الآية ٩٧ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٩٧ من سورة النساء

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ٩٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 153 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٧ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٧ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال البخاري : حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا حيوة وغيره قالا حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال : قطع على أهل المدينة بعث ، فاكتتبت فيه ، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته ، فنهاني عن ذلك أشد النهي ، ثم قال : أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين ، يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيرمى به ، فيصيب أحدهم فيقتله ، أو يضرب عنقه فيقتل ، فأنزل الله [ عز وجل ] ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) رواه الليث عن أبي الأسود .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - حدثنا محمد بن شريك المكي ، حدثنا عمرو بن دينار ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان قوم من أهل مكة أسلموا ، وكانوا يستخفون بالإسلام ، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم ، فأصيب بعضهم بفعل بعض قال المسلمون : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا ، فاستغفروا لهم ، فنزلت : ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم [ قالوا فيم كنتم ) إلى آخر ] الآية ، قال : فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية : لا عذر لهم .

قال : فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة ، فنزلت هذه الآية : ( ومن الناس من يقول آمنا بالله ) الآية [ البقرة : 8 ] .

وقال عكرمة : نزلت هذه الآية في شباب من قريش ، كانوا تكلموا بالإسلام بمكة ، منهم : علي بن أمية بن خلف ، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو العاص بن منبه بن الحجاج ، والحارث بن زمعة .

وقال الضحاك : نزلت في ناس من المنافقين ، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، وخرجوا مع المشركين يوم بدر ، فأصيبوا فيمن أصيب فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة ، وليس متمكنا من إقامة الدين ، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع ، وبنص هذه الآية حيث يقول تعالى : ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) أي : بترك الهجرة ( قالوا فيم كنتم ) أي : لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة ؟

( قالوا كنا مستضعفين في الأرض ) أي : لا نقدر على الخروج من البلد ، ولا الذهاب في الأرض ( قالوا ألم تكن أرض الله واسعة [ فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ] ) .

وقال أبو داود : حدثنا محمد بن داود بن سفيان ، حدثني يحيى بن حسان ، أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود ، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب ، حدثني خبيب بن سليمان ، عن أبيه سليمان بن سمرة ، عن سمرة بن جندب : أما بعد ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله " .

وقال السدي : لما أسر العباس وعقيل ونوفل ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس : " افد نفسك وابن أخيك " قال : يا رسول الله ، ألم نصل قبلتك ، ونشهد شهادتك ؟

قال : " يا عباس ، إنكم خاصمتم فخصمتم " .

ثم تلا عليه هذه الآية : ( ألم تكن أرض الله واسعة [ فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ] ) رواه ابن أبي حاتم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " إن الذين توفَّاهم الملائكة "، إن الذين تقبض أرواحهم الملائكة (26) =" ظالمي أنفسهم "، يعني: مكسبي أنفسهم غضبَ الله وسخطه.

* * * وقد بينا معنى " الظلم " فيما مضى قبل.

(27) * * * =" قالوا فيم كنتم "، يقول: قالت الملائكة لهم: " فيم كنتم "، في أيِّ شيء كنتم من دينكم=" قالوا كنا مستضعفين في الأرض "، يعني: قال الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم: " كنا مستضعفين في الأرض "، يستضعفنا أهل الشرك بالله في أرضنا وبلادنا بكثرة عددهم وقوتهم، فيمنعونا من الإيمان بالله، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، معذرةٌ ضعيفةٌ وحُجَّة واهية=" قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها "، يقول: فتخرجوا من أرضكم ودوركم، (28) وتفارقوا من يمنعكم بها من الإيمان بالله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، إلى الأرض التي &; 9-101 &; يمنعكم أهلها من سلطان أهل الشرك بالله، فتوحِّدوا الله فيها وتعبدوه، وتتبعوا نبيَّه؟

= يقول الله جل ثناؤه: " فأولئك مأواهم جهنم "، أي: فهؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم= الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم=" مأواهم جهنم "، يقول: مصيرهم في الآخرة جهنم، وهي مسكنهم (29) =" وساءت مصيرًا "، يعني: وساءت جهنم لأهلها الذين صاروا إليها (30) =" مصيرًا " ومسكنًا ومأوى.

(31) ------------------ الهوامش : (26) انظر تفسير"التوفي" فيما سلف 6 : 455 / 8 : 73.

(27) انظر تفسير"الظلم" فيما سلف من فهارس اللغة في الأجزاء السالفة.

(28) انظر تفسير"الهجرة" فيما سلف 4 : 317 ، 318 / 7: 490.

(29) انظر تفسير"المأوى" فيما سلف 7 : 279 ، 494.

(30) انظر تفسير"ساء" فيما سلف 8 : 138 ، 358.

(31) انظر تفسير"المصير" فيما سلف 3 : 56 / 6 : 128 ، 317 / 7 : 366.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا[ ص: 296 ] المراد بها جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم وفتن منهم جماعة فافتتنوا ، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار ؛ فنزلت الآية .

وقيل : إنهم لما استحقروا عدد المسلمين دخلهم شك في دينهم فارتدوا فقتلوا على الردة ؛ فقال المسلمون : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا على الخروج فاستغفروا لهم ؛ فنزلت الآية .

والأول أصح .

روى البخاري عن محمد بن عبد الرحمن قال : قطع على أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي ، ثم قال : أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل ؛ فأنزل الله تعالى : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم .قوله تعالى : توفاهم الملائكة يحتمل أن يكون فعلا ماضيا لم يستند بعلامة تأنيث ، إذ تأنيث لفظ الملائكة غير حقيقي ، ويحتمل أن يكون فعلا مستقبلا على معنى تتوفاهم ؛ فحذفت إحدى التاءين .

وحكى ابن فورك عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار .

وقيل : تقبض أرواحهم ؛ وهو أظهر .

وقيل : المراد بالملائكة ملك الموت ؛ لقوله تعالى : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم .

و ظالمي أنفسهم نصب على الحال ؛ أي في حال ظلمهم أنفسهم ، والمراد ظالمين أنفسهم فحذف النون استخفافا وأضاف ؛ كما قال تعالى : هديا بالغ الكعبة .

وقول الملائكة : فيم كنتم سؤال تقريع وتوبيخ ، أي أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أم كنتم مشركين !

وقول هؤلاء كنا مستضعفين في الأرض يعني مكة ، اعتذار غير صحيح ؛ إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل ، ثم وقفتهم الملائكة على دينهم بقولهم ألم تكن أرض الله واسعة .

ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة ، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا ، وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه ، ولعدم تعين أحدهم بالإيمان ، واحتمال ردته .

والله أعلم .

ثم استثنى تعالى منهم من الضمير الذي هو الهاء والميم في مأواهم من كان مستضعفا حقيقة من زمنى الرجال وضعفة النساء والولدان ؛ كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام وغيرهم الذين دعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم .

قال ابن عباس : كنت أنا وأمي ممن عنى الله بهذه الآية ؛ وذلك أنه كان من الولدان إذ ذاك ، وأمه هي أم الفضل بنت الحارث واسمها لبابة ، وهي أخت ميمونة ، وأختها الأخرى لبابة الصغرى ، وهن تسع أخوات قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهن : [ ص: 297 ] الأخوات مؤمنات ومنهن سلمى والعصماء وحفيدة ويقال في حفيدة : أم حفيد ، واسمها هزيلة .

هن ست شقائق وثلاث لأم ؛ وهن سلمى ، وسلامة ، وأسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب ، ثم امرأة أبي بكر الصديق ، ثم امرأة علي رضي الله عنهم أجمعين .قوله تعالى : فيم كنتم سؤال توبيخ ، وقد تقدم والأصل " فيما " ثم حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر ، والوقف عليها ( فيمه ) لئلا تحذف الألف والحركة .

والمراد بقوله ألم تكن أرض الله واسعة المدينة ؛ أي ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم !

وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي .

وقال سعيد بن جبير : إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها ؛ وتلا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام .فأولئك مأواهم جهنم أي مثواهم النار .

وكانت الهجرة واجبة على كل من أسلم .

وساءت مصيرا نصب على التفسير .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا الوعيد الشديد لمن ترك الهجرة مع قدرته عليها حتى مات، فإن الملائكة الذين يقبضون روحه يوبخونه بهذا التوبيخ العظيم، ويقولون لهم: { فِيمَ كُنْتُمْ } أي: على أي حال كنتم؟

وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟

بل كثرتم سوادهم، وربما ظاهرتموهم على المؤمنين، وفاتكم الخير الكثير، والجهاد مع رسوله، والكون مع المسلمين، ومعاونتهم على أعدائهم.

{ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْض } أي: ضعفاء مقهورين مظلومين، ليس لنا قدرة على الهجرة.

وهم غير صادقين في ذلك لأن الله وبخهم وتوعدهم، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، واستثنى المستضعفين حقيقة.

ولهذا قالت لهم الملائكة: { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا } وهذا استفهام تقرير، أي: قد تقرر عند كل أحد أن أرض الله واسعة، فحيثما كان العبد في محل لا يتمكن فيه من إظهار دينه، فإن له متسعًا وفسحة من الأرض يتمكن فيها من عبادة الله، كما قال تعالى: { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } قال الله عن هؤلاء الذين لا عذر لهم: { فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } وهذا كما تقدم، فيه ذكر بيان السبب الموجِب، فقد يترتب عليه مقتضاه، مع اجتماع شروطه وانتفاء موانعه، وقد يمنع من ذلك مانع.

وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من الكبائر، وفي الآية دليل على أن كل مَن توفي فقد استكمل واستوفى ما قدر له من الرزق والأجل والعمل، وذلك مأخوذ من لفظ \"التوفي\" فإنه يدل على ذلك، لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك لم يكن متوفيًا.

وفيه الإيمان بالملائكة ومدحهم، لأن الله ساق ذلك الخطاب لهم على وجه التقرير والاستحسان منهم، وموافقته لمحله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) الآية ، نزلت في ناس من أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا ، منهم : قيس بن الفاكه بن المغيرة وقيس بن الوليد بن المغيرة وأشباههما ، فلما خرج المشركون إلى بدر خرجوا معهم فقتلوا مع الكفار ، فقال الله تعالى : ( إن الذين توفاهم الملائكة ) أراد به ملك الموت وأعوانه ، أو أراد ملك الموت وحده ، كما قال تعالى : " قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم " ( السجدة - 11 ) ، والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع ( ظالمي أنفسهم ) بالشرك ، وهو نصب على الحال أي : في حال ظلمهم ، قيل : أي بالمقام في دار الشرك لأن الله تعالى لم يقبل الإسلام بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالهجرة ، ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا هجرة بعد الفتح " ، وهؤلاء قتلوا يوم بدر وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم ، وقالوا لهم : فيم كنتم؟

فذلك قوله تعالى : ( قالوا فيم كنتم ) أي : في ماذا كنتم؟

أو في أي الفريقين كنتم؟

أفي المسلمين؟

أم في المشركين؟

سؤال توبيخ وتعيير فاعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك ، و ( قالوا كنا مستضعفين ) عاجزين ، ( في الأرض ) يعني أرض مكة ، ( قالوا ) يعني : الملائكة ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) يعني : إلى المدينة وتخرجوا من مكة ، من بين أهل الشرك؟

فأكذبهم الله تعالى وأعلمنا بكذبهم ، وقال : ( فأولئك مأواهم ) منزلهم ( جهنم وساءت مصيرا ) أي : بئس المصير إلى جهنم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم» بالمقام مع الكفار وترك الهجرة «قالوا» لهم موبخين «فيم كنتم» أي في شيء كنتم في أمر دينكم «قالوا» معتذرين «كنا مستضعَفين» عاجزين عن إقامة الدين «في الأرض» أرض مكة «قالوا» لهم توبيخا «ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها» من أرض الكفر إلى بلد آخر كما فعل غيركم، قال الله تعالى «فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا» هي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين توفَّاهم الملائكة وقد ظلموا أنفسهم بقعودهم في دار الكفر وترك الهجرة، تقول لهم الملائكة توبيخًا لهم: في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟

فيقولون: كنا ضعفاء في أرضنا، عاجزين عن دفع الظلم والقهر عنا، فيقولون لهم توبيخا: ألم تكن أرض الله واسعة فتخرجوا من أرضكم إلى أرض أخرى بحيث تأمنون على دينكم؟

فأولئك مثواهم النار، وقبح هذا المرجع والمآب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن رفع - سبحانه - من شأن المجاهدين ، وبين حال القاعدين عن الجهاد يعذر أو بغير عذر ، أتبع ذلك ببيان حال القاعدين فى دار الكفر بدون هجرة إلى دار الإِسلام ، ووعد المهاجرين فى سبيل الله بحسن العاقبة فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ .

.

.

غَفُوراً رَّحِيماً ) .روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - ( إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ ) روايات منها ما أخرجه البخارى عن ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسوله صلى الله عليه وسلم يأتى السهم فيرمى به فيصب أحدهم فيقتله .

أو يضرب فيقتل .

فأنزل الله : ( إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ ) .

.

.

الآية .

ومنها ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس قال : كان قوم من أهل مكة أسلموا .

وكانوا يخفون الإِسلام .

فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر .

فأصيب بعضهم .

فقال المسلمون : هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا فاستفغروا لهم فنزلت الآية .قال ابن كثير - بعد ذكره لهذه الروايات - .

هذه الآية الكريمة عامة فى كل من أقام بين ظهرانى المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه ، مرتكب حراما بالإِجماع وبنص هذه الآية .وقوله : ( تَوَفَّاهُمُ ) يحتمل أن يكون فعلا ماضيا ، وتركت علامة التأنيث للفصل ، ولأن الفاعل ليس مؤنثاً تأنيثاً حقيقياً .

ويحتمل أن يكون فعلا مضارعا وأصله " تتوفاهم " فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً .

وهو من توفى الشئ إذا أخذه وافيا تام .والمراد من التوفى : قبض أرواحهم وإماتتهم .

وقيل المراد به : حشرهم إلى جهنم .والمراد من الملائكة : ملك الموت وأعوانه الذين يتلون قبض الأرواح بإذن الله وأمره .وظلم النفس معناه : أن يفعل الإِنسان فعلا يؤدى إلى مضرته وسوء عاقبته سواء أكان هذا الفعل كفراً أم معصية .وإنما كان ظالما لنفسه لأنه قال قولا أو فعل فعلا ليس من شأن العقلاء أن يقولوه أو يفعلوه لو خامة عقباه .والمعنى : إن الذين تقبض الملائكة أوراحهم وتميتهم حال كونهم قد ظلموا أنفسهم بسبب رضاهم بالذل والهوان ، وإقامتهم فى أرض لم يستطيعوا أن يباشروا تعاليم دينهم فيها ، وعدم هجرتهم إلى الأرض التى يقيم فيها إخوانهم فى العقيدة مع قدرتهم على الهجرة .

.إن الذين تتوفاهم الملائكة وهم بهذه الحال ، تسألهم الملائكة سؤال تقريع وتوبيخ عند قبض أرواحهم أو يوم القيامة فتقول لهم : " فيم كنتم " أى : فى أى حال كنتم؟

أكنتم فى عزة أم فى ذلة؟

وكيف رضيتم البقاء مع الكافرين الذين أذلوا وسخروا من دينكم؟

أو المعنى : فى أى شئ كنتم من أمور دينكم؟( قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض ) أى : قال الذين ظلموا أنفسهم للملائكة : كنا فى الدنيا يستضعفنا أهل الشرك فى أرضنا وبلادنا ، وصيرونا أذلاء لا نملك من أمرنا شيئاً .

وهو اعتذار قبيح يدل على هوان المعتذرين به وضعف نفوسهم ، ولذلك لم تقبل منهم الملائكة هذا العذر ، بل ردت عليهم بما حكاه الله - تعالى - فى قوله : ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ) ؟فالاستفهام لإِنكار عذرهم ، وعدم الاعتداد به .أى أن الملائكة تقول لهم - كما يقول الآلوسى - : إن عذرهم عن ذلك التقصير بحلولكم بين أهل تلك الأرض أبرد من الزمهرير ، إذ يمكنكم حل عقدة هذا الأمر الذى أخل بدينكم بالرحيل إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر إلى الحبشة وإلى المدينة .

أو إن تعللكم عن الخروج مع أعداء الله - تعالى - بأنكم مقهورون غير مقبول ، لأنكم متمكنون من المهاجرة ومن الخروج من تحت أيديهم .وقوله ( ظالمي أَنْفُسِهِمْ ) جملة حالية من ضمير المفعول فى قوله : ( تَوَفَّاهُمُ ) أى : تتوفاهم الملائكة فى حال ظلمهم لأنفسهم .

والإِضافة فيه لفظية فلا تفيده تعريفا .

والأصل ظالمين أنفسهم فحذفت النون تخفيفا .قال الجمل ما ملخصه : وخبر إن فى قوله ( إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ ) .

محذوف تقديره : إن الذين توفاهم الملائكة هلكوا .

ويكون قوله : ( قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ ) مبينا لتلك الجملة المحذوفة .

أو يكون الخبر قوله ( فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ) ودخلت الفاء فى الخبر تشبيها للموصول باسم الشرط .

.وقوله ( قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض ) جملة مستأنفة جواباً عن سؤال مقدر فكأنه قيل : فماذا قال أولئك الذين ظلموا أنفسهم للملائكة؟

فكان الجواب : كنا مستضعفين فى الأرض .

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف صح وقوع قوله ( كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض ) جواباً عن قولهم : فيهم كنتم وكان حق الجواب : كنا فى كذا أو لم نكن فى شئ؟

قلت معنى " فيم كنتم " التوبيخ بأنهم لم يكونوا فى شئ من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا .

فقالوا : كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به ، واعتلالا بالاستضعاف ، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا فى شئ .

فبكتتهم الملائكة بقولهم : ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ) ، أرادوا : إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التى تمنعون فيها من إظهار دينكم .وهذا دليل على أن الرجل إذا كان فى بدل لا يتمكن فيه من إقامة دينه كما يجب لبعض الأسباب - والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر - أو علم أنه فى غير بلده أقوم بحق الله وأدوم للعبادة حقت عليه المهاجرة .ويبدو أن الإِمام الزمخشرى كان عند تفسيره لهذه الآية قد هاجر من موطنه للإِقامة بجوار بيت الله الحرام ، فقد قال خلاف تفسيره لها " اللهم إن كنت تعلم أن هجرتى إليك لم تكن إلا للفرار بدينى فاجعلها سببا فى خاتمة الخير ، ودرك المرجو من فضلك ، والمبتغى من رحمت .

وصل جوارى لك بعكوفى عند بيتك بجوارك فى دار كرامتك يا واسع المغفرة .وقال القرطبى : يفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم فى تركهم الهجرة ، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شئ من هذا .وإنما أضرب عن ذكرهم فى الصحابة لشدة ما واقعوه .وقوله ( فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً ) بيان لسوء عاقبة هؤلاء الذين آثروا العيش فى أرض الكفر مع الذل على الهجرة إلى أرض الإِسلام .أى : فأولئك الذين ماتوا ظالمين لأنفسهم ( مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ) أى : مسكنهم الذى يأوون إليه فى الآخرة جهنم ، وهى مصيرهم الذى سيصيرون إليه ( وَسَآءَتْ مَصِيراً ) أى : وساءت جهنم لأهلها الذين صراوا إليها مصيرا ومسكنا ومأوى ، لأنهم سيذوقون فيها العذاب الأليم .وجئ باسم الإِشارة ( فأولئك ) للاشعار بأنهم جديرون بالحكم الوارد بعده للصفات التى وصفوا بها قبله ، فهم كانوا قادرين على الهجرة لكنهم لم يهاجروا لضعف نفوسهم وحرصهم على أموالهم ومصالحهم .والمخصوص بالذم فى قوله ( وَسَآءَتْ مَصِيراً ) محذوف .

أى : جهنم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد أتبعه بعقاب من قعد عنه ورضي بالسكون في دار الكفر، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الفرّاء: إن شئت جعلت ﴿ توفاهم ﴾ ماضياً ولم تضم تاء مع التاء، مثل قوله: ﴿ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا  ﴾ وعلى هذا التقدير تكون هذه الآية إخباراً عن حال أقوام معينين انقرضوا ومضوا، وإن شئت جعلته مستقبلاً، والتقدير: إن الذين تتوفاهم الملائكة، وعلى هذا التقدير تكون الآية عامة في حق كل من كان بهذه الصفة.

المسألة الثانية: في هذا التوفي قولان: الأول: وهو قول الجمهور معناه تقبض أرواحهم عند الموت.

فإن قيل: فعلى هذا القول كيف الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا  ﴾ ﴿ الذى خَلَقَ الموت والحياة  ﴾ ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  ﴾ وبين قوله: ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت الذي وُكّلَ بِكُمْ  ﴾ .

قلنا: خالق الموت هو الله تعالى، والرئيس المفوض إليه هذا العمل هو ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه.

القول الثاني: ﴿ توفاهم الملائكة ﴾ يعني يحشرونهم إلى النار، وهو قول الحسن.

المسألة الثالثة: في خبر (إن) وجوه: الأول: أنه هو قوله: قالوا لهم فيم كنتم، فحذف لهم لدلالة الكلام عليه.

الثاني: أن الخبر هو قوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ فيكون (قالوا لهم) في موضع ﴿ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ ، لأنه نكرة.

الثالث: أن الخبر محذوف وهو هلكوا، ثم فسّر الهلاك بقوله: ﴿ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ أما قوله تعالى: ﴿ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ في محل النصب على الحال، والمعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم، وهو وإن أضيف إلى المعرفة إلا أنه نكرة في الحقيقة، لأن المعنى على الانفصال، كأنه قيل ظالمين أنفسهم، إلا أنهم حذفوا النون طلباً للخفة، واسم الفاعل سواء أُريد به الحال أو الاستقبال فقد يكون مفصولاً في المعنى وإن كان موصولاً في اللفظ، وهو كقوله تعالى: ﴿ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا  ﴾ ﴿ هَدْياً بالغ الكعبة  ﴾ ﴿ ثَانِىَ عِطْفِهِ  ﴾ فالإضافة في هذه المواضع كلها لفظية لا معنوية.

المسألة الثانية: الظلم قد يراد به الكفر قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ وقد يراد به المعصية ﴿ فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ  ﴾ وفي المراد بالظلم في هذه قولان: الأول: أن المراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك، ولم يهاجروا إلى دار الإسلام.

الثاني: أنها نزلت في قوم من المنافقين كانوا يظهرون الإيمان للمؤمنين خوفاً، فإذا رجعوا إلى قومهم أظهروا لهم الكفر ولم يهاجروا إلى المدينة، فبيّن الله تعالى بهذه الآية أنهم ظالمون لأنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة.

وأما قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: فيم كنتم من أمر دينكم.

وثانيها: فيم كنتم في حرب محمد أو في حرب أعدائه.

وثالثها: لم تركتم الجهاد ولم رضيتم بالسكون في ديار الكفار؟

ثم قال تعالى: ﴿ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض ﴾ جواباً عن قولهم: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا، أو لم نكن في شيء.

وجوابه: أن معنى ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذاراً عما وبخوا به، واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة، ثم إن الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر بل ردوه عليهم فقالوا: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا ﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، فبقيتم بين الكفار لا للعجز عن مفارقتهم، بل مع القدرة على هذه المفارقة، فلا جرم ذكر الله تعالى وعيدهم فقال: ﴿ فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾ .

ثم استثنى تعالى فقال: ﴿ إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنساء والولدان لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ ونظيره قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني *** ويجوز أن يكون ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ في موضع الحال، والمعنى لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، أو كان بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم من تلك المهاجرة.

ثم قال: ﴿ وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ﴾ أي لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلهم على الطريق.

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة فقال جندب بن ضمرة لبنيه: احملوني فإني لسيت من المستضعفين، ولا أني لا أهتدي الطريق، والله لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة، وكان شيخاً كبيراً، فمات في الطريق.

فإن قيل: كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، فإن الاستثناء إنما يحسن لو كانوا مستحقين للوعيد على بعض الوجوه؟

قلنا: سقوط الوعيد إذا كان بسبب العحز، والعجز تارة يحصل بسبب عدم الأهبة وتارة بسبب الصبا، فلا جرم حسن هذا إذا أُريد بالولدان الأطفال، ولا يجوز أن يراد المراهقون منهم الذين كملت عقولهم لتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله تعالى، وإن أُريد العبيد والإماء البالغون فلا سؤال.

ثم قال تعالى: ﴿ فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ وفيه سؤال، وهو أن القوم لما كانوا عاجزين عن الهجرة، والعاجز عن الشيء غير مكلف به، وإذا لم يكن مكلفاً به لم يكن عليه في تركه عقوبة، فلم قال: ﴿ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ والعفو لا يتصور إلا مع الذنب، وأيضاً ﴿ عَسَى ﴾ كلمة الإطماع، وهذا يقتضي عدم القطع بحصول العفو في حقهم.

والجواب عن الأول: أن المستضعف قد يكون قادراً على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق ومشتبه، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزاً مع أنه لا يكون كذلك، ولا سيما في الهجرة عن الوطن فإنها شاقة على النفس، وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزاً مع أنه لا يكون كذلك، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام.

وأما السؤال الثاني: وهو قوله: ما الفائدة في ذكر لفظة ﴿ عسى ﴾ ههنا؟

فنقول: الفائدة فيها الدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه، حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول: عسى الله أن يعفو عني، فكيف الحال في غيره.

هذاهو الذي ذكره صاحب الكشاف في الجواب عن هذا السؤال، إلا أن الأولى أن يكون الجواب ما قدمناه، وهو أن الإنسان لشدة نفرته عن مفارقة الوطن ربما ظن نفسه عاجزاً عنها مع أنه لا يكون كذلك في الحقيقة، فلهذا المعنى ذكر العفو بكلمة ﴿ عَسَى ﴾ لا بالكلمة الدالة على القطع.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً ﴾ ذكر الزجاج في ﴿ كَانَ ﴾ ثلاثة أوجه: الأول: كان قبل أن خلق الخلق موصوفاً بهذه الصفة.

الثاني: أنه قال: ﴿ كَانَ ﴾ مع أن جميع العباد بهذه الصفة والمقصود بيان أن هذه عادة الله تعالى أجراها في حق خلقه.

الثالث: لو قال: إنه تعالى عفو غفور كان هذا إخباراً عن كونه كذلك فقط، ولما قال إنه كان كذلك كان هذا إخباراً وقع مخبره على وفقه فكان ذلك أدل على كونه صدقاً وحقاً ومبرأ عن الخلف والكذب.

واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن الذنب قبل التوبة فإنه لو لم يحصل هاهنا شيء من الذنب لامتنع حصول العفو والمغفرة فيه، فلما أخبر بالعفو والمغفرة دلّ على حصول الذنب، ثم إنه تعالى وعد بالعفو مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فيدل على ما ذكرناه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ توفاهم ﴾ يجوز أن يكون ماضياً كقراءة من قرأ: ﴿ توفتهم ﴾ .

ومضارعاً بمعنى تتوفاهم، كقراءة من قرأ: ﴿ توفاهم ﴾ ، على مضارع وفيت، بمعنى أن الله يوفى الملائكة أنفسهم فيتوفونها.

أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها ﴿ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ ﴾ في حال ظلمهم أنفسهم ﴿ قَالُواْ ﴾ قال الملائكة للمتوفين ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ في أي شيء كنتم من أمر دينكم.

وهم ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة.

فإن قلت: كيف صح وقوع قوله: ﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض ﴾ جواباً عن قولهم: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ ؟

وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا أو لم نكن في شيء؟

قلت: معنى ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين، حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فقالوا: كنا مستضعفين اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بالاستضعاف، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شيء، فبكتتهم الملائكة بقوله: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا ﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة.

وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يحب، لبعض الأسباب والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم على العبادة حقت عليه المهاجرة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام» اللَّهم إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني فاجعلها سبباً في خاتمة الخير ودرك المرجوّ من فضلك والمبتغى من رحمتك وصل جواري لك بعكوفي عند بيتك، بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة، ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة في الخروج لفقرهم وعجزهم ولا معرفة لهم بالمسالك.

وروي: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بهذه الآية إلى مسلمي مكة، فقال جندب بن ضمرة أو ضمرة بن جندب لبنيه: احملوني، فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي الطريق، والله لا أبيت الليلة بمكة.

فحملوه على سرير متوجهاً إلى المدينة وكان شيخاً كبيراً فمات بالتنعيم.

فإن قلت: كيف أدخل الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، كأنهم كانوا يستحقون الوعيد مع الرجال والنساء لو استطاعوا حيلة واهتدوا سبيلاً؟

قلت: الرجال والنساء قد يكونون مستطيعين مهتدين وقد لا يكونون كذلك.

وأما الولدان فلا يكونون إلا عاجزين عن ذلك، فلا يتوجه عليهم وعيد، لأن سبب خروج الرجال والنساء من جملة أهل الوعيد إنما هو كونهم عاجزين، فإذا كان العجز متمكناً في الولدان لا ينفكون عنه، كانوا خارجين من جملتهم ضرورة.

هذا إذا أريد بالولدان الأطفال ويجوز أن يراد المراهقون منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء فيلحقوا بهم في التكليف.

وإن أريد بهم العبيد والإماء البالغون فلا سؤال.

فإن قلت: الجملة التي هي ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ ما موقعها؟

قلت: هي صفة للمستضعفين أو للرجال والنساء والولدان.

وإنما جاز ذلك والجمل نكرات، لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس لشيء بعينه، كقوله: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فإن قلت: لم قيل ﴿ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ بكلمة الإطماع؟

قلت: للدلالة على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه، حتى أن المضطر البين الاضطرار من حقه أن يقول عسى الله أن يعفو عني، فكيف بغيره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ يَحْتَمِلُ الماضِيَ والمُضارِعَ، وقُرِئَ «تَوَفَّتْهُمُ» و «تَوَفّاهُمُ» عَلى مُضارِعِ وفَيْتُ بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها أيْ يُمَكِّنُهم مِنِ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها.

﴿ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ في حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِتَرْكِ الهِجْرَةِ ومُوافَقَةِ الكَفَرَةِ فَإنَّها نَزَلَتْ في أُناسٍ مِن مَكَّةَ أسْلَمُوا ولَمْ يُهاجِرُوا حِينَ كانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً.

﴿ قالُوا ﴾ أيِ المَلائِكَةُ تَوْبِيخًا لَهم.

﴿ فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أمْرِ دِينِكم.

﴿ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ ﴾ اعْتَذَرُوا مِمّا وُبِّخُوا بِهِ بِضَعْفِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، أوْ عَنْ إظْهارِ الدِّينِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ.

﴿ قالُوا ﴾ أيِ المَلائِكَةُ تَكْذِيبًا لَهم أوْ تَبْكِيتًا.

﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ﴾ إلى قُطْرٍ آخَرَ كَما فَعَلَ المُهاجِرُونَ إلى المَدِينَةِ والحَبَشَةِ.

﴿ فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ لِتَرْكِهِمُ الواجِبَ ومُساعَدَتِهِمُ الكُفّارَ.

وهو خَبَرُ إنَّ والفاءُ فِيهِ لِتُضَمِّنَ الِاسْمَ مَعْنى الشَّرْطِ، وقالُوا فِيمَ كُنْتُمْ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِإضْمارِ قَدْ أوِ الخَبَرُ قالُوا والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ قالُوا لَهُمْ، وهو جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مُسْتَنْتَجَةٌ مِنها.

﴿ وَساءَتْ مَصِيرًا ﴾ مَصِيرُهم أوْ جَهَنَّمُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الهِجْرَةِ مِن مَوْضِعٍ لا يَتَمَكَّنُ الرَّجُلُ فِيهِ مِن إقامَةِ دِينِهِ، وعَنِ النَّبِيِّ  : «مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)

{إن الذين توفاهم الملائكة} يجوز أن يكون

النساء (٩٧ _ ١٠٠)

ماضيا لقراءة من قرأ توفتهم ومضارعا بمعنى نتوفاهم وحذفت الثانية لا جتماع التاءين والتوفي قبض الروح والملائكة ملك الموت وأعوانه {ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ} حال من ضمير المفعول في توفاهم أي في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة {قَالُواْ} أي الملائكة للمتوفّين {فِيمَ كُنتُمْ} أي في أي شيء كنتم في أمر دينكم ومعناه التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ} عاجزين عن الهجرة {فِى الأرض} أرض مكة فأخرجونا كارهين {قَالُواْ} أي الملائكة موبخين لهم {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا} أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم ومن الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصب فنها جروا على جواب الاستفهام {فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مصيرا} خبران فأولئك ودخول الفاء لما في الذين من الإبهام المشابه بالشرط أو قالوا فيم كنتم والعائد محذوف أي قالوا لهم والآية تدل على أن من لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره حقت عليه المهاجرة وفي الحديث من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ بَيانٌ لِحالِ القاعِدِينَ عَنِ الهِجْرَةِ إثْرَ بَيانِ القاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ، أوْ بَيانٌ لِحالِ القاعِدِينَ عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ  والجِهادِ مَعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ عَقِبَ بَيانِ حالِ القاعِدِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ و(تَوَفّاهُمْ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا، وتُرِكَتْ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِلْفَصْلِ، ولِأنَّ الفاعِلَ غَيْرُ مُؤَنَّثٍ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وأصْلَهُ (تَتَوَفّاهُمْ) فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وهو لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ (تَوَفَّتْهُمْ) والثّانِيَ قِراءَةُ إبْراهِيمَ (تُوفاهُمْ) بِضَمِّ التّاءِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (وفَيْتُ) بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها، أيْ: يُمَكِّنُهم مِنِ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها، وإلى ذَلِكَ أشارَ ابْنُ جِنِّيٍّ، والمُرادُ مِنَ التَّوَفِّي قَبْضُ الرُّوحِ، وهو الظّاهِرُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِهِ الحَشْرُ إلى النّارِ، والمُرادُ مِنَ المَلائِكَةِ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، وهم كَما في البَحْرِ سِتَّةٌ: ثَلاثَةٌ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ، وثَلاثَةٌ لِأرْواحِ الكافِرِينَ، وعَنِ الجُمْهُورِ أنَّ المُرادَ بِهِمْ مَلَكُ المَوْتِ فَقَطْ، وهو مِن إطْلاقِ الجَمْعِ مُرادًا بِهِ الواحِدَ؛ تَفْخِيمًا لَهُ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، ولا يَخْفى أنَّ اطِّلاقَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن نِسْبَةِ التَّوَفِّي إلى اللَّهِ تَعالى وإلى مَلَكِ المَوْتِ وإلى أعْوانِهِ، والوَجْهُ في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الآمِرُ، بَلْ هو الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ، والأعْوانُ هُمُ المُزاوِلُونَ لِإخْراجِ الرُّوحِ مِن نَحْوِ العُرُوقِ والشَّرايِينِ والعَصَبِ، والقاطِعُونَ لِتَعَلُّقِها بِذَلِكَ، والمَلَكُ هو القابِضُ المُباشِرُ لِأخْذِها بَعْدَ تَهْيِئَتِها، وفي القُرْآنِ ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ ﴾ ، و ﴿ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ ، و ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ﴾ ومِثْلُهُ ﴿ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ بِتَرْكِ الهِجْرَةِ واخْتِيارِ مُجاوِرَةِ الكُفّارِ المُوجِبَةِ لِلّاخِلالِ بِأُمُورِ الدِّينِ، أوْ بِنِفاقِهِمْ وتَقاعُدِهِمْ عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ  وإعانَتِهِمُ الكَفَرَةَ.

فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ قَوْمٌ بِمَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ  كَرِهُوا أنْ يُهاجِرُوا، وخافُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: «إنَّ هَؤُلاءِ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  بِمَكَّةَ فَلَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ إلى المَدِينَةِ، وخَرَجُوا مَعَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ إلى بَدْرٍ، فَأُصِيبُوا فِيمَن أُصِيبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ».

ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحَرْثِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبِي العاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا واجْتَمَعُوا بِبَدْرٍ مَعَ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ فَقُتِلُوا هُناكَ كُفّارًا»، ورَواهُ أبُو الجارُودِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

و ”ظالمي“ مَنصُوبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في (تَوَفّاهُمْ) وإضافَتُهُ لَفْظِيَّةٌ فَلا تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا، والأصْلُ (ظالِمِينَ أنْفُسَهُمْ).

﴿ قالُوا ﴾ أيِ: المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِلْمُتَوَفِّينَ تَوْبِيخًا لَهم بِتَقْصِيرِهِمْ في إظْهارِ إسْلامِهِمْ وإقامَةِ أحْكامِهِ وشَعائِرِهِ، أوْ قالُوا تَقْرِيعًا لَهم وتَوْبِيخًا بِما كانُوا فِيهِ مِن مُساعَدَةِ الكَفَرَةِ وتَكْثِيرِ سَوادِهِمْ وانْتِظامِهِمْ في عَسْكَرِهِمْ وتَقاعُدِهِمْ عَنْ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ أيْ: في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أُمُورِ دِينِكُمْ، وحُذِفَتْ ألِفُ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ المَجْرُورَةِ وفاءً بِالقاعِدَةِ، وتُكْتَبُ مُتَّصِلَةً تَنْزِيلًا لَها مَعَ ما قَبْلَها مَنزِلَةَ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، ولِهَذا تُكْتَبُ: إلى وعَلى وحَتّى فِي إلامَ وعَلا مَ وحَتّى مَ بِالألِفِ ما لَمْ يُوقَفْ عَلى مَ بِالهاءِ.

ولَكِنَّ السُّؤالَ كَما عَلِمْتَ طابَقَهُ الجَوابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ ﴾ وإلّا فالظّاهِرُ في الجَوابِ كُنّا في كَذا، أوْ لَمْ نَكُنْ في شَيْءٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ سُؤالِ المَلائِكَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ أُولَئِكَ المُتَوَفَّوْنَ في الجَوابِ؟

فَقِيلَ: قالُوا في جَوابِهِمْ: كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في أرْضِ مَكَّةَ بَيْنَ ظَهْرانَيِ المُشْرِكِينَ الأقْرِباءِ.

والمُرادُ أنَّهُمُ اعْتَذَرُوا عَنْ تَقْصِيرِهِمْ في إظْهارِ الإسْلامِ، وإدْخالِهِمُ الخَلَلَ فِيهِ بِالِاسْتِضْعافِ والعَجْزِ عَنِ القِيامِ بِمَواجِبِ الدِّينِ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ، فَلِذا قَعَدُوا ونامُوا، أوْ تَعَلَّلُوا عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُمْ، والِانْتِظامُ في ذَلِكَ الجَمْعِ المُكَسَّرِ بِأنَّهم كانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ، وأنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ كارِهِينَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ تَقْبَلِ المَلائِكَةُ ذَلِكَ مِنهُمْ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قالُوا ﴾ أيِ: المَلائِكَةُ ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ﴾ أيْ: إنَّ عُذْرَكم عَنْ ذَلِكَ التَّقْصِيرِ بِحُلُولِكم بَيْنَ أهْلِ تِلْكَ الأرْضِ أبْرَدُ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ، إذْ يُمْكِنُكم حَلُّ عُقْدَةٍ هَذا الأمْرِ الَّذِي أحَلَّ بِدِينِكم بِالرَّحِيلِ إلى قُطْرٍ آخَرَ مِنَ الأرْضِ، تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى إقامَةِ أُمُورِ الدِّينِ، كَما فَعَلَ مَن هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ، وإلى المَدِينَةِ، أوْ إنَّ تَعَلُّلَكم عَنِ الخُرُوجِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى لِما يَغِيظُ رَسُولَهُ  بِأنَّكم مَقْهُورُونَ بَيْنَ أُولَئِكَ الأقْوامِ غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأنَّكم بِسَبِيلٍ مِنَ الخَلاصِ عَنْ قَهْرِهِمْ، مُتَمَكِّنُونَ مِنَ المُهاجَرَةِ عَنْ مُجاوَرَتِهِمْ والخُرُوجِ مِن تَحْتِ أيْدِيهِمْ ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ الَّذِينَ شُرِحَتْ حالُهُمُ الفَظِيعَةُ ﴿ مَأْواهُمْ ﴾ أيْ: مَسْكَنُهم في الآخِرَةِ ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ لِتَرْكِهِمُ الفَرِيضَةَ المَحْتُومَةَ، فَقَدْ كانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً في صَدْرِ الإسْلامِ.

وعَنِ السُّدِّيِّ كانَ يَقُولُ: مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، والأصَحُّ الأوَّلُ، أوْ لِنِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ أعْداءَ اللَّهِ تَعالى عَلى سَيِّدِ أحِبّائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالتَّأْيِيدِ لَيْسَ نَصًّا في العِصْيانِ بِما دُونَ الكُفْرِ، وإنَّما النَّصُّ التَّقْيِيدُ بِعَدَمِهِ، واسْمُ الإشارَةُ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، و(مَأْواهُمْ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ و(جَهَنَّمُ) خَبَرُ الثّانِي وهُما خَبَرُ الأوَّلِ، والرّابِطُ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ، والمَجْمُوعُ خَبَرُ (إنَّ)، والفاءُ لِتَضَمُّنِ اسْمِها مَعْنى الشَّرْطِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، و(قَدْ) مَعَهُ مَقْدِرَةٌ في المَشْهُورِ، وجَعْلُهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوَّلا ولَهم آخِرًا بِعِيدٌ، أوْ هو الخَبَرُ والعائِدُ فِيهِ مَحْذُوفٌ أيْ لَهُمْ، والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالفاءِ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ مُسْتَنْتَجَةٌ مِنهُ ومِمّا في خَبَرِهِ، ولا يَصِحُّ جَعْلُ شَيْءٍ مَن قالُوا الثّانِي والثّالِثِ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ جَوابٌ ومُراجَعَةٌ، فَمَن قالَ: لَوْ جُعِلَ قالُوا الثّانِي خَبَرًا لَمْ يُحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ عائِدٍ فَقَدْ وهِمَ، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ هَلَكُوا ونَحْوُهُ، و(تُهاجِرُوا) مَنصُوبٌ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (وساءَتْ) مِن بابِ بِئْسَ أيْ: بِئْسَتْ (مَصِيرًا)، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مُقَدَّرٌ، أيْ: مَصِيرُهم أوْ جَهَنَّمُّ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ الهِجْرَةِ مِن مَوْضِعٍ لا يَتَمَكَّنُ الرَّجُلُ فِيهِ مِن إقامَةِ دِينِهِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ، ونَقَلَ ابْنُ العَرَبِيِّ وُجُوبَ الهِجْرَةِ مِنَ البِلادِ الوَبِيئَةِ أيْضًا، وفي كِتابِ النّاسِخِ والمَنسُوخِ أنَّها كانَتْ فَرْضًا في صَدْرِ الإسْلامِ فَنُسِخَتْ، وبَقِيَ نَدْبُها.

وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ مِن حَدِيثِ الحَسَنِ مُرْسَلًا: ««مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ، ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ،  »».

وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني ملك الموت يقبض أرواحهم ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ يعني الذين أسلموا بمكة، وتخلفوا عن الهجرة، وخرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما رأوا قلة المؤمنين شكوا وكفروا، فقتل بعضهم، فأخبر الله تعالى عن حالهم فقال تعالى: قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ يعني الملائكة تقول لهم: في أي شيء كنتم؟

ويقال: أين كنتم عن الهجرة؟

قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ أي يقولون: كنا مقهورين في أرض مكة، لا نقدر أن نظهر الإيمان قالُوا أي: قالت الملائكة أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً يعني المدينة مطمئنة آمنة فَتُهاجِرُوا يعني: تهاجروا إليها.

فقال الله تعالى لمحمد  : فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي منزلهم ومصيرهم إلى النار وَساءَتْ مَصِيراً أي بئس المصير صاروا إليها.

حدّثنا أبو الفضل بن أبي حفص، قال: حدّثنا الطحاوي قال حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: حدّثنا أبو عبد الرحمن المقري، عن حيوة بن شريح، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إن ناساً من المسلمين مع المشركين، يكثرون سواد المشركين يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ الاْيَةَ.

ثم استثنى أهل العذر فقال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ أي المقهورين مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ فليس مأواهم جهنم وهم الذين لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا أي لا يجدون سعة الخروج عنهم إلى المدينة، ولا يعرفون طريقاً إلى المدينة فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ أي يتجاوز عنهم، وعسى من الله واجب وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا عنهم غَفُوراً لهم فلا يعاقبهم، فقال عبد الله بن عباس: أنا ممن استثنى الله يومئذٍ وكنت غلاماً صغيراً وكان ذلك قبل نسخ الهجرة، ثم نسخت الهجرة بعد فتح مكة.

حدّثنا أبو الفضل بن أبي حفص، قال: حدّثنا الطحاوي، قال: حدّثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لما فتح رسول الله  مكة، خطب الناس فقال في خطبته: «وَلاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» وروى طاوس عن ابن عباس، أن النبيّ  قال يوم الفتح: «إِنَّهُ لاَ هِجْرَةَ ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» .

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال ابن زَيْدٍ: الدرجاتُ في الآيةِ هي السّبع المذكورة في «بَرَاءَةَ» في قوله تعالى:

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ ...

[التوبة: ١٢٠] الآية «١» .

قال ع «٢» : ودرجاتُ الجهادِ، لَوْ حُصِرَتْ، أكْثَرُ من هذه، لكنْ يَجْمَعُها بذْلُ النفْسِ، والاعتمال بالبَدَنِ والمالِ في أنْ تكُونَ كَلمةُ اللَّهِ هي العُلْيَا، ولا شَكَّ أنَّ بحَسَب/ مراتِبِ الأعمال ودرجاتِهَا تكُونُ مراتِبُ الجَنَّة ودرجاتُها، فالأقوالُ كلُّها متقاربة، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس.

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ...

الآية:

المرادُ بهذه الآيةِ إلى قوله: مَصِيراً جماعةٌ من أهل مكَّة كانوا قد أسلموا، فَلَمَّا هاجَرَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أقَامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ منهم جماعةٌ، فافتتنوا، فلما كَانَ أَمْرُ بَدْرٍ، خَرَجَ منهم قومٌ مع الكُفَّار، فقُتِلُوا ببَدْرٍ، فنزلَتِ الآية فيهم.

قال ع «٣» : والذي يَجْرِي مع الأصولِ أنَّ مَنْ ماتَ مِنْ هؤلاء مرتدًّا، فهو كافرٌ، ومأواه جهنَّم على جهة الخلودِ المؤبدِ، وهذا هو ظاهرُ أمْرِ هؤلاءِ، وإنْ فَرَضْنا فيهم مَنْ مَاتَ مؤمناً، وأُكْرِهَ عَلَى الخُرُوجِ، أوْ ماتَ بمكَّة، فإنما هو عاصٍ في ترك الهِجْرة، مأواه جهنَّم على جهة العِصْيَانِ دُونَ خُلُودٍ.

وقوله تعالى: تَوَفَّاهُمُ: يحتملُ أن يكون فعلاً ماضياً، ويحتملُ أنْ يكون مستقْبَلاً على معنى: «تَتَوَفَّاهُمْ» فحذِفَتْ إحدى التاءَيْنَ وتكون في العبارة إشارة إلى ما يأتي مِنْ هذا المعنى في المستقبل بعد نزول الآية، وظالِمِي أَنْفُسِهِمْ: نصب على الحال، أي:

ظالميها بترك الهجرة، وتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ: معناه: تقبِضُ أرواحَهُمْ، قال الزَّجَّاج «١» ، وحُذِفَتِ النونُ مِنْ ظَالِمِينَ تخفيفاً كقوله: بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥] ، وقولُ الملائكة:

فِيمَ كُنْتُمْ: تقريرٌ وتوبيخٌ، وقولُ هؤلاء: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ: اعتذار غيرُ صحيحٍ إذ كانوا يستطيعُونَ الحِيَلَ، ويَهْتَدُونَ السُّبُلَ، ثم وقَفَتْهُم الملائكةُ على ذَنْبهم بقولهم: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً، والأرْضُ الأولى: هي أرْضُ مكَّة خاصَّة، وأرْضُ اللَّهِ هي الأرضُ بالإطلاق، والمراد: فتهاجِرُوا فيها إلى مواضعِ الأَمْنِ، وهذه المقاوَلَةُ إنما هِيَ بعد توفي الملائكَةِ لأرواحِ هؤلاءِ، وهي دالَّة على أنهم ماتوا مُسْلِمِينَ وإلاَّ فلو ماتوا كافِرِينَ، لم يُقَلْ لهم شيءٌ مِنْ هذا، ثم استثنى سبحانه مَنْ كان استضعافه حقيقةً مِنْ زَمْنَى الرجالِ، وضَعَفَةِ النساءِ، والولدانِ، قال ابنُ عَبَّاس: «كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» «٢» ، والحِيلَةُ: لفظٌ عامٌّ لأنواع أسبَاب التخلُّص، والسَّبِيلُ: سبيلُ المدينةِ فيما قاله مجاهد وغيره «٣» ، والصوابُ: أنه عامٌّ في جميع السُّبُل، ثم رَجَّى اللَّه تعالى هؤلاءِ بالعَفْو عنهم، والمُرَاغِمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَب قاله ابن عبَّاس وغيره «٤» ، وقال مجاهدٌ: المُرَاغَمُ المتزحْزَحُ عمَّا يُكْرَه «٥» ، وقال ابن زيْدٍ: المُرَاغَمُ: المُهَاجَرُ «٦» ، وقال السُّدِّيُّ: المُرَاغَمُ: المبتغى للمعيشة «٧» .

قال ع «٨» : وهذا كله تَفْسيرٌ بالمعنى، وأما الخاصُّ بِاللفظة، فإن المُرَاغَمَ هو موضِعُ المراغَمَةِ، فلو هاجر أَحَدٌ من هؤلاءِ المَحْبُوسِين بمكَّةَ، لأرْغَمَ أنُوفَ قريشٍ بحصوله في مَنَعَةٍ منهم، فتلكَ المَنَعَةُ هي مَوْضِعُ المراغَمَةِ، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: السّعة هنا هي السّعة في

الرِّزْقِ «١» ، وقال مالك: السَّعة: سَعَةُ البلاد «٢» .

قال ع «٣» : وهذا هو المُشَبِهُ للفصاحة أنْ يريد سعة الأرْضِ وبذلك تكونُ السَّعَةُ في الرِّزْق، واتساع الصَّدْرِ، وغيرُ ذلك من وجوه الفَرَجِ، وهذا المعنى ظاهرٌ من قوله تعالى: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً.

قال مالكُ بْنُ أَنَسٍ (رحمه اللَّه) : الآية تُعْطِي أنَّ كلَّ مسلمٍ ينبغي لَهُ أنْ يَخْرُجُ من البلادِ الَّتي تُغَيَّرُ فيها/ السُّنَنُ، ويُعْمَلُ فيها بغَيْر الحَقِّ «٤» .

وقوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ...

الآية حُكْمُ هذه الآية باقٍ في الجهَادِ، والمَشْيِ إلى الصلاةِ، والحَجِّ، ونحوِهِ، قلْتُ: وفي البابِ حديثٌ عن أبي أُمَامَةَ، وسيأتِي عند قوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: ٦١] .

قال ع «٥» : والآية نزلَتْ بسبب رَجُلٍ من كِنَانَةَ، وقيلَ: من خُزَاعَةَ، اسمه ضَمْرَةُ في قولِ الأكْثَرِ لما سمع قَوْلَ اللَّه تعالَى: الَّذِينَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا قال: إنِّي لَذُو مَالٍ وَعَبِيدٍ، وَكَانَ مَرِيضاً، فَقَالَ: أَخْرِجُونِي إلَى المَدِينَةِ، فَأُخْرِجَ فِي سَرِيرٍ، فَأَدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَّنْعِيمِ، فَنَزَلَتِ الآيةُ بسببه.

قال ع «٦» : ومِنْ هذه الآية رأى بعضُ العلماء أنَّ مَنْ مات من المسلمين، وقد خَرَجَ غازياً، فله سَهْمُهُ من الغنيمة، قَاسُوا ذلك علَى الأجْرِ، وَوَقَعَ: عبارةٌ عن الثُّبُوتِ، وكذلك هِيَ «وَجَبَ» لأنَّ الوقوعَ والوُجُوبَ نُزُولٌ في الأجْرَامِ بقوَّة، فشبه لازم المعانِي بذلك، وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ أُناسًا كانُوا بِمَكَّةَ قَدْ أقَرُّوا بِالإسْلامِ، فَلَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ  إلى بَدْرٍ لَمْ تَدْعُ قُرَيْشٌ أحَدًا إلّا أخْرَجُوهُ مَعَهم، فَقَتَلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أقَرُّوا بِالإسْلامِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في أُناسٍ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ، فَخَرَجُوا مَعَ أبِي جَهْلٍ، فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، واعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبى اللَّهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهم.

والثّانِي: أنَّ قَوْمًا نافَقُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وارْتابُوا، وقالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم وأقامُوا مَعَ المُشْرِكِينَ حَتّى قُتِلُوا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآَيَةُ.

رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، ولَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ، فَمَن ماتَ مِنهم قَبْلَ أنْ يَلْحَقَ بِالنَّبِيِّ، ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وجْهَهُ ودُبُرَهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي "التَّوَفِّي" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَبَضَ الأرْواحَ بِالمَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الحَشْرُ إلى النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ: مَلَكُ المَوْتِ وحْدَهُ.

وَقالَ في مَوْضِعٍ آَخَرَ: مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، وهم سِتَّةٌ، ثَلاثَةٌ يَلُونَ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ، وثَلاثَةٌ يَلُونَ أرْواحَ الكُفّارِ.

قالَ الزَّجّاجُ: "ظالِمِي أنْفُسِهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ، والمَعْنى: تَتَوَفّاهم في حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسِهِمْ، والأصْلُ ظالِمِينَ، لِأنَّ النُّونَ حُذِفَتِ اسْتِخْفافًا.

فَأمّا ظُلْمُهم لِأنْفُسِهِمْ، فَيُحْتَمَلُ عَلى ما ذُكِرَ في قِصَّتِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ تَرَكَ الهِجْرَةَ.

والثّانِي: رُجُوعُهم إلى الكُفْرِ.

والثّالِثُ: الشَّكُّ بَعْدَ اليَقِينِ.

والرّابِعُ: إعانَةُ المُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو سُؤالُ تَوْبِيخٍ، والمَعْنى: كُنْتُمْ في المُشْرِكِينَ أوْ في المُسْلِمِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: كُنّا مَقْهُورِينَ في أرْضِ مَكَّةَ، لا نَسْتَطِيعُ أنْ نَذْكُرَ الإيمانَ، قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً ﴾ يَعْنِي المَدِينَةَ ﴿ فَتُهاجِرُوا فِيها ﴾ يَعْنِي: إلَيْها.

وقَوْلُ المَلائِكَةِ لَهم يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الهِجْرَةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ ﴿ إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا ﴾ ﴿ فَأُولَئِكَ عَسى اللهُ أنْ يَعْفُوَ عنهم وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ ﴿ وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "مَصِيرًا" جَماعَةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وأظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ  الإيمانَ بِهِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ  أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ فافْتَتَنُوا، فَلَمّا كانَ أمْرُ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِإسْلامِهِمْ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ  ﴾ الآيَةُ، فَكَتَبَ إلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا بِبَدْرٍ، وهُمْ: قَيْسُ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ.

قالَ النَقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ العَبّاسُ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ الكُفّارِ لَكِنَّهُ نَجا وأُسِرَ، وكانَ مِنَ المُطْعِمِينَ في نَفِيرِ بَدْرٍ، قالَ السُدِّيُّ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونُفَيْلٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ  لِلْعَبّاسِ: "افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ"، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟

قالَ "يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ﴾ ،» قالَ السُدِّيُّ: فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الَّذِي قالَهُ السُدِّيُّ نَظَرٌ، والَّذِي يَجْرِي مَعَ الأُصُولِ أنَّ مَن ماتَ مِن أُولَئِكَ بَعْدَ أنْ قَبِلَ الفِتْنَةَ وارْتَدَّ فَهو كافِرٌ، ومَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ الخُلُودِ، وهَذا هو ظاهِرُ أمْرِ تِلْكَ الجَماعَةِ، وإنْ فَرَضْنا فِيهِمْ مَن ماتَ مُؤْمِنًا وأُكْرِهَ عَلى الخُرُوجِ، أو ماتَ بِمَكَّةَ فَإنَّما هو عاصٍ في تَرْكِ الهِجْرَةِ، مَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ العِصْيانِ دُونَ خُلُودٍ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَتَعَيَّنْ أحَدٌ أنَّهُ ماتَ عَلى الإيمانِ لَمْ يَسُغْ ذِكْرُهم في الصَحابَةِ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِما كانَ عُرِفَ مِنهم قَبْلُ، ولا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ عَلى تَكْفِيرِهِمْ بِالمَعاصِي، وأمّا العَبّاسُ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّهُ أسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ  في يَوْمِ بَدْرٍ: « "مَن لَقِيَ العَبّاسَ فَلا يَقْتُلْهُ فَإنَّما أُخْرِجَ كُرْهًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذُكِرَ أنَّهُ إنَّما أسْلَمَ مَأْسُورًا حِينَ ذَكَرَ لَهُ النَبِيُّ  أمْرَ المالِ الَّذِي تَرَكَ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ، وذُكِرَ أنَّهُ أسْلَمَ في عامِ خَيْبَرَ، وكانَ يَكْتُبُ إلى رَسُولِ اللهِ  بِأخْبارِ المُشْرِكِينَ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يُهاجِرَ، «فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ  "أنِ امْكُثْ بِمَكَّةَ فَمُقامُكَ بِها أنْفَعُ لَنا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَكِنْ عامَلَهُ رَسُولُ اللهِ  حِينَ أُسِرَ عَلى ظاهِرِ أمْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "تَوَفّاهُمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا لَمْ يَسْتَنِدْ بِعَلامَةِ تَأْنِيثٍ، إذْ تَأْنِيثُ لَفْظِ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا عَلى مَعْنى: تَتَوَفّاهُمْ، فَحُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ، ويَكُونَ في العِبارَةِ إشارَةٌ إلى ما يَأْتِي مِن هَذا المَعْنى في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ: "تُوَفّاهُمْ" بِضَمِّ التاءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: كَأنَّهم يُدْفَعُونَ إلى المَلائِكَةِ ويُحْتَسَبُونَ عَلَيْهِمْ، و"تَوَفّاهُمْ" بِفَتْحِ التاءِ مَعْناهُ: تَقْبِضُ أرْواحَهُمْ، وحَكى ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى: تَحْشُرُهم إلى النارِ.

و"ظالِمِي أنْفُسِهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: ظالِمِيها بِتَرْكِ الهِجْرَةِ، قالَ الزَجّاجُ: حُذِفَتِ النُونُ مِن "ظالِمِينَ" تَخْفِيفًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بالِغَ الكَعْبَةِ"،  ﴾ وقَوْلُ المَلائِكَةِ "فِيمَ كُنْتُمْ" تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، وقَوْلُ هَؤُلاءِ: "كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ" اعْتِذارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الحِيَلَ ويَهْتَدُونَ السَبِيلَ، ثُمَّ وقَفَتْهُمُ المَلائِكَةُ عَلى ذَنْبِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً ﴾ ، والأرْضُ في قَوْلِ هَؤُلاءِ: هي أرْضُ مَكَّةَ خاصَّةً، وأرْضُ اللهِ: هي الأرْضُ بِالإطْلاقِ، والمُرادُ: "فَتُهاجِرُوا فِيها إلى مَوْضِعِ الأمْنِ"؟

وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي بَعْدَ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لِأرْواحِ هَؤُلاءِ، وهي دالَّةٌ عَلى أنَّهم ماتُوا مُسْلِمِينَ، وإلّا فَلَوْ ماتُوا كافِرِينَ لَمْ يُقَلْ لَهم شَيْءٌ مِن هَذا، وإنَّما أُضْرِبَ عن ذِكْرِهِمْ في الصَحابَةِ لِشِدَّةِ ما واقَعُوهُ، ولِعَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدٍ مِنهم بِالإيمانِ، ولِاحْتِمالِ رِدَّتِهِ.

وتَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن كانَ اسْتِضْعافُهُ عَلى حَقِيقَةٍ: مِن زَمَنَةِ الرِجالِ وضَعَفَةِ النِساءِ والوِلْدانِ، كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ هِشامٍ وغَيْرِهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، هي مِنَ النِساءِ، وأنا مِنَ الوِلْدانِ"، والحِيلَةُ: لَفْظٌ عامٌّ لِأسْبابِ أنْواعِ التَخَلُّصِ والسَبِيلُ: سَبِيلُ المَدِينَةِ فِيما ذَكَرَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُما، والصَوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ السُبُلِ.

ثُمَّ رَجّى اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ بِالعَفْوِ عنهم و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، كَما أنَّها دالَّةٌ عَلى ثِقَلِ الأمْرِ المَعْفُوِّ عنهُ.

قالَ الحَسَنُ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، قالَ غَيْرُهُ: هي بِمَنزِلَةِ الوَعْدِ، إذْ لَيْسَ يُخْبِرُ بِـ "عَسى" عن شَكٍّ ولا تَوَقُّعٍ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الوُجُوبِ، قالَ آخَرُونَ: هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ، أيْ: ظَنُّكم بِمَن هَذِهِ حالُهُ تَرَجِّي عَفْوِ اللهِ تَعالى عنهُ.

والمُراغَمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَبُ، كَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ الجَعْدِيِّ: كَطَوْدٍ يُلاذُ بِأرْكانِهِ عَزِيزِ المُراغَمِ والمَذْهَبِ وقَوْلُ الآخَرِ: إلى بَلَدٍ غَيْرِ دانِي المَحَلِّ ∗∗∗ بَعِيدِ المُراغَمِ والمُضْطَرَبْ وقالَ مُجاهِدٌ: المُراغَمُ: المُتَزَحْزَحُ عَمّا يُكْرَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُراغَمُ: المُهاجَرُ، وقالَ السُدِّيُّ: المُراغَمُ: المُبْتَغِي المَعِيشَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، فَأمّا الخاصُّ بِاللَفْظَةِ فَإنَّ المُراغَمَ: مَوْضِعُ بِالمُراغَمَةِ، وَهُوَ أنْ يُرْغِمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُتَنازِعَيْنِ أنْفَ صاحِبِهِ بِأنْ يَغْلِبَهُ عَلى مُرادِهِ، فَكُفّارُ قُرَيْشٍ أرْغَمُوا أُنُوفَ المَحْبُوسِينَ بِمَكَّةَ، فَلَوْ هاجَرَ مِنهم مُهاجِرٌ في أرْضِ اللهِ لَأرْغَمَ أُنُوفَ قُرَيْشٍ بِحُصُولِهِ في مَنَعَةٍ مِنهُمْ، فَتِلْكَ المَنَعَةُ هي مَوْضِعُ المُراغَمَةِ، وكَذَلِكَ الطَوْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ النابِغَةُ، مَن صَعِدَ فِيهِ أمامَ طالِبٍ لَهُ وتَوَقَّلَ فَقَدْ أرْغَمَ أنْفَ ذَلِكَ الطالِبِ، وقَرَأ نُبَيْحٌ والجَرّاحُ، والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ: "مَرْغَمًا" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الراءِ دُونَ ألِفٍ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا إنَّما هو عَلى حَذْفِ الزَوائِدِ مِن "راغَمَ"، والجَماعَةُ عَلى "مُراغَمٍ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُمُ: السَعَةُ هُنا: هي السَعَةُ في الرِزْقِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى سَعَةٌ مِنَ الضَلالَةِ إلى الهُدى، ومِنَ العَيْلَةِ إلى الغِنى.

وقالَ مالِكٌ: السَعَةُ سَعَةُ البِلادِ.

قالَ القاضِي رَحِمَهُ اللهُ: والمُشْبِهُ لِفَصاحَةِ العَرَبِ أنْ يُرِيدَ سَعَةَ الأرْضِ، وكَثْرَةَ المَعاقِلِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ السَعَةُ في الرِزْقِ، واتِّساعُ الصَدْرِ لِهُمُومِهِ وفِكْرِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الفَرَحِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:.

لَكانَ لِي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ ∗∗∗ في الأرْضِ ذاتِ الطُولِ والعَرْضِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: وكُنْتُ إذا خَلِيلٌ رامَ قَطْعِي ∗∗∗ وجَدْتُ ورايَ مُنْفَسَحًا عَرِيضا وهَذا المَعْنى ظاهِرٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً ﴾ ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الآيَةُ تُعْطِي أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ مِنَ البِلادِ الَّتِي تُغَيَّرُ فِيها السُنَنُ، ويُعْمَلُ فِيها بِغَيْرِ الحَقِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ ﴾ الآيَةُ، حُكْمٌ باقٍ في الجِهادِ والمَشْيِ إلى الصَلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِ، أما إنَّهُ لا يُقالُ: إنَّ بِنَفْسِ خُرُوجِهِ ونِيَّتِهِ حَصَلَ في مَرْتَبَةِ الَّذِي قَضى ذَلِكَ الفَرْضَ أوِ العِبادَةَ في الجُمْلَةِ، ولَكِنْ يُقالُ: وقَعَ لَهُ بِذَلِكَ أجْرٌ عَظِيمٌ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِن كِنانَةَ، وقِيلَ: مِن خُزاعَةَ مِن بَنِي لَيْثٍ، وقِيلَ: في جُنْدَعٍ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا ﴾ قالَ: إنِّي لَذُو مالٍ وعَبِيدٍ -وَكانَ مَرِيضًا- فَقالَ: أخْرِجُونِي إلى المَدِينَةِ، فَأُخْرِجَ في سَرِيرٍ فَأدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَنْعِيمِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، واخْتُلِفَ في اسْمِهِ، فَحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، أوِ العِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ زِنْباعٍ، وحُكِيَ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ الجُنْدَعِيُّ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ بَغِيضٍ الَّذِي مِن بَنِي لَيْثٍ، وحَكى أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ نُعَيْمٍ، وقِيلَ: ضَمْرَةُ بْنُ خُزاعَةَ.

وقَرَأتِ الجَماعَةُ "ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى "يَخْرُجْ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ فِيما ذَكَرَهُ أبُو عَمْرٍو "يُدْرِكُهُ" بِرَفْعِ الكافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا رَفْعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ المَوْتُ، فَعَطَفَ الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ عَلى الفِعْلِ المَجْزُومِ بِفاعِلِهِ، فَهُما إذَنْ جُمْلَةٌ، فَكَأنَّهُ عَطَفَ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وعَلى هَذا حَمَلَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَوْلَ الأعْشى: إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عادَتُنا ∗∗∗ أو تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ المُرادُ: وأنْتُمْ تَنْزِلُونَ.

وعَلَيْهِ قَوْلُ الآخَرِ: إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي بَقِيَّتُكم ∗∗∗ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدَكم فَوْتُ المَعْنى: ثُمَّ أنْتُمْ تَأْتِينِي، وهَذا أوجَهُ مِن أنْ يَحْمِلَهُ عَلى قَوْلِ الآخَرِ: ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي...

∗∗∗........................

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، ونُبَيْحٌ، والجَرّاحُ: "ثُمَّ يُدْرِكَهُ" بِنَصْبِ الكافِ وذَلِكَ عَلى إضْمارِ "أنْ" كَقَوْلِ الأعْشى: لَنا هَضْبَةٌ لا يَنْزِلُ الذُلُّ وسْطَها ∗∗∗ ويَأْوِي إلَيْها المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَما أرادَ: فَأنْ يُعْصَمَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا لَيْسَ بِالسَهْلِ، وإنَّما بابُهُ الشِعْرُ لا القُرْآنُ، وأنْشَدَ ابْنُ زَيْدٍ: سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا والآيَةُ أقْوى مِن هَذا لِتَقَدُّمِ الشَرْطِ قَبْلَ المَعْطُوفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن هَذِهِ الآيَةِ رَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ مَن ماتَ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَدْ خَرَجَ غازِيًا فَلَهُ سَهْمُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، قاسُوا ذَلِكَ عَلى الأجْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الهِجْرَةِ فِيما سَلَفَ، و"وَقَعَ" عِبارَةٌ عَنِ الثُبُوتِ وقُوَّةِ اللُزُومِ، وكَذَلِكَ هي "وَجَبَ"، لِأنَّ الوُقُوعَ والوُجُوبَ نُزُولٌ في الأجْرامِ بِقُوَّةٍ، فَشُبِّهَ لازِمُ المَعانِي بِذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ..

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فلمّا جاء ذكر القاعدين عن الجهاد من المؤمنين بعذر وبدونه، في الآية السالفة، كان حال القاعدين عن إظهار إسلامهم من الذين عزموا عليه بمكة، أو اتّبعوه ثمّ صدّهم أهل مكة عنه وفتنوهم حتّى أرجعهوهم إلى عبادة الأصنام بعذر وبدونه، بحيث يخطر ببال السامع أن يتساءل عن مصيرهم إن هم استمرّوا على ذلك حتّى ماتوا، فجاءت هذه الآية مجيبة عمّا يجيش بنفوس السّامعين من التساؤل عن مصير أولئك، فكان موقعها استئنافاً بيانياً لسائل متردّد، ولذلك فصلت، ولذلك صدّرت بحرف التأكيد، فإنّ حالهم يوجب شكّاً في أن يكونوا ملحقين بالكفّار، كيف وهم قد ظهر ميلهم إلى الإسلام.

ومنهم من دخل فيه بالفعل ثم صدّ عنه أو فتن لأجله.

والموصول هنا في قوّة المعرّف بلام الجنس، وليس المراد شخصاً أو طائفة بل جنس من مات ظالماً نفسه، ولِما في الصلة من الإشعار بعلّة الحكم وهو قوله: ﴿ فأولئك مأواهم جهنّم ﴾ ، أي لأنّهم ظلموا أنفسهم.

ومعنى ﴿ توفّاهم ﴾ تُميتهم وتقبض أرواحهم، فالمعنى: أنّ الذين يموتون ظالمي أنفسهم، فعدل عن يموتون أو يتُوفَّوْن إلى تَوفّاهم الملائكةُ ليكون وسيلة لبيان شناعة فتنتهم عند الموت.

و«الملائكة» جمع أريد به الجنس، فاستوى في إفادة معنى الجنس جمعُه، كما هنا، ومُفرده كما في قوله تعالى: ﴿ قل يتوفّاكم مَلَك الموتتِ الذي وكّل بكم ﴾ [السجدة: 11] فيجوز أن يكون ملك الموت الذي يقبض أرواحَ الناس واحِداً، بقوة منه تصل إلى كلّ هالك، ويجوز أن يكون لكلّ هالك ملَك يقبض روحه، وهذا أوضح، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿ إنّ الذين توفّاهم الملائكة ﴾ إلى قوله: ﴿ قالوا فيم كُنتم ﴾ .

و ﴿ تَوفّاهم ﴾ فعل مضي يقال: توفّاه الله، وتَوفّاه ملك الموت، وإنّما لم يقرن بعلامة تأنيث فاعل الفعل، لأنّ تأنيث صيغ جموع التكسير تأنيث لفظي لا حقيقي فيجوز لَحاق تَاءِ التأنيث لفعلها، تقول: غَزَتْ العربُ، وغَزَى العربُ.

وظلم النفس أن يفعل أحد فِعلا يؤول إلى مضرّته، فهو ظالم لنفسه، لأنّه فعل بنفسه ما ليس من شأن العقلاء أن يفعلوه لوخامة عقباه.

والظلم هو الشيء الذي لا يحقّ فعله ولا تَرضى به النفوس السليمة والشرائعُ، واشتهر إطلاق ظلم النفس في القرآن على الكفر وعلى المعصية.

وقد اختُلف في المراد به في هذه الآية، فقال ابن عباس: المراد به الكفر، وأنّها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا قد أسلموا حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة، فلمّا هاجر أقاموا مع قومهم بمكة ففتنوهم فارتدّوا، وخرجوا يوم بدر مع المشركين فكثَّروا سواد المشركين، فقُتلوا ببدر كافرين، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين ولكنّهم أكرهوا على الكفر والخروج، فنزلت هذه الآية فيهم.

رواه البخاري عن ابن عباس، قالوا: وكان منهم أبو قيس بن الفاكِه، والحارث بن زمْعة، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج؛ فهؤلاء قتلوا.

وكان العباس بن عبد المطلب، وعَقيلٌ ونوفلٌ ابنا أبي طالب فيمن خرج معهم، ولكن هؤلاء الثلاثة أسِروا وفَدَوْا أنفسهم وأسلموا بعد ذلك، وهذا أصحّ الأقوال في هذه الأية.

وقيل: أريد بالظلم عدم الهجرة إذ كان قوم من أهل مكة أسلموا وتقاعسوا عن الهجرة.

قال السديّ: كان من أسلم ولم يهاجر يعتبر كافراً حتّى يهاجر، يعني ولو أظهر إسلامه وترك حال الشرك.

وقال غيره: بل كانت الهجرة واجبة ولا يكفّر تاركها.

فعلى قول السدّي فالظلم مراد به أيضاً الكفر لأنّه معتبر من الكفر في نظر الشرع، أي أنّ الشرع لم يكتف بالإيمان إذا لم يهاجر صاحبه مع التمكّن من ذلك، وهذا بعيد فقد قال تعالى: ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتّى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ﴾ [الأنفال: 72] الآية؛ فأوجب على المسلمين نصرهم في الدين إن استنصروهم، وهذه حالة تخالف حالة الكفّار.

وعلى قول غيره: فالظلم المعصية العظيمة، والوعيد الذي في هذه الآية صالح للأمرين، على أنّ المسلمين لم يعُدّوا الذين لم يهاجروا قبل فتح مكة في عداد الصحابة.

قال ابن عطية: لأنّهم لم يتعيّن الذين ماتوا منهم على الإسلام والذين ماتوا على الكفر فلم يعتدّوا بما عرفوا منهم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وجملة: ﴿ قالوا فيمَ كنتم ﴾ خبر (إنّ).

والمعنى: قالوا لهم قول توبيخ وتهديد بالوعيد وتمهيد لدحض معذرتهم في قولهم: ﴿ كنّا مسْتضعفين في الأرض ﴾ ، فقالوا لهم ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ .

ويجوز أن يكون جملة: ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ موضع بدل الاشتمال من جملة ﴿ توفّاهم ﴾ ، فإنّ توفّي الملائكة إيّاهم المحكي هنا يشتمل على قولهم لهم ﴿ فيم كنتم ﴾ .

وأمّا جملة ﴿ قالوا كنّا مستضعفين في الأرض ﴾ فهي مفصولة عن العاطف جرياً على طريقة المقاولة في المحاورة، على ما بيّناه عند قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجْعل فيها من يفسد فيها في سورة البقرة.

وكذلك جملة: قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ﴾ .

ويكون خبر (إنّ) قوله: ﴿ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً ﴾ على أن يكون دخول الفاء في الخبر لكون اسم إنّ موصولاً فإنّه يعامل معاملة أسماء الشروط كثيراً، وقد تقدّمت نظائره.

والإتيان بالفاء هنا أولى لطول الفصل بين اسم (إنّ) وخبرها بالمقاولة، بحيث صار الخبر كالنتيجة لتلك المقاولة كما يدلّ عليه أيضاً اسم الإشارة.

والاستفهام في قوله: ﴿ فيم كنتم ﴾ مستعْمل للتقرير والتوبيخ.

و (في) للظرفية المجازية.

و(ما) استفهام عن حالة كما دلّ عليه (في).

وقد علم المسؤول أنّ الحالة المسؤولون أنّ الحالة المسؤول عنها حالة بقائهم على الكفر أو عدم الهجرة.

فقالوا معتذرين ﴿ كنّا مستضعفين في الأرض ﴾ .

والمستضعف: المعدود ضعيفاً فلا يعبأ بما يصنع به فليس هو في عزّة تُمَكِّنه من إظهار إسلامه، فلذلك يضطّر إلى كتمان إسلامه.

والأرض هي مكة.

أرادوا: كنّا مكرهين على الكفر ما أقمنا في مكة، وهذا جواب صادق إذ لا مطمع في الكذب في عالم الحقيقة وقد حسبوا ذلك عذراً يبيح البقاء على الشرك، أو يبيح التخلّف عن الهجرة، على اختلاف التفسيرين، فلذلك ردّ الملائكة عليهم بقولهم: ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ ، أي تخرجوا من الأرض التي تستضعفون فيها، فبذلك تظهرون الإيمان، أو فقد اتّسعت الأرض فلا تعدمون أرضاً تستطيعون الإقامة فيها.

وظاهر الآية أنّ الخروج إلى كلّ بلد غير بلد الفتنة يعدّ هجرة، لكن دلّ قوله: ﴿ مهاجراً إلى الله ورسوله ﴾ [النساء: 100] أنّ المقصود الهجرة إلى المدينة وهي التي كانت واجبة، وأمّا هجرة المؤمنين إلى الحبشة فقد كانت قبل وجوب الهجرة؛ لأنّ النبي وفريقاً من المؤمنين، كانوا بعدُ بمكة، وكانت بإذن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ردّ مفحم لهم.

والمهاجرة: الخروج من الوطن وترك القوم، مفاعلةٌ من هَجَر إذا ترك، وإنّما اشتقّ للخروج عن الوطن اسم المهاجرة لأنها في الغالب تكون عن كراهية بين الراحل والمقيمين، فكلّ فريق يطلب ترك الآخر، ثم شاع إطلاقها على مفارقة الوطن بدون هذا القيد.

والفاء في قوله: ﴿ فأولئك مأواهم جهنّم ﴾ [النساء: 97] تفريع على ما حكى من توبيخ الملائكة إيّاهم وتهديدهم.

وجيء باسم الإشارة في قوله: ﴿ فأولئك مأواهم جهنم ﴾ للتنبيه على أنّهم أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة من أجْل الصفات المذكورة قبله، لأنّهم كانوا قادرين على التخلّص من فتنة الشرك بالخروج من أرضه.

وقوله: ﴿ إلاّ المستضعفين ﴾ استثناء من الوعيد، والمعنى إلاّ المستضعفين حقّاً، أي العاجزين عن الخروج من مكة لقلّة جهد، أو لإكراه المشركين إيّاهم وإيثاقهم على البقاء: مثل عيّاش بن أبي ربيعة المتقدّم خبره في قوله تعالى: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطئاً ﴾ [النساء: 92]، ومثل سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد.

وفي «البخاري» أنّ رسول الله كان يدعو في صلاة العشاء: «اللهمّ نجّ عيّاش بن أبي ربيعة اللهمّ نجّ الوليد بن الوليد، اللهمّ نجّ سلمة بن هشام اللهمّ نجّ المستضعفين من المؤمنين».

وعن ابن عباس: كنتُ أنا وأميّ من المستضعفين.

والتبيين بقوله: ﴿ من الرجال والنساء والولدان ﴾ لقصد التعميم.

والمقصد التنبيه على أنّ من الرجال مستضعفين، فلذلك ابتدئ بذكرهم ثم ألحق بذكرهم النساء والصبيان لأنّ وجودهم في العائلة يكون عذراً لوليّهم إذا كان لا يجد حيلة.

وتقدّم ذكرهم بقوله تعالى: ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﴾ [النساء: 75]، وإعادة ذكرهم هنا ممّا يؤكّد أن تكون الآيات كلّها نزلت في التهيئة لفتح مكة.

وجملة: ﴿ لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ﴾ حال من المستضعفينَ موضّحة للاستضعاف ليظهر أنّه غير الاستضعاف الذي يقوله الذين ظلموا أنفسهم ﴿ كُنَا مستضعفين في الأرض ﴾ ، أي لا يستطيعون حيلة في الخروج إمّا لمنع أهل مكة إيّاهم، أو لفقرهم: ﴿ ولا يهتدون سبيلاً ﴾ أي معرفة للطريق كالأعمى.

وجملة ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ الفاء فيها للفصيحة، والإتيان بالإشارة للتنبيه على أنّهم جديرون بالحكم المذكور من المغفرة.

وفعل ﴿ عسى ﴾ في قوله: ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ يقتضي أنّ الله يرجو أن يعفو عنهم، وإذْ كان الله هو فاعل العفو وهو عالم بأنّه يعفو عنهم أو عن بعضهم بالتعيين تعيّن أن يكون معنى الرجاء المستفاد من ﴿ عسى ﴾ هنا معنى مجازياً بأنّ عفوه عن ذنبهم عفوٌ عزيز المنال، فمُثِّل حال العفو عنهم بحال من لا يُقطع بحصول العفو عنه، والمقصود من ذلك تضييق تحقق عذرهم، لئلاّ يتساهلوا في شروطه اعتماداً على عفو الله، فإنّ عذر الله لهم باستضعافهم رخصة وتوسعة من الله تعالى، لأنّ البقاء على إظهار الشرك أمر عظيم، وكان الواجب العزيمةُ أن يكلّفوا بإعلان الإيمان بين ظهراني المشركين ولو جلب لهم التعذيب والهلاك، كما فعلت سُمَيَّة أمُّ عمّارٍ بن ياسر.

وهذا الاستعمال هو محمل موارد ﴿ عسى ﴾ و(لعلّ) إذا أسندا إلى اسم الله تعالى كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وإذْ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلّكم تهتدون ﴾ في سورة البقرة (53)، وهو معنى قول أبي عبيدة: «عسى من الله إيجاب» وقول كثير من العلماء: أنّ عسى ولعلّ في القرآن لليقين، ومرادهم إذا أسند إلى الله تعالى بخلاف نحو قوله: ﴿ وقل عَسَى أن يهديني ربّي لأقرب من هذا رشداً ﴾ [الكهف: 24].

ومثل هذا ما قالوه في وقوع حرَف (إنْ) الشرطية في كلام الله تعالى، مع أنّ أصلها أن تكون للشرط المشكوك في حصوله.

وقد اتّفق العلماء على أنّ حكم هذه الآية انقضى يوم فتح مكة لأنّ الهجرة كانت واجبةً لمفارقة أهل الشرك وأعداء الدين، وللتمكّن من عبادة الله دون حائل يحول عن ذلك، فلمّا صارت مكة دار إسلام ساوت غيرها، ويؤيّده حديث: " لا هجرة بعد الفتح ولكنْ جِهَادٌ ونيَّة " فكان المؤمنون يبقون في أوطانهم إلاّ المهاجرين يحرم عليهم الرجوع إلى مكة.

وفي الحديث: " أللهمّ أمْضضِ لأصحابي هجرتهم ولا تَرُدُّهْم على أعقابهم " قاله بعدَ أن فتحت مكة.

غير أنّ القياس على حكم هذه الآية يفتح للمجتهدين نظراً في أحكام وجوب الخروج من البلد الذي يفتن فيه المؤمن في دينه، وهذه أحكام يجمعها ستّة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون المؤمن ببلد يُفتن فيه في إيمانه فيُرغَم على الكفر وهو يستطيع الخروج، فهذا حكمَه حكم الذين نزلت فيهم الآية، وقد هاجر مسلمون من الأندلس حين أكرههم النصارى على التنصرّ، فخرجوا على وجوههم في كلّ واد تاركين أموالهم وديارهم ناجين بأنفسهم وإيمانِهم، وهلك فريق منهم في الطريق وذلك في سنة 902 وما بعدها إلى أن كان الجلاء الأخير سنة 1016.

الحالة الثانية: أن يكون ببلدِ الكفر غيرَ مفتون في إيمانه ولكن يكون عرضة للإصابة في نفسه أو ماله بأسر أو قتل أو مصادرة مال، فهذا قد عرض نفسه للضرّ وهو حرام بلا نزاع، وهذا مسمَّى الإقامةِ ببلد الحرب المفسّرة بأرض العدوّ.

الحالة الثالثة: أن يكون ببلد غلب عليه غير المسلمين إلاّ أنّهم لم يفتِنوا الناسَ في إيمانهم ولا في عباداتهم ولا في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولكنّه بإقامته تجري عليه أحكام غير المسلمين إذا عرض له حادث مع واحد من أهل ذلك البلد الذين هم غير مسلمين، وهذا مثل الذي يقيم اليوم ببلاد أوروبا النصرانية، وظاهر قول مالك أنّ المقام في مثل ذلك مكسروه كراهة شديدة من أجل أنّه تجري عليه أحكام غير المسلمين، وهو ظاهر المدوّنة في كتاب التجارة إلى أرض الحرب والعتبية، كذلك تأوّل قولَ مالك فقهاء القيروان، وهو ظاهر الرسالة، وصريح كلام اللخمي في طالعة كتاب التجارة إلى أرض الحرب من تبصرته، وارتضاه ابن محرز وعبد الحقّ، وتأوّله سحنون وابن حبيب على الحرمة وكذلك عبد الحميد الصائغ والمازري، وزاد سحنون فقال: إنّ مقامه جرحة في عدالته، ووافقه المازري وعبد الحميد، وعلى هذا يجري الكلام في السفر في سفن النصارى إلى الحجّ وغيره.

وقال البرزلي عن ابن عرفة: إن كان أمير تونس قويّاً على النصارى جاز السفر، وإلاّ لم يجز، لأنّهم يهينون المسلمين.

الحالة الرابعة: أن يتغلّب الكفّار على بلدٍ أهلُه مسلمون ولا يفتنوهم في دينهم ولا في عبادتهم ولا في أموالهم، ولكنّهم يكون لهم حكم القوة عليهم فقط، وتجري الأحكام بينهم على مقتضى شريعة الإسلام كما وقع في صقلية حين استولى عليها رجير النرمندي.

وكما وقع في بلاد غرناطة حين استولى عليها طاغية الجلالقة على شروط منها احترام دينهم، فإنّ أهلها أقاموا بها مدّة وأقام منهم علماؤهم وكانوا يلون القضاء والفتوى والعدالة والأمانة ونحو ذلك، وهاجر فريق منهم فلم يَعِب المهاجر على القاطن، ولا القاطنُ على المهاجر.

الحالة الخامسة: أن يكون لغير المسلمين نفوذ وسلطان على بعض بلاد الإسلام، مع بقاء ملوك الإسلام فيها، واستمرار تصرّفهم في قومهم، وولاية حُكَّامهم منهم، واحترام أديانهم وسائر شعائرهم، ولكنّ تصرف الأمراء تحت نظر غير المسلمين وبموافقتهم، وهو ما يسمّى بالحماية والاحتلال والوصاية والانتداب، كما وقع في مصر مدّة احتلال جيش الفرنسيس بها، ثم مدّة احتلال الأنقليز، وكما وقع بتونس والمغرب الأقصى من حماية فرانسا، وكما وقع في سوريا والعراق أيّام الانتدَاب وهذه لا شبهة في عدم وجوب الهجرة منها.

الحالة السادسة: البلد الذي تكثر فيه المناكر والبدع، وتجري فيه أحكام كثيرة على خلاف صريح الإسلام بحيث يخلِط عملاً صالحاً وآخرَ سَيّئاً ولا يجبر المسلم فيها على ارتكابه خلاف الشرع، ولكنه لا يستطيع تغييرها إلاّ بالقول، أو لا يستطيع ذلك أصلاً وهذه رُوي عن مالك وجوب الخروج منها، رواه ابن القاسم، غير أنّ ذلك قد حدث في القيروان أيّام بني عبيد فلم يُحفظ أنّ أحداً من فقهائها الصالحين دعا الناس إلى الهجرة.

وحسبك بإقامة الشيخ أبي محمد بن أبي زيد وأمثاله.

وحدث في مصر مدّة الفاطميين أيضاً فلم يغادرها أحد من علمائها الصالحين.

ودون هذه الأحوال الستّة أحوال كثيرة هي أولى بجواز الإقامة، وأنّها مراتب، وإنّ لبقاء المسلمين في أوطانهم إذا لم يفتنوا في دينهم مصلحة كبرى للجامعة الإسلامية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ﴾ في المُراغَمِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَحَوَّلُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ.

وَمِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ: كَطَوْدٍ يُلاذُ بِأرْكانِهِ عَزِيزِ المُراغَمِ والمَطْلَبِ والثّانِي: مَطْلَبُ المَعِيشَةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إلى بَلَدٍ غَيْرِ دانِي المَحَلِّ ∗∗∗ بَعِيدِ المُراغَمِ والمَطْلَبِ والثّالِثُ: أنَّ المُراغَمُ المُهاجَرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: يَعْنِي بِالمُراغَمِ مَندُوحَةً عَمّا يَكْرَهُ.

والخامِسُ: أنْ يَجِدَ ما يُرْغِمُهم بِهِ، لِأنَّ كُلَّ مَن شَخِصَ عَنْ قَوْمِهِ رَغْبَةً عَنْهم فَقَدْ أرْغَمَهم، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

وَأصْلُ ذَلِكَ الرُّغْمُ وهو الذُّلُّ.

والرَّغامُ: التُّرابُ لِأنَّهُ ذَلِيلٌ، والرُّغامُ بِضَمِّ الرّاءِ ما يَسِيلُ مِنَ الأنْفِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ( وسَعَةً ) ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سَعَةٌ في الرِّزْقِ وهو قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَعْنِي مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى ومِنَ العَيْلَةِ إلى الغِنى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: سَعَةٌ في إظْهارِ الدِّينِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس.

أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأتي السهم يرمي به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل.

فأنزل الله: ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة اسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت هذه الآية ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ إلى آخر الآية.

قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية وأنه لا عذر لهم فخرجوا، فلحقهم المشركون فاعطوهم الفتنة، فأنزلت فيهم هذه الآية ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ﴾ [ العنكبوت: 10] إلى آخر الآية.

فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا وأيسوا من كل خير، فنزلت فيهم ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ﴾ [ النحل: 110] فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجاً فاخرجوا، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ﴾ إلى قوله: ﴿ وساءت مصيراً ﴾ قال: نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن منية بن الحجاج، وعلي بن أمية بن خلف.

قال: لما خرج المشركون من قريش وأتباعهم لمنع أبي سفيان بن حرب وعير قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأن يطلبوا ما نيل منهم يوم نخلة، خرجوا معهم بشبان كارهين، كانوا قد أسلموا واجتمعوا ببدر على غير موعد، فقتلوا ببدر كفاراً ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سميناهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق في قوله: ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ﴾ قال: هم خمسة فتية من قريش: علي بن أمية، وأبو قيس بن الفاكه، وزمعة بن الأسود، وأبو العاصي بن منية بن الحجاج.

قال: ونسيت الخامس.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: هم قوم تخلفوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وتركوا أن يخرجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ضربت الملائكة وجهه ودبره.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كان قوم بمكة قد أسلموا، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا أن يهاجروا وخافوا، فأنزل الله: ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا المستضعفين ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: هم أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فلم يخرجوا معه إلى المدينة، وخرجوا مع مشركي قريش إلى بدر، فأصيبوا يوم بدر فيمن أصيب.

فأنزل الله فيهم هذه الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: لما أسر العباس، وعقيل، ونوفل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افد نفسك وابن أخيك.

قال: يا رسول الله ألم نصل قبلتك ونشهد شهادتك؟

قال: يا عباس إنكم خاصمتم فخصمتم ثم تلا عليه هذه الآية ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً ﴾ فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر ﴿ إلا المستضعفين ﴾ الذين ﴿ لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ﴾ حيلة في المال، والسبيل الطريق.

قال ابن عباس: كنت أنا منهم من الولدان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: حدثت أن هذه الآية أنزلت في أناس تكلموا بالإسلام من أهل مكة، فخرجوا مع عدو الله أبي جهل، فقتلوا يوم بدر فاعتذروا بغير عذر، فأبى الله أن يقبل منهم، وقوله: ﴿ إلا المستضعفين ﴾ قال: أناس من أهل مكة عذرهم الله فاستثناهم.

قال: وكان ابن عباس يقول: كنت أنا وأمي من الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية: نزلت هذه الآية فيمن قتل يوم بدر من الضعفاء، في كفار قريش.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وظهروا ونبع الإيمان نبع النفاق معه فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال فقالوا: يا رسول الله لولا أنا نخاف هؤلاء القوم يعذبونا، ويفعلون ويفعلون لأسلمنا، ولكنا نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فكانوا يقولون ذلك له، فلما كان يوم بدر قام المشركون فقالوا: لا يتخلف عنا أحد إلا هدمنا داره، واستبحنا ماله.

فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القول للنبي صلى الله عليه وسلم معهم، فقتلت طائفة منهم وأسرت طائفة، قال: فأما الذين قتلوا فهم الذين قال الله: ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ الآية كلها ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ وتتركوا هؤلاء الذين يستضعفونكم ﴿ أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً ﴾ ثم عذر الله أهل الصدق فقال: ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ﴾ يتوجهون له لو خرجوا لهلكوا ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ اقامتهم بين ظهري المشركين.

وقال الذين أسروا: يا رسول الله انك تعلم انا كنا نأتيك فنشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأن هؤلاء القوم خرجنا معهم خوفاً؟

فقال الله: ﴿ يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم ﴾ [ الأنفال: 70] صنيعكم الذي صنعتم خروجكم مع المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم.

﴿ وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل ﴾ [ الأنفال: 71] خرجوا مع المشركين فأمكن منهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين.

أنا من الولدان، وأمي من النساء.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه تلا ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانو يدعو في دبر كل صلاة: «اللهم خلص الوليد وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً» .

وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده.

ثم قال قبل أن يسجد: اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ إلا المستضعفين ﴾ يعني الشيخ الكبير، والعجوز، والجواري الصغار، والغلمان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن يحيى قال: «مكث النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع، وكان يقول في قنوته: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، والعاصي بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين بمكة الذين ﴿ لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ﴾ » .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: ﴿ الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ إلى قوله: ﴿ وساءت مصيراً ﴾ قال: كانوا قوماً من المسلمين بمكة، فخرجوا مع قومهم من المشركين في قتال، فقتلوا معهم، فنزلت هذه الآية ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﴾ فعذر الله أهل العذر منهم، وهلك من لا عذر له قال ابن عباس: وكنت أنا وأمي ممن كان له عذر.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ لا يستطيعون حيلة ﴾ قوة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ لا يستطيعون حيلة ﴾ قال: نهوضاً إلى المدينة ﴿ ولا يهتدون سبيلاً ﴾ طريقاً إلى المدينة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ﴿ ولا يهتدون سبيلاً ﴾ طريقاً إلى المدينة.

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية.

قال الفراء: إن شئت جعلت ﴿ تَوَفَّاهُمُ ﴾ ماضيًا ، ولم تضمر تاء مع التاء فيكون مثل قوله: ﴿ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا  ﴾ ، وإن شئت كان على الاستقبال، تريد: إن الذين تتوفاهم، وكل موضع اجتمع فيه تاءان جاز فيه إضمار إحداهما (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ في محل نصب على الحال، المعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم أنفسهم، وهو نكرة وإن أضيف إلى معرفة؛ لأن المعنى على الانفصال، كأنه قيل: ظالمين أنفسهم، إلا أن النون حُذفت استخفافًا، والمعنى معنى ثبوتها، هذا قول الزجاج (٣) (....

قال أبو الفتح (٤) (٥) ﴿ هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا  ﴾ ، و ﴿ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ  ﴾ ، و ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ  ﴾ ، و ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ  ﴾ ، و ﴿ إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ  ﴾ ، و ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ  ﴾ .

وعلى هذا قول جرير:] (٦) يا (٧) (٨) إنما هو ممطر لنا، وبالغًا الكعبة، وثانيًا عطفه، ورب سائل لنا، لولا ذلك لم تدخل رب عليه، ولا أجري ممطرنا وصفًا على النكرة، ولا نصب ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ على الحال.

وعلى هذا: ناقةٌ عبر الهواجر، وفرس قيد الأوابد، فالإضافة في هذا كله لفظية غير معنوية (٩) فأما التفسير: فقال ابن عباس وغيره من المفسرين: نزلت في قوم كانوا قد أسلموا ، ولم يُهاجروا حتى خرج المشركون إلى بدر، فخرجوا معهم، فقتلوا يوم بدر، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم ما ذكر الله سبحانه (١٠) وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ أي الملائكة قالت لهؤلاء: ﴿ فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ أي كنتم في المشركين أم في أصحاب محمد  ؟.

وهذا سؤال توبيخ، وإنما توجه السؤال إلى التوبيخ لأنه مما لا يصلح لصاحبه جواب عليه، ولذلك لما اعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك في دارهم حاجتهم الملائكة بالهجرة إلى غير دارهم (١١) وخبر إن في قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ﴾ قوله تعالى ﴿ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ والتقدير: قالوا لهم، بحذف (لهم)، لدلالة الكلام عليها (١٢) وقوله تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: "يريد مصيرهم إلى النار" (١٣) ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا  ﴾ فنهاهم الله عن موالاتهم ومناكحتهم وكل ما يكون بين المسلمين.

وإذا أسلم الأخوان (..

(١٤) (١٥) (١٦) وهذا الذي ذكرنا من صفة صلاة الخوف هو مذهب ابن عباس في رواية الوالبي، ذكره في تفسير هذه الآية (١٧) وبمثله ورد حديث ابن أبي حَثْمَة (١٨) (١٩) وما سوى هذا المذهب من المذاهب في صلاة الخوف لا يُوافق الآية.

واختاره (٢٠) (٢١)  ، قال: "فصف وراءه طائفةٌ منا، وأقبلت طائفة على العدو، فركع رسول الله  ركعة وسجدتين مثل نصف صلاة الصبح، ثم انصرفوا فأقبلوا على العدو، فجاءت الطائفة الأخرى فصلَّوا مع النبي  ففعل مثل ذلك، ثم سلم النبي  ، فقام كل رجل من الطائفتين فصلى لنفسه ركعة وسجدتين" (٢٢) فعنده الطائفة الأولى إذا انصرفت عن الإمام إلى القتال لا تقطع الصلاة، ويكونون في حكم المصلين إلى أن يفرغ الإمام مع الطائفة الثانية، ثم يقضون بأجمعهم ركعة واحدة، واحتج على هذا من الآية بقوله: ﴿ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ  ﴾ قال: وهذا دليل على أن الطائفة الأولى لم يفرغوا من الصلاة، ولكنهم يصلون ركعة، ثم تكون من وراء الطائفة الثانية للحراسة (٢٣) والتفسير بخلاف هذا؛ لأن قوله: ﴿ سَجَدُوا ﴾ يراد به الطائفة الأولى، ومعنى السجود: ههنا الصلاة، أي: إذا صلوا هم ﴿ فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ ﴾ أي الطائفة الثانية الذين لا يصلون (٢٤) (٢٥) بأنهم لم يصلوا فائدة، وأيضاً فإن قوله: ﴿ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾ ظاهره يدل على أن يكون جميع صلاة الطائفة الثانية مع الإمام؛ لأن مطلق قولك: صليت مع الإِمام، أنك أدركت جميع الصلاة معه، وعنده ليس كذلك.

فأما حمل السلاح في الصلاة فهو فرض عند بعض العلماء (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) قال الشافعي: "وإن كانت صلاة المغرب فصلى ركعتين بالطائفة الأولى، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، فحسن، وإن ثبت جالسًا في التشهد الأول، وأتموا لأنفسهم، فجائز" (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ قال أبو علي الجرجاني: في قوله: ﴿ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ إطلاق، له أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذرًا، غير مغفلٍ للحذر؛ بحسب ما يكون حالهم مع العدو.

والذي نزل به الكتاب كان وجه الحذر؛ لأن العدو يومئذ (....) (٣٣)  مستقبل القبلة (٣٤) والحال الثانية والثالثة بعُسْفان (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وفيما ذكره تسوية من جميع الروايات الواردة في صلاة الخوف، لأنه يقول: العلة في اختلافها اختلاف الحال.

وليس هذا الذي ذكره بعيدًا عن الصواب، فإن النبي  بعُسْفان وببطن النخل (٣٩) (٤٠) (٤١) (١) "معانى القرآن" 1/ 284.

(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 94.

(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 94.

(٤) ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 457.

(٥) ما بين المعقوفين غير واضح في المخطوط، والتسديد من "سر صناعة الإعراب" 2/ 457.

(٦) ما بين المعقوفين طمس في المخطوط، والتسديد من "سر صناعة الإعراب" 2/ 457.

(٧) الكلام لا يزال منقولًا من "سر صناعة الإعراب".

(٨) البيت لجرير في "ديوانه" ص 492، وأوله: "يا رب غابطنا" وكذا في "سر صناعة الإعراب" 2/ 457.

(٩) "سر صناعة الإعراب" 2/ 457، 458 (بتصرف).

(١٠) أخرجه بنحوه: الطبري 5/ 233 - 234، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 380، و"الكشف والبيان" 4/ 107 أ، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 180، و"لباب النقول" ص (79).

(١١) انظر: الطبري 5/ 233، و "معاني الزجاج" 2/ 95، و"بحر العلوم" 1/ 381، و"الكشف والبيان" 4/ 107 ب.

(١٢) انظر: "الدر الصون" 4/ 78.

وذهب النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 448، إلى أن الخبر جملة ﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ  ﴾ .

(١٣) لم أقف عليه.

(١٤) بياض في المخطوط بقدر كلمتين، ويمكن أن يقدر (ثم هاجر).

(١٥) حصل هنا سقط حيث جاء الكلام أثناء تفسير الآية (102) قوله: (وإذا كنت فيهم).

(١٦) هذا الكلام جاء مباشرة بعد السقط في تفسير الآية (97) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ وهو بيان لصفة صلاة الخوف المذكورة في الآية (102) ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ﴾ الآية.

(١٧) سياق الأثر تامًا عن ابن عباس قال: "قوله: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ﴾ فهذا عند صلاة الخوف، يقوم الإِمام وتقوم معه طائفة منهم، وطائفة يأخذون أسلحتهم ويقفون بإزاء العدو، فيصلي الإِمام بمن معه ركعة، ثم يجلس على هيئة، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية والإمام جالس، ثم ينصرفون حتى يأتوا أصحابهم فيقفون موقفهم، ثم يُقبل الآخرون فيصلي بهم الإِمام الركعة الثانية، ثم يسلم، فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية.

فهكذا صلى رسول الله  يوم بطن نخلة".

تفسير ابن عباس ص 156، وأخرجه الطبري 5/ 253 من نفس الطريق، لكن في هذِه الرواية لم ينتظر الآخرين بالسلام.

(١٨) هو سهل بن أبي حثمة (عبد الله أو عامر) بن ساعدة بن عامر الأنصاري الأوسي من صغار الصحابة حيث كان عمره عند وفاة النبي  سبع أو ثمان سنين، وقد روى أحاديث، هذا أحدها.

توفي  في أول خلافة معاوية.

انظر: "الاستيعاب" 2/ 221، و"أسد الغابة" 2/ 468، و"الإصابة" 2/ 86.

(١٩) أخرجه البخاري (4131) كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، و"مسلم" (841) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف.

(٢٠) لعل الصواب: "واختار".

(٢١) الكلام هنا فيه اضطراب، لأن الذي اختاره الزجاج ووصفه المؤلف خلاف مذهب أبي حنيفة -كما سيأتي عند المؤلف؛ ولأن الزجاج إنما ذكر رأي الإمام مالك.

انظر: "معاني الزجاج" 2/ 97، 98.

(٢٢) أخرجه بهذِه اللفظ الإِمام أحمد في "مسنده" 2/ 150.

وأخرجه بمعناه البخاري (4132، 4133) في كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، و"مسلم" (839) في كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف، والثعلبي بلفظه في "الكشف والبيان" 4/ 113 أ.

(٢٣) هذا اختيار أبي حنيفة وأصحابه في صفة صلاة الخوف.

انظر: "بحر العلوم" 1/ 383، و"الكشف والبيان" 4/ 113 أ، و"النكت والعيون" 1/ 524 ، 525، والبغوي 2/ 278، و"زاد المسير" 2/ 186، و"المغني" لابن قدامة 3/ 301.

(٢٤) هذا ما يدل عليه حديث ابن عباس المتقدم، وكذلك سهل بن أبي حَثْمَة، وإليه ذهب الشافعي، وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق، واختاره الطبري.

انظر: "الأم" 1/ 210، 211، والطبري 5/ 258، و"الكشف والبيان" 4/ ل 110، 111، و"النكت والعيون" 1/ 524، 525، والبغوي 2/ 277، و"المغني" لابن قدامة 3/ 299 - 301، والقرطبي 5/ 365، 366، و"شرح صحيح مسلم" للنووي 6/ 125.

قال البغوي: "وكلتا الروايتين صحيحة، فذهب قوم إلى أن هذا من الاختلاف المباح".

وقال ابن قدامة: "وإن صلى بهم كمذهب أبي حنيفة جاز.

نص عليه أحمد، ولكن يكون تاركًا للأولى والأحسن.

وبهذا قال ابن جرير، وبعض أصحاب الشافعي".

(٢٥) طمس في المخطوط بقدر أربعة أسطر.

(٢٦) عند عدم المرض الذي يشق معه حمل السلاح أو التأذي بالمطر، وهذا أحد قولي الشافعي.

انظر: "الأم" 1/ 219، و"أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 494، و"المغني" 3/ 311، وابن كثير 1/ 604.

(٢٧) هذا قول أكثر أهل العلم.

انظر: "المغني" لابن قدامة 3/ 311، والقرطبي 5/ 371 "شرح صحيح مسلم" للنووي 6/ 125.

(٢٨) انظر: الأم 1/ 219، و"المغني" 3/ 311.

(٢٩) انظر: "الأم" 1/ 219، و"المغني" 3/ 311.

(٣٠) انظر: "الأم" 1/ 219، والبغوي 2/ 280، والقرطبي 5/ 372.

(٣١) "الأم" 1/ 212، و"الكشف والبيان" 4/ 111 ب بتصرف يسير، وهذا مذهب أحمد ومالك أيضًا.

انظر:"المغني" لابن قدامة 3/ 309.

(٣٢) من "الكشف والبيان" 4/ 111 ب، وانظر: "الأم" 1/ 213.

وتمام الكلام عند الثعلبي: "حتى تتم الطائفة التي معه، ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها كما وصفت في الأخرى".

(٣٣) غير واضح، وأظنه: "بذات الرقاع".

وسميت هذه الغزوة بذلك لما كانوا يعصبون من الخرق على أرجلهم من الجراح وكانت هذه الغزوة سنة خمس من الهجرة.

انظر: "صحيح البخاري" (4129 - 4230) و"شرح صحيح مسلم" للنووى (842، 843).

(٣٤) جاءت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع في عدة أحاديث أخرجها البخاري (4129، 4130) في كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع، ومسلم (842، 843) في كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف.

(٣٥) قرية بين مكة والمدينة على بعد مرحلتين من مكة.

انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" الجزء الثالث، القسم الثاني ص 56.

(٣٦) بفتح القاف والراء اسم لماء على بعد ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر، وسمي به غزوة ذي قرد، وهي الغزوة التي أغار فيها قوم من غطفان على لقاح النبي  فاستردها، وهي قبل خيبر بثلاث.

انظر: "صحيح البخاري" (4194)، و"معجم البلدان" 4/ 322، و"اللسان" 6/ 3577.

(٣٧) كلمة غير واضحة، وأظنها: (مستقبل).

(٣٨) الأثر في صلاة الخوف بعسفان أخرجه النسائي 3/ 74 في كتاب: صلاة الخوف حديث رقم (16) عن أبي هريرة، والطبري 5/ 257 - 258 عن ابن عباس ومجاهد وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 172، وذكره الثعلبي 4/ 112 أوصفتها بنحو ما في حديث جابر الآتي.

أما بذي قرد فقد قال ابن عباس: "صلى النبي  يعني صلاة الخوف بذي قرد".

أخرجه البخاري (4125) (سبق تخريجه)، وأخرجه مطولًا عنه النسائي حيث == وصف ابن عباس الصلاة بقوله: "إن رسول الله  صلى بذي قرد، وصف الناس خلفه صفين، صفا خلفه، وصفا موازي العدو، فصلي بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا".

"سنن النسائي" 3/ 169 كتاب: صلاة الخوف حديث رقم (5) وأخرجه بنحوه الثعلبي 4/ 113 ب.

(٣٩) قرية في الحجاز من أرض غطفان.

انظر: "تهذيب الأسماء واللغات"، الجزء الثالث، القسم الأول ص 38.

(٤٠) تقدم قريبًا تخريج الأثر الوارد في الصلاة بعسفان، أما ببطن النخل فإنه سيأتي في الأثر عن جابر.

(٤١) قال جابر  : "غزونا مع رسول الله  قومًا من جهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم.

فأخبر جبريل رسول الله  ذلك.

فذكر ذلك لنا رسول الله  قال: وقالوا: أنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد.

فلما حضرت العصر، قال: صفينا صفين، والمشركون بيننا وبين القبلة.

قال فكبَّر رسول الله  وكبَّرنا، وركع وركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني.

ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الثاني، فقاموا مقام الأول.

فكبَّر رسول الله  وكبَّرنا، وركع فركعنا.

ثم سجد وسجد معه الصف الأول وقام الثاني، فلما سجد الصف الثاني، ثم جلسوا جميعا، سلم عليهم رسول الله  ".

أخرجه "مسلم"، وقد سبق تخريجه.= وهذِه الغزوة كانت بنخل كما أشار إليه المؤلف، وجاء ذلك في حديث جابر هذا عند الطبري 5/ 257.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين ﴾ الآية: معناها تفضيل المجاهدين على من لم يجاهد وهم القاعدون ﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ لما نزلت الآية: قام ابن أم مكتوم الأعمى، فقال يا رسول الله هل من رخصة فإني ضرير البصر، فنزل ﴿ غَيْرُ أُوْلِي الضرر ﴾ وقرئ غير بالحركات الثلاث، بالرفع صفة للقاعدين، وبالنصب على الاستثناء أو الحال، وبالخفض صفة للمؤمنين ﴿ دَرَجَةً ﴾ قيل: هي تفضيل على القاعدين من أهل العذر والدرجات على القاعدين بغير عذر، وقيل: إن الدرجات مبالغة وتأكيد الدرجة ﴿ الحسنى ﴾ الجنة ﴿ أَجْراً ﴾ منصوب على الحال من درجات أو المصدرية من معنى فضل، وانتصب درجات على البدل من الأجر أو بفعل مضمر، وانتصب مغفرة ورحمة بإضمار فعلها: أي غفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة ﴿ إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة ﴾ [البقرة: 161] الآية: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا، فلما كان يوم بدر خرجوا مع الكفار فقتلوا منهم قيس بن الفاكه والحارث بن زمعة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، ويحتمل أن يكون توفاهم ماضياً أو مضارعاً، وانتصب ظالمي على الحال ﴿ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ أي في أي شيء كنتم في أمر دينكم ﴿ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض ﴾ اعتذار عن التوبيخ الذي وبخهم به الملائكة: أي لم تقدروا على الهجرة، وكان اعتذاراً بالباطل ﴿ قالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً ﴾ رد عليهم؛ وتكذيب لهم في اعتذارهم ﴿ إِلاَّ المستضعفين ﴾ الذين كان استضعافهم حقاً، قال ابن عباس: كنت أنا وأبي وأمي ممن عنى الله بهذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فتثبتوا ﴾ من التثبت وكذلك في الحجرات: حمزة وعلي وخلف.

والباقون ﴿ فتبيّنوا ﴾ من التبين ﴿ السلم ﴾ مقصوراً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة وخلف والمفضل وسهل.

الباقون بالألف.

﴿ غير ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي وخلف.

الباقون ﴿ غير ﴾ بالرفع ﴿ الذين توفاهم ﴾ مشددة التاء: البزي وابن فليح.

الوقوف: ﴿ إلاّ خطأ ﴾ ج ﴿ يصدقوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر.

﴿ مؤمنة ﴾ ط لذلك ﴿ مؤمنة ﴾ ج ﴿ متتابعين ﴾ ز لاحتمال كون ﴿ توبة ﴾ مصدراً لفعل محذوف والأوجه كونه مفعولاً له.

﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ مؤمناً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً ﴿ الدنيا ﴾ ز لانقطاع النظم مع اتصال الفاء.

﴿ كثيرة ﴾ ط ﴿ فتبينوا ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ 5 ﴿ وأنفسهم ﴾ الأول ط ﴿ درجة ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 لا لأن ما بعده بدل / ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ فيم كنتم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ فتهاجروا فيها ﴾ ط لتناهي الاستفهام بجوابه.

﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ 5 للاستثناء.

﴿ سبيلاً ﴾ 5 لا ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ 5 ﴿ وسعة ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ من الصلاة ﴾ ق والأصح أن شرط تغليب في المسافر ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ 5.

التفسير: لما لم يكن بد في مجاهدة الكفار من أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلاً يظنه كافراً حربياً فيقتله ثم يتبين أنه كان مسلماً، ذكر الله  حكم هذه الواقعة وأمثالها في هذه الآيات.

أما سبب النزول فقد روى عروة بن الزبير "أن حذيفة بن اليمان قاتل مع رسول الله  يوم أُحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار فضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلاّ بعد أن قتلوه.

فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.

فلما سمع الرسول  ذلك زاد وقع حذيفة عنده" ونزلت الآية.

وقيل: نزلت في أبي الدرداء؛ "وذلك أنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلاً في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلاّ الله فقتله وساق غنمه.

ثم وجد في نفسه شيئاً فذكر الواقعة للرسول  فقال: هلا شققت عن قلبه؟

وندم أبو الدرداء" .

والذي عليه أكثر المفسرين ما ذكره الكلبي "أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه فخرج هارباً إلى المدينة وذلك قبل هجرة رسول الله  فقدمها، ثم أتى أُطُماً من آطامها فتحصن فيه فجزعت أمه جزعاً شديداً وأقسمت لا تأكل ولا تشرب ولا يؤوبها سقف حتى يرجع.

فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة وكان أبو جهل أخا عياش لأمه، فأتياه وهو في ألأطم فقالا: انزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وحلفت لا تأكل طعاماً ولا شراباً حتى ترجع إليها، ولم يزل يفتل منه أبو جهل في الذروة والغارب ويقول: أليس محمد يحثك على صلة الرحم؟

انصرف وبرّ بأمك وأنت على دينك حتى نزل فذهب معهما.

فلما أخرجاه من المدينة وأوثقاه بنسعة وجلده كل منهما مائة جلدة ثم قدما به على أمه فقالت: والله ما أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به.

ثم تركوه موثقاً في الشمس فأعطاهم بعض الذي أرادوا، فأتاه الحرث بن زيد وقال: يا عياش، والله لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن كان ضلالة فقد دخلت الآن فيه.

فغضب عياش من مقالته وقال له: هذا أخي - يعني أبا جهل - فمن أنت يا حارث؟

لله عليّ، إن وجدتك خالياً أن أقتلك.

ثم إن عياشاً أسلم بعد هجرة رسول الله  وهاجر إلى المدينة واسلم الحرث بعده وهاجر وليس عياش يومئذ حاضراً ولم يشعر بإسلامه، فبينما هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحرث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس: أي شيء صنعت؟

إنه قد أسلم.

فرجع عياش إلى / رسول الله  فقال: كان من أمري وأمر الحرث ما علمت وإني لم اشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت" ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ أي ما صح له ولا استقام، أو ما كان له فيما أتاه من ربه وعهد إليه، أو ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك.

والغرض بيان أن حرمه القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف ﴿ إلا خطأ ﴾ إلاّ لهذا العذر وبهذا السبب فيكون مفعولاً له، أو إلاّ في حال الخطأ أو إلاّ قتلاً خطأ.

قال أبو هاشم - وهو أحد رؤساء المعتزلة -: التقدير، وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً فيبقى مؤمناً إلا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذٍ مؤمناً.

﴿ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير ﴾ فعليه إعتاق ﴿ رقبة ﴾ أي نسمة مؤمنة.

والحر العتيق الكريم لأنّ الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العيبد ومنه عتاق الخيل والطير لكرامها، وحر الوجه أكرم موضع منه.

وعبر عن النسمة بالرقبة كما عبر عنها بالرأس في قولهم: "فلان يملك كذا رأساً من الرقيق".

﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ الدية من الودي كالشية من الوشي.

والأصل ودية وهي مخصوصة ببدل النفس دون سائر المتلفات، وقد تستعمل في بدل الأطراف والأعضاء والمراد بالأهل الورثة ﴿ إلاّ أن يصدقوا ﴾ أي يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد.

والتصدق الإعطاء والمراد ههنا العفو ومحله النصب على الظرف أو الحال والعامل.

﴿ مسلمة ﴾ أو عليه كأنه قيل: يجب عليه الدية أو يسلمها إلاّ زمان التصدق أو إلاّ متصدقين.

وههنا مسائل: الأولى القتل على ثلاثة أقسام: عمد وخطأ وشبه عمد.

اما العمد فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان جارحاً أو لم يكن.

وأما الخطأ فضربان: أحدهما أن يقصد رمي مشرك أو طائر فأصاب مسلماً، والثاني أن يظنه مشركاً بأن كان عليه شعار الكفار.

فالأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد.

وأما شبه العمد فهو أن يضربه مثلاً بعصا خفيفة لا تقتل غالباً فيموت منه فهذا خطأ في القتل وإن كان عمداً في الضرب.

الثانية قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس بعمد محض بل هو خطأ أو شبه عمد فيكون داخلاً تحت الآية فيجب في الدية والكفارة ولا يجب فيه القصاص.

وقال الشافعي: إنه عمد محض يجب فيه القصاص حجة الشافعي أنه قتل عمد عدوان أما إنه قتل فبقوله تعالى لموسى: ﴿ وقتلت نفساً فنجيناك من الغم  ﴾ يعني القبطي إذ وكزه موسى فقضى عليه.

وأما أنه عمد عدوان فظاهر لأن من ضرب رأس الإنسان بحجر الرحى أو صلبه أو غرقه أو خنقه ثم قال ما قصدت قتله عد ماجنا، وإذا ثبت أنه قتل عمد عدوان فهو يوجب القصاص لقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى  ﴾ وأن المقصود أن شرع القصاص صون الأرواح عن الإهدار والإهدار في المثقل كهو في المحدد، والعلم الضروري حاصل بأن التفاوت في آلة الإهدار غير معتبر.

حجة أبي حنيفة قوله  : " "ألا إِنَّ قتيل العمد / والخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل " هذا عام سواء كان السوط أو العصا صغيراً أو كبيراً، وأجيب بأن العصا والسوط يجب حملهما على الخفيف ليتحقق معنى الخطأ، فإن من ضرب رأس إنسان بقطعه جبل ثم قال: ما كنت أقصد قتله لم يعبأ بقوله.

الثالثة قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة لأنه شرط في الآية أن يكون القتل خطأ، وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط.

وقال الشافعي: يوجبها لما روي أن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله  في صاحب لنا أوجب النار بالقتل فقال: اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار.

وأيضاً نص الله  على الكفارة في قتل الصيد عمداً في الحرم وفي الإحرام فأوجبها على الخاطىء بالاتفاق، فههنا نص على الخاطىء فبأن نوجبه على العامد كان أولى لأنه لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الإحياء عمداً لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قبل الرق كاحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار كما أن الميت ممنوع من التصرف مطلقاً، ولتحقيق هذا المعنى أوجب أن تكون الرقبة كاملة الرق، وأن تكون سليمة عن عيب مخل بالعمل كهرم وعمى وجنون.

الرابعة قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: لا تجزىء الرقبة إلاّ إذا صام وصلى لأنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة.

والإيمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي.

وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي: يجزىء الصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً لأن حكمه حكم المؤمن.

الخامسة أنه  أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفيتها وإنما عرفت من السنة.

عن عمرو بن حزم "أن النبي  كتب إلى أهل اليمن أن في النفس مائة من الإبل" .

وهذه المائة إذا كان القتل خطأ مخمسة عشرون منها بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون جذعة وعشرون حقة.

وبه قال مالك لما روي عن ابن مسعود "أن النبي  قضى في دية الخطأ بمائة من الإبل" وفصلها كما ذكرنا.

وأبدل أبو حنيفة وأحمد أبناء اللبون بأبناء المخاض، لأن هذا الأقل متفق عليه والزائد منفي بالبراءة الأصلية.

وقال غيرهما: أبناء المخاض غير معتبرة في باب الزكاة فيجب أن لا تعتبر في الدية التي سببها أقوى من السبب الموجب للزكاة.

واتفقوا على أن الدية في العمد المحض مغلظة من ذلك التثليث في الإبل، وهو أن يكون ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها.

ومنه الحلول على قياس أبدال سائر المتلفات خلاف دية الخطأ فإنها مؤجلة الثلث في السنة الأولى، والثلث الآخر في السنة / الثانية، والباقي في السنة الثالثة، استفاض ذلك عن الخلفاء الراشدين ولم ينكره أحد فكان إجماعاً.

ومنه ثبوتها في ذمة الجاني لا تحملها العاقلة خلاف دية الخطأ فإنها تكون على العاقلة لما روي أن امرأتين من هذيل اقتتلنا فرمت إحداهما الأخرة بحجر، ويروى بعمود فسطاط.

فقتلتها فقضى رسول الله  بالدية على عاقلة القاتلة.

وهذه صورة شبه العمد، والتحمل في الخطأ أولى.

وجهات التحمل ثلاث: القراب والولاء وبيت المال، والقرابة يعني بها العصبة الذين هم على حاشية النسب وهم الإخوة وبنوهم.

وقال أبو حنيفة ومالك: يتحمل الآباء والبنون كغيرهم ويراعى الترتيب في العصبات فيقدم الأقرب فالأقرب، فإن كان فيهم وفاء إذا وزع عليهم لكثرتهم أو لقلة المال وإلاّ شاركهم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.

وقال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية في الخطأ أيضاً تجب على القاتل كما أن تحرير الرقبة أيضاً عليه ويؤيده عطف الدية في الآية على التحرير.

وأيضاً الجناية صدرت عنه فلا يعقل تضمين غيره كما في سائر الإتلافات.

وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز، وأجيب بإجماع الصحابة على ذلك.

السادسة مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل بإجماع المعتبرين من الصحابة، ولأن المرأة في الميراث وفي الشهادة نصف الرجل فكذلك في الدية.

وقال الأصم وابن علية: ديتها مثل دية الرجل لعموم قوله: ﴿ ومن قتل مؤمناً ﴾ .

السابعة إذا لم توجد الإبل فالواجب عند الشافعي في الجديد الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت وإنما تقوم بغالب نقد البلد لما روي أن النبي  كان يقوّم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت رفع قيمتها.

وإذا هانت نقص من قيمتها، وقال أبو حنيفة: الواجب حينئذ ألف دينار أو عشرة آلاف درهم وعند مالك الدراهم اثنا عشر ألفاً.

الثامنة لا فرق بين هذه الدية وبين سائر الأموال في أنه يقضي منها الدين وينفذ منها الوصية ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله لما روي أن امرأة جاءت في أيام عمر تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئاً إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه.

فشهد بعض الصحابة بأن رسول الله  أمر أن تورث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك.

وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القائل.

وعن شريك: لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية.

وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها وهذا خلاف الجماعة.

واعلم أنّ الله  ذكر في هذه الآية أن من قتل مؤمناً خطأ فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية ثم قال: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وسكت عن الدية.

فالسكوت عن إيجاب الدية في هذه الصورة مع ذكرها فيما قبلها وفيما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن كان من قوم من بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ﴾ / يدل على عدم وجوب الدية ههنا.

ثم المعنيّ بقوله: ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ إما أن يكون أن هذا المقتول من سكان دار الحرب أو أنه ذو نسب منهم مع أنه في دار الإسلام، والثاني باطل بالإجماع لأن قتل هذا المسلم يوجب الدية ألبتة فتعين الأول.

وإنما سقطت الدية لأن إيجاب الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب محوج إلى أن يبحث الغازي عن كل شخص من أشخاص قطان دار الحرب هل هو من المسلمين أم لا، وذلك يوجب المشقة والنفرة عن الجهاد على أنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختيار السكنى فيهم.

وأما الكفارة فإنها حق الله  لأنه أهلك إنساناً مواظباً على طاعته فيلزمه إقامة آخر مقامه يمكنه المواظبة عليها.

أما قوله: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ ففيه قولان: أحدهما أنّ المراد الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.

وعن الحسن هم المعاهدون ومنه الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.

وعن الحسن هم المعاهدون وثانيهما أن المراد منه المسلم لأنه عطف على قوله: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم ﴾ والضمير فيه عائد إلى ما تقدم وهو المؤمن فكذا ههنا.

واعترض عليه بلزوم عطف الشيء على نفسه لأنّ المؤمن المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو من أهل الذمة داخل تحت قوله: ﴿ من قتل مؤمناً خطأ ﴾ إلاّ أنه أفرد المؤمن الساكن في دار الحرب لأن من حكمه سقوط ديته وههنا لا غرض في الإفراد فيكون تكراراً محضاً.

وأيضاً لو كان المراد ذلك لما كانت الدية مسلمة إلى أهله كفار لا يرثونه ولكان كونه منهم مبهماً مجملاً لأنه لا يدري أنه منهم في أي أمر من الأمور بخلاف ما لو حمل كونه منهم على الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما.

وأجيب بأنه لما أفرد حكم المؤمن المقتول في دار الحرب للغرض الذي ذكر، ثم أعاد ذكر المؤمن المقتول فيما بين المعاهدين تنصيصاً على الفرق بينه وبين ما قبله وتنبيهاً على التسوية بينه وبين المسلم المقتول في دار الإسلام.

وأما أهله فهم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم، وأما الإبهام فيزول إذا جعل "من" بمعنى "في" كما في الآية المتقدمة عليه.

وههنا مسألة خلافية شرعية هي أن أبا حنيفة قال: دية الذمي مثل دية المسلم لقوله  : ﴿ وإن كان ﴾ أي المقتول ﴿ من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ﴾ وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثلث خمسها هكذا روي من قضاء الصحابة.

ولا يخفى أن استدلال أبي حنيفة لا يتم على الثاني من قول المفسرين في الآية، وعلى القول الأول أيضاً يجوز أن يكون المراد بالدية الثانية مقداراً مغايراً للأول، وههنا سؤال وهو أنه لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وفي الأخيرة عكس الترتيب؟

ويمكن أن يقال: الفائدة فيه أن يعلم أنه لا ترتيب / بين التحرير والدية، وأيضاً ليقع الافتتاح والاختتام بحق الله  .

ويترتب على التحرير قوله: ﴿ فمن لم يجد ﴾ أي رقبة بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين.

ومتى يعتبر الإعسار ليجوز له العدول إلى الصوم؟

الأصح عند الشافعي وقت الأداء، وعند بعضهم وقت الوجوب.

وأما الشهران فهما هلاليان ألبتة.

نعم لو ابتدأ في خلال الشهر تمم المنكسر ثلاثين.

والمراد بالتتابع أن لا يفطر يوماً منهما، فلو أفطر ولو بالمرض وجب الاستئناف إلاّ أن يكون الفطر بحيض أو نفاس، وعن مسروق أن الصوم بدل من مجموع الرقبة والدية ﴿ توبة من الله ﴾ أي شرع لكم ما شرع قبولاً من الله ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته.

ومعنى التوبة عن الخطأ أنه لا يخلو من ترك احتياط ومن ندم وأسف على ما فرط منه.

ويجوز أن يكون المعنى نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه أي تخفيفاً منه لأن التخفيف من لوازم التوبة.

﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه لم يقصد ولم يتعمد ﴿ حكيماً ﴾ محكم الفعل لا يؤاخذ الإنسان بما لا يختار ولا يتعمد.

وعند المعتزلة معنى الحكيم أن أفعاله واقعة على قانون الحكمة وقضية العدالة.

ثم لما ذكر حكم القتل الخطأ أردفه ببيان حكم القتل العمد وله أحكام وجوب الدية والكفارة عند غير أبي حنيفة ومالك والقصاص كما مر في البقرة، فلا جرم اقتصر ههنا على بيان ما فيه من الإثم والوعيد، ولا يخفى ما في الآية من التخويف والتهديد فلا جرم تمسكت الوعيدية بها في القطع بخلود الفاسق في النار.

وأجيب بوجهين: الأول إجماع المفسرين على أنها نزلت في كافر قتل مؤمناً.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلاً في بني النجار وكان مسلماً، فأتى رسول الله  فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله  معه رسولاً من بني فهر وقال له: ائت بني النجار فاقرأهم السلام وقل لهم: إنّ رسول الله  يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قاتلاً أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي  فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلاً ولكنا نؤدي إليه ديته فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيساً فوسوس إليه فقال: أي شيء صنعت تقبل دية أخيك فيكون عليك مسبة؟

اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية.

فرمى الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيراً منها وساق بقتيها راجعاً إلى مكة كافراً وجعل يقول في شعره: *قتلت به فهراً وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارغ* *وأدركت ثأري واضطجعت مؤسداً * وكنت إلى الأوثان أول راجع" .

فنزلت الآية فيه ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ ثم أهدر النبي  دمه يوم فتح مكة فأدركه الناس بالسوق فقتلوه.

الوجه الثاني أنه يجوز عندنا أن يخلف الله وعيد المؤمنين فإن خلف الوعيد كرم.

وضعف الوجه الأول بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبأن ما قبل الآية وما بعدها في نهي المؤمن عن قتل المؤمن فكذا هذه الآية، وبأن ترتيب الحكم علىالوصف المناسب مشعر بالعلية فيجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو مجرد القتل العمد، وبأن الكفر بالاستقلال موجب لهذا الوعيد فأي فائدة في ضم القتل إليه؟

وإذا لا أثر للقتل في هذه الصورة فيكون الكلام جارياً مجرى قول القائل "إنّ من تنفس لجزاؤه جهنم" وزيف الوجه الثاني بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر.

وإذا جاز الكذب فيه لغرض إظهار الكرم فلم لا يجوز في القصص والأخبار وغير ذلك لغرض المصلحة؟

وفتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع.

قال القفال: الآية تدل على أنّ جزاء القتل العمد هو ما ذكر.

وقد يقول الرجل لغيره: جزاؤك أني أفعل بك كذا إلاّ أني لا أفعله.

ولا يخفى ضعف هذا الجواب أيضاً لدلالة سائر الآيات كقوله: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به  ﴾ ﴿ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  ﴾ على أنه يوصل الجزاء إلى المستحقين، ولأن قوله: ﴿ وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ﴾ صريح في أنه  سيفعل به ذلك لا سيما وقد أخبر عنه بلفظ الماضي ليعلم أنه كالواقع.

ولتأكد هذه المعاني نقل عن ابن عباس أن توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة.

وعن سفيان كان أهل العلم إذا سألوا قالوا: لا توبة له.

وحمله الجمهور على التغليظ والتشديد وإلاّ فكل ذنب ممحوّ بالتوبة حتى الشرك.

هذا عند المعتزلة، وعند الأشاعرة كل الذنوب يحتمل العفو إلاّ الشرك لقوله  : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ .

ثم بالغ في تحريم قتل المؤمن فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ﴾ لتفعل ههنا بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوّكوا فيه عن غير روية ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ﴾ وهو والسلم بمعن الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التحية يعني سلام أهل الإسلام.

قال السدي: "بعث رسول الله  أسامة بن زيد على سرية، فلقي مرداس بن نهيك رجلاً من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره وكان يقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله  ولم يهرب ثقة بإسلامه، فقتله أسامة واستاق غنماً كانت معه.

فلما قدم على رسول الله  اخبره فقال: قتلت رجلاً يقول لا إله إلاّ الله.

فقال: يا رسول الله إنما تعوذ من القتل.

فقال: كيف أنت إذا خاصمك يوم القيامة بلا إله إلاّ الله؟

قال: فما زال يردّدها عليّ أقتلت رجلاً وهو يقول لا إله إلاّ الله حتى تمنيت لو أنّ إسلامي / كان يومئذٍ فنزلت الآية" .

وقد روى الكلبي وقتادة مثل ذلك.

وقال الحسن: "إنّ أصحاب النبي  خرجوا يتطرّفون فلقوا المشركين فهزموهم فشذ منهم رجل فتبعه رجل من المسلمين وأراد متاعه، فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم فكذبه ثم أوجره السنان فقتله وأخذ متاعه وكان قليلاً، فرفع ذلك إلى النبي  فقال: قتلته بعد ما زعم أنه مسلم.

قال: يا رسول الله إنما قالها متعوّذاً.

قال: فهلاّ شققت عن قلبه؟

قال: لم؟

قال: لتنظر أصادق هو أم كاذب.

قال: وكنت أعلم ذلك يا رسول الله؟

قال: ويلك إنك لم تكن لتعلم ذلك إنما يبين عنه لسانه.

قال: فما لبث القاتل أن مات فدفن فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره.

قال: ثم عادوا فحفروا له فأمكنوا ودفنوه فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أوثلاثاً.

فلما رأو أنّ الأرض لا تقبله ألقوا عليه الحجارة" .

قال الحسن: إنّ الأرض تجن من هو شر منه ولكن وعظ القوم أن لا يعودوا.

وعن سعيد بن جبير قال: "خرج المقداد بن الأسود في سرية فإذا هم برجل في غنيمة له فأرادوا قتله فقال: لا إله إلاّ الله.

فقتله المقداد.

فقيل له: أقتلته وقد قال لا إله إلاّ الله؟

فقال: ودّ لو فرّ بأهله وماله.

فلما قدموا على رسول الله  ذكروا ذلك له فنزلت" .

قال القفال: ولا منافاة بين هذه الروايات، فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته.

وعن أبي عبيدة قال: قال رسول الله  : "إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح " قال الفقهاء: توبة الزنديق مقبولة لإطلاق هذه الآية.

وقال أبو حنيفة: إسلام الصبي يصح لإطلاق الآية.

وقال الشافعي: لا يصح وإلاّ لوجب عليه لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذناً في الكفر وهو غير جائز، لكنه غير واجب عليه لقوله  : " "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ " وقال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني أنا مؤمن أو مسلم لا يحكم بإسلامه لأنه يعتقد أن الإيمان والإسلام هو دينه.

ولو قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله  فلا يحصل الجزم بإسلامه لأنّ منهم من يقول إنه رسول العرب وحدهم ومنهم من يقول إنّ محمداً الذي هو الرسول الحق المنتظر بعد، فلا بد أن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين الذي هو موجود فيما بين المسلمين حق.

﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء.

يقال: إنّ الدنيا عرض حاضر / يأخذ منها البر والفاجر، سمي عرضاً لأنه عارض زائل غير باقٍ، ومنه العرض لمقابل الجوهر لقلة ثباته كما قيل: العرض لا يبقى زمانين ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام متعوّذاً به لتأخذوا ماله.

وقيل: يريد ما أعدّ لعباده من حسن الثواب في الآخرة ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ اختلفوا في وجه الشبه فقال الأكثرون: يريد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام سمعت منكم كلمة الشهادة فحقنت دمائكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بالاستقامة والاشتهار بالإيمان وأن صرتم أعلاماً فيه، فعيلكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام ما فعل بكم.

واعترض بأن لهم أن يقولوا ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء لأنا آمنا بالاختيار وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر؟

وعن سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى إيمانه هذا الراعي عن قومه ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم.

وأورد عليه أن إخفاء الإيمان ما كان عاماً فيهم.

وفي التفسير الكبير: المراد أنكم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام فمنّ الله عليكم بتقوية ذلك الميل وتزايد نور الإيمان، فكذا هؤلاء قد حدث لهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم إيمانهم إلى أن تتكامل رغبتهم فيه.

وقيل: إنّ قوله: ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ منقطع عما تقدمه.

وذلك أن القوم لما نهاهم عن قتل من تكلّم بلا إله إلاّ الله ذكر أن الله من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبين مبالغة في التحذير، ثم حذر عن الإضمار خلاف الإظهار فقال: ﴿ إنّ الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.

ولما عاتبهم الله  على ما صدر منهم وبدر عنهم كان مظنة أن يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد فذكر من فضل الجهاد ما يزيح علّتهم ويزيد رغبتهم، أو نقول: لما نهاهم عما نهاهم أتبعه فضيلة الجهاد ليبلغوا في الاحتراز عما يوجب خللاً في هذا المنصب الجليل فقال: ﴿ لا يستوي القاعدون ﴾ عن زيد بن ثابت قال: "كنت عند النبي  حين نزلت عليه: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ ولم يذكر ﴿ أولى الضرر ﴾ فقال ابن أم مكتوم: فكيف وأنا أعمى لا أبصر؟

قال زيد: فتغشّى النبي  في مجلسه الوحي فاتكأ على فخذي؛ فوالذي نفس بيده لقد ثقل عليّ حتى خشيت أن يرضها ثم سري عنه فقال: اكتب: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون ﴾ فكتبتها" .

رواه البخاري.

والمراد بالضرر النقصان سواء كان في البنية كعمى وعرج ومرض أو بسبب عدم الأهبة.

من قرأ ﴿ غير ﴾ بالنصب فعلى الاستثناء من القاعدين أو / على الحال عنهم، ومن قرأ بالرفع فعلى أنه صفة للقاعدين ويجوز أن يكون غير صفة للمعرفة كما سبق في تفسير ﴿ غير المغضوب عليهم  ﴾ وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين.

قال الزجاج: ويجوز أن يكون رفعأً على جهة الاستثناء والمعنى لا يستوي القاعدون والمجاهدين، إلاّ أولي الضرر فإنه يساوون المجاهدين بدليل قوله  عند انصرافه من بعض غزواته "لقد خلفتم بالمدينة أقوماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر" وعنه  : " إذا مرض العبد قال الله  : اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ " .

ويعلم منه أن صحة النية وخلوص الطوية لها مدخل عظيم في قبول الأعمال.

وذكروا في معنى قوله: " نية المؤمن أبلغ من عمله " أنّ ما ينويه المؤمن أبلغ من عمله إذ ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبداً خير من عمله الذي أدركه في مدة حياته.

قيل: إنه قدّم ذكر النفس على المال في قوله: ﴿ إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم  ﴾ وههنا أخر لأنّ النفس أشرف من المال.

فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهاً على أنّ الرغبة فيها أشد، والبائع أخر تنبيهاً على أنّ المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها، إلاّ في آخر الأمر.

وفائدة نفي الاستواء ومعلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان تبيين ما بينهما من التفاوت ليهتم القاعد للجهاد ويترفع بنفسه عن انحطاط مرتبته فيجاهد كقوله: ﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ تحريكاً للجاهل لينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم.

ثم إن عدم الاستواء يحتمل الزيادة والنقصان فأوضح الحال بقوله: ﴿ فضل الله المجاهدين ﴾ كأنه قيل: مالهم لا يستوون؟

فأجيب بذلك.

وانتصب ﴿ درجة ﴾ على المصدر لأن الدرجة بدل على التفضيل.

وقيل: حال أي ذوي درجة.

وقيل: بنزع الخافض أي بدرحة.

وقيل: على الظرف أي في درجة ﴿ وكلا ﴾ وكل فريق من القاعدين والمجاهدين ﴿ وعد الله الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة.

قال الفقهاء: فيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية إذ لو كان واجباً على التعيين لم يكن القاعد أهلاً للوعد.

وانتصب ﴿ أجراً ﴾ بفضل لأنّ التفضيل يدل على الأجر.

وههنا سؤال وهو أنه لم ذكر أولاً درجة وثانياً درجات؟

وأجيب بأن اللام في قوله أوّلاً على القاعدين للعهد والمراد بهم أولو الضرر، وقوله ثانياً على القاعدين للأصحاء الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم لأن الغزو / فرض كفاية.

وقيل: المراد بالدرجة جنسها الذي يشمل الكثير بالنوع وهي الدرجات الرفيعة والمنازل الشريفة والمغفرة والرحمة.

وقيل: المراد بالدرجة والغنيمة في الدنيا، وبالدرجات مراتب الجنة.

قيل: المراد بالمجاهد الأول صاحب الجهاد الأصغر وهو الجهاد بالنفس والمال، وبالمجاهد الثاني صاحب الجهاد الأكبر وهو المجاهد بالرياضة والأعمال.

واستدلت الشيعة ههنا بأنّ علياً  أفضل من أبي بكر وغيره من الصحابة لأنه بالنسبة إليهم مجاهد وهم بالإضافة إليه قاعدون بما اشتهر من وقائعه وأيامه وشجاعته وحماسته.

أجاب أهل السنة بأنّ جهاد أبي بكر بالدعوة إلى الدين وهو الجهاد الأكبر وحين كان الإسلام ضعيفاً والاحتياج إلى المدد شديداً، وأما جهاد علي فإنما ظهر بالمدينة في الغزوات وكان الإسلام في ذلك الوقت قوياً.

والحق أنه لا تدل الآية إلاّ على تفضيل المجاهدين على القاعدين، أما على تفضيل المجاهدين بعضهم على بعض فلا.

قالت المعتزلة: ههنا قد ظهر من الآية أنّ التفاوت في الفضل بحسب التفاوت في العمل، فعلة الثواب هو العمل ولهذا سمي أجراً.

وأجيب بأنّ العمل على الثواب لكن لا لذاته بل يجعل الشاعر ذلك العمل موجباً له.

قالت الشافعية: الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأنّ قوله: ﴿ وفضل الله المجاهدين ﴾ عام يشمل الجهاد الواجب والمندوب وهو الزائد على قدر الكفاية، والمشتغل بالنكاح قاعد، فالاشتغال بالجهاد المندوب أفضل منه بالنكاح.

ثم لما ذكر ثواب المجاهدين أتبعه وعيد القاعدين الراضين بالسكون في دار الكفر فقال: ﴿ إنّ الذين توفاهم ﴾ وأنه يحتمل أن يكون ماضياً فيكون إخباراً عن حال قوم انقرضوا ومضوا.

عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كانوا قوماً من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت الآية" .

ويحتمل أن يكون مستقبلاً بحذف إحدى التاءين فيكون الوعيد عاماً في كل من كان بهذه الصفة.

قال الجمهور: معنى ﴿ تتوفاهم ﴾ تقبض أرواحهم عند الموت.

ولا منافاة بينه وبين قوله: ﴿ الله يتوفّى الأنفس  ﴾ ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت  ﴾ لأنه  هو المتوفى والفاعل لكل الأشياء بالحقيقة إلاّ أن الرئيس المفوّض إليه هذا العمل ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه.

وعن الحسن: ﴿ توفاهم الملائكة ﴾ أي يحشرونهم إلى النار.

أما قوله: ﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ فمنصوب على الحال عن مفعول توفي والإضافة فيه لفظية ولذا لم تفد تعريفاً فصح وقوعه حالاً.

والظلم قد يراد به الشرك ﴿ إنّ الشرك لظلم عظيم  ﴾ فالمراد أنهم ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة.

وقد يراد به المعصية ﴿ فمنهم ظالم لنفسه  ﴾ فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير مهاجرين إلى دار / الإسلام حين كانت الهجرة فريضة.

وفي خبر "إنّ" وجوه: الأول ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ والعائد محذوف للدلالة أي قالوا لهم.

الثاني ﴿ فأولئك ﴾ فيكون ﴿ قالوا ﴾ حالاً من الملائكة بتقدير "قد".

الثالث إنّ الخبر محذوف وهو هلكوا.

ثم فسر الهلاك بقوله: ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟

والمراد التوبيخ على ترك الجهاد والرضا بالسكنى في دار الكفر وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم ليسوا من الدين في شيء، ولهذا لم يجيبوا بقولهم كنا في كذا أو لم نكن في شيء بل أجابوا بقولهم: ﴿ كنا مستضعفين ﴾ اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة من أرض مكة حتى يكونوا في شيء.

ثم إنّ الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر فبكتوهم قائلين: ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمتنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة.

ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

فسئل لم عدّ الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، ومن حق الاستثناء أن يدخل فيه المستثنى لو لم يخرج وليس الولدان من أصحاب الوعيد لأنهم ليسوا من أهل التكليف؟

وأجيب بأنّ المراد بالولدان العبيد والإماء البالغون، أو المراد المراهقون الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء حتى يتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله.

سلمنا أن المراد بهم الأطفال لكن السبب في سقوط الوعيد هو العجز وإنه حاصل في الولدان فحسن استثناؤهم بهذا الوجه.

وقوله: ﴿ لا يستطيعون ﴾ قيل في موضع الحال، والأصح أنه صفة للمستضعفين.

وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأنّ المعرف تعريف الجنس قريب من المنكر.

والمعنى أنّ العاجزين هم الذين لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، أو يكون بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم عن المهاجرة.

ومعنى ﴿ لا يهتدون سبيلاً ﴾ لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلّهم على الطريق.

وإنما قال  : ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ بكلمة الإطماع تنبيهاً على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه حتى إن المضطر من حقه أن يعفو الله عنه بل يكون من العفو على ظن وحسبان لا على جزم وإيقان، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز ولا يكون في الواقع كذلك لأنّ الفطام عن المألوف شديد والفراق عن الأوطان شاق، فلعل حب الوطن يحمله على تأويل غير سديد.

ومع قيام هذا الاحتمال أنى يحصل الجزم بالعفو هذا من جانب العبد.

وأما من الرب فعسى إطماع وإطماع الكريم إيجاب.

فالجزم بالعفو حاصل إلا أنّه يرد على لفظ العفو أنه لا يتقرر إلاّ مع الذنب ولا ذنب مع العجز وجوابه أيضاً يخرج مما قلنا: ﴿ وكان الله عفوأً غفوراً ﴾ قال الزجاج: أي كان في الأزل موصوفاً بهذه الصفة، أو أنه مع جميع العباد بهذه الصفة أي أنه عادة أجراها في حق غيره.

وأيضاً لو قال إنه عفو غفور كان / إخباراً عن كونه كذلك وحيث قال كان دل على أنه إخبار وقع مخبره على وفقه فكان أدل على كونه حقاً وصدقاً.

قالت الأشاعرة: أخبر عن العفو والمغفرة مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فدل على أن العفو مرجو من غير التوبة.

قال ابن عباس في رواية عطاء: "كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب إليهم: ﴿ إِنّ الذين توفاهم الملائكة ﴾ الآية.

فلما قرأها المسلمون قال ضمرة بن جندب الليثي لبنيه - وكان شيخاً كبيراً - احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدي إلى الطريق.

فحمله بنوه على سرير متوجهاً إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك به رسول الله  ومات حميداً.

فبلغ خبره أصحاب النبي  : فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجراً فأنزل الله  فيه: ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً ﴾ " أي مذهباً ومهرباً ومضطرباً قاله الفراء.

وفي الكشاف يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك وأصله من الرغام وهو التراب فإنهم يقولون: رغم أنفه يريدون أنه وصل إليه شيء يكرهه، وذلك لأنّ الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة.

ويمكن أن يقال: إنّ من فارق أهل بلدته فإذا استقام أمره في بلدة أخرى رغمت أنوف أهل بلدته بسبب سوء معاملتهم معه.

واعلم أنه  لما رغب في الهجرة ذكر بعده ما لأجله يمتنع الإنسان عن هجرة الوطن، وبين الجواب عنه والمانع أمران: الأوّل أن يكون له في وطنه نوع رفاهية وراحة فيخاف زوال ذلك عنه فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ ومن يهاجر ﴾ كأنه قيل للمكلف إن كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر فلا تخف فإنّ الله  يعطيك من النعم الجليلة والمراتب السنية في مهاجرك ما يكون سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويصير سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج المهاجر بدولته من حيث إنها سبب رغم آناف الأعداء أشد من ابتهاجه بها من حيث إنها سبب سعة رزقه وعيشه.

المانع الثاني أن الإنسان يقول: إن خرجت من بيتي في طلب العمل والجهاد والمهاجرة إلى الله ورسوله، وفي معناه كل غرض ديني من طلب علم أو حج أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهداً في الدنيا وابتغاء رزق طيب، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة لطلب شيء مظنون، فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾ قال بعضهم: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر تمام العمل فمحال.

والصحيح أن المراد من قصد طاعة / ثم عجز عن إتمامها فإن له ثواب تمام تلك الطاعة كما روي عن رسول الله  : "إن المريض إذا عجز عما كان يفعله من الطاعة في حال الصحة كتب له ثواب مثل ذلك إلى أن يبرأ" .

وأيضاً من المعلوم أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر فلا يبقى في الآية فائدة الترغيب.

وأيضاً لا تكون الآية جواباً عن قول الصحابة في ضمرة لو وافى المدينة لكان أتم أجراً.

قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن العمل يوجب الثواب على الله لأن الوقوع والوجوب السقوط.

قال  : ﴿ فإذا وجبت جنوبها  ﴾ أي وقعت وسقطت ولفظ الأجر وكلمة "على" يؤكدان ما قلنا، وأجيب بأنا لا ننازع في أن الثواب يقع ألبتة لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم.

واستدل بعض الفقهاء بالآية على أن الغازي، إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة كما وجب أجره، وُردَّ بأن قسم الغنيمة يتوقف على حيازتها بخلاف الأجر.

﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ يغفر ما كان منه من القعود إلى أن خرج ويرحمه بإكمال أجر المجاهدين.

ومما يفتقر المجاهد إليه معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف والاشتغال بمحاربة العدو فلا جرم قال: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ يقال: قصر صلاته وأقصرها وقصرها بمعنى.

ولفظ القصر مشعر بالتخفيف إلاّ أنه ليس صريحاً في أن التخفيف في كمية الركعات أو كيفية أدائها.

والجمهور على أن المراد القصر في العدد وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات وهي الظهر والعصر والعشاء فإنها تصير في السفر ركعتين، ويبقى المغرب والصبح بحالهما، وعن ابن عباس: "فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم" .

وعنه أيضاً أن المراد التخفيف في كيفية الأداء كما يؤتى به عند شدة التحام القتال من الصلاة مع تلطخ الثوب بالدم ومن الإيمان مقام الركوع والسجود ويؤكد هذا الرأي بقوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ فإن خوف فتنة العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على تمام أوصافهما، وإنما يزول بالتجوز والتخفيف فيهما.

حجة الجمهور ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال: "قلت لعمر بن الخطاب: كيف نقصر وقد أمنا وقال الله  : ﴿ ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ﴾ ؟

فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت النبي  فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" .

فهذا الخبر يدل على أنهم فهموا من القصر التخفيف في أعداد الركعات ويؤيده حديث ذي اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت؟" وأيضاً القصر بمعنى تغيير هيئة الصلاة يجيء بعد ذلك، فحمل الكلام على ما لا يلزم من التكرار أولى.

أما تقييد القصر بحالة الخوف فلأن الآية نزلت على غالب أسفار النبي  وأكثرها لم يخل عن خوف قتال الكفار فلا يمكن الاستدلال بمفهومها على عدم جواز القصر في حالة الأمن ولا في حالة الخوف بسبب آخر، على أن / كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة.

ثم إن الشافعي قال: القصر رخصة كسائر رخص السفر فإن شاء أتم وإن شاء قصر لأن قوله: ﴿ لا جناح عليكم ﴾ مشعر بعدم الوجوب، ولما روي أن عائشة  ا قالت: "اعتمرت مع رسول الله  من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي وأمي قصرت.

وأتممت وصمت وأفطرت.

فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ" .

وكان عثمان يتم ويقصر وما ظهر إنكار من الصحابة عليه.

وقال أبو حنيفة: القصر واجب فإنّ صلى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته لما روي عن ابن عباس قال: كان النبي  إذا خرج مسافراً صلى ركعتين، ولقوله  : "فاقبلوا صدقته" وظاهر الأمر للوجوب.

وعن عائشة: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر.

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا ﴾ قلت: كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفي عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه.

وأجيب بأن هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال أوجبت عليكم هذا القصر.

وحرمت عليكم الإتمام وجعلته مفسداً لصلاتكم فلا يخطر هذا الاحتمال ببال عاقل.

وحديث ابن عباس إنما يدل على كون القصر مشروعاً لا على أن الإتمام غير جائز، وخبر عائشة لا تعاضده الآية لأن تقرير الصلاة على ركعتين لا يطلق عليه لفظ القصر.

ثم إن بعض الظاهريين زعموا أن قليل السفر وكثيره سواء في القصر لإطلاق قوله: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ وجمهور الفقهاء على أن السفر المرخص مقدر بمقدار مخصوص، فعن الأوزاعي والزهري ويروى عن عمر أن القصر في يوم تام، وعن ابن عباس إذا زاد على يوم وليلة قصر.

وقال أنس بن مالك: المعتبر خمسة فراسخ.

وقال الحسن: مسيرة ليلتين.

وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن وهو ثلاثة أيام.

وهو قول أبي حنيفة قياساً على مدة جواز المسح للمسافر، وأما أصحاب الشافعي فإنهم عوّلوا على ما روي عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي  قال: " يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" .

والمراد بالبريد أربعة فراسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله  ، هو الذي قدر أميال البادية كل ميل أثنا عشر ألف قدم وهي أربعة / آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة.

قالت الفقهاء: فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر.

وقال أهل الظاهر: اضطراب السلف في هذه الأقاويل يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.

﴿ إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً ﴾ يريد أن العدواة الحاصلة بينكم وبينهم قديمة فكونوا على حذر منهم.

التأويل: ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلاّ أن يكون قتل خطأ؛ وذلك أن الروح إذا خلص عن حجب ظلمات الصفات البشرية يتجلى الروح للقلب فيتنور بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس الأمارة فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية، وتحيا بالصفات الحميدة الروحانية، وتطمئن إلى ذكر الله كاطمئنان القلب به، ففي بعض الأحوال يتأيد الروح بوارد روح قدسي رباني ويتجلى في تلك الحالة الروح للقلب فيخر موسى القلب صعقاً ميتاً بسطوة تجلي الروح القدسي الرباني ويجعل جبل النفس دكاً.

وكان قتله خطأ لأنه ما كان مقصوداً بالقتل في هذا التجلي وكان القصد تنويره وتصفيته وقتل النفس الكافرة.

﴿ من قتل مؤمناً ﴾ أي قلباً مؤمناً: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة السر الروحاني فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات ﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ يعني يسلم العاقلة - وهو الله  - دية القلب إلى أهل القلب وهم الأوصاف الحميدة الروحانية من جمال كمال ألطافه لتصير الأوصاف بها أخلاقاً ربانية إلاّ أن تتصدق الأوصاف بهذه الدية على مساكين أوصاف النفس الحيوانية والشيطانية ﴿ فإن كان ﴾ القتيل بالتجلي ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ وهو مؤمن ﴾ أي هذه الصفة قد آمنت بأنوار الروح القدسي دون أخواتها من الصفات: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا ولادية لأهل القتيل.

﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ وهم صفات النفس وميثاقها قبول أحكام الشرع ظاهراً وترك المحاربة مع القلب وأوصافه ﴿ فدية مسلمة ﴾ على عاقلة الرحمة إلى أهل تلك الصفة المقبولة وهم بقية صفات النفس كما قال تعالى: ﴿ إلاّ ما رحم ربي  ﴾ وتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة الروح يصيرها محررة عن رقة الكونين.

﴿ فمن لم يجد ﴾ رقبة مؤمنة من الروح والقلب والسر للتحرير بأن تكون رقابهم قد حررت عن رق ما سوى الله: ﴿ فصيام شهرين متتابعين ﴾ أي فعليه الإمساك وعن مشارب العالمين على التتابع والدوام مراقباً قلبه لا يدخله شيئاً من الدنيا والآخرة مراعياً وقته.

فلو أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف الصوم ولا يفطر بشيء دون لقاء الله تعالى.

قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم *** وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم *** ويبدو هلال الصب حين يراكم ﴿ توبة من الله ﴾ جذبة منه.

﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ أي النفس الكافرة إذا قتلت قلباً مؤمناً متعمداً للعداوة الأصلية بينهما ففي حياة أحدهما موت الآخر ﴿ فجزاؤه جهنم ﴾ وهي سفل عالم الطبيعة.

﴿ إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ بقدم السلوك حتى صار الإيمان إيقاناً والإيقان إحساناً والإحسان عياناً والعيان عيناً والعين شهوداً والشهود شاهداً والشاهد مشهوداً وهذا مقام الشيخوخة ﴿ فتبينوا ﴾ عن حال المريد في الرد والقبول ﴿ ولا تقولوا ﴾ له ﴿ لست مؤمناً ﴾ صادقاً ولا تنفروه بالتشديدات والتصرف في النفس والمال ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ أي تهتمون أجل رزقه فإن الضيف إذا نزل نزل برزقه ﴿ كذلك كنتم ﴾ ضعفاء في الصدق والطلب محتاجين إلى الصحبة في بدو الإرادة ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بصحبة المشايخ وقبولهم إياكم ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ﴾ هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها ﴿ فيم كنتم ﴾ في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري، وفي أي واد من أودية الهوى تهيمون، وفي أي روضة من رياض الدنيا تسرحون؟

أكنتم تؤثرون الفاني على الباقي وتنسون الشراب الطهور والساقي؟

﴿ مستضعفين ﴾ عاجزين لاستيلاء النفس الأمارة وغلبة الهوى ﴿ ألم تكن أرض الله ﴾ أي أرض القلب ﴿ واسعة ﴾ فتخرجوا عن مضيق سجن البشرية إلى قضاء هواء الهوية ﴿ لا يستطيعون حيلة ﴾ في الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال ﴿ ولا يهتدون سبيلاً ﴾ إلى صاحب ولاية وهؤلاء المستضعفون هم الخواص المقتصدون، وأما خواص الخواص، وهم السابقون بالخيرات فهم المجاهدون الجهاد الأكبر وقد مر.

﴿ ومن يهاجر ﴾ عن بلد البشرية في طلب حضرة الربوبية ﴿ يجد ﴾ في أرض الإنسانية ﴿ مراغماً ﴾ متحوّلاً ومنازل مثل القلب والروح والسر ﴿ وسعة ﴾ في تلك العوالم من رحمة الله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء  ﴾ "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" فافهم يا قصير النظر كثير الفكر قليل العبر والله أجلوأكبر.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ .

قال الحسن: كان هذا في الوقت الذي كان الجهاد تطوعاً؛ لأنه لو كان فرضاً لكان لا معنى لقوله: لا يستوي كذا من كذا، وهما غير مستويين: أحدهما فرض عليه، والآخر لا.

قيل له: هذا الذي ذكرت لا يدل على أن الجهاد ليس بفرض في ذلك الوقت؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ  ﴾ ، وقال: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ  ﴾ ، جمع بين متضادين، ثم قال: ﴿ لاَ يَسْتَوُونَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك [هذا]، وهو أولى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ ﴾ : استثنى أهل الضرر مجملا في هذه الآية، وبيّن أمرهم وما زال عنهم من فرض الجهاد في آية أخرى، وهو قوله -  -: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ  ﴾ ، وقوله عز وجل: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ...

﴾ الآية [التوبة: 91]، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم، وأزالوا الحرج عمن كان في مثل حال هؤلاء الذين وصفهم الله -  - وعَذَرَهم في تخلفهم عن الجهاد.

وعن ابن عباس -  -: قال: لما ذكر الله -  - فضيلة المجاهدين على القاعدين رغبهم في الجهاد بقوله: ﴿ لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ...

﴾ الآية - أتاه عبد الله بن أم مكتوم الأعمى، فقال: يا رسول الله، ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين، وحالنا ما ترى، ونحن نشتهي الجهاد؛ فنزل ﴿ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ ﴾ فجعل لهم من الأجر ما للمجاهدين؛ لزمانتهم.

وعلى ذلك أكثر أهل التفسير.

وقال الكسائي: ﴿ ٱلضَّرَرِ ﴾ مصدر الضرير والمضرور، والضرير: الأعمى، يقال: ضُرَّ بَصَرُهُ، فهو ضرير ومضرور: إذا عمي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

القاعد والمجاهد.

﴿ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .

قيل: هذا الفضل للمجاهد على القاعد الذي قعد لا لعذر[، جعل له الأجر العظيم.

وقوله: ﴿ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً ﴾ .

على القاعد الذي قعد لعذر؛] لأنه جعل فضيلته عليه بدرجة، وفي الثاني جعل فضيلته عليه بدرجات.

لكن قوله: "درجة"، و"درجات" عندنا: واحد؛ ألا ترى أنه -  - قال: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ  ﴾ ليس هو شيئاً واحداً؛ ولكنه أشياء، والذي قعد لعذر يستوي في الأجر مع الذي خرج؛ إذا كان يتمنى أن يخرج إن قدر؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكان لا معنى للاستثناء.

وفي الآية دلالة أن فرض الجهاد - فرضُ كفاية: يسقط عن الباقين بقيام بعضهم، وإن كان الخطاب يعمهم في ذلك، وهو قوله -  -: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ  ﴾ ، وفرض الخروج لطلب العلم فرضُ كفاية: إذا خرج بعضهم لطلبه يسقط عن الباقين ذلك؛ فعلى ذلك فرض الجهاد، وإن كان ذلك خلاف ما عاتب الله -  - عليه الثلاثة الذين خلفوا في سورة "براءة"؛ لأن أولئك تخلفوا عن رسول الله  وقد قال الله -  - ﴿ مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ  ﴾ ؛ فإنما عاتب أولئك لتخلفهم عن رسول الله  .

وقوله -  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ  ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: نزلت [هذه] الآية في قوم من المنافقين خرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما التقى المسلمون والمشركون، أبصروا قلة المسلمين - وهم مع المشركين على المؤمنين، فقالوا: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ  ﴾ .

وأظهروا النفاق، فقتلوا، عامتهم؛ ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، فقالت لهم الملائكة: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

وقيل: إنها نزلت في نفر أسلموا بمكة مع [رسول الله]  ثم أقاموا عن الهجرة، وخرجوا مع المشركين إلى القتال، فلما رأوا قلة المؤمنين شكّوا في النبي  فقالوا: ﴿ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ  ﴾ ، فقتلوا، فقالت الملائكة: فيم كنتم؟

قالوا: كذا.

وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا، وكانت الهجرة يومئذ مفترضة؛ فكفروا بترك الهجرة، وهو كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ  ﴾ فلا ندري كيف كانت القصة، وليس لنا إلى معرفة القصة؟

حاجة بعد أن يُعرف ما أصابهم بماذا أصابهم؟.

وقوله: ﴿ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ ﴾ .

هذا يتوجه وجوهاً: أحدها: مع من كنتم: مع محمد  كنتم وأصحابه أو مع أعدائهم؟

والثاني: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ أي: في دين مَنْ كنتم: في دين محمد  أو في دين أعدائه؟

والثالث: "قالوا" بمعنى: "يقولون" أي: يقولون لهم في الآخرة: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ ؟

﴿ قَالُواْ ﴾ : كنا كذا.

وقولهم: ﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : هذا ليس جواباً لقوله: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ ؛ جوابه أن يقال: كنا في كذا، ولكنه كأنه على الإضمار، قالوا لهم: ما الذي منعكم عن الخروج والهجرة إلى محمد،  ؟

قالوا عند ذلك: ﴿ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : اعتذروا؛ أن كانوا مستضعفين في الأرض.

وظاهر هذا: أنْ مُنِعْنا عن الخروج إلى الهجرة، وحالَ المشركون بيننا وبين إظهار الإسلام.

فقالوا: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾ .

يعني: المدينة واسعة، آمنة لكم من العدو، فتخرجوا إليها، فتقلبوا بين أظهرهم، فهذا - والله أعلم - كأنهم اعتذروا في التخلف عن ذلك؛ لما كانوا يتقلبون بين أظهر الكفرة ويتعيشون فيهم، فقالوا: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾ قطعوا عليهم.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أنهم إن منعوكم عن الإسلام ظاهراً وحالوا بينكم وبين إظهاره؛ ألستم تقدرون على ادِّيَان الإسلام سرّاً، لا يعلمون هم بذلك؟!

﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً ﴾ .

أخبر أنْ لا عذر لهم في ذلك.

وفي قوله -  -: ﴿ فِيمَ كُنتُمْ ﴾ دلالة إحياء الموتى في القبر والسؤال فيه عما عملوا في الدنيا والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ...

﴾ الآية.

بين الله -  - أهل العذر في ذلك؛ حيث قال: ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ﴾ .

قال ابن عباس -  -: كنت أنا وأمي من المستضعفين.

﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ .

و"عسى" من الله واجب؛ كأنه يقول: فأولئك يعفو الله عنهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين توفاهم الملائكة وهم ظالمون لأنفسهم بترك الهحرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، تقول لهم الملائكة حال قبض أرواحهم توبيخًا لهم: على أي حال كنتم؟

وبأي شيء تميزتم عن المشركين؟

فيجيبون معتذرين: كنا ضعفاء لا حول لنا ولا قوة نرد بها عن أنفسنا، فتقول لهم الملائكة توبيخًا لهم: ألم تكن بلاد الله واسعة فتخرجوا إليها لتأمنوا على دينكم وأنفسكم من الإذلال والقهر؟!

فاولئك الذين لم يهاجروا مثواهم الذي يستقرون فيه هو النار مرجعًا مآبًا لهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.X9xzD"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

ذكر تعالى في الآية السابقة فضل المجاهدين في سبيل الله على القاعدين لغير عجز فعلم أن العاجز معذور، ومعنى سبيل الله الطريق الذي يرضيه ويقيم دينه، ثم ذكر حال قوم أخلدوا إلى السكون وقعدوا عن نصر الدين بل وعن إقامته حيث هو، وعذروا أنفسهم بأنهم في أرض الكفر حيث اضطهدهم الكافرون ومنعوهم من إقامة الحق وهم عاجزون عن مقاومتهم، ولكن في الحقيقة غير معذورين لأنه يجب عليهم الهجرة إلى المؤمنين الذي يعتزون بهم، فهم يحبون لبلادهم، وإخلادهم إلى أرضهم، وسكونهم إلى أهليهم ومعارفهم، ضعفاء في الحق لا مستضعفون، وهم بضعفهم هذا فظلمهم لأنفسهم عبارة عن تركهم العمل بالحق خوفًا من الأذى وفقد الكرامة عند عشرائهم المبطلين.

وهذا الاعتذار هو نحو مما يعتذر به الذين جاءوا أهل البدع على بدعهم في هذا العصر وفي كثير من الأعصار، يعتذرون بأنهم يجبّون الغيبة عن أنفسهم ويدارون المبطلين وهو عذر باطل، فالواجب عليهم إقامة الحق مع احتمال الأذى في سبيل الله، أو الهجرة إلى حيث يتمكنون من إقامة دينهم، وللفقهاء خلاف في الهجرة هل وجوبها مضى أو هو مستمر في كل زمان؟

والمالكية على الوجوب.

ولا معنى عندي للخلاف في وجوب الهجرة من الأرض التي يمنع فيها المؤمن من العمل بدينه، أو يؤذي فيه إيذاء لا يقدر على احتماله، وأما المقيم في دار الكافرين ولكنه لا يمنع ولا يؤذي إذا هو عمل بدينه بل يمكنه أن يقيم جميع أحكامه بلا نكير فلا يجب عليه أن يهاجر وذلك كالمسلمين في بلاد الإنكليز لهذا العهد بل ربما كانت الإقامة في دار الكفر سببًا لظهور محاسن الإسلام وإقبال الناس عليه.

قال تعالى: ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ  ﴾ دل الوعيد في الآية السابقة مع الاستثناء في هذه الآية على أن أولئك الذين اعتذروا عن عدم إقامة دينهم وعدم الفرار به هجرة إلى الله ورسوله غير صادقين في اعتذارهم، فإن الاستضعاف الحقيقي عذر صحيح ولذلك استثنى أهله من الوعيد بهذه الآية، وقرن الرجال بالنساء والولدان فيها يشعر أن المراد بالرجال والشيوخ الضعفاء والعجزة الذين هم كمن ذكر معهم ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا  ﴾ ، أي قد ضاقت بهم الحيل كلها فلم يستطيعوا ركوب واحدة منها، وعميت عليهم الطرق جميعًا فلم يهتدوا طريقًا منها، إما للزمانة والمرض، وإما للفقر والجهل بمسالك الأرض وأخراتها ومضايقها، قال بعض المفسرين: "بحيث لو خرجوا هلكوا" أي بركوب التعاسيف أو قلة الزاد أو عدم الراحلة.

وفسر بعضهم الولدان بالعبيد والإماء، وقال بعضهم بل هم الأولاد الصغار الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض.

وروي عن ابن عباس أنه قال كنت أنا وأمي من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون إلى الهجرة سبيلاً، واستشكل بأن الأولاد غير مكلفين فلا يتناولهم الوعيد فيحتاج إلى استثنائهم، وأجاب في الكشاف بأنه "يجوز أن يكون المراد المراهقين منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء فليحقوا بهم في التكليف".

﴿ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ  ﴾ قالوا: إن "عسى" في كلام الله للتحقيق.

ولا يصح على إطلاقه لأنه يسلب الكلمة معناها فكأنه لا محل لها، ونقول فيها ما قلناه في لعل وهو أن معناها الإعداد والتهيئة، والمعنى أنه تعالى يعدهم ويهيؤهم لعفوه، والنكتة في اختيار التعبير عن التحقيق بعسى الدالة على الترجي -أن صح- هي تعظيم أمر ترك الهجرة وتغليظ جرمه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل