الآية ٥٧ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٥٧ من سورة النساء

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا ٥٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٧ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٧ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ) هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن ، التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها ومحالها وأرجائها حيث شاؤوا وأين أرادوا ، وهم خالدون فيها أبدا ، لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا .

وقوله : ( لهم فيها أزواج مطهرة ) أي : من الحيض والنفاس والأذى .

والأخلاق الرذيلة ، والصفات الناقصة ، كما قال ابن عباس : مطهرة من الأقذار والأذى .

وكذا قال عطاء ، والحسن ، والضحاك ، والنخعي ، وأبو صالح ، وعطية ، والسدي .

وقال مجاهد : مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد .

وقال قتادة : مطهرة من الأذى والمآثم ولا حيض ولا كلف .

وقوله : ( وندخلهم ظلا ظليلا ) أي : ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا .

قال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن - وحدثنا ابن المثنى ، حدثنا ابن جعفر - قالا حدثنا شعبة قال : سمعت أبا الضحاك يحدث ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ، شجرة الخلد " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا (57) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " والذين آمنوا وعملوا الصالحات "، والذين آمنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وصدّقوا بما أنـزل الله على محمد مصدّقًا لما معهم من يهود بني إسرائيل وسائر الأمم غيرهم =" وعملوا الصالحات "، يقول: وأدّوا ما أمرهم الله به من فرائضه، واجتنبوا ما حرّم الله عليهم من معاصيه، وذلك هو " الصالح " من أعمالهم =" سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار "، يقول: سوف يدخلهم الله يوم القيامة =" جنات "، يعني: بساتين (34) =" تجري من تحتها الأنهار "، يقول: تجري من تحت تلك الجنات الأنهار =" خالدين فيها أبدًا "، يقول: باقين فيها أبدًا بغير نهاية ولا انقطاع، دائمًا ذلك لهم فيها أبدًا =" لهم فيها أزواج "، يقول: لهم في تلك الجنات التي وصف صفتها =" أزواج &; 8-489 &; مطهرة "، يعني: بريئات من الأدناس والرَّيْب والحيض والغائط والبول والحَبَل والبُصاق، وسائر ما يكون في نساء أهل الدنيا.

وقد ذكرنا ما في ذلك من الآثار فيما مضى قبل، وأغنى ذلك عن إعادتها.

(35) * * * وأما قوله: " وندخلهم ظِلا ظليلا "، فإنه يقول: وندخلهم ظلا كَنينًا، كما قال جل ثناؤه: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ [سورة الواقعة: 30]، وكما:- 9838 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن = وحدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر = قالا جميعًا، حدثنا شعبة قال، سمعت أبا الضحاك يحدّث، عن أبي هريرة، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: إنّ في الجنة لشجرةً يسيرُ الراكب في ظلّها مئة عام لا يقطعها، شجرةُ الخلد.

(36) ------------------ الهوامش : (34) انظر تفسير"جنة" فيما سلف: 7: 494 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

(35) انظر ما سلف 1: 395 - 397 / 6: 261 ، 262.

(36) الحديث: 9838 - عبد الرحمن: هو ابن مهدي.

أبو الضحاك البصري: تابعي ، لم يعرف إلا بهذا الحديث ، ولم يرو عنه أحد غير شعبة.

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 395.

والحديث رواه أحمد في المسند: 9870 ، عن محمد بن جعفر وحجاج ، و: 9951 ، عن عبد الرحمن ، وهو ابن مهدي - ثلاثتهم عن شعبة.

(المسند 2: 455 ، 462 حلبي).

وذكر الحافظ في المزي في تهذيب الكمال (مخطوط مصور) أنه رواه ابن ماجه في التفسير.

ونقله ابن كثير 2: 490 ، عن هذا الموضع من الطبري.

وأصل الحديث ثابت عن أبي هريرة ، من أوجه كثيرة ، في المسند والصحيحين وغيرهما ، دون زيادة"شجرة الخلد".

انظر المسند: 7490.

وقد أشرنا لكثير من طرقه هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وقوله في صفة أهل الجنة وندخلهم ظلا ظليلا يعني كثيفا لا شمس فيه .

الحسن : وصف بأنه ظليل ؛ لأنه لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك .

وقال الضحاك : يعني ظلال الأشجار وظلال قصورها الكلبي : ظلا ظليلا يعني دائما .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَالَّذِينَ آمَنُوا } أي: بالله وما أوجب الإيمانَ به { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } من الواجبات والمستحبات { سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } أي: من الأخلاق الرذيلة، والخلْق الذميم، ومما يكون من نساء الدنيا من كل دنس وعيب { وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا ) كنينا لا تنسخه الشمس ولا يؤذيهم حر ولا برد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة» من الحيض وكل قذر «وندخلهم ظلا ظليلا» دائما لا تنسخه شمس وهو ظل الجنة,

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين اطمأنت قلوبهم بالإيمان بالله تعالى والتصديق برسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واستقاموا على الطاعة، سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ينعمون فيها أبدًا ولا يخرجون منها، ولهم فيها أزواج طهرها الله مِن كل أذى، وندخلهم ظلا كثيفًا ممتدًا في الجنة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) بيان لحسن الثواب الذى وعد الله به عباده المؤمنين فى مقابلة بيان العقاب الذى أعده للكافرين .وتلك عادة القرآن فى تربية النفوس .

إنه يسوق عاقبة الكافرين ثم يتبعها بحسن عاقبة المؤمنين أو العكس ، ليحمل العقلاء على الابتعاد عن طريق الكفر والعصيان ، وليغريهم بالسير فى طريق الطاعة والإِيمان .أى : والذين آمنوا إيماناً حقاً ، وعملوا فى دنياهم الأعمال الطيبات الصالحات ( سَنُدْخِلُهُمْ ) يوم القيامة ( جَنَّاتٍ تَجْرِي ) من تحت شجرها وقصورها ( الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ) أى : أكرمناهم إكراما عظيما بأن جعلناهم مقيمين فى الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها ( لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ) أى لهم فيها نساء بريئات ومنزهات من جميع الأدناس الحسية والمعنوية .وقوله : ( وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ) أى : ظلا وارفا جميلا لا يصيب صاحبه حر ولا سموم .والظل : أثر لما يحجب الشمس وحرارتها .

والظليل : صفة مشتقة من الظل للتأكيد على حد قولهم : ليل أليل أى ظلا بلغ الغاية فى جنسه .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : ( ظَلِيلاً ) صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه .

كما يقال : ليل أليل .

ويوم أيوم وما أشبه ذلك .

وهو ما كان فيئا - أى طويلا ممتدا - لا حوب فيه - أى لا خرق ولا قطع فيه - ودائما لا تنسخه الشمس .

وسجسجا - أى متوسطا - لا حر فيه ولا برد .

وليس ذلك إلا ظل الجنة .

رزقا الله بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك الظل .وبعد هذا الحيث الجامع عن أحوال أهل الكتاب من اليهود ، وجه القرآن جملة من الأوامر الحكيمة إلى المؤمنين .

فقال - تعالى - : ( إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ .

.

.

.

تَأْوِيلاً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه قد جرت عادة الله تعالى في هذا الكتاب الكريم بأن الوعد والوعيد يتلازمان في الذكر على سبيل الأغلب، وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية دالة على أن الإيمان غير العمل، لأنه تعالى عطف العمل على الايمان، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه.

قال القاضي: متى ذكر لفظ الإيمان وحده دخل فيه العمل، ومتى ذكر معه العمل كان الإيمان هو التصديق، وهذا بعيد لأن الأصل عدم الاشتراك وعدم التغير، ولولا أن الأمر كذلك لخرج القرآن عن كونه مفيدا.

فلعل هذه الألفاظ التي نسمعها في القرآن يكون لكل واحد منها معنى سوى ما نعلمه، ويكون مراد الله تعالى منه ذلك المعنى لا هذا الذي تبادرت أفهامنا اليه.

هذا على القول بأن احتمال الاشتراك والافراد على السوية، وأما على القول بأن احتمال البقاء على الأصل واحتمال التغيير متساويان فلا، لأن على هذا التقدير يحتمل أن يقال: هذه الألفاظ كانت في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم موضوعة لمعنى آخر غير ما نفهمه الآن، ثم تغيرت إلى هذا الذي نفهمه الآن.

فثبت أن على هذين التقديرين يخرج القرآن عن كونه حجة، وإذا ثبت أن الاشتراك والتغيير خلاف الأصل اندفع كلام القاضي.

المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى ذكر في شرح ثواب المطيعين أمورا: أحدها: أنه تعالى يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وقال الزجاج: المراد تجري من تحتها مياه الأنهار، واعلم أنه إن جعل النهر اسما لمكان الماء كان الأمر مثل ما قاله الزجاج، أما إن جعلناه في المتعارف اسما لذلك الماء فلا حاجة إلى هذا الاضمار.

وثانيها: أنه تعالى وصفها بالخلود والتأبيد، وفيه رد على جهم بن صفوان حيث يقول: إن نعيم الجنة وعذاب النار ينقطعان، وأيضا أنه تعالى ذكر مع الخلود التأبيد، ولو كان الخلود عبارة عن التأبيد لزم التكرار وهو غير جائز، فدل هذا أن الخلود ليس عبارة عن التأبيد، بل هو عبارة عن طول المكث من غير بيان أنه منقطع أو غير منقطع، وإذا ثبت هذا الأصل فعند هذا يبطل استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا  ﴾ على أن صاحب الكبيرة يبقى في النار على سبيل التأبيد، لأنا بينا بدلالة هذه الآية أن الخلود لطول المكث لا للتأبيد.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ ﴾ والمراد طهارتهن من الحيض والنفاس وجميع أقذار الدنيا، ونظيره قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خالدون  ﴾ واللطائف اللائقة بهذا الموضع قد ذكرناها في تلك الآية.

ورابعها: قوله: ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾ قال الواحدي: الظليل ليس ينبئ عن الفعل حتى يقال: إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل، مثل قولهم: ليل أليل.

واعلم أن بلاد العرب كانت في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم أعظم أسباب الراحة، ولهذا المعنى جعلوه كناية عن الراحة.

قال عليه الصلاة السلام: السلطان ظل الله في الأرض فإذا كان الظل عبارة عن الراحة كان الظليل كناية عن المبالغة العظيمة في الراحة، هذا ما يميل اليه خاطري، وبهذا الطريق يندفع سؤال من يقول: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرها فما فائدة وصفها بالظل الظليل.

وأيضاً نرى في الدنيا أن المواضع التي يدوم الظل فيها ولا يصل نور الشمس اليها يكون هواؤها عفنا فاسدا مؤذيا فما معنى وصف هواء الجنة بذلك لأن على هذا الوجه الذي لخصناه تندفع هذه الشبهات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ظَلِيلاً ﴾ صفة مشتقة من لفظ الظلّ لتأكيد معناه.

كما يقال: ليل أليل.

ويوم أيوم، وما أشبه ذلك.

وهو ما كان فينانا لا جوب فيه، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجسجاً لا حرّ فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل الجنة.

رزقنا الله بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك الظل.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ سيدخلهم ﴾ بالياء ﴿ أَن تُؤدُّاْ الأمانات ﴾ الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة.

وقيل نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار وكان سادن الكعبة.

وذلك: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه يده.

وأخذه منه وفتح، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين.

فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة.

فنزلت، فأمر علياً أن يردّه إلى عثمان ويعتذر إليه فقال عثمان لعليّ: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟

فقال: لقد أنزل الله في شأنك قرآناً، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فهبط جبريل وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان أبداً.

وقيل: هو خطاب للولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل.

وقرئ: ﴿ الأمانة ﴾ ، على التوحيد ﴿ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ (ما) إما أن تكون منصوبة موصوفة بيعظكم به، وإما أن تكون مرفوعة موصولة به، كأنه قيل: نعم شيئاً يعظكم به.

أو نعم الشيء الذي يعظكم به.

والمخصوص بالمدح محذوف، أي نعمّا يعظكم به ذاك، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم.

وقرئ ﴿ نعما ﴾ بفتح النون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا ﴾ كالبَيانِ والتَّقْرِيرِ لِذَلِكَ.

﴿ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها ﴾ بِأنْ يُعادَ ذَلِكَ الجِلْدُ بِعَيْنِهِ عَلى صُورَةٍ أُخْرى كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الخاتَمَ قِرْطًا، أوْ بِأنْ يُزالَ عَنْهُ أثَرُ الإحْراقِ لِيَعُودَ إحْساسُهُ لِلْعَذابِ كَما قالَ: ﴿ لِيَذُوقُوا العَذابَ ﴾ أيْ لِيَدُومَ لَهم ذَوْقُهُ.

وقِيلَ يَخْلُقُ لَهم مَكانَهُ جِلْدٌ آخَرُ والعَذابُ في الحَقِيقَةِ لِلنَّفْسِ العاصِيَةِ المُدْرِكَةِ لا لِآلَةِ إدْراكِها فَلا مَحْذُورَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا ﴾ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ.

﴿ حَكِيمًا ﴾ يُعاقِبُ عَلى وفْقِ حِكْمَتِهِ.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ قَدَّمَ ذِكْرَ الكُفّارِ ووَعِيدِهِمْ عَلى ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ ووَعْدِهِمْ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِالعَرَضِ.

﴿ لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا ﴾ فَيْنانًا لا جَوْبَ فِيهِ ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وهو إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ التّامَّةِ الدّائِمَةِ.

والظَّلِيلُ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الظِّلِّ لِتَأْكِيدِهِ كَقَوْلِهِمْ: شَمْسٌ شامِسٌ ولَيْلٌ ألْيَلُ ويَوْمٌ أيْوَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ} من الأنجاس والحيض والنفاس {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً} هو صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه كما يقال ليل أليل

وهو ما كان طويلا فينانا لا جوب فيه ودائما لا ننسخه الشمس وسجسجا لا حرفيه ولا برد وليس ذلك إلا ظل الجنة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ عَقَّبَ بَيانَ سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ بِبَيانِ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ؛ تَكْمِيلًا لِلْمَساءَةِ والمَسَرَّةِ، وقَدَّمَ بَيانَ حالِ الأوَّلِينَ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا المُؤْمِنُونَ بِنَبِيِّنا  وإمّا ما يَعُمُّهم وسائِرَ مَن آمَنَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أيْ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وعَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ ﴿ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ .

قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (سَيُدْخِلُهُمْ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ، وفي السِّينِ تَأْكِيدٌ لِلْوَعْدِ، وفي اخْتِبارِها هُنا واخْتِيارِ (سَوْفَ) في آيَةِ الكُفْرِ ما لا يَخْفى.

﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ إعْظامًا لِلْمِنَّةِ، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (سَنُدْخِلُهُمْ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ أيْ: مِنَ الحَيْضِ والنِّفاسِ وسائِرِ المَعايِبِ والأدْناسِ والأخْلاقِ الدَّنِيئَةِ والطِّباعِ الرَّدِيئَةِ، لا يَفْعَلْنَ ما يُوحِشُ أزْواجَهُنَّ، ولا يُوجَدُ فِيهِنَّ ما يُنَفِّرُ عَنْهُنَّ، في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن (جَنّاتٍ) أوْ حالٌ ثانِيَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أوْ أنَّهُ صِفَةٌ لِـ(جَنّاتٍ) بَعْدَ صِفَةٍ، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبْرٌ لِلْمَوْصُولِ بَعْدَ خَبَرٍ.

والمُرادُ: أزْواجٌ كَثِيرَةٌ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ ﴿ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا ﴾ أيْ: فَيْنانًا لا جَوْبَ فِيهِ، ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وسَجْسَجًا لا حَرَّ فِيهِ ولا قُرَّ، رَزَقَنا اللَّهُ تَعالى التَّفَيُّؤَ فِيهِ بِرَحْمَتِهِ، إنَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، والمُرادُ بِذَلِكَ إمّا حَقِيقَتُهُ ولا يَمْنَعُ مِنهُ عَدَمُ الشَّمْسِ، وإمّا أنَّهُ إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ التّامَّةِ الدّائِمَةِ، والظَّلِيلُ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن لَفْظِ الظِّلِّ لِلتَّأْكِيدِ كَما هو عادَتُهم في نَحْوِ: (يَوْمٌ أُيْوَمُ ولَيْلٌ ألْيَلُ).

وقالَ الإمامُ المَرْزُوقِيُّ: إنَّهُ مُجَرَّدُ لَفْظٍ تابِعٍ لِما اشْتُقَّ مِنهُ، ولَيْسَ لَهُ مَعْنًى وضْعِيٌّ بَلْ هو كَـ(بَسَنٍ) في قَوْلِكَ: حَسَنٌ بَسَنٌ، وقُرِئَ: (يُدْخِلُهُمْ) بِالياءِ عَطْفًا عَلى (سَيُدْخِلُهُمْ) لا عَلى أنَّهُ غَيْرُ الإدْخالِ الأوَّلِ بِالذّاتِ بَلْ بِالعُنْوانِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ ﴾ .

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ الإيمانِ العِلْمِيِّ، ونَهْيٌ لَهم أنْ يُناجُوا رَبَّهم أوْ يَقْرَبُوا مَقامَ الحُضُورِ والمُناجاةِ مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في حالِ كَوْنِهِمْ سُكارى خَمْرِ الهَوى ومَحَبَّةِ الدُّنْيا، أوْ نَوْمِ الغَفْلَةِ حَتّى يَصْحُوا ولا يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِ مَوْلاهُمْ، والمَقْصُودُ النَّهْيُ عَنْ إشْغالِ القَلْبِ بِسِوى الرَّبِّ.

وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِأهْلِ المَحَبَّةِ والعِشْقِ الَّذِينَ أسْكَرَهم شَرابُ لَيْلِي ومُدامُ مَيٍّ فَبَقُوا حَيارى مَبْهُوتِينَ، لا يُمَيِّزُونَ الحَيَّ مِنَ اللَّيِّ، ولا يَعْرِفُونَ الأوْقاتِ ولا يَقْدِرُونَ عَلى أداءِ شَرائِطِ الصَّلَواتِ، فَكَأنَّهم قِيلَ لَهُمْ: يا أيُّها العارِفُونَ بِي وبِصِفاتِي وأسْمائِي، السُّكارى مِن شَرابِ مَحَبَّتِي، وسَلْسَبِيلِ أُنْسِي، وتَسْنِيمِ قَدَمِي، وزَنْجَبِيلِ قُرْبِي، ومُدامِ عِشْقِي، وعَقارِ مُشاهَدَتِي، إذا كَشَفْتُ لَكم جِمالِي وآنَسْتُكم في مَقامِ رُبُوبِيَّتِي فَلا تُكَلِّفُوا نُفُوسَكم أداءَ الرُّسُومِ الظّاهِرَةِ؛ لِأنَّكم في جَنانِ مُشاهَدَتِي، ولَيْسَ في الجَنانِ تَقْيِيدٌ، وإذا سَكَنْتُمْ مِن سُكْرِكم وصِرْتُمْ صاحِينَ بِنَعْتِ التَّمْكِينِ فَأدُّوا ما افْتَرَضْتُهُ عَلَيْكم ﴿ وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ﴾ .

وحاصِلُهُ رَفْعُ التَّكْلِيفِ عَنِ المَجْذُوبِينَ الغارِقِينَ في بِحارِ المُشاهَدَةِ إلى أنْ يَعْقِلُوا ويَصْحُوا، فالإيمانُ عَلى هَذا مَحْمُولٌ عَلى الإيمانِ العَيْنِيِّ، والمَعْنى الأوَّلُ أوْلى بِالإشارَةِ ﴿ ولا جُنُبًا ﴾ أيْ: ولا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ في حالِ كَوْنِكم بُعَداءَ عَنِ الحَقِّ لِشِدَّةِ المَيْلِ إلى النَّفْسِ ولَذّاتِها ﴿ إلا عابِرِي سَبِيلٍ ﴾ أيْ: سالِكِي طَرِيقٍ مِن طُرُقٍ تَمَتُّعاتِها بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، كَعُبُورِ طَرِيقِ الِاغْتِذاءِ بِالمَأْكَلِ والمُشْرَبِ لِسَدِّ الرَّمَقِ، أوِ الِاكْتِساءِ لِدَفْعِ ضَرُورَةِ الحَرِّ والقُرِّ وسَتْرِ العَوْرَةِ، أوِ المُباشَرَةِ لِحِفْظِ النَّسْلِ ﴿ حَتّى تَغْتَسِلُوا ﴾ وتَتَطَهَّرُوا بِمِياهِ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ وحُسْنِ التَّنَصُّلِ والِاعْتِذارِ ﴿ وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ بِأدْواءِ الرَّذائِلِ ﴿ أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ في بَيْداءِ الجَهالَةِ والحَيْرَةِ لِطَلَبِ الشَّهَواتِ ﴿ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ ﴾ أيِ: الِاشْتِغالِ بِلَوْثِ المالِ مُلَوَّثًا بِمَحَبَّتِهِ ﴿ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ﴾ أيْ: لازَمْتُمُ النُّفُوسَ وباشَرْتُمُوها في قَضاءِ وطَرِها ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ﴾ عِلْمًا يَهْدِيكم إلى التَّخَلُّصِ عَنْ ذَلِكَ ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾ أيْ: فاقْصُدُوا صَعِيدَ اسْتِعْدادِكم أوِ ارْجِعُوا إلى المُرْشِدِينَ أرْبابِ الِاسْتِعْدادِ ﴿ فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ ﴾ أيِ: امْسَحُوا ذَواتِكم وصِفاتِكم بِما يَتَصاعَدُ مِن أنْوارِ اسْتِعْدادِهِمْ، وتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِمْ، واسْلُكُوا مَسالِكَهم حَتّى تُمْحى عَنْكم تِلْكَ الهَيْئاتُ المُهْلِكَةُ، وتَبْقى أنْفُسُكم صافِيَةً ﴿ إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا ﴾ يَعْفُو عَمّا صَدَرَ مِنكم بِمُقْتَضى تِلْكَ الهَيْئاتِ ﴿ غَفُورًا ﴾ يَسْتُرُ الشَّيْنَ بِالزَّيْنِ.

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا ﴾ أيْ بَعْضًا ﴿ مِنَ الكِتابِ ﴾ وهو اعْتِرافُهم بِالحَقِّ مَعَ احْتِجابِهِمْ بِرُؤْيَةِ الخَلْقِ ﴿ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ﴾ ويَتْرُكُونَ التَّوْحِيدَ الحَقِيقِيَّ ﴿ ويُرِيدُونَ ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴾ الحَقَّ وهو التَّوْحِيدُ الصِّرْفُ، وعَدَمُ رُؤْيَةِ الأغْيارِ فَتَكُونُوا مِثْلَهم ﴿ واللَّهُ أعْلَمُ ﴾ بِأعْدائِكُمْ، وعَنى بِهِمْ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ، وسَبَبُ عَداوَتِهِمْ لَهُمُ اخْتِلافُ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ فِيهِمْ، ولِهَذا ودُّوا تَكْفِيرَهم ﴿ وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا ﴾ يَلِي أُمُورَكم بِالتَّوْفِيقِ لِطَرِيقِ التَّوْحِيدِ ﴿ وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴾ يَنْصُرُكم عَلى أعْدائِكُمْ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ إيذاءَكم ورَدَّكم عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ.

﴿ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ رَجَعُوا عَنْ مُقْتَضى الِاسْتِعْدادِ مِن نَفْيِ السِّوى إلى ما سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ، واسْتَنْتَجَتْهُ أفْكارُهُمْ، وأيَّدَتْهُ أنْظارُهُمْ، ودَعَتْ إلَيْهِ عُلُومُهُمُ الرَّسْمِيَّةُ ﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالكَلِمِ مَعْناها الظّاهِرَ، أيْ أنَّهم يُؤَوِّلُونَ جَمِيعَ ما يُشْعِرُ ظاهِرُهُ بِالوَحْدَةِ عَلى حَسَبِ إرادَتِهِمْ، زاعِمِينَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرُ ذَلِكَ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى لا قَصْدًا ولا تَبَعًا، لا عِبارَةً ولا إشارَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها هَذِهِ المُمْكَناتُ، فَإنَّها كَلِمُ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى الدَّوالِّ عَلَيْهِ، أوْ كَلِمَهُ بِمَعْنى آثارِ كَلِمِهِ، أعْنِي (كُنِ) المُتَعَدِّدَةَ حَسَبَ تَعَدُّدِ تَعَلُّقاتِ الإرادَةِ.

ومَعْنى تَحْرِيفِها عَنْ مَواضِعِها إمالَتُها عَمّا وضَعَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ مِن كَوْنِها مَظاهِرَ أسْمائِهِ، فَيُثْبِتُونَ لَها وُجُودًا غَيْرَ وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ﴿ ويَقُولُونَ سَمِعْنا ﴾ ما يُشْعِرُ بِالوَحْدَةِ أوْ سَمِعْنا ما يُقالُ في هَذِهِ المُمْكَناتِ ﴿ وعَصَيْنا ﴾ فَلا نَقُولُ بِما تَقُولُونَ، ولا نَعْتَقِدُ ما تَعْتَقِدُونَ، ويَقُولُونَ أيْضًا في أثْناءِ مُخاطَبَتِهِمْ لِلْعارِفِ مُسْتَخِفِّينَ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِ ﴿ واسْمَعْ ﴾ ما يُعارِضُ ما تَدَّعِيهِ ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ أيْ: لا أسْمَعَكَ اللَّهُ ﴿ وراعِنا ﴾ يَعْنُونَ رَمْيَهُ بِالرُّعُونَةِ، وهي الحَماقَةُ ﴿ لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ ﴾ الَّذِي عَلَيْهِ العارِفُ بِرَبِّهِ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أيْ: فَهِمُوا عَلَيْهِ الظّاهِرَ، ولَمْ يَفْهَمُوا ما أشارَ إلَيْهِ مِن عِلْمِ الباطِنِ ﴿ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا ﴾ عَلى قُلُوبِ أوْلِيائِي مِنَ العِلْمِ اللَّدُنِّيِّ ﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ مِن عِلْمِ الظّاهِرِ؛ إذْ كَلُّ باطِنٍ يُخالِفُ الظّاهِرَ فَهو باطِلٌ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ﴾ وهي وُجُوهُ القُلُوبِ بِالعَمى ﴿ فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها ﴾ ناظِرَةً إلى الدُّنْيا وزَخارِفَها، بَعْدَ أنْ كانَتْ في أصْلِ الفِطْرَةِ مُتَوَجِّهَةً إلى ما في المِيثاقِ الأوَّلِ ﴿ أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ ﴾ فَنَمْسَخُ صُوَرَهُمُ المَعْنَوِيَّةَ كَما مَسَخْنا صُوَرَ اليَهُودِ الحِسِّيَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا لِمَن أُوتِيَ كِتابَ الِاسْتِعْدادِ، أمَرَهم بِالإيمانِ الحَقِيقِيِّ وهَدَّدَهم بِإزالَةِ اسْتِعْدادِهِمْ ورَدِّهِمْ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ وإبْعادِهِمْ بِالمَسْخِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ إلّا بِالتَّوْبَةِ عَنْهُ لِشِدَّةِ غَيْرَتِهِ ««لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ»» ﴿ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ تابَ أوْ لَمْ يَتُبْ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الشِّرْكَ ثَلاثُ مَراتِبَ، ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ تَوْبَةٌ: فَشِرْكٌ جَلِيٌّ بِالأعْيانِ، وهو لِلْعَوامِّ كَعَبَدَةِ الأصْنامِ والكَواكِبِ مَثَلًا، وتَوْبَتُهُ إظْهارُ العُبُودِيَّةِ في إثْباتِ الرُّبُوبِيَّةِ مُصَدَّقًا بِالسِّرِّ والعَلانِيَةِ.

وشِرْكٌ خَفِيٌّ بِالأوْصافِ، وهو لِلْخَواصِّ، وفُسِّرَ بِشَوْبِ العُبُودِيَّةِ بِالِالتِفاتِ إلى غَيْرِ الرُّبُوبِيَّةِ، وتَوْبَتُهُ الِالتِفاتُ عَنْ ذَلِكَ الِالتِفاتِ.

وشِرْكٌ أخْفى لِخَواصِّ الخَواصِّ، وهو الأنانِيَّةُ، وتَوْبَتُهُ بِالوَحْدَةِ، وهي فَناءُ النّاسُوتِيَّةِ في بَقاءِ اللّاهُوتِيَّةِ.

﴿ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ أيَّ شِرْكٍ كانَ مِنَ المَراتِبِ ﴿ فَقَدِ افْتَرى ﴾ وارْتَكَبَ حَسَبَ مَرْتَبَتِهِ ﴿ إثْمًا عَظِيمًا ﴾ لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ ﴾ كَعُلَماءِ السُّوءِ مِن أهْلِ الظّاهِرِ، الَّذِينَ لَمْ يُحَصِّلُوا مِن عُلُومِهِمْ سِوى العُجْبِ والكِبْرِ والحَسَدِ والحِقْدِ وسائِرِ الصِّفاتِ الرَّذِيلَةِ ﴿ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ﴾ كالعارِفِينَ بِهِ، الَّذِينَ لا يَرَوْنَ لِأنْفُسِهِمْ فِعْلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا تَعْجِيبًا مِمَّنْ يُزَكِّي نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، ويَسَلُكُ في مَسالِكِ القَوْمِ عَلى رَأْيِهِ غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلى مُرَبٍّ مُرْشِدٍ لَهُ مِن ولِيٍّ كامِلٍ أوْ أثارَةٍ مَن عِلْمٍ إلَهِيٍّ كَبَعْضِ المُتَفَلْسِفِينَ مِن أهْلِ الرِّياضاتِ.

﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ بِادِّعاءِ تَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ مِن صِفاتِها وما تَزَكَّتْ، أوْ بِانْتِحالِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى إلى أنْفُسِهِمْ مَعَ وُجُودِها ﴿ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا ﴾ ظاهِرًا لا خَفاءَ فِيهِ ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا ﴾ بَعْضًا ﴿ مِنَ الكِتابِ ﴾ الجامِعِ، وأُشِيرُ بِهِ إلى عِلْمِ الظّاهِرِ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ ﴾ أيْ بِجِبْتِ النَّفْسِ ﴿ والطّاغُوتِ ﴾ أيْ طاغُوتِ الهَوى، فَيَمِيلُونَ مَعَ أنْفُسِهِمْ وهَواهم ﴿ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ لِأجْلِ الَّذِينَ سَتَرُوا الحَقَّ ﴿ هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ﴿ سَبِيلا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ أبْعَدَهم عَنْ مَعْرِفَتِهِ وقُرْبِهِ ﴿ ومَن يَلْعَنِ ﴾ أيْ: يُبْعِدُهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ يَهْدِيهِ إلى الحَقِّ.

﴿ أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا ﴾ ذَمٌّ لَهم بِالبُخْلِ، الَّذِي هو الوَصْمَةُ الكُبْرى عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ مِنَ المَعْرِفَةِ وإعْزازِهِمْ بَيْنَ خَلْقِهِ وإرْشادِهِمْ لِمَنِ اسْتَرْشَدَهم ﴿ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ ﴾ وهُمُ المُتَّبِعُونَ لَهُ عَلى مِلَّتِهِ مِن أهْلِ المَحَبَّةِ والخَلَّةِ ﴿ الكِتابَ ﴾ أيْ عِلْمَ الظّاهِرِ أوِ الجامِعَ لَهُ ولِعِلْمِ الباطِنِ ﴿ والحِكْمَةَ ﴾ عِلْمَ الباطِنِ، أوْ باطِنِ الباطِنِ ﴿ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ وهو الوُصُولُ إلى العَيْنِ، وعَدَمُ الوُقُوفِ عِنْدَ الأثَرِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا ﴾ أيْ حَجَبُوا عَنْ تَجَلِّياتِ صِفاتِنا وأفْعالِنا، أوْ أنْكَرُوا عَلى أوْلِيائِنا الَّذِينَ هم مَظاهِرُ الآياتِ ﴿ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا ﴾ عَظِيمَةً، وهي نارُ القَهْرِ والحِجابِ، أوْ نارُ الحَسَدِ ﴿ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ وتَقَطَّعَتْ أمانِيُّ نُفُوسِهِمُ الأمارَةِ ومُقْتَضَياتُ هَواها ﴿ بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها ﴾ بِتَجَدُّدِ نَوْعٍ آخَرَ مِن تَجَلِّياتِ القَهْرِ، أوْ بِتَجَدُّدِ نِعَمٍ أُخْرى تَظْهَرُ عَلى أوْلِيائِنا الَّذِينَ حَسَدُوهم وأنْكَرُوا عَلَيْهِمْ ﴿ لِيَذُوقُوا العَذابَ ﴾ ما دامُوا مُنْغَمِسِينَ في أوْحالِ الرَّذائِلِ.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحات ﴾ أيِ الأعْمالَ الَّتِي يَصْلُحُونَ بِها لِقَبُولِ التَّجَلِّياتِ ﴿ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ مِن ماءِ الحِكْمَةِ، ولَبَنِ الفِطْرَةِ، وخَمْرِ الشُّهُودِ، وعَسَلِ الكَشْفِ ﴿ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ﴾ لِبَقاءِ أرْواحِهِمُ المُفاضَةِ عَلَيْها ما يُرَوِّحُها ﴿ لَهم فِيها أزْواجٌ ﴾ مِنَ التَّجَلِّياتِ الَّتِي يَلْتَذُّونَ بِها ﴿ مُطَهَّرَةٌ ﴾ مَن لَوَثِ النَّقْصِ ﴿ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا ﴾ وهو ظِلُّ الوُجُودِ والصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ، وذَلِكَ بِمَحْوِ البَشَرِيَّةِ عَنْهُمْ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى مِن فَضْلِهِ، فَلا فَضْلَ إلّا فَضْلُهُ.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ بِأبْلَغِ وجْهٍ إلى بَعْضِ أُمَّهاتِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا يعني بمحمد  وبالقرآن سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً أي ندخلهم ناراً في الآخرة.

ويقال: صَلِيَ إذا دخل النار لأجل شيء، وأصلاه إذا أدخله للاحتراق.

والاصطلاء بالنار الاستدفاء.

ثم قال تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ يقول: كلما احترقت جلودهم بَدَّلْناهُمْ يعني: جددنا لهم جُلُوداً غَيْرَها لأنهم إذا احترقوا خبت عنهم النار ساعة فبدلوا خلقاً جديداً، ثم عادت تحرقهم، فهذا دأبهم فيها.

وقال مقاتل: تجدد في كل يوم سبع مرات.

وقال الحسن: بلغني أنه ينضج كل يوم سبعين ألف مرة.

وقال الضحاك: سبعين جلداً في كل يوم.

وقد طعنت الزنادقة في هذا وقالوا: إن الجلد الذي تبدل لم يذنب، فكيف يستحق العقوبة والعذاب؟

وقيل لهم: إن ذلك الجلد هو الجلد الأول، ولكنه إذا أحرق أعيد إلى الحال الأول، كالنفس إذا صارت تراباً وصارت لا شيء ثم أحياها الله تعالى، فكذلك هاهنا.

وقوله تعالى جُلُوداً غَيْرَها على وجه المجاز، كما قال في آية أخرى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [سورة إبراهيم: 48] قال ابن عباس  يعني يزاد في سعتها، وتسوى جبالها وأوديتها.

ثم قال تعالى: لِيَذُوقُوا الْعَذابَ أي لكي يجدوا مس العذاب إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً في نقمته حَكِيماً في أمره، حكم لهم بالنار، ثم بيّن مصير الذين صدقوا به فقال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني آمنوا بمحمد  ، وبالقرآن وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني الطاعات التي أمرهم الله تعالى بها سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أي مقيمين فيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ في الخلق والخلق وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا قال الضحاك: يعني ظلال أشجار الجنة، وظلال قصورها.

وقال الكلبي: يعني ظِلًّا ظَلِيلًا أي دائما.

وقال مقاتل: يعني أكنان القصور ظَلِيلًا يعني لا خلل فيها.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فقال: يا رَبِّ، أخبِرْنِي، فقال: كَانَ لاَ يَحْسُدُ النَّاسَ على ما آتاهم اللَّه مِنْ فَضْله، ثم حدَّث أبو عمر بسنده، عن أنس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ الحَسَدَ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» «١» وذكر عبد الرزَّاق، عن مَعْمَرٍ، عن إسماعيل بْنِ أُمَّيَةَ «٢» ، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «ثَلاَثٌ لاَ يَسْلَمُ مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الطِّيَرَةُ، والظَّنُّ، وَالحَسَد!

قِيلَ: فَمَا المَخْرَجُ مِنْهُنَّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: إذَا تَطَيَّرْتَ فَلاَ تَرْجِعْ، وَإذَا ظَنَنْتَ فَلاَ تُحَقِّقْ، وَإذَا حَسَدتَّ فَلاَ تَبْغِ» «٣» انتهى من «التمهيد» .

وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ اختلف في الضمير مِنْ «به» .

فقال الجمهور: هو عائدٌ علَى القرآن الذي في قوله تعالى: آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً [النساء: ٤٧] فأعلم اللَّه سبحانه أنَّ منهم مَنْ آمَنَ كما أُمِرَ فلذلك/ ارتفَعَ الوعيدُ بالطَّمْسِ، ولم يَقَعْ، وصَدَّ قومٌ ثبَتَ الوعيدُ عليهم في الآخرة بقوله سبحانه: وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً.

وقيل: هو عائدٌ على إبراهيم- عليه السلام-.

وقيل: هو عائدٌ على الفَضْلِ الذي آتاه اللَّه النبيَّ- عليه السلام-، والعربَ على ما تقدَّم.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يَظَلُّ مِنَ الحَرِّ والرِّيحِ، ولَيْسَ كُلُّ ظِلٍّ كَذَلِكَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ظِلَّ الجَنَّةِ ظَلِيلٌ لا حَرَّ مَعَهُ، ولا بَرْدَ.

فَإنْ قِيلَ: أفِي الجَنَّةِ بَرْدٌ أوْ حَرٌّ يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى ظِلٍّ؟

فالجَوابُ: أنْ لا، وإنَّما خاطَبَهم بِما يَعْقِلُونَ مِثْلَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا  ﴾ وجَوابٌ آَخَرُ: وهو أنَّهُ إشارَةٌ إلى كَمالِ وصْفِها، وتَمْكِينِ بِنائِها، فَلَوْ كانَ البَرْدُ أوِ الحَرُّ يَتَسَلَّطُ عَلَيْها، لَكانَ في أبْنِيَتِها وشَجَرِها ظِلٌّ ظَلِيلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا ﴾ تَقَدَّمَ في الآياتِ وصْفُ المَرَدَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وذِكْرُ أفْعالِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ النَصُّ لَهم بِلَفْظٍ جَلِيٍّ عامٍّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم مِنَ الكُفْرِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: "نُصْلِيهِمْ" بِضَمِّ النُونِ، مِن أصْلَيْتَ، ومَعْناهُ: قَرَّبْتَ مِنَ النارِ وألْقَيْتَ فِيها، وهو مَعْنى صَلَّيْتَ بِتَشْدِيدِ اللامِ وقَرَأ حُمَيْدٌ "نَصْلِيهِمْ" مِن صَلَيْتَ، ومَعْناهُ: صَلَّيْتَ، ومَعْناهُ: شَوَيْتَ، ومِنهُ الحَدِيثُ: " «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ  بِشاةٍ مَصْلِيَّةٍ"» أىْ: مَشْوِيَّةٍ، وكَذا وقَعَ تَصْرِيفُ الفِعْلِ في العَيْنِ وغَيْرِهِ، وقَرَأ سَلامٌ، ويَعْقُوبُ: "نُصْلِيهُمْ" بِضَمِّ الهاءِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى تَبْدِيلِ الجُلُودِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: تُبَدَّلُ عَلَيْهِمْ جُلُودٌ غَيْرُها، إذْ نُفُوسُهم هي المُعَذَّبَةُ، والجُلُودُ لا تَأْلَمُ في ذاتِها، فَإنَّها تُبَدَّلُ لِيَذُوقُوا تَجْدِيدَ العَذابِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَبْدِيلُ الجُلُودِ هو إعادَةُ ذَلِكَ الجِلْدِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، تَأْكُلُهُ النارُ ويُعِيدُهُ اللهُ دَأبًا لِتَجَدُّدِ العَذابِ، وإنَّما سَمّاهُ تَبْدِيلًا، لِأنَّ أوصافَهُ تَتَغَيَّرُ ثُمَّ يُعادُ، كَما تَقُولُ: "بَدِّلْ مِن خاتَمِي هَذا خاتَمًا".

وهي فِضَّتُهُ بِعَيْنِها، فالبَدَلُ إنَّما وقَعَ في تَغْيِيرِ الصِفاتِ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ: كُلَّما احْتَرَقَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا جُلُودًا بَيْضاءَ كالقَراطِيسِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: تُبَدَّلُ عَلَيْهِمْ في اليَوْمِ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجُلُودُ في هَذا المَوْضِعِ سَرابِيلُ القَطْرانِ، سَمّاها جُلُودًا لِلُزُومِها فَصارَتْ كالجُلُودِ، وهي تُبَدَّلُ دَأبًا عافانا اللهُ مِن عَذابِهِ بِرَحْمَتِهِ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ.

وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالعِزَّةِ والإحْكامِ، لِأنَّ اللهَ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ إلّا غَلَبَهُ اللهُ، ولا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا بِحِكْمَةٍ وإصابَةٍ، لا إلَهَ إلّا هو تَبارَكَ وتَعالى.

ولَمّا ذَكَرَ اللهُ وعِيدَ الكُفّارِ عَقَّبَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "سَيُدْخِلُهُمْ" بِالياءِ، وكَذَلِكَ "يُدْخِلُهُمْ" بَعْدَ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى "مِن تَحْتِها" في [سُورَةِ البَقَرَةِ] و"مُطَهَّرَةٌ" مَعْناهُ: مِنَ الرِيَبِ والأقْذارِ الَّتِي هي مَعْهُوداتٌ في الدُنْيا، و"ظَلِيلًا" مَعْناهُ: عِنْدَ بَعْضِهِمْ: يَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ ظِلٌّ لا يَسْتَحِيلُ ولا يَنْتَقِلُ، كَما يَفْعَلُ ظِلُّ الدُنْيا، فَأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: "ظَلِيلًا" لِذَلِكَ، ويَصِحُّ أنْ يَصِفَهُ بِظَلِيلٍ لِامْتِدادِهِ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الراكِبُ الجَوادَ المُضَمَّرَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ ما يَقْطَعُها".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تهديد ووعيد لجميع الكافرين، فهي أعمّ ممّا قبلها، فلها حكم التذييل، ولذلك فُصلت.

والإصْلاء: مصدر أصلاهُ، ويقال: صلاهُ صَلْيا، ومعناه شيُّ اللحم على النار، وقد تقدّم الكلام على (صلى) عند قوله تعالى: ﴿ وسيَصْلون سعيرا ﴾ [النساء: 10] وقوله: ﴿ فسوف نصليه ناراً ﴾ في هذه السورة [النساء: 30]، وتقدّم أيضاً الكلام على (سوف) في الآية الأخيرة.

و ﴿ نصليهم ﴾ بضم النون من الإصلاء.

و ﴿ نضجت ﴾ بلغت نهاية الشيّ، يقال: نضج الشِّواء إذا بلغ حدّ الشيّ، ويقال: نضج الطبيخ إذا بلغ حدّ الطبخ.

والمعنى: كلّما احترقت جلودهم، فلم يبق فيها حياة وإحساس.

بدّلناهم، أي عوّضناهم جلوداً غيرها، والتبديل يقتضي المغايرة كما تقدّم في قوله في سورة البقرة: ﴿ أتستبدلون الذي هو أدنى ﴾ [البقرة: 61].

فقوله: ﴿ غيرها ﴾ تأكيد لما دلّ عليه فعل التبديل.

وانتصب ﴿ ناراً ﴾ على أنَّه مفعول ثان لأنّه من باب أعطَى.

وقوله: ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ تعليل لقوله: ﴿ بدّلناهم ﴾ لأنّ الجِلد هو الذي يوصل إحساس العذاب إلى النفس بحسب عادة خلق الله تعالى، فلو لم يبدّل الجلد بعد احتراقه لما وصل عذاب النار إلى النفس.

وتبديل الجلد مع بقاء نفس صاحبه لا ينافي العدل لأنّ الجِلد وسيلة إبلاغ العذاب وليس هو المقصود بالتعذيب، ولأنّه ناشئ عن الجلد الأوّل كما أنّ إعادة الأجسام في الحشر بعد اضمحلالها لا يوجب أن تكون أناساً غير الذين استحقّوا الثواب والعقاب لأنّها لمّا أُودعت النفوسَ التي اكتسبت الخيرَ والشرّ فقد صارت هي هي ولا سيما إذا كانت إعادتها عن إنبات من أعجاب الأذناب، حسبما ورد به الأثر، لأنّ الناشئ عن الشيء هو منه كالنخلة من النواة.

وقوله: ﴿ إنّ الله كان عزيزاً حكيماً ﴾ واقع موقع التعليل لِما قبله، فالعزّة يتأتى بها تمام القدرة في عقوبة المجترئ على الله، والحكمة يتأتّى بها تلك الكيفية في إصلائهم النار.

وقوله: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ذكر هنا للمقابلة وزيادة الغيظ للكافرين.

واقتصر من نعيم الآخرة على لذّة الجنّات والأزواج الصالحات، لأنّهما أحبّ اللذّات المتعارفة للسامعين، فالزوجة الصالحة آنس شيء للإنسان، والجنّات مَحّل النعيم وحُسن المنظر.

وقوله: ﴿ وندخلهم ظِلاّ ظليلا ﴾ هو من تمام محاسن الجنّات، لأنّ الظلّ إنّما يكون مع الشمس، وذلك جمال الجنّات ولذّة التنعّم برؤية النور مع انتفاء حرّه.

ووصف بالظليل وصفاً مشتقّاً من اسم الموصوف للدلالة على بلوغه الغاية في جنسه، فقد يأتون بمثل هذا الوصف بوزن فعيل: كما هنا، وقولهم: داء دويُّ، ويأتون به بوزن أفْعل: كقولهم: لَيْلٌ ألْيَل ويَوْم أيْوَم، ويأتون بوزن فَاعل: كقولهم: شِعْر شاعر، ونَصَب نَاصِب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لِيَذُوقُوا العَذابَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: وكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُبَدَّلُوا جُلُودًا غَيْرَ جُلُودِهِمُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا فَيُعَذَّبُوا فِيها؟

ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُبَدَّلُوا أجْسامًا، وأرْواحًا، غَيْرَ أجْسامِهِمْ وأرْواحِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يَكُونَ المُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ بِالنّارِ غَيْرَ الَّذِينَ وعَدَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا عَلى كُفْرِهِمْ بِالعَذابِ بِالنّارِ.

وَقَدْ أجابَ أهْلُ العِلْمِ عَنْهُ بِثَلاثَةِ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ ألَمَ العَذابِ إنَّما يَصِلُ إلى الإنْسانِ الَّذِي هو غَيَّرَ الجِلْدَ واللَّحْمَ، وإنَّما يُحْرَقُ الجِلْدُ لِيَصِلَ إلى الإنْسانِ ألَمُ العَذابِ، فَأمّا الجِلْدُ واللَّحْمُ فَلا يَأْلَمانِ فَسَواءٌ أُعِيدَ عَلى الكافِرِ جِلْدُهُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ وجِلْدٌ غَيْرُهُ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّهُ تُعادُ تِلْكَ الجُلُودُ الأُولى جَدِيدَةً [غَيْرَ] مُحْتَرِقَةٍ.

والجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ الجُلُودَ المُعادَةَ إنَّما هي سَرابِيلُهم مِن قَبْلِ أنْ جُعِلَتْ لَهم لِباسًا، فَسَمّاها اللَّهُ جُلُودًا، وأنْكَرَ قائِلٌ هَذا القَوْلَ أنْ تَكُونَ الجُلُودُ تَحْتَرِقُ وتُعادُ غَيْرَ مُحْتَرِقَةٍ، لِأنَّ في حالِ احْتِراقِها إلى حالِ إعادَتِها فَناءَها، وفي فَنائِها راحَتُها، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى: أنَّهم لا يَمُوتُونَ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ثوبر عن ابن عمر في قوله: ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ﴾ قال: إذا احترقت جلودهم بدلناهم جلوداً بيضاء أمثال القراطيس.

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف من طريق نافع عن ابن عمر قال: «قرئ عند عمر ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ فقال معاذ: عندي تفسيرها، تبدل في ساعة مائة مرة.

فقال عمر: هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر قال: «تلا رجل عند عمر ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ﴾ فقال كعب: عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام.

فقال: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك.

قال: إني قرأتها قبل الإسلام ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ﴾ في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة.

فقال عمر: هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة ﴿ كلما نضجت ﴾ وأكلت لحومهم قيل لهم عودوا فعادوا.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: تأخذ النار فتأكل جلودهم حتى تكشطها عن اللحم، حتى تفضي النار إلى العظام ويبدلون جلوداً غيرها، يذيقهم الله شديد العذاب، فذلك دائم لهم أبداً بتكذيبهم رسول الله وكفرهم بآيات الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يزيد الحضرمي.

أنه بلغه في قول الله: ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ﴾ قال: يجعل للكافر مائة جلد بين كل جلدين لون من العذاب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال: سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول: أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً، وسنه سبعون ذراعاً، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلوداً غيرها.

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن حذيفة بن اليمان قال: «أسر إليّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا حذيفة إن في جهنم لسباعاً من نار، وكلاباً من نار، وكلاليب من نار، وسيوفاً من نار، وإنه تبعث ملائكة يعلقون أهل النار بتلك الكلاليب بأحناكهم، ويقطعونهم بتلك السيوف عضواً عضواً، ويلقونهم إلى تلك السباع والكلاب، كلما قطعوا عضواً عاد مكانه غضباً جديداً» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال: قال أبو مسعود لأبي هريرة: أتدري كم غلظ جلد الكافر؟

قال: لا.

قال: غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية قال: غلظ جلد الكافر أربعون ذراعاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل النار يعظمون في النار حتى يصير أحدهم مسيرة كذا وكذا ....

وإن ضرس أحدهم لمثل أحد» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ وندخلهم ظلاً ظليلاً ﴾ قال: هو ظل العرش الذي لا يزول.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ ﴾ الآية؛ قيل: المراد من اليهود من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو بالقرآن المذكور في قوله تعالى: مصدقاً لما معكم، أو بما ذكر من حديث إبراهيم، فهذه ثلاثة أوجه في ضمير به، وقيل: منهم أي من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من كفر: كقوله تعالى: ﴿ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون ﴾ [الحديد: 26] ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ الآية قيل: تبدل لهم جلود بعد جلود أخرى، إذ نفوسهم هي المعذبة وقيل: تبديل الجلود تغيير صفاتها بالنار، وقيل: الجلود السرابيل وهو بعيد ﴿ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ ذكر في البقرة ﴿ ظِلاًّ ظَلِيلاً ﴾ صفة من لفظ الظل للتأكيد: أي دائماً لا تنسخه الشمس وقيل: نفي الحر والبرد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تسوّى ﴾ بإدغام تاء التفعل في السين: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ تسوّى ﴾ بالإمالة وحذف التاء الأولى: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ تسوّى ﴾ مبنياً للمفعول من التسوية ﴿ لمستم ﴾ من اللمس وكذلك في المائدة: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: ﴿ لامستم ﴾ من الملامسة ﴿ فتيلاً انظر ﴾ بكر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن ذكوان.

الباقون: بالضم.

وفرق بعضهم بين موضع الخفض فلم يجوز الضم كراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو ﴿ متشابه انظروا  ﴾ و ﴿ برحمة ادخلوا  ﴾ و ﴿ خبيثة اجتثت  ﴾ و ﴿ عذاب / اركض  ﴾ وأشباه ذلك.

﴿ نضجت جلودهم ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وخلف وهشام وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ تغتسلوا ﴾ ط ﴿ وأيديكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ط ﴿ بأعدائكم ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ وأقوم ﴾ لا لاتصال لكن ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ السبت ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ج ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ يزكون أنفسهم ﴾ ط ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ط ﴿ سبيلا ﴾ ه ﴿ لعنهم الله ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ط لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ نقيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ من فضله ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تعقب الفاء ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ صدّ عنه ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ مطهرة ﴾ ز لاستئناف الفعل على أنه من تمام المقصود ﴿ ظليلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما أوعد الظالمين بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ ووعد المطيعين بقوله: ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ أراد أن يبين أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله حجة على الخلق ليكون الإلزام أتم والتبكيت أعظم.

"روي أن النبي  قال لابن مسعود: اقرأ القرآن عليّ.

قال: فقلت: يا رسول الله أنت الذي علّمتنيه!

فقال: أحب أن أسمعه من غيري.

قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان" .

قال العلماء: إنه بكاء فرح لما شرفه الله  بكرامة قبول الشهادة على الخلائق.

والمعنى كيف يصنع هؤلاء الذين شاهدتهم وعرفت أحوالهم من مردة الكفرة كاليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشيهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، وجئنا بك على هؤلاء المكذبين شهيداً؟

ثم وصف ذلك اليوم فقال: ﴿ يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ﴾ قيل: هذه الجملة معترضة والمراد وقد عصوا.

والظاهر أن الواو للعطف وحينئذٍ تقتضي كون عصيان الرسول مغايراً للكفر لأنّ عطف الشيء على نفسه غير جائز.

فإما أن يخص الكفر بنوع منه وهو الكفر بالله، أو يقال: إنه عام وأفرد ذكر قسم منه إظهاراً لشرف الرسول وتفظيعاً لشأن الجحود به، أو يحمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفرة فيكون في الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.

ومعنى ﴿ لو تسوّى ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا أو أنهم كانوا والأرض سواء، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها كقوله: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً  ﴾ أما قوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ فإما أن يتصل بما قبله والواو للعطف أي يودون لو انطبقت عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا، أو للحال والمراد أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام دون أهل الشرك قالوا تعالوا فلنجحد فيقولون: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذٍ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، هناك يودون أنهم كانوا تراباً ولم يكتموا الله حديثاً.

وإما أن يكون كلاماً مستأنفاً فإن ما عملوه ظاهر عند الله فكيف يقدرون على كتمانه وإن قصدوه أو توهموه؟

ثم أتبع وصف اليوم كيفية الصلاة التي هي سنام الطاعات وأعظم المنجيات فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ وقد مر سبب نزوله في البقرة.

وفي لفظ الصلاة ههنا قولان: أحدهما أن المراد منه المسجد وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وإليه يذهب الشافعي، وليس فيه إلا حذف المضاف أي لا تقربوا موضع الصلاة.

وثانيهما وعليه الأكثرون أن المراد نفس الصلاة أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.

ومعنى الآية على القول الأولى لا تقربوا المسجد في حالتين: إحداهما حالة السكر، وذلك أن جمعاً من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول  ، فنهوا عن ذلك لأن الظاهر أن الإنسان إذا أتى المسجد فإنما يأتيه للصلاة، ولا شك أن الصلاة فيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها.

وثانيهما حالة الجنابة، واستثنى من هذه الحالة حالة العبور أي الاجتياز في المسجد بأن كان الطريق إلى الماء فيه، أو كان الماء فيه ووقع الاحتلام فيه.

والمعنى على القول الثاني النهي عن الصلاة في حالتين: الأولى حالة السكر أيضاً إلاّ إذا علموا ما يقولون، ومعنى قربان الصلاة غشيانها والقيام إليها.

والثانية حالة الجنابه ويستثنى منها حالة عبور السبيل ويراد به في هذا القول السفر.

أي لا تقربوا الصلاة في حالة الجنابة إلاّ ومعكم حال أخرى تعذرون فهيا وهي حال السفر.

ويجوز أن يكون ﴿ إلاّ عابري سبيل ﴾ صفة لقوله: ﴿ جنباً ﴾ أي لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين.

إنما استثنى حالة المسافر لما يجيء من تفصيل فيها، وهو أن المسافر إذا أجنب ثم لم يجد الماء تيمم وصلى مع الجنابة.

ويرد عليه بعد أن الجنب المقيم أيضاً إذا عجز عن استعمال الماء لمرض أو برد يجوز له التيمم والصلاة على الجنابة، اللهم إلاّ أن يقال: إن عذر السفر أعم وأغلب فلهذا تخصص بالذكر أولاً.

وسكارى جمع سكران.

وقوله: ﴿ وأنتم سكارى ﴾ في محل النصب على الحال ولهذا عطف عليه قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب، وخالف الضحاك جمهور الصحابة والتابعين فقال: إن السكر ههنا يراد به غلبة النوم ويوافقه الاشتقاق، فإن السكر عبارة عن سد الطريق، ومنه سكر السبيل سد / طريقه.

والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما عليه من المضار في حال الصحو، فعند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ولا ينفذ الروح السامع والباصر إلى ظاهر البدن.

والجواب أن لفظ السكر حقيقة في السكر من الخمر والأصل في الإطلاق الحقيقة، ومتى استعمل مجازاً فإنما استعمل مقيداً كقوله  : ﴿ وجاءت سكرة الموت  ﴾ ﴿ وترى الناس سكارى  ﴾ وأيضاً أجمع المفسرون على أنها نزلت في شرب الخمر، وسبب النزول يمتنع أن لا يكون مراداً من الآية.

ثم على قول الجمهور يمكن ادعاء النسخ في الآية بأنه إنما نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدوداً إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول، والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية فهذا يقتضي جواز الصلاة مع السكر إذا كان بحيث يعلم ما يقول.

وجواز الصلاة مع هذا السكر توهم جواز هذا السكر، لكنه  حرم الخمر في آية سورة المائدة على الإطلاق فتكون ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية.

ومن قال: إن مدلول الكلام يرجع إلى النهي عن الشرب المخل بالفهم عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه فلا يكون منسوخاً، يكذبه أن الصحابة لم يفهموا منها التحريم المطلق فكانوا لا يشربون في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون إلى أن نزلت آية المائدة فقالوا: انتهينا يا رب.

والتحقيق فيه أن النهي عن مباح الأصل في وقت ما وبوجه ما وإن كان لا يدل على تحريمه ولا على إباحته في غير ذلك الوقت وبغير ذلك الوجه إلاّ أن جانب الإباحة راجح بحكم الأصل فيغلب على الظن ذلك كما فهمه الصحابة.

ثم إنه  ذكر حكم المعذورين في حال الحدث فخص أولاً من بينهم مرضاهم وسفرهم لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة.

والمعنى أن المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتمموا، وكذلك الذين هم على حالة السفر إذا عدموه لبعده.

ويحتمل أن يقال: قوله ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ ليس قيداً في حكم المرضى لأنهم في الرخصة وإن وجدوا ماء.

ثم عمم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف سبع أو عدو أو عدم آلة استقاء أو انحصار في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك من الأسباب التي لا تكثر كثرة المرض والسفر.

ويراد بالمرض ما يخاف معه محذور كبطء برء وشين فاحش ظاهر بقول طبيب مقبول الرواية لا أن يتألم ولا يخاف.

روي "أن بعض الصحابة أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فلم يفته بالتيمم، فاغتسل فمات.

فسمع النبي  فقال: قتلوه قتلهم الله" .

وقال مالك وداود: يجوز له التيمم بجميع أنواع المرض.

وفي معنى المرض البرد المؤدي إلى المرض لو استعمل الماء كما مر من حديث عمرو بن العاص في تفسير قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ والسفر يعم الطويل والقصير أعني مسافة القصر وما دونها لإطلاق قوله: ﴿ أو على سفر ﴾ والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان.

كان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، فكنى به عن ذلك.

وأكثر العلماء ألحقوا بالغائط كل ما يخرج من السبيلين من معتاد أو نادر.

أما اللمس أو الملامسة ففيه قولان: أحدهما أن المراد به التقاء البشرتين بجماع أو بغيره كما هو مقتضى اللغة وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وإليه ذهب الشافعي.

وثانيهما المراد به الجماع وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ومذهب أبي حنيفة والشيعة لما ورد في القرآن بطريق الكناية: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا  ﴾ عن ابن عباس: إنّ الله حيّ كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة.

وأيضاً لتشمل الآية الحدثين الأصغر والأكبر.

ثم على مذهب الشافعي قال بعض أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس دون الملموس لقوله: ﴿ أو لمستم ﴾ والصحيح أنه ينتقض وضوءهما معاً لاشتراك اللامس والملموس في ابتغاء اللذة.

قوله: ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده فتيمم وصلى ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى، لأن عدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب.

وقال أبو حنيفة: لا يجب بدليل قوله: ﴿ ولم نجد له عزماً  ﴾ وسبق الطلب في حقه  محال.

وأجيب بأنه بنى الكلام على المجاز للمبالغة كأنه طلب شيئاً ثم لم يجد.

وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه احتاج إليه لعطشه أو لعطش حيوان محترم معه جاز له التيمم، ولو وجد من الماء ما لا يكفيه فالأصح عند الأئمة أنه يستعمله أو يصبه ثم يتيمم ليكون عاملاً بظاهر الآية.

والتيمم في اللغة القصد.

والصعيد التراب، "فعيل" بمعنى "فاعل".

وقال ثعلب والزجاج: إنه وجه الأرض تراباً كان أو غيره.

ومن هنا قال أبو حنيفة: إذا كان صخر لا تراب عليه وضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً.

وقال الشافعي: لا بد من تراب لتحقق مفهوم التصاعد فيه وليلتصق بيده فيمكنه المسح ببعضه كما جاء في المائدة ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه  ﴾ ولا يفهم من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن إلاّ معنى التبعيض، ولأن الصعيد وصف بالطيب والطيب هو الذي يحتمل الإثبات لقوله: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه  ﴾ ولأنه  خصص التراب بهذا المعنى فقال: " "جعلت لي / الأرض مسجداً وترابها طهوراً " أما مسح الوجه واليد فعن علي وابن عباس: اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفين وقريب منه مذهب مالك لأن المسح مكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح.

وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستوعب الوجه واليدين إلى المرفقين كما في الوضوء.

وعن الزهري إلى الآباط، لأن اليد حقيقة لهذا العضو إلى الإبط، ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنّ الله كان عفواً غفوراً ﴾ وهو كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته العفو عن المذنبين كان أولى بالترخيص للعاجزين.

عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله  في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله  على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء: فجاء أبو بكر ورسول الله  واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله  والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟

قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله  على فخذي.

فنام رسول الله  حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا.

فقال أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء: ما هو بأول بركتكم يا آل أبي بكر.

قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته" .

ثم إنه  لما ذكر من أول السورة إلى ههنا أحكاماً كثيرة عدل إلى ذكر طرف من آثار المتقدمين وأحوالهم، لأنّ الانتقال من أسلوب إلى أسلوب مما يزيد السامع هزة وجدة فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ أي ألم ينته علمك؟

أو ألم تنظر إلى من أتوا حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود؟

وإنما أدخل "من" التبعيضية لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى ولم يعرفوا منها نبوة محمد  .

فأما الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه فقد وصفهم بأن معهم علم الكتاب في قوله: ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ لأنهم عرفوا الأمرين جميعاً ﴿ يشترون الضلالة ﴾ يختارونها لأن من اشترى شيئاً فقد آثره واختاره قاله الزجاج.

والمراد تكذيبهم الرسول  لأغراضهم الفاسدة من أخذ الرشا وحب الرياسة.

وقيل: المراد يستبدلون الضلالة - وهو البقاء على اليهودية - بالهدى - وهو الإسلام - بعد وضوح الآيات لهم على صحته.

﴿ ويريدون أن تضلوا ﴾ أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين، الضلال والإضلال.

عن ابن عباس "أن الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس / المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطانهم عن الإسلام" .

وقيل: المراد عوام اليهود كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم لينصروا اليهودية فكأنهم اشتروا بمالهم الشبهة والضلالة ﴿ والله أعلم ﴾ منكم ﴿ بأعدائكم ﴾ لأنه عالم بكنه ما في صدورهم من الحنق والغيظ، فإذا أطلعكم على أحوالهم فلا تستنصحوهم في أموركم واحذروهم ﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ متولياً لأمور العبد ﴿ وكفى بالله نصيراً ﴾ فثقوا بولايته ونصرته دونهم.

وكرر "كفى" ليكون أشد تأثيراً في القلب وأكثر مبالغة، وزيدت الباء في الفاعل إيذاناً بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره فكان الباء للسببية.

وقال ابن السراج: التقدير كفى اكتفاؤك بالله.

وقيل: فائدة الباء وهي للإلصاق أن يعلم أن هذه الكفاية صدرت من الله  بغير واسطة.

وقوله: ﴿ من الذين هادوا ﴾ إما بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب وقوله: ﴿ والله أعلم ﴾ إلى آخر الآية معترض بن البيان والمبين، وإما بيان لأعدائكم والجملتان بينهما معترضتان، وإما صلة ﴿ نصيراً ﴾ كقوله: ﴿ ونصرناه من القوم الذين كذبوا  ﴾ وإما كلام مستأنف على أن ﴿ يحرفون ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه.

قال الواحدي: الكلم جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره.

ومعنى هذا التحريف استبدال لفظ مكان لفظ كوضعهم "آدم طوالاً" مكان "أسمر ربعة" وجعلهم الحد بدل الرجم.

واختير "عن" للدلالة على الإمالة والإزالة.

وأما في المائدة فقيل: ﴿ من بعد مواضعه  ﴾ نظراً إلى أن الكلم كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له.

وقيل: المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة كما يفعله في زماننا أهل البدعة.

وجعل بعض العلماء هذا القول أصح لاستبعاد تحريف المشهور المتواتر، لكن دعوى التواتر بشروطه في التوراة ممنوعة.

وقيل: كانوا يدخلون على النبي  فيسألونه عن أمر فيخبرهم به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.

ومن جملة جهالاتهم أنه  كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر سمعنا وفي الباطن عصينا، أو كانوا يقولون كلا اللفظين ظاهراً إظهاراً للعناد والمرود والكفر والجحود، ومنها قولهم للنبي  ﴿ اسمع غير مسمع ﴾ وهو كلام ذو وجهين: أما احتماله المدح فلقول العرب: أسمع فلان فلاناً إذا سبه وإذا كان المراد: اسمع غير مسمع مكروهاً كان مدحاً وتوقيراً ونصحاً.

وأما احتمال الذم فبأن يكون معناه اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت، لان من كان أصم فإنه لا يسمع فلا يسمع، أو بأن يراد اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه أي غير مسمع جواباً يوافقك، أو بأن يراد اسمع غير مسمع كلاماً ما ترتضيه، وعلى هذا يجوز أن يكون ﴿ غير / مسمع ﴾ مفعول ﴿ اسمع ﴾ لا حالاً من ضميره أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك لنبوّ سمعك عنه.

ومنها قولهم له  ﴿ راعنا ﴾ وقد عرفت احتمالاته في البقرة.

وإنما جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد تصريحهم بالعصيان على وجه لأن المواجهة بالعصيان أهونخطباً في العرف من المواجهة بالسب ودعاء السوء ولهذا كانت الكفرة يواجهونه بالأول دون الثاني ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ مفعول لأجله، أو مصدر لمحذوف، أو لـ ﴿ يقولون ﴾ لأنه في معنى اللي أيضاً وعينه "واو" بدليل لويت فقلبت وأدغمت، والمعنى: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون ﴿ راعنا ﴾ موضع ﴿ انظرنا ﴾ و ﴿ غير مسمع ﴾ موضع لا سمعت مكروهاً، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً، أو لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام سخرية وطعناً على عادة المستهزئين، فبين الله  أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء طعناً في الدين ونبه بذلك على ما كانوا يقولونه فيما بينهم إنا نشتمه ولا يعرفه ولو كان نبياً لعرف بإظهار ذلك عليه فانقلب ما جعلوه طعناً في الدين دلالة قاطعة على صحته لأن الإخبار عن الغيب معجز.

﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ﴾ بدل قولهم: ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ إذ وضح لهم الآيات وثبت لهم البينات كرات بعد مرات و ﴿ اسمع ﴾ دون أن يقال معه ﴿ غير مسمع ﴾ ﴿ وانظرنا ﴾ مكان ﴿ راعنا ﴾ ﴿ لكان ﴾ قولهم ذلك ﴿ خيراً لهم وأقوم ﴾ أعدل لا أشد من قولهم: "رمح قويم" أي مستقيم ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ أي بسببه ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بالله وبالتوراة وببعض الأنبياء دون سائر رسله.

أو إلاّ قليلاً منهم آمنوا لأن "فعيلاً" قد يراد به الجمع كقوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقاً  ﴾ أو أراد بالقلة العدم.

ثم زجرهم عن كفر الجحود والعناد بقوله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآية.

والطمس المحو.

يقال: طريق طامس ومطموس، ومفازة طامسة الأعلام، وطمست الكتاب محوته.

وهو في الآية حقيقة أو مجاز قولان.

والمعنى على الأول محو تخطيط صورها وأشكالها من عين وحاجب وأنف وفم.

والفاء في ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ إما للتسبيب أي فنجعل الوجوه بسبب هذا الطمس على هيئة أقفائها مطموسة مثلها، لأن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس والتخاطيط، فإذا أزيلت ومحيت لم يبق فرق بينها وبين القفا.

وإما للتعقيب على أن العقوبة شيئان: إحداهما عقيب الأخرى الطمس، ثم نكس الوجه إلى خلق والأقفاء إلى قدام.

وإنما يكون هذا عقوبة لما فيه من تشويه الخلقة والمثلة والفضيحة كما قال في حق أهل النار ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره  ﴾ على أن وجوههم مردودة إلى أقفائهم فتدرك الكتابة وتقرأ من هناك.

وأما المعنى على القول / الثاني فعن الحسن: نطمسها عن الهدى ونردها بالخذلان على أدبارها أي على ضلالاتها وشبهاتها.

وذلك أن المتوجه إلى عالم الحس معرض عن عالم العقل، وبقدر الإقبال على ذاك يحصل الإدبار عن هذا.

وقال عبد الرحمن بن زيد: نردهم إلى حيث جاؤوا منه وهي أذرعات الشام.

يريد إجلاء بني قريظة والنضير.

والطمس على هذا إما تقبيح الوجوه وإما إزالة آثارهم عن ديار العرب.

وقيل: الطمس القلب والتغيير.

والمراد بالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وأدبارهم.

والضمير في قوله: ﴿ أو نلعنهم ﴾ إما للوجوه إن أريد بها الوجهاء، وإما لإصحاب الوجوه لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات.

فإن قيل: فأين وقوع الوعيد؟

فالجواب أنه مشروط بعدم إيمان جميعهم ولكنه قد آمن ناس من علمائهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.

حكي أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله  قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.

وأيضاً إنه ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه بل إياه أو اللعن.

فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان.

واللعن الموعود ظاهره اللعن المتعارف لا المسخ.

وقيل: هو منتظر ولهذا قيل: ﴿ وجوهاً ﴾ منكرة دون "وجوهكم" ليشمل وجوهاً غير المخاطبين من أبناء جنسهم، ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة.

وقيل: إنّ قوله: ﴿ آمنوا ﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم فلزم أن يكون قوله: ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ واقعاً في الآخرة.

فالتقدير: آمنوا من قبل أن يجيء الوقت الذي نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ لأنه لا راد لحكمه ولا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، وهذا كما يقال في الشيء الذي لا يشك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد، فإذا حكم بإنزال العذاب على قوم فعل ذلك ألبتة.

والمراد بالأمر الشأن والفعل الذي تعلق إرادته به لا الأمر الذي هو أحد أقسام الكلام، فلا يصح استدلال الجبائي بالآية على أن كلامه  مفعول أي مخلوق.

ثم بين أن مثل هذا التهديد من خواص الشرك والكفر فقال: ﴿ إن الله لا يغفر ﴾ الآية.

وفي الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع لاتصالها بقصتهم، ولأنها دلت على أن ما سوى الشرك مغفور واليهودية غير مغفورة بالإجماع.

ومن هنا قال الشافعي: المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك، والمشرك المباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في النهي فيبقى / معمولاً به في سقوط القصاص عن قاتله.

واستدلت الأشاعرة بالآية على غفران صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن ما دون الشرك يشمله.

والمعتزلة خصصوا الثاني بمن تاب كما أن الأول مخصص بالإجماع بمن لم يتب.

قالوا: ونظيره قولك: "إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء".

المعنى لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله.

والمشيئة تكون قصداً في الفعلين: المنفي والمثبت جميعاً، لأنه إن شاء لم يتب المشرك فلا يترتب عليه الغفران، وإن شاء تاب صاحب الكبيرة فيستوجب الغفران.

وروى الواحدي في البسيط بإسناده عن ابن عمر قال: "كنا على عهد رسول الله  إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادة" .

وقال ابن عباس بمحضر عمر: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر.

وعن ابن عباس: "لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه الإعتاق إن هو فعل ذلك.

ثم إنهم ما وفوا بذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي  ندمهم، وأنه لا يمنعهم من الدخول في الإسلام إلاّ قوله  : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر  ﴾ فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية فنزل قوله: ﴿ إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً  ﴾ فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم  ﴾ فدخلوا عند ذلك في الإسلام" ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى ﴾ اختلق وافتعل ﴿ إثماً عظيماً ﴾ لأنه ادعى ما لا يصح كونه.

عن ابن عباس في رواية الكلبي "أن قوماً من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي  فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟

فقال: لا.

فقالوا: والله ما نحن إلاّ كهيئتهم.

ما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل" .

وكانوا يقولون: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ﴿ لن يزكون أنفسهم ﴾ ويدخل فيه كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل أو قبول الطاعة والزلفى عند الله ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ وإن تزكيته هي التي يعتد بها كما أخبر عنه رسول الله  بقوله: " "والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض" وكفى بإظهار المعجزات على يده تزكية له وتصديقاً لقوله: ﴿ ولا يظلمون فتيلاً ﴾ هو ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ "فعيل" بمعنى "مفعول" ابن السكيت: هو ما كان في شق النواة.

والضمير للذين يزكون أن يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو لمن يشاء أي يثابون على زكاتهم من غير نقص شيء من ثوابهم.

ثم عجب النبي  من فريتهم وادعاء زكاتهم ومكانتهم عند الله فقال: ﴿ انظر كيف / يفترون على الله الكذب وكفى به ﴾ أي بزعمهم هذا ﴿ إثماً مبيناً ﴾ من بين سائر آثامهم.

قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله  ، ونقضوا العهد الذي بينه وبين رسول الله  .

فنزل كعب على أبي سفيان والآخرون في دور قريش.

فقال لهم أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد  صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم.

فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما فذلك قوله: ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد  ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد  ؟

فقال كعب: اعرضوا علي دينكم.

فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقهم الماء ونقري الضعيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد  الحديث.

فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه فأنزل الله  : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ يعني كعباً وأصحابه.

فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمداً يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا.

قالا: صدق والله ما حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده.

وقد مر معنى الطاغوت في تفسير آية الكرسي.

وأما الجبت ففي الصحاح أنه كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك وليس من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقي.

وحكى القفال عن بعضهم أن أصله جبس فأبدلت السين تاء والجبس هو الخبيث الرديء.

وقال الكلبي: الجبت في الآية هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف, وكانت اليهود يرجعون إليهما فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم فلا جرم جزاهم الله بقوله: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ وبالحري إذ جعلوا من هو أضل من النعام وأقل من الأنعام حيث رضوا بمعبودية الأصنام أهدى سبيلاً وأفضل حالاً من الذين هم أشرف الأنام باختيارهم دين الإسلام الذي هو عبادة ذي الجلال والإكرام ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ وعيد لهم بلزوم الإبعاد والطرد ولصوق العار والصغار، ووعد لنبيه والمؤمنين بالاستيلاء والاستعلاء عليهم إلى يوم القيامة.

والخطاب في ﴿ فلن تجد ﴾ للنبي أو لكل طالب يفرض: ثم لما وصفهم بالضلال والإضلال وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ما أوتي من النعمة، والحاسد يتمنى أن يزول عن الغير ما أوتي من الفضيلة.

و "أم" / قيل: إنها متصلة وقد سبقها استفهام في المعنى كأنه لما حكى قولهم للمشركين أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين قال: أمن ذلك يتعجب أم من قولهم لهم نصيب من الملك مع أنهم لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل؟

وقيل: الميم زائدة والتقدير ألهم نصيب؟

والأصح أنها منقطعة كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل ألهم نصيب من الملك؟

ومعنى الآية أنهم كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ويخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودينهم فكذبهم الله.

وقيل: المراد بالملك التمليك يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير فكيف يقدرون على النفي والإثبات؟

وقال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال وكانوا في عزة ومنعة كما تكون أحوال الملوك، ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل فنزلت الآية فيهم.

وعلى هذا فإنما يتوجه الإنكار على أنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً.

وعلى الأقوال المتقدمة يتوجه الإنكار على أن لهم نصيباً من الملك فكأنه  جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم فإن البخل والملك لا يجتمعان كما قيل: بالبر يستعبد الحر والإنسان عبد الإحسان.

البخيل تنفر الطباع عن الانقياد له فلا يتيسر له أسباب المملكة، وإن اجتمعت بالندرة فسوف تضمحل.

وإنما لم يعمل "إذن" لدخول الفاء عليه.

وذلك أن ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط العاطف بعض الكلام ببعض فينخرم تصدره فكأنه معتمد فترجح إلغاؤه وارتفاع الفعل بعده.

وجاء في قراءة ابن مسعود ﴿ فإذن لا يؤتوا ﴾ بالأعمال وليس بقوي.

والنقير نقرة في ظهر النواة "فعيل" بمعنى "مفعول" ومنها "نبتت النخلة" وهو مثل في القلة كالفتيل.

فإن قيل: كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيراً وكثيراً ما يشاهد منهم بذل الأموال؟

قلنا: المدعى عدم إيتاء النقير على تقدير حصول الملك ويراد به الملك الظاهر كما لملوك الدنيا، أو الباطن كما للعلماء الربانيين، أو كلاهما كما للأنبياء.

وحصول شيء من هذه الأقسام لهم ممنوع لما ضربت عليهم الذلة والمسكنة.

ولئن فرض حصول شيء منها فما يدريك لعل الشح يغلب عليهم حتى لا يشاهد منهم بذل نقير كما أخبر عنهم علام الغيوب.

وأما على تفسير الأصم فلعل المراد لأنهم لا يبذلون شيئاً نسبته إلى ما يملكونه كنسبة النقير إلى النواة، أو أنهم لا يطيبون بذلك نفساً لغلبة الشح عليهم والله  أعلم بمراده.

هذا بيان بخلهم، أما بيان حسدهم فذلك قوله: ﴿ أم يحسدون ﴾ وهي منقطعة والتقدير: بل أيحسدون الناس يعني النبي والمؤمنين.

فإن كان اللام للعهد فظاهر وإن كان للجنس فلأنهم هم الناس والباقون هم النسناس.

ومعنى الهمزة إنكار الحسد واستقباحه.

/ والمراد بالفضل ما آتاهم الله من أشرف المناصب وهو النبوة والخاتمية وما كان ينضم إليها كل يوم من النضرة والعزة والاستيلاء والاستعلاء، والفاضل محسود بكل أوان، والحاسد مذموم بكل لسان.

ثم نبّه على ما يزيل التعجب من شأن محمد صلى الله عليه وفقال: ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ الذين هم أسلاف محمد ﴿ الكتاب ﴾ الذي هو بيان الشرائع ﴿ والحكمة ﴾ التي هي الوقوف على الأسرار والحقائق والعمل بما يتضمن صلاح الدارين ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ عن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان، فليس ببدع أن يؤتى إنسان ما أوتي أسلافه.

وقيل: من جملة حسدهم أنهم استكثروا نساء النبي  فقيل لهم: كيف أستكثرتم له التسع وكان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟

﴿ فمنهم ﴾ أي من اليهود ﴿ من آمن به ﴾ أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله  ومنهم من أنكر نبوته، أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر.

والمعنى أن أولئك الأنبياء جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن بهم وبعضهم بقوا على كفرهم، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء والغرض تثبيت النبي  وتسليته ﴿ وكفى بجهنم ﴾ لعذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين ﴿ سعيراً ﴾ .

ثم أكد وعيد الكفار بقوله: ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ ويدخل فيها كل ما يدل على ذات الله  وصفاته وأفعاله وأسمائه وملائكته والكتب والرسل.

وكفرهم بها أن ينكروا كونها آيات أو يغفلوا عنها ولا ينظروا فيها، أو يلقوا الشكوك والشبهات فيها، أو ينكروها مع العلم بها عناداً وحسداً وبغياً ولدداً.

وههنا سؤال وهو أنه  قادر على إبقائهم في النار أحياء معذبين من غير أن تحترق جلودهم، فما الحكمة في إنضاج جلودهم؟

والجواب لا يسأل عما يفعل كما أنه قادر على إيصال الآلام إليهم من غير إدخالهم النار مع أنه لا يمكن أن يقال لم عذبهم بإدخالهم النار.

وسؤال آخر وهو أنه كيف يعذب مكان الجلود العاصية جلوداً لم تعص؟

والجواب يجعل النضيج غير نضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة ويؤيده قول أهل اللغة: تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدله، وأبدلت الشيء غيرته، فالتبديل تغيير الصفة أو الذات.

والإبدال تغيير الذات.

وصاحب الكشاف جزم بأن المراد من هذا التبديل هو تغيير الذات فلهذا فسر التبديل بالإبدال، ولعله إنما حمله على ذلك وصف الجلود بقوله: ﴿ غيرها ﴾ ولقائل أن يقول: المغايرة أعم من أن تكون في الذات أو في الصفات، فما أدراك أنها في الآية مغايرة الذات لا الصفات اللهم إلا أن يعضده نقل صحيح فيكون الجواب.

عن السؤال أن المعذب هو الإنسان، والجلد ليس جزءاً من ماهيته / وإنما هو سبب لوصول العذاب إليه.

أو يقال: المراد الدوام وعدم الانقطاع، ولا نضج ولا احتراق أي كلما ظنوا أنهم احترقوا وأشرفوا على الهلاك أعطيناهم قوة جديدة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا.

وقال السدي: يخرج من لحم الكافر جلد آخر وفي هذا التأويل بعد لأن لحمه متناه فعند نفاده لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد فيعود أول السؤال.

وقيل: المراد بالجلود السرابيل ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ وضعف بأنه ترك للظاهر وأن السرابيل لا توصف بالنضج ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله أي أدامك على عزك وزادك فيه، أو ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب.

والمراد بالذوق أن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كإحساس الذائق بالمذوق ﴿ إنّ الله كان عزيزاً ﴾ لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿ حكيماً ﴾ لا يفعل إلاّ الصواب ثم قرن الوعد بالوعيد على عادته فقال: ﴿ والذين آمنوا ﴾ الآية.

قال الواحدي: الظليل ليس بمبني على الفعيل حتى يقال إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل مشتق من لفظه كقولهم: "ليل أليل".

قيل: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرهافما فائدة وصفها بالظل؟

وأيضاً المواضع التي لا يصل نور الشمس إليها في الدنيا يكون هواؤها عفناً فاسداً فما معنى وصف هواء الجنة بذلك؟

والجواب المنع من أنه لا شمسهنالك حتى يوجد ضوء ثان هو الظل، والمراد بالظل الظليل ما كان فيناناً، أي منبسطأً لا جوب فيه أي لا فرج لالتفاف الأغصان، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجساجاً لا حر فيه ولا برد.

وعند الحكماء: المراد بالظل الراحة لأنه من أسبابها ولا سيما في البلاد الحارة كبلاد العرب.

فلما كان هذا مطلوباً عندهم صار موعوداً لهم.

التأويل: ﴿ لو تسوّى بهم الأرض ﴾ أي يتمنون أن يخلوا في عالم الطبيعة ولم ينكشف لهم عالم الحقيقة كيلا يروا ما يرون من عذاب القطيعة، كما أن السكران ممنوع من الصلاة.

فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ من غلبات الأحوال فإن التكاليف حينئذ زائلة ﴿ ولا جنباً ﴾ بالالتفات إلى غير الله فإن الصلاة إذ ذاك باطلة.

وتستثنى من الحالة الأولى حالة الشعور، ومن الثانية حالة العبور " كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل" فهذا القدر من الالتفات من المحظورات التي أباحها الضرورات.

﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ بحب الدنيا ﴿ أو على سفر ﴾ في متابعة الهوى ﴿ أو جاء / أحد منكم الغائط ﴾ في قضاء شهوة من الشهوات ﴿ أو لامستم ﴾ عجوز الدنيا في تحصيل لذة من اللذات ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ التوبة والاستغفار ﴿ فتيمموا ﴾ فتمعكوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام.

﴿ من الذين هادوا ﴾ يعني دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ يؤولونها على حسب إرادتهم ﴿ ويقولون سمعنا ﴾ ما في القرآن، بالمقال ﴿ وعصينا ﴾ بالفعال وينكرون على أرباب المقامات والأحوال ويقولون اسمع ﴿ غير مسمع وراعنا ﴾ يخاطبونهم بكلام ذي وجهين ﴿ ليا بألسنتهم وطعناً ﴾ في أهل الدين.

﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ ظاهراً ولم يؤتوا علم باطن الكتاب ﴿ آمنوا بما نزلنا ﴾ على الأولياء من علم باطن القرآن ﴿ مصدقاً لمامعكم ﴾ من العلم الظاهر لأن أهل العلم اللدني يصدقون أهل العلم الظاهر، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء لأنه لا يناسب عقولهم ﴿ من قبل أن نطمس ﴾ وجوه القلوب بالعمى والصمم ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ ناظرين إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانوا ناظرين في الميثاق إلى يومها ﴿ أو نلعنهم ﴾ نمسخ صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية كما مسخنا أصحاب السبت بالصورة، ومسخ المعنى أصعب من مسخ الصورة لأن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للشرك ثلاث مراتب وكذا للمغفرة.

فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام من عبدة الكواكب والأصنام فلا يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية.

وشرك خفي بالأوصاف للخواص وهو شوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية، فلا يغفر إلاّ بالوحدانية وهو إفراد الواحد للواحد.

وشرك أخفى للأخص وهو رؤية الأغيار والأنانية فلا يغفر إلا بالوحدة وهو فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية.

﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ من أهل العلوم الظاهرة تعلموا العلم ليباهوا به العلماء أو ليماروا به السفهاء فحصل له صفات ذميمة أخرى مثل المباهاة والمماراة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وغلبة الأقران والأنداد ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ بتسليم نفوسهم إلى ارباب التزكية من العلماء الراسخين والمشايخ المحققين كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فإذا سلموا أنفسهم إليهم وصبروا على تصرفاتهم رأوا أثر الزكاة فيهم ولن يضيع سعيهم ﴿ يؤمنون بالجبت ﴾ بجبت النفس الأمّارة وطاغوت الهوى ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾ من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ﴾ بكل ما أمر الله به ورسوله.

ثم وصفهم بالبخل والحسد ثم قال: ﴿ فقد آتينا آلإبراهيم ﴾ يعني أهل الخلة والمحبة ﴿ الكتاب والحكمة ﴾ العلم الظاهر والعلم الباطن ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ هو معرفة الله  ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه ﴾ لأن من / العلماء مقبلين ومنهم مدبرين ﴿ وكفى بجهنم ﴾ نفسهم الحاسدة ﴿ سعيراً ﴾ تحرق حسناتهم فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ بأوليائنا الذين هم مظاهر آيات الحق وحجج الله على الخلق ﴿ سوف نصليهم ﴾ نار الحسد والغضب والكبر والعجب ﴿ كلما نضجت جلودهم ﴾ أي انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها.

ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال ﴿ بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ فإن دواعي الحرص والغضب والشهوة لا تتناهى ألبتة ما دامت النفس على صفة الأمرية، فلن تزال أسيرة في يد الشهوات ذائقة لعذاب التغلقات ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ﴾ أي نجذبهم بجذبات العناية إلى ﴿ جنات ﴾ من الوصلة ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشوف ﴿ لهم فيها أزواج ﴾ من تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ مطهرة ﴾ من لوث الوهم والخيال ﴿ وندخلهم ظلاً ظليلاً ﴾ هو ظل شمس عالم الوجود يوم لا ظل إلاّ ظله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِنَا ﴾ .

يحتمل الآيات: أعلام الدين وآثاره.

ويحتمل الآيات: آيات الربوبية له.

ويحتمل الآيات: أعلام رسالة الرسول صلى الله عليه سلم؛ فيكون الكفر بها كفراً بالله.

وقوله -  -: ﴿ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً ﴾ .

قيل: ﴿ نُصْلِيهِمْ ﴾ : ندخلهم، وقيل: ﴿ نُصْلِيهِمْ ﴾ : نشويهم؛ يقال: شاة مصلية، أي: مشوية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ : كلما احترقت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها، أي: جددنا لهم جلوداً غيرها؛ ليزدادوا التهاباً وإيقاداً من غير أن يسكن ألم العذاب، فهو من حيث التجديد غير؛ لأن الأولى قد احترقت ونضجت، ومن حيث العين نفسها هي الأولى، ألا ترى ما يقال: تبدل فلان، فإنما يقال من حيث تغيره من لون إلى لون، لا أن كانت تحولت نفسه وتبدل من حال إلى حال؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ هي من حيث العين أنها تلك بعينها واحد، وعلى ذلك البعث بعد الموت، والإنشاء هو من حيث التجديد غير، حيث تفانوا وذهبت آثارهم، ومن حيث الإعادة إلى الحالة الأولى هم بأنفسهم ليسوا بغير، وعلى ذلك قد سمى البعث خلقاً جديداً، وإن كان بعث الأولى في المعنى.

ثم تكلموا في قوله -  -: ﴿ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ قالوا: كيف كان أن يعذب جلوداً لا مأثم فيها، وإنما المأثم في الجلود التي احترقت ونضجت، وقالوا: أيدنا فيمن قطع يده وهو كافر، ثم أسلم، فمات على الإسلام، وما حال اليد المطقوعة، تعذب في النار، أو تكون مع النفس في الجنة؟

وفيمن قطعت يده وهو مسلم، ثم كفر، فمات على كفره، تلحق النفس أو تكون في الجنة؟

فالجواب لهذا كله: أن الجوارح والأعضاء ليست تعمل ما تعمل بالاختيار والطوع، ولكنها كالمكرهات والمقهورات في العمل؛ ألا ترى أن الإكراه عليها يوجب تحويل الفعل منها إلى المكره، فيجعل كأن المكره هو الذي [قد] فعل ذلك في حق الضمان؛ فهذا يدل أن هذه الجوارح كالمكرهات والمقهورات لحقت النفس حيث كانت.

ثم معلوم: أن من أسلم في آخر عمره يتمنى سلامة جوارحه التي كانت ذهبت عنه؛ ليعمل بها في طلب مرضاة ربه -  - وكذلك من كفر بعد الإسلام يتمنى سلامة جوارحه؛ ليستعملها فيما اختار من الدين، فإذا كان كذلك لحقت النفس حيث كانت في طاعتها ومعصيتها.

وقالت فرقة من الملحدة: إن الثواب في الآخرة لا يكون لهذه النفس التي تأكل، وتشرب، وتعمل كل ما تعمل، ولكن إنما يكون للروحاني الذي جوهرها جوهر النور، لكن هذه النفس ممتحنة في الدنيا بالأكل والشرب، مشوبة بالآفات والعيوب، فإذا صفت عن الآفات، ونزهت عن العيوب التي بها امتحنت - صارت أهلاً للثواب العظيم، ومحلاً للجزاء الجزيل، وبالله العصمة والنجاة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ﴾ .

أما ذوق الطعام والشراب يكون بالفم؛ ليعرف طعمه ولذته، وأما ذوق العذاب فإنما يكون بكل جارحة منه؛ ليجد ألم ذلك في جميع الجوارح، والله أعلم.

[و] الذوق في العرف جُعِلَ ليعرف الطعم، يلقب به كل شيء يعرف؛ يقال: لفلان ذوق في أمر كذا: أي بصر ومعرفة.

وقوله - عزو جل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ .

قيل: العزيز: هو ما يتعزز وجوده في الشاهد.

وقيل: هو عزيز لا يعجز، فهو عزيز لما لا يوجد في الأفهام، ولا يدرك بالأوهام.

وقيل: العزيز: المنتقم، وقد ذكرناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من الآفات والعيوب، لسن كأزواج الدنيا ونسائها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً ﴾ .

لا تنسخه الشمس، ولا أذى فيه؛ لأن الشمس فيها منافع للناس وأذى، وكذلك القمر فيه أذى، وإن كان فيه منافع، والظلمة كذلك فيها منافع وأذى، وأما الظل نفسه فليس فيه أذى على كل حال، فإن كان فهو للزمان، لا للظل بنفسه، فأخبر - عز وجل - أنه يدخلهم الظل الذي ليس فيه أذى الشمس، ولا أذى الظلمة، ولا أذى الزمان، ليس كظل الدنيا مشوباً بأذى غيره، والله أعلم.

وذلك تأويل الظليل أن يظله عن جميع المؤذيات، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين آمنوا بالله واتبعوا رسله، وعملوا الطاعات سندخلهم يوم القيامة جنات تجري من تحت قصورها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، لهم في هذه الجنات زوجات مطهرات من كل قذر، وسندخلهم ظلًّا ممتدًا كثيفًا لا حر فيه ولا برد.

<div class="verse-tafsir" id="91.9g6p9"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قال تعالى في الآية السابقة: ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ  ﴾ ، وتوعد من صد عنه بسعير جهنم، ثم فصّل هذا الوعيد بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا  ﴾ ونقلوا عن سيبويه أن "سوف" تأتي للتهديد وتنوب عنها السين ويستشهدون بهذه الآية.

ولكن ورد دخول السين على الفعل في مقام الوعد في الآية الآتية: ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ  ﴾ والصواب أن السين وسوف على معناهما المشهور في إفادة التنفيس والتأخير واشتق لفظ التسويف بمعنى التأخير من سوف، ولكن بعضهم استشكل التسويف هنا ولو نظروا في مثل هذا الوعيد لرأوا أن حصوله يكون متأخرًا جدًا عن وقت نزول الآية به، على أن للتراخي والبعد معنى آخر بحسب اعتبار المقام في الخطاب، فإذا نظر إلى حال المغرورين بما هم فيه من قوة وعزة، الذين صرفهم غرورهم وطغيانهم بعزتهم عن النظر فيما جاء به النبي  من البينات والهدى فصدوا عنه استغناء بما هم فيه، يراهم بهذا الغرور بعداء جدًا عن تصور الوعيد والتفكير فيه، فيكون هذا التسويف مرعيًا فيه حالهم ليتفكروا في مستقبل أمرهم.

﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا  ﴾ نضج الجلود هو نحو نضج الثمار والطعام وهو عبارة عن فقد التماسك الحيوي والبعد عن الحياة وإنما تتبدل لأن النضج يذهب القوة الحيوية التي بها الإحساس فإذا بقيت ناضجة يقل الإحساس بما يمسها أو يزول، لذلك تتبدل بها جلود حية غيرها ﴿ لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ  ﴾ لأن الذوق والإحساس يصل إلى النفس بواسطة الحياة في الجلد، ومن هنا قال بعض المفسرين إن المراد بتبديل الجلود دوام العذاب فالكلام تمثيل أو كناية عن دوام الإحساس بالعذاب، فإنه أراد أن يزيل وهمًا ربما يعرض للناس بالقياس على ما يعهدون في أنفسهم من أن الذي يتعود الألم يقل شعوره به ويصير عاديًا عنده كما نرى من حال الرجل تعمل له عملية جراحية وتتكرر فإنه في المرة الأولى يتألم تألمًا شديدًا ثم لا يزال يخف بالتدريج حتى نراه لا يبالي به، وهكذا نشاهد في كثير من الآلام والأمراض التي يطول أمرها.

يعنى كلما ظنوا أنهم نضجوا واحترقوا وانتهوا إلى الهلاك أعطيناهم قوة جديدة من الحياة بحيث ظنوا أنهم الآن حدّثوا ووجدوا فيكون المقصود دوام العذاب وعدم انقطاعه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله