الإسلام > القرآن > سور > سورة 44 الدخان > الآية ٣٧ من سورة الدخان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٧ من سورة الدخان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى متهددا لهم ، ومتوعدا ومنذرا لهم بأسه الذي لا يرد ، كما حل بأشباههم ونظرائهم من المشركين والمنكرين للبعث وكقوم تبع - وهم سبأ - حيث أهلكهم الله وخرب بلادهم ، وشردهم في البلاد ، وفرقهم شذر مذر ، كما تقدم ذلك في سورة سبأ ، وهي مصدرة بإنكار المشركين للمعاد .
وكذلك هاهنا شبههم بأولئك ، وقد كانوا عربا من قحطان كما أن هؤلاء عرب من عدنان ، وقد كانت حمير - وهم سبأ - كلما ملك فيهم رجل سموه تبعا ، كما يقال : كسرى لمن ملك الفرس ، وقيصر لمن ملك الروم ، وفرعون لمن ملك مصر كافرا ، والنجاشي لمن ملك الحبشة ، وغير ذلك من أعلام الأجناس .
ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند ، واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه ، واتسعت مملكته وبلاده ، وكثرت رعاياه وهو الذي مصر الحيرة فاتفق أنه مر بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية ، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار ، وجعلوا يقرونه بالليل ، فاستحيا منهم وكف عنهم ، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة ; فإنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان ، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن ، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة فنهياه [ عن ذلك ] أيضا ، وأخبراه بعظمة هذا البيت ، وأنه من بناية إبراهيم الخليل وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان ، فعظمها وطاف بها ، وكساها الملاء والوصائل والحبير .
ثم كر راجعا إلى اليمن ودعا أهلها إلى التهود معه ، وكان إذ ذاك دين موسى ، عليه السلام ، فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح ، عليه السلام ، فتهود معه عامة أهل اليمن .
وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه " السيرة " وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة ، أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا وما لم نذكر .
وذكر أنه ملك دمشق ، وأنه كان إذا استعرض الخيل صفت له من دمشق إلى اليمن ، ثم ساق من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما أدري : الحدود طهارة لأهلها أم لا ؟
ولا أدري تبع لعينا كان أم لا ؟
ولا أدري ذو القرنين نبيا كان أم ملكا ؟
" وقال غيره : " أعزيرا كان نبيا أم لا ؟
" .
وكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن محمد بن حماد الظهراني ، عن عبد الرزاق .
قال الدارقطني : تفرد به عبد الرزاق .
ثم روى ابن عساكر من طريق محمد بن كريب ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، مرفوعا : " عزير لا أدري أنبيا كان أم لا ؟
ولا أدري ألعين تبع أم لا ؟
" .
ثم أورد ما جاء في النهي عن سبه ولعنته ، كما سيأتي .
وكأنه - والله أعلم - كان كافرا ثم أسلم وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح ، عليه السلام ، وحج البيت في زمن الجرهميين ، وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر ونحر عنده ستة آلاف بدنة وعظمه وأكرمه .
ثم عاد إلى اليمن .
وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر ، من طرق متعددة مطولة مبسوطة ، عن أبي بن كعب وعبد الله بن سلام ، وعبد الله بن عباس وكعب الأحبار .
وإليه المرجع في ذلك كله ، وإلى عبد الله بن سلام أيضا ، وهو أثبت وأكبر وأعلم .
وكذا روى قصته وهب بن منبه ، ومحمد بن إسحاق في السيرة كما هو مشهور فيها .
وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة تبع هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل ، فإن تبعا هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه ، ثم لما مات عادوا بعده إلى عبادة الأصنام والنيران ، فعاقبهم الله تعالى كما ذكره في سورة سبأ ، وقد بسطنا قصتهم هنالك ، ولله الحمد والمنة .
وقال سعيد بن جبير : كسا تبع الكعبة ، وكان سعيد ينهى عن سبه .
وتبع هذا هو تبع الأوسط ، واسمه أسعد أبو كريب بن ملكيكرب اليماني ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة سنة وستا وعشرين سنة ، ولم يكن في حمير أطول مدة منه ، وتوفي قبل مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنحو من سبعمائة عام .
وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مهاجر نبي آخر في الزمان ، اسمه أحمد ، قال في ذلك شعرا واستودعه عند أهل المدينة .
وكانوا يتوارثونه ويروونه خلفا عن سلف .
وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في داره ، وهو : شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النسم فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرا له وابن عم وجاهدت بالسيف أعداءه وفرجت عن صدره كل غم وذكر ابن أبي الدنيا أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام ، فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين ، وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب : " هذا قبر حبى ولميس - وروي : حبى وتماضر - ابنتي تبع ماتتا ، وهما تشهدان أن لا إله إلا الله ولا تشركان به شيئا ، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما .
وقد ذكرنا في " سورة سبأ " شعر سبأ في ذلك أيضا .
قال قتادة : ذكر لنا أن كعبا كان يقول في تبع : نعت نعت الرجل الصالح ، ذم الله تعالى قومه ولم يذمه ، قال : وكانت عائشة تقول : لا تسبوا تبعا ; فإنه قد كان رجلا صالحا .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا صفوان ، حدثنا الوليد ، حدثنا عبد الله ابن لهيعة عن أبي زرعة - يعني عمرو بن جابر الحضرمي - قال : سمعت سهل بن سعد الساعدي يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تسبوا تبعا ; فإنه قد كان أسلم " .
ورواه الإمام أحمد في مسنده عن حسن بن موسى ، عن ابن لهيعة ، به .
وقال الطبراني : حدثنا أحمد بن علي الأبار ، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بزة ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا سفيان ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تسبوا تبعا ; فإنه قد أسلم " .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما أدري ، تبع نبيا كان أم غير نبي " .
وتقدم بهذا السند من رواية ابن أبي حاتم كما أورده ابن عساكر : " لا أدري تبع كان لعينا أم لا ؟
" .
فالله أعلم .
ورواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى البدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس موقوفا .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا عمران أبو الهذيل ، أخبرني تميم بن عبد الرحمن قال : قال عطاء بن أبي رباح : لا تسبوا تبعا ; فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن سبه .
القول في تأويل قوله تعالى : أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أهؤلاء المشركون يا محمد من قومك خير, أم قوم تُبَّع, يعني تُبَّعا الحِمْيريّ.
كما حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن نجيح, عن مجاهد, في قول الله عزّ وجلّ( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ) قال: الحميريّ.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ) ذُكر لنا أن تبعا كان رجلا من حمير, سار بالجيوش حتى حير الحيرة, ثم أتى سمرقند فهدمها.
وذُكر لنا أنه كان إذا كَتَب كَتَب باسم الذي تسمَّى وملك برّا وبحرا وصحا وريحا.
وذُكر لنا أن كعبا كان يقول: نُعِتَ نَعْتَ الرَّجُلِ الصَّالح ذمّ الله قومَه ولم يذمه.
وكانت عائشة تقول: لا تسبوا تُبَّعا, فإنه كان رجلا صالحا.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: قالت عائشة: كان تبَّع رجلا صالحا.
وقال كعب: ذمّ الله قومه ولم يذمه.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن تميم بن عبد الرحمن, عن سعيد بن جبير, أن تُبَّعا كسا البيت, ونهى سعيد عن سبه.
وقوله ( وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) يقول تعالى ذكره: أهؤلاء المشركون من قريش خير أم قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة بربها, يقول: فليس هؤلاء بخير من أولئك, فنصفح عنهم, ولا نهلكهم, وهم بالله كافرون, كما كان الذين أهلكناهم من الأمم من قبلهم كفارا.
وقوله ( إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ) يقول: إن قوم تبَّع والذين من قبلهم من الأمم الذين أهلكناهم إنما أهلكناهم لإجرامهم, وكفرهم بربهم.
وقيل: إنهم كانوا مجرمين, فكُسرت ألف " إن " على وجه الابتداء, وفيها معنى الشرط استغناء بدلالة الكلام على معناها.
قوله تعالى : أهم خير أم قوم تبع هذا استفهام إنكار ، أي : إنهم مستحقون في هذا القول العذاب ، إذ ليسوا خيرا من قوم تبع والأمم المهلكة ، وإذا أهلكنا أولئك فكذا هؤلاء .
وقيل : المعنى أهم أظهر نعمة وأكثر أموالا أم قوم تبع .
وقيل : أهم أعز وأشد وأمنع أم قوم تبع .
وليس المراد بتبع رجلا واحدا بل المراد به ملوك اليمن ، فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة .
فتبع لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين ، وكسرى للفرس ، وقيصر للروم .
وقال أبو عبيدة : سمي كل واحد منهم تباعا لأنه يتبع صاحبه .
قال الجوهري : والتبابعة ملوك اليمن ، واحدهم تبع .
والتبع أيضا الظل ، وقال :يرد المياه حضيرة ونفيضة ورد القطاة إذا اسمأل التبعوالتبع أيضا ضرب من الطير .
وقال السهيلي : تبع اسم لكل ملك ملك اليمن والشحر [ ص: 135 ] وحضرموت .
وإن ملك اليمن وحدها لم يقل له تبع ، قاله المسعودي .
فمن التبابعة : الحارث الرائش وهو ابن همال ذي سدد .
وأبرهة ذو المنار .
وعمرو ذو الأذعار .
وشمر بن مالك ، الذي تنسب إليه سمرقند .
وأفريقيس بن قيس ، الذي ساق البربر إلى أفريقية من أرض كنعان ، وبه سميت إفريقية .والظاهر من الآيات : أن الله سبحانه إنما أراد واحدا من هؤلاء ، وكانت العرب تعرفه بهذا الاسم أشد من معرفة غيره ، ولذلك قال - عليه السلام - : ولا أدري أتبع لعين أم لا .
ثم قد روي عنه أنه قال : لا تسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا فهذا يدلك على أنه كان واحدا بعينه ، وهو - والله أعلم - أبو كرب الذي كسا البيت بعدما أراد غزوه ، وبعدما غزا المدينة وأراد خرابها ، ثم انصرف عنها لما أخبر أنها مهاجر نبي اسمه أحمد .
وقال شعرا أودعه عند أهلها ، فكانوا يتوارثونه كابرا عن كابر إلى أن هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - فأدوه إليه .
ويقال : كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب خالد بن زيد .
وفيه :شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النسمفلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرا له وابن عموذكر الزجاج وابن أبي الدنيا والزمخشري وغيرهم أنه حفر قبر له بصنعاء - ويقال بناحية حمير - في الإسلام ، فوجد فيه امرأتان صحيحتان ، وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب ( هذا قبر حبى ولميس ) ويروى أيضا : ( حبى وتماضر ) يروى أيضا : ( هذا قبر رضوى وقبر حبى ابنتا تبع ، ماتتا وهما يشهدان أن لا إله إلا الله ولا يشركان به شيئا ، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما ) .قلت : وروى ابن إسحاق وغيره أنه كان في الكتاب الذي كتبه : ( أما بعد ، فإني آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك ، وأنا على دينك وسنتك ، وآمنت بربك ورب كل شيء ، وآمنت [ ص: 136 ] بكل ما جاء من ربك من شرائع الإسلام ، فإن أدركتك فبها ونعمت ، وإن لم أدركك فاشفع لي ولا تنسني يوم القيامة ، فإني من أمتك الأولين وبايعتك قبل مجيئك ، وأنا على ملتك وملة أبيك إبراهيم - عليه السلام - ثم ختم الكتاب ونقش عليه : لله الأمر من قبل ومن بعد وكتب على عنوانه ( إلى محمد بن عبد الله نبي الله ورسوله ، خاتم النبيين ورسول رب العالمين - صلى الله عليه وسلم - .
من تبع الأول .
وقد ذكرنا بقية خبره وأوله في ( اللمع اللؤلئية شرح العشر بينات النبوية ) للفارابي رحمه الله .
وكان من اليوم الذي مات فيه تبع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف سنة لا يزيد ولا ينقص .واختلف هل كان نبيا أو ملكا ، فقال ابن عباس : كان تبع نبيا .
وقال كعب : كان تبع ملكا من الملوك ، وكان قومه كهانا وكان معهم قوم من أهل الكتاب ، فأمر الفريقين أن يقرب كل فريق منهم قربانا ففعلوا ، فتقبل قربان أهل الكتاب فأسلم ، وقالت عائشة - رضي الله عنها - : لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا .
وحكى قتادة أن تبعا كان رجلا من حمير ، سار بالجنود حتى عبر الحيرة وأتى سمرقند فهدمها ، حكاه الماوردي .
وحكى الثعلبي عن قتادة أنه تبع الحميري ، وكان سار بالجنود حتى عبر الحيرة .
وبنى سمرقند وقتل وهدم البلاد .
وقال الكلبي : تبع هو أبو كرب أسعد بن ملك يكرب ، وإنما سمي تبعا لأنه تبع من قبله .
وقال سعيد بن جبير : هو الذي كسا البيت الحبرات .
وقال كعب : ذم الله قومه ولم يذمه ، وضرب بهم لقريش مثلا لقربهم من دارهم وعظمهم في نفوسهم ، فلما أهلكهم الله تعالى ومن قبلهم - لأنهم كانوا مجرمين - كان من أجرم مع ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك .
وافتخر أهل اليمن بهذه الآية ، إذ جعل الله قوم تبع خيرا من قريش .
وقيل : سمي أولهم تبعا لأنه اتبع قرن الشمس وسافر في الشرق مع العساكر .قوله تعالى : والذين من قبلهم أهلكناهم الذين في موضع رفع عطف على قوم تبع أهلكناهم صلته .
ويكون من قبلهم متعلقا به .
ويجوز أن يكون من قبلهم [ ص: 137 ] صلة الذين ويكون في الظرف عائد إلى الموصول .
وإذا كان كذلك كان أهلكناهم على أحد أمرين : إما أن يقدر معه ( قد ) فيكون في موضع الحال .
أو يقدر حذف موصوف ، كأنه قال : قوم أهلكناهم .
والتقدير أفلا تعتبرون أنا إذا قدرنا على إهلاك هؤلاء المذكورين قدرنا على إهلاك المشركين .
ويجوز أن يكون والذين من قبلهم ابتداء خبره أهلكناهم ويجوز أن يكون الذين في موضع جر عطفا على تبع كأنه قال : قوم تبع المهلكين من قبلهم .
ويجوز أن يكون الذين في موضع نصب بإضمار فعل دل عليه أهلكناهم والله أعلم .
قال تعالى: { أَهُمْ خَيْرٌ } أي: هؤلاء المخاطبون { أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ } فإنهم ليسوا خيرا منهم وقد اشتركوا في الإجرام فليتوقعوا من الهلاك ما أصاب إخوانهم المجرمين.
( أهم خير أم قوم تبع ) أي ليسوا خيرا منهم ، يعني أقوى وأشد وأكثر من قوم تبع .
قال قتادة : هو تبع الحميري ، وكان سار بالجيوش حتى حير الحيرة ، وبنى سمرقند وكان من ملوك اليمن ، سمي تبعا لكثرة أتباعه ، وكل واحد منهم يسمى : " تبعا " لأنه يتبع صاحبه ، وكان هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه إلى الإسلام وهم حمير ، فكذبوه وكان من خبره ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره .
وذكر عكرمة عن ابن عباس قالوا : كان تبع الآخر وهو أسعد أبو كرب بن مليك [ جاء بكرب ] حين أقبل من المشرق وجعل طريقه على المدينة ، وقد كان حين مر بها خلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة ، فقدمها وهو مجمع لإخرابها واستئصال أهلها ، فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا ذلك من أمره ، فخرجوا لقتاله وكان الأنصار يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل ، فأعجبه ذلك وقال : إن هؤلاء لكرام ، إذ جاءه حبران اسمهما : كعب وأسد من أحبار بني قريظة ، عالمان وكانا ابني عم ، حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها ، فقالا له : أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة .
فإنها مهاجر نبي يخرج من هذا الحي من قريش اسمه محمد ، مولده مكة ، وهذه دار هجرته ومنزلك الذي أنت به يكون به من القتل والجراح أمر كبير في أصحابه ، وفي عدوهم .
قال تبع : من يقاتله وهو نبي ؟
قالا يسير إليه قومه فيقتلون هاهنا ، فتناهى لقولهما عما كان يريد بالمدينة ، ثم إنهما دعواه إلى دينهما فأجابهما واتبعهما على دينهما وأكرمهما وانصرف عن المدينة ، وخرج بهما ونفر من اليهود عامدين إلى اليمن ، فأتاه في الطريق نفر من هذيل وقالوا : إنا ندلك على بيت فيه كنز من لؤلؤ وزبرجد وفضة ، قال : أي بيت ؟
قالوا : بيت بمكة ، وإنما تريد هذيل هلاكه لأنهم عرفوا أنه لم يرده أحد قط بسوء إلا هلك ، فذكر ذلك للأحبار ، فقالوا : ما نعلم لله في الأرض بيتا غير هذا البيت ، فاتخذه مسجدا وانسك عنده وانحر واحلق رأسك ، وما أراد القوم إلا هلاكك لأنه ما ناوأهم أحد قط إلا هلك ، فأكرمه واصنع عنده ما يصنع أهله ، فلما قالوا له ذلك أخذ النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم صلبهم ، فلما قدم مكة نزل الشعب شعب البطائح ، وكسا البيت الوصائل ، وهو أول من كسا البيت ، ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة ، وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق وانصرف ، فلما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بين ذلك وبينه ، قالوا : لا تدخل علينا وقد فارقت ديننا ، فدعاهم إلى دينه وقال إنه دين خير من دينكم ، قالوا : فحاكمنا إلى النار ، وكانت باليمن نار في أسفل جبل يتحاكمون إليها فيما يختلفون فيه ، فتأكل الظالم ولا تضر المظلوم ، فقال تبع : أنصفتم ، فخرج القوم بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه ، فخرجت النار فأقبلت حتى غشيتهم ، فأكلت الأوثان وما قربوا معها ، ومن حمل ذلك من رجال حمير ، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما ، يتلوان التوراة تعرق جباههما لم تضرهما ، ونكصت النار حتى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما ، فمن هنالك كان أصل اليهودية في اليمن .
وذكر أبو حاتم عن الرقاشي قال : كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة ، آمن بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يبعث بسبعمائة سنة .
وذكر لنا أن كعبا كان يقول : ذم الله قومه ولم يذمه .
وكانت عائشة تقول : لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا .
وقال سعيد بن جبير : هو الذي كسا البيت .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري ، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثنا أبي ، حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن سهل بن سعد قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم " .
أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني ابن فنجويه ، حدثنا ابن أبي شيبة ، حدثنا محمد بن علي بن سالم الهمداني ، حدثنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري ، حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما أدري تبع نبيا كان أو غير نبي " .
( والذين من قبلهم ) من الأمم الكافرة .
( أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين ) .
قال تعالى: «أهم خير أم قوم تُبَّع» هو نبي أو رجل صالح «والذين من قبلهم» من الأمم «أهلكناهم» بكفرهم، والمعنى ليسوا أقوى منهم وأهلكوا «إنهم كانوا مجرمين».
أهؤلاء المشركون خير أم قوم تُبَّع الحِمْيَري والذين مِن قبلهم من الأمم الكافرة بربها؟
أهلكناهم لإجرامهم وكفرهم، ليس هؤلاء المشركون بخير مِن أولئكم فنصفح عنهم، ولا نهلكهم، وهم بالله كافرون.
وقوله - سبحانه - : ( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ .
.
.
) تهديد لهم على جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم .والمراد بتبع : أبو كريب بن مليك ، ويسمى بتبع الحميرى .
وهو أحد ملوك حمير .وكان مؤمنا ، وقومه كانوا كافرين فأهلكهم الله .
وإليه ينسب الأنصار ، ولفظ ( تُبَّعٍ ) يعد لقبا لكل ملك من ملوك اليمن ، كما أن لقب فرون يعد لقبا لمن ملك مصر كافرا .
.أى : إن هؤلاء الكافرين المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - ليسوا خيرا من قوم تبع ، الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا ، فلما لجوا فى طغيانهم أهلكهم الله - تعالى - وإن مصير هؤلاء المشركين - إذا ما استمروا فى عنادهم - سيكون كمصير قوم تبع .
.فالمقصود من الآية الكريمة تحذير الكافرين من التمادى فى الضلال ، لأن هذا التمادى سيؤدى بهم إلى الخسران ، كما هو حال قوم تبع الذين لا يخفى أمرهم عليهم .والمراد بمن قبلهم فى قوله - تعالى - : ( والذين مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) : الأقوام السابقون على قوم تبع ، كقوم عاد وثمود وغيرهم .
أو على هؤلاء الكافرين المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - .أى : والذين من قبل قوم تبع أو من قبل قومك من الظالمين ، أهلكناهم لأنهم كانوا قوما مجرمين .
اعلم أنه تعالى لما بيّن كيفية إهلاك فرعون وقومه بيّن كيفية إحسانه إلى موسى وقومه.
واعلم أن دفع الضرر مقدم على إيصال النفع فبدأ تعالى ببيان دفع الضرر عنهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إسراءيل مِنَ العذاب المهين ﴾ يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والإتعاب في الأعمال الشاقة.
ثم قال: ﴿ مِن فِرْعَوْنَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير من العذاب المهين الصادر من فرعون الثاني: أن يكون فرعون بدلاً من العذاب المهين كأنه في نفسه كان عذاباً مهيناً لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم.
قال صاحب الكشاف وقرئ ﴿ مِنْ عَذَابِ المهين ﴾ وعلى هذه القراءة (فالمهين) هو فرعون لأنه كان عظيم السعي في إهانة المحقين.
وفي قراءة ابن عباس ﴿ مِن فِرْعَوْنَ ﴾ وهو بمعنى الاستفهام وقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين ﴾ جوابه كأن التقدير أن يقال هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته؟
ثم عرف حاله بقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين ﴾ أي كان عالي الدرجة في طبقة المفسرين، ويجوز أن يكون المراد ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً ﴾ لقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض ﴾ وكان أيضاً مسرفاً ومن إسرافه أنه على حقارته وخسته ادعى الإلهية، ولما بيّن الله تعالى أنه كيف دفع الضرر عن بني إسرائيل وبيّن أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال: ﴿ وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: أن قوله: ﴿ على عِلْمٍ ﴾ في موضع الحال ثم فيه وجهان: أحدهما: أي عالمين بكونهم مستحقين لأن يختاروا ويرجحوا على غيرهم والثاني: أن يكون المعنى مع علمنا بأنهم قد يزيغون ويصدر عنهم الفرطات في بعض الأحوال.
البحث الثاني: ظاهر قوله: ﴿ وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين ﴾ يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين فقيل المراد على عالمي زمانهم، وقيل هذا عام دخله التخصيص كقوله: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وءاتيناهم مِنَ الآيات ﴾ مثل فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وغيرها من الآيات القاهرة التي ما أظهر الله مثلها على أحد سواهم ﴿ بلاء مبين ﴾ أي نعمة ظاهرة، لأنه تعالى لما كان يبلو بالمحنة فقد يبلو أيضاً بالنعمة اختباراً ظاهراً ليتميز الصديق عن الزنديق، وهاهنا آخر الكلام في قصة موسى عليه السلام ثم رجع إلى ذكر كفار مكة، وذلك لأن الكلام فيهم حيث قال: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ ﴾ أي بل هم في شك من البعث والقيامة، ثم بيّن كيفية إصرارهم على كفرهم، ثم بيّن أن قوم فرعون كانوا في الإصرار على الكفر على هذه القصة، ثم بيّن كيف أهلكهم وكيف أنعم على بني إسرائيل، ثم رجع إلى الحديث الأول، وهو كون كفار مكة منكرين للبعث، فقال: ﴿ إِنَّ هَؤُلاَء لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ فإن قيل القوم كانوا ينكرون الحياة الثانية فكان من حقهم أن يقولوا: إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين؟
قلنا إنه قيل لهم إنكم تموتون موتة تعقبها حياة، كما أنكم حال كونكم نطفاً كنتم أمواتاً وقد تعقبها حياة، وذلك قوله: ﴿ وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ فَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى ﴾ يريدون ما الموتة التي من شأنها أن تعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقيب الحياة لها إلا الموتة الأولى خاصة، فلا فرق إذاً بين هذا الكلام وبين قوله: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ﴾ هذا ما ذكره صاحب الكشاف: ويمكن أن يذكر فيه وجه آخر، فيقال قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى ﴾ يعني أنه لا يأتينا شيء من الأحوال إلا الموتة الأولى، وهذا الكلام يدل على أنهم لا تأتيهم الحياة الثانية ألبتة، ثم صرحوا بهذا المرموز فقالوا: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ فلا حاجة إلى التكلف الذي ذكره صاحب الكشاف.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ يقال نشر الله الموتى وأنشرهم إذا بعثهم، ثم إن الكفار احتجوا على نفي الحشر والنشر بأن قالوا: إن كان البعث والنشور ممكنً معقولاً فجعلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بأن تسألوا ربكم ذلك، حتى يصير ذلك دليلاً عندنا على صدق دعواكم في النبوة والبعث في القيامة، قيل طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله حتى ينشر قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي صحة البعث، ولما حكى الله عنهم ذلك قال: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والذين مِن قَبْلِهِمْ أهلكناهم إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾ والمعنى أن كفار مكة لم يذكروا في نفي الحشر والنشر شبهة حتى يحتاج إلى الجواب عنها، ولكنهم أصروا على الجهل والتقليد في ذلك الإنكار، فلهذا السبب اقتصر الله تعالى على الوعيد، فقال إن سائر الكفار كانوا أقوى من هؤلاء، ثم إن الله تعالى أهلكهم فكذلك يهلك هؤلاء، فقوله تعالى: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، قال أبو عبيدة: ملوك اليمن كان كل واحد منهم يسمى تبعاً لأن أهل الدنيا كانوا يتبعونه، وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وهم الأعاظم من ملوك العرب قالت عائشة، كان تبع رجلاً صالحاً، وقال كعب: ذم الله قومه ولم يذمه، قال الكلبي هو أبو كرب أسعد، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم ما أدري أكان تبع نبياً أو غير نبي».
فإن قيل ما معنى قوله: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ مع أنه لا خير في الفريقين؟
قلنا معناه أهم خير في القوة والشوكة، كقوله: ﴿ أكفاركم خَيْرٌ مّنْ أولئكم ﴾ بعد ذكر آل فرعون، ثم إنه تعالى ذكر الدليل القاطع على القول بالبعث والقيامة، فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ ﴾ ولو لم يحصل البعث لكان هذا الخلق لعباً وعبثاً، وقد مرّ تقرير هذه الطريقة بالاستقصاء في أول سورة يونس، وفي آخر سورة ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون ﴾ حيث قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً ﴾ وفي سورة ص حيث قال: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهم باطلاً ﴾ .
ثم قال: ﴿ مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ والمراد أهل مكة، وأما استدلال المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر والفسق ولا يريدهما فهو مع جوابه معلوم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
هو تبع الحميري: كان مؤمناً وقومه كافرين؛ ولذلك ذمّ الله قومه ولم يذمه، وهو الذي سار بالجيوش وحير الحيرة وبني سمرقند.
وقيل: هدمها وكان إذا كتب قال: بسم الله الذي ملك برّاً وبحراً.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم» وعنه عليه الصلاة والسلام: «ما أدري أكان تبع نبياً أو غير نبي» وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان نبياً.
وقيل: نظر إلى قبرين بناحية حمير قال: هذا قبر رضوي وقبر حبى بنتيّ تبع لا تشركان بالله شيئاً.
وقيل: هو الذي كسا البيت.
وقيل لملوك اليمن: التبابعة، لأنهم يتبعون، كما قيل: الأقيال، لأنهم يُتَقيلون وسمي الظل ﴿ تبعاً ﴾ لأنه يتبع الشمس.
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ ﴾ ولا خير في الفريقين؟
قلت: معناه أهم خير في القوّة والمنعة، كقوله تعالى: ﴿ أكفاركم خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ ﴾ [القمر: 43] بعد ذكر آل فرعون.
وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما: أهم أشدّ أم قوم تبع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأْتُوا بِآبائِنا ﴾ خِطابٌ لِمَن وعَدَهم بِالنُّشُورِ مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في وعْدِكم لِيَدُلَّ عَلَيْهِ.
﴿ أهم خَيْرٌ ﴾ في القُوَّةِ والمَنَعَةِ.
﴿ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ تُبَّعٍ الحِمْيَرِيِّ الَّذِي سارَ بِالجُيُوشِ وحَيَّرَ الحِيرَةَ وبَنى سَمَرْقَنْدَ.
وَقِيلَ: هَدَمَها وكانَ مُؤْمِنًا وقَوْمُهُ كافِرِينَ ولِذَلِكَ ذَمَّهم دُونَهُ.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ما أدْرِي أكانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا أمْ غَيْرَ نَبِيٍّ» .
وَقِيلَ لِمُلُوكِ اليَمَنِ التَّبابِعَةُ لِأنَّهم يَتَّبِعُونَ كَما قِيلَ لَهُمُ الأقْيالُ لِأنَّهم يَتَقَيَّلُونَ.
﴿ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ كَعادٍ وثَمُودَ.
﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ اسْتِئْنافٌ بِمَآلِ قَوْمِ تُبَّعٍ، ﴿ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ هَدَّدَ بِهِ كَفّارَ قُرَيْشٍ أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوْ خَبَرٌ مِنَ المَوْصُولِ إنِ اسْتُؤْنِفَ بِهِ.
﴿ إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ بَيانٌ لِلْجامِعِ المُقْتَضِي لِلْإهْلاكِ.
<div class="verse-tafsir"
{أهم خير} في القوة المنعة {أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} هو تبع الحميري كان
مؤمنا وقومه كافرين وقيل كان نبيا وفى الحديث ما أدرى أكان تبع نبياً أو غير نبي {والذين من قبلهم} مر فوع بالعطف على قَوْمُ تُبَّعٍ {أهلكناهم إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} كافرين منكرين للبعث
﴿ أهم خَيْرٌ ﴾ في اَلْقُوَّةِ والمَنَعَةِ ﴿ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ هو تُبَّعُ اَلْأكْبَرُ اَلْحِمْيَرِيُّ واسْمُهُ أسْعَدُ بِهَمْزَةٍ، وفي بَعْضِ اَلْكُتُبِ سَعْدٌ بِدُونِها وكُنْيَتُهُ أبُو كَرْبٍ وكانَ رَجُلًا صالِحًا.
أخْرَجَ اَلْحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ تُبَّعُ رَجُلًا صالِحًا ألا تَرى أنَّ اَللَّهَ تَعالى ذَمَّ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ، وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ لا يَشْتَبِهَنَّ عَلَيْكم أمْرُ تُبَّعٍ فَإنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، وأخْرَجَ أحْمَدُ.
والطَّبَرانِيُّ.
وابْنُ أبِي حاتِمٍ.
وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ اَلسّاعِدِيِّ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ)» وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ.
وابْنُ اَلْمُنْذِرِ.
عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألْتُ كَعْبًا عَنْ تُبَّعٍ فَإنِّي أسْمَعُ اَللَّهَ تَعالى يَذْكُرُ في اَلْقُرْآنِ قَوْمَ تُبَّعٍ ولا يَذْكُرُ تُبَّعًا فَقالَ: إنَّ تُبَّعًا كانَ رَجُلًا مِن أهْلِ اَلْيَمَنِ مَلِكًا مَنصُورًا فَسارَ بِالجُيُوشِ حَتّى اِنْتَهى إلى سَمَرْقَنْدَ فَرَجَعَ فَأخَذَ طَرِيقَ اَلشّامِ فَأسَرَ بِها أحْبارًا فانْطَلَقَ بِهِمْ نَحْوَ اَلْيَمَنِ حَتّى إذا دَنا مِن مُلْكِهِ طارَ في اَلنّاسِ أنَّهُ هادِمُ اَلْكَعْبَةِ فَقالَ لَهُ: اَلْأحْبارُ: ما هَذا اَلَّذِي تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ فَإنَّ هَذا اَلْبَيْتَ لِلَّهِ تَعالى وإنَّكَ لَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ فَقالَ: إنَّ هَذا لِلَّهِ تَعالى وأنا أحَقُّ مَن حَرَّمَهُ فَأسْلَمُ مِن مَكانِهِ وأحْرَمَ فَدَخَلَها مُحْرِمًا فَقَضى نُسُكَهُ ثُمَّ اِنْصَرَفَ نَحْوَ اَلْيَمَنِ راجِعًا حَتّى قَدِمَ عَلى قَوْمِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أشْرافُهم فَقالُوا: يا تُبَّعُ أنْتَ سَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا خَرَجْتَ مِن عِنْدِنا عَلى دِينٍ وجِئْتَ عَلى غَيْرِهِ فاخْتَرْ مِنّا أحَدَ أمْرَيْنِ إمّا أنْ تُخَلِّيَنا ومُلْكَنا وتَعْبُدَ ما شِئْتَ وإمّا أنْ تَذَرَ دِينَكَ اَلَّذِي أحْدَثْتَ وبَيْنَهم يَوْمَئِذٍ نارٌ تَنْزِلُ مِنَ اَلسَّماءِ فَقالَ اَلْأحْبارُ عِنْدَ ذَلِكَ: اِجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمُ اَلنّارَ فَتَواعَدَ اَلْقَوْمُ جَمِيعًا عَلى أنْ يَجْعَلُوها بَيْنَهم فَجِيءَ بِالأحْبارِ وكُتُبِهِمْ وجِيءَ بِالأصْنامِ وعُمّارِها وقُدِّمُوا جَمِيعًا إلى اَلنّارِ وقامَتِ اَلرِّجالُ خَلْفَهم بِالسُّيُوفِ فَهَدَرَتِ اَلنّارُ هَدِيرَ اَلرَّعْدِ ورَمَتْ شُعاعًا لَها فَنَكَصَ أصْحابُ اَلْأصْنامِ وأقْبَلَتِ اَلنّارُ وأحْرَقَتِ اَلْأصْنامَ وعُمّارَها وسَلِمَ اَلْآخَرُونَ فَأسْلَمَ قَوْمٌ واسْتَسْلَمَ قَوْمٌ فَلَبِثُوا بَعْدَ ذَلِكَ عُمْرَ تُبَّعٍ حَتّى إذا نَزَلَ بِتُبَّعٍ اَلْمَوْتُ اِسْتَخْلَفَ أخاهُ وهَلَكَ فَقَتَلُوا أخاهُ وكَفَرُوا صَفْقَةً واحِدَةً، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ تُبَّعًا لَمّا أقْبَلَ مِنَ اَلشَّرْقِ بَعْدَ أنْ حَبَرَ اَلْحِيرَةَ أيْ بَناها ونَظَمَ أمْرَها.
وهي بِكَسْرِ اَلْحاءِ اَلْمُهْمَلَةِ وياءٍ ساكِنَةٍ مَدِينَةٌ بِقُرْبِ اَلْكُوفَةِ.
وبَنى سَمَرْقَنْدَ وهي مَدِينَةٌ بِالعَجَمِ مَعْرُوفَةٌ، وقِيلَ: إنَّهُ هَدَمَها وقَصَدَ اَلْمَدِينَةَ وكانَ قَدْ خَلَّفَ بِها حِينَ سافَرَ اِبْنًا لَهُ فَقُتِلَ غِيلَةً فَأجْمَعَ عَلى خَرابِها واسْتِئْصالِ أهْلِها فَجَمَعَ لَهُ اَلْأنْصارُ وخَرَجُوا لِقِتالِهِ وكانُوا يُقاتِلُونَهُ بِالنَّهارِ ويُقْرُونَهُ بِاللَّيْلِ فَأعْجَبَهُ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ لَكِرامٌ فَبَيْنَما هو عَلى ذَلِكَ إذْ جاءَهُ كَعْبٌ.
وأسَدٌ اِبْنا عَمٍّ مِن قُرَيْظَةَ حَبْرانِ وأخْبَراهُ أنَّهُ يُحالُ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما تُرِيدُ فَإنَّها مُهاجَرُ نَبِيٍّ مِن قُرَيْشٍ اِسْمُهُ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ فَثَناهُ قَوْلُهُما عَمّا يُرِيدُ ثُمَّ دَعَواهُ إلى دِينِهِما فاتَّبَعَهُما وأكْرَمَهُما فانْصَرَفُوا عَنِ اَلْمَدِينَةِ ومَعَهم نَفَرٌ مِنَ اَلْيَهُودِ فَقالَ لَهُ في اَلطَّرِيقِ نَفَرٌ مِن هُذَيْلٍ: نَدُلُّكَ عَلى بَيْتٍ فِيهِ كَنْزٌ مِن لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ بِمَكَّةَ وأرادَتْ هُذَيْلٌ هَلاكَهُ لِأنَّهم عَرَفُوا أنَّهُ ما أرادَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ إلّا هَلَكَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْحِبْرَيْنِ فَقالا: ما نَعْلَمُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَيْتًا في اَلْأرْضِ اِتَّخَذَهُ لِنَفْسِهِ غَيْرَ هَذا فاِتَّخِذْهُ مَسْجِدًا وانْسُكْ عِنْدَهُ واحْلِقْ رَأْسَكَ وما أرادَ اَلْقَوْمُ إلّا هَلاكَكَ فَأكْرَمَهُ وكَساهُ وهو أوَّلُ مَن كَسى اَلْبَيْتَ وقَطَعَ أيْدِيَ أُولَئِكَ اَلنَّفَرِ مِن هُذَيْلٍ وأرْجُلَهم وسَمَلَ أعْيُنَهم وصَلَبَهم.
وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ لِلْحِبْرَيْنِ حِينَ قالا لَهُ ما قالا: وأنْتُما ما يَمْنَعُكُما مِن ذَلِكَ؟
فَقالا: أما واَللَّهِ إنَّهُ لَبَيْتُ أبِينا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وإنَّهُ لَكَما أخْبَرْناكَ ولَكِنَّ أهْلَهُ حالُوا بَيْنَنا وبَيْنَهُ بِالأوْثانِ اَلَّتِي نَصَبُوها حَوْلَهُ وبِالدِّماءِ اَلَّتِي يُرِيقُونَها عِنْدَهُ وهم نَجَسٌ أهْلُ شِرْكٍ فَعَرَفَ صِدْقَهُما ونَصَحَهُما فَطافَ بِالبَيْتِ ونَحَرَ وحَلَقَ رَأسَهُ وأقامَ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أيّامٍ فِيما يَذْكُرُونَ يَنْحَرُ لِلنّاسِ ويُطْعِمُ أهْلَها ويَسْقِيهِمُ اَلْعَسَلَ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ تَخْرِيبَ اَلْبَيْتِ فَرُمِيَ بِداءٍ عَظِيمٍ فَكَفَّ عَنْهُ وكَساهُ.
وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ أنَّ تُبَّعًا أُرِيَ في مَنامِهِ أنْ يَكْسُوَ اَلْبَيْتَ فَكَساهُ اَلْخَصْفَ ثُمَّ أُرِيَ أنْ يَكْسُوَهُ أحْسَنَ مِن ذَلِكَ فَكَساهُ اَلْمَعافِرَ ثُمَّ أُرِيَ أنْ يَكْسُوَهُ أحْسَنَ مِن ذَلِكَ فَكَساهُ اَلْوَصائِلَ وصائِلَ اَلْيَمَنِ فَكانَ فِيما ذُكِرَ لِي أوَّلَ مَن كَساهُ وأوْصى بِها وُلاتَهُ مِن جُرْهُمٍ وأمَرَ بِتَطْهِيرِهِ وجَعَلَ لَهُ بابًا ومِفْتاحًا.
وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ أيْضًا: «ولا تُقَرِّبُوهُ دَمًا ولا مَيِّتًا ولا تَقْرَبُهُ حائِضٌ،» وفي نِهايَةِ اِبْنِ اَلْأثِيرِ في اَلْحَدِيثِ أنَّ تُبَّعًا كَسى اَلْبَيْتَ اَلْمُسُوحَ فانْتَفَضَ اَلْبَيْتُ مِنهُ ومَزَّقَهُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ كَساهُ اَلْخَصْفَ فَلَمْ يَقْبَلْهُ ثُمَّ كَساهُ اَلْأنْطاعَ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنها أنَّ أوَّلَ مَن كَسى اَلْكَعْبَةَ كُسْوَةً كامِلَةً تُبَّعٌ كَساها اَلْأنْطاعَ ثُمَّ كَساها اَلْوَصائِلَ والخَصْفَ فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ اَلْخَصْفِ وهو ضَمُّ اَلشَّيْءِ إلى اَلشَّيْءِ والمُرادُ شَيْءٌ مَنسُوجٌ مِنَ اَلْخُوصِ عَلى ما هو اَلظّاهِرُ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ هَهُنا اَلثِّيابُ اَلْغِلاظُ جِدًّا تَشْبِيهًا بِالخَصْفِ اَلْمَذْكُورِ، والمُعافِرُ بُرُودٌ مِنَ اَلْيَمَنِ مَنسُوبَةٌ إلى مُعافِرَ قَبِيلَةٍ بِها، والمِيمُ زائِدَةٌ، والوَصائِلُ ثِيابٌ حُمْرٌ مُخَطَّطَةٌ يَمانِيَةٌ، والمُسُوحُ جَمْعُ مِسْحٍ بِكَسْرِ اَلْمِيمِ وسُكُونِ اَلْمُهْمَلَةِ أثْوابٌ مِن شَعَرٍ غَلِيظَةٌ، والأنْطاعُ جَمْعُ نِطَعٍ بِالكَسْرِ وبِالفَتْحِ وبِالتَّحْرِيكِ بُسُطٌ مِن أدِيمٍ.
وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ.
وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ تُبَّعُ اَلْمَدِينَةَ ونَزَلَ بِفِنائِها بَعَثَ إلى أحْبارِ يَهُودَ فَقالَ: إنِّي مُخَرِّبٌ هَذا اَلْبَلَدَ حَتّى لا تَقُومَ بِهِ يَهُودِيَّةٌ ويَرْجِعَ اَلْأمْرُ إلى دِينِ اَلْعَرَبِ فَقالَ لَهُ شامُولُ اَلْيَهُودِيُّ وهو يَوْمَئِذٍ أعْلَمُهُمْ: أيُّها اَلْمَلِكُ إنَّ هَذا بَلَدٌ يَكُونُ إلَيْهِ مُهاجَرُ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْماعِيلَ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ اِسْمُهُ أحْمَدُ وهَذِهِ دارُ هِجْرَتِهِ إلى أنْ قالَ: قالَ وما صِفَتُهُ؟
قالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالقَصِيرِ ولا بِالطَّوِيلِ في عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ يَرْكَبُ اَلْبَعِيرَ ويَلْبَسُ اَلشَّمْلَةَ سَيْفُهُ عَلى عاتِقِهِ لا يُبالِي مَن لاقى حَتّى يَظْهَرَ أمْرُهُ فَقالَ تُبَّعٌ: ما إلى هَذا اَلْبَلَدِ مِن سَبِيلٍ وما كانَ لِيَكُونَ خَرابُها عَلى يَدَيَّ.
وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ اَلرِّياشِيُّ أنَّهُ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ بِسَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: بَيْنَهُ وبَيْنَ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ألْفُ سَنَةٍ، والقَوْلانِ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ قَبْلَ مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.
وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا في تُبَّعٍ إلّا خَيْرًا فَإنَّهُ قَدْ حَجَّ اَلْبَيْتَ وآمَنَ بِما جاءَ بِهِ عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، والأوَّلُ أشْهَرُ.
ومِن حَدِيثِ عَبّادِ بْنِ زِيادٍ اَلْمُرِّيِّ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَهُ اَلْيَهُودُ أنَّهُ سَيَخْرُجُ نَبِيٌّ بِمَكَّةَ يَكُونُ قَرارُهُ بِهَذا اَلْبَلَدِ.
يَعْنِي اَلْمَدِينَةَ اِسْمُهُ أحْمَدُ وأخْبَرُوهُ أنَّهُ لا يُدْرِكُهُ قالَ لِلْأوْسِ والخَزْرَجِ: أقِيمُوا بِهَذا اَلْبَلَدِ فَإنْ خَرَجَ فِيكم فَوازِرُوهُ وإنْ لَمْ يَخْرُجْ فَأوْصُوا بِذَلِكَ أوْلادَكُمْ، وقالَ في شِعْرِهِ: حُدِّثْتُ أنَّ رَسُولَ اَلْمَلِي كِ يَخْرُجُ حَقًّا بِأرْضِ اَلْحَرَمْ ولَوْ مُدَّ دَهْرِي إلى دَهْرِهِ ∗∗∗ لَكُنْتُ وزِيرًا لَهُ وابْنَ عَمْ وفِي اَلْبَحْرِ بَدَلَ اَلْبَيْتِ اَلْأوَّلِ: شَهِدْتُ عَلى أحْمَدَ أنَّهُ ∗∗∗ رَسُولٌ مِنَ اَللَّهِ بارِي اَلنِّسَمْ وفِيهِ أيْضًا رِوايَةٌ عَنِ اِبْنِ إسْحاقَ وغَيْرِهِ أنَّهُ كَتَبَ أيْضًا كِتابًا وكانَ فِيهِ: أمّا بَعْدُ فَإنِّي آمَنتُ بِكَ وبِكِتابِكَ اَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ وأنا عَلى دِينِكَ وسُنَّتِكَ وآمَنتُ بِرَبِّكَ ورَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وآمَنتُ بِكُلِّ ما جاءَ مِن رَبِّكَ مِن شَرائِعِ اَلْإسْلامِ فَإنْ أدْرَكْتُكَ فَبِها ونِعْمَتْ وإنْ لَمْ أُدْرِكْكَ فاشْفَعْ لِي ولا تَنْسَنِي يَوْمَ اَلْقِيامَةِ فَإنِّي مِن أُمَّتِكَ اَلْأوَّلِينَ وتابِعِيكَ قَبْلَ مَجِيئِكَ وأنا عَلى مِلَّتِكَ ومِلَّةِ أبِيكَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، ثُمَّ خَتَمَ اَلْكِتابَ ونَقَشَ عَلَيْهِ لِلَّهِ اَلْأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ، وكَتَبَ عُنْوانَهُ إلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ نَبِيِّ اَللَّهِ ورَسُولِهِ خاتَمِ اَلنَّبِيِّينَ ورَسُولِ رَبِّ اَلْعالَمِينَ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن تُبَّعٍ اَلْأوَّلِ ودَفَعَهُ إلى عَظِيمٍ مِنَ اَلْأوْسِ والخَزْرَجِ وأمَرَهُ أنْ يَدْفَعَهُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إنْ أدْرَكَهُ.
ويُقالُ: إنَّهُ بَنى لَهُ دارًا في اَلْمَدِينَةِ يَسْكُنُها إذا أدْرَكَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدِمَ إلَيْها وأنَّ تِلْكَ اَلدّارَ دارُ أبِي أيُّوبَ خالِدِ بْنِ زَيْدٍ وأنَّ اَلشِّعْرَ والكِتابَ وصَلا إلَيْهِ وأنَّهُ مِن ولَدِ ذَلِكَ اَلرَّجُلِ اَلَّذِي دُفِعا إلَيْهِ أوَّلًا، ولَمّا ظَهَرَ اَلنَّبِيُّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ دَفَعُوا اَلْكِتابَ إلَيْهِ فَلَمّا قُرِئَ عَلَيْهِ قالَ: «مَرْحَبًا بِتُبَّعٍ اَلْأخِ اَلصّالِحِ ثَلاثَ مَرّاتٍ».
وجاءَ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ صَلّى عَلَيْهِ صَلاةَ اَلْجِنازَةِ وكَذا عَلى اَلْبَراءِ بْنِ مَعْرُورٍ بَعْدَ وفاتِهِ بِشَهْرٍ يَوْمَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ اَلْمَدِينَةَ كَما قالَ اَلنَّجْمُ اَلْغَيْطِيُّ وكانَتْ صَلاةُ اَلْجِنازَةِ قَدْ فُرِضَتْ تِلْكَ اَلسَّنَةَ، وكَوْنُ هَذا هو تُبَّعًا اَلْأوَّلَ ويُقالُ لَهُ اَلْأكْبَرُ هو اَلْمَذْكُورُ في غَيْرِ ما كِتابٍ، وذَكَرَ عَبْدُ اَلْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ بَدْرُونَ في شَرْحِهِ لِقَصِيدَةِ اِبْنِ عَبْدُونَ أنَّ أسْعَدَ هَذا هو تُبَّعٌ اَلْأوْسَطُ وذَكَرَ أيْضًا أنَّ مُلْكَهُ ثَلاثُمِائَةٍ وعِشْرُونَ سَنَةً ومَلَكَ بَعْدَهُ عَمْرٌو أرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وقالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ حَسّانُ وهو اَلَّذِي قَتَلَ زَرْقاءَ اَلْيَمامَةِ وأبادَ جُدَيْسًا وكانَ مُلْكُهُ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً والتَّوارِيخُ ناطِقَةٌ بِتَقَدُّمُ تَبابِعَةٍ عَلَيْهِ فَإنَّ تُبَّعًا يُقالُ لِمَن مَلَكَ اَلْيَمَنَ مُطْلَقًا كَما يُقالُ لِمَلِكِ اَلتُّرْكِ خاقانُ، والرُّومِ قَيْصَرُ، والفُرْسِ كِسْرى أوْ لا يُسَمّى بِهِ إلّا إذا كانَتْ لَهُ حِمْيَرُ وحَضْرَمَوْتُ كَما في اَلْقامُوسِ أوْ إلّا إذا كانَتْ لَهُ حِمْيَرُ وسَبَأٌ وحَضْرَمَوْتُ كَما ذَكَرَهُ اَلطَّيِّبِيُّ، والمُتَّصِفُ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ خَبَرًا بِالتَّوارِيخِ.
وما تَقَدَّمَ مِن حِكايَةِ أنَّهُ هَدَمَ سَمَرْقَنْدَ ذَكَرَ عَبْدُ اَلْمَلِكِ خِلافَهُ ونَسَبَ هَدْمَها إلى شَمَرَ بْنِ إفْرِيقِيسَ بْنِ أبَرْهَةَ أحَدِ اَلتَّبابِعَةِ أيْضًا كانَ قَبْلَ تُبَّعٍ اَلْمَذْكُورِ بِكَثِيرٍ قالَ: إنَّ شَمَرَ خَرَجَ نَحْوَ اَلْعِراقِ ثُمَّ تَوَجَّهَ يُرِيدُ اَلصِّينَ ودَخَلَ مَدِينَةَ اَلصَّغْدِ فَهَدَمَها وسُمِّيَتْ شَمَرَ كَنْدَ أيْ شَمَرَ خَرَّبَها وعُرِّبَتْ بَعْدُ فَقِيلَ سَمَرْقَنْدُ اهـ.
وحِكايَةُ اَلْبِناءِ يُمْكِنُ نِسْبَتُها إلى شَمَرَ هَذا فَإنَّ كَنْدَ في لُغَةِ أهْلِ أذَرَبِيجانَ ونَواحِيها عَلى ما قِيلَ بِمَعْنى اَلْقَرْيَةِ فَسَمَرْقَنْدُ بِمَعْنى قَرْيَةِ شَمَرَ وهو أوْفَقُ بِالبِناءِ، وذَكَرَ عَلّامَةُ عَصْرِهِ اَلْمُلّا أمِينُ أفَنْدِي اَلْعُمَرِيُّ اَلْمَوْصِلِيُّ تَغَمَّدَهُ اَللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ في كِتابِهِ شَرْحِ ذاتِ اَلشِّفاءِ أنَّ تُبَّعًا اَلَّذِي ذُكِرَ سابِقًا هو اِبْنُ حَسّانَ وأنَّهُ مَلَكَ اَلدُّنْيا كُلَّها وأنَّهُ يُقالُ لَهُ اَلرّائِشُ لِأنَّهُ راشَ اَلنّاسَ بِالعَطاءِ، ولَعَلَّ ما قالَهُ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ وإلّا فَقَدَ قالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهُ اِبْنُ كَلِيكَرْبَ.
وفِي شَرْحِ قَصِيدَةِ اِبْنِ عَبْدُونَ أنَّ اَلرّائِشَ لَقَبُ اَلْحارِثِ بْنِ بَدْرٍ أحَدِ اَلتَّبابِعَةِ، وهو قَبْلَ أسْعَدَ اَلْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ بِزَمانٍ طَوِيلٍ جِدًّا، وهو أيْضًا مِمَّنْ ذَكَرَ نَبِيَّنا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في شِعْرِهِ فَقالَ: ويَمْلُكُ بَعْدَهم رَجُلٌ عَظِيمٌ ∗∗∗ نَبِيٌّ لا يُرَخِّصُ في اَلْحَرامِ يُسَمّى أحَمَدًا يا لَيْتَ أنِّي ∗∗∗ أعَمَّرُ بَعْدَ مَخْرَجِهِ بِعامِ ثُمَّ إنَّ مُلْكَهُ اَلدُّنْيا كُلِّها غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وبِالجُمْلَةِ اَلْأخْبارُ مُضْطَرِبَةٌ في أمْرِ اَلتَّبابِعَةِ وأحْوالِهِمْ وتَرْتِيبِ مُلُوكِهِمْ بَلْ قالَ صاحِبُ تَوارِيخِ اَلْأُمَمِ: لَيْسَ في اَلتَّوارِيخِ أسْقَمُ مِن تارِيخِ مُلُوكِ حِمْيَرَ لِما يُذْكَرُ مِن كَثْرَةِ عَدَدِ سِنِينِهِمْ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ مُلُوكِهِمْ فَإنَّ مُلُوكَهم سِتَّةٌ وعِشْرُونَ ومُدَّتَهم ألِفانِ وعِشْرُونَ سَنَةً.
وقالَ بَعْضٌ: إنَّ مُدَّتَهم ثَلاثَةُ آلافٍ واثْنانِ وثَمانُونَ سَنَةً ثُمَّ مَلَكَ مِن بَعْدِهِمُ اَلْيَمَنَ اَلْحَبَشَةُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ اَلْحالِ، والقَدْرُ اَلْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ هَهُنا أنَّ تُبَّعًا اَلْمَذْكُورَ هو أسْعَدُ أبُو كَرْبٍ وأنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وحِكايَةُ نُبُوَّتِهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا تَصِحُّ، وإخْبارُهُ بِمَبْعَثِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَقْتَضِيها لِأنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ مِن أحْبارِ اَلْيَهُودِ وهم عَرَفُوهُ مِنَ اَلْكُتُبِ اَلسَّماوِيَّةِ.
وما رُوِيَ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ما أدْرِي أكانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا أوْ غَيْرَ نَبِيٍّ لَمْ يَثْبُتْ، نَعَمْ رَوى أبُو داوُدَ.
والحاكِمُ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «(ما أدْرِي أذُو اَلْقَرْنَيْنِ هو أمْ لا)» ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى اَلتَّرَدُّدِ في نَبُّوتِهِ وعَدَمِها فَإنَّ ذا اَلْقَرْنَيْنِ لَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى اَلصَّحِيحِ، ثُمَّ إنَّ اَلظّاهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ دَرى بَعْدُ أنَّهُ لَيْسَ ذا اَلْقَرْنَيْنِ.
وقالَ قَوْمٌ: لَيْسَ اَلْمُرادُ بِتُبَّعٍ هَهُنا رَجُلًا واحِدًا إنَّما اَلْمُرادُ مُلُوكُ اَلْيَمَنِ، وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ والأخْبارُ تُكَذِّبُهُ، ومَعْنى تُبَّعٍ مَتْبُوعٌ فَهو فُعَّلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وقَدْ يَجِيءُ هَذا اَللَّفْظُ بِمَعْنى فاعِلٍ كَما قِيلَ لِلظِّلِّ تُبَّعٌ لِأنَّهُ يَتْبَعُ اَلشَّمْسَ، ويُقالُ لِمُلُوكِ اَلْيَمَنِ أقْيالُ مِن يَقِيلُ فُلانٌ أباهُ إذا اِقْتَدى بِهِ لِأنَّهم يُقْتَدى بِهِمْ، وقِيلَ: سُمِّيَ مَلِكُهم قِيلًا لِنُفُوذِ أقْوالِهِ وهو مُخَفَّفُ قَيِّلٍ كَمَيِّتٍ.
﴿ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ قَبْلَ قَوْمِ تُبَّعٍ كَعادٍ وثَمُودَ أوْ قَبْلَ قُرَيْشٍ فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ ﴿ أهْلَكْناهُمْ ﴾ اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ عاقِبَةِ أمْرِهِمْ هَدَّدَ بِهِ كُفّارَ قُرَيْشٍ أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلصِّلَةِ أوْ خَبَرٌ عَنِ اَلْمَوْصُولِ إنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً ولَمْ يُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَهُ ﴿ إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِإهْلاكِهِمْ أيْ أهْلَكْناهم بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ فَلْيَحْذَرْ كُفّارُ قُرَيْشٍ اَلْإهْلاكَ لِإجْرامِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ يعني: من العذاب الشديد.
ويقال: المهين يعني: الهوان.
وهو قتل الأبناء، واستخدام البنات مِنْ فِرْعَوْنَ يعني: من عذاب فرعون إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ يعني: كان عاصياً، عاتياً، مستكبراً، متعظماً وكان من المسرفين.
يعني: من المشركين وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ يعني: اصطفينا بني إسرائيل عَلى عِلْمٍ يعني: على علم من الله تعالى، أنهم أهل لذلك.
ويقال: عَلى عِلْمٍ الله فيهم من صبرهم عَلَى الْعالَمِينَ يعني: على عالمي زمانهم وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ يعني: أعطيناهم من العلامات مَا فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ يعني: ابتلاء بيناً، مثل انفلاق البحر، وأشباه ذلك.
ثم ذِكْرِ كُفَّار مَكَّةَ فقال: إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى يعني: ما هي إلا موتتنا الأولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ بعدها فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنا نبعث بعد الموت، يعني: قالوا ذلك للنبي .
قال الله تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ يعني: قومك خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ، وإنما ذكر قوم تبع، لأنهم كانوا أقرب إلى أهل مكة في الهلاك من غيرهم.
قال الكلبي: وكانوا أشراف حمير وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ فكيف لا نهلك قومك إذا كذبوك قال: وكان تبع اسم ملك منهم، مثل فرعون.
ويقال: إنما سمي تبع، لكثرة أتباعه، فأسلم فخالفوه فأهلكهم الله تعالى، وكان اسمه سعد بن ملكي كرب.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن عائشة- ا- قالت: إن تبع كان رجلاً صالحاً.
وكان كعب الأحبار يقول: ذم الله قومه، ولم يذمه.
وقال سعيد بن جبير: أن تبعاً كسا البيت، يعني: الكعبة.
وقال القتبي: هم ملوك اليمن، كل واحد منهم يسعى تبعاً، لأنه يتبع صاحبه، وكذلك الظل يسمى: تبعاً لأنه يتبع الشمس، وموضع التبع في الجاهلية، موضع الخليفة في الإسلام، وهم ملوك العرب.
ثم قال: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: من قبل تبع أَهْلَكْناهُمْ يعني: عذبناهم عند التكذيب إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ يعني: مشركين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ...
الآية، آية تقرير ووعيد، وتُبَّعٍ: مَلِكٌ حِمْيَرِيٌّ، وكان يقال لكل ملك منهم: «تُبَّع» إلاَّ أَنَّ المُشَارَ إليه في هذه الآية رجل صالح روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من طريق سَهْلِ بنِ سَعْدٍ «أَنَّ تُبَّعاً هَذَا أَسْلَمَ وَآمَنَ بِاللَّهِ» «١» ، وقد ذكره ابن إسْحَاقَ في السيرة، قال السُّهَيْلِيُّ: وبَعْدَ ما غزا تُبَّعٌ المدينة، وأراد خَرَابَهَا أُخْبِرَ بِأَنَّها مُهَاجَرُ نَبِيٍّ اسمه أَحْمَدُ، فانصرف عَنْهَا، وقال فيه شعراً وأودعه عند أهلها، فكانوا يتوارثونه كابراً عن كابر، إلى أَنْ هاجر إليهم النبي ع فَأَدَّوْهُ إليه، ويقال: إنَّ الكتاب والشعر [كانا] عند أبي أيوبَ الأنصاريِّ [ومنه] : [من المتقارب]
شَهِدتُّ على أَحْمَدٍ أَنَّهُ ...
رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِي النَّسَمْ
فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إلى عُمْرِهِ ...
لَكُنْتُ وَزِيراً لَهُ وابن عَمّ «٢»
وذكر الزَّجَّاجُ «٣» ، وابن أبي الدنيا: أَنَّه حُفِرَ قَبْرٌ ب «صنعاء» في الإِسلام، فَوُجِدَ فيه امرأتانِ صحيحتان، وعند رأسهما لَوْحٌ من فِضَّةٍ مكتوبٌ فيه بالذَّهَبِ: هذا قَبْرُ حبى ولَمِيسَ، ويروى: وتُماضِرَ ابنتي تُبَّعٍ، ماتتا وهما تَشْهَدَانِ أَنْ لاَ إله إلاَّ اللَّه، ولا تُشْرِكَانِ به شَيْئاً، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما، انتهى، ويَوْمَ الْفَصْلِ: هو يَوْمُ القيامة وهذا هو الإخْبَارُ بِالبَعْثِ، و «المولى» في هذه الآية: يَعُمُّ جميع الموالي.
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧)
ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)
وقوله سبحانه: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ روي عن ابن زيد أنّ الأثيم
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ العَذابِ المُهِينِ ﴾ يَعْنِي قَتْلَ الأبْناءِ واسْتِخْدامَ النِّساءِ والتَّعَبَ في أعْمالِ فِرْعَوْنَ، ﴿ إنَّهُ كانَ عالِيًا ﴾ أيْ: جَبّارًا.
﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ ﴾ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ عَلى عِلْمٍ ﴾ عَلِمَهُ اللَّهُ فِيهِمْ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، ﴿ وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ﴾ كانْفِراقِ البَحْرِ، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ ﴾ أيْ: نِعْمَةٌ ظاهِرَةٌ.
ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ كُفّارٍ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ﴾ ﴿ إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى ﴾ يَعْنُونَ الَّتِي تَكُونُ في الدُّنْيا ﴿ وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴾ أيْ: بِمَبْعُوثِينَ، ﴿ فَأْتُوا بِآبائِنا ﴾ أيِ: ابْعَثُوهم لَنا ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في البَعْثِ.
وهَذا جَهْلٌ مِنهم مَن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قَدْ رَأوْا مِنَ الآياتِ ما يَكْفِي في الدَّلالَةِ؛ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَتَنَطَّعُوا.
والثّانِي: أنَّ الإعادَةَ لِلْجَزاءِ؛ وذَلِكَ في الآخِرَةِ، لا في الدُّنْيا.
ثُمَّ خَوَّفَهم عَذابَ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ، فَقالَ: ﴿ أهم خَيْرٌ ﴾ أيْ: أشَدُّ وأقْوى ﴿ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ ؟!
أيْ: لَيْسُوا خَيْرًا مِنهم.
رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: « "ما أدْرِي تُبَّعًا، نَبِيٌّ، أوْ غَيْرُ نَبِيٍّ.» وقالَتْ عائِشَةُ: لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ.
وقالَ وهْبٌ: أسْلَمَ تُبَّعٌ ولَمْ يُسْلِمْ قَوْمُهُ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ قَوْمُهُ ولَمْ يُذْكَرْ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ النّارَ، فَأسْلَمَ ودَعا قَوْمَهُ -وَهم حِمْيَرٌ- إلى الإسْلامِ، فَكَذَّبُوهُ.
فَأمّا تَسْمِيَتُهُ بِـ "تُبَّعٍ" فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ اليَمَنِ كانَ يُسَمّى: تُبَّعًا، لِأنَّهُ يَتْبَعُ صاحِبَهُ، فَمَوْضِعُ "تُبَّعٍ" في الجاهِلِيَّةِ مَوْضِعُ الخَلِيفَةِ في الإسْلامِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إنَّما سُمِّيَ تُبَّعًا لِكَثْرَةِ أتْباعِهِ، واسْمُهُ مَلْكَيَكْرِبُ.
وإنَّما ذَكَرَ قَوْمَ تُبَّعٍ، لِأنَّهم كانُوا أقْرَبَ في الهَلاكِ إلى كُفّارِ مَكَّةَ مِن غَيْرِهِمْ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ [الأنْبِياءِ: ١٦، الحِجْرِ: ٨٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ ﴾ وهو يَوْمٌ يَفْصِلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَ العِبادِ ﴿ مِيقاتُهُمْ ﴾ أيْ: مِيعادُهم ﴿ أجْمَعِينَ ﴾ يَأْتِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ.
﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَنْفَعُ قَرِيبٌ قَرِيبًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يُغْنِي ولِيٌّ عَنْ ولِيِّهِ بِالقَرابَةِ أوْ غَيْرِها.
والثّانِي: لا يَنْفَعُ ابْنُ عَمٍّ ابْنَ عَمِّهِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
﴿ وَلا هم يُنْصَرُونَ ﴾ أيْ: لا يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ، ﴿ إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّهُ يُشَفَّعُ بَعْضُهم في بَعْضٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ﴾ ﴿ ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عن مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن رَحِمَ اللهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ تَقْرِيرٌ فِيهِ وعِيدٌ، وتُبَّعٌ مَلِكُ حَمِيرِي، وكانَ يُقالُ لِكُلِّ مَلِكٍ مِنهُمْ: "تَبَعٌ"، إلّا أنَّ المُشارَ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ رَجُلٌ صالِحٌ مِنَ التَبابِعَةِ، قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: ذَمَّ اللهُ تَعالى قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ، ونَهى العُلَماءُ عن سَبِّهِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ مِن طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «أنَّ تُبَّعًا هَذا أسْلَمَ وآمَنَ بِاللهِ تَعالى، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى يَدِ أهْلِ كِتابٍ كانُوا بِحَضْرَتِهِ.» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ "تُبَّعُ" نَبِيًّا.
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "ما أدْرِي أكانَ "تُبَّعُ" نَبِيًّا أمْ غَيْرَ نَبِيٍّ؟".» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو الَّذِي كَسا الكَعْبَةَ، وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِيرَةِ، واللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ يُرِيدُ: بِالكُفْرِ.
وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ ﴾ الآيَةُ...
إخْبارٌ فِيهِ تَنْبِيهٌ وتَحْذِيرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا بِالحَقِّ ﴾ يُرِيدُ: بِالواجِبِ المُفْضِي إلى الخَيْراتِ وفَيْضِ الهِباتِ، و ﴿ "يَوْمَ الفَصْلِ": ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا هو الإخْبارُ بِالبَعْثِ، وهو أمْرٌ جَوَّزَهُ العَقْلُ وأثْبَتَهُ الشَرْعُ بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، والمَوْلى في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ المَوالِي مِنَ القَراباتِ ومَوالِي العِتْقِ ومَوالِي الصَداقَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا هم يُنْصَرُونَ ﴾ : إنْ كانَ الضَمِيرُ يُرادُ بِهِ العالَمَ، فَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا مَن رَحِمَ اللهُ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ يُرادُ بِهِ الكُفّارَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإنَّهُ يُغْنِي بَعْضُهم عن بَعْضٍ في الشَفاعَةِ ونَحْوِها، أو يَكُونُ تَقْدِيرُهُ: فَإنَّ اللهَ يَنْصُرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ "الأثِيمِ" المُشارُ إلَيْهِ هو أبُو جَهْلٍ، ثُمَّ هي بِالمَعْنى- تَتَناوَلُ كُلَّ أثِيمٍ، وهو كُلُّ تاجِرٍ يَكْتَسِبُ الإثْمَ، ورُوِيَ عن هَمّامٍ أنَّ أبا الدَرْداءِ أقْرَأ أعْرابِيًّا، فَكانَ يَقُولُ: "طَعامُ اليَتِيمِ"، فَرَدَّ عَلَيْهِ أبُو الدَرْداءِ مِرارًا فَلَمْ يُلَقَّنْ، فَقالَ لَهُ: قُلْ: "طَعامُ الفاجِرِ"، فَقُرِئَتْ كَذَلِكَ، وإنَّما هي عَلى التَفْسِيرِ، وهي الشَجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ، وهي تَنْبُتُ في أصْلٍ الجَحِيمِ، ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأشارَ الناسُ بِها إلَيْهِ، جَمَعَ عَجْوَةٍ بِزَبَدٍ، ثُمَّ دَعا إلَيْها ناسًا، فَقالَ لَهُمْ: "تَزَقَّمُوا، فَإنَّ الزُقُّومَ هو عَجْوَةُ يَثْرِبَ بِالزُبْدِ، وهو طَعامِي الَّذِي حَدَّثَ بِهِ مُحَمَّدٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما قَصَدَ بِذَلِكَ ضَرْبًا مِنَ المُغالَطَةِ والتَلْبِيسِ عَلى الجَهَلَةِ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف ناشئ عن قوله: ﴿ ولقد فتنّا قبلهم قوم فرعون ﴾ [الدخان: 17] فضمير ﴿ إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ [الدخان: 34، 35] فبعد أن ضرب لهم المثل بمهلك قوم فرعون زادهم مثلاً آخر هو أقرب إلى اعتبارهم به وهو مُهلك قوم أقرب إلى بلادهم من قوم فرعون وأولئك قوم تبّع فإن العرب يتسامعون بعظمة مُلك تُبَّع وقومه أهل اليمن وكثير من العرب شاهدوا آثار قوتهم وعظمتهم في مراحل أسفارهم وتحادثوا بما أصابهم من الهلك بسيل العرم.
وافتتح الكلام بالاستفهام التقريري لاسترعاء الأسماع لمضمونه لأن كل أحد يعلم أن تُبَّعاً ومن قبله من الملوك خير من هؤلاء المشركين.
والمعنى: أنهم ليسوا خيراً من قوم تبع ومن قبلهم من الأمم الذين استأصلهم الله لأجل إجرامهم فلما مَاثلوهم في الإجرام فلا مزيّة لهم تدفع عنهم استئصال الذي أهلك الله به أمماً قبلهم.
والاستفهام في ﴿ أهم خير أم قوم تبع ﴾ تقريري إذ لا يسعهم إلا أن يعترفوا بأن قوم تبّع والذين من قبلهم خير منهم لأنهم كانوا يضربون بهم الأمثال في القوة والمنعة.
والمراد بالخيرية التفضيل في القوة والمنعة، كما قال تعالى بعد ذكر قوم فرعون ﴿ أكفاركم خيرٌ من أُولئكم ﴾ في سورة القمر (43).
وقوم تُبّع هم حمير وهم سكان اليمن وحضرَموت من حمير وسبأ وقد ذكرهم الله تعالى في سورة قَ.
وتُبّع بضم الميم وتشديد الموحدة لقب لِمَن يملك جميع بلاد اليمن حِمْيراً وسبأ وحضرموت، فلا يطلق على الملك لقب تُبّع إلا إذا ملك هذه المواطن الثلاثة.
قيل سمّوه تُبّعاً باسم الظل لأنه يَتبع الشمس كما يتبع الظل الشمس، ومعنى ذلك: أنه يسير بغزاوته إلى كل مكان تطلع عليه الشمس، كما قال تعالى في ذي القرنين ﴿ فاتّبع سبباً حتى إذا بلغ مغرب الشمس ﴾ إلى قوله: ﴿ لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ [الكهف: 85 90]، وقيل لأنه تتبعه ملوك مخاليف اليمن، وتخضع له جميع الأقيال والأذواء من ملوك مخاليف اليمن وأذوائه، فلذلك لُقِّبَ تُبّعاً لأنه تتبعه الملوك.
وتُبّع المراد هُنا المسمّى أسعد والمُكَنَّى أبا كَرِب، كان قد عظم سلطانه وغزا بلاد العرب ودخل مكة ويثرب وبلغ العراق.
ويقال: إنه الذي بنى مدينة الحِيرة في العراق، وكانت دولة تُبّع في سنة ألف قبل البعثة المحمدية، وقيل كان في حدود السبعمائة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وتعليق الإهلاك بقوم تُبّع دونه يقتضي أن تبّعاً نجا من هذا الإهلاك وأن الإهلاك سلط على قومه، قالت عائشة: ألا ترى أن الله ذمّ قومه ولم يَذمه.
والمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وغيره أنه قال: «لا تسبوا تُبعاً فإنه كان قد أسلم وفي رواية كان مؤمناً» وفسره بعض العلماء بأنه كان على دين إبراهيم عليه السلام وأنه اهتدى إلى ذلك بصحبة حبْرَين من أحبار اليهود لقيهما بيثرب حين غزاها وذلك يقتضي نجاته من الإهلاك.
ولعل الله أهلك قومه بعد موته أو في مغيبه.
وجملة ﴿ أهلكناهم ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً لما أثاره الاستفهام التقريري من السؤال عن إبهامه ماذا أريد به.
وجملة ﴿ إنهم كانوا مجرمين ﴾ تعليل لمضمون جملة ﴿ أهلكناهم ﴾ ، أيْ أهلكناهم عن بكرة أبيهم بسبب إجرامهم، أي شركهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ.
﴿ إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ﴾ أيْ بِمَبْعُوثِينَ قِيلَ: إنَّ قائِلَ هَذا أبُو جَهْلٍ قالَ: يا مُحَمَّدُ إنْ كُنْتَ صادِقًا في قَوْلِكَ فابْعَثْ لَنا رَجُلَيْنِ مِن آبائِنا أحَدُهُما قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ فَإنَّهُ كانَ رَجُلًا صادِقًا، لِنَسْألَهُ عَمّا يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ وهَذا القَوْلُ مِن أبِي جَهْلٍ مِن أضْعَفِ الشُّبُهاتِ، لِأنَّ الإعادَةَ إنَّما هي لِلْجَزاءِ لا لِلتَّكْلِيفِ.
فَكَأنَّهُ قالَ: إنْ كُنْتَ صادِقًا في إعادَتِهِمْ لِلْجَزاءِ فَأعِدْهم لِلتَّكْلِيفِ.
وَهو كَقَوْلِ قائِلٍ لَوْ قالَ: إنْ كانَ يَنْشَأُ بَعْدَنا قَوْمٌ مِنَ الأبْناءِ، فَلِمَ لا يَرْجِعُ مَن مَضى مِنَ الآباءِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أهم أظْهَرُ نِعْمَةً وأكْثَرُ أمْوالًا.
الثّانِي: أهم أعَزُّ وأشَدُّ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ.
وَحَكى قَتادَةُ أنَّ تُبَّعًا كانَ رَجُلًا مِن حِمْيَرٍ سارَ بِالجُيُوشِ حَتّى عَبَرَ الحِيرَةَ وأتى سَمَرْقَنْدَ فَهَدَمَها.
وَحُكِيَ لَنا أنَّهُ كانَ إذا كَتَبَ; كَتَبَ بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي سَما ومَلَكَ بَرًّا وبَحْرًا وضَحًا ورِيحًا.
وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ رَجاءٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهَ قالَ: «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ.
» وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ في المَعارِفِ شِعْرًا ذَكَرَ أنَّهُ لِتُبَّعٍ وهُوَ: مَنَحَ البَقاءَ تَقَلُّبُ الشَّمْسِ وطُلُوعُها مِن حَيْثُ لا تُمْسِي ∗∗∗ وشُرُوقُها بَيْضاءُ صافِيَةٌ ∗∗∗ وغُرُوبُها حَمْراءُ كالوَرْسِ ∗∗∗ وتَشَتُّتِ الأهْواءُ أزْعَجَنِي ∗∗∗ سَيْرًا لِأبْلُغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ∗∗∗ ولَرُبَّ مَطْعَمَةٍ يَعُودُ لَها ∗∗∗ رَأْيُ الحَلِيمِ إلى شَفا لُبْسِ وَفِي تَسْمِيَتِهِ تُبَّعًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ تَبِعَ مَن قَبْلَهُ مِن مُلُوكِ اليَمَنِ كَما قِيلَ خَلِيفَةٌ لِأنَّهُ خَلَفَ مَن قَبْلَهُ.
الثّانِي: لِأنَّهُ اسْمٌ لِمُلُوكِ اليَمَنِ.
وَذَمَّ اللَّهُ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ، وضَرَبَ بِهِمْ مَثَلًا لِقُرَيْشٍ لِقُرْبِهِمْ مِن دارِهِمْ، وعَظَّمَهم في نُفُوسِهِمْ، فَلَمّا أهْلَكَهُمُ اللَّهُ ومَن قَبْلَهم - لِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ - كانَ مَن أجْرَمَ مَعَ ضَعْفِ اليَدِ وقِلَّةِ العَدَدِ أحْرى بِالهَلاكِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا تبعاً فإنه قد أسلم» .
وأخرج أحمد والطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم» .
وأخرج ابن عساكر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا يشتبهن عليكم أمر تبع فإنه كان مسلماً.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا تقولوا لتبع إلا خيراً، فإنه قد حج البيت وآمن بما جاء به عيسى بن مريم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن كعب رضي الله عنه قال: إن تبعاً نعت الرجل الصالح، ذم الله قومه ولم يذمه.
قال: وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لا تسبوا تبعاً فإنه كان رجلاً صالحاً.
وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان تبع رجلاً صالحاً، ألا ترى أن الله ذم قومه ولم يذمه!
وأخرج ابن عساكر عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه قال: لا تسبوا تبعاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن سبه.
وأخرج ابن المنذر وابن عساكر، عن وهب بن منبه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سب أسعد وهو تبع.
قيل: وما كان أسعد؟
قال: كان على دين إبراهيم وكان إبراهيم يصلي كل يوم صلاة ولم تكن شريعة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أسعد الحميري وقال: هو أوّل من كسا الكعبة» .
وأخرج ابن المنذر وابن عساكر، عن سعيد بن جبير قال: ان تبعاً كسا البيت.
وأخرج ابن عساكر، عن سعيد بن عبد العزيز قال: كان تبع إذا عرض الخيل قاموا صفاً من دمشق إلى صنعاء اليمن.
وأخرج ابن المنذر وابن عساكر، عن ابن عباس قال: سألت كعباً عن تبع فإني أسمع الله يذكر في القرآن قوم تبع ولا يذكر تبعاً؟
فقال: إن تبعاً كان رجلاً من أهل اليمن ملكاً منصوراً، فسار بالجيوش حتى انتهى إلى سمرقند، رجع فأخذ طريق الشام، فأسر بها أحباراً، فانطلق بهم نحو اليمن- حتى إذا دنا من ملكه طار في الناس أنه هادم الكعبة، فقال له الأحبار: ما هذا الذي تحدث به نفسك، فإن هذا البيت لله وإنك لن تُسَلَّط عليه، فقال: إن هذا لله وأنا أحق من حرمه، فأسلم من مكانه وأحرم فدخلها محرماً، فقضى نسكه ثم انصرف نحو اليمن راجعاً حتى قدم على قومه، فدخل عليه أشرافهم فقالوا: يا تبع، أنت سيدنا وابن سيدنا خرجت من عندنا على دين وجئت على غيره، فاختر منا أحد أمرين؛ إما أن تخلينا وملكنا وتعبد ما شئت، وإما أن تذر دينك الذي أحدثت- وبينهم يومئذ نار تنزل من السماء- فقال الأحبار عند ذلك: اجعل بينك وبينهم النار، فتواعد القوم عند ذلك جميعاً على أن يجعلوا بينهم النار، فجيء بالأحبار وكتبهم، وجيء بالأصنام وعمارها وقدموا جميعاً إلى النار، وقامت الرجال خلفهم بالسيوف، فهدرت النار هدير الرعد ورمت شعاعاً لها، فنكص أصحاب الأصنام، وأقبلت النار فأحرقت الأصنام وعمالها، وسلم الآخرون، فأسلم قوم واستسلم قوم، فلبثوا بعد ذلك عمر تبع، حتى إذا نزل بتبع الموت استخلف أخاه وهلك، فقتلوا أخاه وكفروا صفقة واحدة.
وأخرج ابن سعد وابن عساكر، عن أبيّ بن كعب قال: لما قدم تبع المدينة ونزل بفناه بعث إلى أحبار يهود فقال: إني مخرب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية ويرجع الأمر إلى دين العرب.
فقال له شابور اليهودي.- وهو يومئذ اعلمهم- أيها الملك، إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسماعيل، مولده بمكة اسمه أحمد وهذه دار هجرته، إن منزلك هذا الذي نزلت به، يكون من القتال والجراح أمر كثير في أصحابه وفي عدوهم.
قال تبع: ومن يقاتله يومئذ وهو نبي كما تزعم؟
قال: يسير إليه قومه؛ فيقتتلون ههنا.
قال: فأين قبره؟
قال: بهذا البلد.
قال: فإذا قوتل لمن تكون الدبرة؟
قال: تكون عليه مرة وله مرة، وبهذا المكان الذي أنت به يكون عليه، ويقتل به أصحابه مقتلة عظيمة لم تقتل في موطن، ثم تكون العاقبة له ويظهر، فلا ينازعه هذا الأمر أحد.
قال: وما صفته؟
قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة يركب البعير ويلبس الشملة، سيفه على عاقته، ولا يبالي من لاقى حتى يظهر أمره.
فقال تبع: ما إلى هذا البلد من سبيل وما كان ليكون خرابها على يدي، فرجع تبع منصرفاً إلى اليمن.
وأخرج ابن عساكر عن عباد بن زياد المري عمن أدرك قال: أقبل تبع يفتتح المدائن ويعمل العرب حتى نزل المدينة، وأهلها يومئذ يهود، فظهر على أهلها، وجمع أحبار اليهود فأخبروه أنه سيخرج نبيّ بمكة يكون قراره بهذا البلد اسمه أحمد، وأخبروه أنه لا يدركه، فقال تبع للأوس والخزرج: أقيموا بهذا البلد؛ فإن خرج فيكم، فآزروه وصدقوه، وإن لم يخرج، فأوصوا بذلك أولادكم وقال في شعره: حدثت أن رسول المليك ** يخرج حقّاً بأرض الحرم ولو مدّ دهري إلى دهره ** لكنت وزيراً له وابن عم وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عبدالله بن سلام قال: لم يمت تبع حتى صدق بالنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يهود يثرب يخبرونه.
وأخرج ابن عساكر عن ابن إسحاق قال: أري تبع في منامه أن يكسو البيت فكساه الخصف، ثم أري ان يكسوه أحسن من ذلك فكساه العافر، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الوصائل، وصائل اليمن، فكان تبع فيما ذكر لي أول من كساه، وأوصى بها ولاته من جرهم، وأمر بتطهيره وجعل له باباً ومفتاحاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين ﴾ قال يوم يفصل بين الناس بأعمالهم يوفي فيه للأولين والآخرين ﴿ يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ﴾ قال: انقطعت الأسباب يومئذ وذهبت الآصار، وصار الناس إلى أعمالهم فمن أصاب يومئذ خيراً سعد به، ومن أصاب يومئذ شرّاً شقي به.
وأخرج ابن المبارك عن الضحاك في قوله: ﴿ يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ﴾ قال: ولي عن ولي.
<div class="verse-tafsir"
ثم خوفهم الله مثل عذاب الأمم الخالية، فقال: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ وهذا استفهام إنكار أي: ليسوا خيرًا منهم، بمعنى أقوى وأعتى وأشد منهم، قال ابن عباس: (أهم خير) يريد أشد (١) (٢) أو لا يقولُ اللهُ في آياتِه ...
والله يوحي ما يشاء وينزل أنتم كتُبَّع أو كسَائِرِ قَوْمِهِ ...
بل قومُ تبَّعٍ في الفضائل أفْضَلُ (٣) وأنشد قول متمم: وعِشْنَا بخيرٍ في الحَيَاةِ وقَبْلَنَا ...
أَصَابَ المَنَايَا رَهْط كِسْرًا وتُبَّعا وقالت عائشة ا: "كان تبع رجلاً صالحًا" (٤) وقال كعب: ذَمَّ الله قومه ولم يذمَّه (٥) - عن سب أسعد وهو تبع، وكان على دين إبراهيم (٦) وقال الكلبي: وهو أبو كرب أسعد بن ملكيكرب (٧) (١) انظر: "تفسير الماوردي" ولم ينسبه 5/ 255، وذكره الزمخشري ونسبه لابن عباس، انظر: "الكشاف" 3/ 434.
(٢) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 209.
(٣) لم أقف على قائل هذين البيتين.
(٤) أخرجه الحاكم عن عائشة، وقال: حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، انظر: المستدرك كتاب التفسير 2/ 450، وأخرجه الطبري عن عائشة 13/ 128، ونسبه البغوي لعائشة، انظر: "تفسيره" 7/ 234، ونسبه في "الوسيط" لعائشة، انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 91.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 129، و"تفسير البغوي" 7/ 234، و"زاد المسير" 7/ 348، و"الجامع لأحكام القرآن" عن كعب 16/ 146.
(٦) ذكر ذلك السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 415، وعزاه لابن المنذر وابن عساكر.
(٧) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 233، و"تنوير المقباس" ص 497، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 146.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ كان تبع ملك من حمير كان مؤمناً وقومه كفاراً، فذم قومه لوم يذمه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما أدري أكان تبع نبياً أو غير نبيّ، ومعنى الآية: أقريش أشدّ وأقوى أم قوم تبع والذين من قبلهم من الكفار، وقد أهكلنا قوم تبع وغيرهم لما كفروا فكذلك نهلك هؤلاء، فمقصود الكلام تهديد ﴿ والذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ عطف على قوم تبع: وقيل هو مبتدأ فيوف على ما قبله، والأول أصح.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ رب السموات ﴾ بالجر على البدل ﴿ من ربك ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بالرفع ﴿ أني آتيكم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ترجموني ﴾ ﴿ فاعتزلوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ لي ﴾ بالفتح: ورش ﴿ فكهين ﴾ بغير الألف: يزيد ﴿ يغلي ﴾ على التذكير والضمير للطعام: ابن كثير وحفص والمفضل ورويس وابن مجاهد عن ابن ذكوان.
الباقون: بتاء التأنيث والضمير للشجرة ﴿ فاعتلوه ﴾ بضم التاء: ابن كثير ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.
الآخرون: بالكسر ﴿ ذق أنك ﴾ بفتح الهمزة على حذف لام التعليل.
﴿ في مقام ﴾ بضم الميم من الإقامة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ط بناء على أن التقدير أمرنا أمراً ﴿ من عندنا ﴾ ط ﴿ مرسلين ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ رحمة ﴾ مفعول له أو به أو التقدير رحمنا رحمة ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن خفض ﴿ رب ﴾ ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ الناس ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ عائدون ﴾ ه م لئلا يظن أن ما بعده ظرف للعود ﴿ الكبرى ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ عباد الله ﴾ ط ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ج ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ ترجمون ﴾ ه ﴿ فاعتزلون ﴾ ه ﴿ مجرمون ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه لا ﴿ رهوا ﴾ ط ﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ فاكهين ﴾ ه لا لأن المعنى تركوها مهيأة كما كانت ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه لا ﴿ من فرعون ﴾ ط ﴿ المفسرين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ بمنشرين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تبع ﴾ لا للعطف ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى ابتداء الأخبار ﴿ أهلكناهم ﴾ ج لأن التعليل أوضح ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ ه لا ﴿ رحم الله ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الأثيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ كالمهل ﴾ خبراً بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ في البطون ﴾ لا ﴿ الحميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ الحميم ﴾ ه ط لأن التقدير قولوا أو يقال له ذق ﴿ الكريم ﴾ ه ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وعيون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ متقابلين ﴾ ه ج لاحتمال أن يراد كما ذكرنا من حالهم قبل أو يكون التقدير الأمر كذلك ﴿ عين ﴾ ه ج لئلا يوهم أن ما بعده صفة للحور ﴿ آمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة فإن الأمن لا يتم إلا به ﴿ الأولى ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً بإضمار قد ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول به ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ مرتقبون ﴾ ه.
التفسير: أقسم بالقرآن ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة ﴾ لأن من شأننا الإنذار والتخويف من العقاب وإنما أنزل في هذه الليلة خصوصاً لأن إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة فالجملتان - أعني قوله ﴿ إنا كنا منذرين فيها يفرق على أمر حكيم ﴾ كالتفسير لجواب القسم قال صاحب النظم: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه فجواب القسم ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ وقوله ﴿ إنا أنزلناه ﴾ اعتراض.
والجمهور على الأول ولا بأس لأن المعنى إنا أنزلنا القرآن على محمد ولم يتقوله، ويحتمل أن القسم وقع على إنزاله في ليلة مباركة.
وأكثر المفسرين على أنها ليلة القدر لقوله ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ وليلة القدر عند الأكثرين من رمضان.
ونقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت، والليلة المباركة هي ليلة القدر.
وزعم بعضهم كعكرمة وغيره أنها ليلة النصف من شعبان.
وما رأيت لهم دليلاً يعوَّل عليه.
قالوا: وتسمى ليلة البراءة أيضاً وليلة الصك لأن الله يكتب لعباده المؤمنين البراءة من النار في هذه الليلة.
وروي أن النبي قال: " من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشراً يدفعون عنه مكايد الشيطان." " وقال " "إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب" وقال: " إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو ساخر أو مدمن خمر أو عاق للوالدين أو مصر على الزنا" ومما أعطى فيها رسول الله تمام الشفاعة وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر منها فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير.
ومن عادة الله عز وجل في هذه الليلة أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة.
وبعضهم أراد أن يجمع بين القولين فقال: ابتدىء بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر.
والمباركة الكثيرة الخير ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة.
ومعنى ﴿ يفرق ﴾ يفصل ويكتب ﴿ كل أمر ﴾ هو ضد النهي أو كل أمر له شأن من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى العام القابل، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسوف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، ونسخة المصائب إلى ملك الموت.
وقيل: يعطي كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته.
وفي انتصاب ﴿ أمراً ﴾ وجوه: إما أن يكون حالاً من ﴿ أمر حكيم ﴾ لأنه قريب من المعرفة أو من الهاء في ﴿ أنزلناه ﴾ أو من الفاعل أي آمرين، أو على المصدر لأمر، أو على الاختصاص لأن كونه من عند الله يوجبه مزيد شرف وفخامة، أو يكون مصدراً من غير لفظ الفعل وهو ﴿ يفرق ﴾ لأنه إذا حكم بالشيء وفصله وكتبه فقد أوجبه وأمر به قوله ﴿ إنا كنا مرسلين ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من قوله ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ أي أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة، ويحتمل كونه تعليلاً ليفرق، أو لقوله ﴿ أمراً من عندنا ﴾ وقوله ﴿ من ربك ﴾ وضع للظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة.
ثم حقق ربوبيته بقوله ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ إلى قوله الأولين.
ومعنى الشرط في قوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ نظير ما هو في أول الشعراء وذلك أنهم كانوا مقرين بأنه رب السموات والأرض.
قيل لهم: إن كنتم على بصيرة وإيقان من ذلك فلا تشكوا فيه، أو إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم، أو إن كنتم تريدون اليقين فاعلموا ذلك.
وقيل: إن نافية ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ في الدنيا أو يستهزؤون بنا فلا جرم أوعدهم بقوله ﴿ فارتقب ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول به أي انتظره.
والأكثرون على أن هذا الدخان من أمارات القيامة فإن الدنيا ستصير كبيت لاخصاص له مملوء دخاناً يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيكونون كالسكارى، ويصيب المؤمن فيه كالزكام فيبقى ذلك أربعين.
وعن حذيفة أن النبي قال "أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر" أبين بكسر الهمزة وفتحها اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها.
وقيل: الدخان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم يحيط بالخلائق ويغشاهم.
وقيل: الدخان الشر والفتنة.
وعن ابن مسعود: خمس قد مضت الروم والدخان والقمر والبطشة واللزام.
وذلك أن قريشاً لما استصعبت على رسول الله عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ويوسف.
فأصابهم اللزام وهو القحط حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان فيسمع كلام صاحبه ولا يراه من الدخان.
فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا.
فلما كشف عنهم من الدخان رجعوا إلى شركهم وذلك قوله ﴿ هذا عذاب ﴾ أي قائلين هذا إلى آخره.
ثم استبعد منهم الاتعاظ بقوله ﴿ أنى لهم الذكرى وقد جاءهم ﴾ ما هو أعظم من كشف الدخان وهو القرآن المعجز وغيره فلم يتذكروا ﴿ وتولوا عنه ﴾ واتهموه بأنه إنما يعلمهن بشر ونسبوه إلى الجنون.
ومعنى "ثم" تبعيد الحالتين.
ثم بين أنهم يعودون إلى الكفر عقيب كشف العذاب عنهم زماناً قليلاً.
واعلم أن ارتدادهم إلى الكفر أمر ممكن سواء يجعل الدخان من أمارات القيامة أو يقال إنه قد مضى.
والبطشة الكبرى القيامة أو يوم بدر على التفسيرين.
و ﴿ يوم ﴾ ظرف لما دل عليه منتقمون فإن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبله.
وقيل: بدل من ﴿ يوم تأتي السماء ﴾ ثم سلى رسوله بقصة موسى.
ومعنى ﴿ فتنا ﴾ امتحنا وقد وصفه بالكرم لأنه كان حبيباً في قومه أو بكرم خلقه، أو المراد أنه لم يخاشنهم في التبليغ كما قال ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ "وأن" مفسرة لأن مجيء الرسول يتضمن القول، أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية والياء محذوف.
و ﴿ عباد الله ﴾ مفعول به لقوله { ﴿ أرسل معنا بني إسرائيل ﴾ أو منادى والمعنى أدوا إليَّ يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان والطاعة.
والقصة مذكورة في "الشعراء" وغيرها و ﴿ وأن ترجمون ﴾ أن تقتلون أو تشتمون بالنسبة إلى الكذب والسحر ﴿ وإن لم تؤمنوا لي ﴾ أي لم تصدقوني ففارقوني وكونوا بمعزل عني لا عليّ ولا لي ﴿ فدعا ربه ﴾ شاكياً ﴿ أن هؤلاء قوم مجرمون ﴾ مصرون على الكفر ﴿ فأسر ﴾ أي فأجبنا دعاءه وقلنا له أسر وكان من دعائه اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم.
ويحتمل أن يكون الدعاء وهو ما في "يونس" ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ وفي ﴿ رهواً ﴾ وجهان: أحدهما ساكناً أي لا تضربه.
ثانياً واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبساً.
وذلك أن موسى أراد أن يضربه ثانياً حتى ينطبق ويزول الانفلاق خوفاً من أن يدركهم قوم فرعون، والله أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم، وثانيهما أن الرهو الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحاً منفرجاً على حاله.
والنعمة بفتح النون التنعم والباقي مذكور في "الشعراء".
وقوله ﴿ فما بكت ﴾ كان إذا مات الرجل الخطير قالوا في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء والأرض وأظلمت الدنيا، ومنه الحديث "وما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء" وفيه تمثيل وتخييل وتهكم بهم أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك، فأخبر ما كانوا في هذا الحد بل كانوا أنهم دون ذلك.
وجوز كثير من المفسرين أن يكون البكاء حقيقة وجعلوا الخسوف والكسوف والحمرة التي تحدث في السماء وهبوب الرياح العاصفة من ذلك.
قال الواحدى في البسيط: روي أنس بن مالك أن النبي قال: " ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية " .
ثم إن هؤلاء الكفار لم يكن لهم عمل صالح يصعد إلى السماء فلا جرم لم تبك عليهم.
وعن الحسن: أراد أهل السماء والأرض أي ما بكت عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين ﴿ وما كانوا إذا منظرين ﴾ أي لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا.
قوله ﴿ من فرعون ﴾ بدل من العذاب بل جعل في نفسه عذاباً مهيناً لشدة شكيمته وفرط عتوه.
وقيل: المضاف محذوف أي من عذابه.
وقيل: تقديره المهين الصادر من فرعون، وفي قراءة ابن عباس ﴿ من فرعون ﴾ على الاستفهام أي ما ظنكم بعذاب من تعرفونه أنه عال قاهر عات مجاوز حد الاعتدال.
ثم ثنى على بني إسرائيل بقوله ﴿ ولقد اخترناهم ﴾ بإيتاء الملك والنبوة ﴿ على علم ﴾ منا باستحقاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه على عالمي زمانهم.
ولا ريب أن هذا قبل التحريف.
وقيل: أي على علم منا بأنه يبدو منهم بوادر وتفريطات والبلاء النعمة أو المحنة، والآيات هي التسع وغيرها.
ثم عاد إلى ما انجر الكلام فيه وهو قوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ فقال ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني كفار قريش ﴿ ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ قال المفسرون: يؤل إلى ما حكى عنهم في موضع آخر ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ \[المؤمنون: 37\] وذلك أن النزاع إنما وقع في موتة تعقبها حياة فأنكروا أن تكون موتة بهذا الوصف إلا الموتة الأولى وهو حال كونهم نطفاً.
ويحتمل أن يراد إن هي أي الصفة أو النهاية أو الحالة أو العاقبة إلا الموتة الأولى، وليست إثباتاً لموتة ثانية إنما هو كقولك: حج فلان الحجة الأولى، ومات ﴿ وما نحن بمنشرين ﴾ أنشر الله الموتى أحياهم ﴿ فأتوا ﴾ أيها النبي والذين آمنوا معه ﴿ بآبائنا إن كنتم صادقين ﴾ يروى أنهم طلبوا من النبي أن يجعل الله لهم إحياء الموتى فينشر كبيرهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد وصحة البعث، فلم يجبهم الله تعالى إلى ذلك ولكنه أوعدهم بقوله ﴿ أهم خير أم قوم تبع ﴾ أي ليسوا بخير منهم في العدد والعز والمنعة.
ابن عباس: تبع نبي.
أبو هريرة عن النبي " لا أدري تبع نبياً كان أم غير نبي" رواه الثعلبي عن عائشة كان رجلاً صالحاً ذم الله قومه ولم يذمه.
وإنما خصهم بالذكر لقربهم من العرب زماناً ومكاناً.
وعن سعيد بن جبير كسا البيت.
وقال قتادة: كان من حمير سار فبنى الحيرة وسمرقند.
وقال أبو عبيدة: هم ملوك اليمن يسمى كل واحد منهم تبعاً لكثرة تبعه، أو لأنه يتبع صاحبه وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وجمعه تبابعة، وكان يكتب إذا كتب بسم الذي ملك براً وبحراً.
ثم برهن على صحة البعث بقوله ﴿ وما خلقنا ﴾ إلى آخره، وقد مر في "الأنبياء" وفي "ص" نظيره.
وإنما جمع السموات ههنا لموافقة قوله في أول السورة ﴿ رب السموات ﴾ وسمى يوم القيامة يوم الفصل لأنه يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون وللكافرين بينهم وبين وما يشتهونه فيفصل بين الوالد وولده والرجل وزوجته والمرء وخليله.
والمولى في الآية يحتمل الولي والناصر والمعين وابن العم، والمراد أن أحداً منهم بأي معنى فرض لا يتوقع منه النصرة.
والضمير في ﴿ لا ينصرون ﴾ للمولى الثاني لأنه جمع في المعنى لعمومه وشياعه.
وقوله ﴿ إلا من رحم الله ﴾ في محل الرفع على البدل أو في محل النصب على الاستثناء ﴿ إنه هو العزيز ﴾ الغالب على من عصى ﴿ الرحيم ﴾ لمن أطاع.
ثم أراد أن يختم السورة بوعيد الفجار ووعد الأبرار فقال ﴿ إن شجرت الزقوم ﴾ وقد مر تفسيرها في الصافات.
و ﴿ الأثيم ﴾ مبالغة الآثم ولهذا يمكن أن يقال: إنه مخصوص بالكافر.
والمهل دردي الزيت وقد مر في "الكهف".
ولعل وجه التشبيه هو بشاعة الطعم كما أن الوجه في قوله ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين ﴾ هو كراهة المنظر ثم وصفه بشدة الحرارة قائلاً ﴿ يغلي ﴾ إلى آخره.
ثم أخبر أنه يقول للزبانية ﴿ خذوه ﴾ أي خذوا الأثيم ﴿ فاعتلوه ﴾ جروه بعنف وغلظة كأن يؤخذ بتلبيبه فيجر إلى وسط النار.
ومنه العتل للجافي الغليظ.
وقوله ﴿ من عذاب الحميم ﴾ دون أن يقول "من الحميم" تهويل سلوك لطريق الاستعارة لأنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته.
يروي أن أبا جهل قال لرسول الله : ما بين جبليها أعز ولا أمنع مني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي " شيئاً " فنزلت الآية.
أي يقال له ذق لأنك أنت العزيز الكريم عند نفسك وفيه من التهكم ما فيه ﴿ إن هذا ﴾ العذاب ﴿ ما كنتم به تمترون ﴾ تشكون.
ثم شرع في وعد الأبرار والمقام الأمين ذو الأمن، أو أصله من الأمانة لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.
وقوله ﴿ وزوجناهم ﴾ اختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزوج أم لا.
والأكثرون على نفيه، وأن المراد قرناهم بهن.
وقيل: زوجته امرأة وزوجته بامرأة لغتان.
وهكذا اختلفوا في الحور.
فعن الحسن: هن عجائزكم ينشئهن الله خلقاً آخر.
وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا.
﴿ يدعون ﴾ أي يحكمون ويأمرون في الجنة بإحضار ما يشتهون من الفواكه في أي وقت ومكان ﴿ آمنين ﴾ من التخم والتبعات، ثم أخبر عن خلودهم بقوله ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ قال جار الله: هو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.
وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.
وقال أهل التحقيق: إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله وبمحبته.
فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة.
وفي الآخرة أيضاً في الجنة فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى.
ثم ختم الكلام بفذلكته والمعنى ذكرناهم بالكتاب المبين فأسهلناه حيث أنزلناه بلغتك إرادة تذكرهم فانتظر ما يحل فإنهم يتربصون بك الدوائر.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ يقول الله - وهو أعلم -: إن الذي يحمل هؤلاء على الإنكار والكفر بك وترك الإيمان بك - إنكارهم البعث والإحياء بعد الموت؛ كقوله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ممن آمن بالآخرة فأما من لم يؤمن بالآخرة لا يؤمن به، والله أعلم.
وأصله أن رسول الله بعث لدعاء الخلق إلى الزهد في هذه الدنيا، والرغبة في الآخرة، والقطع عن جميع شهواتهم ومناهم في الدنيا، وتأخير ذلك إلى الآخرة، فمن آمن بالآخرة سهل عليه ترك ذلك كله، وهان عليه قطع نفسه عن قضاء ذلك كله، ومن أنكر الآخرة وجحدها اشتد ذلك عليه وصعب، [و]حمله ذلك على إنكارها والجحود لها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ هذا منهم احتجاج عليه، يقولون: لو كنت صادقاً فيما تقول: إنه بعث وإحياء، فأحي من ذكروا وائت بهم، لكن هذا احتجاج باطل؛ لأن الآيات والحجج ليست تنزل وتأتي على ما تشتهي أنفس أولئك، ولكن تنزل على ما توجبه الحكمة، وعلى ما فيه الحجة، لا على ما يريد المقام عليهم الحجة، كما في الشاهد أن الواجب على المدعي إقامة ما هو حجة في ذاتها، لا إقامة ما يريدها المدعى عليه، والنبي قد أتاهم من البيان والحجة ما يوجب البعث والإحياء بعد الموت لو تأملوا ولم يكابروا عقولهم، وكون سؤالهم منه آية أخرى مردود عليهم، والله أعلم.
وبعد: فإن الله - عز وجل - قد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة، ولو أعطاهم ما سألوا من الآيات ثم أنكروها أهلكوا واستؤصلوا؛ إذ من سنته أن كل آية أتت ونزلت على إثر سؤال كان منهم، ثم أنكروا - كان في ذلك هلاك وعذاب؛ لذلك لم يعطهم ما سألوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ ليس في هذا جواب لقولهم: ﴿ فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، ولم يأت بجواب ذلك، وإنما كان؛ لأنهم لم يستحقوا الجواب لهذا السؤال؛ لأنهم سألوا ذلك تعنتاً وعناداً.
ويحتمل أن يكون في هذا جواب لقولهم وسؤالهم الآية المخترعة، وفي الآية دلالة على البعث أيضاً.
بيان الأول: أنه أخبر عن قوم تبع ومن ذكر من الأمم الخالية، كانوا ينكرون رسالة رسلهم، ويكذبونهم، ويوعدونهم الرسل بالعذاب والهلاك، فيكذبونهم - أيضاً - فيما يوعدون من البعث، فجاءهم الهلاك، فيقول: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ ومن ذكر، أي: أولئك هم أشد قوة أم هؤلاء؟
وهم علموا أن أولئك أشد قوة وبطشاً، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع من عذاب الله الذي نزل بهم بتكذيبهم الرسل وإنكارهم البعث، فأنتم دون أولئك، فكيف يتهيأ لكم الامتناع من العذاب إذا نزل بكم؟!
وهو كقوله - -: ﴿ أَكُفَّٰرُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَٰئِكُمْ ﴾ وإذا لم يتهيأ لهم الدفع ومن سنته الاستئصال بالتكذيب للآيات المخترعة، وقد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة وكونه رحمة للخلق؛ لذلك لم يعطهم الآية التي سألوا، والله أعلم.
وأما الثاني: وهو أنه لما أخبر: أن تعذيب أولئك الكفرة؛ لتكذيب الرسل وإنكار البعث؛ فدل أن البعث حق حتى يستحق منكره العذاب، والله أعلم.
وذكر أن تبعاً كان رجلا صالحاً، وعائشة - ا - تقول: "لا تسبوا تبعاً؛ فإنه كان رجلا صالحاً".
وذكر أنه كان رسولا، وقد ذكرنا نعته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : إن الكفرة كانوا لا يطلقون القول، فلا يقولون: إن الله - - خلقهما وخلق ما بينهما باطلا ولعباً، لكن خلق ذلك كله على فتياهم وظنهم، وعلى ما عندهم يصير عبثاً باطلا؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ويقولون: أن لا بعث، ولا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب، فإذا كان فتياهم وظنهم أن لا بعث ولا نشور، يكون خلقهم وخلق السماء والأرض وما ذكر - باطلا ولعباً؛ لأن المقصود بخلق ما ذكر - على زعمهم - لم يكن ألا الإفناء والإهلاك، ومن لم يقصد في بنائه إلا النقض في الشاهد والإفناء في العاقبة، كان في بنائه وقصده سفيهاً، غير حكيم، فعلى ذلك الله - وتعالى - في خلقه إياهم، وإنشائه لهم، وتحويله إياهم من حال إلى حال أخرى: من حال النطفة إلى حال العلقة إلى حال المضغة إلى حال تصوير الإنسان، ثم إلى حال الكبر، لو لم يكن ما ذكرنا من المقصود سوى الإفناء والإهلاك على ما زعموا - كان سفهاً باطلا، غير حكمة؛ لما ذكرنا: من قصد في البناء الإفناء خاصة لا غير، كان في فعله وقصده لاعباً عابثاً سفيهاً؛ ولذلك سفه الله تلك المرأة التي لم يكن قصدها في غزلها إلا نقضه في العاقبة؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً...
﴾ الآية [النحل: 92]، فعلى ذلك خلق الله إذا لم يكن بعث ولا نشور - على ما قال أولئك الكفرة وظنوا - كان كذلك سفهاً غير حكمة؛ ولذلك قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] جعل خلقه إياهم [لا] للرجوع إليه عبثاً، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ قال بعضهم: إلا لإقامة الحق.
وقال بعضهم: إلا لأمر كائن مراد.
وأصل الحق: هو أن يحمد عليه فاعله في العاقبة، والباطل هو ما يذم عليه فاعله، وإنما خلق - جل وعلا - ما ذكر؛ ليحمد على فعله، لا ليذم، ولو لم يكن القصد في خلقهم إلا الإفناء والإهلاك لكان لا يحمد عليه، ولكن يذم، على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهما لم يخلقا باطلا وعبثاً، وهو ما ظنوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ سمى يوم القيامة مرة: يوم الجمع، ومرة يوم التفريق، ومرة يوم الفصل، فهو يوم الجمع؛ لما يجمع فيه الخلائق جميعاً، وكذلك يوم الحشر.
ويوم الفصل يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يفصل بين أوليائه وأعدائه، ينزل أولياءه في دار الكرامة والمنزلة وهي الجنة، وأعداءه في دار الهوان والعقاب، وهو ما قال: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: يوم القضاء والحكم، أي: يقضي ويحكم بين المؤمنين والكافرين فيما تنازعوا واختلفوا في الدنيا بقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .
ويحتمل - أيضاً - ما ذكرنا من الفصل بين الأولياء والأعداء ما لو لم يكن ذلك في الآخرة بينهم كان جامعاً مسوياً بين الأولياء والأعداء، وهم استووا واجتمعوا في الدنيا في ظاهر أحوالهم، ومن سوى بين وليه وعدوه، كان سفيهاً غير حكيم - دل أن هنالك داراً أخرى يفصل بينهما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ هذا في الكفار خاصة يخبر أنه لا ولي ينفعهم في الآخرة، ولا يعين بعضهم بعضاً على ما يعان في الدنيا إذا نزل ببعض منهم بلاء وشدة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...
﴾ الآية [عبس: 34]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً...
﴾ الآية [لقمان: 33]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ ، والله الموفق.
ثم قوله - -: ﴿ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً ﴾ يحتمل مولى الأعلى ومولى الأسفل، على ما يعين بعضهم بعضا في الدنيا.
ويحتمل كل ولي وقريب؛ يخبر أنه لا قريب يملك دفع ما نزل به، ولا ولي، ولا يملك نصره ولا معونته؛ لأن ولايتهم يومئذ تصير عداوة بقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ...
﴾ الآية [الزخرف: 67]، استثنى المتقين، وعلى ذلك استثنى في هذه الآية أيضاً حيث قال: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ﴾ ومن عليه، وهداه الإيمان، ورزقه التوحيد فإنه يكون بعضهم لبعض شفعاء وأولياء ينصر بعضهم بعضا، ويشفع بعضهم لبعض، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ في نقمته من أعدائه لأوليائه ﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ للمؤمنين الذين استثنى في الآية؛ حيث قال: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ ﴾ ظاهر الآية أنها طعام كل أثيم، لكنها ليست بطعام كل أثيم؛ بل هي طعام أثيم دون أثيم، وهو الكافر؛ لأن الإثم المطلق هو الإثم من كل وجه، وهو الكافر، فأما المؤمن المسلم لا يكون أثيماً مطلقاً مع قيام إيمانه وكثير طاعته؛ فلا يكون صاحب الكبيرة داخلا تحت الآية.
قال بعض أهل [التأويل]: إنه [لما] نزل قوله - -: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ ﴾ أتى بعض الكفار بالعسل والزبد، وقالوا لأصحابهم: تعالوا نتزقم فإن محمداً وعدنا بذلك؛ لما كان الزقوم هو الزبد والتمر والعسل بلغة قوم من العرب، فنزل عند ذلك قوله - -: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ ﴾ الآية [الصافات: 64- 65]، أخبر أنها شجرة أنشئت من النار، بقوله - -: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ الآية [الصافات: 64]، ليست كسائر الأشجار، ثم شبهها بالمهل بقوله - -: ﴿ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ والمهل: دُرْدِيُّ الزيت.
ثم يحتمل تشبيهها بالمهل وجهين: أحدهما: لالتصاقه بالبدن؛ لأنه قيل: إنه ألصق الأشياء بالبدن.
ويحتمل أن يشبهها بذلك؛ لكثرة ألوانها وتغيرها من حال إلى حال.
ثم الإشكال أنه ليس في أكل دُرْدِيُّ الزيت فضل شدة وكثير مؤنة، فما معنى التشبيه به؟
لكن نقول: إنّه بين أن ذلك المهل والدردي من النار؛ حيث قال: ﴿ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ .
ثم الإشكال أن شجرة الزقوم كيف تكون للأثيم؛ فيحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أنه يخرج منها شيء ويسيل، فيسقى ذلك الكافر.
ويحتمل: أنه يأكلها كما هي، فتذوب في بطنه، فتغلي، فيكون ما ذكر.
وروي عن ابن عباس - - أنه رأى فضة قد أذيبت، فقال: هذا المهل، فجائز أن يكون على هذا كل شيء يذاب ويحرق فهو المهل، والحميم هو الشيء الحار الذي قد انتهى حره غايته والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ظاهر هذا أن يكون بعدما أدخلوا في النار، لكن يحتمل أيضاً أن يكون ذلك في أول ما يراد أن يدخلوا النار؛ كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ فعلى ذلك ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ .
ثم قوله - -: ﴿ فَٱعْتِلُوهُ ﴾ : قال بعضهم: أي: ادفعوه ﴿ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ أي: إلى وسط الجحيم.
وقال بعضهم: ﴿ فَٱعْتِلُوهُ ﴾ أي: قودوه قوداً إلى ﴿ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ يقال: جيء بفلان يعتل إلى السلطان؛ أي: يجرّ ويقاد.
وقال بعضهم: هو السوق الذي فيه شدة وتعنيف؛ أي: سوقوه سوقاً شديداً عنيفاً.
وبعضه قريب من بعض.
والجحيم: هو معظم النار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ أي: من شراب الحميم؛ جعل الله - عز وجل - لأهل النار من ألوان الشراب: الحميم، والصديد، ونحوهما، مكان ما جعل لأهل الجنة من أنواع الشراب؛ حيث قال: ﴿ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ...
﴾ الآية [محمد: 15].
ثم في الآية أن الفريقين جميعاً لا يتولون شرابها بأنفسهم، لكنهم يسقون؛ على ما ذكر في أهل الجنة في غير آي من القرآن؛ حيث قال: ﴿ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ...
﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً...
﴾ الإنسان: 17]، ونحو ذلك كثير، وقال في أهل النار: ﴿ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ ، وغير ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴾ قال أهل التأويل: إنما يقال هذا لأبي جهل اللعين، وله ذلك العذاب الذي ذكر في الآية، وهو المراد بالأثيم؛ كان في الدنيا يفتخر، ويقول: أنا العزيز الكريم، وليس فيما بين كذا إلى كذا أعزّ منّي، وأنا المتعزز المتكرم، فيقال له في الآخرة: ﴿ ذُقْ ﴾ هذا الذي ذكر ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴾ في الدنيا يصغرونه ويهينونه.
ويحتمل أن يكون هذا في كل كافر يتعزز في الدنيا ويتكرّم، وكل رئيس منهم، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴾ أي: ذق فإنك لست بعزيز ولا كريم، ثم يقال ذلك له على التهزي به؛ أي: لو كنت عزيزاً كريماً ما دخلت النار، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أهؤلاء المشركون المكذبون بك -أيها الرسول- خير في القوة والمنعة، أم قوم تُبَّع والذين من قبلهم مثل عاد وثمود - أهلكناهم جميعًا، إنهم كانوا مجرمين.
<div class="verse-tafsir" id="91.Vz8D4"