الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٥٢ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 88 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٢ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا
القول في تأويل قوله : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " أولئك "، هؤلاء الذين وصف صفتهم أنهم أوتوا نصيبًا من الكتاب وهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، هم " الذين لعنهم الله "، يقول: أخزاهم الله فأبعدهم من رحمته، بإيمانهم بالجبت والطاغوت، وكفرهم بالله ورسوله عنادًا منهم لله ولرسوله، وبقولهم للذين كفروا: هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا =" ومن يلعن الله "، يقول: ومن يخزه الله فيبعده من رحمته =" فلن تجد له نصيرًا "، يقول: فلن تجد له، يا محمد، ناصرًا ينصره من عقوبة الله ولعنته التي تحلّ به، فيدفع ذلك عنه، كما:- 9795 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن &; 8-472 &; قتادة قال: قال كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ما قالا = يعني من قولهما: هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا = وهما يعلمان أنهما كاذبان، فأنـزل الله: " أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرًا ".
(1) ------------ الهوامش : (1) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف: 439 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك = وتفسير"النصير" فيما سلف: 430 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
بين أن السبب في نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم ; وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه .وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد .ويقال للذئب : لعين .وللرجل الطريد : لعين ; وقال الشماخ : ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين ووجه الكلام : مقام الذئب اللعين كالرجل ; فالمعنى أبعدهم الله من رحمته .وقيل : من توفيقه وهدايته .وقيل : من كل خير ;
{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} أي: طردهم عن رحمته وأحل عليهم نقمته.
{وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} أي: يتولاه ويقوم بمصالحه ويحفظه عن المكاره، وهذا غاية الخذلان.
( أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ) .
«أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعنـ» ـه «الله فلن تجد له نصيرا» مانعا من عذابه.
أولئك الذين كَثُرَ فسادهم وعمَّ ضلالهم، طردهم الله تعالى من رحمته، ومَن يطرده الله من رحمته فلن تجد له من ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب.
ثم بين - سبحانه - مصيرهم السئ بسبب انحرافهم عن الحق فقال - تعالى - ( أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله ) .أى : أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان ، فأيدوا المشركين بالقول والعمل وسجدوا لأصنامهم ، وزكوا أفعالهم .
.
.
أولئك الذين هذه صفاتهم ( لَعَنَهُمُ الله ) أى : أبعدهم عن رحمته وطردهم وأخزاهم بسبب كذبهم فى حقدهم وإيثارهم عبادة الشيطان على طاعة الرحمن .( وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) أى ومن يلعنه الله ويبعده عن رحمته فلن تجد له ناصرا ينصره ، أو شفيعا يشفع له .واسم الإِشارة ( أولئك ) مبتدأ .
والموصول وصلته خبر .
والجملة مستأنفة لبيان حالهم .
وإظهار سوء مآلهم .والإِتيان باسم الإِشارة هنا فى نهاية البلاغة ، لأن من بلغ وصف حاله هذا المبلغ صار جديراً بأن يشار إليه بكل ازدراء واحتقار .وفى قوله ( وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) بيان لحرمانهم ثمرة استنصارهم بمشركى قريش ، وإيماء إلى وعد المؤمنين بأنهم المنصورون ، لأنهم هم المقربون عند الله ، ومن يقربه الله فلن تجد له خاذلا .هذا ، وتحالف أولئك اليهود مع المشركين ، وتفضيلهم إياهم على المؤمنين - كما حكته الآية الكريمة - قد شهد بقبحه واحد من اليهود هو الدكتور إسرائيل ولفنسون .
فقد قال فى كتابه " تاريخ اليهود فى جزيرة العرب " معلقا على هذه القصة :وكان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا فى هذا الخطأ الفاحش ، وألا يصرحوا أمام زعماء قريش بأن عبادة الأصنام أفضل من التوحيد الإِسلامى ولو أدى بهم الأمر إلى عدم إجابة مطلبهم ، لأن بنى إسرائيل الذين كانوا لمدة قرون حاملى راية التوحيد فى العالم بين الأمم الوثنية باسم الأباء الأقدمين ، والذين نكبوا بنكبات لا تحصى من تقتيل واضطهاد بسبب إيمانهم بإله واحد فى عصور شتى من الأدوار التاريخية ..
كان من واجبهم أن يضحوا بحياتهم وكل عزيز عليهم فى سبيل أن يخذلوا المشركين ، هذا فضلا عن أنهم بالتجائهم إلى عبدة الأوثان ، إنما كانوا يحاربون أنفسهم ، ويناقضون تعاليم التوراة التى توصيهم بالنفور من عبدة الأصنام ، والوقوف منهم موقف الخصومة .
اعلم أنه تعالى حكى عن اليهود نوعا آخر من المكر، وهو أنهم كانوا يفضلون عبدة الأصنام على المؤمنين، ولا شك أنهم كانوا عالمين بأن ذلك باطل، فكان إقدامهم على هذا القول لمحض العناد والتعصب، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا الى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشا على محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب الى محمد منكم الينا فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى تطمئن قلوبنا، ففعلوا ذلك.
فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت، لأنهم سجدوا للأصنام، فقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلا أم محمد؟
فقال كعب: ماذا يقول محمد؟
يأمر بعبادة الله وحده وينهي عن عبادة الأصنام وترك دين آبائه، وأوقع الفرقة.
قال: وما دينكم؟
قالوا: نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني وذكروا أفعالهم، فقال: أنتم أهدى سبيلا.
فهذا هو المراد من قولهم: ﴿ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أهدى مِنَ الذين ءامَنُواْ سَبِيلاً ﴾ .
المسألة الثانية: اختلف الناس في الجبت والطاغوت، وذكروا فيه وجوه: الأول: قال أهل اللغة: كل معبود دون الله فهو جبت وطاغوت، ثم زعم الأكثرون أن الجبت ليس له تصرف في اللغة.
وحكى القفال عن بعضهم أن الجبت أصله جبس، فأبدلت السين تاء، والجبس هو الخبيث الردئ، وأما الطاغوت فهو مأخوذ من الطغيان، وهو الاسراف في المعصية، فكل من دعا إلى المعاصي الكبار لزمه هذا الاسم، ثم توسعوا في هذا الاسم حتى أوقعوه على الجماد، كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فأضاف الاضلال إلى الأصنام مع أنها جمادات.
الثاني: قال صاحب الكشاف: الجبت الأصنام وكل ما عبد من دون الله، والطاغوت الشيطان.
الثالث: الجبت الأصنام، والطاغوت تراجمة الأصنام يترجمون للناس عنها الأكاذيب فيضلونهم بها، وهو منقول عن ابن عباس.
الرابع: روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر.
الخامس: قال الكلبي: الجبت في هذه الآية حيي بن أخطب والطاغوت كعب بن الأشرف، وكانت اليهود يرجعون اليهما، فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم.
السادس: الجبت والطاغوت صنمان لقريش، وهما الصنمان اللذان سجد اليهود لهما طلبا لمرضاة قريش، وبالجملة فالأقاويل كثيرة، وهما كلمتان وضعتا علمين على من كان غاية في الشر والفساد.
ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين لَعَنَهُمُ الله وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾ فبين أن عليهم اللعن من الله وهو الخذلان والابعاد، وهو ضد ما للمؤمنين من القربة والزلفى؛ وأخبر بعده بأن من يلعنه الله فلا ناصر له، كما قال: ﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً ﴾ فهذا اللعن حاضر، وما في الآخرة أعظم، وهو يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وفيه وعد للرسول صلى الله عليه وسلم بالنصرة وللمؤمنين بالتقوية، بالضد على الضد، كما قال في الآيات المتقدمة: ﴿ وكفى بالله وَلِيّاً وكفى بالله نَصِيراً ﴾ .
واعلم أن القوم إنما استحقوا هذا اللعن الشديد لأن الذي ذكروه من تفضيل عبدة الأوثان على الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم يجري مجرى المكابرة، فمن يعبد غير الله كيف يكون أفضل حالا ممن لا يرضى بمعبود غير الله!
ومن كان دينه الاقبال بالكلية على خدمة الخالق والاعراض عن الدنيا والاقبال على الآخرة، كيف يكون أقل حالا ممن كان بالضد في كل هذه الأحوال، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الجبت: الأصنام وكل ما عبد من دون الله: والطاغوت: الشيطان.
وذلك أن حُيَيّ بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا، فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطئمن إليكم ففعلوا فهذا إيمانهم ﴿ بالجبت والطاغوت ﴾ لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا.
وقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلاً أم محمد.
فقال كعب: ماذا يقول محمد؟
قالوا: يأمر بعبادة الله وحده وينهى عن الشرك.
قال: وما دينكم؟
قالوا: نحن ولاة البيت، ونسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العاني، وذكروا أفعالهم، فقال: أنتم أهدى سبيلاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ يَمْنَعُ العَذابَ مِنهُ بِشَفاعَةٍ أوْ غَيْرِها.
﴿ أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ إنْكارُ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ وجَحْدٌ لِما زَعَمَتِ اليَهُودُ مِن أنَّ المُلْكَ سَيَصِيرُ إلَيْهِمْ.
﴿ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا ﴾ أيْ لَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ أحَدًا ما يُوازِي نَقِيرًا، وهو النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ.
وهَذا هو الإغْراقُ في بَيانِ شُحِّهِمْ فَإنَّهم إنْ بَخِلُوا بِالنَّقِيرِ وهم مُلُوكٌ فَما ظَنُّكَ بِهِمْ إذا كانُوا فُقَراءَ أذِلّاءَ مُتَفاقِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْكارَ أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ المُلْكِ عَلى الكِنايَةِ، وأنَّهم لا يُؤْتُونَ النّاسَ شَيْئًا وإذا وقَعَ بَعْدَ الواوِ والفاءِ لا لِتَشْرِيكِ مُفْرَدٍ جازَ فِيهِ الإلْغاءُ والإعْمالُ، ولِذَلِكَ قُرِئَ فَإذًا لا يُؤْتُوا النّاسَ عَلى النَّصْبِ.
<div class="verse-tafsir"
{أولئك الذين لعنهم الله} وأبعدهم من رحمته {وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} يعتد بنصره
﴿ أُولَئِكَ ﴾ القائِلُونَ المُبْعِدُونَ في الضَّلالَةِ ﴿ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ: أبْعَدَهم عَنْ رَحْمَتِهِ وطَرَدَهُمْ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، والمَوْصُولُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ وإظْهارِ مَآلِهِمْ ﴿ ومَن يَلْعَنِ ﴾ أيْ: يُبْعِدْهُ ﴿ اللَّهُ ﴾ مِن رَحْمَتِهِ ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ أيْ: ناصِرًا، يَمْنَعُ عَنْهُ العَذابَ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا بِشَفاعَةٍ أوْ بِغَيْرِها، وفِيهِ بَيانٌ لِحِرْمانِهِمْ ثَمَرَةَ اسْتِنْصارِهِمْ بِمُشْرِكِي مَكَّةَ، وإيماءٌ إلى وعْدِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُمُ المَنصُورُونَ، حَيْثُ كانُوا بِضِدِّ هَؤُلاءِ، فَهُمُ الَّذِينَ قَرَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى، ومَن يُقَرِّبْهُ اللَّهُ تَعالى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ خاذِلًا.
وفِي الإتْيانِ بِكَلِمَةِ (لَنْ) وتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى كُلِّ واحِدٍ يَصْلُحُ لَهُ وتَوْحِيدِ النَّصِيرِ مُنَكَّرًا والتَّعْبِيرِ عَنْ عَدَمِهِ بِعَدَمِ الوِجْدانِ المُؤْذِنِ بِسَبْقِ الطَّلَبِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ العامِّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى حِرْمانِهِمُ الأبَدِيِّ عَنِ الظَّفَرِ بِما أمَّلُوا بِالكُلِّيَّةِ ما لا يَخْفى، وإنِ اعْتُبِرَتِ المُبالَغَةُ في (نَصِيرٍ) مُتَوَجِّهَةً لِلنَّفْيِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وما رَبُّكَ بِظَلامٍ ﴾ قَوِيَ أمْرُ هَذِهِ الدَّلالَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ يقول: يبرئون أنفسهم من الذنوب بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وذلك لأن رؤساء اليهود كانوا يقولون: هل على أولادنا من ذنب؟
فما نحن إلا كهيئتهم.
فهذا الذي زكوا به أنفسهم، قال الله تعالى: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ أي يصلح ويبرئ من يشاء من الذنوب.
ويقال: يكرم من يشاء بالإسلام وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا قال الكلبي ومقاتل: الفتيل الذي يكون في شق النواة وهو الأبيض، ويقال: هو ما فتلته بين أصبعيك من الوسخ، إذا مسحت إحداهما بالأخرى، يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم بذلك المقدار.
ثم قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي يختلقون على الله الكذب وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً أي ذنباً مبيناً.
روى مقاتل عن الضحاك قال: الفتيل، والنقير، والقطمير كلها في النواة.
ثم قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يعني أعطوا حظاً من علم التوراة يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف.
وقال القتبي: كل معبود من حجر أو صورة أو شيطان فهو جبت وطاغوت.
قال: ويقال: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان.
ويقال: في هذه السورة رجلان من اليهود، وإيمانهم بهما تصديقاً لهما وطاعتهم إياهما.
ثم قال تعالى: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني لمشركي مكة هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا وذلك أن رؤساء اليهود قدموا مكة بعد قتال أُحد، ونقضوا العهد، وبايعوا المشركين وقالوا: أنتم أهدى سبيلاً من المسلمين.
حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدّثنا أبو عبيد الله، قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة، قال: جاء كعب بن الأشرف وفي رواية أخرى عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب إلى مكة، فأتيا قريشاً فقالت لهما قريش أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد، ديننا القديم ودين محمد الحديث، ونحن نصل الرحم، ونسقي الحجيج، ونفك العناة، ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن أهدى أم هو؟
قالا: بل أنتم أهدى سبيلاً منهم.
فأنزل الله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ الآية إلى قوله وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا يعني أهدى ديناً من المهاجرين والأنصار.
قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أي خذلهم وطردهم الله من رحمته، ويقال: عذبهم الله بالجزية وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً أي مانعاً.
قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ يقول: لو كان لهم، يعني لليهود حظ من الملك فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً أي لا يعطون أحداً من بخلهم وحسدهم نقيراً، والنقير: النقطة التي على ظهر النواة أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ أي أيحسدون الناس.
ويقال: بل يحسدون الناس يعني به محمداً عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من النبوة وكثرة تزوجه النساء، ويقولون: لو كان نبياً لشغلته النبوة عن كثرة النساء، فيحسدونه بذلك.
قال الله تعالى فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ يعني النبوة والعلم والفهم وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فكان يوسف ملكاً على مصر، وكان سليمان بن داود عليهما السلام ملكاً، وكانت له ثلاثمائة امرأة حرّة سوى السرية، قال مقاتل هكذا.
وقال الكلبي: كانت له سبعمائة امرأة، وثلاثمائة سرية، وكان لداود مائة امرأة، فلم يكن تمنعهم النبوة عن ذلك.
ويقال: إن الفائدة في كثرة تزوجه أنه كانت له قوة أربعين نبياً، وكل من كان أقوى فهو أكثر نكاحاً.
ويقال: إنه أراد بالنكاح كثرة العشيرة، لأن لكل امرأة قبيلتين، قبيلة من قبل الأب، وقبيلة من قبل الأم، فكلما تزوج امرأة صرف وجوه القبيلتين إلى نفسه، فيكونون عوناً له على أعدائه.
ويقال: إن كل من كان أتقى كانت شهوته أشد، لأن الذي لا يكون تقياً إنما ينفرج بالنظر واللمس، ألا ترى إلى ما روي في الخبر «العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَاليَدَانِ تَزْنِيَانِ» .
فإذا كان في النظر وفي المس نوع من قضاء الشهوة، فلا ينظر التقي ولا يمس، فتكون الشهوة مجتمعة في نفسه، فيكون أكثر جماعاً.
وقال أبو بكر الوراق: كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع، فإنه يصفي القلب، ولهذا كان الأنبياء عليهم السلام يفعلون ذلك.
قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ يعني من اليهود من آمن به، بالكتاب الذي أنزل على إبراهيم، وآمن بالكتاب الذي أنزل على محمد وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ يعني أعرض عنه مكذباً، وهذا قول الكلبي.
وقال مقاتل: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ يعني من آل إبراهيم مَنْ آمَنَ بِهِ يعني بالكتاب الذي جاء به وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ لم يؤمن به.
وقال الضحاك: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ يعني اليهود كانوا يحسدون قريشاً لأن النبوة فيهم فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ يعني إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط.
الْكِتابَ يعني التنزيل وَالْحِكْمَةَ يعني السنة وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً يعني قريشاً وبني هاشم مُلْكاً عَظِيماً يعني الخلافة لا تصلح إلا لقريش فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ يعني بمحمد وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ أي كفر به.
ثم قال تعالى: وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً أي وقوداً لمن كفر به.
ثم بيّن مصير من كذب به، وموضع من آمن به، فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"
أنفسَهُمْ كانَتْ بالباطلِ، والكَذِبِ ويُقَوِّي أنَّ التزكية كانَتْ بقولهم: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ أنَّ الافتراء أعظم في هذه المقالة، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تكونَ في موضِع رَفْعٍ بالاِبتداءِ، والخبر في قوله يَفْتَرُونَ وكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً خبرٌ في ضِمْنه تعجُّب وتعجيبٌ مِنْ أمْرهم.
قال ص: وَكَفى بِهِ عائدٌ على الاِفتراءِ، وقيل: على الكذب.
انتهى.
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ...
الآية: أجْمَعَ المتأوِّلون أنَّ المراد بها طائفةٌ من اليهود، والقَصَصُ يبيِّن ذلك، ومجموعُ ما ذكره المفسّرون في تفسيره الجِبْتِ والطَّاغُوتِ يقتضي أنَّهُ كُلُّ مَا عُبِدَ وأُطِيعَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تعالى.
وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ...
الآية: سببها أنَّ قريشاً قالَتْ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، حين وَرَدَ مكَّة: أنْتَ سَيِّدُنَا، وَسيِّدُ قَوْمِكَ، إنَّا قومٌ نَنْحَرُ الكَوْمَاءَ «١» ، وَنَقْرِي الضَّيْفَ، وَنَصِلُ الرَّحِمَ، وَنَسْقِي الحَجِيجَ، وَنَعْبُدُ آلِهَتَنَا الَّتِي وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا، وهَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ قَطَعَ الرَّحِمَ، فَمَنْ أهدى نَحْنُ أوْ هُوَ؟
فَقَالَ كَعْبٌ: أَنْتُمْ أهدى مِنْهُ، وَأَقْوَمُ دِيناً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ، قاله ابنُ عبَّاسٍ «٢» ، فالضمير في «يَقُولُونَ» / عائد على كعْبٍ، وعلى الجماعةِ الَّتي معه من اليهودِ المُحَرِّضين على قتال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم و «الّذين كَفَرُوا» في هذه الآيةِ هم كفَّار قريشٍ، والإشارة ب «هؤلاء» إليهم والَّذِين آمنوا هم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأمته، وقالتْ فرقة:
بل المرادُ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ وأتباعه، وهم المقصودُ من أول الآيات.
قال ص: «لِلَّذِينَ» : اللامُ للتبليغِ متعلِّقة ب «يقولون» .
انتهى.
أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥)
وقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ...
الآية: عُرْفُ «أَمْ» أنْ تُعْطَفَ بعد استفهامٍ متقدِّم كقولك: أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو؟
فَإذا وردَتْ، ولم يتقدَّمها استفهامٌ كما هي هنا، فمذهب سيبَوَيْهِ أنَّها مضمَّنةٌ معنى الإضراب عن الكلامِ الأوَّلِ، والقَطْع منه، وهي متضمِّنة مع ذلك مَعْنَى الاِستفهام، فهي بمعنى «بَلْ» مع همزةِ استفهامٍ كقول العربِ: «إنها لإِبِلٌ أَمْ شَاءٌ» ، التقدير عند سيبويه: إنَّهَا لإِبِلٌ بَلْ أَهِيَ شَاءٌ؟
وَكَذَلك هذا الموضعُ: بَلْ أَلهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فإذا عرفْتَ هذا، فالمعنى على الأرجَحِ الذي هو مذْهَبُ سيبَوَيْهِ والحُذَّاقِ: أنَّ هذا استفهامٌ على معنى الإِنكار، أي: ألهم مُلْكٌ فإذن لَوْ كان، لَبَخِلُوا به، والنَّقِيرُ: هي النُّكْتَةُ التي في ظَهْر النَّوَاة من التَّمْر هذا قول الجمهور، وهَذَا كنايةٌ عن الغايَةِ في الحَقَارة والقِلَّة، وتُكْتَبُ «إذَنْ» بالنُّون وبالألِفِ، فالنُّونُ هو الأصْلُ ك «عَنْ» ، وَ «مِنْ» ، وجاز كتبها بالألِفِ لصحَّة الوقوفِ عليها، فأشبهَتْ نونَ التَّنْوينِ، ولا يصحُّ الوقوف على عَنْ ومِنْ.
وقوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ ...
الآية: «أمْ» هذه على بابها من العطْفِ بعد الاِستفهام.
وقال ص: أَمْ يَحْسُدُونَ: «أَمْ» أيضاً منقطعةٌ تتقدَّر ب «بَلْ» و «الهمزة» .
انتهى.
قلت: والظاهر ما قاله ع «١» واختلف في المراد ب «الناس» هنا.
فقال ابن عبّاس وغيره: هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والفَضْلُ: النبوَّة فقط «٢» ، والمعنى: فَلِمَ يخصُّونه بالحَسَد، ولا يَحْسُدُونَ آل إبراهيم في جميعِ مَا آتيناهم مِنْ هذا وغيره مِنَ المُلْك، وقال قتادة: «النَّاسُ» هنا: العَرَبُ، حَسَدَتْها بَنُو إسرائيل في أن كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم منْها، والفَضْلُ على هذا التأويل هو محمَّد صلّى الله عليه وسلّم «٣» ، قَالَ أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ: وقد ذَمَّ اللَّه قوماً على حَسَدهم، فقال: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، ثم حدَّث بسنده، عن عمرو بن مَيْمُونٍ، قَالَ: لما رَفَع اللَّه موسى نَجِيًّا، رأى رجُلاً متعلِّقاً بالعَرْش، فقال: يا رَبِّ، مَنْ هَذَا، فقالَ: هذا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي، صَالِحٌ، إن شئت أخبرتك بعمله،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: الإنْكارُ، فالتَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهم.
وقالَ الفَرّاءُ: قَوْلُهُ ﴿ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا ﴾ جَوابٌ لِجَزاءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: ولَئِنْ كانَ لَهم نَصِيبٌ لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا.
وفي "النَّقِيرِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ، رَواهُ التَّيْمِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ الخَيْطُ الَّذِي يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَقَرَ الرَّجُلَ الشَّيْءَ بِطَرَفِ إبْهامِهِ، رَواهُ أبُو العالِيَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ حَبَّةُ النَّواةِ الَّتِي في وسَطِها، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: و"الفَتِيلُ" و"النَّقِيرُ" و"القِطْمِيرُ": تُضْرَبُ أمْثالًا لِلشَّيْءِ التّافِهِ الحَقِيرِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ ﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ومَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ هَذا لَفْظٌ عامٌّ في ظاهِرِهِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ في أنَّ المُرادَ اليَهُودُ، واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي بِهِ زَكُّوا أنْفُسَهم، فَقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا ﴾ .وَقالَ الضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لا ذُنُوبَ لَنا وما فَعَلْناهُ نَهارًا غُفِرَ لَيْلًا، وما فَعَلْناهُ لَيْلًا غُفِرَ نَهارًا، ونَحْنُ كالأطْفالِ في عَدَمِ الذُنُوبِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وعِكْرِمَةُ: تَقْدِيمُهم أولادَهُمُ الصِغارَ لِلصَّلاةِ لِأنَّهم لا ذُنُوبَ لَهم.
قالَ المُؤَلِّفُ: وهَذا يَبْعُدُ مِن مَقْصِدِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أبْناؤُنا الَّذِينَ ماتُوا يَشْفَعُونَ لَنا، ويُزَكُّونَنا، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ذَلِكَ ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ومَدْحُهم لَهم وتَزْكِيَتُهم لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ الغَضَّ مِنَ المُزَكِّي لِنَفْسِهِ بِلِسانِهِ، والإعْلامَ بِأنَّ الزاكِيَ المُزَكّى مَن حَسُنَتْ أفْعالُهُ، وزَكّاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ فِي: "يُزَكُّونَ" عائِدٌ عَلى المَذْكُورِينَ مِمَّنْ زَكّى نَفْسَهُ، أو مِمَّنْ يُزَكِّيهِ اللهُ تَعالى، وغَيْرُ هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ عُلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَظْلِمُهم مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ "وَلا تُظْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ.
والفَتِيلُ: هو ما فُتِلَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وَمُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمُ: الفَتِيلُ: الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَمْرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وأبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: هو ما خَرَجَ مِن بَيْنِ إصْبَعَيْكَ أو كَفَّيْكَ إذا فَتَلْتَهُما، وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى الكِنايَةِ عن تَحْقِيرِ الشَيْءِ وتَصْغِيرِهِ، وأنَّ اللهَ لا يَظْلِمُهُ، ولا شَيْءَ دُونَهُ في الصِغَرِ، فَكَيْفَ بِما فَوْقَهُ.
ونَصْبُهُ عَلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِـ "يُظْلَمُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ ﴾ الآيَةُ، يُبَيِّنُ أنَّ تَزْكِيَتَهم أنْفُسَهم كانَتْ بِالباطِلِ والكَذِبِ، ويُقَوِّي أنَّ التَزْكِيَةَ كانَتْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ إذِ الافْتِراءُ في هَذِهِ المَقالَةِ أمْكَنُ.
و"كَيْفَ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يَفْتَرُونَ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "يَفْتَرُونَ".
و"وَكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا" خَبَرٌ في مُضَمَّنِهِ تَعَجُّبٌ وتَعْجِيبٌ مِنَ الأمْرِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِالتَعَجُّبِ، وأنْ يُكْتَفى لَهم بِهَذا الكَذِبِ إثْمًا ولا يُطْلَبَ لَهم غَيْرُهُ، إذْ هو مُوبِقٌ ومُهْلِكٌ، و"إثْمًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ ﴾ الآيَةُ.
ظاهِرُها يَعُمُّ اليَهُودَ والنَصارى، ولَكِنْ أجْمَعَ المُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ، والقَصَصُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ، واخْتُلِفَ في بِالجِبْتِ والطاغُوتِ، فَقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هُما في هَذا المَوْضِعِ صَنَمانِ كانا لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وجَماعَةً مَعَهُ ورَدُوا مَكَّةَ مُحَرِّضِينَ عَلى قِتالِ رَسُولِ اللهِ ، فَقالَتْ لَهم قُرَيْشٌ: إنَّكم أهْلُ الكِتابِ، ومُحَمَّدٌ صاحِبُ كِتابٍ، ونَحْنُ لا نَأْمَنُكم أنْ تَكُونُوا مَعَهُ، إلّا أنْ تَسْجُدُوا لِهَذَيْنِ الصَنَمَيْنِ اللَذَيْنِ لَنا، فَفَعَلُوا، فَفي ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجِبْتُ هُنا: حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ والطاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، فالمُرادُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِإيمانِهِمْ بِهِما، واتِّباعِهِمْ لَهُما، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِالجِبْتِ: الأصْنامُ، والطاغُوتِ: القَوْمُ المُتَرْجِمُونَ عَنِ الأصْنامِ، الَّذِينَ يُضِلُّونَ الناسَ بِتَعْلِيمِهِمْ إيّاهم عِبادَةَ الأصْنامِ.
ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: بِالجِبْتِ: السِحْرُ، والطاغُوتِ: الشَيْطانُ، وقالَهُ مُجاهِدٌ والشَعْبِيُّ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِالجِبْتِ: الساحِرُ، والطاغُوتِ: الشَيْطانُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ورَفِيعٌ: بِالجِبْتِ: الساحِرُ، والطاغُوتِ: الكاهِنُ.
وقالَ قَتادَةُ: بِالجِبْتِ: الشَيْطانُ، والطاغُوتِ: الكاهِنُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الجِبْتُ: الشَيْطانُ، والطاغُوتُ: الشَيْطانُ.
وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: الجِبْتُ: الكاهِنُ، والطاغُوتُ: الساحِرُ، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الجِبْتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، والطاغُوتُ الشَيْطانُ كانَ في صُورَةِ إنْسانٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةٍ: فَمَجْمُوعُ هَذا يَقْتَضِي أنَّ بِالجِبْتِ والطاغُوتِ هو كُلُّ ما عُبِدَ وأُطِيعَ مِن دُونِ اللهِ، وكَذَلِكَ قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: الطاغُوتُ: كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ الجِبْتَ هو مِن لُغَةِ الحَبَشَةِ.
وقالَ قُطْرُبٌ: الجِبْتُ: أصْلُهُ الجِبْسُ، وهو الثَقِيلُ الَّذِي لا خَيْرَ عِنْدَهُ، وأمّا الطاغُوتُ فَهو مَن طَغى، أصْلُهُ طَغَوُوتٌ وزْنُهُ فَعَلُوتٌ، وتاؤُهُ زائِدَةٌ، قُلِبَ فَرُدَّ فَلَعُوتْ، أصْلُهُ طَوَغُوتْ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وفُتِحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، سَبَبُها: "أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ حِينَ ورَدَ مَكَّةَ: أنْتَ سَيِّدُنا وسَيِّدُ قَوْمِكَ، إنّا قَوْمٌ نَنْحَرُ الكَوْماءَ، ونَقْرِي الضَيْفَ، ونَصِلُ الرَحِمَ، ونَسْقِي الحَجِيجَ، ونَعْبُدُ آلِهَتَنا الَّذِينَ وجَدْنا آباءَنا يَعْبُدُونَ، وهَذا الصُنْبُورُ المُنْبَتِرُ مِن قَوْمِهِ، قَدْ قَطَعَ الرَحِمَ، فَمَن أهْدى، نَحْنُ أو هُوَ؟
فَقالَكَعْبٌ: أنْتُمْ أهْدى مِنهُ، وأقْوَمُ دِينًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وحَكى السُدِّيُّ أنَّ أبا سُفْيانَ خاطَبَ كَعْبًا بِهَذِهِ المَقالَةِ، فالضَمِيرُ في "وَيَقُولُونَ" عائِدٌ عَلى كَعْبٍ عَلى ما تَقَدَّمَ، أو عَلى الجَماعَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الَّتِي كانَتْ مَعَ كَعْبٍ، لِأنَّها قالَتْ بِقَوْلِهِ في جَمِيعِ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ.
"لِلَّذِينَ كَفَرُوا" في هَذِهِ الآيَةِ هم قُرَيْشٌ، والإشارَةُ بِـ "هَؤُلاءِ" إلَيْهِمْ، و"أهْدى": وزْنُهُ أفْعَلُ، وهو لِلتَّفْضِيلِ، و"الَّذِينَ آمَنُوا": هُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَّتُهُ، و"سَبِيلًا": نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ المُرادُ في الآيَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هو حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، وهو المَقْصُودُ مِن أوَّلِ الآياتِ، والمُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "أُولَئِكَ" هُمُ المُرادُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَمَن قالَ: كانُوا جَماعَةً فَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ لَفْظًا ومَعْنىً، ومَن قالَ: هو كَعْبٌ أو حُيَيٌّ، فَعَبَّرَ عنهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ، لِأنَّهُ كانَ مَتْبُوعًا، وكانَ قَوْلُهُ مُقْتَرِنًا بِقَوْلِ جَماعَةٍ.
و"لَعَنَهُمُ" مَعْناهُ: أبْعَدَهم مِن خَيْرِهِ ومَقَتَهُمْ، ومَن يَفْعَلُ اللهُ ذَلِكَ بِهِ ويَخْذُلُهُ فَلا ناصِرَ لَهُ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وإنْ نَصَرَتْهُ طائِفَةٌ فَنُصْرَتُها كَلا نُصْرَةٍ، إذْ لا تُغْنِي عنهُ شَيْئًا.
<div class="verse-tafsir"
أعيد التعجيب من اليهود، الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، بما هو أعجب من حالهم التي مرّ ذكرها في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ﴾ [النساء: 44]؛ فإنّ إيمانهم بالجبت والطاغوت وتصويبهم للمشركين تباعد منهم عن أصول شرعهم بمراحل شاسعة، لأنّ أوّل قواعد التوراة وأولى كلماتها العشر هي (لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحُوتاً، لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ).
وتقدّم بيان تركيب ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ آنفاً في سورة آل عمران (23).
والجبت: كلمة معرّبة من الحبشية، أي الشيطان والسحر؛ لأنّ مادة: جَ بَ تَ مهملة في العربية، فتعيّن أن تكون هذه الكلمة دخيلة.
وقيل: أصلها جبس: وهو ما لا خير فيه، فأبدلت السين تاء كما أبدلت في قول علباء بن أرقم: يا لَعَنَ الله بني السعْلات، عمرَو بنَ يَربوع شرار النَّات، ليسوا أعفّاء ولا أكيات، أي شرار الناس ولا بأكياس.
وكما قالوا: الجتّ بمعنى الجسّ.
والطاغوت: الأصنام كذا فسّره الجمهور هنا ونقل عن مالك بن أنس.
وهو اسم يقع على الواحد والجمع فيقال: للصَّنم طاغوت وللأصنام طاغوت، فهو نظير طِفْل وفُلْك.
ولعلّ التزام اقترانه بلام تعريف الجنس هو الذي سوّغ إطلاقه على الواحد والجمع نظير الكتاب والكتب.
ثم لمّا شاع ذلك طردوه حتّى في حالة تجرّده عن اللام، قال تعالى: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ [النساء: 60] فأفرده، وقال: ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت أن يَعْبُدوها ﴾ [الزمر: 17]، وقال: ﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم ﴾ [البقرة: 257] الخ.
وهذا الاسم مشتقّ من طغى يطغو إذا تعاظم وترفّع، وأصله مصدر بوزن فَعَلوت للمبالغة، مثل: رهبوت، وملكوت، ورحموت، وجبَروت، فأصله طَغَوُوت فوقع فيه قلب مكاني بتقديم لام الكلمة على عينها فصار طوغوت بوزن فَلَعُوت، والقصد من هذا القلب تأتّي إبدال الواو ألفاً بتحرّكها وانفتاح ما قبلها، وهم قد يقلبون حروف الكلمة ليتأتّى الإبدال كما قلبوا أرْءَام جمع ريم إلى آرام ليتأتى إبدال الهمزة الثانية الساكنة ألفاً بعد الأولى المفتوحة، وقد ينزّلون هذا الاسم منزلة المفرد فيجمعونه جمع تكسير على طواغيت ووزنه فعاليل، وورد في الحديث: " لا تحلفوا بالطواغيت ".
وفي كلام ابن المسيّب في «صحيح البخاري»: البَحيرة التي يْمُنع درّها للطواغيت.
وقد يطلق الطاغوت على عظيم أهل الشرك كالكاهن، لأنّهم يعظّمونه لأجل أصنامهم، كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ في هذه السورة [النساء: 60].
والآية تشير إلى ما وقع من بعض اليهود، وفيهم كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، فإنّهم بعد وقعة أحُد طمعوا أن يسعوا في استئصال المسلمين، فخرجوا إلى مكّة ليحَالفوا المشركين على قتال المسلمين، فنزل كعب عند أبي سفيان، ونزل بَقيّتهم في دور قريش، فقال لهم المشركون (أنتم أهل كتاب ولعلّكم أن تكونوا أدنى إلى محمّد وأتباعه منكم إلينا فلا نَأمن مكركم) فقالوا لهم (إنّ عبادة الأصنام أرضى عند الله ممّا يدعو إليه محمد وأنتم أهدى سبيلاً) فقال لهم المشركون (فاسجدوا لآلهتنا حتّى نطمئنّ إليكم) ففعلوا، ونزلت هذه الآية إعلاماً من الله لرسوله بما بيتّه اليهود وأهل مكة.
واللام في قوله للذين كفروا } لام العلّة، أي يقولون لأجل الذين كفروا وليس لامَ تعدية فعل القول، وأريد بهم مشركو مكة وذلك اصطلاح القرآن في إطلاق صفة الكفر أنّه الشرك، والإشارة بقوله: ﴿ هؤلاء أهدى ﴾ إلى الذين كفروا، وهو حكاية للقول بمعناه، لأنّهم إنّما قالوا: «أنتم أهدى من محمّد وأصحابه»، أو قال بعض اليهود لبعض في شأن أهل مكة ﴿ هؤلاء أهدى ﴾ ، أي حين تناجوا وزوّروا ما سيقولونه، وكذلك قوله ﴿ من الذين آمنوا ﴾ حكاية لقولهم بالمعنى نداء على غلطهم، لأنّهم إنّما قالوا: «هؤلاء أهدى من محمّد وأتباعه» وإذ كان محمد وأتباعه مؤمنين فقد لزم من قولهم: إنّ المشركين أهدى من المؤمنين.
وهذا محلّ التعجيب.
وعقّب التعجيب بقوله ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ .
وموقع اسم الإشارة هنا في نهاية الرشاقة، لأنّ من بلغ مِن وصف حاله هذا المبلغ صار كالمشاهد، فناسب بعد قوله ﴿ ألم ترى ﴾ أن يشار إلى هذا الفريق المدّعى أنه مرئيّ، فيقال: (أولئك).
وفي اسم الإشارة تنبيه على أنّ المشار إليهم جديرون بما سيذكر من الحكم لأجل ما تقدّم من أحوالهم.
والصلة التي في قوله ﴿ الذين لعنهم الله ﴾ ليس معلوماً للمخاطبين اتّصافُ المخبر عنهم بها اتّصاف من اشتهر بها؛ فالمقصود أنّ هؤلاء هم الذين إن سمعتم بقوم لعنهم الله فهم هم.
ويجوز أن يكون المسلمون قد علموا أنّ اليهود ملعونون، فالمقصود من الصلة هو ما عطف عليها بقوله ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ .
والموصول على كلا الاحتمالين فيه إيماء إلى تعليل الإخبار الضمني عنهم: بأنّهم لا نصير لهم، لأنّهم لعنهم الله، والذي يلعنه لا نصير له.
وهذا مقابل قوله في شأن المسلمين ﴿ والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليّاً وكفى بالله نصيراً ﴾ [النساء: 45].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ في تَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: قَوْلُهم نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والحَسَنِ.
والثّانِي: تَقْدِيمُهم أطْفالَهم لِإمامَتِهِمْ زَعْمًا مِنهم أنَّهُ لا ذُنُوبَ لَهم، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.
والثّالِثُ: هو قَوْلُهُمْ: إنَّ أبْناءَنا يَسْتَغْفِرُونَ لَنا ويُزَكُّونَنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: هو تَزْكِيَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِيَنالُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيِ الفَتِيلُ الَّذِي في شِقِّ النَّواةِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ الحَسَنُ: الفَتِيلُ ما في بَطْنِ النَّواةِ، والنَّقِيرُ ما في ظَهْرِها، والقِطْمِيرُ قِشْرُها.
والثّانِي: أنَّهُ ما انْفَتَلَ بَيْنَ الأصابِعِ مِنَ الوَسَخِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وأحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُما صَنَمانِ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُما، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
والثّانِي: أنَّ الجِبْتَ: الأصْنامُ، والطّاغُوتَ: تَراجِمَةُ الأصْنامِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الجِبْتَ السِّحْرُ، والطّاغُوتَ: الشَّيْطانُ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، ومُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: أنَّ الجِبْتَ السّاحِرُ، والطّاغُوتَ الكاهِنُ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: أنَّ الجِبْتَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني والبيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: «قدم حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، مكة على قريش فحالفوهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لهم: أنتم أهل العلم القديم وأهل الكتاب، فأخبرونا عنا وعن محمد قالوا: ما أنتم وما محمد؟
قالوا: ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ونصل الأرحام.
قالوا: فما محمد؟
قالوا: صنبور قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار.
قالوا: لا بل أنتم خير منهم واهدى سبيلاً.
فأنزل الله: ﴿ ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت...
﴾ إلى آخر الآية» .
وأخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة.
مرسلاً.
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم؟
قال: نعم.
قالوا: ألا ترى إلى هذا المنصبر المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية!
قال: أنتم خير منه.
فانزلت ﴿ إن شانئك هو الأبتر ﴾ [ الكوثر: 3] وأنزلت ﴿ ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ إلى قوله: ﴿ نصيراً ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عكرمة.
أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريش، فاستجاشهم على النبي صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يغزو وقال: إنا معكم نقاتله.
فقالوا: إنكم أهل كتاب وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ففعل.
ثم قالوا: نحن اهدى أم محمد، فنحن ننحر الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونصل الرحم، ونقري الضيف، ونطوف بهذا البيت، ومحمد قطع رحمه وخرج من بلده.
قال: بل أنتم خير وأهدى.
فنزلت فيه ﴿ ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: أنزلت في كعب بن الأشرف قال: كفار قريش أهدى من محمد عليه السلام.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي عن أبي مالك قال: لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود من النضير ما كان، حين أتاهم يستعينهم في دية العامريين فهموا به وبأصحابه، فاطلع الله رسوله على ما هموا به من ذلك، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، هرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة، فعاهدهم على محمد فقال له أبو سفيان: يا أبا سعيد إنكم قوم تقرأون الكتاب وتعلمون ونحن قوم لا نعلم، فاخبرنا ديننا خير أم دين محمد؟
قال كعب: اعرضوا عليَّ دينكم.
فقال أبو سفيان: نحن قوم ننحر الكوماء، ونسقي الحجيج الماء، ونقري الضيف، ونحمي بيت ربنا، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه.
قال: دينكم خير من دين محمد فاثبتوا عليه، ألا ترون أن محمداً يزعم أنه بعث بالتواضع وهو ينكح من النساء ما شاء، وما نعلم ملكاً أعظم من ملك النساء.
فذلك حين يقول ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً...
﴾ الآية.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع، والربيع بن أبي الحقيق، وعمارة، ووحوح بن عارم، وهودة بن قيس.
فأما وحوح بن عامر وهودة فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتاب الأول، فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟
فسألوهم فقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه.
فأنزل الله فيهم ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ ملكاً عظيماً ﴾ .
وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه، عن جابر بن عبد الله قال: لما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ما كان، اعتزل كعب بن الأشرف ولحق بمكة وكان بها، وقال: لا أعين عليه، ولا أقاتله.
فقيل له بمكة: يا كعب أديننا خير أم دين محمد وأصحابه؟
قال: دينكم خير وأقدم، ودين محمد حديث.
فنزلت فيه ﴿ ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت في كعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، رجلين من اليهود من بني النضير، أتيا قريشاً بالموسم فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه، فإنا أهل السدانة، والسقاية، وأهل الحرم؟
فقالا: بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه، وهما يعلمان أنهما كاذبان إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عكرمة قال: الجبت والطاغوت.
صنمان.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ورستة في الإيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: الجبت الساحر، والطاغوت الشيطان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طرق عن مجاهد.
مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك.
مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الجبت الأصنام، والطاغوت الذي يكون بين يدي الأصنام، يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الجبت اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت كهان العرب.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: الجبت الشيطان بلسان الحبش، والطاغوت الكاهن.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: الجبت الساحر بلسان الحبشة، والطاغوت الكاهن.
وأخرج عن أبي العالية قال: الطاغوت الساحر، والجبت الكاهن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كنا نحدث أن الجبت شيطان، والطاغوت الكاهن.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ليث عن مجاهد قال: الجبت كعب بن الأشرف، والطاغوت الشيطان كان في صورة إنسان.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن أبي حاتم عن قبيصة بن مخارق.
أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت» .
وأخرج رستة في الإيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ﴾ قال: اليهود تقول ذاك، يقولون: قريش أهدى من محمد وأصحابه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أم لهم نصيب من الملك ﴾ قال: فليس لهم نصيب، ولو كان لهم نصيب لم يؤتوا الناس نقيراً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول: لو كان لهم نصيب من ملك إذن لم يؤتوا محمداً نقيراً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق خمسة عن ابن عباس قال: النقير.
النقطة التي في ظهر النواة.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق سأله عن النقير؟
قال: ما في شق ظهر النواة، ومنه تنبت النخلة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول الشاعر: وليس الناس بعدك في نقير ** وليسوا غير أصداء وهامِ وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قول الله: ﴿ فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً ﴾ ما النقير؟
قال: ما في ظهر النواة، قال فيه الشاعر: لقد رزخت كلاب بني زبير ** فما يعطون سائلهم نقيرا وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق أبي العالية عن ابن عباس قال: هذا النقير، ووضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم نقرها.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَفْتَرُونَ ﴾ دليل على أن تزكيتهم لأنفسهم بالباطل ﴿ يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت ﴾ قال ابن عباس: الجبت هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وقال عمر بن الخطاب: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وقيل الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر، وبالجملة هما كل ما عبد وأطيع من دون الله ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ الآية: سببها أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف أو غيرهما من اليهود، قالوا لكفار قريش: أنتم أهدى سبيلاً من محمد وأصحابه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تسوّى ﴾ بإدغام تاء التفعل في السين: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ تسوّى ﴾ بالإمالة وحذف التاء الأولى: حمزة وعلي وخلف.
الباقون ﴿ تسوّى ﴾ مبنياً للمفعول من التسوية ﴿ لمستم ﴾ من اللمس وكذلك في المائدة: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: ﴿ لامستم ﴾ من الملامسة ﴿ فتيلاً انظر ﴾ بكر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن ذكوان.
الباقون: بالضم.
وفرق بعضهم بين موضع الخفض فلم يجوز الضم كراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو ﴿ متشابه انظروا ﴾ و ﴿ برحمة ادخلوا ﴾ و ﴿ خبيثة اجتثت ﴾ و ﴿ عذاب / اركض ﴾ وأشباه ذلك.
﴿ نضجت جلودهم ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وخلف وهشام وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ تغتسلوا ﴾ ط ﴿ وأيديكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ط ﴿ بأعدائكم ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ وأقوم ﴾ لا لاتصال لكن ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ السبت ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ج ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ يزكون أنفسهم ﴾ ط ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ط ﴿ سبيلا ﴾ ه ﴿ لعنهم الله ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ط لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ نقيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ من فضله ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تعقب الفاء ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ صدّ عنه ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ مطهرة ﴾ ز لاستئناف الفعل على أنه من تمام المقصود ﴿ ظليلاً ﴾ ه.
التفسير: إنه لما أوعد الظالمين بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ ووعد المطيعين بقوله: ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ أراد أن يبين أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله حجة على الخلق ليكون الإلزام أتم والتبكيت أعظم.
"روي أن النبي قال لابن مسعود: اقرأ القرآن عليّ.
قال: فقلت: يا رسول الله أنت الذي علّمتنيه!
فقال: أحب أن أسمعه من غيري.
قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان" .
قال العلماء: إنه بكاء فرح لما شرفه الله بكرامة قبول الشهادة على الخلائق.
والمعنى كيف يصنع هؤلاء الذين شاهدتهم وعرفت أحوالهم من مردة الكفرة كاليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشيهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، وجئنا بك على هؤلاء المكذبين شهيداً؟
ثم وصف ذلك اليوم فقال: ﴿ يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ﴾ قيل: هذه الجملة معترضة والمراد وقد عصوا.
والظاهر أن الواو للعطف وحينئذٍ تقتضي كون عصيان الرسول مغايراً للكفر لأنّ عطف الشيء على نفسه غير جائز.
فإما أن يخص الكفر بنوع منه وهو الكفر بالله، أو يقال: إنه عام وأفرد ذكر قسم منه إظهاراً لشرف الرسول وتفظيعاً لشأن الجحود به، أو يحمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفرة فيكون في الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.
ومعنى ﴿ لو تسوّى ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا أو أنهم كانوا والأرض سواء، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها كقوله: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ﴾ أما قوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ فإما أن يتصل بما قبله والواو للعطف أي يودون لو انطبقت عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا، أو للحال والمراد أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام دون أهل الشرك قالوا تعالوا فلنجحد فيقولون: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذٍ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، هناك يودون أنهم كانوا تراباً ولم يكتموا الله حديثاً.
وإما أن يكون كلاماً مستأنفاً فإن ما عملوه ظاهر عند الله فكيف يقدرون على كتمانه وإن قصدوه أو توهموه؟
ثم أتبع وصف اليوم كيفية الصلاة التي هي سنام الطاعات وأعظم المنجيات فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ وقد مر سبب نزوله في البقرة.
وفي لفظ الصلاة ههنا قولان: أحدهما أن المراد منه المسجد وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وإليه يذهب الشافعي، وليس فيه إلا حذف المضاف أي لا تقربوا موضع الصلاة.
وثانيهما وعليه الأكثرون أن المراد نفس الصلاة أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.
ومعنى الآية على القول الأولى لا تقربوا المسجد في حالتين: إحداهما حالة السكر، وذلك أن جمعاً من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول ، فنهوا عن ذلك لأن الظاهر أن الإنسان إذا أتى المسجد فإنما يأتيه للصلاة، ولا شك أن الصلاة فيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها.
وثانيهما حالة الجنابة، واستثنى من هذه الحالة حالة العبور أي الاجتياز في المسجد بأن كان الطريق إلى الماء فيه، أو كان الماء فيه ووقع الاحتلام فيه.
والمعنى على القول الثاني النهي عن الصلاة في حالتين: الأولى حالة السكر أيضاً إلاّ إذا علموا ما يقولون، ومعنى قربان الصلاة غشيانها والقيام إليها.
والثانية حالة الجنابه ويستثنى منها حالة عبور السبيل ويراد به في هذا القول السفر.
أي لا تقربوا الصلاة في حالة الجنابة إلاّ ومعكم حال أخرى تعذرون فهيا وهي حال السفر.
ويجوز أن يكون ﴿ إلاّ عابري سبيل ﴾ صفة لقوله: ﴿ جنباً ﴾ أي لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين.
إنما استثنى حالة المسافر لما يجيء من تفصيل فيها، وهو أن المسافر إذا أجنب ثم لم يجد الماء تيمم وصلى مع الجنابة.
ويرد عليه بعد أن الجنب المقيم أيضاً إذا عجز عن استعمال الماء لمرض أو برد يجوز له التيمم والصلاة على الجنابة، اللهم إلاّ أن يقال: إن عذر السفر أعم وأغلب فلهذا تخصص بالذكر أولاً.
وسكارى جمع سكران.
وقوله: ﴿ وأنتم سكارى ﴾ في محل النصب على الحال ولهذا عطف عليه قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب، وخالف الضحاك جمهور الصحابة والتابعين فقال: إن السكر ههنا يراد به غلبة النوم ويوافقه الاشتقاق، فإن السكر عبارة عن سد الطريق، ومنه سكر السبيل سد / طريقه.
والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما عليه من المضار في حال الصحو، فعند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ولا ينفذ الروح السامع والباصر إلى ظاهر البدن.
والجواب أن لفظ السكر حقيقة في السكر من الخمر والأصل في الإطلاق الحقيقة، ومتى استعمل مجازاً فإنما استعمل مقيداً كقوله : ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ وأيضاً أجمع المفسرون على أنها نزلت في شرب الخمر، وسبب النزول يمتنع أن لا يكون مراداً من الآية.
ثم على قول الجمهور يمكن ادعاء النسخ في الآية بأنه إنما نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدوداً إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول، والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية فهذا يقتضي جواز الصلاة مع السكر إذا كان بحيث يعلم ما يقول.
وجواز الصلاة مع هذا السكر توهم جواز هذا السكر، لكنه حرم الخمر في آية سورة المائدة على الإطلاق فتكون ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية.
ومن قال: إن مدلول الكلام يرجع إلى النهي عن الشرب المخل بالفهم عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه فلا يكون منسوخاً، يكذبه أن الصحابة لم يفهموا منها التحريم المطلق فكانوا لا يشربون في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون إلى أن نزلت آية المائدة فقالوا: انتهينا يا رب.
والتحقيق فيه أن النهي عن مباح الأصل في وقت ما وبوجه ما وإن كان لا يدل على تحريمه ولا على إباحته في غير ذلك الوقت وبغير ذلك الوجه إلاّ أن جانب الإباحة راجح بحكم الأصل فيغلب على الظن ذلك كما فهمه الصحابة.
ثم إنه ذكر حكم المعذورين في حال الحدث فخص أولاً من بينهم مرضاهم وسفرهم لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة.
والمعنى أن المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتمموا، وكذلك الذين هم على حالة السفر إذا عدموه لبعده.
ويحتمل أن يقال: قوله ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ ليس قيداً في حكم المرضى لأنهم في الرخصة وإن وجدوا ماء.
ثم عمم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف سبع أو عدو أو عدم آلة استقاء أو انحصار في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك من الأسباب التي لا تكثر كثرة المرض والسفر.
ويراد بالمرض ما يخاف معه محذور كبطء برء وشين فاحش ظاهر بقول طبيب مقبول الرواية لا أن يتألم ولا يخاف.
روي "أن بعض الصحابة أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فلم يفته بالتيمم، فاغتسل فمات.
فسمع النبي فقال: قتلوه قتلهم الله" .
وقال مالك وداود: يجوز له التيمم بجميع أنواع المرض.
وفي معنى المرض البرد المؤدي إلى المرض لو استعمل الماء كما مر من حديث عمرو بن العاص في تفسير قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ والسفر يعم الطويل والقصير أعني مسافة القصر وما دونها لإطلاق قوله: ﴿ أو على سفر ﴾ والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان.
كان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، فكنى به عن ذلك.
وأكثر العلماء ألحقوا بالغائط كل ما يخرج من السبيلين من معتاد أو نادر.
أما اللمس أو الملامسة ففيه قولان: أحدهما أن المراد به التقاء البشرتين بجماع أو بغيره كما هو مقتضى اللغة وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وإليه ذهب الشافعي.
وثانيهما المراد به الجماع وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ومذهب أبي حنيفة والشيعة لما ورد في القرآن بطريق الكناية: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ عن ابن عباس: إنّ الله حيّ كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة.
وأيضاً لتشمل الآية الحدثين الأصغر والأكبر.
ثم على مذهب الشافعي قال بعض أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس دون الملموس لقوله: ﴿ أو لمستم ﴾ والصحيح أنه ينتقض وضوءهما معاً لاشتراك اللامس والملموس في ابتغاء اللذة.
قوله: ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده فتيمم وصلى ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى، لأن عدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب.
وقال أبو حنيفة: لا يجب بدليل قوله: ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ وسبق الطلب في حقه محال.
وأجيب بأنه بنى الكلام على المجاز للمبالغة كأنه طلب شيئاً ثم لم يجد.
وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه احتاج إليه لعطشه أو لعطش حيوان محترم معه جاز له التيمم، ولو وجد من الماء ما لا يكفيه فالأصح عند الأئمة أنه يستعمله أو يصبه ثم يتيمم ليكون عاملاً بظاهر الآية.
والتيمم في اللغة القصد.
والصعيد التراب، "فعيل" بمعنى "فاعل".
وقال ثعلب والزجاج: إنه وجه الأرض تراباً كان أو غيره.
ومن هنا قال أبو حنيفة: إذا كان صخر لا تراب عليه وضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً.
وقال الشافعي: لا بد من تراب لتحقق مفهوم التصاعد فيه وليلتصق بيده فيمكنه المسح ببعضه كما جاء في المائدة ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ﴾ ولا يفهم من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن إلاّ معنى التبعيض، ولأن الصعيد وصف بالطيب والطيب هو الذي يحتمل الإثبات لقوله: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ﴾ ولأنه خصص التراب بهذا المعنى فقال: " "جعلت لي / الأرض مسجداً وترابها طهوراً " أما مسح الوجه واليد فعن علي وابن عباس: اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفين وقريب منه مذهب مالك لأن المسح مكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستوعب الوجه واليدين إلى المرفقين كما في الوضوء.
وعن الزهري إلى الآباط، لأن اليد حقيقة لهذا العضو إلى الإبط، ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنّ الله كان عفواً غفوراً ﴾ وهو كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته العفو عن المذنبين كان أولى بالترخيص للعاجزين.
عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء: فجاء أبو بكر ورسول الله واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟
قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله على فخذي.
فنام رسول الله حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا.
فقال أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء: ما هو بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته" .
ثم إنه لما ذكر من أول السورة إلى ههنا أحكاماً كثيرة عدل إلى ذكر طرف من آثار المتقدمين وأحوالهم، لأنّ الانتقال من أسلوب إلى أسلوب مما يزيد السامع هزة وجدة فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ أي ألم ينته علمك؟
أو ألم تنظر إلى من أتوا حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود؟
وإنما أدخل "من" التبعيضية لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى ولم يعرفوا منها نبوة محمد .
فأما الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه فقد وصفهم بأن معهم علم الكتاب في قوله: ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ لأنهم عرفوا الأمرين جميعاً ﴿ يشترون الضلالة ﴾ يختارونها لأن من اشترى شيئاً فقد آثره واختاره قاله الزجاج.
والمراد تكذيبهم الرسول لأغراضهم الفاسدة من أخذ الرشا وحب الرياسة.
وقيل: المراد يستبدلون الضلالة - وهو البقاء على اليهودية - بالهدى - وهو الإسلام - بعد وضوح الآيات لهم على صحته.
﴿ ويريدون أن تضلوا ﴾ أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين، الضلال والإضلال.
عن ابن عباس "أن الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس / المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطانهم عن الإسلام" .
وقيل: المراد عوام اليهود كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم لينصروا اليهودية فكأنهم اشتروا بمالهم الشبهة والضلالة ﴿ والله أعلم ﴾ منكم ﴿ بأعدائكم ﴾ لأنه عالم بكنه ما في صدورهم من الحنق والغيظ، فإذا أطلعكم على أحوالهم فلا تستنصحوهم في أموركم واحذروهم ﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ متولياً لأمور العبد ﴿ وكفى بالله نصيراً ﴾ فثقوا بولايته ونصرته دونهم.
وكرر "كفى" ليكون أشد تأثيراً في القلب وأكثر مبالغة، وزيدت الباء في الفاعل إيذاناً بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره فكان الباء للسببية.
وقال ابن السراج: التقدير كفى اكتفاؤك بالله.
وقيل: فائدة الباء وهي للإلصاق أن يعلم أن هذه الكفاية صدرت من الله بغير واسطة.
وقوله: ﴿ من الذين هادوا ﴾ إما بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب وقوله: ﴿ والله أعلم ﴾ إلى آخر الآية معترض بن البيان والمبين، وإما بيان لأعدائكم والجملتان بينهما معترضتان، وإما صلة ﴿ نصيراً ﴾ كقوله: ﴿ ونصرناه من القوم الذين كذبوا ﴾ وإما كلام مستأنف على أن ﴿ يحرفون ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه.
قال الواحدي: الكلم جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره.
ومعنى هذا التحريف استبدال لفظ مكان لفظ كوضعهم "آدم طوالاً" مكان "أسمر ربعة" وجعلهم الحد بدل الرجم.
واختير "عن" للدلالة على الإمالة والإزالة.
وأما في المائدة فقيل: ﴿ من بعد مواضعه ﴾ نظراً إلى أن الكلم كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له.
وقيل: المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة كما يفعله في زماننا أهل البدعة.
وجعل بعض العلماء هذا القول أصح لاستبعاد تحريف المشهور المتواتر، لكن دعوى التواتر بشروطه في التوراة ممنوعة.
وقيل: كانوا يدخلون على النبي فيسألونه عن أمر فيخبرهم به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.
ومن جملة جهالاتهم أنه كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر سمعنا وفي الباطن عصينا، أو كانوا يقولون كلا اللفظين ظاهراً إظهاراً للعناد والمرود والكفر والجحود، ومنها قولهم للنبي ﴿ اسمع غير مسمع ﴾ وهو كلام ذو وجهين: أما احتماله المدح فلقول العرب: أسمع فلان فلاناً إذا سبه وإذا كان المراد: اسمع غير مسمع مكروهاً كان مدحاً وتوقيراً ونصحاً.
وأما احتمال الذم فبأن يكون معناه اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت، لان من كان أصم فإنه لا يسمع فلا يسمع، أو بأن يراد اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه أي غير مسمع جواباً يوافقك، أو بأن يراد اسمع غير مسمع كلاماً ما ترتضيه، وعلى هذا يجوز أن يكون ﴿ غير / مسمع ﴾ مفعول ﴿ اسمع ﴾ لا حالاً من ضميره أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك لنبوّ سمعك عنه.
ومنها قولهم له ﴿ راعنا ﴾ وقد عرفت احتمالاته في البقرة.
وإنما جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد تصريحهم بالعصيان على وجه لأن المواجهة بالعصيان أهونخطباً في العرف من المواجهة بالسب ودعاء السوء ولهذا كانت الكفرة يواجهونه بالأول دون الثاني ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ مفعول لأجله، أو مصدر لمحذوف، أو لـ ﴿ يقولون ﴾ لأنه في معنى اللي أيضاً وعينه "واو" بدليل لويت فقلبت وأدغمت، والمعنى: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون ﴿ راعنا ﴾ موضع ﴿ انظرنا ﴾ و ﴿ غير مسمع ﴾ موضع لا سمعت مكروهاً، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً، أو لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام سخرية وطعناً على عادة المستهزئين، فبين الله أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء طعناً في الدين ونبه بذلك على ما كانوا يقولونه فيما بينهم إنا نشتمه ولا يعرفه ولو كان نبياً لعرف بإظهار ذلك عليه فانقلب ما جعلوه طعناً في الدين دلالة قاطعة على صحته لأن الإخبار عن الغيب معجز.
﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ﴾ بدل قولهم: ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ إذ وضح لهم الآيات وثبت لهم البينات كرات بعد مرات و ﴿ اسمع ﴾ دون أن يقال معه ﴿ غير مسمع ﴾ ﴿ وانظرنا ﴾ مكان ﴿ راعنا ﴾ ﴿ لكان ﴾ قولهم ذلك ﴿ خيراً لهم وأقوم ﴾ أعدل لا أشد من قولهم: "رمح قويم" أي مستقيم ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ أي بسببه ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بالله وبالتوراة وببعض الأنبياء دون سائر رسله.
أو إلاّ قليلاً منهم آمنوا لأن "فعيلاً" قد يراد به الجمع كقوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ أو أراد بالقلة العدم.
ثم زجرهم عن كفر الجحود والعناد بقوله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآية.
والطمس المحو.
يقال: طريق طامس ومطموس، ومفازة طامسة الأعلام، وطمست الكتاب محوته.
وهو في الآية حقيقة أو مجاز قولان.
والمعنى على الأول محو تخطيط صورها وأشكالها من عين وحاجب وأنف وفم.
والفاء في ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ إما للتسبيب أي فنجعل الوجوه بسبب هذا الطمس على هيئة أقفائها مطموسة مثلها، لأن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس والتخاطيط، فإذا أزيلت ومحيت لم يبق فرق بينها وبين القفا.
وإما للتعقيب على أن العقوبة شيئان: إحداهما عقيب الأخرى الطمس، ثم نكس الوجه إلى خلق والأقفاء إلى قدام.
وإنما يكون هذا عقوبة لما فيه من تشويه الخلقة والمثلة والفضيحة كما قال في حق أهل النار ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ﴾ على أن وجوههم مردودة إلى أقفائهم فتدرك الكتابة وتقرأ من هناك.
وأما المعنى على القول / الثاني فعن الحسن: نطمسها عن الهدى ونردها بالخذلان على أدبارها أي على ضلالاتها وشبهاتها.
وذلك أن المتوجه إلى عالم الحس معرض عن عالم العقل، وبقدر الإقبال على ذاك يحصل الإدبار عن هذا.
وقال عبد الرحمن بن زيد: نردهم إلى حيث جاؤوا منه وهي أذرعات الشام.
يريد إجلاء بني قريظة والنضير.
والطمس على هذا إما تقبيح الوجوه وإما إزالة آثارهم عن ديار العرب.
وقيل: الطمس القلب والتغيير.
والمراد بالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وأدبارهم.
والضمير في قوله: ﴿ أو نلعنهم ﴾ إما للوجوه إن أريد بها الوجهاء، وإما لإصحاب الوجوه لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات.
فإن قيل: فأين وقوع الوعيد؟
فالجواب أنه مشروط بعدم إيمان جميعهم ولكنه قد آمن ناس من علمائهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.
حكي أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.
وأيضاً إنه ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه بل إياه أو اللعن.
فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان.
واللعن الموعود ظاهره اللعن المتعارف لا المسخ.
وقيل: هو منتظر ولهذا قيل: ﴿ وجوهاً ﴾ منكرة دون "وجوهكم" ليشمل وجوهاً غير المخاطبين من أبناء جنسهم، ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة.
وقيل: إنّ قوله: ﴿ آمنوا ﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم فلزم أن يكون قوله: ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ واقعاً في الآخرة.
فالتقدير: آمنوا من قبل أن يجيء الوقت الذي نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ لأنه لا راد لحكمه ولا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، وهذا كما يقال في الشيء الذي لا يشك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد، فإذا حكم بإنزال العذاب على قوم فعل ذلك ألبتة.
والمراد بالأمر الشأن والفعل الذي تعلق إرادته به لا الأمر الذي هو أحد أقسام الكلام، فلا يصح استدلال الجبائي بالآية على أن كلامه مفعول أي مخلوق.
ثم بين أن مثل هذا التهديد من خواص الشرك والكفر فقال: ﴿ إن الله لا يغفر ﴾ الآية.
وفي الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع لاتصالها بقصتهم، ولأنها دلت على أن ما سوى الشرك مغفور واليهودية غير مغفورة بالإجماع.
ومن هنا قال الشافعي: المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك، والمشرك المباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في النهي فيبقى / معمولاً به في سقوط القصاص عن قاتله.
واستدلت الأشاعرة بالآية على غفران صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن ما دون الشرك يشمله.
والمعتزلة خصصوا الثاني بمن تاب كما أن الأول مخصص بالإجماع بمن لم يتب.
قالوا: ونظيره قولك: "إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء".
المعنى لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله.
والمشيئة تكون قصداً في الفعلين: المنفي والمثبت جميعاً، لأنه إن شاء لم يتب المشرك فلا يترتب عليه الغفران، وإن شاء تاب صاحب الكبيرة فيستوجب الغفران.
وروى الواحدي في البسيط بإسناده عن ابن عمر قال: "كنا على عهد رسول الله إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادة" .
وقال ابن عباس بمحضر عمر: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر.
وعن ابن عباس: "لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه الإعتاق إن هو فعل ذلك.
ثم إنهم ما وفوا بذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي ندمهم، وأنه لا يمنعهم من الدخول في الإسلام إلاّ قوله : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية فنزل قوله: ﴿ إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ﴾ فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ فدخلوا عند ذلك في الإسلام" ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى ﴾ اختلق وافتعل ﴿ إثماً عظيماً ﴾ لأنه ادعى ما لا يصح كونه.
عن ابن عباس في رواية الكلبي "أن قوماً من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟
فقال: لا.
فقالوا: والله ما نحن إلاّ كهيئتهم.
ما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل" .
وكانوا يقولون: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ ﴿ لن يزكون أنفسهم ﴾ ويدخل فيه كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل أو قبول الطاعة والزلفى عند الله ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ وإن تزكيته هي التي يعتد بها كما أخبر عنه رسول الله بقوله: " "والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض" وكفى بإظهار المعجزات على يده تزكية له وتصديقاً لقوله: ﴿ ولا يظلمون فتيلاً ﴾ هو ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ "فعيل" بمعنى "مفعول" ابن السكيت: هو ما كان في شق النواة.
والضمير للذين يزكون أن يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو لمن يشاء أي يثابون على زكاتهم من غير نقص شيء من ثوابهم.
ثم عجب النبي من فريتهم وادعاء زكاتهم ومكانتهم عند الله فقال: ﴿ انظر كيف / يفترون على الله الكذب وكفى به ﴾ أي بزعمهم هذا ﴿ إثماً مبيناً ﴾ من بين سائر آثامهم.
قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله ، ونقضوا العهد الذي بينه وبين رسول الله .
فنزل كعب على أبي سفيان والآخرون في دور قريش.
فقال لهم أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم.
فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما فذلك قوله: ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد ؟
فقال كعب: اعرضوا علي دينكم.
فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقهم الماء ونقري الضعيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث.
فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه فأنزل الله : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ يعني كعباً وأصحابه.
فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمداً يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا.
قالا: صدق والله ما حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده.
وقد مر معنى الطاغوت في تفسير آية الكرسي.
وأما الجبت ففي الصحاح أنه كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك وليس من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقي.
وحكى القفال عن بعضهم أن أصله جبس فأبدلت السين تاء والجبس هو الخبيث الرديء.
وقال الكلبي: الجبت في الآية هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف, وكانت اليهود يرجعون إليهما فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم فلا جرم جزاهم الله بقوله: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ وبالحري إذ جعلوا من هو أضل من النعام وأقل من الأنعام حيث رضوا بمعبودية الأصنام أهدى سبيلاً وأفضل حالاً من الذين هم أشرف الأنام باختيارهم دين الإسلام الذي هو عبادة ذي الجلال والإكرام ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ وعيد لهم بلزوم الإبعاد والطرد ولصوق العار والصغار، ووعد لنبيه والمؤمنين بالاستيلاء والاستعلاء عليهم إلى يوم القيامة.
والخطاب في ﴿ فلن تجد ﴾ للنبي أو لكل طالب يفرض: ثم لما وصفهم بالضلال والإضلال وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ما أوتي من النعمة، والحاسد يتمنى أن يزول عن الغير ما أوتي من الفضيلة.
و "أم" / قيل: إنها متصلة وقد سبقها استفهام في المعنى كأنه لما حكى قولهم للمشركين أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين قال: أمن ذلك يتعجب أم من قولهم لهم نصيب من الملك مع أنهم لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل؟
وقيل: الميم زائدة والتقدير ألهم نصيب؟
والأصح أنها منقطعة كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل ألهم نصيب من الملك؟
ومعنى الآية أنهم كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ويخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودينهم فكذبهم الله.
وقيل: المراد بالملك التمليك يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير فكيف يقدرون على النفي والإثبات؟
وقال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال وكانوا في عزة ومنعة كما تكون أحوال الملوك، ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل فنزلت الآية فيهم.
وعلى هذا فإنما يتوجه الإنكار على أنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً.
وعلى الأقوال المتقدمة يتوجه الإنكار على أن لهم نصيباً من الملك فكأنه جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم فإن البخل والملك لا يجتمعان كما قيل: بالبر يستعبد الحر والإنسان عبد الإحسان.
البخيل تنفر الطباع عن الانقياد له فلا يتيسر له أسباب المملكة، وإن اجتمعت بالندرة فسوف تضمحل.
وإنما لم يعمل "إذن" لدخول الفاء عليه.
وذلك أن ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط العاطف بعض الكلام ببعض فينخرم تصدره فكأنه معتمد فترجح إلغاؤه وارتفاع الفعل بعده.
وجاء في قراءة ابن مسعود ﴿ فإذن لا يؤتوا ﴾ بالأعمال وليس بقوي.
والنقير نقرة في ظهر النواة "فعيل" بمعنى "مفعول" ومنها "نبتت النخلة" وهو مثل في القلة كالفتيل.
فإن قيل: كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيراً وكثيراً ما يشاهد منهم بذل الأموال؟
قلنا: المدعى عدم إيتاء النقير على تقدير حصول الملك ويراد به الملك الظاهر كما لملوك الدنيا، أو الباطن كما للعلماء الربانيين، أو كلاهما كما للأنبياء.
وحصول شيء من هذه الأقسام لهم ممنوع لما ضربت عليهم الذلة والمسكنة.
ولئن فرض حصول شيء منها فما يدريك لعل الشح يغلب عليهم حتى لا يشاهد منهم بذل نقير كما أخبر عنهم علام الغيوب.
وأما على تفسير الأصم فلعل المراد لأنهم لا يبذلون شيئاً نسبته إلى ما يملكونه كنسبة النقير إلى النواة، أو أنهم لا يطيبون بذلك نفساً لغلبة الشح عليهم والله أعلم بمراده.
هذا بيان بخلهم، أما بيان حسدهم فذلك قوله: ﴿ أم يحسدون ﴾ وهي منقطعة والتقدير: بل أيحسدون الناس يعني النبي والمؤمنين.
فإن كان اللام للعهد فظاهر وإن كان للجنس فلأنهم هم الناس والباقون هم النسناس.
ومعنى الهمزة إنكار الحسد واستقباحه.
/ والمراد بالفضل ما آتاهم الله من أشرف المناصب وهو النبوة والخاتمية وما كان ينضم إليها كل يوم من النضرة والعزة والاستيلاء والاستعلاء، والفاضل محسود بكل أوان، والحاسد مذموم بكل لسان.
ثم نبّه على ما يزيل التعجب من شأن محمد صلى الله عليه وفقال: ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ الذين هم أسلاف محمد ﴿ الكتاب ﴾ الذي هو بيان الشرائع ﴿ والحكمة ﴾ التي هي الوقوف على الأسرار والحقائق والعمل بما يتضمن صلاح الدارين ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ عن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان، فليس ببدع أن يؤتى إنسان ما أوتي أسلافه.
وقيل: من جملة حسدهم أنهم استكثروا نساء النبي فقيل لهم: كيف أستكثرتم له التسع وكان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟
﴿ فمنهم ﴾ أي من اليهود ﴿ من آمن به ﴾ أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله ومنهم من أنكر نبوته، أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر.
والمعنى أن أولئك الأنبياء جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن بهم وبعضهم بقوا على كفرهم، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء والغرض تثبيت النبي وتسليته ﴿ وكفى بجهنم ﴾ لعذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين ﴿ سعيراً ﴾ .
ثم أكد وعيد الكفار بقوله: ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ ويدخل فيها كل ما يدل على ذات الله وصفاته وأفعاله وأسمائه وملائكته والكتب والرسل.
وكفرهم بها أن ينكروا كونها آيات أو يغفلوا عنها ولا ينظروا فيها، أو يلقوا الشكوك والشبهات فيها، أو ينكروها مع العلم بها عناداً وحسداً وبغياً ولدداً.
وههنا سؤال وهو أنه قادر على إبقائهم في النار أحياء معذبين من غير أن تحترق جلودهم، فما الحكمة في إنضاج جلودهم؟
والجواب لا يسأل عما يفعل كما أنه قادر على إيصال الآلام إليهم من غير إدخالهم النار مع أنه لا يمكن أن يقال لم عذبهم بإدخالهم النار.
وسؤال آخر وهو أنه كيف يعذب مكان الجلود العاصية جلوداً لم تعص؟
والجواب يجعل النضيج غير نضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة ويؤيده قول أهل اللغة: تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدله، وأبدلت الشيء غيرته، فالتبديل تغيير الصفة أو الذات.
والإبدال تغيير الذات.
وصاحب الكشاف جزم بأن المراد من هذا التبديل هو تغيير الذات فلهذا فسر التبديل بالإبدال، ولعله إنما حمله على ذلك وصف الجلود بقوله: ﴿ غيرها ﴾ ولقائل أن يقول: المغايرة أعم من أن تكون في الذات أو في الصفات، فما أدراك أنها في الآية مغايرة الذات لا الصفات اللهم إلا أن يعضده نقل صحيح فيكون الجواب.
عن السؤال أن المعذب هو الإنسان، والجلد ليس جزءاً من ماهيته / وإنما هو سبب لوصول العذاب إليه.
أو يقال: المراد الدوام وعدم الانقطاع، ولا نضج ولا احتراق أي كلما ظنوا أنهم احترقوا وأشرفوا على الهلاك أعطيناهم قوة جديدة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا.
وقال السدي: يخرج من لحم الكافر جلد آخر وفي هذا التأويل بعد لأن لحمه متناه فعند نفاده لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد فيعود أول السؤال.
وقيل: المراد بالجلود السرابيل ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ وضعف بأنه ترك للظاهر وأن السرابيل لا توصف بالنضج ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله أي أدامك على عزك وزادك فيه، أو ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب.
والمراد بالذوق أن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كإحساس الذائق بالمذوق ﴿ إنّ الله كان عزيزاً ﴾ لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿ حكيماً ﴾ لا يفعل إلاّ الصواب ثم قرن الوعد بالوعيد على عادته فقال: ﴿ والذين آمنوا ﴾ الآية.
قال الواحدي: الظليل ليس بمبني على الفعيل حتى يقال إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل مشتق من لفظه كقولهم: "ليل أليل".
قيل: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرهافما فائدة وصفها بالظل؟
وأيضاً المواضع التي لا يصل نور الشمس إليها في الدنيا يكون هواؤها عفناً فاسداً فما معنى وصف هواء الجنة بذلك؟
والجواب المنع من أنه لا شمسهنالك حتى يوجد ضوء ثان هو الظل، والمراد بالظل الظليل ما كان فيناناً، أي منبسطأً لا جوب فيه أي لا فرج لالتفاف الأغصان، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجساجاً لا حر فيه ولا برد.
وعند الحكماء: المراد بالظل الراحة لأنه من أسبابها ولا سيما في البلاد الحارة كبلاد العرب.
فلما كان هذا مطلوباً عندهم صار موعوداً لهم.
التأويل: ﴿ لو تسوّى بهم الأرض ﴾ أي يتمنون أن يخلوا في عالم الطبيعة ولم ينكشف لهم عالم الحقيقة كيلا يروا ما يرون من عذاب القطيعة، كما أن السكران ممنوع من الصلاة.
فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ من غلبات الأحوال فإن التكاليف حينئذ زائلة ﴿ ولا جنباً ﴾ بالالتفات إلى غير الله فإن الصلاة إذ ذاك باطلة.
وتستثنى من الحالة الأولى حالة الشعور، ومن الثانية حالة العبور " كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل" فهذا القدر من الالتفات من المحظورات التي أباحها الضرورات.
﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ بحب الدنيا ﴿ أو على سفر ﴾ في متابعة الهوى ﴿ أو جاء / أحد منكم الغائط ﴾ في قضاء شهوة من الشهوات ﴿ أو لامستم ﴾ عجوز الدنيا في تحصيل لذة من اللذات ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ التوبة والاستغفار ﴿ فتيمموا ﴾ فتمعكوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام.
﴿ من الذين هادوا ﴾ يعني دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ يؤولونها على حسب إرادتهم ﴿ ويقولون سمعنا ﴾ ما في القرآن، بالمقال ﴿ وعصينا ﴾ بالفعال وينكرون على أرباب المقامات والأحوال ويقولون اسمع ﴿ غير مسمع وراعنا ﴾ يخاطبونهم بكلام ذي وجهين ﴿ ليا بألسنتهم وطعناً ﴾ في أهل الدين.
﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ ظاهراً ولم يؤتوا علم باطن الكتاب ﴿ آمنوا بما نزلنا ﴾ على الأولياء من علم باطن القرآن ﴿ مصدقاً لمامعكم ﴾ من العلم الظاهر لأن أهل العلم اللدني يصدقون أهل العلم الظاهر، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء لأنه لا يناسب عقولهم ﴿ من قبل أن نطمس ﴾ وجوه القلوب بالعمى والصمم ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ ناظرين إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانوا ناظرين في الميثاق إلى يومها ﴿ أو نلعنهم ﴾ نمسخ صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية كما مسخنا أصحاب السبت بالصورة، ومسخ المعنى أصعب من مسخ الصورة لأن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للشرك ثلاث مراتب وكذا للمغفرة.
فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام من عبدة الكواكب والأصنام فلا يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية.
وشرك خفي بالأوصاف للخواص وهو شوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية، فلا يغفر إلاّ بالوحدانية وهو إفراد الواحد للواحد.
وشرك أخفى للأخص وهو رؤية الأغيار والأنانية فلا يغفر إلا بالوحدة وهو فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية.
﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ من أهل العلوم الظاهرة تعلموا العلم ليباهوا به العلماء أو ليماروا به السفهاء فحصل له صفات ذميمة أخرى مثل المباهاة والمماراة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وغلبة الأقران والأنداد ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ بتسليم نفوسهم إلى ارباب التزكية من العلماء الراسخين والمشايخ المحققين كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فإذا سلموا أنفسهم إليهم وصبروا على تصرفاتهم رأوا أثر الزكاة فيهم ولن يضيع سعيهم ﴿ يؤمنون بالجبت ﴾ بجبت النفس الأمّارة وطاغوت الهوى ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾ من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ﴾ بكل ما أمر الله به ورسوله.
ثم وصفهم بالبخل والحسد ثم قال: ﴿ فقد آتينا آلإبراهيم ﴾ يعني أهل الخلة والمحبة ﴿ الكتاب والحكمة ﴾ العلم الظاهر والعلم الباطن ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ هو معرفة الله ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه ﴾ لأن من / العلماء مقبلين ومنهم مدبرين ﴿ وكفى بجهنم ﴾ نفسهم الحاسدة ﴿ سعيراً ﴾ تحرق حسناتهم فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ بأوليائنا الذين هم مظاهر آيات الحق وحجج الله على الخلق ﴿ سوف نصليهم ﴾ نار الحسد والغضب والكبر والعجب ﴿ كلما نضجت جلودهم ﴾ أي انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها.
ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال ﴿ بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ فإن دواعي الحرص والغضب والشهوة لا تتناهى ألبتة ما دامت النفس على صفة الأمرية، فلن تزال أسيرة في يد الشهوات ذائقة لعذاب التغلقات ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ﴾ أي نجذبهم بجذبات العناية إلى ﴿ جنات ﴾ من الوصلة ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشوف ﴿ لهم فيها أزواج ﴾ من تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ مطهرة ﴾ من لوث الوهم والخيال ﴿ وندخلهم ظلاً ظليلاً ﴾ هو ظل شمس عالم الوجود يوم لا ظل إلاّ ظله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ .
قيل: هم اليهود، جاءوا بأبنائهم أطفالا، فقالوا: يا محمّد، هل على أولادنا هؤلاء من ذنب؟
قال: "لا"، قالوا: فوالذي يُحْلَفُ به ما نحن إلا كهيئهم، ما من ذنب نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل، وما عملنا بالليل إلا كفر عنا بالنهار، فذلك التزكية منهم.
وقيل: تزكيتهم أنفسهم بقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ لا ذنوب لنا.
ويحتمل: أن تكون تزكيتهم أنفسهم ما قال الله - عز وجل - ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ وكان أكثر الأنبياء - عليهم السلام - إنما بعثوا من بني إسرائيل، وكانوا يزكون أنفسهم بذلك، فأخبر - عز وجل - أنهم كانوا مفضلين على غيرهم، لكن لما فضل غيرهم عليهم صار أولئك المفضلون دونهم وذلك، قوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ ﴾ يفضل من يشاء، أو يبرىء من يشاء من الذنوب.
ثم التزكية تذم؛ أن يزكي أحد نفسه؛ لأن التزكية هي التنزيه من العيوب كلها والذنوب، وذلك مما لا يسلم أحد منها، ولا يبرأ، ولا يستحق مخلوق، وذلك معنى النهي: ﴿ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ إذ تخرج التزكية مخرج التكبر، وذلك لجهله بنفسه لما لا يرى غيره شكل نفسه ولا مثله فيتكبر عليه، ولو عرف أنه مثله وشكله ما تكبر على أحد قط، ولا زكي نفسه.
وقول الرجل: أنا مؤمن، ليس ذلك منه تزكية، إنما هو إخبار عن شيء أكرم به، والتزكية هي التي يرى ذلك من نفسه.
وقوله - أيضاً -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ ليس في إظهار الإيمان تزكية؛ لما لا يخلو من أن تظهر لمن أبى مشاركتك فيه، فعليك الإظهار بحق الدعوة إليه؛ لتدعوه إلى ما تدين به، أو هو يشاركك فيه، والتزكية - في الحقيقة - فيما يوجب تقديمك، وليس في هذا.
وأيضاً: إن القول بالإيمان ليس بمقدر عن معنى العبادة، أو سبب فيه علو من حيث ذلك، إنما هو خبر عن أمر هو في اللغة تصديق، والتصديق بأمر هو كذلك ليس بالذي يعد في الرتب، بل على كل ذلك، ولا أحد إلا وقد يؤمن بأشياء ويصدق، فليس في القول به منقبة، وكذلك ما من أحد إلا وعليه التكذيب بأمور، فلا بالتكذيب في الإطلاق لوم، ولا بالتصديق بالإطلاق مدح؛ إذ كل في ذلك، لكن الذم في تكذيب يكذب به، فيكون من حيث كذبك ذممت، ثم تتفاوت على تفاوت درجات الكذب.
ثم التصديق لو كان ثم مدح فهو بصدقه أيضاً، ولا أحد يخرج الصدق كله؛ فيصير المرء بوصفه نفسه صادقاً في شيء تزكية ومدحاً، ولا قوة إلا بالله.
على أن للإيمان حدّاً، وكل عبادة ذات حد، فلا امتداح ممن قد أداها بالإخبار عن الأداء، وبخاصة الفرائض منها، نحو من يقول: قد صليت الظهر، أو أديت زكاة مالي، أو حججت، أو نحو ذلك، وفيما يقول: هو بر، أو تقى، أو حبيب الله - - أو نحو ذلك مما يرجع ذلك إلى ما لا يعرف حده من الخيرات، فهو بذلك [يرتفع على الأمثال، ويفتخر عليهم] فيما لو كان صادقاً كان في ذلك منه إغفال عن حق ذلك، ولو كان كاذباً كان ذلك جائزاً فيه، ممقوتاً بالكذب، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾ .
عن ابن عباس - - قال: الفتيل: ما فتلت بين أصبعيك.
والنقير: ما يكون وسط النواة.
وقيل: النقير والقطمير: قشرة النواة.
وقيل: الفتيل - أيضا -: ما يكون وسط النواة.
وقيل: النقير: الذي يكون في ظهر النواة، وهو على التمثيل.
وقيل في حرف حفصة: (ألم ترى إلى الذين قالوا إنا نزكي أنفسنا بل الله يزكي من يشاء).
وقوله - عز وجل -: ﴿ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْماً مُّبِيناً ﴾ الآية ظاهرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ ﴾ .
قيل: أعطوا حظّاً من الكتاب، وهم علماؤهم.
﴿ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ ﴾ اختلف فيه: قيل: الجبت: الشيطان، والطاغوت: الكاهن.
وقيل: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان.
وعن ابن عباس - ما - قال: الجبت: الشيطان بكلام الحبشة، والطاغوت: كهان العرب.
وقيل: الجبت: الكاهن، والطاغوت: الشيطان.
وقيل: الجبت: حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف.
يخبر - عز وجل - عن سفههم بإيمانهم بهؤلاء وحسدهم محمداً وأصحابه، ويحذر المؤمنين من صنيعهم؛ لأن هؤلاء كانوا علماءهم مؤمنين بالجبت [والطاغوت].
﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ﴾ .
قيل في القصة: إن هؤلاء أتوا مكة؛ ليحالفوا قريشاً على رسول الله وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله قبل أجله، ففعلوا، فدخل أبو سفيان البيت في مثل عدتهم، فكانوا بين أستار الكعبة، فتحالفوا على رسول الله وعلى أصحابه - م -: لتكونن كلمتنا واحدة ولا يخذل بعضنا بعضاً، ففعلوا، ثم قال أبو سفيان: ويحكم يا معشر اليهود، أينا أقرب إلى الهدى وإلى الحق، أنحن أم محمد وأصحابه؟
فإنا نعمر هذا المسجد، ونحجب هذه الكعبة، ونسقي الحاج، ونفادي الأسير، أفنحن أفضل أم محمد وأصحابه؟
قالت اليهود: لا، بل أنتم، فذلك قوله - -: ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ﴾ .
وفي حرف حفصة: (ويقولون للذين أشركوا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا).
ثم قال الله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾ .
واللعن يكون على وجوه: اللعن: هو العذاب.
وقيل: ﴿ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ : عذبهم الله.
واللعين: هو الممنوع عن الإحسان والإفضال.
وقيل: هو الطريد، أي: طردوا من رحمة الله وإفضاله وإحسانه.
قال: الطاغوت: هو اسم اشتق من الطغيان: كالرحموت والرهبوت، من الرحمة والرهبة، ونحو ذلك، سمي به كل من انتهى في الطغيان غايته، حتى استحل أن يُعْبَدَ هو دون الله، فهو طاغوت، وعلى ذلك [تأويل] قوله - -: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ ﴾ أي: بعبادة كل من عبد دون الله.
وقيل: هم مردة أهل الكتاب.
وقيل: هو الشيطان.
وقيل: الصنم، وذلك كله يرجع إلى ما ذكرت.
وقيل في ذلك: كاهن، وقد سمي جبتاً.
وقيل في الجبت: السحر، فإن كان الجبت السحر فهو على ما قال: ﴿ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ...
﴾ الآيات [البقرة: 102]، وأي شيء مما ذكرت قد كانوا آمنوا بذلك، فعيرهم الله - - وسَفَّه أحلامهم بالإيمان بمن ذكرت، ومظاهرتهم على ما لهم من الأتباع على رسول الله رب والعزة بعد علمهم بموافقته - - رُسُلهُم وتصديقه بكتبهم؛ وعلمهم بعدول أولئك عن هذه الرتبة؛ بغياً وحسداً، وكان في إظهار ذلك عليهم بيان الرسالة، وإعلام أتباعهم تحريفهم كتب الرسل، وإبداء ما في قلوبهم من الحسد؛ لتزول الشبهة عن الأتباع، وتظهر المعاندة في المتبوعين، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيراً ﴾ اختلف فيه: قيل: لو كان لهم نصيب من الملك فإذن لا يؤتون الناس نقيراً من بخلهم، وقلة خيرهم.
وقيل: لهم نصيب من الملك من الشرف والأموال والرياسة فيما بينهم، لكن [لا يأتون الناس] نقيراً، فكيف يتبعونهم؟!.
وقيل: قوله - -: ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ ﴾ .
أي: ليس لهم نصيب من الملك فكيف يؤتون الناس شيئاً؟!
إنما الملك لله - عز وجل - هو الذي يؤتي الملك من يشاء؛ كقوله - -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ...
﴾ الآية [آل عمران: 26]، إنما يستفاد ذلك بالله - عز وجل - لا بأحد دونه، والله - - أعلم.
أولئك الذين يعتقدون هذا الاعتقاد الفاسد هم الذين طردهم الله من رحمته، ومن يطرده الله فلن تجد له نصيرًا يتولاه.
<div class="verse-tafsir" id="91.k18MN"
﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ سبق في الآيات قبل هذه أن اليهود حكموا بأن المشركين أهدى سبيلًا من المؤمنين، وذلك من الحسد والغرور بأنفسهم فإنهم يقولون ذلك مع أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت فهم في شر حال، ويعيبون من هم في أحسن حال، فالله تعالى يقول إن هؤلاء يريدون أن يضيق فضل الله بعباده ولا يجبون أن يكون لأمة من الأمم فضلٍ أكثر مما لهم أو مثله أو قريبًا منه لما استحوذ عليهم من الغرور بنسبهم وتقاليدهم مع سوء حالهم، فكأنه قال: هل غرر هؤلاء بأنفسهم تغريرًا، أم لهم نصيب من الملك في هذا الكون فهم يمنعون الناس فلا يأتونهم منه نقيرًا، أم يحسدون على ما أعطاهم الله من فضله، أي العرب.
﴿ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ والعرب منهم فإنهم من ذرية ولده إسماعيل، وقد كانت ظهرت تباشير الملك العظيم فيهم عند نزول هذه الآيات، فإنها مدينة متأخرة وكانت شوكة المسلمين قد قويت، فالآية مبشرة لهم بالملك الذي يتبع النبوة والحكمة، والحاصل أن حال اليهود يومئذ كان لا يعدو هذه الأمور الثلاثة، إما غرور خادع يظنون معه أن فضل الله محصور فيهم، ورحمته تضيق عن غير شعب إسرائيل من خلقه، وإما حسبان أن ملك الكون في أيديهم فهم لا يسمحون لأحد بشيء منه ولو حقيرًا كالنقير، وإما حسد العرب على ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة والملك الذي ظهرت مبادئ عظمته.
﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ﴾ : يرجع الضمير إلى ما ذكر من الكتاب والحكمة والملك العظيم، فأما الإيمان بالكتاب والحكمة فظاهر، وأما الإيمان بالملك فهو الإيمان بوعد الله تعالى به، وهكذا شأن الناس في كل شيء لا يتفقون عليه وإنما يأخذ به بعضهم ويعرض عنه آخرون.
<div class="verse-tafsir"