلَمٍ ∗∗∗ مَن بِالعِراقِ لَقَدْ أبْعَدْتَ مَرْماكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى الحَقَّ، وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَماذا عَلَيْهِمْ أي وما كان عليهم لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ مكان الكفر وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مكان البخل في غير رياء.

ويقال: وَماذا عَلَيْهِمْ أي لم يكن عليهم شيء من العذاب لو آمنوا بالله واليوم الاخر، وأنفقوا مما رزقهم الله من الأموال، وهي الصدقة وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً أنهم لم يؤمنوا.

ويقال: إن الله عليم بثواب أعمالهم، ولا يظلمهم شيئاً من ثواب أعمالهم.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ يعني لا ينقص من ثواب أعمالهم وزن الذرة.

قال الكلبي: وهي النملة الحميراء الصغيرة.

ويقال: هو الذي يظهر في شعاع الشمس، ويقال: لا يظلم مثقال ذرة يعني لا يزيد عقوبة الكافر مثقال ذرة، ولا ينقص من ثواب المؤمنين مثقال ذرة.

ثم قال تعالى: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها قرأ نافع وابن كثير: وإن تك حسنة بضم الهاء لأن اسم تك بمنزلة اسم كان.

قرأ الباقون: حسنة بالنصب، وجعلوه خبر تك والاسم فيه مضمر معناه: وإن تكن الفعل حسنة يضاعفها، يعني: إذا زاد على حسناته مثقال ذرة من حسنة يضاعفها الله تعالى حتى يجعلها مثل أحد ويوجب له الجنة، فذلك قوله تعالى: وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً يعني الجنة.

وروى عبد الله بن مسعود  أنه قال: خمس آيات في سورة النساء أحب إلي من الدنيا وما فيها: قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ [سورة النساء: 31] الآية.

وقوله: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [سورة النساء: 64] الآية.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ الآية.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [سورة النساء: 48] الآية.

وقوله: ومَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [سورة النساء: 123] الآية.

وقوله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ أي فكيف يصنعون؟

وكيف يكون حالهم؟

إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمة بشهيد، يعني بنبيها هو شاهد بتبليغ الرسالة من ربهم وَجِئْنا بِكَ يا محمد عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً يعني على أمتك شهيداً بالتصديق لهم، لأن أمته يشهدون على الأمم المكذبة للرسالة، وذلك أنه إذا كان يَوْمُ الْقِيَامَةِ يقولُ الله تعالى للأمم الخالية: هل بلغتكم الرسل رسالاتي؟

فيقولون: لا.

فقالت الرسل: قد بلغنا ولنا شهود، فيقول عز وجل: ومن شهودكم؟

فيقولون: أمة محمد  ، فيؤتى بأمة محمد  فيشهدون بتبليغ الرسالة، بما أوحي إليهم من ربهم في كتابهم في قصة الأمم الخالية.

فتقول الأمم الماضية: إن فيهم زواني وشارب الخمر، فلا يقبل شهادتهم، فيزكيهم النبيّ  فيقول المشركون: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [سورة الأنعام: 23] فيختم على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، فذلك قوله تعالى يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أي تخسف بهم الأرض.

ويقال: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ الرسل يشهدون على قومهم بتبليغ الرسالة، ويشهد النبيّ  على أمته بتبليغ الرسالة من قبل ومن لم يقبل.

حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا أبو منيع، قال: حدّثنا أبو كامل، قال: حدّثنا فضيل عن يونس بن محمد بن فضالة عن أبيه، أن رسول الله  أتاهم من بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر، ومعه ابن مسعود، ومعاذ وناس من الصحابة، فأمر قارئاً فقرأ حتى إذا أتى على هذه الآية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً بكى رسول الله  حتى اخضلت وجنتاه فقال: «يَا رَبّ هذا عِلْمِي بِمَنْ أَنَا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ أَرَهُمْ؟» .

ثم قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: يتمنى الذين كفروا يعني الكفار وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ أي يكونوا تراباً يمشي عليهم أهل الجمع وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً وهو قولهم: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ.

قال الزجاج: قال بعضهم: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً مستأنف، لأن ما عملوا ظاهر عند الله تعالى لا يقدرون على كتمانه.

وقال بعضهم: هو كلام بناء يعني يودون أن الأرض سويت بهم، وأنهم لم يكتموا الله حديثاً لأنه مظهر كذبهم.

قرأ حمزة والكسائي تُسَوَّى بنصب التاء وتخفيف السين وتشديد الواو يعني يخسف بهم، وقرأ عاصم وابن كثير وأبو عمرو تُسَوَّى بضم التاء فأدغم إحدى التاءين في الأخرى على فعل لم يسم فاعله، أي يصيروا تراباً وتسوى بهم الأرض.

وقرأ نافع وابن عامر: تُسَوَّى بنصب التاء وتشديد السين والواو، لأن أصله تتسوى فأدغم إحدى التاءين في السين.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الدنيا/، ويأتُونَ يَوْمَ القيامةِ، ولا حَسَنَةَ لَهُمْ، قلْتُ: وقد ذكرنا في هذا المُخْتَصَر من أحاديثِ الرَّجَاء، وأحاديثِ الشَّفَاعَةِ جملةً صالحةً لا تُوجَدُ مجتمعةً في غَيْره على نَحْوِ ما هِيَ فيه، عَسَى اللَّهُ أَنْ ينفَعَ به النّاظر فيه، ومن أعظم أحاديثِ الرَّجَاءِ ما ذَكَره عياضٌ في «الشِّفَا» قال:

ومن حديث أنس: سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «لأَشْفَعَنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَكْثَرَ مِمَّا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ وَحَجَرٍ» «١» .

انتهى.

وهذا الحديثُ أخرجه النِّسائِيُّ، ولفظه: «إِنِّي لأَشْفَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَكْثَرَ مِمَّا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ وَحَجَرٍ ...

» الحديث.

انتهى من «الكوكب الدّرّيّ» .

ومِنْ لَدُنْهُ: معناه: مِنْ عنده، والأَجْرُ العظيمُ: الجَنَّة قاله ابنُ مَسْعود «٢» وغيره، وإِذا مَنَّ اللَّه سبحانه بتفضُّله علَى عَبْده، بَلَغَ به الغايَةَ، اللهمّ منّ علينا بخير الدّارين بفضلك.

وقوله جلَّت قدرته: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ...

الآيةَ: لما تقدَّم في التي قَبْلَها الإِعلامُ بتَحْقيق الأحكام يوم القيامة، حَسُنَ بعد ذلك التَّنْبِيهُ على الحالَةِ الَّتي يُحْضَرُ ذلك فيها، ويُجَاءُ فيها بالشُّهَدَاءِ على الأُمَمِ، ومعنى الآيةِ: أنَّ اللَّه سبحانه يأتي بالأنبياءِ شُهَدَاءَ عَلَى أُمَمِهِمْ بالتَّصْديق والتَّكْذيب، ومعنى الأُمَّة في هذه الآية: جميعُ مَنْ بُعِثَ إِلَيْه مَنْ آمَنَ منهم، ومَنْ كَفَر، وكذَلِكَ قال المتأوِّلون: إن الإشارة ب «هؤلاء» إلى كفّار قريش وغيرهم، وروي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ، فَاضَتْ عَيْنَاهُ، وكذلك ذَرِفَتْ عَيْنَاهُ- عليه السلام- حِينَ قَرَأَهَا عليه ابْنُ مَسْعُودٍ حَسْبَما هو مذكورٌ في الحديثِ الصَّحِيح، وفي «صحيحِ البخاريِّ» ، عن عُقْبَةَ بنِ عامر، قال:

صلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ صَلاَتَهُ عَلَى المَيِّتِ بَعد ثمان سنين، كالمُوَدِّع للأحياء والأموات ثم طلع المنبر، فقال: إنِّي بَيْنَ أَيْدِيِكُمْ فَرَطٌ، وأَنا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الحَوْضُ وإِنَّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هذا، وإِنِّي لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكُمُ الدنيا أن تنافسوها، قال: فكانت آخر نظرة نظرتها الى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

«٣»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو: لَوْ تُسَوّى، بِضَمِّ التّاءِ، وتَخْفِيفِ السِّينِ.

والمَعْنى: ودُّوا لَوْ جُعِلُوا تُرابًا، فَكانُوا هم والأرْضُ سَواءً، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ في آَخَرِينَ.

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: إذا حَشَرَ اللَّهُ الخَلائِقَ، قالَ لِلْبَهائِمِ، والدَّوابِّ، والطَّيْرِ: كُونِي تُرابًا.

فَعِنْدَها يَقُولُ: الكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا.

وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: لَوْ تُسَوّى، بِفَتْحِ التّاءِ، وتَشْدِيدِ السِّينِ، والمَعْنى: لَوْ تَتَسَوّى، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، لِقُرْبِها مِنها.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وفي هَذِهِ القِراءَةِ اتِّساعٌ، لِأنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الأرْضِ، ولَيْسَ المُرادُ: ودُّوا لَوْ صارَتِ الأرْضُ مِثْلَهم، وإنَّما المَعْنى: ودُّوا لَوْ يَتَسَوُّونَ بِها.

ثُمَّ في المَعْنى لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: ودُّوا لَوْ تَخَرَّقَتْ بِهِمُ الأرْضُ، فَساحُوا فِيها، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ودُّوا أنَّهم لَمْ يُبْعَثُوا، لِأنَّ الأرْضَ كانَتْ مُسْتَوِيَةً بِهِمْ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ، مِنها قالَهُ ابْنُ كِيسانَ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الزُّجاجُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: لَوْ تُسَوّى، بِفَتْحِ التّاءِ، وتَخْفِيفِ السِّينِ والواوِ مُشَدَّدَةً مُمالَةً، وهي بِمَعْنى: تَتَسَوّى، فَحَذَفَ التّاءَ الَّتِي أدْغَمَهانافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ.

فَأمّا مَعْنى القِراءَتَيْنِ فَواحِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ في الحَدِيثِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ أمْرُ النَّبِيِّ  وصِفَتُهُ ونَعْتُهُ، قالَهُ عَطاءٌ: فَعَلى الأوَّلِ يَتَعَلَّقُ الكِتْمانُ بِالآخِرَةِ، وعَلى الثّانِي يَتَعَلَّقُ بِما كانَ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: ودُّوا أنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا ذَلِكَ.

وَفِي مَعْنى الآيَةِ: سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ودُّوا إذا فَضَحَتْهم جَوارِحُهم أنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ شِرْكَهم، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم لَمّا شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا بَعْدَ ذَلِكَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهم في مَوْطِنٍ لا يَكْتُمُونَهُ حَدِيثًا، وفي مَوْطِنٍ يَكْتُمُونَ، ويَقُولُونَ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.

ومَعْنى: لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا: لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ، لِأنَّهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: ودُّوا لَوْ سُوِّيَتْ بِهِمُ الأرْضُ، وأنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا.

والسّادِسُ: أنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا قَوْلَهُمْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ كَذِبًا، وإنَّما اعْتَقَدُوا أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ طاعَةٌ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وَقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: أخْبَرُوا بِما تَوَهَّمُوا، إذْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهم لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ، وذَلِكَ لا يُخْرِجُهم عَنْ أنْ يَكُونُوا قَدْ كَذَّبُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا ﴾ تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَها الإعْلامُ بِتَحْقِيقِ الأحْكامِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَسُنَ -بَعْدَ ذَلِكَ- التَنْبِيهُ عَلى الحالَةِ الَّتِي يُحَضَّرُ ذَلِكَ فِيها، ويُجاءُ فِيها بِالشُهَداءِ عَلى الأُمَمِ.

ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ يَأْتِي بِالأنْبِياءِ شُهَداءَ عَلى أُمَمِهِمْ بِالتَصْدِيقِ والتَكْذِيبِ، ومَعْنى الأُمَّةِ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- غَيْرُ المَعْنى المُتَعارَفِ في إضافَةِ الأُمَمِ إلى الأنْبِياءِ، فَإنَّ المُتَعارَفَ أنْ تُرِيدَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ جَمِيعَ مَن آمَنَ بِهِ.

وكَذَلِكَ في كُلِّ نَبِيٍّ، وهي هُنا: جَمِيعُ مَن بُعِثَ إلَيْهِ.

مَن آمَنَ مِنهم ومَن كَفَرَ.

وكَذَلِكَ قالَ المُتَأوِّلُونَ: إنَّ الإشارَةَ "بِهَؤُلاءِ" إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وإنَّما خُصَّ كُفّارُ قُرَيْشٍ بِالذِكْرِ لِأنَّ وطْأةَ الوَعِيدِ أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنها عَلى غَيْرِهِمْ.

"فَكَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ في آخِرِ الآيَةِ: تَرى حالَهُمْ، أو يَكُونُونَ، أو نَحْوُهُ، وقالَ مَكِّيٌّ في الهِدايَةِ: "جِئْنا" عامِلٌ في "فَكَيْفَ"، وذَلِكَ خَطَأٌ.

ورُوِيَ « "أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فاضَتْ عَيْناهُ"،» وكَذَلِكَ ذَرَفَتْ عَيْناهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ قَرَأها عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وما ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ مِن شَهادَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِتَبْلِيغِ الرُسُلِ، وما جَرى في مَعْنى ذَلِكَ مِنَ القَصَصِ الَّذِي ذَكَرَ مَكِّيٌّ كَسُؤالِ اللَوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ إسْرافِيلَ، ثُمَّ جِبْرِيلَ، ثُمَّ الأنْبِياءِ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ آيَتَهُ، وإنَّما آيَتُهُ: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ  ﴾ .

وَ"يَوْمَئِذٍ" ظَرْفٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُ -يَوْمَ- في هَذا المَوْضِعِ عَلى الظَرْفِ، عَلى أنَّهُ مُعْرَبٌ مَعَ الأسْماءِ غَيْرِ المُتَمَكِّنَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى النَصْبِ مَعَ الأسْماءِ غَيْرِ المُتَمَكِّنَةِ، والوُدُّ إنَّما هو في ذَلِكَ اليَوْمِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَسَّوّى" عَلى إدْغامِ التاءِ الثانِيَةِ مِن "تَتَسَوّى"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَسَوّى" بِتَخْفِيفِ السِينِ وتَشْدِيدِ الواوِ، عَلى حَذْفِ التاءِ الثانِيَةِ المَذْكُورَةِ، وهُما بِمَعْنىً واحِدٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: تَنْشَقُّ الأرْضُ فَيَحْصُلُونَ فِيها ثُمَّ تَتَسَوّى هي في نَفْسِها عَلَيْهِمْ وبِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ لَوْ تُسَوّى هي مَعَهم في أنْ يَكُونُوا تُرابًا كَآبائِهِمْ، فَجاءَ اللَفْظُ عَلى أنَّ الأرْضَ هي المَسْوِيَّةُ مَعَهُمْ، والمَعْنى إنَّما هو أنَّهم يَسْتَوُونَ مَعَ الأرْضِ، فَفي اللَفْظِ قَلْبٌ يَخْرُجُ عَلى نَحْوِ اللُغَةِ الَّتِي حَكاها سِيبَوَيْهِ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وأدْخَلْتُ فَمِي في الحَجَرِ، وما جَرى مَجْراهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تُسَوّى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، فَيَكُونُ اللهُ تَعالى يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ المَعْنَيَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: إمالَةُ الفَتْحَةِ إلى الكَسْرَةِ، والألِفِ إلى الياءِ فِي: "تُسَوّى" حَسَنَةٌ.

قالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لِما يَرَوْنَهُ مِنَ الهَوْلِ وشِدَّةِ المَخاوِفِ يَوَدُّونَ أنْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ فَلا يَنالُهم ذَلِكَ الخَوْفُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ فَأخْبَرَ أنَّهم لا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا لِنُطْقِ جَوارِحِهِمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ، حِينَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ فَيَقُولُ اللهُ: كَذَبْتُمْ، ثُمَّ يُنْطِقُ جَوارِحَهم فَلا تَكْتُمُ حَدِيثًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ فِيهِ: إنَّ اللهَ إذا جَمَعَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ظَنَّ بَعْضُ الكُفّارِ أنَّ الإنْكارَ يُنْجِي فَقالُوا: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، فَيَقُولُ اللهُ: كَذَبْتُمْ، ثُمَّ يُنْطِقُ جَوارِحَهم فَلا تَكْتُمُ حَدِيثًا، وهَكَذا فَتَحَ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى سائِلٍ أشْكَلَ عَلَيْهِ الأمْرُ.

وقالَتْ طائِفَةٌ مِثْلَ القَوْلِ الأوَّلِ إلّا أنَّها قالَتْ: إنَّما اسْتَأْنَفَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا ﴾ لِيُخْبِرَ عن أنَّ الكَتْمَ لا يَنْفَعُ وإنْ كَتَمُوا، لِأنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ جَمِيعَ أسْرارِهِمْ وأحادِيثِهِمْ، فَمَعْنى ذَلِكَ: ولَيْسَ ذَلِكَ المَقامُ الهائِلُ مَقامًا يَنْفَعُ فِيهِ الكَتْمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّ الكَتْمَ لا يَنْفَعُ بِوَجْهٍ، والآخَرَ يَقْتَضِي أنَّ الكَتْمَ لا يَنْفَعُ وقَعَ أو لَمْ يَقَعْ، كَما تَقُولُ: هَذا مَجْلِسٌ لا يُقالُ فِيهِ باطِلٌ، وأنْتَ تُرِيدُ: لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا يُسْتَمَعُ إلَيْهِ.

قالَتْ طائِفَةٌ: الكَلامُ كُلُّهُ مُتَّصِلٌ، ومَعْناهُ: يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ، ويَوَدُّونَ ألّا يَكْتُمُوا اللهَ حَدِيثًا، ووُدُّهم لِذَلِكَ إنَّما هو نَدَمٌ عَلى كَذِبِهِمْ حِينَ قالُوا: ﴿ واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ  ﴾ .

وقالَتْ طائِفَةٌ: هي مَواطِنُ وفُرُوقٌ، وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ، وأنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللهَ حَدِيثًا، وهَذا عَلى جِهَةِ النَدَمِ عَلى الكَذِبِ أيْضًا، كَما تَقُولُ: ودِدْتُ أنْ أعْزِمَ كَذا، ولا يَكُونُ كَذا عَلى جِهَةِ الفِداءِ، أيْ: يَفْدُونَ كِتْمانَهم بِأنْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ.

والرَسُولُ -فِي هَذِهِ الآيَةِ-: لِلْجِنْسِ، شُرِّفَ بِالذِكْرِ، وهو مُفْرَدٌ دَلَّ عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "وَعَصَوِا الرَسُولَ" بِكَسْرِ الواوِ مِن: "عَصَوْا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء يجوز أن تكون فاء فصيحة تدلّ على شرط مقدّر نشأ عن الوعيد في قوله: ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ [النساء: 37] وقوله: ﴿ فساء قربناً ﴾ [النساء: 38]؛ وعن التوبيخ في قوله: ﴿ وماذا عليهم ﴾ [النساء: 39] وعن الوعد في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ [النساء: 40] الآية، والتقدير: إذا أيقنت بذلك فكيفَ حال كلّ أولئك إذا جاء الشهداء وظهر موجَب الشهادة على العمل الصالِح وعلى العمل السيّئ، وعلى هذا فليس ضميرُ (بكَ) إضماراً في مقام الإظهار، ويجوز أن تكون الفاء للتفريع على قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ [النساء: 40]، أي يتفرّع عن ذلك سؤال عن حال الناس إذا جئنا من كلّ أمة بشهيد؛ فالناسُ بين مستبشر ومتحسّر، وعلى هذا فضمير ﴿ بك ﴾ واقع موقع الاسم الظاهر لأنّ مقتضَى هذا أن يكون الكلام مسوقاً لجميع الأمّة، فيقتضي أن يقال: وجئنا بالرَّسُول عليهم شهيداً، فعُدل إلى الخطاب تشريفاً للرسول صلى الله عليه وسلم بعزّ الحُضور والإقبال عليه.

والحالة التي دلّ عليها الاستفهام المستعمل في التعجيب تؤذن بحالة مهولة للمشركين وتنادي على حيرتهم ومحاولتهم التملّص من العقاب بسلوك طريق إنكار أن يكونوا أنذروا ممّا دلّ عليه مجيء شهيد عليهم، ولذلك حذف المبتدأ المستفهم عنه ويقدّر بنحو: كيف أولئك، أو كيف المَشْهَد، ولا يقدّر بكيف حالهم خاصّة، إذ هي أحوال كثيرة ما منها إلاّ يزيده حالُ ضدّه وضوحاً، فالناجي يزداد سروراً بمشاهدة حال ضدّه، والموبق يزداد تحسّرا بمشاهدة حال ضدّه، والكلّ يقوى يقينه بما حصل له بشهادة الصادقين له أو عليه، ولذلك لمّا ذكر الشهيد لم يذكر معه مُتعلِّقه بعلَى أو اللام: ليعمّ الأمرين.

والاستفهام مستعمل في لازم معناه من التعجيب، وقد تقدّم نظيره عند قوله تعالى: ﴿ فكيف إذا جمعناهم ﴾ في سورة آل عمران (25).

(وإذا) ظرف للمستقبل مضاف إلى جملة ﴿ جئنا ﴾ أي زمان إتياننا بشهيد.

ومضمون الجملة معلوم من آيات أخرى تقدّم نزولها مثلُ آية سورة النحل (89) ﴿ ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ﴾ فلذلك صلحت لأن يتعرّف اسم الزَّمان بإضافته إلى تلك الجملة، والظرف معمول ل (كيف) لما فيها من معنى الفعل وهو معنى التعجيب، كما انتصب بمعنى التلهّف في قول أبي الطمْحان: وقبْل غدٍ يَا لهفَ قلبي من غَدٍ *** إذا رَاح أصحابي ولستُ برائح والمجروران في قوله: من كل أمة } وقوله: ﴿ بشهيد ﴾ يتعلّقان ب (جئنا).

وقد تقدّم الكلام مختصراً على نظيره في قوله تعالى: ﴿ فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ﴾ [آل عمران: 25].

وشهيد كلّ أمّة هو رسولها، بقرينة قوله: ﴿ وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ .

و ﴿ هؤلاء ﴾ إشارة إلى الذين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم لحضورهم في ذهن السامع عند سماعه اسم الإشارة، وأصل الإشارة يكون إلى مشاهد في الوجود أو منزّل منزلتَه، وقد اصطلح القرآن على إطلاق إشارة (هؤلاء) مراداً بها المشركون، وهذا معنى ألهمنا إليه، استقريْناه فكان مطابقاً.

ويجوز أن تكون الإشارة إلى ﴿ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴾ [النساء: 37] وهم المشركون والمنافقون، لأنّ تقدّم ذكرهم يجعلهم كالحاضرين فيشار إليهم، لأنّهم لكثرة توبيخهم ومجادلتهم صاروا كالمعيّنين عند المسلمين.

ومن أضعف الاحتمالات أن يكون ﴿ هؤلاء ﴾ إشارة إلى الشهداء، الدالّ عليهم قوله: ﴿ كل أمةٍ بشهيد ﴾ وأن ورد في «الصحيح» حديث يناسبه في شهادة نوح على قومه وأنّهم يكذّبونه فَيشهد محمّد صلى الله عليه وسلم بصِدقه، إذ ليس يلزم أن يكون ذلك المقصودَ من هذه الآية.

وذُكر متعلّق (شهيدا) الثاني مجروراً بعلى لتهديد الكافرين بأنّ الشهادة تكون عليهم، لأنّهم المقصود من اسم الإشارة.

وفي «صحيح البخاري»: أنّ عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم " اقرأ عليّ القرآن، قلت: أقْرَأهُ عليك وعليكَ أنْزِل، قال: إني أحِبّ أنْ أسْمَعه من غيري " فقرأت عليه سورة النساء، حتّى إذا بلغتُ ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ ، قال: ﴿ أمسِك ﴾ فإذا عينَاه تذرفان.

وكما قلت: إنه أوجز في التعبير عن تلك الحال في لفظ كيف فكذلك أقول هنا: لا فِعل أجمع دلالة على مجموع الشعور عند هذه الحالة من بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّه دلالة على شعور مجتمععٍ فيه دلائلُ عظيمة: وهي المسرّة بتشريف الله إيّاه في ذلك المشهد العظيم، وتصديققِ المؤمنين إيّاه في التبليغ، ورؤيةِ الخيرات التي أنجزت لهم بواسطته، والأسففِ على ما لحق بقية أمّته من العذاب على تكذيبه، ومشاهدةِ ندمهم على معصيته، والبكاء ترجمانُ رحمةٍ ومسرّة وأسف وبهجة.

وقوله: ﴿ يومئذٍ يود الذين كفروا ﴾ الآية استئناف بياني، لأنّ السامع يَتساءل عن الحالة المبهمة المدلولة لقوله: ﴿ كيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ ويتطلّب بيانها، فجاءت هذه الجملة مبيّنة لبعض تلك الحالة العجيبة، وهو حال الذين كفروا حين يرون بوارق الشرّ: من شهادة شهداء الأمم على مؤمنهم وكافرهم، ويوقنون بأنّ المشهود عليهم بالكفر مأخوذون إلى العذاب، فينالهم من الخوف ما يودّون منه لو تَسَّوى بهم الأرض وجملة ﴿ لو تسوى بهم الأرض ﴾ بيان لجملة يودّ أي يودّون وُدَّا يبيّنه قوله: ﴿ لو تسوى بهم الأرض ﴾ ، ولكون مضمونها أفاد معنى الشيء المودود صارت الجملة الشرطية بمنزلة مفعول (يودّ)، فصار فعلها بمنزلة المصدر، وصارت لو بمنزلة حرف المصدر، وقد تقدّم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ﴾ في سورة البقرة (96).

وقوله: تسوى } قرأه نافع، وابن عامر، وأبو جعفر بفتح التاء وتشديد السين فهو مضارع تَسَوَّى الذي هو مطاوع سَوَّاه إذا جعله سَواءً لشيءٍ آخر؛ أي مماثلا، لأنّ السواء المثل فأدْغِمت إحدى التاءين في السين؛ وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بفتح التاء وتخفيف السين على معنى القرَاءة السابقة لكن بحذف إحدى التاءين للتخفيف؛ وقرأه ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب ﴿ تسوى ﴾ بضمّ التاء وتخفيف السين مبنيّا للمجهول، أي تُمَاثَل.

والمماثلة المستفادة من التسوية تحتمل أن تكون مماثلة في الذات، فيكون المعنى أنّهم يصيرون تُراباً مثل الأرض لظهور أن لا يقصد أن تصير الأرض ناسا، فيكون المعنى على هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ﴾ [النبأ: 40].

وهذا تفسير الجمهور، وعلى هذا فالكلام إطناب، قصد من إطنابه سلوك طريقة الكناية عن صيرورتهم تراباً بالكناية المطلوب بها نِسبةٌ، كقولهم: المجدُ بين ثوبيْه، وقول زياد الأعجم: إنَّ السَّماحةَ والمُرُوءَة والنَّدى *** في قُبَّة ضُربت على ابن الحشرج أي أنّه سمح ذو مروءة كريم؛ ويحتمل أن تكون مماثلة في المقدار، فقيل: يودّون أنّهم لم يبعثوا وبَقُوا مستوين مع الأرض في بطنها، وقيل: يودّون أن يُدفنوا حينئذ كما كانوا قبل البعث.

والأظهر عندي: أنّ المعنى التسويةُ في البروز والظهور، أي أن ترتفع الأرض فتُسَوَّى في الارتفاع بأجسادهم، فلا يظهروا، وذلك كناية عن شدّة خوفهم وذلّهم، فينقبضون ويتضاءلون حتّى يودّوا أن يصيروا غير ظَاهرين على الأرض، كما وَصف أحدُ الأعراب يهجو قوماً من طَيّءٍ أنشده المبرّد في الكامل: إذَا ما قيل أيُّهُمُ لأَي *** تَشَابَهَتْ المَنَاكِبُ والرُّؤُوسُ وهذا أحسن في معنى الآية وأنسب بالكناية.

وجملة ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ يجوز أن تكون مستأنفة والواو عاطفة لها على جملة ﴿ يود ﴾ ؛ ويجوز أن تكون حالية، أي يودّون لو تسوّى بهم الأرض في حال عدم كتمانهم، فكأنّهم لمّا رأوا استشهاد الرسل، ورأوا جزاء المشهود عليهم من الأمم السالفة، ورأوا عاقبة كذب المرسَل إليهم حتّى احتيج إلى إشهاد رسلهم، علموا أنّ النَّوبة مفضية إليهم، وخامرهم أن يكتموا الله أمْرَهم إذا سألَهم الله، ولم تساعدهم نفوسهم على الاعتراف بالصدق، لِمَا رأوا من عواقب ثبوت الكفر، من شدّة هلعهم، فوقعوا بين المقتضي والمانع، فتمنّوا أن يَخفَوْا ولا يظهروا حتّى لا يُسألوا فلا يضطرّوا إلى الاعتراف الموبِق ولا إلى الكتمان المهلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ أصْلُ المِثْقالِ الثِّقَلُ، والمِثْقالُ مِقْدارُ الشَّيْءِ في الثِّقَلِ.

والذَّرَّةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ هي دُودَةٌ حَمْراءُ، قالَ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ: زَعَمُوا أنَّ هَذِهِ الدُّودَةَ الحَمْراءَ لَيْسَ لَها وزْنٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ وشَهِيدُ كُلِّ أُمَّةٍ نَبِيُّها، وفي المُرادِ بِشَهادَتِهِ عَلَيْها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ يَشْهَدَ عَلى كُلِّ أُمَّتِهِ بِأنَّهُ بَلَّغَها ما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلَيْها، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها بِعَمَلِها، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

﴿ وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ  في الشَّهادَةِ عَلى أُمَّتِهِ، رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّهُ قَرَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ: ﴿ فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ فَفاضَتْ عَيْناهُ  .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِينَ تَمَنَّوْهُ مِن تَسْوِيَةِ الأرْضِ بِهِمْ أنْ يَجْعَلَهم مِثْلَها، كَما قالَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهم تَمَنَّوْا لَوِ انْفَتَحَتْ لَهُمُ الأرْضُ فَصارُوا في بَطْنِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ لو تسوّى بهم الأرض ﴾ يعني أن تستوي الأرض والجبال عليهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية يقول: ودوا لو انخرقت بهم الأرض فساخوا فيها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ لو تسوّى بهم الأرض ﴾ تنشق لهم فيدخلون فيها فتسوي عليهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت أشياء تختلف على من في القرآن؟

فقال ابن عباس: ما هو، أشك في القرآن؟

قال: ليس شك ولكنه اختلاف.

قال: هات ما اختلف عليك من ذلك.

قال: اسمع الله يقول ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [ الأنعام: 23] وقال: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ فقد كتموا، واسمعه يقول ﴿ فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ﴾ [ المؤمنون: 101] ثم قال: ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ [ الصافات: 27] وقال: ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ﴾ [ فصلت: 9] حتى بلغ ﴿ طائعين ﴾ ، فبدأ بخلق الأرض في هذه الآية قبل خلق السماء ثم قال في الآية الأخرى ﴿ أم السماء بناها ﴾ [ النازعات: 27] ثم قال: ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ [ النازعات: 30] فبدأ بخلق السماء في هذه الآية قبل خلق الأرض، واسمعه يقول ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ ﴿ وكان الله سميعاً بصيراً ﴾ ، فكأنه كان ثم مضى.

وفي لفظ ما شأنه يقول ﴿ وكان الله ﴾ فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [ الأنعام: 23] ، فإنهم لما رأوا يوم القيامة، وأن الله يغفر لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يغفر شركاً، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره جحده المشركون رجاء أن يغفر لهم فقالوا: والله ربنا ما كنا مشركين، فختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك يود الذين كفروا لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً.

وأما قوله: ﴿ فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ﴾ [ المؤمنون: 101] فهذا في النفخة الأولى ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ [ الزمر: 68] فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون ﴿ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ [ الزمر: 68] ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴾ [ الصافات: 27] .

وأما قوله: ﴿ خلق الأرض في يومين ﴾ [ فصلت: 9] فإن الأرض خلقت قبل السماء، وكانت السماء دخاناً فسوّاهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض.

وأما قوله: ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ [ النازعات: 6] يقول: جعل فيها جبلاً، جعل فيها نهراً، جعل فيها شجراً، وجعل فيها بحوراً.

وأما قوله: ﴿ وكان الله ﴾ فإن الله كان ولم يزل كذلك، وهو كذلك ﴿ عزيز حكيم ﴾ ﴿ عليم قدير ﴾ ثم لم يزل كذلك، فما اختلف عليك من القرآن فهو يشبه ما ذكرت لك، وأن الله لم ينزل شيئاً إلا وقد أصاب به الذي أراد ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وأخرج ابن جرير من طريق جويبر عن الضحاك أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس قول الله: ﴿ يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ وقوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [ الأنعام: 23] فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد.

فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وَحَّدَهُ.

فيقولون: تعالوا نقل.

فيسألهم فيقولون ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [ الأنعام: 23] فيختم على أفواههم وتستنطق به جوارحهم، فتشهد عليهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سوّيت بهم ولا يكتمون الله حدثياً.

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن حذيفة قال: «أتي بعبد آتاه الله مالاً فقال له: ماذا عملت في الدنيا- ولا يكتمون الله حديثاً- فقال: ما عملت من شيء يا رب إلا أنك آتيتني مالاً فكنت أبايع الناس، وكان من خلقي أن أنظر المعسر قال الله: أنا أحق بذلك منك تجاوزوا عن عبدي.

فقال أبو مسعود الأنصاري: هكذا سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ قال: بجوارحهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآية.

يوم في قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ظرف و"يود"، وهو مضاف إلى إذ، وذلك نحو قولهم: ليلتئذ، وساعتئذ، وحينئذ.

ودخل التنوين في إذ بدلًا من الإضافة، وذلك أنَّ أصل هذا أن تكون إذ مضافة إلى جملة، إما من مبتدأ وخبر، نحو: جئتك إذ زيد أمير، وقصدتك إذ الخليفة عبد الملك، قال الله تعالى: ﴿ إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ  ﴾ ، وقال القطامي (١) إذا الفوارسُ من قيس بشكَّتها ...

حولي شهودٌ وما قومي بشهاد (٢) وإما من فعل وفاعل نحو: قمت إذ قام (٣) ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ  ﴾ ، ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا  ﴾ ، ثم اقتطع المُضاف إليه إذ في مثل هذا، ومثله قوله: {مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذ} [المعارج:11]، و ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ  ﴾ .

والتقدير في هذه الآية وفي غيرها: يوم إذ ذاك كذلك، فلما حذف المضاف إليه إذ عوّض منه التنوين، فدخل وهو ساكن على الذال وهي ساكنة، فكسرت الذال لالتقاء الساكنين فقيل: يومئذ.

وليست هذه الكسرة في الذال كسرة إعراب، وإن كانت إذ في موضع جر بالإضافة ما قبلها إليها، وإنما الكسرة فيها لسكونها وسكون التنوين بعدها، كما كسرت الهاء في صهٍ ومهٍ لسكونها وسكون التنوين بعدها، وإن اختلفت جهتا التنوين فيهما، فكان في إذ عوضًا من المضاف إليه، وفي صه علمًا للتنكير، ويدل على أن الكسرة في ذال (إذ) إنما هي حركة التقاء ساكنين: (هي) (٤) نهيتُك عن طلابك أمَّ عمرو ...

بعاقبة وأنت إذ صحيح (٥) ألا ترى أن إذ في هذا البيت ليس قبلها شيء (٦) ومضى القول في (يود) عند قوله: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ ﴾ (٧) (٨) وأما النقير (٩) (١٠) وقال أبو الهيثم: النقير نقرة في ظهر النواة، منها تنبت النخلة (١١) وذكرنا طرفًا منه عند ذكر الفتيل (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) وقول أهل التفسير موافق لقول أهل اللغة في تفسير النقير، وقول أبي الهيثم مثل قول ابن عباس حرفًا بحرف (١٨) قال الزجاج: وذكر النقير ههنا تمثيل، المعنى: لضنُّوا بالقليل (١٩) (١) هو أبو سعيد عُمير بن شيم بن عمر التغلبي، والقطامي لقبه؛ تقدمت ترجمته.

(٢) "ديوان القطامي" ص (86)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 504 بتحقيق د.

هنداوي، والشكة: السلاح.

(٣) في (أ): (أقام) وما أثبته هو الموافق "سر صناعة الإعراب" 2/ 504.

(٤) غير واضحة في (أ)، وفي "سر صناعة الإعراب" 2/ 504 "وهما هي ..

".

(٥) البيت لأبي ذؤيب الهذلي يخاطب قلبه وأنه نصحه عن حب هذه المرأة أم عمرو حتى لا يتورط فيصعب عليه الخلاص، وقوله: "بعاقبة" أي أن النصيحة كانت حتى آخر الكلام ولم يغفل عنها.

انظر: "ديوان الهذليين" 1/ 68، "سر صناعة الإعراب" بتحقيق هنداوي 2/ 504، "الخصائص" بتحقيق النجار 2/ 376.

(٦) انتهى من "سر صناعة الإعراب" 2/ 504، 505، والكلام من أول توجيه إعراب الظرف يوم وإضافته لإذ إلى هنا مستفاد منه.

وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 425 - 426.

(٧) (لو يعمر): ليس في (د).

(٨) إلى هنا تنتهي نسخة (أ)، (د) وفي نهايتها كتب الناسخ ما يلي في (د): "تم الجزء الثاني من "تفسير البسيط" للواحدي بحمد الله ومنِّه والصلاة على نبيه محمد وآله أجمعين، ويتلوه في الثاني قوله تعالى: ﴿ وَعَصَوُا الرَّسُولَ  ﴾ تم سنة 1270".

أما النسخة (أ) فقد كتب في آخرها: "كتب في مسلخ شهر ربيع الثاني من شهور سنة ست وثلاثين وستمائة".

ويبدو أن كاتبه رجل يُدعى: ابن القزويني.

(٩) هذا بداية ما بعد السقط من أثناء الآية (42) إلى أثناء الآية (53) وهو بداية نسخة (ش) شستربتي.

(١٠) "تهذيب اللغة" 4/ 3644، وانظر: "اللسان" 8/ 4518 - 4519 (نقر).

(١١) "تهذيب اللغة" 4/ 3644، وانظر: "اللسان" 8/ 4519 (نقر).

(١٢) الظاهر أنه عند قوله: ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا  ﴾ ، وهذا من القسم الساقط والمفقود.

(١٣) في "اللسان" 8/ 4519 (نقر): "ينتبذ".

(١٤) انظر: "اللسان" 8/ 4518 (نقر).

(١٥) في "ش": "بالألف الممدودة".

(١٦) "تهذيب اللغة" 4/ 3644 (نقر).

(١٧) انظر: "اللسان" 8/ 4517 (نقر).

(١٨) انظر "تفسير ابن عباس" ص 150، والطبري 5/ 136.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" ص 63، وانظر: "زاد المسير" 2/ 109.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا ﴾ تقديره: كيف يكون الحال إذا جئنا ﴿ بِشَهِيدٍ ﴾ هو نبيهم يشهد عليهم بأعمالهم ﴿ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً ﴾ أي تشهد على قومك، ولما قرأ ابن مسعود هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذرفت عيناه ﴿ لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض ﴾ أي يتمنون أن يدفنوا فيها، ثم تسوّى بهم كما تسوّى بالموتى وقيل: يتمنون أن يكونوا سواء مع الأرض كقوله: ﴿ وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً ﴾ [عم: 40] وذلك لما يرون من أهوال يوم القيامة ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً ﴾ استئناف إخبار أنهم لا يكتمون يوم القيامة عن الله شيئاً فإن قيل: كيف هذا مع قولهم: ﴿ والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: 23] فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الكتم لا ينفعهم لأنهم إذا كتموا تنطق جوارحهم، فكأنهم لم يكتموا، والآخر: أنهم طوائف مختلفة، ولهم أوقات مختلفة، وقيل إن قوله: ولا يكتمون عطف على تسوّى: أي يتمنون أن لا يكتموا لأنهم إذا كتموا افتضحوا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تسوّى ﴾ بإدغام تاء التفعل في السين: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ تسوّى ﴾ بالإمالة وحذف التاء الأولى: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ تسوّى ﴾ مبنياً للمفعول من التسوية ﴿ لمستم ﴾ من اللمس وكذلك في المائدة: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: ﴿ لامستم ﴾ من الملامسة ﴿ فتيلاً انظر ﴾ بكر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن ذكوان.

الباقون: بالضم.

وفرق بعضهم بين موضع الخفض فلم يجوز الضم كراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو ﴿ متشابه انظروا  ﴾ و ﴿ برحمة ادخلوا  ﴾ و ﴿ خبيثة اجتثت  ﴾ و ﴿ عذاب / اركض  ﴾ وأشباه ذلك.

﴿ نضجت جلودهم ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وخلف وهشام وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ تغتسلوا ﴾ ط ﴿ وأيديكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ط ﴿ بأعدائكم ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ وأقوم ﴾ لا لاتصال لكن ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ السبت ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ج ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ يزكون أنفسهم ﴾ ط ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ط ﴿ سبيلا ﴾ ه ﴿ لعنهم الله ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ط لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ نقيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ من فضله ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تعقب الفاء ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ صدّ عنه ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ مطهرة ﴾ ز لاستئناف الفعل على أنه من تمام المقصود ﴿ ظليلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما أوعد الظالمين بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ ووعد المطيعين بقوله: ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ أراد أن يبين أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله حجة على الخلق ليكون الإلزام أتم والتبكيت أعظم.

"روي أن النبي  قال لابن مسعود: اقرأ القرآن عليّ.

قال: فقلت: يا رسول الله أنت الذي علّمتنيه!

فقال: أحب أن أسمعه من غيري.

قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان" .

قال العلماء: إنه بكاء فرح لما شرفه الله  بكرامة قبول الشهادة على الخلائق.

والمعنى كيف يصنع هؤلاء الذين شاهدتهم وعرفت أحوالهم من مردة الكفرة كاليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشيهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، وجئنا بك على هؤلاء المكذبين شهيداً؟

ثم وصف ذلك اليوم فقال: ﴿ يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ﴾ قيل: هذه الجملة معترضة والمراد وقد عصوا.

والظاهر أن الواو للعطف وحينئذٍ تقتضي كون عصيان الرسول مغايراً للكفر لأنّ عطف الشيء على نفسه غير جائز.

فإما أن يخص الكفر بنوع منه وهو الكفر بالله، أو يقال: إنه عام وأفرد ذكر قسم منه إظهاراً لشرف الرسول وتفظيعاً لشأن الجحود به، أو يحمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفرة فيكون في الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.

ومعنى ﴿ لو تسوّى ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا أو أنهم كانوا والأرض سواء، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها كقوله: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً  ﴾ أما قوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ فإما أن يتصل بما قبله والواو للعطف أي يودون لو انطبقت عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا، أو للحال والمراد أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام دون أهل الشرك قالوا تعالوا فلنجحد فيقولون: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذٍ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، هناك يودون أنهم كانوا تراباً ولم يكتموا الله حديثاً.

وإما أن يكون كلاماً مستأنفاً فإن ما عملوه ظاهر عند الله فكيف يقدرون على كتمانه وإن قصدوه أو توهموه؟

ثم أتبع وصف اليوم كيفية الصلاة التي هي سنام الطاعات وأعظم المنجيات فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ وقد مر سبب نزوله في البقرة.

وفي لفظ الصلاة ههنا قولان: أحدهما أن المراد منه المسجد وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وإليه يذهب الشافعي، وليس فيه إلا حذف المضاف أي لا تقربوا موضع الصلاة.

وثانيهما وعليه الأكثرون أن المراد نفس الصلاة أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.

ومعنى الآية على القول الأولى لا تقربوا المسجد في حالتين: إحداهما حالة السكر، وذلك أن جمعاً من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول  ، فنهوا عن ذلك لأن الظاهر أن الإنسان إذا أتى المسجد فإنما يأتيه للصلاة، ولا شك أن الصلاة فيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها.

وثانيهما حالة الجنابة، واستثنى من هذه الحالة حالة العبور أي الاجتياز في المسجد بأن كان الطريق إلى الماء فيه، أو كان الماء فيه ووقع الاحتلام فيه.

والمعنى على القول الثاني النهي عن الصلاة في حالتين: الأولى حالة السكر أيضاً إلاّ إذا علموا ما يقولون، ومعنى قربان الصلاة غشيانها والقيام إليها.

والثانية حالة الجنابه ويستثنى منها حالة عبور السبيل ويراد به في هذا القول السفر.

أي لا تقربوا الصلاة في حالة الجنابة إلاّ ومعكم حال أخرى تعذرون فهيا وهي حال السفر.

ويجوز أن يكون ﴿ إلاّ عابري سبيل ﴾ صفة لقوله: ﴿ جنباً ﴾ أي لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين.

إنما استثنى حالة المسافر لما يجيء من تفصيل فيها، وهو أن المسافر إذا أجنب ثم لم يجد الماء تيمم وصلى مع الجنابة.

ويرد عليه بعد أن الجنب المقيم أيضاً إذا عجز عن استعمال الماء لمرض أو برد يجوز له التيمم والصلاة على الجنابة، اللهم إلاّ أن يقال: إن عذر السفر أعم وأغلب فلهذا تخصص بالذكر أولاً.

وسكارى جمع سكران.

وقوله: ﴿ وأنتم سكارى ﴾ في محل النصب على الحال ولهذا عطف عليه قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب، وخالف الضحاك جمهور الصحابة والتابعين فقال: إن السكر ههنا يراد به غلبة النوم ويوافقه الاشتقاق، فإن السكر عبارة عن سد الطريق، ومنه سكر السبيل سد / طريقه.

والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما عليه من المضار في حال الصحو، فعند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ولا ينفذ الروح السامع والباصر إلى ظاهر البدن.

والجواب أن لفظ السكر حقيقة في السكر من الخمر والأصل في الإطلاق الحقيقة، ومتى استعمل مجازاً فإنما استعمل مقيداً كقوله  : ﴿ وجاءت سكرة الموت  ﴾ ﴿ وترى الناس سكارى  ﴾ وأيضاً أجمع المفسرون على أنها نزلت في شرب الخمر، وسبب النزول يمتنع أن لا يكون مراداً من الآية.

ثم على قول الجمهور يمكن ادعاء النسخ في الآية بأنه إنما نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدوداً إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول، والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية فهذا يقتضي جواز الصلاة مع السكر إذا كان بحيث يعلم ما يقول.

وجواز الصلاة مع هذا السكر توهم جواز هذا السكر، لكنه  حرم الخمر في آية سورة المائدة على الإطلاق فتكون ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية.

ومن قال: إن مدلول الكلام يرجع إلى النهي عن الشرب المخل بالفهم عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه فلا يكون منسوخاً، يكذبه أن الصحابة لم يفهموا منها التحريم المطلق فكانوا لا يشربون في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون إلى أن نزلت آية المائدة فقالوا: انتهينا يا رب.

والتحقيق فيه أن النهي عن مباح الأصل في وقت ما وبوجه ما وإن كان لا يدل على تحريمه ولا على إباحته في غير ذلك الوقت وبغير ذلك الوجه إلاّ أن جانب الإباحة راجح بحكم الأصل فيغلب على الظن ذلك كما فهمه الصحابة.

ثم إنه  ذكر حكم المعذورين في حال الحدث فخص أولاً من بينهم مرضاهم وسفرهم لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة.

والمعنى أن المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتمموا، وكذلك الذين هم على حالة السفر إذا عدموه لبعده.

ويحتمل أن يقال: قوله ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ ليس قيداً في حكم المرضى لأنهم في الرخصة وإن وجدوا ماء.

ثم عمم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف سبع أو عدو أو عدم آلة استقاء أو انحصار في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك من الأسباب التي لا تكثر كثرة المرض والسفر.

ويراد بالمرض ما يخاف معه محذور كبطء برء وشين فاحش ظاهر بقول طبيب مقبول الرواية لا أن يتألم ولا يخاف.

روي "أن بعض الصحابة أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فلم يفته بالتيمم، فاغتسل فمات.

فسمع النبي  فقال: قتلوه قتلهم الله" .

وقال مالك وداود: يجوز له التيمم بجميع أنواع المرض.

وفي معنى المرض البرد المؤدي إلى المرض لو استعمل الماء كما مر من حديث عمرو بن العاص في تفسير قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ والسفر يعم الطويل والقصير أعني مسافة القصر وما دونها لإطلاق قوله: ﴿ أو على سفر ﴾ والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان.

كان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، فكنى به عن ذلك.

وأكثر العلماء ألحقوا بالغائط كل ما يخرج من السبيلين من معتاد أو نادر.

أما اللمس أو الملامسة ففيه قولان: أحدهما أن المراد به التقاء البشرتين بجماع أو بغيره كما هو مقتضى اللغة وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وإليه ذهب الشافعي.

وثانيهما المراد به الجماع وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ومذهب أبي حنيفة والشيعة لما ورد في القرآن بطريق الكناية: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا  ﴾ عن ابن عباس: إنّ الله حيّ كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة.

وأيضاً لتشمل الآية الحدثين الأصغر والأكبر.

ثم على مذهب الشافعي قال بعض أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس دون الملموس لقوله: ﴿ أو لمستم ﴾ والصحيح أنه ينتقض وضوءهما معاً لاشتراك اللامس والملموس في ابتغاء اللذة.

قوله: ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده فتيمم وصلى ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى، لأن عدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب.

وقال أبو حنيفة: لا يجب بدليل قوله: ﴿ ولم نجد له عزماً  ﴾ وسبق الطلب في حقه  محال.

وأجيب بأنه بنى الكلام على المجاز للمبالغة كأنه طلب شيئاً ثم لم يجد.

وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه احتاج إليه لعطشه أو لعطش حيوان محترم معه جاز له التيمم، ولو وجد من الماء ما لا يكفيه فالأصح عند الأئمة أنه يستعمله أو يصبه ثم يتيمم ليكون عاملاً بظاهر الآية.

والتيمم في اللغة القصد.

والصعيد التراب، "فعيل" بمعنى "فاعل".

وقال ثعلب والزجاج: إنه وجه الأرض تراباً كان أو غيره.

ومن هنا قال أبو حنيفة: إذا كان صخر لا تراب عليه وضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً.

وقال الشافعي: لا بد من تراب لتحقق مفهوم التصاعد فيه وليلتصق بيده فيمكنه المسح ببعضه كما جاء في المائدة ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه  ﴾ ولا يفهم من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن إلاّ معنى التبعيض، ولأن الصعيد وصف بالطيب والطيب هو الذي يحتمل الإثبات لقوله: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه  ﴾ ولأنه  خصص التراب بهذا المعنى فقال: " "جعلت لي / الأرض مسجداً وترابها طهوراً " أما مسح الوجه واليد فعن علي وابن عباس: اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفين وقريب منه مذهب مالك لأن المسح مكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح.

وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستوعب الوجه واليدين إلى المرفقين كما في الوضوء.

وعن الزهري إلى الآباط، لأن اليد حقيقة لهذا العضو إلى الإبط، ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنّ الله كان عفواً غفوراً ﴾ وهو كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته العفو عن المذنبين كان أولى بالترخيص للعاجزين.

عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله  في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله  على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء: فجاء أبو بكر ورسول الله  واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله  والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟

قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله  على فخذي.

فنام رسول الله  حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا.

فقال أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء: ما هو بأول بركتكم يا آل أبي بكر.

قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته" .

ثم إنه  لما ذكر من أول السورة إلى ههنا أحكاماً كثيرة عدل إلى ذكر طرف من آثار المتقدمين وأحوالهم، لأنّ الانتقال من أسلوب إلى أسلوب مما يزيد السامع هزة وجدة فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ أي ألم ينته علمك؟

أو ألم تنظر إلى من أتوا حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود؟

وإنما أدخل "من" التبعيضية لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى ولم يعرفوا منها نبوة محمد  .

فأما الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه فقد وصفهم بأن معهم علم الكتاب في قوله: ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ لأنهم عرفوا الأمرين جميعاً ﴿ يشترون الضلالة ﴾ يختارونها لأن من اشترى شيئاً فقد آثره واختاره قاله الزجاج.

والمراد تكذيبهم الرسول  لأغراضهم الفاسدة من أخذ الرشا وحب الرياسة.

وقيل: المراد يستبدلون الضلالة - وهو البقاء على اليهودية - بالهدى - وهو الإسلام - بعد وضوح الآيات لهم على صحته.

﴿ ويريدون أن تضلوا ﴾ أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين، الضلال والإضلال.

عن ابن عباس "أن الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس / المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطانهم عن الإسلام" .

وقيل: المراد عوام اليهود كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم لينصروا اليهودية فكأنهم اشتروا بمالهم الشبهة والضلالة ﴿ والله أعلم ﴾ منكم ﴿ بأعدائكم ﴾ لأنه عالم بكنه ما في صدورهم من الحنق والغيظ، فإذا أطلعكم على أحوالهم فلا تستنصحوهم في أموركم واحذروهم ﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ متولياً لأمور العبد ﴿ وكفى بالله نصيراً ﴾ فثقوا بولايته ونصرته دونهم.

وكرر "كفى" ليكون أشد تأثيراً في القلب وأكثر مبالغة، وزيدت الباء في الفاعل إيذاناً بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره فكان الباء للسببية.

وقال ابن السراج: التقدير كفى اكتفاؤك بالله.

وقيل: فائدة الباء وهي للإلصاق أن يعلم أن هذه الكفاية صدرت من الله  بغير واسطة.

وقوله: ﴿ من الذين هادوا ﴾ إما بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب وقوله: ﴿ والله أعلم ﴾ إلى آخر الآية معترض بن البيان والمبين، وإما بيان لأعدائكم والجملتان بينهما معترضتان، وإما صلة ﴿ نصيراً ﴾ كقوله: ﴿ ونصرناه من القوم الذين كذبوا  ﴾ وإما كلام مستأنف على أن ﴿ يحرفون ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه.

قال الواحدي: الكلم جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره.

ومعنى هذا التحريف استبدال لفظ مكان لفظ كوضعهم "آدم طوالاً" مكان "أسمر ربعة" وجعلهم الحد بدل الرجم.

واختير "عن" للدلالة على الإمالة والإزالة.

وأما في المائدة فقيل: ﴿ من بعد مواضعه  ﴾ نظراً إلى أن الكلم كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له.

وقيل: المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة كما يفعله في زماننا أهل البدعة.

وجعل بعض العلماء هذا القول أصح لاستبعاد تحريف المشهور المتواتر، لكن دعوى التواتر بشروطه في التوراة ممنوعة.

وقيل: كانوا يدخلون على النبي  فيسألونه عن أمر فيخبرهم به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.

ومن جملة جهالاتهم أنه  كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر سمعنا وفي الباطن عصينا، أو كانوا يقولون كلا اللفظين ظاهراً إظهاراً للعناد والمرود والكفر والجحود، ومنها قولهم للنبي  ﴿ اسمع غير مسمع ﴾ وهو كلام ذو وجهين: أما احتماله المدح فلقول العرب: أسمع فلان فلاناً إذا سبه وإذا كان المراد: اسمع غير مسمع مكروهاً كان مدحاً وتوقيراً ونصحاً.

وأما احتمال الذم فبأن يكون معناه اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت، لان من كان أصم فإنه لا يسمع فلا يسمع، أو بأن يراد اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه أي غير مسمع جواباً يوافقك، أو بأن يراد اسمع غير مسمع كلاماً ما ترتضيه، وعلى هذا يجوز أن يكون ﴿ غير / مسمع ﴾ مفعول ﴿ اسمع ﴾ لا حالاً من ضميره أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك لنبوّ سمعك عنه.

ومنها قولهم له  ﴿ راعنا ﴾ وقد عرفت احتمالاته في البقرة.

وإنما جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد تصريحهم بالعصيان على وجه لأن المواجهة بالعصيان أهونخطباً في العرف من المواجهة بالسب ودعاء السوء ولهذا كانت الكفرة يواجهونه بالأول دون الثاني ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ مفعول لأجله، أو مصدر لمحذوف، أو لـ ﴿ يقولون ﴾ لأنه في معنى اللي أيضاً وعينه "واو" بدليل لويت فقلبت وأدغمت، والمعنى: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون ﴿ راعنا ﴾ موضع ﴿ انظرنا ﴾ و ﴿ غير مسمع ﴾ موضع لا سمعت مكروهاً، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً، أو لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام سخرية وطعناً على عادة المستهزئين، فبين الله  أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء طعناً في الدين ونبه بذلك على ما كانوا يقولونه فيما بينهم إنا نشتمه ولا يعرفه ولو كان نبياً لعرف بإظهار ذلك عليه فانقلب ما جعلوه طعناً في الدين دلالة قاطعة على صحته لأن الإخبار عن الغيب معجز.

﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ﴾ بدل قولهم: ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ إذ وضح لهم الآيات وثبت لهم البينات كرات بعد مرات و ﴿ اسمع ﴾ دون أن يقال معه ﴿ غير مسمع ﴾ ﴿ وانظرنا ﴾ مكان ﴿ راعنا ﴾ ﴿ لكان ﴾ قولهم ذلك ﴿ خيراً لهم وأقوم ﴾ أعدل لا أشد من قولهم: "رمح قويم" أي مستقيم ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ أي بسببه ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بالله وبالتوراة وببعض الأنبياء دون سائر رسله.

أو إلاّ قليلاً منهم آمنوا لأن "فعيلاً" قد يراد به الجمع كقوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقاً  ﴾ أو أراد بالقلة العدم.

ثم زجرهم عن كفر الجحود والعناد بقوله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآية.

والطمس المحو.

يقال: طريق طامس ومطموس، ومفازة طامسة الأعلام، وطمست الكتاب محوته.

وهو في الآية حقيقة أو مجاز قولان.

والمعنى على الأول محو تخطيط صورها وأشكالها من عين وحاجب وأنف وفم.

والفاء في ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ إما للتسبيب أي فنجعل الوجوه بسبب هذا الطمس على هيئة أقفائها مطموسة مثلها، لأن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس والتخاطيط، فإذا أزيلت ومحيت لم يبق فرق بينها وبين القفا.

وإما للتعقيب على أن العقوبة شيئان: إحداهما عقيب الأخرى الطمس، ثم نكس الوجه إلى خلق والأقفاء إلى قدام.

وإنما يكون هذا عقوبة لما فيه من تشويه الخلقة والمثلة والفضيحة كما قال في حق أهل النار ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره  ﴾ على أن وجوههم مردودة إلى أقفائهم فتدرك الكتابة وتقرأ من هناك.

وأما المعنى على القول / الثاني فعن الحسن: نطمسها عن الهدى ونردها بالخذلان على أدبارها أي على ضلالاتها وشبهاتها.

وذلك أن المتوجه إلى عالم الحس معرض عن عالم العقل، وبقدر الإقبال على ذاك يحصل الإدبار عن هذا.

وقال عبد الرحمن بن زيد: نردهم إلى حيث جاؤوا منه وهي أذرعات الشام.

يريد إجلاء بني قريظة والنضير.

والطمس على هذا إما تقبيح الوجوه وإما إزالة آثارهم عن ديار العرب.

وقيل: الطمس القلب والتغيير.

والمراد بالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وأدبارهم.

والضمير في قوله: ﴿ أو نلعنهم ﴾ إما للوجوه إن أريد بها الوجهاء، وإما لإصحاب الوجوه لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات.

فإن قيل: فأين وقوع الوعيد؟

فالجواب أنه مشروط بعدم إيمان جميعهم ولكنه قد آمن ناس من علمائهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.

حكي أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله  قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.

وأيضاً إنه ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه بل إياه أو اللعن.

فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان.

واللعن الموعود ظاهره اللعن المتعارف لا المسخ.

وقيل: هو منتظر ولهذا قيل: ﴿ وجوهاً ﴾ منكرة دون "وجوهكم" ليشمل وجوهاً غير المخاطبين من أبناء جنسهم، ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة.

وقيل: إنّ قوله: ﴿ آمنوا ﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم فلزم أن يكون قوله: ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ واقعاً في الآخرة.

فالتقدير: آمنوا من قبل أن يجيء الوقت الذي نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ لأنه لا راد لحكمه ولا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، وهذا كما يقال في الشيء الذي لا يشك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد، فإذا حكم بإنزال العذاب على قوم فعل ذلك ألبتة.

والمراد بالأمر الشأن والفعل الذي تعلق إرادته به لا الأمر الذي هو أحد أقسام الكلام، فلا يصح استدلال الجبائي بالآية على أن كلامه  مفعول أي مخلوق.

ثم بين أن مثل هذا التهديد من خواص الشرك والكفر فقال: ﴿ إن الله لا يغفر ﴾ الآية.

وفي الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع لاتصالها بقصتهم، ولأنها دلت على أن ما سوى الشرك مغفور واليهودية غير مغفورة بالإجماع.

ومن هنا قال الشافعي: المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك، والمشرك المباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في النهي فيبقى / معمولاً به في سقوط القصاص عن قاتله.

واستدلت الأشاعرة بالآية على غفران صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن ما دون الشرك يشمله.

والمعتزلة خصصوا الثاني بمن تاب كما أن الأول مخصص بالإجماع بمن لم يتب.

قالوا: ونظيره قولك: "إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء".

المعنى لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله.

والمشيئة تكون قصداً في الفعلين: المنفي والمثبت جميعاً، لأنه إن شاء لم يتب المشرك فلا يترتب عليه الغفران، وإن شاء تاب صاحب الكبيرة فيستوجب الغفران.

وروى الواحدي في البسيط بإسناده عن ابن عمر قال: "كنا على عهد رسول الله  إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادة" .

وقال ابن عباس بمحضر عمر: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر.

وعن ابن عباس: "لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه الإعتاق إن هو فعل ذلك.

ثم إنهم ما وفوا بذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي  ندمهم، وأنه لا يمنعهم من الدخول في الإسلام إلاّ قوله  : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر  ﴾ فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية فنزل قوله: ﴿ إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً  ﴾ فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم  ﴾ فدخلوا عند ذلك في الإسلام" ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى ﴾ اختلق وافتعل ﴿ إثماً عظيماً ﴾ لأنه ادعى ما لا يصح كونه.

عن ابن عباس في رواية الكلبي "أن قوماً من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي  فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟

فقال: لا.

فقالوا: والله ما نحن إلاّ كهيئتهم.

ما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل" .

وكانوا يقولون: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ﴿ لن يزكون أنفسهم ﴾ ويدخل فيه كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل أو قبول الطاعة والزلفى عند الله ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ وإن تزكيته هي التي يعتد بها كما أخبر عنه رسول الله  بقوله: " "والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض" وكفى بإظهار المعجزات على يده تزكية له وتصديقاً لقوله: ﴿ ولا يظلمون فتيلاً ﴾ هو ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ "فعيل" بمعنى "مفعول" ابن السكيت: هو ما كان في شق النواة.

والضمير للذين يزكون أن يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو لمن يشاء أي يثابون على زكاتهم من غير نقص شيء من ثوابهم.

ثم عجب النبي  من فريتهم وادعاء زكاتهم ومكانتهم عند الله فقال: ﴿ انظر كيف / يفترون على الله الكذب وكفى به ﴾ أي بزعمهم هذا ﴿ إثماً مبيناً ﴾ من بين سائر آثامهم.

قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله  ، ونقضوا العهد الذي بينه وبين رسول الله  .

فنزل كعب على أبي سفيان والآخرون في دور قريش.

فقال لهم أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد  صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم.

فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما فذلك قوله: ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد  ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد  ؟

فقال كعب: اعرضوا علي دينكم.

فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقهم الماء ونقري الضعيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد  الحديث.

فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه فأنزل الله  : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ يعني كعباً وأصحابه.

فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمداً يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا.

قالا: صدق والله ما حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده.

وقد مر معنى الطاغوت في تفسير آية الكرسي.

وأما الجبت ففي الصحاح أنه كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك وليس من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقي.

وحكى القفال عن بعضهم أن أصله جبس فأبدلت السين تاء والجبس هو الخبيث الرديء.

وقال الكلبي: الجبت في الآية هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف, وكانت اليهود يرجعون إليهما فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم فلا جرم جزاهم الله بقوله: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ وبالحري إذ جعلوا من هو أضل من النعام وأقل من الأنعام حيث رضوا بمعبودية الأصنام أهدى سبيلاً وأفضل حالاً من الذين هم أشرف الأنام باختيارهم دين الإسلام الذي هو عبادة ذي الجلال والإكرام ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ وعيد لهم بلزوم الإبعاد والطرد ولصوق العار والصغار، ووعد لنبيه والمؤمنين بالاستيلاء والاستعلاء عليهم إلى يوم القيامة.

والخطاب في ﴿ فلن تجد ﴾ للنبي أو لكل طالب يفرض: ثم لما وصفهم بالضلال والإضلال وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ما أوتي من النعمة، والحاسد يتمنى أن يزول عن الغير ما أوتي من الفضيلة.

و "أم" / قيل: إنها متصلة وقد سبقها استفهام في المعنى كأنه لما حكى قولهم للمشركين أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين قال: أمن ذلك يتعجب أم من قولهم لهم نصيب من الملك مع أنهم لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل؟

وقيل: الميم زائدة والتقدير ألهم نصيب؟

والأصح أنها منقطعة كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل ألهم نصيب من الملك؟

ومعنى الآية أنهم كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ويخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودينهم فكذبهم الله.

وقيل: المراد بالملك التمليك يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير فكيف يقدرون على النفي والإثبات؟

وقال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال وكانوا في عزة ومنعة كما تكون أحوال الملوك، ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل فنزلت الآية فيهم.

وعلى هذا فإنما يتوجه الإنكار على أنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً.

وعلى الأقوال المتقدمة يتوجه الإنكار على أن لهم نصيباً من الملك فكأنه  جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم فإن البخل والملك لا يجتمعان كما قيل: بالبر يستعبد الحر والإنسان عبد الإحسان.

البخيل تنفر الطباع عن الانقياد له فلا يتيسر له أسباب المملكة، وإن اجتمعت بالندرة فسوف تضمحل.

وإنما لم يعمل "إذن" لدخول الفاء عليه.

وذلك أن ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط العاطف بعض الكلام ببعض فينخرم تصدره فكأنه معتمد فترجح إلغاؤه وارتفاع الفعل بعده.

وجاء في قراءة ابن مسعود ﴿ فإذن لا يؤتوا ﴾ بالأعمال وليس بقوي.

والنقير نقرة في ظهر النواة "فعيل" بمعنى "مفعول" ومنها "نبتت النخلة" وهو مثل في القلة كالفتيل.

فإن قيل: كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيراً وكثيراً ما يشاهد منهم بذل الأموال؟

قلنا: المدعى عدم إيتاء النقير على تقدير حصول الملك ويراد به الملك الظاهر كما لملوك الدنيا، أو الباطن كما للعلماء الربانيين، أو كلاهما كما للأنبياء.

وحصول شيء من هذه الأقسام لهم ممنوع لما ضربت عليهم الذلة والمسكنة.

ولئن فرض حصول شيء منها فما يدريك لعل الشح يغلب عليهم حتى لا يشاهد منهم بذل نقير كما أخبر عنهم علام الغيوب.

وأما على تفسير الأصم فلعل المراد لأنهم لا يبذلون شيئاً نسبته إلى ما يملكونه كنسبة النقير إلى النواة، أو أنهم لا يطيبون بذلك نفساً لغلبة الشح عليهم والله  أعلم بمراده.

هذا بيان بخلهم، أما بيان حسدهم فذلك قوله: ﴿ أم يحسدون ﴾ وهي منقطعة والتقدير: بل أيحسدون الناس يعني النبي والمؤمنين.

فإن كان اللام للعهد فظاهر وإن كان للجنس فلأنهم هم الناس والباقون هم النسناس.

ومعنى الهمزة إنكار الحسد واستقباحه.

/ والمراد بالفضل ما آتاهم الله من أشرف المناصب وهو النبوة والخاتمية وما كان ينضم إليها كل يوم من النضرة والعزة والاستيلاء والاستعلاء، والفاضل محسود بكل أوان، والحاسد مذموم بكل لسان.

ثم نبّه على ما يزيل التعجب من شأن محمد صلى الله عليه وفقال: ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ الذين هم أسلاف محمد ﴿ الكتاب ﴾ الذي هو بيان الشرائع ﴿ والحكمة ﴾ التي هي الوقوف على الأسرار والحقائق والعمل بما يتضمن صلاح الدارين ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ عن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان، فليس ببدع أن يؤتى إنسان ما أوتي أسلافه.

وقيل: من جملة حسدهم أنهم استكثروا نساء النبي  فقيل لهم: كيف أستكثرتم له التسع وكان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟

﴿ فمنهم ﴾ أي من اليهود ﴿ من آمن به ﴾ أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله  ومنهم من أنكر نبوته، أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر.

والمعنى أن أولئك الأنبياء جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن بهم وبعضهم بقوا على كفرهم، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء والغرض تثبيت النبي  وتسليته ﴿ وكفى بجهنم ﴾ لعذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين ﴿ سعيراً ﴾ .

ثم أكد وعيد الكفار بقوله: ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ ويدخل فيها كل ما يدل على ذات الله  وصفاته وأفعاله وأسمائه وملائكته والكتب والرسل.

وكفرهم بها أن ينكروا كونها آيات أو يغفلوا عنها ولا ينظروا فيها، أو يلقوا الشكوك والشبهات فيها، أو ينكروها مع العلم بها عناداً وحسداً وبغياً ولدداً.

وههنا سؤال وهو أنه  قادر على إبقائهم في النار أحياء معذبين من غير أن تحترق جلودهم، فما الحكمة في إنضاج جلودهم؟

والجواب لا يسأل عما يفعل كما أنه قادر على إيصال الآلام إليهم من غير إدخالهم النار مع أنه لا يمكن أن يقال لم عذبهم بإدخالهم النار.

وسؤال آخر وهو أنه كيف يعذب مكان الجلود العاصية جلوداً لم تعص؟

والجواب يجعل النضيج غير نضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة ويؤيده قول أهل اللغة: تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدله، وأبدلت الشيء غيرته، فالتبديل تغيير الصفة أو الذات.

والإبدال تغيير الذات.

وصاحب الكشاف جزم بأن المراد من هذا التبديل هو تغيير الذات فلهذا فسر التبديل بالإبدال، ولعله إنما حمله على ذلك وصف الجلود بقوله: ﴿ غيرها ﴾ ولقائل أن يقول: المغايرة أعم من أن تكون في الذات أو في الصفات، فما أدراك أنها في الآية مغايرة الذات لا الصفات اللهم إلا أن يعضده نقل صحيح فيكون الجواب.

عن السؤال أن المعذب هو الإنسان، والجلد ليس جزءاً من ماهيته / وإنما هو سبب لوصول العذاب إليه.

أو يقال: المراد الدوام وعدم الانقطاع، ولا نضج ولا احتراق أي كلما ظنوا أنهم احترقوا وأشرفوا على الهلاك أعطيناهم قوة جديدة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا.

وقال السدي: يخرج من لحم الكافر جلد آخر وفي هذا التأويل بعد لأن لحمه متناه فعند نفاده لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد فيعود أول السؤال.

وقيل: المراد بالجلود السرابيل ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ وضعف بأنه ترك للظاهر وأن السرابيل لا توصف بالنضج ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله أي أدامك على عزك وزادك فيه، أو ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب.

والمراد بالذوق أن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كإحساس الذائق بالمذوق ﴿ إنّ الله كان عزيزاً ﴾ لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿ حكيماً ﴾ لا يفعل إلاّ الصواب ثم قرن الوعد بالوعيد على عادته فقال: ﴿ والذين آمنوا ﴾ الآية.

قال الواحدي: الظليل ليس بمبني على الفعيل حتى يقال إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل مشتق من لفظه كقولهم: "ليل أليل".

قيل: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرهافما فائدة وصفها بالظل؟

وأيضاً المواضع التي لا يصل نور الشمس إليها في الدنيا يكون هواؤها عفناً فاسداً فما معنى وصف هواء الجنة بذلك؟

والجواب المنع من أنه لا شمسهنالك حتى يوجد ضوء ثان هو الظل، والمراد بالظل الظليل ما كان فيناناً، أي منبسطأً لا جوب فيه أي لا فرج لالتفاف الأغصان، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجساجاً لا حر فيه ولا برد.

وعند الحكماء: المراد بالظل الراحة لأنه من أسبابها ولا سيما في البلاد الحارة كبلاد العرب.

فلما كان هذا مطلوباً عندهم صار موعوداً لهم.

التأويل: ﴿ لو تسوّى بهم الأرض ﴾ أي يتمنون أن يخلوا في عالم الطبيعة ولم ينكشف لهم عالم الحقيقة كيلا يروا ما يرون من عذاب القطيعة، كما أن السكران ممنوع من الصلاة.

فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ من غلبات الأحوال فإن التكاليف حينئذ زائلة ﴿ ولا جنباً ﴾ بالالتفات إلى غير الله فإن الصلاة إذ ذاك باطلة.

وتستثنى من الحالة الأولى حالة الشعور، ومن الثانية حالة العبور " كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل" فهذا القدر من الالتفات من المحظورات التي أباحها الضرورات.

﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ بحب الدنيا ﴿ أو على سفر ﴾ في متابعة الهوى ﴿ أو جاء / أحد منكم الغائط ﴾ في قضاء شهوة من الشهوات ﴿ أو لامستم ﴾ عجوز الدنيا في تحصيل لذة من اللذات ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ التوبة والاستغفار ﴿ فتيمموا ﴾ فتمعكوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام.

﴿ من الذين هادوا ﴾ يعني دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ يؤولونها على حسب إرادتهم ﴿ ويقولون سمعنا ﴾ ما في القرآن، بالمقال ﴿ وعصينا ﴾ بالفعال وينكرون على أرباب المقامات والأحوال ويقولون اسمع ﴿ غير مسمع وراعنا ﴾ يخاطبونهم بكلام ذي وجهين ﴿ ليا بألسنتهم وطعناً ﴾ في أهل الدين.

﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ ظاهراً ولم يؤتوا علم باطن الكتاب ﴿ آمنوا بما نزلنا ﴾ على الأولياء من علم باطن القرآن ﴿ مصدقاً لمامعكم ﴾ من العلم الظاهر لأن أهل العلم اللدني يصدقون أهل العلم الظاهر، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء لأنه لا يناسب عقولهم ﴿ من قبل أن نطمس ﴾ وجوه القلوب بالعمى والصمم ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ ناظرين إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانوا ناظرين في الميثاق إلى يومها ﴿ أو نلعنهم ﴾ نمسخ صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية كما مسخنا أصحاب السبت بالصورة، ومسخ المعنى أصعب من مسخ الصورة لأن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للشرك ثلاث مراتب وكذا للمغفرة.

فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام من عبدة الكواكب والأصنام فلا يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية.

وشرك خفي بالأوصاف للخواص وهو شوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية، فلا يغفر إلاّ بالوحدانية وهو إفراد الواحد للواحد.

وشرك أخفى للأخص وهو رؤية الأغيار والأنانية فلا يغفر إلا بالوحدة وهو فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية.

﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ من أهل العلوم الظاهرة تعلموا العلم ليباهوا به العلماء أو ليماروا به السفهاء فحصل له صفات ذميمة أخرى مثل المباهاة والمماراة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وغلبة الأقران والأنداد ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ بتسليم نفوسهم إلى ارباب التزكية من العلماء الراسخين والمشايخ المحققين كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فإذا سلموا أنفسهم إليهم وصبروا على تصرفاتهم رأوا أثر الزكاة فيهم ولن يضيع سعيهم ﴿ يؤمنون بالجبت ﴾ بجبت النفس الأمّارة وطاغوت الهوى ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾ من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ﴾ بكل ما أمر الله به ورسوله.

ثم وصفهم بالبخل والحسد ثم قال: ﴿ فقد آتينا آلإبراهيم ﴾ يعني أهل الخلة والمحبة ﴿ الكتاب والحكمة ﴾ العلم الظاهر والعلم الباطن ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ هو معرفة الله  ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه ﴾ لأن من / العلماء مقبلين ومنهم مدبرين ﴿ وكفى بجهنم ﴾ نفسهم الحاسدة ﴿ سعيراً ﴾ تحرق حسناتهم فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ بأوليائنا الذين هم مظاهر آيات الحق وحجج الله على الخلق ﴿ سوف نصليهم ﴾ نار الحسد والغضب والكبر والعجب ﴿ كلما نضجت جلودهم ﴾ أي انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها.

ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال ﴿ بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ فإن دواعي الحرص والغضب والشهوة لا تتناهى ألبتة ما دامت النفس على صفة الأمرية، فلن تزال أسيرة في يد الشهوات ذائقة لعذاب التغلقات ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ﴾ أي نجذبهم بجذبات العناية إلى ﴿ جنات ﴾ من الوصلة ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشوف ﴿ لهم فيها أزواج ﴾ من تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ مطهرة ﴾ من لوث الوهم والخيال ﴿ وندخلهم ظلاً ظليلاً ﴾ هو ظل شمس عالم الوجود يوم لا ظل إلاّ ظله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ وقوله -  -: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ و ﴿ نَقِيراً  ﴾ ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لِّلْعَبِيدِ  ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - لئلا يظن جاهل إذا رأي ألم الأطفال والصغار وما يحل بهم أن ذلك ظلم منه لهم، لكن ذلك - والله أعلم - ليعلم أن الصحة والسلامة إفضال من الله -  - لهم، لا لحق [لهم عليه في] ذلك؛ إذ له أن يخلق كيف شاء: صحيحاً، وسقيماً، ثم من ظلم آخر في الشاهد إنما يظلم لإحدى خلتين: إما لجهل بالعدل والحق، وإما لحاجة تمسه يدفع ذلك عن نفسه، فيحمله على الظلم، فالله -  وتعالى - غني بذاته، عالم، لم يزل يتعالى عن أن تمسه حاجة؛ أو يخفى عليه شيء مع ما كان معنى الظلم في الشاهد هو التنازل مما ليس له بغير إذن من له وكل الخلائق من كل الوجوه له؛ فلا معنى ثَمَّ للظلم.

ثم قيل في الذَّرَّة: إنها نملة، وكذلك في حرف ابن مسعود -  -: "مثال نملة".

وقيل: مثقال حبة، وهو على التمثيل، ليس على التحقيق، ذكر لصغر جثته أنه لا يظلم ذلك المقدار، فكيف ما فوق ذلك؟!، لا أن مثله يحتمل أن يكون، لكن لو كان فهو بتكوينه، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .

هذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: من ارتكب كبيرة يخلد في النار ومعه حسنات كثيرة، فأخبر عز وجل -: ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ وهي الجنة، وهذا لسوء ظنهم بالله، وإياسهم من رحمته.

عن أنس -  - عن النبي  قال: "إِنَّ الله -  - لاَ يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً يُثَابُ عَلَيْهَا إِمَّا رِزْقٌ فِي الدُّنْيَا، وإِمَّا جَزَاءٌ فِي الآخِرَةِ" وعن أبي سعيد الخدري -  - أن النبي  قال: "يَقُولُ اللهُ - تَعَالَى -: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِحْسَانٍ" قال أبو سعيد -  -: فمن شك في ذلك فليقرأ: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ...

﴾ الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ .

يقول: بالنبي، يعني: بنبيها وجئنا بك يا محمد على هؤلاء شهيداً عليهم، يعني: على أمته، شهيداً بالتصديق لهم؛ لأنهم يشهدون على الأمم للرسل أنهم بلغوا ما أرسلوا [به لما] هو دليل صدقهم، وقامت براهينهم بالرسالة صارت شهادة على هؤلاء؛ أي: لهؤلاء؛ على هذا التأويل؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ أي: لها ويحتمل عليهم لو كذبوا وزلوا.

وقوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ يعني: نبيها، ﴿ وَجِئْنَا بِكَ ﴾ يا محمد على أمتك شهيداً على تبليغ الرسالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ ﴾ قيل فيه بوجوه: إذا ميز الله أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، قال للوحش والطير والسباع: "كُونِي تُرَاباً"؛ فتكون تراباً، فعند ذلك يتمنون أن يكونوا تراباً مثل الوحش [فسويت بهم] الأرض.

وعن ابن عباس -  - قال: يجحد أهل الشرك يوم القيامة أنهم ما كانوا مشركين، فينطق الله -  - جوارحهم؛ فتشهد عليهم؛ فيودون أنهم كانوا تراباً؛ كقوله: ﴿ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً  ﴾ وقوله -  -: ﴿ يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ  ﴾ ؛ فذلك قوله -  وتعالى -: ﴿ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ ﴾ ليتنا لم نبعث ولم نحيا، ويقرأ "تُسَوّى" و"تَسَوّى" "وتَسَّوى"، و"تُسْوَى"، و"تستوى"، و"تُسْوَى"، وفي حرف حفصة: "لو تستوى بهم الأرض".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً ﴾ .

قيل: لما أنطق الله -  - جوارحهم وشهدت عليهم حين أنكروا أن يكونوا مشركين بقوله -  -: ﴿ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ - لم يستطيعوا أن يكتموا الله حديثا.

ويحتمل: على الاستنئاف: لا يكتمون الله حديثاً.

ويحتمل: أن يكونوا يودّوا في الآخرة ويتمنوا أن لم يكونوا كتموا في الدنيا حديثاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

في ذلك اليوم العظيم يود الذين كفروا بالله وعصوا رسوله لو صاروا ترابًا فكانوا سواءً هم والأرض، ولا يُخفون عن الله شيئًا مما عملوا؛ لأن الله يختم على ألسنتهم فلا تنطق، ويأذن لجوارحهم فتشهد عليهم بعملهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.XjmNq"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بعد ما بيّن تعالى صفات المتكبرين وسوء حالهم وتوعدهم على ذلك أراد أن يزيد الأمر تأكيدًا ووعيدًا فبين أنه لا يظلم أحدًا من العاملين بتلك الوصايا قليلًا أو كثيرًا، بل يوفيه حقه بالقسطاس المستقيم، فالآية تتميم لموضوع الأوامر السابقة وترغيب للعاملين في الخير كما قال في سورة الزلزلة ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ إلخ، فمن سمع هذه الآية تعظم رغبته في الخير ورجاؤه في الله تعالى.

وللعابثين بالكتاب وبعقائد الناس كلام في الآية أقاموه على أساس مذاهبهم فمن ذلك قول المعتزلة، إنه يجوز الظلم على الله تعالى لأنه لو لم يكن جائزًا لما تمدح بنفيه.

ورد عليهم الآخرون بأنه تعالى نفى عن نفسه السنة والنوم وأنتم متفقون معنا على استحالة ذلك عليه.

فردوا عليهم بأن نفي الظلم كلام في أفعاله ونفي النوم كلام في صفاته وفرق بينهما، وهذا كله من الجدل الباطل والهذيان، وإدخال الفلسفة في الدين بغير عقل ولا بيان، ومثله قول بعض المنتمين إلى السنة بجواز تخلف الوعيد ولا يعد ذلك ظلمًا لأن الظلم لا يتصور منه تعالى.

وبلغ بهم الجهل من تأييد هذا الرأي إلى تجويز الكذب على الله تعالى، وجعلوا هذا نصرًا للسنة.

والذي قذف بهؤلاء في هذه المهاوي هو الجدل والمراء لتأييد المذاهب التي تقلدوها، والتزام كل فريق تفنيد الآخر وإظهار خطئه لا طلب الحق أينما ظهر.

ولهم مثل هذه الجهالات الكثير البعيد عن كتاب الله ودينه، كقول المعتزلة: إن بعض الأشياء حسن لذاته وبعضها قبيح لذاته، ويجب على الله تعالى أن يفعل الأصلح من الأمرين الجائزين وكقول بعض من لم يفهم مسألة أفعال العباد بما يدل على جواز العبث على الله تعالى وكل هذا جهل.

والذي يفهم من الآية أن هناك حقيقة ثابتة في نفسها وهي الظلم، وأن هذا لا يقع من الله تعالى لأنه من النقص الذي يتنزه عنه وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم، وقد خلق للناس مشاعر يدركون بها وعقولًا يهتدون بها إلى ما لا يدركه الحس، وشرع لهم من أحكام الدين وآدابه ما لا تستقل عقولهم بالوصول إلى مثله في هديتهم، وحفظ مصالحهم، وجعل فوائد الدين وآدابه سائقة إلى الخير صارفة عن الشر لتأييدها بالوعد والوعيد فمن وقع بعد ذلك فيما يضره ويؤذيه وترتبت عليه عقوبته كان هو الظلم لنفسه لأن الله لا يظلم أحدًا.

ونفي الظلم ههنا على إطلاقه يشمل المؤمن والكافر والذرة فيه عبارة عن منتهى الصغر في الأجسام، وقيل الذرة الهباء، وقيل النمل الصغير الأحمر، أو الذرة رأس النملة الصغيرة، وأظهر من هذه الآية في العموم ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ إلخ، وقد قدر مفسرنا (الجلال) في الآية هنا (أحدًا) للإشارة إلى العموم.

ولكن ورد في الكافرين ما يدل على أنه لا أثر لعملهم في الآخرة كقوله: ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا  ﴾ وقوله في عملهم: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا  ﴾ وقد قال بعضهم في الجمع إن الله يجازيهم على أعمالهم في الدنيا وهذا تأويل لا يأتي في سورة الزلزلة لأن الكلام فيها خاص بيوم القيامة.

وقال بعضهم غير ذلك، كل يحمل الآية على مذهبه كما هي عادة المقلدين في جعل مذاهبهم أصلًا والقرآن العزيز فرعًا يحمل عليها ولو بالتأويل السقيم والتحريف البعيد.

ومن العجب أن يقول قائل بهذه التأويلات وقد ورد في الأحاديث المسلمة عند قائليها أن بعض المشركين يخفف عنه العذاب بعمل له: حاتم بكرمه، وأبو طالب بكفالته النبي ونصره إياه، بل ورد حديث بالتخفيف عن أبي لهب لعتقه "ثوبة" حين بشر بالنبي  هذا وأبو لهب هو الذي نزل فيه ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ  ﴾ إلخ، السورة فالمعنى الصحيح إذن للآيات هو أن الله لا يقيم وزنًا للمشرك في مقابلة شركه بمعنى أنه لا يقابل الشرك عمل صالح فيمحوه بل الأعمال الصالحة بإزاء الشرك هباء، ولكن المشرك العاصي أشد عذابًا من المشرك المحسن.

ولا يعقل أن يكون المحسن والمسيء عنده تعالى سواء فإن هذا من الظلم المنفي بلا شك.

﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا  ﴾ بعد ما جاء بالوعد والوعيد في الآية السابقة جاء بهذه الآية معطوفة بالفاء، فهو يقول إذا كان الله لا يضيع من عمل عامل مثقال ذرة فكيف يكون حال الناس إذا جمعهم الله وجاء بالشهداء عليهم وهم الأنبياء فما من أمة إلا ولها بشير ونذير.

هذه الشهادة هي التي غفل عنها الناس وبكى لها النبي  إذ أمر بعض الصحابة بأن يقرأ عليه شيئًا من القرآن وهو  أعلم بالناس بالقرآن.

هذه الشهادة يوم يجمع الله الناس مع أنبيائهم هي عبارة عن مقابلة عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم بعقائد الأنبياء وأعمالهم وأخلاقهم.

تعرض أعمال كل أمة على نبيها لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين وسائر أتباع الأنبياء، فمن شهد لهم نبيهم بعد معرفة أعمالهم وظهورها بأنهم على ما جاء به وعمل وأمر الناس بالعمل به فهم الناجون.

إن كل أمة من أتباع الأنبياء تدعي أتباع نبيها وإن كانت قلوبهم مملوءة بالحقد والحسد والغل وأعمالهم كلها شرورًا ومفاسد عليهم وعلى الناس فهؤلاء يتبرأ الأنبياء منهم وإن ادعوا عن اتِّباعهم والانتماء إليهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله