الآية ٥٩ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٥٩ من سورة النساء

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 205 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال البخاري : حدثنا صدقة بن الفضل ، حدثنا حجاج بن محمد الأعور ، عن ابن جريج ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) قال : نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي ; إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية .

وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من حديث حجاج بن محمد الأعور ، به .

وقال الترمذي : حديث حسن غريب ، ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج .

وقال الإمام أحمد بن حنبل : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن سعيد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار ، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء .

قال : فقال لهم : أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني ؟

قالوا : بلى ، قال : اجمعوا لي حطبا .

ثم دعا بنار فأضرمها فيه ، ثم قال : عزمت عليكم لتدخلنها .

[ قال : فهم القوم أن يدخلوها ] قال : فقال لهم شاب منهم : إنما فررتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار ، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها .

قال : فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه ، فقال لهم : " لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا ; إنما الطاعة في المعروف " .

أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش ، به .

وقال أبو داود : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، حدثنا نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .

وأخرجاه من حديث يحيى القطان .

وعن عبادة بن الصامت قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة ، في منشطنا ومكرهنا ، وعسرنا ويسرنا ، وأثرة علينا ، وألا ننازع الأمر أهله .

قال : " إلا أن تروا كفرا بواحا ، عندكم فيه من الله برهان " أخرجاه .

وفي الحديث الآخر ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة " .

رواه البخاري .

وعن أبي هريرة قال : أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع ، وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف .

رواه مسلم .

وعن أم الحصين أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول : " ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله ، اسمعوا له وأطيعوا " رواه مسلم وفي لفظ له : " عبدا حبشيا مجدوعا " .

وقال ابن جرير : حدثني علي بن مسلم الطوسي ، حدثنا ابن أبي فديك ، حدثني عبد الله بن محمد بن عروة عن هشام بن عروة ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " سيليكم بعدي ولاة ، فيليكم البر ببره ، ويليكم الفاجر بفجوره ، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق ، وصلوا وراءهم ، فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساؤوا فلكم وعليهم " .

وعن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلما هلك نبي خلفه نبي ، وإنه لا نبي بعدي ، وسيكون خلفاء فيكثرون " .

قالوا : يا رسول الله ، فما تأمرنا ؟

قال : " أوفوا ببيعة الأول فالأول ، وأعطوهم حقهم ، فإن الله سائلهم عما استرعاهم " أخرجاه .

وعن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من رأى من أميره شيئا فكرهه فليصبر ; فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية " .

أخرجاه .

وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من خلع يدا من طاعة ، لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " .

رواه مسلم .

وروى مسلم أيضا ، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال : دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة ، والناس حوله مجتمعون عليه ، فأتيتهم فجلست إليه فقال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه ، ومنا من ينتضل ، ومنا من هو في جشره إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة جامعة .

فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينذرهم شر ما يعلمه لهم ، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها ، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها ، وتجيء فتن يرفق بعضها بعضا ، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن : هذه مهلكتي ، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن : هذه هذه ، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " .

قال : فدنوت منه فقلت : أنشدك بالله أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال : سمعته أذناي ووعاه قلبي ، فقلت له : هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ، ونقتل أنفسنا ، والله تعالى يقول : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) [ النساء : 29 ] قال : فسكت ساعة ثم قال : أطعه في طاعة الله ، واعصه في معصية الله .

والأحاديث في هذا كثيرة .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن الحسين ، حدثنا أحمد بن المفضل حدثنا أسباط ، عن السدي : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها خالد بن الوليد ، وفيها عمار بن ياسر ، فساروا قبل القوم الذين يريدون ، فلما بلغوا قريبا منهم عرسوا ، وأتاهم ذو العيينتين فأخبرهم ، فأصبحوا قد هربوا غير رجل .

فأمر أهله فجمعوا متاعهم ، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل ، حتى أتى عسكر خالد ، فسأل عن عمار بن ياسر ، فأتاه فقال : يا أبا اليقظان ، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا ، وإني بقيت ، فهل إسلامي نافعي غدا ، وإلا هربت ؟

قال عمار : بل هو ينفعك ، فأقم .

فأقام ، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدا غير الرجل ، فأخذه وأخذ ماله .

فبلغ عمارا الخبر ، فأتى خالدا فقال : خل عن الرجل ، فإنه قد أسلم ، وإنه في أمان مني .

فقال خالد : وفيم أنت تجير ؟

فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأجاز أمان عمار ، ونهاه أن يجير الثانية على أمير .

فاستبا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال خالد : يا رسول الله ، أتترك هذا العبد الأجدع يسبني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا خالد ، لا تسب عمارا ، فإنه من يسب عمارا يسبه الله ، ومن يبغضه يبغضه الله ومن يلعن عمارا يلعنه الله " فغضب عمار فقام ، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه ، فرضي عنه ، فأنزل الله عز وجل قوله : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، من طريق عن السدي ، مرسلا .

ورواه ابن مردويه من رواية الحكم ابن ظهير ، عن السدي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، فذكره بنحوه والله أعلم .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وأولي الأمر منكم ) يعني : أهل الفقه والدين .

وكذا قال مجاهد ، وعطاء ، والحسن البصري ، وأبو العالية : ( وأولي الأمر منكم ) يعني : العلماء .

والظاهر - والله أعلم - أن الآية في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء ، كما تقدم .

وقد قال تعالى : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ) [ المائدة : 63 ] وقال تعالى : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) [ النحل : 43 ] وفي الحديث الصحيح المتفق عليه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصا الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصا أميري فقد عصاني " .

فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء ، ولهذا قال تعالى : ( أطيعوا الله ) أي : اتبعوا كتابه ( وأطيعوا الرسول ) أي : خذوا بسنته ( وأولي الأمر منكم ) أي : فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله ، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله ، كما تقدم في الحديث الصحيح : " إنما الطاعة في المعروف " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة ، عن أبي مراية ، عن عمران بن حصين ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا طاعة في معصية الله " .

وقوله : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) قال مجاهد وغير واحد من السلف : أي : إلى كتاب الله وسنة رسوله .

وهذا أمر من الله ، عز وجل ، بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة ، كما قال تعالى : ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) [ الشورى : 10 ] فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق ، وماذا بعد الحق إلا الضلال ، ولهذا قال تعالى : ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) أي : ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله ، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) فدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك ، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر .

وقوله : ( ذلك خير ) أي : التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله .

والرجوع في فصل النزاع إليهما خير ( وأحسن تأويلا ) أي : وأحسن عاقبة ومآلا كما قاله السدي وغير واحد .

وقال مجاهد : وأحسن جزاء .

وهو قريب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وأطيعوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته، كما:- 9851 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني.

(51) * * * واختلف أهل التأويل في معنى قوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ".

فقال بعضهم: ذلك أمرٌ من الله باتباع سنته.

*ذكر من قال ذلك: 9852 - حدثنا المثنى قال: حدثنا عمرو قال، حدثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء في قوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول "، قال: طاعة الرسول، اتباع سُنته.

9853 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعلى بن عبيد، عن عبد الملك، عن عطاء: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول "، قال: طاعة الرسول، اتباع الكتاب والسنة.

9854 - وحدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن عبد الملك، عن عطاء مثله.

* * * وقال آخرون: ذلك أمرٌ من الله بطاعة الرّسول في حياته.

*ذكر من قال ذلك: 9855 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول "، إن كان حيًّا.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: هو أمرٌ من الله بطاعة رسوله في حياته فيما أمرَ ونهى، وبعد وفاته باتباع سنته.

(52) وذلك أن الله عمّ بالأمر بطاعته، ولم يخصص بذلك في حال دون حال، (53) فهو على العموم حتى يخصّ ذلك ما يجبُ التسليم له.

* * * واختلف أهل التأويل في" أولي الأمر " الذين أمر الله عبادَه بطاعتهم في هذه الآية.

فقال بعضهم: هم الأمراء.

*ذكر من قال ذلك: 9856 - حدثني أبو السائب سلم بن جنادة قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "، قال: هم الأمراء.

(54) 9857 - حدثنا الحسن بن الصباح البزار قال، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال، أخبرني يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "، نـزلت في رجل بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على سرية.

(55) 9858 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن مسلم بن هرمز، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن هذه الآية نـزلت في عبد الله بن حُذافة بن قيس السهمي، إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في السرية.

(56) 9859 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث قال: سأل مسلمةُ ميمونَ بن مهران عن قوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "، قال: أصحاب السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

9860 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "، قال.

قال أبي: هم السلاطين.

قال وقال ابن زيد في قوله: " وأولي الأمر منكم "، قال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطاعةَ الطاعة، وفي الطاعة بلاء.

وقال: ولو شاء الله لجعل الأمر في الأنبياء (57) = يعني: لقد جعلت [الأمر] إليهم والأنبياء معهم، (58) ألا ترى حين حكموا في قتل يحيى بن ز كريا؟

9861 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريَّة عليها خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قِبَل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبًا منهم عرَّسوا، (59) وأتاهم ذو العُيَيْنَتين فأخبرهم، (60) فأصبحوا قد هربوا، (61) غير رجل أمر أهله فجمعوا &; 8-499 &; متاعهم، (62) ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر، فأتاه فقال: يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإنّ قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت، فهل إسلامي نافعي غدًا، وإلا هربت؟

قال عمار: بل هو ينفعك، فأقم.

فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدًا غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله.

فبلغ عمارًا الخبر، فأتى خالدًا، فقال: خلِّ عن الرجل، فإنه قد أسلم، وهو في أمان مني.

فقال خالد: وفيم أنت تجير؟

فاستبَّا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير.

فاستبَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال خالد: يا رسول الله، أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا خالد، لا تسبَّ عمارًا، فإنه من سب عمارًا سبه الله، ومن أبغض عمارًا أبغضه الله، ومن لعن عمارًا لعنه الله.

فغضب عمار فقام، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنـزل الله تعالى قوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ".

(63) * * * وقال آخرون: هم أهل العلم والفقه.

*ذكر من قال ذلك: 9862 - حدثني سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن علي بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله.....

(64) 9863 - ....

قال، حدثنا جابر بن نوح، عن الأعمش، عن مجاهد في قوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "، قال: أولي الفقه منكم.

(65) 9864 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا ليث، عن مجاهد في قوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "، قال: أولي الفقه والعلم.

9865 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح: " وأولي الأمر منكم "، قال: أولي الفقه في الدين والعقل.

9866 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9867 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "، يعني: أهل الفقه والدين.

9868 - حدثني أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا سفيان، عن حصين، عن مجاهد: " وأولي الأمر منكم "، قال: أهل العلم.

9869 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء بن السائب في قوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "، قال: أولي العلم والفقه.

9870 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن عبد الملك، عن عطاء: " وأولي الأمر منكم "، قال: الفقهاء والعلماء.

9871 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: " وأولي الأمر منكم "، قال: هم العلماء.

9872 - قال، وأخبرنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: " وأولي الأمر منكم "، قال: هم أهل الفقه والعلم.

9873 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: " وأولي الأمر منكم "، قال: هم أهل العلم، ألا ترى أنه يقول: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [سورة النساء: 83]؟

* * * وقال آخرون: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

*ذكر من قال ذلك: 9874 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "، قال: كان مجاهد يقول: أصحاب محمد = قال: وربما قال: أولي العقل والفقه ودين الله.

(66) * * * وقال آخرون: هم أبو بكر وعمر رحمهما الله.

(67) *ذكر من قال ذلك: 9875 - حدثنا أحمد بن عمرو البصري قال، حدثنا حفص بن عمر العدني قال، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم "، قال: أبو بكر وعمر.

(68) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هم الأمراء والولاة = لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان [لله] طاعةً، وللمسلمين مصلحة، (69) كالذي:- 9876 - حدثني علي بن مسلم الطوسي قال، حدثنا ابن أبي فديك قال، حدثني عبد الله بن محمد بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البَرُّ ببِرِّه، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلُّوا وراءهم.

فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم.

(70) 9877 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا يحيى، عن عبيد الله قال، أخبرني نافع، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: على المرء المسلم، الطاعةُ فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية؛ فمن أمر بمعصية فلا طاعة.

(71) 9878 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثني خالد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

(72) = فإذ كان معلومًا أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " بطاعة ذَوِي أمرنا = كان معلومًا أن الذين أمرَ بطاعتهم تعالى ذكره من ذوي أمرنا، هم الأئمة ومن ولَّوْه المسلمين، (73) دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضًا القبول من كل من أمر بترك معصية الله ودعا إلى طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيما أمر ونهى فيما لم تقم حجة وجوبه، إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعيّة، فإن على من أمروه بذلك طاعتهم، وكذلك في كل ما لم يكن لله معصية.

&; 8-504 &; وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره.

* * * القول في تأويل قوله : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن اختلفتم، أيها المؤمنون، في شيء من أمر دينكم: أنتم فيما بينكم، أو أنتم وولاة أمركم، فاشتجرتم فيه (74) =" فردوه إلى الله "، يعني بذلك: فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم = أنتم بينكم، أو أنتم وأولو أمركم = فيه من عند الله، يعني بذلك: من كتاب الله، فاتبعوا ما وجدتم = وأما قوله: " والرسول "، فإنه يقول: فإن لم تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلا فارتادوا معرفة ذلك أيضًا من عند الرسول إن كان حيًا، وإن كان ميتًا فمن سنته =" إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر "، يقول: افعلوا ذلك إن كنتم تصدقون بالله =" واليوم الآخر "، يعني: بالمعاد الذي فيه الثواب والعقاب، فإنكم إن فعلتم ما أمرتم به من ذلك.

فلكم من الله الجزيل من الثواب، وإن لم تفعلوا ذلك فلكم الأليم من العقاب.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9879 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، أخبرنا ليث، عن مجاهد في قوله: " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول "، قال: فإن تنازع العلماء ردّوه إلى الله والرسول.

قال يقول: فردّوه إلى كتاب الله وسنة رسوله.

ثم قرأ مجاهد هذه الآية: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [سورة النساء: 83].

9880 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد في قوله: " فردوه إلى الله والرسول "، قال: كتاب، الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم: 9881 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن ليث، عن مجاهد في قوله: " فردوه إلى الله والرسول "، قال: إلى الله "، إلى كتابه = وإلى " الرسول "، إلى سنة نبيه.

9882 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، قال: سأل مسلمةُ ميمونَ بن مهران عن قوله: " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول "، قال: " الله "، كتابه، و " رسوله " سنته، فكأنما ألقمه حجرًا.

9883 - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، أخبرنا جعفر بن مروان، عن ميمون بن مهران: " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول "، قال: الرد إلى الله، الردّ إلى كتابه = والرد إلى رسوله إن كان حيًا، فإن قبضه الله إليه فالردّ إلى السنة.

9884 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول "، يقول: ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله =" إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ".

9885 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول "، إن كان الرسول حيًا = و " إلى الله " قال: إلى كتابه.

* * * القول في تأويل قوله : ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (59) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ذلك "، فردُّ ما تنازعتم فيه من شيء إلى الله والرسول، =" خير " لكم عند الله في معادكم، وأصلح لكم في دنياكم، لأن ذلك يدعوكم إلى الألفة، وترك التنازع والفرقة =" وأحسن تأويلا "، يعني: وأحمد مَوْئلا ومغبّة، وأجمل عاقبة.

* * * وقد بينا فيما مضى أن " التأويل "" التفعيل " من " تأوّل "، وأنّ قول القائل: " تأوّل "،" تفعّل "، من قولهم: "آل هذا الأمر إلى كذا "، أي: رجع = بما أغنى عن إعادته.

(75) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9886 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وأحسن تأويلا "، قال: حسن جزاء.

9887 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

9888 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ذلك خير وأحسن تأويلا "، يقول: ذلك أحسنُ ثوابًا، وخير عاقبةً.

9889 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وأحسن تأويلا " قال: عاقبة.

9890 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ذلك خير وأحسن تأويلا "، قال: وأحسن عاقبة = قال: و " التأويل "، التصديق.

* * * --------------- الهوامش : (50) في المطبوعة: "فيما ائتمنتكم عليه" ، غير ما في المخطوطة لغير شيء.

(51) الحديث: 9851 - ورواه أحمد في المسند مرارًا ، من طرق مختلفة ، منها: 7330 ، 7428 ، 7643.

ورواه الشيخان وغيرهما ، كما فصلنا هناك.

وذكره ابن كثير 2: 497 ، بقوله: "وفي الحديث المتفق على صحته".

وهو كما قال.

(52) في المطبوعة: "في اتباع سنته" ، وكان في المخطوطة"في باتباع سنتنا" ، وضرب على"في".

(53) في المطبوعة: "لم يخصص ذلك" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(54) الحديث: 9856 - هذا موقوف على أبي هريرة.

وإسناده صحيح.

ومعناه صحيح.

وقد ذكره الحافظ في الفتح 8: 191 ، وقال: "أخرجه الطبري بإسناد صحيح".

(55) الحديث: 9857 - يعلى بن مسلم بن هرمز البصري المكي: ثقة ، أخرج له الشيخان.

ووثقه ابن معين وأبو زرعة.

مترجم في التهذيب.

والكبير للبخاري 4 / 2 / 417 ، وابن أبي حاتم 4 / 2 / 302.

وهو أخو"عبد الله بن مسلم" الآتي في الإسناد بعده - كما رجحه البخاري وغيره.

والحديث رواه أحمد في المسند: 3124 ، عن حجاج ، وهو ابن محمد ، بهذا الإسناد.

وفيه تسمية الرجل ، أنه"عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي".

وكذلك رواه البخاري 8: 190 - 191 ، عن صدقة بن الفضل ، عن حجاج بن محمد ، به.

وذكره ابن كثير 2: 494 ، عن رواية البخاري ، ثم قال: "وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه ، من حديث حجاج بن محمد الأعور ، به.

وقال الترمذي: حديث حسن غريب ، ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج".

وقصة عبد الله بن حذافة رواها أحمد في المسند: 11662 (ج3 ص67 حلبي) ، من حديث أبي سعيد الخدري.

روى معناها أيضًا من حديث علي بن أبي طالب: 622.

(56) الحديث: 9858 - عبد الله بن مسلم بن هرمز: هو أخو يعلى الذي في الحديث السابق - على الراجح.

وعبد الله هذا: فيه ضعف ، مع أن الثوري يروي عنه ، والثوري لا يروي إلا عن ثقة.

فالظاهر أن ضعفه من قبل حفظه.

وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 164 - 165.

ووقع في المخطوطة والمطبوعة هنا"عبيد الله" ، بدل"عبد الله" وهو خطأ واضح.

والحديث بمعنى الذي قبله.

(57) في المطبوعة: "ولو شاء الله لجعل" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(58) في المطبوعة: "يعني: لقد جعل إليهم الأنبياء معهم" ، وهو مستقيم ، ولكنه كان في المخطوطة: "لقد جعلت إليهم الأنبياء معهم" ، فاستظهرت سقوط"الأمر" ، فوضعته بين قوسين.

(59) "عرس القوم تعريسًا": إذا نزلوا في السفر من آخر الليل ، يقعون وقعة للاستراحة ، ثم ينيخون وينامون نومة خفيفة ، ثم يثورون مع انفجار الصبح سائرين.

(60) "ذو العيينتين" و"ذو العوينتين" ، و"ذو العينين": الجاسوس.

(61) في المطبوعة وابن كثير 2: 496"وقد هربوا" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(62) في المخطوطة: "غير رجال من أهله" ، وهو فاسد ، وأثبت ما في المطبوعة وتفسير ابن كثير.

(63) الأثر: 9861 - أخرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 497 ، ثم قال: "وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق ، عن السدي مرسلا.

ورواه ابن مردويه من رواية الحكم بن ظهير ، عن السدي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، فذكر بنحوه.

والله أعلم".

(64) الأثر: 9862 - كان هذا الأثر والذي يليه متصلين ، "...

عن جابر بن عبد الله قال حدثنا جابر بن نوح" وهو خطأ وفساد لا شك فيه.

وكأن هذا الأثر كان: "حدثني بذلك سفيان بن وكيع..." = أو: "عن جابر بن عبد الله قال: هم أهل العلم والفقه".

أو ما شابه ذلك.

ولكني وضعت النقط دلالة على الخزم.

(65) الأثر: 9863 - كأن صواب هذا الإسناد: "حدثني أبو كريب ، قال حدثنا جابر بن نوح" ، فإن أبا كريب هو يروي عن جابر بن نوح ، كما سلف مرارًا ، أقربها رقم: 9842 ، ولكني تركته على حاله ، ووضعت مكان ذلك نقطًا.

(66) في المطبوعة: "أولي الفضل" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(67) في المطبوعة: "رضي الله عنهما".

(68) الأثر: 9875 -"أحمد بن عمرو البصري" ، لم أجده في كتب التراجم ، وظننت أنه"أحمد بن عمرو بن عبد الخالق" البزار ، أبو بكر العتكي البصري ، من أهل البصرة ، قال الخطيب: "كان ثقة حافظًا ، صنف المسند ، وتكلم على الأحاديث ، وبنى عللها ، وقدم بغداد وحدث بها" ومات بالرملة سنة 291 ، فهو خليق أن يكون رآه أبو جعفر وروى عنه في بغداد أو في الرملة.

مترجم في تاريخ بغداد 4: 334.

و"حفص بن عمر العدني" مضت ترجمته برقم: 6796.

(69) الزيادة بين القوسين ، أراها زيادة لا غنى عنها.

(70) الحديث: 9876 - ابن أبي فديك: هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك المدني.

وهو ثقة معروف ، من شيوخ الشافعي وأحمد.

أخرج له الجماعة.

عبد الله بن محمد بن عروة: هو عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزبير المدني.

قال أبو حاتم: "هو متروك الحديث ، ضعيف الحديث جدًا".

وقال ابن حبان: "يروى الموضوعات عن الثقات".

مترجم في لسان الميزان 3: 331 - 332 ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 158.

فهذا حديث ضعيف جدًا ، لم نجده إلا في هذا الموضع.

وقد نقله ابن كثير 2: 495 ، والسيوطي 2: 177- ولم ينسباه لغير الطبري.

(71) الحديثان: 9877 ، 9878 - يحيى في الإسناد الأول: هو ابن سعيد القطان.

وخالد - في الإسناد الثاني: هو ابن الحارث الهجيمي البصري.

مضت ترجمته في: 7818.

عبيد الله - في الإسنادين: هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، العمري.

ووقع في المطبوعة ، في الإسنادين: "يحيى بن عبيد الله" ، "خالد بن عبيد الله"!

وهو خطأ واضح ، صوابه من المخطوطة.

والحديث رواه أحمد في المسند: 4668 ، عن يحيى ، وهو القطان ، بمثل الإسناد الأول هنا.

ورواه أيضًا: 6278 ، عن ابن نمير ، عن عبيد الله ، به.

وقد شرحناه شرحًا وافيًا ، وخرجناه - في الموضع الأول.

وذكره ابن كثير 2: 494 ، من رواية أبي داود - من طريق يحيى القطان.

ثم نسبه للشيخين من طريق يحيى.

وقصر السيوطي جدًا ، إذ ذكره 2: 177 ، ونسبه لابن أبي شيبة ، وابن جرير - فقط!

وهو في المسند والصحيحين وغيرهما.

(72) الحديثان: 9877 ، 9878 - يحيى في الإسناد الأول: هو ابن سعيد القطان.

وخالد - في الإسناد الثاني: هو ابن الحارث الهجيمي البصري.

مضت ترجمته في: 7818.

عبيد الله - في الإسنادين: هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، العمري.

ووقع في المطبوعة ، في الإسنادين: "يحيى بن عبيد الله" ، "خالد بن عبيد الله"!

وهو خطأ واضح ، صوابه من المخطوطة.

والحديث رواه أحمد في المسند: 4668 ، عن يحيى ، وهو القطان ، بمثل الإسناد الأول هنا.

ورواه أيضًا: 6278 ، عن ابن نمير ، عن عبيد الله ، به.

وقد شرحناه شرحًا وافيًا ، وخرجناه - في الموضع الأول.

وذكره ابن كثير 2: 494 ، من رواية أبي داود - من طريق يحيى القطان.

ثم نسبه للشيخين من طريق يحيى.

وقصر السيوطي جدًا ، إذ ذكره 2: 177 ، ونسبه لابن أبي شيبة ، وابن جرير - فقط!

وهو في المسند والصحيحين وغيرهما.

(73) في المطبوعة: "ومن ولاه المسلمون" ، وأثبت ما في المخطوطة ، ولم يرد أبو جعفر معنى ما كان في المطبوعة ، بل أراد: ومن ولاه الأئمة أمور المسلمين.

(74) انظر تفسير"تنازع" فيما سلف 7: 289.

(75) انظر ما سلف 6: 204 - 206.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا فيه ثلاث مسائل :الأولى : لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة وبدأ بهم فأمرهم بأداء الأمانات وأن يحكموا بين الناس بالعدل ، تقدم في هذه الآية إلى الرعية فأمر بطاعته جل وعز أولا ، وهي [ ص: 224 ] امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، ثم بطاعة رسوله ثانيا فيما أمر به ونهى عنه ، ثم بطاعة الأمراء ثالثا ؛ على قول الجمهور وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم .

قال سهل بن عبد الله التستري : أطيعوا السلطان في سبعة : ضرب الدراهم والدنانير ، والمكاييل والأوزان ، والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد .

قال سهل : وإذا نهى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي ، فإن أفتى فهو عاص وإن كان أميرا جائرا .

وقال ابن خويز منداد : وأما طاعة الطاعة أئمة المسلمين في غير معصية سلطان فتجب فيما كان له فيه طاعة ، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية ؛ ولذلك قلنا : إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم ، ويجب الغزو معهم متى غزوا ، والحكم من قبلهم ، وتولية الإمامة والحسبة ؛ وإقامة ذلك على وجه الشريعة .

وإن صلوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم ، وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلا أن يخافوا فيصلى معهم تقية وتعاد الصلاة .قلت : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : حق على الإمام أن يحكم بالعدل ، ويؤدي الأمانة ؛ فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه ؛ لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل ، ثم أمر بطاعته .

وقال جابر بن عبد الله ومجاهد : " أولو الأمر " أهل القرآن والعلم ؛ وهو اختيار مالك رحمه الله ، ونحوه قول الضحاك قال : يعني الفقهاء والعلماء في الدين .

وحكي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة .

وحكي عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما خاصة .

وروى سفيان بن عيينة عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد فقال : هن حرائر .

فقلت بأي شيء ؟

قال بالقرآن .

قلت : بأي شيء في القرآن ؟

قال : قال الله تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وكان عمر من أولي الأمر ؛ قال : عتقت ولو بسقط .

وسيأتي هذا المعنى مبينا في سورة " الحشر " عند قوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا .

وقال ابن كيسان : هم أولو العقل والرأي الذين يدبرون أمر الناس .قلت : وأصح هذه الأقوال الأول والثاني ؛ أما الأول فلأن أصل الأمر منهم والحكم إليهم .

وروى الصحيحان عن ابن عباس قال : نزل يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية .

قال أبو عمر : وكان في عبد الله بن حذافة دعابة معروفة ؛ ومن دعابته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره على سرية فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا ؛ فلما أوقدوها أمرهم [ ص: 225 ] بالتقحم فيها ، فقال لهم : ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعتي ؟

!

وقال : من أطاع أميري فقد أطاعني .

فقالوا : ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار !

فصوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلهم وقال : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق قال الله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم .

وهو حديث صحيح الإسناد مشهور .

وروى محمد بن عمرو بن علقمة عن عمر بن الحكم بن ثوبان أن أبا سعيد الخدري قال : كان عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي من أصحاب بدر وكانت فيه دعابة .

وذكر الزبير قال : حدثني عبد الجبار بن سعيد عن عبد الله بن وهب عن الليث بن سعد قال : بلغني أنه حل حزام راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع .

قال ابن وهب : فقلت لليث ليضحكه ؟

قال : نعم كانت فيه دعابة .

قال ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي : " أولوا الأمر " أصحاب السرايا .

وأما القول الثاني فيدل على صحته قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول .

فأمر تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة ؛ ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبا ، وامتثال فتواهم لازما .

قال سهل بن عبد الله رحمه الله : لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء ؛ فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم ، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم .

وأما القول الثالث فخاص ، وأخص منه القول الرابع .

وأما الخامس فيأباه ظاهر اللفظ وإن كان المعنى صحيحا ، فإن العقل لكل فضيلة أس ، ولكل أدب ينبوع ، وهو الذي جعله الله للدين أصلا وللدنيا عمادا ، فأوجب الله التكليف بكماله ، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه ؛ والعاقل أقرب إلى ربه تعالى من جميع المجتهدين بغير عقل وروى هذا المعنى عن ابن عباس .

وزعم قوم أن المراد بأولي الأمر علي والأئمة المعصومون .

ولو كان كذلك ما كان لقوله : فردوه إلى الله والرسول معنى ، بل كان يقول فردوه إلى الإمام وأولي الأمر ، فإن قوله عند هؤلاء هو المحكم على الكتاب والسنة .

وهذا قول مهجور مخالف لما عليه الجمهور .

وحقيقة الطاعة امتثال الأمر ، كما أن المعصية ضدها وهي مخالفة الأمر .

والطاعة مأخوذة من أطاع إذا انقاد ، والمعصية مأخوذة من عصى إذا اشتد .

و " أولو " واحدهم " ذو " على غير قياس كالنساء والإبل والخيل ، كل واحد اسم الجمع ولا واحد له من لفظه .

وقد قيل في واحد الخيل : خائل وقد تقدم .[ ص: 226 ] الثانية : قوله تعالى : فإن تنازعتم في شيء أي تجادلتم واختلفتم ؛ فكأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويذهبها .

والنزع الجذب .

والمنازعة مجاذبة الحجج ؛ ومنه الحديث وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن .

وقال الأعشى :نازعتهم قضب الريحان متكئا وقهوة مزة راووقها خضل الخضل النبات الناعم والخضيلة الروضة .

في شيء أي من أمر دينكم .

فردوه إلى الله والرسول أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته ، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ؛ هذا قول مجاهد والأعمش وقتادة ، وهو الصحيح .

ومن لم ير هذا اختل إيمانه ؛ لقوله تعالى : إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر .

وقيل : المعنى قولوا الله ورسوله أعلم ؛ فهذا هو الرد .

وهذا كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل .

والقول الأول أصح ؛ لقول علي رضي الله عنه : ما عندنا إلا ما في كتاب الله وما في هذه الصحيفة ، أو فهم أعطيه رجل مسلم .

ولو كان كما قال هذا القائل لبطل الاجتهاد الذي خص به هذه الأمة والاستنباط الذي أعطيها ، ولكن تضرب الأمثال ويطلب المثال حتى يخرج الصواب .

قال أبو العالية : وذلك قوله تعالى : ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم .

نعم ، ما كان مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه فذلك الذي يقال فيه : الله أعلم .

وقد استنبط علي رضي الله عنه مدة أقل الحمل - وهو ستة أشهر - من قوله تعالى : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين فإذا فصلنا الحولين من ثلاثين شهرا بقيت ستة أشهر ؛ ومثله كثير .

وفي قوله تعالى : ( وإلى الرسول ) دليل على أن سنته صلى الله عليه وسلم يعمل بها ويمتثل ما فيها .

قال صلى الله عليه وسلم : ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم أخرجه مسلم .

وروى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه .

وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس وهو يقول : أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها [ ص: 227 ] لمثل القرآن أو أكثر .

وأخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معدي كرب بمعناه وقال : حديث حسن غريب .

والقاطع قوله تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة الآية .

وسيأتي .الثالثة : قوله تعالى : ذلك خير أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة خير من التنازع .

وأحسن تأويلا أي مرجعا ؛ من آل يئول إلى كذا أي صار .

وقيل : من ألت الشيء إذا جمعته وأصلحته .

فالتأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ لا إشكال فيه ؛ يقال : أول الله عليك أمرك أي جمعه .

ويجوز أن يكون المعنى وأحسن من تأويلكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أمر بطاعته وطاعة رسوله وذلك بامتثال أمرهما، الواجب والمستحب، واجتناب نهيهما.

وأمر بطاعة أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية.

ثم أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله وإلى الرسول أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما أو عمومهما؛ أو إيماء، أو تنبيه، أو مفهوم، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه، لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما.

فالرد إليهما شرط في الإيمان فلهذا قال: { إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت، كما ذكر في الآية بعدها { ذَلِكَ } أي: الرد إلى الله ورسوله { خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } فإن حكم الله ورسوله أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس في أمر دينهم ودنياهم وعاقبتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) اختلفوا في ( أولي الأمر ) قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم : هم الفقهاء والعلماء الذين يعلمون الناس معالم دينهم ، وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد ، ودليله قوله تعالى : " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " ( النساء - 83 ) .

وقال أبو هريرة : هم الأمراء والولاة .

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا .

أخبرنا أبو علي حسان بن سعد المنيعي ، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ، أنا أحمد بن يوسف السلمي ، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن همام بن منبه أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد ، أنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله حدثني ، نافع ، عن عبد الله رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .

[ أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن محمد الدراوردي ] أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد ، أخبرنا عبادة بن الوليد بن عبادة أن أباه أخبره عن عبادة بن الصامت قال : " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره ، وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله ، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم " .

أخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبيد الله بن أحمد القفال ، أنا أبو منصور أحمد بن الفضل البروجردي ، أنا أبو بكر بن محمد بن همدان الصيرفي ، أنا محمد بن يوسف الكديمي ، قال أخبرنا أبو داود الطيالسي ، عن شعبة ، عن أبي التياح ، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر : " اسمع وأطع ولو لعبد حبشي كأن رأسه زبيبة " .

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، أنا أبو العباس ، أنا محمد بن أحمد المحبوبي ، أنا أبو عيسى الترمذي ، أنا موسى بن عبد الرحمن الكندي ، أنا زيد بن الحباب أنا معاوية بن صالح ، حدثني سليم بن عامر ، قال : سمعت أبا أمامة رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال : " اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم " .

وقيل : المراد أمراء السرايا ، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا صدقة بن الفضل ، أنا حجاج بن محمد ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، في قوله تعالى : ( وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) قال : نزلت في عبيد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية وقال عكرمة : أراد بأولي الأمر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما .

حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التيمي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم ، أخبرنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي ، أنا عمرو بن أبي عرزة بالكوفة ، أخبرنا ثابت بن موسى العابد ، عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي ، عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " ، رضي الله عنهما .

وقال عطاء : هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان بدليل قوله تعالى ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ) الآية .

أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمود ، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال ، أنا عبد الله بن المبارك ، عن إسماعيل المكي ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح " قال : قال الحسن : قد ذهب ملحنا فكيف نصلح .

قوله عز وجل : ( فإن تنازعتم ) أي : اختلفتم ، ( في شيء ) من أمر دينكم ، والتنازع : اختلاف الآراء وأصله من النزع فكأن المتنازعين يتجاذبان ويتمانعان ، ( فردوه إلى الله والرسول ) أي : إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حيا وبعد وفاته إلى سنته ، والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما ، فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد .

وقيل : الرد إلى الله تعالى والرسول أن يقول لما لا يعلم : الله ورسوله أعلم .

( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك ) أي : الرد إلى الله والرسول ، ( خير وأحسن تأويلا ) أي : أحسن مآلا وعاقبة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي» وأصحاب «الأمر» أي الولاة «منكم» إذا أمروكم بطاعة الله ورسوله «فإن تنازعتم» اختلفتم «في شيء فردوه إلى الله» أي إلى كتابه «والرسول» مدة حياته وبعده إلى سنته أي اكشفوا عليه منهما «إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك» أي الرد إليهما «خير» لكم من التنازع والقول بالرأي «وأحسن تأويلاً» مآلاً.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، استجيبوا لأوامر الله تعالى ولا تعصوه، واستجيبوا للرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الحق، وأطيعوا ولاة أمركم في غير معصية الله، فإن اختلفتم في شيء بينكم، فأرجعوا الحكم فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، إن كنتم تؤمنون حق الإيمان بالله تعالى وبيوم الحساب.

ذلك الردُّ إلى الكتاب والسنة خير لكم من التنازع والقول بالرأي، وأحسن عاقبة ومآلا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أمر - سبحانه بأداء الأمانة وبالحكم بالعدل عقب ذلك بأمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله وولاة أمورهم فقال - تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ ) .وطاعة الله وطاعة رسوله متلازمتان .

قال - تعالى - : ( مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ) ومعنى طاعتهما : التزام أوامرهما ، واجتناب نواهيهما .والمراد بأولى الأمر - على الراجح - الحكام .

وطاعتهم إنما تكون فى غير معصية الله ، فإذا أمروا بأولى الأمر - على الراجح - الحكام .

وطاعتهم إنما تكون فى غير معصية الله ، فإذا أمروا بما يتنافى مع تعاليم الدين فلا سمع لهم على الأمة ولا طاعة .وإنما أمرنا الله - تعالى - بطاعتهم فى غير معصية ، لأنهم هم المنفذون لتعاليم الشريعة ، وهم الذين بيدهم مقاليد الأمة التى يقومون على رعاية مصالحها ، ولأن عدم طاعتهم يؤدى إلى اضطراب أحواله الأمة وفسادها .قال صاحب الكشاف : والمراد ب ( وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ ) : أمراء الحق ، لأن - أمراء الجور - الله ورسوله بريئان منهم ، فلا يعطفون على الله ورسوله بوجوب الطاعة لهم .

وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما فى إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما .

والنهى عن أضدادهما كالخلفاء والراشدين ومن تبعهم بإحسان .

وكان الخلفاء يقولون : أطيعونى ما عدلت فيكم .

فان خالفت فلا طاعة لى عليكم ، وعن أبى حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له : ألستم أمرتم بطاعتنا فى قوله ( وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ ) فقال له : أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله : ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ) .وقيل هم العلماء الدينيون الذين يعلمون الناس ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر .وأعاد - سبحانه - الفعل ( أَطِيعُواْ ) مع الرسول فقال : ( أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ) ولم يعده مع أولى الأمر ، للإِشارة إلى استقلال الرسول صلى الله عليه وسلم بالطاعة حتى ولو كان ما يأمر به ليس منصوصا عليه فى القرآن ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، وللإِيذان بأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أعلى من طاعة أولى الأمر .وقوله ( مِنْكُمْ ) فى محل نصب على الحال من أولى الأمر أى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر حالة كونهم كائنين منكم أى من دينكم وملتكم .وفى ذلك إشارة إلى أنه لا طاعة لمن يتحكمون فى شئون المسلمين ممن ليسوا على ملتهم .وقوله : ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ) بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا ما حدث بينهم اختلاف فى أمر من الأمور الدينية .

والمراد بالتنازع هنا : الاختلاف والجدال مأخوذ من النزع بمعنى الجذب .

فكأن كل واحد من المختلفين بجذب من غيره الحجة لدليله .

.

.ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم " ما لى أنازع القرآن " أى ينازعنى غيرى ويجاذبنى فى القراءة .

وذلك أن بعض المأمومين جهر خلفه فنازعه قراءة فشغله ، فنهاه عن الجهر بالقراءة فى الصلاة خلفه .والمعنى : فان تنازعتم واختلفتم أيها المؤمنون أنتم وألوا الأمر منكم فى أمر من أمور الدين ( فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ) أى فردوا ذلك الحكم أو الأمر الذى اختلفتم فيه إلى كتاب الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن تسألوه عنه فى حياته ، وترجعوا إلى سنته بعد مماته .قال القرطبى : قوله ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ) أى تجادلتم واختلفتم فى شئ من أمور دينكم ( فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ) أى ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال فى حياته ، أو بالنظر فى سنته بعد وفاته .

وهذا قول مجاهد والأعمش وقتادة .

وهو الصحيح .ومن لم ير هذا اختل إيمانه ، لقوله - تعالى ( إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ) .وفى قوله ( فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ) دليل على أن سنته صلى الله عليه وسلم يعمل بها ويمتثل ما فيها .قال صلى الله عليه وسلم " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم .

فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم " أخرجه مسلم .وروى أبو داود عن أبى رافع عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته ، يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا ندرى ما وجدناه فى كتاب الله اتبعناه " .وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس وهو يقول :" أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما فى هذا القرآن ألا وإنى والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن اشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر " .وقوله ( إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ) شرط جوابه محذوف عند جمهور البصريين اكتفاء بدلالة المذكور عليه .أى : إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر حق الإِيمان فارجعوا فيما تنازعتم فيه من أمور دينية إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .والجملة الكريمة تحريض للمؤمنين على الامثال لتعاليم الإِسلام وآدابه ، لأن الإِيمان الحق يقتضى ذلك .واسم الاشارة فى قوله : ( ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) يعود إلى الرد إلى الكتاب والسنة وقوله ( تَأْوِيلاً ) من آل هذا الأمر إلى كذا أى رجع إليه ، فيكون المعنى : ذلك الذى أمرتكم به من رد ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة خير لكم وأحمد مغبة ، وأجمل عاقبة .ويجوز أن يكون قوله ( تَأْوِيلاً ) معنى التفسير والتوضيح فيكون المعنى :ذلك أى الرد إلى الكتاب والسنة خير لكم وأحسن تأويلا وتفسيراً من تأويلكم أنتم إياه ، من غير رد إلى اصل من الكتاب والسنة .

والأول أنسب لسياق الآية الكريمة .قال ابن كثير : قوله ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ ) .

الآية هذا أمر من الله - تعالى - بأن كل شئ تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه ، أن يردوا التنازع فى ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال - تعالى - : ( وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله ) فما حكم به القرآن والسنة وشهد له بالصحة فهو الحق .

ماذا بعد الحق إلا الضلال .

ولهذا قال - تعالى - : ( إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر ) .

أى : ردوا الخصومات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر .

فدل على أن من لم يتحاكم فى محل النزاع إلى الكتاب والسنة ، ولا يرجع إليهما فى ذلك ، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر .وقال بعض العلماء : قد يؤخذ من الآية التى معنا أن أدلة الأحكام الشرعية أربعة .

وهى : الكتاب والسنة والإِجماع والقياس .

.

لأن الأحكام إما منصوبة فى الكتاب أو السنة وذلك قوله : ( أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ) .

وإما مجمع عليها من أولى الأمر بعد استنادهم إلى دليل علموه .

وذلك قوله ( وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ ) وإما غير منصوصة ولا مجمع عليها .

وهذه سبيلها الاجتهاد والرد إلى الله والرسول وذلك هو القياس .فما اثبته الفقهاء والأصوليون غير هذه الأربعة كالاستحسان الذى يراه الأحناف دليلا .وإثبات الأحكام الشرعية تمشيا مع المصلاح المرسلة الذى يقول به المالكية ، والاستصحاب الذى يقول به الشافعية ، كل ذلك إن كان غير هذه الأربعة فمردود بظاهر هذه الآية ، وإن كان راجعا إليها فقد ثبت أن الأدلة أربعة .ثم انتقل القرآن بعد ذلك إلى الحديث عن المنافقين فكشف عن أحوالهم الذميمة ، وطابعهم القبيحة ، ونفوسهم المريضة ، وحذر المؤمنين من مكرهم وكذبهم ، بعد أن حذرهم قبل ذلك من مكر اليهود وأمرهم بالاعتصام بطاعة الله ورسوله .

استمع إلى القرآن الكريم وهو يكشف النقاب عن حال هؤلاء المنافقين فيقول : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى .

.

.

.

صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أمر الرعاة والولاة بالعدل في الرعية أمر الرعية بطاعة الولاة فقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله ﴾ ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حق على الامام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فاذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الارادة، وقال أصحابنا: الطاعة موافقة الأمر لا موافقة الارادة.

لنا أنه لا نزاع في أن موافقة الأمر طاعة، إنما النزاع أن المأمور به هل يجب أن يكون مراداً أم لا؟

فاذا دللنا على أن المأمور به قد لا يكون مراداً ثبت حيئنذ أن الطاعة ليست عبارة عن موافقة الارادة، وإنما قلنا إن الله قد يأمر بما لا يريد لأن علم الله وخبره قد تعلقا بأن الايمان لا يوجد من أبي لهب ألبتة، وهذا العلم وهذا الخبر يمتنع زوالهما وانقلابهما جهلا، ووجود الايمان مضاد ومناف لهذا العلم ولهذا الخبر، والجمع بين الضدين محال، فكان صدور الايمان من أبي لهب محالا.

والله تعالى عالم بكل هذه الأحوال فيكون عالما بكونه محالا، والعالم بكون الشيء محالا لا يكون مريداً له، فثبت أنه تعالى غير مريد للايمان من أبي لهب وقد أمره بالايمان فثبت أن الأمر قد يوجد بدون الارادة، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن طاعة الله عبارة عن موافقة أمره لا عن موافقة إرادته، وأما المعتزلة فقد احتجوا على أن الطاعة اسم لموافقة الارادة بقول الشاعر: رب من أنضجت غيظا صدره *** قد تمنى لي موتاً لم يطع رتب الطاعة على التمني وهو من جنس الارادة.

والجواب: أن العاقل عالم بأن الدليل القاطع الذي ذكرناه لا يليق معارضته بمثل هذه الحجة الركيكة.

المسألة الثانية: اعلم أن هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه، وذلك لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع: الكتاب والسنة والاجماع والقياس، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب.

أما الكتاب والسنة فقد وقعت الاشارة إليهما بقوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ .

فان قيل: أليس أن طاعة الرسول هي طاعة الله، فما معنى هذا العطف؟

قلنا: قال القاضي: الفائدة في ذلك بيان الدلالتين، فالكتاب يدل على أمر الله، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة، والسنة تدل على أمر الرسول، ثم نعلم منه أمر الله لا محالة، فثبت بما ذكرنا أن قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة.

المسألة الثالثة: اعلم أن قوله: ﴿ وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ يدل عندنا على أن إجماع الأمة حجة، والدليل على ذلك أن الله تعالى أمر بطاعة أولى الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابد وأن يكون معصوما عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وانه محال، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ، فثبت قطعاً أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لابد وأن يكون معصوما، ثم نقول: ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعض الأمة، لا جائز أن يكون بعض الأمة؛ لأنا بينا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعاً، وإيجاب طاعتهم قطعاً مشروط بكوننا عارفين بهم قادرين على الوصول اليهم والاستفادة منهم، ونحن نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الامام المعصوم، عاجزون عن الوصول اليهم، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم، واذا كان الأمر كذلك علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضا من أبعاض الأمة، ولا طائفة من طوائفهم.

ولما بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله: ﴿ وَأُوْلِى الأمر ﴾ أهل الحل والعقد من الأمة، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة.

فإن قيل: المفسرون ذكروا في ﴿ أُوْلِى الأمر ﴾ وجوها أخرى سوى ما ذكرتم: أحدها: أن المراد من أولي الأمر الخلفاء الراشدون، والثاني: المراد أمراء السرايا، قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عبدالله بن حذافة السهمي إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميراً على سرية.

وعن ابن عباس أنها نزلت في خالد بن الوليد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم أميرا على سرية وفيها عمار بن ياسر، فجرى بينهما اختلاف في شيء، فنزلت هذه الآية وأمر بطاعة أولي الأمر.

وثالثها: المراد العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم، وهذا رواية الثعلبي عن ابن عباس وقول الحسن ومجاهد والضحاك.

ورابعها: نقل عن الروافض أن المراد به الأئمة المعصومون، ولما كانت أقوال الأمة في تفسير هذه الآية محصورة في هذه الوجوه، وكان القول الذي نصرتموه خارجا عنها كان ذلك باجماع الأمة باطلا.

السؤال الثاني: أن نقول: حمل أولي الأمر على الأمراء والسلاطين أولى مما ذكرتم.

ويدل عليه وجوه: الأول: أن الامراء والسلاطين أوامرهم نافذة على الخلق، فهم في الحقيقة أولو الأمر أما أهل الاجماع فليس لهم أمر نافذ على الخلق، فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى.

والثاني: أن أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه، أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل، وأما آخر الآية فهو أنه تعالى أمر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وهذا إنما يليق بالأمراء لا بأهل الاجماع.

الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في الترغيب في طاعة الأمراء، فقال: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني» فهذا ما يمكن ذكره من السؤال على الاستدلال الذي ذكرناه.

والجواب: أنه لا نزاع أن جماعة من الصحابة والتابعين حملوا قوله: ﴿ وَأُوْلِى الامر مِنْكُمْ ﴾ على العلماء، فاذا قلنا: المراد منه جميع العلماء من أهل العقد والحل لم يكن هذا قولا خارجا عن أقوال الأمة، بل كان هذا اختياراً لأحد أقوالهم وتصحيحا له بالحجة القاطعة، فاندفع السؤال الأول: وأما سؤالهم الثاني فهو مدفوع، لأن الوجوه التي ذكروها وجوه ضعيفة، والذي ذكرناه برهان قاطع، فكان قولنا أولى، على أنا نعارض تلك الوجوه بوجوه أخرى أقوى منها: فأحدها: أن الأمة مجمعة على أن الأمراء والسلاطين إنما يجب طاعتهم فيما علم بالدليل أنه حق وصواب، وذلك الدليل ليس إلا الكتاب والسنة، فحينئذ لا يكون هذا قسما منفصلا عن طاعة الكتاب والسنة، وعن طاعة الله وطاعة رسوله، بل يكون داخلا فيه، كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والولد للوالدين، والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول، أما إذا حملناه على الاجماع لم يكن هذا القسم داخلا تحتها، لأنه ربما دل الاجماع على حكم بحيث لا يكون في الكتاب والسنة دلالة عليه، فحينئذ أمكن جعل هذا القسم منفصلا عن القسمين الأولين، فهذا أولى.

وثانيها: أن حمل الآية على طاعة الأمراء يقتضي إدخال الشرط في الآية، لأن طاعة الأمراء إنما تجب إذا كانوا مع الحق، فاذا حملناه على الاجماع لا يدخل الشرط في الآية، فكان هذا أولى.

وثالثها: أن قوله من بعد: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله ﴾ مشعر باجماع مقدم يخالف حكمه حكم هذا التنازع.

ورابعها: أن طاعة الله وطاعة رسوله واجبة قطعا، وعندنا أن طاعة أهل الاجماع واجبة قطعا، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة قطعا، بل الأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون إلا بالظلم، وفي الأقل تكون واجبة بحسب الظن الضعيف، فكان حمل الآية على الاجماع أولى، لأنه أدخل الرسول وأولي الأمر في لفظ واحد وهو قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر ﴾ فكان حمل أولي الأمر الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على الفاجر الفاسق.

وخامسها: أن أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوى العلماء، والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء، فكان حمل لفظ أولي الأمر عليهم أولى، وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين على ما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوه: أحدها: ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول اليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الايجاب مشروطا، وظاهر قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ يقتضي الاطلاق، وأيضا ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال، وذلك لأنه تعالى أمر بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة، وهو قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معا، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر.

الثاني: أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر، وأولو الأمر جمع، وعندهم لا يكون في الزمان إلا إمام واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر.

وثالثها: أنه قال: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ ولو كان المراد بأولي الأمر الامام المعصوم لوجب أن يقال: فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام، فثبت أن الحق تفسير الآية بما ذكرناه.

المسألة الرابعة: اعلم أن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ يدل عندنا على أن القياس حجة، والذي يدل على ذلك أن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء ﴾ إما أن يكون المراد فان اختلفتم في شيء حكمه منصوص عليه في الكتاب أو السنة أو الاجماع، أو المراد فان اختلفتم في شيء حكمه غير منصوص عليه في شيء من هذه الثلاثة، والأول باطل لأن على ذلك التقدير وجب عليه طاعته فكان ذلك داخلا تحت قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ وحينئذ يصير قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ إعادة لعين ما مضى، وإنه غير جائز.

وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو أن المراد: فان تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة والاجماع، واذا كان كذلك لم يكن المراد من قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة.

فوجب أن يكون المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له، وذلك هو القياس، فثبت أن الآية دالة على الأمر بالقياس.

فان قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ أي فوضوا علمه إلى الله واسكتوا عنه ولا تتعرضوا له؟

وأيضاً فلم لا يجوز ان يكون المراد فردوا غير المنصوص إلى المنصوص في أنه لا يحكم فيه إلا بالنص؟

وأيضا لم يجوزلا أن يكون المراد فردوا هذه الأحكام إلى البراءة الأصلية؟

قلنا: أما الأول فمدفوع، وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين، منها ما يكون حكمها منصوصا عليه، ومنها ما لا يكون كذلك، ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد، وأمر في القسم الثاني بالرد إلى الله وإلى الرسول، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الرد السكوت، لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك، بل لابد من قطع الشغب والخصومة فيها بنفي أو إثبات، واذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى الله على السكوت عن تلك الواقعة، وبهذا الجواب يظهر فساد السؤال الثالث.

وأما السؤال الثاني: فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل، فلا يكون رد الواقعة اليها ردا إلى الله بوجه من الوجوه، أما إذا رددنا حكم الواقعة إلى الأحكام المنصوص عليها كان هذا ردا للواقعة على أحكام الله تعالى، فكان حمل اللفظ على هذا الوجه أولى.

المسألة الخامسة: هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس مطلقا، فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس، ولا يجوز تخصيصهما بسبب القياس ألبتة، سواء كان القياس جليا أو خفيا، سواء كان ذلك النص مخصوصا قبل ذلك أم لا، ويدل عليه أنا بينا أن قوله تعالى: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ أمر بطاعة الكتاب والسنة، وهذا الأمر مطلق، فثبت أن متابعة الكتاب والسنة سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يوجد واجبة، ومما يؤكد ذلك وجوه أخرى: أحدها: أن كلمة ان على قول كثير من الناس للاشتراط، وعلى هذا المذهب كان قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ صريح في أنه لا يجوز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول.

الثاني: أنه تعالى أخر ذكر القياس عن ذكر الأصول الثلاثة، وهذا مشعر بأن العمل به مؤخر عن الأصول الثلاثة.

الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ حيث أخر الاجتهاد عن الكتاب، وعلق جوازه على عدم وجدان الكتاب والسنة بقوله: فإن لم تجد الرابع: أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم حيث قال: ﴿ وَإِذ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ  ﴾ ثم إن إبليس لم يدفع هذا النص بالكلية، بل خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس هو قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ ثم أجمع العقلاء على أنه جعل القياس مقدما على النص وصار بذلك السبب ملعونا، وهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس تقديم للقياس على النص وانه غير جائز.

الخامس: أن القرآن مقطوع في متنه لأنه ثبت بالتواتر، والقياس ليس كذلك، بل هو مظنون من جميع الجهات، والمقطوع راجح على المظنون.

السادس: قوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ الله فأولئك هُمُ الظالمون  ﴾ وإذا وجدنا عموم الكتاب حاصلا في الواقعة ثم انا لا نحكم به بل حكمنا بالقياس لزم الدخول تحت هذا العموم.

السابع: قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ  ﴾ فاذا كان عموم القرآن حاضر، ثم قدمنا القياس المخصص لزم التقديم بين يدي الله ورسوله.

الثامن: قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء الله  ﴾ إلى قوله: ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إلى الظن  ﴾ جعل اتباع الظن من صفات الكفار، ومن الموجبات القوية في مذمتهم، فهذا يقتضي أن لا يجوز العمل بالقياس ألبتة ترك هذا النص لما بينا أنه يدل على جواز العمل بالقياس، لكنه إنما دل على ذلك عند فقدان النصوص، فوجب عند وجدانها أن يبقى على الأصل.

التاسع: أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فلإن وافقه فاقبلوه وإلا ذروه».

ولا شك أن الحديث أقوى من القياس، فاذا كان الحديث الذي لا يوافقه الكتاب مردوداً فالقياس أولى به.

العاشر: أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، والقياس يفرق عقل الإنسان الضعيف، وكل من له عقل سليم عُلِمَ أن الأول أقوى بالمتابعة وأحرى.

المسألة السادسة: هذه الآية دالة على أن ما سوى هذه الأصول الأربعة: أعني الكتاب والسنة والاجماع والقياس مردود باطل، وذلك لأنه تعالى جعل الوقائع قسمين: أحدهما: ما تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالطاعة وهو قوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ والثاني: ما لا تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالاجتهاد وهو قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ فاذا كان لا مزيد على هذين القسمين وقد أمر الله تعالى في كل واحد منهما بتكليف خاص معين دل ذلك على أنه ليس للمكلف أن يتمسك بشيء سوى هذه الأصول الأربعة، وإذا ثبت هذا فنقول: القول بالاستحسان الذي يقول به أبو حنيفة رضي الله عنه، والقول بالاستصلاح الذي يقول به مالك رحمه الله إن كان المراد به أحد هذه الأمور الأربعة فهو تغيير عبارة ولا فائدة فيه، وإن كان مغايراً لهذه الأربعة كان القول به باطلا قطعاً لدلالة هذه الآية على بطلانه كما ذكرنا.

المسألة السابعة: زعم كثير من الفقهاء أن قوله تعالى: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ يدل على أن ظاهر الأمر للوجوب، واعترض المتكلمون عليه فقالوا: قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ فهذا لا يدل على الايجاب إلا إذا ثبت أن الأمر للوجوب.

وهذا يقتضي افتقار الدليل إلى المدلول وهو باطل، وللفقهاء أن يجيبوا عنه من وجهين: الأول: أن الأوامر الواردة في الوقائع المخصوصة دالة على الندبية فقوله: ﴿ أَطِيعُواْ ﴾ لو كان معناه أن الاتيان بالمأمورات مندوب فحينئذ لا يبقى لهذه الآية فائدة.

لأن مجرد الندبية كان معلوما من تلك الأوامر، فوجب حملها على إفادة الوجوب حتى يقال: ان الأوامر دلت على أن فعل تلك المأمورات أولى من تركها، وهذه الآية دلت على المنع من تركها فحينئذ يبقى لهذه الآية فائدة.

والثاني: أنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ وهو وعيد، فكما أن احتمال اختصاصه بقوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله ﴾ قائم، فكذلك احتمال عوده إلى الجملتين أعني قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ وقوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله ﴾ قائم، ولا شك أن الاحتياط فيه، وإذا حكمنا بعود ذلك الوعيد إلى الكل صار قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ موجبا للوجوب، فثبت أن هذه الآية دالة على أن ظاهر الامر للوجوب، ولا شك أنه أصل معتبر في الشرع.

المسألة الثامنة: اعلم أن المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم إما القول وإما الفعل، أما القول فيجب إطاعته لقوله تعالى: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ وأما الفعل فيجب على الأمة الاقتداء به إلا ما خصه الدليل.

وذلك لأنا بينا ان قوله: ﴿ أَطِيعُواْ ﴾ يدل على أن أوامر الله للوجوب ثم انه تعالى قال في آية أخرى في صفة محمد عليه الصلاة والسلام: ﴿ فاتبعوه ﴾ وهذا أمر، فوجب أن يكون للوجوب، فثبت أن متابعته واجبة، والمتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله، فثبت ان قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ يوجب الاقتداء بالرسول في كل أفعاله، وقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ يوجب الاقتداء به في جميع أقواله، ولا شك أنهما أصلان معتبران في الشريعة.

المسألة التاسعة: اعلم أن ظاهر الأمر وإن كان في أصل الوضع لا يفيد التكرار ولا الفور إلا أنه في عرف الشرع يدل عليه، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ يصح منه استثناء أي وقت كان، وحكم الاستثناء اخراج ما لولاه لدخل، فوجب أن يكون قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ متناولا لكل الأوقات، وذلك يقتضي التكرار، والتكرار يقتضي الفور.

الثاني: أنه لو لم يفد ذلك لصارت الآية مجملة، لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكورة، أما لو حملناه على العموم كانت الآية مبينة، وحمل كلام الله على الوجه الذي يكون مبينا أولى من حمله على الوجه الذي به يصير مجملا مجهولا، أقصى ما في الباب أنه يدخله التخصيص، والتخصيص خير من الاجمال.

الثالث: أن قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ أضاف لفظ الطاعة إلى لفظ الله، فهذا يقتضي أن وجوب الطاعة علينا له إنما كان لكوننا عبيدا له ولكونه إلها، فثبت من هذا الوجه أن المنشأ لوجوب الطاعة هو العبودية والربوبية، وذلك يقتضي دوام وجوب الطاعة على جميع المكلفين إلى قيام القيامة وهذا أصل معتبر في الشرع.

المسألة العاشرة: أنه قال: ﴿ أَطِيعُواْ الله ﴾ فأفرده في الذكر، ثم قال: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ وهذا تعليم من الله سبحانه لهذا الأدب، وهو أن لا يجمعوا في الذكر بين اسمه سبحانه وبين اسم غيره، وأما إذا آل الأمر إلى المخلوقين فيجوز ذلك، بدليل انه قال: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ وهذا تعليم لهذا الأدب، ولذلك روي أن واحدا ذكر عند الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: من أطاع الله والرسول فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى، فقال عليه الصلاة والسلام: «بئس الخطيب أنت هلا قلت من عصى الله وعصى رسوله» أو لفظ هذا معناه، وتحقيق القول فيه أن الجمع بين الذكرين في اللفظ يوهم نوع مناسبة ومجانسة، وهو سبحانه متعال عن ذلك.

المسألة الحادية عشرة: قد دللنا على أن قوله: ﴿ وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ يدل على أن الاجماع حجة فنقول: كما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالاجماع، ونحن نذكر بعضها: الفرع الأول: مذهبنا أن الاجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد في كتب أصول الفقه نقول: الآية دالة عليه لأنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع ليس إلا هذا الصنف من العلماء، لأن المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه، وكذلك المفسر والمحدث الذي لا قدرة له على استنباط الأحكام من القرآن والحديث، فدل على ما ذكرناه، فلما دلت الآية على أن اجماع أولي الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أن ينعقد الاجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء.

وأما دلالة الآية على أن العامي غير داخل فيه فظاهر؛ لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر.

الفرع الثاني: اختلفوا في أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف هل هو حجة؟

والأصح أنه حجة، والدليل عليه هذه الآية، وذلك لأنا بينا أن قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ يقتضي وجوب طاعة جملة أهل الحل والعقد من الأمة، وهذا يدخل فيه ما حصل بعد الخلاف وما لم يكن كذلك، فوجب أن يكون الكل حجة.

الفرع الثالث: اختلفوا في أن انقراض أهل العصر هل هو شرط؟

والأصح أنه ليس بشرط، والدليل عليه هذه الآية، وذلك لأنها تدل على وجوب طاعة المجمعين، وذلك يدخل فيه ما إذا انقرض العصر وما إذا لم ينقرض.

الفرع الرابع: دلت الآية على أن العبرة باجماع المؤمنين لأنه تعالى قال في أول الآية: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ثم قال: ﴿ وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ فدل هذا على أن العبرة باجماع المؤمنين، فأما سائر الفرق الذين يشك في إيمانهم فلا عبرة بهم.

المسألة الثانية عشرة: ذكرنا أن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ يدل على صحة العمل بالقياس، فنقول: كما أن هذه الآية دلت على هذا الأصل، فكذلك دلت على مسائل كثيرة من فروع القول بالقياس، ونحن نذكر بعضها: الفرع الأول: قد ذكرنا أن قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله ﴾ معناه فردوه إلى واقعة بين الله حكمها، ولا بد وأن يكون المراد فردوها إلى واقعة تشبهها، إذ لو كان المراد بردها ردها إلى واقعة تخالفها في الصورة والصفة، فحينئذ لم يكن ردها إلى بعض الصور أولى من ردها إلى الباقي، وحينئذ يتعذر الرد، فعلمنا أنه لابد وأن يكون المراد: فردوها إلى واقعة تشبهها في الصورة والصفة.

ثم إن هذا المعنى الذي قلناه يؤكد بالخبر والأثر، أما الخبر فانهم لما سألوه صلى الله عليه وسلم عن قبلة الصائم فقال عليه الصلاة والسلام: «أرأيت لو تمضمضت» يعني المضمضة مقدمة الأكل، كما أن القبلة مقدمة الجماع، فكما أن تلك المضمضة لم تنقض الصوم، فكذا القبلة.

ولما سألته الخثعمية عن الحج فقال عليه الصلاة والسلام: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته هل يجزى؟» فقالت نعم: قال عليه الصلاة والسلام: «فدين الله أحق بالقضاء».

وأما الأثر فما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك، فدل مجموع ما ذكرناه من دلالة هذه الآية ودلالة الخبر ودلالة الأثر على أن قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ ﴾ أمر برد الشيء إلى شبيهه، واذا ثبت هذا فقد جعل الله المشابهة في الصورة والصفة دليلا على أن الحكم في غير محل النص مشابه للحكم في محل النص، وهذا هو الذي يسميه الشافعي رحمه الله قياس الأشباه، ويسميه أكثر الفقهاء قياس الطرد، ودلت هذه الآية على صحته لأنه لما ثبت بالدليل أن المراد من قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ ﴾ هو أنه ردوه إلى شبيهه علمنا أن الأصل المعول عليه في باب القياس محض المشابهة، وهذا بحث فيه طول، ومرادنا بيان كيفية استنباط المسائل من الآيات، فأما الاستقصاء فيها فمذكور في سائر الكتب.

الفرع الثاني: دلت الآية على أن شرط الاستدلال بالقياس في المسألة أن لا يكون فيها نص من الكتاب والسنة لأن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ ﴾ مشعر بهذا الاشتراط.

الفرع الثالث: دلت الآية على أنه اذا لم يوجد في الواقعة نص من الكتاب والسنة والاجماع جاز استعمال القياس فيه كيف كان، وبطل به قول من قال: لا يجوز استعمال القياس في الكفارات والحدود وغيرهما؛ لأن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء ﴾ عام في كل واقعة لا نص فيها.

الفرع الرابع: دلت الآية على أن من أثبت الحكم في صورة بالقياس فلابد وأن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالنص، ولا يجوز أن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالقياس لأن قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ ظاهره مشعر بأنه يجب رده إلى الحكم الذي ثبت بنص الله ونص رسوله.

الفرع الخامس: دلت الآية على أن القياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالقرآن، والقياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالسنة إذا تعارضا كان القياس على القرآن مقدما على القياس على الخبر لأنه تعالى قدم الكتاب على السنة في قوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ وفي قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ وكذلك في خبر معاذ.

الفرع السادس: دلت الآية على أنه إذا تعارض قياسان أحدهما تأيد بايماء في كتاب الله والآخر تأيد بايماء خبر من أخبار رسول الله، فإن الأول مقدم على الثاني، يعني كما ذكرناه في الفرع الخامس، فهذه المسائل الأصولية استنبطناها من هذه الآية في أقل من ساعتين، ولعل الإنسان إذا استعمل الفكر على الاستقصاء أمكنه استنباط أكثر مسائل أصول الفقه من هذه الآية.

المسألة الثالثة عشرة: قوله: ﴿ وَأُوْلِى الأمر ﴾ معناه ذوو الأمر وأولو جمع، وواحده ذو على غير القياس، كالنساء والابل والخيل، كلها أسماء للجمع ولا واحد له في اللفظ.

المسألة الرابعة عشرة: قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ ﴾ قال الزجاج: اختلفتم وقال كل فريق: القول قولي واشتقاق المنازعة من النزع الذي هو الجذب، والمنازعة عبارة عن مجاذبة كل واحد من الخصمين لحجة مصححة لقوله، أو محاولة جذب قوله ونزعه إياه عما يفسده.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا الوعيد يحتمل أن يكون عائدا إلى قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول ﴾ وإلى قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ ، والله أعلم.

المسألة الثانية: ظاهر قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر ﴾ يقتضي أن من لم يطع الله والرسول لا يكون مؤمنا، وهذا يقتضي أن يخرج المذنب عن الايمان لكنه محمول على التهديد.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ أي ذلك الذي أمرتكم به في هذه الآية خير لكم وأحسن عاقبة لكم لأن التأويل عبارة عما اليه مآل الشيء ومرجعه وعاقبته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل، أمر الناس بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم.

والمراد بأولي الأمر منكم: أمراء الحق؛ لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان.

وكان الخلفاء يقولون: أطيعوني ما عدلت فيكم، فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم.

وعن أبي حازم أن مسلمة بن عبد الملك قال له: ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله: ﴿ وَأُوْلِى الامر مِنْكُمْ ﴾ قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ وقيل: هم أمراء السرايا وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد أطاعني ومن يعصِ أميري فقد عصاني» ، وقيل: هم العلماء الدينون الذين يعلمون الناس الدين ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر.

﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء ﴾ فإن اختلفتم أنتم وأولوا الأمر منكم في شيء من أمور الدين، فردّوه إلى الله ورسوله، أي: ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة.

وكيف تلزم طاعة أمراء الجور وقد جنح الله الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أن أمرهم أولاً بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم وأمرهم آخراً بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئاً إلى كتاب ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحق أسمائهم: اللصوص المتغلبة ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الرد إلى الكتاب والسنة ﴿ خَيْراً ﴾ لكم وأصلح ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ وأحسن عاقبة.

وقيل: أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ ﴾ يُرِيدُ بِهِمْ أُمَراءَ المُسْلِمِينَ في عَهْدِ الرَّسُولِ  وبَعْدَهُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِمُ الخُلَفاءُ والقُضاةُ وأُمَراءُ السَّرِيَّةِ.

أمَرَ النّاسَ بِطاعَتِهِمْ بَعْدَ ما أمَرَهم بِالعَدْلِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ وُجُوبَ طاعَتِهِمْ ما دامُوا عَلى الحَقِّ.

وقِيلَ: عُلَماءُ الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ ﴾ ﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ ﴾ أنْتُمْ وأُولُو الأمْرِ مِنكم.

﴿ فِي شَيْءٍ ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وهو يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ إذْ لَيْسَ لِلْمُقَلِّدِ أنْ يُنازِعَ المُجْتَهِدَ في حُكْمِهِ بِخِلافِ المَرْؤُوسِ إلّا أنْ يُقالَ الخِطابُ لِأُولِي الأمْرِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

﴿ فَرُدُّوهُ ﴾ فَراجِعُوا فِيهِ.

﴿ إلى اللَّهِ ﴾ إلى كِتابِهِ.

﴿ والرَّسُولِ ﴾ بِالسُّؤالِ عَنْهُ في زَمانِهِ، والمُراجَعَةِ إلى سُنَّتِهِ بَعْدَهُ.

واسْتَدَلَّ بِهِ مُنْكِرٌ والقِياسُ وقالُوا: إنَّهُ تَعالى أوْجَبَ رَدَّ المُخْتَلِفِ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ دُونَ القِياسِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ رَدَّ المُخْتَلِفِ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِالتَّمْثِيلِ والبِناءِ عَلَيْهِ وهو القِياسُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ الأمْرَ بِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأحْكامَ ثَلاثَةٌ مُثْبَتٌ بِالكِتابِ ومُثْبَتٌ بِالسُّنَّةِ ومُثْبَتٌ بِالرَّدِّ إلَيْهِما عَلى وجْهِ القِياسِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ فَإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ ذَلِكَ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيِ الرَّدُّ.

﴿ خَيْرٌ ﴾ لَكم.

﴿ وَأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ عاقِبَةً أوْ أحْسَنُ تَأْوِيلًا مِن تَأْوِيلِكم بِلا رَدٍّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لما أمر الولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل أمر الناس بأن يطيعوهم بقوله {يا أيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ} أي الولاة أو العلماء لأن أمرهم ينفذ على الأمراء {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَيْءٍ} فإن اختلفتم أنتم واولوا الأمر في شيء من أمور الدين {فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول} أي

ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر} أي إن الإيمان يوجب الطاعة دون العصيان ودلت الآية على أن طاعة الأمراء واجبة إذا وافقوا الحق فإذا خالفوه فلاطاعة لهم لقوله عليه السلام لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق وحكى أن مسلمة ابن عبد الملك بن مروان قال لأبي حازم ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله {وأولي الأمر منكم} فقال أبو حازم أليس قد نزعت الطاعة عنكم إذا خالفتم الحق بقوله {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} إلى القرآن والرسول في حياته وإلى أحاديثه بعد وفاته {ذلك} إشارة إلى الرد أى الردإلى الكتاب والسنة {خَيْرٌ} عاجلاً {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} عاقبة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بَعْدَما أمَرَ سُبْحانَهُ وُلاةَ الأُمُورِ بِالعُمُومِ أوِ الخُصُوصِ بِأداءِ الأمانَةِ والعَدْلِ في الحُكُومَةِ أمَرَ النّاسَ بِإطاعَتِهِمْ في ضِمْنِ إطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وإطاعَةِ رَسُولِهِ  حَيْثُ قالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ أطِيعُوا اللَّهَ ﴾ أيِ: الزَمُوا طاعَتَهُ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ ﴿ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ المَبْعُوثَ لِتَبْلِيغِ أحْكامِهِ إلَيْكم في كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ أيْضًا.

وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ المَعْنى: أطِيعُوا اللَّهَ في الفَرائِضِ وأطِيعُوا الرَّسُولَ في السُّنَنِ، والأوَّلُ أوْلى، وأعادَ الفِعْلَ - وإنْ كانَتْ طاعَةُ الرَّسُولِ مُقْتَرِنَةً بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى - اعْتِناءً بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَطْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ لا يَجِبُ امْتِثالُ ما لَيْسَ في القُرْآنِ، وإيذانًا بِأنَّ لَهُ  اسْتِقْلالًا بِالطّاعَةِ لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ، ومِن ثَمَّ لَمْ يُعَدْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ ﴾ إيذانًا بِأنَّهم لا اسْتِقْلالَ لَهم فِيها اسْتِقْلالَ الرَّسُولِ  واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِمْ فَقِيلَ: أُمَراءُ المُسْلِمِينَ في عَهْدِ الرَّسُولِ  -وبَعْدَهُ، ويَنْدَرِجُ فِيهِمُ الخُلَفاءُ والسَّلاطِينُ والقُضاةُ وغَيْرُهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أُمَراءُ السَّرايا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، ومَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -قالَ: ««بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ في سَرِيَّةٍ وفِيها عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ فَسارُوا قِبَلَ القَوْمِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ، فَلَمّا بَلَغُوا قَرِيبًا مِنهم عَرَّسُوا، وأتاهم ذُو العُيَيْنَتَيْنِ، فَأخْبَرَهُمْ، فَأصْبَحُوا قَدْ هَرَبُوا غَيْرَ رَجُلٍ أمَرَ أهْلَهُ فَجَمَعُوا مَتاعَهُمْ، ثُمَّ أقْبَلُ يَمْشِي في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حَتّى أتى عَسْكَرَ خالِدٍ يَسْألُ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا اليَقْظانِ، إنِّي قَدْ أسْلَمْتُ وشَهِدْتُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وإنَّ قَوْمِي لَمّا سَمِعُوا بِكم هَرَبُوا وإنِّي بَقِيتُ، فَهَلْ إسْلامِي نافِعِي غَدًا وإلّا هَرَبْتُ؟

فَقالَ عَمّارٌ: بَلْ هو يَنْفَعُكَ، فَأقِمْ، فَأقامَ، فَلَمّا أصْبَحُوا أغارَ خالِدٌ فَلَمْ يَجِدْ أحَدًا غَيْرَ الرَّجُلِ، فَأخَذَهُ وأخَذَ مالَهُ، فَبَلَغَ عَمّارًا الخَبَرُ فَأتى خالِدًا فَقالَ: خَلِّ عَنِ الرَّجُلِ؛ فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، وهو في أمانٍ مِنِّي، قالَ خالِدٌ: وفِيمَ أنْتَ تُجِيرُ؟

فاسْتَبّا وارْتَفَعا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ خالِدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتَتْرُكُ هَذا العَبْدَ الأجْدَعَ يَشْتُمُنِي؟!

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «يا خالِدُ، لا تَسُبَّ عَمّارًا؛ فَإنَّ مَن سَبَّ عَمّارًا سَبَّهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن أبْغَضَ عَمّارًا أبْغَضَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَن لَعَنَ عَمّارًا لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى» فَغَضِبَ عَمّارٌ فَقامَ، فَتَبِعَهُ خالِدٌ حَتّى أخَذَ بِثَوْبِهِ فاعْتَذَرَ إلَيْهِ فَرَضِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ».

ووَجْهُ التَّخْصِيصِ عَلى هَذا أنَّ في عَدَمِ إطاعَتِهِمْ ولا سُلْطانَ ولا حاضِرَةَ مَفْسَدَةً عَظِيمَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ أهْلُ العِلْمِ، ورَوى ذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، وجَماعَةٍ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أبُو العالِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ ﴾ فَإنَّ العُلَماءَ هُمُ المُسْتَنْبِطُونَ المُسْتَخْرِجُونَ لِلْأحْكامِ، وحَمَلَهُ ْكَثِيرٌ - ولَيْسَ بِبَعِيدٍ - عَلى ما يَعُمُّ الجَمِيعَ؛ لِتَناوُلِ الِاسْمِ لَهُمْ؛ لِأنَّ لِلْأُمَراءِ تَدْبِيرَ أمْرِ الجَيْشِ والقِتالِ، ولِلْعُلَماءِ حِفْظُ الشَّرِيعَةِ وما يَجُوزُ وما لا يَجُوزُ.

واسْتُشْكِلَ إرادَةُ العُلَماءِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ ﴾ فَإنَّ الخِطابَ فِيهِ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، والشَّيْءُ خاصٌّ بِأمْرِ الدِّينِ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ، والمَعْنى: فَإنْ تَنازَعْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْتُمْ وأُولُو الأمْرِ مِنكم في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ ﴿ فَرُدُّوهُ ﴾ فارْجِعُوا فِيهِ ﴿ إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: إلى كِتابِهِ ﴿ والرَّسُولِ ﴾ أيْ: إلى سُنَّتِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا إنَّما يُلائِمُ حَمْلَ أُولِي الأمْرِ عَلى الأُمَراءِ دُونَ العُلَماءِ؛ لِأنَّ لِلنّاسِ والعامَّةِ مُنازَعَةَ الأُمَراءِ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولَيْسَ لَهم مُنازَعَةُ العُلَماءِ، إذِ المُرادُ بِهِمُ المُجْتَهِدُونَ، والنّاسِ مِمَّنْ سِواهم لا يُنازِعُونَهم في أحْكامِهِمْ.

وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الخِطابَ فِيهِ لِأُولِي الأمْرِ عَلى الِالتِفاتِ؛ لِيَصِحَّ إرادَةُ العُلَماءِ؛ لِأنَّ لِلْمُجْتَهِدِينَ أنْ يُنازِعَ بَعْضُهم بَعْضًا مُجادَلَةً ومُحاجَّةً، فَيَكُونُ المُرادُ: أمَرَهم بِالتَّمَسُّكِ بِما يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ، وقِيلَ: عَلى إرادَةِ الأعَمِّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَكُونَ المُنازَعَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ أُولِي الأمْرِ بِاعْتِبارِ بَعْضِ الأفْرادِ وهُمُ الأُمَراءُ، ثُمَّ إنَّ وُجُوبَ الطّاعَةِ لَهم ما دامُوا عَلى الحَقِّ، فَلا يَجِبُ طاعَتُهم فِيما خالَفَ الشَّرْعَ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لا طاعَةَ لِبَشَرٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى»» وأخْرَجَ هو وأحْمَدُ، والشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنْهُ أيْضًا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: ««بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  - سَرِيَّةً واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَأمَرَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَسْمَعُوا لَهُ ويُطِيعُوا، فَأغْضَبُوهُ في شَيْءٍ فَقالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا لَهُ حَطَبًا، قالَ: أوْقِدُوا نارًا، فَأوْقَدُوا نارًا، قالَ: ألَمْ يَأْمُرْكُمْ  أنْ تَسْمَعُوا لِي وتُطِيعُوا؟

قالُوا: بَلى، قالَ: فادْخُلُوها، فَنَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ وقالُوا: إنَّما فَرَرْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ النّارِ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، وطُفِئَتِ النّارُ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ دَخَلُوها ما خَرَجُوا مِنها، إنَّما الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ»».

وهَلْ يَشْمَلُ المُباحَ أمْ لا؟

فِيهِ خِلافٌ، فَقِيلَ: إنَّهُ لا يَجِبُ طاعَتُهم فِيهِ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُحَرِّمَ ما حَلَّلَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا أنْ يُحَلِّلَ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: تَجِبُ أيْضًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ الحَصْكَفِيُّ وغَيْرُهُ، وقالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي الشّافِعِيَّةِ: يَجِبُ طاعَةُ الإمامِ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ ما لَمْ يَأْمُرْ بِمُحَرَّمٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ما أمَرَّ بِهِ مِمّا لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ عامَّةٌ لا يَجِبُ امْتِثالُهُ إلّا ظاهِرًا فَقَطْ، بِخِلافِ ما فِيهِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَجِبُ باطِنًا أيْضًا، وكَذا يُقالُ في المُباحِ الَّذِي فِيهِ ضَرَرٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، ثُمَّ هَلِ العِبْرَةُ بِالمُباحِ والمَندُوبِ المَأْمُورِ بِهِ بِاعْتِقادِ الآمِرِ؟

فَإذا أمَرَ بِمُباحٍ عِنْدَهُ سُنَّةٍ عِنْدَ المَأْمُورِ يَجِبُ امْتِثالُهُ ظاهِرًا فَقَطْ، أوِ المَأْمُورِ فَيَجِبُ باطِنًا أيْضًا، وبِالعَكْسِ فَيَنْعَكِسُ ذَلِكَ، كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وظاهِرُ إطْلاقِهِمْ في مَسْألَةِ أمْرِ الإمامِ النّاسَ بِالصَّوْمِ لِلِاسْتِسْقاءِ الثّانِي؛ لِأنَّهم لَمْ يَفْصِلُوا بَيْنَ كَوْنِ الصَّوْمِ المَأْمُورِ بِهِ هُناكَ مَندُوبًا عِنْدَ الآمِرِ أوْ لا، وأُيِّدَ بِما قَرَّرُوهُ في بابِ الِاقْتِداءِ مِن أنَّ العِبْرَةَ بِاعْتِقادِ المَأْمُومِ لا الإمامِ، ولَمْ أقِفْ عَلى ما قالَهُ أصْحابُنا في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَلْيُراجَعْ.

هَذا، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن أنْكَرَ القِياسَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الرَّدَّ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ دُونَ القِياسِ، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ القِياسِ، بَلْ هي مُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّ المُرادَ بِإطاعَةِ اللَّهِ العَمَلُ بِالكِتابِ، وبِإطاعَةِ الرَّسُولِ العَمَلُ بِالسُّنَّةِ، وبِالرَّدِّ إلَيْهِما القِياسُ؛ لِأنَّ رَدَّ المُخْتَلَفِ فِيهِ الغَيْرِ المَعْلُومِ مِنَ النَّصِّ إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ إنَّما يَكُونُ بِالتَّمْثِيلِ والبِناءِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ القِياسُ شَيْئًا وراءَ ذَلِكَ، وقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ ﴾ أنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّزاعِ يُعْمَلُ بِما اتُّفِقَ عَلَيْهِ، وهو الإجْماعُ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ الأخِيرِ الوارِدِ في مَحَلِّ النِّزاعِ، إذْ هو المُحْتاجُ إلى التَّحْذِيرِ عَنِ المُخالَفَةِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، والكَلامُ عَلى حَدِّ (إنْ كُنْتَ ابْنِي فَأطِعْنِي) فَإنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى يُوجِبُ امْتِثالَ أمْرِهِ، وكَذا الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ لِما فِيهِ مِنَ العِقابِ عَلى المُخالَفَةِ (ذَلِكَ) أيِ الرَّدُّ المَأْمُورُ بِهِ العَظِيمُ الشَّأْنِ، ولَوْ حُمِلَ كَما قِيلَ عَلى جَمِيعِ ما سَبَقَ عَلى التَّفْرِيعِ لَحَسُنَ.

وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ، أيْ: طاعَةُ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُولِي الأمْرِ، ورَدُّ المُتَنازَعِ فِيهِ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (خَيْرٌ) لَكم وأصْلَحُ (وأحْسَنُ) أيْ: أحْمَدُ في نَفْسِهِ (تَأْوِيلًا) أيْ: عاقِبَةً، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ في المَوْضِعَيْنِ لِلْإيذانِ بِالكَمالِ عَلى خِلافِ المَوْضُوعِ لَهُ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي أنَّ الأغْلَبَ تَعَلُّقُ أنْظارِ النّاسِ بِما يَنْفَعُهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ (خَيْرٌ) لَكم في الدُّنْيا، (وأحْسَنُ) عاقِبَةً في الآخِرَةِ، ووَجْهُ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ أظْهَرُ.

وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ المُرادَ (أحْسَنُ تَأْوِيلًا) مِن تَأْوِيلِكم أنْتُمْ إيّاهُ مِن غَيْرِ رَدٍّ إلى أصْلٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ نَبِيِّهِ  فالتَّأْوِيلُ إمّا بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى المَآلِ والعاقِبَةِ، وإمّا بِمَعْنى بَيانِ المُرادِ مِنَ اللَّفْظِ الغَيْرِ الظّاهِرِ مِنهُ، وكُلاهُما حَقِيقَةٌ، وإنْ غَلَبَ الثّانِي في العُرْفِ، ولِذا يُقابِلُ التَّفْسِيرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وذلك أن مفتاح الكعبة كان في يد بني شيبة، وكانت السقاية في يد بني هاشم، فلما فتح رسول الله  مكة دعا عثمان بن طلحة وقال له: هات المفتاح.

فخشي عثمان أن يعطيه إلى عمه العباس، فجاء بالمفتاح وقال لرسول الله  : خذه بأمانة الله: فدخل رسول الله  البيت، فإذا فيه تمثال إبراهيم  مصور على الحائط، وبيده قداح، وعنده إسماعيل والكبش مصوران، فقال رسول الله  : «قَاتَلَ الله الكُفَّارَ مَا لإبْرَاهِيمَ والقِدَاحِ» فأمر بالصور فمحيت، فقضى حاجته من البيت ثم خرج، فطلب منه العباس بأن يدفع إليه المفتاح، فنزلت هذه الآية إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ثم صارت الآية عامة لجميع الناس برد الأمانات إلى أهلها.

ويقال: نزلت في شأن اليهود، حيث كتموا نعت محمد  ، وكانت أمانة عندهم فمنعوها.

ويقال: هذا أمر لجميع المسلمين بأداء الفرائض وجميع الطاعات، لأنها أمانة عندهم كقوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ- إِلَى قَوْلُهُ- وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ.

ثم قال تعالى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ يقول: بالحق، وقال الضحاك: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أي بين القوم أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ أي بالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ يعني يأمركم بالعدل والنصيحة، والاستقامة، وأداء الأمانة إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بمقالة العباس بَصِيراً بردِّ المفتاح إلى أهله.

قرأ ابن عامر والكسائي وحمزة نِعِمَّا بنصب النون وكسر العين والاختلاف فيه كالاختلاف الذي في سورة البقرة، وذلك قوله تعالى إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ أي في الفرائض وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ أي في السنن.

ويقال: أطيعوا الله فيما فرض، وأطيعوا الرسول فيما بيّن.

ويقال أَطِيعُوا اللَّهَ بقول لا إله إلا الله، وأطيعوا الرسول بقول محمد رسول الله وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.

يعني: أطيعوا أولي الأمر منكم.

قال الكلبي ومقاتل: يعني: أمراء السرايا.

وقال الضحاك: يعني: الفقهاء والعلماء في الدين.

ويقال: الخلفاء والأمراء.

ويجب طاعتهم ما لم يأمروا بالمعصية.

قوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ من الحلال والحرام والشرائع فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ يعني إلى أمر الله فيما يأمر بالوحي، وإلى أمر الرسول فيما يخبر عن الوحي، ثم بعد النبيّ  لما انقطع الوحي يرد إلى كتاب الله تعالى، وإلى سنة رسول عليه الصلاة والسلام.

ويقال: معناه إذا أشكل عليكم شيء، فقولوا: الله ورسوله أعلم.

وهذا كما قال عمر بن الخطاب  : الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

وقال الخليل بن أحمد البصري: الناس أربعة: رجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فهذا أحمق فاجتنبوه.

ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري، فهذا جاهل فعلِّموه.

ورجل يدري ولا يدري أنه يدري، فهذا نائم فأيقظوه.

ورجل يدري وهو يدري أنه يدري، فهذا عالم فاتبعوه.

ثم قال تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعني إن كنتم تصدقون بالله واليوم الآخر ثم قال: ذلِكَ خَيْرٌ أي الرد إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله خير من الاختلاف وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي وأحسن عاقبة.

وروي عن علي بن أبي طالب  أنه قال: حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة إلى أهلها، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه، فإن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمرنا بطاعتهم.

وقال مجاهد: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ العلماء والفقهاء، وهكذا روي عن جابر.

وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ونِعِمَّا: أصله: «نَعْمَ مَا» سُكِّنت الميمُ الأولى، وأدغمتْ في الثانية، وحُرِّكَتِ العينُ لإلتقاء الساكنَيْنِ، وخُصَّتْ بالكَسْر إتباعاً للنُّون، و «ما» المردوفةُ على «نِعْمَ» إنما هي مهيِّئة لاِتصالِ الفعْلِ بها، ومع أنها موطّئة، فهي بمعنى «الذي» .

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ...

الآية: لَمَّا تُقُدِّمَ إلى الولاةِ في الآية المتقدِّمة، تُقُدِّمَ في هذه إلى الرعيَّة، فأَمَرَ بطاعتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعةِ رسولِهِ، وطاعَةِ الأمراءِ على قول الجمهور، وهو قولُ ابْنِ عبَّاس وغيره «١» ، فالأَمْرُ على هذا التأويلِ هو ضدُّ النَّهْيِ ومنْهُ لفظة «الأَمِيرِ» ، وقال جابرٌ وجماعةٌ: «أُولُو الأَمْرِ» : أهل القرآن والعِلْمِ.

قال عطاءٌ: طاعةُ الرَّسُولِ هي اتباع سُنَّته، يعني: بعد موته «٢» ، ولفظ ابْنِ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٣» قال: قوله تعالى: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فيها قولان:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ  في سَرِيَّةٍ، أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ كانَ مَعَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ في سَرِيَّةٍ، فَهَرَبَ القَوْمُ، ودَخْلَ رَجُلٌ مِنهم عَلى عَمّارٍ، فَقالَ: إنِّي قَدْ أسْلَمَتْ، هَلْ يَنْفَعُنِي، أوْ أذْهَبُ كَما ذَهَبَ قَوْمِي؟

قالَ عَمّارٌ: أقِمْ فَأنْتَ آَمِنٌ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ، وأقامَ فَجاءَ خالِدٌ، فَأخَذَ الرَّجُلَ، فَقالَ عَمّارٌ: إنِّي قَدْ أمَّنْتُهُ، وإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، قالَ: أتُجِيرُ عَلَيَّ وأنا الأمِيرُ؟

فَتَنازَعا، وقَدِما عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ طاعَةُ الرَّسُولِ في حَياتِهِ: امْتِثالُ أمْرِهِ، واجْتِنابُ نَهْيِهِ، وبَعْدَ مَماتِهِ: اتِّباعُ سُنَّتِهِ.

وَفِي أُولِي الأمْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الأُمَراءُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُمُ العُلَماءُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وأبِي العالِيَةَ، وعَطاءٍ، والنَّخْعِيِّ، والضَّحّاكِ، ورَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم أصْحابُ النَّبِيِّ  ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهم أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: اخْتَلَفْتُمْ.

وقالَ كُلُّ فَرِيقٍ: القَوْلُ القَوْلِيُّ.

واشْتِقاقُ المُنازَعَةِ: أنْ كُلَّ واحِدٍ يَنْتَزِعُ الحُجَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ ﴾ في كَيْفِيَّةِ هَذا الرَّدِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ رَدَّهُ إلى اللَّهِ رَدُّهُ إلى كِتابِهِ، ورَدَّهُ إلى النَّبِيِّ رَدُّهُ إلى سُنَّتِهِ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا الرَّدُّ يَكُونُ مِن وجْهَيْنِ.

أحَدِهِما: إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ ومَعْناهُ، والثّانِي: الرَّدُّ إلَيْهِما مِن جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، واعْتِبارِهِ مِن طَرِيقِ القِياسِ، والنَّظائِرِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ رَدَّهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، أنْ يَقُولَ: مَن لا يَعْلَمُ الشَّيْءَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، ذَكَرَهُ قَوْمٌ، مِنهُمُ الزَّجّاجُ.

وَفِي المُرادِ بِالتَّأْوِيلِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الجَزاءُ، والثَّوابُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ العاقِبَةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّصْدِيقُ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ  ﴾ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: رَدُّكم إيّاهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ أحْسَنُ مِن تَأْوِيلِكم، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهَ والرَسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ، وابْنُ زَيْدٍ، هَذا خِطابٌ لِوُلاةِ المُسْلِمِينَ خاصَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهُوَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَرائِهِ، ثُمَّ يَتَناوَلُ مَن بَعْدَهم.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: ذَلِكَ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ خاصَّةً في أمْرِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ حِينَ أخَذَهُ مِن عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ العَبْدَرِيِّ، ومِنِ ابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَطَلَبَهُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِتَنْضافَ لَهُ السِدانَةُ إلى السِقايَةِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ الكَعْبَةَ فَكَسَرَ ما كانَ فِيها مِنَ الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقامَ إبْراهِيمَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وخَرَجَ رَسُولُ اللهِ  وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وما كُنْتُ سَمِعْتُها قَبْلُ مِنهُ، فَدَعا عُثْمانَ وشَيْبَةَ فَقالَ لَهُما: « "خُذاها خالِدَةً تالِدَةً لا يَنْزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ"،» وحَكى مَكِّيُّ أنَّ شَيْبَةَ أرادَ ألّا يَدْفَعَ المِفْتاحَ، ثُمَّ دَفَعَهُ وقالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: خُذْهُ بِأمانَةِ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واخْتَلَفَ الرُواةُ في بَعْضِ ألْفاظِ هَذا الخَبَرِ زِيادَةً ونُقْصانًا، إلّا أنَّهُ المَعْنى بِعَيْنِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الآيَةُ في الوُلاةِ بِأنْ يَعِظُوا النِساءَ في النُشُوزِ ونَحْوِهِ، ويَرُدُّوهُنَّ إلى الأزْواجِ، والأظْهَرُ في الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الناسِ، ومَعَ أنَّ سَبَبَها ما ذَكَرْناهُ فَهي تَتَناوَلُ الوُلاةَ فِيما إلَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ في قِسْمَةِ الأمْوالِ، ورَدِّ الظُلاماتِ وعَدْلِ الحُكُوماتِ وغَيْرِهِ، وتَتَناوَلُهم ومَن دُونَهم مِنَ الناسِ في حِفْظِ الوَدائِعِ والتَحَرُّزِ في الشَهاداتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، كالرَجُلِ يَحْكُمُ في نازِلَةٍ ما ونَحْوِهِ، والصَلاةُ والزَكاةُ والصِيامُ وسائِرُ العِباداتِ أماناتٌ لِلَّهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُرَخِّصِ اللهُ لِمُوسِرٍ ولا مُعْسِرٍ أنْ يُمْسِكَ الأمانَةَ.

وَ"نِعِمّا" أصْلُهُ: نِعْمَ ما، سُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتْ في الثانِيَةِ، وحُرِّكَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وخُصَّتْ بِالكَسْرِ إتْباعًا لِلنُّونِ، و"ما" المُرْدَفَةُ عَلى "نِعْمَ" إنَّما هي مُهَيِّئَةٌ لِاتِّصالِ الفِعْلِ بِها، كَما هي في "رُبَّما" و"مِمّا" في قَوْلِهِ: « "وَكانَ رَسُولُ اللهِ  مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ"» وكَقَوْلِ الشاعِرِ: وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ ونَحْوِهِ، وفي هَذا هي بِمَنزِلَةِ "رُبَّما"، وهي لَها مُخالِفَةٌ في المَعْنى، لِأنَّ "رُبَّما" مَعْناها التَقْلِيلُ، و"مِمّا" مَعْناها التَكْثِيرُ، ومَعَ أنَّ "ما" مُوَطِّئَةٌ فَهي بِمَعْنى "الَّذِي" وما وطَّأتْ إلّا وهي اسْمٌ، ولَكِنَّ القَصْدَ إنَّما هو لِما يَلِيها مِنَ المَعْنى الَّذِي في الفِعْلِ.

وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالسَمْعِ والبَصَرِ لِأنَّها في الشاهِدِ مُحَصِّلاتُ ما يَفْعَلُ المَأْمُورُ فِيما أُمِرَ بِهِ.

وقوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ ﴾ ، لَمّا تَقَدَّمَ إلى الوُلاةِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، تَقَدَّمَ في هَذِهِ إلى الرَعِيَّةِ، فَأمَرَ بِطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهِيَ: امْتِثالُ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وطاعَةُ رَسُولِهِ، وطاعَةُ الأُمَراءِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: أُولُو الأمْرِ: أهْلُ القُرْآنِ والعِلْمِ، فالأمْرُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، إشارَةٌ إلى القُرْآنِ والشَرِيعَةِ، أيْ: أُولِي هَذا الأمْرِ وهَذا الشَأْنِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الإشارَةُ هُنا بِأُولِي الأمْرِ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ  خاصَّةً، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّها إشارَةٌ إلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما خاصَّةً، وفي هَذا التَخْصِيصِ بُعْدٌ.

وحَكى بَعْضُ مَن قالَ: "إنَّهُمُ الأُمَراءُ": أنَّها نَزَلَتْ في أُمَراءِ رَسُولِ اللهِ  ، وكانَ السَبَبُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  بَعَثَ سَرِيَّةً فِيها عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأمِيرُها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَقَصَدُوا قَوْمًا مِنَ العَرَبِ، فَأتاهم نَذِيرٌ فَهَرَبُوا تَحْتَ اللَيْلِ، وجاءَ مِنهم رَجُلٌ إلى عَسْكَرِ خالِدٍ، فَدَخَلَ إلى عَمّارٍ فَقالَ: يا أبا اليَقْظانِ، إنَّ قَوْمِي قَدْ فَرُّوا، وإنِّي قَدْ أسْلَمْتُ، فَإنْ كانَ يَنْفَعُنِي إسْلامِي بَقِيتُ، وإلّا فَرَرْتُ، فَقالَ لَهُ عَمّارٌ: هو يَنْفَعُكَ فَأقِمْ، فَلَمّا أصْبَحُوا أغارَ خالِدٌ فَلَمْ يَجِدْ سِوى الرَجُلِ المَذْكُورِ، فَأخَذَهُ وأخَذَ مالَهُ، فَجاءَ عَمّارٌ فَقالَ: خَلِّ عَنِ الرَجُلِ فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، وإنَّهُ في أمانٍ مِنِّي، فَقالَ خالِدٌ: وأنْتَ تُجِيرُ؟

فاسْتَبّا وارْتَفَعا إلى رَسُولِ اللهِ  فَأجازَ أمانَ عَمّارٍ، ونَهاهُ أنْ يُجِيرَ الثانِيَةَ عَلى أمِيرٍ، واسْتَبّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ  ، فَقالَ خالِدٌ: يا رَسُولَ اللهِ، أتَتْرُكُ هَذا العَبْدَ الأجْدَعَ يَسُبُّنِي؟

فَقالَ رَسُولُ اللهِ  "يا خالِدُ، لا تَسُبَّ عَمّارًا، فَإنَّهُ مَن سَبَّ عَمّارًا سَبَّهُ اللهُ، ومَن أبْغَضَ عَمّارًا أبْغَضَهُ اللهُ، ومَن لَعَنَ عَمّارًا لَعَنَهُ اللهُ"، فَغَضِبَ عَمّارٌ فَقامَ فَذَهَبَ، فَتَبِعَهُ خالِدٌ حَتّى اعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَتَراضَيا، فَأنْزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قَوْلَهُ: ﴿ أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ ﴾ »، وطاعَةُ الرَسُولِ هِيَ: اتِّباعُ سُنَّتِهِ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: وأطِيعُوا الرَسُولَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ وسُنَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.

"فَإنْ تَنازَعْتُمْ"، المَعْنى: فَإنْ تَنازَعْتُمْ فِيما بَيْنَكُمْ، أو أنْتُمْ وأُمَراؤُكُمْ، ومَعْنى التَنازُعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَنْتَزِعُ حُجَّةَ الآخَرِ ويُذْهِبُها.

والرَدُّ إلى اللهِ: هو النَظَرُ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والرَدُّ إلى الرَسُولِ: هو سُؤالُهُ في حَياتِهِ، والنَظَرُ في سُنَّتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والأعْمَشِ، وقَتادَةَ، والسُدِّيِّ، وهو الصَحِيحُ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: قُولُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَهَذا هو الرَدُّ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ بَعْضُ وعِيدٍ، لِأنَّ فِيهِ جَزاءَ المُسِيءِ العاتِي، وخاطَبَهم بِـ ﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ ﴾ وهم قَدْ كانُوا آمَنُوا، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، لِيَتَأكَّدَ الإلْزامُ.

و"تَأْوِيلًا" مَعْناهُ: مَآلًا، عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: أحْسَنُ جَزاءً.

قالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى أحْسَنُ عاقِبَةً.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: إنَّ اللهَ ورَسُولَهُ أحْسَنُ نَظَرًا وتَأوُّلًا مِنكم إذا انْفَرَدْتُمْ بِتَأوُّلِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا أمر الله الأمّة بالحكم بالعدل عقّب ذلك بخطابهم بالأمر بطاعة الحكّام ولاة أمورهم؛ لأنّ الطاعة لهم هي مظهر نفوذ العدل الذي يحكم به حكّامهم، فطاعة الرسول تشتمل على احترام العدل المشرّع لهم وعلى تنفيذه، وطاعة ولاة الأمور تنفيذ للعدل، وأشار بهذا التعقيب إلى أنّ الطاعة المأمور بها هي الطاعة في المعروف، ولهذا قال عليّ: «حقّ على الإمام أن يحكم بالعدل ويودّي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحقّ على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا».

أمر الله بطاعة الله ورسوله وذلك بمعنى طاعة الشريعة، فإنّ الله هو منزّل الشريعة ورسوله مبلّغها والحاكم بها في حضرته.

وإنّما أعيد فعل: ﴿ وأطيعوا الرسول ﴾ مع أنّ حرف العطف يغني عن إعادته إظهاراً للاهتمام بتحصيل طاعة الرسول لتكون أعلى مرتبة من طاعة أولي الأمر، ولينبّه على وجوب طاعته فيما يأمر به، ولو كان أمره غير مقترن بقرائن تبليغ الوحي لئلاّ يتوهّم السامع أنّ طاعة الرسول المأمور بها ترجع إلى طاعة الله فيما يبلّغه عن الله دون ما يأمر به في غير التشريع، فإنّ امتثال أمره كلّه خير، ألا ترى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا سعيد بن المعلَّى، وأبو سعيد يصلي، فلم يجبه فلمّا فرغ من صلاته جاءه فقال له: " ما منَعك أن تجيبني " فقال: «كنت أصلّي» فقال: " ألم يقل الله ﴿ يأيّها الذين آمنو استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ﴾ [الأنفال: 24] "؛ ولذلك كانوا إذا لم يعلموا مراد الرسول من أمره ربما سألوه: أهو أمر تشريع أم هو الرأي والنظر، كما قال له الحباب بن المنذر يوم بدر حين نزل جيش المسلمين: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نجتازه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟

قال: بل الرأي والحرب والمكيدة...

الحديث.

ولمّا كلّم بريرة في أن تراجع زوجها مُغيثاً بعد أن عَتَقَتْ، قالت له: أتأمرُ يا رسول الله أم تشفع، قال: بل أشفع، قالت: لا أبقى معه.

ولهذا لم يُعَدْ فعل ﴿ فُردّوه ﴾ في قوله: ﴿ والرسول ﴾ لأنّ ذلك في التحاكم بينهم، والتحاكم لا يكون إلاّ للأخذ بحكم الله في شرعه، ولذلك لا نجد تكريراً لفعل الطاعة في نظائر هذه الآية التي لم يعطف فيها أولو الأمر مثل قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولّوا عنه وأنتم تسمعون ﴾ [الأنفال: 20] وقوله: ﴿ وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ﴾ [الأنفال: 46] ﴿ ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ﴾ [النور: 52]، إذ طاعة الرسول مساوية لطاعة الله لأنّ الرسول هو المبلّغ عن الله فلا يتلقّى أمر الله إلاّ منه، وهو منقّذ أمر الله بنفسه، فطاعته طاعة تلقّ وطاعةُ امتثال، لأنه مبلّغ ومنقّذ، بخلاف أولي الأمر فإنّهم منقّذون لما بلغّه الرسول فطاعتهم طاعة امتثال خاصّة.

ولذلك كانوا إذا أمرهم بعمل في غير أمور التشريع، يسألونه أهذا أمر أم رأي وإشارة فإنّه لمّا قال للذين يأبرون النخل " لو لم تفعلوا لصَلَح " وقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ يعني ذويه وهم أصحاب الأمر والمتولّون له.

والأمر هو الشأن، أي ما يهتمّ به من الأحوال والشؤون، فأولو الأمر من الأمّة ومن القوم هم الذين يسند الناس إليهم تدبير شؤونهم ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصير الأمر كأنّه من خصائصهم، فلذلك يقال لهم: ذَوو الأمر وأولو الأمر، ويقال في ضدّ ذلك: ليس له من الأمر شيء.

ولمّا أمر الله بطاعة أولي الأمر علمنا أنّ أولي الأمر في نظر الشريعة طائفة معيّنة، وهم قدوة الأمّة وأمناؤها، فعلمنا أنّ تلك الصفة تثبت لهم بطرق شرعية إذ أمور الإسلام لا تخرج عن الدائرة الشرعية، وطريق ثبوت هذه الصفة لهم إمّا الولاية المسندة إليهم من الخليفة ونحوه، أو من جماعات المسلمين إذا لم يكن لهم سلطان، وإمّا صفات الكمال التي تجعلهم محلّ اقتداء الأمّة بهم وهي الإسلام والعلم والعدالة.

فأهل العلم العدولُ: من أولي الأمر بذاتهم لأنّ صفة العلم لا تحتاج إلى ولاية، بل هي صفة قائمة بأربابها الذين اشتهروا بين الأمّة بها، لما جرب من علمهم وإتقانهم في الفتوى والتعليم.

قال مالك: «أولو الأمر: أهل القرآن والعلم» يعني أهل العلم بالقرآن والاجتهاد، فأولو الأمر هنا هم من عدا الرسول من الخليفة إلى والي الحسبة، ومن قواد الجيوش ومن فقهاء الصحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخّرة، وأولو الأمر هم الذين يطلق عليهم أيضاً أهل الحلّ والعقد.

وإنّما أمر بذلك بعد الأمر بالعدل وأداء الأمانة لأنّ هذين الأمرين قوام نظام الأمّة وهو تناصح الأمراء والرعية وانبثاث الثقة بينهم.

ولمّا كانت الحوادث لا تخلو من حدوث الخلاف بين الرعيّة، وبينهم وبين ولاة أمورهم، أرشدهم الله إلى طريقة فصل الخلاف بالردّ إلى الله وإلى الرسول.

ومعنى الردّ إلى الله الردّ إلى كتابه، كما دلّ على ذلك قوله في نظيره ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ [المائدة: 104].

ومعنى الردّ إلى الرسول إنهاء الأمور إليه في حياته وحضرته، كما دلّ عليه قوله في نظيره ﴿ إلى الرسول ﴾ [النساء: 83] فأمّا بعد وفاته أو في غيبَتِه، فالردّ إليه الرجوع إلى أقواله وأفعاله، والاحتذاء بسُنّته.

روى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: " لا ألْفِيَنَّ أحدَكم متّكئاً على أريكته يأتيه الأمر ممّا أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه ".

وفي روايته عن العرباض ابن سارية أنْه سمع رسول الله يخطب يقول: " أيحسب أحدكم وهو متّكئ على أريكته وقد يَظنّ أنّ الله لم يحرّم شيئاً إلاّ ما في هذا القرآن ألا وإنّي والله قد أمَرْت ووعظت ونهيت عن أشياء إنّها لمثل القرآن أو أكثر " وأخرجه الترمذي من حديث المقدام.

وعرض الحوادث على مقياس تصرّفاته والصريح من سنّته.

والتنازعُ: شدّة الاختلاف، وهو تفاعل من النزع، أي الأخذ، قال الأعشى: نازعتُهم قُضب الريحان متّكئاً *** وقهوةً مُزة رَاوُوقها خَضِل فأطلق التنازع على الاختلاف الشديد على طريق الاستعارة، لأنّ الاختلاف الشديد يشبه التجاذبَ بين شخصين، وغلب ذلك حتّى ساوى الحقيقة، قال الله تعالى: ﴿ ولا تَنَازَعُوا فَفْشَلوا ﴾ [الأنفال: 46] ﴿ فتنازعوا أمرهم بينهم وأسّروا النجوى ﴾ [طه: 62].

وضمير ﴿ تنازعتم ﴾ راجع للذين آمنوا فيشمل كلّ من يمكن بينهم التنازع، وهم مَن عدا الرسولَ، إذ لا ينازعه المؤمنون، فشمل تنازع العموم بعضهم مع بعض، وشمل تنازع ولاة الأمور بعضهم مع بعض، كتنازع الوزراء مع الأمير أو بعضهم مع بعض، وشمل تنازع الرعية مع ولاة أمورهم، وشمل تنازع العلماء بعضهم مع بعض في شؤون علم الدين.

وإذا نظرنا إلى ما ذكر في سبب النزول نجد المراد ابتداء هو الخلاف بين الأمراء والأمّة، ولذلك نجد المفسّرين قد فسّروه ببعض صور من هذه الصور، فليس مقصدهم قصر الآية على ما فسّروا به، وأحسن عباراتهم في هذا قول الطبري: «يعني فإن اختلفتم أيّها المؤمنون أنتم فيما بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه».

وعن مجاهد: فإن تنازع العلماء ردّوه إلى الله».

ولفظ (شيء) نكرة متوغّلة في الإبهام فهو في حيّز الشرط يفيد العموم، أي في كلّ شيء، فيصدق بالتنازع في الخصومة على الحقوق، ويصدق بالتنازع في اختلاف الآراء عند المشاورة أو عند مباشرة عمل مّا، كتنازع ولاة الأمور في إجراء أحوال الأمّة.

ولقد حسَّن موقع كلمة (شيء) هنا تعميم الحوادث وأنواع الاختلاف، فكان من المواقع الرشيقة في تقسيم عبَد القاهر، وقد تقدّم تحقيق مواقع لفظ شيء عند قوله تعالى: ﴿ ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ﴾ في سورة البقرة (155).

والردّ هنا مجاز في التحاكم إلى الحاكم وفي تحكيم ذي الرأي عند اختلاف الآراء.

وحقيقته إرجاع الشيء إلى صاحبه مثل العارية والمغصوب، ثم أطلق على التخلّي عن الانتصاف بتفويض الحكم إلى الحاكم، وعن عدم تصويب الرأي بتفويض تصويبه إلى الغير، إطلاقاً على طريق الاستعارة، وغلب هذا الإطلاق في الكلام حتّى ساوى الحقيقة.

وعموم لفظ شيء في سياق الشرط يقتضي عموم الأمر بالردّ إلى الله والرسول؛ وعموم أحوال التنازع، تبعاً لعموم الأشياء المتنازع فيها، فمن ذلك الخصومات والدعاوي في الحقوق، وهو المتبادر من الآية بادئ بدء بقرينة قوله عقبه ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت فإنّ هذا كالمقدّمة لذلك فأشبه سبب نزول، ولذلك كان هو المتبادر وهو لاَ يمنع من عموم العامّ، ومن ذلك التنازع في طرق تنفيذ الأوامر العامّة، كما يحصل بين أفراد الجيوش وبين بعض قوادهم.

وقد قيل: إنّ الآية نزلت في نزاع حدَث بين أمير سرية الأنصار عبد الله بن حذافة السهمي كما سيأتي، ومن ذلك الاختلاف بين أهل الحلّ والعقد في شؤون مصالح المسلمين، وما يرومون حمل الناس عليه.

ومن ذلك اختلاف أهل العلم في الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد والنظر في أدلة الشريعة.

فكلّ هذا الاختلاف والتنازععِ مأمور أصحابه بردّ أمره إلى الله والرسول.

وردُّ كلّ نوع من ذلك يتعيّن أن يكون بحيث يُرجى معه زوال الاختلاف، وذلك ببذل الجهد والوسع في الوصول إلى الحقّ الجليّ في تلك الأحوال.

فما روي عن مجاهد وميمون بن مهران في تفسير التنازع بتنازع أهل العلم إنّما هو تنبيه على الفرد الأخفى من أفراد العموم، وليس تخصيصاً للعموم.

وذكر الردّ إلى الله في هذا مقصود منه مراقبة الله تعالى في طلب انجلاء الحقّ في مواقع النزاع، تعظيماً لله تعالى، فإنّ الردّ إلى الرسول يحصل به الردّ إلى الله، إذ الرسول هو المنبئ عن مراد الله تعالى، فذكر اسم الله هنا هو بمنزلة ذكره في قوله: ﴿ فإن لله خمسهُ وللرسول ﴾ [الأنفال: 41] الآية.

ثمّ الردّ إلى الرسول في حياة الرسول وحضوره ظاهر وهو المتبادر من الآية، وأمَّا الردّ إليه في غيبته أو بعد وفاته، فبالتحاكم إلى الحكّام الذين أقامهم الرسول أو أمرَّهم بالتعيين، وإلى الحكّام الذين نصبهم ولاة الأمور للحكم بين الناس بالشريعة ممّن يظنّ به العلم بوجوه الشريعة وتصاريفها، فإنّ تعيين صفات الحكّام وشروطهم وطرق توليتهم، فيما ورد عن الرسول من أدلّة صفات الحكّام، يقوم مقام تعيين أشخاصهم، وبالتأمّل في تصرّفاته وسنّته ثم الصدَر على ما يتبيّن للمتأمّل من حال يظنّها هي مراد الرسول لو سئل عنها في جميع أحوال النزاع في فهم الشريعة واستنباط أحكامها المسكوت عنها من الرسول، أو المجهول قوله فيها.

وقوله: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ تحريض وتحذير معاً، لأنّ الإيمان بالله واليوم الآخر وازعان يزعان عن مخالفة الشرع، والتعريضضِ بمصالح الأمّة للتلاشي، وعن الأخذ بالحظوظ العاجلة مع العلم بأنّها لا ترضي الله وتضُرّ الأمة، فلا جرم أن يكون دأبُ المسلم الصادق الإقدامَ عند اتّضاح المصالح، والتأمّلَ عند التباس الأمر والصدر بعد عرض المشكلات على أصول الشريعة.

ومعنى ﴿ إن كنتم تؤمنون ﴾ مع أنّهم خوطبوا ب ﴿ يأيُّها الذين آمنوا ﴾ : أي إن كنتم تؤمنون حقّاً، وتلازمون واجبات المؤمن، ولذلك قال تعالى: ﴿ ذلك خير ﴾ فجيء باسم الإشارة للتنويه، وهي إشارة إلى الردّ المأخوذ من ﴿ فردّوه ﴾ .

و(خير) اسم لما فيه نفع، وهو ضدّ الشرّ، وهو اسم تفضيل مسلوب المفاضلة، والمراد كون الخير وقوّة الحُسن.

والتأويل: مصدر أوّل الشيء إذا أرجعه، مشتقّ مِن آل يؤول إذا رجع، وهو هنا بمعنى أحسن ردّاً وصرفاً.

أخرج البخاري عن ابن عباس قال: نزل قوله: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ في عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عديّ إذ بعثه النبي في سرية.

وأخرج في «كتاب المغازي» عن علي قال: بعث النبي سرية فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: «أليس أمَرَكم النبي أن تطيعوني» قالوا: «بلى» قال: «فأجمعوا حطباً» فجمعوا، قال: «أوقدوا ناراً»، فأوْقدوها، فقال «ادْخلُوها»، فهمُّوا، وجعل بعضهم يمسك بعضاً، ويقولون: «فررنا إلى النبي من النار»، فا زالوا حتّى خمدت النار فسكن غضبه فبلغ ذلك النبي فقال: " لو دخلوها مَا خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعةُ في المعروف ".

فقول ابن عبّاس: نزلت في عبد الله بن حُدافة، يحتمل أنّه أراد نزلت حين تعيينه أميراً على السرية وأنّ الأمر الذي فيها هو الذي أوجب تردّد أهل السرية في الدخول في النار، ويحتمل أنّها نزلت بعد ما بلغ خبرهم رسول الله، فيكون المقصود منها هو قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء ﴾ الخ، ويكون ابتداؤها بالأمر بالطاعة لَئِلاَّ يظنَّ أنّ ما فعله ذلك الأمير يبطل الأمر بالطاعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي أطِيعُوا اللَّهَ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وأطِيعُوا الرَّسُولَ.

رَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (مَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن عَصانِي فَقَدْ عَصا اللَّهَ، ومَن عَصا أمِيرِي فَقَدْ عَصانِي)» .

وفي طاعَةِ الرَّسُولِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اتِّباعُ سُنَّتِهِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

والثّانِي: وأطِيعُوا الرَّسُولَ إنْ كانَ حَيًّا، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

وَفي أُولِي الأمْرِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هُمُ الأُمَراءُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

وَقَدْ رَوى هِشامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (سَيَلِيكم بَعْدِي وُلاةٌ، فَيَلِيكُمُ البَرُّ بِبِرِّهِ، ويَلِيكُمُ الفاجِرُ بِفُجُورِهِ، فاسْمَعُوا لَهم وأطِيعُوا في كُلِّ ما وافَقَ الحَقَّ، وصَلُّوا وراءَهم، فَإنْ أحْسَنُوا فَلَكم ولَهم، وإنْ أساءُوا فَلَكم وعَلَيْهِمْ)» .

واخْتَلَفَ قائِلُو هَذا القَوْلِ في سَبَبِ نُزُولِها في الأُمَراءِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ إذْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ  في سَرِيَّةٍ.

وَقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ حِينَ بَعَثَهُما رَسُولُ اللَّهِ  في سِرِيَّةٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: هُمُ العُلَماءُ والفُقَهاءُ، وهو قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وعَطاءٍ، وأبِي العالِيَةِ.

والثّالِثُ: هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: هم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

وَطاعَةُ وُلاةِ الأمْرِ تَلْزَمُ في طاعَةِ اللَّهِ دُونَ مَعْصِيَتِهِ، وهي طاعَةٌ يَجُوزُ أنْ تَزُولَ، لِجَوازِ مَعْصِيَتِهِمْ، ولا يَجُوزُ أنْ تَزُولَ طاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ  ، لِامْتِناعِ مَعْصِيَتِهِ.

وَقَدْ رَوى نافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: « (عَلى المَرْءِ المُسْلِمِ الطّاعَةُ فِيما أحَبَّ أوْ كَرِهَ إلّا أنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلا طاعَةَ)» .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ ﴾ قالَ مُجاهِدً، وقَتادَةُ: يَعْنِي إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أحْمَدُ عاقِبَةً، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أظْهَرُ حَقًّا وأبْيَنُ صَوابًا، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أحْسَنُ مِن تَأْوِيلِكُمُ الَّذِي لا يَرْجِعُ إلى أصْلٍ ولا يُفْضِي إلى حَقٍّ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ قال: طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ قال: أولي الفقه والعلم.

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سرية وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريباً منهم عرسوا، وأتاهم ذو العبينتين فأخبرهم فأصبحوا قد هربوا غير رجل، أمر أهله فجمعوا متاعهم ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد، يسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال: يا أبا اليقظان إني قد أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وأني بقيت فهل إسلامي نافعي غدا وإلا هربت؟

فقال عمار: بل هو ينفعك فأقم.

فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحداً غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله فبلغ عماراً الخبر، فأتى خالداً فقال: خل عن الرجل، فإنه قد أسلم وهو في أمان مني.

قال: خالد: وفيم أنت تجير؟

فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير.

فاستبا عند النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال خالد: يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يشتمني؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا خالد لا تسب عماراً فإنه من سب عماراً سبه الله، ومن أبغض عماراً أبغضه الله، ومن لعن عماراً لعنه الله» .

فغضب عمار فقام، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه فرضي.

فأنزل الله الآية، وأخرجه ابن عساكر من طريق السدي عن أبي صالح عن ابن عباس.

وأخرج ابن جرير عن ابن ميمون بن مهران في قوله: ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ قال: أصحاب السرايا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله: ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ قال: هم الأمراء منكم.

وفي لفظ: هم أمراء السرايا.

وأخرج ابن جرير عن مكحول في قوله: ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ قال: هم أهل الآية التي قبلها ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها...

﴾ إلى آخر الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني» .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ قال: قال أبيّ: هم السلاطين قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطاعة الطاعة، وفي الطاعة بلاء» وقال: لو شاء الله لجعل الأمر في الأنبياء - يعني لقد جعل إليهم والأنبياء معهم، ألا ترى حين حكموا في قتل يحيى بن زكريا.

وأخرج البخاري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم حبشي كان رأسه زبيبة» .

وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ يعني أهل الفقه والدين، وأهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معاني دينهم، ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، فأوجب الله طاعتهم على العباد.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن جابر بن عبد الله في قوله: ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ قال: أولي الفقه وأولي الخير.

وأخرج ابن عدي في الكامل عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ قال: أهل العلم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وأولي الأمر ﴾ قال: هم الفقهاء والعلماء.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ قال: أصحاب محمد، أهل العلم والفقه والدين.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ قال: هم أهل العلم، ألا ترى أنه يقول ﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ [ النساء: 83] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ وأولي الأمر ﴾ قال: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الدعاة الرواة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عكرمة في قوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ قال: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي ﴿ وأولي الأمر ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود.

وأخرج سعيد بن منصور عن عكرمة.

أنه سئل عن أمهات الأولاد فقال: هن أحرار.

فقيل له: بأي شيء تقوله؟!

قال: بالقرآن.

قالوا: بماذا من القرآن؟

قال: قول الله: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ وكان عمر من أولي الأمر قال: أعتقت كانت مسقطاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فمن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» .

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره والفاجر بفجره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم ولكم، وإن أساءوا فلكم وعليهم» .

وأخرج أحمد عن أنس «أن معاذاً قال: يا رسول الله أرأيت إن كانت علينا أمراء لا يستنون بسنتك ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمن لم يطع الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن بجزر على بعث أنا فيهم، فلما كنا ببعض الطرق أذن لطائفة من الجيش وأمر عليهم عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي- وكان من أصحاب بدر، وكان به دعابة- فنزلنا ببعض الطريق، وأوقد القوم ناراً ليصنعوا عليها صنيعاً لهم، فقال لهم: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟

قالوا: بلى.

قال: فما أنا آمركم بشيء إلا صنعتموه؟

قالوا: بلى.

قال: أعزم بحقي وطاعتي لما تواثبتم في هذه النار.

فقام ناس فتحجزوا حتى إذا ظن أنهم واثبون قال: احبسوا أنفسكم إنما كنت أضحك معهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدموا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أمركم بمعصية فلا تطيعوه» .

وأخرج ابن الضريس عن الربيع بن أنس قال: مكتوب في الكتاب الأول: من رأى لأحد عليه طاعة في معصية الله فلن يقبل الله عمله ما دام كذلك، ومن رضي أن يعصي الله فلن يقبل الله عمله ما دام كذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا طاعة في معصية الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: كان عمر إذا استعمل رجلاً كتب في عهده: اسمعوا له وأطيعوا ما عدل فيكم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: اسمع وأطع وإن أمر عليك عبد حبشي مجدع.

إن ضرك فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن أراد أمراً ينتقص دينك فقل: دمي دون ديني.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سفيان قال: خطبنا ابن الزبير فقال: إنا قد ابتلينا بما قد ترون، فما أمرناكم بأمر لله فيه طاعة فلنا عليكم فيه السمع والطاعة، وما أمرناكم من أمر ليس لله فيه طاعة فليس لنا عليكم فيه طاعة ولا نعمة عين.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي عن أم الحصين الأحمسية قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب وعليه برد متلفعاً به وهو يقول: «إن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما قادكم بكتاب الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال: حق على المسلمين أن يسمعوا ويطيعوا، ويجيبوا إذا دعوا.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: لا طاعة لبشر في معصية الله.

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لبشر في معصية الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، فأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا.

قال: فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطباً.

فجمعوا له حطباً.

قال: أوقدوا ناراً.

فأوقدوا ناراً.

قال: ألم يأمركم أن تسمعوا له وتطيعوا؟

قالوا: بلى.

قال: فادخلوها...

فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار!

فسكن غضبه وطفئت النار، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف» .

وأخرج الطبراني عن الحسن، أن زياد استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على جيش، فلقيه عمران بن الحصين فقال: هل تدري فيم جئتك؟

أما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه الذي قال له أميره: قم فقع في النار، فقام الرجل ليقع فيها فأدلك فأمسك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو وقع فيها لدخل النار، لا طاعة في معصية الله؟

قال: بلى.

قال: فإنما أردت أن أذكرك هذا الحديث» .

وأخرج البخاري في تاريخه والنسائي والبيهقي في الشعب عن الحارث الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آمركم بخمس أمرني الله بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله.

فمن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع» .

وأخرج البيهقي عن المقدام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أطيعوا أمراءكم، فإن أمروكم بما جئتكم به فإنهم يؤجرون عليه وتؤجرون بطاعتهم، وإن أمروكم بما لم آتكم به فهو عليهم وأنتم برآء من ذلك، إذا لقيتم الله قلتم: ربنا لا ظلم.

فيقول: لا ظلم.

فتقولون: ربنا أرسلت إلينا رسولاً فأطعناه بإذنك، واستخلفت علينا خلفاء فأطعناهم بإذنك، وأمرت علينا أمراء فأطعناهم بإذنك، فيقول: صدقتم هو عليهم، وأنتم منه برآء» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون عليكم أمراء تطمئن إليهم القلوب وتلين لهم الجلود، ثم يكون عليكم أمراء تشمئز منهم القلوب وتقشعر منهم الجلود.

فقال رجل: أنقاتلهم يا رسول الله؟

قال: لا.

ما أقاموا الصلاة» .

وأخرج البيهقي عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها.

قلنا: فما تأمرنا يا رسول الله؟

قال: أدوا الحق الذي عليكم واسألوا الله الذي لكم» .

وأخرج أحمد عن أبي ذر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه، فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وليس بمقبول منه حتى يسد ثلمته التي ثلم، وليس بفاعل، ثم يعود فيكون فيمن يعزه.

أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نغلب على ثلاث: أن نأمر بالمعروف، وننهي عن المنكر، ونعلم الناس السنن» .

وأخرج أحمد عن حذيفة بن اليمان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من فارق الجماعة واستذل الإمارة، لقي الله ولا وجه له عنده» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي عبيدة بن الجراح قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تسبوا السطان فإنهم فيء الله في أرضه» .

وأخرج ابن سعد والبيهقي عن أنس بن مالك قال: أمرنا أكابرنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن لا نسب أمراءنا، ولا نغشهم، ولا نعصيهم، وأن نتقي الله ونصبر، فإن الأمر قريب.

وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب قال: لا يصلح الناس إلا أمير بر أو فاجر.

قالوا: هذا البر فكيف بالفاجر؟!

قال: إن الفاجر يؤمن الله به السبل، ويجاهد به العدو، ويجيء به الفيء، ويقام به الحدود، ويحج به البيت، ويعبد الله فيه المسلم آمنا حتى يأتيه أجله.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء ﴾ قال: فإن تنازع العلماء ﴿ فردوه إلى الله والرسول ﴾ قال: يقول: فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله.

ثم قرأ ﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ﴾ [ النساء: 83] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ميمون بن مهران في الآية قال: الرد إلى الله، الرد إلى كتابه.

والرد إلى رسوله ما دام حياً، فإذا قبض فإلى سنته.

وأخرج ابن جرير عن قتادة والسدي.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك خير وأحسن تأويلاً ﴾ يقول: ذلك أحسن ثواباً وخير عاقبة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ قال: أحسن جزاء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ وأحسن تأويلاً ﴾ قال: عاقبة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم ﴾ .

[النساء: 59].

اختلف الرواية عن ابن عباس في تفسير أولي الأمر، فقال في رواية عطاء: يريد الولاة من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (١) وقال في رواية الوالبي: هم الفقهاء والعلماء، أهل الدين الذين يعلِّمون الناس معالم دينهم أوجب الله طاعتهم (٢) (٣) (٤) (٥) وقال في رواية سعيد بن جبير: نزلت في عبد الله بن حذافة (٦) (٧)  في السرية (٨) وفي رواية باذان عن ابن عباس: أنها نزلت في خالد بن الوليد (٩)  أميرًا على سرية، وفيها عمار بن ياسر (١٠) (١١) وقال الكلبي ومقاتل والسدي: أولو الأمر أمراء السرايا (١٢) وقال ابن زيد: هم الأمراء والسلاطين، أمروا بأداء الأمانة بقوله: بحسن الطاعة لهم (١٣) ولهذا قال يرعى.

حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا (١٤) وقال الزجاج: وجملة أولي الأمر من يقوم بشأن المسلمين في أمر دينهم وجميع ما أدى إلى صلاحهم (١٥) قال العلماء: طاعة السلطان عن الكتاب والسنة فلا طاعة له، وإنما تجب طاعتهم فيما وافق الحق [[هكذا جاءت هذِه العبارة في (ش) ولعل في الكلام سقطا بعد كلمة السلطان، كما هو ظاهر.

والصواب: طاعة السلطان [واجبة بالمعروف، فإن خرج أمره] عن الكتاب والسنة ..

وانظر: نحو هذا الكلام في الطبري 5/ 150، "بحر العلوم" 1/ 363، "النكت والعيون" 1/ 500، "الدر المنثور" 2/ 316 - 317.]].

وروي أن مسلمة بن عبد الملك (١٦) (١٧) ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ ؟

فقال أبو حازم: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ ؟

(١٨) قالوا: والإمام الأعظم الذي تجب طاعته على الرعية يجب أن يكون مستجمعًا لأوصاف أربعة: أحدها: العلم.

والثاني: الأمانة.

والثالث: الكفاية.

والرابع: النسب، وهو أن يكون قرشي النسب (١٩) والإمام في الدين الذي يقتدى به ويجب قبول قوله، على ما قاله مجاهد والحسن والضحاك كان أولي (٢٠)  والعلم بأقاويل السلف، والعلم بالقياس، والورع في الدين.

وأولو الأمر معناه: ذوو الأمر، وواحده (ذو) على غير قياس كالنساء والإبل والخيل، اسم للجمع لا واحد له من لفظه (٢١) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ .

قال الزجاج: أي اختلفتم وتجادلتم، وقال كل فريق: القول قولي.

قال: واشتقاق المنازعة من انتزاع الحجة، وهو أن كل واحد منهما ينتزع الحجة (٢٢) وقال غيره: أصل المنازعة والتنازع في الخصومات من النزع الذي هو الجذب.

والمنازعة في الخصومة مجاذبة الحجج فيما يتنازع فيه الخصمان (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ .

قال ابن عباس في رواية باذان، حيث قال: إن هذه الآية نزلت في خالد بن الوليد وعمار بن ياسر، وقد حكينا ذلك، فقال في هذه الرواية في قوله: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ (وأمراؤكم) (٢٤) (٢٥) وقال المفسرون: معنى الآية قول (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال قتادة: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ إلى كتاب الله ﴿ وَالرَّسُولِ ﴾ إلى سنة الرسول (٣٠) وقال ميمون بن مهران: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ إلى كتابه وإلى ﴿ الرَّسُولِ ﴾ ما دام حيًا، فإذا قُبض فإلى سنته (٣١) وقال ابن مسلم (٣٢) (٣٣) قال علماء الأمة: هذه الآية دليل على أن من لا يعتقد وجوب متابعة السنة والحكم بالأخبار الواردة عن النبي  لا يعتقد الإيمان بالله ورسوله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  ﴾ (٣٤) والمفسرون أجمعوا على أن رد المختلف فيه إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة (٣٥) ولهذا كان علماء السلف يجعلون ما بين النبي  في سنته وما فعله خلفاؤه بعده مما لم ينكروا عليهم كالمنطوق به في القرآن؛ لأن الله أوجب طاعة الرسول كما أوجب طاعته، فمن أخذ بقول الرسول كان كالآخذ بما نص عليه الله تعالى في القرآن، ألا ترى أن ابن مسعود قال: إن الله تعالى لعن في كتابه المرأة التي تصلُ شعرها بشعر غيرها.

فقال بعض من سمع ذلك منه بعد زمان: لقد تدبرت الكتاب فلم أجد لعنها في موضع من الكتاب.

فقال: أما قرأت قوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ  ﴾ الآية، وقد قال رسول الله  : "لعن الله الواصلة والمستوصلة" (٣٦) ومثل هذا ما روي عن عكرمة أنه قال: أمهات الأولاد أحرار بالقرآن.

قيل: أي القرآن؟

قال: أعتقهن عمر بن الخطاب.

ألم تسمع قول الله: ﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ وإن عمر من أولي الأمر، وإن عمر قال: أعتقها ولدها وإن كان سقطًا (٣٧) فجعل ما حكم به عمركما حكم به الكتاب.

وردُّ المختلف فيه إلى الكتاب والسنة إنما يجب إذا كان الاختلاف قائمًا.

فأما إذا وقع عليه إجماع الصحابة، أو إجماعُ يؤثر في رفع الخلاف فذلك حق، ولا نحتاج بعد ذلك إلى نظر في الكتاب والسنة؛ لأن ذلك الإجماع مستند إلى الكتاب والسنة (٣٨) قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ أي قولوا فيما لم تعلموه: الله ورسوله أعلم (٣٩) قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ .

أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة وترككم التجادل خير (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ .

التأويل تفعيل من آل يؤول إذا رجع وعاد.

وقال أبو عبيد: التأويل: المرجع والمصير، مأخوذ من آل يؤول إلى كذا، أي: صار إليه، وأولته صيرته إليه (٤١) وقال ابن المظفر: التأول والتأويل: تفسير الكلام الذي يختلف معانيه، ولا يصح إلا ببيان غير لفظه.

وأنشد: نحنُ ضربناكم على تنزيله ...

فاليوم نضربكم على تأويله (٤٢) وسئل أحمد بن يحيى عن التأويل، فقال: التأويل والتفسير المعنى واحد (٤٣) قال الأزهري: اشتقاق التأويل من ألت الشيء أؤوله: إذا جمعته وأصلحته.

فكأن التأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ واضح لا إشكال فيه.

تقول العرب: أوَّل الله عليك أمرك.

أي: جمعه.

وإذا دعوا عليه قالوا: لا أول الله عليك شملك (٤٤) هذا كلام أهل اللغة في معنى التأويل.

وقول المفسرين غير خارج عن معاني قول أهل اللغة.

قال ابن عباس في قوله: ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ : يريد أصدق تفسيرا (٤٥) وقال قتادة والسدي وابن زيد: وأحمد عاقبة (٤٦) وهذا على قول من يجعل التأويل مشتقًّا من الأَوْل بمعنى الرجوع.

والعاقبة تسمى تأويلًا؛ لأنها مآل، بمنزلة ما تفرقت عنه الأشياء ثم رجعت إليه، يقال: إلى هذا مآل هذا الأمر: أي عاقبته (٤٧) وهذا القول اختيار الزجاج (٤٨) (٤٩) (٥٠) وذكرنا طرفًا من الكلام في معنى التأويل في أول سورة آل عمران.

(١) انظر: "معالم التنزيل" 2/ 241.

وقد أخرج الخطيب البغدادي في كتاب "الفقيه والمتفقه" ص 27 من رواية عطاء عن ابن عباس قال: ﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال: "العلماء حيث كانوا وأين كانوا".

(٢) "تفسير ابن عباس" ص 151، وأخرجه الطبري 5/ 149، لكنه فيهما بلفظ "يعني أهل الفقه في الدين".

(٣) في "تفسيره" 1/ 162، وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 166، والطبري 5/ 149 والخطيب في الفقيه والمتفقه ص (27، 28).

(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 166، والطبري 5/ 149، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" ص 28، وانظر: "زاد المسير" 2/ 17.

(٥) أورده السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 363، وانظر: "زاد المسير" 2/ 117.

(٦) هو أبو حذافة أو أبو حذيفة عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي القرشي السهمي من قدماء المهاجرين ومن المهاجرين، وقد ثبت أمام فتنة ملك الروم لما أسر وصار سببًا في فكاك أسارى المسلمين، توفي  في خلافة عثمان.

انظر: "أسد الغابة" 3/ 211، "الإصابة" 2/ 296، "التقريب" ص 300 رقم (3272).

(٧) بياض في (ش) والتسديد من البخاري 8/ 253، "أسباب النزول" للمؤلف ص163.

(٨) أخرجه البخاري (4584) كتاب "التفسير" سورة النساء، باب: ﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ ومسلم (1834) كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء، والطبري 5/ 148، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 163 - 164.

(٩) هو أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو القرشي المخزومي، سيف الله، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية ومقدما في الحروب، أسلم سنة سبع وشهد الفتح وحنين والفتوحات وطلب الشهادة لكنه توفي  على فراشه سنة 21 هـ انظر: "أسد الغابة" 2/ 109، "الإصابة" 1/ 413.

(١٠) هو أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي حليف بني مخزوم، من السابقين هو وأبوه وأمه إلى الإسلام وكانوا يعذبون فيحثهم النبي  على الصبر، من المهاجرين وشهد المشاهد، وقد قتلته الفئة الباغية كما أخبر النبي  يوم صفين سنة 87 هـ انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص (43)، "سير أعلام النبلاء" 1/ 406، "الإصابة" 2/ 512.

(١١) أخرجه ابن مردويه كما ذكره ابن كثير في "تفسيره" 2/ 326، وانظر: "زاد المسير" 2/ 116.

(١٢) قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 383.

وعن الكلبي انظر: "بحر العلوم" 1/ 363، "زاد المسير" 2/ 116، والقرطبي 5/ 260.

أما عن السدي فقد أخرج الأثر المتقدم عن ابن عباس عنه مرسلًا.

الطبري 5/ 148، وابن أبي حاتم.

انظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 566 - 567، "الدر المنثور" 2/ 314.

(١٣) أخرج ابن جرير الطبري 5/ 148 بسنده عن ابن زيد قال في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال: قال أبي: هم السلاطين.

قال: وقال ابن زيد في قوله: ﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ "قال أبي: قال رسول الله  : الطاعة الطاعة، وفي الطاعة بلاء ...

" الحديث.

هذا ما وجدته عن ابن زيد، وانظر: "زاد المسير" 2/ 116.

(١٤) أخرجه ابن أبي شيبة، انظر: "الدر المنثور" 2/ 317، وذكره في "معالم التنزيل" 2/ 240.

(١٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 67.

(١٦) هو أبو سعيد مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم من أمراء بني أمية وقادتهم وكان شجاعًا من أبطال عصره، وله فتوحات كثيرة، كان أهلًا للخلافة ولم يتمكن منها.

توفي رحمه الله سنة 120هـ انظر: "سير أعلام النبلاء" 5/ 241، "التقريب" ص (531) رقم (6660)، "الأعلام" 7/ 224.

(١٧) لعله سلمة بن دينار الأعرج التَّمار المدني المخزومي القاص الواعظ العابد الزاهد، من علماء التابعين وفضلائهم، وله كلمات مأثورة في الوعظ والحكمة، وهو ثقة أخرج حديثه الجماعة.

مات في خلافة المنصور رحمه الله.

انظر: "تاريخ الثقات" 1/ 420، "سير أعلام النبلاء" 6/ 96، "التقريب" ص (247) رقم (2489).

(١٨) لم أقف عليه.

(١٩) انظر: "الأحكام السلطانية" للماوردي ص 6، "الأحكام السلطانية" للقاضي الفراء الحنبلي ص 20.

(٢٠) هكذا في المخطوط، والصواب "أولو".

(٢١) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 130، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 201، القرطبي 5/ 261.

(٢٢) "معاني الزجاج" 2/ 68، وانظر: "زاد المسير" 2/ 117.

(٢٣) انظر: "معالم التنزيل" 2/ 242، والقرطبي 5/ 261.

(٢٤) كأن هذِه الكلمة في المخطوط: "وأمر لكم"، وما أثبته هو الموافق للوسيط 2/ 601.

(٢٥) تقدم تخريجه.

(٢٦) يبدو أن في الكلام سقطًا، ويحتمل: "معنى الآية على قول مجاهد ...

".

وقد ساق المؤلف أقوالهم بعد ذلك.

(٢٧) هو أبو أيوب ميمون بن مهران الجزري الكوفي الأسدي بالولاء، من ثقات التابعين وكان فقيهًا فاضلًا دينًا، ولد سنة 40 هـ، وولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، ومات رحمه الله سنة 117هـ وقيل بعدها.

انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 117، "سير أعلام النبلاء" 2/ 71، "التقريب" ص 556 رقم، (7049).

(٢٨) انظر في ذلك: الطبري 5/ 151، "النكت والعيون" 1/ 500، "زاد المسير" 2/ 117، وابن كثير 1/ 568، "الدر المنثور" 2/ 315.

(٢٩) لم أقف عليه.

(٣٠) أخرجه الطبري 5/ 151، وانظر: "زاد المسير" 2/ 117.

(٣١) أخرجه الطبري 5/ 151، وابن المنذر، انظر: "الدر المنثور" 2/ 315.

(٣٢) يعني ابن قتيبة.

(٣٣) "غريب القرآن" ص 127.

(٣٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 68، وابن كثير 1/ 568.

(٣٥) انظر: "أحكام القرآن" للشافعي 1/ 29، "تفسير عبد الرزاق" 1/ 167، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص127، والطبري 8/ 150 - 151، "معاني الزجاج" 2/ 68 "بحر العلوم" 1/ 363، "الماوردي" 1/ 500.

(٣٦) أخرجه البخاري (4886) كتاب التفسير سورة الحشر باب: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ ، ومسلم بنحوه (2125) كتاب اللباس - باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، وغيرهما.

(٣٧) أخرجه سعيد بن منصور، انظر: "الدر المنثور" 2/ 316.

(٣٨) انظر: "الرسالة" للإمام الشافعي ص 322، 470، 472.

(٣٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 68، وانظر: القرطبي 5/ 261.

(٤٠) انظر: الطبري 5/ 151، "معاني الزجاج" 2/ 68.

(٤١) من "تهذيب اللغة" 1/ 233.

(٤٢) "العين" 8/ 369، "تهذيب اللغة" 1/ 233، وانظر: "اللسان" 1/ 172 (أول) والبيت من الرجز، وهو لعبد الله بن رواحة  ، وقد قال بعده: ضربا يزيل الهام عن مقيله ...

ويذهل الخليل عن خليله "أساس البلاغة" 1/ 25 (أول).

(٤٣) "تهذيب اللغة" 1/ 232، وانظر: "اللسان" 1/ 172 (أول).

(٤٤) "تهذيب اللغة" 1/ 232 (أول)، وانظر: "اللسان" 1/ 172 (أول)، والقرطبي 5/ 263.

(٤٥) لم أقف عليه.

(٤٦) أخرج ذلك عنهم الطبري 5/ 152، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 500، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 363، والبغوي 2/ 242، وابن كثير 1/ 569، "الدر المنثور" 2/ 318.

(٤٧) انظر: "مقاييس اللغة" 1/ 162، "أساس البلاغة" ص 1/ 25 (أول).

(٤٨) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 68.

(٤٩) انظر: "غريب القرآن" ص 127.

(٥٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 68.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ ﴾ الآية: قيل هي خطاب للولاة وقيل: للنبي صلى الله عليه وسلم، حين أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة ولفظها عام، وكذلك حكمها ﴿ وَأُوْلِي الأمر ﴾ هم: الولاة، وقيل: العلماء نزلت في عبد الله بن حذافة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول ﴾ الرد إلى الله هو النظر في كتابه، والردّ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو سؤاله في حياته والنظر في سنته بعد وفاته ﴿ إِن كُنْتُمْ ﴾ يحتمل أن يكون هذا الشرط راجعاً إلى قوله: فردوه أو إلى قوله أطيعوا، والأول أظهر، لأنه أقرب إليه ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ أي مآلاً وعاقبة وقيل: أحسن نظراً منكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن اقتلوا ﴾ بكسر النون لالتقاء الساكنين: أبو عمرو وعاصم وحمزة وسهل ويعقوب.

الباقون: بالضم نقلاً لحركة همزة الوصل إلى ما قبلها ﴿ أو اخرجوا ﴾ بكسر الواو للساكنين: عاصم وسهل وحمزة.

الباقون: بالضم ﴿ إلاّ قليلاً ﴾ بالنصب: ابن عامر على أصل الاستثناء أو بمعنى إلاّ فعلاً أو أبوا إلاّ قليلاً.

الباقون: بالرفع على البدل وهو أكثر.

الوقوف: ﴿ إلى أهلها ﴾ لا لأن التقدير يأمركم أن تؤدوا وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس.

﴿ بالعدل ﴾ ط ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ تأويلاً ﴾ ه ﴿ أن يكفروا به ﴾ ج ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ صدوداً ﴾ ه ج للآية مع فاء التعقيب ﴿ يحلفون ﴾ قد قيل على أن ما بعده ابتداء القسم والأولى تعليق الباء بيحلفون.

﴿ وتوفيقاً ﴾ ه ﴿ بليغاً ﴾ 5 ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ تسليماً ﴾ 5 ﴿ قليل منهم ﴾ ط ﴿ تثبيتاً ﴾ 5 لا ﴿ عظيماً ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة جواب "لو".

﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ والصالحين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ رفيقاً ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.

التفسير: لما شرح بعض أحوال الكفار عاد إلى ذكر التكاليف.

وأيضاً لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق وقالوا للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات.

وأيضاً قد وعد في الآية السابقة الثواب العظيم على الأعمال الصالحات وكان من أجلها الأمانة فقال: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ روي "أن عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار كان سادن الكعبة، فلما دخل النبي  مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله  المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان.

فطلب منه فأبى فقال: لو علمت أنه رسول الله  لم أمنعه.

فلوى علي بن أبي طالب  يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله  البيت وصلى ركعتين.

فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له مع السقاية السدانة، فأراد النبي  أن يدفعه إلى العباس ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس معك نصيباً فأنزل الله هذه الآية.

فأمر رسول الله  علياً  أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي  فقال له عثمان: يا علي أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال: لقد أنزل الله في شأنك فقرأ عليه هذه الآية.

فقال عثمان: أشهد / أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأسلم.

فجاء جبريل عليه لاسلام وقال: ما دام هذا البيت كان المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وقال: خذوها يا بني طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلاّ ظالم" .

ثم إنّ عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة وهو اليوم في أيديهم.

ثم نزول الآية عند هذه القصة لا يوجب خصوصها بها ولكنها تعم جميع أنواع الأمانات.

فأولها الأمانة مع الرب  في كل ما أمر به ونهى عنه.

قال ابن مسعود: الأمانة في الكل لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.

وعن ابن عمر أنه  خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلاّ بحقها وهذا باب واسع.

فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعمله في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي والفحش والأكاذيب، وكذا القول في سائر الأعضاء.

ثم الأمانة مع سائر الخلق ويدخل فيه رد الودائع وترك التطفيف ونشر عيوب الناس وإفشاء أسرارهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع الرعية والعلماء مع العوام بأن يرشدوهم إلى ما ينفعهم في دنياهم ودينهم ويمنعوهم عن العقائد الباطلة والأخلاق غير الفاضلة، وتشمل أمانة الزوجة للزوج في ماله وفي بضعها، وأمانة الزوج للزوجة في إيفاء حقوقها وحظوظها، وأمانة السيد للمملوك وبالعكس، وأمانة الجار للجار والصاحب للصاحب، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد والأمانة مع نفسه بأن لا يختار لها إلا ما هو أنفع وأصلح في الدين وفي الدنيا، وأن لا يوقعها بسبب اللذات الفانية، في التبعات الدائمة.

وقد عظم الله  أمر الأمانة في مواضع من كتابه ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ } [المؤمنون:8] وقال  : " "ألا لا إيمان لمن لا أمانة له " والأمانة مصدر سمي به المفعول ولذلك جمع.

ثم لما أمر بأداء ما وجب لغيرك عليك أمر باستيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض إذا كنت بصدد الحكم فقال: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ وفي قوله: ﴿ وإذا حكمتم ﴾ تصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم والقضاء.

وقد عدّ العلماء من شروط النيابة العامة: الإسلام والعقل والبلوغ والذكورة والحرية والعدالة والكفاية وأهلية الاجتهاد بأن يعرف ما يتعلق بالأحكام من كتاب الله وسنة رسوله.

ويعرف منهما العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ، ومن السنة المتواتر والآحاد والمسند والمرسل وحال الرواة، ويعرف أقاويل الصحابة ومن بعدهم إجماعاً وخلافاً، وجلي القياس وخفية وصحيحه وفاسده، ويعرف لسان العرب لغة وإعراباً خصوصاً وعموماً إلى غير ذلك مما له مدخل في استنباط الأحكام الشرعية من مداركها ومظانها.

وكفى بما في هذا المنصب من الخطر أنه منصب رسول الله  والخلفاء الراشدين / من بعده، فعلى المتصدي لذلك أن يتأدب بآدابهم ويتخلق بأخلاقهم وإلا فالويل له.

عن النبي  قال: "يجاء بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين قط " وإذا كان حال العادل هكذا فما ظنك بالجائر؟

وعنه "ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة؟

فيجتمعون كلهم حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجمعون ويلقون في النار" ﴿ إن الله نعماً يعظكم به ﴾ المخصوص بالمدح محذوف و "ما" موصولة أو مبهمة موصوفة والتقدير: نعم الذي أو نعم شيئاً يعظكم به ذلك المأمور من أداء الأمانات والحكم بالعدل ﴿ إنّ الله كان سميعاً بصيراً ﴾ يسمع كيف تحكمون ويبصر كيف تؤدون، وفيه أعظم أسباب الوعد للمطيع وأشد أصناف الوعيد للعاصي.

ثم إنه  أمر الرعاة بطاعة الولاة كما أمر الولاة في الآية المتقدمة بالشفقة على الرعاة فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ﴾ الآية.

عن علي بن أبي طالب  : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا.

قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الإرادة.

وقالت الأشاعرة: الطاعة موافقة الأمر.

ولا نزاع أن موافقة الأمر طاعة إنما النزاع في أن المأمور به كإيمان أبي لهب هل يكون مراداً أم لا.

فعند الأشاعرة الأمر قد يوجد بدون الإرادة لئلا يلزم الجمع بين الضدين في تكليف أبي لهب مثلاً بالإيمان.

وعند المعتزلة لا يأمر إلا بما يريد والخلاف بين الفريقين مشهور.

قال في التفسير الكبير: هذه آية مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن أصول الشريعة أربعة: الكتاب والسنة وأشار إليهما بقوله: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ وليس العطف للمغايرة الكلية، ولكن الكتاب يدل على أمر الله، ثم يعلم منه أمر الرسول لا محالة.

والسنة تدل على أمر الرسول ثم يعلم منه أمر الله.

والإجماع والقياس.

وأشير إلى الإجماع بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ لأنه  أمر بطاعتهم على سبيل الجزم.

ووجب أن يكون معصوماً لأن لو احتمل إقدامه على الخطا والخطأ منهي عنه لزم اعتبار اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد وإنه محال.

ثم ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعضها على ما يقوله الشيعة من أن المراد بهم الأئمة المعصومون، أو على ما زعم بعضهم أنهم الخلفاء الراشدون، أو على ما روي عن سعيد بن جبير وابن عباس أنهم أمراء السرايا كعبدالله بن حذافة السهمي أو كخالد بن الوليد إذ بعثه رسول الله  في سرية وكان معه عمار بن ياسر فوقع بينهما خلاف فنزلت الآية.

أو على ما روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك أنهم العلماء الذين يفتون بالأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم لكنه لا سبيل إلى الثاني.

أما ما زعمه الشيعة فلأنا نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة / الإمام المعصوم والاستفادة منه، فلو وجب علينا طاعته على الإطلاق لزم تكليف ما لا يطاق ولو وجب علينا طاعته إذا صرنا عارفين به وبمذهبه صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق على أن طاعة الله وطاعة رسوله مطلقة.

فلو كانت هذه الطاعة مشروطة لزم أن تكون اللفظة الواحدة مطلقة ومشروطة معاً وهو باطل.

وأيضاً الإمام المعصوم عندهم في كل زمان واحد، ولفظ أولي الأمر جمع.

أيضاً إنه قال: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وعلى هذا ينبغي أن يقال: فردوه إلى الأمام.

وأما سائر الأقوال فلا نزاع في وجوه طاعتهم، لكنه إذا علم بالدليل أن طاعتهم حق وصواب.

وذلك الدليل ليس الكتاب والسنة فلا يكون هذا قسماً منفصلاً كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول.

أما إذا حملناه على إجماع أهل الحل والعقد لم يكن هذا داخلاً فيما تقدم إذ الإجماع قد يدل على حكم لا يوجد في الكتاب والسنة.

وأيضاً قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيءٍ ﴾ مشعر بإجماع تقدم يخالف حكمه حكم التنازع.

وأيضاً طاعة الأمراء والخلفاء مشروطة بما إذا كانوا على الحق، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق.

وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب تعين أن يكون ذلك المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء.

فالمراد بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ ما اجتمعت الأمة عليه وهو المدعى.

وأما القياس فذلك قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ إذ ليس المراد من رده إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة والإجماع وإلا كان تكراراً لما تقدم، ولا تفويض علمه إلى الله ورسوله والسكوت عنه لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل الإهمال وتفتقر إلى قطع مادة الشغب ولاخصومة فيها بنفي أو إثبات، ولا الإحالة على البراءة الأصلية فإنها معلومة بحكم العقل، فالرد إليها لا يكون رداً إلى الله والرسول فإذاً المراد ردها إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة لها وهذا معنى القياس، فحاصل الآية الخطاب لجميع المكلفين بطاعة الله، ثم لمن عدا الرسول بطاعة الرسول، ثم لما سوى أهل الحل والعقد بطاعتهم، ثم أمر أهل استنباط الأحكام من مداركها إن وقع اختلاف واشتباه بين الناس في حكم واقعة ما أن يستخرجوا لها وجهاً من نظائرها وأشباهها فما أحسن هذا الترتيب.

ثم في إطلاق الآية دلالة على أن الكتاب والسنة متقدمان على القياس مطلقاً سواء كان القياس جلياً أو خفياً، وأنه لا يجوز معارضة النص ولا تخصيصه بالقياس.

وقد اعتبر هذا الترتيب أيضاً في قصة معاذ واستحسنه رسول الله  ، وكيف لا والقرآن مقطوع في متنه والقياس مظنون والقرآن كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقياس نتيجة عقل الإنسان الذي هو عرضة الخطأ والنسيان.

وقد أجمع العلماء على أن إبليس خصص عموم الخطاب في قوله: ﴿ إذ قلنا / للملائكة اسجدوا  ﴾ بقياس هو قوله: ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ {ص:76] فاستحق اللعن إلى يوم الدين.

والسر فيه أن تخصيص النص بالقياس يقدم القياس على النص وفيه ما فيه.

ثم إن كان الأمر للوجوب فقوله: ﴿ أطيعوا ﴾ يدل على وجوب الطاعة وإن كان للندب، فههنا يدل على الوجوب ظاهراً لأنه ختم الأوامر بقوله: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وهو وعيد والظاهر أنه قيد في جميع الأوامر لا في قوله: ﴿ فردوه ﴾ وحده.

وأيضاً مجرد الندبية وهو أولوية الفعل معلوم من تلك الأوامر فلا بد للآية من فائدة خاصة، فيحمل على المنع من الترك ليحصل من المجموع معنى الوجوب.

ثم هذا الوجوب يكون دائماً إن كان الأمر للدوام والتكرار وكذا إن لم يكن غيره كذلك لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكور.

فلو حملناه على العموم كانت الآية مبينة وإلا كانت مجملة، والمبين أولى من المجمل.

وأيضاً تخصيص اسم الله بالذكر يدل على أن وجوب الطاعة إنما هو لكونه إلهاً والإلهية دائمة فالوجوب دائم.

وإنما كرر لفظ ﴿ أطيعوا ﴾ للفصل بين اسم الله  وبين المخلوقين، ونعلم من إطلاق وجوب طاعة أولي الأمر أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة وأنه لا يشترط انقراض العصر.

ومن إطلاق قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه ﴾ أن القياس يجوز إجراؤه في الحدود والكفارات أيضاً.

والمراد بالتنازع قال الزجاج:هو الاختلاف وقول كل فريق القول قولي كأن كل واحد منهما ينزع الحق إلى جانبه ﴿ ذلك ﴾ الرد أو المأمور به في الآية ﴿ خير وأحسن تأويلاً ﴾ أي عاقبة من آل الشيء إذا رجع.

وقيل: الرد إلى الكتاب والسنة خير مما تأولون أنتم.

ثم إنه  لما أوجب على المكلفين طاعته وطاعة رسوله، وذكر أن المنافقين الذين في قلوبهم مرض لا يطيعون ولا يرضون بحكمه فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.

قال الليث: قولهم زعم فلان معناه لا نعرف أنه صدق أو كذب ومنه زعموا مطية الكذب.

وقال ابن الأعرابي: الزعم قد يستعمل في القول المحقق لكن المراد في الآية الكذب بالاتفاق.

قال أبو مسلم: ظاهرالآية يدل على أن الزاعم كان منافقاً من أهل الكتاب مثل أن يكون يهودياً أظهر الإسلام على سبيل النفاق، لأن قوله  : ﴿ يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق.

أما سبب النزول ففيه وجوه.

والذي عليه أكثر المفسرين ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن رجلاً من المنافقين يسمى بشراً خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي  وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف.

وذلك أن اليهودي كان محقاً وكان النبي  لا يقضي إلا بالحق لجلالة منصبه عن قبول الرشوة، وكان كعب يبطل الحقوق بالرشا، فما زال اليهودي بالمنافق حتى ذهبا إلى رسول الله  فقضى لليهودي.

فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب.

فأقبلا إلى عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك وتعلق بي فجئت معه.

فقال عمر للمنافق: أكذلك؟

قال: نعم.

فقال لهما: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله وهرب اليهودي فنزلت الآية.

وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول الله  : أنت الفاروق" .

وعلى هذا الطاغوت كعب بن الأشرف.

وقال السدي: "كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضيرياً قتل به وأخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا كان بالعكس لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقاً من تمر.

وكانت النضير حلفاء الأوس وكانوا أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج.

فقتل نضيري قرظياً واختصموا في ذلك.

فقال بنو النضير: لا قصاص علينا إنما علينا ستون وسقاً من تمر على ما اصطلحنا عليه.

وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا واحد ولا فضل بيننا.

فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي.

وقال المسلمون: لا بل إلى النبي  فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي برزة ليحكم بينهم فقال: أعظموا اللقمة - يعني الرشوة - فقالوا: لك عشرة أوسق.

فقال: لا بل مائة وسق ديتي فإني أخاف إن نفرت النضيري قتلتني قريضة، وإن نفرت القرظي قتلتني النضير.

فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله هذه الآية.

فدعا النبي  كاهن أسلم إلى الإسلام فأبى وانصرف فقال النبي  لابنيه: أدركا أباكما فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبداً فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم وأمر النبي  منادياً فنادى: ألا إن كاهن أسلم قد أسلم" .

وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.

وقال الحسن: إنّ رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالطاغوت ذلك الرجل.

وقيل: كانوا يتحاكمون إلى الوثن يضربون القداح بحضرته، فما خرج على القداح عملوا به فالطاغوت هو الوثن.

ثم إن الطاغوت أي شيء كان من الأشياء المذكورة فإنه  جعل التحاكم إليه مقابلاً للكفر به، لكن الكفر به إيمان بالله وبرسوله فيكون نصاً في تكفير من لم يرض بقضاء رسول الله  تشككاً أو تمرداً ويؤكده قوله بعد ذلك: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ﴾ الآية.

ومن هنا ذهب كثير من الصحابة إلى الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.

ثم قال: ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ﴾ / فاحتجت المعتزلة به على أن كفر الكافر ليس بخلق الله وإلا لم يتوجه الذم على الشيطان ولم يحصل التعجب والتعجيب فإن لقائل أن يقول: إنما فعلوا لأجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم بل التعجب من هذا التعجب أولى وقد عرفت الجواب مراراً.

قوله: ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الحسن واختاره الواحدي - أنه جملة معترضة وأصل النظم ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ ﴿ ثم جاؤك ﴾ يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود ثم بعد ذلك يجيؤونك ويحلفون كذباً على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق.

ووجه الاعتراض أنه حكى عنهم التحاكم إلى الطاغوت وأنهم يصدون، ثم أتبعها ما يدل على شدة أحوالهم بسبب أعمالهم القبيحة في الدنيا والآخرة.

والثاني أنه متصل بما قبله لا على وجه الاعتراض والمعنى أنه إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا فكيف تكون نفرتهم إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ثم جاؤك كراهاً يحلفون بالله على سبيل الكذب ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة؟

أما المصيبة فقيل: إنها قتل عمر صاحبهم فإنهم جاؤوا وطلبوا بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الصلاح وهو اختيار الزجاج.

وقال الجبائي: هي ما أمر الله رسوله بها من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ويخصهم بمزيد الإذلال، والمعنى ثم جاؤك في وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون ما أردنا بما كان منا من مواساة الكفار إلا إصلاح الحال.

وقال أبو مسلم: إنه  بشر رسوله أن المنافقين سيصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا الأيمان.

ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا.

ومعنى الإحسان والتوفيق ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحساناً بين الخصوم وائتلافاً بينهم فإنهم لا يقدرون عند الرسول أن يرفعوا أصواتهم ويبينوا حججهم، أو ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به، وعلى هذا لا يبقى للحلف مناسبة ظاهرة.

أو ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله إلا أنك لا تحكم إلا بالحق المرّ وغيرك يدورعلى التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى تحصل بينهم الموافقة.

ثم أخبر الله  بما في ضمائرهم من الدغل والنفاق فقال: ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ وذلك أن من أراد المبالغة في شيء قال هذا شيء لا يعلمه إلا الله يعني أنه لكثرته وعظم حاله لا يقدر أحد على معرفته إلا هو.

ثم علّم نبيه كيف يعاملهم فأمره بثلاثة / أشياء: الأول الإعراض عنهم والمراد به أنه لا يقبل منهم ذلك العذر ويستمر على السخط، أو أنه لا يهتك سترهم ولا يظهر لهم أنه عالم بكنه ما في بواطنهم من النفاق لما فيه من حسن العشرة والحذر من آثار الفتنة.

الثاني أن يعظهم فيزجرهم عن النفاق بالتخويف من عذاب الدارين.

الثالث قوله: ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن في الآية تقديماً وتأخيراً.

والمعنى قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوف.

الثاني وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً هو أن الله يعلم ما في قلوبكم فلن يغني عنكم الإخفاء، فطهروا قلوبكم عن دنس النفاق وإلا فسينزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ.

الثالث قل لهم في أنفسهم خالياً بهم مساراً لهم بالنصيحة فإن النصح بين الملأ تقريع وفي السر أنفع وأنجع، قولاً يؤثر فيهم.

وقيل: القول البليغ يتعلق بالوعظ وهو أن يكون كلاماً حسناً وجيز المباني غزير المعاني يدخل الأذن بلا إذن، مشتملاً على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار.

ثم رغب مرة أخرة في طاعة الرسول فقال: ﴿ وما أرسلنا من رسول ﴾ أكثر النحاة على أن "من" صلة تفيد تأكيد النفي والتقدير: وما أرسلنا رسولاً.

وقيل: المفعول محذوف والتقيدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحداً.

قال الجبائي: هذه الآية من أقوى الدلائل على بطلان مذهب المجبرة لكونها صريحة في أن معصية الناس غير مرادة لله  .

والجواب أن إرسال الرسل لأجل الطاعة لا ينافي كون المعصية مرادة لله تعالى، على أن قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ أي بتيسيره وتوفيقه وإعانته يدل على أن الكل بقضائه وقدره، وكذا لو كان المراد بسبب إذن الله في طاعة الرسول.

قيل: في الآية دلالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة فإنه لو دعا إلى شرع من قبله لكان المطاع هو ذلك المتقدم،وفيها دلالة على أن الرسل معصومون عن المعاصي وإلا لم يجب اتباعهم في جميع أقوالهم وأفعالهم ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿ جاؤك ﴾ تائبين عن النفاق متنصلين عما ارتكبوا ﴿ فاستغفروا الله ﴾ من رد قضاء رسوله ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ انتصب شفيعاً لهم إلى الله بعد اعتذارهم إليه من إيذائه برد قضائه ﴿ لوجدوا الله ﴾ لعلموه ﴿ تواباً رحيماً ﴾ ولم يقل: "واستغفرت لهم" لما في الالتفات عن الخطاب إلى ذكر الرسول تنبيه على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان، فالآية على هذا التفسير من تمام ما قبلها.

وقال أبو بكر الأصم: "نزلت في قوم من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق رسول الله  فدخلوا عليه لذلك الغرض فأتاه جبريل فأخبره به فقال  : إن قوماً دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه فليقوموا فليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا.

فقال: ألا يقومون فلم يفعلوا فقال  : قم يا فلان حتى عدّ اثني عشر رجلاً منهم فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت / ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا.

فقال: الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار وكان الله أقرب إلى الإجابة.

اخرجوا عني" .

﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ عن عطاء ومجاهد والشعبي أنها من تمام قصة اليهودي والمنافق.

وعن الزهري عن عروة بن الزبير "أنها نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله  في شراج من الحرة، والشرج مسيل الماء كانا يسقيان بها النخل فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك.

فغضب حاطب.

وقال: إن كان ابن عمتك؟

وذلك أن أم الزبير صفية بنت عبد المطلب.

فتغير وجه رسول الله  ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" يعني الجدار الذي يحيط بالمزرعة وهو أصغر من الجدار "واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك" .

واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي.

والرسول  أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمره به الرسول  من المسامحة لأجله أمره باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق.

وفي قوله: ﴿ فلا وربك ﴾ قولان: أحدهما أن "لا" صلة لتأكيد معنى القسم والتقدير فوربك.

والثاني أنها مفيدة وعلى هذا ففيه وجهان: الأول أنه يفيد نفي أمر سبق والتقدير ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم بقوله: ﴿ وربك لا يؤمنون ﴾ .

الثاني أنها لتوكيد النفي الذي جاء في الجواب، وهذا الوجه لا يتمشى فيما إذا كان الجواب مثبتاً.

ومعنى شجر اختلف واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه، والتشاجر التنازع لاختلاط كلام بعضهم ببعض، والحرج الضيق أو الشك لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿ ويسلموا ﴾ وينقادوا.

يقال: سلم لأمر الله أي سلم نفسه له وجعلها خالصة لحكمه ومن التعليمية من تمسك بالآية في أنه لا يحصل الإيمان إلا بإرشاد النبي  وهدايته والنزول على حكمه وقضائه في كل أمر ديني، ومنع بأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله فلو توقفت معرفة الإله على معرفة النبوة لزم الدور فإذن الحكم غير كلي والتقليد في جميع الأحكام غير مرضي.

واعلم أن الرضا بتحكيم الرسول  قد يكون رضا في الظاهر دون القلب فلهذا قال: ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ﴾ وهو الجزم بأن ما حكم به الرسول الله  هو الحق والصدق، ثم من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقاً وصدقاً فقد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول فعدم الحرج إشارة إلى الانقياد في الباطن والتسليم إشارة إلى الانقياد في الظاهر.

وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عن الخطأ في الفتاوى والأحكام، وعلى أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس وإلاّ كان في النفس حرج.

قالت المعتزلة: لو كانت المعاصي بقضاء الله  لزم التناقض لأن الرضا بقضائه واجب فالرضا بالمعاصي واجب، / لكن الرسول قد نهى عنها فيجب أن يحصل الرضا في تركها ويلزم الرضا بالفعل والترك معاً وهو محال.

وأجيب بأن المراد من قضاء الله التكوين والإيجاد.

فالرضا بقضائه أن يعتقد كون الكل بإيجاده، والمراد من الرضا بقضاء الرسول أن يلتزم ما حكم به ويتلقى بالبشر والقبول فأين ذاك من هذا.

قوله: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم ﴾ "روي أن حاطباً لما أحفظ رسول الله  فاستوعب للزبير حقه في صريح الحكم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟

فقال حاطب: قضى لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله  ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا.

فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها، وكذا قال ابن مسعود وعمار بن ياسر.

فقال رسول الله  : والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" .

وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك ونزلت الآية.

فالضمير في قوله: ﴿ عليهم ﴾ يعود إلى الناس والمراد بالقليل المؤمنون منهم.

عن ابن عباس ومجاهد أنه يعود إلى المنافقين والمراد أنا لو كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلاّ قليل منهم رياء وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإن لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ من الانقياد والطاعة لله ولرسوله.

وسمى التكليف وعظاً لاقترانه بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب ﴿ لكان خيراً لهم ﴾ أي أنفع وأفضل من غيره أو خير الدنيا والآخرة لأن ﴿ خيراً ﴾ يستعمل بالوجهين جميعاً.

﴿ وأشد تثبيتاً ﴾ أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق والحق ثابت والباطل زائل.

وأيضاً الإنسان يطلب الخير أولاً فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه.

ثم بين أن ما يوعظون به كما هو خير في نفسه فهو أيضاً مستعقب للخير فقال: ﴿ وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ﴾ وثواباً جزيلاً.

"وإذاً" جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما يكون لهم بعد الخير والتثبيت؟

فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيماً.

وفي إيراد صيغة التعظيم في ﴿ آتينا ﴾ و ﴿ لدنا ﴾ وفي قوله: ﴿ من لدنا ﴾ وفي وصف الأجر بالعظم وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى.

والصراط المستقيم الدين الحق أو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة وهذا أولى لأنه مذكور بعد استحقاق الأجر.

ثم أكد أمر / الطاعة بقوله: ﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ ولا شك أن الآية عامة في جميع المكلفين إلاّ أن المفسرين ذكروا في سبب نزولها وجوهاً.

قال الكلبي: "نزلت في ثوبان مولى رسول الله  وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن.

فقال له: يا ثوبان ما غيّر لونك؟

فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حريّ أن لا أراك أبداً" .

وقال مقاتل: "نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي  : إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة فأنزل الله هذه الآية.

فلما توفي النبي  أتى الأنصاري ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي  فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده فعمي مكانه" .

وقال السدي: "إن ناساً من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع" فنزلت.

وليس المراد من كون المطيعين مع المذكورين في الاية أن كلهم في درجة واحدة فإن ذلك يقتضي التسوية بين الفاضل والمفضول وإنه محال، ولكن المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، أو إذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا على ذلك.

والتحقيق فيه أن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع بل ينعكس بعضها على بعض ويتقوى بعضها ببعض كالمرايا المجلوة المتقابلة.

﴿ إخواناً على سرر متقابلين  ﴾ .

ثم إنه  ذكر أصنافاً أربعة: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولا شك في تغايرها متداخلة كانت أو متباينة.

والمراد بالتداخل أن لا يمتنع كون كل مقام متقدم موصوفاً بما يتلوه كأن يكون النبي  صديقاً وشهيداً وصالحاً، أو الصديق شهيداً وصالحاً، وقد مر تفسير النبي  في أوائل البقرة، وأما الصديق فمبالغة الصادق وهو من غلب على أقواله الصدق وإنه لخصلة مرضية في جميع الأديان ومحققة للنطق الذي هو من مقومات الإنسان، وكفى به منقبة أن الإيمان ليس إلا التصديق، وكفى بنقيضه مذمة أن الكفر ليس سوى التكذيب.

وذكر المفسرون أكثرهم أن الصديقين في الآية كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك لقوله  : ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون  ﴾ وقال قوم: هم أفاضل أصحاب النبي  وخصصه بعضهم بمن سبق إلى تصديق الرسول فصار في ذلك قدوة الناس كأبي بكر وعلي وأمثالهما، ولا واسطة بين الصديق والنبي ولذلك قال في هذه الآية: ﴿ مع النبيين / والصديقين ﴾ وفي صفة إبراهيم ﴿ إنه كان صديقاً نبياً  ﴾ يعني أنك إن ترقيت من الصديقين وصلت إلى النبوة وإن نزلت من النبوة وصلت إليهم.

وأما الشهداء فالمراد ههنا أعم من المقتولين بسيف الكفار من المسلمين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : "ما تعدون الشهيد فيكم؟

قالوا: يا رسول من قتل في سبيل الله.

قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل.

من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات بالبطن فهو شهيد" .

وفي رواية "ومن مات بجمع فهو شهيد" وقيل: هو الذي يشهد لصحة دين الله تارة بالحجة واليان وأخرى بالسيف والسنان.

وأقول: لا يبعد أيضاً أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله  : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ .

وأما الصالحون فالصالح هو الذي صلح في اعتقاده وفي عمله وهذه مرتبة لا ينبغي أن تنحط عنها مرتبة المؤمن.

ثم قال في معرض التعجب ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ كأنه قيل: وما أحسن أولئك.

والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه وانتصابه على الحال، ويجوز أن يكون مفرداً بيّن به الجنس في باب التمييز.

وقيل: معناه حسن كل واحد منهم رفيقاً كما قال ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ والرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل فسمي الصاحب رفيقاً لارتفاقك به وتصحيبه، ومن الرفقة في السفر لارتفاق بعضهم ببعض.

وقد يكون الإنسان مع غيره ولا يكون رفيقاً له فبيّن الله  أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون كالرفقاء للمطيع من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته.

﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل ﴾ صفته و ﴿ من الله ﴾ خبره، أو ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل من الله ﴾ خبره.

قالت المعتزلة: ذلك إشارة إلى الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الأنبياء وهذا شيء تفضل الله به عليهم تبعاً لثوابهم الواجب على الله.

أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه ولولا أنه أعطى العقل والقدرة وأزاح الأحذار والموانع لم يتمكن المكلف من فعل الطاعة فصار ذلك بمنزلة من وهب غيره ثوباً لينتفع به فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب.

وقال أهل السنة: ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم ولا يجب على الله شيء ألبتة بل الثواب كله فضل من الله، وكيف يجب عليه شيء وإنه هو الذي خلق القدرة والداعية؟

وأيضاً الوجوب عبارة عن استحقاق الذم عند الترك وأنه ينافي الإلهية.

وأيضاً كل ما فرض من الطاعات فإنه في مقابلة النعم السالفة التي لا تعدّ ولا تحصى فيمتنع كونها موجبة الثواب في المستقبل.

معنى الآية أن ذلك الثواب بكمال درجته كأنه هو الفضل وما عداه غير معتمد / عليه وذلك الثواب المذكور هو من الله لا من غيره.

﴿ وكفى بالله عليماً ﴾ بالطاعة وكيفية الثواب عليها، وفيه ترغيب للمكلف على إكمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.

التأويل: الوجود المجازي أمانة من الله  كما أنّ وجود الظل أمانة من الشمس فلا جرم إذا تجلت شمس الربوبية لظلال وجود النفس والقلب والروح يقول بلسان العزة: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى اهلها ﴾ فتلاشت الظلال واضمحلّت الأغيار وانمحت الآثار وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال  ﴾ .

﴿ وإذا حكمتم ﴾ بعد فناء الوجود المجازي وبقاء الوجود الحقيقي بين الروح والقلب والنفس أن تحكموا بآداب الطريقة فيراقب القلب شواهد اللقاء ويلازم الروح عقبة الفناء والسر وارد سلطان البقاء ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الخطاب مع القلب والروح والسر فإنهم آمنوا على الحقيقة، وطاعة القلب لله أن يحب الله وحده، وطاعة الروح أن لا يلتفت إلى غيره، وطاعة السر أن لا يرى غيره في الوجود.

أما الرسول فهو الرسول الوارد من الحق في الباطن كما قال  لوابصة بن معبد : "استفت قلبك يا وابصة ولو أفتاك المفتون" .

﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ يعني مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم.

﴿ فإن تنازعتم في شيء ﴾ يعني منازعة النفس القلب والروح والسر فردوه إلى الكتاب والسنة أو يريد منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنّة نزاعاً من قصور الفهم والدراية ﴿ فردوه إلى الله ﴾ لمراقبة القلوب بشواهد الغيوب ﴿ وإلى رسول ﴾ وارد الحق بصدق النية وصفاء الطوية ذلك الإيمان الإيقاني بشهود النور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق.

ثم يخبر عن حال أهل القال المتحاكمين إلى طاغوت الهوى والخبال من أهل البدع والضلال بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.

أصابتهم مصيبة ملامة من الخلق أو سياسة من السلطان.

﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ فيه أن الإيمان الحقيقي ليس بمجرد التصديق والإقرار ولكنه سيضرب على محك الاعتبار وهو تحكيم الشرع لا الطبع والنبوة لا البنوة والمولى لا الهوى ووارد الحق لا موارد الخلق فيما اختلفت آراؤهم وتحيّرت عقولهم ﴿ ثم لا يجدوا ﴾ ﴿ في ﴾ مرآة ﴿ أنفسهم ﴾ صورة كراهة من القضاء الأزلي والأحكام الإلهية.

والصديقين الذين لهم قدم صدق عند ربهم، والشهداء أهل الجهاد الأكبر، والصالحين الذين لهم صلوح الولاية ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ في سلوك طريق الحق والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ .

فإن قيل: كيف خص الله -  - المؤمنين بالخطاب بالطاعة له وطاعة الرسول والأمر بها يعم المؤمن والكافر جميعاً؟.

قيل: [فيه بوجوه] ثلاثة: أحدها: أن من عادة الملوك أنهم إذا خاطبوا بشيء إنما يخاطبون أهل الشرف والمجد، ومن كان أسمع لخطابهم، وأعظم لقولهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي  ﴾ ، وقال -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا  ﴾ يخاطبون [أبداً] أهل الشرف والمجد، ومن هو أقبل لقولهم، وأطوع لأمرهم؛ فعلى ذلك خاطب الله -  - المؤمنين وأمرهم أن يطيعوه ويطيعوا رسوله، وإن كان الخطاب بذلك يعمهم.

والثاني: يحتمل أن يكون الخطاب بذلك للمؤمنين خاصّة؛ لأن الكافر إنما يخاطب باعتقاد الطاعة له أولا، فإن أجاب إلى ذلك فعند ذلك يخاطب بغيره، والمؤمن قد اعتقد طاعة ربه، وطاعة رسوله  ؛ لذلك خرج الخطاب منه للمؤمنين خاصة، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون تخصيص الخطاب للمؤمنين؛ لما أمر بطاعة أولي الأمر؛ ليعلم أنه إنما أمر بطاعة أولي الأمر إذا كانوا مؤمنين، والله أعلم.

ثم فيه دلالة جواز الطاعة لغير الله؛ لأن كل من عمل بأمر آخر فقد أطاعه، هو الائتمار للآمر.

وأما العبادة فهي إخلاص الشيء بكليته لله - عز وجل - حقيقة؛ إذ الأشياء كلها لله بكليتها حقيقة، ليست لأحد سواه؛ لذلك لم يجز أن يعبد غير الله -  - وقد يجوز أن يطاع غيره؛ لما ذكرنا أن الطاعة هي الائتمار بالأمر، وليس العبادة؛ لذلك افترقا.

ثم طاعة الرسول  تكون طاعة لله؛ لأنه بأمره يطاع، وفي طاعتهم له طاعته.

ثم قيل: قوله -  -: ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ ﴾ في فرائضه، و[رسول الله]  في سنته.

وقيل: ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ ﴾ فيما أمركم ونهاكم في كتابه، ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ﴾  فيما أمركم ونهاكم في سنته.

ثم اختلف في أولي الأمر: قيل هم الأمراء على السرايا.

وقيل: هم العلماء والفقهاء.

وقيل: هم أهل الخير.

ويحتمل: أولي الأمر: الذين يُوَلَّوْنَ السرايا.

فكيفما ما كان ومن كان، ففيه الدلالة ألا يولي إلا من له العلم والبصر في ذلك، أمراء السرايا كانوا أو غيرهم؛ لأنه - عز وجل - أمر بطاعتهم، ولا يؤمر بطاعة أحد إلا بعلم وبصر يكون له في ذلك.

والآية التي تقدمت، وهو قوله -  -: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ ﴾ يدل على أن أولي الأمر الأمراء؛ لأنه -  - أمر الحكام في الآية الأولى بالعدل، وأمر الرعية بالسمع لهم والطاعة فيما يحكمون ويأمرون، والله أعلم.

ألا ترى أنه روي في الخبر عن رسول الله  قال: "يَأَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ حَبَشِيٌّ مُجَدَّعٌ فَاسْمَعُوا لَهُ، وَأَطِيعُوا مَا أَقَامَ فِيكُمْ كِتَابَ اللهِ" [و] عن ابن عمر -  - عن رسول الله  : "عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيةٍ، فَمَنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلاَ سَمْعَ عَلَيْهِ وَلاَ طَاعَةَ" وبعد: هذه الآية [و] التي تليها تدل على أن أولي الأمر هم الفقهاء، وهو قوله -  -: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ ، والتنازع يكون بين العلماء؛ فكأنه - والله أعلم - أمر في آية أولي الأمر بطاعتهم، وأمر أولي الفقه برد ما يختلفون فيه إلى كتاب الله -  - وسنة رسوله  .

والآية تحتمل المعنيين - والله أعلم -: أن [على] العامة طاعة أمرائهم في أحكامهم، وعليهم اتباع علمائهم في فتواهم؛ يبين ذلك قول الله -  -: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ...

﴾ الآية [التوبة: 122]، فلو لم يجب على قومهم قبول قول علمائهم ما وجب عليهم إنذار قومهم.

وفي هذه الآية دليل على إبطال قول الرافضة في الإمامة؛ لأن الله -  - قال: ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ فليس يخلو أولو الأمر من أحد ثلاثة أوجه: إما أن يكون الأمراء، أو الفقهاء، أو الإمام الذي تدعيه الرافضة، فإن كان المعنى في أولي الأمر: الفقهاء أو الأمراء، ففيه إبطال قول الرافضة: إنه الإمام الذي يصفونه، ومحال أن يكون ذلك هو الإمام الذي يذكرونه؛ لأنه قال [الله] - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ ، وذلك الإمام عندهم طاعته مفترضة، وهم بين أظهر المتنازعين عندهم، ومخالفته كفر في مذهبهم، فلو كان ذلك كذلك، لقال - والله أعلم -: "فردوه إلى الإمام؛ فإن من خالفه فقد كفر"، ولكنه - عز وجل - أمر برد المتنازع إلى كتاب الله -  - وسنة رسوله  ؛ فدل على أن قول أحد لا يقوم في الحجة مقام قول الرسول  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ قيل: ﴿ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، أي: إلى كتاب الله، أو إلى رسوله  إذا كان حيّاً، فلما مات، فإلى سنته.

واستدل قوم بهذه الآية على إبطال الاجتهاد، وترك القول إلا بما يوجد في كتاب الله -  - أو في [سنة رسول الله  ] نصّاً، ويقولون: فَنَكِلُ أمره إلى الله -  وتعالى - ورسوله - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - وليس ذلك عندنا.

والآية تحتمل وجهين: أحدهما: أن يحمل تأويلها على أن التنازع إذا كان في عهد رسول الله  ، وجب أن يرد إليه - عليه الصلاة والسلام - ويُسأل عن ذلك، ولا يُستعمل في الحادثة الاجتهاد ولا النظر.

فأمّا ما كان من التنازع بعد وفاة رسول الله  : فإن حكم الحادثة يطلب في كتاب الله، أو في سنة [رسول الله]  أو في إجماع المسلمين، فإن وجد الحكم في أحدهم بينا وإلا قيل بالاجتهاد.

والوجه الثاني: أن يكون المجتهد إذا ما اجتهد فيه إلى كتاب الله -  - وسنة رسوله  فيقول: وجدت في الكتاب أو في السنة كذا وكذا، وهذه الحادثة تشبه هذا الحكم، فحكمها حكمه، ويكون رادّاً لحكم الحادثة إلى كتاب الله -  - وسنة رسوله  أو شبهها بما وجده من الحكم فيهما.

وإذا كان ما وصفنا من تأويل الآية محتملاً؛ فلا حجة لهم علينا في ذلك، والله المستعان.

وفي الآية دلالة جعل الإجماع حجة، وهو قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ...

﴾ \[الآية\]، أنه إنما أمر بالرد إلى الله والرسول  عند التنازع؛ لم يأمر عند الإجماع؛ دل أنه إذا كان ثَمَّ إجماع لا تنازع فيه، لم يجب الرد إلى ما أودع في الكتاب وفي السنة.

وفي الآية دلالة أنه يدرك بالطلب المودع فيه؛ لأنه لو لم يدرك، أو ليس ذلك فيه، لم يكن للرد إلى ذلك معنى؛ ألا ترى أنه قال [الله -  و]  -: ﴿ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ  ﴾ فإنما يستنبط ما فيه؛ فدل [أن حكم الحوادث] مذكور في هذين: في الكتاب، والسنة؛ إذ لو لم يكن الفرج عند النظر والطلب، لكان لا يفيد الأمر بالرد إليهما معنى.

ثم لا توجد نصوص في كل ما يتلى، ثبت أنه مطلوب، وهو يدل على لزوم البحث في استخراج المودع من المنصوص، والله أعلم.

وفي قوله - أيضاً -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ...

﴾ الآية - تخصيص المؤمنين على اشتراك الجميع في اللزوم؛ يخرج على أوجه: أحدها: على مخاطبة الأشراف والنجباء، وعلى ذلك أمر الملوك في الأمور، يريدون اشتراك الرعية وأهل المملكة في ذلك؛ كقوله -  -: ﴿ قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ  ﴾ ، وقال سليمان -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ  ﴾ ، وقال فرعون للملأ [: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ...

 ﴾ ] ونحو ذلك، فمثله الذي نحن فيه، والله أعلم.

والثاني: أنهم مما قد عرفوا الأمور والمناهي؛ فقيل لهم: ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ ﴾ وما ذكر، واعلموا أنهم فيمن أمروا به ونهوا عنه، ولم يكن من الكفرة علم بالذي يوجهون الأمر إليهم؛ فلذلك خص من ذكر، والله أعلم.

والثالث: أن الكفرة قد أنكرت المعبود والرسول، فجرى الخطاب فيمن ثبتت لهم المعرفة بذلك، مع ما يحتمل: أن يكون هذا الخطاب في الشرائع، وهي غير لازمة للكفرة؛ فلذلك كان على ما ذكرت.

والرابع: ما أدخل في الخطاب أولي الأمر منا، ولا يلزمهم طاعتهم؛ لذلك خص المؤمنين، وكأن المقصود بالآية بيان طاعة أولي الأمر منا، وإلا كانت طاعة الله -  - وطاعة الرسول  بما كان إيمانهم قد ثبت، ولكن جمعت طاعة من ذكر؛ ليعلم أن قد يكون بطاعة أولي الأمر طاعة الله، والله الموفق.

ومما يبين الذي ذكرت أن كل من عرف الإله، عرف أن عليه طاعته بما عرف اسمه الذي سمت العرب كل معبود: إلهاً، فمن عرف منهم الإله عرف أنه معبود، ثم من عرف ما له عنده من الأيادي، وعليه من النعم على أن عليه شكره وطاعته به.

ثم من عرف الرسول  ، عرف أن طاعته هي طاعة الله؛ لأنه إليه يدعو، وعن أمره ونهيه يأمر وينهي؛ إذ هو رسول الله  منه إلى الخلق، وليس من عرف الله وعرف الرسول  يعرف أن عليه طاعة أولي الأمر بما لم يروا عن رسول الله  ؛ فبين الله -  - ذلك في هذه الآية؛ ليعلموا أن طاعتهم هي طاعة الله وطاعة [رسول الله]  ؛ وذلك هو الدليل على جعل الإجماع حجة، وأن متبعهم هو مطيع لله -  - إذ صير الله -  - طاعتهم طاعته، وهم في ذلك الإجماع.

وعلى ما ذكرت من شأن الرسول  يخرج قوله -  -: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ...

 ﴾ وقوله -  -: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ الآية [النساء: 65] صير الواجد حرجاً مما قضى واجداً حرجاً من قضاء الله -  - في نفس حكم الإيمان؛ وعلى ذلك قوله -  -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: ليكون عليهم طاعته بأمر الله -  - إذ هي طاعة الله أولا؛ لتكون طاعته طاعة الله بإذنه وبأمره، والله الموفق.

ثم اختلف في أولي الأمر، ومعلوم أنهم هم الذين إليهم يرجع تدبير أمور الدين، وعن آرائهم يصْدرُ وهم الذين تضمنتهم آية أرجو أن يكون فيها الكفاية في تعريف المقصود بها، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ  ﴾ فجعل أولي الأمر مَنْ عندهم علم الاستنباط، وشهد لهم بالعلم فيما رد إليهم؛ فثبت أنهم الفقهاء المعروفون بالاستنباط ورعاية أمور الدين، وفي هذا - أيضاً - دلالة على إصابتهم فيما أجمعوا عليه؛ إذ شهد لهم في الجملة بالعلم؛ وعلى ذلك قوله -  -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [آل عمران: 110]، وقوله -  -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...

﴾ الآية [البقرة: 143].

ثم كانت الشهادات والأمر والنهي للعلماء بهما؛ ثبت أن الأمر في ذلك ينصرف إلى العلماء، وأنهم إذا اجتمعوا على شيء بالأمر أو بالنهي، يكون إجماعاً؛ لأن ذلك كذلك عند الله -  - وتجوز شهادتهم على جميع العوام ومن تأخرهم، ومن ذلك في الأمور التي تجري بها البلية والعمل بها في العامة، مما لا يحتمل خفاء مثله، على ما ذكرت من الخاص أن ذلك كان عند أولئك الخاص على ذلك؛ إذا لم يغيروا ولا شهدوا في ذلك بغيره، وأمراء السرايا لو كانوا أهل البصر في الأمر مع العلم بالشرع والفتيا يلزم فيهم ذلك؛ لأنهم صيروا في الباب أهل الأمر.

وأيد الأول أنهم العلماء -: قوله -  -: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ ومعلوم أن على العوام لذي الإشكال والحاجة الردّ إلى أولي الأمر بما ذكرت من الآية، فثبت أن هذا في تنازع العلماء، وهو يوضح إبطال قول الروافض في جعل أولي الأمر إمامهم، وإبطال قول من يجعل أولي الأمر كل أمير أو نحوه، وإنما هم العلماء في كل نوع، حتى يمكن فيهم التنازع، وإمامهم واحد لا معنى للتنازع فيهم، والتنازع إنما يكون عن تدبر وبحث ونظر، ولا معنى في ذلك للعوام الذين لا يعرفون الأصول والفروع، والله الموفق.

ثم اختلف في تأويل قوله -  -: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ : فقال قوم: كأنه قيل: كِلُوا الأمر فيه إلى الله -  - والرسول  ، ولا تجتهدوا فيه؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ  ﴾  ، ولأن الاختلاف كان على تأويل الكتاب والسنة، فكيف يطلب من بعد فيهما، وبعد الطلب حدث التنازع؟!.

وقال قوم: الاختلاف يقع في التأويل بقوله - عز وجل -: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ إلى ظاهر ذلك، ولا تتأوّلوا فتختلفوا إذ الأول كان على التأويل.

وقال قوم: هذا كان في عهد رسول الله  أن يظهر في ذلك نص الحكم والحق في ذلك؛ فيكون الأمر الذي يتنازع فيه أولو الأرم لم يجز لأحد العمل إلا بالبيان، ولهم وجه الوصول إلى البيان في الحقيقة، فأمروا بذلك مع ما كان يجوز أن يكون التنازع في وقت لم يفرغ من بيان جميع ما بالخلق إليه حاجة بالكفاية؛ إذ كان ذلك الوقت وقت حدوث الشرائع، ووقت احتمال التناسخ وتبديل الأحكام، فإن وقع التنازع [بين المجتهدين] فلهم مع إشكال التنازع شبهة احتمال أن أصله لم ينزل، وأن الذي يتضمن حكمه من المنصوص لم يبلغهم في ذلك، فيجب في ذلك الرد إلى الله -  وتعالى - بالرد إلى رسوله محمد  .

وأما بعده فقد فرغ من جميع أصول الحوادث التي يعلم الله -  وتعالى - أنها تقع بيان كفاية؛ إذ لو لم يبين ذلك القدر لبقي تنازع لا ارتفاعه له، ولا يجوز الحكم، ولكان لا يعلم الحادث الذي له أصل يطلب أولاً، وفي ذلك تمكين المعنى الذي يخرج إلى الرسالة مع ما قد تكلم جميع الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ومن بعدهم إلى اليوم في الحوادث من غير أن يظهر عن أحد قول بأن هذا هو ما لم ينزل له الأصل، فصار ذلك إجماعاً في بيان أصول كل حادث؛ فيجب طلبه في الأصول، والله أعلم.

والأصل: أنه فيما يوكل إلى أحد يوكل إلى من يعلم الحكم ويملك إظهاره، فلو كان للتنازع يجب الرد إلى الله -  - وترك الحكم في ذلك بالاجتهاد؛ فإذاً يبطل أن يكون في الرد إليه علم بحكمه إلا للوقت الذي لا يحتاج إلى الحكم؛ وهو يوم القيامة؛ على أنه معلوم لو كان يرده إلى رسول الله  ، لكان لا يدعهم على ما هم عليه من التنازع الذي هو أصل كل شين وفساد؛ فعلى ذلك فيما يرد إلى الله،  وتعالى .

وإذا علم - عز وجل - بجميع النوازل وبجميع ما بالخلق إليه حاجة فصارت النوازل كلها مردودات إليه؛ فيجب أن يكون فيها؛ إذ قال [الله] - عز وجل -: ﴿ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ  ﴾  ، وإذا لم يحكم فيها لم يصر الحكم إليه، بل لا حكم فيه إلى الله -  - فلما وجب بالذي ذكرت أن يكون ذلك مما تضمنه البيان - لزم الاجتهاد.

ثم لو كان الحق عند التنازع الظاهر دون أن يطلب - على أصح التأويلات - دليل، لكان لا يجوز التنازع أن يقع؛ لأن الظاهر قد كان في أيديهم وهو حجة لا يحتمل أن يتركه أحد إلا بالدليل لو كان حجة، وكان قد قام الدليل على لزوم العدول عن الظاهر بتأويل جميع أولي الأمر في ذلك؛ فثبت أن دليل ذلك مطلوب يوجد، ويتفقون عليه إذا أنصفوا، وأنعموا النظر، وأعرضوا عن حسن الظن، ففريق من الأئمة على أن الذي يقوله هؤلاء يقتضي أحكام الحوادث كلها بيقين؛ فثبت أن أحكامهم مودعات في المنصوص؛ فصرن متعلقات بالمعاني، لا بالظواهر.

ثم الأصل: أن العمل بالظواهر في محتمل المعاني ومختلف التأويلات ممّا فيه التنازع في الأمة، وللتنازع أمر بالرد؛ فبعيد أن يرد إلى ما لم يثبت صحته، بل في الظاهر وجه في ظاهر الاسم باللسان، والظاهر من التفاهم في المعتاد؛ نحو القول بأن اغسلوا وجوهكم، أنه بأي شيء غسل يستحق اسم الغسل في اللغة، لكن لما يغسل به عادة في الاستعمال إلى ذلك ينصرف الخطاب، ويصير الظاهر في المعتاد به أولى من الظاهر في اللسان، ويكون في ذلك منع الذي ذكر حتى يوضحه دليل، أو يعلم أنه المعتاد؛ فيكون ذلك دليلاً، والله أعلم.

ثم لا يحتمل التنازع فيما فيه المعتاد من التفاهم والعدول عنه إلا بدليل؛ فيجب القول لمن عدل إن كان عنده دليل؛ فيكون بما يوجب العمل منع، والله أعلم.

ثم قيل في قوله -  -: ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ بأوجه ثلاثة: ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ ﴾ -  - فيما أمر، والرسول  فيما بلغ، وأطيعوا الله فيما فرض، والرسول فيما سن، وأطيعوا الله - عز وجل - فيما أنزل ونص، والرسول فيما بين.

والأصل في معهود اللسان: أن الطاعة تكون في الائتمار، فرسول الله  مطاع في جميع ما أمر، لازم طاعته في ذلك وأمره - إذا ثبت أنه أمره - هو أمر الله -  - وطاعته  طاعة الله - عز وجل - وله يجب به ظهور الخصوص والعموم والتناسخ جميعاً، وبه تبين الفرض والأدب وكل نوع، وما يظهر، فبالله -  - ظهر على لسانه  : كتاباً كان، أو تنزيلا كان، أو تأويلاً، فالتقسيم بين الذي لله - عز وجل - والذي لرسوله  يوجب الشبهة، وَتَوَهُّم الاختلاف، جل الله - عز وجل - أن يبعث رسولا يخالفه، وبالله المعونة [والتوفيق].

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ .

يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ ﴾ أي: ذلك الرد خير إلى ما ذكر.

ويحتمل: ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ ﴾ أي: الائتلاف فيما أمكن فيه خير من الاختلاف وأحمد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ أي: عاقبة.

وقيل: ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ أي: خبراً.

وفي حرف حفصة: "ذلك خير وأحسن ثواباً".

وعن ابن عباس: ﴿ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ قال: القرآن أحسن تأويلا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، أطيعوا الله وأطيعوا رسوله، بامتثال ما أمر واجتناب ما نهى، وأطيعوا ولاة أموركم ما لم يأمروا بمعصية، فإن اختلفتم في شيء فارجعوا فيه إلى كتاب الله وسُنَّة نبيه  إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك الرجوع إلى الكتاب والسُّنَّة خير من التمادي في الخلاف والقول بالرأي، وأحسن عاقبة لكم.

من فوائد الآيات من أعظم أسباب كفر أهل الكتاب حسدهم المؤمنين على ما أنعم الله به عليهم من النبوة والتمكين في الأرض.

الأمر بمكارم الأخلاق من المحافظة على الأمانات، والحكم بالعدل.

وجوب طاعة ولاة الأمر ما لم يأمروا بمعصية، والرجوع عند التنازع إلى حكم الله ورسوله تحقيقًا لمعنى الإيمان.

<div class="verse-tafsir" id="91.yw2Ep"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قال في لباب النقول: أخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال لما فتح رسول الله  مكة دعا عثمان بن طلحة فلما أتاه قال أرني المفتاح فلما بسط يده إليه قام العباس فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده فقال رسول الله  هات المفتاح يا عثمان، فقال هاك أمانة الله.

فقام ففتح الكعبة ثم خرج فطاف بالبيت ثم نزل عليه جبريل برد المفتاح فدعا عثمان ابن طلحة فأعطاه المفتاح ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا  ﴾ حتى فرغ من الآية.

بعد ما بيّن الله تعالى لنا من شأن أهل الكتاب ما بينه حتى تفضيلهم المشركين في الهداية على المؤمنين بالله وحده وبجميع كتبه ورسله أدبنا بهذا الأدب العالي وأمرنا بالأمانة العامة وهي الاعتراف بالحق سواء كان الحق حسيًا أو معنويًا فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا  ﴾ فالكلام متصل بما قبله بمناسبة قوية تجعل السياق كعقد من الجوهر متناسب اللآلئ، فسواء صح ما ذكر من حكاية مفتاح الكعبة أو لم يصح فإن صحته لا تضر بالتئام السياق، ولا بعموم الحكم إذ السبب الخاص لا ينافي عموم الحكم.

والأمانة حق عند المكلف يتعلق به حق غيره ويودعه لأجل أن يوصله إلى ذلك الغير كالمال والعلم سواء كان المودَع عنده ذلك الحق قد تعاقد مع المودع على ذلك بعقد قولي خاص صرح فيه بأنه يجب على المودَع عنده أن يؤدي كذا إلى فلان مثلًا أم لم يكن كذلك، فإن ما جرى عليه التعامل بين الناس في الأمور العامة هو بمثابة ما يتعاقد عليه الأفراد في الأمور الخاصة، فالذي يتعلم العلم قد أُدع أمانة وأُخذ عليه العهد بالتعامل والعرف بأن يؤدي هذه الأمانة ويفيد الناس ويرشدهم بهذا العلم، وقد أخذ الله العهد العام على الناس بهذا التعامل المتعارف بينهم شرعًا وعرفًا بنص قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ  ﴾ ، ولذلك عد علماء أهل الكتاب خائنين بكتمان صفات النبي  ، فيجب على العالم أن يؤدي أمانة العلم إلى الناس كما يجب على من أُودع المال أن يرده إلى صاحبه، ويتوقف أداء أمانة العلم على تعرف الطرق التي توصل إلى ذلك فيجب أن تعرف هذه الطرق لأجل السير فيها، وإعراض العلماء عن معرفة الطرق التي تتأدى بها هذه الأمانة بالفعل هو ابتعاد عن الواجب الذي أُمروا به وإخفاء الحق بإخفاء وسائله هو عين الإضاعة للحق، فإذا رأينا الجهل بالحق والخير فاشيًا بين الناس واستبدلت به الشرور والبدع، ورأينا أن العلماء لم يعلموهم بما يجب في ذلك فيمكننا أن نجزم بأن هؤلاء العلماء لم يؤدوا الأمانة وهي ما استحفظوا عليه من كتاب الله، ولا عذر لهم في ترك استبانة الطريق الموصل إلى ذلك بسهولة وقرب، فهم خونة الناس وليسوا بالأمناء.

﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ  ﴾ وكذلك أمر الله من يحكم بين الناس أن يحكم بالعدل، والحكم بين الناس له طرق منها الولاية العامة والقضاء، ومنها تحكيم المتخاصمين لشخص في قضية خاصة، فكل من يحكم يجب عليه أن يعدل، وقد أمر الله بالعدل في آيات أخرى كقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ  ﴾ الآية، وقوله: ﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى  ﴾ ، وقوله: ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ  ﴾ ، ونهى عن الظلم وأوعد عليه في آيات كثيرة، ولم يذكر لنا حد العدل ولا تفسيره ولم يرد في السنة تفسير له أيضًا.

والعدل وقف على أمرين: أحدهما: أن يعلم الحاكم الحكم الذي شرعه الله ليكون الفصل بين الناس به مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ  ﴾ فهو يوجب علينا أن نوفي بما نتعاقد عليه وقوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ  ﴾ الآية، وهو قد حرم أكل أموال الناس ورشوة الحكام، وكذلك ما ورد في السنة المتواترة في أحكامه وقضائه  ، فيجب على الحاكم تطبيق أحكامه على ما علم من حكم الله ورسوله، وقد يكون التطبيق ظاهرًا وقد يحتاج فيه إلى قياس واستنباط وإجهاد للفكر، فهذا النوع من العدل معروف عند الناس وإنما يذكر لتنبيه الناس وتذكيرهم.

والركن الثاني للعدل: يتألف من أمرين: أحدهما: فهم الدعوى من المدعي والجواب من المدعى عليه ليعرف موضوع ما به التنازع والتخاصم بأدلته من الخصمين.

ثانيهما: استقامة الحاكم وخلوه من الميل إلى أحد الخصمين ومن الهوى بأن يكره أحد الخصمين وإن كان لا يميل إلى الآخر، وهذا المعنى معروف للناس أيضًا فكل من ركني العدل معروف ولذلك ذكر الله العدل ولم يفسره لأنه معروف بنفسه كالنور.

ولك وقد فهمت ما قلناه أن تقول: العدل عبارة عن إيصال الحق إلى صاحبه من أقرب الطرق إليه، ولا يتحقق ذلك إلا بإقامة الركنين اللذين بيناهما، فكل ما خرج عنهما فهو ظلم.

فإذا أخر القاضي النظر في القضية اتباعًا لرسوم وعادات لا يتوقف عليها إقامة العدل، أو لم يقبل الشهادة لأنها لم تؤد بألفاظ مخصوصة وإن تبين بها الحق المراد أواخر الحكم بعد انتهاء المحاكمة واستيفاء أسبابها هل يكون مقيمًا لعدل؟!

فإذا علمنا هذا وتأملنا في الأحكام التي تجري عندنا اليوم فهل نراها جارية على أصول العدل؟!

نجد محاكمنا الشرعية تشترط في توجيه الدعوى وفي شهادة الشهود شروطًا وألفاظًا معينة كلفظ "أشهد"، ولفظ "هذا"، أو "المذكور" وتبين النقد وذكر البلد الذي ضرب فيه وإن كان ذلك مفهومًا من الكلام لا يختلف في فهمه القاضي ولا الخصم، فهذه الاصطلاحات كثيرًا ما تحول دون العدل، إذ ترد الدعوى من أصلها أو الشهادة لعدم موافقتها للألفاظ المصطلح عليها وإن أدت معناها، وكذلك كل ما يحول بين الناس وفهم الشريعة يكون من أسباب إضاعة العدل، ولا عذر للناس بالجهل إذ يجب عليهم فهم الشريعة وإزالة كل ما يحول دون فهمها من الاصطلاحات، ولو كنا نقيم العدل لما كنا في هذه الحالة من الضعف وسوء الحال.

إنني اطلعت بعد الدرس الماضي على كتاب (السياسة الشرعية) لابن تيمية فإذا هو كله مبني على هذه الآية، فإنه توسع في ذكر أنواع الأمانة التي أودعها الله في أيدي الحكام، ومنها أن لا يولوا الأمور إلا خيار الناس الصالحين لها، وأورد في ذلك أحاديث كثيرة منها الحديث المشهور: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة" أي ساعة قيامة الأمة وهلاكها، لأن لكل أمة ساعة أي وقتًا تهلك فيه أو يذهب استقلالها.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ  ﴾ إن هذه الآية وما قبلها وردتا في مقابلة قول الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب: إن الكافرين أهدى من المؤمنين، بعد ما بيّن تعالى أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، ومن الطاغوت عند المشركين الأصنام والكهان فكانوا يحكمون الكاهن ويجعلونه شارعًا ويقتسمون عند الصنم ويعدون ذلك فصلًا من الخصومة، وقد اتخذ اليهود الجبت والطاغوت مثلهم وطواغيتهم رؤساؤهم الذين يحكمون فيهم بأهوائهم فيتبعونهم ككعب بن الأشرف مع أن عندهم التوراة فيها حكم الله، ولكنهم كانوا يقولون إن هؤلاء الرؤساء أعلم منا بالتوراة وبمصلحتنا، فالله تعالى قد بيّن لنا حالهم وقرنه ببيان ما يجب أن نسير عليه في الشريعة والأحكام حتى لا نضل كما ضل المشركون وأهل الكتاب الذين اتخذوا أفرادًا منهم أربابًا إذ جعلوهم شارعين فكانوا سبب طغيانهم ولذلك سموا طواغيت.

أمر بطاعة الله وهي العمل بكتابه العزيز، وبطاعة الرسول لأنه هو الذي بين للناس ما نزل إليهم، وقد أعاد لفظ الطاعة لتأكيد طاعة الرسول لأن دين الإسلام دين توحيد محض لا يجعل لغير الله أمرًا ولا نهيًا ولا تشريعًا ولا تأثيرًا، فكان ربما يستغرب في كتابه الأمر بطاعة غير وحي الله، ولكن قضت سنة الله بأن يبلغ عنه شرعه للناس رسل منهم، وتكفل بعصمتهم في التبليغ، ولذلك وجب أن يطاعوا فيما يبينون به الدين والشرع.

مثال ذلك أن الله تعالى هو الذي شرع لنا عبادة الصلاة وأمرنا بها ولكنه لم يبين لنا في الكتاب كيفيتها، وعدد ركعاتها، ولا ركوعها وسجودها، ولا تحديد أوقاتها فبينها الرسول  بأمره تعالى إياه بذلك في مثل قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ  ﴾ فهذا البيان بإرشاد من الله تعالى، فاتباعه لا ينافي التوحيد ولا كون الشارع هو الله تعالى وحده.

وأما أولو الأمر قد اختلف فيهم، فقال بعضهم: هم الأمراء، واشترطوا فيهم أن لا يأمروا بمحرم كما قال مفسرنا (الجلال) وغيره، والآية مطلقة.

وبعضهم أطلق في الحكام فأوجبوا طاعة كل حاكم وغفلوا عن قوله تعالى: ﴿ مِنْكُمْ  ﴾ ، وقال بعضهم إنهم العلماء، ولكن العلماء يختلفون فمن يطاع في المسائل الخلافية ومن يعصي؟

وحجة هؤلاء أن العلماء هم الذين يمكنهم أن يستنبطوا الأحكام غير المنصوصة من الأحكام المنصوصة.

وقالت الشيعة إنهم الأئمة المعصومون، وهذا مردود إذ لا دليل على هذه العصمة، ولو أريد ذلك لصرحت به الآية.

ومعنى أولي الأمر الذين يناط بهم النظر في أمر إصلاح الناس أو مصالح الناس، وهؤلاء يختلفون أيضًا فكيف يؤمر بطاعتهم بدون شرط ولا قيد؟

إنني فكرت في هذه المسألة من زمن بعيد فانتهى بي الفكر إلى أن المراد بأولي الأمر جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة، فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه، بشرط أن يكونوا منا، وأن لا يخالفوا أمر الله ولا سنة رسوله  التي عرفت بالتوتر، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة وهو ما لأولي الأمر سلطة فيه ووقوف عليه.

وأما العبادات وما كان من قبل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد بل هو مما يؤخذ عن الله ورسوله فقط ليس لأحد رأي فيه إلا ما يكون في فهمه.

فأهل الحل والعقد من المؤمنين إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة ليس فيه نص عن الشارع مختارين في ذلك غير مكرهين عليه بقوة أحد ولا نفوذه فطاعتهم واجبة ويصح أن يقال هم معصومون في هذا الإجماع، ولذلك أطلق الأمر بطاعتهم بلا شرط مع اعتبار الوصف والاتباع المفهوم من الآية.

وذلك كالديوان الذي أنشأه عمر باستشارة أهل الرأي من الصحابة  ، وغيره من المصالح التي أحدثها برأي أولي الأمر من الصحابة ولم تكن في زمن النبي  ولم يعترض أحد من علمائهم على ذلك.

فأمر الله في كتابه وسنة رسوله الثابتة القطعية التي جرى عليها  بالعمل هما الأصل الذي لا يرد، وما لا يوجد فيه نص عنهما ينظر فيه أولو الأمر، إذا كان من المصالح، لأنهم هم الذين يثق بهم الناس فيها ويتبعونهم، فيجب أن يتشاوروا في تقرير ما ينبغي العمل به، فإذا اتفقوا وأجمعوا وجب العمل بما أجمعوا عليه، وإن اختلفوا وتنازعوا فقد بين الواجب فيما تنازعوا بقوله: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ  ﴾ وذلك بأن يعرض على كتاب الله وسنة رسوله وما فيهما من القواعد العامة والسيرة المطردة فما كان موافقًا لهما علم أنه صالح لنا ووجب الأخذ به وما كان منافرًا علم أنه غير صالح ووجب تركه وبذلك يزول التنازع وتجتمع الكلمة، وهذا الرد واستنباط الفصل في الخلاف من القواعد هو الذي يعبر عنه بالقياس والأول هو الإجماع الذي يعتد به، وقد اشترطوا في القياس شروطًا بالنظر إلى العلة، والغرض من هذا الرد أن لا يقع خلاف في الدين والشرع لأنه لا خلاف ولا اختلاف في أحكامهما.

وإن ما اهتديت إليه في تفسير أولي الأمر، من كونهم جماعة أهل الحل والعقد لم أكن أظن أن أحدًا من المفسرين قد سبقني إليه حتى في تفسير النيسابوري.

﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا  ﴾ قيل: إن الشرط متعلق بالأخير وهو الرد إلى الله والرسول، والغرض منه تذكيرهم بالله حتى لا يستعملوا شهواتهم وحظوظهم في الرد، وقيل: متعلق بكل ما تقدم من طاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر، وهو الظاهر.

وجمهور المفسرين على أنه تهديد من الله تعالى لمن يخالف أمرًا من هذه الأوامر وإخراج له من حظيرة الإيمان، ومعنى كونه خيرًا انه أنفع من كل ما عداه، ولو جرى المسلمون عليه لما أصابهم ما أصابهم من الشقاء، فقد رأينا كيف سعد المهتدون به، وكيف شقي الذين أعرضوا عنه واستبدوا بالأمر، وأما كونه أحسن تأويلًا فهو أن الأوامر والأحكام إنما تكون صورًا معقولة وعبارات مقولة حتى يعمل بها فتظهر فائدتها وأثرها، فعلمنا بالآخرة ليس إلا صورًا ذهنية لا نعرف الحقائق التي تنطبق عليها إلا إذا صرنا إليها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله