الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٩٣ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 238 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٣ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم لما بين تعالى حكم القتل الخطأ ، شرع في بيان حكم القتل العمد ، فقال : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا [ فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ] ) وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم ، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله ، حيث يقول ، سبحانه ، في سورة الفرقان : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق [ ولا يزنون ] ) الآية [ الفرقان : 68 ] وقال تعالى : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ) [ إلى أن قال : ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ) [ الأنعام : 151 ] .
والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا .
من ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء " وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود ، من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري ، عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال المؤمن معنقا صالحا ما لم يصب دما حراما ، فإذا أصاب دما حراما بلح " وفي حديث آخر : " لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم " وفي الحديث الآخر : " لو أجمع أهل السماوات والأرض على قتل رجل مسلم ، لأكبهم الله في النار " وفي الحديث الآخر : " من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة ، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه : آيس من رحمة الله " .
وقد كان ابن عباس ، رضي الله عنهما ، يرى أنه لا توبة للقاتل عمدا لمؤمن .
وقال البخاري : حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، حدثنا مغيرة بن النعمان قال : سمعت ابن جبير قال : اختلف فيها أهل الكوفة ، فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال : نزلت هذه الآية : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم [ خالدا ] ) هي آخر ما نزل وما نسخها شيء .
وكذا رواه هو أيضا ومسلم والنسائي من طرق ، عن شعبة ، به ورواه أبو داود ، عن أحمد بن حنبل ، عن ابن مهدي ، عن سفيان الثوري ، عن مغيرة بن النعمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ) فقال : لم ينسخها شيء .
[ وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا ابن أبي عدي حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال : قال عبد الرحمن بن أبزى : سئل ابن عباس عن قوله : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا ) فقال : لم ينسخها شيء ] وقال في هذه الآية : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ] ) [ الفرقان : 68 ] قال نزلت في أهل الشرك .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن منصور ، حدثني سعيد بن جبير - أو حدثني الحكم ، عن سعيد بن جبير - قال : سألت ابن عباس عن قوله [ تعالى ] ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ) قال : إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام ، ثم قتل مؤمنا متعمدا ، فجزاؤه جهنم ولا توبة له .
فذكرت ذلك لمجاهد فقال : إلا من ندم .
حدثنا ابن حميد ، وابن وكيع قالا حدثنا جرير ، عن يحيى الجابر ، عن سالم بن أبي الجعد قال : كنا عند ابن عباس بعد ما كف بصره ، فأتاه رجل فناداه : يا عبد الله بن عباس ، ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا ؟
فقال : ( جزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ) قال : أفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى ؟
قال ابن عباس : ثكلته أمه ، وأنى له التوبة والهدى ؟
والذي نفسي بيده !
لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : " ثكلته أمه ، قاتل مؤمن متعمدا ، جاء يوم القيامة آخذه بيمينه أو بشماله ، تشخب أوداجه دما في قبل عرش الرحمن ، يلزم قاتله بشماله بيده الأخرى ، يقول : سل هذا فيم قتلني " ؟
وايم الذي نفس عبد الله بيده !
لقد أنزلت هذه الآية ، فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم ، وما نزل بعدها من برهان .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، سمعت يحيى بن المجبر يحدث عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن عباس ; أن رجلا أتاه فقال : أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا ؟
فقال : ( جزاؤه جهنم خالدا فيها [ وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ] ) قال : لقد نزلت في آخر ما نزل ، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ؟
قال : وأنى له بالتوبة .
وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
يقول : " ثكلته أمه ، رجل قتل رجلا متعمدا ، يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره - وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله - تشخب أوداجه دما من قبل العرش يقول : يا رب ، سل عبدك فيم قتلني ؟
" .
وقد رواه النسائي عن قتيبة وابن ماجه عن محمد بن الصباح ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمار الدهني ، ويحيى الجابر وثابت الثمالي عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن عباس ، فذكره وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة .
وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف : زيد بن ثابت ، وأبو هريرة ، وعبد الله بن عمر ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعبيد بن عمر ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك بن مزاحم ، نقله ابن أبي حاتم .
وفي الباب أحاديث كثيرة : من ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره : حدثنا دعلج بن أحمد ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي وحدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا إبراهيم بن فهد قالا حدثنا عبيد بن عبيدة ، حدثنا معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن الأعمش ، عن أبي عمرو بن شرحبيل ، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يجيء المقتول متعلقا بقاتله يوم القيامة ، آخذا رأسه بيده الأخرى فيقول : يا رب ، سل هذا فيم قتلني ؟
" قال : " فيقول : قتلته لتكون العزة لك .
فيقول : فإنها لي " .
قال : " ويجيء آخر متعلقا بقاتله فيقول : رب ، سل هذا فيم قتلني ؟
" قال : " فيقول قتلته لتكون العزة لفلان " .
قال : " فإنها ليست له بؤ بإثمه " .
قال : " فيهوي في النار سبعين خريفا " .
وقد رواه عن النسائي ، عن إبراهيم بن المستمر العوفي ، عن عمرو بن عاصم ، عن معتمر بن سليمان ، به حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا صفوان بن عيسى ، حدثنا ثور بن يزيد ، عن أبي عون ، عن أبي إدريس قال : سمعت معاوية ، رضي الله عنه ، يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا ، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا " .
وكذا رواه النسائي ، عن محمد بن المثنى ، عن صفوان بن عيسى ، به .
وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا سمويه ، حدثنا عبد الأعلى بن مسهر ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا خالد بن دهقان ، حدثنا ابن أبي زكريا قال : سمعت أم الدرداء تقول : سمعت أبا الدرداء يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا ، أو من قتل مؤمنا متعمدا " .
وهذا غريب جدا من هذا الوجه .
والمحفوظ حديث معاوية المتقدم فالله أعلم .
ثم روى ابن مردويه من طريق بقية بن الوليد ، عن نافع بن يزيد ، حدثني ابن جبير الأنصاري ، عن داود بن الحصين ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل مؤمنا متعمدا فقد كفر بالله عز وجل " .
وهذا حديث منكر أيضا ، وإسناده تكلم فيه جدا .
وقال الإمام أحمد : حدثنا النضر ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، حدثنا حميد قال : أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي ، فقال لنا : هلما فأنتما أشب شيئا مني ، وأوعى للحديث مني ، فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم - فقال له أبو العالية : حدث هؤلاء حديثك .
فقال : حدثنا عقبة بن مالك الليثي قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية ، فأغارت على قوم ، فشد من القوم رجل ، فاتبعه رجل من السرية شاهرا سيفه فقال الشاد من القوم : إني مسلم .
فلم ينظر فيما قال ، فضربه فقتله ، فنمى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا شديدا ، فبلغ القاتل .
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، إذ قال القاتل : والله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل .
قال : فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعمن قبله من الناس ، وأخذ في خطبته ، ثم قال أيضا : يا رسول الله ، ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل ، فأعرض عنه وعمن قبله من الناس ، وأخذ في خطبته ، ثم لم يصبر ، فقال الثالثة : والله يا رسول الله ما قال إلا تعوذا من القتل .
فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرف المساءة في وجهه ، فقال : " إن الله أبى على من قتل مؤمنا " ثلاثا .
ورواه النسائي من حديث سليمان بن المغيرة والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها : أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل ، فإن تاب وأناب وخشع وخضع ، وعمل عملا صالحا ، بدل الله سيئاته حسنات ، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته .
قال الله تعالى : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ] .
إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا [ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ] ) [ الفرقان : 68 ، 69 ] وهذا خبر لا يجوز نسخه .
وحمله على المشركين ، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر ، ويحتاج حمله إلى دليل ، والله أعلم .
وقال تعالى : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله [ إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ] ) [ الزمر : 53 ] وهذا عام في جميع الذنوب ، من كفر وشرك ، وشك ونفاق ، وقتل وفسق ، وغير ذلك : كل من تاب من أي ذلك تاب الله عليه .
وقال تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) [ النساء : 48 ] .
فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك ، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها ، لتقوية الرجاء ، والله أعلم .
وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس ، ثم سأل عالما : هل لي من توبة ؟
فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة ؟
!
ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه ، فهاجر إليه ، فمات في الطريق ، فقبضته ملائكة الرحمة .
كما ذكرناه غير مرة ، إن كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى ; لأن الله وضع عنا الأغلال والآصار التي كانت عليهم ، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة .
فأما الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا [ فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما ] ) فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف : هذا جزاؤه إن جازاه ، وقد رواه ابن مردويه مرفوعا ، من طريق محمد بن جامع العطار ، عن العلاء بن ميمون العنبري ، عن حجاج الأسود ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة مرفوعا ، ولكن لا يصح ومعنى هذه الصيغة : أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه ، وكذا كل وعيد على ذنب ، لكن قد يكون كذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه ، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط .
وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد ، والله أعلم بالصواب .
وبتقدير دخول القاتل إلى النار ، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له ، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به ، فليس يخلد فيها أبدا ، بل الخلود هو المكث الطويل .
وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان .
وأما حديث معاوية : " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا ، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا " : " عسى " للترجي ، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا ينتفى وقوع ذلك في أحدهما ، وهو القتل ; لما ذكرنا من الأدلة .
وأما من مات كافرا ; فالنص أنه لا يغفر له البتة ، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين وهي لا تسقط بالتوبة ، ولا فرق بين المقتول والمسروق منه ، والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين ، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة ، ولا بد من أدائها إليهم في صحة التوبة ، فإن تعذر ذلك فلا بد من الطلابة يوم القيامة ، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة وقوع المجازاة ، وقد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها ، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة ، أو يعوض الله المقتول من فضله بما يشاء ، من قصور الجنة ونعيمها ، ورفع درجته فيها ونحو ذلك ، والله أعلم .
ثم للقتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة أما [ في ] الدنيا فتسلط أولياء المقتول عليه ، قال الله تعالى : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا [ فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ] ) [ الإسراء : 33 ] ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا ، أو يعفوا ، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثا : ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون خلفة كما هو مقرر في كتب الأحكام .
واختلف الأئمة : هل تجب عليه كفارة : عتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ؟
على أحد القولين ، كما تقدم في كفارة الخطأ ، على قولين : فالشافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون : نعم ، يجب عليه ; لأنه إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب عليه في العمد أولى .
وطردوا هذا في كفارة اليمين الغموس ، واعتضدوا بقضاء الصلوات المتروكة عمدا ، كما أجمعوا على ذلك في الخطأ .
قال أصحاب الإمام أحمد وآخرون : قتل العمد أعظم من أن يكفر ، فلا كفارة فيه ، وكذا اليمين الغموس ، ولا سبيل لهم إلى الفرق بين هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمدا ، فإنهم يقولون : بوجوب قضائها وإن تركت عمدا .
وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة في قتل العمد بما رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا عارم بن الفضل ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن إبراهيم بن أبي عبلة ، عن الغريف بن عياش ، عن واثلة بن الأسقع قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم فقالوا : إن صاحبا لنا قد أوجب .
قال : " فليعتق رقبة ، يفدي الله بكل عضو منها عضوا منه من النار " .
وقال أحمد : حدثنا إبراهيم بن إسحاق ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن إبراهيم بن أبي عبلة عن الغريف الديلمي قال : أتينا واثلة بن الأسقع الليثي فقلنا : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب ، فقال : " أعتقوا عنه ، يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار " .
وكذا رواه أبو داود والنسائي ، من حديث إبراهيم بن أبي عبلة ، به ولفظ أبي داود عن الغريف الديلمي قال : أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا : حدثنا حديثا ليس فيه زيادة ولا نقصان .
فغضب فقال : إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص ، قلنا : إنا أردنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا قد أوجب - يعني النار - بالقتل ، فقال : " أعتقوا عنه ، يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار " .
القول في تأويل قوله تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يقتل مؤمنًا عامدًا قتله، مريدًا إتلاف نفسه=" فجزاؤه جهنم "، يقول: فثوابه من قتله إياه (44) =" جهنم "، يعني: عذاب جهنم=" خالدًا فيها "، يعني: باقيًا فيها (45) = و " الهاء " و " الألف " في قوله: " فيها " من ذكر " جهنم "=" وغضب الله عليه "، يقول: وغضب الله عليه بقتله إياه متعمدًا (46) =" ولعنه " يقول: وأبعده من رحمته وأخزاه (47) =" وأعد له عذابًا عظيمًا "، وذلك ما لا يعلم قدر مبلغه سواه تعالى ذكره.
* * * واختلف أهل التأويل في صفة القتل الذي يستحق صاحبُه أن يسمى متعمِّدًا، بعد إجماع جميعهم على أنه إذا ضرب رجلٌ رجلا بحدِّ حديد يجرح بحدِّه، أو يَبْضَع ويقطع، (48) فلم يقلع عنه ضربًا به حتى أتلف نفسه، وهو في حال ضربه إياه به قاصدٌ ضربَه: أنه عامدٌ قتلَه.
ثم اختلفوا فيما عدا ذلك.
فقال بعضهم: لا عمدَ إلا ما كان كذلك على الصفة التي وصفنا.
*ذكر من قال ذلك: 10174- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج قال: قال عطاء: " العَمد "، السلاح= أو قال: الحديد= قال: وقال سعيد بن المسيب: هو السلاح.
10175- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: العمد ما كان بحديدة، وما كان بدون حديدة، فهو شبه العمد، لا قَوَد فيه.
10176- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم قال: العمد ما كان بحديدة، وشبه العمد ما كان بَخَشبة.
وشبه العمد لا يكون إلا في النفس.
(49) 10178- حدثني أحمد بن حماد الدولابي قال، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس قال: من قتل في عصبيّة، في رمي يكون منهم بحجارة، أو جلد بالسياط، أو ضرب بالعصى، فهو خطأ، ديته دية الخطأ.
ومن قتل عمدًا فهو قَوَد يَدِه.
(50) 10179- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، ومغيرة، عن الحارث وأصحابه، في الرجل يضرب الرجل فيكون مريضًا حتى يموت، قال: أسأل الشهودَ أنه ضربه، فلم يزل مريضًا من ضربته حتى ماتَ، فإن كان بسلاح فهو قَوَد، وإن كان بغير ذلك فهو شِبْه العمد.
* * * وقال آخرون: كلّ ما عمد الضارب إتلاف نفس المضروب فهو عمد، إذا كان الذي ضرب به الأغلب منه أنه يقتل.
(51) *ذكر من قال ذلك: 10180- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن حبان بن أبي جبلة، عن عبيد بن عمير أنه قال: وأي &; 9-59 &; عمد هو أعمد من أن يضرب رجلا بعصا، ثم لا يقلع عنه حتى يموت؟.
(52) 10181- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن إبراهيم قال: إذا خنقه بحبل حتى يموت، أو ضربه بخشبة حتى يموت، فهو القَوَد.
* * * وعلة من قال: " كل ما عدا الحديد خطأ "، ما:- 10182- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن أبي عازب، عن النعمان بن بشير قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرْش؟
(53) * * * وعلة من قال: " حكم كلّ ما قتل المضروب به من شيء، حكم السيف، في أنّ من قتل به قتيلُ عمد "، ما:- 10183- حدثنا به ابن بشار قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك: أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاحٍ لها بين حجرين، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقتله بين حجرين.
(54) * * * قالوا: فأقاد النبي صلى الله عليه وسلم من قاتل بحجر، وذلك غير حديدٍ.
قالوا: وكذلك حكم كل من قتل رجلا بشيء الأغلب منه أنه يقتل مثلَ المقتول به، نظيرُ حكم اليهوديِّ القاتلِ الجارية بين الحجرين.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا، قولُ من قال: كل من ضرب إنسانًا بشيء الأغلب منه أنه يتلفه، فلم يقلع عنه حتى أتلف نفسَه به: أنه قاتل عمدٍ، ما كان المضروب به من شيء (55) للذي ذكرنا من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * * وأما قوله: " فجزاؤه جهنم خالدًا فيها "، فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه.
فقال بعضهم معناه: فجزاؤه جهنم إن جازاه.
*ذكر من قال ذلك: 10184- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: هو جزاؤه، وإن شاء تجاوز عنه.
10185- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله قال، حدثنا شعبة، عن يسار، عن أبي صالح: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: جزاؤه جهنم إن جازاه.
* * * وقال آخرون: عُنِي بذلك رجل بعينه، كان أسلم فارتدّ عن إسلامه، وقتل رجلا مؤمنًا.
قالوا: فمعنى الآية: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا مستحلا قتلَه، فجزاؤه جهنم خالدًا فيها.
*ذكر من قال ذلك: 10186- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: أن رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صُبَابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الديةَ فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله= قال ابن جريج: وقال غيره: ضرب النبيّ صلى الله عليه وسلم ديتَه على بني النجار، ثم بعث مقيسًا، وبعث معه رجلا من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم، فاحتمل مقيسٌ الفِهريَّ (56) = وكان أيِّدًا (57) = فضرب به الأرض، &; 9-62 &; ورَضخَ رأسه بين حجرين، ثم ألفى يتغنى: ثَــأَرْتُ بِـهِ فِهْـرًا, وَحَـمَّلْتُ عَقْلَـهُ سَـرَاةَ بَنِـي النَّجَّـارِ أَرْبَـابِ فَـارِعِ (58) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أظنّه قد أحدث حدثًا!
أما والله لئن كان فعل، لا أومِنه في حِلّ ولا حَرَم ولا سلم ولا حرب!
فقتل يوم الفتح= قال ابن جريج: وفيه نـزلت هذه الآية: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا "، الآية .
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: إلا من تاب.
*ذكر من قال ذلك: 10187- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور قال، حدثني سعيد بن جبير= أو: حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير= قال: سألت ابن عباس عن قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم، ولا توبة &; 9-63 &; له = فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من نَدم.
* * * وقال آخرون: ذلك إيجاب من الله الوعيدَ لقاتل المؤمن متعمّدًا، كائنًا من كان القاتل، على ما وصفه في كتابه، ولم يجعل له توبة من فعله.
قالوا: فكل قاتل مؤمن عمدًا، فله ما أوعده الله من العذاب والخلود في النار، ولا توبة له.
وقالوا: نـزلت هذه الآية بعد التي في" سورة الفرقان ".
*ذكر من قال ذلك: 10188- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجعد قال: كنا عند ابن عباس بعد ما كُفَّ بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟
فقال: " جزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضبَ الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا ".
قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمِل صالحًا ثم اهتدى؟
قال ابن عباس: ثكلتْه أمه!
وأنَّى له التوبة والهدى؟
فوالذي نفسي بيده لقد سمعت نبيَّكم صلى الله عليه وسلم يقول: ثكلته أمه!
رجل قتل رجلا متعمدًا جاء يوم القيامة آخذًا بيمينه أو بشماله، تَشْخَبُ أوداجه دمًا، في قُبُل عرش الرحمن، يَلزم قاتلَه بيده الأخرى يقول: سلْ هذا فيم قتلني؟
ووالذي نفس عبد الله بيده، لقد أنـزلت هذه الآية، فما نسختها من آية حتى قُبض نبيّكم صلى الله عليه وسلم، وما نـزل بعدها من برهان.
(59) 10189- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد: عن عمرو بن قيس، عن يحيى بن الحارث التيمي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا "، فقيل له: وإن تاب وآمن وعمل صالحًا!
فقال: وأنَّى له التوبة!
(60) 10190- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا موسى بن داود قال، حدثنا همام، عن يحيى، عن رجل، عن سالم قال: كنت جالسًا مع ابن عباس، فسأله رجل فقال: أرأيت رجلا قتل مؤمنًا متعمدًا، أين منـزله؟
قال: " جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا ".
قال: أفرأيت إن هو تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟
قال: وأنَّى له الهدى، ثكلته أمه؟
والذي نفسي بيده لسمعته يقول= يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم= يجيء يوم القيامة مُعَلِّقًا رأسه بإحدى يديه، إما بيمينه أو بشماله، آخذًا صاحبه بيده الأخرى، تشخَبُ أوداجه حِيَال عرش الرحمن، يقول: يا رب، سلْ عبدك هذا عَلام قتلني؟
فما جاء نبيّ بعد نبيِّكم، ولا نـزل كتابٌ بعد كتابكم.
(61) 10191- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قبيصة قال، حدثنا عمار بن رُزيق، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس: بنحوه= إلا أنه قال في حديثه: فوالله لقد أنـزلت على نبيكم، ثم ما نسخها شيء، ولقد سمعته يقول: ويل لقاتل المؤمن، يجيء يوم القيامة آخذًا رأسه بيده= ثم ذكر الحديث نحوه.
(62) 10192- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قال لي عبد الرحمن بن أبزى: سئل ابن عباس عن قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، فقال: لم ينسخها شيء.
وقال في هذه الآية: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا [سورة الفرقان: 68].
قال: نـزلت في أهل الشرك.
10193- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين، فذكر نحوه.
(63) 10194- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور قال، حدثني سعيد بن جبير= أو: حُدّثت عن سعيد بن جبير: أن عبد الرحمن بن أبزى أمَره أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في" النساء ": &; 9-66 &; " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم " إلى آخر الآية= والتي في" الفرقان ": وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا إلى وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ، قال ابن عباس: إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فلا توبة له.
وأما التي في" الفرقان "، فإنها لما أنـزلت قال المشركون من أهل مكة: فقد عدَلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق، وأتينا الفواحش، فما ينفعنا الإسلام!
قال فنـزلت: إِلا مَنْ تَابَ الآية (64) 10195- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: ما نسخها شيء.
10196- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: هي من آخر ما نـزلت، ما نسخها شيء.
10197- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدخلت إلى ابن عباس فسألته فقال: لقد نـزلت في آخر ما أنـزل من القرآن، وما نسخها شيء.
(65) 10198- حدثني المثنى قال، حدثنا آدم العسقلاني قال: حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إياس معاوية بن قرّة قال، أخبرني شهر بن حوشب قال، سمعت ابن عباس يقول: نـزلت هذه الآية: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم " بعد قوله: إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ، بسنةٍ.
10199- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا سلم بن قتيبة قال، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن ابن عباس قال: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم " ، قال: نـزلت بعد إِلا مَنْ تَابَ ، بسنة.
10200- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثنا شعبة قال، حدثنا أبو إياس قال، حدثني من سمع ابن عباس يقول في قاتل المؤمن: نـزلت بعد ذلك بسنة.
فقلت لأبي إياس: من أخبرك؟
فقال: شهر بن حَوْشب.
10201- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي حصين، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا "، قال: ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله.
10202- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا " الآية، قال عطية: وسئل عنها ابن عباس، فزعم أنها نـزلت بعد الآية التي في" سورة الفرقان " بثمان سنين، وهو قوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إلى قوله: غَفُورًا رَحِيمًا .
10203- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن مطرف عن أبي السفر، عن ناجية، عن ابن عباس قال: هما المبهمتان: الشرك والقتل.
(66) 10204- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، لأن الله سبحانه يقول: " فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابًا عظيمًا ".
10205- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن بعض أشياخه الكوفيين، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود في قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم "، قال: إنها لمحكمة، وما تزداد إلا شدة.
10206- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثني هياج بن بسطام، عن محمد بن عمرو، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت قال: نـزلت " سورة النساء " بعد " سورة الفرقان " بستة أشهر.
(67) 10207- حدثنا ابن البرقي قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، أخبرنا نافع بن يزيد قال، حدثني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: يأتي المقتول يوم القيامة آخذًا رأسه بيمينه وأوداجه تشخَب دمًا، يقول: يا ربِّ، دمي عند فلان!
فيؤخذان فيسندان إلى العرش، فما أدري ما يقضى بينهما.
ثم نـزع بهذه الآية: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها " الآية ، قال ابن عباس: والذي نفسي بيده، ما نسخها الله جل وعز منذ أنـزلها على نبيَّكم عليه السلام.
(68) 10208- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، &; 9-69 &; عن أبي الزناد قال: سمعت رجلا يحدّث خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت قال، سمعت أباك يقول: نـزلت الشديدةُ بعد الهيِّنة بستة أشهر، قوله: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا "، إلى آخر الآية، بعد قوله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إلى آخر الآية، [سورة الفرقان، 68].
10209- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن أبي الزناد قال: سمعت رجلا يحدّث خارجة بن زيد قال: سمعت أباك في هذا المكان بمنَى يقول: نـزلت الشديدة بعد الهينة= قال: أراه: بستة أشهر، يعني: " ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا " بعد: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [سورة النساء: 48 ، 116].
10210- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم قال: ما نسخها شيء منذ نـزلت، وليس له توبة.
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، (69) قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جزاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضَّل على أهل الإيمان به وبرسوله، (70) فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إيّاها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [سورة الزمر: 53].
* * * فإن ظن ظان أن القاتل إن وجب أن يكون داخلا في هذه الآية، فقد يجب أن يكون المشرك داخلا فيه، لأن الشرك من الذنوب، فإن الله عز ذكرُه قد أخبر &; 9-70 &; أنه غير غافرٍ الشركَ لأحدٍ بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [سورة النساء: 48 ، 116]، والقتل دون الشرك.
(71) --------------- الهوامش : (44) انظر تفسير"الجزاء" فيما سلف 2: 27 ، 28 ، 314 / 6: 576.
(45) انظر تفسير"الخلود" فيما سلف 6: 577 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(46) انظر تفسير"غضب الله" فيما سلف 1: 188 ، 189 / 2 : 138 ، 347 / 7 : 116.
(47) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف 2: 328 ، 329 / 3 : 254 ، 261 / 6: 577 / 8 : 439 ، 471.
(48) "بضع اللحم يبضعه": قطعه.
(49) سقط من الترقيم رقم: 10177.
(50) في المطبوعة: "قود يديه" ، وأثبت ما في المخطوطة.
وقوله: "قود يده" ، أي قود بما جنت يده.
(51) في المطبوعة والمخطوطة: "إذا كان الذي ضرب الأغلب" ، والسياق يقتضي إثبات"به" حيث أثبتها.
(52) الأثر: 10180 -"حبان بن أبي جبلة القرشي ، مولاهم ، المصري.
روى عن عمرو بن العاص ، والعبادلة إلا ابن الزبير ، مضت ترجمته برقم: 2195.
أما "عبد الرحمن بن يحيى" ، فلم أعرف من هو ، وأخشى أن يكون"صوابه" عبد الرحمن بن أنعم ، وهو: "عبد الرحمن بن زياد بن أنعم بن ذري بن يحمد الإفريقي" ، وسلفت ترجمته برقم 2195 ، وروايته أيضًا عن"حبان بن أبي جبلة".
(53) الحديث: 10182 - سفيان: هو الثوري.
جابر: هو ابن يزيد الجعفي.
وهو ضعيف جدًا ، رمي بالكذب ، كما بينا في: 2340.
أبو عازب: رجل كوفي غير معروف.
قيل: اسمه"مسلم بن عمرو" ، وقيل: "مسلم بن أراك".
لم يرو عنه غير جابر الجعفي -هذا- و"الحارث بن زياد".
و"الحارث بن زياد" -هذا-: لا يعرف أحدًا ، فإنه هو مجهول.
ترجمه ابن أبي حاتم 1 / 2 / 75.
وروى عن أبيه أنه قال: "هو مجهول".
ولم يترجم له البخاري.
وأما أبو عازب: فقد ترجم له البخاري في الكبير 4 / 1 / 268 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 190 - كلاهما في اسم"مسلم بن عمرو".
وهو -على الرغم من هذا- لا يزال مجهولا ، إذ لم يرو عنه ثقة معروف.
والحديث رواه أحمد في المسند 4 : 272 (حلبي) ، عن وكيع ، بهذا الإسناد.
ولكن بلفظ"لكل شيء خطأ" بزيادة اللام في"كل".
ثم رواه 4: 275 (حلبي) ، عن أحمد بن عبد الملك ، عن زهير ، عن جابر -وهو الجعفي- به ، بلفظ"كل شيء خطأ إلا السيف ، وفي كل خطأ أرش".
ورواه البيهقي في السنن الكبرى 8 : 42 ، بثلاثة أسانيد ، من طريق جابر الجعفي ثم رواه بإسناد آخر ، من طريق قيس بن الربيع ، عن أبي حصين ، عن إبراهيم بن بنت النعمان بن بشير ، عن النعمان.
ثم قال: "مدار هذا الحديث على جابر الجعفي ، وقيس بن الربيع ، ولا يحتج بهما".
وذكره الزيلعي في نصب الراية 4: 333 ، من رواية المسند.
وأعله بما قاله صاحب التنقيح: "وعلى كل حال فأبو عازب ليس بمعروف".
ثم نقل تعليله عن البيهقي في المعرفة بمثل ما أعله به في السنن الكبرى.
ولم يعقب عليهما.
(54) الحديث: 10183 - هذا مختصر من حديث صحيح متفق عليه.
رواه البخاري 12: 174 -175 ، 187-188 ، ومسلم 2: 27 -كلاهما من طريق همام ، عن قتادة ، عن أنس.
ورواه البخاري أيضًا 12: 176 ، 180 ، ومسلم 2: 26-27 ، من أوجه أخر عن أنس.
وذكره المجد بن تيمية في المنتقى: 3915 ، وقال: "رواه الجماعة" - يعني الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة.
="الأوضاح" جمع وضح (بفتحتين) ، وهو الدرهم الصحيح.
ثم اتخذ حلي من الدراهم الصحاح من الفضة ، فقيل لها"أوضاح".
(55) قوله: "ما كان المضروب به من شيء" يعني: أي شيء كان المضروب به.
(56) "مقيس الفهري" ، والأشهر"السهمي" ، وهو واحد ، لأنه من بني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر.
(57) "الأيد" على وزن"سيد" الشديد القوي ، من"الأيد" (بفتح فسكون) وهو القوة.
(58) سيرة ابن هشام 3: 305 ، 306 ، تاريخ الطبري 3: 66 ، معجم البلدان (فارع) ، وهو آخر أبيات أربعة هي: شَـفَى النَّفْسَ أَنْ قَـدْ بَاتَ بِالْقَاعِ مُسْنَدًا تُضَــرِّجُ ثَوْبَيْــهِ دِمَـاءُ الأَخَـادِعِ وَكَـانَتْ هُمُـومُ النَّفْسِ مِـنْ قَبْـلِ قَتْلِهِ تُلِـمُّ فَتَحْــمِينِي وِطَـاءَ الْمَضَـاجِعِ حَـلَلْتُ بِـهِ وِتـرِي، وَأَدْرَكْـتُ ثُؤْرَتِي وَكُــنْتُ إِلَـى الأَوْثَـانِ أَوَّلَ راجِـعِ ثَــأَرْتُ بِــهِ فِهْــرًا.............
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وكان في المخطوطة والمطبوعة: "قتلت به فهرًا" ، وليس صوابًا ، إنما قتل قاتل أخيه هشام بن صبابة ، قالوا: اسمه"أوس" ، لا"فهر".
أما "فهر" في قوله: "ثأرت به فهرًا" فإنه يعني أبناء فهر ، وهم رهطه ، أدرك ثأرهم بقتله الأنصاري.
وفي مطبوعة تاريخ الطبري"قهرًا" بالقاف ، والصواب بالفاء.
و"فارع" أطم بالمدينة لبني النجار ، كان لحسان بن ثابت رحمه الله ، ذكره في شعره.
(59) الأثر: 10188 -"يحيى الجابر" هو"يحيى بن المجبر" ، وهو: يحيى بن عبد الله بن الحارث المجبر التيمي وثقه أخي السيد أحمد في المسند.
ورواه أحمد في المسند رقم: 2142 بطوله ، وهو حديث صحيح ، من طريق محمد بن جعفر عن شعبة ، عن يحيى بن المجبر التيمي.
ثم رواه برقم: 2683 ، ورواه مختصرًا برقم: 1941 ، 3445 وانظر ابن كثير 2: 537-539.
وقوله: "تشخب أوداجه دما" ، أي تسيل دمًا له صوت في خروجه ، و"الشخب" ، ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة لضرع الشاة ، ويكون لمخرجه صوت عند الحلب.
و"الأوداج" جمع"ودج" (بفتحتين) ، وهي العروق التي تكتنف الحلقوم ، وما أحاط بالعنق من العروق التي يقطعها الذابح.
وقوله: "في قبل عرش الرحمن" ، "قبل" (بضم فسكون) ، أو (بفتحتين) أو (بضمتين) كل ذلك جائز ، وهو الوجه ، أو ما يستقبلك من شيء ، ويعني به ما بين يدي العرش حيث يستقبله الناظر.
(60) الأثر: 10189 -"أبو خالد" الأحمر ، هو سليمان بن حيان الأزدي ، مضى برقم: 3956 ، ورواية سفيان بن وكيع عنه برقم: 2472.
و"عمرو بن قيس الملائي" ، مضى مرارًا ، وانظر رقم: 3956.
و"يحيى بن الحارث التيمي" هو"يحيى الجابر" ، و"يحيى بن عبد الله بن الحارث" نسب إلى جده ، ومضى في الأثر السالف.
وهذا الأثر مختصر الذي قبله.
(61) الأثر: 10190 -"موسى بن داود الضبي الطرسوسي" ، من شيوخ أحمد وعلي بن المديني.
ثقة صاحب حديث ، ولي قضاء طرسوس إلى أن مات بها.
و"همام" هو ابن يحيى بن دينار الأزدي ، روى عن عطاء وقتادة وابن سيرين.
روى عن الثوري ، وهو من أقرانه.
ثقة.
وهذا الأثر طريق آخر للأثر السالف بمعناه ، وجعل بين يحيى الجابر ، وسالم بن أبي الجعد"رجلا" ، ويحيى قد سمع سالمًا ، فلا يضر أن يكون سمعه أيضًا من رجل عن سالم.
(62) الأثر: 10191 -"عمار بن رزيق الضبي" ، أبو الأحوص.
روى عن أبي إسحاق السبيعي والأعمش وعطاء بن السائب ، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة.
مترجم في التهذيب.
وكان في المطبوعة: "عمان بن زريق" بالنون في"عمار" وبتقديم الزاي على الراء ، وهو خطأ.
(63) الأثر: 10192 ، 10193 - رواه مسلم (18 : 158) والبخاري (فتح 8 : 380) من طريق محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، كالإسناد الثاني.
(64) الأثر: 10194 - رواه البخاري (فتح 8: 379) ومسلم (18 : 159).
رواه البخاري من طريق سعد بن حفص ، عن شيبان ، عن منصور.
ورواه مسلم من طريق هارون بن عبد الله ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم الليثي ، عن أبي معاوية شيبان.
وأسقطت المخطوطة: "وأتينا الفواحش".
وليس فيها كلمة"الآية" في آخر الأثر.
(65) الآثار 10195 - 10197 - هذه الآثار ، رواها البخاري في صحيحه (فتح 8 / 379) ومسلم (18 : 158).
وقد استقصى الحافظ ابن حجر الكلام فيها في الفتح.
وكان في المطبوعة: "لقد نزلت في آخر ما نزل" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(66) يعني بقوله: "المبهمتان" ، يعني: الآيتان اللتان لا مخرج منهما ، كأنها باب مبهم مصمت ، أي: مستغلق لا يفتح ، ولا مأتى له.
وذلك أن الشرك والقتل ، جزاؤه التخليد في نار جهنم ، أعاذنا الله منها.
ومثله في الحديث: "أربع مبهمات: النذر والنكاح والطلاق والعتاق" ، وفسرته رواية أخرى: "أربع مقفلات" ، أي: لا مخرج منها ، كأنها أبواب مبهمة عليها أقفال.
وقد مضى تفسير"المبهم" فيما سلف 8: 143 ، تعليق: 2 ، بغير هذا المعنى ، فانظره.
(67) الأثر: 10206 -"هياج بن بسطام الهروي" ، مضت ترجمته برقم: 9603.
(68) الأثر: 10207 -"ابن البرقي" ، هو"أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي" سلف برقم : 22 وكان في المطبوعة"ابن الرقي" وهو خطأ.
و"ابن أبي مريم" ، هو"سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم الجمحي" ، مضى برقم: 22 ، وغيره من المواضع.
وهذا الأثر ساقط من المخطوطة.
(69) في المطبوعة: "وأولى القول في ذلك" ، والصواب من المخطوطة.
(70) في المطبوعة: "يعفو أو يتفضل" ، والصواب من المخطوطة.
(71) في المخطوطة: "ولا نقبل دون الشرك" ، وهو خطأ محض ، والصواب ما في المطبوعة.
قوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيمافيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ومن يقتل " من " شرط ، وجوابه فجزاؤه وسيأتي .
واختلف العلماء في صفة المتعمد في القتل ؛ فقال عطاء والنخعي وغيرهما : هو من قتل بحديدة كالسيف والخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المشحوذ المعد للقطع أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها .
وقالت فرقة : المتعمد كل من قتل بحديدة كان القتل أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك ، وهذا قول الجمهور .الثانية : ذكر الله عز وجل في كتابه العمد والخطأ ولم يذكر شبه العمد وقد اختلف العلماء في القول به ، فقال ابن المنذر : أنكر ذلك مالك ، وقال : ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ .
وذكره الخطابي أيضا عن مالك وزاد : وأما شبه العمد فلا نعرفه .
قال أبو عمر : أنكر مالك والليث بن سعد شبه العمد ؛ فمن قتل عندهما بما لا يقتل مثله غالبا كالعضة واللطمة وضربة السوط والقضيب وشبه ذلك فإنه عمد وفيه القود .
قال أبو عمر : وقال بقولهما جماعة من الصحابة والتابعين .
وذهب جمهور فقهاء الأمصار إلى أن هذا كله شبه العمد .
وقد ذكر عن مالك وقاله ابن وهب وجماعة من الصحابة والتابعين .
قال ابن المنذر : وشبه العمد يعمل به عندنا .
وممن أثبت شبه العمد الشعبي والحكم وحماد والنخعي وقتادة وسفيان الثوري وأهل [ ص: 283 ] العراق والشافعي ، وروينا ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما .قلت : وهو الصحيح ؛ فإن الدماء أحق ما احتيط لها إذ الأصل صيانتها في أهبها ، فلا تستباح إلا بأمرين لا إشكال فيه ، وهذا فيه إشكال ؛ لأنه لما كان مترددا بين العمد والخطأ حكم له بشبه العمد ؛ فالضرب مقصود والقتل غير مقصود ، وإنما وقع بغير القصد فيسقط القود وتغلظ الدية .
وبمثل هذا جاءت السنة ؛ روى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها .
وروى الدارقطني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : العمد قود اليد والخطأ عقل لا قود فيه ومن قتل في عمية بحجر أو عصا أو سوط فهو دية مغلظة في أسنان الإبل .
وروي أيضا من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عقل شبه العمد مغلظ مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه .
وهذا نص .
وقال طاوس في الرجل يصاب في ماء الرميا في القتال بالعصا أو السوط أو الترامي بالحجارة يودى ولا يقتل به من أجل أنه لا يدرى ، من قاتله .
وقال أحمد بن حنبل : العميا هو الأمر الأعمى للعصبية لا تستبين ما وجهه .
وقال إسحاق : هذا في تحارج القوم وقتل بعضهم بعضا .
فكأن أصله من التعمية وهو التلبيس ؛ ذكره الدارقطنيمسألة : واختلف القائلون بشبه العمد في الدية المغلظة ، فقال عطاء والشافعي : هي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة .
وقد روي هذا القول عن عمر وزيد بن ثابت والمغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري ؛ وهو مذهب مالك حيث يقول بشبه العمد ، ومشهور مذهبه أنه لم يقل به إلا في مثل قصة المدلجي بابنه حيث ضربه بالسيف .
وقيل : هي مربعة [ ص: 284 ] ربع بنات لبون ، وربع حقاق ، وربع جذاع ، وربع بنات مخاض .
هذا قول النعمان ويعقوب ؛ وذكره أبو داود عن سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي .
وقيل : هي مخمسة : عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة ؛ هذا قول أبي ثور .
وقيل : أربعون جذعة إلى بازل عامها وثلاثون حقة ، وثلاثون بنات لبون .
وروي عن عثمان بن عفان وبه قال الحسن البصري وطاوس والزهري .
وقيل : أربع وثلاثون خلفة إلى بازل عامها ، وثلاث وثلاثون حقة ، وثلاث وثلاثون جذعة ؛ وبه قال الشعبي والنخعي ، وذكره أبو داود عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي .الثالثة : واختلفوا فيمن تلزمه دية شبه العمد ؛ فقال الحارث العكلي وابن أبي ليلى وابن شبرمة وقتادة وأبو ثور : هو عليه في ماله .
وقال الشعبي والنخعي والحكم والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي : هو على العاقلة .
قال ابن المنذر : قول الشعبي أصح ؛ لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية الجنين على عاقلة الضاربة .الرابعة : أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دية العمد وأنها في مال الجاني ؛ وقد تقدم ذكرها في " البقرة " .
وقد أجمعوا على أن على القاتل خطأ الكفارة ؛ واختلفوا فيها في قتل العمد ؛ فكان مالك والشافعي يريان على قاتل العمد الكفارة كما في الخطأ .
قال الشافعي : إذا وجبت الكفارة في الخطأ فلأن تجب في العمد أولى .
وقال : إذا شرع السجود في السهو فلأن يشرع في العمد أولى ، وليس ما ذكره الله تعالى في كفارة العمد بمسقط ما قد وجب في الخطأ .
وقد قيل : إن القاتل عمدا إنما تجب عليه الكفارة إذا عفي عنه فلم يقتل ، فأما إذا قتل قودا فلا كفارة عليه تؤخذ من ماله .
وقيل تجب .
ومن قتل نفسه فعليه الكفارة في ماله .
وقال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي : لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله تعالى .
قال ابن المنذر : وكذلك نقول ؛ لأن الكفارات عبادات ولا يجوز التمثيل .
وليس يجوز لأحد أن يفرض فرضا يلزمه عباد الله إلا بكتاب أو سنة أو إجماع ، وليس مع من فرض على القاتل عمدا كفارة حجة من حيث ذكرت .الخامسة : واختلفوا في الجماعة يقتلون الرجل خطأ ؛ فقالت طائفة : على كل واحد منهم الكفارة ؛ كذلك قال الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي .
وقالت طائفة : عليهم كلهم كفارة واحدة ؛ هكذا قال أبو ثور ، وحكي ذلك عن الأوزاعي .
وفرق الزهري بين العتق والصوم ؛ فقال في الجماعة يرمون بالمنجنيق فيقتلون رجلا : عليهم كلهم عتق رقبة ، وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين .[ ص: 285 ] السادسة : روى النسائي : أخبرنا الحسن بن إسحاق المروزي - ثقة قال : حدثنا خالد بن خداش قال : حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا .
وروي عن عبد الله قال : قال رسول الله : أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء .
وروى إسماعيل بن إسحاق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عباس أنه سأل سائل فقال : يا أبا العباس ، هل للقاتل توبة ؟
فقال له ابن عباس كالمتعجب من مسألته : ماذا تقول !
مرتين أو ثلاثا .
ثم قال ابن عباس : ويحك !
أنى له توبة !
سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : يأتي المقتول معلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله بيده الأخرى تشخب أوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه وتعالى رب هذا قتلني فيقول الله تعالى للقاتل تعست ويذهب به إلى النار .
وعن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما نازلت ربي في شيء ما نازلته في قتل المؤمن فلم يجبني .السابعة : واختلف العلماء في قاتل العمد هل له من توبة ؟
فروى البخاري عن سعد بن جبير قال : اختلف فيها أهل الكوفة ، فرحلت فيها إلى ابن عباس ، فسألته عنها فقال : نزلت هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم هي آخر ما نزل وما نسخها شيء .
وروى النسائي عنه قال : سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟
قال : لا .
وقرأت عليه الآية التي في الفرقان : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر قال : هذه آية مكية نسختها آية مدنية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه .
وروي عن زيد بن ثابت نحوه ، وإن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر ، وفي رواية بثمانية أشهر ؛ ذكرهما النسائي عن زيد بن ثابت .
وإلى عموم هذه الآية مع هذه الأخبار عن زيد وابن عباس ذهبت المعتزلة وقالوا : هذا مخصص عموم قوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ورأوا أن الوعيد نافذ حتما على كل قاتل ؛ فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا : التقدير ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا .
وذهب جماعة من العلماء منهم .
عبد الله بن عمر - وهو أيضا مروي عن زيد وابن عباس - إلى أن له توبة .
روى يزيد بن هارون قال : أخبرنا أبو مالك [ ص: 286 ] الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال ألمن قتل مؤمنا متعمدا توبة ؟
قال : لا ، إلا النار ؛ قال : فلما ذهب قال له جلساؤه : أهكذا كنت تفتينا ؟
كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة ؛ قال : إني لأحسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا .
قال : فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك .
وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح ، وإن هذه الآية مخصوصة ، ودليل التخصيص آيات وأخبار .
وقد أجمعوا على أن الآية نزلت في مقيس بن صبابة ؛ وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن صبابة ؛ فوجد هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه رجلا من بني فهر ؛ فقال بنو النجار : والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي الدية ؛ فأعطوه مائة من الإبل ؛ ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا مقيس على الفهري فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا ، وجعل ينشد :قتلت به فهرا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع حللت به وتري وأدركت ثورتيوكنت إلى الأوثان أول راجعفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أؤمنه في حل ولا حرم .
وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة .
وإذا ثبت هذا بنقل أهل التفسير وعلماء الدين فلا ينبغي أن يحمل على المسلمين ، ثم ليس الأخذ بظاهر الآية بأولى من الأخذ بظاهر قوله : إن الحسنات يذهبن السيئات ، وقوله تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده وقوله : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .
والأخذ بالظاهرين تناقض فلا بد من التخصيص .
ثم إن الجمع بين آية " الفرقان " وهذه الآية ممكن فلا نسخ ولا تعارض ، وذلك أن يحمل مطلق آية " النساء " على مقيد آية " الفرقان " فيكون معناه فجزاؤه كذا إلا من تاب ؛ لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل والموجب وهو التواعد بالعقاب .
وأما الأخبار فكثيرة كحديث عبادة بن الصامت الذي قال فيه : تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه .
رواه الأئمة أخرجه الصحيحان .
وكحديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي قتل مائة نفس .
أخرجه مسلم في صحيحه وابن ماجه في سننه وغيرهما إلى غير ذلك من الأخبار الثابتة .
ثم إنهم قد [ ص: 287 ] أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل ، ويقر بأنه قتل عمدا ، ويأتي السلطان الأولياء فيقام عليه الحد ويقتل قودا ، فهذا غير متبع في الآخرة ، والوعيد غير نافذ عليه إجماعا على مقتضى حديث عبادة ؛ فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم قوله تعالى : ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ودخله التخصيص بما ذكرنا ، وإذا كان كذلك فالوجه أن هذه الآية مخصوصة كما بينا ، أو تكون محمولة على ما حكي عن ابن عباس أنه قال : متعمدا معناه مستحلا لقتله ؛ فهذا أيضا يئول إلى الكفر إجماعا .
وقالت جماعة : إن القاتل في المشيئة تاب أو لم يتب ؛ قاله أبو حنيفة وأصحابه .
فإن قيل : إن قوله تعالى : فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه دليل على كفره ؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلا على كافر خارج من الإيمان .
قلنا : هذا وعيد ، والخلف في الوعيد كرم ؛ كما قال :وإني متى أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعديوقد تقدم .جواب ثان : إن جازاه بذلك ؛ أي هو أهل لذلك ومستحقه لعظيم ذنبه .
نص على هذا أبو مجلز لاحق بن حميد وأبو صالح وغيرهما .
وروى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا وعد الله لعبد ثوابا فهو منجزه وإن أوعد له العقوبة فله المشيئة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه .
وفي هذين التأويلين دخل ، أما الأول - فقال القشيري : وفي هذا نظر ؛ لأن كلام الرب لا يقبل الخلف إلا أن يراد بهذا تخصيص العام ؛ فهو إذا جائز في الكلام .
وأما الثاني : وإن روي أنه مرفوع فقال النحاس : وهذا الوجه الغلط فيه بين ، وقد قال الله عز وجل : ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا ولم يقل أحد : إن جازاهم ؛ وهو خطأ في العربية لأن بعده وغضب الله عليه وهو محمول على معنى جازاه .وجواب ثالث : فجزاؤه جهنم إن لم يتب وأصر على الذنب حتى وافى ربه على الكفر بشؤم المعاصي .
وذكر هبة الله في كتاب " الناسخ والمنسوخ " أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، وقال : هذا إجماع الناس إلا ابن عباس وابن عمر فإنهما قالا هي محكمة .
وفي هذا الذي قاله نظر ؛ لأنه موضع عموم وتخصيص لا موضع نسخ ؛ قاله ابن عطية .قلت : هذا حسن ؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار إنما المعنى فهو يجزيه .
وقال النحاس في " معاني القرآن " له : القول فيه عند العلماء أهل النظر أنه محكم وأنه يجازيه إذا لم يتب ، فإن تاب فقد بين أمره بقوله : وإني لغفار لمن تاب فهذا لا يخرج عنه ، والخلود لا يقتضي [ ص: 288 ] الدوام قال الله تعالى : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد الآية .
وقال تعالى : يحسب أن ماله أخلده وقال زهير :ألا لا أرى على الحوادث باقيا ولا خالدا إلا الجبال الرواسياوهذا كله يدل على أن الخلد يطلق على غير معنى التأبيد ؛ فإن هذا يزول بزوال الدنيا .
وكذلك العرب تقول : لأخلدن فلانا في السجن ؛ والسجن ينقطع ويفنى ، وكذلك المسجون .
ومثله قولهم في الدعاء : خلد الله ملكه وأبد أيامه .
وقد تقدم هذا كله لفظا ومعنى .
والحمد لله .
تقدم أن الله أخبر أنه لا يصدر قتل المؤمن من المؤمن، وأن القتل من الكفر العملي، وذكر هنا وعيد القاتل عمدا، وعيدا ترجف له القلوب وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول.
فلم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم، أي: فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازى صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار.
فعياذًا بالله من كل سبب يبعد عن رحمته.
وهذا الوعيد له حكم أمثاله من نصوص الوعيد، على بعض الكبائر والمعاصي بالخلود في النار، أو حرمان الجنة.
وقد اختلف الأئمة رحمهم الله في تأويلها مع اتفاقهم على بطلان قول الخوارج والمعتزلة الذين يخلدونهم في النار ولو كانوا موحدين.
والصواب في تأويلها ما قاله الإمام المحقق: شمس الدين بن القيم رحمه الله في "المدارج" فإنه قال - بعدما ذكر تأويلات الأئمة في ذلك وانتقدها فقال: وقالت فِرقَة: هذه النصوص وأمثالها مما ذكر فيه المقتضي للعقوبة، ولا يلزم من وجود مقتضي الحكم وجوده، فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه.
وغاية هذه النصوص الإعلام بأن كذا سبب للعقوبة ومقتض لها، وقد قام الدليل على ذكر الموانع فبعضها بالإجماع، وبعضها بالنص.
فالتوبة مانع بالإجماع، والتوحيد مانع بالنصوص المتواترة التي لا مدفع لها، والحسنات العظيمة الماحية مانعة، والمصائب الكبار المكفرة مانعة، وإقامة الحدود في الدنيا مانع بالنص، ولا سبيل إلى تعطيل هذه النصوص فلا بد من إعمال النصوص من الجانبين.
ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات، اعتبارًا بمقتضي العقاب ومانعه، وإعمالا لأرجحها.
قالوا: وعلى هذا بناء مصالح الدارين ومفاسدهما.
وعلى هذا بناء الأحكام الشرعية والأحكام القدرية، وهو مقتضى الحكمة السارية في الوجود، وبه ارتباط الأسباب ومسبباتها خلقا وأمرا، وقد جعل الله سبحانه لكل ضد ضدا يدافعه ويقاومه، ويكون الحكم للأغلب منهما.
فالقوة مقتضية للصحة والعافية، وفساد الأخلاط وبغيها مانع من عمل الطبيعة، وفعل القوة والحكم للغالب منهما، وكذلك قوى الأدوية والأمراض.
والعبد يكون فيه مقتض للصحة ومقتض للعطب، وأحدهما يمنع كمال تأثير الآخر ويقاومه، فإذا ترجح عليه وقهره كان التأثير له.
ومِنْ هنا يعلم انقسام الخلق إلى مَنْ يدخل الجنة ولا يدخل النار، وعكسه، ومَنْ يدخل النار ثم يخرج منها ويكون مكثه فيها بحسب ما فيه من مقتضى المكث في سرعة الخروج وبطئه.
ومن له بصيرة منورة يرى بها كل ما أخبر الله به في كتابه من أمر المعاد وتفاصيله، حتى كأنه يشاهده رأي عين.
ويعلم أن هذا هو مقتضي إلهيته سبحانه، وربوبيته وعزته وحكمته وأنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ونسبة ذلك إليه نسبة ما لا يليق به إليه، فيكون نسبة ذلك إلى بصيرته كنسبة الشمس والنجوم إلى بصره.
وهذا يقين الإيمان، وهو الذي يحرق السيئات، كما تحرق النار الحطب، وصاحب هذا المقام من الإيمان يستحيل إصراره على السيئات، وإن وقعت منه وكثرت، فإن ما معه من نور الإيمان يأمره بتجديد التوبة كل وقت بالرجوع إلى الله في عدد أنفاسه، وهذا من أحب الخلق إلى الله.
انتهى كلامه قدس الله روحه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا.
قوله تعالى : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) الآية ، نزلت في مقيس بن صبابة الكناني ، وكان قد أسلم هو وأخوه هشام ، فوجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه رجلا من بني فهر إلى بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى مقيس فيقتص منه ، وإن لم تعلموا أن تدفعوا إليه ديته ، فأبلغهم الفهري ذلك فقالوا : سمعا وطاعة لله ولرسوله ، والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي ديته ، فأعطوه مائة من الإبل ، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة فأتى الشيطان مقيسا فوسوس إليه ، فقال : تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة ، اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية؛ فتغفل الفهري فرماه بصخرة فشدخه ، ثم ركب بعيرا وساق بقيتها راجعا إلى مكة كافرا فنزل فيه : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا ( فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) بكفره وارتداده ، وهو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، عمن أمنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة .
قوله تعالى : ( وغضب الله عليه ولعنه ) أي : طرده عن الرحمة ، ( وأعد له عذابا عظيما ) اختلفوا في حكم هذه الآية .
فحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن قاتل المؤمن عمدا لا توبة له ، فقيل له : أليس قد قال الله في سورة الفرقان : ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق إلى أن قال ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب ( الفرقان 67 - 70 ) ، فقال : كانت هذه في الجاهلية ، وذلك أن أناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تدعوا إليه لحسن ، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ، فنزلتوالذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله إلا من تاب وآمن فهذه لأولئك .
وأما التي في النساء فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم .
وقال زيد بن ثابت : لما نزلت التي في الفرقان والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ، عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة ، وأراد بالغليظة هذه الآية ، وباللينة آية الفرقان .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : تلك آية مكية وهذه مدنية نزلت ولم ينسخها شيء .
والذي عليه الأكثرون ، وهو مذهب أهل السنة : أن قاتل المسلم عمدا توبته مقبولة لقوله تعالى : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ( طه - 82 ) وقال : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( النساء - 48 ) وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل ، كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال : إن لم يقتل يقال له : لا توبة لك ، وإن قتل ثم جاء يقال : لك توبة .
ويروى مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما .
وليس في الآية متعلق لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر ، لأن الآية نزلت في قاتل وهو كافر ، وهو مقيس بن صبابة ، وقيل : إنه وعيد لمن قتل مؤمنا مستحلا لقتله بسبب إيمانه ، ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافرا مخلدا في النار ، وقيل في قوله تعالى : ( فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) معناه : هي جزاؤه إن جازاه ، ولكنه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له بكرمه ، فإنه وعد أن يغفر لمن يشاء .
حكي أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال له : هل يخلف الله وعده؟
فقال : لا فقال : أليس قد قال الله تعالى ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) فقال له أبو عمرو بن العلاء : من العجمة أتيت يا أبا عثمان !
إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفا وذما ، وإنما تعد إخلاف الوعد خلفا وذما ، وأنشد : وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي والدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، قال أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن ، عبادة بن الصامت رضي الله عنه - وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة - وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه : " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة ، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله ، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه " ، فبايعناه على ذلك .
«ومن يقتل مؤمنا متعمِّدا» بأن يقصد قتله بما يقتل غالبا عالما بإيمانه «فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه» أبعده من رحمته «وأعد له عذابا عظيما» في النار وهذا مؤوَّل بمن يستحله أو بأن هذا جزاؤه إن جُوزي ولا يدفع في خلف الوعيد لقوله (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وعن ابن عباس أنها على ظاهرها وأنها ناسخة لغيرها من آيات المغفرة وبينت آية البقرة أن قاتل العمد يقتل به وأن عليه الدية إن عفي عنه وسبق قدرها وبينت السنة أن بين العمد والخطأ قتلا يسمى شبه العمد وهو أن يقتله بما لا يقتل غالبا فلا قصاص فيه بل دية كالعمد في الصفة والخطأ في التأجيل والحمل وهو والعمد أولى بالكفارة من الخطأ.
ومن يَعْتَدِ على مؤمن فيقتله عن عمد بغير حق فعاقبته جهنم، خالدًا فيها مع سخط الله تعالى عليه وطَرْدِهِ من رحمته، إن جازاه على ذنبه وأعدَّ الله له أشد العذاب بسبب ما ارتكبه من هذه الجناية العظيمة.
ولكنه سبحانه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان فلا يجازيهم بالخلود في جهنم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يقتل مؤمناً متعمداً فقال : ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) .أى : ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً ) قتله ( فَجَزَآؤُهُ ) الذى يستحقه بسبب هذه الجناية الكبيرة ( جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ) أى باقيا فيها مدة طويلة لا يعلم مقدارها إلا الله ( وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ ) بسبب ما ارتكبه من منكر ( وَلَعَنَهُ ) أى طرده من رحمته ( وَأَعَدَّ لَهُ ) من وراء ذلك كله ( عَذَاباً عَظِيماً ) يوم القيامة .هذا وقد ساق المفسرون جملة من الآيات والأحاديث التى تهدد مرتكب هذه الكبيرة بالعذاب الشديد؛ واختلفوا فى حكمها هل هى هى منسوخة أولا؟
وهل للقاتل عمداً توبة أولا؟
وقد أفاض الإِيمام ابن كثير فى بيان كل ذلك فقال ما ملخصه :" هذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم والذى هو مقرون بالشرك بالله فى غير ما آية .
قال - تعالى - ( والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ) والأحاديث فى تحريم القتل كثيرة جدا .
فمن ذلك ما ثبت فى الصحيحين عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء " وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزال المؤمن معتقا - أى خفيف الظهر ، سريع السير - ما لم يصب دما حراما .
فإذا أصاب دما حراما بلح " أى : أعيا وانقطع .وفى حديث آخر : " لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم " .ثم قال : وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا .وقال البخارى : حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا المغيرة بن النعمان قال :سمعت ابن جبير قال : اختلف فيها أهل الكوفة .
فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها .
فقال : نزلة هذه الآية .
( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً ) هى آخر ما نزل وما نسخها شئ .وروى ابن جرير أيضا عن سعيد بن جبير قال .
سألت ابن عباس عن قوله - تعالى - ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً ) .
فقال : إن الرجل إذا عرف الإِسلام ، وشرائع الإِسلام ، ثم قتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم؛ ولا توبة له .ثم قال : والذى عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها .
أن القتل له توبة فيما بينه وبين الله - تعالى - فإن تاب وأناب وخشع وخضع وعمل عملا صالحا بدل الله سيئاته حسنات ، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن ظلامته .قال الله - تعالى - ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) فهذه الآية عامة فى جميع الذنوب ما عدا الشرك .
وهى مذكورة فى هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء .والمراد بالخلود هنا المكث الطويل .
وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخرج من النار من كان فى قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان .وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذه فمراد قائله الزجر والتوبة لا أنه لا يعتقد بطلان توبته .والآية الكريمة ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ ) .
الصواب فى معناها : أن جزاءه جهنم .
فقد يجازى بذلك وقد يجازى بغيره .
وقد لا يجازى بل يعفى عنه .
فإن قتل عمدا مستحلا بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد .
يخلد فى جهنم بالإِجماع .
وإن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص .
مرتكب كبيرة جزاؤه جهنم خالدا فيها .
ولكن تفضل - سبحانه - فأخبر أنه لا يخلد فيها من مات موحداً فلا يخلد هذا .
وقد يعفى عنه ولا يدخل النار أصلا .
وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر العصاة الموحدين .
ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد فى النار .
فهذا هو الصواب فى معنى الآية .وبهذا نرى أن الآية الكريمة تنهى المؤمن نهيا قاطعا عن أن يمد يده بالسوء لقتل نفس حرم الله قتلها إلا بالحقن وتتوعد لاذى يفعل ذلك بغضب الله عليه وطرده من رحمته ، وإلحاق العذاب العظيم به يوم القيامة .
اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم القتل الخطأ ذكر بعده بيان حكم القتل العمد، وله أحكام مثل وجوب القصاص والدية، وقد ذكر تعالى ذلك في سورة البقرة وهو قوله: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ فلا جرم هاهنا اقتصر على بيان ما فيه من الاثم والوعيد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: استدلت الوعيدية بهذه الآية على أمرين: أحدهما: على القطع بوعيد الفساق.
والثاني: على خلودهم في النار، ووجه الاستدلال أن كلمة من في معرض الشرط تفيد الاستغراق، وقد استقصينا في تقرير كلامهم في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ وبالغنا في الجواب عنها، وزعم الواحدي أن الأصحاب سلكوا في الجواب عن هذه الآية طرقا كثيرة.
قال: وأنا لا أرتضي شيئا منها لأن التي ذكروها إما تخصيص، وإما معارضة، وإما إضمار، واللفظ لا يدل على شيء من ذلك.
قال: والذي أعتمده وجهان: الأول: إجماع المفسرين على أن الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا ثم ذكر تلك القصة.
والثاني: أن قوله: ﴿ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ معناه الاستقبال أي أنه سيجزى بجهنم، وهذا وعيد قال: وخلف الوعيد كرم، وعندنا أنه يجوز أن يخلف الله وعيد المؤمنين، فهذا حاصل كلامه الذي زعم أنه خير مما قاله غيره.
وأقول: أما الوجه الأول فضعيف، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاذا ثبت أن اللفظ الدال على الاستغراق حاصل، فنزوله في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم، فيسقط هذا الكلام بالكلية، ثم نقول: كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاما في كل قاتل موصوف بالصفة المذكورة، فكذا هاهنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر، وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون اليه عند اشتغالهم بالجهاد، فابتدأ بقوله: ﴿ ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ﴾ فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات: كفارة قتل المسلم في دار الاسلام، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقرونا بالوعيد، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ بيانا لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ، وجب أن يكون أيضا مختصا بالمؤمنين، فإن لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه.
الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِناً ﴾ وأجمع المفسرون على أن هذه الآيات إنما نزلت في حق جماعة من المسلمين لقوا قوما فأسلموا فقتلوهم وزعموا أنهم إنما أسلموا من الخوف، وعلى هذا التقدير: فهذه الآية وردت في نهي المؤمنين عن قتل الذين يظهرون الايمان؛ وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً ﴾ نازلا في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين حتى يحصل التناسب، فثبت بما ذكرنا أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يمنع من كونها مخصوصة بالكفار.
الثالث: أنه ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب له يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وبهذا الطريق عرفنا أن قوله: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ وقوله: ﴿ الزانية والزانى فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا ﴾ الموجب للقطع هو السرقة، والموجب للجلد هو الزنا، فكذا هاهنا وجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو هذا القتل العمد، لأن هذا الوصف مناسب لذلك الحكم، فلزم كون ذلك الحكم معللا به، وإذا كان الأمر كذلك لزم أن يقال: أينما ثبت هذا المعنى فإنه يحصل هذا الحكم، وبهذا الوجه لا يبقى لقوله: الآية مخصوصة بالكافر وجه.
الوجه الرابع: أن المنشأ لاستحقاق هذا الوعيد إما أن يكون هو الكفر أو هذا القتل المخصوص، فإن كان منشأ هذا الوعيد هو الكفر كان الكفر حاصلا قبل هذا القتل، فحينئذ لا يكون لهذا القتل أثر ألبتة في هذا الوعيد، وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية جارية مجرى ما يقال: إن من يتعمد قتل نفس فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه، لأن القتل العمد لما لم يكن له تأثير في هذا الوعيد جرى مجرى النفس ومجرى سائر الأمور التي لا أثر لها في هذا الوعيد، ومعلوم أن ذلك باطل، وإن كان منشأ هذا الوعيد هو كونه قتلا عمدا فحينئذ يلزم أن يقال: أينما حصل القتل يحصل هذا الوعيد، وحينئذ يسقط هذا السؤال، فثبت بما ذكرنا أن هذا الوجه الذي ارتضاه الواحدي ليس بشيء.
وأما الوجه الثاني: من الوجهين اللذين اختارهما فهو في غاية الفساد لأن الوعيد قسم من أقسام الخبر، فاذا جوز على الله الخلف فيه فقد جوز الكذب على الله، وهذا خطأ عظيم، بل يقرب من أن يكون كفراً، فإن العقلاء أجمعوا على أنه تعالى منزه عن الكذب، ولأنه إذا جوز الكذب على الله في الوعيد لأجل ما قال: إن الخلف في الوعيد كرم، فلم لا يجوز الخلف في القصص والأخبار لغرض المصلحة، ومعلوم أن فتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في القرآن وكل الشريعة فثبت أن كل واحد من هذين الوجهين ليس بشيء.
وحكى القفال في تفسيره وجها آخر، هو الجواب وقال: الآية تدل على أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر، لكن ليس فيها أنه تعالى يوصل هذا الجزاء إليه أم لا، وقد يقول الرجل لعبده: جزاؤك أن أفعل بك كذا وكذا، إلا أني لا أفعله، وهذا الجواب أيضاً ضعيف لأنه ثبت بهذه الآية أن جزاء القتل العمد هو ما ذكر، وثبت بسائر الآيات أنه تعالى يوصل الجزاء الى المستحقين.
قال تعالى: ﴿ مَن يَعْمَلُ سُوءا يُجْزَ بِهِ ﴾ وقال: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ وقال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ﴾ بل إنه تعالى ذكر في هذه الآية ما يدل على أنه يوصل اليهم هذا الجزاء وهو قوله: ﴿ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾ فإن بيان أن هذا جزاؤه حصل بقوله: ﴿ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ﴾ فلو كان قوله: ﴿ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ﴾ إخبارا عن الاستحقاق كان تكرارا، فلو حملناه على الاخبار عن أنه تعالى سيفعل لم يلزم التكرار، فكان ذلك أولى.
واعلم أنا نقول: هذه الآية مخصوصة في موضعين: أحدهما: أن يكون القتل العمد غير عدوان كما في القصاص فإنه لا يحصل فيه هذا الوعيد ألبتة.
والثاني: القتل العمد العدوان إذا تاب عنه فانه لا يحصل فيه الوعيد، وإذا ثبت دخول التخصيص فيه في هاتين الصورتين فنحن نخصص هذا العموم فيما إذا حصل العفو بدليل قوله تعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ وأيضاً فهذه الآية إحدى عمومات الوعيد، وعمومات الوعد أكثر من عمومات الوعيد، وما ذكره في ترجيح عمومات الوعيد قد أجبنا عنه وبينا أن عمومات الوعد راجحة، وكل ذلك قد ذكرناه في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ المسألة الثانية: نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة، وقال جمهور العلماء: إنها مقبولة، ويدل عليه وجوه: الحجة الأولى: أن الكفر أعظم من هذا القتل فاذا قبلت التوبة عن الكفر فالتوبة من هذا القتل أولى بالقبول.
الحجة الثانية: قوله تعالى في آخر الفرقان: ﴿ وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَٰلِحًا فَأُو۟لَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَٰتٍ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ وإذا كانت توبة الآتي بالقتل العمد مع سائر الكبائر المذكورة في هذه الآية مقبولة: فبأن تكون توبة الآتي بالقتل العمد وحده مقبولة كان أولى.
الحجة الثالثة: قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ وعد بالعفو عن كل ما سوى الكفر، فبأن يعفو عنه بعد التوبة أولى، والله أعلم.
تم الجزء العاشر، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الحادي عشر، وأوله قول تعالى: ﴿ عَظِيماً يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ من سورة النساء.
أعان الله على إكماله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ ﴾ [آل عمران: 161] ، ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا ﴾ [الأعراف: 89] ، ﴿ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً ﴾ ابتداء غير قصاص ﴿ إِلا خَطَئاً ﴾ إلا على وجه الخطأ.
فإن قلت: بم انتصب خطأ؟
قلت: بأنه مفعول له، أي ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده.
ويجوز أن يكون حالاً بمعنى لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ.
وأن يكون صفة للمصدر إلا قتلاً خطأ.
والمعنى أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد، بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً، أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم.
وقرئ: ﴿ خطاء ﴾ بالمد و ﴿ خطا ﴾ ، بوزن عمى- بتخفيف الهمزة- وروى: أنّ عياش بن أبي ربيعة- وكان أخا أبي جهل لأمّه- أسلم وهاجر خوفاً من قومه إلى المدينة، وذلك قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا يؤويها سقف حتى يرجع.
فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وهو في أطم ففتل منه أبو جهل في الذروة والغارب، وقال: أليس محمد يحثك على صلة الرحم، انصرف وبرَّ أمك وأنت على دينك، حتى نزل وذهب معهما، فلما فسحا عن المدينة كتفاه، وجلده كل واحد مائة جلدة.
فقال للحارث: هذا أخي، فمن أنت يا حارث؟
لله عليّ إن وجدتك خالياً أن أقتلك، وقدما به على أمه، فحلفت لا يحل كتافه أو يرتد.
ففعل ثم هاجر بعد ذلك وأسلم، وأسلم الحارث وهاجر، فلقيه عياش بظهر قباء ولم يشعر بإسلامه فأنحى عليه فقتله، ثم أخبر بإسلامه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلته ولم أشعر بإسلامه، فنزلت ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ فعليه تحرير رقبة.
والتحرير: الإعتاق.
والحر والعتيق: الكريم، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد.
ومنه: عتاق الخيل، وعتاق الطير لكرامها.
وحرّ الوجه: أكرم موضع منه.
وقولهم للئيم عبد.
وفلان عبد الفعل: أي لئيم الفعل.
والرقبة: عبارة عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم: فلان يملك كذا رأساً من الرقيق.
والمراد برقبة مؤمنة: كل رقبة كانت على حكم الإسلام عند عامة العلماء.
وعن الحسن: لا تجزئ إلا رقبة قد صلت وصامت، ولا تجزئ الصغيرة.
وقاس عليها الشافعي كفارة الظهار، فاشترط الإيمان.
وقيل: لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار، لأنّ إطلاقها من قيد الرق كإحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار ﴿ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ ﴾ مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في كل شيء، يقضي منها الدين، وتنفذ الوصية وإن لم يبق وارثاً فهي لبيت المال، لأن المسلمين يقومون مقام الورثة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا وارث من لا وارث له» وعن عمر رضي الله عنه: أنه قضى بدية المقتول، فجاءت امرأته تطلب ميراثها من عقله فقال: لا أعلم لك شيئاً، إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه.
فقام الضحاك بن سفيان الكلابي فقال: كتب إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها أشيم.
فورّثها عمر، وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القاتل.
وعن شريك: لا يقضي من الدية دين، ولا تنفذ وصية.
وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها، وذلك خلاف قول الجماعة.
(فإن قلت): على من تجب الرقبة والدية؟
قلت: على القاتل إلا أن الرقبة في ماله، والدية تتحملها عنه العاقلة، فإن لم تكن له عاقلة فهي في بيت المال، فإن لم يكن ففي ماله ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ إلا أن يتصدقوا عليه بالدية ومعناه العفو، كقوله: ﴿ إَّلا أَن يَعْفُونَ ﴾ [البقرة: 237] ونحوه ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ [البقرة: 280] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة» ، وقرأ أبيّ: ﴿ إلا أن يتصدقوا ﴾ .
فإن قلت: بم تعلق أن يصدقوا، وما محله؟
قلت: تعلق بعليه، أو بمسلمة، كأنه قيل: وتجب عليه الدية أو يسلمها، إلا حين يتصدقون عليه.
ومحلها النصب على الظرف بتقدير حذف الزمان، كقولهم: اجلس ما دام زيد جالساً.
ويجوز أن يكون حالاً من أهله بمعنى إلا متصدقين ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ ﴾ من قوم كفار أهل الحرب وذلك نحو رجل أسلم في قومه الكفار وهو بين أظهرهم لم يفارقهم، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ وليس على عاقلته لأهله شيء.
لأنهم كفار محاربون.
وقيل: كان الرجل يسلم؛ ثم يأتي قومه وهم مشركون فيغزوهم جيش المسلمين، فيقتل فيهم خطأ لأنهم يظنونه كافراً مثلهم ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ ﴾ كفرة لهم ذمة كالمشركين الذين عاهدوا المسلمين وأهل الذمة من الكتابيين، فحكمه حكم مسلم من مسلمين ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ ﴾ رقبة، بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليه ﴿ ف ﴾ عليه ﴿ فصِيَامٍ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ الله ﴾ قبولاً من الله ورحمة منه، من تاب الله عليه إذا قبل توبته يعني شرع ذلك توبة منه، أو نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه.
هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ.
ومن ثم روى عن ابن عباس ما روى من أن توبة قاتل المؤمن عمداً غير مقبولة.
وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة.
وناهيك بمحو الشرك دليلاً.
وفي الحديث: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم» وفيه: «لو أن رجلاً قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه» وفيه: «إن هذا الإنسان بنيان الله.
ملعون من هدم بنيانه» وفيه: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله» والعجب من قوم يقرؤن هذه الآية ويرون ما فيها ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة.
ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24] ثم ذكر الله سبحانه وتعالى التوبة في قتل الخطأ، لما عسى يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ فيه حسم للأطماع وأي حسم، ولكن لا حياة لمن تنادي.
فإن قلت: هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟
قلت: ما أبين الدليل وهو تناول قوله: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ ﴾ أيَّ قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل.
فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا ﴾ لِما فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
«لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ قاتِلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا» .
ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ التَّشْدِيدَ إذْ رُوِيَ عَنْهُ خِلافُهُ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَن لَمْ يَتُبْ لِقَوْلِهِ تَعالى: وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ ونَحْوَهُ وهو عِنْدَنا إمّا مَخْصُوصٌ بِالمُسْتَحِلِّ لَهُ كَما ذَكَرَهُ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ نَزَلَ في مَقِيسُ بْنُ ضَبابَةَ وجَدَ أخاهُ هِشامًا قَتِيلًا في بَنِي النَّجّارِ ولَمْ يَظْهَرْ قاتِلُهُ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ أنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ دِيَتَهُ فَدَفَعُوا إلَيْهِ ثُمَّ حَمَلَ عَلى مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ ورَجَعَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، أوِ المُرادُ بِالخُلُودِ المُكْثُ الطَّوِيلُ فَإنَّ الدَّلائِلَ مُتَظاهِرَةٌ عَلى أنَّ عُصاةَ المُسْلِمِينَ لا يَدُومُ عَذابُهم.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً} حال من ضمير القاتل أي قاصداً قتله لإيمانه وهو كفر أو قتله مستحلاً لقتله وهو كفر أيضاً {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا فِيهَا} أي إن جازاه قال عليه السلام هي جزاؤه إن جازاه والخلود قد يراد به طول المقام وقول المعتزلة بالخروج من الإيمان يخالف قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} {وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} أي انتقم منه وطرده من رحمته {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} لارتكابه امرا عظيما وخطبا جسما في الحديث لزوال الدنيا أهون على الله من قتل المرىء مسلم
﴿ ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ﴾ بِأنْ يَقْصِدَ قَتْلَهُ بِما يُفَرِّقُ الأجْزاءَ، أوْ بِما لا يُطِيقُهُ البَتَّةَ عالِمًا بِإيمانِهِ، وهو نُصِبَ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (يَقْتُلْ).
ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّهُ سَكَّنَ التّاءَ، وكَأنَّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ ﴿ فَجَزاؤُهُ ﴾ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِجِنايَتِهِ ﴿ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها ﴾ أيْ: ماكِثًا إلى الأبَدِ، أوْ مُكْثًا طَوِيلًا إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَجَزاؤُهُ أنْ يَدْخُلَ جَهَنَّمَ خالِدًا.
وقالَ أبُو البَقاءِ: هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ أوِ المَنصُوبِ في يُجْزاها المُقَدَّرِ، وقِيلَ: هو مِنَ المَنصُوبِ لا غَيْرُ ويُقَدَّرُ جازاهُ، وأُيِّدَ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِعَطْفِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ لِمُوافَقَتِهِ لَهُ صِيغَةً، ومُنِعَ جَعْلُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (فَجَزاؤُهُ) لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
وثانِيهُما: أنَّهُ فُصِلَ بَيْنَ الحالِ وذِيها بِخَبَرِ المُبْتَدَأِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، تَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ دَلالَةً واضِحَةً، كَأنَّهُ قِيلَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ تَقْرِيرًا لِمَضْمُونِها حَكَمَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ جَزاءَهُ ذَلِكَ، (وغَضِبَ عَلَيْهِ) أيِ: انْتَقَمَ مِنهُ عَلى ما عَلَيْهِ الأشاعِرَةُ ﴿ ولَعَنَهُ ﴾ أيْ: أبْعَدَهُ عَنْ رَحْمَتِهِ بِجَعْلِ جَزائِهِ ما ذُكِرَ، وقِيلَ: هو وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ بِتَقْدِيرِ (أنْ) وحُمِلَ الماضِي عَلى مَعْنى المُسْتَقْبَلِ أيْ: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ وأنْ يَغْضَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، إلَخْ.
﴿ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
والآيَةُ كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: ««نَزَلَتْ في مِقْيَسِ بْنِ ضُبابَةَ الكِنانِيِّ أنَّهُ أسْلَمَ هو وأخُوهُ هِشامٌ، وكانا بِالمَدِينَةِ، فَوَجَدَ مِقْيَسٌ أخاهُ هِشامًا ذاتَ يَوْمٍ قَتِيلًا في الأنْصارِ في بَنِي النَّجّارِ، فانْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي فِهْرٍ ومَعَهُ مِقْيَسٌ إلى بَنِي النَّجّارِ، ومَنازِلُهم يَوْمَئِذٍ بِقُباءٍ، أنِ ادْفَعُوا إلى مِقْيَسٍ قاتِلَ أخِيهِ إنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ، وإلّا فادْفَعُوا إلَيْهِ الدِّيَةَ، فَلَمّا جاءَهُمُ الرَّسُولُ قالُوا: السَّمْعُ والطّاعَةُ لِلَّهِ تَعالى ولِلرَّسُولِ واللَّهِ تَعالى ما نَعْلَمُ لَهُ قاتِلًا، ولَكِنْ نُؤَدِّي الدِّيَةَ، فَدَفَعُوا إلى مِقْيَسٍ مِائَةً مِنَ الأبْلِ دِيَةَ أخِيهِ، فَلَمّا انْصَرَفَ مِقْيَسٌ والفِهْرِيُّ راجِعِينَ مِن قُباءٍ إلى المَدِينَةِ وبَيْنَهُما ساعَةٌ، عَمَدَ مِقْيَسٌ إلى الفِهْرِيِّ رَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ فَقَتَلَهُ وارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ».
وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ ضَرَبَ بِهِ الأرْضَ، وفَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، ورَكِبَ جَمَلًا مِنَ الدِّيَةِ وساقَ مَعَهُ البَقِيَّةَ ولَحِقَ بِمَكَّةَ، وهو يَقُولُ في شِعْرٍ لَهُ: قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَراةَ بَنِي النَّجّارِ أرْبابَ فارِعِ وأدْرَكْتُ ثَأْرِي واضْطَجَعْتُ مُوَسَّدًا ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» مُشْتَمِلَةً عَلى إبْراقٍ وإرْعادٍ وتَهْدِيدٍ شَدِيدٍ وإبْعادٍ، وقَدْ تَأيَّدَتْ بِغَيْرِما خَبَرٍ ورَدَ عَنْ سَيِّدِ البَشَرِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، عَنْ مُعاوِيَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: ««كُلُّ ذَنْبٍ عَسى اللَّهُ تَعالى أنْ يَغْفِرَهُ إلّا الرَّجُلُ يَمُوتُ كافِرًا أوِ الرَّجُلُ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا»».
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِّيٍّ والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ««مَن أعانَ عَلى دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ كُتِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ»».
وأخْرَجا عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، أنَّ النَّبِيَّ - قالَ: ««لَزَوالُ الدُّنْيا وما فِيها أهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن قَتْلِ مُؤْمِنٍ، ولَوْ أنَّ أهْلَ سَماواتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ اشْتَرَكُوا في دَمِ مُؤْمِنٍ لَأدْخَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى النّارَ»».
وفِي رِوايَةِ الأصْبَهانِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -قالَ: ««لَوْ أنَّ الثَّقَلَيْنِ اجْتَمَعُوا عَلى قَتْلِ مُؤْمِنٍ لَأكَبَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَناخِرِهِمْ في النّارِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ الجَنَّةَ عَلى القاتِلِ والآمِرِ»».
واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ - ونَحْوِهِ مِنَ القَوارِعِ - المُعْتَزِلَةُ عَلى خُلُودِ مَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا في النّارِ، وأجابَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ ذَلِكَ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّغْلِيظِ في الزَّجْرِ، لا سِيَّما الآيَةُ؛ لِاقْتِضاءِ النَّظْمِ لَهُ فِيها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن كَفَرَ ﴾ في آيَةِ الحَجِّ، «وقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ - كَما في الصَّحِيحَيْنِ - حِينَ سَألَهُ عَنْ قَتْلِ مَن أسْلَمَ مِنَ الكُفّارِ بَعْدَ أنْ قَطَعَ يَدَهُ في الحَرْبِ: «لا تَقْتُلْهُ؛ فَإنْ قَتَلْتَهُ فَإنَّهُ بِمَنزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَهُ، وإنَّكَ بِمَنزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ الكَلِمَةَ الَّتِي قالَ»».
وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : ««نازَلْتُ رَبِّي في قاتِلِ المُؤْمِنِ أنْ يَجْعَلَ لَهُ تَوْبَةً فَأبى عَلَيَّ»».
وما أخْرَجَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عِينا أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ جالِسًا بِجَنْبِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إذْ أتاهُ رَجُلٌ فَسَألَهُ عَنْ قاتِلِ المُؤْمِنِ: هَلْ لَهُ مِن تَوْبَةٍ؟
فَقالَ: لا والَذى لا إلَهَ إلّا هو لا يَدْخُلُ الحَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ».
وشاعَ القَوْلُ بِنَفْيِ التَّوْبَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْهُ، وهو مَحْمُولٌ عَلى ما ذَكَرْنا.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ حُمَيْدٍ والنَّحّاسُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقُولُ: «لِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةٌ» فَجاءَهُ رَجُلٌ فَسَألَهُ: ألِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةٌ؟
قالَ: «لا إلّا النّارُ» فَلَمّا قامَ الرَّجُلُ قالَ لَهُ جُلَساؤُهُ: ما كُنْتَ هَكَذا تُفْتِينا، كُنْتَ تُفْتِينا أنَّ لِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا تَوْبَةً مَقْبُولَةً، فَما شَأْنُ هَذا اليَوْمِ؟
قالَ: إنِّي أظُنُّهُ رَجُلًا مُغْضَبًا يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا، فَبَعَثُوا في أثَرِهِ فَوَجَدُوهُ كَذَلِكَ.
وكانَ هَذا أيْضًا شَأْنَ غَيْرِهِ مِنَ الأكابِرِ، فَقَدْ قالَ سُفْيانُ: كانَ أهْلُ العِلْمِ إذا سُئِلُوا قالُوا: لا تَوْبَةَ لَهُ، فَإذا ابْتُلِيَ رَجُلٌ قالُوا لَهُ: تُبْ.
وأجابَ آخَرُونَ بِأنَّ المُرادَ مِنَ الخُلُودِ في الآيَةِ المُكْثُ الطَّوِيلُ لا الدَّوامُ؛ لِتَظاهُرِ النُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِأنَّ عُصاةَ المُؤْمِنِينَ لا يَدُومُ عَذابُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُ قالَ: ﴿ فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ إنْ هو جازاهُ، ورُوِيَ مِثْلُهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - قِيلَ: وهَذا كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِمَن يَزْجُرُهُ عَنْ أمْرٍ: إنْ فَعَلْتَهُ فَجَزاؤُكَ القَتْلُ والضَّرْبُ، ثُمَّ إنْ لَمْ يُجازِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهُ كَذِبًا، والأصْلُ في هَذا عَلى ما قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَجُوزُ أنْ يُخْلِفَ الوَعِيدَ، وإنِ امْتَنَعَ أنْ يُخْلِفَ الوَعْدَ، وبِهَذا ورَدَّتِ السُّنَّةُ.
فَفِي حَدِيثِ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ قالَ: ««مَن وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عَمَلِهِ ثَوابًا فَهو مُنْجِزُهُ لَهُ، ومَن أوْعَدَهُ عَلى عَمَلِهِ عِقابًا فَهو بِالخِيارِ»».
ومِن أدْعِيَةِ الأئِمَّةِ الصّادِقِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -: يا مَن إذا وعَدَ وفا، وإذا تَوَعَّدُ عَفا، وقَدِ افْتَخَرَتِ العَرَبُ بِخُلْفِ الوَعِيدِ ولَمْ تَعُدَّهُ نَقْصًا، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وإنِّي إذا أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي واعْتُرِضَ بِأنَّ الوَعِيدَ قِسْمٌ مِن أقْسامِ الخَبَرِ، وإذا جازَ الخُلْفُ فِيهِ وهو كَذِبٌ لِإظْهارِ الكَرَمِ فَلِمَ لا يَجُوزُ في القِصَصِ والأخْبارِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، وفَتْحُ ذَلِكَ البابِ يُفْضِي إلى الطَّعْنِ في الشَّرائِعِ كُلِّها.
والقائِلُونَ بِالعَفْوِ عَنْ بَعْضِ المُتَوَعِّدِينَ مِنهم مَن زَعَمَ أنَّ آياتِ الوَعِيدِ إنْشاءٌ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّها إخْبارٌ، إلّا أنَّ هُناكَ شَرْطًا مَحْذُوفًا لِلتَّرْهِيبِ، فَلا خُلْفَ بِالعَفْوِ فِيها وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ إلى تَفْرِيعِ ما نَحْنُ فِيهِ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّ جَزاءَهُ ذَلِكَ لا بِأنَّهُ يَجْزِيهِ كَيْفَ لا وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ ولَوْ كانَ هَذا إخْبارًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يُجْزِي كُلَّ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها لَعارَضَهُ قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ وهَذا مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ أبِي صالِحٍ، وبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، واعْتَرَضَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ بِأنَّ ما لا يُفْعَلُ لا يُسَمّى جَزاءً، ألا تَرى أنَّ الأجِيرَ إذا اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ فالدَّراهِمُ الَّتِي عِنْدَ مُسْتَأْجِرِهِ لا تُسَمّى جَزاءً ما لَمْ تُعْطَ لَهُ وتَصِلْ إلَيْهِ!
وتَعَقَّبَهُ الطَّبَرْسِيُّ بِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الجَزاءَ عِبارَةٌ عَنِ المُسْتَحَقِّ سَواءٌ فُعِلَ أمْ لَمْ يُفْعَلْ، ولِهَذا يُقالُ: جَزاءُ المُحْسِنِ الإحْسانُ وجَزاءُ المُسِئُ الإساءَةُ، وإنْ لَمْ يَتَعَيَّنِ المُحْسِنُ والمُسِئُ حَتّى يُقالَ: فُعِلَ ذَلِكَ مَعَهُما أوْ لَمْ يُفْعَلْ، ويُقالُ لِمَن قَتَلَ غَيْرَهُ: جَزاءُ هَذا أنْ يُقْتَلَ، وهو كَلامٌ صادِقٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلِ القَتْلَ، وإنَّما لا يُقالُ لِلدَّراهِمِ: إنَّها جَزاءُ الأجِيرِ؛ لِأنَّ الأجِيرَ إنَّما يَسْتَحِقُّ الأُجْرَةَ في الذِّمَّةِ لا في الدَّراهِمِ المُعَيَّنَةِ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أنْ يُعْطِيَهُ مِنها ومِن غَيْرِها.
واعْتُرِضَ بِأنّا سَلَّمْنا أنَّهُ لا يَلْزَمُ في الجَزاءِ أنْ يُفْعَلَ إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ، ﴿ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ الجَزاءَ إلى المُسْتَحِقِّينَ البَتَّةَ، وفي الآيَةِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ؛ لِأنَّ الآياتِ الَّتِي فِيها أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ الجَزاءَ إلى مُسْتَحَقِّهِ كُلَّها في حُكْمِ آياتِ الوَعِيدِ، والعَفْوُ فِيهِ جائِزٌ، فَلا مَعْنى لِلْقَوْلِ بِالبَتِّ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ قُرَيْشِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ في بَيْتِهِ فَأنْشَأ يَقُولُ: يُؤْتى بِي يَوْمَ القِيامَةِ فَأُقامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى فَيَقُولُ لِي: لِمَ قُلْتَ: إنَّ القاتِلَ في النّارِ؟!
فَأقُولُ: أنْتَ قُلْتَهُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا ﴾ إلَخْ، فَقُلْتُ لَهُ: وما في البَيْتِ أصْغَرُ مِنِّي: أرَأيْتَ إنْ قالَ لَكَ: فَإنِّي قَدْ قُلْتُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ فَمِن أيْنَ عَلِمْتَ أنِّي لا أشاءُ أنْ أغْفِرَ لِهَذا؟
قالَ: فَما اسْتَطاعَ أنْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا».
ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ ثَوْبانَ قالَ: «جالَسْتُ النّاسَ قَبْلَ الدّاءِ الأعْظَمِ في المَسْجِدِ الأكْبَرِ فَسَمِعْتُهم يَقُولُونَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا ﴾ الآيَةَ، قالَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: وجَبَتْ لِمَن فَعَلَ هَذا النّارُ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ إلَخْ، فَقالَ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ: يَصْنَعُ اللَّهُ تَعالى ما شاءَ».
وبِآيَةِ المَغْفِرَةِ رَدَّ ابْنُ سِيرِينَ عَلى مَن تَمَسَّكَ بِآيَةِ الخُلُودِ، وغَضِبَ عَلَيْهِ، وأخْرَجَهُ مِن عِنْدِهِ، وكَوْنُ آيَةِ الخُلُودِ بَعْدَ تِلْكَ الآيَةِ نُزُولًا بِسِتَّةِ أشْهُرٍ أوْ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ - كَما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - لا يُفِيدُ شَيْئًا، ودَعْوى النَّسْخِ في مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، كَما لا يَخْفى.
وأجابَ بَعْضُ النّاسِ بِأنَّ حُكْمَ الآيَةِ إنَّما هو لِلْقاتِلِ المُسْتَحِلِّ، وكُفْرُهُ مِمّا لا شَكَّ فِيهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مَحَلًّا لِلنِّزاعِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّها نَزَلَتْ في الكِنانِيِّ حَسْبَما مَرَّتْ حِكايَتُهُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ، وجَماعَةٍ أنَّهم فَسَّرُوا (مُتَعَمِّدًا) بِـ(مُسْتَحِلًّا) واعْتُرِضَ بِأنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وبِأنَّ تَفْسِيرَ المُتَعَمِّدِ بِالمُسْتَحِلِّ مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ؛ إذْ لَيْسَ هو مَعْناهُ لُغَةً ولا شَرْعًا، فَإنِ التَزَمَ المَجازَ فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وسَبَبُ النُّزُولِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا لِما عَلِمْتَ الآنَ، عَلى أنَّهُ يَفُوتُ التَّقابُلُ بَيْنَ هَذا القَتْلِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ والقَتْلِ المَذْكُورِ في الآيَةِ السّابِقَةِ، وهو الخَطَأُ الصِّرْفُ، وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِحْلالَ يُفْهَمُ مِن تَعْلِيقِ القَتْلِ بِالمُؤْمِنِ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ، وتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلِّيَةَ مَبْدَأِ الِاشْتِقاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا لِأجَلِ إيمانِهِ - ولا شَكَّ أنْ مَن يَقْتُلُهُ لِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مُسْتَحِلًّا - فَلا يَكُونُ إلّا كافِرًا، فَيَخْرُجُ هَذا القاتِلُ عَنْ مَحَلِّ النِّزاعِ، وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ سَبَبُ النُّزُولِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُؤْمِنَ - وإنْ كانَ مُشْتَقًّا في الأصْلِ - إلّا أنَّهُ عُومِلَ مُعامَلَةَ الجَوامِدِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: كَلَّمْتُ مُؤْمِنًا مَثَلًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّكَ كَلَّمْتَهُ لِأجَلٍ إيمانِهِ؟!
ولَوْ أفادَ تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالمُؤْمِنِ العِلِّيَةَ لَكانَ ضَرْبُ المُؤْمِنِ وتَرْكُ السَّلامِ عَلَيْهِ والقِيامُ لَهُ كَقَتْلِهِ كُفْرًا، ولا قائِلَ بِهِ، واعْتِبارُ الِاشْتِقاقِ تارَةً وعَدَمُ اعْتِبارِهِ أُخْرى خارِجٌ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِبارِ، فَلْيُفْهَمْ.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرُ هَنا حُكْمَ القَتْلِ العَمْدِ الأُخْرَوِيَّ، ولَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهُ الدُّنْيَوِيَّ اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ في آيَةِ البَقَرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ روي عن سالم بن أبي الجعد قال: كنت عند عبد الله بن عباس بعد ما كفّ بصره، فجاءه رجل فناداه: ما تقول فيمن قتل مؤمناً متعمداً؟
فقال: جزاؤه جهنم خالداً فيها.
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً فقال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟
قال: وأنى له الهدى، سمعت نبيكم يقول: «يَأَتِي قَاتِلُ المُؤْمِنِ مُتَعَمِّداً وَيَتَعَلَّقُ بِهِ المَقْتُولُ عِنْدَ عَرْشِ الرحمن، فَيَقُولُ يَا رَبِّ سَلْ هذا فيم قتلني؟» فو الذي نفسي بيده في هذا أنزلت هذه الآية، فما نسختها آية بعد نبيكم، وما نزل بعده من برهان.
وروي عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما قالا: لا توبة له.
وقال غيرهم: له التوبة لأن الله تعالى ذكر الشرك والقتل والزنى ثم قال: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ- إلى قوله- فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: 70] ويقال: معناه فجزاؤه جهنم خالداً فيها، أي داخلاً فيها لأنه لم يذكر فيها الأبد، كما أن الرجل يقول: خلدت فلاناً في السجن أي أدخلته.
ويقال فجزاؤه جهنم أي إن جازاه.
وروى أنس بن مالك عن رسول الله أنه قال: «إِذَا وَعَدَ الله لِعَبْدِهِ ثَوَاباً فَهُوَ مُنْجِزُهُ، وَإِنْ أَوْعَدَ لَهُ العقوبة فله المشيئة إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْه» .
ويقال: معناه من يقتل مؤمناً متعمداً يعني مستحّلاً لقتله، فجزاؤه جهنم خالداً فيها، لأنه كفر باستحلاله.
ويقال: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً يعني يقتله متعمداً لأجل إيمانه، كما روي في الأثر أن بغض الأنصار كفر إن كان بغضهم لأجل نصرة رسول الله ، فكذلك هاهنا إذا قتله لأجل إيمانه صار كافراً.
ويقال هو منسوخ بقوله تعالى وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48، 116] ويقال: معناه فجزاؤهم جهنم بقتله خالداً فيها بارتداده، لأن الآية نزلت في شأن رجل قتل مؤمناً متعمداً ثم ارتد عن الإسلام، وهو مقيس بن ضبابة، وجد أخاه هشام بن ضبابة قتيلاً في بني النجار، فذكر ذلك لرسول الله ، فبعث معه رسول الله رجلاً من بني فهر إلى بني النجار، وأمره بأن يقرئهم السلام ويأمرهم بأن يطلبوا قاتله، فإن وجدوه قتلوه، وإن لم يجدوه حلفوا خمسين يميناً وغرموا الدية، فلما أتاهم مقيس بن ضبابة رسول الله وبلغهم الرسالة، فقالوا سمعاً وطاعة لأمر الله ورسوله.
وقالوا: ما نعرف قاتله، فحلفوا وغرموا الدية.
فلما رجع مقيس بن ضبابة قال في نفسه: إني بعت دم أخي بمائة من الإبل.
ودخلت فيه حمية الجاهلية، وقال: أقتل هذا الفهري مكان أخي، وتكون الدية فضلاً لي.
فقتله وتوجه إلى مكة وقال في ذلك شعراً.
قتلت به فهراً وحملت عقله ...
سراة بني النجار أرباب فارع فأدركت ثأري واضطجعت موسدا ...
وكنت إلى الأوثان أول راجع فنزلت هذه الآية في شأنه إن جزاؤه جهنم خالداً فيها وكل من يعمل مثل عمله.
ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"
وقوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ ...
الآية، أي: فَمَنْ لم يَجِدِ الرقَبَةَ ولا اتسع ماله لشرائها، فيجزيه صيامُ شَهُرَيْنِ متتابعةِ الأيَّامِ، لا يتخلّلها «١» فطر، وتَوْبَةً: نصْبٌ على المَصْدر، ومعناه: رجُوعاً بكُمْ إلى التّيسير والتّسهيل.
وقوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ...
ألاية: المتعمِّد في لغة العربِ: القاصِدُ إلى الشيءِ، والجمهورُ أنَّ المتعمِّد كُلُّ مَنْ قَتَلَ، كان القَتْلُ بحديدةٍ أو غيرها، وهذا هو «١» الصحيحُ، ورأْيُ الشافعيِّ وغيره أنَّ القتْلَ بغير الحديدِ المشْحُوذِ هو شِبْهُ العَمْد، ورأَوْا فيه تغليظَ الدِّيَة، ومالكٌ لا يرى شِبْهَ العمدِ، ولا يقُولُ به، وإنما القَتْل عنده ما ذَكَرَه اللَّه تعالى عَمْداً أو خطأً لا غَيْرُ.
وقوله تعالى: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ، تقديره عنْد أهْلِ السُّنَّة: فجزاؤُه، إنْ جَازَاهُ بذلك، أي: هو أهْلٌ لذلك، ومستحِقُّه لعظيم ذنبه.
قال ع «٢» : ومَنْ أقِيمَ علَيْه الحَدُّ، وقُتِلَ قَوَداً، فهو غَيْرُ مْتَّبَعٍ في الآخرةِ، والوعيدُ غيرُ نافذٍ علَيْه إجماعاً، وللحديثِ الصحيحِ، عن عُبَادة بن الصامت أنَّهُ: «مَنْ عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» «٣» ، ومعنى الخُلُودِ هنا: مدَّةٌ طويلةٌ، إن جازاه اللَّهُ ويدلُّ على ذلك
سقُوطُ لَفْظِ التأبيدِ.
قال ع «١» : والجمهورُ على قبولِ توبته، ورُوِيَ عن بعض العلماء أنهم/ كانُوا يَقْصِدُونَ الإغلاظَ، والتَّخْوِيفَ أحياناً، فيُطْلِقُونَ ألاَّ تُقْبَلَ توبته منهم ابن شِهَابٍ، وابْنُ عَبَّاسٍ «٢» ، فكان ابْنُ شِهَابٍ، إذا سأله مَنْ يفهم مِنْهُ أنَّهُ قَدْ قَتَلَ، قال له: تَوْبَتُكَ مَقْبُولَةٌ، وإذا سأله مَنْ لم يفعلْ، قال: لاَ تَوْبَةَ لِلْقَاتِلِ، وعن ابنِ عَبَّاس نحوه، قال الدَّاوُوديُّ وعن أبي هُرَيْرة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «وَاللَّهِ، لَلدُّنْيَا وَمَا فِيهَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمَنْ أَعَانَ على قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ مَكْتُوبٌ على جَبْهَتِهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» «٣» ، وعن معاويةَ، أنَّهُ سَمِعَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَقُولُ: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إلاَّ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً، أَوْ مَاتَ كَافِراً» «٤» ، وعن أبي هريرة أنه سُئِلَ عَنْ قَاتِلِ المُؤْمِنِ، هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟
فَقَالَ: لاَ، وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ، لاَ يَدْخُلُ الجَنَّة حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخيَاطِ، قَالَ: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَشْرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ إلاَّ كَبَّهُمُ الله جميعا في النّار» .
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ مَقِيسَ بْنَ صَبابَةَ وجَدَ أخاهُ هِشامَ بْنَ صَبابَةَ قَتِيلًا في بَنِي النَّجّارِ، وكانَ مُسْلِمًا، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ رَسُولًا مِن بَنِي فِهْرٍ، فَقالَ لَهُ: إيتِ بَنِي النَّجّارِ، فَأقْرِئْهم مِنِّي السَّلامَ، وقُلْ لَهُمْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُكم إنْ عَلِمْتُمْ قاتِلَ هُشامٍ، فادْفَعُوهُ إلى مَقِيسِ بْنِ صَبابَةَ، وإنْ لَمْ تَعْلَمُوا لَهُ قاتِلًا، فادْفَعُوا إلَيْهِ دِيَتَهُ، فَأبْلَغَهُمُ الفِهْرَيُّ ذَلِكَ، فَقالُوا: واللَّهِ ما نَعْلَمُ لَهُ قاتِلًا، ولَكِنّا نُعْطِي دِيَتَهُ، فَأعْطَوْهُ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، ثُمَّ انْصَرَفا راجِعَيْنِ إلى المَدِينَةِ، فَأتى الشَّيْطانُ مَقِيسَ بْنَ صَبابَةَ، فَقالَ: تَقْبَلُ دِيَةَ أخِيكَ، فَيَكُونُ عَلَيْكَ سُبَّةً ما بَقِيَتَ.
اقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ مَكانَ أخِيكَ، وافْضُلْ بِالدِّيَةِ، فَرْمى الفِهْرَيَّ بِصَخْرَةٍ، فَشَدَخَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرًا مِنها، وساقَ بَقِيَّتَها راجِعًا إلى مَكَّةَ، وهو يَقُولُ: قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سَراةَ بَنِي النَّجّارِ أرْبابَ فارِعِ وأدْرَكْتُ ثَأْرِيَ واضْطَجَعْتُ مُوَسَّدًا ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأصْنامِ أوَّلَ راجِعِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ثُمَّ أهْدَرَ النَّبِيُّ دَمَهُ يَوْمَ الفَتْحِ، فَقُتِلَ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وفي قَوْلِهِ (مُتَعَمَّدًا) قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مُتَعَمِّدًا لِأجْلٍ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
وفي قَوْلِهِ (فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ) قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها جَزاؤُهُ قَطْعًا.
والثّانِي: أنَّها جَزاؤُهُ إنْ جازاهُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ لِلْمُؤْمِنِ إذا قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمَّدًا تَوْبَةٌ أمْ لا؟
فَذَهَبَ الأكْثَرُونَ إلى أنَّ لَهُ تَوْبَةً، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهُ.
* فَصْلٌ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآَيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أمْ مَنسُوخَةٌ؟
فَقالَ قَوْمٌ: هي مَحْكَمَةٌ، واحْتَجُّوا بِأنَّها خَبَرٌ، والأخْبارُ لا تَحْتَمِلُ النَّسْخَ، ثُمَّ افْتَرَقَ هَؤُلاءِ فِرْقَتَيْنِ، إحْداهُما قالَتْ: هي عَلى ظاهِرِها، وقاتَلُ المُؤْمِنِ مُخَلَّدٌ في النّارِ.
والفِرْقَةُ الثّانِيَةُ قالَتْ: هي عامَّةٌ قَدْ دَخَلَها التَّخْصِيصُ بِدَلِيلَ أنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ كافِرٌ ثُمَّ أسْلَمَ الكافِرُ، انْهَدَرَتْ عَنْهُ العُقُوبَةُ في الدُّنْيا والآَخِرَةِ، فَإذا ثَبَتَ كَوْنُها مِنَ العامِّ المُخَصَّصِ، فَأيُّ: دَلِيلٍ صَلُحَ لِلتَّخْصِيصِ، وجَبَ العَمَلُ بِهِ.
ومِن أسْبابِ التَّخْصِيصِ أنْ يَكُونَ قَتْلُهُ مُسْتَحَلًّا، فَيَسْتَحِقُّ الخُلُودَ لِاسْتِحْلالِهِ.
وقالَ قَوْمٌ: هي مَخْصُوصَةٌ في حَقِّ مَن لَمْ يَتُبْ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهُ تَعالى: في الفُرْقانِ: ﴿ إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ وقالَ آَخَرُونَ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا ﴾ المُتَعَمِّدُ في لُغَةِ العَرَبِ: القاصِدُ إلى الشَيْءِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في صِفَةِ المُتَعَمِّدِ في القَتْلِ، فَقالَ عَطاءٌ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وغَيْرُهُما: هو مَن قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ كالسَيْفِ أوِ الخِنْجَرِ وسِنانِ الرُمْحِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَشْحُوذِ المُعَدِّ لِلْقَطْعِ، أو بِما يَعْلَمُ أنَّ فِيهِ المَوْتَ مِن ثَقِيلِ الحِجارَةِ ونَحْوِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُتَعَمِّدُ: كُلُّ مَن قَتَلَ، بِحَدِيدَةٍ كانَ القَتْلُ أو بِحَجَرٍ أو بِعَصا أو بِغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الأصَحُّ.
ورَأْيُ الشافِعِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ القَتْلَ بِغَيْرِ الحَدِيدِ المَشْحُوذِ هو شِبْهُ العَمْدِ، ورَأوا فِيهِ تَغْلِيظَ الدِيَةِ، ومالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ لا يَرى شِبْهَ العَمْدِ، ولا يَقُولُ بِهِ في شَيْءٍ، وإنَّما القَتْلُ عِنْدَهُ ما ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى عَمْدًا وخَطَأً لا غَيْرُ، والقَتْلُ بِالسُمِّ عِنْدَهُ عَمْدٌ وإنْ قالَ: ما أرَدْتُ إلّا سُكْرَهُ.
وقَوْلُهُ: "فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ" تَقْدِيرُهُ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ: فَجَزاؤُهُ إنْ جازاهُ بِذَلِكَ، أيْ: هو أهْلُ ذَلِكَ ومُسْتَحِقُّهُ لِعِظَمِ ذَنْبِهِ، ونَصَّ عَلى هَذا أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو صالِحٍ، وغَيْرُهُما، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالمَشِيئَةِ في جَمِيعِ العُصاةِ، قاتِلٍ وغَيْرِهِ، وذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها مُخَصَّصَةٌ بِعُمُومِها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ .
وتَوَرَّكُوا في ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الشَدِيدَةُ بَعْدَ الهَيِّنَةِ، يُرِيدُ نَزَلَتْ ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ﴾ بَعْدَ ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، فَهم يَرَوْنَ أنَّ هَذا الوَعِيدَ نافِذٌ حَتْمًا عَلى كُلِّ قاتِلٍ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا، ويَرَوْنَهُ عُمُومًا ماضِيًا لِوَجْهِهِ، مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ كَأنَّهُ قالَ: إلّا مَن قَتَلَ عَمْدًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأهْلُ الحَقِّ يَقُولُونَ لَهُمْ: هَذا العُمُومُ مُنْكَرٌ غَيْرُ ماضٍ لِوَجْهِهِ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما ما أنْتُمْ مَعَنا مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ مِنَ الرَجُلِ الَّذِي يُشْهَدُ عَلَيْهِ، أو يُقِرُّ بِالقَتْلِ عَمْدًا ويَأْتِي السُلْطانُ أوِ الأولِياءُ فَيُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ، ويُقْتَلُ قَوَدًا، فَهَذا غَيْرُ مُتَّبَعٍ في الآخِرَةِ، والوَعِيدُ غَيْرُ نافِذٍ عَلَيْهِ إجْماعًا مُتَرَكِّبًا عَلى الحَدِيثِ الصَحِيحِ مِن طَرِيقِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ: « "أنَّهُ مَن عُوقِبَ في الدُنْيا فَهو كَفّارَةٌ لَهُ".» وهَذا نَقْضٌ لِلْعُمُومِ، والجِهَةُ الأُخْرى أنَّ لَفْظَ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِلَفْظِ عُمُومٍ، بَلْ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ كَثِيرًا لِلْخُصُوصِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ ، ولَيْسَ حُكّامُ المُؤْمِنِينَ إذا حَكَمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ في أمْرٍ بِكَفَرَةٍ بِوَجْهٍ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: ومَن لا يَذُدْ عن حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ يُهَدَّمْ، ومَن لا يَظْلِمِ الناسَ يُظْلَمِ وَهَذا إنَّما مَعْناهُ الخُصُوصُ، لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن لا يَظْلِمُ يُظْلَمُ، فَهَذِهِ جِهَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى أنَّ العُمُومَ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ، وما احْتَجُّوا بِهِ مِن قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ فَلَيْسَ كَما ذَكَرُوهُ، وإنَّما أرادَ زَيْدٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ [الفُرْقانِ]، ومُرادُهُ بِاللَيِّنَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَقْتُلُونَ النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ﴾ الآيَةُ، وإنْ كانَ المَهْدَوِيُّ قَدْ حَكى عنهُ أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَتِ الآيَةُ: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَإذا دَخَلَهُ التَخْصِيصُ فالوَجْهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَخْصُوصَةٌ في الكافِرِ يَقْتُلُ المُؤْمِنَ، أمّا عَلى ما رُوِيَ«أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ مِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ حِينَ قَتَلَ أخاهُ هِشامَ بْنَ صُبابَةَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَأخَذَ لَهُ رَسُولُ اللهِ الدِيَةَ، ثُمَّ بَعَثَهُ مَعَ رَجُلٍ مِن فِهْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ في أمْرٍ ما، فَعَدا عَلَيْهِ مِقْيَسٌ فَقَتَلَهُ، ورَجَعَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، وجَعَلَ يُنْشِدُ: قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ ∗∗∗ سَراةَ بَنِي النَجّارِ أرْبابَ فارِعِ حَلَلْتُ بِهِ وتْرِي وأدْرَكْتُ ثَوْرَتِي ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوثانِ أوَّلَ راجِعِ فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "لا أُؤَمِّنُهُ في حِلٍّ ولا في حَرَمٍ"، وأمَرَ بِقَتْلِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وهو مُتَعَلِّقٌ بِالكَعْبَةِ،» وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى ما حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "مُتَعَمِّدًا" مَعْناهُ: مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ، فَهَذا يَؤُولُ أيْضًا إلى الكُفْرِ، وفي المُؤْمِنِ الَّذِي قَدْ سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ يُعَذِّبُهُ بِمَعْصِيَتِهِ عَلى ما قَدَّمْنا مِن تَأْوِيلٍ، فَجَزاؤُهُ -إنْ جازاهُ،-وَيَكُونُ قَوْلُهُ: "خالِدًا" إذا كانَتْ في المُؤْمِنِ بِمَعْنى باقٍ مُدَّةً طَوِيلَةً عَلى نَحْوِ دُعائِهِمْ لِلْمُلُوكِ بِالتَخْلِيدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا سُقُوطُ قَوْلِهِ: -أبَدًا- فَإنَّ التَأْبِيدَ لا يَقْتَرِنُ بِالخُلُودِ إلّا في ذِكْرِ الكُفّارِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَبُولِ تَوْبَةِ القاتِلِ، فَجَماعَةٌ عَلى ألّا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: "الشِرْكُ والقَتْلُ مُبْهَمانِ، مَن ماتَ عَلَيْهِما خُلِّدَ"، وكانَ يَقُولُ: "هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ نَسَخَتِ الآيَةَ الَّتِي في الفُرْقانِ، إذِ الفُرْقانُ مَكِّيَّةٌ"، والجُمْهُورُ عَلى قَبُولِ تَوْبَتِهِ، ورُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهم كانُوا يَقْصِدُونَ الإغْلاظَ والتَخْوِيفَ أحْيانًا، فَيُطْلِقُونَ: "لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ القاتِلِ"، مِنهُمُ ابْنُ شِهابٍ، كانَ إذا سَألَهُ مَن يَفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ قَدْ قَتَلَ قالَ لَهُ: "تَوْبَتُكَ مَقْبُولَةٌ"، وإذا سَألَهُ مَن لَمْ يَفْعَلْ قالَ لَهُ: "لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ"، ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَعَ عنهُ في تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ: "ألِلْقاتِلِ تَوْبَةٌ"؟
فَقالَ لَهُ: "لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ، وجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ"، فَلَمّا مَضى السائِلُ قالَ لَهُ أصْحابُهُ: "ما هَكَذا كُنّا نَعْرِفُكَ تَقُولُ إلّا أنَّ لِلْقاتِلِ التَوْبَةَ"، فَقالَ لَهُمْ: "إنِّي رَأيْتُهُ مُغْضَبًا، وأظُنُّهُ يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَ"، فَقامُوا فَطَلَبُوهُ وسَألُوا عنهُ، فَإذا هو كَذَلِكَ، وذَكَرَ هِبَةُ اللهِ في كِتابِ "الناسِخُ والمَنسُوخُ" لَهُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، وقالَ: "هَذا إجْماعُ الناسِ إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، وابْنَ عُمَرَ، فَإنَّهُما قالا: هي مُحْكَمَةٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِيما قالَهُ هِبَةُ اللهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ مَوْضِعُ عُمُومٍ وتَخْصِيصٍ، لا مَوْضِعُ نَسْخٍ، وإنَّما رَكَّبَ كَلامَهُ عَلى اخْتِلافِ الناسِ في قَبُولِ تَوْبَةِ القاتِلِ، واللهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
هذا هو المقصود من التشريع لأحكام القتل، لأنّه هو المتوقّع حصوله من الناس، وإنّما أخرّ لتهويل أمره، فابتدأ بذكر قتْل الخطأ بعنوان قوله: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطأ ﴾ [النساء: 92].
والمتعمّد: القاصد للقتل، مشتقّ من عَمَد إلى كذا بمعنى قَصد وذهب.
والأفعال كلّها لا تخرج عن حالتي عمد وخطأ، ويعرف التعمّد بأن يكون فعلاً لا يفعله أحد بأحد إلاّ وهو قاصد إزهاق روحه بخصوصه بما تُزهق به الأرواح في متعارف الناس، وذلك لا يخفى على أحد من العقلاء.
ومن أجل ذلك قال الجمهور من الفقهاء: القتل نوعان عمد وخطأ، وهو الجاري على وفق الآية، ومن الفقهاء من جعل نوعاً ثالثاً سمّاه شبه العمد، واستندوا في ذلك إلى آثار مروية، إن صحّت فتأويلها متعيّن وتحمل على خصوص ما وردت فيه.
وذكر ابن جرير والواحدي أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ مِقْيَساً بنَ صُبَابة وأخاه هشام جاءا مسلمَين مهاجرين فوُجِد هشامٌ قتيلاً في بني النجّار، ولم يُعرف قاتله، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإعطاء أخيه مِقْيَسٌ مائةٌ من الأبل، دية أخيه، وأرسل إليهم بذلك مع رجل من فهِر فلمّا أخَذ مقيس الإبلَ عدَا على الفهري فقتله، واستاق الإبل، وانصرف إلى مكة كافراً، وأنشد في شأن أخيه: قتلتُ به فهِراً وحَمَّلْتُ عقلَه *** سُراة بني النجّار أرْبابَ فَارِع حلَلْتُ به وِتْري وأدركتُ ثأرتي *** وكنتُ إلى الأوثاننِ أوّلَ راجع وقد أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه يوم فتح مكة، فقتِل بسوق مكة.
وقوله: ﴿ خالداً فيها ﴾ مَحْمَلهُ عند جمهور علماء السنّة على طول المُكث في النار لأجل قتل المؤمن عمداً، لأنّ قتل النفس ليس كفراً بالله ورسوله، ولا خلودَ في النار إلاّ للكفر، على قول علمائنا من أهل السنّة، فتعيّن تأويل الخلود بالمبالغة في طول المكث، وهو استعمال عربي.
قال النابغة في مرض النعمان بن المنذر: ونحن لديه نسأل الله خُلْدَه *** يَرُدّ مَلْكاً وللأرضضِ عامِرا ومحمله عند من يُكفّر بالكبائر من الخوارج، وعند من يوجب الخلود على أهل الكبائر، على وتيرة إيجاب الخلود بارتكاب الكبيرة.
وكلا الفريقين متّفقون على أنّ التوبة تَرِد على جريمة قتل النفس عمداً، كما تَرِد على غيرها من الكبائر، إلاّ أنّ نَفراً من أهل السنّة شذّ شذوذاً بيّنا في محمل هذه الآية: فروي عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس: أنّ قاتل النفس متعمّداً لا تقبل له توبة، واشتهر ذلك عن ابن عباس وعُرف به، أخذاً بهذه الآية، وأخرج البخاري أنّ سعيد بن جبير قال: آيةٌ اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلتُ فيها إلى ابن عباس، فسألتُه عنها، فقال: نزلت هذه الآية ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها ﴾ الآية.
هي آخر ما نزل وما نسخَها شيء، فلم يأخذ بطريق التأويل.
وقد اختلف السلف في تأويل كلام ابن عباس: فحمله جماعة على ظاهره، وقالوا: إنّ مستنده أنّ هذه الآية هي آخر ما نزل، فقد نَسخَت الآياتتِ التي قبلها، التي تقتضي عموم التوبة، مثل قوله: ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [النساء: 116]، فقاتل النفس ممن لم يشأ الله يغفر له ومثل قوله ﴿ واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ﴾ [طه: 82]، ومثل قوله: ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلاّ مَن تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ﴾ [الفرقان: 68، 69].
والحقّ أنّ محلّ التأويل ليس هو تقدّمَ النزول أو تأخُّره، ولكنّه في حمل مطلق الآية على الأدلّة التي قيّدت جميع أدلّة العقوبات الأخروية بحالة عدم التوبة.
فأمّا حكم الخلود فحمله على ظاهره أو على مجازه، وهو طولُ المدّة في العقاب، مسألة أخرى لا حاجة إلى الخوض فيها حين الخوضضِ في شأن توبة القاتل المتعمّد، وكيف يُحرم من قبول التوبة، والتوبةُ من الكفر، وهو أعظمُ الذنوب مقبولة، فكيف بما هو دونه من الذنوب.
وحمل جماعة مراد ابن عبّاس على قصد التهويل والزجر، لئلاّ يجترئ الناس على قتل النفس عمداً، ويرجون التوبة، ويَعْضُدون ذلك بأنّ ابن عباس رُوي عنه أنّه جاءه رجل فقال: «ألِمَنْ قتل مؤمناً متعمّداً توبة» فقال: «لاَ إلاّ النار»، فلمّا ذهب قال له جلساؤه «أهكذا كنت تفتينا فقد كنت تقول إنّ توبته مقبولة» فقال: «إنّي لأحْسِبُ السائل رجلاً مغضَباً يريد أن يقتل مؤمناً»، قل: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك.
وكان ابن شهاب إذا سألَه عن ذلك من يَفْهَم مِنْه أنّه كان قَتل نفساً يقول له: «توبتُك مقبولة» وإذا سأله من لم يقتل، وتوسّم من حاله أنّه يحاول قتلَ نفس، قال له: لا توبةَ للقاتل.
وأقول: هذا مقام قد اضطربت فيه كلمات المفسّرين كما علمت، وملاكه أنّ ما ذكره الله هنا في وعيد قاتل النفس قد تجاوز فيه الحدّ المألوف من الإغلاظ، فرأى بعض السلف أنّ ذلك موجب لحمل الوعيد في الآية على ظاهره، دون تأويل، لشدّة تأكيده تأكيداً يمنع من حمل الخلود على المجاز، فيُثبت للقاتل الخلودَ حقيقة، بخلاف بقية آي الوعيد، وكأنّ هذا المعنى هو الذي جعلهم يخوضون في اعتبار هذه الآية محكمةً أو منسوخة، لأنّهم لم يجدوا مَلْجأ آخرَ يأوُون إليه في حملها على ما حُملت عليه آيات الوعيد: من محامِل التأويل، أو الجمععِ بين المتعارضات، فآووا إلى دَعوى نسخخِ نصّها بقوله تعالى في سورة الفرقان (68، 69): ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ إلى قوله ﴿ إلاّ من تاب ﴾ لأنّ قوله: ومن يفعل ذلك إمّا أن يراد به مجموع الذنوب المذكورة، فإذا كان فاعل مجموعها تنفعه التوبة ففاعل بعضها وهو القتل عمداً أجدر، وإمّا أن يراد فاعل واحدة منها فالقتل عمداً مما عُدَّ معها.
ولذا قال ابن عباس لسعيد بن جبير: إنّ آية النساء آخر آية نزلت وما نسخها شيء.
ومن العجب أن يقال كلام مثل هذا، ثم أن يُطال وتتناقله الناس وتمرّ عليه القرون، في حين لا تعارض بين هذه الآية التي هي وعيد لقاتل النفس وبين آيات قبول التوبة.
وذهب فريق إلى الجواب بأنّها نُسخت بآية: ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [النساء: 48]، بناء على أنّ عموم ﴿ من يشاء ﴾ نَسَخ خصوصَ القتل.
وذهب فريق إلى الجواب بأنّ الآية نزلت في مِقْيَسسٍ بن صُبابة، وهو كافر فالخلود لأجل الكفر، وهو جواب مبني على غلط لأنّ لفظ الآية عامّ إذ هو بصيغة الشرط فتعيّن أنّ «من» شرطية وهي من صيغ العموم فلا تحمل على شخص معيّن؛ إلاّ عند من يرى أنّ سبب العامّ يخصّصه بسببه لا غيرُ، وهذا لا ينبغي الالتفات إليه.
وهذه كلّها ملاجئ لا حاجة إليها، لأنّ آيات التوبة ناهضة مجمع عليها متظاهرة ظواهرها، حتّى بلغت حدّ النصّ المقطوع به، فيحمل عليها آيات وعيد الذنوب كلّها حتّى الكفر.
على أنّ تأكيد الوعيد في الآية إنّما يرفع احتمال المجاز في كونه وعيداً لا في تعيين المتوعّد به وهو الخلود.
إذ المؤكّدات هنا مختلفة المعاني فلا يصحّ أن يعتبر أحدها مؤكّداً لمدلول الآخر بل إنّما أكَّدت الغرض.
وهو الوعيد، لا أنواعه.
وهذا هو الجواب القاطع لهاته الحيرة.
وهو الذي يتعيّن اللجأ إليه، والتعويل عليه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ قَتَلَ الحارِثَ بْنَ زَيْدٍ مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، لِأنَّهُ كانَ يُعَذِّبُ عَيّاشًا مَعَ أبِي جَهْلٍ واخْتُلِفَ أيْنَ قَتَلَهُ؟
فَقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ: قَتَلَهُ بِالحَرَّةِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إلى المَدِينَةِ وهو لا يَعْلَمُ بِإسْلامِهِ، وقالَ السُّدِّيُّ: قَتَلَهُ يَوْمَ الفَتْحِ وقَدْ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وهو لا يَعْلَمُ بِإسْلامِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي الدَّرْداءِ حِينَ «قَتَلَ رَجُلًا بِالشِّعْبِ فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَبَدَرَ فَضَرَبَهُ ثُمَّ وجَدَ في نَفْسِهِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ لَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (ألا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ)» وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ﴾ يَعْنِي وما أذِنَ اللَّهُ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا.
ثُمَّ قالَ: ﴿ إلا خَطَأً ﴾ يَعْنِي أنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَقْتُلُ المُؤْمِنَ خَطَأً ولَيْسَ مِمّا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ، وهَذا مِنَ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ العَرَبِيَّةِ: الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: مِنَ البِيضِ لَمْ تُظْعِنْ بَعِيدًا ولَمْ تَطَأْ عَلى الأرْضِ إلّا رَيْطَ بُرْدٍ مُرَحَّلِ يَعْنِي ولَمْ تَطَأْ عَلى الأرْضِ إلّا أنْ تَطَأ ذَيْلَ البُرْدِ ولَيْسَ البُرْدَ مِنَ الأرْضِ.
﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لا يُجْزِئُ عِتْقُها في الكَفّارَةِ إلّا أنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً بالِغَةً قَدْ صَلَّتْ وصامَتْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وإبْراهِيمَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الصَّغِيرَةَ المَوْلُودَةَ مِن أبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ تَكُونُ مُؤْمِنَةً تُجْزِئُ في الكَفّارَةِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، والشّافِعِيِّ.
﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ ﴾ في الدِّيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها مُجْمَلَةٌ أُخِذَ بَيانُها مِن رَسُولِ اللَّهِ .
والثّانِي: أنَّها مَعْهُودَةٌ تَقَدَّمَ العَمَلُ بِها ثُمَّ تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْها فَجَعَلَ اللَّهُ الرَّقَبَةَ تَكْفِيرًا لِلْقاتِلِ في مالِهِ والدِّيَةَ بَدَلًا مِن نَفْسِ المَقْتُولِ عَلى عاقِلَتِهِ.
﴿ فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ إنْ كانَ قَوْمُهُ كُفّارًا وهو مُؤْمِنٌ فَفي قَتْلِهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ولَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تُؤَدّى إلَيْهِمْ لِأنَّهم يَتَقَوَّوْنَ بِها.
والثّانِي: مَعْناهُ فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم يَعْنِي أهْلَ حَرْبٍ إذا كانَ فِيهِمْ مُؤْمِنٌ فَقُتِلَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِإيمانِهِ فَفِيهِ الكَفّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ سَواءٌ كانَ وارِثُهُ مُسْلِمًا أوْ كافِرًا وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ هي مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى حَقِيقَتِها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هم أهْلُ الذِّمَّةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، يَجِبُ في قَتْلِهِمُ الدِّيَةُ والكَفّارَةُ.
والثّانِي: هم أهْلُ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ العَرَبِ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: هم كُلُّ مَن لَهُ أمانٌ بِذِمَّةٍ أوْ عَهْدٌ فَيَجِبُ في قَتْلِهِ الدِّيَةُ والكَفّارَةُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ مِنَ الرَّقَبَةِ وحْدَها إذا عَدِمَها دُونَ الدِّيَةِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الرَّقَبَةِ والدِّيَةِ جَمِيعًا عِنْدَ عَدَمِها، وهَذا قَوْلُ مَسْرُوقٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في مَقِيسِ بْنِ صُبابَةَ، وقَدْ كانَ رَجُلًا مِن بَنِي فِهْرٍ قَتَلَ أخاهُ، فَأعْطاهُ النَّبِيُّ الدِّيَةَ وضَرَبَها عَلى بَنِي النَّجّارِ، فَقَبِلَها، ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ مَقِيسَ بْنَ صُبابَةَ ومَعَهُ الفِهْرِيُّ في حاجَةٍ فاحْتَمَلَ مَقِيسٌ الفِهْرِيَّ وكانَ أيِّدًا فَضَرَبَ بِهِ الأرْضَ ورَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ثُمَّ ألْقى يُغَنِّي: قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَلَتْ عَقْلَهُ ∗∗∗ سَراةُ بَنِي النَّجّارِ أرْبابُ فارِعِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (أظُنُّهُ أحْدَثَ حَدَثًا، أما واللَّهِ لَئِنْ كانَ فَعَلَ لا أُؤَمِّنُهُ في حِلٍّ ولا حَرَمٍ فَقُتِلَ عامَ الفَتْحِ)» .
ورَوى سالِمُ بْنُ أبِي الجَعْدِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ : « (وَمَن يَقْتُلْ مَؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ) الآيَةَ، فَقِيلَ لَهُ: وإنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
قالَ: وأنّى لَهُ التَّوْبَةُ).» قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ.
فَنَزَلَتِ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ الهُدْنَةِ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جريج وابن المنذر من طريق ابن جريج عن عكرمة أن رجلاً من الأنصار قتل أخاً مقيس بن ضبابة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله.
قال ابن جريج، وقال غيره: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ديته على بني النجار، ثم بعث مقيساً، وبعث معه رجلاً من بني فهر في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم، فاحتمل مقيس الفهري- وكان رجلاً شديداً- فضرب به الأرض، ورضخ رأسه بين حجرين، ثم ألقى يتغنى: قتلت به فهرا وحملت عقله ** سراة بني النجار أرباب قارع فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أظنه قد أحدث حدثاً، أما والله لئن كان فعل لا أومنه في حل ولا حرم، ولا سلم ولا حرب، فقتل يوم الفتح.
قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ﴾ قال: نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني، وذلك أنه أسلم وأخوه هشام بن ضبابة وكانا بالمدينة، فوجد مقيس أخاه هشاماً ذات يوم قتيلاً في الأنصار في بني النجار، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من قريش من بني فهر ومعه مقيس إلى بني النجار- ومنازلهم يومئذ بقباء- أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك، وإلا فادفعوا إليه الدية.
فما جاءهم الرسول قالوا: السمع والطاعة لله وللرسول، والله ما نعلم له قاتلاً ولكن نؤدي إليه الدية، فدفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين من قباء إلى المدينة وبينهما ساعة، عمد مقيس إلى الفهري رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله، وارتد عن الإسلام وركب جملاً منها وساق معه البقية، ولحق بمكة وهو يقول: في شعر له: قتلت به فهراً وحملت عقله ** سراة بني النجار أرباب قارع وأدركت ثأري واضطجعت موسداً ** وكنت إلى الأوثان أول راجع فنزلت فيه بعد قتل النفس وأخذ الدية، وارتد عن الإسلام ولحق بمكة كافراً ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
مثله سواء.
وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير والطبراني من طريق سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها؟
فقال: نزلت هذه الآية ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ﴾ هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء.
وأخرج أحمد وسعيد بن منصور والنسائي وابن ماجه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني من طريق سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس.
أن رجلاً أتاه فقال: أرأيت رجلاً قتل رجلاً متعمداً؟
قال: ﴿ فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ﴾ قال: لقد نزلت في آخر ما نزل ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟
قال: وأنى له بالتوبة وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثكلته أمه، رجل قتل رجلاً متعمدا يجيء يوم القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو بيساره، وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجهُ دماً في قبل العرش، يقول: يا رب سل عبدك فيم قتلني» .
وأخرج الترمذي وحسنه من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماً يقول: يا رب قتلني هذا حتى يدنيه من العرش قال: فذكروا لابن عباس التوبة، فتلا هذه الآية ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ قال: ما نسخت هذه الآية ولا بدلت، وأنى له التوبة» .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جري عن سعيد بن جبير قال: قال لي عبد الرحمن بن ابزي: سل ابن عباس عن قوله: ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ﴾ فقال: لم ينسخها شيء، وقال في هذه الآية ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ [ الفرقان: 68] الآية.
قال: نزلت في أهل الشرك.
وأخرج عبد الحميد والبخاري وابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعيد بن جبير أن عبد الرحمن بن أبزي سأله: أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في النساء ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ﴾ إلى آخر الآية والتي في الفرقان ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ﴾ [ الفرقان: 68] الآية.
قال: فسألته؟
فقال: إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره ثم قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم لا توبة له، وأما التي في الفرقان فإنها لما أنزلت قال المشركون من أهل مكة: فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق، وأتينا الفواحش، فما نفعنا الإسلام، فنزلت ﴿ إلا من تاب ﴾ [ الفرقان: 70] الآية.
فهي لأولئك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب قال: سمعت ابن عباس يقول: نزلت هذه الآية ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ﴾ بعد قوله: ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ﴾ [ الفرقان: 70] بسنة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ بعد التي في سورة الفرقان بثماني سنين، وهي قوله: ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ [ الفرقان: 68] إلى قوله: ﴿ غفوراً رحيماً ﴾ [ الفرقان: 70] .
وأخرج ابن جرير والنحاس والطبراني عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟
قال: لا.
فقرأت عليه الآية التي في الفرقان ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ [ الفرقان: 68] فقال هذه الآية مكية نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن زيد بن ثابت قال: نزلت الشديدة بعد الهينة بستة أشهر، يعني ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ بعد ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ [ النساء: 48] .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت قال: نزلت الشديدة بعد الهينة بستة أشهر، قوله: ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ بعد قوله: ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ [ الفرقان: 68] إلى آخر الآية.
وأخرج أبو داود وابن جرير والنحاس والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن زيد بن ثابت قال: نزلت الآية التي في سورة النساء بعد الآيات التي في سورة الفرقان بستة أشهر.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال: لما نزلت هذه الآية في الفرقان ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر...
﴾ [ الفرقان: 68] الآية.
عجبنا للينها، فلبثنا سبعة أشهر، ثم نزلت التي في النساء ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً...
﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق عن الضحاك قال: بينهما ثماني سنين، التي في النساء بعد التي في الفرقان.
وأخرج سمويه في فوائده عن زيد بن ثابت قال: نزلت هذه التي في النساء بعد قوله: ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء: 48] بأربعة أشهر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، لأن الله يقول ﴿ فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال: هما المبهمتان: الشرك والقتل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ﴾ قال: هي محكمة، ولا تزداد إلا شدة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن كردم.
أن أبا هريرة، وابن عباس، وابن عمر، سئلوا عن الرجل يقتل مؤمناً متعمداً؟
فقالوا: هل تستطيع أن لا تموت، هل تستطيع أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء؟
أو تحييه.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن ميناء قال: كنت جالساً بجنب أبي هريرة إذ أتاه رجل فسأله عن قاتل المؤمن هل له من توبة؟
فقال: والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.
وأخرج ابن المنذر من طريق أبي رزين عن ابن عباس قال: هي مبهمة، لا يعلم له توبة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال: ليس لمن قتل مؤمناً توبة لم ينسخها بشيء.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن ميناء قال: كان بين صاحب لي وبين رجل من أهل السوق لجاجة، فأخذ صاحبي كرسياً فضرب به رأس الرجل فقتله، وندم وقال: إني سأخرج من مالي، ثم انطلق فاجعل نفسي حبيساً في سبيل الله.
قلت: انطلق بنا إلى ابن عمر نسأله هل لك من توبة؟
فانطلقا حتى دخلنا عليه، فقصصت عليه القصة على ما كانت، قلت: هل ترى له من توبة؟
قال: كل واشرب أف قم عني.
قلت: يزعم أنه لم يرد قتله؟
قال: كذب، يعمد أحدكم إلى الخشبة فيضرب بها رأس الرجل المسلم ثم يقول: لم أرد قتله، كذب، كل واشرب ما استطعت أف قم عني.
فلم يزدنا على ذلك حتى قمنا.
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود قال: قتل المؤمن معقلة.
وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً» .
وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر عن معاوية.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً» .
وأخرج ابن المنذر عن أبي الدرداء.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً، أو من قتل مؤمناً متعمداً» .
وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعان في قتل مسلم بشطر كلمة، يلقى الله يوم يلقاه مكتوب على جبهته آيس من رحمة الله» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في البعث عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة، كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله» .
وأخرج ابن المنذر عن أبي عون قال: إذا سمعت في القرآن ﴿ خلوداً ﴾ فلا توبة له.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نازلت ربي في قاتل المؤمن، في أن يجعل له توبة فأبى عليَّ» .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو القاسم بن بشران في أماليه بسند ضعيف عن أبي هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ﴾ قال: هو جزاؤه إن جازاه» .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقول: جزاؤه جهنم إن جازاه، يعني للمؤمن وليس للكافر، فإن شاء عفا عن المؤمن وإن شاء عاقب.
وأخرج ابن المنذر من طريق عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس في قوله: ﴿ فجزاؤه جهنم ﴾ قال: هي جزاؤه إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عن أبي مجلز في قوله: ﴿ فجزاؤه جهنم ﴾ قال: هي جزاؤه، فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل.
وأخرج ابن المنذر عن عون بن عبد الله في قوله: ﴿ فجزاؤه جهنم ﴾ قال: إن هو جازاه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح.
مثله.
وأخرج ابن المنذر عن إسماعيل بن ثوبان قال: جالست الناس قبل الداء الأعظم في المسجد الأكبر، فسمعتهم يقولون ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ﴾ إلى ﴿ عذاباً عظيماً ﴾ قال المهاجرون والأنصار: وجبت لمن فعل هذا النار، حتى نزلت ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [ النساء: 48] فقال المهاجرون والأنصار: ما شاء يصنع الله ما شاء، فسكت عنهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث عن هشام بن حسان قال: كنا عند محمد بن سيرين فقال له رجل ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ﴾ حتى ختم الآية فغضب محمد وقال: أين أنت عن هذه الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ قم عني أخرج عني قال: فأخرج.
وأخرج القتبي والبيهقي في البعث عن قريش بن أنس قال: سمعت عمرو بن عبيد يقول: يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله فيقول لي لم قلت إن القاتل في النار؟
فأقول أنت قتلته ثم تلا هذه الآية ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم ﴾ قلت له: وما في البيت أصغر مني أرأيت إن قال لك فإني قد قلت ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر قال: فما استطاع أن يرد علي شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق قال أتى رجل عمر فقال لقاتل المؤمن توبة قال: نعم ثم قرأ ﴿ حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قاتل المؤمن قال: كان يقال: له توبة إذا ندم.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة.
مثله.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن كردم عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: ملأت حوضي أنتظر طميتي ترد علي، فلم أستيقظ إلا ورجل أشرع ناقته فتلم الحوض وسال الماء، فقمت فزعاً فضربته بالسيف فقتلته، فقال: ليس هذا مثل الذي قال، فأمره بالتوبة.
قال سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا؟
قالوا: لا توبة له.
فإذا ابتلى رجل قالوا: كذبت.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عبد الله بن جعفر قال: كفارة القتل، القتل.
وأخرج عبد بن حميد والنحاس عن سعد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول: لمن قتل مؤمناً توبة.
قال: فجاءه رجل فسأله ألمن قتل مؤمناً توبة؟
قال: لا، إلا النار.
فلما قام الرجل قال له جلساؤه: ما كنت هكذا تفتينا، كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمناً توبة مقبولة، فما شأن هذا اليوم؟
قال: إني أظنه رجل يغضب يريد أن يقتل مؤمناً، فبعثوا في أثره، فوجوده كذلك.
وأخرج النحاس عن نافع وسالم.
أن رجلاً سأل عبد الله بن عمر كيف ترى في رجل قتل رجلاً عمداً؟
قال: أنت قتلته؟
قال: نعم.
قال: تب إلى الله يتب عليك.
وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم قال: ليس للقاتل توبة إلا أن يقاد منه، أو يعفى عنه، أو تؤخذ منه الدية.
وأخرج عبد بن حميد عن سفيان قال: بلغنا أن الذي يقتل متعمداً فكفارته أن يقيد من نفسه، أو أن يعفى عنه، أو تؤخذ منه الدية، فإن فعل به ذلك رجونا أن تكون كفارته ويستغفر ربه، فإن لم يفعل من ذلك شيئاً فهو في مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء لم يغفر له، فقال سفيان: فإذا جاءك من لم يقتل فشدد عليه ولا ترخص له لكي يفرض، وإن كان ممن قتل فسألك فأخبره لعله يتوب ولا تؤيسه.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: لأن أتوب من الشرك أحب إليَّ من أن أتوب من قتل المؤمن.
وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً، وأدّى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتبساً، وسمع وأطاع، فله الجنة.
وخمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار من الزحف، ويمين صابرة تقتطع بها مالاً بغير حق» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: إن الرجل ليقتل يوم القيامة ألف قتلة.
قال أبو زرعة: بضروب ما قتل.
وأخرج ابن شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله للدنيا وما فيها أهون على الله من قتل مسلم بغير حق» .
وأخرج النسائي والنحاس عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عمرو قال: قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا.
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن بريدة عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا» .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن مسعود قال: لا يزل الرجل في فسحة من دينه ما نقيت كفه من الدم، فإذا أغمس يده في الدم الحرام نزع حياؤه.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل، فيقول: يا رب هذا قتلني.
قال: لمَ قتلته؟
فيقول لتكون العزة لك.
فيقول: فإنها لي.
ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: يا رب قتلني هذا.
فيقول الله: لمَ قتلت هذا؟
فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان.
فيقول: إنها ليست له، بؤ بإثمه» .
وأخرجه ابن أبي شيبة عن عمرو بن شرحبيل.
موقوفاً.
وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال: يجلس المقتول يوم القيامة، فإذا مر الذي قتله قام فأخذه، فينطلق فيقول: يا رب سله لمَ قتلني؟
فيقول: فيم قتلته؟
فيقول: أمرني فلان، فيعذب القاتل والآمر.
وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبَّهم الله جميعاً في النار» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن البراء بن عازب.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من قتل مؤمن، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار» .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال: «قتل بالمدينة قتيل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم من قتله، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال: أيها الناس قتل قتيل وأنا فيكم ولا نعلم من قتله، ولو اجتمع أهل السماء والأرض على قتل امرئ لعذبهم الله إلا أن يفعل ما يشاء» .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن جندب البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم امرئ مسلم، أن يهرقه كلما تعرض لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه» .
وأخرج الأصبهاني عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال المؤمن معنقاً صالحاً ما لم يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بلح» .
وأخرج الأصبهاني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن لأكبَّهم الله على مناخرهم في النار، وأن الله حرم الجنة على القاتل والآمر» .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن رجل من الصحابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قسمت النار سبعين جزءاً.
للآمر تسعة وستين، وللقاتل جزءاً» .
وأخرج البيهقي عن محمد بن عجلان قال: كنت بالإسكندرية فحضرت رجلاً الوفاة لم نرَ من خلق الله أحداً كان أخشى لله منه، فكنا نلقنه فيقبل كلما لقناه من سبحان الله والحمد لله، فإذا جاءت لا إله إلا الله أبى، فقلنا له: ما رأينا من خلق الله أحداً كان أخشى لله منك، فنلقنك فتلقن حتى إذا جاءت لا إله إلا الله أبيت؟!
قال: إنه حيل بيني وبينها، وذلك أني قتلت نفساً في شبيبتي.
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن عقبة بن عامر.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يلقى الله لا يشرك به شيئاً لم يتند بدم حرام إلا أدخل الجنة، من أي أبواب الجنة شاء» .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري قال: كنت جالساً عند سالم بن عبد الله في نفر من أهل المدينة، فقال رجل: ضرب الأمير آنفاً رجلاً أسواطاً فمات.
فقال سالم: عاب الله على موسى عليه السلام في نفس كافر قتلها.
وأخرج البيهقي عن شهر بن حوشب.
أن أعرابياً أتى أبا ذر فقال: إنه قتل حاج بيت الله ظالماً فهل له من مخرج؟
فقال له أبو ذر: ويحك...
!
أحي والداك؟
قال: لا.
قال: فأحدهما؟
قال: لا.
قال: لو كانا حيين أو أحدهما لرجوت لك، وما أجد لك مخرجاً إلا في إحدى ثلاث.
قال: وما هن؟
قال: هل تستطيع أن تحييه كما قتلته؟
قال: لا والله!
قال: فهل تستطيع أن لا تموت؟
قال: لا والله ما من الموت بد، فما الثالثة؟
قال: هل تستطيع أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء؟
فقام الرجل وله صراخ، فلقيه أبو هريرة فسأله فقال: ويحك...
!
حيان والداك؟
قال: لا.
قال: لو كانا حيين أو أحدهما لرجوت لك، ولكن اغز في سبيل الله وتَعَرَّضْ للشهادة فعسى.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خالدا ﴾ الآية: نزلت بسبب مِقْيَس بن صبابة كان قد أخذ دية أخيه هشام المقتول خطأ، ثم قتل رجلاً من القوم الذين قتلوا أخاه وارتدّ مشركاً، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله والمعتمد عند الجمهور هو الذي يقصد القتل بحديدة أو حجر أو عصا أو غير ذلك، وهذه الآية معطلة على مذهب الأشعرية وغيرهم ممن يقول: لا يخلد عصاة المؤمنين في النار، واحتج بها المعتزلة وغيرهم ممن يقول بتخليد العصاة في النار لقوله: خالداً فيها وتأولها الأشعرية بأربعة أوجه: أحدها: أن قالوا إنها في الكافر إذا قتل مؤمناً، والثاني: قالوا معنى المتعمد هنا المستحل للقتل، وذلك يؤول إلى الكفر، والثالث: قالوا الخلود فيها ليست بمعنى الدوام الأبدي، وإنما هو عبارة عن طول المدة، والرابع: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: 116] وأما المعتزلة فحملوها على ظاهرها ورأوا أنها ناسخة لقوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: 116]، واحتجوا على ذلك بقول زيد بن ثابت نزلت الشديدة بعد الهينة وبقول ابن عباس: الشرك والقتل من مات عليهما خلد، وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلاّ الرجل يموت كافراً أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً» وتقتضي الآية وهذه الآثار أن للقتل حكماً يخصه من بين سائر المعاصي، واختلف الناس في القاتل عمداً إذا تاب، هل تقبل توبته أم لا؟
وكذلك حكى ابن رشد الخلاف في القاتل إذا اقتص منه هل يسقط عنه العقاب في الآخرة أم لا؟
والصحيح أنه يسقط عنه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصاب ذنباً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة» وبذلك قال جمهور العلماء ﴿ ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ أي سافرتم في الجهاد ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ من البيان وقرأ حمزة والكسائي بالثاء المثلثة من الثبات والتفعل فيها بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثبوته ﴿ ألقى إِلَيْكُمُ السلام ﴾ بغير ألف أي انقاد وألقى بيده، وقرأ نافع وغيره السلام بمعنى التحية، ونزلت في سرية لقيت رجلاً فسلم عليهم، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان القاتل علم بن جثامة والمقتول عامر بن الأغبط، وقيل: القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن نهيك ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياوة الدنيا ﴾ يعني الغنيمة، وكان للرجل المقتول غنم ﴿ فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ وعد وتزهيد في غنيمة من أظهر الإسلام ﴿ كذلك كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ ﴾ قيل: معناه كنتم كفاراً فهداكم الله للإسلام، وقيل: كنتم تخفون إيمانكم من قومكم ﴿ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ ﴾ بالعزة والنصر حتى أظهرتموه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فتثبتوا ﴾ من التثبت وكذلك في الحجرات: حمزة وعلي وخلف.
والباقون ﴿ فتبيّنوا ﴾ من التبين ﴿ السلم ﴾ مقصوراً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة وخلف والمفضل وسهل.
الباقون بالألف.
﴿ غير ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي وخلف.
الباقون ﴿ غير ﴾ بالرفع ﴿ الذين توفاهم ﴾ مشددة التاء: البزي وابن فليح.
الوقوف: ﴿ إلاّ خطأ ﴾ ج ﴿ يصدقوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر.
﴿ مؤمنة ﴾ ط لذلك ﴿ مؤمنة ﴾ ج ﴿ متتابعين ﴾ ز لاحتمال كون ﴿ توبة ﴾ مصدراً لفعل محذوف والأوجه كونه مفعولاً له.
﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ مؤمناً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً ﴿ الدنيا ﴾ ز لانقطاع النظم مع اتصال الفاء.
﴿ كثيرة ﴾ ط ﴿ فتبينوا ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ 5 ﴿ وأنفسهم ﴾ الأول ط ﴿ درجة ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 لا لأن ما بعده بدل / ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ فيم كنتم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ فتهاجروا فيها ﴾ ط لتناهي الاستفهام بجوابه.
﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ 5 للاستثناء.
﴿ سبيلاً ﴾ 5 لا ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ 5 ﴿ وسعة ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ من الصلاة ﴾ ق والأصح أن شرط تغليب في المسافر ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ 5.
التفسير: لما لم يكن بد في مجاهدة الكفار من أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلاً يظنه كافراً حربياً فيقتله ثم يتبين أنه كان مسلماً، ذكر الله حكم هذه الواقعة وأمثالها في هذه الآيات.
أما سبب النزول فقد روى عروة بن الزبير "أن حذيفة بن اليمان قاتل مع رسول الله يوم أُحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار فضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلاّ بعد أن قتلوه.
فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
فلما سمع الرسول ذلك زاد وقع حذيفة عنده" ونزلت الآية.
وقيل: نزلت في أبي الدرداء؛ "وذلك أنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلاً في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلاّ الله فقتله وساق غنمه.
ثم وجد في نفسه شيئاً فذكر الواقعة للرسول فقال: هلا شققت عن قلبه؟
وندم أبو الدرداء" .
والذي عليه أكثر المفسرين ما ذكره الكلبي "أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه فخرج هارباً إلى المدينة وذلك قبل هجرة رسول الله فقدمها، ثم أتى أُطُماً من آطامها فتحصن فيه فجزعت أمه جزعاً شديداً وأقسمت لا تأكل ولا تشرب ولا يؤوبها سقف حتى يرجع.
فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة وكان أبو جهل أخا عياش لأمه، فأتياه وهو في ألأطم فقالا: انزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وحلفت لا تأكل طعاماً ولا شراباً حتى ترجع إليها، ولم يزل يفتل منه أبو جهل في الذروة والغارب ويقول: أليس محمد يحثك على صلة الرحم؟
انصرف وبرّ بأمك وأنت على دينك حتى نزل فذهب معهما.
فلما أخرجاه من المدينة وأوثقاه بنسعة وجلده كل منهما مائة جلدة ثم قدما به على أمه فقالت: والله ما أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به.
ثم تركوه موثقاً في الشمس فأعطاهم بعض الذي أرادوا، فأتاه الحرث بن زيد وقال: يا عياش، والله لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن كان ضلالة فقد دخلت الآن فيه.
فغضب عياش من مقالته وقال له: هذا أخي - يعني أبا جهل - فمن أنت يا حارث؟
لله عليّ، إن وجدتك خالياً أن أقتلك.
ثم إن عياشاً أسلم بعد هجرة رسول الله وهاجر إلى المدينة واسلم الحرث بعده وهاجر وليس عياش يومئذ حاضراً ولم يشعر بإسلامه، فبينما هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحرث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس: أي شيء صنعت؟
إنه قد أسلم.
فرجع عياش إلى / رسول الله فقال: كان من أمري وأمر الحرث ما علمت وإني لم اشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت" ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ أي ما صح له ولا استقام، أو ما كان له فيما أتاه من ربه وعهد إليه، أو ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك.
والغرض بيان أن حرمه القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف ﴿ إلا خطأ ﴾ إلاّ لهذا العذر وبهذا السبب فيكون مفعولاً له، أو إلاّ في حال الخطأ أو إلاّ قتلاً خطأ.
قال أبو هاشم - وهو أحد رؤساء المعتزلة -: التقدير، وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً فيبقى مؤمناً إلا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذٍ مؤمناً.
﴿ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير ﴾ فعليه إعتاق ﴿ رقبة ﴾ أي نسمة مؤمنة.
والحر العتيق الكريم لأنّ الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العيبد ومنه عتاق الخيل والطير لكرامها، وحر الوجه أكرم موضع منه.
وعبر عن النسمة بالرقبة كما عبر عنها بالرأس في قولهم: "فلان يملك كذا رأساً من الرقيق".
﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ الدية من الودي كالشية من الوشي.
والأصل ودية وهي مخصوصة ببدل النفس دون سائر المتلفات، وقد تستعمل في بدل الأطراف والأعضاء والمراد بالأهل الورثة ﴿ إلاّ أن يصدقوا ﴾ أي يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد.
والتصدق الإعطاء والمراد ههنا العفو ومحله النصب على الظرف أو الحال والعامل.
﴿ مسلمة ﴾ أو عليه كأنه قيل: يجب عليه الدية أو يسلمها إلاّ زمان التصدق أو إلاّ متصدقين.
وههنا مسائل: الأولى القتل على ثلاثة أقسام: عمد وخطأ وشبه عمد.
اما العمد فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان جارحاً أو لم يكن.
وأما الخطأ فضربان: أحدهما أن يقصد رمي مشرك أو طائر فأصاب مسلماً، والثاني أن يظنه مشركاً بأن كان عليه شعار الكفار.
فالأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد.
وأما شبه العمد فهو أن يضربه مثلاً بعصا خفيفة لا تقتل غالباً فيموت منه فهذا خطأ في القتل وإن كان عمداً في الضرب.
الثانية قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس بعمد محض بل هو خطأ أو شبه عمد فيكون داخلاً تحت الآية فيجب في الدية والكفارة ولا يجب فيه القصاص.
وقال الشافعي: إنه عمد محض يجب فيه القصاص حجة الشافعي أنه قتل عمد عدوان أما إنه قتل فبقوله تعالى لموسى: ﴿ وقتلت نفساً فنجيناك من الغم ﴾ يعني القبطي إذ وكزه موسى فقضى عليه.
وأما أنه عمد عدوان فظاهر لأن من ضرب رأس الإنسان بحجر الرحى أو صلبه أو غرقه أو خنقه ثم قال ما قصدت قتله عد ماجنا، وإذا ثبت أنه قتل عمد عدوان فهو يوجب القصاص لقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى ﴾ وأن المقصود أن شرع القصاص صون الأرواح عن الإهدار والإهدار في المثقل كهو في المحدد، والعلم الضروري حاصل بأن التفاوت في آلة الإهدار غير معتبر.
حجة أبي حنيفة قوله : " "ألا إِنَّ قتيل العمد / والخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل " هذا عام سواء كان السوط أو العصا صغيراً أو كبيراً، وأجيب بأن العصا والسوط يجب حملهما على الخفيف ليتحقق معنى الخطأ، فإن من ضرب رأس إنسان بقطعه جبل ثم قال: ما كنت أقصد قتله لم يعبأ بقوله.
الثالثة قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة لأنه شرط في الآية أن يكون القتل خطأ، وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط.
وقال الشافعي: يوجبها لما روي أن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله في صاحب لنا أوجب النار بالقتل فقال: اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار.
وأيضاً نص الله على الكفارة في قتل الصيد عمداً في الحرم وفي الإحرام فأوجبها على الخاطىء بالاتفاق، فههنا نص على الخاطىء فبأن نوجبه على العامد كان أولى لأنه لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الإحياء عمداً لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قبل الرق كاحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار كما أن الميت ممنوع من التصرف مطلقاً، ولتحقيق هذا المعنى أوجب أن تكون الرقبة كاملة الرق، وأن تكون سليمة عن عيب مخل بالعمل كهرم وعمى وجنون.
الرابعة قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: لا تجزىء الرقبة إلاّ إذا صام وصلى لأنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة.
والإيمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي.
وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي: يجزىء الصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً لأن حكمه حكم المؤمن.
الخامسة أنه أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفيتها وإنما عرفت من السنة.
عن عمرو بن حزم "أن النبي كتب إلى أهل اليمن أن في النفس مائة من الإبل" .
وهذه المائة إذا كان القتل خطأ مخمسة عشرون منها بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون جذعة وعشرون حقة.
وبه قال مالك لما روي عن ابن مسعود "أن النبي قضى في دية الخطأ بمائة من الإبل" وفصلها كما ذكرنا.
وأبدل أبو حنيفة وأحمد أبناء اللبون بأبناء المخاض، لأن هذا الأقل متفق عليه والزائد منفي بالبراءة الأصلية.
وقال غيرهما: أبناء المخاض غير معتبرة في باب الزكاة فيجب أن لا تعتبر في الدية التي سببها أقوى من السبب الموجب للزكاة.
واتفقوا على أن الدية في العمد المحض مغلظة من ذلك التثليث في الإبل، وهو أن يكون ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
ومنه الحلول على قياس أبدال سائر المتلفات خلاف دية الخطأ فإنها مؤجلة الثلث في السنة الأولى، والثلث الآخر في السنة / الثانية، والباقي في السنة الثالثة، استفاض ذلك عن الخلفاء الراشدين ولم ينكره أحد فكان إجماعاً.
ومنه ثبوتها في ذمة الجاني لا تحملها العاقلة خلاف دية الخطأ فإنها تكون على العاقلة لما روي أن امرأتين من هذيل اقتتلنا فرمت إحداهما الأخرة بحجر، ويروى بعمود فسطاط.
فقتلتها فقضى رسول الله بالدية على عاقلة القاتلة.
وهذه صورة شبه العمد، والتحمل في الخطأ أولى.
وجهات التحمل ثلاث: القراب والولاء وبيت المال، والقرابة يعني بها العصبة الذين هم على حاشية النسب وهم الإخوة وبنوهم.
وقال أبو حنيفة ومالك: يتحمل الآباء والبنون كغيرهم ويراعى الترتيب في العصبات فيقدم الأقرب فالأقرب، فإن كان فيهم وفاء إذا وزع عليهم لكثرتهم أو لقلة المال وإلاّ شاركهم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
وقال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية في الخطأ أيضاً تجب على القاتل كما أن تحرير الرقبة أيضاً عليه ويؤيده عطف الدية في الآية على التحرير.
وأيضاً الجناية صدرت عنه فلا يعقل تضمين غيره كما في سائر الإتلافات.
وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز، وأجيب بإجماع الصحابة على ذلك.
السادسة مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل بإجماع المعتبرين من الصحابة، ولأن المرأة في الميراث وفي الشهادة نصف الرجل فكذلك في الدية.
وقال الأصم وابن علية: ديتها مثل دية الرجل لعموم قوله: ﴿ ومن قتل مؤمناً ﴾ .
السابعة إذا لم توجد الإبل فالواجب عند الشافعي في الجديد الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت وإنما تقوم بغالب نقد البلد لما روي أن النبي كان يقوّم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت رفع قيمتها.
وإذا هانت نقص من قيمتها، وقال أبو حنيفة: الواجب حينئذ ألف دينار أو عشرة آلاف درهم وعند مالك الدراهم اثنا عشر ألفاً.
الثامنة لا فرق بين هذه الدية وبين سائر الأموال في أنه يقضي منها الدين وينفذ منها الوصية ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله لما روي أن امرأة جاءت في أيام عمر تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئاً إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه.
فشهد بعض الصحابة بأن رسول الله أمر أن تورث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك.
وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القائل.
وعن شريك: لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية.
وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها وهذا خلاف الجماعة.
واعلم أنّ الله ذكر في هذه الآية أن من قتل مؤمناً خطأ فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية ثم قال: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وسكت عن الدية.
فالسكوت عن إيجاب الدية في هذه الصورة مع ذكرها فيما قبلها وفيما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن كان من قوم من بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ﴾ / يدل على عدم وجوب الدية ههنا.
ثم المعنيّ بقوله: ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ إما أن يكون أن هذا المقتول من سكان دار الحرب أو أنه ذو نسب منهم مع أنه في دار الإسلام، والثاني باطل بالإجماع لأن قتل هذا المسلم يوجب الدية ألبتة فتعين الأول.
وإنما سقطت الدية لأن إيجاب الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب محوج إلى أن يبحث الغازي عن كل شخص من أشخاص قطان دار الحرب هل هو من المسلمين أم لا، وذلك يوجب المشقة والنفرة عن الجهاد على أنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختيار السكنى فيهم.
وأما الكفارة فإنها حق الله لأنه أهلك إنساناً مواظباً على طاعته فيلزمه إقامة آخر مقامه يمكنه المواظبة عليها.
أما قوله: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ ففيه قولان: أحدهما أنّ المراد الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.
وعن الحسن هم المعاهدون ومنه الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.
وعن الحسن هم المعاهدون وثانيهما أن المراد منه المسلم لأنه عطف على قوله: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم ﴾ والضمير فيه عائد إلى ما تقدم وهو المؤمن فكذا ههنا.
واعترض عليه بلزوم عطف الشيء على نفسه لأنّ المؤمن المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو من أهل الذمة داخل تحت قوله: ﴿ من قتل مؤمناً خطأ ﴾ إلاّ أنه أفرد المؤمن الساكن في دار الحرب لأن من حكمه سقوط ديته وههنا لا غرض في الإفراد فيكون تكراراً محضاً.
وأيضاً لو كان المراد ذلك لما كانت الدية مسلمة إلى أهله كفار لا يرثونه ولكان كونه منهم مبهماً مجملاً لأنه لا يدري أنه منهم في أي أمر من الأمور بخلاف ما لو حمل كونه منهم على الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما.
وأجيب بأنه لما أفرد حكم المؤمن المقتول في دار الحرب للغرض الذي ذكر، ثم أعاد ذكر المؤمن المقتول فيما بين المعاهدين تنصيصاً على الفرق بينه وبين ما قبله وتنبيهاً على التسوية بينه وبين المسلم المقتول في دار الإسلام.
وأما أهله فهم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم، وأما الإبهام فيزول إذا جعل "من" بمعنى "في" كما في الآية المتقدمة عليه.
وههنا مسألة خلافية شرعية هي أن أبا حنيفة قال: دية الذمي مثل دية المسلم لقوله : ﴿ وإن كان ﴾ أي المقتول ﴿ من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ﴾ وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثلث خمسها هكذا روي من قضاء الصحابة.
ولا يخفى أن استدلال أبي حنيفة لا يتم على الثاني من قول المفسرين في الآية، وعلى القول الأول أيضاً يجوز أن يكون المراد بالدية الثانية مقداراً مغايراً للأول، وههنا سؤال وهو أنه لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وفي الأخيرة عكس الترتيب؟
ويمكن أن يقال: الفائدة فيه أن يعلم أنه لا ترتيب / بين التحرير والدية، وأيضاً ليقع الافتتاح والاختتام بحق الله .
ويترتب على التحرير قوله: ﴿ فمن لم يجد ﴾ أي رقبة بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين.
ومتى يعتبر الإعسار ليجوز له العدول إلى الصوم؟
الأصح عند الشافعي وقت الأداء، وعند بعضهم وقت الوجوب.
وأما الشهران فهما هلاليان ألبتة.
نعم لو ابتدأ في خلال الشهر تمم المنكسر ثلاثين.
والمراد بالتتابع أن لا يفطر يوماً منهما، فلو أفطر ولو بالمرض وجب الاستئناف إلاّ أن يكون الفطر بحيض أو نفاس، وعن مسروق أن الصوم بدل من مجموع الرقبة والدية ﴿ توبة من الله ﴾ أي شرع لكم ما شرع قبولاً من الله ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته.
ومعنى التوبة عن الخطأ أنه لا يخلو من ترك احتياط ومن ندم وأسف على ما فرط منه.
ويجوز أن يكون المعنى نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه أي تخفيفاً منه لأن التخفيف من لوازم التوبة.
﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه لم يقصد ولم يتعمد ﴿ حكيماً ﴾ محكم الفعل لا يؤاخذ الإنسان بما لا يختار ولا يتعمد.
وعند المعتزلة معنى الحكيم أن أفعاله واقعة على قانون الحكمة وقضية العدالة.
ثم لما ذكر حكم القتل الخطأ أردفه ببيان حكم القتل العمد وله أحكام وجوب الدية والكفارة عند غير أبي حنيفة ومالك والقصاص كما مر في البقرة، فلا جرم اقتصر ههنا على بيان ما فيه من الإثم والوعيد، ولا يخفى ما في الآية من التخويف والتهديد فلا جرم تمسكت الوعيدية بها في القطع بخلود الفاسق في النار.
وأجيب بوجهين: الأول إجماع المفسرين على أنها نزلت في كافر قتل مؤمناً.
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلاً في بني النجار وكان مسلماً، فأتى رسول الله فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله معه رسولاً من بني فهر وقال له: ائت بني النجار فاقرأهم السلام وقل لهم: إنّ رسول الله يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قاتلاً أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلاً ولكنا نؤدي إليه ديته فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيساً فوسوس إليه فقال: أي شيء صنعت تقبل دية أخيك فيكون عليك مسبة؟
اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية.
فرمى الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيراً منها وساق بقتيها راجعاً إلى مكة كافراً وجعل يقول في شعره: *قتلت به فهراً وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارغ* *وأدركت ثأري واضطجعت مؤسداً * وكنت إلى الأوثان أول راجع" .
فنزلت الآية فيه ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ ثم أهدر النبي دمه يوم فتح مكة فأدركه الناس بالسوق فقتلوه.
الوجه الثاني أنه يجوز عندنا أن يخلف الله وعيد المؤمنين فإن خلف الوعيد كرم.
وضعف الوجه الأول بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبأن ما قبل الآية وما بعدها في نهي المؤمن عن قتل المؤمن فكذا هذه الآية، وبأن ترتيب الحكم علىالوصف المناسب مشعر بالعلية فيجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو مجرد القتل العمد، وبأن الكفر بالاستقلال موجب لهذا الوعيد فأي فائدة في ضم القتل إليه؟
وإذا لا أثر للقتل في هذه الصورة فيكون الكلام جارياً مجرى قول القائل "إنّ من تنفس لجزاؤه جهنم" وزيف الوجه الثاني بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر.
وإذا جاز الكذب فيه لغرض إظهار الكرم فلم لا يجوز في القصص والأخبار وغير ذلك لغرض المصلحة؟
وفتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع.
قال القفال: الآية تدل على أنّ جزاء القتل العمد هو ما ذكر.
وقد يقول الرجل لغيره: جزاؤك أني أفعل بك كذا إلاّ أني لا أفعله.
ولا يخفى ضعف هذا الجواب أيضاً لدلالة سائر الآيات كقوله: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ ﴿ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ على أنه يوصل الجزاء إلى المستحقين، ولأن قوله: ﴿ وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ﴾ صريح في أنه سيفعل به ذلك لا سيما وقد أخبر عنه بلفظ الماضي ليعلم أنه كالواقع.
ولتأكد هذه المعاني نقل عن ابن عباس أن توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة.
وعن سفيان كان أهل العلم إذا سألوا قالوا: لا توبة له.
وحمله الجمهور على التغليظ والتشديد وإلاّ فكل ذنب ممحوّ بالتوبة حتى الشرك.
هذا عند المعتزلة، وعند الأشاعرة كل الذنوب يحتمل العفو إلاّ الشرك لقوله : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ .
ثم بالغ في تحريم قتل المؤمن فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ﴾ لتفعل ههنا بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوّكوا فيه عن غير روية ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ﴾ وهو والسلم بمعن الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التحية يعني سلام أهل الإسلام.
قال السدي: "بعث رسول الله أسامة بن زيد على سرية، فلقي مرداس بن نهيك رجلاً من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره وكان يقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله ولم يهرب ثقة بإسلامه، فقتله أسامة واستاق غنماً كانت معه.
فلما قدم على رسول الله اخبره فقال: قتلت رجلاً يقول لا إله إلاّ الله.
فقال: يا رسول الله إنما تعوذ من القتل.
فقال: كيف أنت إذا خاصمك يوم القيامة بلا إله إلاّ الله؟
قال: فما زال يردّدها عليّ أقتلت رجلاً وهو يقول لا إله إلاّ الله حتى تمنيت لو أنّ إسلامي / كان يومئذٍ فنزلت الآية" .
وقد روى الكلبي وقتادة مثل ذلك.
وقال الحسن: "إنّ أصحاب النبي خرجوا يتطرّفون فلقوا المشركين فهزموهم فشذ منهم رجل فتبعه رجل من المسلمين وأراد متاعه، فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم فكذبه ثم أوجره السنان فقتله وأخذ متاعه وكان قليلاً، فرفع ذلك إلى النبي فقال: قتلته بعد ما زعم أنه مسلم.
قال: يا رسول الله إنما قالها متعوّذاً.
قال: فهلاّ شققت عن قلبه؟
قال: لم؟
قال: لتنظر أصادق هو أم كاذب.
قال: وكنت أعلم ذلك يا رسول الله؟
قال: ويلك إنك لم تكن لتعلم ذلك إنما يبين عنه لسانه.
قال: فما لبث القاتل أن مات فدفن فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره.
قال: ثم عادوا فحفروا له فأمكنوا ودفنوه فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أوثلاثاً.
فلما رأو أنّ الأرض لا تقبله ألقوا عليه الحجارة" .
قال الحسن: إنّ الأرض تجن من هو شر منه ولكن وعظ القوم أن لا يعودوا.
وعن سعيد بن جبير قال: "خرج المقداد بن الأسود في سرية فإذا هم برجل في غنيمة له فأرادوا قتله فقال: لا إله إلاّ الله.
فقتله المقداد.
فقيل له: أقتلته وقد قال لا إله إلاّ الله؟
فقال: ودّ لو فرّ بأهله وماله.
فلما قدموا على رسول الله ذكروا ذلك له فنزلت" .
قال القفال: ولا منافاة بين هذه الروايات، فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته.
وعن أبي عبيدة قال: قال رسول الله : "إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح " قال الفقهاء: توبة الزنديق مقبولة لإطلاق هذه الآية.
وقال أبو حنيفة: إسلام الصبي يصح لإطلاق الآية.
وقال الشافعي: لا يصح وإلاّ لوجب عليه لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذناً في الكفر وهو غير جائز، لكنه غير واجب عليه لقوله : " "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ " وقال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني أنا مؤمن أو مسلم لا يحكم بإسلامه لأنه يعتقد أن الإيمان والإسلام هو دينه.
ولو قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فلا يحصل الجزم بإسلامه لأنّ منهم من يقول إنه رسول العرب وحدهم ومنهم من يقول إنّ محمداً الذي هو الرسول الحق المنتظر بعد، فلا بد أن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين الذي هو موجود فيما بين المسلمين حق.
﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء.
يقال: إنّ الدنيا عرض حاضر / يأخذ منها البر والفاجر، سمي عرضاً لأنه عارض زائل غير باقٍ، ومنه العرض لمقابل الجوهر لقلة ثباته كما قيل: العرض لا يبقى زمانين ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام متعوّذاً به لتأخذوا ماله.
وقيل: يريد ما أعدّ لعباده من حسن الثواب في الآخرة ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ اختلفوا في وجه الشبه فقال الأكثرون: يريد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام سمعت منكم كلمة الشهادة فحقنت دمائكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بالاستقامة والاشتهار بالإيمان وأن صرتم أعلاماً فيه، فعيلكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام ما فعل بكم.
واعترض بأن لهم أن يقولوا ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء لأنا آمنا بالاختيار وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر؟
وعن سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى إيمانه هذا الراعي عن قومه ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم.
وأورد عليه أن إخفاء الإيمان ما كان عاماً فيهم.
وفي التفسير الكبير: المراد أنكم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام فمنّ الله عليكم بتقوية ذلك الميل وتزايد نور الإيمان، فكذا هؤلاء قد حدث لهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم إيمانهم إلى أن تتكامل رغبتهم فيه.
وقيل: إنّ قوله: ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ منقطع عما تقدمه.
وذلك أن القوم لما نهاهم عن قتل من تكلّم بلا إله إلاّ الله ذكر أن الله من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبين مبالغة في التحذير، ثم حذر عن الإضمار خلاف الإظهار فقال: ﴿ إنّ الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.
ولما عاتبهم الله على ما صدر منهم وبدر عنهم كان مظنة أن يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد فذكر من فضل الجهاد ما يزيح علّتهم ويزيد رغبتهم، أو نقول: لما نهاهم عما نهاهم أتبعه فضيلة الجهاد ليبلغوا في الاحتراز عما يوجب خللاً في هذا المنصب الجليل فقال: ﴿ لا يستوي القاعدون ﴾ عن زيد بن ثابت قال: "كنت عند النبي حين نزلت عليه: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ ولم يذكر ﴿ أولى الضرر ﴾ فقال ابن أم مكتوم: فكيف وأنا أعمى لا أبصر؟
قال زيد: فتغشّى النبي في مجلسه الوحي فاتكأ على فخذي؛ فوالذي نفس بيده لقد ثقل عليّ حتى خشيت أن يرضها ثم سري عنه فقال: اكتب: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون ﴾ فكتبتها" .
رواه البخاري.
والمراد بالضرر النقصان سواء كان في البنية كعمى وعرج ومرض أو بسبب عدم الأهبة.
من قرأ ﴿ غير ﴾ بالنصب فعلى الاستثناء من القاعدين أو / على الحال عنهم، ومن قرأ بالرفع فعلى أنه صفة للقاعدين ويجوز أن يكون غير صفة للمعرفة كما سبق في تفسير ﴿ غير المغضوب عليهم ﴾ وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين.
قال الزجاج: ويجوز أن يكون رفعأً على جهة الاستثناء والمعنى لا يستوي القاعدون والمجاهدين، إلاّ أولي الضرر فإنه يساوون المجاهدين بدليل قوله عند انصرافه من بعض غزواته "لقد خلفتم بالمدينة أقوماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر" وعنه : " إذا مرض العبد قال الله : اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ " .
ويعلم منه أن صحة النية وخلوص الطوية لها مدخل عظيم في قبول الأعمال.
وذكروا في معنى قوله: " نية المؤمن أبلغ من عمله " أنّ ما ينويه المؤمن أبلغ من عمله إذ ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبداً خير من عمله الذي أدركه في مدة حياته.
قيل: إنه قدّم ذكر النفس على المال في قوله: ﴿ إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ وههنا أخر لأنّ النفس أشرف من المال.
فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهاً على أنّ الرغبة فيها أشد، والبائع أخر تنبيهاً على أنّ المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها، إلاّ في آخر الأمر.
وفائدة نفي الاستواء ومعلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان تبيين ما بينهما من التفاوت ليهتم القاعد للجهاد ويترفع بنفسه عن انحطاط مرتبته فيجاهد كقوله: ﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ تحريكاً للجاهل لينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم.
ثم إن عدم الاستواء يحتمل الزيادة والنقصان فأوضح الحال بقوله: ﴿ فضل الله المجاهدين ﴾ كأنه قيل: مالهم لا يستوون؟
فأجيب بذلك.
وانتصب ﴿ درجة ﴾ على المصدر لأن الدرجة بدل على التفضيل.
وقيل: حال أي ذوي درجة.
وقيل: بنزع الخافض أي بدرحة.
وقيل: على الظرف أي في درجة ﴿ وكلا ﴾ وكل فريق من القاعدين والمجاهدين ﴿ وعد الله الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة.
قال الفقهاء: فيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية إذ لو كان واجباً على التعيين لم يكن القاعد أهلاً للوعد.
وانتصب ﴿ أجراً ﴾ بفضل لأنّ التفضيل يدل على الأجر.
وههنا سؤال وهو أنه لم ذكر أولاً درجة وثانياً درجات؟
وأجيب بأن اللام في قوله أوّلاً على القاعدين للعهد والمراد بهم أولو الضرر، وقوله ثانياً على القاعدين للأصحاء الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم لأن الغزو / فرض كفاية.
وقيل: المراد بالدرجة جنسها الذي يشمل الكثير بالنوع وهي الدرجات الرفيعة والمنازل الشريفة والمغفرة والرحمة.
وقيل: المراد بالدرجة والغنيمة في الدنيا، وبالدرجات مراتب الجنة.
قيل: المراد بالمجاهد الأول صاحب الجهاد الأصغر وهو الجهاد بالنفس والمال، وبالمجاهد الثاني صاحب الجهاد الأكبر وهو المجاهد بالرياضة والأعمال.
واستدلت الشيعة ههنا بأنّ علياً أفضل من أبي بكر وغيره من الصحابة لأنه بالنسبة إليهم مجاهد وهم بالإضافة إليه قاعدون بما اشتهر من وقائعه وأيامه وشجاعته وحماسته.
أجاب أهل السنة بأنّ جهاد أبي بكر بالدعوة إلى الدين وهو الجهاد الأكبر وحين كان الإسلام ضعيفاً والاحتياج إلى المدد شديداً، وأما جهاد علي فإنما ظهر بالمدينة في الغزوات وكان الإسلام في ذلك الوقت قوياً.
والحق أنه لا تدل الآية إلاّ على تفضيل المجاهدين على القاعدين، أما على تفضيل المجاهدين بعضهم على بعض فلا.
قالت المعتزلة: ههنا قد ظهر من الآية أنّ التفاوت في الفضل بحسب التفاوت في العمل، فعلة الثواب هو العمل ولهذا سمي أجراً.
وأجيب بأنّ العمل على الثواب لكن لا لذاته بل يجعل الشاعر ذلك العمل موجباً له.
قالت الشافعية: الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأنّ قوله: ﴿ وفضل الله المجاهدين ﴾ عام يشمل الجهاد الواجب والمندوب وهو الزائد على قدر الكفاية، والمشتغل بالنكاح قاعد، فالاشتغال بالجهاد المندوب أفضل منه بالنكاح.
ثم لما ذكر ثواب المجاهدين أتبعه وعيد القاعدين الراضين بالسكون في دار الكفر فقال: ﴿ إنّ الذين توفاهم ﴾ وأنه يحتمل أن يكون ماضياً فيكون إخباراً عن حال قوم انقرضوا ومضوا.
عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كانوا قوماً من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت الآية" .
ويحتمل أن يكون مستقبلاً بحذف إحدى التاءين فيكون الوعيد عاماً في كل من كان بهذه الصفة.
قال الجمهور: معنى ﴿ تتوفاهم ﴾ تقبض أرواحهم عند الموت.
ولا منافاة بينه وبين قوله: ﴿ الله يتوفّى الأنفس ﴾ ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت ﴾ لأنه هو المتوفى والفاعل لكل الأشياء بالحقيقة إلاّ أن الرئيس المفوّض إليه هذا العمل ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه.
وعن الحسن: ﴿ توفاهم الملائكة ﴾ أي يحشرونهم إلى النار.
أما قوله: ﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ فمنصوب على الحال عن مفعول توفي والإضافة فيه لفظية ولذا لم تفد تعريفاً فصح وقوعه حالاً.
والظلم قد يراد به الشرك ﴿ إنّ الشرك لظلم عظيم ﴾ فالمراد أنهم ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة.
وقد يراد به المعصية ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ﴾ فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير مهاجرين إلى دار / الإسلام حين كانت الهجرة فريضة.
وفي خبر "إنّ" وجوه: الأول ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ والعائد محذوف للدلالة أي قالوا لهم.
الثاني ﴿ فأولئك ﴾ فيكون ﴿ قالوا ﴾ حالاً من الملائكة بتقدير "قد".
الثالث إنّ الخبر محذوف وهو هلكوا.
ثم فسر الهلاك بقوله: ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟
والمراد التوبيخ على ترك الجهاد والرضا بالسكنى في دار الكفر وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم ليسوا من الدين في شيء، ولهذا لم يجيبوا بقولهم كنا في كذا أو لم نكن في شيء بل أجابوا بقولهم: ﴿ كنا مستضعفين ﴾ اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة من أرض مكة حتى يكونوا في شيء.
ثم إنّ الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر فبكتوهم قائلين: ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمتنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة.
ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.
فسئل لم عدّ الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، ومن حق الاستثناء أن يدخل فيه المستثنى لو لم يخرج وليس الولدان من أصحاب الوعيد لأنهم ليسوا من أهل التكليف؟
وأجيب بأنّ المراد بالولدان العبيد والإماء البالغون، أو المراد المراهقون الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء حتى يتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله.
سلمنا أن المراد بهم الأطفال لكن السبب في سقوط الوعيد هو العجز وإنه حاصل في الولدان فحسن استثناؤهم بهذا الوجه.
وقوله: ﴿ لا يستطيعون ﴾ قيل في موضع الحال، والأصح أنه صفة للمستضعفين.
وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأنّ المعرف تعريف الجنس قريب من المنكر.
والمعنى أنّ العاجزين هم الذين لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، أو يكون بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم عن المهاجرة.
ومعنى ﴿ لا يهتدون سبيلاً ﴾ لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلّهم على الطريق.
وإنما قال : ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ بكلمة الإطماع تنبيهاً على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه حتى إن المضطر من حقه أن يعفو الله عنه بل يكون من العفو على ظن وحسبان لا على جزم وإيقان، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز ولا يكون في الواقع كذلك لأنّ الفطام عن المألوف شديد والفراق عن الأوطان شاق، فلعل حب الوطن يحمله على تأويل غير سديد.
ومع قيام هذا الاحتمال أنى يحصل الجزم بالعفو هذا من جانب العبد.
وأما من الرب فعسى إطماع وإطماع الكريم إيجاب.
فالجزم بالعفو حاصل إلا أنّه يرد على لفظ العفو أنه لا يتقرر إلاّ مع الذنب ولا ذنب مع العجز وجوابه أيضاً يخرج مما قلنا: ﴿ وكان الله عفوأً غفوراً ﴾ قال الزجاج: أي كان في الأزل موصوفاً بهذه الصفة، أو أنه مع جميع العباد بهذه الصفة أي أنه عادة أجراها في حق غيره.
وأيضاً لو قال إنه عفو غفور كان / إخباراً عن كونه كذلك وحيث قال كان دل على أنه إخبار وقع مخبره على وفقه فكان أدل على كونه حقاً وصدقاً.
قالت الأشاعرة: أخبر عن العفو والمغفرة مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فدل على أن العفو مرجو من غير التوبة.
قال ابن عباس في رواية عطاء: "كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب إليهم: ﴿ إِنّ الذين توفاهم الملائكة ﴾ الآية.
فلما قرأها المسلمون قال ضمرة بن جندب الليثي لبنيه - وكان شيخاً كبيراً - احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدي إلى الطريق.
فحمله بنوه على سرير متوجهاً إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك به رسول الله ومات حميداً.
فبلغ خبره أصحاب النبي : فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجراً فأنزل الله فيه: ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً ﴾ " أي مذهباً ومهرباً ومضطرباً قاله الفراء.
وفي الكشاف يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك وأصله من الرغام وهو التراب فإنهم يقولون: رغم أنفه يريدون أنه وصل إليه شيء يكرهه، وذلك لأنّ الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة.
ويمكن أن يقال: إنّ من فارق أهل بلدته فإذا استقام أمره في بلدة أخرى رغمت أنوف أهل بلدته بسبب سوء معاملتهم معه.
واعلم أنه لما رغب في الهجرة ذكر بعده ما لأجله يمتنع الإنسان عن هجرة الوطن، وبين الجواب عنه والمانع أمران: الأوّل أن يكون له في وطنه نوع رفاهية وراحة فيخاف زوال ذلك عنه فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ ومن يهاجر ﴾ كأنه قيل للمكلف إن كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر فلا تخف فإنّ الله يعطيك من النعم الجليلة والمراتب السنية في مهاجرك ما يكون سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويصير سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج المهاجر بدولته من حيث إنها سبب رغم آناف الأعداء أشد من ابتهاجه بها من حيث إنها سبب سعة رزقه وعيشه.
المانع الثاني أن الإنسان يقول: إن خرجت من بيتي في طلب العمل والجهاد والمهاجرة إلى الله ورسوله، وفي معناه كل غرض ديني من طلب علم أو حج أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهداً في الدنيا وابتغاء رزق طيب، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة لطلب شيء مظنون، فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾ قال بعضهم: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر تمام العمل فمحال.
والصحيح أن المراد من قصد طاعة / ثم عجز عن إتمامها فإن له ثواب تمام تلك الطاعة كما روي عن رسول الله : "إن المريض إذا عجز عما كان يفعله من الطاعة في حال الصحة كتب له ثواب مثل ذلك إلى أن يبرأ" .
وأيضاً من المعلوم أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر فلا يبقى في الآية فائدة الترغيب.
وأيضاً لا تكون الآية جواباً عن قول الصحابة في ضمرة لو وافى المدينة لكان أتم أجراً.
قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن العمل يوجب الثواب على الله لأن الوقوع والوجوب السقوط.
قال : ﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ أي وقعت وسقطت ولفظ الأجر وكلمة "على" يؤكدان ما قلنا، وأجيب بأنا لا ننازع في أن الثواب يقع ألبتة لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم.
واستدل بعض الفقهاء بالآية على أن الغازي، إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة كما وجب أجره، وُردَّ بأن قسم الغنيمة يتوقف على حيازتها بخلاف الأجر.
﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ يغفر ما كان منه من القعود إلى أن خرج ويرحمه بإكمال أجر المجاهدين.
ومما يفتقر المجاهد إليه معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف والاشتغال بمحاربة العدو فلا جرم قال: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ يقال: قصر صلاته وأقصرها وقصرها بمعنى.
ولفظ القصر مشعر بالتخفيف إلاّ أنه ليس صريحاً في أن التخفيف في كمية الركعات أو كيفية أدائها.
والجمهور على أن المراد القصر في العدد وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات وهي الظهر والعصر والعشاء فإنها تصير في السفر ركعتين، ويبقى المغرب والصبح بحالهما، وعن ابن عباس: "فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم" .
وعنه أيضاً أن المراد التخفيف في كيفية الأداء كما يؤتى به عند شدة التحام القتال من الصلاة مع تلطخ الثوب بالدم ومن الإيمان مقام الركوع والسجود ويؤكد هذا الرأي بقوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ فإن خوف فتنة العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على تمام أوصافهما، وإنما يزول بالتجوز والتخفيف فيهما.
حجة الجمهور ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال: "قلت لعمر بن الخطاب: كيف نقصر وقد أمنا وقال الله : ﴿ ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ﴾ ؟
فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت النبي فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" .
فهذا الخبر يدل على أنهم فهموا من القصر التخفيف في أعداد الركعات ويؤيده حديث ذي اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت؟" وأيضاً القصر بمعنى تغيير هيئة الصلاة يجيء بعد ذلك، فحمل الكلام على ما لا يلزم من التكرار أولى.
أما تقييد القصر بحالة الخوف فلأن الآية نزلت على غالب أسفار النبي وأكثرها لم يخل عن خوف قتال الكفار فلا يمكن الاستدلال بمفهومها على عدم جواز القصر في حالة الأمن ولا في حالة الخوف بسبب آخر، على أن / كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة.
ثم إن الشافعي قال: القصر رخصة كسائر رخص السفر فإن شاء أتم وإن شاء قصر لأن قوله: ﴿ لا جناح عليكم ﴾ مشعر بعدم الوجوب، ولما روي أن عائشة ا قالت: "اعتمرت مع رسول الله من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي وأمي قصرت.
وأتممت وصمت وأفطرت.
فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ" .
وكان عثمان يتم ويقصر وما ظهر إنكار من الصحابة عليه.
وقال أبو حنيفة: القصر واجب فإنّ صلى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته لما روي عن ابن عباس قال: كان النبي إذا خرج مسافراً صلى ركعتين، ولقوله : "فاقبلوا صدقته" وظاهر الأمر للوجوب.
وعن عائشة: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا ﴾ قلت: كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفي عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه.
وأجيب بأن هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال أوجبت عليكم هذا القصر.
وحرمت عليكم الإتمام وجعلته مفسداً لصلاتكم فلا يخطر هذا الاحتمال ببال عاقل.
وحديث ابن عباس إنما يدل على كون القصر مشروعاً لا على أن الإتمام غير جائز، وخبر عائشة لا تعاضده الآية لأن تقرير الصلاة على ركعتين لا يطلق عليه لفظ القصر.
ثم إن بعض الظاهريين زعموا أن قليل السفر وكثيره سواء في القصر لإطلاق قوله: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ وجمهور الفقهاء على أن السفر المرخص مقدر بمقدار مخصوص، فعن الأوزاعي والزهري ويروى عن عمر أن القصر في يوم تام، وعن ابن عباس إذا زاد على يوم وليلة قصر.
وقال أنس بن مالك: المعتبر خمسة فراسخ.
وقال الحسن: مسيرة ليلتين.
وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن وهو ثلاثة أيام.
وهو قول أبي حنيفة قياساً على مدة جواز المسح للمسافر، وأما أصحاب الشافعي فإنهم عوّلوا على ما روي عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي قال: " يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" .
والمراد بالبريد أربعة فراسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله ، هو الذي قدر أميال البادية كل ميل أثنا عشر ألف قدم وهي أربعة / آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة.
قالت الفقهاء: فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر.
وقال أهل الظاهر: اضطراب السلف في هذه الأقاويل يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.
﴿ إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً ﴾ يريد أن العدواة الحاصلة بينكم وبينهم قديمة فكونوا على حذر منهم.
التأويل: ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلاّ أن يكون قتل خطأ؛ وذلك أن الروح إذا خلص عن حجب ظلمات الصفات البشرية يتجلى الروح للقلب فيتنور بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس الأمارة فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية، وتحيا بالصفات الحميدة الروحانية، وتطمئن إلى ذكر الله كاطمئنان القلب به، ففي بعض الأحوال يتأيد الروح بوارد روح قدسي رباني ويتجلى في تلك الحالة الروح للقلب فيخر موسى القلب صعقاً ميتاً بسطوة تجلي الروح القدسي الرباني ويجعل جبل النفس دكاً.
وكان قتله خطأ لأنه ما كان مقصوداً بالقتل في هذا التجلي وكان القصد تنويره وتصفيته وقتل النفس الكافرة.
﴿ من قتل مؤمناً ﴾ أي قلباً مؤمناً: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة السر الروحاني فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات ﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ يعني يسلم العاقلة - وهو الله - دية القلب إلى أهل القلب وهم الأوصاف الحميدة الروحانية من جمال كمال ألطافه لتصير الأوصاف بها أخلاقاً ربانية إلاّ أن تتصدق الأوصاف بهذه الدية على مساكين أوصاف النفس الحيوانية والشيطانية ﴿ فإن كان ﴾ القتيل بالتجلي ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ وهو مؤمن ﴾ أي هذه الصفة قد آمنت بأنوار الروح القدسي دون أخواتها من الصفات: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا ولادية لأهل القتيل.
﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ وهم صفات النفس وميثاقها قبول أحكام الشرع ظاهراً وترك المحاربة مع القلب وأوصافه ﴿ فدية مسلمة ﴾ على عاقلة الرحمة إلى أهل تلك الصفة المقبولة وهم بقية صفات النفس كما قال تعالى: ﴿ إلاّ ما رحم ربي ﴾ وتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة الروح يصيرها محررة عن رقة الكونين.
﴿ فمن لم يجد ﴾ رقبة مؤمنة من الروح والقلب والسر للتحرير بأن تكون رقابهم قد حررت عن رق ما سوى الله: ﴿ فصيام شهرين متتابعين ﴾ أي فعليه الإمساك وعن مشارب العالمين على التتابع والدوام مراقباً قلبه لا يدخله شيئاً من الدنيا والآخرة مراعياً وقته.
فلو أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف الصوم ولا يفطر بشيء دون لقاء الله تعالى.
قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم *** وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم *** ويبدو هلال الصب حين يراكم ﴿ توبة من الله ﴾ جذبة منه.
﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ أي النفس الكافرة إذا قتلت قلباً مؤمناً متعمداً للعداوة الأصلية بينهما ففي حياة أحدهما موت الآخر ﴿ فجزاؤه جهنم ﴾ وهي سفل عالم الطبيعة.
﴿ إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ بقدم السلوك حتى صار الإيمان إيقاناً والإيقان إحساناً والإحسان عياناً والعيان عيناً والعين شهوداً والشهود شاهداً والشاهد مشهوداً وهذا مقام الشيخوخة ﴿ فتبينوا ﴾ عن حال المريد في الرد والقبول ﴿ ولا تقولوا ﴾ له ﴿ لست مؤمناً ﴾ صادقاً ولا تنفروه بالتشديدات والتصرف في النفس والمال ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ أي تهتمون أجل رزقه فإن الضيف إذا نزل نزل برزقه ﴿ كذلك كنتم ﴾ ضعفاء في الصدق والطلب محتاجين إلى الصحبة في بدو الإرادة ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بصحبة المشايخ وقبولهم إياكم ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ﴾ هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها ﴿ فيم كنتم ﴾ في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري، وفي أي واد من أودية الهوى تهيمون، وفي أي روضة من رياض الدنيا تسرحون؟
أكنتم تؤثرون الفاني على الباقي وتنسون الشراب الطهور والساقي؟
﴿ مستضعفين ﴾ عاجزين لاستيلاء النفس الأمارة وغلبة الهوى ﴿ ألم تكن أرض الله ﴾ أي أرض القلب ﴿ واسعة ﴾ فتخرجوا عن مضيق سجن البشرية إلى قضاء هواء الهوية ﴿ لا يستطيعون حيلة ﴾ في الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال ﴿ ولا يهتدون سبيلاً ﴾ إلى صاحب ولاية وهؤلاء المستضعفون هم الخواص المقتصدون، وأما خواص الخواص، وهم السابقون بالخيرات فهم المجاهدون الجهاد الأكبر وقد مر.
﴿ ومن يهاجر ﴾ عن بلد البشرية في طلب حضرة الربوبية ﴿ يجد ﴾ في أرض الإنسانية ﴿ مراغماً ﴾ متحوّلاً ومنازل مثل القلب والروح والسر ﴿ وسعة ﴾ في تلك العوالم من رحمة الله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء ﴾ "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" فافهم يا قصير النظر كثير الفكر قليل العبر والله أجلوأكبر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾ اختلف فيه: عن ابن عباس - -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾ : أي: لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً بغير حق عمداً، إلا خطئاً فيما لا يملكه.
وقيل: ﴿ إِلاَّ ﴾ بموضع الواو، كأنه قال: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً متعمداً ولا خطأ، وذلك جائز في اللغة.
وقيل: وما كان ينبغي لمؤمن أن يترك قتله إذا قتل آخر عمداً إلا خطأ، فإنه يترك قتله ولا يقتل به؛ وهو قول أبي بكر الكسائي.
وقيل: وما كان ينبغي لمؤمن أن يترك حكم قتله إلا خطأ.
قال أبو بكر الكسائي: حكم القتل ما ذكرنا من القصاص والقود، أو كلام نحو هذا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً ﴾ قط بعد ما سبق من الله بيانه في غير آي من القرآن، نحو قوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ ، وغيرها من الآيات.
﴿ إِلاَّ خَطَئاً ﴾ فإنه لم يسبق منه الحكم فيه إلا في هذه الآية.
وقيل: وليس لمؤمن أن يقتل مؤمناً على كل حال إلا أن يقتله مخطئاً؛ فعليه ما في القرآن.
وهو قريب مما ذكرنا.
ثم الخطأ - عندنا - على وجهين: خطأ قصد، وخطأ دين.
فخطأ القصد: هو أن يقصد أحداً فيصيب غيره.
وخطأ الدين: هو أن يعرفه مشركاً كافراً من قبل حلال الدم؛ فيقتله على ما عرفه من قبل، وهو للحال مسلم.
فإن قيل: كيف لزمه في قتل الخطأ ما لزمه من الكفارة؟
وقد أخبر الله - عز جل - أنه لا يؤاخذه له، وأن لا حرج عليه في ذلك؛ بقوله: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ، وغيرها من الآيات.
قيل: إن الفعل فعل مأثم، وإن كان لم يوجد منه القصد فيه، فما أُوجِبَ إنما أُوجِبَ؛ لما الفعل فعل مأثم.
والثاني: يجوز أن يكون الله يكلفنا بترك القتل والفعل في حال السهو والغفلة، ألا ترى أنه قال: ﴿ لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ ، والخطأ نقيض الصواب؛ فلا يجوز أن يؤمر بطلب الصواب ولا ينهي عن إتيان ضده؛ كقوله - -: ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا...
﴾ الآية [القصص: 77].
ثم اختلف في المعنى الذي أوجب عليه رقبة مؤمنة.
قيل: لا أنه أتلف نفساً خلقها الله - - لعبادته؛ فأوجب مكانها نفساً [مؤمنة]؛ لتعبد الله على ما عبدت تلك.
لكن التأويل لو كان هذا لكان يجب في العمد ما وجب في الخطأ؛ لأنه وجد ذلك المعنى، لكن أوجب لا لذلك المعنى - والله أعلم - ولكن تغليظاً وتشديداً عليه لما أتلف نفساً محظوراً لم يؤذن له في ذلك؛ لئلا يقدم على مثله، ولله أن يوجب على من شاء بما شاء لما شاء، من غير أن يقال: لم؟
وكيف؟
وأين؟
والثاني: أوجب عليه رقبة مؤمنة؛ لأنه أبقى له نفساً مؤمنة؛ فعلى ما أبقى له نفساً مؤمنة أوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة.
وفي قوله - - أيضاً -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾ اختلف في تأويل ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ : فمنهم من يقول بإضمار: وما كان بمتروك لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ.
[و] يخرج معنى "بمتروك" على وجهين: أحدهما: ما قاله أبو بكر الملقب بالأصم: أي بمتروك له في القصاص إلا أن يقتله خطأ.
[و] لكن هذا يوجب منع العفو لما به الترك، ومعلوم أنه أمر رغب فيه؛ حتى دعا رسول الله ولي القتيل إلى العفو، ثم إلى أخذ الدية، ثم لما أبت نفسه عن ذلك أذن له في القصاص؛ ويدل على ذلك قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ...
﴾ الآية [البقرة: 178]، وقوله: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ...
﴾ ، إلى قوله: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ...
﴾ الآية [المائدة: 45] إلا أن يرجع في قوله: "بمتروك له" إلى الوجوب، أي: لا يدفع عنه إيجاب القصاص إلا من قتل [مؤمناً] خطأ؛ فإنه ليس عليه القصاص.
والثاني: أنه ما كان بمتروك له من التأنيب والتوبيخ والتعبير بسوء صنيعه بأخيه وتعديه حدّ الله وبمعونة ولي القتيل؛ إذ قال: ﴿ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ فحق ذلك على الناس أن يظهروا له النكير عليه، ويقوموا بالنصر لوليه - والله أعلم - إلا أن يكون خطأ؛ فلا يتلقونه بشيء مما ذكرت، بل يقومون بالشفاعة له، والمعونة في احتمال ما لزمه؛ ولذلك جعل - والله أعلم - أمر العقل على ما به من إبقاء الألفة، ودفع الضغينة، واجتماع [التألم في المصيبة].
ومنهم من يقول في تأويل الآية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ أي: حرام عليه ذلك الفعل بما حرم الله، وبما بينهما من الأخوة في الدين، وبما هو شقيقه وجنسه، يتألم [بما يتألم به الآخر] ويتأذى بما يتأذى الآخر، والنفس عن مثله تنتهي، والطبع ينفر، فما كان له بعد هذا أن يقتل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ خَطَئاً ﴾ قيل فيه بوجوه: أحدها: أن يقع ذلك منه على الخطأ؛ فيكون على ما لا يلحقه اللائمة التي ذكرنا، ولا وصف التعدي الذي وصفنا.
والثاني: أن يكون الأمر في موضع الابتداء؛ لما بين له من الحكم بمعنى: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً ألبتة، لكن من قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ بمعنى: لا يسمعون فيها لغواً ألبتة، لكن الذي يسمعون: يسمعون سلاماً.
وقيل: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾ : إلا ألا يعلمه أنه مؤمن، وكان عرفه كافراً، له قتله بما روي من الإذن في البيات وقتل عيون الكفرة بما سبق من ظهور كفرهم، وإن احتمل إيمانهم فيما بين الوقتين؛ فيكون بمعنى: حرام عليهم إلا مَنْ هذا وصفُهُ.
ويجوز: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ﴾ أي: [ليس] لمؤمن ذلك قط إلا أن يقتل خطأ؛ فإنه ليس فيمن يقال كان له أو لا؛ لما يقع به إلا أن يفعله هو في التحقيق؛ إذ حقيقة الفعل أن يقع بإرادة ويخرج عليها، وهذا لا يقع بها، ولا يخرج عليها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ .
فلم يذكر في القاتل أنه مؤمن عند ذكر قتله، لكنه رجع إليه بوجهين: أحدهما: أن الآية في بيان قتل يكون من المؤمن، وعليها جرى تفسير الحكم عند الوقوع.
والثاني: قوله: ﴿ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ والتوبة بالتحرير تكون للمؤمن لا غيره، والله أعلم.
على أنه حق الشرع من العبادات؛ فلا يحتمل قصد الكافر به، وأيد ذلك المذكور من الصيام، وهو لا يقوم إلا بالإيمان، ثم جعل الإيمان شرطاً من حيث الذكر، وتأكده بأوجه ثلاثة: أحدها: بالتأكيد، يذكر كل قتيل على اختلاف أهل القتيل، وفي ذلك دليل أن ذلك جعل عليه لمكان أمر يدخل على دينه مما عليه من الحق أن يحفظ حرمته، وبحرمته يتقي قتل من ذكر؛ إذ حرم دينه عليه؛ فيصير في قتله مُضَيِّعاً، فالزم ما ذكرت في كل أنواع القتيل لرجوع أمر ذلك كله إلى تضييع من حق دينه؛ ولذلك قيل: ﴿ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن تحقيق معنى التوبة في فعل الله، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: على ما تجاوز منه؛ إذ لم يأخذه بالخطأ؛ فيكون بحق جعل ذلك شكراً من العبد بما لم يؤاخذه بالخطأ؛ فيكون معنى التوبة منه أنه لم يؤاخذه بالخطأ، لا إن في الإعتاق ذلك، والإعتاق للشكر له فيما لم يكن أخذه، وقد يجوز أن يؤاخذه لما بالجهد في التحفظ قد يؤمن ذلك، فلما لم يكلفه وتجاوز عما كان على الخطأ؛ يأمر بالشكر لذلك.
والثاني: قبولا منه ذلك في حق التوبة عن غير القتل من الزلات؛ فيكون فيه قيام بما أمر توخيه في حكمة العفو عن مثله، يجعل ذلك من العبد مقبولا بحق التوبة من الزلات.
أو نُسب إلى التوبة منه إذا كان على التوفيق لفعله، وذلك تسمية الله "تواباً" على التوفيق والتجاوز، والله أعلم.
والثاني: يرجع إلى فعل العبد؛ فتكون توبة من الله على عبده القاتل بأن يتوب بإعتاق رقبة مؤمنة، وذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون الفعل فعل مأثم، ولله - - مؤاخذته عليه؛ لأنه بالجهد يمكن اتقاء ذلك؛ ولذلك تعبد بقوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ ، وإذا كان كذلك؛ فيكون ذلك منه توبة إلى الله؛ ليحفظ عن مثله في أمر الدين.
والثاني: أن يكون عليه حفظ دينه عما يقع فيه من التضييع الذي يبلى بإنساء الشيطان، أو بفرط غفلة، أو نحو ذلك؛ فيلزم جبر ذلك بما ذكر وإن لم يعلم؛ إذ قد يجوز وقوع النقصان في ذي الحرمات من وجه لا إثم يلحقه نحو المذكور في المتأذي، وفي أمر السهو في ذلك: فيؤمر به؛ لينجبر ذلك، وذلك نحو ما قد يفسد بأمور من وجه لا يعلم به، فكذلك أمر النقصان؛ فيؤمر بالتوبة إلى الله - عز وجل - عن ذلك بما يمتحن الله به من الأمور - والله أعلم - مع ما قد يتصل بالقتل ما له حكم الخطأ يأثم المرء عليه ويحرج؛ فجائز أن يرجع حرف التوبة من الله إلى ذلك، وهو سمى خطأ العمد.
والثاني: مما يدل على جعل الإيمان شرطاً: أنه جعل لما وقع في حق الدين من التضييع إذا تعلقت الحرمة بالدين من الوجه الذي بينا، ولا فرق بين عبادة يشار إليها يقع فيها تضييع في حد منها يبرئ تلك بكفارة وبين جملة من العبادات يعتقدها الإنسان وضمن الوفاء بما يقع في حد منها تضييع أن مقدار حدها من الفرض لا يعلمه إلا من يعلم حد التضييع من الأصل، ولا يعلم حده غير الذي جعل الحدود؛ فيكن في ذلك بيان المبرئ، وبدونه لعله لا ينجبر؛ فألزم بالاحتياط ذلك، وعلى ذلك أمر الحدود للإجرام.
والثالث: متفق القول على موقع الشرط أنه بحق اللزوم، وعلى ذلك شرط في التتابع في الصيام له هذا المعنى والأول جميعاً، وعلى هذا الاتفاق جعل قوم أمر هذا أصلا لغيره من الكفارات، ونحن لا نجعلها؛ لوجهين: أَحَدُهما: لما لم يجعل ذكر التتابع في هذا أصلا لكل ما لم يذكر فيه التتابع.
والثاني: لما بينا من محل كل من أصل ذلك أنه إنما يعلم من علم ما حد ذا من الأصل؟
ومعلوم الاختلاف في الكل؛ لذلك لم يجب هذا، لكن يطلق المطلق ويقيد المقيد بالذكر، وأيد ذلك أن الله - - قد ذكر في كل قتل، ولو كان بالذي يحتمل درك الحد بالتدبير لكان ترك الذكر في هذا الإفهام الحكم في نوع المذكور أقرب منه في غير نوعه، فبين - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: للتنبيه على لزوم الرجوع في هذا إلى الذكر.
والثاني: للتنبيه أنه لم يجعل لمكان القتيل، لكن لما وقع في الدين من التضييع.
وجائز أن يكون شرط الإيمان بما سبق منه تضييع حد من الحدود الذي اقتضى إيجابه عليه الإيمان، فأمر بإعتاق من يسلم له الرقبة؛ لحفظ ما ألزمه حق الإيمان من الشغل عنه بحق الرق فيه لغيره.
ويجوز أن يكون إنما أبقيت به نفسه وهي مؤمنة لله ، فأمر أن يشكر لله - - بإبقاء نفس مؤمنة؛ إذ بالعتق إحياء.
وعلى ما ذكر من اختلاف الحدود وما له حدود في حق الشرع لم يقس الطعام على الصيام عند العجز عنه، على ما قضى به في حق الظهار والفطر، مع ما في الظهار حق لها لم يكن له التأخير إلى القدرة عليه أو ملك الرقبة، وليس هاهنا، وأمر الفطر هو في بعض صيام قد جعل لأصله من الطعام عوضاً عرف حده بقوله - -: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ...
﴾ الآية [البقرة: 184] فعلى ذلك أمر عوض التعدي فيه، وليس في أمر القتل ذلك.
ودلت الآية بذكر الإيمان على أنه له حدّاً يعرف موقعه، ثم الذي يبين فيها آية التصديق خاصة ما جمع بين المؤمن الذي يحتمل أن يكون منه سائر الشرائع، والذي لا يحتمل سوى نفس الإيمان: وهو المؤمن الذي من قوم عدو لنا؛ إذ قد يؤمن في دار الحرب بما في العقل دليله، ولا يعلم به غيره من العبادات التي لها حق الشرائع.
وقد يجوز أن يكون في الإبلاغ في وصف ما يكفر به إبلاغ في التحذير عن الغفلة التي لديها خوف وقوع ما ذكر، وعلى ما ذكرت من تضييع حق ألزمه دينه لزم التعوذ كل واحد منهم الكفارة على التمام؛ لما انفرد كلٌّ بما لزمه من الحق بدينه في التضييع؛ وعلى هذا قولهم في المحرمين يقتلون الصيد: إن كل واحد منهم جنى على إحرامه الذي لم يتصل إحرامه بإحرام غيره، على أن النفس إذ هي لا تحتمل التجزئة؛ لم يتجزأ المجعول لها، وعلى ذلك أمر القصاص، والدية، لم تجب في الحقيقة للنفس؛ إذ هي قد تجب لما دونها فيما يحتمل التجزئة أكثر مما يجب للنفس، وإذا بلغت النفس فسقط بعض ما له منها حكم الوجوب، ولما هي ترجع إلى غير الجاني.
ومحال أخذ الكل ممن يرجع إليه بالكل بما يكون في طلب التخفيف الإجحاف وإهلاك الخلق، ولما كان حق النفس من حيث القتل في المال يختلف، ومن حيث القصاص والكفارة لا تثبت أن المرجع في هذين إلى أحوال في نفس القاتلين من دين يضيع حقه أو امتناع عن احتمال التجزئة أو إحياء أريد بالموضوع، ولو لم يجعل في الجماعة لذهب فائدة الإحياء؛ إذ الوجود بالآحاد غير فيبطل الإحياء في أبلغ أحوال الحاجة إليه، ثم إذا رجع أمر الكفارة إلى من تولى قتله وقد سبق عليه أمر الدية، كقوله - -: ﴿ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ بمعنى: عليه تحرير ما ذكر، وقد أوجب عليه، وعلى ذلك جميع ما في القرآن من الأمر على إثر الأسباب.
ثم نسق على ذلك بقوله: ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ ﴾ فحقها أن تكون عليه والخبر الوارد عن رسول الله في أمر العقل الذي توارثته الأمة إلى يومنا هذا، بل الأمم، حتى كأن قد ظهر عن أمر الرسل السالفة بحق التواتر في المؤمنين بهم والمنكرين لهم؛ فكان ذلك بحق التعاون؛ ولذلك قال أصحابنا - رحمهم الله - في الذين لا عاقلة لهم: تجب الدية في أموالهم.
وعلى ذلك فيما يظهر بأقاويلهم دون البينات وهو الحق؛ إذ فيما يجب فيه القصاص أنفسهم تتلف، فعلى ذلك الدية.
والأصل في ذلك: أن معنى القصاص معقول أيد الذي ذكره الله - - في القرآن من قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ ﴾ فلا معنى لصرف ذلك إلى غير المتولى؛ لما يذهب الحياة.
وجائز شرع ذلك بحق العقل؛ لينزجر الناس به، ولتسلم لهم الحياة التي هي ألذ الأشياء؛ إذ بها تعرف اللذات كلها، وذلك المعنى ليس نفس القتيل أحق من غيره من أن يجعل القصاص لحقه، بل الأولى أن يجعل لا محالة للردع والزجر؛ مع ما كان معلوماً أن نفس القتيل لا [تنتفع بالقصاص]، بل إنما نفعها في أن يبقى؛ لخوف القصاص ممن يروم قتله؛ إشفاقاً على نفسه، وليس ذلك المعنى في أمر الدية بشيء، وإنما تُوجَبُ بعد الوفاة، ولم تجب من وجه يتولد منه الغضاضة والعداوة التي لديها سفك الدماء على حق تخصيص الدماء لما هي تجب بالخطأ من وجه يعلم عذر من منه ذلك، لكن الله - - بفضله بما جعل للمتصلين معونة في حياته، وشرفاً في كثرة الأقوام، ونباهة في الدنيا، مع ما يقع بها التناصر والتدافع الذي بمثله الدوام والقوام؛ فيعظم في مثله مصيبة العقل وبخاصة من وجه لعله تسبق إليهم الأفعال في التلبيس على أهله بالخطأ، وأن ذلك ليس بحق؛ فيخاف وقوع الشر بينهم والعداوة التي تولد الفساد؛ فجعل الله - بمنِّهِ وفضله - لهم ما تطيب بمثله أنفسهم، ويسكن المعنى الذي يخاف من حدوث الشر بينهم، مع ما له جعل ما للخلق له ابتداء المحنة بما ذكر بلا سبب يسبق، فهو بالسبب أحق، وإذا جعل بهذا من الوجه الذي له حق الابتداء، فله وضع ذلك في أموالهم، مَنَّ بإبقاء نفس القاتل لهم ما ذكرت من المنافع على ما جعل في ذلك، وإن لم يرجع منفعة الواجب في ذلك إلى القتيل بما لا يعلم أنه يقتل؛ ليجعل ذلك لوجه يتزود به لمعاده، وإن حرم ذلك في دنياه؛ فيصير المجعول في ذلك فيمن لهم وعليهم بالذي ذكرت من دفع الفساد، والقيام بحق الإحسان.
ثم الأصل في إتلاف الأموال: أن منافعها عند القيام ومضارّها عند الإتلاف ترجع إلى أربابها خاصة، والأنفس يرجع ما لها في ذلك إلى العشائر والمتصلين؛ فعلى ذلك المجعول فيها مع ما كانت الأموال تملك؛ فيصير من ضمنه كأنه اشتراه، وكل مشتري بالتسليم إليه الخروج منه؛ فلا يحتمل أن يضمن من لم يكن منه الجناية لما يسقط لو ضمن بعقد التسليم، ولا على ذلك أمر جنايات الأنفس؛ فجائز في حق الشرع الموضوع على غير من [يتولى الخروج]؛ إذ على غير التسليم إلى أحد يستوجب بدله.
ثم وقوع الخطأ يكون من وجهين: أحدهما: من جهة دينه: نحو أن ظنه القاتل كافراً بما كان عرفه كذلك، أوبما عليه سيماء الكفرة.
ومن جهة نفسه في أن يرمي غيره فيصيبه.
[والحكم في] وجهي الخطأ واحد.
والخطأ الثالث، وهو الذي [لم يقتضه حق] هذه الآية، وهو عند الضرب قد يقع ذلك فيما أخطأ الدين وفيما تعمد أو النفس جميعاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ ﴾ لم يبين من أهله؟
وقال في موضع آخر: ﴿ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ ولم يبين من وليه؟
فكأن الأهل والولي هم ورثته، على ما جاء في الخبر: أنه ورَّث امرأة أشيم من دية زوجها، وإن كانت الدية لأهل العصبة منهم من قتل، ولأن هذه الدية إنما وجبت لمكان ما لهم من المنافع من القتيل في حال حياته، دون غيرهم فإذا قتل فذهب منافعه عنهم، أوجب ذلك لهم؛ لأنهم هم المنتفعون في حياته دون غيرهم.
وقيل: إن القتل يوجب الضغائن فيما بين أولياء القتيل وأولياء القاتل؛ فيحمل ذلك على الفساد والإهلاك، فإذاً وجبت هذه الدية لتطيب أنفسهم بذلك، ولا يحمل ذلك على الضغائن والحقد.
وقيل: أوجبت هذه الدية؛ لئلا يدعى الخطأ؛ فيسقط القصاص عن نفسه بدعوى الخطأ؛ فأوجب الدية لما إذا ادعى الخطأ - أخذ بالدية، وقد ذكرنا أن الخطأ على وجهين: وهو أن يقصد شيئاً، فيصيب إنساناً، فهو خطأ؛ لأنه أصاب غير الذي قصده بالضربة.
والثاني: خطأ الدِّين، وهو إن عرفه كافراً، فقتله على ذلك، قاصدا له، فهو خطأ.
وللخطأ وجه آخر: وهو أن يضرب الرجلُ الرجل قاصداً لذلك؛ بغيرحديدة، فإن كان الذي ضربه به حجراً صغيراً، أو عصاً صغيرة، فحكمه حكم الخطأ، وإن كان حجراً كبيراً مثله يَقْتُل، أو عصاً عظيمة - فإن أصحابنا - رحمهم الله - اختلفوا في ذلك.
قال أبو حنيفة - -: لا وقود في ذلك، وعلى عاقلته الدية مغلظة.
وقال محمد - رحمه الله -: يقتل به إذا كان مِنْ مِثْلِهِ لاَ يُنْجَى.
وقد رُوي عن النبي ما يبين أن العمد ما كان بحديد؛ فهو حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في الحجر العظيم؛ ودليل على أن القصد بالضرب قد يكون خطأ.
وروي عن النعمان بن بشير، عن النبي قال: "كُلُّ شَيْءٍ خَطَأٌ إِلاَّ الحَديدَ والسَّيْفَ" وسنذكر هذه المسألة في باب شبه العمد، إن شاء الله .
ثم أجمع أهل العلم على أن الرقبة على القاتل، لا على العاقلة، وأما الدية فلم يذكر على من تجب؟
فقال أكثر السلف: الدية تجب على العاقلة، وعلى ذلك تواترت الآثار عن النبي .
وقال بعض الناس: الدية - أيضاً - على القاتل كالرقبة؛ فيقال له: إن الصيام بدل عن الدية، أو عن العتق؟
فإن قال: لا، بل بدل عن العتق؟
قيل له: فذلك يدل على أن الذي يجب على القاتل هو العتق؟
الذي إن لم يجده صام مكانه، ويدل على أن الدية ليست عليه.
وقد روي عن النبي أنه جعل الدية على العاقلة: عن مقسم عن ابن عباس قال: كتب النبي كتاباً بين المهاجرين والأنصار: أن يعقلوا معاقلهم، ويفدوا غائبهم بالمعروف، والإصلاح بين المسلمين.
وعن أبي هريرة - - أن النبي قضى في الجنين: عبداً أو أمة على العاقلة.
والتي ضربت ضرتها بعمود فسطاط فقتلتها، فقضى النبي بديتها على عصبة القاتلة، وفيما في بطنها غرة، فقال أعرابي: يا نبي الله، أتغرمني من لا طعم، ولا شرب، ولا صاح ولا استهل، فمثل ذلك يطلّ.
فقال النبي : "أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرابِ؟!
اغْرَمْ؛ فَإِنَّ الدِّيَةَ عَلَى العَاقِلَةِ، والميراثَ لإِهْلِ الفَرَائِضِ" وعمود الفسطاط مما يقتل مثله، ولم يوجب النبي على التي ضربت ضرتها به فقتلتها القصاصَ؛ فذلك حجة لأبي حنيفة - - في قوله: إن الخشبة العظيمة والصغيرة سواء، ولا قصاص فيه، والأخبار فيه كثيرة.
وقوله - عز وجل أيضاً -: ﴿ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ ﴾ ذكر - والله أعلم - مسلمة إلى أهله؛ على الحث والترغيب في التسليم، والنهي عن التعاسر الذي عنه توهم حدوث الشر والفساد الذي يوقع مثله جعل العوض في قتل الخطأ، وعلى ذلك قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ ، وقد بينا من يسلم، ثم بين التسليم إلى أهل القتيل، ولم يبين مَنْ أهله؟
وقد أجمع السلفُ على أن أهله: ورثته، والأصل في ذلك: أن الدية جُعلت بدلا لنفس القتيل؛ فتصير متروكة عنه، وعلى ذلك لو كانت منه الوصايا أو عليه دين ينفذ منها، فصارت فيما قال الله - -: ﴿ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ...
﴾ الآيات التي فيها بيان من يرث من بعد الوصية والدين، فذلك لهم، فيصير أهله بعد وفاته من ينتفع بتركته؛ إذ كذلك وصف الأهل في الحياة أنه يرجع إلى المتصلين به، وبمنافعه مع ما كان اسم الأهل في الزوجة غير ممتنع استعماله على كل حال؛ فيجب دخولها في ذلك، وغيرها من الورثة أحق، وقد روي في مثل ذلك مرفوعاً في توريث امرأة أشيم الضَّبَابي، وعمل به عمر بحضرة الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - والذين لهم سائر الولايات سوى ولاية الميراث مع ولاية الميراث أحق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ ﴾ فالثنيا من الدِّية؛ لأنه لا حق لأحد في العتق حتى يحتمل التصدق، وهو كقوله - - في القصاص: ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ ، وذكر التصديق على ما عليه الترغيب في الديون من قوله: ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .
ثم الأصل: أن التصدق من المعروف إلى ذوي الحاجات، والعقل إنما وضع أصله على الأغنياء، لكن يخرج على وجهين: أحدهما: أن الآية جاءت بذكر القاتل، ووجود الدية المسلمة كلها لكل قاتل عسير؛ فكان الترغيب على ذلك.
والثاني: أنه معروف في الديون، وكذلك حكم الصدقات؛ إذ لا يقع له الثواب في الدنيا ربما يقع لغير المعروفين؛ فيكون فعلهم - في الحقيقة - لله، لا لابتغاء الجزاء، فسمي صدقة؛ إذ هو اسم لما يقع من المعروف لله مع ما يتمكن في ذلك أن العقل ليس شرطه الغناء الذي له يجب الزكوات، وغير ذلك النوع من الغناء لا يخرج أهله عن احتمال الصدقة، بل جعل على أهل الديوان، وهم الذين أموالهم هي التي تخرج بحق العطايا يؤخذ لوقت الخروج، لا بعد الوقوع بالملك، وتمام شرط الغناء له، وفي هذا صرف الثنيا إلى الذي يلي من الكلام دون الذي تقدم، وحمله على بعض الكلام دون الكلام؛ ليعلم أن موقع الفهم عن الحكم على ما يقتضيه حق الحكمة دون الذي ينتهي إليه حق اللسان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ .
عن ابن عباس: - قال: يكون الرجل مؤمناً وأهله كفار في دار الحرب، فيقتله مسلم، فلا دية عليه، ولكن عليه عتق رقبة مؤمنة.
وعنه - أيضاً - قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومَهُ فيقيم فيهم، ثم يمر بهم الجيش من المسلمين؛ فيصاب فيمن يصاب؛ فأنزل الله - -: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ .
وقال بعضهم: كيف يكون للمؤمن المقيم في دار الحرب دية؛ وأولياؤه حرب لنا؟
فهل يجوز أن تعطى لهم الدية ونحن نغتنم أموالهم؟
فإن قيل: تكون الدية لبيت المال، قيل له: إنما يجوز أن تكون لبيت المال من لو كان حيّاً - كان له في بيت المال حق، فأما المسلم المقيم في دار الحرب فلا حق له في بيت المال؛ لأن حكمنا لا يجري على داره، فكيف يستحق بيت المال ديته؟!
وبعد: فإن المسلم في دارهم لم يصر بالإسلام محرزاً نفسه وماله؛ لأن دار الحرب ليست بدار يحرز بها الدماء والأموال، فإذا كان كذلك فلم يكن للأنفس والأموال هنالك بدل؛ لذلك لم تجب الدية، ألا ترى أنَّ من أتلف مال ذلك المسلم لم يغرم بَدَلَهُ؟
فعلى ذلك لم يغرم بدل نفسه؛ لأن حرمتهما سواء في دار الإسلام.
ثم اختلف في تأويل قوله - أيضاً -: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ...
﴾ الآية، على الاتفاق أن لا دية فيه لكن الاختلاف في أنه: من يخرج؟
على ثلاثة أوجه: أحدها: أن ذلك فيما يقتل على الإغارة، نحو أن يغار على أهل الحرب وفيهم مسلم: فإنه لا دية فيه؛ لما أبيحت الإغارة؛ فيجب على هذا أمران: أحدهما: أن يكون دفع الكفارة في ذلك أحق من دفع الدية، ومن حيث كانت الكفارة حق الله بمعنى العبادة أو القربة، فإذا وقعت الإباحة من عنده فهي في السقوط أحق من الدية التي هي حق العباد، ولم يرد ممن هي له الإباحة، فلما أوجبت هي فالدية أحق أن تجب، فإذ لم تجب بان أنه ليس على ما قدروا.
والثاني: أن يكون لو كان كذلك، فيجيء أن يكون ذلك فيمن كان من قوم عدو لنا أو لا سواء جُعل من حيث الإغارة، بل إذا صارت الإغارة مباحة، وإن كان فيهم مسلم ذهب حق النفس من الأمرين جميعاً: من الدية، والكفارة، [وكذلك الجواب في قوم تترسوا بالمؤمنين أنه إذا أبيح الرمي فيستوي الأمران جميعاً من الدية والكفارة].
وعلى ذلك اختلف فيمن له القصاص فيما دون النفس؛ فمات من الاقتصاص: أن لا كفارة في ذلك، وقد اختلف في الدية، وعلى ذلك من يقتله ممن لا يحتمل العلم، وما أوجب من العقل في الوجود بلا دية يوجب أن تكون الدية أحق في الإيجاب من الكفارة؛ فإذ لم تجب بان أن ليس دفع الدية لما ظنوا.
والقول الثاني: ذهبوا إلى القتيل الذي قومه أهل الحرب أنه لا تجب فيه الدية؛ بقوله: ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ .
ويؤيد ذلك قوله: ﴿ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ ﴾ وأهله عدو لا يحتمل التسليم إليهم بما لنا أخذ أموالهم؛ فيصير بذلك لنا، وأما الكفارة فهي بين العبد وبين الله، فتلزمه؛ إذ هي في حق التوبة والكفارة؛ لما في ذلك من معنى الإثم؛ فيدخل على ذلك - أيضاً - أمران: أحدهما: إبطال الدية عن كل نفس لا وارث لها إذا قتل من أهل دار الإسلام في دار الإسلام؛ إذ لا أهل لها، وعدم الأهل أكثر من كون الأهل وهم أعداء له، بل يغرم الذي قتله وقومه لبيت المال، فعلى ذلك الأول لو كان يجب، ولكن لم يجب لا لهذا؛ إذ قد رأينا الوجوب مع ما هو أعظم في العدة من هؤلاء، وأيد ذلك الإيجاب في المؤمن الذي قومه من أهل الميثاق، أو الكافر الذي هو من أهل الميثاق، والعداوة لم تكن انقطعت بالميثاق.
والوجه الثاني: أنه لا توارث يجري بين المسلم وأهل الكفر ليبطل حق الدية بوجوبها لهم، بل يتحول الميراث بالإسلام إلى أهل الإسلام، وإن لم يكن له خصوص أهل، وعلى ذلك جميع تركته؛ فبان أنه لا لهذا لم يوجب.
والقول الثالث: أن الآية فيمن أسلم في دار الحرب ولم يخرج إلينا حتى يقتله مؤمن خطأ أنَّ عليه تحرير رقبة، ولا دية فيه؛ فيكون المعنى ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ ﴾ : هو من قوم في الظاهر عند القاتل لم يخرجوا بعد إظهار المعاداة، ثم يكون قتله الخطأ من وجهين: أحدهما: بما كان عرف كفره، ولم يظهر انتقاله عما كان عليه في الظاهر، لا بخروجه إلى دار الإسلام ولا سيما يظهر، وذلك ظاهر الوجود، وفي مثله نزل قوله - -: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىۤ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً...
﴾ الآية [النساء: 94]، وقد أخبر أنهم كانوا كذلك يكتمون دينهم حتى مَنَّ الله عليهم بالإظهار؛ فيكون هذا بين أظهرهم على الأمر الأول، ولا على ذلك شأن المسلمين الذين دخلوا تلك الدار بالأمان، ولا يحتمل أن يلحقه هذا النوع من قتل الخطأ؛ فلزم في نفسه البدل [على كل] حال.
والثاني: أن يرمي غيره فيصيبه على ما يكون خطأ أهل هذه الدار، ولم تجب له الدية؛ لما يقع فيه الخطأ من الوجه الذي على الآمر يفعل على ما بينت؛ فلا يحتمل أن يجعل لنفسه بدل.
والأصل في ذلك: أن دار الحرب هي دار الحرب، وفي الحرب سفك الدماء وإتلاف الأموال؛ فلا يقع بها إحراز الدماء والأموال؛ فلذلك لم يجب فيها البدل، وليس كدار الإسلام؛ لأنها دار سلم وأمن حتى جعلت تحرز بها الدماء والأموال على ما كان أنفس الأعداء إذا دخلت بالميثاق إلينا استوجبت حق الأعراض ولزوم البدل، وإن كانوا من قوم عدو لنا؛ إذ هي الدار دار سلم وإحراز، ولا يشبه الذي أسلم، ولم يخرج، الذي خرج من هذه الدار مسلماً لما كان يخرج بأمان، وفي الأمان لزوم حفظ الأمر الأول، وليس في الأول ذلك على أن أحد الأمرين في ابتداء الإيجاب، والآخر في البقاء على ما وجب، ومعلوم تفاضل هذين في الأصول، واختلاف الأمر بينهما، وقد كان في إبقاء بعض ما يستوجب بالدين لترك الهجرة؛ كقوله - - ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ ﴾ وقد نسخت تلك الهجرة، ولم تنسخ الهجرة إلى دار الإسلام، وإن نسخت إلى المدينة، فلم يكن لنا من ولايتهم من شيء، وإنما حق بذل الأنفس لمن يبقى عنه من الأولياء والأهل، وقد بقي ذلك، فلذلك لم يجب.
وعلى هذا يخرج قولنا فيه: لو قتل عمداً أَلاَّ يجب القصاص ولا الدية؛ لأن الله - - قال: ﴿ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً ﴾ وقد بقي فيما نحن فيه الولاية؛ لذلك بطل السلطان، وفي بطلانه بطلان البدل، ويجوز معه بقاء الحق الذي بينه وبين الله؛ لثبات تلك الحرمة.
ووجه آخر في تأويل: قوله: ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ ﴾ \[أي: في قوم مظهري العداوة\]؛ دليل ذلك: أنه وإن خرج إلى هذه الدار فهم قومه، لكنه ليس يرجع إلى مؤمن آمن وهو يعد فيهم أن لا شيء، فإذا خرج إن عاد وإلا فله حكم نازله لم يقتضه حق الآية؛ فيجب فيه الذي يجب على حسب الدليل الموجب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ .
اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك القتيل معاهد؛ من قوم بيننا وبينهم ميثاق؛ فاحتج بعض أصحابنا - رحمهم الله - بهذه الآية [الكريمة] في إيجاب الدية في قتل المعاهد: دية مسلمة، وهي مثل دية المسلم؛ لأن الله - - قال فيهما جميعاً: ﴿ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ...
﴾ فهما سواء.
وقد روي ذلك عن ابن عباس، .
والآية تحتمل غير هذا؛ لأن الله - - قال في أول الآية: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ...
﴾ فيحتمل: أن يكون معناه: وإن كان المقتول المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فاكتفي بذكر الإيمان في القتيلين الأولين عن إعادة ذكر الإيمان في القتيل الثالث، ولم يكتف بذكر الإيمان في القتيل الأول عن إعادته في الثاني؛ لأنه لو قال [الله - -:] ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ ، ولم يزد على هذا - كنا نوجب الدية في قتل كل مؤمن؛ فذكر الإيمان في الثاني للتفريق بينهما.
وأما ذكر الإيمان في الثاني أغنى عن ذكره في الثالث؛ لأنه لا تفرقة بينهما؛ لذلك كان ما ذكرنا.
وعن الحسن: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ قال: مؤمن.
واستدل من ذهب إلى أن المقتول مسلم بأن الله - - قال: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ ولا تجب الكفارة على القاتل المعاهد إذا لم تكن ذمة، ألا ترى أن النبي فدى قتيلي عمرو بن أمية، وكان لهما عهد، ولم يبلغنا أنه أمر بالكفارة، فيقال: إن الكفارة واجبة على قاتل المعاهد المستأمن بظاهر الآية بقوله: ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ﴾ .
وقال أيضاً: ومما يدل أن المقتول معاهد: أنه لو كان مسلماً لم يجب لأهله من المعاهدين الدية؛ لأنهم لا يرثونه، وإنما يرثونه إذا كان معاهداً، وهذا يؤيد قول أصحابنا - رحمهم الله - في وجوب كمال دية المسلم على قاتل المعاهد.
وقد روي عن النبي أنه ودى ذميّاً دية مسلم، وحديث عمرو بن أمية: أنه كان ببعض الطريق، فأقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا في ظل هو فيه؛ وكان معهما عهد من رسول الله لم يعلم به عمرو، وقد علم أنهما من بني عامر، فلما ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه أصاب منهما ثأره من بني عامر، فلما قدم عمرو على رسول الله قال: لقد قتلت قتيلين لأدينهما.
فوداهما رسول الله .
ومعلوم أن الدية كانت تامة وإن لم تسم؛ لأن العرب كانت لا ترضى أن تنتقص دياتها عن ديات المسلمين.
وعن ابن عباس - -: أن النبي جعل دية العامِرِيَّيْنِ دية الْحُرَّيْنِ المسلمين.
وعن ابن مسعود - - قال: دية أهل الكتاب مثل دية المسلم.
فإن قيل: روي عن عمر - - قال: دية اليهودي والنصراني أربعة [آلاف درهم]، ودية المجوسي ثمانمائة درهم.
عن عثمان - - مثله.
قيل: يحتمل هذا ما روي عن عمر: أنه قوَّم الإبل فبلغت قيمتها أربعة آلاف درهم، ثم قومها ثانياً فبلغت ستة آلاف، إلى أن بلغت عشرة آلاف، أو ما ذكر، فيحتمل أنه لما قومها فبلغت أربعة آلاف كان ذلك في دية يهودي أو نصراني؛ فظن الراوي أنه إنما أوجب أربعة آلاف؛ لأنه دية النصراني أو اليهودي، فروي على ذلك مع ما رُوي عن عمر وعثمان - رضوان الله عليهم أجمعين - بعشرة آلاف.
وروي أن أبا بكر وعمر وعثمان - م - قالوا: دية المعاهد دية الحر المسلم، فهذا يوهن قولهما الأول.
أو يحتمل أن يكون على الاصطلاح: فإن قيل: روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي قال: "دِيَةُ الكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ المُسْلِمِ" قيل: إن كلا الفريقين تركوا العمل بهذا الخبر؛ لأن من يقول بأربعة آلاف لم يأخذ به؛ لأن أربعة آلاف ثلث دية المسلم، على قوله؛ لأن دية المسلم الحر اثنا عشر ألفا عنده.
ومن يقول بعشرة آلاف لم يأخذ به؛ فقد أجمعوا على ترك العمل به؛ وذلك لما لم يثبت عندهم - والله أعلم - مع ما وصفنا في باب: قتل المسلم بالكافر ما يدل على أن ذلك واجب، فإذن وجب قتل المسلم بالذي وجب أن تكون ديتهما سواء، ألا ترى أن الكفارة على قاتلهما سواء.
وقوله - أيضاً - ﴿ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ...
﴾ اختلف في تأويل هذه الحرف من وجهين: أحدهما: أن الآية في المؤمنين خاصة، لكنهم على أقسام ثلاثة: أحدها: على النشوء على الإيمان.
والآخر: على إحداث الإيمان في دار الحرب من أهل الحرب.
والثالث: على إحداث الإيمان من أهل الميثاق في دار العهد.
والآخر من وجهي الآية: بيان جميع ما يجب في نفسه حق إذا قتل خطأ من مؤمن قد أحرز دمه بالإيمان، أو بالإيمان والدار، أو بالعهد، وفي ذلك إنما قطع الحق عن كثير ممن ينهى عن قتلهم إذا لم تتضمنهم هذه الآية، من نحو نساء أهل الحرب والذراري، فلم تجب الدية بما لم تحرز دماؤهم بدار الحرب، ولم تجب الكفارة بارتفاع الميثاق، وإن كنا لا نقتلهم.
فإن كان تأويل الآية هذا - فكان في الآية - أيضاً - على تخصيص القتيل المؤمن من أهل الحرب أن لا دية فيه، وعنها كان فَهْمُ الإجماع أن الله لو أراد الجمع بين القتيل لكان يخرج الأمر على الإبلاغ على ما في الكفارة وما فيها من صفة الإيمان، أو على الإيجاز والتدريج فيها بالمعنى، فالذكر في قتيل واحد كان، فلما ذكر في قتيلين ولم يذكر في الواحد - دل أنه على التفريق، وأيد ذلك أمر الصيام أنه ذكر مرة، والحكم به يأتي على الكل، [وعلى ذلك] حق الدية مع ما بين الذي هو وصفه.
وإن كان تأويل الآية الأولى فأوجب في المعاهد بالمروي عن رسول الله : أنه قضى في عامريَّيْنِ دخلا بأمانٍ فَقُتِلاَ - بدية حُرَّينِ مسلمين، وفي ذلك بيان أن الدية لم تكن وجبت بالنهي عن القتل؛ إذ هو في الذراري والنساء قائم، ولم تجب، لكن بالعهد، فإذا كان على الاتفاق في الدين والنهي فرق بينهما بالعهد؛ فعلى ذلك أمر المسلمين على الاتفاق في الدين والنهي يفرق بينهما بمكان العهد والإحراز.
وأيد التأويل الثاني شرط الإيمان في قوله - -: ﴿ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ فلولا أن الذكر يقتضي القتيل من العدو، لم يكن ليحتاج إلى ذكر المؤمن، وقد سبق بيان المقصود في ابتداء الآية في النهي والثنيا جميعاً، فإذا لم يذكر في أهل الميثاق فصار متروكاً على ما يقتضيه، وأيد ذلك الذي هو وصفه أن ذكر النوعين يدل على التفريق إذ ليس على حق الاقتضاء بالمعنى، ولا على حق الإبلاغ في البيان، وجميع الكل يخرج على [ذانك النوعين] في حق الحكمة؛ لذلك صار إلى حق التفريق.
ثم الظاهر قد يضمن الخطاب بأمرين: أحدهما: في حق هتك الحرمة.
والآخر: في حق العوض من غير تفريق في وزن الملفوظ، وجاء البيان للواجد، وهي دية المؤمن؛ فيصير كأن البيان في الآية، ومعلوم أنه لو كان - لكان يأخذ الكل، إلا أن يجيء التفريق على ما ذكر من أمر الصيام وحق التوبة، وأن ذكر الآحاد في حق بيان التضمين كذلك في الكل الدية على حد واحد مع ما استوى أمر الكفارة فيما له حق البيان التام أو بيان الكفاية، فعلى ذلك الأول، وأيد ذلك وجهان: أحدهما: أن الدية بمبلغها كانت في الجاهلية فأقرت على ذلك في الإسلام، وكذلك حق القسامة، وكانت كذلك في أهل الكفر عند الأمان، فعلى ذلك اليوم، أو يلزم الذي عرف حتى يظهر؛ ولذلك - والله أعلم - لم يجز في الأمر البيان؛ لأنه كان على معروف، وأيد ذلك جميع الأمور المنقسمة، من نحو الحدود بين العبيد والأحرار في التفريق، والديات بين الذكور والإناث؛ أنه يجب ذلك الانقسام في أهل الكفر، فعلى ذلك حد الجملة والنصف.
والثاني: خبر ابن عباس - - في العامريين، وعلى ذلك جاء عن عمر، وعلي - ما - وما روي عن عمر - - فهو في الوقت الذي بلغت قيمة الإبل أربعة آلاف، وسنذكر ذلك.
ثم الأصل: أن البدل حق المتلف، والإسلام والكفر أمران يرجعان إلى الدين والمذاهب، والناس لا يملكون الزيادة والنقصان من الأبدال لأنفسهم؛ لأنه لا بهم جعلت الدية، لكن بالشرع؛ فبه يُعرف التفريق والجمع، فما لم يثبت التفريق والمعنى في كل نفس من المنافع وإليها ما في غيرها لزم الجمع حتى يجيء علم التفريق.
والأصل: أن البدل أمر يرجع إلى منافع تقع للمجني عليه مكان ما ذهب منه، أو لغيره فيما يدخل عليهم من النقصان بفوت نفسه، ثم كل أمر مجعول للمنافع فالنظر فيها إلى قدر المنافع عند أهلها، وأهل الذمة أحق بالزيادة؛ لتعجيل المنفعة لهم في الدنيا؛ إذ لا حفظ لهم في الآخرة.
وقد زعم الشافعي أن العبد لو بيع على أنه كافر فوجده مسلماً أنه عيب يرد منه؛ فيصير الإسلام عيباً في قيمته؛ فلا يجيء أن يكون الحر منهم أقل قيمة من الحر منَّا، ومحل الدين ما ذكرت، فهذا - وإن كان القول به منه شنيعاً - لا يجوز أن يحتج به، فهو في موضع التنبيه، وقوله يلزمه، كقوله - وتعالى -: ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ فحاجهم بالذي عند أئمتهم، فعلى ذلك يحاجُّ بالذي عنده، ولا قوة إلا بالله.
وقد حاج بنفي الإلهية بما لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر، وإن كان وجود ما انتفي لا يوجب القول به.
ثم القتل على أقسام ثلاثة: عمد، وهو ينقسم [إلى] قسمين: أحدهما: أن يتعمد نفس القتيل.
والثاني: أن يتعمد دينه فيقتل لأجل دينه.
وخطأ، وهو - أيضاً - على قسمين: أحدهما: أن يقع بأحد الجناية عن غير قصده.
والثاني: أن يقع له على قصده، لكن على ظن لزومه الدين الذي استوجب القتل به.
وبين الخطأ والعمد قتل آخر سمي: خطأ العمد، أو شبه العمد: مما لم يبين حكمه في منصوص القرآن، ولا هو مما يحتمل معرفة حقيقته بالعيان؛ لأنه ليس في العين جناية تقع من حيث الوقوع إلا عن عمد أو خطأ؛ فصار ذلك معروفاً حكمه بالشرع، ولله أن يشرِّع في حقيقة الخطأ والعمد شرعاً واحداً؛ على ما عليه أمر شرعه في جميع الأمور، وقد جاء الخبر فيه، واتفاق الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - على إيجاب الدية في ذلك، وليس في ذلك ذكر الكفارة، فلما ثبت إلحاقه بالذي هو خطأ في الحكم قيس على أمر الكفارة؛ مع ما كان لذلك أوجه تقدر: أحدهما: أن في العمد ما هو لنفسه كفارة وهو القصاص، وقد دفع ذلك في شبه العمد، والدية تلزم العاقلة، فلا بد من وضع كفارة في ذلك؛ كالذي ذكر في الخطأ فيه.
والثاني: أنه ذكر في الكفارة توبة من الله، والتوبة من الله تخرج على أوجه ثلاثة: على التوفيق لفعله.
أو على التجاوز لما كان من الزلة.
أو على جعل ذلك الفعل من توبة عن زلته.
وأي هذه الوجوه الثلاثة كان ففي ذلك معنى يحق وصف التوبة؛ فيكون في ذلك مما قد يتوجه إلى عمد يلحق وصف الزلة، أو أمر تجوز الكلفة به؛ فيقع العدول عنه؛ إذ قال: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ فإن جعل في ذا توبة فهو في وجه فيه جناح؛ فيدخل في ذلك قتل فيه جناح، ويكون له حكم الخطأ يبينه الخبر.
والثالث: اتفاق أهل الفتوى على القول به، وأيضاً أن الذي يقع الخطأ فيه لدينه فقد تعمد قتله، وأوجبت عليه الكفارة، فقد وجدت كفارة مع تعمد فيما لا بدل لنفسه، فإذا كان شبه العمد يجب فيه البدل فهو لوجوب الكفارة أحق.
وأما العمد الذي فيه القصاص ففيه أوجه ثلاثة: أحدها: أن الله - - بين ما فيه من الحق على نحو ما بين في الخطأ، وإنما يجب طلب العلم بالحكم فيما لم يُبَيَّنْ منصوصاً من النوازل التي يعلم أن لله - - فيها حكماً؛ إذ لم ينص عليه، فقد جعله مبيناً بالتضمن لا بالتصريح، فإذا بيّن سقطت الحاجة وبطل الاجتهاد والتعرف به، وعلى مثل ذلك يجاب لقتل الصيد عمداً أن الحكم فيه لم يبين بالتصريح، فهو متروك للتضمين.
والثاني: أن الكفارة في حق الزجر عنه، والتكفير لفعله، وفي السيف ذلك والزيادة فيه؛ فلذلك لم يضم إليه غيره.
ثم معلوم أن الكفارة إنما جُعلت بما معه الإبقاء حتى يصوم شهرين، وفيما فيه القصاص لا مهلة له يستوجب به بقاء النفس؛ لتقوم بالكفارة؛ فلذلك لم تجب.
والثالث: الاتفاق أن الذي يقتص لا يلزمه الكفارة، فمن وجب له حكم العمد لم تجب عليه الكفارة، ولو أجبنا الكفارة على القاتل جعلناها حقّاً لله من حيث النفس لا من حيث معنى في الجناية له تجب، وذلك المعنى في نفس القاتل والقتيل سواء؛ فيكون ولي القتيل آخذاً الذي له وقع القصاص والذي ليس له القصاص، لكن له الكفارة فتلزمه، فإذ لم تجب، بان أنها تجب بحال من النفس والجناية، فلم تجب فيما عدمت تلك الحالة.
والأصل: أنها لم تجعل للحظر ولا لنفس الحرمة؛ إذ قد يوجد قتل نفس محظورة ولم تجعل فيها الكفارة، نحو الذراري والنساء من أهل الشرك، بل لو كان كذلك كان الخطأ من أبعد ما يجعل له الكفارة؛ فثبت أنها لم تجعل لذلك، ومن يقس - يقس بذلك؛ فبطل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: لا يجزئ إلا من صام وصلى.
وعن ابن عباس قال: الرقبة المؤمنة: كل مولود ولد في الإسلام، صغيراً كان أو كبيراً.
والأشبه أن يجزئ الصغير من المسلمين، ألا ترى أنهم أجمعوا أن على قاتل الصغير من المؤمنين مثل ما كان على قاتل الكبير منهم؟!
فيجب أن يجزئ الصغير من المؤمنين على ما يجزئ عنه الكبير منهم؛ إذ كان حكم الصغير من المؤمنين حكم الكبير منهم.
ومما يدل على ذلك - أيضاً - أن حكم الصغير من المؤمنين، وميراثه، وتزويجه، وطلاق الرجل الزوجة الصغيرة - حكم الكبير، فهم مؤمنون في الحكم وإن كانوا صغاراً، ولكن لسنا نذكر عن أصحابنا رواية منصوصة في جوازه، والقياس ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾ .
وصف الله - - الشهرين بالتتابع، ووصف الرقبة بالإيمان، فهو - والله أعلم - يحتمل أن يكون على التغليظ والتشديد؛ لما يجوز أن يجاوز جرم حكم الخطأ جرم غيره من الأشياء، نحو أن يقتله بعصاً، أو بسوط، ونحوه، قاصداً له، ولا شك أن جرمه أعظم من جرم غيره من الأفعال التي توجب الكفارة من الأيمان والظهار وغيره؛ فغلظ فيه ما لم يغلظ في غيره بالإيمان في الرقبة والتتابع في الصيام، وهذا كما يقولون: إن ضرب التعزير أشد من ضرب حد الزنا وحد شرب الخمر وغيره؛ لأن جرم فعل التعزير ربما يبلغ جرم الزنا أو يجاوز، وهو أن يخنق آخر مرة أو مرتين، لا شك أن حرمته أعظم من حرمة من قذف آخر، أو شرب قطرة من خمر؛ فغلظ فيه وشدد؛ لما ذكرنا، فعلى ذلك شرط الإيمان في العتاق في كفارة القتل، والتتابع في الصوم؛ تغليظاً وتشديداً للمعنى الذي ذكرنا، وهو أن يقتله قتل شبه العمد؛ أي: عمد القصد، خطأ الحكم، ألا ترى أنه غلظ في الدية في شبه العمد ولم يغلظ في غيره.
وروي [عن ابن عمر - -] أن النبي قال: "قتيلُ السَّوْطِ والعَصَا فيه الدِّيةُ مُغلَّظة" وعن النعمان بن بشير - - قال: قال رسول الله : "كُلُّ شَيْءٍ خَطَأٌ إِلاَّ السَّيْفَ وَالْحَدِيدَ، وَلِكُلِّ خَطَأ أَرْشٌ" ذكر الله - - قتل الخطأ والعمد، فبين حكمهما، ولم يذكر غيرهما في كتابه، لكنا عرفنا قبلُ شبه العمد والحكم فيه بما روينا من خبر ابن عمر - - عن رسول الله ، وحديث النعمان عنه حيث قال: "أَلاَ إِنَّ قَتِيلَ خَطَأ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ والعَصَا، ففيه الدِّية مُغَلظة: ثَلاثُونَ جَذَعةً، وثَلاثُونَ حِقَّةً، وَأَرْبَعُونَ ما بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِل عَامِهَا، كُلُّها خَلِفَة" واختلف الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -: روي عن عمر - - ما ذكرنا من الخبر المرفوع أثلاثاً.
وعن علي - - قريباً منه أثلاثاً.
وعن أبي موسى الأشعري والمغيرة ما روينا من الخبر المرفوع أثلاثاً.
وعن ابن مسعود - - في شبه العمد أرباعاً: خمسة وعشرين حقة، وخمسة وعشرين جذعة، وخمسة وعشرين بنات لبون، وخمسة وعشرين بنات مخاض.
ثم لا يحتمل أن يكون الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - قالوا ذلك رأياً من أنفسهم؛ لأن هذا باب ما لا يوقف إلا بالسمع والخبر من الله - - فيجعل كأنهم جميعاً سمعوا ذلك من رسول الله في وقت واحد؛ فدل أنه في وقتين مختلفين، فهو على التناسخ، فلم يظهر الأول منهما من الآخر؛ فأوجب الأخف باليقين، ولم يوجب الأغلظ بالشك، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله - حيث قال في شبه العمد بالأرباع، وأما محمد - رحمه الله - فإنه ذهب إلى ظاهر الخبر المرفوع بالأثلاث.
ثم اختلف أصحابنا - رحمهم الله - فيمن رمى آخر في بحر فغرق فمات: قال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا يُقتل به.
وقال فيمن أحرق آخر بالنار: قُتل به، وكان يفرق بينهما بوجهين: أحدهما: أن يكون الرامي في الماء حسب أنه يحسن أن يسبح، وذلك موجود في كثير من الناس؛ فصار ذلك شبهة يزول بها القصاص عن الرامي، وأما الذي رمى صاحبه في النار ليس له أن يدعي مثل تلك الشبهة؛ لذلك لم يزل عنه القصاص.
والثاني: أن النار جارحة؛ ألا ترى أنها تستعمل في موضع السلاح، ويحارب بها؟!
وهي من أشد السلاح، ولا كذلك الماء؛ لذلك افترقا.
ثم القول في مبلغ الدية من الإبل ما روي عن النبي أنه ودى رجلا بمائة من الإبل ورُوي أن الكتاب الذي كتبه رسول الله لعمرو بن حزم في العقول في النفس مائة من الإبل.
وما روينا من خبر ابن عمر - - قال: خطب [رسول الله ] فقال: "ألا إنَّ قَتيلَ خَطَأ العَمْد فيه الدِّيةُ مُغَلَّطَةٌ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ" ثم القول في أسنان الإبل في الدية ما رُوي عن عبد الله عن النبي قال: "دِيةُ الخَطَأ أَخْماسٌ" ، وكذلك رُوي عن عبد الله بالأخماس، وعن عمر - - كذلك.
وعلي بن أبي طالب في الخطأ أرباع.
وكان أبو حنيفة يذهب إلى ما روي عن النبي وإلى ما روي عن عمر وعبد الله - ما - ويجعل دية الخطأ أخماساً من الإبل، وفي شبه العمد أرباعا؛ لما ذكرنا، ومحمد - رحمه الله - يذهب إلى ما روي عن علي - - بالأرباع في الخطأ، وفي شبه العمد بالأثلاث؛ بالخبر المرفوع، والوجه فيه ما ذكرنا.
ثم المسألة في مبلغ الدية من الورق، رُوي في بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه سلم أنه قضى بالدية اثني عشر ألفاً.
وعن ابن عباس - - أن النبي جعل الدية اثني عشر ألفاً.
وروي عن عبيدة السلماني قال: وضع عمر بن الخطاب - - الديات: فوضع على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشياة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة.
ثم روي عن عمر - - أنه قال: قَوِّموا الإبل؛ فقوموها أوقية، ثم غلت الإبل، فقال: قوموا؛ فقُوِّمت أوقية ونصفاً، ثم غلت؛ حتى قومت عشرة آلاف درهم.
فلو علم عمر - رضي الله عنه - أن [رسول الله] قضى بالدراهم، لم يحتج إلى أن يقوموا الإبل، ومحال أن يخفى على عمر وغيره من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - سنةُ النبي حتى يضطروا إلى تقويم الإبل؛ فدل أن الخبر في اثني عشر غير ثابت.
ثم الاختلاف أن الدية من الدنانير ألف دينار؛ فوجب أن تكون الدية من الورق عشرة آلاف؛ لأنه رُوي عن عمر - - أنه جعل قيمة كل دينار عشرة.
ورُوي أنه كتب إلى أمراء الأجناد أن تؤخذ الجزية من أهل الورق أربعين درهماً، ومن أهل الذهب أربعة دنانير.
وعن علي - - أنه قال: لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم.
دل ما ذكرنا من قول الصحابة أن قيمة كل دينار عشرة دراهم؛ فلما أجمعوا في أن الدية من الذهب ألف دينار - وجب أن تكون من الورق عشرة آلاف؛ ألا ترى أنه يؤخذ في الزكاة من مائتي درهم خمسة دراهم، وفي عشرين ديناراً: نصف دينار؟!
دل على أن الدية عشرة آلاف.
ثم يحتمل الخبر - إن ثبت - أن الدية اثنا عشر ألفاً، وزن ستة؛ لأن الدية كان أصلها الإبل، فقومت الإبل دراهم؛ فبلغت اثني عشر ألفاً من وزن ستة، ثم رُدَّت الأوزان إلى وزن سبعة؛ فكانت اثني عشر ألفاً، وكسر وزن سبعة، ألقوا الكسر؛ لأن القيم لا تُعرف منصوصاً؛ وإنما تُعرف بالاجتهاد، وقد تزداد وتنقص، ويكون بين القيمتين الشيء اليسير؛ فتركوا ذلك الكسر؛ لما وصفنا، ولأنه لم يكن في الدية في أصلها كسر، وهذا وجه محتمل؛ فأخذ أصحابنا - رحمهم الله - بآخر التقديرين؛ لأن الأوزان استقرت على وزن سبعة، وبطل وزن ستة، ولا شك أن وزن سبعة هي الآخرة؛ لاستقرارها في الناس على ذلك، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾ قد ذكرنا معنى التتابع في ذلك.
وفي قوله - -: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾ عند الجميع من جميع من ذكر من القائلين في هذه الآية، ثم قوله - -: ﴿ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعض أهل العلم: ندامة من الله - - وقد يندم الرجل على [فعل يفعله] خطأ.
لكن عندنا على حقيقة التوبة؛ لأن الفعل فعلُ مأثم وإن كان خطأ، ولأنه يجوز أن يكلف الإنسان وينهى في حال الخطأ؛ لما لا يتأمل في ذلك ولا ينظر؛ لئلا يترك التأمل في ذلك والنظر؛ فتكون التوبة على الحقيقة؛ لما ذكرنا.
وفي قوله أيضاً: ﴿ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ قد بينا الوجه في ذلك.
وقال بعض أهل التأويل: التوبة - في الحقيقة: [هي] الندامة على الأمر، وكل من يتولد من فعله قتل أحد؛ فهو يندم على ذلك الفعل الذي حدث منه الذي ذكر، ويحزن عليه؛ فيكون - على هذا التقدير - معنى التوبة من الله: إلقاء ذلك الحزن في قلبه، أو رجوعه بالتأسف إلى الله بالإعتاق والصيام، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ .
لمن قتله خطأ ولم يقصد، ومن قصده، أو ﴿ عَلِيماً ﴾ بما حكم عليكم من الدية والكفارة، أو ﴿ عَلِيماً ﴾ بآجالكم، ﴿ حَكِيماً ﴾ في قضائه وحكمه؛ حيث وضع كل شيء موضعه، والله أعلم به.
وقوله - -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ يخرج ذلك عند ذكر هذه الآية، وهو كذلك بذاته على أوجه: أحدها: أنه عليم بالذي عليه خرج حقيقة فعل ذلك القاتل من القصد وغير القصد، وهو حكيم بما حكم علينا الذي ذكر بظاهر أحوال القتيل، وإن لم يُعْرف حقيقة الأمر في ذلك؛ إذ الذي له حكم العمد والخطأ لا يظهر لغيره.
والثاني: وكان الله لم يزل عليماً بالذي يكون من عباده، وبالذي به المصالح بينهم؛ فحكم بما فيه المصالح، فيما علم من وقوع الجنايات.
والثالث: يبين أنه لا عن جهل يقع الخلاف لأمره ولما [لم] يرض به من خلقه، ولا عن خطأ في التدبير، أي: عليم بالذي يكون من الخلق، لا عن جهل بهم خرج أمرهم، وحكيم في التدبير، أي: لا يلحقه الخطأ في تدبير الخلائق، على ما يكون منهم من الفساد والشر؛ إذ بمثله من غيره يعلم الخطأ والجهل؛ لما في ذلك ضرر يقع به، والله يتعالى عن هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا...
﴾ الآية [النساء: 93] قيل في بعض القصة: إن رجلا قتل آخر عمداً؛ فلما علم أنه يُقتل به ارتد عن الإسلام، ولحق بدار الحرب؛ فنزل الوعيد.
وهذا - والله أعلم - كقوله : ﴿ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ كانوا يمنعون الزكاة لما كان عندهم أن الزكاة تنقص المال؛ فجحدوا بها رأساً، وكقوله: ﴿ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ فتركوا الزكاة والصلاة؛ لما يلحقهم بذلك مؤن وأشغال، يشغلهم ذلك كله عما تهوى أنفسهم؛ فأنكروا رأساً، لأنهم إن صلوا وأدوا الزكاة [لا] يكون ذلك صلاة وزكاة؛ إذ كانوا يكذبون بيوم الدين؛ فعلى ذلك قاتل المسلم عمداً إذا علم أنه مقتول به ترك دينه؛ فصار من أهل النار خالداً مخلداً فيها.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً ﴾ لدينه يقتله عمداً، غير غالط فيه ولا جاهل، عالماً بذلك، وإلى قتله لدينه قاصداً، ومن كان هذه صفته فقد كفر، ووجب له هذا الوعيد الذي ذكره في كتابه الكريم، إلا أن يجدد إيماناً؛ فإن الله - - يقبل إيمانه وتوبته.
والرابع: أن يكون [الوعيد الذي ذكره في كتابه] ذلك جزاء، ولله الإفضال عليه بالعفو والمجاوزة؛ إذ ذلك جزاؤه إن لم يكن له حسنات يقابل به، فأما إذا كانت له حسنات يقابل به، يبدل الله بفضله - سيئاته حسنات، كقوله - -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ .
ثم الدليل أن الآية فيمن قتل مسلماً لدينه، قاصداً لنفسه دون دينه - قوله - ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ﴾ وإنما يكتب عليهم إذا كان القتل قتل عمد، وأبقى لهم بعد القتل اسم الإيمان، ثم قال: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ﴾ ؛ فأبقى لهم اسم الإخوة، ثم قال: ﴿ ذٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ : أطمعه في رحمته - عز وجل - وبعيد أن يكون له مع هذا خلود في النار؛ فدلت الآية على بقاء اسم الإيمان، وعلى رجاء الرحمة، وهما معنيان ينقضان قول المعتزلة؛ حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولأنه - - قال: ﴿ فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا ﴾ ولم يقل: يجزيه، وله أن يتفضل بالعفو عنه، على ما وصفنا، وبالله التوفيق والنجاة.
وروي عن ابن عباس - - في تأويل الآية ما يؤيد ما قلنا: روي عنه أنه قال في قوله: ﴿ فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ ، قال: هي جزاؤه، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال: "كَانَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتلَ تسْعاً وَتِسْعِينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ؟
فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، بِغَيْرِ حَقِّ؛ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟
فَقَالَ: لاَ.
فَقَتَلَهُ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَ عَلَى رَجُلٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ مِائَةَ نَفْسٍ بِغَيْرٍ حَقٍّ؛ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟!
انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنَّ فِيهَا أُنَاساً يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدْهُ مَعَهُمْ؛ فَانْطَلَقَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ نِصْفَ الطَّرِيقِ أَتَاهُ الْمَوتُ، فَاخْتَصَمَ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الَعَذابِ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ، فَجَعَلُوهُ حَكَماً بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرضينِ، أَيُّهُمَا كَانَ أَدْنَى وَأَقْرَبَ فَهُوَ لَهُ؛ فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى لِلأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ؛ فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرّحْمَةِ" أفلا ترى أنه لما كان كافراً، فقتل مائة نفس، فقبلت توبته، ولو كان مسلماً كانت مظالم المقتولين في عنقه باقية؛ فهذا الحديث يدل - والله أعلم - على أن التأويل ما ذكرنا، وبالله التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
ومن يقتل مؤمنًا على وجه القصد بغير حق؛ فجزاؤه دخول جهنم خالدًا فيها، وغضب الله عليه، وطرده من رحمته، وأعد له عذابًا عظيمًا لاقترافه هذا الذنب الكبير.
<div class="verse-tafsir" id="91.jKO5g"
هذه الآية جاءت بعد أن ورد ما ورد في المذبذبين الذين أذن الله بقتلهم إلا من استثنى للتناسب وتتميم أحكام القتل، فذكر هنا أن شأن المؤمن أن لا يقتل مؤمنًا لأن الإيمان مانع ذلك وبيانه من وجهين: أحدهما: أن المؤمن إنما يصح إيمانه ويكمل إذا كان يشعر بحقوق الإيمان عليه وهي حقوق لله وحقوق للعباد، ومن حدود حقوق المؤمنين أن في القصاص حياة لما فيه من الزجر عن القتل فالمؤمن الصادق يشعر بهذا الحق وهذه الحياة وأنه إذا أخل بحقوق الدماء فقد استهزأ بحياة الأمة، ومن استهزأ بحياة الأمة ولم يحترم أكبر حقوقها ولم يبال بما يقع فيه المؤمنون من الخطر فأمره معلوم، فإنه باعتدائه على مؤمن قد هدم ركنًا من أركان قوة الإيمان وحزبه وذلك آية عدم المبالاة بقوة الإيمان وقوامه، والمؤمن غيور على الإيمان فلا يصدر منه ذلك أي ليس من شأنه أن يصدر عنه.
ثم ذكر سبب العقوبة على الخطأ في الأمور العظيمة كأمر القتل وهو أن الخطأ فيه لا يخلو من التهاون وعدم العناية بالاحتياط، ومثل الخطأ في هذا الأمر النسيان ولولا أن من شأنها أن يعاقب الله عليهما لما أمرنا تعالى بالدعاء بأن لا يؤاخذنا عليهما بقوله في آخر سورة البقرة: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ ولم يخبرنا أنه رفع عنا المؤاخذة عليهما في الدنيا والآخرة.
وقد ثبت بنص القرآن أن آدم نسى ومع ذلك سميت مخالفته معصية وعوقب عليها، ولكن ورد في الحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
وهو معقول ولا ينافي ما قلناه، فإن عقاب قتل الخطأ ليس هو عقاب قتل العمد وهو ﴿ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ﴾ وأما في الآخرة فلا يؤاخذنا بما نفعله مخالفًا لأمره إذا نسينا أو أخطأنا فيرجى أن يستجيب الله دعاءنا.
﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ هذا فرع عن كون القتل ليس من شأن المؤمن لأنه ينافي الإيمان.
وقال ابن عباس هذه الآية آخر آية نزلت في عقاب القتل.
وقال بعض الصحابة إن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ نزل قبل هذه الآية بستة أشهر فهذه الآية مخصصة له، وقد قلنا من قبل إن قوله تعالى: ﴿ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ فيه مع تغليظ أمر الشرك أن كل شيء بمشيئته تعالى فلو شاء أن يخصص أحدًا بالمغفرة فلا مرد لمشيئته.
وقد يقال إنه أخرج من هذه المشيئة من يقتل مؤمنًا متعمدًا فآية ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ نزلت ترغيبًا للمشركين الذين آذوا النبي في الإيمان، وهم الذين نزل فيهم ﴿ إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ وقد نقل عن ابن عباس أن قاتل العمد لا توبة له وقالوا إن آية الفرقان نزلت في المشركين والتوبة فيها متعلقة بعدة أعمال منها القتل ومنها الشرك.
وقد يقال كيف تقبل التوبة من المشرك القاتل الزاني ولا تقبل من المؤمن الذي ارتكب القتل وحده؟
ويمكن أن يجاب من القائلين بعدم توبة القاتل بأن المشرك الذي لم يؤمن بالشريعة التي تحرم هذه الأمور له شبه عذر لأنه كان متبعًا لهواه بالكفر وما يتبعه ولم يكن ظهر له صدق النبوة وما يتبع ذلك، فلما ظهر له الدليل على أن ما كان عليه هو كفر وضلال تاب وأناب وآمن وعمل الصالحات فهو جدير بالعفو وإن كان في إجرامه السابق مقصرًا في النظر والاستدلال، وأما المؤمن الموقن بصحة النبوة وتحريم الله للقتل وجعله قاتل النفس البريئة كقاتل الناس جميعًا فلا عذر له بل لا يعقل أن يرجح هواه على إيمانه مع أنه لا يطرأ على إيمانه من الشك الاضطراري ما يكون له شبه عذر، أما إذا طرأ عليه ذلك فإن حكمه حكم القاتل الكافر.
وذلك أن الكافر الذي بلغته الدعوة ولم يؤمن لم يعرض عن الإيمان، إلا لأن الدليل لم يظهر له على صحة النبوة، وهو يعاقب على التقصير في النظر وتصحيح الاستدلال حتى يخلد في النار.
وإذا أحسن النظر وتبين له الهدى فآمن واهتدى يغفر له ما قد سلف في زمن الكفر لأنه كان عملًا مرتبًا على الكفر، والكفر نفسه كان خطأ منه فأشبه قتله قتل الخطأ.
ومثله من أخطأ في الدليل بعد التسليم به لشبهة عرضت له فيه فمعصيته لم تكن تهاونًا بأمر الله ولا استهزاء بآياته ولا دليلًا على إيثاره لهواه على ما عند الله.
أما القاتل المؤمن فأمره على غير ذلك، فإنه مؤمن بالله وبرسوله وبما جاء به إيمان يقين وإذعان لما جاء به الدين من تعظيم أمر الدعاء، وهو يعلم أن المؤمن أخ له ونصير بحكم الإيمان فكيف يعمد بعد هذا إلى الاستهانة بأمر الله وحكمه، وحل ما عقده وتوهين أمر دينه بهدم أركان قوته وتجرئة الناس على مثل ذلك حتى يهن المسلمون ويضعفوا ويكون بأسهم بينهم شديدًا لا جرم أن عقابه يكون شديدًا بحيث لا تقبل توبته.
ومن نظر إلى انحلال أمر الإسلام والمسلمين بعدما أقدم بعضهم على سفك دم بعض من زمن طويل يظهر له وجه هذا، وأن القاتل لا يعذر بهذه الجراءة على هذه الجريمة وهو لم تعرض له شبهة في أمر الله، إذ لا رائحة للعذر في عمله، بل هو مرجح للغضب وحب الانتقام وشهوة النفس على أمر الله تعالى، ومن فضل شهوة نفسه الخسيسة الضارة على نظر الله وعلى كتابه ودينه ومصلحة المؤمنين بغير شبهة ما فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وتأمل قوله: ﴿ يَعْلَمُونَ ﴾ ولو سمح الله أن يفضل أحد شهوته أو حميته وغضبه على الله ورسوله وكتابه ودينه والمؤمنين، ووعده بالمغفرة، لتجرأ الناس على كل شيء ولم يكن للدين ولا للشرع حرمة في قلوبهم.
فهذا تقرير قول من قالوا إن القاتل لا تقبل توبته ولابد من عقابه والروايات فيه عن الصحابة والسلف كثيرة تراجع في تفسير ابن جرير.
<div class="verse-tafsir"