الآية ٥٤ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٥٤ من سورة النساء

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا ٥٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 114 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٤ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٤ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) يعني بذلك : حسدهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما رزقه الله من النبوة العظيمة ، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له ; لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل .

قال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدثنا يحيى الحماني ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن السدي ، عن عطاء ، عن ابن عباس قوله : ( أم يحسدون الناس ) [ على ما آتاهم الله من فضله ] ) الآية ، قال ابن عباس : نحن الناس دون الناس ، قال الله تعالى : ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ) أي : فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل - الذين هم من ذرية إبراهيم - النبوة ، وأنزلنا عليهم الكتب ، وحكموا فيهم بالسنن - وهي الحكمة - وجعلنا فيهم الملوك

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " أم يحسدون الناس "، أم يحسد هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود، كما:- 9812 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " أم يحسدون الناس "، قال: يهود.

9813 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9814 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة مثله.

* * * وأما قوله: " الناس "، فإن أهل التأويل اختلفوا فيمن عَنَى الله به.

فقال بعضهم: عنى الله بذلك محمدًا صلى الله عليه وسلم خاصةً.

*ذكر من قال ذلك: 9815 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط قال، أخبرنا هشيم، عن خالد، عن عكرمة في قوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، قال: " الناس " في هذا الموضع، النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصةً.

9816 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثني أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم.

9817 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس مثله.

9818 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، قال: " الناس "، محمدًا صلى الله عليه وسلم.

9819 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول، فذكر نحوه.

* * * وقال آخرون: بل عنى الله به العرب.

*ذكر من قال ذلك: 9820 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، أولئك اليهود، حسدوا هذا الحيَّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إنّ الله عاتب اليهودَ الذين وصف صفتهم في هذه الآيات، فقال لهم في قيلهم للمشركين من عبدة الأوثان إنهم أهدى من محمد وأصحابه سبيلا على علم منهم بأنهم في قيلهم ما قالوا من ذلك كذَبة = : أتحسدون محمدًا وأصحابه على ما آتاهم الله من فضله.

(8) * * * وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ما قبل قوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، مضى بذّم القائلين من اليهود للذين كفروا: " هؤلاء أهدىَ من الذين آمنوا سبيلا "، فإلحاق قوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، بذمهم على ذلك، وتقريظ الذين آمنوا الذين قيل فيهم ما قيل = أشبهُ وأولى، ما لم تأت دلالة على انصراف معناه عن معنى ذلك.

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل " الفضل " الذي أخبر الله أنه آتى الذين ذكرهم في قوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ".

(9) فقال بعضهم: ذلك " الفضل " هو النبوّة.

*ذكر من قال ذلك: 9821 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، حسدوا هذا الحيَّ من العرب على ما آتاهم الله من فضله.

بعث الله منهم نبيًا، فحسدوهم على ذلك.

9822 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: " على ما آتاهم الله من فضله "، قال: النبوة.

وقال آخرون: بل ذلك " الفضل " الذي ذكر الله أنه آتاهموه، هو إباحته ما أباح لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من النساء، ينكح منهن ما شاء بغير عدد.

قالوا: وإنما يعني: بـ " الناس "، محمدًا صلى الله عليه وسلم، على ما ذكرتُ قبل.

*ذكر من قال ذلك: 9823 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " الآية، وذلك أن أهل الكتاب قالوا: " زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع، وله تسع نسوة، ليس همه إلا النكاح!

فأيّ ملك أفضَلُ من هذا "!

فقال الله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ".

9824 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، يعني: محمدًا، أن ينكح ما شَاء من النساء.

9825 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله "، وذلك أن اليهود قالوا: " ما شأن محمد أُعطي النبوّة كما يزعم، وهو جائع عارٍ، وليس له هم إلا نكاحُ النساء؟" فحسدوه على تزويج الأزواج، وأحل الله لمحمد أن ينكح منهن ما شاء أن ينكح.

(10) * * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، قولُ قتادة وابن جريج الذي ذكرناه قبل: أن معنى " الفضل " في هذا الموضع: النبوّة التي فضل الله بها محمدًا، وشرّف بها العرب، إذ آتاها رجلا منهم دون غيرهم = لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية، تدلّ على أنها تقريظٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رحمة الله عليهم، (11) على ما قد بينا قبل.

وليس النكاح وتزويجُ النساء = وإن كان من فضْل الله جل ثناؤهُ الذي آتاه عباده = بتقريظ لهم ومدح.

* * * القول في تأويل قوله : فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أم يحسد هؤلاء اليهود = الذين وصف صفتهم في هذه الآيات = الناسَ على ما آتاهم الله من فضله، من أجل أنهم ليسوا منهم؟

فكيف لا يحسدون آل إبراهيم، فقد آتيناهم الكتاب = ويعني بقوله: " فقد آتينا آل إبراهيم "، فقد أعطينا آل إبراهيم، يعني: أهله وأتباعه على دينه (12) " الكتاب "، يعني كتاب الله الذي أوحاه إليهم، وذلك كصحف إبراهيم وموسى والزّبور، وسائر ما آتاهم من الكتب.

* * * = وأما " الحكمة "، فما أوحى إليهم مما لم يكن كتابًا مقروءًا (13) " وآتيناهم ملكًا عظيمًا ".

* * * واختلف أهل التأويل في معنى " الملك العظيم " الذي عناه الله في هذه الآية.

(14) فقال بعضهم: هو النبوّة.

*ذكر من قال ذلك: 9826 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ، قال: يهود =" على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب "، وليسوا منهم =" والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا "، قال: النبوّة.

9827 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله = إلا أنه قال: " ملكًا "، النبوّة.

* * * وقال آخرون: بل ذلك تحليلُ النساء.

قالوا: وإنما عنى الله بذلك: أم يحسدون محمدًا على ما أحلّ الله له من النساء، فقد أحل الله مثل الذي أحله له منهن، لداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء، فكيف لم يحسدوهم على ذلك، وحسدوا محمدًا عليه السلام؟

*ذكر من قال ذلك: 9828 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فقد آتينا آل إبراهيم "، سليمان وداود =" الحكمة "، يعني: النبوة =" وآتيناهم ملكًا عظيمًا "، في النساء، فما باله حَلّ لأولئك وهم أنبياء: أن ينكح داود تسعًا وتسعين امرأة، وينكح سليمان مئة، ولا يحل لمحمد أن ينكح كما نكحوا؟

* * * وقال آخرون: بل معنى قوله: " وآتيناهم ملكًا عظيمًا "، الذي آتى سليمان بن داود.

*ذكر من قال ذلك: 9829 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " وآتيناهم ملكًا عظيمًا ".

يعني ملكَ سليمان.

* * * وقال آخرون: بل كانوا أُيِّدوا بالملائكة.

*ذكر من قال ذلك: 9830 - حدثنا أحمد بن حازم الغفاري قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن همام بن الحارث: " وآتيناهم ملكًا عظيمًا "، قال: أُيِّدوا بالملائكة والجنود.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية = وهي قوله: " وآتيناهم ملكًا عظيمًا " = القولُ الذي رُوي عن ابن عباس أنه قال: " يعني ملك سليمان ".

لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، دون الذي قال إنه ملك النبوّة، ودون قول من قال: إنه تحليلُ النساء والملك عليهن.

(15) لأن كلام الله الذي خوطب به العرب، غيرُ جائز توجيهه إلا إلى المعروف المستعمل فيهم من معانيه، إلا أن تأتي دلالةٌ أو تقوم حُجة على أن ذلك بخلاف ذلك، يجبُ التسليم لها.

------------------ الهوامش : (8) في المطبوعة: "أم يحسدون" ، والصواب من المخطوطة.

(9) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف في فهارس اللغة.

(10) الأثر: 9825 - في المخطوطة والمطبوعة: "حدثت عن الحسين بن الفرج قال سمعت الضحاك يقول" ، أسقط من الإسناد ما أثبته.

وهو إسناد دائر في التفسير ، أقربه رقم: 9819.

وقد أسلفت أن مقالة اليهود هذه ، قد تلقفها من بعدهم أهل الضغن على محمد رسول الله ، ولا يزالون يبثونها في كتبهم ، وقد تعلق بها أشياعهم من أهل الضلالة المتعبدين لسادتهم من المستشرقين في زماننا هذا.

(11) في المطبوعة: "رضي الله عنهم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وقد فعلت ذلك مرارًا دون أن أنبه عليه في بعض المواضع.

(12) انظر تفسير"آل" فيما سلف 2: 37 / 3: 222 ، تعليق: 1 / 6: 326.

(13) انظر تفسير"الحكمة" فيما سلف 7: 369 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(14) انظر تفسير"الملك" فيما سلف 1: 148 - 150 / 2: 488 / 5: 312 ، 314 ، 371 / 6: 299 ، 300.

(15) انظر تفسير"الملك" فيما سلف 1: 148 - 150 / 2: 488 / 5: 312 ، 314 ، 371 / 6: 299 ، 300.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيمافيه مسائل :الأولى : قوله تعالى : أم يحسدون يعني اليهود .

الناس يعني النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ؛ عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما .

حسدوه على النبوة وأصحابه على الإيمان به .

وقال قتادة قلت : [ ص: 117 ] " الناس " : العرب ، حسدتهم اليهود على النبوة .

الضحاك : حسدت اليهود قريشا ؛ لأن النبوة فيهم .

والحسد مذموم وصاحبه مغموم وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ؛ رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال الحسن : ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد ؛ نفس دائم ، وحزن لازم ، وعبرة لا تنفد .

وقال عبد الله بن مسعود : لا تعادوا نعم الله .

قيل له : ومن يعادي نعم الله ؟

قال : الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ، يقول الله تعالى في بعض الكتب : الحسود عدو نعمتي متسخط لقضائي غير راض بقسمتي .

ولمنصور الفقيه :ألا قل لمن ظل لي حاسدا أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في حكمهإذا أنت لم ترض لي ما وهبويقال : الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء ، وأول ذنب عصي به في الأرض ؛ فأما في السماء فحسد إبليس لآدم ، وأما في الأرض فحسد قابيل لهابيل .

ولأبي العتاهية في الناس :فيا رب إن الناس لا ينصفونني فكيف ولو أنصفتهم ظلمونيوإن كان لي شيء تصدوا لأخذه وإن شئت أبغي شيئهم منعونيوإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم وإن أنا لم أبذل لهم شتمونيوإن طرقتني نكبة فكهوا بها وإن صحبتني نعمة حسدونيسأمنع قلبي أن يحن إليهمو وأحجب عنهم ناظري وجفونيوقيل : إذا سرك أن تسلم من الحاسد فغم عليه أمرك .

ولرجل من قريش :حسدوا النعمة لما ظهرت فرموها بأباطيل الكلموإذا ما الله أسدى نعمة لم يضرها قول أعداء النعمولقد أحسن من قال :اصبر على حسد الحسو د فإن صبرك قاتلهفالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكلهوقال بعض أهل التفسير في قول الله تعالى : ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين .

إنه إنما أراد بالذي من الجن إبليس والذي [ ص: 218 ] من الإنس قابيل ؛ وذلك أن إبليس كان أول من سن الكفر ، وقابيل كان أول من سن القتل ، وإنما كان أصل ذلك كله الحسد .

وقال الشاعر :إن الغراب وكان يمشي مشية فيما مضى من سالف الأحوالحسد القطاة فرام يمشي مشيها فأصابه ضرب من التعقالالثانية : قوله تعالى : فقد آتينا ثم أخبر تعالى أنه آتى آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتاهم ملكا عظيما .

قال همام بن الحارث : أيدوا بالملائكة .

وقيل : يعني ملك سليمان ؛ عن ابن عباس .

وعنه أيضا : المعنى أم يحسدون محمدا على ما أحل الله له من النساء فيكون الملك العظيم على هذا أنه أحل لداود تسعا وتسعين امرأة ولسليمان أكثر من ذلك .

واختار الطبري أن يكون المراد ما أوتيه سليمان من الملك وتحليل النساء .

والمراد تكذيب اليهود والرد عليهم في قولهم : لو كان نبيا ما رغب في كثرة النساء ولشغلته النبوة عن ذلك ؛ فأخبر الله تعالى بما كان لداود وسليمان يوبخهم ، فأقرت اليهود أنه اجتمع عند سليمان ألف امرأة ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ألف امرأة ؟

قالوا : نعم ثلاثمائة مهرية ، وسبعمائة سرية ، وعند داود مائة امرأة .

فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ألف عند رجل ومائة عند رجل أكثر أو تسع نسوة ؟

فسكتوا .

وكان له يومئذ تسع نسوة .الثالثة : يقال : إن سليمان عليه السلام كان أكثر الأنبياء نساء .

والفائدة في كثرة تزوجه أنه كان له قوة أربعين نبيا ، وكل من كان أقوى فهو أكثر نكاحا .

ويقال : إنه أراد بالنكاح كثرة العشيرة ؛ لأن لكل امرأة قبيلتين قبيلة من جهة الأب وقبيلة من جهة الأم ؛ فكلما تزوج امرأة صرف وجوه القبيلتين إلى نفسه فتكون عونا له على أعدائه .

ويقال : إن كل من كان أتقى فشهوته أشد ؛ لأن الذي لا يكون تقيا فإنما يتفرج بالنظر والمس ، ألا ترى ما روي في الخبر : ( العينان تزنيان واليدان تزنيان ) .

فإذا كان في النظر والمس نوع من قضاء الشهوة قل الجماع ، والمتقي لا ينظر ولا يمس فتكون الشهوة مجتمعة في نفسه فيكون أكثر جماعا .

وقال أبو بكر الوراق : كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع فإنه يصفي القلب ؛ ولهذا كان الأنبياء يفعلون ذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } أي: هل الحامل لهم على قولهم كونهم شركاءَ لله فيفضلون من شاءوا؟

أم الحامل لهم على ذلك الحسدُ للرسول وللمؤمنين على ما آتاهم الله من فضله؟

وذلك ليس ببدع ولا غريب على فضل الله.

{ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا } وذلك ما أنعم الله به على إبراهيم وذريته من النبوة والكتاب والملك الذي أعطاه من أعطاه من أنبيائه كـ"داود" و "سليمان" .

فإنعامه لم يزل مستمرًا على عباده المؤمنين.

فكيف ينكرون إنعامه بالنبوة والنصر والملك لمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأجلهم وأعظمهم معرفة بالله وأخشاهم له؟"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أم يحسدون الناس ) يعني : اليهود ، ويحسدون الناس : قال قتادة : المراد بالناس العرب ، حسدهم اليهود على النبوة ، وما أكرمهم الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : أراد محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وجماعة : المراد بالناس : رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده حسدوه على ما أحل الله له من النساء ، وقالوا : ما له هم إلا النكاح ، وهو المراد من قوله : ( على ما آتاهم الله من فضله ) وقيل : حسدوه على النبوة وهو المراد من الفضل المذكور في الآية ، ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ) أراد بآل إبراهيم : داود وسليمان ، وبالكتاب : ما أنزل الله عليهم وبالحكمة النبوة ( وآتيناهم ملكا عظيما ) فمن فسر الفضل بكثرة النساء فسر الملك العظيم في حق داود وسليمان عليهما السلام بكثرة النساء ، فإنه كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة حرة وسبعمائة سرية وكان لداود مائة امرأة ، ولم يكن يومئذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تسع نسوة ، فلما قال لهم ذلك سكتوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أم» بل «يحسدون الناس» أي النبي صلى الله عليه وسلم «على ما آتاهم الله من فضله» من النبوة وكثرة النساء، أي يتمنون زواله عنه ويقولون لو كان نبيا لاشتغل عن النساء «فقد آتينا آل إبراهيم» جده كموسى وداود وسليمان «الكتاب والحكمة» والنبوة «وآتيناهم ملكا عظيما» فكان لداود تسع وتسعون امرأة ولسليمان ألف ما بين حُرَّةِ وسرية.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بل أيحسدون محمدًا صلى الله عليه وسلم على ما أعطاه الله من نعمة النبوة والرسالة، ويحسدون أصحابه على نعمة التوفيق إلى الإيمان، والتصديق بالرسالة، واتباع الرسول، والتمكين في الأرض، ويتمنون زوال هذا الفضل عنهم؟

فقد أعطينا ذرية إبراهيم عليه السلام -من قَبْلُ- الكتب، التي أنزلها الله عليهم وما أوحي إليهم مما لم يكن كتابا مقروءا، وأعطيناهم مع ذلك ملكا واسعا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقل - سبحانه - من تبكيتهم على البخل وغيره مما سبق إلى تقريعهم على رذيلة الحسد التى استولت عليهم فأضلتهم وجعلتهم يتألمون لما يصيب الناس من خير ويتمنون زواله فقال - تعالى : ( أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ) .و ( أَمْ ) هنا منقطعة أيضا كسابقتها ، والاستفهام المقدر بعدها لإِنكار الواقع وهو حسدهم لغيرهم .والمراد من الناس : النبى صلى الله عليه وسلم أو هو والمؤمنون معه .

وقيل المقصود من الناس : العرب عامة .قال الفخر الرازى : والمراد من الناس - عند الأكثرين - أنه محمد صلى الله عليه وسلم .

وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد؛ لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا فى الجمع العظيم أو المراد بهم : الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين؛ لأن لفظ الناس جمع فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد .

وحسن لفظ إطلاق الناس عليهم لأنهم القائمون بالعبودية الحق لله - تعالى - فكأنهم كل الناس ..

.والمراد بالفضل فى قوله ( على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ) النبوة والهدى والإِيمان .والمعنى : إن هؤلاء اليهود ليسوا بخلاء فقط بل إن فيهم من الصفات ما هم أقبح من البخل وهو الحسد فقد حسدوا النبى صلى الله عليه وسلم لأن الله منحه النبوة وهو رجل عرب ليس منهم ، وحدسوا أتباعه لأنهم آمنوا به وصدقوه والتفوا من حوله يؤازرونه ويفتدونه بأرواحهم وأموالهم .وقوله ( فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الكتاب والحكمة وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً ) توبيخ لهم على حسدهم ، وإلزام لهم بما هو مسلم عندهم .والمعنى : إنكم بحسدكم للنبى صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله من فضله ، تكونون قد ظللتم وسرتم فى طريق الشيطان ، لأنكم لو كنتم عقلاء لما فعلتم لك ، إذ أنتم تعلمون علم اليقين أن الله - تعالى - قد أعطى ( آلَ إِبْرَاهِيمَ ) أى : قرابته القريبة من ذريته كإسماعيل - وهو جد العرب - وإسحاق ويعقوب وغيرهم .

.

أعطاهم ( الكتاب ) أى : جنس الكتب السماوية فيشمل ذلك التوارة والإِنجيل والزبور وغيرها .

وأعطاهم ( والحكمة ) أى العلم النافع مع العمل به .

وأعطاهم ( مُّلْكاً عَظِيماً ) أى سلطانا واسعا وبسطه فى الأرض .ومع ذلك فأنتم لم تحسدوا هؤلاء على ما أعطاهم الله من كتاب وحكمة وملك عظيم ، فلماذا تحسدون محمدا صلى الله عليه وسلم على ما أتاه الله من فضله مع أنه من نسل إبراهيم - عليه السلام -؟

.فالجملة الكريمة توبيخ لهم على أنانيتهم وحسدهم ، وإلزام لهم بما يعرفونه من واقع كتبهم ، وكشف للناس عن أن أحقادهم مرجعها إلى انطماس بصيرتهم ، وخبث نفوسهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: أم: منقطعة، والتقدير بل يحسدون الناس.

المسألة الثانية: في المراد بلفظ الناس قولان: الأول: وهو قول ابن عباس والأكثرين انه محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم، ومن هذا يقال: فلان أمة وحده، أي يقوم مقام أمة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتا  ﴾ .

والقول الثاني: المراد هاهنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين، وقال من ذهب إلى هذا القول: ان لفظ الناس جمع، فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد.

واعلم أنه إنما حسن ذكر الناس لارادة طائفة معينة من الناس، لأن المقصود من الخلق إنما هو القيام بالعبودية، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ فلما كان القائمون بهذا المقصود ليس إلا محمدا صلى الله عليه وسلم ومن كان على دينه كان وهو وأصحابه كأنهم كل الناس، فلهذا حسن إطلاق لفظ الناس وإرادتهم على التعيين: المسألة الثالثة: اختلفوا في تفسير الفضل الذي لأجله صاروا محسودين على قولين: فالقول الأول: انه هو النبوة والكرامة الحاصلة بسببها في الدين والدنيا.

والقول الثاني: انهم حسدوه على انه كان له من الزوجات تسع.

واعلم أن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة، فكلما كانت فضيلة الإنسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم، ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين، ثم انه تعالى أعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم، وضم اليها انه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصاراً وأعواناً وكل ذلك مما يوجب الحسد العظيم.

فاما كثرة النساء فهو كالأمر الحقير بالنسبة إلى ما ذكرناه، فلا يمكن تفسير هذا الفضل به، بل ان جعل الفضل اسما لجميع ما أنعم الله تعالى به عليه دخل هذا أيضا تحته، فأما على سبيل القصر عليه فبعيد.

واعلم أنه تعالى لما بين أن كثرة نعم الله عليه صارت سببا لحسد هؤلاء اليهود بين ما يدفع ذلك فقال: ﴿ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً ﴾ والمعنى أنه حصل في أولاد ابراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك، وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا تحسدونه، فلم تتعجبون من حال محمد ولم تحسدونه؟

واعلم أن ﴿ الكتاب ﴾ إشارة إلى ظواهر الشريعة ﴿ والحكمة ﴾ إشارة إلى أسرار الحقيقة، وذلك هو كمال العلم، وأما الملك العظيم فهو كمال القدرة.

وقد ثبت أن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة، فهذا الكلام تنبيه على أنه سبحانه آتاهم أقصى ما يليق بالانسان من الكمالات، ولما لم يكن ذلك مستبعدا فيهم لا يكون مستبعدا في حق محمد صلى الله عليه وسلم.

وقيل: إنهم لما استكثروا نساءه قيل لهم: كيف استكثرتهم له التسع، وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة بالمهر وسبعمائة سرية؟

ثم قال تعالى: ﴿ مِنْهُمْ مّنْ آمن بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ ﴾ واختلفوا في معنى به فقال بعضهم: بمحمد عليه الصلاة والسلام، والمراد أن هؤلاء القوم الذين أوتوا نصيبا من الكتاب آمن بعضهم وبقي بعضهم على الكفر والانكار.

وقال آخرون: المراد من تقدم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

والمعنى أن أولئك الأنبياء مع ما خصصتهم به من النبوة والملك جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن به وبعضهم بقوا على الكفر، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم، فان أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت، وذلك تسلية من الله ليكون أشد صبرا على ما ينال من قبلهم.

ثم قال: ﴿ وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾ أي كفى بجهنم في عذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين.

سعيرا، والسعير الوقود، يقال أوقدت النار وأسعرتها بمعنى واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وصف اليهود بالبخل والحسد وهما شرّ خصلتين: يمنعون ما أوتوا من النعمة ويتمنون أن تكون لهم نعمة غيرهم فقال: ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك ﴾ على أن أم منقطعة ومعنى الهمزة لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك ثم قال: ﴿ فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ ﴾ أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون أحداً مقدار نقير لفرط بخلهم: والنقير: النقرة في ظهر النواة وهو مثل في القلة، كالفتيل والقطمير.

والمراد بالملك: إما ملك أهل الدنيا.

وإما ملك الله كقوله تعالى: ﴿ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق ﴾ [الإسراء: 100] وهذا أوصف لهم بالشح، وأحسن لطباقه نظيره من القرآن.

ويجوز أن يكون معنى الهمزة في أم: لإنكار أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك، وكانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة كما تكون أحوال الملوك.

وأنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً.

وقرأ ابن مسعود: ﴿ فإذاً لا يؤتوا ﴾ ، على إعمال إذا عملها الذي هو النصب، وهي ملغاة في قراءة العامة، كأنه قيل: فلا يؤتون الناس نقيراً إذاً ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ بل أيحسدون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه.

وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وازدياد العزّ والتقدم كل يوم ﴿ فَقَدْ ءاتَيْنَا ﴾ إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة ﴿ ءَالَ إبراهيم ﴾ الذين هم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما آتى أسلافه.

وعن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان.

وقيل: استكثروا نساءه فقيل لهم: كيف استكثرتم له التسع وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلَثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟

﴿ فَمِنْهُمْ ﴾ فمن اليهود ﴿ مَنْ ءامَنَ بِهِ ﴾ أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ ﴾ وأنكره مع علمه بصحته.

أو من اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من أنكر نبوّته.

أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من كفر، كقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون ﴾ [الحديد: 26] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ ﴾ بَلْ أيَحْسُدُونَ رَسُولَ اللَّهِ  وأصْحابَهُ، أوِ العَرَبَ، أوِ النّاسَ جَمِيعًا لِأنَّ مَن حَسَدَ عَلى النُّبُوَّةِ فَكَأنَّما حَسَدَ النّاسَ كُلَّهم كَمالَهم.

ورُشْدُهم وبَّخَهم وأنْكَرَ عَلَيْهِمُ الحَسَدَ كَما ذَمَّهم عَلى البُخْلِ وهُما شَرُّ الرَّذائِلِ وكَأنَّ بَيْنَهُما تَلازُمًا وتَجاذُبًا.

﴿ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ والكِتابَ والنُّصْرَةَ والإعْزازَ وجَعَلَ النَّبِيَّ المَوْعُودَ مِنهم.

﴿ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ ﴾ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ  وأبْناءُ عَمِّهِ.

﴿ الكِتابَ والحِكْمَةَ ﴾ النُّبُوَّةَ.

﴿ وَآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِثْلَ ما آتاهم.

﴿ فَمِنهُمْ ﴾ مِنَ اليَهُودِ.

﴿ مَن آمَنَ بِهِ ﴾ بِمُحَمَّدٍ  أوْ بِما ذَكَرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ.

﴿ وَمِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ ﴾ أعْرَضَ عَنْهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ وقِيلَ مَعْناهُ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن كَفَرَ ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ تَوْهِينُ أمْرِهِ فَكَذَلِكَ لا يُوهِنُ كُفْرُ هَؤُلاءِ أمْرَكَ.

﴿ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾ نارًا مَسْعُورَةً يُعَذَّبُونَ بِها أيْ إنْ لَمْ يُعَجَّلُوا بِالعُقُوبَةِ فَقَدْ كَفاهم ما أُعِدَّ لَهم مِن سَعِيرِ جَهَنَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)

{أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله مِن فَضْلِهِ} بل أيحسدون رسول الله

صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم الله من النصرة والغلبة وإزدياد العز والتقدم كل يوم {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب} أى التوراة {والحكمة} الموعظ والفقه {وآتيناهم مُّلْكاً عَظِيماً} يعني ملك يوسف وداود وسليمان عليهم السلام وهنا إلزام لهم بما عرفوه من إيتاء الله الكتاب والحكمة آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد عليه السلام وأنه ليس ببدع أن يؤتيه الله مثل ما أوتي أسلافه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ ﴾ انْتِقالٌ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِالبُخْلِ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِالحَسَدِ، الَّذِي هو أقْبَحُ الرَّذائِلِ المُهْلِكَةِ مَنِ اتَّصَفَ بِها دُنْيا وأُخْرى، وذِكْرُهُ بَعْدَهُ مِن بابِ التَّرَقِّي و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ، والهَمْزَةُ المُقَدَّرَةُ بَعْدَها لِإنْكارِ الواقِعِ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ سَيِّدُهُمْ، بَلْ سَيِّدُ الخَلِيقَةِ عَلى الإطْلاقِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإلى هَذا ذَهَبَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو مالِكٍ، وعَطِيَّةُ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: «قالَ أهْلُ الكِتابِ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، ولَيْسَ هَمُّهُ إلّا النِّكاحُ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلَ مِن هَذا؟» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

وذَهَبَ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ إلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ العَرَبُ، وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُمُ النَّبِيُّ وآلِهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةُ وأكْمَلُ السَّلامِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ  مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ، أيْ: بَلْ أيَحْسُدُونَهم ﴿ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ وإباحَةَ تِسْعِ نِسْوَةٍ، أوْ بِعْثَةَ النَّبِيِّ  - مِنهُمْ، ونُزُولَ القُرْآنِ بِلِسانِهِمْ، أوْ جَمْعَهم كِمالاتٍ تَقْصُرُ عَنْها الأمانِيُّ، أوْ تَهْيِئَةَ سَبَبِ رَشادِهِمْ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ  -إلَيْهِمْ، والحَسَدُ عَلى هَذا مَجازٌ؛ لِأنَّ اليَهُودَ لَمّا نازَعُوهُ في نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الَّتِي هي إرْشادٌ لِجَمِيعِ النّاسِ فَكَأنَّما حَسَدُوهم جَمْعٌ ﴿ فَقَدْ آتَيْنا ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والِاسْتِقْباحِ، وإجْراءُ الكَلامِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالأمْرِ، والفاءُ كَما قِيلَ فَصِيحَةٌ، أيْ: إنْ يَحْسُدُوا النّاسَ عَلى ما أُوتُوا فَقَدْ أخْطَئُوا؛ إذْ لَيْسَ الإيتاءُ بِبِدْعٍ مِنّا؛ لِأنّا قَدْ آتَيْنا مِن قَبْلِ هَذا ﴿ آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ ﴾ أيْ: جِنْسَهُ، والمُرادُ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوْ هُما والزَّبُورُ ﴿ والحِكْمَةَ ﴾ أيِ: النُّبُوَّةَ، أوْ إتْقانَ العِلْمِ والعَمَلِ، أوِ الأسْرارَ المُودَعَةَ في الكِتابِ، أقْوال.

﴿ وآتَيْناهُمْ ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِهَذا الحَسَدِ، فَإنّا قَدْ آتَيْنا هَؤُلاءِ ما آتَيْنا مَعَ كَثْرَةِ الحُسّادِ الجَبابِرَةِ مِن نَمْرُودَ وفِرْعَوْنَ وغَيْرِهِما، فَلَمْ يَنْتَفِعِ الحاسِدُ ولَمْ يَتَضَرَّرِ المَحْسُودُ، وأنْ يُرادَ أنَّ حَسَدَهم هَذا في غايَةِ القُبْحِ والبُطْلانِ، فَإنّا قَدْ آتَيْنا مِن قَبْلُ أسْلافَ هَذا النَّبِيِّ المَحْسُودِ  وأبْناءَ عَمِّهِ ما آتَيْناهُمْ، فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ نُبُّوتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَحْسُدُونَهُ عَلى إيتائِها؟!

وتَكْرِيرُ الإيتاءِ لِما يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّفْصِيلِ مَعَ الإشْعارِ بِما بَيْنَ المُلْكِ وما قَبْلَهُ مِنَ المُغايَرَةِ، والمُرادُ مِنَ الإيتاءِ إمّا الإيتاءُ بِالذّاتِ وإمّا ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِنَ الإيتاءِ بِالواسِطَةِ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ مِن آلِ إبْراهِيمَ أنْبِياءُ ذُرِّيَّتِهِ، ومِنَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِمْ مِن (آتَيْناهُمْ) بَعْضُهُمْ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: «المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» وخَصَّهُ السُّدِّيُّ بِما أُحِلَّ لِداوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ النِّساءِ، فَقَدْ كانَ لِلْأوَّلِ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، ولِوَلَدِهِ ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ، ومِثْلُها سُرِّيَّةً، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثَلاثُمِائَةِ امْرَأةٍ وسَبْعُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، وعَلى الثّانِي فالمُرادِ بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُ كُلُّها، فَإنَّ تَشْرِيفَ البَعْضِ بِما ذُكِرَ تَشْرِيفٌ لِلْكُلِّ لِاغْتِنامِهِمْ بِآثارِ ذَلِكَ، واقْتِباسِهِمْ مِن أنْوارٍ.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الحِكْمَةَ بِالعِلْمِ، والمُلْكَ العَظِيمَ بِالنُّبُوَّةِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ولا يَخْفى أنَّ إطْلاقَ المُلْكِ العَظِيمِ عَلى النُّبُوَّةِ في غايَةِ البُعْدِ، والحَمْلُ عَلى المُتَبادَرِ أوْلى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ يقول: يبرئون أنفسهم من الذنوب بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وذلك لأن رؤساء اليهود كانوا يقولون: هل على أولادنا من ذنب؟

فما نحن إلا كهيئتهم.

فهذا الذي زكوا به أنفسهم، قال الله تعالى: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ أي يصلح ويبرئ من يشاء من الذنوب.

ويقال: يكرم من يشاء بالإسلام وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا قال الكلبي ومقاتل: الفتيل الذي يكون في شق النواة وهو الأبيض، ويقال: هو ما فتلته بين أصبعيك من الوسخ، إذا مسحت إحداهما بالأخرى، يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم بذلك المقدار.

ثم قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي يختلقون على الله الكذب وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً أي ذنباً مبيناً.

روى مقاتل عن الضحاك قال: الفتيل، والنقير، والقطمير كلها في النواة.

ثم قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يعني أعطوا حظاً من علم التوراة يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف.

وقال القتبي: كل معبود من حجر أو صورة أو شيطان فهو جبت وطاغوت.

قال: ويقال: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان.

ويقال: في هذه السورة رجلان من اليهود، وإيمانهم بهما تصديقاً لهما وطاعتهم إياهما.

ثم قال تعالى: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني لمشركي مكة هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا وذلك أن رؤساء اليهود قدموا مكة بعد قتال أُحد، ونقضوا العهد، وبايعوا المشركين وقالوا: أنتم أهدى سبيلاً من المسلمين.

حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدّثنا أبو عبيد الله، قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عكرمة، قال: جاء كعب بن الأشرف وفي رواية أخرى عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب إلى مكة، فأتيا قريشاً فقالت لهما قريش أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد، ديننا القديم ودين محمد الحديث، ونحن نصل الرحم، ونسقي الحجيج، ونفك العناة، ومحمد  صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن أهدى أم هو؟

قالا: بل أنتم أهدى سبيلاً منهم.

فأنزل الله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ الآية إلى قوله وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا يعني أهدى ديناً من المهاجرين والأنصار.

قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أي خذلهم وطردهم الله من رحمته، ويقال: عذبهم الله بالجزية وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً أي مانعاً.

قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ يقول: لو كان لهم، يعني لليهود حظ من الملك فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً أي لا يعطون أحداً من بخلهم وحسدهم نقيراً، والنقير: النقطة التي على ظهر النواة أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ أي أيحسدون الناس.

ويقال: بل يحسدون الناس يعني به محمداً  عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من النبوة وكثرة تزوجه النساء، ويقولون: لو كان نبياً لشغلته النبوة عن كثرة النساء، فيحسدونه بذلك.

قال الله تعالى فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ يعني النبوة والعلم والفهم وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فكان يوسف  ملكاً على مصر، وكان سليمان بن داود عليهما السلام ملكاً، وكانت له ثلاثمائة امرأة حرّة سوى السرية، قال مقاتل هكذا.

وقال الكلبي: كانت له سبعمائة امرأة، وثلاثمائة سرية، وكان لداود  مائة امرأة، فلم يكن تمنعهم النبوة عن ذلك.

ويقال: إن الفائدة في كثرة تزوجه أنه كانت له قوة أربعين نبياً، وكل من كان أقوى فهو أكثر نكاحاً.

ويقال: إنه أراد بالنكاح كثرة العشيرة، لأن لكل امرأة قبيلتين، قبيلة من قبل الأب، وقبيلة من قبل الأم، فكلما تزوج امرأة صرف وجوه القبيلتين إلى نفسه، فيكونون عوناً له على أعدائه.

ويقال: إن كل من كان أتقى كانت شهوته أشد، لأن الذي لا يكون تقياً إنما ينفرج بالنظر واللمس، ألا ترى إلى ما روي في الخبر «العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَاليَدَانِ تَزْنِيَانِ» .

فإذا كان في النظر وفي المس نوع من قضاء الشهوة، فلا ينظر التقي ولا يمس، فتكون الشهوة مجتمعة في نفسه، فيكون أكثر جماعاً.

وقال أبو بكر الوراق: كل شهوة تقسي القلب إلا الجماع، فإنه يصفي القلب، ولهذا كان الأنبياء عليهم السلام يفعلون ذلك.

قوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ يعني من اليهود من آمن به، بالكتاب الذي أنزل على إبراهيم، وآمن بالكتاب الذي أنزل على محمد  وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ يعني أعرض عنه مكذباً، وهذا قول الكلبي.

وقال مقاتل: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ يعني من آل إبراهيم مَنْ آمَنَ بِهِ يعني بالكتاب الذي جاء به وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ لم يؤمن به.

وقال الضحاك: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ يعني اليهود كانوا يحسدون قريشاً لأن النبوة فيهم فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ يعني إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط.

الْكِتابَ يعني التنزيل وَالْحِكْمَةَ يعني السنة وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً يعني قريشاً وبني هاشم مُلْكاً عَظِيماً يعني الخلافة لا تصلح إلا لقريش فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ يعني بمحمد  وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ أي كفر به.

ثم قال تعالى: وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً أي وقوداً لمن كفر به.

ثم بيّن مصير من كذب به، وموضع من آمن به، فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أنفسَهُمْ كانَتْ بالباطلِ، والكَذِبِ ويُقَوِّي أنَّ التزكية كانَتْ بقولهم: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ أنَّ الافتراء أعظم في هذه المقالة، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تكونَ في موضِع رَفْعٍ بالاِبتداءِ، والخبر في قوله يَفْتَرُونَ وكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً خبرٌ في ضِمْنه تعجُّب وتعجيبٌ مِنْ أمْرهم.

قال ص: وَكَفى بِهِ عائدٌ على الاِفتراءِ، وقيل: على الكذب.

انتهى.

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ...

الآية: أجْمَعَ المتأوِّلون أنَّ المراد بها طائفةٌ من اليهود، والقَصَصُ يبيِّن ذلك، ومجموعُ ما ذكره المفسّرون في تفسيره الجِبْتِ والطَّاغُوتِ يقتضي أنَّهُ كُلُّ مَا عُبِدَ وأُطِيعَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تعالى.

وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ...

الآية: سببها أنَّ قريشاً قالَتْ لِكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، حين وَرَدَ مكَّة: أنْتَ سَيِّدُنَا، وَسيِّدُ قَوْمِكَ، إنَّا قومٌ نَنْحَرُ الكَوْمَاءَ «١» ، وَنَقْرِي الضَّيْفَ، وَنَصِلُ الرَّحِمَ، وَنَسْقِي الحَجِيجَ، وَنَعْبُدُ آلِهَتَنَا الَّتِي وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا، وهَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ قَطَعَ الرَّحِمَ، فَمَنْ أهدى نَحْنُ أوْ هُوَ؟

فَقَالَ كَعْبٌ: أَنْتُمْ أهدى مِنْهُ، وَأَقْوَمُ دِيناً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ، قاله ابنُ عبَّاسٍ «٢» ، فالضمير في «يَقُولُونَ» / عائد على كعْبٍ، وعلى الجماعةِ الَّتي معه من اليهودِ المُحَرِّضين على قتال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم و «الّذين كَفَرُوا» في هذه الآيةِ هم كفَّار قريشٍ، والإشارة ب «هؤلاء» إليهم والَّذِين آمنوا هم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأمته، وقالتْ فرقة:

بل المرادُ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ وأتباعه، وهم المقصودُ من أول الآيات.

قال ص: «لِلَّذِينَ» : اللامُ للتبليغِ متعلِّقة ب «يقولون» .

انتهى.

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥)

وقوله تعالى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ...

الآية: عُرْفُ «أَمْ» أنْ تُعْطَفَ بعد استفهامٍ متقدِّم كقولك: أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو؟

فَإذا وردَتْ، ولم يتقدَّمها استفهامٌ كما هي هنا، فمذهب سيبَوَيْهِ أنَّها مضمَّنةٌ معنى الإضراب عن الكلامِ الأوَّلِ، والقَطْع منه، وهي متضمِّنة مع ذلك مَعْنَى الاِستفهام، فهي بمعنى «بَلْ» مع همزةِ استفهامٍ كقول العربِ: «إنها لإِبِلٌ أَمْ شَاءٌ» ، التقدير عند سيبويه: إنَّهَا لإِبِلٌ بَلْ أَهِيَ شَاءٌ؟

وَكَذَلك هذا الموضعُ: بَلْ أَلهُمْ نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فإذا عرفْتَ هذا، فالمعنى على الأرجَحِ الذي هو مذْهَبُ سيبَوَيْهِ والحُذَّاقِ: أنَّ هذا استفهامٌ على معنى الإِنكار، أي: ألهم مُلْكٌ فإذن لَوْ كان، لَبَخِلُوا به، والنَّقِيرُ: هي النُّكْتَةُ التي في ظَهْر النَّوَاة من التَّمْر هذا قول الجمهور، وهَذَا كنايةٌ عن الغايَةِ في الحَقَارة والقِلَّة، وتُكْتَبُ «إذَنْ» بالنُّون وبالألِفِ، فالنُّونُ هو الأصْلُ ك «عَنْ» ، وَ «مِنْ» ، وجاز كتبها بالألِفِ لصحَّة الوقوفِ عليها، فأشبهَتْ نونَ التَّنْوينِ، ولا يصحُّ الوقوف على عَنْ ومِنْ.

وقوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ ...

الآية: «أمْ» هذه على بابها من العطْفِ بعد الاِستفهام.

وقال ص: أَمْ يَحْسُدُونَ: «أَمْ» أيضاً منقطعةٌ تتقدَّر ب «بَلْ» و «الهمزة» .

انتهى.

قلت: والظاهر ما قاله ع «١» واختلف في المراد ب «الناس» هنا.

فقال ابن عبّاس وغيره: هو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والفَضْلُ: النبوَّة فقط «٢» ، والمعنى: فَلِمَ يخصُّونه بالحَسَد، ولا يَحْسُدُونَ آل إبراهيم في جميعِ مَا آتيناهم مِنْ هذا وغيره مِنَ المُلْك، وقال قتادة: «النَّاسُ» هنا: العَرَبُ، حَسَدَتْها بَنُو إسرائيل في أن كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم منْها، والفَضْلُ على هذا التأويل هو محمَّد صلّى الله عليه وسلّم «٣» ، قَالَ أبو عُمَرَ بْنُ عبدِ البَرِّ: وقد ذَمَّ اللَّه قوماً على حَسَدهم، فقال: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، ثم حدَّث بسنده، عن عمرو بن مَيْمُونٍ، قَالَ: لما رَفَع اللَّه موسى نَجِيًّا، رأى رجُلاً متعلِّقاً بالعَرْش، فقال: يا رَبِّ، مَنْ هَذَا، فقالَ: هذا عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي، صَالِحٌ، إن شئت أخبرتك بعمله،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ، ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلُ مِن هَذا، فَنَزَلَتْ، رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي "أمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: بِمَعْنى: "بَلْ" قالَهُ الزَّجّاجُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "الحَسَدِ" في (سُورَةِ البَقَرَةِ) والحاسِدُونَ هاهُنا: اليَهُودُ.

وفي المُرادِ بِالنّاسِ هاهُنا: أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: النَّبِيُّ  ، رَواهُ عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: النَّبِيُّ  ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّالِثُ: العَرَبُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: النَّبِيُّ، والصَّحابَةُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي الَّذِي آَتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إباحَةُ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَنْكِحَ ما شاءَ مِنَ النِّساءِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: بِعْثَةُ نَبِيٍّ مِنهم عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هُمُ العَرَبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ ﴾ يَعْنِي: التَّوْراةُ، والإنْجِيلُ، والزَّبُورُ.

كُلُّهُ كانَ في آَلِ إبْراهِيمَ، وهَذا النَّبِيُّ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ.

وفي الحِكْمَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الفِقْهُ في الدِّينِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَفِي المُلْكِ العَظِيمِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُلْكُ سُلَيْمانَ، رَواهُ عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مُلْكُ داوُدَ، وسُلَيْمانَ في النِّساءِ، كانَ لِداوُدَ مِائَةَ امْرَأةٍ، ولِسُلَيْمانَ سَبْعَمِائَةَ امْرَأةٍ، وثَلاثَمِائَةَ سُرِّيَّةٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: التَّأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في آَخَرِينَ.

والخامِسُ: الجَمْعُ بَيْنَ سِياسَةِ الدُّنْيا، وشَرْعِ الدِّينِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ الناسَ نَقِيرًا ﴾ ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عنهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾ عُرْفُ "أمْ" أنْ تُعْطَفَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ مُتَقَدِّمٍ، كَقَوْلِكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟

فَإذا ورَدَتْ ولَمْ يَتَقَدَّمْها اسْتِفْهامٌ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الإضْرابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ والقَطْعِ عنهُ، وهي مُضَمَّنَةٌ -مَعَ ذَلِكَ- مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟، فالتَقْدِيرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها لَإبِلٌ بَلْ أهِيَ شاءٌ؟

وكَذَلِكَ هَذا المَوْضِعُ، تَقْدِيرُهُ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ؟

وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ، أنَّ "أمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً دُونَ تَقَدُّمِ اسْتِفْهامٍ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ في المُشْكِلِ، وهَذا غَيْرُ مَشْهُورٍ لِلْعَرَبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، ولَمْ يَذْكُرُوا الألِفَ اللازِمَةَ، فَأوجَبُوا -عَلى هَذا- حُصُولَ المِلْكِ لِلْمَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والتَزَمُوا ذَلِكَ وفَسَّرُوا عَلَيْهِ، فالمَعْنى عِنْدَهُمْ: بَلْ هم مُلُوكٌ أهْلُ دُنْيا وعُتُوٍّ وَتَنَعُّمٍ، لا يَبْغُونَ غَيْرَهُ، فَهم بُخَلاءُ بِهِ، حَرِيصُونَ عَلى ألّا يَكُونَ ظُهُورٌ لِسِواهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى عَلى الأرْجَحِ -الَّذِي هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والحُذّاقِ- أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، أيْ: ألَهم مُلْكٌ؟

فَإذًا لَوْ كانَ لَبَخِلُوا.

قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإذًا لا يُؤْتُوا" بِغَيْرِ نُونٍ عَلى إعْمالِ "إذًا"، والمُصْحَفُ عَلى إلْغائِها، والوَجْهانِ جائِزانِ، وإنْ كانَتْ صَدْرًا مِن أجْلِ دُخُولِ الفاءِ عَلَيْها.

والنَقِيرُ: أعْرَفُ ما فِيهِ أنَّها النُكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَواةِ مِنَ التَمْرَةِ، ومِن هُنالِكَ تَنْبُتُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي النُقْطَةُ الَّتِي في بَطْنِ النَواةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو نَقْرُ الإنْسانِ بِأُصْبُعِهِ، وهَذا كُلُّهُ يَجْمَعُهُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغايَةِ في الحَقارَةِ والقِلَّةِ عَلى مَجازِ العَرَبِ واسْتِعارَتِها، و"فَإذًا" في هَذِهِ الآيَةِ مُلْغاةٌ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ويَجُوزُ إعْمالُها، والإلْغاءُ أفْصَحُ، وذَلِكَ أنَّها إذا تَقَدَّمَتْ أُعْمِلَتْ قَوْلًا واحِدًا، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها وهي مُتَقَدِّمَةٌ فاءٌ أو واوٌ جازَ إعْمالُها والإلْغاءُ أفْصَحُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ، وتُكْتَبُ "إذًا" بِالنُونِ وبِالألِفِ، فالنُونُ هو الأصْلُ، كَعن ومِن، وجازَ كَتْبُها بِالألِفِ لِصِحَّةِ الوُقُوفِ عَلَيْها فَأشْبَهَتْ نُونَ التَنْوِينِ، ولا يَصِحُّ الوُقُوفُ عَلى "عن" و"مِن".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ ﴾ الآيَةُ، "أمْ" هَذِهِ عَلى بابِها، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي في تَقْدِيرِنا: "بَلْ لَهُمْ" قَدْ تَقَدَّمَها.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِـ "الناسَ" في هَذا المَوْضِعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: هو النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والفَضْلُ النُبُوَّةُ فَقَطْ، والمَعْنى: فَلِمَ يَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ ولا يَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ ما آتَيْناهم مِن هَذا وغَيْرِهِ مِنَ المُلْكِ؟

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ أيْضًا: هو النَبِيُّ  ، والفَضْلُ: ما أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِساءِ فَقَطْ، وسَبَبُ الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِكُفّارِ العَرَبِ: انْظُرُوا إلى هَذا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ بُعِثَ بِالتَواضُعِ، وإنَّهُ لا يَمْلَأُ بَطْنَهُ طَعامًا، لَيْسَ هَمُّهُ إلّا في النِساءِ، ونَحْوَ هَذا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، والمَعْنى: فَلِمَ يَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ ولا يَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ؟

عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؟

يَعْنِي سُلَيْمانَ وداوُدَ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ، في أنَّهُما أُعْطِيا النُبُوَّةَ والكِتابَ، وأُعْطِيا -مَعَ ذَلِكَ- مُلْكًا عَظِيمًا، في أمْرِ النِساءِ، وهو ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأخْبارِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ، فالمُلْكُ في هَذا القَوْلِ إباحَةُ النِساءِ كَأنَّهُ المَقْصُودُ أوَّلًا بِالذِكْرِ.

وقالَ قَتادَةُ: الناسُ في هَذا المَوْضِعِ: العَرَبُ، حَسَدَتْها بَنُو إسْرائِيلَ في أنْ كانَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِنها، والفَضْلُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فالمَعْنى: لِمَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ عَلى هَذا النَبِيِّ  وقَدْ أُوتِيَ آلُ إبْراهِيمَ  -وَهم أسْلافُهُمْ- أنْبِياءً وكُتُبًا كالتَوْراةِ والزَبُورِ، وحِكْمَةً وهي الفَهْمُ في الدِينِ، وما يَكُونُ مِنَ الهُدى مِمّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ الناسُ.

يُرِيدُ قُرَيْشًا.

"مُلْكًا عَظِيمًا" أيْ: سُلَيْمانَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْكُ العَظِيمُ في الآيَةِ هو النُبُوَّةُ، وقالَ هَمّامُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو مَسْلَمَةَ: هو التَأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأصْوَبُ أنَّهُ مُلْكُ سُلَيْمانَ، أو أمْرُ النِساءِ في التَأْوِيلِ المُتَقَدِّمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في عَوْدِ الضَمِيرِ مِن "بِهِ"، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو عائِدٌ عَلى القُرْآنِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا  ﴾ فَأعْلَمَ اللهُ أنَّ مِنهم مَن آمَنَ كَما أمَرَ، فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ الوَعِيدُ بِالطَمْسِ ولَمْ يَقَعْ، وصَدَّ قَوْمٌ ثَبَتَ الوَعِيدُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾ .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وحَكى مَكِّيٌّ في ذَلِكَ قِصَصًا لَيْسَتْ بِالثابِتَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الفَضْلِ الَّذِي آتاهُ اللهُ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، أوِ العَرَبَ عَلى ما تَقَدَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صُدَّ عنهُ" بِضَمِّ الصادِ، عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"سَعِيرًا" مَعْناهُ: احْتِراقًا وتَلَهُّبًا، والسَعِيرُ: شِدَّةُ تَوَقُّدِ النارِ، فَهَذا كِنايَةٌ عن شِدَّةِ العَذابِ والعُقُوبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

(أم) للإضراب الانتقالي.

وهي تؤذن بهمزة استفهام محذوفة بعدها، أي: بل ألَهُم نصيب من الملك فلا يؤتون الناس نقيراً.

والاستفهام إنكاري حكمه حكم النفي.

والعطف بالفاء على جملة ﴿ لهم نصيب ﴾ وكذلك (إذن) هي جزاء لجملة ﴿ لهم نصيب ﴾ ، واعتبر الاستفهام داخلاً على مجموع الجملة وجزائها معاً؛ لأنّهم ينتفي إعطاؤهم الناس نقيراً على تقدير ثبوت المُلك لهم لا على انتفائه.

وهذا الكلام تهكّم عليهم في انتظارهم هو أن يرجع إليهم ملك إسرائيل، وتسجيل عليهم بالبخل الذي لا يُؤاتي من يَرْجون المُلك.

كما قال أبو الفتح البستي: إذَا مَلِكَ لَمْ يَكُن ذَا هِبَهْ *** فدَعْه فدولتُه ذَاهِبَهْ وشحّهم وبُخلهم معروف مشهور.

والنقير: شَكْلَةٌ في النواة كالدائرة، يضرب بها المثَل في القلّة.

ولذلك عقّب هذا الكلام بقوله ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ﴾ .

والاستفهام المقدّر بعد (أم) هذه إنكار على حسدهم، وليس مفيداً لنفي الحسد لأنّه واقع.

والمراد بالناس النبي صلى الله عليه وسلم والفضل النبوءة، أو المراد به النبي والمؤمنون، والفضلُ الهُدى بالإيمان.

وقوله ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ﴾ عطف على مقدّر من معنى الاستفهام الإنكاري، توجيهاً للإنكار عليهم، أي فلا بدع فيما حسدوه إذ قد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة والملك.

وآل إبراهيم: أبناؤه وعقبه ونسله، وهو داخل في هذا الحكم لأنّهم إنّما أعطوه لأجل كرامته عند الله ووعد الله إيّاه بذلك.

وتعريف (الكتاب): تعريف الجنس، فيصدق بالمتعدّد، فيشمل صحف إبراهيم، وصحف موسى، وما أنزل بعد ذلك.

والحكمة: النبوءة، والملك: هو ما وعد الله به إبراهيم أن يعطيه ذرّيته وما آتى الله داوود وسليمان وملوكَ إسرائيل.

وضمير ﴿ منهم ﴾ يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ يحسدون ﴾ .

وضمير ﴿ به ﴾ يعود إلى الناس المراد منه محمّد عليه السلام: أي فمِنَ الذين أوتوا نصيباً من الكتاب مَن آمن بمحمّد، ومنهم من أعرض.

والتفريع في قوله: ﴿ فمنهم ﴾ على هذا التفسير ناشيء على قوله ﴿ أم يحسدون الناس ﴾ .

ويجوز أن يعود ضمير ﴿ فمنهم ﴾ إلى آل إبراهيم، وضمير ﴿ به ﴾ إلى إبراهيم، أي فقد آتيناهم ما ذُكر.

ومن آله من آمن به، ومنهم من كفر مثل أبيه آزر، وامْرأةِ ابن أخيه لوط، أي فليس تكذيب اليهود محمّدا بأعجب من ذلك، ﴿ سُنَّة من قد أرسلنا قبلَك من رُسلنا ﴾ [الإسراء: 77]، ليَكون قد حصل الاحتجاج عليهم في الأمرين في إبطال مستند تكذيبهم؛ بإثباتتِ أنّ إتيان النبوءة ليس ببدع، وأن محمّدا من آل إبراهيم، فليس إرساله بأعجب من إرسال موسى.

وفي تذكيرهم بأنّ هذه سنّة الأنبياء حتى لا يَعُدّوا تكذيبهم محمّدا صلى الله عليه وسلم ثلمة في نبوءته، إذ لا يعرف رسولا أجمْعَ أهل دعوته على تصديقه من إبراهيم فَمن بعده.

وقوله: ﴿ وكفى بجهنم سعيراً ﴾ تهديد ووعيد للّذين يؤمنون بالجبت والطاغوت.

وتفسير هذا التركيب تقدّم آنفاً في قوله تعالى: ﴿ وكفى بالله وليّاً ﴾ من هذه السورة [النساء: 45].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا ﴾ وفي النَّقِيرِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَكُونُ في ظَهْرِ النَّواةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَقْرُ الرَّجُلِ الشَّيْءَ بِطَرَفِ إبْهامِهِ، وهو رِوايَةُ أبِي العالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.

وَفي النّاسِ الَّذِينَ عَناهم ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ العَرَبُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  خاصَّةً، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، وعِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ النَّبِيُّ  وأصْحابُهُ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ.

وَفي الفَضْلِ المَحْسُودِ عَلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ، حَسَدُوا العَرَبَ عَلى أنْ كانَتْ فِيهِمْ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ إباحَتُهُ لِلنَّبِيِّ  نِكاحَ مَن شاءَ مِنَ النِّساءِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

﴿ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ في المُلْكِ العَظِيمِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مُلْكُ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: النُّبُوَّةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: ما أُيِّدُوا بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ والجُنُودِ، وهو قَوْلُ هَمّامِ بْنِ الحارِثِ.

والرّابِعُ: مَن أباحَهُ اللَّهُ لِداوُدَ وسُلَيْمانَ مِنَ النِّساءِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ، حَتّى نَكَحَ داوُدُ تِسْعًا وتِسْعِينَ امْرَأةً، ونَكَحَ سُلَيْمانُ مِائَةَ امْرَأةٍ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أم يحسدون الناس ﴾ قال: هم يهود.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: قال أهل الكتاب: زعم محمد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة وليس همه إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا.

فأنزل الله هذه الآية ﴿ أم يحسدون الناس ﴾ إلى قوله: ﴿ ملكاً عظيماً ﴾ يعني ملك سليمان.

وأخرج ابن المنذر عن عطية قال: قالت اليهود للمسلمين: تزعمون أن محمداً أوتي الدين في تواضع وعنده تسع نسوة، أي ملك أعظم من هذا؟

فأنزل الله: ﴿ أم يحسدون الناس...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك.

نحوه.

وأخرج ابن المنذر والطبراني من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ أم يحسدون الناس ﴾ قال: نحن الناس دون الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ أم يحسدون الناس ﴾ قال: الناس في هذا الموضع النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ أم يحسدون الناس ﴾ قال: محمد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: أعطى النبي صلى الله عليه وسلم بضع وسبعين شاباً، فحسدته اليهود فقال الله: ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في الآية قال: يحسدون محمداً حين لم يكن منهم وكفروا به.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية ﴿ أم يحسدون الناس ﴾ قال: أولئك اليهود، حسدوا هذا الحي من العرب ﴿ على ما آتاهم الله من فضله ﴾ بعث الله منهم نبياً فحسدوهم على ذلك.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ على ما آتاهم الله من فضله ﴾ قال: النبوة.

وأخرج أبو داود والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ سليمان وداود ﴿ الكتاب والحكمة ﴾ يعني النبوة ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ في النساء، فما باله حل لأولئك الأنبياء وهم أنبياء أن ينكح داود تسعاً وتسعين امرأة وينكح سليمان مائة امرأة لا يحل لمحمد أن ينكح كما نكحوا.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان في ظهر سليمان مئة رجل، وكان له ثلثمائة امرأة وثلثمائة سرية.

وأخرج الحاكم في المستدرك عن محمد بن كعب قال: بلغني أنه كان لسليمان ثلثمائة امرأة وسبعمائة سرية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن همام بن الحارث ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ قال: ايدوا بالملائكة والجنود.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ قال: النبوة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد فمنهم من آمن به قال بما أنزل على محمد من يهود.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ فمنهم من آمن به ﴾ اتبعه ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ يقول: تركه فلم يتبعه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي قال: زرع إبراهيم خليل الرحمن وزرع الناس في تلك السنة، فهلك زرع الناس وزكا زرع إبراهيم، واحتاج الناس إليه فكان الناس يأتون إبراهيم فيسألونه منه فقال لهم: من آمن أعطيته ومن أبى منعته.

فمنهم من آمن به فأعطاه من الزرع ومنهم من أبى فلم يأخذ منه.

فذلك قوله: ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيراً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ﴾ ومحمد من آل إبراهيم.

وأخرج ابن الزبير بن بكار في الموقفيات عن ابن عباس أن معاوية قال: يا بني هاشم إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة كما استحقيتم النبوة، ولا يجتمعان لأحد، وتزعمون أن لكم ملكاً.

فقال له ابن عباس: أما قولك أنا نستحق الخلافة بالنبوّة، فإن لم نستحقها بالنبوّة فبم نستحقها؟!

وأما قولك أن النبوة والخلافة لا يجتمعان لأحد فأين قول الله: ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ ؟

فالكتاب النبوّة، والحكمة السنة، والملك الخلافة، نحن آل إبراهيم أمر الله فينا وفيهم واحد، والسنة لنا ولهم جارية، وأما قولك زعمنا أن لنا ملكاً فالزعم في كتاب الله شك، وكل يشهد أن لنا ملكاً لا تملكون يوماً إلا ملكنا يومين، ولا شهراً إلا ملكنا شهرين، ولا حولاً إلا ملكنا حولين.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ الآية.

(أم) ههنا كالتي في الآية التي قبلها.

والمراد بالناس هنا النبي  في قول ابن عباس والأكثرين (١) (٢) ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً  ﴾ (٣) قال المفسرون: إن اليهود حسدت النبي  نكاح تسع نسوة، وقالوا: لو كان نبيًا لشغله أمر النبوة عن النساء، فأكذبهم الله تعالى وقال: ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ .

قال ابن عباس في رواية العوفي: يعني ملك سليمان (٦) والمعنى على هذا: يحسدون (محمدًا كثرة) (٧) وقال السدي: يعني بالملك العظيم ما أحل لداود من النساء، وهن تسع وتسعون.

ولسليمان ألف، بين حرة ومملوكة (٨) وقال الحسن وابن جريج وقتادة: الفضل في هذه الآية النبوة وكانت اليهود حسدت محمدًا ما آتاه الله من النبوة، وقد علموا أنَّ النبوة في آل إبراهيم فقيل لهم: أتحسدون النبي  وقد كانت النبوة في آله، وهم آل إبراهيم (٩) وهذا الوجه اختيار أبي إسحاق (١٠) وقال مجاهد في قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ : النبوة (١١) لأن الملك لمن له الأمر والطاعة، والأنبياء لهم الطاعة والأمر.

وليس يحتاج في تصحيح معنى الآية إلى إضمار، ومثله من الكلام أن نقول: أتحسدون زيدًا ما أعطاه الله من المال، فعند عمرو أكثر من ذلك، أو فقد آتى عمرًا أكثر من ذلك.

وتأويل هذا: فلا تحسدوا زيدًا، ولتحسدوا عمرًا.

وهذا مفهوم من فحوى الكلام وإن لم يذكر.

(١) انظر: "زاد المسير" 2/ 110.

(٢) هنا كلمة غير واضحة، واستوضحتها من "الوسيط" 2/ 588.

(٣) انظر: "الوسيط" 2/ 588.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 275، الطبري 5/ 138، "معاني الزجاج" 2/ 64.

(٥) لم أقف عليه عن عطاء، وانظر: "زاد المسير" 2/ 111.

(٦) أخرجه الطبري 5/ 140، وإسناده ضعيف، انظر: "زاد المسير" 2/ 111، وتحقيق المروي عن ابن عباس 1/ 325.

وقد رجح هذا القول على غيره الطبري 5/ 141.

(٧) قد تكون العبارة: "محمدًا لكثرة".

(٨) أخرجه الطبري 5/ 140 بنحوه لكن فيه: "وينكح سليمان مائة"، وانظر: "زاد المسير" 2/ 111، "الدر المنثور" 2/ 309.

(٩) أخرجه عن قتادة بنحوه وعن ابن جريج مختصرًا: الطبري 5/ 139 - 140، أما الحسن فقد فسر الملك بالنبوة، لا الفضل، كما أخرج ذلك ابن أبي حاتم.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 309، "تفسير الحسن" 1/ 284.

(١٠) الزجاج في "معانيه" 2/ 64، وانظر: "زاد المسير" 2/ 110.

(١١) "تفسيره" 1/ 162، وأخرجه الطبري 5/ 140، وعبد بن حميد وابن المنذر.

انظر: "الدر المنثور" 2/ 309، وهو قول الحسن كما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الملك ﴾ الهمزة للاستفهام مع الإنكار ﴿ نَقِيراً ﴾ النقير هي النقرة في ظهر النواة وهو تمثيل، وعبارة عن أقل الأشياء، والمراد وصف اليهود بالبخل لو كان لهم نصيب من الملك، وأنهم حينئذٍ يبخلون بالنقير الذي هو أقل الأشياء، ويبخلون بما هو أكثر منه من باب أولى ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ﴾ وصفهم بالحسد مع البخل، والناس هنا يراد بهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والفضل النبوة، وقيل: النصر والعزة، وقيل: الناس العرب والفضل كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم ﴿ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إبراهيم الكتاب والحكمة ﴾ المراد بآل إبراهيم ذريته من بني إسرائيل وغيرهم ممن آتاه الله الكتب التي أنزلها والحكمة التي علمها، والمقصود بالآية الردّ على اليهود في حسدهم لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومعناها إلزام لهم بما عرفوه من فضل الله تعالى على آل إبراهيم، فلأي شيء تخصون محمداً صلى الله عليه وسلم بالحسد دون غيره ممن انعم الله عليهم ﴿ مُّلْكاً عَظِيماً ﴾ الملك في آل إبراهيم هو ملك يوسف وداود وسليمان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تسوّى ﴾ بإدغام تاء التفعل في السين: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ تسوّى ﴾ بالإمالة وحذف التاء الأولى: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ تسوّى ﴾ مبنياً للمفعول من التسوية ﴿ لمستم ﴾ من اللمس وكذلك في المائدة: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: ﴿ لامستم ﴾ من الملامسة ﴿ فتيلاً انظر ﴾ بكر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن ذكوان.

الباقون: بالضم.

وفرق بعضهم بين موضع الخفض فلم يجوز الضم كراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو ﴿ متشابه انظروا  ﴾ و ﴿ برحمة ادخلوا  ﴾ و ﴿ خبيثة اجتثت  ﴾ و ﴿ عذاب / اركض  ﴾ وأشباه ذلك.

﴿ نضجت جلودهم ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وخلف وهشام وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ تغتسلوا ﴾ ط ﴿ وأيديكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ط ﴿ بأعدائكم ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ وأقوم ﴾ لا لاتصال لكن ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ السبت ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ج ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ يزكون أنفسهم ﴾ ط ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ط ﴿ سبيلا ﴾ ه ﴿ لعنهم الله ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ط لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ نقيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ من فضله ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تعقب الفاء ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ صدّ عنه ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ مطهرة ﴾ ز لاستئناف الفعل على أنه من تمام المقصود ﴿ ظليلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما أوعد الظالمين بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ ووعد المطيعين بقوله: ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ أراد أن يبين أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله حجة على الخلق ليكون الإلزام أتم والتبكيت أعظم.

"روي أن النبي  قال لابن مسعود: اقرأ القرآن عليّ.

قال: فقلت: يا رسول الله أنت الذي علّمتنيه!

فقال: أحب أن أسمعه من غيري.

قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان" .

قال العلماء: إنه بكاء فرح لما شرفه الله  بكرامة قبول الشهادة على الخلائق.

والمعنى كيف يصنع هؤلاء الذين شاهدتهم وعرفت أحوالهم من مردة الكفرة كاليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشيهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، وجئنا بك على هؤلاء المكذبين شهيداً؟

ثم وصف ذلك اليوم فقال: ﴿ يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ﴾ قيل: هذه الجملة معترضة والمراد وقد عصوا.

والظاهر أن الواو للعطف وحينئذٍ تقتضي كون عصيان الرسول مغايراً للكفر لأنّ عطف الشيء على نفسه غير جائز.

فإما أن يخص الكفر بنوع منه وهو الكفر بالله، أو يقال: إنه عام وأفرد ذكر قسم منه إظهاراً لشرف الرسول وتفظيعاً لشأن الجحود به، أو يحمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفرة فيكون في الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.

ومعنى ﴿ لو تسوّى ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا أو أنهم كانوا والأرض سواء، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها كقوله: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً  ﴾ أما قوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ فإما أن يتصل بما قبله والواو للعطف أي يودون لو انطبقت عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا، أو للحال والمراد أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام دون أهل الشرك قالوا تعالوا فلنجحد فيقولون: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذٍ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، هناك يودون أنهم كانوا تراباً ولم يكتموا الله حديثاً.

وإما أن يكون كلاماً مستأنفاً فإن ما عملوه ظاهر عند الله فكيف يقدرون على كتمانه وإن قصدوه أو توهموه؟

ثم أتبع وصف اليوم كيفية الصلاة التي هي سنام الطاعات وأعظم المنجيات فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ وقد مر سبب نزوله في البقرة.

وفي لفظ الصلاة ههنا قولان: أحدهما أن المراد منه المسجد وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وإليه يذهب الشافعي، وليس فيه إلا حذف المضاف أي لا تقربوا موضع الصلاة.

وثانيهما وعليه الأكثرون أن المراد نفس الصلاة أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.

ومعنى الآية على القول الأولى لا تقربوا المسجد في حالتين: إحداهما حالة السكر، وذلك أن جمعاً من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول  ، فنهوا عن ذلك لأن الظاهر أن الإنسان إذا أتى المسجد فإنما يأتيه للصلاة، ولا شك أن الصلاة فيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها.

وثانيهما حالة الجنابة، واستثنى من هذه الحالة حالة العبور أي الاجتياز في المسجد بأن كان الطريق إلى الماء فيه، أو كان الماء فيه ووقع الاحتلام فيه.

والمعنى على القول الثاني النهي عن الصلاة في حالتين: الأولى حالة السكر أيضاً إلاّ إذا علموا ما يقولون، ومعنى قربان الصلاة غشيانها والقيام إليها.

والثانية حالة الجنابه ويستثنى منها حالة عبور السبيل ويراد به في هذا القول السفر.

أي لا تقربوا الصلاة في حالة الجنابة إلاّ ومعكم حال أخرى تعذرون فهيا وهي حال السفر.

ويجوز أن يكون ﴿ إلاّ عابري سبيل ﴾ صفة لقوله: ﴿ جنباً ﴾ أي لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين.

إنما استثنى حالة المسافر لما يجيء من تفصيل فيها، وهو أن المسافر إذا أجنب ثم لم يجد الماء تيمم وصلى مع الجنابة.

ويرد عليه بعد أن الجنب المقيم أيضاً إذا عجز عن استعمال الماء لمرض أو برد يجوز له التيمم والصلاة على الجنابة، اللهم إلاّ أن يقال: إن عذر السفر أعم وأغلب فلهذا تخصص بالذكر أولاً.

وسكارى جمع سكران.

وقوله: ﴿ وأنتم سكارى ﴾ في محل النصب على الحال ولهذا عطف عليه قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب، وخالف الضحاك جمهور الصحابة والتابعين فقال: إن السكر ههنا يراد به غلبة النوم ويوافقه الاشتقاق، فإن السكر عبارة عن سد الطريق، ومنه سكر السبيل سد / طريقه.

والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما عليه من المضار في حال الصحو، فعند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ولا ينفذ الروح السامع والباصر إلى ظاهر البدن.

والجواب أن لفظ السكر حقيقة في السكر من الخمر والأصل في الإطلاق الحقيقة، ومتى استعمل مجازاً فإنما استعمل مقيداً كقوله  : ﴿ وجاءت سكرة الموت  ﴾ ﴿ وترى الناس سكارى  ﴾ وأيضاً أجمع المفسرون على أنها نزلت في شرب الخمر، وسبب النزول يمتنع أن لا يكون مراداً من الآية.

ثم على قول الجمهور يمكن ادعاء النسخ في الآية بأنه إنما نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدوداً إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول، والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية فهذا يقتضي جواز الصلاة مع السكر إذا كان بحيث يعلم ما يقول.

وجواز الصلاة مع هذا السكر توهم جواز هذا السكر، لكنه  حرم الخمر في آية سورة المائدة على الإطلاق فتكون ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية.

ومن قال: إن مدلول الكلام يرجع إلى النهي عن الشرب المخل بالفهم عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه فلا يكون منسوخاً، يكذبه أن الصحابة لم يفهموا منها التحريم المطلق فكانوا لا يشربون في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون إلى أن نزلت آية المائدة فقالوا: انتهينا يا رب.

والتحقيق فيه أن النهي عن مباح الأصل في وقت ما وبوجه ما وإن كان لا يدل على تحريمه ولا على إباحته في غير ذلك الوقت وبغير ذلك الوجه إلاّ أن جانب الإباحة راجح بحكم الأصل فيغلب على الظن ذلك كما فهمه الصحابة.

ثم إنه  ذكر حكم المعذورين في حال الحدث فخص أولاً من بينهم مرضاهم وسفرهم لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة.

والمعنى أن المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتمموا، وكذلك الذين هم على حالة السفر إذا عدموه لبعده.

ويحتمل أن يقال: قوله ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ ليس قيداً في حكم المرضى لأنهم في الرخصة وإن وجدوا ماء.

ثم عمم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف سبع أو عدو أو عدم آلة استقاء أو انحصار في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك من الأسباب التي لا تكثر كثرة المرض والسفر.

ويراد بالمرض ما يخاف معه محذور كبطء برء وشين فاحش ظاهر بقول طبيب مقبول الرواية لا أن يتألم ولا يخاف.

روي "أن بعض الصحابة أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فلم يفته بالتيمم، فاغتسل فمات.

فسمع النبي  فقال: قتلوه قتلهم الله" .

وقال مالك وداود: يجوز له التيمم بجميع أنواع المرض.

وفي معنى المرض البرد المؤدي إلى المرض لو استعمل الماء كما مر من حديث عمرو بن العاص في تفسير قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ والسفر يعم الطويل والقصير أعني مسافة القصر وما دونها لإطلاق قوله: ﴿ أو على سفر ﴾ والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان.

كان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، فكنى به عن ذلك.

وأكثر العلماء ألحقوا بالغائط كل ما يخرج من السبيلين من معتاد أو نادر.

أما اللمس أو الملامسة ففيه قولان: أحدهما أن المراد به التقاء البشرتين بجماع أو بغيره كما هو مقتضى اللغة وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وإليه ذهب الشافعي.

وثانيهما المراد به الجماع وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ومذهب أبي حنيفة والشيعة لما ورد في القرآن بطريق الكناية: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا  ﴾ عن ابن عباس: إنّ الله حيّ كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة.

وأيضاً لتشمل الآية الحدثين الأصغر والأكبر.

ثم على مذهب الشافعي قال بعض أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس دون الملموس لقوله: ﴿ أو لمستم ﴾ والصحيح أنه ينتقض وضوءهما معاً لاشتراك اللامس والملموس في ابتغاء اللذة.

قوله: ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده فتيمم وصلى ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى، لأن عدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب.

وقال أبو حنيفة: لا يجب بدليل قوله: ﴿ ولم نجد له عزماً  ﴾ وسبق الطلب في حقه  محال.

وأجيب بأنه بنى الكلام على المجاز للمبالغة كأنه طلب شيئاً ثم لم يجد.

وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه احتاج إليه لعطشه أو لعطش حيوان محترم معه جاز له التيمم، ولو وجد من الماء ما لا يكفيه فالأصح عند الأئمة أنه يستعمله أو يصبه ثم يتيمم ليكون عاملاً بظاهر الآية.

والتيمم في اللغة القصد.

والصعيد التراب، "فعيل" بمعنى "فاعل".

وقال ثعلب والزجاج: إنه وجه الأرض تراباً كان أو غيره.

ومن هنا قال أبو حنيفة: إذا كان صخر لا تراب عليه وضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً.

وقال الشافعي: لا بد من تراب لتحقق مفهوم التصاعد فيه وليلتصق بيده فيمكنه المسح ببعضه كما جاء في المائدة ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه  ﴾ ولا يفهم من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن إلاّ معنى التبعيض، ولأن الصعيد وصف بالطيب والطيب هو الذي يحتمل الإثبات لقوله: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه  ﴾ ولأنه  خصص التراب بهذا المعنى فقال: " "جعلت لي / الأرض مسجداً وترابها طهوراً " أما مسح الوجه واليد فعن علي وابن عباس: اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفين وقريب منه مذهب مالك لأن المسح مكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح.

وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستوعب الوجه واليدين إلى المرفقين كما في الوضوء.

وعن الزهري إلى الآباط، لأن اليد حقيقة لهذا العضو إلى الإبط، ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنّ الله كان عفواً غفوراً ﴾ وهو كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته العفو عن المذنبين كان أولى بالترخيص للعاجزين.

عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله  في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله  على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء: فجاء أبو بكر ورسول الله  واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله  والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟

قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله  على فخذي.

فنام رسول الله  حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا.

فقال أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء: ما هو بأول بركتكم يا آل أبي بكر.

قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته" .

ثم إنه  لما ذكر من أول السورة إلى ههنا أحكاماً كثيرة عدل إلى ذكر طرف من آثار المتقدمين وأحوالهم، لأنّ الانتقال من أسلوب إلى أسلوب مما يزيد السامع هزة وجدة فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ أي ألم ينته علمك؟

أو ألم تنظر إلى من أتوا حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود؟

وإنما أدخل "من" التبعيضية لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى ولم يعرفوا منها نبوة محمد  .

فأما الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه فقد وصفهم بأن معهم علم الكتاب في قوله: ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ لأنهم عرفوا الأمرين جميعاً ﴿ يشترون الضلالة ﴾ يختارونها لأن من اشترى شيئاً فقد آثره واختاره قاله الزجاج.

والمراد تكذيبهم الرسول  لأغراضهم الفاسدة من أخذ الرشا وحب الرياسة.

وقيل: المراد يستبدلون الضلالة - وهو البقاء على اليهودية - بالهدى - وهو الإسلام - بعد وضوح الآيات لهم على صحته.

﴿ ويريدون أن تضلوا ﴾ أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين، الضلال والإضلال.

عن ابن عباس "أن الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس / المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطانهم عن الإسلام" .

وقيل: المراد عوام اليهود كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم لينصروا اليهودية فكأنهم اشتروا بمالهم الشبهة والضلالة ﴿ والله أعلم ﴾ منكم ﴿ بأعدائكم ﴾ لأنه عالم بكنه ما في صدورهم من الحنق والغيظ، فإذا أطلعكم على أحوالهم فلا تستنصحوهم في أموركم واحذروهم ﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ متولياً لأمور العبد ﴿ وكفى بالله نصيراً ﴾ فثقوا بولايته ونصرته دونهم.

وكرر "كفى" ليكون أشد تأثيراً في القلب وأكثر مبالغة، وزيدت الباء في الفاعل إيذاناً بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره فكان الباء للسببية.

وقال ابن السراج: التقدير كفى اكتفاؤك بالله.

وقيل: فائدة الباء وهي للإلصاق أن يعلم أن هذه الكفاية صدرت من الله  بغير واسطة.

وقوله: ﴿ من الذين هادوا ﴾ إما بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب وقوله: ﴿ والله أعلم ﴾ إلى آخر الآية معترض بن البيان والمبين، وإما بيان لأعدائكم والجملتان بينهما معترضتان، وإما صلة ﴿ نصيراً ﴾ كقوله: ﴿ ونصرناه من القوم الذين كذبوا  ﴾ وإما كلام مستأنف على أن ﴿ يحرفون ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه.

قال الواحدي: الكلم جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره.

ومعنى هذا التحريف استبدال لفظ مكان لفظ كوضعهم "آدم طوالاً" مكان "أسمر ربعة" وجعلهم الحد بدل الرجم.

واختير "عن" للدلالة على الإمالة والإزالة.

وأما في المائدة فقيل: ﴿ من بعد مواضعه  ﴾ نظراً إلى أن الكلم كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له.

وقيل: المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة كما يفعله في زماننا أهل البدعة.

وجعل بعض العلماء هذا القول أصح لاستبعاد تحريف المشهور المتواتر، لكن دعوى التواتر بشروطه في التوراة ممنوعة.

وقيل: كانوا يدخلون على النبي  فيسألونه عن أمر فيخبرهم به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.

ومن جملة جهالاتهم أنه  كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر سمعنا وفي الباطن عصينا، أو كانوا يقولون كلا اللفظين ظاهراً إظهاراً للعناد والمرود والكفر والجحود، ومنها قولهم للنبي  ﴿ اسمع غير مسمع ﴾ وهو كلام ذو وجهين: أما احتماله المدح فلقول العرب: أسمع فلان فلاناً إذا سبه وإذا كان المراد: اسمع غير مسمع مكروهاً كان مدحاً وتوقيراً ونصحاً.

وأما احتمال الذم فبأن يكون معناه اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت، لان من كان أصم فإنه لا يسمع فلا يسمع، أو بأن يراد اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه أي غير مسمع جواباً يوافقك، أو بأن يراد اسمع غير مسمع كلاماً ما ترتضيه، وعلى هذا يجوز أن يكون ﴿ غير / مسمع ﴾ مفعول ﴿ اسمع ﴾ لا حالاً من ضميره أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك لنبوّ سمعك عنه.

ومنها قولهم له  ﴿ راعنا ﴾ وقد عرفت احتمالاته في البقرة.

وإنما جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد تصريحهم بالعصيان على وجه لأن المواجهة بالعصيان أهونخطباً في العرف من المواجهة بالسب ودعاء السوء ولهذا كانت الكفرة يواجهونه بالأول دون الثاني ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ مفعول لأجله، أو مصدر لمحذوف، أو لـ ﴿ يقولون ﴾ لأنه في معنى اللي أيضاً وعينه "واو" بدليل لويت فقلبت وأدغمت، والمعنى: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون ﴿ راعنا ﴾ موضع ﴿ انظرنا ﴾ و ﴿ غير مسمع ﴾ موضع لا سمعت مكروهاً، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً، أو لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام سخرية وطعناً على عادة المستهزئين، فبين الله  أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء طعناً في الدين ونبه بذلك على ما كانوا يقولونه فيما بينهم إنا نشتمه ولا يعرفه ولو كان نبياً لعرف بإظهار ذلك عليه فانقلب ما جعلوه طعناً في الدين دلالة قاطعة على صحته لأن الإخبار عن الغيب معجز.

﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ﴾ بدل قولهم: ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ إذ وضح لهم الآيات وثبت لهم البينات كرات بعد مرات و ﴿ اسمع ﴾ دون أن يقال معه ﴿ غير مسمع ﴾ ﴿ وانظرنا ﴾ مكان ﴿ راعنا ﴾ ﴿ لكان ﴾ قولهم ذلك ﴿ خيراً لهم وأقوم ﴾ أعدل لا أشد من قولهم: "رمح قويم" أي مستقيم ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ أي بسببه ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بالله وبالتوراة وببعض الأنبياء دون سائر رسله.

أو إلاّ قليلاً منهم آمنوا لأن "فعيلاً" قد يراد به الجمع كقوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقاً  ﴾ أو أراد بالقلة العدم.

ثم زجرهم عن كفر الجحود والعناد بقوله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآية.

والطمس المحو.

يقال: طريق طامس ومطموس، ومفازة طامسة الأعلام، وطمست الكتاب محوته.

وهو في الآية حقيقة أو مجاز قولان.

والمعنى على الأول محو تخطيط صورها وأشكالها من عين وحاجب وأنف وفم.

والفاء في ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ إما للتسبيب أي فنجعل الوجوه بسبب هذا الطمس على هيئة أقفائها مطموسة مثلها، لأن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس والتخاطيط، فإذا أزيلت ومحيت لم يبق فرق بينها وبين القفا.

وإما للتعقيب على أن العقوبة شيئان: إحداهما عقيب الأخرى الطمس، ثم نكس الوجه إلى خلق والأقفاء إلى قدام.

وإنما يكون هذا عقوبة لما فيه من تشويه الخلقة والمثلة والفضيحة كما قال في حق أهل النار ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره  ﴾ على أن وجوههم مردودة إلى أقفائهم فتدرك الكتابة وتقرأ من هناك.

وأما المعنى على القول / الثاني فعن الحسن: نطمسها عن الهدى ونردها بالخذلان على أدبارها أي على ضلالاتها وشبهاتها.

وذلك أن المتوجه إلى عالم الحس معرض عن عالم العقل، وبقدر الإقبال على ذاك يحصل الإدبار عن هذا.

وقال عبد الرحمن بن زيد: نردهم إلى حيث جاؤوا منه وهي أذرعات الشام.

يريد إجلاء بني قريظة والنضير.

والطمس على هذا إما تقبيح الوجوه وإما إزالة آثارهم عن ديار العرب.

وقيل: الطمس القلب والتغيير.

والمراد بالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وأدبارهم.

والضمير في قوله: ﴿ أو نلعنهم ﴾ إما للوجوه إن أريد بها الوجهاء، وإما لإصحاب الوجوه لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات.

فإن قيل: فأين وقوع الوعيد؟

فالجواب أنه مشروط بعدم إيمان جميعهم ولكنه قد آمن ناس من علمائهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.

حكي أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله  قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.

وأيضاً إنه ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه بل إياه أو اللعن.

فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان.

واللعن الموعود ظاهره اللعن المتعارف لا المسخ.

وقيل: هو منتظر ولهذا قيل: ﴿ وجوهاً ﴾ منكرة دون "وجوهكم" ليشمل وجوهاً غير المخاطبين من أبناء جنسهم، ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة.

وقيل: إنّ قوله: ﴿ آمنوا ﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم فلزم أن يكون قوله: ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ واقعاً في الآخرة.

فالتقدير: آمنوا من قبل أن يجيء الوقت الذي نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ لأنه لا راد لحكمه ولا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، وهذا كما يقال في الشيء الذي لا يشك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد، فإذا حكم بإنزال العذاب على قوم فعل ذلك ألبتة.

والمراد بالأمر الشأن والفعل الذي تعلق إرادته به لا الأمر الذي هو أحد أقسام الكلام، فلا يصح استدلال الجبائي بالآية على أن كلامه  مفعول أي مخلوق.

ثم بين أن مثل هذا التهديد من خواص الشرك والكفر فقال: ﴿ إن الله لا يغفر ﴾ الآية.

وفي الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع لاتصالها بقصتهم، ولأنها دلت على أن ما سوى الشرك مغفور واليهودية غير مغفورة بالإجماع.

ومن هنا قال الشافعي: المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك، والمشرك المباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في النهي فيبقى / معمولاً به في سقوط القصاص عن قاتله.

واستدلت الأشاعرة بالآية على غفران صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن ما دون الشرك يشمله.

والمعتزلة خصصوا الثاني بمن تاب كما أن الأول مخصص بالإجماع بمن لم يتب.

قالوا: ونظيره قولك: "إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء".

المعنى لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله.

والمشيئة تكون قصداً في الفعلين: المنفي والمثبت جميعاً، لأنه إن شاء لم يتب المشرك فلا يترتب عليه الغفران، وإن شاء تاب صاحب الكبيرة فيستوجب الغفران.

وروى الواحدي في البسيط بإسناده عن ابن عمر قال: "كنا على عهد رسول الله  إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادة" .

وقال ابن عباس بمحضر عمر: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر.

وعن ابن عباس: "لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه الإعتاق إن هو فعل ذلك.

ثم إنهم ما وفوا بذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي  ندمهم، وأنه لا يمنعهم من الدخول في الإسلام إلاّ قوله  : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر  ﴾ فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية فنزل قوله: ﴿ إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً  ﴾ فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم  ﴾ فدخلوا عند ذلك في الإسلام" ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى ﴾ اختلق وافتعل ﴿ إثماً عظيماً ﴾ لأنه ادعى ما لا يصح كونه.

عن ابن عباس في رواية الكلبي "أن قوماً من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي  فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟

فقال: لا.

فقالوا: والله ما نحن إلاّ كهيئتهم.

ما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل" .

وكانوا يقولون: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ﴿ لن يزكون أنفسهم ﴾ ويدخل فيه كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل أو قبول الطاعة والزلفى عند الله ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ وإن تزكيته هي التي يعتد بها كما أخبر عنه رسول الله  بقوله: " "والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض" وكفى بإظهار المعجزات على يده تزكية له وتصديقاً لقوله: ﴿ ولا يظلمون فتيلاً ﴾ هو ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ "فعيل" بمعنى "مفعول" ابن السكيت: هو ما كان في شق النواة.

والضمير للذين يزكون أن يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو لمن يشاء أي يثابون على زكاتهم من غير نقص شيء من ثوابهم.

ثم عجب النبي  من فريتهم وادعاء زكاتهم ومكانتهم عند الله فقال: ﴿ انظر كيف / يفترون على الله الكذب وكفى به ﴾ أي بزعمهم هذا ﴿ إثماً مبيناً ﴾ من بين سائر آثامهم.

قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله  ، ونقضوا العهد الذي بينه وبين رسول الله  .

فنزل كعب على أبي سفيان والآخرون في دور قريش.

فقال لهم أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد  صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم.

فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما فذلك قوله: ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد  ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد  ؟

فقال كعب: اعرضوا علي دينكم.

فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقهم الماء ونقري الضعيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد  الحديث.

فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه فأنزل الله  : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ يعني كعباً وأصحابه.

فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمداً يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا.

قالا: صدق والله ما حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده.

وقد مر معنى الطاغوت في تفسير آية الكرسي.

وأما الجبت ففي الصحاح أنه كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك وليس من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقي.

وحكى القفال عن بعضهم أن أصله جبس فأبدلت السين تاء والجبس هو الخبيث الرديء.

وقال الكلبي: الجبت في الآية هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف, وكانت اليهود يرجعون إليهما فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم فلا جرم جزاهم الله بقوله: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ وبالحري إذ جعلوا من هو أضل من النعام وأقل من الأنعام حيث رضوا بمعبودية الأصنام أهدى سبيلاً وأفضل حالاً من الذين هم أشرف الأنام باختيارهم دين الإسلام الذي هو عبادة ذي الجلال والإكرام ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ وعيد لهم بلزوم الإبعاد والطرد ولصوق العار والصغار، ووعد لنبيه والمؤمنين بالاستيلاء والاستعلاء عليهم إلى يوم القيامة.

والخطاب في ﴿ فلن تجد ﴾ للنبي أو لكل طالب يفرض: ثم لما وصفهم بالضلال والإضلال وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ما أوتي من النعمة، والحاسد يتمنى أن يزول عن الغير ما أوتي من الفضيلة.

و "أم" / قيل: إنها متصلة وقد سبقها استفهام في المعنى كأنه لما حكى قولهم للمشركين أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين قال: أمن ذلك يتعجب أم من قولهم لهم نصيب من الملك مع أنهم لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل؟

وقيل: الميم زائدة والتقدير ألهم نصيب؟

والأصح أنها منقطعة كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل ألهم نصيب من الملك؟

ومعنى الآية أنهم كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ويخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودينهم فكذبهم الله.

وقيل: المراد بالملك التمليك يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير فكيف يقدرون على النفي والإثبات؟

وقال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال وكانوا في عزة ومنعة كما تكون أحوال الملوك، ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل فنزلت الآية فيهم.

وعلى هذا فإنما يتوجه الإنكار على أنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً.

وعلى الأقوال المتقدمة يتوجه الإنكار على أن لهم نصيباً من الملك فكأنه  جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم فإن البخل والملك لا يجتمعان كما قيل: بالبر يستعبد الحر والإنسان عبد الإحسان.

البخيل تنفر الطباع عن الانقياد له فلا يتيسر له أسباب المملكة، وإن اجتمعت بالندرة فسوف تضمحل.

وإنما لم يعمل "إذن" لدخول الفاء عليه.

وذلك أن ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط العاطف بعض الكلام ببعض فينخرم تصدره فكأنه معتمد فترجح إلغاؤه وارتفاع الفعل بعده.

وجاء في قراءة ابن مسعود ﴿ فإذن لا يؤتوا ﴾ بالأعمال وليس بقوي.

والنقير نقرة في ظهر النواة "فعيل" بمعنى "مفعول" ومنها "نبتت النخلة" وهو مثل في القلة كالفتيل.

فإن قيل: كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيراً وكثيراً ما يشاهد منهم بذل الأموال؟

قلنا: المدعى عدم إيتاء النقير على تقدير حصول الملك ويراد به الملك الظاهر كما لملوك الدنيا، أو الباطن كما للعلماء الربانيين، أو كلاهما كما للأنبياء.

وحصول شيء من هذه الأقسام لهم ممنوع لما ضربت عليهم الذلة والمسكنة.

ولئن فرض حصول شيء منها فما يدريك لعل الشح يغلب عليهم حتى لا يشاهد منهم بذل نقير كما أخبر عنهم علام الغيوب.

وأما على تفسير الأصم فلعل المراد لأنهم لا يبذلون شيئاً نسبته إلى ما يملكونه كنسبة النقير إلى النواة، أو أنهم لا يطيبون بذلك نفساً لغلبة الشح عليهم والله  أعلم بمراده.

هذا بيان بخلهم، أما بيان حسدهم فذلك قوله: ﴿ أم يحسدون ﴾ وهي منقطعة والتقدير: بل أيحسدون الناس يعني النبي والمؤمنين.

فإن كان اللام للعهد فظاهر وإن كان للجنس فلأنهم هم الناس والباقون هم النسناس.

ومعنى الهمزة إنكار الحسد واستقباحه.

/ والمراد بالفضل ما آتاهم الله من أشرف المناصب وهو النبوة والخاتمية وما كان ينضم إليها كل يوم من النضرة والعزة والاستيلاء والاستعلاء، والفاضل محسود بكل أوان، والحاسد مذموم بكل لسان.

ثم نبّه على ما يزيل التعجب من شأن محمد صلى الله عليه وفقال: ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ الذين هم أسلاف محمد ﴿ الكتاب ﴾ الذي هو بيان الشرائع ﴿ والحكمة ﴾ التي هي الوقوف على الأسرار والحقائق والعمل بما يتضمن صلاح الدارين ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ عن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان، فليس ببدع أن يؤتى إنسان ما أوتي أسلافه.

وقيل: من جملة حسدهم أنهم استكثروا نساء النبي  فقيل لهم: كيف أستكثرتم له التسع وكان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟

﴿ فمنهم ﴾ أي من اليهود ﴿ من آمن به ﴾ أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله  ومنهم من أنكر نبوته، أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر.

والمعنى أن أولئك الأنبياء جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن بهم وبعضهم بقوا على كفرهم، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء والغرض تثبيت النبي  وتسليته ﴿ وكفى بجهنم ﴾ لعذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين ﴿ سعيراً ﴾ .

ثم أكد وعيد الكفار بقوله: ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ ويدخل فيها كل ما يدل على ذات الله  وصفاته وأفعاله وأسمائه وملائكته والكتب والرسل.

وكفرهم بها أن ينكروا كونها آيات أو يغفلوا عنها ولا ينظروا فيها، أو يلقوا الشكوك والشبهات فيها، أو ينكروها مع العلم بها عناداً وحسداً وبغياً ولدداً.

وههنا سؤال وهو أنه  قادر على إبقائهم في النار أحياء معذبين من غير أن تحترق جلودهم، فما الحكمة في إنضاج جلودهم؟

والجواب لا يسأل عما يفعل كما أنه قادر على إيصال الآلام إليهم من غير إدخالهم النار مع أنه لا يمكن أن يقال لم عذبهم بإدخالهم النار.

وسؤال آخر وهو أنه كيف يعذب مكان الجلود العاصية جلوداً لم تعص؟

والجواب يجعل النضيج غير نضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة ويؤيده قول أهل اللغة: تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدله، وأبدلت الشيء غيرته، فالتبديل تغيير الصفة أو الذات.

والإبدال تغيير الذات.

وصاحب الكشاف جزم بأن المراد من هذا التبديل هو تغيير الذات فلهذا فسر التبديل بالإبدال، ولعله إنما حمله على ذلك وصف الجلود بقوله: ﴿ غيرها ﴾ ولقائل أن يقول: المغايرة أعم من أن تكون في الذات أو في الصفات، فما أدراك أنها في الآية مغايرة الذات لا الصفات اللهم إلا أن يعضده نقل صحيح فيكون الجواب.

عن السؤال أن المعذب هو الإنسان، والجلد ليس جزءاً من ماهيته / وإنما هو سبب لوصول العذاب إليه.

أو يقال: المراد الدوام وعدم الانقطاع، ولا نضج ولا احتراق أي كلما ظنوا أنهم احترقوا وأشرفوا على الهلاك أعطيناهم قوة جديدة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا.

وقال السدي: يخرج من لحم الكافر جلد آخر وفي هذا التأويل بعد لأن لحمه متناه فعند نفاده لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد فيعود أول السؤال.

وقيل: المراد بالجلود السرابيل ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ وضعف بأنه ترك للظاهر وأن السرابيل لا توصف بالنضج ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله أي أدامك على عزك وزادك فيه، أو ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب.

والمراد بالذوق أن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كإحساس الذائق بالمذوق ﴿ إنّ الله كان عزيزاً ﴾ لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿ حكيماً ﴾ لا يفعل إلاّ الصواب ثم قرن الوعد بالوعيد على عادته فقال: ﴿ والذين آمنوا ﴾ الآية.

قال الواحدي: الظليل ليس بمبني على الفعيل حتى يقال إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل مشتق من لفظه كقولهم: "ليل أليل".

قيل: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرهافما فائدة وصفها بالظل؟

وأيضاً المواضع التي لا يصل نور الشمس إليها في الدنيا يكون هواؤها عفناً فاسداً فما معنى وصف هواء الجنة بذلك؟

والجواب المنع من أنه لا شمسهنالك حتى يوجد ضوء ثان هو الظل، والمراد بالظل الظليل ما كان فيناناً، أي منبسطأً لا جوب فيه أي لا فرج لالتفاف الأغصان، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجساجاً لا حر فيه ولا برد.

وعند الحكماء: المراد بالظل الراحة لأنه من أسبابها ولا سيما في البلاد الحارة كبلاد العرب.

فلما كان هذا مطلوباً عندهم صار موعوداً لهم.

التأويل: ﴿ لو تسوّى بهم الأرض ﴾ أي يتمنون أن يخلوا في عالم الطبيعة ولم ينكشف لهم عالم الحقيقة كيلا يروا ما يرون من عذاب القطيعة، كما أن السكران ممنوع من الصلاة.

فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ من غلبات الأحوال فإن التكاليف حينئذ زائلة ﴿ ولا جنباً ﴾ بالالتفات إلى غير الله فإن الصلاة إذ ذاك باطلة.

وتستثنى من الحالة الأولى حالة الشعور، ومن الثانية حالة العبور " كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل" فهذا القدر من الالتفات من المحظورات التي أباحها الضرورات.

﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ بحب الدنيا ﴿ أو على سفر ﴾ في متابعة الهوى ﴿ أو جاء / أحد منكم الغائط ﴾ في قضاء شهوة من الشهوات ﴿ أو لامستم ﴾ عجوز الدنيا في تحصيل لذة من اللذات ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ التوبة والاستغفار ﴿ فتيمموا ﴾ فتمعكوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام.

﴿ من الذين هادوا ﴾ يعني دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ يؤولونها على حسب إرادتهم ﴿ ويقولون سمعنا ﴾ ما في القرآن، بالمقال ﴿ وعصينا ﴾ بالفعال وينكرون على أرباب المقامات والأحوال ويقولون اسمع ﴿ غير مسمع وراعنا ﴾ يخاطبونهم بكلام ذي وجهين ﴿ ليا بألسنتهم وطعناً ﴾ في أهل الدين.

﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ ظاهراً ولم يؤتوا علم باطن الكتاب ﴿ آمنوا بما نزلنا ﴾ على الأولياء من علم باطن القرآن ﴿ مصدقاً لمامعكم ﴾ من العلم الظاهر لأن أهل العلم اللدني يصدقون أهل العلم الظاهر، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء لأنه لا يناسب عقولهم ﴿ من قبل أن نطمس ﴾ وجوه القلوب بالعمى والصمم ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ ناظرين إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانوا ناظرين في الميثاق إلى يومها ﴿ أو نلعنهم ﴾ نمسخ صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية كما مسخنا أصحاب السبت بالصورة، ومسخ المعنى أصعب من مسخ الصورة لأن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للشرك ثلاث مراتب وكذا للمغفرة.

فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام من عبدة الكواكب والأصنام فلا يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية.

وشرك خفي بالأوصاف للخواص وهو شوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية، فلا يغفر إلاّ بالوحدانية وهو إفراد الواحد للواحد.

وشرك أخفى للأخص وهو رؤية الأغيار والأنانية فلا يغفر إلا بالوحدة وهو فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية.

﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ من أهل العلوم الظاهرة تعلموا العلم ليباهوا به العلماء أو ليماروا به السفهاء فحصل له صفات ذميمة أخرى مثل المباهاة والمماراة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وغلبة الأقران والأنداد ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ بتسليم نفوسهم إلى ارباب التزكية من العلماء الراسخين والمشايخ المحققين كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فإذا سلموا أنفسهم إليهم وصبروا على تصرفاتهم رأوا أثر الزكاة فيهم ولن يضيع سعيهم ﴿ يؤمنون بالجبت ﴾ بجبت النفس الأمّارة وطاغوت الهوى ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾ من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ﴾ بكل ما أمر الله به ورسوله.

ثم وصفهم بالبخل والحسد ثم قال: ﴿ فقد آتينا آلإبراهيم ﴾ يعني أهل الخلة والمحبة ﴿ الكتاب والحكمة ﴾ العلم الظاهر والعلم الباطن ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ هو معرفة الله  ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه ﴾ لأن من / العلماء مقبلين ومنهم مدبرين ﴿ وكفى بجهنم ﴾ نفسهم الحاسدة ﴿ سعيراً ﴾ تحرق حسناتهم فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ بأوليائنا الذين هم مظاهر آيات الحق وحجج الله على الخلق ﴿ سوف نصليهم ﴾ نار الحسد والغضب والكبر والعجب ﴿ كلما نضجت جلودهم ﴾ أي انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها.

ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال ﴿ بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ فإن دواعي الحرص والغضب والشهوة لا تتناهى ألبتة ما دامت النفس على صفة الأمرية، فلن تزال أسيرة في يد الشهوات ذائقة لعذاب التغلقات ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ﴾ أي نجذبهم بجذبات العناية إلى ﴿ جنات ﴾ من الوصلة ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشوف ﴿ لهم فيها أزواج ﴾ من تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ مطهرة ﴾ من لوث الوهم والخيال ﴿ وندخلهم ظلاً ظليلاً ﴾ هو ظل شمس عالم الوجود يوم لا ظل إلاّ ظله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

يقول: بل يحسدون محمداً  على ما آتاه الله من فضله من الكتاب والنبوة؛ يقول الله - عز وجل - ردا عليهم: ﴿ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ فلم يحسدوه؛ فكيف يحسدون محمداً  بما آتاه الله -  - من الكتاب والنبوة، وهو من أولاد إبراهيم،  ؟!

فهذا - والله أعلم - معناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً ﴾ قيل: أراد الملائكة والجنود.

وقيل: هو ملك سليمان بن داود، [ وداود] كان من آل إبراهيم،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ يعني: محمداً  ﴿ عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ يعني: من كثرة النساء، لكن ذلك ليس بحسد، إنما هو طعن طعنوه، وعيب عابوه؛ لأن الحسد هو أن [يرى لآخر] شيئاً ليس له؛ فيتمنى أن يكون ذلك له دونه، وقد كان لهم نساء، لكنه إن كان ذلك فهو طعن طعنوه، وعيب عابوه على كثرة النساء، ويقولون: لو كان نبيّاً لشغلته النبوة عن النساء، ويقولون: يحرم على الناس أكثر من أربع، ويتزوج تسعاً وعشراً؛ فأنزل الله - عز وجل - ردّاً عليهم: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ...

 ﴾ ، وكان لداود تسع وتسعون امرأة، وما قيل - أيضاً - إن لسليمان -  - ثلاثمائة سرية وسبعمائة حرائر.

إن ثبت ذلك: فكثرة النساء له لا تمنع ثبوت الرسالة والنبوة، وإنما تمنع كثرة النساء لأحد شيئين: إما [لخوف الجور]، وإما للعجز عن القيام بإيفاء حقهن.

فالأنبياء - عليهم السلام - يؤمن ناحيتهم الجور، وكانوا يقومون بإيفاء حقهن مع ما كان قيام رسول الله  خاصة لتسع أو لعشر من النساء من آيات النبوة؛ لأنه كان معروفاً بالعبادة لله ليلاً، وبالصيام له نهاراً، وتحمل الجوع وأنواع المشقة تباعاً، ومعلوم في الخلق أن من كان هذا سبيله لم يقدر على وفاء حق امرأة واحدة؛ فضلاً أن يقوم لإيفاء حق العشر وأكثر؛ فدل أنه بالله قدر على ذلك، وعلى ذلك قيام داود -  - لمائة من النساء، وقيام سليمان -  - لألف منهن، فذلك من آيات النبوة؛ لما ذكرنا: أنه ليس من وسع أحد سواهم القيام بذلك.

وكذلك في قيام رسول الله  لإظهار هذا الدين من غير اتباع كان له، أو ملك، أو فضل سعة - دليل أنه كان بنصر الله أظهر، ويعوذه به جميع هذا الخلق على دينه.

وفي قوله - أيضاً -: {أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ [عَلَىٰ مَآ آتَٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ] فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ...} الآية تحتمل وجهين: أحدهما: المحاجة: أن كيف يحسدون محمداً  وأتباعه من آل إبراهيم وأولاده بما خصهم به من فضله، ولم يزل ذلك في آل إبراهيم، ولم يكونوا حسدوهم.

وعلى هذا قوله -  -: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ ﴾ أي: بمحمد  أو بكتابه الذي أنزل عليه.

والثاني: أن يكون على التصبير على أذاهم الذي كان منهم بالحسد مما كان هذا فيمن تقدمه من آل إبراهيم، ومن فضله، ومن الحساد لهم في ذلك، والمؤذين لهم، فصبروا، ولم يكافئوهم؛ نحو قوله -  -: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ ﴾ : أي: بإبراهيم -  - أو بما أنزل إليه، أو آله، والله أعلم.

الأصل في اختلاف التأويل الآية واحدة فيما يجب في ذلك من الحق أنه على أقسام: أحدها: أنه يتسع الكل.

ويحتمل: دخول الكل في المراد.

ويحتمل: إرادة البعض؛ فإن كان ذلك مما يجب العمل به يلزم طلب الدليل على الموقع للمراد، فإن وجد من طريق الإحاطة شهد عليه بالمراد، وإن لم يوجد عمل به [على حسب الإذن في العمل به بالاجتهاد من غير الشهادة عليه أن المقصود لا غير، والله أعلم].

وإن كان ذلك مما لا يجب العمل به وإنما حقه الشهادة يشهد [به] على ما [هو] في الحكمة وجوب تلك الشهادة من غير أن يقضي على الآية بقصد ذلك إذا كانت بحيث تتسع له ولغيره؛ نحو القول بأنه سميع عليم على إثر أمورهم من أدلة الخصوص، لو كانت تحتمل الخصوص، وفي الحكمة أنه سامع كل صوت، وعليم بكل شيء، فبه يشهد، ولا يقال في ذلك: إنه أراد ذا من الخاص، نحو قوله -  -: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ قال قوم: لا يقع الطلاق حتى يوقع؛ لأنه ذكر أنه سميع ولو أوقع الطلاق بغير قول، لم يكن لذكر السميع في هذا الموضع فائدة.

وقال قوم: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ لإيلائه؛ إذ هو قسم ينطق به، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ لعزمه، وقد ذكر ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ؛ فيجب توجيه كل حرف إلى وجه، ليفيد حقيقة ذلك في هذا الموضع، ولو كان لا يقع دون القول لكان كل أمره مسموعاً؛ ليلتقي القول بأنه سميع عن القول بأنه عليم.

وفي جملة العقد من [طريق] الحكمة أنه سميع بكل صوت، عليم بكل شيء، لكن في النوازل يتوجه وجهين لا يجب القطع عليه في الإرادة إلا أن يجيء ما يوجب الإحاطة، وقد عمل به الخلق على الاختلاف، والله أعلم.

ووجه آخر من التأويل: أنه يحتمل وجوهاً لا يسع للكل في حق العمل أو في حق الشهادة، لكنها لأحد الحقين، فإن كان ذلك في حق العمل يجب طلب دليله، ويكون الدليل على وجهين: أحدهما: أن يوجب على حق العمل والشهادة جميعاً.

والآخر: أن يوجب [على] حق العمل خاصة، وقد بينا ذلك.

وإن كان في حق الشهادة فيجب الوقف في تحقيق المراد، والتسليم لله حتى يظهر، وذلك في حق إضافة الاستواء إلى الله -  - على العرش، والقول بالرؤية من حيث يثبت ما به يرى على الإشارة إليه، لا بالإحاطة، ونحو ذلك من الأمور، والله أعلم.

ووجه آخر: أن يكون احتمال وجوهها إنما يكون بمقدمات، فيختلف على اختلاف تلك المقدمات، فلا يجوز تأويل تلك إلا بمعرفة [المقدمة] إذا لم يكن فيها غير معرفة الموقع من المقدمة،؛ نحو قوله -  -: ﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فَٱنصَبْ  ﴾ لم يكن لأحد تأويل واحد من الوجهين حتى يعلم بالسمع أنه فيم كان مشغولا.

وقوله -  -: ﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً  ﴾ لم يكن لأحد طلب مراد قائله أو تأويل مراده، ولا يظفر به إلا بالوحي، ولا قوة إلا بالله.

والقول في حقه إلى أن يتبين ما كان في حق الشهادة، فلازم الوقف فيه حتى يظهر، وما كان في حق العمل، فإن كان في نوع ما يحتمل الاحتياط فحقه القيامة به حتى يظهر دليل التوسيع، ودليل التوسيع على الوجهين اللذين ذكرت، وإن كان فيما لا يحتمل الاحتياط فحقه التوقف حتى يظهر والله أعلم.

ولا يخلو شيء إلا أحد الوجهين به حاجة من دليل يكون له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ .

أي: غير الجلود النضيجة؛ كقوله -  -: ﴿ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ  ﴾ أي: تجدد ما قد فني، وكذلك أعيد ما قد كان من الجلود قبل النضج جديداً في رأي العين من حيث صار الأول نضيجاً، لا أن كان هذا غير الأول، بل هو الأول غير نضيج؛ إذ ذلك نعت الأول، وتعذيب ما كان ارتكب المعصية؛ لأن التعذيب - في الحقيقة - على غير الذي أثم فيه.

وقال قائلون: الجلود والعظام ونحو ذلك لم تكن عصت ولا أطاعت، بل استعملت قهراً وجبراً، لا أنها عملت طوعاً، لكن الذي به عملت والذي استعملها في الجسد به يتلذذ ويتألم، فهو المعذب والمثاب بما صدر من الجسد؛ ألا ترى أن أجساد أهل الجنة تزداد الحسن والجمال، وجعل لأهلها حدّاً لا يزداد ولا ينتقص، وأجساد أهل النار مشوهة قبيحة؛ ليكون لهم في التقبيح عقوبة، وللأول بالتحسين ثواب، فكانت فيها أحوال للجزاء لم تكن للأعمال، فثبت أن المثاب والمعاقب ما ذكرت، لكنه يتألم ويتلذذ، فجعلت على ما بها تمام اللذة والألم من الأجساد لا على إعادة أنفس تلك الأجساد، بل على التجديد، كما ذكره في القرآن، وكذلك المقطوع على بعض الأعضاء في حال الكفر إذا أسلم يبعث سليماً، لا كذلك، ومثله في حال الإسلام لو أريد لم يرفع عنه ألم ذلك؛ فدل الذي ذكرت على حق تجدد الثاني على ما شاء الله والذي به كان المأثم والبر على ما قد كان، والله أعلم.

وللمذهب الأول أن الجزاء هو لما يختم عليه؛ إذ لو كان إسلام لتمنى لنفسه أحسن الأحوال، وأسلم البنية ليستعملها بالخير، فأوجب ذلك إبطال جميع السيئات كانت بجوارح ذهبت أو بقيت، وكذلك من اختار الكفر فقد آثره، واختار أن يكون على ذلك، وإن سلمت جوارحه وتمت فلزمه حكم احتياط جميع ما تقدم بكل فائت منه وباق، وفي الأول استوجب جعل جميع ما تقدم منه بالفائت والباقي حسنات لما ندم عن الكل بكل الجوارح، فلحق حكم تبديل السيئات بالحسنات في الكل؛ فيكون على حكم إعادة الأولى بحق التجديد في المعنى - والله أعلم - نحو قوله -  -: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ...

﴾ الآية [الفرقان: 70].

وفي الإعادة كقوله -  -: ﴿ مَن يُعِيدُنَا...

﴾ الآية [الإسراء: 51]، وقوله - عز وجل -: ﴿ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ...

﴾ الآية [الرعد: 5] وغير ذلك من آيات البعث، والله أعلم.

وقال قائلون: الواجب من العقوبة للكفر، وغيره بحكم التبع له، وكذلك الثواب الواجب منه للإيمان، ولغيره بحكم التبع، بل به قام، والأول به سقطت عنه مشيئة العفو، فصار الذي به الجزاء خاصّاً، وغيره بحكم التبع يزداد وينتقص؛ فعلى ذلك أمر الجزاء والتجديد والإعادة، وكل ذلك للذي هو بحق التبع، والاتباع في الشاهد بتجدد أعين الأفعال، ولا يدوم، والاعتقاد في الأمرين يدوم، فعلى ذلك أمر الجزاء ولذلك، والله الموفق.

ولهذا الوجه ما يبطل الخلود لما سوى الكفر؛ إذ في ذلك إبطال الجزاء الدائم من حيث الأفعال، وإدامة الجزاء المنقطع من حيث الأفعال، فيكون فيه زيادة في العقوبة على المثل، والله يقول: ﴿ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا  ﴾ ، والله الموفق.

ثم اختلف في المبعوث أنه يبعث بجسده أو يبعث الروحاني منه، سمته بعض الفلاسفة نفساً، وبعضهم جوهراً روحانيّاً، وبعضهم بسيطاً، فإن كل جسد فيه روحاني في حياته ومنافعه؛ وجسده له كالمانع عن جميع ما يحتمل من الأمور؛ إذ الجوهر الروحاني لطيف، ينفذ في الأشياء، ويتخلل إلا بالحابس، يبين ذلك أمر النائم أن النفس تخرج لقوله -  -: ﴿ ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا  ﴾ ، أو هي مما يسكن الجوارح وينقطع عنها هم الجسدية يرجع إلى حصة جوهره فيراها تطوف في البلاد النائية، وفي الأمكنة العلوية، حتى لا تصفها أرض ولا سماء تأتي بالأخبار عنها كأنها شاهدة، أما ما كان ذلك عملها بالجوهر حيث يكون من النفاذ إذا لم تحبس، أو هي بالجوهر تخرج فتعمل ذلك وهي تسمع وتبصر وتعقل في المنام كأنها بالجسد كذلك؛ فدل أن العمل في حال اليقظة وما له الجزاء لها، فعلى ذلك أمر الجزاء، وعلى ذلك جميع الجواهر التي بها الأغذية والحياة ليست بأعين تلك الأشياء، ولكن بما جعل في سريتها من الروحاني، وهي القوى التي تظهر في البدن إلى كل أجزاء البدن، فتقوى وتصح فيه بحياة روحه، وتزول عنه الآفات، وكذلك عن السمع والبصر والعقل حل شيء ثم تلقى فعله؛ فعلى ذلك أمر المعاد من الجزاء فهو على ذلك، وكذلك الثواب يكون من كل موعود مما يعرف في الشاهد بجسده ويرجع إلى السرية التي هي روح لذلك فيكون هو الثواب؛ لما هو بحكم روح في الجسد؛ ألا ترى أنه لا يبقى في الآخرة بالأكل الأجساد التي تلقى، وهي الأثقال التي تفضل في الجسد، ويخرج عنها جميع ما فيها من الأقوية والروح، فثبت أن الأمر يرجع إلى ما ذكرت، وهذا معنى قوله -  -: "مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" لأن [ذلك الجوهر] لا تراه العين، ولا تسمعه الأذن في الشاهد، ولا يخطر على القلب، وتكون لذة ذلك روحانيّاً، لا هذه لذة الحياة بحياتها السمع والبصر، وكل باطن في الجوهر ولذة الأجساد إنما يكون باللهاة في الطعم، وبالعين في اللون، وهذا النوع، فيذهب هذا، ويكون الأول، وعلى ذلك تذهب العبادات الجسدانية، وتبقى الروحانية من الحمد، والثناء، والتعظيم، والهيبة، والمعرفة، ونحو ذلك يبقى أبداً، بل يزداد؛ لما يذهب عنها الحواجب من الجسداني، وعلى ذلك يبطل تقدير الرؤية، وإبطاله مما عليه أمر الشاهد لذهاب ما به كونها في الشاهد، ورجوع الأمر إلى ما يحاط به على سقوط الحواجب، والله أعلم.

اختلف من ذكرت في أمر البعث: فمنهم من لا يرى على ما في الجسد من الروحاني فناء، والبعث هو إسقاط الأجساد وخروج ما فيها من الروحاني بصورها.

ومنهم من يقول: تفنى وتعاد على حالها، ومعلوم أن ذكر الجديد لا يحتمل بلا ذهاب الأصل، وذكر الإعادة بلا فوته، وقال: ﴿ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ ، وجعل إنشاء الأولى دلالة للأخرى، وليس ثَمَّ أخرى، بل هي الأولى، والأولى هي - على ما يزعمون - غير معروفة عند المنكرين؛ فيحتج عليهم بها، بل يجب أن يعرفوا الأولى أولا، ثم يساعدوا على نفي البعث، ويلزموا الإظهار.

والدهرية ومنكري البعث يقولون في جميع العالم بالظهور بعد الكون، وبالكون في الأصول بالقوة، ثم الظهور بالفعل، فكيف ينكرون البعث ليحتج عليهم بالخلق الأول؟!

والله أعلم.

وقال قوم بالبعث بالأجساد على ما كانت، لكنها كانت في الدنيا منشأة للفناء، مشتمل عليها آثار الفناء، ويحيط [بها] أعلام الهلاك، ومن آفات كلها وسواتر تحجبن عن أعمال لطائف الجواهر، وعن إدراك الروحانيين، وإلا فهي كما وصفهم الله -  - أنه خلقهم في أحسن تقويم، وكرمهم بأقوم جوهر، وأكمل أسر، وأنقى خلقة، فإذا وقعت عليهم الآفات، وأعيدوا للبقاء؛ فيزول عنهم جميع الظلمات التي هن حواجب وسواتر لهم على الإحاطة بحقائق الأشياء وبواطنها، وعلى شكلهم تنشأ الأجساد المجعولة أجزاء لهم، فيلحقون بجميع اللطائف جسداً بما فيها من الجوهر الروحاني [و] تصير هذه في اللطف كذلك الجوهر، وهي لما تنقل إلى ألطف من ذلك، وأنور لهم كالأرواح؛ فيفضلون على الروحانيين بأجساد فيها معانيها من اللطافة، والنفاذ في الأمور التي هي كالروحانيين في التمثيل وما فيهم حق الروحانيين ألطف من ذلك بارتفاع آثار الفناء عنها، وخروجها من أن يعمل فيها الفساد، وعلى ذلك أجساد الجزاء، فإنها تخرج عن الآفات، وتمنع عن الفساد، و تصير أجسادها في الطيب والضياء كالروحاني، وما فيها من الروحاني يبقى فيها على كل حال لا يفنى، والأصل فيه أن الجزاء بحق الشهوات واللذات، لا بحق الأغذية وحياة أجساد المستنفعين بها، فتكون هي بحسدها وسريتها واحدة، وبقاء الأجساد لها أحق من بقاء الروحاني في هذا العالم من طريق الاعتبار؛ لأن الذي له حق الروحاني في الشاهد به البقاء والغذاء والحياة لا يدفع بها الآفات العارضة في الأرواح من جهة القوالب التي تضعف وتقوى، وفي الآخرة لا تعرض الآفات [التي] يحتاج فيها إلى الأغذية، وإنما ينال عنها الشهوات واللذات، وإنما يكون ذلك من حق الأجساد في الشاهد؛ لذلك كانت أحق أن تكون في الآخرة، ثم هذا القول أوفق بما جاء به من حجج السمع وما عليه الاعتبار.

فأما حجج السمع: فإن الله - عز وجل - قال: ﴿ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ...

﴾ الآية [الحج: 5]، وقال: ﴿ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً...

﴾ الآية [الإسراء: 49]، وقال - عز وجل -: ﴿ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ ، وغير ذلك مما حاج به منكري البعث، والإشكال كان لهم في الأجساد، وفيها جرت المحاجاة؛ لذلك كانت هي أولى في الاعتبار مع ما كانت الأشياء اللطيفة [التي] لا تمس ولا تحس في التجديد لم يكن بحيث احتمال الإنكار لوجودهم في كل حال؛ نحو العقول تذهب بأسباب ثم تعود، وكذلك العلوم والسمع والبصر، ونحو ذلك، ثم الحسيات اللطائف: نحو الليل، والنهار، والنور، والظلمة، والظل، ونحو ذلك يرون الفناء والعود في كل حين لا ينكرون هذا النوع؛ ليحاجوا بالذي ذكر وبهذا؛ فلذلك كان القول بالأجساد أحق، والله أعلم.

والاعتبار أن الله -  وتعالى - أنشأ هذا الخلق على ما يتلذذون ويتألمون؛ ليكون ذلك علماً للترغيب والترهيب بالموعود، وما يحل من الآفات وأضدادها في الروحاني في الجسد يكون له سرور وحزن، لا يتألم ويتلذذ، وقد جرى الوعد بالمؤلم والملذ.

وكذلك حكمة خلق الجسد على ذلك بما يحقق العلم بالمرغب والمرهب من الموعود، على أن السرور والغموم ليسا بحيث يرغب فيهما أو يزهد إلا من حيث يألم الجسد ويتلذذ، بل كلٌّ يكون فيه الأمران؛ ليسر ويحزن؛ فلذلك كان القول بالأجساد أحق من طريق التقدير على ما جرى به حق السمع والعقل، والله أعلم بحقيقة ذلك، وبيده الملك، يكرم من شاء بما شاء؛ فضلاً منه، ويهين من شاء؛ بما شاء عدلاً منه، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ ﴾ .

بما أنزل على محمد  من اليهود ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ ﴾ .

قال: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ ﴾ يعني: بالكتاب الذي أعطى إبراهيم ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ ﴾ : عن الكتاب، وهو قول ابن عباس،  .

وقيل: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ ﴾ يعني: إبراهيم ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ ﴾ يعني: عن إبراهيم،  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾ .

كأن جهنم - والله أعلم - معظم النار وجميع دركاتها، والسعير هو التهابها ووقودها؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ  لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾ أي: عذاباً، والله أعلم.

﴿ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ ﴾ أي: بالتهاب جهنم التهاباً؛ إذ السعير: الالتهاب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

بل يحسدون محمدًا  وأصحابه على ما آتاهم الله من النبوة والايمان والتمكين في الأرض.

فَلِمَ يحسدونهم وقد سبق أن آتينا ذرية إبراهيم الكتاب المنزل، وما أوحيناه اليهم سوى الكتاب، وآتيناهم ملكًا واسعًا على الناس؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.0o84N"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ  ﴾ سبق في الآيات قبل هذه أن اليهود حكموا بأن المشركين أهدى سبيلًا من المؤمنين، وذلك من الحسد والغرور بأنفسهم فإنهم يقولون ذلك مع أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت فهم في شر حال، ويعيبون من هم في أحسن حال، فالله تعالى يقول إن هؤلاء يريدون أن يضيق فضل الله بعباده ولا يجبون أن يكون لأمة من الأمم فضلٍ أكثر مما لهم أو مثله أو قريبًا منه لما استحوذ عليهم من الغرور بنسبهم وتقاليدهم مع سوء حالهم، فكأنه قال: هل غرر هؤلاء بأنفسهم تغريرًا، أم لهم نصيب من الملك في هذا الكون فهم يمنعون الناس فلا يأتونهم منه نقيرًا، أم يحسدون على ما أعطاهم الله من فضله، أي العرب.

﴿ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا  ﴾ والعرب منهم فإنهم من ذرية ولده إسماعيل، وقد كانت ظهرت تباشير الملك العظيم فيهم عند نزول هذه الآيات، فإنها مدينة متأخرة وكانت شوكة المسلمين قد قويت، فالآية مبشرة لهم بالملك الذي يتبع النبوة والحكمة، والحاصل أن حال اليهود يومئذ كان لا يعدو هذه الأمور الثلاثة، إما غرور خادع يظنون معه أن فضل الله محصور فيهم، ورحمته تضيق عن غير شعب إسرائيل من خلقه، وإما حسبان أن ملك الكون في أيديهم فهم لا يسمحون لأحد بشيء منه ولو حقيرًا كالنقير، وإما حسد العرب على ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة والملك الذي ظهرت مبادئ عظمته.

﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ  ﴾ : يرجع الضمير إلى ما ذكر من الكتاب والحكمة والملك العظيم، فأما الإيمان بالكتاب والحكمة فظاهر، وأما الإيمان بالملك فهو الإيمان بوعد الله تعالى به، وهكذا شأن الناس في كل شيء لا يتفقون عليه وإنما يأخذ به بعضهم ويعرض عنه آخرون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد