الآية ١١ من سورة الدخان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 44 الدخان > الآية ١١ من سورة الدخان

يَغْشَى ٱلنَّاسَ ۖ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الدخان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الدخان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهكذا قوله : ( يغشى الناس ) أي : يتغشاهم ويعمهم ، ولو كان أمرا خياليا يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه : ( يغشى الناس ) وقوله : ( هذا عذاب أليم ) أي : يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا ، كقوله تعالى : ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون ) [ الطور : 13 ، 14 ] ، أو يقول بعضهم لبعض ذلك .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( يغشَى الناس ) : يقول: يغشى أبصارهم من الجهد الذي يصيبهم.( هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) يعني أنهم يقولون مما نالهم من ذلك الكرب والجهد: هذا عذاب أليم.

وهو الموجع, وترك من الكلام (يقولون) استغناء بمعرفة السامعين معناه من ذكرها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يغشى الناس هذا عذاب أليم قال : فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل : يا رسول الله ، استسق الله لمضر فإنها قد هلكت .

قال : ( لمضر !

إنك لجرئ ) فاستسقى فسقوا ، فنزلت إنكم عائدون .

فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية ، فأنزل الله - عز وجل - : يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون قال : يعني يوم بدر .

قال أبو عبيدة : والدخان الجدب .

القتبي سمي دخانا ليبس الأرض منه حين يرتفع منها كالدخان .

القول الثالث : إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة ، قاله عبد الرحمن الأعرج ( يغشى الناس ) في موضع الصفة للدخان ، فإن كان قد مضى على ما قال ابن مسعود فهو خاص بالمشركين من أهل مكة ، وإن كان من أشراط الساعة فهو عام على ما تقدم .

هذا عذاب أليم أي : يقول الله لهم : ( هذا عذاب أليم ) فمن قال : إن الدخان قد مضى فقوله : ( هذا عذاب أليم ) حكاية حال ماضية ، ومن جعله مستقبلا .

فهو حكاية حال آتية .

وقيل : ( هذا ) بمعنى ذلك .

وقيل : أي : يقول الناس لذلك الدخان : ( هذا عذاب أليم ) وقيل : هو إخبار عن دنو الأمر ، كما تقول : هذا الشتاء فأعد له .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

[يَغْشَى النَّاسَ } أي: يعمهم ذلك الدخان ويقال لهم: { هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } واختلف المفسرون في المراد بهذا الدخان، فقيل: إنه الدخان الذي يغشى الناس ويعمهم حين تقرب النار من المجرمين في يوم القيامة وأن الله توعدهم بعذاب يوم القيامة وأمر نبيه أن ينتظر بهم ذلك اليوم.ويؤيد هذا المعنى أن هذه الطريقة هي طريقة القرآن في توعد الكفار والتأني بهم وترهيبهم بذلك اليوم وعذابه وتسلية الرسول والمؤمنين بالانتظار بمن آذاهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" يغشى الناس هذا عذاب أليم "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يغشى الناس» فقالوا «هذا عذاب أليم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فانتظر -أيها الرسول- بهؤلاء المشركين يوم تأتي السماء بدخان مبين واضح يعمُّ الناس، ويقال لهم: هذا عذاب مؤلم موجع، ثم يقولون سائلين رفعه وكشفه عنهم: ربنا اكشف عنا العذاب، فإن كشفته عنا فإنا مؤمنون بك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( يَغْشَى الناس ) صفة ثانية للدخان ، والمراد بهم كفار مكة وأمثالهم ممن أصابه الجوع والبلاء .أى : ارتقب - أيها الرسول الكريم - يوم تأتى السماء لهؤلاء المشركين بعذاب من صفاته أنه عذاب واضح ، يحسونه بحواسهم ، ويشعرون به شعورا جليا ، ومن صفاته كذلك أنه يحيط بهم من كل جوانبهم ، ويجعلهم يتضعرون إلينا ويقولون : ( هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أى : شديد ألمه ، وعظيم هوله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المراد بقوله: ﴿ فارتقب ﴾ انتظر ويقال ذلك في المكروه، والمعنى انتظر يا محمد عذابهم فحذف مفعول الارتقاب لدلالة ما ذكر بعده عليه وهو قوله: ﴿ هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ويجوز أيضاً أن يكون ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السماء ﴾ مفعول الارتقاب وقوله: ﴿ بِدُخَانٍ ﴾ فيه قولان: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قومه بمكة لما كذبوه فقال: اللهم اجعل سنيهم كسني يوسف فارتفع المطر وأجدبت الأرض وأصابت قريشاً شدة المجاعة حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف، فكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات ومقاتل مجاهد واختيار الفراء والزجاج وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه وكان ينكر أن يكون الدخان إلا هذا الذي أصابهم من شدة الجوع كالظلمة في أبصارهم حتى كانوا كأنهم يرون دخاناً، فالحاصل أن هذا الدخان هو الظلمة التي في أبصارهم من شدة الجوع، وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان بهذه الحالة وجهين: الأول: أن في سنة القحط يعظم يبس الأرض بسبب انقطاع المطر ويرتفع المطر ويرتفع الغبار الكثير ويظلم الهواء، وذلك يشبه الدخان ولهذا يقال لسنة المجاعة الغبراء الثاني: أن العرب يسمون الشر الغالب بالدخان فيقول كان بيننا أمر ارتفع له دخان، والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه أظلمت عيناه فيرى الدنيا كالمملوءة من الدخان.

والقول الثاني: في الدخان أنه دخان يظهر في العالم وهو إحدى علامات القيامة، قالوا فإذا حصلت هذه الحالة حصل لأهل الإيمان منه حالة تشبه الزكام، وحصل لأهل الكفر حالة يصير لأجلها رأسه كرأس الحنيذ، وهذا القول هو المنقول عن علي بن أبي طالب عليه السلام وهو قول مشهور لابن عباس واحتج القائلون بهذا القول بوجوه: الأول: أن قوله: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السماء بِدُخَانٍ ﴾ يقتضي وجود دخان تأتي به السماء وما ذكرتموه من الظلمة الحاصلة في العين بسبب شدة الجوع فذاك ليس بدخان أتت به السماء فكان حمل لفظ الآية على هذا الوجه عدولاً عن الظاهر لا لدليل منفصل، وإنه لا يجوز الثاني: أنه وصف ذلك الدخان بكونه مبيناً، والحالة التي ذكرتموها ليست كذلك لأنها عارضة تعرض لبعض الناس في أدمغتهم، ومثل هذا لا يوصف بكونها دخاناً مبيناً والثالث: أنه وصف ذلك الدخان بأنه يغشي الناس، وهذا إنما يصدق إذا وصل ذلك الدخان إليهم واتصل بهم والحال التي ذكرتموها لا توصف بأنها تغشي الناس إلا على سبيل المجاز وقد ذكرنا أن العدول من الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا لدليل منفصل الرابع: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم عليهما السلام ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر» قال حذيفة يا رسول الله وما الدخان فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية وقال: «دخان يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» رواه صاحب الكشاف وروى القاضي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «باكروا بالأعمال ستاً، وذكز منها طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان والدابة» أما القائلون بالقول الأول، فلا شك أن ذلك يقتضي صرف اللفظ عن حقيقته إلى المجاز، وذلك لا يجوز إلا عند قيام دليل يدل على أن حمله على حقيقته ممتنع والقوم لم يذكروا ذلك الدليل فكان المصير إلى ما ذكروه مشكلاً جداً، فإن قالوا الدليل على أن المراد ما ذكرناه، أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون ﴿ رَّبَّنَا اكشف عَنَّا العذاب إِنَّا مْؤْمِنُونَ ﴾ وهذا إذا حملناه على القحط الذي وقع بمكة استقام فإنه نقل أن القحط لما اشتد بمكة مشى إليه أبو سفيان وناشده بالله والرحم وأوعده أنه إن دعا لهم وأزال الله عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزال الله تعالى عنهم ذلك رجعوا إلى شركهم، أما إذا حملناه على أن المراد منه ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك، لأن عند ظهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا ﴿ رَّبَّنَا اكشف عَنَّا العذاب إِنَّا مْؤْمِنُونَ ﴾ ولم يصح أيضاً أن يقال لهم ﴿ إِنَّا كَاشِفُواْ العذاب قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾ والجواب: لم لا يجوز أن يكون ظهور هذه العلامة جارياً مجرى ظهور سائر علامات القيامة في أنه لا يوجب انقطاع التكليف فتحدث هذه الحالة، ثم إن الناس يخافون جداً فيتضرعون، فإذا زالت تلك الواقعة عادوا إلى الكفر والفسق، وإذ كان هذا محتملاً فقد سقط ما قالوه، والله اعلم.

ولنرجع إلى التفسير فنقول قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي ظاهر الحال لا يشك أحد في أنه دخان يغشي الناس أي يشملهم وهو في محل الجر صفة لقوله: ﴿ بِدُخَانٍ ﴾ وفي قوله: ﴿ هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قولان الأول: أنه منصوب لمحل بفعل مضمر وهو يقولون ويقولون منصوب على الحال أي قائلين ذلك الثاني: قال الجرجاني صاحب النظم هذا إشارة إليه وإخبار عن دنوه واقترابه كما يقال هذا العدو فاستقبله والغرض منه التنبيه على القرب.

ثم قال: ﴿ رَّبَّنَا اكشف عَنَّا العذاب ﴾ فإن قلنا التقدير: يقولون هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب فالمعنى ظاهر وإن لم يضمر القول هناك أضمرناه هاهنا والعذاب على القول الأول هو القحط الشديد، وعلى القول الثاني الدخان المهلك ﴿ إِنَّا مْؤْمِنُونَ ﴾ أي بمحمد وبالقرآن، والمراد منه الوعيد بالإيمان إن كشف عنهم العذاب.

ثم قال تعالى: ﴿ أنى لَهُمُ الذكرى ﴾ يعني كيف يتذكرون وكيف يتعظون بهذه الحالة وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الطاعة وهو ما ظهر على رسول الله من المعجزات القاهرة والبينات الباهرة ﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ ﴾ ولم يلتفتوا إليه ﴿ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ ﴾ وذلك لأن كفار مكة كان لهم في ظهور القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام قولان منهم من كان يقول إن محمداً يتعلم هذه الكلمات من بعض الناس لقوله: ﴿ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ  ﴾ وكقوله تعالى: ﴿ وأعانه عليه قومٌ آخرون  ﴾ ومنهم من كان يقول إنه مجنون والجن يلقون عليه هذه الكلمات حال ما يعرض له الغشي.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّا كَاشِفُواْ العذاب قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾ أي كما يكشف العذاب عنكم تعودون في الحال إلى ما كنتم عليه من الشرك، والمقصود التنبيه على أنهم لا يوفون بعهدهم وأنهم في حال العجز يتضرعون إلى الله تعالى، فإذا زال الخوف عادوا إلى الكفر والتقليد لمذاهب الأسلاف.

ثم قال تعالى: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى إِنَّا مُنتَقِمُونَ ﴾ قال صاحب الكشاف وقرئ نبطش بضم الطاء، وقرأ الحسن نبطش بضم النون كأنه تعالى يأمر الملائكة بأن يبطشوا بهم والبطش الأخذ بشدة، وأكثر ما يكون بوقع الضرب المتتابع ثم صار بحيث يستعمل في إيصال الآلام المتتابعة، وفي المراد بهذا اليوم قولان: القول الأول: أنه يوم بدر وهو قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد ومقاتل وأبي العالية رضي الله تعالى عنهم، قالوا إن كفار مكة لما أزال الله تعالى عنهم القحط والجوع عادوا إلى التكذيب فانتقم الله منهم يوم بدر.

والقول الثاني: أنه يوم القيامة روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر، وأنا أقول هي يوم القيامة، وهذا القول أصح لأن يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف بهذا الوصف العظيم، ولأن الانتقام التام إنما يحصل يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ ولأن هذه البطشة لما وصفت بكونها كبرى على الإطلاق وجب أن تكون أعظم أنواع البطش وذلك ليس إلا في القيامة ولفظ الانتقام في حق الله تعالى من المتشابهات كالغضب والحياء والتعجب، والمعنى معلوم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ثم ردّ أن يكونوا موقنين بقوله: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ (9) ﴾ وأن إقرارهم غير صادر عن علم وتيقن، ولا عن جدّ وحقيقة: بل قول مخلوط بهزء ولعب ﴿ يَوْمَ تَأْتِى السمآء ﴾ مفعول به مرتقب.

يقال: رقبته وارتقبته.

نحو: نظرته وانتظرته.

واختلف في الدخان؛ فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبه أخذ الحسن: أنه دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة يدخل في أسماع الكفرة، حتى يكون رأس الواحد منهم كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوّل الآيات: الدخان، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر» قال حذيفة: يا رسول الله، وما الدخان؟

فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، وقال: «يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» وعن ابن مسعود رضي الله عنه: خمس قد مضت: الروم، والدخان، والقمر، والبطشة، واللزام.

ويروى أنه قيل لابن مسعود: إن قاصاً عند أبواب كندة يقول: إنه دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأنفاس الخلق، فقال: من علم علماً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من علم الرجل أن يقول لشيء لا يعلمه: الله أعلم، ثم قال: ألا وسأحدّثكم أنّ قريشاً لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فقال: «اللَّهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهز، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان، وكان يحدّث الرجلُ الرجلَ فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا، فلما كشف عنهم رجعوا إلى شركهم ﴿ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴾ ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان ﴿ يَغْشَى الناس ﴾ يشملهم ويلبسهم، وهو في محل الجر صفة لدخان.

و ﴿ هذا عَذَابٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ مُؤْمِنُونَ ﴾ منصوب المحل بفعل مضمر، وهو: يقولون، ويقولون: منصوب على الحال، أي: قائلين ذلك.

﴿ إِنَّا مْؤْمِنُونَ ﴾ موعدة بالإيمان إن كشف عنهم العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فارْتَقِبْ ﴾ فانْتَظِرْ لَهم.

﴿ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ﴾ يَوْمَ شِدَّةٍ ومَجاعَةٍ فَإنَّ الجائِعَ يَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ كَهَيْئَةِ الدُّخانَ مَن ضَعْفِ بَصَرِهِ، أوْ لِأنَّ الهَواءَ يُظْلِمُ عامَ القَحْطِ لِقِلَّةِ الأمْطارِ وكَثْرَةِ الغُبارِ، أوْ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الشَّرَّ الغالِبَ دُخانًا وقَدْ قَحَطُوا حَتّى أكَلُوا جِيَفَ الكِلابِ وعِظامَها، وإسْنادُ الإتْيانِ إلى السَّماءِ لِأنَّ ذَلِكَ يَكُفُّهُ عَنِ الأمْطارِ، أوْ يَوْمَ ظُهُورِ الدُّخّانِ المَعْدُودِ في أشْراطِ السّاعَةِ لِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قالَ: أوَّلُ الآياتِ الدُّخانُ ونُزُولُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ أبِينَ تَسُوقُ النّاسَ إلى المَحْشَرِ.

قِيلَ: وما الدُّخانُ؟

فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ  الآيَةَ وقالَ: «يَمْلَأُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، أمّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ وأمّا الكافِرُ فَهو كالسَّكْرانِ يَخْرُجُ مِن مَنخَرَيْهِ وأُذُنَيْهِ ودُبُرِهِ» أوْ يَوْمَ القِيامَةِ والدُّخانِ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ.

﴿ يَغْشى النّاسَ ﴾ يُحِيطُ بِهِمْ صِفَةٌ لِلدُّخانِ وقَوْلُهُ: ﴿ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يَغْشَى الناس} يشملهم ويلبسهم وهو في محل الجر صفة

{هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ} {رَبَّنا اكشف عَنَّا العذاب إنا مؤمنون}

لدخان وقوله {هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَغْشى النّاسَ ﴾ أيْ يُحِيطُ بِهِمْ والمُرادُ بِهِمْ كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن جَعَلَ اَلدُّخانَ ما هو مِن أشْراطِ اَلسّاعَةِ حَمَلَ اَلنّاسَ عَلى مَن أدْرَكَهُ ذَلِكَ اَلْوَقْتُ، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ حَمَلَ اَلنّاسَ عَلى اَلْعُمُومِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلدُّخانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا أيْ قائِلِينَ أوْ يَقُولُونَ هَذا إلَخْ.

والإشارَةُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ إخْبارًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في قِصَّةِ اَلذَّبِيحِ ﴿ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ ﴾ فَهو اِسْتِئْنافٌ أوِ اِعْتِراضُ والإشارَةُ بِهَذا لِلدَّلالَةِ عَلى قُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وما تَقَدَّمَ أوْلى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ رَبَّنا ﴾ إلى آخِرِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ وعْدٌ مِنهم بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ جَلَّ وعَلا عَنْهُمُ اَلْعَذابَ، فَكَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا إنْ كَشَفْتَ عَنّا اَلْعَذابَ آمَنّا لَكِنْ عَدَلُوا عَنْهُ إلى ما في اَلْمُنَزَّلِ إظْهارًا لِمَزِيدِ اَلرَّغْبَةِ وحَمَلُوهُ عَلى ذَلِكَ لِما في بَعْضِ اَلرِّواياتِ أنَّهُ لَمّا اِشْتَدَّ اَلْقَحْطُ بِقُرَيْشٍ مَشى أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وناشَدَهُ اَلرَّحِمَ وواعَدَهُ إنْ دَعا لَهم وزالَ ما بِهِمْ آمَنُوا والمُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ يعني: يستهزئون.

ويقال: هذا جواب قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ فكأنه قال: لا يوقنون، بل هم فى شك يلعبون يعني: يخوضون في الباطل.

قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يعني: فانتظر يا محمد يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يعني: الجدب والقحط قال القتبي: سمي الجدب والقحط.

دخاناً، وفيه قولان: أحدهما أن الجائع كأنه يرى بينه وبين السماء دخاناً من شدة الجوع، والثاني: أنه سمي القحط دخاناً، ليبس الأرض، وانقطاع النبات، وارتفاع الغبار، فشبه بالدخان.

وروى الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: «خمس مضين، الدخان واللزام يعني: العذاب الأكبر، والروم، والبطشة، والقمر.

وروي عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في المسجد، فسئل عن قوله: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ فقال: إذا كان يوم القيامة، نزل دخان من السماء، فأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، وأخذ المؤمنون منه بمنزلة الزكام.

قال مسروق: فدخلت على عبد الله فأخبرته، وكان متكئاً، فاستوى قاعداً.

ثم أنشأ فقال: يا أَيُّهَا الناس: من كان عنده علم فسئل عنه، فليقل به، ومن لم يكن عنده علم، فليقل الله أعلم.

إن قريشاً حين كذبوه يعني:  دعا عليهم فقال: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كسِنِّي يُوسُف- عَلَيْهِ السَّلام-» فأصابهم سنة، وشدة الجوع، حتى أكلوا الكلاب، والجيف والعظام، حتى كان يرى أحدهم كأن بينه وبين السماء دخاناً.

فذلك قوله: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يعني: انتظر بهلاكهم يوم تأتى السماء بدخان مبين يَغْشَى النَّاسَ يعني: أهل مكة هذا عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: يقولون: هذا الجوع عذاب أليم ثم إن أبا سفيان وعتبة بن ربيعة والعاص بن وائل وأصحابهم قالوا: يا رسول الله استسق الله لنا، فقد أصابنا شدة.

قوله تعالى: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ يعني: الجوع إِنَّا مُؤْمِنُونَ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى يعني: من أين لهم التوبة والعظة والتذكرة وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ بلغتهم ومفقه لهم ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ يعني: أعرضوا عما جاء به، فلم يصدقوه ومع ذلك وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ يعلمه جبر ويسار أسماء الرجلين غلامي الخضر إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ إلى المعصية، فعادوا فانتقم منهم يوم بدر، فذلك قوله: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى يعني: نعاقب العقوبة العظمى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ منهم بكفرهم ويقال: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى يعني: يوم القيامة.

ويقال: آية الدخان لم تمض، وستكون في آخر الزمان.

وروى إسرائيل عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي-  - قال: لم تمض آية الدخان يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينتفخ الكافر حتى يصير كهيئة الجمل.

وروى ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: «أخْبِرْتُ أنَّ الكَوْكَب ذَا الذَّنب قد طَلَعَ، فَخَشِيتُ أنْ يَكونَ الدُّخَانَ قَد طَرق» ويقال: هذا كله يوم القيامة، إذا خرجوا من قبورهم، تأتي السماء بدخان مبين، محيط بالخلائق فيقول الكافرون: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ أي: ردنا إلى الدنيا إِنَّا مُؤْمِنُونَ يقول الله تعالى: من أين لهم الرجعة، وقد جاءهم رسول مبين فلم يجيبوه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الأحاديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «تُقْطَعُ الآجَالُ مِنْ شَعْبَانَ إلَى شَعْبَانَ، حتى إنَّ الرَّجُلَ ليَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ، وَلَقَدْ خَرَجَ اسمه في الموتى «١» » وقال قتادة، والحسن، ومجاهد: يُفْصَلُ في ليلة القدر كُلُّ ما في العامِ المُقْبِلِ، من الأقدار، والأرزاقِ، والآجال، وغير ذلك، وأَمْراً نُصِبَ على المصدر «٢» .

وقوله: إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يحتمل أنْ يريدَ الرُّسُلَ والأَشْيَاءَ، ويحتمل أَنْ يريدَ الرحمة التي ذكر بَعْدُ، واختلف الناس في «الدخان» الذي أمر اللَّه تعالى بارتقابه، فقالت فرقة منها عليٌّ، وابن عباس، وابن عمر، والحَسَنُ بْنُ أبي الحَسَنِ، وأبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: هو دُخَانٌ يجيء قَبْلَ يومِ القيامة، يُصِيبُ المؤمنَ منه مِثْلُ الزكام، ويَنْضَحُ رُؤُوسَ المنافِقِينَ والكافِرِينَ، حتى تكونَ كأنَّها مَصْلِيَّةٌ حنيذة «٣» ، وقالت فرقة، منها ابن مسعود: هذا الدخان قد رأته قريشٌ حين دعا عليهم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فكان الرجُلُ يرى من الجُوع دُخَاناً بينه وبين السماء «٤» وما/ يأتي من الآيات يُؤَيِّدُ هذا التأويلَ، وقولهم: إِنَّا مُؤْمِنُونَ كان ذلك منهم مِنْ غَيْرِ حقيقةٍ، ثم قال تعالى: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى أي: من أين لهم التَّذَكُّرُ وَالاتعاظُ بعد حُلُولِ العذاب؟

وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ يعني: محمداً صلّى الله عليه وسلّم ف تَوَلَّوْا عَنْهُ، أي: أعرضوا وَقالُوا: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ.

وقوله: إِنَّكُمْ عائِدُونَ أي: إلى الكفر، واختلف في يوم البَطْشَةِ الكبرى، فقالتْ فرقةٌ: هو يوم القيامة، وقال ابن مسعود وغيره: هو يوم بدر «٥» .

وقوله: أَنْ أَدُّوا مأخوذ من الأداء، كأنَّه يقول: أنِ ادْفَعُوا إليَّ، وأعطوني، ومَكِّنُوني من بني إسرائيل، وَإيَّاهم أراد بقوله: عِبادَ اللَّهِ، وقال ابن عباس: المعنى:

اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحَقِّ «١» ، فعباد اللَّه على هذا مُنَادًى مضافٌ، والمؤدى هي الطاعة، والظاهر من شرع موسى ع أَنَّهُ بُعِثَ إلى دعاء فرعونَ إلَى الإيمَان، وأَنْ يرسل بني إسرائيل، فلمَّا أبى أَنْ يُؤمن ثبتت المكافحة في أنْ يرسل بني إسرائيل، وقوله بعد: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ كالنَّصَّ في أَنَّه آخر الأمرِ، إنَّما يطلب إرسال بني إسرائيل فقط.

وقوله: وَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ...

الآية: المعنى: كانت رسالته، وقوله: أَنْ أَدُّوا وَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ أيْ: على شرع اللَّه، وَعَبَّرَ بالعلوّ عن الطغيان والعتوّ، وأَنْ تَرْجُمُونِ معناه: الرجم بالحجارة المُؤَدِّي إلى القتل قاله قتادة وغيره «٢» ، وقيل:

أراد الرجم بالقول، والأول أظهر لأنَّه الذي عاذَ منه، ولم يَعُذْ من الآخر.

- قلت-: وعن ابن عمر قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنِ استعاذ باللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ باللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ استجار باللَّهِ فَأَجِيرُوهُ، وَمَنْ أتى إلَيْكُمْ بِمَعْرُوفٍ/ فَكَافِئوهُ، فَإنْ لَمْ تَقْدِرُوا فادعوا لَهُ حتى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ «٣» » ، رواه أبو داود، والنسائيُّ، والحاكم، وابن حِبَّانَ في «صحيحيهما» ، واللفظ للنِّسَائِيِّ، وقال الحاكم: صحيحٌ على شَرْطِ الشيخَيْنِ- يعني البخاريَّ ومسلماً- اهـ من «السلاح» .

وقوله: فَاعْتَزِلُونِ متاركَةٌ صريحةٌ، قال قتادة: أراد خلّوا سبيلي.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ فارْتَقِبْ ﴾ أيْ: فانْتَظِرَ ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ﴾ اخْتَلَفُوا في هَذا الدُّخانِ ووَقْتِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: [أنَّهُ] دُخانٌ يَجِيءُ قَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ الدُّخانَ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ بِأنْفاسِ الكُفّارِ، ويَأْخُذُ المُؤْمِنِينَ مِنهُ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ.» ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي مَلِيكَةَ قالَ: غَدَوْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ ذاتَ يَوْمٍ، فَقالَ: ما نِمْتُ اللَّيْلَةَ حَتّى أصْبَحْتُ، قُلْتُ: لِمَ؟

قالَ: طَلَعَ الكَوْكَبُ ذُو الذَّنَبِ، فَخَشِيتُ أنْ يَطْرُقَ الدُّخانُ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّ قُرَيْشًا أصابَهم جُوعٌ، فَكانُوا يَرَوْنَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّماءِ دُخانًا مِنَ الجُوعِ؛ فَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ مَسْرُوقٍ، قالَ: «كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنا رَجُلٌ، فَقالَ: جِئْتُكَ مِنَ المَسْجِدِ وتَرَكْتُ رَجُلًا يَقُولُ في هَذِهِ [الآيَةِ] "يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ": يَغْشاهم يَوْمَ القِيامَةِ دُخانٌ يَأْخُذُ بِأنْفاسِهِمْ حَتّى يُصِيبَهم مِنهُ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ؛ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أعْلَمُ، إنَّما كانَ [هَذا] لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا اسْتَعْصَتْ عَلى النَّبِيِّ  دَعا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، فَأصابَهم قَحْطٌ وجَهْدٌ، حَتّى أكَلُوا العِظامَ والمَيْتَةَ، وجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ فَيَرى ما بَيْنَهُ وبَيْنَها كَهَيْئَةِ الدُّخانِ مِنَ الجَهْدِ، فَقالُوا: ﴿ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ ﴾ ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ ﴾ ، فَكَشَفَ عَنْهُمْ، ثُمَّ عادُوا إلى الكُفْرِ، فَأُخِذُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى ﴾ »، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبُ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ لَمّا حُجِبَتِ السَّماءُ بِالغَبْرَةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا عَذابٌ ﴾ أيْ: يَقُولُونَ: هَذا عَذابٌ.

﴿ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الجُوعُ.

والثّانِي: الدُّخانُ ﴿ إنّا مُؤْمِنُونَ ﴾ بِمُحَمَّدٍ  والقُرْآنِ.

﴿ أنّى لَهُمُ الذِّكْرى ﴾ أيْ: مِن أيْنَ لَهُمُ التَّذَكُّرُ والِاتِّعاظُ بَعْدَ نُزُولِ هَذا البَلاءِ، "وَ" حالُهم أنَّهُ " قَدّ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ " أيْ: ظاهِرُ الصِّدْقِ؟!

﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ ﴾ أيْ: أعْرَضُوا ولَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَهُ: ﴿ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ﴾ أيْ: هو مُعَلَّمٌ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ مَجْنُونٌ بِادِّعائِهِ النُّبُوَّةَ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا ﴾ أيْ: زَمانًا يَسِيرًا.

وفي العَذابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الضُّرُّ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ كُشِفَ بِالخِصْبِ، هَذا عَلى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: كَشَفَهُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الدُّخانُ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكم عائِدُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إلى الشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: إلى عَذابِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وأبُو عِمْرانَ: "يَوْمَ تُبْطَشُ" بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الطّاءِ "البَطْشَةُ" بِالرَّفْعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ نَبْطِشُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: "مُنْتَقِمُونَ"، لِأنَّ ما بَعْدَ "إنّا" لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيما قَبْلَها.

وَفِي هَذا اليَوْمِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَوْمُ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والبَطْشُ: الأخْذُ بِقُوَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَغْشى الناسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ أنّى لَهُمُ الذِكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْا عنهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ﴾ ﴿ إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ ﴾ ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ ﴿ "يَغْشى": ﴾ مَعْناهُ: يُغَطِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ يَعْجَبُ مِنهُ، عَلى نَحْوِ مِن قَوْلِهِ تَعالى لَمّا وصَفَ قِصَّةَ الذَبْحِ: ﴿ إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ مِن قَوْلِ الناسِ، كَأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يَقُولُونَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ سِياقُهُ تَعالى حِكايَةً عنهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ ﴾ ، وعَلِمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ قَوْلَهم في حالِ الشِدَّةِ: ﴿ إنّا مُؤْمِنُونَ ﴾ إنَّما هو عن غَيْرِ حَقِيقَةٍ مِنهُمْ، فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنّى لَهُمُ الذِكْرى ﴾ ، أيْ: مَن أيْنَ لَهم أنْ يَتَذَكَّرُوا وهم قَدْ تَرَكُوا الذِكْرى وراءَ ظُهُورِهِمْ بِأنْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ، وهو مُحَمَّدٌ  فَكَفَرُوا بِهِ؟

و"تَوَلَّوْا عنهُ": أيْ: أعْرَضُوا، وقالُوا: إنَّهُ يَعْلَمُ هَذا الكَلامَ الَّذِي يَتْلُو، وإنَّهُ مَجْنُونٌ، وإخْبارُهُ تَعالى بِأنَّهُ يَكْشِفُ عنهُمُ العَذابَ قَلِيلًا إخْبارٌ عن إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ، وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمِعادِ الآخِرَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ يَنْتَقِمُ مِنهم بِسَبَبِ هَذا كُلِّهِ في يَوْمِ البَطْشَةِ، وقَدَّمَ اليَوْمَ وذَكَرَهُ عَلى الَّذِي عَمِلَ فِيهِ تَهَمُّمًا بِهِ وتَخْوِيفًا مِنهُ، والعامِلُ فِيهِ ﴿ "مُنْتَقِمُونَ"، ﴾ وقَدْ ضَعَّفَ البَصْرِيُّونَ هَذا مِن حَيْثُ هو خَبَرُ "إنَّ"، وأبْعَدُوا أنْ يَعْمَلَ خَبَرُها فِيما قَبْلَها، وقالُوا: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ "مُنْتَقِمُونَ".

﴾ واخْتَلَفَ الناسُ في يَوْمِ البَطْشَةِ الكُبْرى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "نَبْطِشُ" ﴾ بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الطاءِ، ومَعْناها: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى قَوْمَ فِرْعَوْنَ عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، و ﴿ "فَتَنّا" ﴾ مَعْناهُ: امْتَحَنّا واخْتَبَرْنا، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ": قالَ قَتادَةُ: هو مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ومَعْنى الآيَةِ يُعْطِي ذَلِكَ بِلا خِلافٍ، وهُنا مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: قالَ لَهُمْ: أدُّوا، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ الأداءِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أنِ ادْفَعُوا إلَيَّ وأعْطُونِي ومَكِّنُونِي، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الشَيْءِ المُؤَدّى في هَذِهِ الآيَةِ، ما هُوَ؟

فَقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وإيّاهم أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ عِبادَ اللهِ ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: اتَّبِعُونِي إلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿ عِبادَ اللهِ ﴾ مُنادى مُضافٌ، والمُؤَدّى: هي الطاعَةُ والإيمانُ والأعْمالُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ بُعِثَ إلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ إلى الإيمانِ، وأنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا أبى أنْ يُؤْمِنَ، ثَبَتَتِ المُكافَحَةُ في أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، وفي إرْسالِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿ أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللهِ ﴾ ، أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿ وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ  ﴾ ، وهَذا قَرِيبُ نَصٍّ في أنَّهُ إنَّما يَطْلُبُ بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأسْرِ بِعِبادِي  ﴾ ، فَكُنِّيَ عنهم بِـ "عِبادِي"، فَيُظْهِرُ أنَّهُ إيّاهم أرادَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ عِبادَ اللهِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ رَسُولٌ أمِينٌ ﴾ مَعْناهُ: عَلى وحْيِ اللهِ تَعالى أُؤَدِّيهِ إلى عِبادِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على جملة ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ [الدخان: 9] قُصد منه وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بانتقام الله من مكذبيه، ووعيد المشركين على جحودهم بدلائل الوحدانية وصدق الرسول وعكوفهم على اللعب، أي الاستهزاء بالقرآن والرسول، وذكر له مخوفات للمشركين لإعدادهم للإيمان وبطشةُ انتقام من أيمتهم تستأصلهم.

فالخطاب في ﴿ ارتقبْ ﴾ للنبيء صلى الله عليه وسلم والأمر مستعمل في التثبيت.

والارتقاب: افتعال من رقَبَه، إذا انتظره، وإنما يكون الانتظار عند قرب حصول الشيء المنتظر.

وفعل (ارتقب) يقتضي بصريحه أن إتيان السماء بدخان لم يكن حاصلاً في نزول هذه الآية، ويقتضي كنايةً عن اقتراب وقوعه كما يُرتقب الجائي من مكان قريب.

و ﴿ يوم ﴾ اسم زمان منصوب على أنه مفعول به ل (ارتقب) وليس ظرفاً وذلك كقوله تعالى: ﴿ يخافون يوماً ﴾ [النور: 37]، وهو مضاف إلى الجملة بعده لتمييز اليوم المراد عن بقية الأيام بأنه الذي تأتي فيه السماء بدخان مبين فنصب ﴿ يومَ ﴾ نصب إعراب ولم ينون لأجل الإضافة.

والجملة التي يضاف إليها اسم الزمان تستغني عن الرابط لأن الإضافة مغنية عنه.

ولأن الجملة في قوة المصدر.

والتقدير: فارتقب يوم إتيان السماء بدخان.

وأطلق اليوم على الزمان فإن ظهور الدخان كان في أياممٍ وشهور كثيرة.

والدخان: ما يتصاعد عند إيقاد الحَطب، وهو تشبيه بليغ، أي بمثل دخان.

والمبين: البين الظاهر، وهو اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بَان.

والمعنى: أنه ظاهر لكل أحد لا يُشك في رؤيته.

وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: الدخان في الآية هو: الغبار الذي يتصاعد من الأرض من جراء الجفاف وأن الغبار يسمّيه العرب دُخَاناً وهو الغبار الذي تثيره الرياح من الأرض الشديدة الجفاف.

وعن الأعرج: أنه الغبار الذي أثارته سنابك الخيل يوم فتح مكة فقد حجبت الغبرة السماء، وإسناد الإتيان به إلى السماء مجاز عقلي لأن السماء مكانه حين يتصاعد في جو السماء أو حين يلوح للأنظار منها.

والكلام يؤذن بأن هذا الدخان المرتقب حادث قريب الحصول، فالظاهر أنه حَدث يكون في الحياة الدنيا، وأنه عقاب للمشركين.

فالمراد بالنّاس من قوله: ﴿ يغشى الناس ﴾ هم المشركون كما هو الغالب في إطلاق لفظ الناس في القرآن، وأنه يُكشف زمناً قليلاً عنهم إعذاراً لهم لعلهم يؤمنون، وأنهم يعودون بعد كشفه إلى ما كانوا عليه، وأن الله يعيده عليهم كما يؤذن بذلك قوله: ﴿ إنّا كاشفوا العذاب قليلاً ﴾ [الدخان: 15].

وأما قوله: ﴿ يوم نبطش البطشة ﴾ [الدخان: 16] فهو عذاب آخر.

وكل ذلك يؤذن بأن العذاب بالدخان يقع في الدنيا وأنه مستقبل قريب، وإذ قد كانت الآية مكية تعيّن أن هذا الدخان الذي هو عذاب للمشركين لا يصيب المؤمنين لقوله تعالى: ﴿ وما كان الله لِيُعذِّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ [الأنفال: 33] فتعيّن أن المؤمنين يوم هذا الدخان غير قاطنين بدار الشرك، فهذا الدخان قد حصل بعد الهجرة لا محالة وتعيّن أنه قد حصل قبل أن يسلم المشركون الذين بمكة وما حولها فيتعيّن أنه حصل قبل فتح مكة أو يوم فتح مكة على اختلاف الأقوال.

والأصح أن هذا الدخان عُني به ما أصاب المشركين من سِنِي القحط بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

والأصح في ذلك حديث عبد الله بن مسعود في «صحيح البخاري» عن مسلم وأبي الضحى عن مسروق قال: دخلتُ على عبد الله بن مسعود فقال: إنَّ قريشاً لما غَلَبوا على النبي صلى الله عليه وسلم واستعصوا عليه قال: اللّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سَنة أكلوا فيها العظام والميتةَ من الجَهْد حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع فأُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: استسققِ لمُضر أن يكشف عنهم العذاب، فدعا فكشف عنهم وقال الله له: إنْ كشفنا عنهم العذاب عَادوا، فعادُوا: فانتقم الله منهم يومَ بدر فذلك قوله تعالى: ﴿ فارتقب يوم تأتي السماء بدخاننٍ مبينٍ ﴾ إلى قوله ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ [الدخان: 10 16] والبطشة الكبرى يوم بدر.

وإن عبَد الله قال: مَضى خمس: الدخانُ، والرومُ والقَمَرُ والبطشة واللِّزَام.

في حديث أبي هريرة في «صحيح البخاري» في أبواب الاستسقاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة من الصبح يقول: " اللهم أنْج عياش بن أبي ربيعة.

اللّهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وطْأتَك على مُضَر، اللهم اجعلها عليهم سنينَ كسنيننِ يوسُف " وهؤلاء الذين دعا لهم بالنجاة كانوا ممن حبسهم المشركون بعد الهجرة، وكل هذه الروايات يؤذن بأن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين بالسنين كان بعد الهجرة لئلا يعذب المسلمون بالجوع وأنه كان قبل وقعة بدر، وفي بعض روايات القنوت أنه دعا في القنوت على بني لحيان وعُصيَّة.

والذي يستخلص من الروايات أن هذا الجوع حلّ بقريش بُعيد الهجرة، وذلك هو الجوع الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: " اللّهم أعِنِّي عليهم بسبَععٍ كسَبْععِ يُوسف " وفي رواية " اللّهم اشْدُدْ وَطْأتَك على مُضر، اللهم اجعلها عليهم سِنين كسنيننِ يوسف " فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: استسق لِمُضَر وفي رواية عن مسروق عن ابن مسعود في «صحيح البخاري» أن الذي أتى النبي هو أبُو سفيان.

وقال المفسرون: إن أبا سفيان أتاه في ناس من أهل مكة يعني أتوا المدينة لمَّا علموا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان دعا عليهم بالقحط، فقالوا: إن قومك قد هلَكُوا فادع الله أن يسقيهم فدعا.

وعلى هذه الرواية يكون قوله تعالى: ﴿ يوم تأتي السماء بدخان مبين ﴾ تمثيلاً لهيئة ما يراه الجائعون من شبه الغِشاوة على أبصارهم حين ينظرون في الجوّ بهيئة الدخان النازل من الأفق، فالمجاز في التركيب.

وأما مفردات التركيب فهي مستعملة في حقائقها لأن من معاني السماء في كلام العرب قُبة الجو، وتكون جملة ﴿ يغشى الناس ﴾ ترشيحاً للتمثيلية لأن الذي يغشاهم هو الظلمة التي في أبصارهم من الجوع، وليس الدخانَ هو الذي يغشاهم.

وبعض الروايات ركب على هذه الآية حديثَ الاستسقاء الذي في «الصحيح» أن رجلاً جاء يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: يا رسول الله هلك الزرع والضرع فادعُ الله أن يسقينا فرفع يديه وقال: اللّهم اسقنَا ثلاثاً، وما يُرَى في السماء قَزَعَةُ سحاب، فتلبدت السماء بالسحاب وأمطروا من الجمعة إلى الجمعة حتى سالت الأودية وسال وادي قَنَاة شهراً، فأتاه آت في الجمعة القابلة هو الأول أو غيره، فقال: يا رسول الله تقطعت السبل فادع الله أن يمسك المطر عنا، فقال: اللّهم حَوَالَينا ولا علينا، فتفرقت السحب حتى صارت المدينة في شبه الإكليل من السحاب.

والجمع بين الروايتين ظاهر.

ويظهر أن هذا القحط وقع بعد يوم بدر فهو قحط آخر غير قحط قريش الذي ذكر في هذه الآية.

ومعنى ﴿ يغشى الناس ﴾ أنه يحيط بهم ويعمّهم كما تحيط الغَاشية بالجسد، أي لا ينجو منه أحد من أولئك الناس وهم المشركون.

فإن كان المراد من الدخان ما أصاب أبصارهم من رؤية مثل الغبرة من الجوع فالغشيان مجاز، وإن كان المراد منه غبار الحرب يوم الفتح فالغشيان حقيقة أو مجاز مشهور.

ويجوز أن يكون غباراً متصاعداً في الجو من شدة الجفاف.

وقوله: ﴿ هذا عذاب أليم ﴾ قال ابن عطية يجوز أن يكون إخباراً من جانب الله تعالى تعجيباً منه كما في قوله تعالى في قصة الذبيح ﴿ إنَّ هذا لهوَ البلاء المبين ﴾ [الصافات: 106].

ويحتمل أن يكون ذلك من قول الناس الذين يغشاهم العذاب بتقدير: يقولون: هذا عذاب أليم.

والإشارة في ﴿ هذا عذاب أليم ﴾ إلى الدخان المذكور آنفاً، عُدل عن استحضاره بالإضمار وأن يقال: هو عذاب أليم، إلى استحضاره بالإشارة، لتنزيله منزلة الحاضر المشاهد تهويلاً لأمره كما تقول: هذا الشتاء قادم فأعدَّ له.

وقريب منه الأمر بالنظر في قوله تعالى: ﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ [الأنعام: 24] فإن المحكي مما يحصل في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ﴾ في ارْتَقِبْ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فانْتَظِرْ يا مُحَمَّدُ بِهَؤُلاءِ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَعْناهُ فاحْفَظْ يا مُحَمَّدُ قَوْلَهم هَذا لِتَشْهَدَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الحافِظُ رَقِيبًا، قالَ الأعْشى عَلَيَّ رَقِيبٌ لَهُ حافِظٌ فَقُلْ في امْرِئٍ غِلْقٍ مُرْتَهِنٍ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما أصابَ أهْلَ مَكَّةَ مِن شِدَّةِ الجُوعِ حَتّى صارَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّماءِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  في إبْطائِهِمْ عَنِ الإيمانِ وقَصْدِهِمْ لَهُ بِالأذى، فَقالَ: « (اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ)» قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والدُّخانُ الجَدْبُ.

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سُمِّيَ دُخانًا لِيُبْسِ الأرْضِ مِنهُ حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها الدُّخانُ.

الثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ لَمّا حَجَبَتِ السَّماءُ الغُيُومَ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأعْرَجِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ دُخانٌ يَهِيجُ بِالنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ يَأْخُذُ المُؤْمِنَ مِنهُ كالزَّكْمَةِ، ويَنْفُخُ الكافِرَ حَتّى يَخْرُجَ مِن كُلِّ مَسْمَعٍ مِنهُ، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الدُّخانُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: الجُوعُ: قالَهُ النَّقّاشُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الثَّلْجُ وهَذا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ هَذا إمّا أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ أوْ في أهْلِ مَكَّةَ، ولَمْ تَكُنْ مَكَّةُ مِن بِلادِ الثَّلْجِ غَيْرَ أنَّهُ مَقُولٌ فَحَكَيْناهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ عائِدُونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ.

الثّانِي: إلى الشِّرْكِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

فَلَمّا كُشِفَ ذَلِكَ عَنْهم بِاسْتِسْقاءِ النَّبِيِّ  لَهم عادُوا إلى تَكْذِيبِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى ﴾ والبَطْشَةُ الكُبْرى هي العُقُوبَةُ الكُبْرى، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: القَتْلُ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: عَذابُ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّها قِيامُ السّاعَةِ لِأنَّها خاتِمَةُ بَطَشاتِهِ في الدُّنْيا.

﴿ إنّا مُنْتَقِمُونَ ﴾ أيْ مِن أعْدائِنا.

وَفي الفَرْقِ بَيْنَ النِّقْمَةِ والعُقُوبَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ العُقُوبَةَ بَعْدَ المَعْصِيَةِ لِأنَّها مِنَ العاقِبَةِ، والنِّقْمَةُ قَدْ تَكُونُ قَبْلَها، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّ العُقُوبَةَ قَدْ تَكُونَ في المَعاصِي، والنِّقْمَةُ قَدْ تَكُونُ في خَلْقِهِ لِأجْلِهِ.

الثّالِثُ: أنَّ العُقُوبَةَ ما تَقَدَّرَتْ، والِانْتِقامُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير، عن قتادة ﴿ فارتقب ﴾ أي فانتظر.

وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال: آية الدخان قد مضت.

وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عبيدة وأبي الأحوص، عن عبدالله قال: الدخان جوع أصاب قريشاً حتى كان أحدهم لا يبصر السماء من الجوع.

وأخرج ابن مردويه من طريق عتبة بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود قال: الدخان قد مضى، كان أناس أصابهم مخمصة وجوع شديد حتى كانوا يرون الدخان فيما بينهم وبين السماء.

وأخرج ابن مردويه من طريق أبي وائل، عن عبدالله ﴿ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ﴾ قال: جوع أصاب الناس بمكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن أبي العالية قال: مضى الدخان والبطشة الكبرى يوم بدر.

وأخرج عبد بن حميد، عن محمد بن سيرين قال: قال ابن مسعود: كل ما وعدنا الله ورسوله، فقد رأيناه غير أربع: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، فاما الدخان فقد مضى وكان سني كسني يوسف، وأما القمر فقد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما البطشة الكبرى فيوم بدر.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن مسروق قال: جاء رجل إلى عبدالله فقال: إني تركت رجلاً في المسجد يقول: في هذه الآية ﴿ يوم تأتي السماء بدخان ﴾ ﴿ يغشى الناس ﴾ يوم القيامة دخان، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام، فغضب وكان متكئاً، فجلس ثم قال: من علم منكم علماً فليقل به، ومن لم يكن يعلم، فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم، وسأحدثكم عن الدخان: إن قريشاً لما استصعبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطأوا عن الإِسلام قال: اللهم أَعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل الله: ﴿ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ﴾ فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله: استسق الله لمضر، فاستسقى لهم فسقوا، فأنزل الله: ﴿ إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون ﴾ أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟

فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم.

فأنزل الله: ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ فانتقم الله منهم يوم بدر، فقد مضى البطشة والدخان واللزام.

وأخرج البيهقي في الدلائل، عن ابن مسعود قال: «لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس إدباراً، قال: اللهم سبع كسبع يوسف فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكة، فقالوا يا محمد: إنك تزعم أنك قد بعثت رحمة، وأن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعاً، فشكا الناس كثرة المطر، فقال: اللهم حوالينا ولا علينا فانحدرت السحابة على رأسه، فسقي الناس حولهم.

قال: فقد مضت آية الدخان وهو الجوع الذي أصابهم.

وهو قوله: ﴿ إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون ﴾ وآية الروم والبطشة الكبرى وانشقاق القمر وذلك كله يوم بدر» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ يوم تأتي السماء بدخان مبين ﴾ قال: الجدب وإمساك المطر عن كفار قريش.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ يغشى الناس هذا عذاب أليم ﴾ قال: الأليم الموجع ﴿ ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ﴾ قال: الدخان ﴿ أنى لهم الذكرى ﴾ قال: أنى لهم التوبة ﴿ إنا كاشفوا العذاب قليلاً ﴾ يعني الدخان ﴿ إنكم عائدون ﴾ إلى عذاب الله يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أنى لهم الذكرى ﴾ قال: بعد وقوع البلاء بهم ﴿ وقد تولوا ﴾ ، عن محمد ﴿ وقالوا معلم مجنون ﴾ ثم كشف عنهم العذاب.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة، عن عبد الرحمن الأعرج ﴿ يوم تأتي السماء بدخان مبين ﴾ قال: كان يوم فتح مكة.

وأخرج ابن سعد من طريق ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: كان يوم فتح مكة دخان وهو قول الله: ﴿ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن علي قال: إن الدخان لم يمض بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ الكافر حتى ينفد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم بسند صحيح، عن ابن أبي مليكة قال: دخلت على ابن عباس رضي الله عنهما فقال: لم أنم هذه الليلة، فقلت: لم؟

قال: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يطرق الدخان.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عمر قال: يخرج الدخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدخان إذا جاء نفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع من مسامعه، ويأخذ المؤمن منه كالزكمة» .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: الدخان قد بقي وهو أول الآيات.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق الحسن، عن أبي سعيد الخدري قال: يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن، فيأخذه كهيئة الزكمة.

وأما الكافر، فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه.

وأخرج ابن جرير، عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً: «أول الآيات: الدجال ونزول عيسى ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان قال: حذيفة: يا رسول الله، وما الدخان؟

فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ﴾ يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر بمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» .

وأخرج ابن جرير والطبراني بسند جيد، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم أنذركم ثلاثاً الدخان يأخذ المؤمن منه كالزكمة، ويأخذ الكافر فينفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يهيج الدخان بالناس فأما المؤمن فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ قال: يوم بدر.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن أبيّ بن كعب ومجاهد والحسن وأبي العالية وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وقتادة وعطية مثله.

وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن رضي الله عنه قال: إن يوم البطشة الكبرى يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي العالية قال: كنا نتحدث أن قوله: ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى ﴾ يوم بدر والدخان قد مضى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير بسند صحيح، عن عكرمة قال: قال ابن عباس قال: ابن مسعود ﴿ البطشة الكبرى ﴾ يوم بدر وأنا أقول: هي يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَغْشَى النَّاسَ ﴾ من صفة قوله: (بِدُخَانٍ) والناس على القول الأول في الدخان: أهل مكة.

وعلى القول الثاني: عام (١) قوله تعالى: ﴿ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قال الفراء: يراد به ذلك العذاب.

قال: ويقال: إن الناس كانوا يقولون لهذا الدخان: عذاب (٢) (١) ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 131.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 40.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، أو من قول الناس لما أصابهم الدخان، وهذا أظهر لأن ما بعده من كلامهم باتفاق فيكون الكلام متناسقاً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ رب السموات ﴾ بالجر على البدل ﴿ من ربك ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالرفع ﴿ أني آتيكم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ترجموني ﴾ ﴿ فاعتزلوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ لي ﴾ بالفتح: ورش ﴿ فكهين ﴾ بغير الألف: يزيد ﴿ يغلي ﴾ على التذكير والضمير للطعام: ابن كثير وحفص والمفضل ورويس وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

الباقون: بتاء التأنيث والضمير للشجرة ﴿ فاعتلوه ﴾ بضم التاء: ابن كثير ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالكسر ﴿ ذق أنك ﴾ بفتح الهمزة على حذف لام التعليل.

﴿ في مقام ﴾ بضم الميم من الإقامة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ط بناء على أن التقدير أمرنا أمراً ﴿ من عندنا ﴾ ط ﴿ مرسلين ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ رحمة ﴾ مفعول له أو به أو التقدير رحمنا رحمة ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن خفض ﴿ رب ﴾ ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ الناس ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ عائدون ﴾ ه م لئلا يظن أن ما بعده ظرف للعود ﴿ الكبرى ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ عباد الله ﴾ ط ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ج ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ ترجمون ﴾ ه ﴿ فاعتزلون ﴾ ه ﴿ مجرمون ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه لا ﴿ رهوا ﴾ ط ﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ فاكهين ﴾ ه لا لأن المعنى تركوها مهيأة كما كانت ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه لا ﴿ من فرعون ﴾ ط ﴿ المفسرين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ بمنشرين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تبع ﴾ لا للعطف ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى ابتداء الأخبار ﴿ أهلكناهم ﴾ ج لأن التعليل أوضح ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ ه لا ﴿ رحم الله ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الأثيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ كالمهل ﴾ خبراً بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ في البطون ﴾ لا ﴿ الحميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ الحميم ﴾ ه ط لأن التقدير قولوا أو يقال له ذق ﴿ الكريم ﴾ ه ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وعيون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ متقابلين ﴾ ه ج لاحتمال أن يراد كما ذكرنا من حالهم قبل أو يكون التقدير الأمر كذلك ﴿ عين ﴾ ه ج لئلا يوهم أن ما بعده صفة للحور ﴿ آمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة فإن الأمن لا يتم إلا به ﴿ الأولى ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً بإضمار قد ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول به ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ مرتقبون ﴾ ه.

التفسير: أقسم بالقرآن ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة ﴾ لأن من شأننا الإنذار والتخويف من العقاب وإنما أنزل في هذه الليلة خصوصاً لأن إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة فالجملتان - أعني قوله ﴿ إنا كنا منذرين فيها يفرق على أمر حكيم ﴾ كالتفسير لجواب القسم قال صاحب النظم: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه فجواب القسم ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ وقوله ﴿ إنا أنزلناه ﴾ اعتراض.

والجمهور على الأول ولا بأس لأن المعنى إنا أنزلنا القرآن على محمد ولم يتقوله، ويحتمل أن القسم وقع على إنزاله في ليلة مباركة.

وأكثر المفسرين على أنها ليلة القدر لقوله ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر  ﴾ وليلة القدر عند الأكثرين من رمضان.

ونقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت، والليلة المباركة هي ليلة القدر.

وزعم بعضهم كعكرمة وغيره أنها ليلة النصف من شعبان.

وما رأيت لهم دليلاً يعوَّل عليه.

قالوا: وتسمى ليلة البراءة أيضاً وليلة الصك لأن الله  يكتب لعباده المؤمنين البراءة من النار في هذه الليلة.

وروي أن النبي  قال: " من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله  إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشراً يدفعون عنه مكايد الشيطان." " وقال " "إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب" وقال: " إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو ساخر أو مدمن خمر أو عاق للوالدين أو مصر على الزنا" ومما أعطى فيها رسول الله  تمام الشفاعة وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر منها فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير.

ومن عادة الله عز وجل في هذه الليلة أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة.

وبعضهم أراد أن يجمع بين القولين فقال: ابتدىء بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر.

والمباركة الكثيرة الخير ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة.

ومعنى ﴿ يفرق ﴾ يفصل ويكتب ﴿ كل أمر ﴾ هو ضد النهي أو كل أمر له شأن من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى العام القابل، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسوف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، ونسخة المصائب إلى ملك الموت.

وقيل: يعطي كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته.

وفي انتصاب ﴿ أمراً ﴾ وجوه: إما أن يكون حالاً من ﴿ أمر حكيم ﴾ لأنه قريب من المعرفة أو من الهاء في ﴿ أنزلناه ﴾ أو من الفاعل أي آمرين، أو على المصدر لأمر، أو على الاختصاص لأن كونه من عند الله يوجبه مزيد شرف وفخامة، أو يكون مصدراً من غير لفظ الفعل وهو ﴿ يفرق ﴾ لأنه إذا حكم بالشيء وفصله وكتبه فقد أوجبه وأمر به قوله ﴿ إنا كنا مرسلين ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من قوله  ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ أي أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة، ويحتمل كونه تعليلاً ليفرق، أو لقوله ﴿ أمراً من عندنا ﴾ وقوله ﴿ من ربك ﴾ وضع للظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة.

ثم حقق ربوبيته بقوله ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ إلى قوله الأولين.

ومعنى الشرط في قوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ نظير ما هو في أول الشعراء وذلك أنهم كانوا مقرين بأنه رب السموات والأرض.

قيل لهم: إن كنتم على بصيرة وإيقان من ذلك فلا تشكوا فيه، أو إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم، أو إن كنتم تريدون اليقين فاعلموا ذلك.

وقيل: إن نافية ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ في الدنيا أو يستهزؤون بنا فلا جرم أوعدهم بقوله ﴿ فارتقب ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول به أي انتظره.

والأكثرون على أن هذا الدخان من أمارات القيامة فإن الدنيا ستصير كبيت لاخصاص له مملوء دخاناً يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيكونون كالسكارى، ويصيب المؤمن فيه كالزكام فيبقى ذلك أربعين.

وعن حذيفة أن النبي  قال "أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر" أبين بكسر الهمزة وفتحها اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها.

وقيل: الدخان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم يحيط بالخلائق ويغشاهم.

وقيل: الدخان الشر والفتنة.

وعن ابن مسعود: خمس قد مضت الروم والدخان والقمر والبطشة واللزام.

وذلك أن قريشاً لما استصعبت على رسول الله  عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ويوسف.

فأصابهم اللزام وهو القحط حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان فيسمع كلام صاحبه ولا يراه من الدخان.

فمشى إليه  أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا.

فلما كشف عنهم من الدخان رجعوا إلى شركهم وذلك قوله ﴿ هذا عذاب ﴾ أي قائلين هذا إلى آخره.

ثم استبعد منهم الاتعاظ بقوله ﴿ أنى لهم الذكرى وقد جاءهم ﴾ ما هو أعظم من كشف الدخان وهو القرآن المعجز وغيره فلم يتذكروا ﴿ وتولوا عنه ﴾ واتهموه  بأنه إنما يعلمهن بشر ونسبوه إلى الجنون.

ومعنى "ثم" تبعيد الحالتين.

ثم بين أنهم يعودون إلى الكفر عقيب كشف العذاب عنهم زماناً قليلاً.

واعلم أن ارتدادهم إلى الكفر أمر ممكن سواء يجعل الدخان من أمارات القيامة أو يقال إنه قد مضى.

والبطشة الكبرى القيامة أو يوم بدر على التفسيرين.

و ﴿ يوم ﴾ ظرف لما دل عليه منتقمون فإن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبله.

وقيل: بدل من ﴿ يوم تأتي السماء ﴾ ثم سلى رسوله  بقصة موسى.

ومعنى ﴿ فتنا ﴾ امتحنا وقد وصفه بالكرم لأنه كان حبيباً في قومه أو بكرم خلقه، أو المراد أنه لم يخاشنهم في التبليغ كما قال ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ "وأن" مفسرة لأن مجيء الرسول يتضمن القول، أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية والياء محذوف.

و ﴿ عباد الله ﴾ مفعول به لقوله { ﴿ أرسل معنا بني إسرائيل  ﴾ أو منادى والمعنى أدوا إليَّ يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان والطاعة.

والقصة مذكورة في "الشعراء" وغيرها و ﴿ وأن ترجمون ﴾ أن تقتلون أو تشتمون بالنسبة إلى الكذب والسحر ﴿ وإن لم تؤمنوا لي ﴾ أي لم تصدقوني ففارقوني وكونوا بمعزل عني لا عليّ ولا لي ﴿ فدعا ربه ﴾ شاكياً ﴿ أن هؤلاء قوم مجرمون ﴾ مصرون على الكفر ﴿ فأسر ﴾ أي فأجبنا دعاءه وقلنا له أسر وكان من دعائه اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم.

ويحتمل أن يكون الدعاء وهو ما في "يونس" ﴿ ربنا اطمس على أموالهم  ﴾ وفي ﴿ رهواً ﴾ وجهان: أحدهما ساكناً أي لا تضربه.

ثانياً واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبساً.

وذلك أن موسى أراد أن يضربه ثانياً حتى ينطبق ويزول الانفلاق خوفاً من أن يدركهم قوم فرعون، والله  أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم، وثانيهما أن الرهو الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحاً منفرجاً على حاله.

والنعمة بفتح النون التنعم والباقي مذكور في "الشعراء".

وقوله ﴿ فما بكت ﴾ كان إذا مات الرجل الخطير قالوا في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء والأرض وأظلمت الدنيا، ومنه الحديث "وما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء" وفيه تمثيل وتخييل وتهكم بهم أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك، فأخبر ما كانوا في هذا الحد بل كانوا أنهم دون ذلك.

وجوز كثير من المفسرين أن يكون البكاء حقيقة وجعلوا الخسوف والكسوف والحمرة التي تحدث في السماء وهبوب الرياح العاصفة من ذلك.

قال الواحدى في البسيط: روي أنس بن مالك أن النبي  قال: " ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية " .

ثم إن هؤلاء الكفار لم يكن لهم عمل صالح يصعد إلى السماء فلا جرم لم تبك عليهم.

وعن الحسن: أراد أهل السماء والأرض أي ما بكت عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين ﴿ وما كانوا إذا منظرين ﴾ أي لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا.

قوله ﴿ من فرعون ﴾ بدل من العذاب بل جعل في نفسه عذاباً مهيناً لشدة شكيمته وفرط عتوه.

وقيل: المضاف محذوف أي من عذابه.

وقيل: تقديره المهين الصادر من فرعون، وفي قراءة ابن عباس ﴿ من فرعون ﴾ على الاستفهام أي ما ظنكم بعذاب من تعرفونه أنه عال قاهر عات مجاوز حد الاعتدال.

ثم ثنى على بني إسرائيل بقوله ﴿ ولقد اخترناهم ﴾ بإيتاء الملك والنبوة ﴿ على علم ﴾ منا باستحقاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه على عالمي زمانهم.

ولا ريب أن هذا قبل التحريف.

وقيل: أي على علم منا بأنه يبدو منهم بوادر وتفريطات والبلاء النعمة أو المحنة، والآيات هي التسع وغيرها.

ثم عاد إلى ما انجر الكلام فيه وهو قوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ فقال ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني كفار قريش ﴿ ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ قال المفسرون: يؤل إلى ما حكى عنهم في موضع آخر ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ \[المؤمنون: 37\] وذلك أن النزاع إنما وقع في موتة تعقبها حياة فأنكروا أن تكون موتة بهذا الوصف إلا الموتة الأولى وهو حال كونهم نطفاً.

ويحتمل أن يراد إن هي أي الصفة أو النهاية أو الحالة أو العاقبة إلا الموتة الأولى، وليست إثباتاً لموتة ثانية إنما هو كقولك: حج فلان الحجة الأولى، ومات ﴿ وما نحن بمنشرين ﴾ أنشر الله الموتى أحياهم ﴿ فأتوا ﴾ أيها النبي والذين آمنوا معه ﴿ بآبائنا إن كنتم صادقين ﴾ يروى أنهم طلبوا من النبي  أن يجعل الله لهم إحياء الموتى فينشر كبيرهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد  وصحة البعث، فلم يجبهم الله تعالى إلى ذلك ولكنه أوعدهم بقوله ﴿ أهم خير أم قوم تبع ﴾ أي ليسوا بخير منهم في العدد والعز والمنعة.

ابن عباس: تبع نبي.

أبو هريرة عن النبي  " لا أدري تبع نبياً كان أم غير نبي" رواه الثعلبي عن عائشة كان رجلاً صالحاً ذم الله قومه ولم يذمه.

وإنما خصهم بالذكر لقربهم من العرب زماناً ومكاناً.

وعن سعيد بن جبير كسا البيت.

وقال قتادة: كان من حمير سار فبنى الحيرة وسمرقند.

وقال أبو عبيدة: هم ملوك اليمن يسمى كل واحد منهم تبعاً لكثرة تبعه، أو لأنه يتبع صاحبه وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وجمعه تبابعة، وكان يكتب إذا كتب بسم الذي ملك براً وبحراً.

ثم برهن على صحة البعث بقوله ﴿ وما خلقنا ﴾ إلى آخره، وقد مر في "الأنبياء" وفي "ص" نظيره.

وإنما جمع السموات ههنا لموافقة قوله في أول السورة ﴿ رب السموات ﴾ وسمى يوم القيامة يوم الفصل لأنه يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون وللكافرين بينهم وبين وما يشتهونه فيفصل بين الوالد وولده والرجل وزوجته والمرء وخليله.

والمولى في الآية يحتمل الولي والناصر والمعين وابن العم، والمراد أن أحداً منهم بأي معنى فرض لا يتوقع منه النصرة.

والضمير في ﴿ لا ينصرون ﴾ للمولى الثاني لأنه جمع في المعنى لعمومه وشياعه.

وقوله ﴿ إلا من رحم الله ﴾ في محل الرفع على البدل أو في محل النصب على الاستثناء ﴿ إنه هو العزيز ﴾ الغالب على من عصى ﴿ الرحيم ﴾ لمن أطاع.

ثم أراد أن يختم السورة بوعيد الفجار ووعد الأبرار فقال ﴿ إن شجرت الزقوم ﴾ وقد مر تفسيرها في الصافات.

و ﴿ الأثيم ﴾ مبالغة الآثم ولهذا يمكن أن يقال: إنه مخصوص بالكافر.

والمهل دردي الزيت وقد مر في "الكهف".

ولعل وجه التشبيه هو بشاعة الطعم كما أن الوجه في قوله ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين  ﴾ هو كراهة المنظر ثم وصفه بشدة الحرارة قائلاً ﴿ يغلي ﴾ إلى آخره.

ثم أخبر أنه  يقول للزبانية ﴿ خذوه ﴾ أي خذوا الأثيم ﴿ فاعتلوه ﴾ جروه بعنف وغلظة كأن يؤخذ بتلبيبه فيجر إلى وسط النار.

ومنه العتل للجافي الغليظ.

وقوله ﴿ من عذاب الحميم ﴾ دون أن يقول "من الحميم" تهويل سلوك لطريق الاستعارة لأنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته.

يروي أن أبا جهل قال لرسول الله  : ما بين جبليها أعز ولا أمنع مني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي " شيئاً " فنزلت الآية.

أي يقال له ذق لأنك أنت العزيز الكريم عند نفسك وفيه من التهكم ما فيه ﴿ إن هذا ﴾ العذاب ﴿ ما كنتم به تمترون ﴾ تشكون.

ثم شرع في وعد الأبرار والمقام الأمين ذو الأمن، أو أصله من الأمانة لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.

وقوله ﴿ وزوجناهم ﴾ اختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزوج أم لا.

والأكثرون على نفيه، وأن المراد قرناهم بهن.

وقيل: زوجته امرأة وزوجته بامرأة لغتان.

وهكذا اختلفوا في الحور.

فعن الحسن: هن عجائزكم ينشئهن الله خلقاً آخر.

وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا.

﴿ يدعون ﴾ أي يحكمون ويأمرون في الجنة بإحضار ما يشتهون من الفواكه في أي وقت ومكان ﴿ آمنين ﴾ من التخم والتبعات، ثم أخبر عن خلودهم بقوله ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ قال جار الله: هو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.

وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.

وقال أهل التحقيق: إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله وبمحبته.

فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة.

وفي الآخرة أيضاً في الجنة فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى.

ثم ختم الكلام بفذلكته والمعنى ذكرناهم بالكتاب المبين فأسهلناه حيث أنزلناه بلغتك إرادة تذكرهم فانتظر ما يحل فإنهم يتربصون بك الدوائر.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ﴾ يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ ﴾ أي: في أمر القرآن.

ويحتمل: بل هم في شك في أمر رسول الله  ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴾ اختلف أهل التأويل فيه: قال بعضهم: ليس هو على حقيقة الدخان، ولكن على التمثيل والمجاز.

ثم اختلف في كيفية ذلك، مع اتفاقهم أنه قد مضى ذلك وقد كان؛ قال بعضهم: ﴿ بِدُخَانٍ ﴾ أي: بجدب وقحط؛ جعل الدخان كناية عن الجدب؛ لوجوه: أحدها: لما يقال: إن الجائع في القحط كان يرى بينه وبين السماء والناس دخاناً من شدة الجوع، كالذي يشتد به العطش يرى السراب ماء؛ وذلك لأنه لما اشتد الجوع ضعفت أبصارهم وغطاها الجوع؛ فيكون الجوع سبب ترائي الدخان، فاستعير له، ولأن في سنة الجدب تيبس الأرض، وينقطع النبات، فيرتفع الغبار، ويصعد الريح ليبسها، فيشبه ذلك الغبار الذي يرتفع من يبس الأرض بالدخان ولذلك قيل للسنة: غبراء، وقيل: جوع أغبر؛ لأن العرب ربما وضعت الدخان موضع الشر إذا علا، فيقولون: لو كان بيننا: أمر ارتفع له دخان، وقالوا: إن هذا القحط الذي جعل الدخان كناية عنه قد كان، فإنه اشتد بهم القحط، وقلت الأمطار، ويبست الأرض، وارتفع الغبار، وصعدت الريح كالدخان، وضعفت الأبصار لشدة الجوع، حتى كانوا يرون السماء كالدخان؛ على ما روي عن ابن مسعود -  - أنه قال: كان أحدهم ينظر إلى السماء، فيرى كهيئة الدخان من شدة الجوع.

وقال بعضهم: إنما مثل الأرض يومئذ كمثل بيت أوقد ليس فيه خصاصة.

وعن ابن مسعود -  - أنه قال: قد مضى الدخان، وهو سنون كسني يوسف -  - فجهد الناس، والله أعلم.

ومنهم من يقول: هو على حقيقة الدخان، وأنه لم يمض بعد، وكذلك روي عن علي -  - أنه قال: الدخان لم يمض بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينتفخ الكافر حتى ينفذ، وكذلك قال أبو سعيد الخدري -  - والحسن وغيرهم، لكن صرف الدخان المذكور في الآية على التمثيل أشبه؛ لأن الأمر إذا اشتد وبلغ نهايته يشبه بالنار والدخان، كقوله: ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ  ﴾ ، وليس هناك نار، لكن وصف شدة الحرب فعلى ذلك جائز تشبيه ما اشتد بهم من الجوع والجدب والقحط بالدخان الذي ذكر، وكذلك يصف الناس الأمر إذا اشتد؛ يقولون: هاج الدخان وثار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ يَغْشَى ٱلنَّاسَ ﴾ أي: غشي الناس ما ذكر، وهو عذاب أليم؛ على تأويل من قال: إنه ماضٍ كائن.

ويحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي: يغشى، فيقول الناس: هذا عذاب أليم؛ وهو على قول من يقول: إنه لم يمض بعد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ ﴾ أي: إنا نؤمن بك فيما تدعونا إليه لو كشفت عنا العذاب، في معنى الشرط والجزاء، وهو كقول [قوم] موسى -  - حيث قالوا: ﴿ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ...

﴾ الآية [الأعراف: 134].

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِنَّا مْؤْمِنُونَ ﴾ على الحال؛ كأنهم قالوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون للحال.

ثم أخبر الله - عز وجل - أنهم لا يؤمنون، وأنهم كذبة فيما قالوا؛ حيث قال -  -: ﴿ أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ يقول: أنى يتوبون؟!

أو من أين تنفعهم توبتهم في ذلك بعدما خرجت أنفسهم من أيديهم، وقد جاءهم رسول قبل ذلك الوقت مبين أنه رسول؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ ﴾ يحتمل: أي: أعرضوا عما جاء به رسول الله  من القرآن.

ويحتمل تولوا عما دعاهم إليه رسول الله وأمرهم به.

ويحتمل: تولوا عن رسول الله نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ ﴾ .

قولهم: ﴿ مُعَلَّمٌ ﴾ لأنهم يقولون: إنما يعلمه بشر.

وقوله: ﴿ مَّجْنُونٌ ﴾ نسبوه إلى الجنون؛ لوجهين: أحدهما: ما ذكر: أنه إذا نزل به الوحي، تغيرت حاله ولونه؛ لثقل ذلك عليه، فيقولون: به آفة وجنون.

والثاني: لما رأوه قد خاطر بروحه ونفسه؛ لأنه خالف الفراعنة منهم والأكابر الذين كانت همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم ودعاهم إلى غير الذي كانوا عليه، إذن نسبوه إلى الجنون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ﴾ في معاصيكم وكفركم الذي كنتم فيه.

وقال بعضهم: أي: ﴿ إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ ﴾ إلى عذاب يوم القيامة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ﴾ .

قال بعضهم: ذلك يوم بدر، وهو قول ابن مسعود -  - وقول عامة أهل التأويل، وقالوا ذلك أشد من الدخان.

وقال بعضهم: هو عذاب يوم القيامة؛ وهو قول ابن عباس والحسن، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يعمّ قومك، ويقال لهم: هذا العذاب الذي أصابكم عذاب موجع.

<div class="verse-tafsir" id="91.GQLk5"

مزيد من التفاسير لسورة الدخان

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله