الإسلام > القرآن > سور > سورة 49 الحجرات > الآية ١ من سورة الحجرات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 127 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة الحجرات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
تفسير سورة الحجرات وهي مدنية .
هذه آداب أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله [ واتقوا الله ] ) ، أي : لا تسرعوا في الأشياء بين يديه ، أي : قبله ، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور ، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديث معاذ ، [ إذ ] قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بعثه إلى اليمن : " بم تحكم ؟
" قال : بكتاب الله .
قال : " فإن لم تجد ؟
" قال : بسنة رسول الله .
قال : " فإن لم تجد ؟
" قال : أجتهد رأيي ، فضرب في صدره وقال : " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ، لما يرضي رسول الله " .
وقد رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه .
فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة ، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله .
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة .
وقال العوفي عنه : نهى أن يتكلموا بين يدي كلامه .
وقال مجاهد : لا تفتاتوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء ، حتى يقضي الله على لسانه .
وقال الضحاك : لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله من شرائع دينكم .
وقال سفيان الثوري : ( لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) بقول ولا فعل .
وقال الحسن البصري : ( لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) قال : لا تدعوا قبل الإمام .
وقال قتادة : ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون : لو أنزل في كذا كذا ، وكذا لو صنع كذا ، فكره الله ذلك ، وتقدم فيه .
( واتقوا الله ) أي : فيما أمركم به ، ( إن الله سميع ) أي : لأقوالكم ) عليم ) بنياتكم .
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يعني تعالى ذكره بقوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) : يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله, وبنبوّة نبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) يقول: لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم أو دينكم, قبل أن يقضي الله لكم فيه ورسوله, فتقضوا بخلاف أمر الله وأمر رسوله, محكيّ عن العرب فلان يقدّم بين يدي إمامه, بمعنى يعجل بالأمر والنهي دونه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل وإن اختلفت ألفاظهم بالبيان عن معناه.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله ( لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) يقول: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ )...
الآية قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) قال: لا تفتاتوا على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بشيء حتى يقضيه الله على لسانه.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) ذُكر لنا أن ناسا كانوا يقولون: لو أنـزل في كذا لوضع كذا وكذا, قال: فكره الله عزّ وجلّ ذلك, وقدم فيه.
وقال الحسن: أناس من المسلمين ذبحوا قبل صلاة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يوم النحر, فأمرهم نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يعيدوا ذبحا آخر.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) قال: إن أُناسا كانوا يقولون: لو أنـزل في كذا, لو أنـزل في كذا, وقال الحسن: هم قوم نحروا قبل أن يصلي النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فأمرهم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يعيدوا الذبح.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) يعني بذلك في القتال, وكان (1) من أمورهم لا يصلح أن يقضى إلا بأمره ما كان من شرائع دينهم.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله جلّ ثناؤه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) قال: لا تقطعوا الأمر دون الله ورسوله.
وحدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) قال: لا تقضوا أمرا دون رسول الله, وبضم التاء من قوله ( لا تُقَدِّمُوا ) قرأ قرّاء الأمصار, وهي القراءة التي لا أستجيز القراءة بخلافها, لإجماع الحجة من القرّاء عليها, وقد حكي عن العرب قدّمت في كذا, وتقدّمت في كذا, فعلى هذه اللغة لو كان قيل: ( لا تَقَدَّمُوا ) بفتح التاء (2) كان جائزا.
وقوله ( وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) يقول: وخافوا الله أيها الذين آمنوا في قولكم, أن تقولوا ما لم يأذن لكم به الله ولا رسوله, وفي غير ذلك من أموركم, وراقبوه, إن الله سميع لما تقولون, عليم بما تريدون بقولكم إذا قلتم, لا يخفى عليه شيء من ضمائر صدوركم, وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم.
------------------------ الهوامش: (1) كذا في الأصل ، ولعل الصواب : وكل ما كان ...
الخ .
(2) والدال مشددة وهي قراءة مشهورة ليعقوب الحضرمي .
تفسير سورة الحجرات .مدنية بإجماع .
وهي ثماني عشرة آية .بسم الله الرحمن الرحيم .يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم .فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله قال العلماء : كان في العربي جفاء وسوء أدب في خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتلقيب الناس .
فالسورة في الأمر بمكارم الأخلاق ورعاية الآداب .
وقرأ الضحاك ويعقوب الحضرمي : ( لا تقدموا ) بفتح التاء والدال من التقدم .
الباقون تقدموا بضم التاء وكسر الدال من التقديم .
ومعناهما ظاهر ، أي : لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا .
ومن قدم قوله أو فعله على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد قدمه على الله تعالى لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما يأمر عن أمر الله عز وجل .الثانية : واختلف في سبب نزولها على أقوال ستة :الأول : ما ذكره الواحدي من حديث ابن جريج قال : حدثني ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال أبو بكر : أمر [ ص: 274 ] القعقاع بن معبد .
وقال عمر : أمر الأقرع بن حابس .
فقال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي .
وقال عمر : ما أردت خلافك .
فتماديا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنزل في ذلك : يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله - إلى قوله - ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم رواه البخاري عن الحسن بن محمد بن الصباح ، ذكره المهدوي أيضا .الثاني : ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يستخلف على المدينة رجلا إذا مضى إلى خيبر ، فأشار عليه عمر برجل آخر ، فنزل : يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ذكره المهدوي أيضا .الثالث : ما ذكره الماوردي عن الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنفذ أربعة وعشرين رجلا من أصحابه إلى بني عامر فقتلوهم ، إلا ثلاثة تأخروا عنهم فسلموا وانكفئوا إلى المدينة ، فلقوا رجلين من بني سليم فسألوهما عن نسبهما فقالا : من بني عامر لأنهم أعز من بني سليم فقتلوهما ، فجاء نفر من بني سليم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : إن بيننا وبينك عهدا ، وقد قتل منا رجلان ، فوداهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بمائة بعير ، ونزلت عليه هذه الآية في قتلهم الرجلين .الرابع : وقال قتادة : إن ناسا كانوا يقولون لو أنزل في كذا ، لو أنزل في كذا ؟
فنزلت هذه الآية .
ابن عباس : نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه .
مجاهد : لا تفتاتوا على الله ورسوله حتى يقضي الله على لسان رسوله ، ذكره البخاري أيضا .[ الخامس ] : [ وقال ] الحسن : نزلت في قوم ذبحوا قبل أن يصلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح .
ابن جريج : لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر الله تعالى به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - .قلت : هذه الأقوال الخمسة المتأخرة ذكرها القاضي أبو بكر بن العربي ، وسردها قبله الماوردي .
قال القاضي : وهي كلها صحيحة تدخل تحت العموم ، فالله أعلم ما كان السبب المثير للآية منها ، ولعلها نزلت دون سبب ، والله أعلم .
قال القاضي : إذا قلنا إنها نزلت في [ ص: 275 ] تقديم الطاعات على أوقاتها فهو صحيح ; لأن كل عبادة مؤقتة بميقات لا يجوز تقديمها عليه كالصلاة والصوم والحج ، وذلك بين .
إلا أن العلماء اختلفوا في الزكاة ، لما كانت عبادة مالية وكانت مطلوبة لمعنى مفهوم ، وهو سد خلة الفقير ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعجل من العباس صدقة عامين ، ولما جاء من جمع صدقة الفطر قبل يوم الفطر حتى تعطى لمستحقيها يوم الوجوب وهو يوم الفطر ، فاقتضى ذلك كله جواز تقديمها العام والاثنين .
فإن جاء رأس العام والنصاب بحاله وقعت موقعها .
وإن جاء رأس العام وقد تغير النصاب تبين أنها صدقة تطوع .
وقال أشهب : لا يجوز تقديمها على الحول لحظة كالصلاة ، وكأنه طرد الأصل في العبادات فرأى أنها إحدى دعائم الإسلام فوفاها حقها في النظام وحسن الترتيب .
ورأى سائر علمائنا أن التقديم اليسير فيها جائز ; لأنه معفو عنه في الشرع بخلاف الكثير .
وما قاله أشهب أصح ، فإن مفارقة اليسير الكثير في أصول الشريعة صحيح ولكنه لمعان تختص باليسير دون الكثير .
فأما في مسألتنا فاليوم فيه كالشهر ، والشهر كالسنة .
فإما تقديم كلي كما قاله أبو حنيفة والشافعي ، وإما حفظ العبادة على ميقاتها كما قال أشهب .الثالثة : قوله تعالى : لا تقدموا بين يدي الله أصل في ترك التعرض لأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإيجاب اتباعه والاقتداء به ، وكذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه : مروا أبا بكر فليصل بالناس .
فقالت عائشة لحفصة - رضي الله عنهما : قولي له إن أبا بكر رجل أسيف ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل بالناس .
فقال - صلى الله عليه وسلم - : إنكن لأنتن صواحب يوسف .
مروا أبا بكر فليصل بالناس .
فمعنى قوله ( صواحب يوسف ) الفتنة بالرد عن الجائز إلى غير الجائز .
وربما احتج بغاة القياس بهذه الآية .
وهو باطل منهم ، فإن ما قامت دلالته فليس في فعله تقديم بين يديه .
وقد قامت دلالة الكتاب والسنة على وجوب القول بالقياس في فروع الشرع ، فليس إذا تقدم بين يديه .واتقوا الله يعني في التقدم المنهي عنه .
إن الله سميع لقولكم عليم بفعلكم .
هذا متضمن للأدب، مع الله تعالى، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعظيم له ، واحترامه، وإكرامه، فأمر [الله] عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان، بالله وبرسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين، خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في جميع أمورهم، و [أن] لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا، حتى يقول، ولا يأمروا، حتى يأمر، فإن هذا، حقيقة الأدب الواجب، مع الله ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته، تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي، وفي هذا، النهي [الشديد] عن تقديم قول غير الرسول صلى الله عليه وسلم، على قوله، فإنه متى استبانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجب اتباعها، وتقديمها على غيرها، كائنا ما كان ثم أمر الله بتقواه عمومًا، وهي كما قال طلق بن حبيب: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله.وقوله: { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } أي: لجميع الأصوات في جميع الأوقات، في خفي المواضع والجهات، { عَلِيمٌ } بالظواهر والبواطن، والسوابق واللواحق، والواجبات والمستحيلات والممكنات وفي ذكر الاسمين الكريمين -بعد النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله، والأمر بتقواه- حث على امتثال تلك الأوامر الحسنة، والآداب المستحسنة، وترهيب عن عدم الامتثال
مدنية ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ) قرأ يعقوب : " لا تقدموا " بفتح التاء والدال ، من التقدم أي لا تتقدموا ، وقرأ الآخرون بضم التاء وكسر الدال ، من التقديم ، وهو لازم بمعنى التقدم ، [ قال أبو عبيدة ] : تقول العرب : لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب ، أي لا تعجل بالأمر والنهي دونه ، والمعنى : بين اليدين الأمام .
والقدام : أي لا تقدموا بين يدي أمرهما ونهيهما .
واختلفوا في معناه : روى الشعبي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى ، وهو قول الحسن ، أي لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك أن ناسا ذبحوا قبل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأمرهم أن يعيدوا الذبح .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا شعبة ، عن يزيد ، عن الشعبي ، عن البراء قال : خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر ، قال : " إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر ، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ، ومن ذبح قبل أن نصلي فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء " .
وروى مسروق عن عائشة أنه في النهي عن صوم يوم الشك ، أي : لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة ، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم ، أنه قدم ركب من بني تميم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال أبو بكر : أمر القعقاع معبد بن زرارة ، قال عمر : بل أمر الأقرع بن حابس ، قال أبو بكر : ما أردت إلا خلافي ، قال عمر : ما أردت خلافك ، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنزلت في ذلك : " يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله " حتى انقضت .
ورواه نافع عن ابن أبي مليكة ، قال فنزلت : " يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي " إلى قوله : " أجر عظيم " ، وزاد : قال ابن الزبير : فما كان عمر يسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذه الآية حتى يستفهمه ، ولم يذكر عن أبيه ، يعني أبا بكر .
وقال قتادة : نزلت الآية في ناس كانوا يقولون : لو أنزل في كذا ، أو صنع في كذا وكذا ، فكره الله ذلك .
وقال مجاهد : لا تفتاتوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء حتى يقضيه الله على لسانه .
وقال الضحاك : يعني في القتال وشرائع الدين لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله .
( واتقوا الله ) في تضييع حقه ومخالفة أمره ( إن الله سميع ) لأقوالكم ( عليم ) بأفعالكم .
«يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا» من قدم بمعنى تقدم، أي لا تَقَدَّمُوا بقول ولا فعل «بين يدي الله ورسوله» المبلغ عنه، أي بغير إذنهما «واتقوا الله إن الله سميع» لقولكم «عليم» بفعلكم، نزلت في مجادلة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عند النبي صلى الله عليه وسلم في تأمير الأقرع بن حابس أو القعقاع بن معبد ونزل فيمن رفع صوته عند النبي صلى الله عليه وسلم.
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تقضوا أمرًا دون أمر الله ورسوله من شرائع دينكم فتبتدعوا، وخافوا الله في قولكم وفعلكم أن يخالَف أمر الله ورسوله، إن الله سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وأفعالكم.
وفي هذا تحذير للمؤمنين أن يبتدعوا في الدين، أو يشرعوا ما لم يأذن به الله.
افتتحت سورة " الحجرات " بهذا النداء المحبب إلى القلوب ، ألا وهو الوصف بالإِيمان ، الذى من شأن المتصفين به ، أن يمتثلوا لما يأمرهم الله - تعالى - به ، ويجتنبوا ما ينهاهم عنه .افتتحت بقوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ ) .وقوله ( تُقَدِّمُواْ ) مضارع قَدِم اللازم بمعنى تقدم ، ومنه مقدمة الجيش ومقدمة الكتاب - بكسر الدال فيهما - وهو اسم فاعل فيهما بمعنى تقدم .ويصح أن يكون مضارع قدَّم المتعدى ، تقول : قدمت فلانا على فلان ، إذا جعلته متقدما عليه ، وحذف المفعول لقصد التعميم .وقوله : ( بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ ) تشبيه لمن يتعجل فى إصدار حكم من أحكام الدين بغير استناد إلى حكم الله ورسوله ، بحالة من يقتدم بين يدى سيده أو رئيسه ، بأن يسير أمامه فى الطريق ، أو على يمينه أو شماله .
وحقيقة الجلوس بين يدى الشخص : أن يجلس بين الجهتين المقابلتين ليمينه أو شماله قريبا منه و أمامه .قال الجمل قوله : ( بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ ) جرت هذه العبارة هنا على سنن من المجاز ، وهو الذى يسميه أهل البيان تمثيلا ، أى : استعارة تمثيلية ، شُبِّه تجل الصحابة فى إقدامهم على قطع الحكم فى أمر من أمور الدين ، بغير إذن الله ورسوله ، بحالة من تقدم بين يدى متبوعه إذا سار فى طريق ، فإنه فى العادة مستهجن .
.
والغرض تصوير كمال الهجنة ، وتقبيح قطع الحكم بغير إذن الله ورسوله .أو المراد : بين يدى رسول الله ، وذكر لفظ الجلالة على سبيل التعظيم للرسول - صلى الله عليه وسلم وإشعار بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله .والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإِيمان : احذروا أن تتسرعوا فى الأحكام ، فتقولوا قولا ، أو تفعلوا فعلا يتعلق بأمر دينى ، دون أن تستندوا فى ذلك إلى الله - تعالى - وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - ( واتقوا الله ) - تعالى - فى كل ما تأتون وتذرون ، إن الله سميع لأقوالكم ، عليم بجميع أحوالكم .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : هذه آداب أدب الله - تعالى بها عباده المؤمنين ، فيما يعاملون به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من التوقير والاحترام والتبجيل والإِعظام .
فقال : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ ) .أى : لا تسرعوا فى الأشياء بين يديه .
أى : قبله ، بل كونوا تبعا له فى جميع الأمور ، حتى يدخل فى عموم هذا الأدب الشرعى ، حديق معاذ ، إذ قال له النبى - صلى الله عليه وسلم - حين بعثه إلى اليمن : " بم تحكم؟
قال بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد؟
قال فبسنة رسول الله ، قال : فإن لم تجد؟
قال : أجتهد رأيى " .فالغرض منه أنه أخَّر رأيه ونظره واجتهاده ، إلى ما بعد الكتاب والسنة ، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدى الله ورسوله .وقال الإِمام القرطبى ما ملخصه : قوله : ( لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ ) أى : لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله ، وقول رسوله وفعله ، فيما سبيه أن تأخذوا عنه من أمر الدين والدنيا .
.واختلف فى سبب نزول هذه الآية على ستة أقوال منها :ما ذكره الواحدى من حديث ابن جريج قال : حدثنى ابن أبى مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قد ركب من بنى تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : يا رسول الله ، أمِّر عليهم القعقاع بن معبد .
وقال عمر : يا رسول الله ، أمِّر الأقرع بن حابسٍ ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلا خلافى .
وقال عمر ما أردتُ خلافك ، فتماديا حتى ارتفعت أصواتهما ، فنزلت هذه الاية .وقال قتادة : إن ناسا كانوا يقولون : لو أنزل فىَّ كذا ، فنزلت هذه الآية .وقال الحسن : نزلت فى قوم ذبحوا أضحيتهم قبل أن يصلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم أن يعيدوا الذبح .
وعلى آية حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والمقصود من الآية الكريمة نهى المؤمنين فى كل زمان ومكان عن أن يقولوا أو يفعلوا فعلا يتعلق بأمر شرعى ، دون أن يعودوا فيه إلى حكم الله ورسوله .
في بيان حسن الترتيب وجوه: أحدها: أن في السورة المتقدمة لما جرى منهم ميل إلى الامتناع مما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم من الصلح وترك آية التسمية والرسالة وألزمهم كلمة التقوى كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم على سبيل العموم: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا تتجاوزوا ما يأمر الله تعالى ورسوله الثاني: هو أن الله تعالى لما بيّن محل النبي عليه الصلاة والسلام وعلو درجته بكونه رسوله الذي يظهر دينه وذكره بأنه رحيم بالمؤمنين بقوله: ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ قال لا تتركوا من احترامه شيئاً لا بالفعل ولا بالقول، ولا تغتروا برأفته، وانظروا إلى رفعة درجته الثالث: هو أن الله تعالى وصف المؤمنين بكونهم أشداء ورحماء فيما بينهم راكعين ساجدين نظراً إلى جانب الله تعالى، وذكر أن لهم من الحرمة عند الله ما أورثهم حسن الثناء في الكتب المتقدمة بقوله: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل ﴾ فإن الملك العظيم لا يذكر أحداً في غيبته إلا إذا كان عنده محترماً ووعدهم بالأجر العظيم، فقال في هذه السورة لا تفعلوا ما يوجب انحطاط درجتكم وإحباط حسناتكم ولا تقدموا.
وقيل في سبب نزول الآية وجوه: قيل نزلت في صوم يوم الشك، وقيل نزلت في التضحية قبل صلاة العيد، وقيل نزلت في ثلاثة قتلوا اثنين من سليم ظنوهما من بني عامر، وقيل نزلت في جماعة أكثروا من السؤال وكان قد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفود والأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل ومنع مطلق يدخل فيه كل إثبات وتقدم واستبداد بالأمر وإقدام على فعل غير ضروري من غير مشاورة وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من التقديم الذي هو متعد، وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما: ترك مفعوله برأسه كما في قوله تعالى: ﴿ يحيي ويميت ﴾ وقول القائل فلان يعطي ويمنع ولا يريد بهما إعطاء شيء معين ولا منع شيء معين وإنما يريد بهما أن له منعاً وإعطاء كذلك هاهنا، كأنه تعالى يقول لا ينبغي أن يصدر منكم تقديم أصلاً والثاني: أن يكون المفعول الفعل أو الأمر كأنه يقول: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ ﴾ يعني فعلاً ﴿ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ ﴾ أو لا تقدموا أمراً الثاني: أن يكون المراد ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ ﴾ بمعنى لا تتقدموا، وعلى هذا فهو مجاز ليس المراد هو نفس التقديم بل المراد لا تجعلوا لأنفسكم تقدماً عند النبي صلى الله عليه وسلم يقال فلان تقدم من بين الناس إذا ارتفع أمره وعلا شأنه، والسبب فيه أن من ارتفع يكون متقدماً في الدخول في الأمور العظام، وفي الذكر عند ذكر الكرام، وعلى هذا نقول سواء جعلناه متعدياً أو لازماً لا يتعدى إلى ما يتعدى إليه التقديم في قولنا قدمت زيداً، فالمعنى واحد لأن قوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ ﴾ إذا جعلناه متعدياً أو لازماً لا يتعدى إلى ما يتعدى إليه التقديم في قولنا قدمت زيداً، فتقديره لا تقدموا أنفسكم في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم أي لا تجعلوا لأنفسكم تقدماً ورأياً عنده، ولا نقول بأن المراد لا تقدموا أمراً وفعلاً، وحينئذ تتحد القراءتان في المعنى، وهما قراءة من قرأ بفتح التاء والدال وقراءة من قرأ بضم التاء وكسر الدال، وقوله تعالى: ﴿ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ ﴾ أي بحضرتهما لأن ما بحضرة الإنسان فهو بين يديه وهو ناظر إليه وهو نصب عينيه وفي قوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ ﴾ فوائد: أحدها: أن قول القائل فلان بين يدي فلان، إشارة إلى كون كل واحد منهما حاضراً عند الآخر مع أن لأحدهما علو الشأن وللآخر درجة العبيد والغلمان، لأن من يجلس بجنب الإنسان يكلفه تقليب الحدقة إليه وتحريك الرأس إليه عند الكلام والأمر، ومن يجلس بين يديه لا يكلفه ذلك، ولأن اليدين تنبئ عن القدرة يقول القائل هو بين يدي فلان، أي يقلبه كيف شاء في أشغاله كما يفعل الإنسان بما يكون موضوعاً بين يديه، وذلك مما يفيد وجوب الاحتراز من التقدم، وتقديم النفس لأن من يكون كمتاع يقلبه الإنسان بيديه كيف يكون له عنده التقدم.
وثانيها: ذكر الله إشارة إلى وجوب احترام الرسول عليه الصلاة والسلام والانقياد لأوامره، وذلك لأن احترام الرسول صلى الله عليه وسلم قد يترك على بعد المرسل وعدم اطلاعه على ما يفعل برسوله فقال: ﴿ بَيْنَ يَدَيِ الله ﴾ أي أنتم بحضرة من الله تعالى وهو ناظر إليكم، وفي مثل هذه الحالة يجب احترام رسوله.
وثالثها: هو أن هذه العبارة كما تقرر النهي المتقدم تقرر معنى الأمر المتأخر وهو قوله: ﴿ واتقوا ﴾ لأن من يكون بين يدي الغير كالمتاع الموضوع بين يديه يفعل به ما يشاء يكون جديراً بأن يتقيه، وقوله تعالى: ﴿ واتقوا الله ﴾ يحتمل أن يكون ذلك عطفاً يوجب مغايرة مثل المغايرة التي في قول القائل لا تتم واشتغل، أي فائدة ذلك النهي هو ما في هذا الأمر، وليس المطلوب به ترك النوم كيف كان، بل المطلوب بذلك الاشتغال فكذلك لا تقدموا أنفسكم ولا تتقدموا على وجه التقوى، ويحتمل أن يكون بينهما مغايرة أتم من ذلك، وهي التي في قول القائل احترم زيداً واخدمه، أي ائت بأتم الاحترام، فكذلك هاهنا معناه لا تتقدموا عنده وإذا تركتم التقدم فلا تتكلوا على ذلك فلا تنتفعوا بل مع أنكم قائمون بذلك محترمون له اتقوا الله واخشوه وإلا لم تكونوا أتيتم بواجب الاحترام وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يؤكد ما تقدم لأنهم قالوا آمنا، لأن الخطاب يفهم بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فقد يسمع قولهم ويعلم فعلهم وما في قلوبهم من التقوى والخيانة، فلا ينبغي أن يختلف قولكم وفعلكم وضمير قلبكم، بل ينبغي أن يتم ما في سمعه من قولكم آمنا وسمعنا وأطعنا وما في علمه من فعلكم الظاهر، وهو عدم التقدم وما في قلوبكم من الضمائر وهو التقوى.
<div class="verse-tafsir"
قدّمه وأقدمه: منقولان بتثقيل الحشو والهمزة، مِنْ قَدَمَهُ إذا تقدّمه، في قوله تعالى: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ [هود: 98] ونظيرهما معنى ونقلاً: سلفه وأسلفه.
وفي قوله تعالى: ﴿ لاَ تُقَدّمُواْ ﴾ من غير ذلك مفعول: وجهان، أحدهما: أن يحذف ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدّم.
والثاني: أن لا يقصد قصد مفعول ولا حذفه، ويتوجه بالنهي إلى نفس التقدمة، كأنه قيل: لا تقدموا على التلبس بهذا الفعل، ولا تجعلوه منكم بسبيل كقوله تعالى: ﴿ هُوَ الذى * لاَ إله ﴾ [غافر: 68] ويجوز أن يكون من قدّم بمعنى تقدّم، كوجه وبين.
ومنه مقدّمة الجيش خلاف ساقته، وهي الجماعة المتقدّمة منه.
وتعضده قراءة من قرأ: ﴿ لا تقدموا ﴾ بحذف إحدى تاءي تتقدموا، إلا أن الأوّل أملأ بالحسن وأوجه، وأشدّ ملاءمة لبلاغة القرآن، والعلماء له أقبل.
وقرئ: ﴿ لا تقدموا ﴾ من القدوم، أي لا تقدموا إلى أمر من أمور الدين قبل قدومها، ولا تعجلوا عليهما.
وحقيقة قولهم: جلست بين يدي فلان، أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريباً منه، فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعاً، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه في غير موضع، وقد جرت هذه العبارة هاهنا على سنن ضرب من المجاز، وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلاً.
ولجريها هكذا فائدة جليلة ليست في الكلام العريان: وهي تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة: والمعنى: أن لا تقطعوا أمراً إلا بعدما يحكمان به ويأذنان فيه، فتكونوا إما عاملين بالوحي المنزل.
وإما مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعليه يدور تفسير ابن عباس رضي الله عنه.
وعن مجاهد: لا تفتاتوا على الله شيئاً حتى يقصه على لسان رسوله.
ويجوز أن يجري مجرى قولك: سرني زيد وحسن حاله، وأعجبت بعمرو وكرمه.
وفائدة هذا الأسلوب: الدلالة على قوّة الاختصاص، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بالمكان الذي لا يخفى: سلك له ذلك المسلك.
وفي هذا تمهيد وتوطئة لما نقم منهم فيما يتولوه من رفع أصواتهم فوق صوته: لأنّ من أحظاه الله بهذه الأثرة واختصه هذا الاختصاص القوي: كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت، ويخافت لديه بالكلام.
وقيل: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تهامة سرية سبعة وعشرين رجلاً وعليهم المنذر بن عمرو الساعدي، فقتلهم بنو عامر وعليهم عامر بن الطفيل.
إلا الثلاثة نفر نجوا فلقوا رجلين من بني سليم قرب المدينة، فاعتزيا لهم إلى بني عامر، لأنهم أعز من بني سليم، فقتلوهما وسلبوهما، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بئسما صنعتم كانا من سليم، والسلب ما كسوتهما» فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت، أي: لا تعملوا شيئاً من ذات أنفسكم حتى تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن مسروق: دخلت على عائشة في اليوم الذي يشك فيه، فقالت للجارية: اسقه عسلاً، فقلت: إني صائم، فقالت: قد نهى الله عن صوم هذا اليوم.
وفيه نزلت.
وعن الحسن: أنّ أناساً ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة فنزلت، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحاً آخر.
وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، إلا أن تزول الشمس.
وعند الشافعي: يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة.
وعن الحسن أيضاً: لما استقرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل، فنهوا أن يبتدؤه بالمسألة حتى يكون هو المبتديء وعن قتادة: ذكر لنا أنّ ناساً كانوا يقولون: لو أنزل فيه كذا لكان كذا، فكره الله ذلك منهم وأنزلها.
وقيل: هي عامة في كل قول وفعل؛ ويدخل فيه أنه إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبقوه بالجواب، وأن لا يمشي بين يديه إلا لحاجة، وأن يستأني في الافتتاح بالطعام ﴿ واتقوا ﴾ فإنكم إن اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهى عنها وعن جميع ما تقتضي مراقبة الله تجنبه، فإن التقيّ حذر لا يشافه أمراً إلا عن ارتفاع الريب وانجلاء الشك في أن لا تبعة عليه فيه، وهذا كما تقول لمن يقارف بعض الرذائل: لا تفعل هذا وتحفظ مما يلصق بك العار.
فتنهاه أوّلاً عن عين ما قارفه، ثم تعم وتشيع وتأمره بما لو امتثل فيه أمرك لم يرتكب تلك الفعلة وكل ما يضرب في طريقها ويتعلق بسببها ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ ﴾ لما تقولون ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بما تعملون، وحق مثله أن يتقى ويراقب.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الحُجُراتِ مَدَنِيَّةٌ وآيُها ثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا ﴾ أيْ لا تُقَدِّمُوا أمْرًا، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِيَذْهَبَ الوَهْمُ إلى كُلِّ ما يُمْكِنُ، أوْ تُرِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ التَّقْدِيمِ رَأْسًا أوْ لا تَتَقَدَّمُوا ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ لِمُتَقَدِّمِيهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ يَعْقُوبَ لا تَقَدَّمُوا.
وقُرِئَ «لا تَقْدَمُوا» مِنَ القُدُومِ.
﴿ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ مُسْتَعارٌ مِمّا بَيْنَ الجِهَتَيْنِ المُسامِتَتَيْنِ لِيَدَيِ الإنْسانِ تَهْجِينًا لِما نُهُوا عَنْهُ، والمَعْنى لا تَقْطَعُوا أمْرًا قَبْلَ أنْ يَحْكُما بِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ وذِكْرُ اللَّهِ تَعْظِيمٌ لَهُ وإشْعارٌ بِأنَّهُ مِنَ اللَّهِ بِمَكانٍ يُوجِبُ إجْلالَهُ.
﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في التَّقْدِيمِ أوْ مُخالَفَةِ الحُكْمِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِأقْوالِكم.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِأفْعالِكم.
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الذين آمنوا لاَ تُقَدِّمُواْ} قدّمه وأقدمه منقولان بتثقيل الحشو والهمزة من قدمه إذا تقدمه في قوله تعالى يقدم قومه وحذف المفعول ليتناول كل ما وقع في النفس مما يقدم من القول أو الفعل وجاز أن لا يقصد مفعول والنهي متوجه إلى نفس التقدمة كقوله هُوَ الذى يُحْيىِ ويميت أو هو من قدّم بمعنى تقدم كوجه بمعنى توجه ومنه مقدمة الجيش وهي الجماعة المتقدمة منه ويؤيده قراءة
يعقوب لاَ تُقَدّمُواْ بحذف إحدى تاءي تتقدموا {بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ} حقيقة قولهم جلست بين يدي فلان أن تجلس بين الجهتين المسامنتين ليمينه وشماله قريباً منه فسميت الجهتان يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعاً كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره في هذه العبارة ضرب من المجاز الذي يسمى تمثيلاً وفيه فائدة جليلة وهي تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة ويجوز أن
يجري مجرى قولك سرني زيد وحسن حاله أي سرني حسن حال زيد فكذلك هنا المعنى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفائدة هذا الأسلوب الدلالة على قوة الاختصاص ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله بالمكان الذي لا يخفى سلك به هذا المسلك وفي هذا تمهيد لما نقم منهم من رفع أصواتهم فوق صوته عليه السلام لأن من فضله الله بهذه الأثرة واختصه هذا الاختصاص كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت وعن الحسن أن إناساً ذبحوا يم الأضحى قبل الصلاة فنزلت وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يعيدوا ذبحا اخر وعن عائشة رضى عنها أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك {واتقوا الله} فانكم ان اتقيتموه عافتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها {إِنَّ الله سَمِيعٌ} لما تقولون {عَلِيمٌ} بما تعملون وحق مثله ان يتقى
سُورَةُ الحُجُراتِ مَدَنِيَّةٌ كَما قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهم وفي مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ إلّا آيَةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى ﴾ ولَعَلَّ مَن يُعْتَبَرُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والبَزّارُ في مُسْنَدِهِ مِن طَرِيقِ الأعْمَشِ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ما كانَ ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ) أُنْزِلَ بِالمَدِينَةِ وما كانَ ( يا أيُّها النّاسُ ) فَبِمَكَّةَ يَقُولُ بِمَكِّيَّةٍ ما اسْتَثْنى، والحَقُّ أنَّ هَذا لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ.
وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّها في قَوْلٍ شاذٍّ مَكِّيَّةٌ، وهي ثَمانِي عَشْرَةَ آيَةً بِالإجْماعِ، ولا يَخْفى تَواخِيها مَعَ ما قَبْلَها لِكَوْنِهِما مَدَنِيَّتَيْنِ ومُشْتَمِلَتَيْنِ عَلى أحْكامٍ وتِلْكَ فِيها قِتالُ الكُفّارِ وهَذِهِ فِيها قِتالُ البُغاةِ، وتِلْكَ خُتِمَتْ بِالَّذِينِ آمَنُوا وهَذِهِ افْتُتِحَتْ بِالَّذِينِ آمَنُوا، وتِلْكَ تَضَمَّنَتْ تَشْرِيفاتٍ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خُصُوصًا مَطْلَعُها وهَذِهِ أيْضًا في مَطْلَعِها أنْواعٌ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي البَحْرِ مُناسَبَتُها لِآخِرِ ما قَبْلَها ظاهِرٌ لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ إلَخْ فَرُبَّما صَدَرَ مِنَ المُؤْمِنِ عامِلِ الصّالِحاتِ بَعْضُ شَيْءٍ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يَنْهى عَنْهُ فَقالَ جَلَّ وعَلا تَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ وتَهْذِيبًا لَهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ وتَصْدِيرُ الخِطابِ بِالنِّداءِ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ عَلى أنَّ ما في حَيِّزِهِ أمْرٌ خَطِيرٌ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ اعْتِنائِهِمْ وفَرْطَ اهْتِمامِهِمْ بِتَلَقِّيهِ ومُراعاتِهِ، ووَصْفِهِمْ بِالإيمانِ لِتَنْشِيطِهِمْ والإيذانِ بِأنَّهُ داعٍ لِلْمُحافَظَةِ عَلَيْهِ ورادِعٌ عَنِ الإخْلالِ بِهِ.
و( تُقَدِّمُوا ) مِن قَدَّمَ المُتَعَدِّي، ومَعْناهُ جَعَلَ الشَّيْءَ قادِمًا أيْ مُتَقَدِّمًا عَلى غَيْرِهِ، وكانَ مُقْتَضاهُ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ لَكِنَّ الأكْثَرَ في الِاسْتِعْمالِ تَعْدِيَتُهُ إلى الثّانِي بِعَلى تَقُولُ: قَدَّمْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ، وهو هُنا مُحْتَمِلُ احْتِمالَيْنِ: الأوَّلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ نَسْيًا والقَصْدُ فِيهِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ وهو التَّقْدِيمُ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ولا نَظَرٍ إلى أنَّ المُقَدَّمَ ماذا هو عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ﴾ وقَوْلُهُمْ: يُعْطِي ويَمْنَعُ، فالمَعْنى لا تَفْعَلُوا التَّقْدِيمَ ولا تَتَلَبَّسُوا بِهِ ولا تَجْعَلُوهُ مِنكم بِسَبِيلٍ.
والثّانِي أنْ يَكُونَ قَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ قَصْدًا إلى تَعْمِيمِهِ لِأنَّهُ لِاحْتِمالِهِ لِأُمُورٍ لَوْ قُدِّرَ أحَدُها كانَ تَرْجِيحًا بِلا مُرَجِّحٍ يُقَدِّرُ أمْرًا عامًّا لِأنَّهُ أفْيَدُ مَعَ الِاخْتِصارِ، فالمَعْنى لا تُقَدِّمُوا أمْرًا مِنَ الأُمُورِ، والأوَّلُ قِيلَ أوْفى بِحَقِّ المَقامِ لِإفادَتِهِ النَّهْيَ عَنِ التَّلَبُّسِ بِنَفْسِ الفِعْلِ المُوجِبِ لِانْتِفائِهِ بِالكُلِّيَّةِ المُسْتَلْزِمِ لِانْتِفاءِ تَعَلُّقِهِ بِمَفْعُولِهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، ورُجِّحَ الثّانِي بِأنَّهُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وبِأنَّ في الأوَّلِ تَنْزِيلَ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ وهو خِلافُ الأصْلِ والثّانِي سالِمٌ مِنهُ، والحَذْفُ وإنْ كانَ خِلافَ الأصْلِ أيْضًا أهْوَنُ مِنَ التَّنْزِيلِ المَذْكُورِ لِكَثْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وبَعْضُهم لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما لِتَعارُضِ التَّرْجِيحِ عِنْدَهُ وكَوْنِ مَآلِ المَعْنى عَلَيْهِما العُمُومَ المُناسِبَ لِلْمَقامِ، وذُكِرَ أنَّ في الكَلامِ تَجَوُّزَيْنِ، أحَدُهُما في (بَيْنَ) إلَخْ فَإنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ بَيْنَ يَدَيْ فُلانٍ ما بَيْنَ العُضْوَيْنِ فَتُجُوِّزَ بِذَلِكَ عَنِ الجِهَتَيْنِ المُسامَّتَتَيْنِ لِيَمِينِهِ وشِمالِهِ قَرِيبًا مِنهُ بِإطْلاقِ اليَدَيْنِ عَلى ما يُجاوِرُهُما ويُحاذِيهِما فَهو مِنَ المَجازِ المُرْسَلِ.
ثانِيهِما اسْتِعارَةُ الجُمْلَةِ وهي التَّقَدُّمُ بَيْنَ اليَدَيْنِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِلْقَطْعِ بِالحُكْمِ بِلا اقْتِداءٍ ومُتابَعَةٍ لِمَن يَلْزَمُ مُتابَعَتَهُ تَصْوِيرًا لِهَجْنَتِهِ وشَناعَتِهِ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ فِيما نَهَوْا عَنْهُ كَتَقَدُّمِ الخادِمِ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ في سَيْرِهِ حَيْثُ لا مَصْلَحَةَ، فالمُرادُ مِن ﴿ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ لا تَقْطَعُوا أمْرًا وتَجْزِمُوا بِهِ وتَجْتَرِؤُوا عَلى ارْتِكابِهِ قَبْلَ أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَأْذَنا فِيهِ، وحاصِلُهُ النَّهْيُ عَنِ الإقْدامِ عَلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ دُونَ الِاحْتِذاءِ عَلى أمْثِلَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( تُقَدِّمُوا ) مِن قَدِمَ اللّازِمِ بِمَعْنى تَقَدَّمَ كَوَجَّهَ وبَيَّنَ، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ خِلافُ ساقَتِهِ وهي الجَماعَةُ المُتَقَدِّمَةُ مِنهُ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي حَيْوَةَ والضَّحّاكِ ويَعْقُوبَ وابْنِ مِقْسَمٍ (لا تَقَدَّمُوا) بِفَتْحِ التّاءِ والقافِ والدّالِ، وأصْلُهُ تَتَقَدَّمُوا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا لِأنَّهُ مِنَ التَّفَعُّلِ وهو المُطاوِعُ اللّازِمُ، ورُجِّحَ ما تَقَدَّمَ بِما سَمِعْتَ وبِأنَّ فِيهِ اسْتِعْمالَ أعْرَفِ اللُّغَتَيْنِ وأشْهَرِهِما، لا يُقالُ: الظَّرْفُ إذا تَعَلَّقَ بِهِ العامِلُ قَدْ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ المَفْعُولِ فَيُفِيدُ العُمُومَ كَما قَرَّرُوهُ في ﴿ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ فَلْيَكُنِ الظَّرْفُ هاهُنا بِمَنزِلَةِ مَفْعُولِ التَّقَدُّمِ مُغْنِيًا غَناءَهُ، والتَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيِ المَرْءِ خُرُوجٌ عَنْ صِفَةِ المُتابَعَةِ حِسًّا فَهو أوْفَقُ لِلِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ المَقْصُودِ مِنها تَصْوِيرُ هُجْنَةِ الحُكْمِ بِلا اقْتِداءٍ ومُتابَعَةٍ لِمَن يَلْزَمُ مُتابَعَتُهُ بِصُورَةِ المَحْسُوسِ، فَتَخْرِيجُ ﴿ لا تُقَدِّمُوا ﴾ عَلى اللُّزُومِ أبْلَغُ ولا يَضُرُّهُ عَدَمُ الشُّهْرَةِ فَإنَّهُ لا يُقاوِمُ الأبْلَغِيَّةَ المُطابِقَةَ لِلْمَقامِ لِما أشارَ إلَيْهِ في الكَشْفِ مِن أنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنْ مُخالَفَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، والتَّعْدِيَةُ تُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ بِجَعْلٍ وقَصْدٍ مِنهُ لِلْمُخالَفَةِ لِأنَّ التَّقْدِيمَ بَيْنَ يَدَيِ المَرْءِ أنْ تَجْعَلَ أحَدًا إمّا نَفْسَكَ أوْ غَيْرَكَ مُتَقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ وذَلِكَ أقْوى في الذَّمِّ وأكْثَرُ اسْتِهْجانًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَعَمُّدِ عَدَمِ المُتابَعَةِ لا صُدُورُها عَنْهُ كَيْفَما اتَّفَقَ فافْهَمْ ولا تَغْفَلْ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ مِن بابِ أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرَمُهُ فالنَّهْيُ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ، وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لِتَعْظِيمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإيذانِ بِجَلالَةِ مَحَلِّهِ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ ومَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ سُبْحانَهُ، وأمْرُ التَّجَوُّزِ عَلَيْهِ عَلى حالِهِ، وهو كَما قالَ في الكَشْفِ أوْفَقُ لِما يَجِيءُ بَعْدَهُ، فَإنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِإجْلالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإذا كانَ اسْتِحْقاقُ هَذا الإجْلالِ لِاخْتِصاصِهِ بِاللَّهِ جَلَّ وعَلا ومَنزِلَتِهِ مِنهُ سُبْحانَهُ فالتَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ أدْخَلُ في النَّهْيِ وأدْخَلُ، وإنْ جُعِلَ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ عَلى ما مَرَّ فالنَّهْيُ عَنِ الِاسْتِبْدادِ بِالعَمَلِ في أمْرٍ دِينِيٍّ لا مُطْلَقًا مِن غَيْرِ مُراجَعَةٍ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أيْ لا تَقُولُوا خِلافَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلامِهِ بَلْ عَلَيْهِمْ أنْ يُصْغُوا ولا يَتَكَلَّمُوا.
ووَجْهُ الدَّلالَةِ عَلى هَذا أنَّ كَلامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُرِيدَ بِهِ ما يَنْقُلُهُ عَنْهُ تَعالى ولَفْظُهُ أيْضًا، وما اللَّفْظُ مِنَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإنْ كانَ المَعْنى مِنَ الوَحْيِ أوْ أرادَ كَلامَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى والرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ: لا تَفْتاتُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِشَيْءٍ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ يَخْرُجُ عَلى نَحْوِ التَّخْرِيجِ الأوَّلِ لِكَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ ويَكُونُ مُؤَيِّدًا لَهُ، وبَعْضُهم يَرْوِي أنَّهُ قالَ: لا تَفْتاتُوا عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْئًا حَتّى يَقُصَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجُعِلَ مُؤَيِّدًا لِكَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وفَسَّرَ التَّقَدُّمَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ التَّقَدُّمَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَكْشُوفُ المَعْنى، ثُمَّ إنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن بابِ بَيانِ حاصِلِ المَعْنى في الجُمْلَةِ.
وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ بَعْدَ ذِكْرِ المَرْوِيِّ عَنْ مُجاهِدٍ حَسْبَما ذَكَرْنا قالَ الحُفّاظُ: هَذا التَّفْسِيرُ عَلى قِراءَةِ (تَقَدَّمُوا) بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ وهي قِراءَةٌ لِبَعْضِهِمْ حَكاها الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو حَيّانَ وغَيْرُهُما، وكَأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ( تُقَدِّمُوا ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن قَدِمَ كَعَلِمَ إذا مَضى في الحَرْبِ ويَأْتِي مِن بابِ نَصَرَ أيْضًا إذِ الِافْتِياتُ وهو السَّبْقُ دُونَ ائْتِمارِ مَن يُؤْتَمَرُ أنْسَبُ بِذَلِكَ.
واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ جَعْلَهُ مِن قَدِمَ مِن سَفَرِهِ مِن بابِ عَلِمَ لا غَيْرَ كَما يَقْتَضِيهِ عِبارَةُ القامُوسِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَدْ شُبِّهَ تَعْجِيلُهم في قَطْعِ الحُكْمِ في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ بِقُدُومِ المُسافِرِ مِن سَفَرِهِ إيذانًا بِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ نَحْوَ ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ واخْتُلِفَ في سَبَبِ النُّزُولِ، فَأخْرَجَ البُخارِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: (قَدِمَ رَكْبٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أمِّرِ القَعْقاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: بَلْ أمِّرِ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ما أرَدْتُ خِلافَكَ فَتَمارَيا حَتّى ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ حَتّى انْقَضَتِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ «عَنِ الحَسَنِ أنَّ أُناسًا ذَبَحُوا قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَأمَرَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُعِيدُوا ذَبْحًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ،» وفي الكَشّافِ عَنْهُ أنَّ أُناسًا ذَبَحُوا يَوْمَ الأضْحى قَبْلَ الصَّلاةِ فَنَزَلَتْ وأمَرَهم أنْ يُعِيدُوا ذَبْحًا آخَرَ، والأوَّلُ ظاهِرٌ في أنَّ النُّزُولَ بَعْدَ الأمْرِ والذَّبْحِ قَبْلَ الصَّلاةِ يَسْتَلْزِمُ الذَّبْحَ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ كانَ يَنْحَرُ بَعْدَها كَما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ، وإلى عَدَمِ الإجْزاءِ قَبْلُ ذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ والأخْبارُ تُؤَيِّدُهُ، أخْرَجَ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: «(ذَبَحَ أبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيارٍ قَبْلَ الصَّلاةِ فَقالَ النَّبِيُّ : أبْدِلْها فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ عِنْدِي إلّا جَذَعَةٌ فَقالَ : اجْعَلْها مَكانُها ولَنْ تُجْزِيَ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ)».
وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(أوَّلُ ما نَبْدَأُ بِهِ في يَوْمِنا هَذا نُصَلِّي ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أصابَ سُنَّتَنا ومَن ذَبَحَ قَبْلُ فَإنَّما هو لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ في شَيْءٍ)».
وكانَ أبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيارٍ قَدْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ الحَدِيثَ، وفي المَسْألَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ مَحَلُّهُ كُتُبِ الفُرُوعِ فَراجِعْهُ إنْ أرَدْتَهُ، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا لَمّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ أتَتْهُ الوُفُودُ مِنَ الآفاقِ فَأكْثَرُوا عَلَيْهِ بِالمَسائِلِ فَنُهُوا أنْ يَبْتَدِئُوهُ بِالمَسْألَةِ حَتّى يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو المُبْتَدِئُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ ناسًا كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أُنْزِلَ في كَذا وكَذا لَكانَ كَذا وكَذا فَكَرِهَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وقَدَّمَ فِيهِ.
وقِيلَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى تِهامَةَ سَرِيَّةً سَبْعَةً وعِشْرِينَ رَجُلًا عَلَيْهِمُ المُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو السّاعِدِيُّ فَقَتَلَهم بَنُو عامِرٍ وعَلَيْهِمْ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ نَجَوْا فَلَقُوا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سُلَيْمٍ قُرْبَ المَدِينَةِ فاعْتَزَيا لَهم إلى بَنِي عامِرٍ لِأنَّهم أعَزُّ مِن سُلَيْمٍ فَقَتَلُوهُما وسَلَبُوهُما ثُمَّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: بِئْسَما صَنَعْتُمْ كانا مِن سُلَيْمٍ أيْ كانا مِن أهْلِ العَهْدِ لِأنَّهم كانُوا مُعاهَدِينَ والسَّلَبُ ما كَسَوْتُهُما فَوَداهُما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ونَزَلَتْ أيْ لا تَعْمَلُوا شَيْئًا مِن ذاتِ أنْفُسِكم حَتّى تَسْتَأْمِرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ».
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: إنَّ ناسًا كانُوا يَتَقَدَّمُونَ الشَّهْرَ فَيَصُومُونَ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ وفي رِوايَةٍ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ بْنِ مالِكٍ الهَمْدانِيِّ الكُوفِيِّ دَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وكانَتْ قَدْ تَبَنَّتْهُ في اليَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقالَتْ لِلْجارِيَةِ: اسْقِيهِ عَسَلًا فَقُلْتُ: إنِّي صائِمٌ فَقالَتْ: قَدْ نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ صَوْمِ هَذا اليَوْمِ وفِيهِ نَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا ﴾ إلَخْ، فالمَعْنى كَما في المَعالِمِ لا تَصُومُوا قَبْلَ صَوْمِ نَبِيِّكُمْ، وأوَّلَ هَذا صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: الظّاهِرُ عِنْدِي أنَّها اسْتَدَلَّتْ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُمْتَثَلَ أمْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَهْيُهُ، وقَدْ نَهى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وفِيهِ نَزَلَتْ أيْ في مِثْلِ هَذا لِدَلالَتِها عَلى وُجُوبِ الِاتِّباعِ والنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِبْدادِ إذْ لا يُلَوِّحُ ذَلِكَ التَّفْسِيرُ عَلى وجْهٍ يَنْطَبِقُ عَلى يَوْمِ الشَّكِّ وحْدَهُ إلّا بِتَكَلُّفٍ، وهَذا نَظِيرُ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في جَوابِ المَرْأةِ الَّتِي اعْتَرَضَتْ عَلَيْهِ أنَّها قَرَأتْ كِتابَ اللَّهِ وما وجَدَتِ اللَّعْنَ عَلى الواشِمَةِ كَما ادَّعاهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وجَدْتِيهِ أما رَأيْتِ ﴿ وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا ﴾ قالَتْ: بَلى قالَ: فَإنَّهُ نَهى عَنْهُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ بَعْدَ الرِّوايَةِ الأُولى عَنْ هَذا التَّأْوِيلِ، ويُعْلَمُ مِن هَذِهِ الرِّواياتِ وغَيْرِها أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا أيْضًا في تَفْسِيرِ التَّقَدُّمِ، وفي كَثِيرٍ مِنها تَفْسِيرُهُ بِخاصٍّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ ويَدْخُلُ فِيها أنَّهُ إذا جَرَتْ مَسْألَةٌ في مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَسْبِقُوهُ في الجَوابِ، وأنْ لا يَمْشِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ إلّا لِلْحاجَةِ، وأنْ يَسْتَأْتِيَ في الِافْتِتاحِ بِالطَّعامِ، ورُجِّحَ بِأنَّهُ المُوافِقُ لِلسِّياقِ ولِما عُرِفَ في الأُصُولِ مِن أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ عَلَيْهِ بِناءً عَلى ما قالَهُ الطَّيِّبِيُّ مَجازٌ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرِكِ الصّادِقِ عَلى الحَقِيقَةِ أيْضًا دُونَ التَّمْثِيلِ وتَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ ويُسَمّى في الأُصُولِ بِعُمُومِ المَجازِ وفي الصِّناعَةِ بِالكِنايَةِ لِأنَّها لا تُنافِي إرادَةَ الحَقِيقَةِ أيْضًا ومِن هُنا يَجُوزُ إرادَةُ لا تَمْشُوا بَيْنَ يَدَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَكَرَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى هَذا القَوْلِ مَفْعُولٌ بَلْ يَتَوَجَّهُ النَّهْيُ إلى نَفْسِ الفِعْلِ فَتَأمَّلْ، ويُحْتَجُّ بِالآيَةِ عَلى اتِّباعِ الشَّرْعِ في كُلِّ شَيْءٍ وهو ظاهِرٌ مِمّا تَقَدَّمَ، ورُبَّما احْتَجَّ بِها نُفاةُ القِياسِ وهو كَما قالَ الكَيا باطِلٌ مِنهم.
نَعَمْ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ: يُحْتَجُّ بِها عَلى تَقْدِيمِ النَّصِّ عَلى القِياسِ، ولَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العَمَلَ بِالنَّصِّ أبْعَدُ مِنَ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُوَنَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما نَحْنُ فِيهِ ﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ ومِنهُ أقْوالُكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ ومِنها أفْعالُكم فَمِن حَقِّهِ أنْ يُتَّقى ويُراقَبَ <div class="verse-tafsir"
وهي ثمان عشرة آية مدنية قوله تبارك وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يقال: يا نداء، وها تنبيه، والَّذِينَ إشارة.
وآمَنُوا مدحه.
روي عن الضحاك أنه كان يقرأ: لاَ تُقَدِّمُوا بنصب التاء والدال.
وقراءة العامة لاَ تُقَدِّمُوا برفع التاء، وكسر الدال.
فمن قرأ بالنصب، فهو في الأصل لا تتقدموا، فحذفت إحدى التاءين لتكون أخف.
ومن قرأ بالضم فهو من قدم تقدم.
يقال: فلان تقدم بين يدي أبيه، وبين يدي الإمام.
يعني: تعجل بالأمر، وانتهى بدونه.
يعني: لا تقدموا الكلام بين يدى الله، ورسوله.
ومعناه: لا تقولوا قبل أن يقول الرسول .
ويقال: معناه إذا أمرتم بأمر فلا تفعلوه قبل الوقت الذي أمرتم به.
وقال الحسن: إن قوماً ذبحوا قبل أن يصلي النبيّ يوم النحر، فأمرهم النبي أن يذبحوا آخر، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وقال مسروق: كنا عند عائشة يوم الشك فأُتي بلبن، فناولتني، فقلت: إني صائم.
فقالت عائشة ا: وقد نهي عن هذا.
وقرأت هذه الآية وقالت هذه الآية نزلت في الصوم وغيره.
وقال مقاتل: نزلت الآية في ثلاثة نفر، وذلك أن النبي بعث سرية، وأمر عليهم المنذر بن عمرو.
فخرج بنو عامر بن صعصعة عند بئر معونة، فرصدوهم على الطريق، وقتلوهم.
فرجع ثلاثة منهم، فلما دنوا إلى المدينة، خرج رجلان من بني سليم صلحاً لرسول الله ، وقد كان أهداهما، وكساهما، فقالا: نحن من بني عامر، لأن بني عامر كانوا أقرب إلى المدينة، فقتلوهما، وأخذوا من ثيابهما، وجاءوا بها إلى النبيّ ، فنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني: لا تعجلوا بقتل، ولا بأمر، حتى تستأمروا رسول الله .
وروي عن الحسن في رواية أُخرى أنه قال: لا تعملوا بخلاف الكتاب والسنة.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني: اخشوا الله عز وجل فيما يأمركم، وينهاكم، ولا تخالفوا أمر الله ورسوله.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يعني: سميع الدعاء، عليم بخلقه.
ويقال: سميع لقول المستأمنين، عليم بنيات الذين قتلوهما.
وفي الآية بيان رأفة الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عباده، حيث سماهم مؤمنين مع معصيتهم.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : من غَلَبَ شهوتَه وغضبَه فذلك الذي امتحن اللَّه قلبه للتقوى، وبذلك تكونُ الاستقامة، وقال البخاريّ: امْتَحَنَ: أخلص، انتهى.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ نزلت في وفد بني تميم وقولِهِمْ: يا محمدُ، اخرج إلينا، يا محمد، اخرج إلينا، وفي مصحف ابن مسعود: «أَكْثَرُهُمْ بَنُو تَمِيمٍ لاَ يَعْقِلُونَ» وباقي الآية بيّن.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا وقُرِىءَ «فَتَثَبَّتُوا» روي في سبب الآية: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنَ أبي مُعَيْطٍ إلَى بَنِي المُصْطَلِقِ مُصَدِّقاً، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ خَرَجُوا إلَيْهِ، فَفَزِعَ مِنْهُمْ، وظَنَّ بِهِمْ شَرًّا، فرجع، وقال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: قَدْ مَنَعُونِي الصَّدَقَةَ، وَطَرَدُونِي، وارتدوا، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم وَهَمَّ بِغَزْوِهِمْ، فَوَرَدَ وَفْدُهُمْ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ» «٢» ، ورُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ بَلَغَهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ نُعْطِيهِ الصَّدَقَةَ وَلا نُطِيعُهُ، فقال ما ذكرناه فنزلت الآية، وأَنْ تُصِيبُوا معناه: مخافة أنْ/ تصيبوا، قال قتادة: وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم عند ما نزلت هذه الآية: «التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ من الشيطان» «٣» .
سُورَةُ الحُجُراتِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ رَوى ثَوْبانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي مَكانَ الزَّبُورِ المَثانِيَ، وفَضَّلَنِي رَبِّي بِالمُفَصَّلِ.» أمّا السَّبْعُ الطُّوَلُ فَقَدْ ذَكَرْناها ["عِنْدَ قَوْلِهِ"]: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي ﴾ .
وأمّا المُئُونَ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي ما ولِيَ الطُّوَلَ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِالمِئِينَ؛ لِأنَّ كُلَّ سُورَةٍ تَزِيدُ عَلى مِائَةِ آيَةٍ أوْ تُقارِبُها، والمَثانِي: ما ولِيَ المِئِينَ مِنَ السُّوَرِ الَّتِي دُونَ المِائَةِ، كَأنَّ المِئِينَ مَبادٍ، وهَذِهِ مَثانٍ، وأمّا المُفَصَّلُ: فَهو ما يَلِي المَثانِيَ مِن قِصارِ السُّوَرِ، وإنَّما سَمِّيَتْ مُفَصَّلًا لِقِصَرِها وكَثْرَةِ الفُصُولِ فِيها بِسَطْرِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الماوَرْدِيُّ في أوَّلِ تَفْسِيرِهِ في المُفَصَّلِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مِن أوَّلِ سُورَةٍ " مُحَمَّد " إلى آخِرِ القُرْآنِ.
قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: مِن سُورَةِ [قافْ] إلى آخِرِهِ، حَكاهُ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ.
والثّالِثُ: مِنَ [الضُّحى] إلى آخِرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنْ رَكْبًا مِن بَنِي تَمِيمٍ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أمِّرِ القَعْقاعَ بْنَ مَعْبِدٍ، وقالَ عُمَرُ: أمِّرِ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي، وقالَ عُمَرُ: ما أرَدْتُ خِلافَكَ، فَتَمارَيا حَتّى ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا ﴾ ، فَما كانَ عُمَرُ يَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ [بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ] حَتّى يَسْتَفْهِمَهُ،» رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.
والثّانِي: «أنَّ قَوْمًا ذَبَحُوا قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ أنْ يُعِيدُوا الذَّبْحَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ في كَذا وكَذا!
فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، وقَدَّمَ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: [أنَّها] نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضُّمْرِيِّ، وكانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سَلِيمٍ قَبْلَ أنْ يَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا خِلافَ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
ورَوى العَوْفِيُّ عَنْهُ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلامِهِ.
ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في هَذِهِ الآيَةِ قالَتْ: لا تَصُومُوا قَبْلَ أنْ يَصُومَ نَبِيُّكم.
ومَعْنى الآيَةِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ.
لا تَعْجَلُوا بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ قَبْلَ أنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ أوْ يَفْعَلَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ فُلانٌ يُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ وبَيْنَ يَدَيْ أبِيهِ، أيْ: يَعْجَلُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ دُونَهُ.
فَأمّا "تُقَدِّمُوا" فَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو رَزِينٍ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، ويَعْقُوبُ: بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ.
وقَرَأ الباقُونَ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ.
قالَ الفَرّاءُ: كِلاهُما صَوابٌ، يُقالُ: قَدَّمْتُ، وتَقَدَّمْتُ؛ وقالَ الزَّجّاجُ: كِلاهُما واحِدٌ؛ فَأمّا "بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ" فَهو عِبارَةٌ عَنِ الأمامِ، لِأنَّ ما بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ أمامَهُ؛ فالمَعْنى: لا تَقَدَّمُوا قُدّامَ الأمِيرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَفَعا أصْواتَهُما فِيما ذَكَرْناهُ آنِفًا في حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ.
والثّانِي: [أنَّها] نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وكانَ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ، فَرُبَّما كانَ إذا تَكَلَّمَ تَأذّى رَسُولُ اللَّهِ بِصَوْتِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الجَهْرُ بِالصَّوْتِ في المُخاطَبَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: لا تَدْعُوهُ بِاسْمِهِ: يا مُحَمَّدُ، كَما يَدْعُو بَعْضُكم بَعْضًا، ولَكِنْ قُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ويا نَبِيَّ اللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَحْبَطَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِئَلّا تَحْبَطَ.
وقالَ الأخْفَشُ: مَخافَةَ أنْ تَحْبَطَ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وقَدْ قِيلَ مَعْنى الإحْباطِ هاهُنا: نَقْصُ المَنزِلَةِ، لا إسْقاطُ العَمَلِ مَن أصْلِهِ كَما يَسْقُطُ بِالكُفْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ ﴾ تَأْلّى أبُو بَكْرٍ أنْ لا يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ إلّا كَأخِي السِّرارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي بَكْرٍ: "إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ"، والغَضُّ: النَّقْصُ كَما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا ﴾ .
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْلَصَها ﴿ لِلتَّقْوى ﴾ مِنَ المَعْصِيَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: اخْتَبَرَ قُلُوبَهم فَوَجَدَهم مُخْلِصِينَ، كَما تَقُولُ: قَدِ امْتَحَنْتُ هَذا الذَّهَبَ والفِضَّةَ، أيِ: اخْتَبَرَتَهُما بِأنْ أذَبْتَهُما حَتّى خَلَصا، فَعَلِمْتَ حَقِيقَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَبَرَها بِامْتِحانِهِ إيّاها، فاصْطَفاها وأخْلَصَها لِلتَّقْوى.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحُجُراتِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللهِ إنَّ اللهِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهِ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ كانَتْ عادَةُ العَرَبِ -وَهِيَ إلى الآنِ- الِاشْتِراكُ في الآراءِ، وأنْ يَتَكَلَّمَ كُلٌّ بِما شاءَ ويَفْعَلَ ما أحَبَّ، فَمَشى بَعْضُ الناسِ مِمَّنْ لَمْ تَتَمَرَّنْ نَفْسُهُ مَعَ النَبِيِّ عَلى بَعْضِ ذَلِكَ، قالَ قَتادَةُ: فَرُبَّما قالَ قَوْمٌ: لَوْ نَزَلَ كَذا وكَذا في مَعْنى كَذا، ولَوْ فَعَلَ اللهُ كَذا، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذا، وأيْضًا فَإنَّ قَوْمًا ذَبَحُوا ضَحاياهم قَبْلَ النَبِيِّ ، حَكاهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَوْمًا فَعَلُوا في بَعْضِ حُرُوبِهِ وغَزَواتِهِ شَيْئًا بِآرائِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ناهِيَةً عن جَمِيعِ ذَلِكَ.
وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مَسْرُوقٍ أنَّهُ قالَ: «دَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في يَوْمِ الشَكِّ، فَقالَتْ لِلْجارِيَةِ: اسْقِهِ عَسَلًا، فَقُلْتُ: إنِّي صائِمٌ، فَقالَتْ: نَهى رَسُولُ اللهِ عن صِيامِ هَذا اليَوْمِ،» وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ ﴾ ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "لا تُقَدِّمُوا": لا تَمْشُوا بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللهِ، وكَذَلِكَ بَيْنَ يَدَيِ العُلَماءِ، فَإنَّهم ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وتَقُولُ العَرَبُ: تَقَدَّمْتُ في كَذا وكَذا وتَقَدَّمْتُ فِيهِ إذا قُلْتَ فِيهِ.
وَقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "تُقَدِّمُوا" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الدالِّ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، ويَعْقُوبُ، بِفَتْحِ التاءِ والدالِ عَلى مَعْنى: لا تَتَقَدَّمُوا، وعَلى هَذا يَجِيءُ تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ في المَشْيِ، والمَعْنى عَلى ضَمِّ التاءِ: بَيْنَ يَدَيِ قَوْلِ اللهِ ورَسُولِهِ.
ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو «أنْ وفْدُ بَنِي تَمِيمٍ لَمّا قَدِمَ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أمَّرْتَ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يا رَسُولَ اللهِ بَلْ أمِّرِ القَعْقاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي، ويُرْوى: إلى خِلافِي، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أرَدْتَ خِلافَكَ، وارْتَفَعَتْ أصْواتُها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وذَهَبَ بَعْضُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "لا تُقَدِّمُوا" مَعْناهُ: لا تُقَدِّمُوا وُلاةً، فَهو مِن تَقَدُّمِ الأُمَراءِ، وعُمُومُ اللَفْظِ أحْسَنُ، أيْ: اجْعَلُوهُ مَبْدَأً في الأقْوالِ والأفْعالِ.
و"سَمِيعٌ" مَعْناهُ: لِأقْوالِكُمْ، و"عَلِيمٌ" مَعْناهُ: بِأفْعالِكم ومُقْتَضى أقْوالِكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَبِيِّ ﴾ الآيَةُ هي أيضًا في ذَلِكَ الفَنِّ المُتَقَدِّمِ، ورَوى أنَّ سَبَبَها كَلامُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما المُتَقَدِّمُ في أمْرِ الأقْرَعِ والقَعْقاعِ، والصَحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ عادَةِ الأعْرابِ في الجَفاءِ وعُلُوِّ الصَوْتِ والعنجَهِيَّةِ، «وَكانَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في صَوْتِهِ جَهارَةٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اهْتَمَّ وخافَ عَلى نَفْسِهِ وجَلَسَ في بَيْتِهِ لَمْ يَخْرُجْ وهو كَئِيبٌ حَزِينٌ، حَتّى عَرَفَ رَسُولُ اللهِ خَبَرَهُ، فَبَعَثَ فِيهِ فَآنَسَهُ وقالَ لَهُ: "امْشِ في الأرْضِ بَسْطًا فَإنَّكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ"،» وقالَ لَهُ مَرَّةً: « "أما تَرْضى أنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وتَمُوتَ شَهِيدًا"»، فَعاشَ كَذَلِكَ ثُمَّ قُتِلَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِاليَمامَةِ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ.
وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لا تَرْفَعُوا بِأصْواتِكُمْ" بِزِيادَةِ الباءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ ﴾ أيْ: كَحالِ جَهْرِكم في جَفائِهِ وكَوْنِهِ مُخاطَبَةً بِالأسْماءِ والألْقابِ، وكانُوا يَدْعُونَ النَبِيَّ : يا مُحَمَّدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى بِتَوْقِيرِهِ وأنْ يَدْعُوَهُ بِالنَبْوِهِ والرِسالَةِ والكَلامِ اللَيِّنِ، فَتِلْكَ حالَةُ المُوَقَّرِ، وكَرِهَ العُلَماءُ رَفْعَ الصَوْتِ عِنْدَ قَبْرِ النَبِيِّ وبِحَضْرَةِ العالَمِ وفي المَساجِدِ، وفي هَذِهِ كُلِّها آثارٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تَحْبَطَ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: مَخافَةَ أنْ تَحْبَطَ، والحَبْطُ: إفْسادُ العَمَلِ بَعْدَ تُقَرُّرِهِ، يُقالُ حَبِطَ بِكَسْرِ الباءِ، وأحْبَطَهُ اللهُ، وهَذا الحَبْطُ إنْ كانَتِ الآيَةُ مُعَرِّضَةٌ بِمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِخْفافًا واحْتِقارًا وجُرْأةً فَذَلِكَ كُفْرٌ والحَبْطُ: مَعَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنْ كانَ التَعْرِيضُ لِلْمُؤْمِنِ الفاضِلِ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ غَفْلَةً وجَرْيًا عَلى طَبْعِهِ فَإنَّما يُحْبِطُ عَمَلُهُ البِرَّ في تَوْقِيرِ النَبِيِّ وغَضِّ الصَوْتِ عِنْدَهُ أنْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْ تُحْبَطَ الأعْمالُ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ أنْ تَعْمَلُوها فَتُؤْجَرُوا عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ تَأْثَمُوا ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلى الوَحْشَةِ في نُفُوسِكُمْ، فَلا تَزالُ مُعْتَقَداتُكم تَتَدَرَّجُ القَهْقَرى حَتّى يُؤَوَّلَ ذَلِكَ إلى الكُفْرِ فَتُحْبَطُ الأعْمالُ حَقِيقَةً، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها مُخاطَبَةٌ لِفُضَلاءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ احْتِقارًا، وذَلِكَ أنَّهُ لا يُقالُ لِمُنافِقٍ يَعْمَلُ ذَلِكَ جُرْأةً: "وَأنْتَ لا تَشْعُرُ" لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ يَعْتَقِدُهُ هو عَمَلًا، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فَتَحْبَطَ أعْمالُكُمْ".
ثُمَّ مَدَحَ تَعالى الصِنْفَ المُخالِفَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهُمُ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ النَبِيِّ ، وغَضُّ الصَوْتِ: خَفْضُهُ وكَسْرُهُ، وكَذَلِكَ البَصَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: فَغُضَّ الطَرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ...................
ورُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما كانا بَعْدَ ذَلِكَ لا يُكَلِّمانِ رَسُولَ اللهِ إلّا كَأخِي السِرارِ، وأنَّ النَبِيَّ كانَ يَحْتاجُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى اسْتِعادَةِ اللَفْظِ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَسْمَعُهُ مِن إخْفائِهِ إيّاهُ.
و"امْتَحَنَ" مَعْناهُ: اخْتَبَرَ وطَهَّرَ كَما يُمْتَحَنُ الذَهَبُ بِالنارِ، فَيَسَّرَها وهَيَّأها لِلتَّقْوى، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: امْتُحِنَ لِلتَّقْوى: أذْهَبَ عنها الشَهَواتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَن غَلَبَ شَهْوَتَهُ وغَضَبَهُ فَذَلِكَ الَّذِي امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلتَّقْوى، وبِذَلِكَ تَكُونُ الِاسْتِقامَةُ.
<div class="verse-tafsir"
الافتتاح بنداء المؤمنين للتنبيه على أهمية ما يرد بعد ذلك النداء لتترقبه أسماعهم بشوق.
ووَصْفُهم ب ﴿ الذين آمنوا ﴾ جار مجرى اللقب لهم مع ما يؤذِن به أصله من أهليتهم لتلقي هذا النهي بالامتثال.
وقد تقدم عند الكلام على أغراض السورة أن الفخر ذكر أن الله أرشد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق، وهي إما في جانب الله أو جانب رسوله صلى الله عليه وسلم أو بجانب الفساق أو بجانب المؤمن الحاضر أو بجانب المؤمن الغائب، فهذه خمسة أقسام، فذكر الله في هذه السورة خمس مرات ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فأرشد في كل مرة إلى مكرمة مع قسم من الأقسام الخمسة إلخ، فهذا النداء الأول اندرج فيه واجب الأدب مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تعرض الغفلة عنها.
رضي الله عن والتقدم حقيقته: المشي قبل الغير، وفعله المجرد: قَدُم من باب نصر قال تعالى: ﴿ يَقْدُم قومه يوم القيامة ﴾ [هود: 98].
وحق قدم بالتضعيف أن يصير متعدياً إلى مفعولين لكن ذلك لم يرد وإنما يعدّى إلى المفعول الثاني بحرف على.
ويقال: قدَّم بمعنى تَقدم كأنه قدّم نفسه، فهو مضاعف صار غير متعد.
فمعنى ﴿ لا تقدموا ﴾ لا تتقدموا.
ففعل ﴿ لا تقدموا ﴾ مضارع قَدَّم القاصر بمعنى تقدم على غيره وليس لهذا الفعل مفعول، ومنه اشتقت مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منه وهي ضد الساقة.
ومنه سميت مقدمةَ الكتاب الطائفةُ منه المتقدمة على الكتاب.
ومادة فَعَّل تجيء بمعنى تفعّل مثل وجّه بمعنى توجّه وبَيَّن بمعنى تبيّن، ومن أمثالهم بَيّن الصبح لذي عينين.
والتركيب تمثيل بتشبيه حال من يفعل فعلاً دون إذن مِن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بحال من يتقدم مُماشِيَه في مَشيه ويتركه خلفه.
ووجه الشبه الانفراد عنه في الطريق.
والنهي هنا للتحذير إذ لم يسبق صدور فعل من أحد افتياتا على الشرع.
ويستروح من هذا أن هذا التقدم المنهي عنه هو ما كان في حالة إمكان الترقب والتمكن من انتظار ما يبرمه الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الله فيومئ إلى أن إبرام الأمر في غيبة الرسول صلى الله عليه وسلم لا حرج فيه.
وهذه الآية تؤيد قول الفقهاء: إن المكلف لا يقدِم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه.
وعدّ الغزالي العلمَ بحكم ما يُقدم عليه المكلف من قسم العلوم التي هي فرض على الأعيان الذين تعرض لهم.
والمقصود من الآية النهي عن إبرام شيء دون إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر قبله اسم الله للتنبيه على أن مراد الله إنما يعرف من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم وقد حصل من قوله: ﴿ لا تقدموا ﴾ الخ معنى اتبعوا الله ورسوله.
وسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري في «صحيحه» في قصة وفد بني تميم بسنده إلى ابن الزبير قال «قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمَّرْ عليهم القعقاع بن معبد بن زُرارة.
وقال عُمر: بل أمِّر الأقرعَ بن حابس.
قال أبو بكر: ما أردت إلاّ خلافي أو إلَى خلافي قال عمر: ما أردت خِلافك أو إلى خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما في ذلك فنزل ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ﴾ [الحجرات: 1، 2].
فهذه الآية توطئة للنهي عن رفع الأصوات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهرِ له بالقول وندائه من وراء الحجرات.
وعن الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت بسبب بَعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرية فقتلتْ بنُو عامر رجالَ السرية إلا ثلاثة نَفرٍ نَجَوا فلقُوا رجلين من بين سُليم فسألوهما عن نسبتهما فاعتزيا إلى بني عامر ظنّاً منهما أن هذا الاعتزاء أنجى لهما من شر توقعاه لأن بني عامر أعزُّ من بني سليم، فقتلوا النفر الثلاثة وسلبوهما ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال: " بئسما صنعتم كانَا من بني سليم، والسلَب ما كَسَوْتُهما " أي عرف ذلك لما رأى السلب فعَرَفه بأنه كساهما إياه وكانت تلك الكسوة علامة على الإسلام لئلا يتعرض لهم المسلمون فوادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا ﴾ الآية، أي لا تعملوا شيئاً من تلقاء أنفسكم في التصرف من الأمة إلا بعد أن تستأمروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى هذه الرواية تكون القصة جرت قبيل قصة بني تميم فقرنت آيتاهما في النزول.
وهنالك روايات أخرى في سبب نزولها لا تناسب موقع الآية مع الآيات المتصلة بها.
وأيَّا مَّا كان سبب نزولها فهي عامة في النهي عن جميع أحوال التقدم المراد.
وجعلت هذه الآية في صدر السورة مقدَّمة على توبيخ وفد بني تميم حين نادوا النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات لأن ما صدر من بني تميم هو من قبيل رفع الصوت عند النبي صلى الله عليه وسلم ولأن مماراة أبي بكر وعمرَ وارتفاع أصواتهما كانت في قضية بني تميم فكانت هذه الآية تمهيداً لقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الآية، لأن من خصه الله بهذه الحظوة، أي جعل إبرام العمل بدون أمره كإبرامه بدون أمر الله حقيق بالتهيب والإجلال أن يخفض الصوت لديه.
وإنما قدم هذا على توبيخ الذين نادوا النبي لأن هذا أولى بالاعتناء إذ هو تأديب من هو أولى بالتهذيب.
وقرأه الجمهور تقدموا } بضم الفوقية وكسر الدال مشددة.
وقرأه يعقوب بفتحهما على أن أصله: لا تتقدموا.
وقال فخر الدين عند الكلام على قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنَبإ فتبيّنوا ﴾ [الحجرات: 6] في هذه السورة: إن فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وهي: إما مع الله أو مع رسوله صلى الله عليه وسلم أو مع غيرهما من أبناء الجنس وهم على صنفين لأنهم: إما أن يكونوا على طريقة المؤمنين من الطاعة، وإمّا أن يكونوا خارجين عنها بالفسق؛ والداخل في طريقتهم: إما حاضر عندهم، أو غائب عنهم، فذكر الله في هذه السورة خمس مرات ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وأرشد بعد كل مرة إلى مكرمة من قسم من الأقسام الخمسة.
فقال أولاً: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بي يدي اللَّه ورسوله ﴾ وهي تشمل طاعة الله تعالى، وذُكر الرسول معه للإشارة إلى أن طاعة الله لا تعلم إلا بقول الرسول فهذه طاعة للرسول تابعة لطاعة الله.
وقال ثانياً: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ [الحجرات: 2] لبيان الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم لذاته في باب حسن المعاملة.
وقال ثالثاً: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ الآية للتنبيه على طريقة سلوك المؤمنين في معاملة من يعرف بالخروج عن طريقتهم وهي طريقة الاحتراز منه لأن عمله إفساد في جماعتهم، وأعقبه بآية ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ [الحجرات: 9].
وقال رابعاً ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم ﴾ [الحجرات: 11] إلى قوله: ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ [البقرة: 229] فنهى عما يكثر عدم الاحتفاظ فيه من المعاملات اللسانية التي قلّما يقام لها وزن.
وقال خامساً: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إلى قوله: تواب رحيم ﴾ [الحجرات: 12] اه.
ويريد: أن الله ذكر مثالاً من كل صنف من أصناف مكارم الأخلاق بحسب ما اقتضته المناسبات في هذه السورة بعد الابتداء بما نزلت السورة لأجله ابتداء ليكون كل مثال منها دالاً على بقية نوعه ومرشداً إلى حكم أمثاله دون كلفة ولا سآمة.
وقد سلك القرآن لإقامة أهم حُسن المعاملة طريقَ النهي عن أضدادها من سوء المعاملة لأن درء المفسدة مقدم في النظر العقلي على جلب المصلحة.
وعَطْف ﴿ واتقوا اللَّه ﴾ تكملة للنهي عن التقدم بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم ليدل على أن ترك إبرام شيء دون إذن الرسول صلى الله عليه وسلم من تقوى الله وحده، أي ضده ليس من التقوى.
وجملة ﴿ إن اللَّه سميع عليم ﴾ في موضع العلة للنهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله وللأمر بتقوى الله.
والسميع: العليم بالمسموعات، والعليم أعم وذكرها بين الصفتين كناية عن التحذير من المخالفة ففي ذلك تأكيد للنهي والأمر.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الحُجُراتِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ناسًا كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أُنْزِلَ في كَذا، لَوْ أُنْزِلَ في كَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهم نُهُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلامِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ ألّا يَقْتاتُوا عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ ضَحَّوْا قَبْلَ أنْ يُصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، فَأمَرَهم أنْ يُعِيدُوا الذَّبْحَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: لا تُقَدِّمُوا أعْمالَ الطّاعاتِ قَبْلَ وقْتِها الَّذِي أمَرَ بِهِ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ، قالَ الزَّجّاجُ.
وَسَبَبُ نُزُولِها ما حَكاهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ أنْفَذَ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ إلى بَنِي عامِرٍ فَقَتَلُوهم إلّا ثَلاثَةً تَأخَّرُوا عَنْهم فَسَلِمُوا وانْكَفَئُوا إلى المَدِينَةِ فَلَقَوْا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سُلَيْمٍ فَسَألُوهُما عَنْ نَسَبِهِما فَقالا: مِن بَنِي عامِرٍ فَقَتَلُوهُما، فَجاءَ بَنُو سُلَيْمٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ وقالُوا: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ عَهْدًا وقَدْ قُتِلَ مِنّا رَجُلانِ فَوَداهُما رَسُولُ اللَّهِ بِمِائَةِ بَعِيرٍ ونَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ في قِتْلَةِ الرَّجُلَيْنِ.
» ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ يَعْنِي في التَّقَدُّمِ المَنهِيِّ عَنْهُ.
﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِقَوْلِكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِفِعْلِكم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ قِيلَ إنَّ رَجُلَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ تَمارَيا عِنْدَهُ فارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا أُكَلِّمُكَ بَعْدَها إلّا كَأخِي السِّرارِ.
﴿ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجَهْرُ بِالصَّوْتِ.
رُوِيَ «أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شُماسٍ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ واللَّهِ لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، نَهانا اللَّهُ عَنِ الجَهْرِ بِالقَوْلِ وأنا امْرُؤٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، فَقالَ النَّبِيُّ : (يا ثابِتُ أما تَرْضى أنْ تَعِيشَ حَمِيدًا وتُقْتَلَ شَهِيدًا وتَدْخُلَ الجَنَّةَ فَعاشَ حَمِيدًا وقُتِلَ شَهِيدًا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ.
» الثّانِي: أنَّ النَّهْيَ عَنْ هَذا الجَهْرِ هو المَنعُ مِن دُعائِهِ بِاسْمِهِ أوْ كُنْيَتِهِ كَما يَدْعُو بَعْضُهم بَعْضًا بِالِاسْمِ والكُنْيَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ ﴾ ، ولَكِنْ دُعاؤُهُ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ﴾ .
﴿ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ فَتَحْبَطَ أعْمالُكم.
الثّانِي: لِئَلّا تَحْبَطَ أعْمالُكم.
﴿ وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ بِحَبْطِ أعْمالِكم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أخْلَصَها لِلتَّقْوى، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: مَعْناهُ اخْتَصَّها لِلتَّقْوى، قالَهُ الأخْفَشُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ حتى انقضت الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن ناساً كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا الوضع كذا وكذا، فكره الله ذلك وقدم فيه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أن ناساً ذبحوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا ذبحاً فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الأضاحي عن الحسن رضي الله عنه قال: ذبح رجل قبل الصلاة فنزلت.
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله في قوله: ﴿ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ قال: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم.
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أناس يتقدمون بين يدي رمضان بصيام يعني يوماً أو يومين فأنزل الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن ناساً كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور عن الضحاك أنه قرأ ﴿ لا تقدموا ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ﴾ قال: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضي الله على لسانه.
قال الحفاظ: هذا التفسير على قراءة ﴿ تقدموا ﴾ بفتح التاء والدال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ الآية، قَدَّم هاهنا: بمعنى: تقدم وهو لازم لا يقتضي مفعولاً، يدل عليه قراءة الضحاك ويعقوب: (لا تَقَدَّموا) بفتح التاء والدال من المتقدم ومعناهما واحد (١) قال الفراء: يقال قَدَمت في أمر كذا، وكذا وتقدَّمت (٢) وقال الأزهري: يقال قَدَّم يُقدِّم، وتَقدّم يَتقدّم، وأقدم يُقْدِمُ، واستَقدم يستقدم بمعنى واحد (٣) وقال أبو [عبيد] (٤) (٥) إذا حَوّل الظِّل العَشِي رأيتَه ...
حَنِيفاً وفي قَرْنِ الضُّحَى يَتَنصَّرُ (٦) واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الكلبي والسدي والمقاتلان وعطاء الخراساني: نزلت [..] (٧) (٨) - وقال: "بئسما صنعتما هما رجلان من بني سليم (٩) (١٠) (١١) وقال ابن الزبير: قدم المدينة ركب من بني تميم (١٢) -[..]، (١٣) (١٤) (١٥) وقال جابر بن عبد الله: نزلت في النهي عن الذبح يوم الأضحى قبل الصلاة، وذلك أن ناساً من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي - - فأمرهم أن ييدوا الذبح.
وهو قول الحسن (١٦) (١٧) وروى مسروق عن عائشة ا أنها نزلت في النهي عن صوم يوم الشك، قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم (١٨) وأما التفسير: فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (١٩) (٢٠) وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله بشيء حتى يقضيه الله على لسانه (٢١) (٢٢) وقال الكلبي: لا تسبقوا رسول الله - - بقول ولا فعل حتى يكون هو الذي يأمركم (٢٣) وهذه عبارات المفسرين ومعناها واحد.
(١) انظر كتاب: "التذكرة في القراءات" 2/ 689، "الدر المصون" 6/ 168.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 69.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (قدم) 9/ 49.
(٤) كذا في الأصل والصواب (عبيدة).
(٥) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 219 (٦) انظر: "ديوان ذي الرمة" ص 229، وانظر: "تهذيب اللغة" (ولى) 15/ 452، قال الأزهري: أراد تحول الظل بالعشي.
(٧) كذا في الأصل وقد سقط حرف (في).
(٨) بئر معونة: قال ابن إسحاق: (بئر معونة بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، وقال: كلا البلدين منها قريب إلا أنها إلى حرة بني سليم أقرب، وقيل: بثر معونة بين جبال يقال لها: أبْلَى في طريق المصعد من المدينة إلى مكة وهي لبني سليم)، وقال الواقدي: (بئر معونة في اْرض بني سليم وأرض بني كلاب، وعندها كانت قصة الرجيع) والله أعلم، انظر: "معجم البلدان" 1/ 302.
(٩) بنو سليم: بضم السين- قبيلة عظيمة من قيس عيلان والنسبة إليهم سلمى، وهم بنو سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس، قال الحمداني: وهم أكثر قبائل قيس، وكان لسليم من الولد بهتة ومنه جميع أولاده، قال في العبر: وكانت منازلهم في عالية نجد بالقرب من خيبر، قال: وليس لهم الآن عدد ولا بقية في بلادهم.
انظر: "نهاية الأرب" ص 271.
(١٠) أورد ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 157 أونسبه للسدي وعطاء الخراساني، وانظر: "تفسير مقاتل" 4/ 87، "تفسير الماوردي" 5/ 326 ونسبه للضحاك عن ابن عباس، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 301، "تفسير الألوسي" 26/ 133.
(١١) ذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" 10/ 157 ب.
(١٢) بنو تميم: بطن من طابخة وطابخة من العدنانية وهم بنو تميم بن مر بن أد بن طابخة، والتميم في اللغة الشديد، وكان لتميم من الولد زيد مناة وعمرو بن الحارث، قال في العبر: وكانت منازلهم بأرض نجد من هنالك على البصرة واليمامة وامتدت إلى الغري من أرض الكوفة.
انظر: "نهاية الأرب" ص 177.
(١٣) سقط من الأصل قوله: (فقال: أبو بكر أمر القعقاع بن معبد وقال عمر أمر الأقرع ابن حابس).
(١٤) أخرجه عن عبد الله بن الزبير البخاري في التفسير، باب إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون 6/ 47، والطبري 13/ 119، وأخرجه الثعلبي 10/ 157 أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 406، والبغوي 7/ 334.
(١٥) وهي التي سبقت الإشارة إليها في قصة بئر معونة وقتل الرجلين.
(١٦) أخرج ذلك الثعلبي 10/ 156 ب عن جابر بن عبد الله، وأشار أيضًا أنه اختيار الحسن البصري، ونسبه في "الوسيط" 4/ 150 لجابر، ونسبه الطبري 13/ 117، والماوردي 5/ 325، وابن الجوزي 7/ 454، والقرطبي 16/ 301 للحسن.
(١٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 31.
(١٨) أخرج ذلك الثعلبي 10/ 156 ب عن عائشة، ونسبه إليها البغوي 7/ 334، وابن الجوزي 7/ 455، وعزاه السيوطي في "الدر" 7/ 547 إلى الطبراني في الأوسط وابن مردويه، ونسبه في "الوسيط" 4/ 150 لمسروق عن عائشة.
(١٩) أخرج ذلك الطبري 13/ 116 عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ونسبه الثعلبي في "تفسيره" 10/ 156 ب لابن عباس عن علي بن أبي طلحة.
(٢٠) أخرج ذلك الطبري 13/ 116 عن ابن عباس، ونسبه الماوردي 5/ 352 لابن عباس، ونسبه ابن الجوزي 7/ 455 للعوفي، وذكره السيوطي في "الدر" 7/ 546.
ونسبه للطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس.
(٢١) انظر: "تفسير مجاهد" ص 610، وأخرجه الطبري 13/ 116، ونسبه الثعلبي 10/ 157 أ، ونسبه البغوي 7/ 334، والقرطبي 16/ 301 لمجاهد.
(٢٢) نسب هذا القول للضحاك، الثعلبي 10/ 157/ أ، والبغوي 7/ 334.
(٢٣) نسب الثعلبي 10/ 157 أهذا القول للكلبي، "تنوير المقباس" ص 515.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها لا تتكلموا بأمر قبل أن يتكلم هو به، ولا تقطعوا في أمر إلا بنظره والثاني لا تقدموا الولاة بمحضره فإنه يقدم من شاء، والثالث لا تتقدموا بين يديه إذا مشى، وهذا إنما يجري على قراءة يعقوب لا تقدموا بفتح التاء والقاف والدال، والأول هو الأظهر؛ لأن عادة العرب الاشتراك في الرأي، وأن يتكلم كل أحد بما يظهر له، فربما فعل ذلك قوم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنهاهم الله عن ذلك، ولذلك قال مجاهد: معناه لا تفتاتوا على الله شيئاً حتى يذكره على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما قال: بين يدي الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يتكمل بوحي من الله.
<div class="verse-tafsir"
" القراءات: ﴿ لا تقدّموا ﴾ بالفتحات من التقدّم: يعقوب ﴿ الحجرات ﴾ بفتح الجيم: يزيد.
﴿ إخوتكم ﴾ على الجمع: يعقوب وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ ولا تجسسوا ﴾ ﴿ ولا تنابزوا ﴾ و ﴿ لتعارفوا ﴾ بالتشديدات للإدغام: البزي وابن فليح ﴿ ميتاً ﴾ مشدّداً: أبو جعفر ونافع ﴿ يألتكم ﴾ بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وقد لا يهمز في رواية.
الآخرون: بالحذف ﴿ بما يعملون ﴾ على الغيبة: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ج ﴿ لا تشعرون ﴾ ه ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ط ﴿ والعصيان ﴾ ط ﴿ الراشدون ﴾ ه لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول له ﴿ ونعمة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أمر الله ﴾ ج لذلك ﴿ وأقسطوا ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ منهن ﴾ ج للعدول عن الغيبة إلى الخطاب ﴿ بالألقاب ﴾ ط ﴿ بعد الإيمان ﴾ ه ج لابتداء الشرط مع احتمال ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما ذكر من اللمز والنبز ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من الظن ﴾ ز للابتداء بأن إلا إنه للتعليل أي لأن ﴿ بعضاً ﴾ ج ﴿ فكرهتموه ﴾ ط ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لتعارفوا ﴾ ط ﴿ أتقاكم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ آمناً ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ أسلموا ﴾ ط ﴿ إسلامكم ﴾ ج لأن "بل" للإضراب عن الأول ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه.
التفسير: لما بين محل النبي وعلو منصبه بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ إلى آخر السورة افتتح الآن بقوله ﴿ لا تقدموا ﴾ الآية.
ففيه تأكيد لما ذكر هناك من وجوب إتباعه والإذعان له.
والأظهر أن هذا إرشاد عام.
وذكر المفسرون في أسباب النزول وجوهاً منها ماروي عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبر أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه فقال أبو بكر لرسول الله : أمّر القعقاع بن معبد وقال عمر: بل أمر الأقرع بن جابس.
فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي.
فقال عمر: ما أردت خلافك.
فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله الآية.
وقال الحسن والزجاج: نزلت في رجل ذبح الأضحية قبل الصلاة وقبل ذبح النبي فأمره بإعادتها وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن تزول الشمس.
وعند الشافعي يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة.
وعن عائشة أنها نزلت في صوم يوم الشك.
وروي أنها في القتال أي لا تحملوا على الكفار في الحرب قبل أن يأمر النبي .
وقدّم إما متعد وحذف المفعول للعموم حتى يتناول كل فعل وقول، أو ترك مفعوله كما في قوله "فلان يعطي ويمنع" لأن النظر إلى الفعل لا إلى المفعول كأنه قيل: يجب أن لا يصدر منكم تقدم أصلاً في أيّ فعل كان.
وإما لازم نحو بين وتبين بمعنى يؤيده قراءة يعقوب.
قال جار الله: حقيقة قولهم "جلست بين يدي فلان" أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله حتى ينظر إليك من غير تقليب حدقة وذكر الله للتعظيم.
وفيه أن التقديم بين يدي رسول الله كالتقديم بين يدي الله.
قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا.
وقيل: معناه لا تخالفوا كتاب الله وسنة رسوله.
وعن الحسن في رواية أخرى: لما استقر رسول الله بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدؤه بالمسألة حتى يكون هو المبتدىء ﴿ واتقوا الله ﴾ في التقديم أو أمرهم بالتقوى ليحملهم على ترك التقدمة فإن المتقي حذر عن كل ما فيه تبعة وريب ﴿ إن الله سميع ﴾ لأقوالكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم وأفعالكم.
ثم أعاد النداء عليهم مزيداً للتنبيه، وفيه نوع تفصيل بعد إجمال وتتخصيص بعد تعميم.
وعن ابن عباس أن ثابت ابن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوريّ الصوت وكان يتأذى رسول الله بصوته إذا كلمه، فحين نزلت الآية فقد ثابت فتفقده رسول الله فاعتذر بأنه رجل جهير الصوت يخاف أن تكون الآية نزلت فيه.
فقال له رسول الله : لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة.
وعن الحسن: نزلت في المنافقين كانوا يرفعون بأصواتهم فوق صوت رسول الله استخفافاً واستهانة وليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهى المؤمنون عن ذلك.
وعلى هذا فإما أن يكون الإيمان أعم من أن يكون باللسان أو به وبالقلب، وإما أن يكون الإيمان حقيقة فيكون تأديباً للمؤمنين الخلص حتى يكون حالهم بخلاف حال أهل النفاق، ويكون كلامهم لرسول الله أخفض من كلامه لهم رعاية لحشمته وصيانة على مهابته.
قوله ﴿ ولا تجهروا له بالقول كجهر ﴾ أي جهراً مثل جهر ﴿ بعضكم لبعض ﴾ قيل: تكرار للمعنى الأوّل لأجل التأكيد فإن الجهر هو رفع الصوت والجمهور على أن بين النهيين فرقاً.
ثم اختلفوا فقيل: الأول فيما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا في أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر.
والثاني فيما إذا سكت ونطقوا فنهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه فيما بينهم وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوّة.
وقيل: النهي الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهي الثاني أن لا ينادي وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضهم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم ولكن يا نبي الله يا رسول الله.
ثم علل كلاً من النهيين بقوله ﴿ أن تحبط ﴾ أي كراهة حبوط أعمالكم وذلك أن الرفع والجهر إذا كان عن استخفاف وإهانة كان كفراً محبطاً للأعمال السابقة.
والمفعول له يتعلق بالفعل الأول في الظاهر عند الكوفيين وبالعكس عند البصريين.
وجوز في الكشاف أن يقدر الفعل في الثاني مضموماً إليه المفعول له كأنهما شيء واحد ثم يصب عليهما الفعل جميعاً صباً واحداً، والمعنى أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط لأنه كان بصدد الأداء إليه فجعل كأنه سبب في إيجاده كقوله ﴿ ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ وفي قوله ﴿ وأنتم لا تشعرون ﴾ إشارة إلى أن ارتكاب المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به.
ومثله قول الحكيم: إن كلاً من الأخلاق الفاضلة والرذيلة تكون أوّلاً حالاً ثم تصير ملكة راسخة وعادة مستمرة.
ومنه قول أفلاطون: لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق وأنت لا تدري.
فالعاقل من يجتهد في الفضائل أن تصير ملكات، وفي الرذائل أن تزول عنه وهي أحوال.
قال ابن عباس: لما نزلت الآية قال أبو بكر: يا رسول الله والله ولا أكلمك إلا السرار أو كأخي السرار حتى ألقى الله فأنزل الله فيه وفي أمثاله ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ﴾ هو افتعل من المحنة وهو اختبار بليغ يقال: امتحن فلان لأمر كذا أي جرب له فوجد قوياً عليه، أو وضع الامتحان موضع المعرفة لأن تحقق الشيء باختباره فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم كائنة للتقوى فاللام متعلقة بالمحذوف كقولك: أنت لهذا الأمر.
أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف لأجل التقوى وحصولها فيها سابقة ولا حقة ﴿ لهم مغفرة ﴾ لذنوبهم ﴿ وأجر عظيم ﴾ لطاعتهم.
وفي تنكير الوعد وغير ذلك من مؤكدات الجملة تعريض بعظم ما ارتكب غيرهم واستحقاقهم أضداد ما استحق هؤلاء.
يروى أنه كان إذا قدم على رسول الله وفد أرسل إليهم أبو بكر من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار.
قال العلماء: إن النهي لا يتناول رفع الصوت الذي ليس باختيار المكلف كما مر في حديث ثابت بن قيس، ولا الذي نيط به صلاح في حرب أو جدال معاند أو إرهاب عدوّ.
ففي الحديث أنه قال للعباس ابن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: أصرخ بالناس وكان العباس أجهر الناس صوتاً.
وفيه قال نابغة بني جعدة: زجر أبي عروة السباع إذا *** أشفق أن يختلطن بالغنم وأبو عروة كنية العباس.
زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيشق مرارة السبع في جوفه.
ويروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس يا صباحاه فأسقطت الحوامل لشدّة صوته.
ثم علمهم أدباً أخص فقال: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ أي من جانب البر والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض.
والحجرة البقعة التي يحجرها المرء لنفسه كيلا يشاركه فيها غيره من الحجر وهو المنع "فعلة" بمعنى مفعولة، وجمعت لأن كلاً من أمهات المؤمنين لها حجرة.
روي أن وفداً من بني تميم قدم على النبي وهم سبعون رجلاً منهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن.
فدخلوا المسجد ونادوا النبي من خارج حجراته كأنهم تفرقوا على الحجرات أو أتوها حجرة فنادوه من ورائها أو نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالاً له .
والفعل وإن كان مستنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم لأن رضا الباقين به كالتولي له.
وحكى الأصم أن الذي ناداه عيينة والأقرع قالا: أخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين منا شين.
فتأذى رسول الله من ذلك فخرج إليهم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين.
فقال لهم: فيم جئتم؟
فقالوا: جئنا بخطيبنا وشاعرنا نفاخرك ونشاعرك.
فقال: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا.
فقام خطيبهم فخطب وقام شاعرهم وأنشد فأمر النبي ثابت بن قيس فقام وخطب وأمر حساناً فقام وأنشد.
فلما فرغوا قام الأقرع وقال: والله ما أدري ما هذا، تكلم خطيبنا وكان خطيبهم أحسن قولاً، وأنشد شاعرنا وكان شاعرهم أشعر.
ثم دنا من رسول الله وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله.
وعن زيد بن أرقم أنهم قالوا: نمتحنه فإن يكن ملكاً عشنا في جنابه، وإن يكن نبياً كان أولى بأن نكون أسعد الناس به.
وقيل: إنهم وفدوا شافعين في أسرى بني العنبر.
أما إخبار الله عنهم بأن أكثرهم لا يعقلون فإما لأن الأكثر أقيم مقام الكل على عادة الفصحاء كيلا يكون الكلام بصدد المنع، وإما لأن الحكم بقلة العقلاء فيهم عبارة عن العدم فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم، وإما لأن فيهم من رجع وندم على صنيعه فاستثناه الله .
وإنما حكم عليهم بعدم العقل لأنهم يعقلوا أن هذا النحو من النداء خارج عن قانون الأدب ومنبىء عن عدم الوقار والأناة لا سيما في حق النبي فإنه لم يكن يحتجب عن الناس إلا عند الخلوة والاشتغال بمهامّ أهل البيت فلذلك قال ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج ﴾ وفائدة قوله ﴿ إليهم ﴾ أنه لو خرج لا لأجلهم لزمهم الصبر إلى أن يكون خروجه إليهم لأجلهم ﴿ لكان ﴾ الصبر ﴿ خيراً لهم ﴾ في دينهم وهو ظاهر وفي دنياهم بأن ينسبوا إلى وفور العقل وكمال الأدب.
وقيل: بإطلاق أسرائهم جميعاً فقد روي أن النبي أطلق النصف وفادى النصف ﴿ والله غفور ﴾ مع ذلك لمن تاب ﴿ رحيم ﴾ في قبول التوبة.
سئل رسول الله عن وفد بني تميم فقال: إنهم جفاة بني تميم ولولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم.
ويحكى عن أبي عبيدة وهو المشهور بالعلم والزهادة وثقة الرواية أنه قال: ما وقفت بباب عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه.
ثم أرشدهم إلى أدب آخر فقال ﴿ يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ﴾ وقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله إلى بني المصطلق مصدقاً وكان بينهما إحنة، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم خافهم فرجع فقال: إن القوم هموا بقتلي ومنعوا صدقاتهم.
فهم النبي بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فاتهمهم النبي وقال: لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.
وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع.
قال جار الله: في تنكير الفاسق والنبأ عموم كأنه قيل: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ فتوقفوا فيه واطلبوا البيان لأن من لا يتجافى جنس الفسوق ولا يتجافى بعض أنواعه الذي هو الكذب.
والفسوق الخروج عن الشيء والانسلاخ منه فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه "فقست البيضة" إذا كسرتها وأخرجت ما فيها.
ومن تقاليبه أيضاً "قفست الشيء" بتقديم القاف إذا أخرجته من يد مالكه غصباً.
والنبأ الخبر الذي يعظم وقعه.
واختبر لفظة "إن" التي هي للشك دون "إذا" تنبيهاً على أنه ومن معه بمنزلة لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب إلا على سبيل الفرض والندرة، فعلى المؤمنين أن يكونوا بحيث لا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور.
ثم علل التبين بقوله ﴿ أن تصيبوا ﴾ أي كراهة إصابتكم ﴿ قوماً ﴾ حال كونكم جاهلين بحقيقة الأمر.
والندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك متمنياً أنه لم يقع ولا يخلو من دوام وإلزام.
ومن مقلوباته "أدمن الأمر" إذا دام عليه.
ومدن بالمكان أقام به.
قال الأصوليون من الأشاعرة: إن خبر الواحد العدل يجب العمل به لأن الله أمر بالتبيين في خبر الفاسق، ولو تبينا في خبر العدل لسوّينا بينهما.
وضعف بأنه من باب التمسك بالمفهوم.
واتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لأن باب الشهادة أضيق من باب التمسك بمفهوم الخبر.
وأكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله فصار فاسقاً بكذبه.
وقيل: إن الوليد لم يقصد الكذب ولكنه ظن حين اجتمعوا لإكرامه أن يكونوا هموا بقتله.
ولقائل أن يقول: لفظ القرآن وسبب النزول يدل على خلافه.
نعم لو قيل: إنه تاب بعد ذلك لكان له وجه ثم أرشدهم إلى أمر آخر قائلاً ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله ﴾ وليس هذا الأمر مقصوداً بظاهره لأنه معلوم مشاهد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وإنما المراد ما يستلزم كونه فيهم كما يقال من يغلط في مسألة أو يقول فيها برأيه: أعلم أن الشيخ حاضر.
ثم قيل: المراد لا تقولوا الباطل والكذب فإن الله يخبره ويوحي إليه.
وقيل: أراد أن الرأي رأيه فلا تعدوا رأيه وقد صرح بهذا المعنى في قوله ﴿ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ لوقعتم في العسر والمشقة والحرج لأنه أعلم منكم بالحنيفية السهلة السمحاء، ومن جملة ذلك قصة الوليد فإنه لو أطاعه وقبل قوله لقتل وقتلتم وأخذ المال وأخذتم فاتهمتهم.
قال جار الله: الجملة المصدّره بلو ليس كلاماً مستأنفاً لاختلال النظم حينئذ ولكنها حال من أحد الضميرين في ﴿ فيكم ﴾ وهو المستتر المرفوع أو البارز المجرور.
والمعنى أن فيكم رسول الله على حالة يجب تغييرها وهي أنكم تطلبون منه اتباع آرائكم.
قلت: قد ذكرنا في وجه النظم بياناً آخر.
ثم قال: فائدة تقدير خبر "أن" هو أن يعلم أن التوبيخ ينصب إلى هذا الغرض.
وفائدة قوله ﴿ يطيعكم ﴾ بلفظ الاستقبال الدلالة على ما أرادوه من استمرار طاعته لهم وأنه لا يخالفهم في كثير مما عنّ لهم من الآراء والأهواء.
وفي قوله ﴿ في كثير من الأمر ﴾ مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضاً تعليم حسن وتأديب جميل في باب التخاطب.
ويمكن أن يكون إشارة إلى تصويب رأي بعضهم لا إلى تصويب بعض رأيهم فقد قيل: إن بعضهم زينوا لرسول الله الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وبعضهم كانوا يرون التحلم عنهم إلى أن يتبين أمرهم، وقد أشار إلى هذا البعض بقوله ﴿ ولكن الله حبب إليكم الأيمان ﴾ أي إلى بعضكم وإلا لم يحسن الاستدراك يعني بـ ﴿ لكن ﴾ فإن من شرطه مخالفة ما بعده لما قبله.
فلو كان المخاطبون في الطرفين واحداً لم يكن للاستدراك معنى بل يؤدّي إلى التناقض لأنه يكون قد أثبت لهم في ثاني الحال محبة الإيمان وكراهة العصيان، وذكر أوّلاً أنه توجب إجابتهم الوقوع في العنت.
قال أهل اللغة: الطاعة موافقة الداعي غير أن المستعمل في حق الأكابر الإجابة، وفي حق الأصاغر الطاعة، وقد ورد القرآن على أصل اللغة.
استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ على مسألة خلق الأفعال.
وحملها المعتزلة على نصب الأدلة أو اللطف والتوفيق أو الوعد والوعيد.
والمعنى ولكن الله حبب إليكم الإيمان فأطعتموه فوقاكم العنت والكفر واضح.
وأما الفسوق والعصيان فقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.
ويحتمل أن يكون الكفر مقابل التصديق بالجنان، والفسوق مقابل الإقرار باللسان لأن الفسق ههنا أمر قولي بدليل قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ سماه فاسقاً لكذبه والعصيان مقابل العمل بالأركان ﴿ أولئك ﴾ البعض المتبينون ﴿ هم الراشدون ﴾ وهذه جملة معترضة.
وقوله ﴿ فضلاً من الله ونعمة ﴾ كل منهما مفعول له والعامل فيهما ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ ويجوز أن يكونا منصوبين عن الراشدين لأن الرشد عبارة عن التحبيب والتكريه المستندين إلى الله، فكأن الرشد أيضاً فعله فاتحد الفاعل في الفعل والمفعول له بهذا الاعتبار.
ويجوز أن يكونا مصدرين من غير لفظ الفعل وهو الرشد فكأنه قيل: فأولئك هم الراشدون رشداً لأن رشدهم إفضال وإنعام منه.
قال بعض العلماء: الفضل بالنظر إلى جانب الله الغنيّ، والنعمة بالنظر إلى جانب العبد الفقير ﴿ والله عليم ﴾ بأحوال الخلق وما بينهم من التمايز والتفاضل ﴿ حكيم ﴾ في تدابيره وأفضاله وأنعامه.
ثم علمهم حكماً آخر.
في الصحيحين عن أنس أنه قيل لرسول الله : يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبيّ.
فانطلق إليه على حمار وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فبال الحمار فقال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك.
فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله فيهم ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ جمع لأن الطائفتين في معنى القوم، أو الناس، أو لأن اقل الجمع اثنان فرجع إليهم رسول الله فأصلح بينهم.
وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا.
وقال ابن بحر: القتال لا يكون بالنعال والأيدي وإنما هذا في المنتظر من الزمان.
والطائفة الجماعة وهي أقل من الفرقة لقوله ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ وارتفاعها بمضمر دل عليه ما بعده أي إن اقتتلت طائفتان واختير "أن" دون "إذا" مع كثرة وقوع القتال بين المؤمنين ليدل على أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادراً وعلى سبيل الفرض والتقدير، ولهذه النكتة بعينها قال ﴿ طائفتان ﴾ ولم يقل "فريقان" تحقيقاً للتقليل كما قلنا.
وفي تقديم الفاعل على الفعل إشارة أيضاً إلى هذا المعنى لأن كونهما طائفتين مؤمنين يقتضي أن لا يقع القتال بينهما ولهذا اختير المضيّ في الفعل ولم يقل يقتتلون لئلا ينبىء عن الاستمرار.
وفيه أيضاً من التقابل ما فيه.
وإنما قدم الفعل في قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ ليعلم أن المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الجائي به فاسقاً سواء كان قبل ذلك فاسقاً أم لا، ولو أخر الفعل لم تتناول الآية إلا مشهور الفسق قبل المجيء بالنبأ.
قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ اقتتلوا ﴾ على الجمع ولم يقل "فأصلحوا بينهم" لأن عند القتال يكون لكل منهم فعل برأسه، أما عند العود إلى الصلح فإنه تتفق كل طائفة وإلا لم يتحقق الصلح فكان كل من الطائفتين كنفس واحدة فكانت التثنية أقعد.
والبغي الاستطالة وإباء الصلح، والفيء الرجوع وبه سمي الظل لأنه يرجع بعد نسخ الشمس، أو لأن الناس يرجعون إليه، والغنيمة لأنها ترجع من الكفار إلى المسلمين.
ومعنى قوله ﴿ إلى أمر الله ﴾ قيل: إلى طاعة الرسول أو من قام مقامه من ولاة الأمر بقوله ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ وقيل: إلى الصلح لقوله ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ وقيل: إلى أمر الله بالتقوى فإن من خاف الله حق خشيته لا تبقى له عداوة إلا مع الشيطان.
وإنما قال ﴿ فإن بغت ﴾ ولم يقل "فإذا" بناء على أن بغي إحداهما مع صلاح الأخرى كالنادر، وكذا قوله ﴿ فإن فاءت ﴾ لأن الفئة الباغية مع جهلها وعنادها وإصرارها على حقدها كالأمر النادر نظيره قول القائل لعبده: "إن مت فأنت حر".
مع أن الموت لا بد منه وذلك لأن موته بحيث يكون العبد حياً باقياً في ملكه غير معلوم.
واعلم أن الباغية في اصطلاح الفقهاء فرقة خالفت الإمام بتأويل باطل بطلاناً بحسب الظن لا القطع، فيخرج المرتد لأن تأويله باطل قطعاً، وكذا الخوارج وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أتى بكبيرة ويسبون بعض الأئمة.
وهكذا يخرج مانع حق الشرع لله أو للعباد عناداً لأنه لا تأويل له.
ولا بد أن يكون له شوكة وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفه ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفراداً يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي.
والأكثرون على أن البغاة ليسوا بفسقه ولا كفرة لقوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ وعن عليّ : إخواننا بغوا علينا ولكنهم يخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل كما وقع للخارجة عن عليّ حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص لمواطأته إياهم.
وكما قال مانعو الزكاة لأبي بكر: أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا وصلاة غير النبي ليست بسكن لنا.
واتفقوا على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين للحديث المشهور "إن عماراً تقتله الفئة الباغية" وقد يقال: إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما قبل البغي كقوله { ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ والمرتد ليس بمؤمن بالاتفاق.
أما الذي يتلفه العادل على الباغي وبالعكس في غير القتال فمضمون على القاعدة الممهدة في قصاص النفوس وغرامة الأموال، وأما في القتال فلا يضمن العادل لأنه مأمور بالقتال ولا الباغي على الأصح، لأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة والتابعين لم يطلب بعضهم بعضاً بضمان نفس ومال، ولأنه لو وجبت الغرامة لنفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة.
والأموال المأخوذة في القتال تردّ بعد انقضاء الحرب إلى أربابها من الجانبين.
والمراد من متلف القتال ما يتلف بسبب القتال ويتولد منه هلاكه حتى لو فرض إتلاف في القتال من غير ضرورة القتال كان كالإتلاف في غير القتال، والذين لهم تأويل بلا شوكة لزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال وإن كان على صورة القتال، وحكمهم حكم قطاع الطريق إذا قاتلوا، ولو أسقطنا الضمان لأبدت كل شرذمة من أهل الفساد تأويلاً وفعلت ما شاءت وفي ذلك إبطال السياسات، ولهذه النكتة قرن بالإصلاح.
والثاني قوله ﴿ بالعدل ﴾ لأن تضمين الأنفس والأموال يحتاج فيه إلى سلوك سبيل العدل والنصفة لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة مرة أخرى.
واحتج الشافعي لوجوب الضمان إذا لم يكن قتال بأن ابن ملجم قتل علياًَ زاعماً أن له شبهة وتأويلاً فأمر بحبسه وقال لهم: إن قتلتم فلا تمثلوا به فقتله الحسن بن علي وما أنكر عليه أحد.
وأما الذين لهم شوكة ولا تأويل فالظاهر عند بعضهم نفي الضمان وعند آخرين الوجوب.
وأما كيفية قتال الباغين فإن أمكن الأسر لم يقتلوا، وإن أمكن الإثخان فلا يذفف عليه كدفع الصائل إلا إذا التحم القتال وتعسر الضبط.
قوله ﴿ وأقسطوا ﴾ أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما أمر به في إصلاح ذات البين، قال أهل اللغة: القسط بالفتح والسكون الجور من القسط بفتحتين وهو اعوجاج في الرجلين.
وعود قاسط يابس، والقسط بالكسر العدل والهمزة في أقسط للسلب أي أزال القسط وهو الجور.
وحين بين إصلاح الخلل الواقع بين الطائفتين أراد أن يبين الخلل الواقع بين اثنين بالتشاتم والسباب ونحو ذلك فقال ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ أي حالهم لا يعدوا الأخوة الدينية إلى ما يضادّها ﴿ فأصحلوا بين أخويكم ﴾ بإيصال المظلوم إلى حقه وبدفع إثم الظلم عن الظالم.
والتثنية بحسب الأغلب، ويحتمل أن يقال: إنه شامل لما دون الطائفتين.
روي أن النبي قال "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره ثم قال احفظوا ولا يحفظ منكم إلى قليل" ﴿ واتقوا الله ﴾ في سائر الأبواب راجين أن يرحمكم ربكم.
ثم شرع في تأديبات آخر.
والقوم الرجال خاصة لقيامهم على الأمور.
قال جمهور المفسرين: إن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر وكان إذا أتى رسول الله أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول.
فجاء يوماً وقد أخذ الناس مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا.
فقال له رجل: أصبت مجلساً فاجلس.
فجلس ثابت مغضباً ثم قال للرجل: يا فلان ابن فلانه يريد أمّاً كان يعير بها في الجاهلية فسكت الرجل استحياء فنزلت.
وقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله من وراء الحجرات واستهزؤا بالفقراء.
وقيل: في كعب بن مالك قال لعبد الله: يا أعرابي.
فقال له عبد الله: يا يهودي.
وقيل: نزلت ﴿ ولا نساء من نساء ﴾ في عائشة وقد عابت أم سلمة بالقصر.
ويروى أنها ربطت حقويها بثوب أبيض وأسدلت طرفها خلفها وكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذات تجر خلفها كأنه لسان كلب.
وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حييّ أتت رسول الله فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين.
فقال لها رسول الله : هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد.
وتنكير القوم والنساء للبعضية أو لإفادة الشياع.
وإنما لم يقل "رجل من رجل ولا امرأة من امرأة " زيادة للتوبيخ وتنبيهاً على أن السخرية قلما تصدر عن واحد ولكن ليشاركه في ذلك جمع من الحاضرين لأن ميل الطباع لى التلهي والدعابة والازدراء بالضعفاء وأهل السآمة أكثريّ.
وإنما لم يقل "رجل من امرأة" وبالعكس لأن سخرية الجنس من الجنس أكثر فاقتصر على ذلك والباقي فيه بالأولى.
وقوله ﴿ عسى أن يكونوا ﴾ كلام مستأنف ينبىء عن سبب النهي.
عن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلباً.
قوله ﴿ ولا تلمزوا ﴾ تأديب آخر واللمز الطعن باللسان.
والمعنى حضوا أنفسكم بالانتهاء عن الطعن في أمثالكم من أهل هذا الدين ولا عليكم أن تعيبوا غير أهل دينكم.
قيل: اللمز والسب خلف الإنسان، والهمز العيب في وجهه الإنسان.
وقيل: بل الأمر بالعكس لأن من تقاليب همز هزم، وهو يدل على البعد، ومن مقلوب اللمز اللزم وهو يدل على القرب فيشمل العيب بالإشارة أيضاً.
قوله ﴿ ولا تنابزوا ﴾ تأديب آخر والنبز بالسكون القذف بالمكروه من الألقاب، واللقب من الأعلام ما دل على مدح أو ذم، والنبز بالفتح اللقب القبيح فهو أخص من اللقب كما أن اللقب أخص من العلم.
وإنما قال ﴿ ولا تنابزوا ﴾ ولم يقل ولا تنبزوا على منوال ﴿ ولا تلمزوا ﴾ لأن النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالباً فمن ينبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلاً ولا كذلك اللمز فإن الملموز كثيراً ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء فيقع اللمز من جانب واحد فقط.
ثم أكد النهي عن التنابز بقوله ﴿ بئس الاسم ﴾ أي الذكر ﴿ الفسوق ﴾ وفي قوله ﴿ بعد الإيمان ﴾ وجوه أحدها: استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول "بئس الشأن الصبوة بعد الشيخوخة" أي معها.
وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه.
وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة "بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة" فمعنى بعد الإيمان بدلاً عن الإيمان ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما نهي عنه ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ فيه تأديب آخر.
ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب.
وإنما قال ﴿ كثيراً ﴾ ولم يقل الظن مطلقاً لأن منه ما هو واجب كحسن الظن بالله وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي بي" قال النبي "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" وقال "إن حسن الظن من الإيمان" ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن بالله وبأهل الصلاح.
عن النبي "إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " وهو الذي أمر في الآية باجتنابه.
ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة بقوله "من الحزم سوء الظن" وعن النبي "احترسوا من الناس بسوء الظن" ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية.
قال أهل المعاني: إنما نكر ﴿ كثيراً ﴾ ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ ولو عرّف لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه.
والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه.
تأديب آخر ﴿ ولا تجسسوا ﴾ وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث عنه كقوله ﴿ فتحسسوا من يوسف وأخيه ﴾ فبالجيم تفعل من الجس، وبالحاء من الحس.
قال مجاهد: معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله.
عن النبي أنه قال في خطبته "يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لاتتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته" وهذا الأدب كالسبب لما قبله.
فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضاً.
تأديب آخر ﴿ ولا يغتب ﴾ يقال غابه واغتابه بمعنى، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب بظهر الغيب، وسئل رسول الله عنها فقال "أن تذكر أخاك بما يكره فإن كنت صادقاً اغتبته وإن كانت كاذباً فقد بهته" ثم مثل ما يناله المغتاب من عرض صاحبه على أفظع وجه فقال ﴿ أيحب ﴾ إلى آخره.
وفيه أنواع من المبالغة منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه، ومنها إسناد الفعل إلى ﴿ أحدكم ﴾ ففيه إشعار بأنه لا أحد يحب ذلك، ومنها تقييد المكروه بأكل لحم الإنسان، ومنها تقييد الإنسان بالأخ، ومنها جعل الأخ أو اللحم ميتاً ففيه مزيد تنفير للطبع.
وإنما مثل بالأكل لأن العرب تقول لمن ذكر بالسوء إن الناس يأكلون فلاناً ويمضغونه، وفلان مضغة للماضغ.
شبهوا إدارة ذكره في الفم بالأكل.
والميت لمزيد التنفير كما قلنا، أو لأن الغائب كالميت من حيث لا يشعر بما يقال فيه.
أما الفاء في قوله ﴿ فكرهتموه ﴾ ففصيحة أو نتيجة لأنها للإلزام أي بل عافته نفوسكم فكرهتموه.
أو فتحققت بوجوب الإقرار وبحكم العقل وداعي الطبع كراهتكم للأكل أو اللحم أو الميت فليتحق أيضاً أن تكرهوا لما هو نظيره وهي الغيبة.
وقال ابن عباس: هي إدام كلاب الناس.
وعنه أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوماً فبعثاه إلى رسول الله فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة "لبئر من آبار مكة" لغار ماؤها.
فلما راحا إلى رسول الله قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟
فقالا: ما تناولنا لحماً.
فقال: إنكما قد اغتبتما فنزلت.
قلت: قد تبين في الحديث أن في الآية مبالغة أخرى وهي أنه أراد باللحم الميت المدوّد المنتن المخضر، وقد عبر رسول الله بالأمر الحسي عن الأمر المعنوي الذي أدركه بنور النبوّة منهما.
واعلم أن الغيبة وإن كانت منهية إلا أنها مباحة في حق الفاسق.
ففي الحديث "اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس" وروي "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واتقوا الله فيما نهاكم وتوبوا فيما وجد منكم " .
وحين علم المؤمنين تلك الآداب الجميلة عمم الخطاب منعاً من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.
قال بعض الرواة: "إن ثابت بن قيس حين قال فلان ابن فلانة قال النبي : من الذاكر فلانة؟
فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله.
فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟
قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر.
قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين" ، فأنزل الله هذه الآية.
وعن مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي بلالاً حتى أذن على ظهر الكعبة فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم.
وقال الحرث بن هشام: أما وجه محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناَ.
وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيره.
وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء.
فأتى جبريل فأخبره.
وأقول: الآية تزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء.
ويروى أن رسول الله رأي في سوق المدينة غلاماً أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف النبي : فاشتراه رجل وكان رسول الله يراه عند كل صلاة ففقده يوماً فسأل عنه صاحبه فقال: محموم.
فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقيل: هو في ذمائه.
فجاءه وتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت.
وقوله ﴿ من ذكر وأنثى ﴾ فيه وجهان: أحدهما من آدم وحوّاء فيدل على أنه لا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، والثاني كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين كالذباب والذئاب مثلاً، لكن التفاوت بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين، لأن الكافر كالأنعام بل أضل، والمؤمن هو الناس وغيره كالنسناس.
والحاصل أن الشيء إما أن يترجح على غيره بأمر يلحقه ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله.
وهذا القسم إما أن يرجع إلى القابل أو إلى الفاعل كما يقال "كان هذا من النحاس وهذا من الفضة وهذا عمل فلان" فذكر الله أنه لا ترجح بحسب الأصل القابل لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا بحسب الفاعل فإن الله هو خالقكم.
فإن كان تفاوت فبأمور لاحقة وأحقها بالتمييز هو التقوى لما قلنا، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح لشيء منها فاسق وإن كان قرشي النسب قارونيّ النشب.
ثم بين الحكمة التي من أجلها رتبهم على شعوب وقبائل وهي أن يعرف بعضهم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه فقال ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾ أي ليقع بينكم التعارف بسبب ذلك لا أن تتفاخروا بالأنساب.
وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب.
وقال جار الله: الشعب بالفتح الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب.
أوّلها شعب وهي أعم سمي بذلك لأن القبيلة تنشعب منها، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة وهي الأخص مثال ذلك: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.
فائدة: لا ريب أن الخلق يستعمل في الأصول أكثر، والجعل يستعمل فيما يتفرع عليه، ولهذا قال ﴿ خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ﴾ وقال في الآية ﴿ خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل ﴾ ولكنه قال في موضع آخر ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ فبين أن الأصل في الخلق والغرض الأقدم هو العبادة ليعلم منه أن اعتبار النسب وغيره مؤخر عن اعتبار العبادة فلهذا قال ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وفيه معنيان: أحدهما أن التقوى تفيد الإكرام عند الله.
والثاني أن الإكرام في حكم الله يورث التقوى والأول أشهر كما يقال "ألذ الأطعمة أحلاها" أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة.
عن النبي صلى الله عيله وسلم أنه طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها.
يا أيها الناس إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم قرأ الآية" وعنه "من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله" قال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى.
﴿ إن الله عليم ﴾ بظواهركم ﴿ خبير ﴾ ببواطنكم وحق مثله أن يخشى ويتقى.
وحين حث عموم الناس على تقواه وبخ من في إيمانه ضعف.
قال ابن عباس: إن نفراً من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طريق المدينة بالقذاة، وأغلوا أسعارها وكانوا يقولون لرسول الله : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله هذه الآيات.
أي قالوا آمنا بشرائطه فأطلع الله نبيه على مكنون ضمائرهم وقال: لن تؤمنوا إيماناً حقيقياً وهو الذي وافق القلب فيه اللسان.
﴿ ولكن قولوا أسلمنا ﴾ يعني إسلاماً لغوياً وهو الخضوع والانقياد خوفاً من القتل ودخولاً في زمرة أهل الإيمان والسلم.
ثم أكد النفي المذكور بقوله ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ وفيه فائدة زائدة هي أن يعلم أن الإيمان متوقع منهم لأن "لما" حرف فيه توقع وانتظار.
ثم حثهم على الطاعة بقوله ﴿ وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم ﴾ أي لا ينقصكم ﴿ من ﴾ ثواب ﴿ أعمالكم شيئاً ﴾ يعني الثواب المضاعف الموعود في نحو قوله ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ألت يألت بالهمز إذا نقص وهي لغة غطفان.
يقال ألته السلطان حقه أشدّ الألت.
ولغة أسد وأهل الحجاز لأته ليتاً.
وقال قطرب: ولته يلته بمعنى صرفه عن وجهه.
فيكون ﴿ يلتكم ﴾ على وزن "يعدكم"، وعلى الوجه المتقدم على وزن "يبعكم".
﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ لمن تاب وأخلص نيته.
ثم وصف المؤمنين المحقين بقوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم لم يرتابوا ﴾ كما في قوله ﴿ ربنا الله ثم استقاموا ﴾ وارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة أي ثم لم يقع في قلوبهم شك فيما آمنوا به ولا إتهام لمن صدّقوه وذلك بتشكيك بعض شياطين الجن والإنس.
وقال جار الله: وجه آخر لما كان زوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان تنبيهاً على مزيته وإشعاراً بأنهم مستقرون على ذلك في الأزمنة المتطاولة غضاً جديداً.
وفي قوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ تعريض بأن المذكورين أولاً كاذبون ولهذا قال ﴿ قل لم تؤمنوا ﴾ إشارة إلى كذبهم في دعواهم ورب تعريض لا يقاومه التصريح.
ثم أراد تجهيلهم بقوله ﴿ قل أتعلمون الله بدينكم ﴾ والباء قيل للسببية والأظهر أنه الذي في قولهم ما علمت بقدومك أي ما شعرت ولا أحطت به.
وذكر في أسباب النزول أنه لما نزلت الآية الأولى جاءت هؤلاء الأعراب وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية.
والاستفهام للتوبيخ أي كيف تعلمونه بعقيدتكم وهو عالم بكل خافية والتعليم إفادة العلم على التدريج والمعالجة؟
وقيل: تعريض من لا يعلم بإفهام المعنى لأن يعلم قوله ﴿ يمنون عليك ﴾ نزلت في المذكورين وفي أمثالهم.
يقال: منّ عليه صنعه إذا اعتدّه عليه منة وإنعاماً.
قال أهل العربية: اشتقاق المنة من المن الذي هو القطع لأنه إنما يسدي النعمة إليه ليقطع بها حاجته لا غير من غير أن يعمل لطلب مثوبة وعوض.
ثم قال ﴿ بل الله يمن عليكم ﴾ حيث هداكم للإيمان الذي ادّعيتموه.
وفي إضافة الإسلام إليهم ازدراء بإسلامهم، وفي إيراد الإيمان مطلقاً غير مضاف إشارة إلى الإيمان المعهود الذي يجب أن يكون المكلف عليه.
وجواب الشرط محذوف أي ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في ادعاء الإيمان الحقيقي فلله المنة عليكم.
ثم عرض بأنهم غير صادقين فقال ﴿ إن الله يعلم ﴾ الآية والمراد أنه لا يخفي عليه ضمائرهم والله أعلم بالصواب.
قوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قال بعضهم: إن أبا بكر وعمر - ما - اختلفا في شيء يحضره رسول الله فارتفعت أصواتهما، فنزل قوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر من قوله: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ ﴾ .
وذكر عن الحسن في قوله - -: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: لا تذبحوا قبل ذبح النبي يوم النحر، وذلك أن ناساً من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي يوم النحر.
وقال قتادة ذكر لنا أن رجالا كانوا يقولون: لو أنزل كذا وكذا، أو صنع كذا وكذا، فنزلت هذه الآية، وأمرهم ألا يسبقوا نبيه بقول ولا عمل حتى يبين الله - - بيانه، وأمثال ذلك قد قالوا، والله أعلم.
وأصل ذلك عندنا من قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية، أي: يأيها الذين آمنوا اعلما أن لله الخلق والأمر، ولا تقدموا أمراً، ولا قولا، ولا فعلا، ولا حكماً، ولا نهياً سوى ما أمر الله - - به ورسوله وغير ما نهى عنه؛ بل اتبعوا أمره ونهيه، وراقبوه على ما آمنتم به وأقررتم بأن له الخلق والأمر، فاحفظوا أمره ونهيه، ولا تخالفوه ولا رسوله في شيء من الأمر والنهي، فهذا يدخل فيه كل شيء وكل أمر من القول، والفعل، والقضاء، والحكم، والذبح، وغير ذلك؛ على ما ذكرنا من إيمانهم بأن له الخلق والأمر في الخلق؛ إذ مثل هذا الخطاب لو كان لواحد خاص لكان حكمه يلزم الكل، وكذلك لو كان في أمر واحد وفعل واحد كان يدخل في ذلك جميع الأمور، فكيف والخطاب بذلك عام مطلق؟!
فهو للكل، وفي كل الأمور، والله الموفق.
وعلى ذلك ما روي عن مسروق أنه دخل على عائشة - ا - فأمرت الجارية أن تسقيه، فقال: إني صائم - وهو اليوم الذي يشك فيه - فقالت له: قد نهى عن هذا، وتلت قوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ في صيام ولا غيره.
اعتبرت عائشة - ا - عموم الآية في النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله ومخالفة النبي في [كل] قول أو فعل.
وكذلك روي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال في قوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: اتقوا مخالفة أمر الله ونهيه قولا وفعلا، واتقوا مخالفة رسوله فيما يأمركم بأمر الله ونهيه، وفي كل ما دعاكم إليه ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لأقوالكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بأفعالكم وأعمالكم، ولا قوة إلا بالله.
ثم لم يفهموا مما ذكر في قوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ الجوارح ولا العدد في اليد كما فهموا من ذلك في الخلق، فما بالهم يفهمون ذلك من قوله: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ﴾ أي: خلقته على علم مني بما يكون منه [من] خلاف أو معصية، لم أخلقه عن جهل بما يكون منه، وهو ما ذكر في قوله - -: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ و ﴿ خَبِيرٌ ﴾ ، أي: عن علم بأحوالهم وما يكون منهم أنشأهم لا عن جهل بذلك، فعلى ذلك هذا، كما فهموا من قوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ ﴾ أمر الله ونهيه دون الجوارح والعدد، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ لِبَعْضٍ ﴾ قال بعضهم: إن الآية نزلت في أبي بكر وعمر - ما - اختلفا في شيء بحضرة النبي فارتفعت أصواتهما.
وقال بعضهم: إنها نزلت في قوم كانوا إذا سئل النبي عن شيء قالوا فيه قبل قول النبي .
وعندنا: لا يحتمل أن يكون من رفع الصوت فوق صوت رسول الله والجهر بالقول له، وما ذكر من التقدم بين يدي رسول الله في الأمر والنهي أن يكون الخطاب بذلك للذين صحبوا رسول الله واتبعوا أمره ونهيه؛ إذ لا يحتمل منهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته ويجهروا له بالقول أو يقدموا بين يديه في أمر ولا نهي إلا عن سهو، أو غفلة، أو إذن منه بالمناظرة والمحاورة في العلم، فعند ذلك ترتفع أصواتهم؛ لأن رسول الله كان أجل في قلوبهم وأعظم قدراً من أن يتجاسروا التقدم بين يديه بأمر، أو قول، أو رفع صوت، أو جهر القول له، فتكون الآية في أهل الشرك [أو] في أهل النفاق، والله أعلم.
ثم إن كان الخطاب بذلك للذين آمنوا فهو على جهين: أحدهما: أن ذلك منه ابتداء محنة امتحنهم بذلك وأمرهم به من غير أن كان منهم شيء من ذلك من التقدم بين يديه، ورفع الصوت، والجهر له بالقول، ولله - - أن يمتحن ويأمر وينهى من شاء بما شاء ابتداء؛ امتحاناً منه لهم، وهو ما ذكرنا من نهي الرسل - عليهم السلام - عن الشرك والمعاصي وإن كانوا معصومين عن ذلك؛ لأن العصمة لا تمنع النهي؛ لأن العصمة إما تكون عصمة إذا كان هناك أمر ونهي؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من النهي عن التقدم، والرفع بالصوت، والجهر بالقول، وإن لم يكن منهم شيء مما ذكر ابتداء محنة منه لهم، والله أعلم.
ويحتمل أنه خاطب هؤلاء الصحابة - م - بذلك؛ ليتعظ بذلك من يشهد مجلسه من المنافقين وغيرهم من الكفارين؛ إذ كان يشهد مجلسه أهل النفاق وسائر الكفرة؛ لئلا يعاملوا رسول الله بمثل معاملة بضعهم بعضا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ ذكر هذا؛ ليكونوا أبداً متعظين بين يدي رسول الله حذرين، معظيمن له في كل وقت؛ لئلا يكون منهم في وقت من الأوقات مايجري مجرى الاستخفاف به والتهاون على السهو والغفلة فيحبط ذلك أعمالهم؛ لأن هذا الصنيع برسول الله يكفر صاحبه، ولا يكون معذوراً، وإن فعله على السهو والغفلة؛ لأن له قدرة الاحتراز، وأمكن التحذر، وإن كانوا معذورين فيما بينهم على غير التعمد والقصد، ولا مؤاخذة لهم برفع الله - - المؤاخذة عنهم فيما بينهم، ولم يرفع في حق النبي - عليه أفضل الصلوات - مع أن الكل في حد جواز المؤاخذة، والله أعلم.
وذكر الكرابيسي فقال: ومن حكمه الآية عند قوم حبوط الأعمال بالكبائر؛ على ما روي عن الحسن قال: أما يشعر هؤلاء الناس أن عملا يحبط عملا، والله يقول: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية.
وقيل: المراد من الآية أن يتأذى بشؤم تلك المعصية إلى أن يهون عليه ارتكاب الكبيرة، يستحقرها حتى يخف عليه الكفر فيكفر؛ فتصير المعصية الأولى - وإن قلت - سبباً لحبوط ثواب أعماله، فإن أساس كل خطيرٍ حقيرٌ.
ونحن نقول: إن المعصية لا تحبط الطاعة، ولكن هو استخفاف بالنبي ، و[نحو] ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ دلت هذه الآية أن الآيتين اللتين تقدم ذكرهما من قوله - -: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ في أهل النفاق، فأما أصحابه الذين صحبوه وآمنوا به، [و] عرفوا أنه [رسول] رب العالمين، فلا يحتمل أن يكون منهم ما ذكر من رفع الصوت عنده، وجهر القول له، والنداء له باسمه من بُعْدٍ، إنما ذلك به فعل من ذكرنا من أهل النفاق والشرك، فأما الذين آمنوا به وصدقوه وعرفوا أنه رسول فلا يحتمل منهم سوى التعظيم له، والتوقير، والتشريف؛ لما عرفوا أن نجاتهم وشرفهم وعزهم في الدنيا والآخرة بتعظيمه وتوقيره، فكيف يحتمل عنهم ذلك؛ بل كانوا لا يتجاسرون التكلم بين يديه فضلا من أن يرفعوا أصواتهم، ويقدموا بين يديه، أو النداء من بعد، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ هذا وصف المؤمنين، امتحن قلوبهم للتقوى فوجدها صافية خالصة لذلك، والامتحان - هاهنا - هو التصفية والإخلاص؛ يقال: امتحن الذهب: إذ أخلص وصفي الصافي منه والخالص من غيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ هذا وصف من ذكرنا من أهل الشرك والنفاق.
وقال بعضهم: إن نفرا من الأعراب جاءوا، وقالوا: ننطلق إلى هذا الرجل - يعنون: محمداً - فإن يكن رسولا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكاً نعيش في جناحه، فأتوا إلى رسول الله فجعلوا ينادونه من وراء الحجرات: يا محمد؛ فنزلت هذه الآية.
وقال بعضهم: كان النبي سبى ذراري بني تيم ونساءهم، فأتوا يطلبون منه تخلية سبيل أولئك وإعتقاهم وردهم إليهم، فنادوه من وراء الحجرات، فأعتق بعضهم، وفدى بعضاً؛ فنزلت الآية.
وقوله: ﴿ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ ؛ لأن ذلك أعظم لقدره، وأجل لمنزلته، وأعرف لحقه، وأحفظ لحرمته.
ثم قوله: ﴿ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أكثرهم لا يعرفون قدره ومنزلته، وإن كان قليل منهم يعرفون ذلك، وهم المؤمنون.
والثاني: أكثرهم لا ينتفعون بما يعقلون.
والثالث: أكثرهم لا يعقلون أنه رسوله، وهم الأتباع والسفلة من الكفرة، وإنما يعرف القليل منهم، وهم الرؤساء المعاندون.
وفي هذه الآية وفي قوله - -: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ دلالة أن قد يلحق المرء حكم الكفر ويحبط العمل إذا خرج مخرج الاستخفاف وإن لم يعلم به ولم يقصد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا بالله، واتبعوا ما شرع، لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله بقول أو فعل، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، إن الله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم، لا يفوته منها شيء، وسيجازيكم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.EB0mr"