الآية ٥٠ من سورة الدخان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 44 الدخان > الآية ٥٠ من سورة الدخان

إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمْتَرُونَ ٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٠ من سورة الدخان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٠ من سورة الدخان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( إن هذا ما كنتم به تمترون ) ، كقوله ( يوم يدعون إلى نار جهنم دعا .

هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون ) [ الطور : 13 - 15 ] ، ; ولهذا قال هاهنا : ( إن هذا ما كنتم به تمترون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ) يقول تعالى ذكره: يقال له: إنَّ هذا العذاب الذي تعذّب به اليوم, هو العذاب الذي كنتم في الدنيا تَشُكُّون, فتختصمون فيه, ولا توقنون به فقد لقيتموه, فذوقوه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إن هذا ما كنتم به تمترون أي تقول لهم الملائكة : إن هذا ما كنتم تشكون فيه في الدنيا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ إِنَّ هَذَا } العذاب العظيم { مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } أي: تشكون فالآن صار عندكم حق اليقين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن هذا ما كنتم به تمترون ) تشكون فيه ولا تؤمنون به .

ثم ذكر مستقر المتقين ، فقال :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

وقال لهم: «إن هذا» الذي ترون من العذاب «ما كنتم به تمترون» فيه تشكون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن هذا العذاب الذي تعذَّبون به اليوم هو العذاب الذي كنتم تشكُّون فيه في الدنيا، ولا توقنون به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بقوله : ( إِنَّ هذا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ) أى : إن هذا العذاب الذى نزل بكم أيها الكافرون ، هم ما كنتم بشأنه تجالون وتخاصمون فى الدنيا ، فمنكم من كان ينكره ، ومنكم من كان يشكك فى صحته .

فها هو ذا قد أصبح حقيقة واقعة فوق رءوسكم .وهكذا نجد الآيات الكريمة ، قد وضحت أن يوم القيامة حق لا ريب فيه ، وأن الكافرين به سيصيبهم عذاب شديد يذلهم يخزيهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود من قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ  ﴾ إثبات القول بالبعث والقيامة، فلا جرم ذكر عقيبه قوله: ﴿ إِنَّ يَوْمَ الفصل ميقاتهم أَجْمَعِينَ ﴾ وفي تسمية يوم القيامة بيوم الفصل وجوه: الأول: قال الحسن: يفصل الله فيه بين أهل الجنة وأهل النار الثاني: يفصل في الحكم والقضاء بين عباده الثالث: أنه في حق المؤمنين يوم الفصل، بمعنى أنه يفصل بينه وبين كل ما يكرهه، وفي حق الكفار، بمعنى أنه يفصل بينه وبين كل ما يريده.

الرابع: أنه يظهر حال كل أحد كما هو، فلا يبقى في حاله ريبة ولا شبهة، فتنفصل الخيالات والشبهات، وتبقى الحقائق والبينات، قال ابن عباس رضي الله عنهما: المعنى أن يوم يفصل الرحمن بين عباده ميقاتهم أجمعين البر والفاجر، ثم وصف ذلك اليوم فقال: ﴿ يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً ﴾ يريد قريب عن قريب ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ أي ليس لهم ناصر، والمعنى أن الذي يتوقع منه النصرة إما القريب في الدين أو في النسب أو المعتق، وكل هؤلاء يسمون بالمولى، فلما لم تحصل النصرة منهم فبأن لا تحصل ممن سواهم أولى، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿ واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ قال الواحدي: والمراد بقوله: ﴿ مَوْلًى عَن مَّوْلًى ﴾ الكفار ألا ترى أنه ذكر المؤمن فقال: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ الله ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد المؤمن فإنه تشفع له الأنبياء والملائكة.

اعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على أن القول بالقيامة حق، ثم أردفه بوصف ذلك اليوم ذكر عقيبه وعيد الكفار، ثم بعده وعد الأبرار، أما وعيد الكفار فهو قوله: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم * طَعَامُ الأثيم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم ﴾ بكسر الشين، ثم قال وفيها ثلاث لغات: شجرة بفتح الشين وكسرها، وشيرة بالياء، وشبرة بالباء.

المسألة الثانية: لبحث عن اشتقاق لفظ الزقوم قد تقدم في سورة والصافات، فلا فائدة في الإعادة.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية تدل على حصول هذا الوعيد الشديد للأثيم، والأثيم هو الذي صدر عنه الإثم، فيكون هذا الوعيد حاصلاً للفساق والجواب: أنا بينا في أصول الفقه أن اللفظ المفرد الذي دخل عليه حرف التعريف الأصل فيه أن ينصرف إلى المذكور السابق، ولا يفيد العموم، وهاهنا المذكور السابق هو الكافر، فينصرف إليه.

المسألة الرابعة: مذهب أبي حنيفة أن قراءة القرآن بالمعنى جائز، واحتج عليه بأنه نقل أن ابن مسعود كان يقرئ رجلاً هذه الآية فكان يقول: طعام اللئيم، فقال قل طعام الفاجر، وهذا الدليل في غاية الضعف على ما بيناه في أصول الفقه.

ثم قال: ﴿ كالمهل ﴾ قرئ بضم الميم وفتحها وسبق تفسيره في سورة الكهف، وقد شبه الله تعالى هذا الطعام بالمهل، وهو دردى الزيت وعكر القطران ومذاب النحاس وسائر الفلزات، وتمّ الكلام هاهنا، ثم أخبر عن غليانه في بطون الكفار فقال: ﴿ يَغْلِي فِي البطون ﴾ وقرئ بالتاء فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الشجرة، ومن قرأ بالياء حمله على الطعام في قوله: ﴿ طَعَامُ الأثيم ﴾ لأن الطعام هو (ثمر) الشجرة في المعنى، واختار أبو عبيد الياء لأن الاسم المذكور يعني المهل هو الذي بل الفعل فصار التذكير به أولى، واعلم أنه لا يجوز أن يحمل الغلي على المهل لأن المهل مشبه به، وإنما يغلي ما يشبه بالمهل كغلي الحميم والماء إذا اشتد غليانه فهو حميم.

ثم قال: ﴿ خُذُوهُ ﴾ أي خذوا الأثيم ﴿ فاعتلوه ﴾ قرئ بكسر التاء، قال الليث: العتل أن تأخذ بمنكث الرجل فتعتله أي تجره إليك وتذهب به إلى حبس أو منحة، وأخذ فلان بزمام الناقة يعتلها وذلك إذا قبض على أصل الزمام عند الرأس وقادها قوداً عنيفاً، وقال ابن السكيت عتلته إلى السجن وأعتلته إذا دفعته دفعاً عنيفاً، هذا قول جميع أهل اللغة في العتل، وذكروا في اللغتين ضم التاء وكسرها وهما صحيحان مثل يعكفون ويعكفون، ويعرشون ويعرشون.

قوله تعالى: ﴿ إلى سَوَاء الجحيم ﴾ أي إلى وسط الجحيم ﴿ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحميم ﴾ وكان الأصل أن يقال: ثم صبوا من فوق رأسه الحميم أو يصب من فوق رؤوسهم الحميم إلا أن هذه الاستعارة أكمل في المبالغة كأنه يقول: صبوا عليه عذاب ذلك الحميم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا  ﴾ و ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم ﴾ وذكروا فيه وجوهاً: الأول: أنه يخاطب بذلك على سبيل الاستهزاء، والمراد إنك أنت بالضد منه.

والثاني: أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاً».

والثالث: أنك كنت تعتز لا بالله فانظر ما وقعت فيه، وقرئ أنك بمعنى لأنك.

ثم قال: ﴿ إِنَّ هذا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ أي أن هذا العذاب ما كنتم به تمترون أي تشكون، والمراد منه ما ذكره في أول السورة حيث قال: ﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ إنّ شجرت الزقوم ﴾ بكسر الشين، وفيها ثلاث لغات: شجرة، بفتح الشين وكسرها وشيرة، بالياء.

وروى أنه لما نزل ﴿ أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم ﴾ [الصافات: 62] قال ابن الزبعرى: إنّ أهل اليمن يدعون أكل الزبد والتمر: التزقم، فدعا أبو جهل بتمر وزبد فقال: تزقموا فإنّ هذا هو الذي يخوّفكم به محمد، فنزل ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم (43) طَعَامُ الأثيم (44) ﴾ [الدخان: 44] وهو الفاجر الكثير الآثام.

وعن أبي الدرداء أنه كان يقرئ رجلاً فكان يقول طعام اليثيم، فقال: قل طعام الفاجر يا هذا.

وبهذا يستدل على أنّ إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤدية معناها.

ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي: أن يؤدي القارئ المعاني على كمالها من غير أن يخرم منها شيئاً.

قالوا: وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة؛ لأنّ في كلام العرب خصوصاً في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها، وما كان أبو حنيفة رحمه الله يحسن الفارسية، فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر، وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية ﴿ كالمهل ﴾ قرئ: بضم الميم وفتحها، وهو دردي الزيت.

ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السماء كالمهل ﴾ [المعارج: 8] مع قوله: ﴿ فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان ﴾ [الرحمن: 37] وقيل: هو ذائب الفضة والنحاس، والكاف رفع خبر بعد خبر، وكذلك ﴿ يَغْلِى ﴾ وقرئ: بالتاء للشجرة، وبالياء للطعام.

و ﴿ الحميم ﴾ الماء الحار الذي انتهى غليانه: يقال للزبانية ﴿ خُذُوهُ فاعتلوه ﴾ فقودوه بعنف وغلظة، وهو أن يؤخذ بتلبيب الرجل فيجر إلى حبس أو قتل.

ومنه ﴿ العتلّ ﴾ وهو الغليظ الجافي.

وقرئ: بكسر التاء وضمها ﴿ إلى سَوَآءِ الجحيم ﴾ إلى وسطها ومعظمها.

فإن قلت: هلا قيل: صبوا فوق رأسه من الحميم، كقوله تعالى: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ الحميم ﴾ [الحج: 19] لأنّ الحميم هو المصبوب لا عذابه؟

قلت: إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدّته، إلا أنّ صب العذاب طريقة الاستعارة، كقوله: صُبَّتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ الدَّهْرِ مِنْ صَبَبِ وكقوله تعالى: ﴿ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ [البقرة: 250] فذكر العذاب معلقاً به الصب، مستعاراً له، ليكون أهول وأهيب يقال: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم (49) ﴾ على سبيل الهزؤ والتهكم بمن كان يتعزز ويتكرم على قومه.

وروي أنّ أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني، فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاً.

وقرئ: «إنك» بمعنى: لأنك.

وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قرأ به على المنبر ﴿ إِنَّ هذا ﴾ العذاب.

أو إن هذا الأمر هو ﴿ مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ أي تشكون.

أو تتمارون وتتلاجون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ خُذُوهُ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ والمَقُولُ لَهُ الزَّبانِيَةُ.

﴿ فاعْتِلُوهُ ﴾ فَجَّرُوهُ والعَتْلُ الأخْذُ بِمَجامِعِ الشَّيْءِ وجَرُّهُ بِقَهْرٍ، وقَرَأ الحِجازِيّانِ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِالضَّمِّ وهُما لُغَتانِ.

﴿ إلى سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ وسَطِهِ.

﴿ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ ﴾ كانَ أصْلُهُ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الحَمِيمُ فَقِيلَ: يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمْ عَذابٌ هو الحَمِيمُ لِلْمُبالَغَةِ، ثُمَّ أُضِيفَ ال عَذابِ إلى الحَمِيمِ لِلتَّخْفِيفِ وزِيدَ مِن لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَصْبُوبَ بَعْضُ هَذا النَّوْعِ.

﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ أيْ وقُولُوا لَهُ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِهِ وتَقْرِيعًا عَلى ما كانَ يَزْعُمُهُ، وقَرَأ الكِسائِيُّ أنَّكَ بِالفَتْحِ أيْ ذُقْ لِأنَّكَ أوْ عَذابَ أنَّكَ.

﴿ إنَّ هَذا ﴾ إنَّ هَذا.

العَذابَ.

﴿ ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ تَشُكُّونَ وتُمارُونَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ هَذَا} أي العذاب أو هذا الأمر هو {مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} تشكون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ هَذا ﴾ أيِ اَلْعَذابَ أوِ اَلْأمْرَ اَلَّذِي أنْتُمْ فِيهِ ﴿ ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ تَشُكُّونَ وتُمارُونَ فِيهِ، وهَذا اِبْتِداءُ كَلامٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أوْ مِن مَقُولِ اَلْقَوْلِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اَلْمَعْنى لِما سَمِعْتَ أنَّ اَلْمُرادَ جِنْسُ اَلْأثِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ يعني: الفاجر وهو الوليد، وأبو جهل، ومن كان مثل حالهما كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ يعني: كالصفر المذاب.

قرأ ابن كثير، وعاصم في رواية حفص كَالْمُهْلِ يَغْلِي، بالياء بلفظ التذكير.

والباقون بلفظ التأنيث، فمن قرأ بلفظ التذكير، رده إلى المهل.

ومن قرأ بلفظ التأنيث، رده إلى الشجرة كَغَلْيِ الْحَمِيمِ يعني: الماء الحار الذي قد انتهى حره.

ثم قال للزبانية: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ يعني: فسوقوه وادفعوه إلى وسط الجحيم.

قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر فَاعْتُلُوه بضم التاء، والباقون بالكسر، وهما لغتان، معناهما واحد، يعني: امضوا به بالعنف والشدة.

وقال مقاتل: يعني: ادفعوه على وجهه.

وقال القتبي: خذوه بالعنف ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ويقال له: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ وذلك أن أبا جهل قال: أنا في الدنيا أعز أهل هذا الوادي، وأكرمه فيقال له في الآخرة: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ، يعني: المتعزز المتكرم، كما قلت في الدنيا.

قوله عز وجل: إِنَّ هذا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ يعني: تشكون في الدنيا.

قرأ الكسائي ذُقْ إِنَّكَ بنصب الألف، والباقون بالكسر.

فمن قرأ بالنصب فمعناه ذق يا أبا جهل، لأنك قلت: أنك أعز أهل هذا الوادي فقال الله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ القائل أنا الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: 49] ومن قرأ بالكسر، فهو على الاستئناف.

ثم وصف حال المؤمنين في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المشار إليه أَبُو جَهْلٍ، ثم هي بالمعنى تتنَاوَلُ كُلَّ أثيمٍ، وهو كُلُّ فاجر، رُوِيَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ، جَمَعَ أبو جَهْلٍ عَجْوَةً وَزُبْداً، وقال لأصحابه: تَزَقَّمُوا، فهذا هو الزَّقُّومُ، وهو طَعَامِي الذي حَدَّثَ به محمَّدٌ، قال ع «١» : وإنَّما قصد بذلك ضَرْباً من المغالطة والتلبيس عَلَى الجَهَلَةِ.

وقوله سبحانه: كَالْمُهْلِ قال ابن عباس، وابن عمر «٢» : «المُهْلُ» : دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ، وقال ابن مَسْعُودٍ وغيره «٣» : «المُهْلُ» : ما ذاب مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، والمعنى: أَنَّ هذه الشجَرَةَ إذا طَعِمَهَا الكافِرُ في جَهَنَّمَ، صارَتْ في جوفه تَفْعَلُ كما يفعل المُهْلُ المذاب من الإحراق والإفساد،، والْحَمِيمِ: الماءُ السُّخْنُ الذي يتطايَرُ من غليانه.

وقوله: خُذُوهُ ...

الآية، أي: يقال يومئذ للملائكة: خذوه، يعني الأثيم فَاعْتِلُوهُ و «العَتْلُ» : السَّوْقُ بعُنْفٍ وإهانةٍ، ودَفْعٌ قَوِيٌّ مُتَّصِلٌ، كما يُسَاقُ أبداً مرتكبُ الجرائمِ، و «السَّوَاء» : الوَسَط، وقيل: المُعْظمُ، وذلك متلازِمٌ.

وقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ مخاطبة على معنى التّقريع.

وقوله سبحانه: إِنَّ هذا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ: عبارة عن قولٍ يُقَالُ للكَفَرَةِ، ثم ذكر تعالى حالة المُتَّقِينَ، فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ أي: مأمون، «والسُّنْدُسُ» : رقيقُ الحَرِيرِ، و «الإسْتَبْرَقُ» : خَشِنُهُ.

وقوله: مُتَقابِلِينَ: وَصْفٌ لمجالسِ أهل الجَنَّةِ، لأَنَّ بعضهم لا يستدبر بعضاً في المجالس، وقرأ الجمهور: وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ وقرأ ابن مسعود: «بعِيسٍ عِينٍ» ، وهو جمع «عَيْسَاءَ» ، وهي البيضاء «٤» وكذلك هي من النوق، وروى أبو قرصافة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «إخْرَاجُ القُمَامَةِ مِنَ المَسْجِدِ مُهُورُ الحُورِ العِينِ» قال الثعلبيُّ: قال مجاهد: يَحَارُ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ قَدْ ذَكَرْناها في [الصّافّاتِ: ٦٢] .

و "الأثِيمُ": الفاجِرُ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: هو أبُو جَهْلٍ.

وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى "المُهْلِ" في [الكَهْفِ: ٢٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَغْلِي في البُطُونِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "يَغْلِي" بِالياءِ؛ والباقُونَ: بِالتّاءِ.

فَمَن قَرَأ ["تَغْلِي"] بِالتّاءِ، فَلِتَأْنِيثِ الشَّجَرَةِ؛ ومَن قَرَأ بِالياءِ، حَمَلَهُ عَلى الطَّعامِ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الغَلْيُ عَلى المُهْلِ.

لِأنَّ المُهْلَ ذُكِرَ لِلتَّشْبِيهِ في الذَّوْبِ، وإنَّما يَغْلِي ما شُبِّهَ بِهِ ﴿ كَغَلْيِ الحَمِيمِ ﴾ وهو الماءُ الحارُّ إذا اشْتَدَّ غَلَيانُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ ﴾ أيْ: يُقالُ لِلزَّبانِيَةِ: خُذُوهُ ﴿ فاعْتِلُوهُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ: بِضَمِّ التّاءِ؛ وكَسَرَها الباقُونَ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْناهُ: قُودُوهُ بِالعُنْفِ، يُقالُ: جِيءَ بِفُلانٍ يَعْتَلِ إلى السُّلْطانِ، و "سَواءُ الجَحِيمِ": وسَطُ النّارِ.

قالَ مُقاتِلٌ: الآياتُ في أبِي جَهْلٍ يَضْرِبُهُ المَلَكُ مِن خُزّانِ جَهَنَّمَ عَلى رَأْسِهِ بِمِقْمَعَةٍ مِن حَدِيدٍ فَتَنْقُبُ عَنْ دِماغِهِ، فَيَجْرِي دِماغُهُ عَلى جَسَدِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ المَلَكُ في النَّقْبِ ماءً حَمِيمًا قَدِ انْتَهى حَرُّهُ، فَيَقَعُ في بَطْنِهِ، ثُمَّ يَقُولُ [لَهُ] المَلَكُ: ﴿ ذُقْ ﴾ العَذابَ ﴿ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ هَذا تَوْبِيخٌ لَهُ بِذَلِكَ؛ وكانَ أبُو جَهْلٍ يَقُولُ: أنا أعَزُّ قُرَيْشٍ وأكْرَمُها.

وقَرَأ الكِسائِيُّ: "ذُقْ أنَّكَ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ والباقُونَ: بِكَسْرِها.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن كَسَرَها، فالمَعْنى: أنْتَ العَزِيزُ في زَعْمِكَ، ومِن فَتَحَ، فالمَعْنى: بِأنَّكَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ سُمِّيَ بِالعَزِيزِ ولَيْسَ بِهِ؟!

فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً بِهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنْتَ العَزِيزُ [الكَرِيمُ] عِنْدَ نَفْسِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنْتَ العَزِيزُ في قَوْمِكَ، الكَرِيمُ عَلى أهْلِكَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَيَقُولُ الخُزّانَ لِأهْلِ النّارِ: ﴿ إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ أيْ: تَشُكُّونَ في كَوْنِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ مُسْتَقَرَّ المُتَّقِينَ فَقالَ: ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فِي مُقامٍ" بِضَمِّ المِيمِ؛ والباقُونَ: بِفَتْحِها.

قالَ الفَرّاءُ: المَقامُ، بِفَتْحِ المِيمِ: المَكانُ، وبِضَمِّها: الإقامَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمِينٍ ﴾ أيْ: أمِنُوا فِيهِ الغَيْرَ والحَوادِثَ.

وقَدْ ذَكَرْنا "الجَنّاتِ" في [البَقَرَةِ: ٢٥] و[ذَكَرْنا] مَعْنى "العُيُونِ" ومَعْنى "مُتَقابِلِينَ" في [الحْجِرِ: ٤٥، ٤٧] وذَكَرْنا "السُّنْدُسَ والإسْتَبْرَقَ" في [الكَهْفِ: ٣١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما وصَفْنا ﴿ وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: قَرَنّاهم بِهِنَّ، ولَيْسَ مِن عَقْدِ التَّزْوِيجِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: جَعَلْنا ذُكُورَ أهْلِ الجَنَّةِ أزْواجًا ﴿ بِحُورٍ عِينٍ ﴾ مِنَ النِّساءِ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجَ هَذِهِ النَّعْلَ الفَرْدَ بِالنَّعْلِ الفَرْدِ، أيِ: اجْعَلْهُما زَوْجًا، والمَعْنى: جَعَلْناهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.

وقالَ يُونُسُ: العَرَبُ لا تَقُولُ: تَزَوَّجَ بِها، إنَّما يَقُولُونَ: تَزَوَّجَها.

ومَعْنى ﴿ وَزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ : قَرَنّاهم.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: زَوَّجْتُهُ امْرَأةً، وزَوَّجْتُهُ بِامْرَأةٍ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: والتَّنْزِيلُ عَلى ما قالَ يُونُسُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زَوَّجْناكَها  ﴾ ، وما قالَ: زَوَّجْناكَ بِها.

فَأمّا الحُورُ، فَقالَ مُجاهِدٌ: الحُورُ: النِّساءُ النَّقِيّاتُ البَياضِ.

وقالَ الفَرّاءُ: الحَوْراءُ: البَيْضاءُ مِنَ الإبِلِ؛ قالَ: وفي "الحُورِ العِينِ" لُغَتانِ: حُورٌ عِينٌ، وحِيرٌ عِينٌ، وأنْشَدَ: أزْمانَ عَيْناءُ سُرُورُ المُسَيَّرِ وحَوْراءُ عَيْناءُ مِنَ العِينِ الحِيرِ وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الحَوْراءُ: الشَّدِيدَةُ بَياضِ بَياضِ العَيْنِ، الشَّدِيدَةُ سَوادِ سَوادِها.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "العِينِ" في [الصّافّاتِ: ٤٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: آمَنِينَ مِنَ انْقِطاعِها في بَعْضِ الأزْمِنَةِ.

والثّانِي: آمِنِينَ مِنَ التُّخَمِ والأسْقامِ والآفاتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها بِمَعْنى "سِوى"، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا يَذُوقُونَ في الجَنَّةِ المَوْتَ سِوى المَوْتَةِ الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا؛ ومِثْلُهُ: ﴿ وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ  ﴾ أيْ: سِوى ما شاءَ لَهم رَبُّكَ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى مِقْدارِ الدُّنْيا، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّ السُّعَداءَ حِينَ يَمُوتُونَ يَصِيرُونَ إلى الرَّوْحِ والرَّيْحانِ وأسْبابٍ مِنَ الجَنَّةِ يَرَوْنَ مَنازِلَهم مِنها، وإذا ماتُوا في الدُّنْيا، فَكَأنَّهم ماتُوا في الجَنَّةِ، لِاتِّصالِهِمْ بِأسْبابِها، ومُشاهَدَتِهِمْ إيّاها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنْ "إلّا" بِمَعْنى "بَعْدَ"، كَما ذَكَرْنا في أحَدِ الوُجُوهِ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضْلا مِن رَبِّكَ ﴾ أيْ: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ فَضْلًا مِنهُ.

﴿ فَإنَّما يَسَّرْناهُ ﴾ أيْ: سَهَّلْناهُ، والكِنايَةُ عَنِ القُرْآنِ ﴿ بِلِسانِكَ ﴾ أيْ: بِلُغَةِ العَرَبِ ﴿ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتَّعِظُوا فَيُؤْمِنُوا، ﴿ فارْتَقِبْ ﴾ أيِ: انْتَظِرْ بِهِمُ العَذابَ ﴿ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ ﴾ هَلاكَكَ؛ وهَذِهِ عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ ﴾ ﴿ كَغَلْيِ الحَمِيمِ ﴾ ﴿ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ ﴾ ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ ﴿ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ ﴾ ﴿ كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ ﴾ ﴿ يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ ﴾ ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ فَضْلا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمُ: "المُهْلِ": دُرْدِيُّ الزَيْتِ وعَكِرُهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا رَضِيَ اللهُ عنهُمُ: "المَهْلِ": ما ذابَ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو حَدِيدٍ أو رَصاصٍ ونَحْوِهِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلى بَيْتِ المالِ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالكُوفَةِ، فَأذابَ يَوْمًا فِضَّةً مُكَسَّرَةً، فَلَمّا انْماعَتْ، قالَ: يَدْخُلُ مَن بِالبابِ، فَدَخَلُوا، فَقالَ لَهُمْ: هَذا أشْبَهُ ما رَأيْنا في الدُنْيا بِالمُهْلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ الشَجَرَةَ إذا طَعِمَها الكافِرُ في جَهَنَّمَ صارَتْ في جَوْفِهِ تَفْعَلُ كَما يَفْعَلُ المُهْلُ السُخْنُ مِنَ الإحْراقِ والإفْسادِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَغْلِي" بِالتاءِ، أيِ: الشَجَرَةُ، وهي قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وأبِي رُزَيْنٍ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ﴿ "يَغْلِي" ﴾ بِالياءِ عَلى مَعْنى الطَعامِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ- و ﴿ "الحَمِيمِ": ﴾ الماءُ السُخْنُ الَّذِي يَتَطايَرُ مِن غَلَيانِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: يُقالُ يَوْمَئِذٍ لِلْمَلائِكَةِ عن هَذا الأثِيمِ: خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ، و"العُتُلُّ": السُوقُ بِعُنْفٍ وإهانَةٍ ودَفْعِ قَوِيٍّ مُتَّصِلٍ، كَما يُساقُ أبَدًا مُرْتَكِبُ الجَرائِمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فاعْتِلُوهُ" بِضَمِّ التاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وقَدْ رُوِيَ الضَمُّ عن أبِي عَمْرٍو، وكَذَلِكَ رُوِيَ الوَجْهانِ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والأعْرَجِ، و"السَواءِ": الوَسَطُ، وقِيلَ: المُعَظَّمُ، وذَلِكَ مُتَلازِمٌ، المُعَظَّمُ أبَدًا مِن مِثْلِ هَذا إنَّما هو في الوَسَطِ، وفي الآيَةِ ما يَقْتَضِي أنَّ الكافِرَ يَصُبُّ عَلى رَأْسِهِ مِن حَمِيمِ جَهَنَّمَ، وهو ما يَغْلِي فِيها مَن ذَوْبٍ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ  ﴾ ، وإلى هَذا نَظَرَ بَعْضُ وُلاةِ المَدِينَةِ، فَإنَّهُ كانَ يَصُبُّ الخَمْرَ عَلى رَأْسِ الَّذِي شَرِبَها أو تُوجَدُ عِنْدَهُ عُقُوبَةً لَهُ وأدَبًا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ في الواضِحَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُقْ، إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ مُخاطَبَةٌ عَلى مَعْنى هَذا التَقْرِيعِ، ويُرْوى عن قَتادَةَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا قالَ نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَقُّومِ  ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ  ﴾ : أيَتَهَدَّدُنِي مُحَمَّدٌ -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- وأنا ما بَيْنَ جَبَلَيْها أعَزُّ مِنِّي وأكْرَمُ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، وفي آخِرِها: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ أيْ: عَلى قَوْلِكَ، وهَذا كَما قالَ جَرِيرٌ: ألَمْ يَكُنْ -فِي وُسُومٍ قَدْ وُسِمَتْ بِها...

مَن حانَ- مَوْعِظَةً يا زَهْرَةَ اليَمَنِ؟

يَقُولُها لِلشّاعِرِ الَّذِي سَمّى نَفْسَهُ بِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: أبْلِغْ كُلَيْبًا وأبْلِغْ عنكَ شاعِرَها...

أنِّي الأعَزُّ وأنِّي زَهْرَةُ اليَمَنِ فَجاءَ بَيْتُ جَرِيرٍ عَلى هَذا الهُزْءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنَّكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "أنَّكَ" بِفَتْحِ الألِفِ، والمَعْنى واحِدٌ في المَقْصِدِ وإنِ اخْتَلَفَ المَأْخَذُ إلَيْهِ، وبِفَتْحِ الألِفِ قَرَأها عَلى المِنبَرِ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضِيَ اللهُ عنهُما أسْنَدَها إلَيْهِ الكِسائِيُّ وأتْبَعَهُ فِيها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ عِبارَةٌ عن قَوْلٍ يُقالُ لِلْكَفَرَةِ عِنْدَ عَذابِهِمْ، أيْ: هَذِهِ الآخِرَةُ وجَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تَشُكُّونَ فِيها.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَةَ المُتَّقِينَ بِعِقِبِ ذِكْرِ حالَةِ الكافِرِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فِي مُقامٍ أمِينٍ" بِضَمِّ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وقَتادَةَ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ "فِي مَقامٍ أمِينٍ" ﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، وعِيسى، ويَحْيى، والأعْمَشِ، و"أمِينٍ": مَعْناهُ: تُؤْمَنُ فِيهِ الغِيَرُ، فَكَأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَأْمُونٌ فِيهِ.

وكَسَرَ عاصِمٌ العَيْنَ مِن "عِيُونٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ العُلَماءِ، ومِثْلُهُ شُيُوخٌ وبُيُوتٌ، بِكَسْرِ الشِينِ والباءِ، والسُنْدُسِ: رَقِيقُ الحَرِيرِ، و"الإسْتَبْرَقُ": خَشِنُهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٍ" بِالوَصْلِ وفَتْحِ القافِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مُتَقابِلِينَ" ﴾ وصْفٌ لِمَجالِسِ أهْلِ الجَنَّةِ، لِأنَّ بَعْضَهم لا يَسْتَدْبِرُ بَعْضًا في المَجالِسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ وزَوَّجْناهُمْ ﴾ تَقْدِيرُهُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عِينٍ" وهو جَمْعُ عَيْناءَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِعِيسٍ عِينٍ"، وهو جَمْعُ عَيْساءَ، أيِ: البَيْضاءُ، وكَذَلِكَ هي مِنَ النُوقِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "بِحُورِ عِينٍ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ في "حُورٍ"، وأضافَها إلى "عِينٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: الإضافَةُ هُنا تُفِيدُ ما تُفِيدُ الصِفَةُ، ورَوى أبُو قُرْصافَةَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إخْراجُ القُمامَةِ مِنَ المَسْجِدِ مِن مُهُورِ الحُورِ العِينِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَدْعُونَ فِيها ﴾ مَعْناهُ: يَدْعُونَ الخِدْمَةَ والمُتَصَرِّفِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ قَدَّرَ قَوْمٌ "إلّا" بِـ"سِوى"، وضَعَّفَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وقَدَّرَها بِـ"بَعْدُ"، ولَيْسَ تَضْعِيفُهُ بِصَحِيحٍ، بَلْ يَصِحُّ المَعْنى بِسِوى ويَتَّسِقُ، وَأمّا مَعْنى الآيَةِ: فَبَيِّنٌ أنَّهُ تَعالى نَفى عنهم ذَوْقَ المَوْتِ، وأنَّهُ لا يَنالُهم مِن ذَلِكَ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ في الدُنْيا.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَسَّرْناهُ" ﴾ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "بِلِسانِكَ" ﴾ مَعْناهُ: بِلُغَةِ العَرَبِ، ولَمْ يُرِدِ الجارِحَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ ﴾ مَعْناهُ: فارْتَقِبْ نَصْرَنا لَكَ، إنَّهم مُرْتَقِبُونَ -فِيما يَظُنُّونَ- الدَوائِرَ عَلَيْكَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعْدٌ لَهُ  ، ووَعِيدٌ لَهُمْ، وفِيها مُتارَكَةٌ، وهَذا وما جَرى مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الدُخانِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما ذكر الله فريقاً مرحومين على وجه الإجمال قابله هنا بفريق معذَّبون وهم المشركون، ووصف بعض أصناف عذابهم وهو مأكلهم وإهانتهم وتحريقهم، فكان مقتضى الظاهر أن يبتدأ الكلام بالإخبار عنهم بأنهم يأكلون شجرة الزقوم كما قال في سورة الواقعة (51، 52) ﴿ ثم إنكم أيها الضالّون المكذّبون لآكلون من شجرٍ من زقومٍ ﴾ الآية، فعُدل عن ذلك إلى الإخبار عن شجرة الزقوم بأنها طعام الأثيم اهتماماً بالإعلام بحال هذه الشجرة.

وقد جُعلت شجرة الزقوم شيئاً معلوماً للسامعين فأخبر عنها بطريق تعريف الإضافة لأنها سبق ذكرها في سورة الواقعة التي نزلت قبل سورة الدخان فإن الواقعة عدت السادسة والأربعين في عداد نزول السور وسورة الدخان ثالثة وستين.

ومعنى كون الشجرة طعاماً أن ثمرها طعام، كما قال تعالى: ﴿ طَلعُها كأنه رؤوس الشياطين فإنَّهم لآكلون منها ﴾ [الصافات: 65، 66].

وكتبت كلمة ﴿ شجرت ﴾ في المصاحف بتاء مفتوحة مراعاة لحالة الوصل وكان الشائع في رسم أواخر الكلم أن تراعى فيه حالة الوقف، فهذا مما جاء على خلاف الأصل.

و ﴿ الأثيم ﴾ : الكثير الآثام كما دلت عليه زنة فَعيل.

والمراد به: المشركون المذكورون في قوله: ﴿ إنّ هؤلاء ليَقُولُون إن هي إلاّ موتتنا الأولى ﴾ [الدخان: 34، 35]، فهذا من الإظهار في مقام الإضمار لقصد الإيماء إلى أن المهم بالشرك مع سبب معاملتهم هذه.

وتقدم الكلام على شجرة الزقوم في سورة الصافات (62) عند قوله تعالى: ﴿ أذَلك خَيْرٌ نُزُلاً أم شجرة الزقوم.

﴾ والمُهل بضم الميم دُرْدِيُّ الزيت.

والتشبيه به في سواد لونه وقيل في ذوبانه.

والحميم } : الماء الشديد الحرارة الذي انتهى غليانه، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ لهم شرابٌ من حميم ﴾ في سورة الأنعام (70).

ووجه الشبه هو هيئة غليانه.

وقرأ الجمهور تغلي } بالتاء الفوقية على أن الضمير ل ﴿ شجرة الزقوم ﴾ .

وإسناد الغليان إلى الشجَرَةِ مجاز وإنما الذي يغلي ثمرها.

وقرأه ابن كثير وحفص بالتحتية على رجوع الضمير إلى الطعام لا إلى المُهل.

والغليان: شدة تأثر الشيء بحرارة النار يقال: غلي الماء وغلت القدر، قال النابغة: يسير بها النعمان تغلي قدوره *** وجملة ﴿ خذوه ﴾ الخ مقول لقول محذوف دلّ عليه السياق، أي يقال لملائكة العذاب: خذوه، والضمير المفرد عائد إلى الأثيم باعتبار آحاد جنسه.

والعَتْلُ: القوْد بعنف وهو أن يؤخذ بتلبيب أحد فيقاد إلى سجن أو عذاب، وماضيه جاء بضم العين وكسرها.

وقرأه بالضم نافع وابن كثير وابن عامر.

وقرأه الباقون بكسر التاء.

وسَواء الشيء: وسطه وهو أشد المكان حرارة.

وقوله: ﴿ إلى سواء الجحيم ﴾ يتنازعه في التعلق كلٌّ من فعلي ﴿ خذوه فاعتلوه ﴾ لتضمنهما: سوقوه سوقاً عنيفاً.

و ﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبي لأن صب الحميم على رأسه أشد عليه من أخذه وعتله.

والصبّ: إفراغ الشيء المظروف من الظرف وفعل الصّبّ لا يتعدى إلى العذاب لأن العذاب أمر معنوي لا يصب.

فالصب مستعار للتقوية والإسراع فهو تمثيلية اقتضاها ترويع الأثيم حين سمعها، فلما كان المحكي هنا القول الذي يسمعه الأثيم صيغ بطريقة التمثيلية تهويلاً، بخلاف قوله: ﴿ يُصَبّ من فوق رءوسهم الحميم ﴾ [الحج: 19] الذي هو إخبار عنهم في زمن هم غير سامعيه فلم يؤت بمثل هذه الاستعارة إذ لا مقتضى لها.

وجملة ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ مقول قول آخر محذوف تقديره: قولوا له أو يقال له.

والذوق مستعار للإحساس وصيغة الأمر مستعملة في الإهانة.

وقوله: ﴿ إنك أنت العزيز الكريم ﴾ خبر مستعمل في التهكم بعلاقة الضدّية.

والمقصود عكس مدلوله، أي أنت الذليل المهان، والتأكيد للمعنى التهكمي.

وقرأه الجمهور بكسر همزة ﴿ إنك ﴾ .

وقرأه الكسائي بفتحها على تقدير لام التعليل وضمير المخاطب المنفصل في قوله: ﴿ أنت ﴾ تأكيد للضمير المتصل في ﴿ إنك ﴾ ولا يؤكد ضمير النصب المتصل إلا بضمير رفع منفصل.

وجملة ﴿ إن هذا ما كنتم به تمترون ﴾ بقية القول المحذوف، أي ويقال للآثمين جميعاً: إن هذا ما كنتم به تمترون في الدنيا.

والخبر مستعمل في التنديم والتوبيخ واسم الإشارة مشار به إلى الحالة الحاضرة لديهم، أي هذا العذاب والجزاء هو ما كنتم تكذبون به في الدنيا.

والامتراء: الشك، وأطلق الامتراء على جزيتهم بنفي يقينهم بانتفاء البعث لأن يقينهم لما كان خلياً عن دلائل العلم كان بمنزلة الشك، أي أن البعث هو بحيث لا ينبغي أن يوقن بنفيه على نحو ما قرر في قوله تعالى: ﴿ ذلك الكتاب لا ريب فيه ﴾ [البقرة: 2].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ ﴿ كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ ﴾ ﴿ كَغَلْيِ الحَمِيمِ ﴾ ﴿ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ ﴾ ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ ﴿ إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ﴾ ﴿ طَعامُ الأثِيمِ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا ما في الزَّقُّومِ مِنَ الأقاوِيلِ، وهو في اللُّغَةِ ما أُكِلَ بِكُرْهٍ شَدِيدٍ.

وَلِهَذا يُقالُ قَدْ تَزَقَّمَ هَذا الطَّعامَ تَزَقُّمًا أيْ هو في حُكْمِ مَن أكَلَهُ بِكُرْهٍ شَدِيدٍ لِحَشْوِ فَمِهِ وشِدَّةِ شَرِّهِ.

وَحَكى النَّقّاشُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ أبُو جَهْلٍ.

وَفي الأثِيمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الآثِمُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: المُشْرِكُ المُكْتَسِبُ لِلْإثْمِ، قالَهُ يَحْيى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَجُرُّوهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: فادْفَعُوهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: فَسُوقُوهُ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: فاقْصِفُوهُ كَما يُقْصَفُ الحَطَبُ، حَكاهُ الأعْمَشُ: الخامِسُ: فَرُدُّوهُ بِالعُنْفِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قالَ الفَرَزْدَقُ لَيْسَ الكِرامُ بِناحِلِيكَ أباهم حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةٍ تَعْتِلُ ﴿ إلى سَواءِ الجَحِيمِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وسَطُ الجَحِيمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: مُعْظَمُ الجَحِيمِ يُصِيبُهُ الحَرُّ مِن جَوانِبِها، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أنَّكَ لَسْتَ بِعَزِيزٍ ولا كَرِيمٍ، لِأنَّهُ قالَ تَوَعَّدَنِي مُحَمَّدٌ، واللَّهِ إنِّي لَأعَزُّ مَن مَشى حَبْلَيْها، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ عِنْدَ نَفْسِكَ، قالَهُ قَتادَةُ أيْضًا.

الثّالِثُ: أنَّهُ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً عَلى جِهَةِ الإهانَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ في قَوْمِكَ، الكَرِيمُ عَلى أهْلِكَ حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور عن أبي مالك قال: إن أبا جهل كان يأتي بالتمر والزبد فيقول تزقموا بهذا الزقوم الذي يعدكم به محمد، فنزلت ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم والخطيب في تاريخه عن سعيد بن جبير في الآية قال: ﴿ الأثيم ﴾ أبو جهل.

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري وابن المنذر عن عون بن عبدالله أن ابن مسعود أقرأ رجلاً ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ فقال الرجل: طعام اليتيم فرددها عليه فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر؟

قال: نعم.

قال: فافعل.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن همام بن الحارث قال: كان أبو الدرداء يقرئ رجلاً ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم.

فلما رأى أبو الدرداء أنه لا يفهم قال: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ خذوه فاعتلوه ﴾ قال: ادفعوه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ يقول: لست بعزيز ولا كريم.

وأخرج الأموي في مغازيه عن عكرمة قال: «لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل، فقال: إن الله أمرني أن أقول لك ﴿ أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى ﴾ [ القيامة: 34-35] قال: فنزع يده من يده، وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء لقد علمت أني أمنع أهل بطحاء وأنا العزيز الكريم، فقتله الله يوم بدر وأذله وعيره بكلمته ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: قال أبو جهل: أيوعدني محمد وأنا أعز من مشى بين جبليها فنزلت ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن قال: أخبرت أن أبا جهل قال: يا معشر قريش أخبروني ما اسمي؟

فذكرت له ثلاثة أسماء عمرو والجلاس وأبو الحكم، قال: ما أصبتم اسمي ألا أخبركم؟

قالوا: بلى.

قال: اسمي العزيز الكريم.

فنزلت ﴿ إن شجرة الزقوم ﴾ الآيات.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال لما نزلت ﴿ خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ﴾ قال أبو جهل: ما بين جبليها رجل أعز ولا أكرم مني فقال الله: ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ قال: أبو جهل.

وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب «أنه كان يقرئ رجلاً فارسياً فكان إذا قرأ عليه ﴿ إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ قال: طعام اليتيم فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قل له طعام الظالم فقالها ففصح بها لسانه» .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وعمرو بن ميمون إنهما قرآ ﴿ كالمهل تغلي في البطون ﴾ بالتاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ خذوه فاعتلوه ﴾ فاقصفوه كما يقصف الحطب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك ﴿ خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ﴾ قال: خذوه فادفعوه في وسط الجحيم.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ إلى سواء الجحيم ﴾ قال: وسط الجحيم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ قال: هو يومئذ ذليل ولكنه يستهزأ به كما كنت تعزز في الدنيا وتكرم بغير كرم الله وعزه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ إن المتقين في مقام أمين ﴾ قال: أمنوا الموت والعذاب.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في قوله: ﴿ في مقام أمين ﴾ قال: أمنوا الموت أن يموتوا، وأمنوا الهرم أن يهرموا ولا يجوعوا ولا يعروا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إن المتقين في مقام أمين ﴾ قال أمين من الشيطان والأوصاب والأحزان وفي قوله: ﴿ وزوجناهم بحور عين ﴾ قال: بيض عين.

قال: وفي قراءة ابن مسعود بعيس عين وفي قوله: ﴿ يدعون فيها بكل فاكهة آمنين ﴾ قال: أمنوا من الموت والأوصاب والشيطان.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وزوجناهم بحور عين ﴾ قال: أنكحناهم حوراً والحور التي يحار فيها الطرف بادياً يرى مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ حور عين ﴾ قال الحوراء البيضاء الممتعة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت الأعشى الشاعر وهو يقول: وحور كأمثال الدمى ومناصف ** وماء وريحان وراح يصفق وأخرج البيهقي في البعث عن عطاء في قوله: ﴿ بحور عين ﴾ قال: سوداء الحدقة عظيمة العين.

وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد عن الضحاك في قوله: ﴿ بحور عين ﴾ قال الحور البيض والعين العظام الأعين.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلق الحور العين من الزعفران» .

وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحور العين خلقن من زعفران» .

وأخرج ابن جرير عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: خلق الحور العين من الزعفران.

وأخرج ابن المبارك عن زيد بن أسلم قال: إن الله لم يخلق الحور العين من تراب إنما خلقهن من مسك وكافور وزعفران.

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن أبي حاتم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن حوراء بزقت في بحر لجي لعذب ذلك البحر من عذوبة ريقها» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عمرو قال: لشفر المرأة أطول من جناح النسر.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال: لو أن حوراء أخرجت كفها بين السماء والأرض لافتتن الخلائق بحسنها، ولو أخرجت نصيفها لكانت الشمس عند حسنه مثل الفتيلة في الشمس لا ضوء لها، ولو أخرجت وجهها لأضاء حسنها ما بين السماء والأرض.

وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حور العين خلقهن من تسبيح الملائكة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه أنه قال: ليوجد ريح المرأة من الحور العين من مسيرة خمسمائة سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وزوّجناهم بحور عين ﴾ قال: هي لغة يمانية، وذلك أن أهل اليمن يقولون: زوجنا فلاناً بفلانة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: في قراءة ابن مسعود «لا يذقون فيها طعم الموت» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجاء بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيعرفه هؤلاء، ويعرفه هؤلاء، فيقول أهل النار: اللهم سلطه علينا، ويقول أهل الجنة: اللهم إنك قضيت أن لا نذوق فيها الموت إلا الموتة الأولى، فيذبح بينهما، فييأس أهل النار من الموت، ويأمن أهل الجنة من الموت» .

وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في البعث بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه قال: «قيل يا رسول الله أينام أهل الجنة؟

قال: لا، النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا يموتون ولا ينامون» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك ﴾ يعني القرآن، وفي قوله: ﴿ فارتقب إنهم مرتقبون ﴾ فانتظر إنهم منتظرون.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فاعتلوه ﴾ أي سوقوه بتعنيف ﴿ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحميم ﴾ المصبوب في الحقيقة إنما هو الحميم وهو الماء الحار، ولكن جعل المصبوب هنا العذاب المضاف إلى الحميم مجازاً لأن ذلك أبلغ وأشد تهويلاً، وقد جاء الاصل في قوله في ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم ﴾ [الحج: 19] ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم ﴾ يقال هذا للكافر على وجه التوبيخ والتهكم به، أي كنت العزيز الكريم عند نفسك، وروي أن أبا جهل قال: ما بين جبليها أعز مني ولا أكرم.

فنزلت الآية ﴿ تَمْتَرُونَ ﴾ تفتعلون من المرية وهو الشك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ رب السموات ﴾ بالجر على البدل ﴿ من ربك ﴾ : عاصم وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بالرفع ﴿ أني آتيكم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ترجموني ﴾ ﴿ فاعتزلوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ لي ﴾ بالفتح: ورش ﴿ فكهين ﴾ بغير الألف: يزيد ﴿ يغلي ﴾ على التذكير والضمير للطعام: ابن كثير وحفص والمفضل ورويس وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

الباقون: بتاء التأنيث والضمير للشجرة ﴿ فاعتلوه ﴾ بضم التاء: ابن كثير ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الآخرون: بالكسر ﴿ ذق أنك ﴾ بفتح الهمزة على حذف لام التعليل.

﴿ في مقام ﴾ بضم الميم من الإقامة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ كوفي ه ﴿ المبين ﴾ ه لا ومن لم يقف على ﴿ حم ﴾ وقف على ﴿ المبين ﴾ ﴿ منذرين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه ط بناء على أن التقدير أمرنا أمراً ﴿ من عندنا ﴾ ط ﴿ مرسلين ﴾ ه ج لاحتمال أن ﴿ رحمة ﴾ مفعول له أو به أو التقدير رحمنا رحمة ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن خفض ﴿ رب ﴾ ﴿ بينهما ﴾ ط ﴿ موقنين ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ه ﴿ يلعبون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ الناس ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا للعطف ﴿ مجنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ عائدون ﴾ ه م لئلا يظن أن ما بعده ظرف للعود ﴿ الكبرى ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ عباد الله ﴾ ط ﴿ أمين ﴾ ه ﴿ على الله ﴾ ج ﴿ مبين ﴾ ه ج ﴿ ترجمون ﴾ ه ﴿ فاعتزلون ﴾ ه ﴿ مجرمون ﴾ ه ﴿ متبعون ﴾ ه لا ﴿ رهوا ﴾ ط ﴿ مغرقون ﴾ ه ﴿ وعيون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ فاكهين ﴾ ه لا لأن المعنى تركوها مهيأة كما كانت ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ منظرين ﴾ ه ﴿ المهين ﴾ ه لا ﴿ من فرعون ﴾ ط ﴿ المفسرين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ليقولون ﴾ ه لا ﴿ بمنشرين ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ تبع ﴾ لا للعطف ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى ابتداء الأخبار ﴿ أهلكناهم ﴾ ج لأن التعليل أوضح ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ ه لا ﴿ رحم الله ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ الأثيم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ كالمهل ﴾ خبراً بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف ﴿ في البطون ﴾ لا ﴿ الحميم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ الحميم ﴾ ه ط لأن التقدير قولوا أو يقال له ذق ﴿ الكريم ﴾ ه ﴿ تمترون ﴾ ه ﴿ أمين ﴾ ه لا ﴿ وعيون ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ متقابلين ﴾ ه ج لاحتمال أن يراد كما ذكرنا من حالهم قبل أو يكون التقدير الأمر كذلك ﴿ عين ﴾ ه ج لئلا يوهم أن ما بعده صفة للحور ﴿ آمنين ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة فإن الأمن لا يتم إلا به ﴿ الأولى ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً بإضمار قد ﴿ الجحيم ﴾ ه لا لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول به ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ مرتقبون ﴾ ه.

التفسير: أقسم بالقرآن ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة ﴾ لأن من شأننا الإنذار والتخويف من العقاب وإنما أنزل في هذه الليلة خصوصاً لأن إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي حكمة فالجملتان - أعني قوله ﴿ إنا كنا منذرين فيها يفرق على أمر حكيم ﴾ كالتفسير لجواب القسم قال صاحب النظم: ليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه فجواب القسم ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ وقوله ﴿ إنا أنزلناه ﴾ اعتراض.

والجمهور على الأول ولا بأس لأن المعنى إنا أنزلنا القرآن على محمد ولم يتقوله، ويحتمل أن القسم وقع على إنزاله في ليلة مباركة.

وأكثر المفسرين على أنها ليلة القدر لقوله ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر  ﴾ وليلة القدر عند الأكثرين من رمضان.

ونقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لاثنتي عشرة مضت، والإنجيل لثمان عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت، والليلة المباركة هي ليلة القدر.

وزعم بعضهم كعكرمة وغيره أنها ليلة النصف من شعبان.

وما رأيت لهم دليلاً يعوَّل عليه.

قالوا: وتسمى ليلة البراءة أيضاً وليلة الصك لأن الله  يكتب لعباده المؤمنين البراءة من النار في هذه الليلة.

وروي أن النبي  قال: " من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله  إليه مائة ملك ثلاثون يبشرونه بالجنة وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا وعشراً يدفعون عنه مكايد الشيطان." " وقال " "إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب" وقال: " إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا لكاهن أو ساحر أو ساخر أو مدمن خمر أو عاق للوالدين أو مصر على الزنا" ومما أعطى فيها رسول الله  تمام الشفاعة وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطى الثلث منها، ثم سأل ليلة الرابع عشر منها فأعطى الثلثين، ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد على الله شراد البعير.

ومن عادة الله عز وجل في هذه الليلة أن يزيد فيها ماء زمزم زيادة ظاهرة.

وبعضهم أراد أن يجمع بين القولين فقال: ابتدىء بانتساخ القرآن من اللوح المحفوظ ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر.

والمباركة الكثيرة الخير ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة.

ومعنى ﴿ يفرق ﴾ يفصل ويكتب ﴿ كل أمر ﴾ هو ضد النهي أو كل أمر له شأن من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم إلى العام القابل، فيدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب والزلازل والصواعق والخسوف إلى جبرائيل، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا، ونسخة المصائب إلى ملك الموت.

وقيل: يعطي كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته.

وفي انتصاب ﴿ أمراً ﴾ وجوه: إما أن يكون حالاً من ﴿ أمر حكيم ﴾ لأنه قريب من المعرفة أو من الهاء في ﴿ أنزلناه ﴾ أو من الفاعل أي آمرين، أو على المصدر لأمر، أو على الاختصاص لأن كونه من عند الله يوجبه مزيد شرف وفخامة، أو يكون مصدراً من غير لفظ الفعل وهو ﴿ يفرق ﴾ لأنه إذا حكم بالشيء وفصله وكتبه فقد أوجبه وأمر به قوله ﴿ إنا كنا مرسلين ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من قوله  ﴿ إنا كنا منذرين ﴾ أي أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة، ويحتمل كونه تعليلاً ليفرق، أو لقوله ﴿ أمراً من عندنا ﴾ وقوله ﴿ من ربك ﴾ وضع للظاهر موضع الضمير إيذاناً بأن الربوبية تقتضي الرحمة.

ثم حقق ربوبيته بقوله ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ إلى قوله الأولين.

ومعنى الشرط في قوله ﴿ إن كنتم موقنين ﴾ نظير ما هو في أول الشعراء وذلك أنهم كانوا مقرين بأنه رب السموات والأرض.

قيل لهم: إن كنتم على بصيرة وإيقان من ذلك فلا تشكوا فيه، أو إن كنتم موقنين بشيء فأيقنوا بما أخبرتكم، أو إن كنتم تريدون اليقين فاعلموا ذلك.

وقيل: إن نافية ثم رد أن يكونوا موقنين بقوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ في الدنيا أو يستهزؤون بنا فلا جرم أوعدهم بقوله ﴿ فارتقب ﴾ و ﴿ يوم ﴾ مفعول به أي انتظره.

والأكثرون على أن هذا الدخان من أمارات القيامة فإن الدنيا ستصير كبيت لاخصاص له مملوء دخاناً يدخل في أنوف الكفار وآذانهم فيكونون كالسكارى، ويصيب المؤمن فيه كالزكام فيبقى ذلك أربعين.

وعن حذيفة أن النبي  قال "أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر" أبين بكسر الهمزة وفتحها اسم رجل بنى هذه البلدة ونزل بها.

وقيل: الدخان يكون في القيامة إذا خرجوا من قبورهم يحيط بالخلائق ويغشاهم.

وقيل: الدخان الشر والفتنة.

وعن ابن مسعود: خمس قد مضت الروم والدخان والقمر والبطشة واللزام.

وذلك أن قريشاً لما استصعبت على رسول الله  عليهم فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني ويوسف.

فأصابهم اللزام وهو القحط حتى أكلوا الجيف، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان فيسمع كلام صاحبه ولا يراه من الدخان.

فمشى إليه  أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا.

فلما كشف عنهم من الدخان رجعوا إلى شركهم وذلك قوله ﴿ هذا عذاب ﴾ أي قائلين هذا إلى آخره.

ثم استبعد منهم الاتعاظ بقوله ﴿ أنى لهم الذكرى وقد جاءهم ﴾ ما هو أعظم من كشف الدخان وهو القرآن المعجز وغيره فلم يتذكروا ﴿ وتولوا عنه ﴾ واتهموه  بأنه إنما يعلمهن بشر ونسبوه إلى الجنون.

ومعنى "ثم" تبعيد الحالتين.

ثم بين أنهم يعودون إلى الكفر عقيب كشف العذاب عنهم زماناً قليلاً.

واعلم أن ارتدادهم إلى الكفر أمر ممكن سواء يجعل الدخان من أمارات القيامة أو يقال إنه قد مضى.

والبطشة الكبرى القيامة أو يوم بدر على التفسيرين.

و ﴿ يوم ﴾ ظرف لما دل عليه منتقمون فإن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبله.

وقيل: بدل من ﴿ يوم تأتي السماء ﴾ ثم سلى رسوله  بقصة موسى.

ومعنى ﴿ فتنا ﴾ امتحنا وقد وصفه بالكرم لأنه كان حبيباً في قومه أو بكرم خلقه، أو المراد أنه لم يخاشنهم في التبليغ كما قال ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ "وأن" مفسرة لأن مجيء الرسول يتضمن القول، أو مخففة من الثقيلة، أو مصدرية والياء محذوف.

و ﴿ عباد الله ﴾ مفعول به لقوله { ﴿ أرسل معنا بني إسرائيل  ﴾ أو منادى والمعنى أدوا إليَّ يا عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان والطاعة.

والقصة مذكورة في "الشعراء" وغيرها و ﴿ وأن ترجمون ﴾ أن تقتلون أو تشتمون بالنسبة إلى الكذب والسحر ﴿ وإن لم تؤمنوا لي ﴾ أي لم تصدقوني ففارقوني وكونوا بمعزل عني لا عليّ ولا لي ﴿ فدعا ربه ﴾ شاكياً ﴿ أن هؤلاء قوم مجرمون ﴾ مصرون على الكفر ﴿ فأسر ﴾ أي فأجبنا دعاءه وقلنا له أسر وكان من دعائه اللهم عجل لهم ما يستحقونه بإجرامهم.

ويحتمل أن يكون الدعاء وهو ما في "يونس" ﴿ ربنا اطمس على أموالهم  ﴾ وفي ﴿ رهواً ﴾ وجهان: أحدهما ساكناً أي لا تضربه.

ثانياً واتركه على هيئته من انتصاب الماء وكون الطريق يبساً.

وذلك أن موسى أراد أن يضربه ثانياً حتى ينطبق ويزول الانفلاق خوفاً من أن يدركهم قوم فرعون، والله  أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم، وثانيهما أن الرهو الفجوة الواسعة أي اتركه مفتوحاً منفرجاً على حاله.

والنعمة بفتح النون التنعم والباقي مذكور في "الشعراء".

وقوله ﴿ فما بكت ﴾ كان إذا مات الرجل الخطير قالوا في تعظيم مصيبته بكت عليه السماء والأرض وأظلمت الدنيا، ومنه الحديث "وما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء" وفيه تمثيل وتخييل وتهكم بهم أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك، فأخبر ما كانوا في هذا الحد بل كانوا أنهم دون ذلك.

وجوز كثير من المفسرين أن يكون البكاء حقيقة وجعلوا الخسوف والكسوف والحمرة التي تحدث في السماء وهبوب الرياح العاصفة من ذلك.

قال الواحدى في البسيط: روي أنس بن مالك أن النبي  قال: " ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية " .

ثم إن هؤلاء الكفار لم يكن لهم عمل صالح يصعد إلى السماء فلا جرم لم تبك عليهم.

وعن الحسن: أراد أهل السماء والأرض أي ما بكت عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين ﴿ وما كانوا إذا منظرين ﴾ أي لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى الآخرة بل عجل لهم في الدنيا.

قوله ﴿ من فرعون ﴾ بدل من العذاب بل جعل في نفسه عذاباً مهيناً لشدة شكيمته وفرط عتوه.

وقيل: المضاف محذوف أي من عذابه.

وقيل: تقديره المهين الصادر من فرعون، وفي قراءة ابن عباس ﴿ من فرعون ﴾ على الاستفهام أي ما ظنكم بعذاب من تعرفونه أنه عال قاهر عات مجاوز حد الاعتدال.

ثم ثنى على بني إسرائيل بقوله ﴿ ولقد اخترناهم ﴾ بإيتاء الملك والنبوة ﴿ على علم ﴾ منا باستحقاقهم ذلك وقيامهم بالشكر عليه على عالمي زمانهم.

ولا ريب أن هذا قبل التحريف.

وقيل: أي على علم منا بأنه يبدو منهم بوادر وتفريطات والبلاء النعمة أو المحنة، والآيات هي التسع وغيرها.

ثم عاد إلى ما انجر الكلام فيه وهو قوله ﴿ بل هم في شك يلعبون ﴾ فقال ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني كفار قريش ﴿ ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى ﴾ قال المفسرون: يؤل إلى ما حكى عنهم في موضع آخر ﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ \[المؤمنون: 37\] وذلك أن النزاع إنما وقع في موتة تعقبها حياة فأنكروا أن تكون موتة بهذا الوصف إلا الموتة الأولى وهو حال كونهم نطفاً.

ويحتمل أن يراد إن هي أي الصفة أو النهاية أو الحالة أو العاقبة إلا الموتة الأولى، وليست إثباتاً لموتة ثانية إنما هو كقولك: حج فلان الحجة الأولى، ومات ﴿ وما نحن بمنشرين ﴾ أنشر الله الموتى أحياهم ﴿ فأتوا ﴾ أيها النبي والذين آمنوا معه ﴿ بآبائنا إن كنتم صادقين ﴾ يروى أنهم طلبوا من النبي  أن يجعل الله لهم إحياء الموتى فينشر كبيرهم قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد  وصحة البعث، فلم يجبهم الله تعالى إلى ذلك ولكنه أوعدهم بقوله ﴿ أهم خير أم قوم تبع ﴾ أي ليسوا بخير منهم في العدد والعز والمنعة.

ابن عباس: تبع نبي.

أبو هريرة عن النبي  " لا أدري تبع نبياً كان أم غير نبي" رواه الثعلبي عن عائشة كان رجلاً صالحاً ذم الله قومه ولم يذمه.

وإنما خصهم بالذكر لقربهم من العرب زماناً ومكاناً.

وعن سعيد بن جبير كسا البيت.

وقال قتادة: كان من حمير سار فبنى الحيرة وسمرقند.

وقال أبو عبيدة: هم ملوك اليمن يسمى كل واحد منهم تبعاً لكثرة تبعه، أو لأنه يتبع صاحبه وهو بمنزلة الخليفة للمسلمين، وكسرى للفرس، وقيصر للروم، وجمعه تبابعة، وكان يكتب إذا كتب بسم الذي ملك براً وبحراً.

ثم برهن على صحة البعث بقوله ﴿ وما خلقنا ﴾ إلى آخره، وقد مر في "الأنبياء" وفي "ص" نظيره.

وإنما جمع السموات ههنا لموافقة قوله في أول السورة ﴿ رب السموات ﴾ وسمى يوم القيامة يوم الفصل لأنه يفصل بين عباده في الحكم والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين ما يكرهون وللكافرين بينهم وبين وما يشتهونه فيفصل بين الوالد وولده والرجل وزوجته والمرء وخليله.

والمولى في الآية يحتمل الولي والناصر والمعين وابن العم، والمراد أن أحداً منهم بأي معنى فرض لا يتوقع منه النصرة.

والضمير في ﴿ لا ينصرون ﴾ للمولى الثاني لأنه جمع في المعنى لعمومه وشياعه.

وقوله ﴿ إلا من رحم الله ﴾ في محل الرفع على البدل أو في محل النصب على الاستثناء ﴿ إنه هو العزيز ﴾ الغالب على من عصى ﴿ الرحيم ﴾ لمن أطاع.

ثم أراد أن يختم السورة بوعيد الفجار ووعد الأبرار فقال ﴿ إن شجرت الزقوم ﴾ وقد مر تفسيرها في الصافات.

و ﴿ الأثيم ﴾ مبالغة الآثم ولهذا يمكن أن يقال: إنه مخصوص بالكافر.

والمهل دردي الزيت وقد مر في "الكهف".

ولعل وجه التشبيه هو بشاعة الطعم كما أن الوجه في قوله ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين  ﴾ هو كراهة المنظر ثم وصفه بشدة الحرارة قائلاً ﴿ يغلي ﴾ إلى آخره.

ثم أخبر أنه  يقول للزبانية ﴿ خذوه ﴾ أي خذوا الأثيم ﴿ فاعتلوه ﴾ جروه بعنف وغلظة كأن يؤخذ بتلبيبه فيجر إلى وسط النار.

ومنه العتل للجافي الغليظ.

وقوله ﴿ من عذاب الحميم ﴾ دون أن يقول "من الحميم" تهويل سلوك لطريق الاستعارة لأنه إذا صب عليه الحميم فقد صب عليه عذابه وشدته.

يروي أن أبا جهل قال لرسول الله  : ما بين جبليها أعز ولا أمنع مني فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي " شيئاً " فنزلت الآية.

أي يقال له ذق لأنك أنت العزيز الكريم عند نفسك وفيه من التهكم ما فيه ﴿ إن هذا ﴾ العذاب ﴿ ما كنتم به تمترون ﴾ تشكون.

ثم شرع في وعد الأبرار والمقام الأمين ذو الأمن، أو أصله من الأمانة لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه بما يلقى فيه من المكاره.

وقوله ﴿ وزوجناهم ﴾ اختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزوج أم لا.

والأكثرون على نفيه، وأن المراد قرناهم بهن.

وقيل: زوجته امرأة وزوجته بامرأة لغتان.

وهكذا اختلفوا في الحور.

فعن الحسن: هن عجائزكم ينشئهن الله خلقاً آخر.

وقال أبو هريرة: لسن من نساء الدنيا.

﴿ يدعون ﴾ أي يحكمون ويأمرون في الجنة بإحضار ما يشتهون من الفواكه في أي وقت ومكان ﴿ آمنين ﴾ من التخم والتبعات، ثم أخبر عن خلودهم بقوله ﴿ لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ﴾ قال جار الله: هو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها.

وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.

وقال أهل التحقيق: إن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله وبمحبته.

فالإنسان الكامل هو في الدنيا في الجنة.

وفي الآخرة أيضاً في الجنة فقد صح أنه لم يذق في الجنة إلا الموتة الأولى.

ثم ختم الكلام بفذلكته والمعنى ذكرناهم بالكتاب المبين فأسهلناه حيث أنزلناه بلغتك إرادة تذكرهم فانتظر ما يحل فإنهم يتربصون بك الدوائر.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ﴾ يقول الله  - وهو أعلم -: إن الذي يحمل هؤلاء على الإنكار والكفر بك وترك الإيمان بك - إنكارهم البعث والإحياء بعد الموت؛ كقوله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ ممن آمن بالآخرة فأما من لم يؤمن بالآخرة لا يؤمن به، والله أعلم.

وأصله أن رسول الله  بعث لدعاء الخلق إلى الزهد في هذه الدنيا، والرغبة في الآخرة، والقطع عن جميع شهواتهم ومناهم في الدنيا، وتأخير ذلك إلى الآخرة، فمن آمن بالآخرة سهل عليه ترك ذلك كله، وهان عليه قطع نفسه عن قضاء ذلك كله، ومن أنكر الآخرة وجحدها اشتد ذلك عليه وصعب، [و]حمله ذلك على إنكارها والجحود لها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ هذا منهم احتجاج عليه، يقولون: لو كنت صادقاً فيما تقول: إنه بعث وإحياء، فأحي من ذكروا وائت بهم، لكن هذا احتجاج باطل؛ لأن الآيات والحجج ليست تنزل وتأتي على ما تشتهي أنفس أولئك، ولكن تنزل على ما توجبه الحكمة، وعلى ما فيه الحجة، لا على ما يريد المقام عليهم الحجة، كما في الشاهد أن الواجب على المدعي إقامة ما هو حجة في ذاتها، لا إقامة ما يريدها المدعى عليه، والنبي  قد أتاهم من البيان والحجة ما يوجب البعث والإحياء بعد الموت لو تأملوا ولم يكابروا عقولهم، وكون سؤالهم منه آية أخرى مردود عليهم، والله أعلم.

وبعد: فإن الله -  عز وجل - قد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة، ولو أعطاهم ما سألوا من الآيات ثم أنكروها أهلكوا واستؤصلوا؛ إذ من سنته أن كل آية أتت ونزلت على إثر سؤال كان منهم، ثم أنكروا - كان في ذلك هلاك وعذاب؛ لذلك لم يعطهم ما سألوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ ﴾ ليس في هذا جواب لقولهم: ﴿ فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، ولم يأت بجواب ذلك، وإنما كان؛ لأنهم لم يستحقوا الجواب لهذا السؤال؛ لأنهم سألوا ذلك تعنتاً وعناداً.

ويحتمل أن يكون في هذا جواب لقولهم وسؤالهم الآية المخترعة، وفي الآية دلالة على البعث أيضاً.

بيان الأول: أنه أخبر عن قوم تبع ومن ذكر من الأمم الخالية، كانوا ينكرون رسالة رسلهم، ويكذبونهم، ويوعدونهم الرسل بالعذاب والهلاك، فيكذبونهم - أيضاً - فيما يوعدون من البعث، فجاءهم الهلاك، فيقول: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ ومن ذكر، أي: أولئك هم أشد قوة أم هؤلاء؟

وهم علموا أن أولئك أشد قوة وبطشاً، ثم لم يتهيأ لهم الامتناع من عذاب الله الذي نزل بهم بتكذيبهم الرسل وإنكارهم البعث، فأنتم دون أولئك، فكيف يتهيأ لكم الامتناع من العذاب إذا نزل بكم؟!

وهو كقوله -  -: ﴿ أَكُفَّٰرُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَٰئِكُمْ  ﴾ وإذا لم يتهيأ لهم الدفع ومن سنته الاستئصال بالتكذيب للآيات المخترعة، وقد وعد البقاء لهذه الأمة إلى يوم القيامة وكونه رحمة للخلق؛ لذلك لم يعطهم الآية التي سألوا، والله أعلم.

وأما الثاني: وهو أنه لما أخبر: أن تعذيب أولئك الكفرة؛ لتكذيب الرسل وإنكار البعث؛ فدل أن البعث حق حتى يستحق منكره العذاب، والله أعلم.

وذكر أن تبعاً كان رجلا صالحاً، وعائشة -  ا - تقول: "لا تسبوا تبعاً؛ فإنه كان رجلا صالحاً".

وذكر أنه كان رسولا، وقد ذكرنا نعته، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ : إن الكفرة كانوا لا يطلقون القول، فلا يقولون: إن الله -  - خلقهما وخلق ما بينهما باطلا ولعباً، لكن خلق ذلك كله على فتياهم وظنهم، وعلى ما عندهم يصير عبثاً باطلا؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ويقولون: أن لا بعث، ولا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب، فإذا كان فتياهم وظنهم أن لا بعث ولا نشور، يكون خلقهم وخلق السماء والأرض وما ذكر - باطلا ولعباً؛ لأن المقصود بخلق ما ذكر - على زعمهم - لم يكن ألا الإفناء والإهلاك، ومن لم يقصد في بنائه إلا النقض في الشاهد والإفناء في العاقبة، كان في بنائه وقصده سفيهاً، غير حكيم، فعلى ذلك الله -  وتعالى - في خلقه إياهم، وإنشائه لهم، وتحويله إياهم من حال إلى حال أخرى: من حال النطفة إلى حال العلقة إلى حال المضغة إلى حال تصوير الإنسان، ثم إلى حال الكبر، لو لم يكن ما ذكرنا من المقصود سوى الإفناء والإهلاك على ما زعموا - كان سفهاً باطلا، غير حكمة؛ لما ذكرنا: من قصد في البناء الإفناء خاصة لا غير، كان في فعله وقصده لاعباً عابثاً سفيهاً؛ ولذلك سفه الله تلك المرأة التي لم يكن قصدها في غزلها إلا نقضه في العاقبة؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً...

﴾ الآية [النحل: 92]، فعلى ذلك خلق الله إذا لم يكن بعث ولا نشور - على ما قال أولئك الكفرة وظنوا - كان كذلك سفهاً غير حكمة؛ ولذلك قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] جعل خلقه إياهم [لا] للرجوع إليه عبثاً، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ قال بعضهم: إلا لإقامة الحق.

وقال بعضهم: إلا لأمر كائن مراد.

وأصل الحق: هو أن يحمد عليه فاعله في العاقبة، والباطل هو ما يذم عليه فاعله، وإنما خلق - جل وعلا - ما ذكر؛ ليحمد على فعله، لا ليذم، ولو لم يكن القصد في خلقهم إلا الإفناء والإهلاك لكان لا يحمد عليه، ولكن يذم، على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهما لم يخلقا باطلا وعبثاً، وهو ما ظنوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ سمى يوم القيامة مرة: يوم الجمع، ومرة يوم التفريق، ومرة يوم الفصل، فهو يوم الجمع؛ لما يجمع فيه الخلائق جميعاً، وكذلك يوم الحشر.

ويوم الفصل يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يفصل بين أوليائه وأعدائه، ينزل أولياءه في دار الكرامة والمنزلة وهي الجنة، وأعداءه في دار الهوان والعقاب، وهو ما قال: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ ﴾ أي: يوم القضاء والحكم، أي: يقضي ويحكم بين المؤمنين والكافرين فيما تنازعوا واختلفوا في الدنيا بقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ .

ويحتمل - أيضاً - ما ذكرنا من الفصل بين الأولياء والأعداء ما لو لم يكن ذلك في الآخرة بينهم كان جامعاً مسوياً بين الأولياء والأعداء، وهم استووا واجتمعوا في الدنيا في ظاهر أحوالهم، ومن سوى بين وليه وعدوه، كان سفيهاً غير حكيم - دل أن هنالك داراً أخرى يفصل بينهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ هذا في الكفار خاصة يخبر أنه لا ولي ينفعهم في الآخرة، ولا يعين بعضهم بعضاً على ما يعان في الدنيا إذا نزل ببعض منهم بلاء وشدة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ...

﴾ الآية [عبس: 34]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً...

﴾ الآية [لقمان: 33]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ، والله الموفق.

ثم قوله -  -: ﴿ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً ﴾ يحتمل مولى الأعلى ومولى الأسفل، على ما يعين بعضهم بعضا في الدنيا.

ويحتمل كل ولي وقريب؛ يخبر أنه لا قريب يملك دفع ما نزل به، ولا ولي، ولا يملك نصره ولا معونته؛ لأن ولايتهم يومئذ تصير عداوة بقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ...

﴾ الآية [الزخرف: 67]، استثنى المتقين، وعلى ذلك استثنى في هذه الآية أيضاً حيث قال: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ﴾ ومن عليه، وهداه الإيمان، ورزقه التوحيد فإنه يكون بعضهم لبعض شفعاء وأولياء ينصر بعضهم بعضا، ويشفع بعضهم لبعض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ في نقمته من أعدائه لأوليائه ﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ للمؤمنين الذين استثنى في الآية؛ حيث قال: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ ﴾ ظاهر الآية أنها طعام كل أثيم، لكنها ليست بطعام كل أثيم؛ بل هي طعام أثيم دون أثيم، وهو الكافر؛ لأن الإثم المطلق هو الإثم من كل وجه، وهو الكافر، فأما المؤمن المسلم لا يكون أثيماً مطلقاً مع قيام إيمانه وكثير طاعته؛ فلا يكون صاحب الكبيرة داخلا تحت الآية.

قال بعض أهل [التأويل]: إنه [لما] نزل قوله -  -: ﴿ إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ ﴾ أتى بعض الكفار بالعسل والزبد، وقالوا لأصحابهم: تعالوا نتزقم فإن محمداً وعدنا بذلك؛ لما كان الزقوم هو الزبد والتمر والعسل بلغة قوم من العرب، فنزل عند ذلك قوله -  -: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ ﴾ الآية [الصافات: 64- 65]، أخبر أنها شجرة أنشئت من النار، بقوله -  -: ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ الآية [الصافات: 64]، ليست كسائر الأشجار، ثم شبهها بالمهل بقوله -  -: ﴿ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ والمهل: دُرْدِيُّ الزيت.

ثم يحتمل تشبيهها بالمهل وجهين: أحدهما: لالتصاقه بالبدن؛ لأنه قيل: إنه ألصق الأشياء بالبدن.

ويحتمل أن يشبهها بذلك؛ لكثرة ألوانها وتغيرها من حال إلى حال.

ثم الإشكال أنه ليس في أكل دُرْدِيُّ الزيت فضل شدة وكثير مؤنة، فما معنى التشبيه به؟

لكن نقول: إنّه بين أن ذلك المهل والدردي من النار؛ حيث قال: ﴿ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ .

ثم الإشكال أن شجرة الزقوم كيف تكون للأثيم؛ فيحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أنه يخرج منها شيء ويسيل، فيسقى ذلك الكافر.

ويحتمل: أنه يأكلها كما هي، فتذوب في بطنه، فتغلي، فيكون ما ذكر.

وروي عن ابن عباس -  - أنه رأى فضة قد أذيبت، فقال: هذا المهل، فجائز أن يكون على هذا كل شيء يذاب ويحرق فهو المهل، والحميم هو الشيء الحار الذي قد انتهى حره غايته والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ظاهر هذا أن يكون بعدما أدخلوا في النار، لكن يحتمل أيضاً أن يكون ذلك في أول ما يراد أن يدخلوا النار؛ كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ  ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ  ﴾ فعلى ذلك ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ .

ثم قوله -  -: ﴿ فَٱعْتِلُوهُ ﴾ : قال بعضهم: أي: ادفعوه ﴿ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ أي: إلى وسط الجحيم.

وقال بعضهم: ﴿ فَٱعْتِلُوهُ ﴾ أي: قودوه قوداً إلى ﴿ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ يقال: جيء بفلان يعتل إلى السلطان؛ أي: يجرّ ويقاد.

وقال بعضهم: هو السوق الذي فيه شدة وتعنيف؛ أي: سوقوه سوقاً شديداً عنيفاً.

وبعضه قريب من بعض.

والجحيم: هو معظم النار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ أي: من شراب الحميم؛ جعل الله - عز وجل - لأهل النار من ألوان الشراب: الحميم، والصديد، ونحوهما، مكان ما جعل لأهل الجنة من أنواع الشراب؛ حيث قال: ﴿ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ...

﴾ الآية [محمد: 15].

ثم في الآية أن الفريقين جميعاً لا يتولون شرابها بأنفسهم، لكنهم يسقون؛ على ما ذكر في أهل الجنة في غير آي من القرآن؛ حيث قال: ﴿ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ...

 ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً...

﴾ الإنسان: 17]، ونحو ذلك كثير، وقال في أهل النار: ﴿ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ مِنْ غِسْلِينٍ  ﴾ ، وغير ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴾ قال أهل التأويل: إنما يقال هذا لأبي جهل اللعين، وله ذلك العذاب الذي ذكر في الآية، وهو المراد بالأثيم؛ كان في الدنيا يفتخر، ويقول: أنا العزيز الكريم، وليس فيما بين كذا إلى كذا أعزّ منّي، وأنا المتعزز المتكرم، فيقال له في الآخرة: ﴿ ذُقْ ﴾ هذا الذي ذكر ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴾ في الدنيا يصغرونه ويهينونه.

ويحتمل أن يكون هذا في كل كافر يتعزز في الدنيا ويتكرّم، وكل رئيس منهم، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ ﴾ أي: ذق فإنك لست بعزيز ولا كريم، ثم يقال ذلك له على التهزي به؛ أي: لو كنت عزيزاً كريماً ما دخلت النار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن هذا العذاب هو الذي كنتم تشكّون في وقوعه يوم القيامة، فقد زال عنكم الشك بمعاينته.

<div class="verse-tafsir" id="91.L0XDx"

مزيد من التفاسير لسورة الدخان

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله