الإسلام > القرآن > سور > سورة 49 الحجرات > الآية ١٧ من سورة الحجرات
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 80 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة الحجرات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال [ تعالى ] : ( يمنون عليك أن أسلموا ) ، يعني : الأعراب [ الذين ] يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول ، يقول الله ردا عليهم : ( قل لا تمنوا علي إسلامكم ) ، فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم ، ولله المنة عليكم فيه ، ( بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ) أي : في دعواكم ذلك ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار يوم حنين : " يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟
وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ؟
وعالة فأغناكم الله بي ؟
" كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمن .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي ، عن محمد بن قيس ، عن أبي عون ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] قال : جاءت بنو أسد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا رسول الله ، أسلمنا وقاتلتك العرب ، ولم نقاتلك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن فقههم قليل ، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم " .
ونزلت هذه الآية : ( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ) ثم قال : لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه ، ولا نعلم روى أبو عون محمد بن عبيد الله ، عن سعيد بن جبير ، غير هذا الحديث .
القول في تأويل قوله تعالى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يمنّ عليك هؤلاء الأعراب يا محمد أن أسلموا( قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ ) يقول: بل الله يمن عليكم أيها القوم أن وفقكم للإيمان به وبرسوله ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) يقول: إن كنتم صادقين في قولكم آمنا, فإن الله هو الذي منّ عليكم بأن هداكم له, فلا تمنوا عليّ بإسلامكم.
وذُكر أن هؤلاء الأعراب من بني أسد, امتنوا على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقالوا: آمنا من غير قتال, ولم نقاتلك كما قاتلك غيرنا, فأنـزل الله فيهم هذه الآيات.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا شعبة, عن أبي بشر, عن سعيد بن جُبَير في هذه الآية ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ) أهم بنو أسد؟
قال: قد قيل ذلك.
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا سهل بن يوسف, قال: ثنا شعبة, عن أبي بشر, قال: قلت لسعيد بن جُبَير ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ) أهم بنو أسد؟
قال: يزعمون ذاك.
حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن حبيب بن أبي عمرة, قال: كان بشر بن غالب ولبيد بن عطارد, أو بشر بن عطارد, ولبيد بن غالب عند الحجاج جالسين, فقال بشر بن غالب للبيد بن عطارد: نـزلت في قومك بني تميم إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ فذكرت ذلك لسعيد بن جُبَير, فقال: إنه لو علم بآخر الآية أجابه ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ) قالوا أسلمنا ولم تقاتلك بنو أسد.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( لا تَمُنُّوا ) أنا أسلمنا بغير قتال لم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان, فقال الله لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : ( قُلْ ) لهم ( لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ ).
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ ) قال: فهذه الآيات نـزلت في الأعراب.
قوله تعالى : يمنون عليك أن أسلموا إشارة إلى قولهم : جئناك بالأثقال والعيال .
و ( أن ) في موضع نصب على تقدير لأن أسلموا .
قل لا تمنوا علي إسلامكم أي بإسلامكم .
بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ( أن ) موضع نصب ، تقديره بأن .
وقيل : لأن .
وفي مصحف عبد الله ( إذ هداكم ) إن كنتم صادقين صادقين أنكم مؤمنون .
وقرأ عاصم ( إن هداكم ) بالكسر ، وفيه بعد ، لقوله : إن كنتم صادقين ولا يقال يمن عليكم أن يهديكم إن صدقتم .
والقراءة الظاهرة أن هداكم وهذا لا يدل على أنهم كانوا مؤمنين ; لأن تقدير الكلام : إن آمنتم فذلك منة الله عليكم .
هذه حالة من أحوال من ادعى لنفسه الإيمان، وليس به، فإنه إما أن يكون ذلك تعليمًا لله، وقد علم أنه عالم بكل شيء، وإما أن يكون قصدهم بهذا الكلام، المنة على رسوله، وأنهم قد بذلوا له [وتبرعوا] بما ليس من مصالحهم، بل هو من حظوظه الدنيوية، وهذا تجمل بما لا يجمل، وفخر بما لا ينبغي لهم أن يفتخروا على رسوله به فإن المنة لله تعالى عليهم، فكما أنه تعالى يمن عليهم، بالخلق والرزق، والنعم الظاهرة والباطنة، فمنته عليهم بهدايتهم إلى الإسلام، ومنته عليهم بالإيمان، أعظم من كل شيء، ولهذا قال تعالى: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .
( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم ) أي بإسلامكم ( بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ) وفي مصحف عبد الله " إذ هداكم للإيمان " ( إن كنتم صادقين ) إنكم مؤمنون .
«يمنون عليك أن أسلموا» من غير قتال بخلاف غيرهم ممن أسلم بعد قتاله منهم «قل لا تمنوا عليَّ إسلامكم» منصوب بنزع الخافض الباء ويقدر قبل أن في الموضعين «بل الله يمنُّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين» في قولكم آمنا.
يَمُنُّ هؤلاء الأعراب عليك -أيها النبي- بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم لك، قل لهم: لا تَمُنُّوا عليَّ دخولكم في الإسلام؛ فإنَّ نفع ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه أنْ وفقكم للإيمان به وبرسوله، إن كنتم صادقين في إيمانكم.
ثم أشار - تعالى - إلى نوع آخر من جفائهم وقلة إدراكهم فقال : ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ ) .والمن : تعداد النعم على الغير ، وهو مذموم من الخلق ، محمود من الله - تعالى - .أى : هؤلاء الأعراب يعدون إيمانهم بك منة عليك ، ونعمة أسدوها إليك حيث قالوا لك : جئناك بالأموال والعيال ، وقاتلك الناس لوم نقاتلك .
.وقوله : ( أَنْ أَسْلَمُواْ ) فى موضع المفعول لقوله : ( يَمُنُّونَ ) لتضمينه معنى الاعتداء ، أو هو بتقدير حرف الجر فيكون المصدر منصوبا بنزع الخافض أو مجرورا بالحرف المقدر .
أى : يمنون عليك بإِسلامهم .ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم بما يدل على غفلتهم فقال : ( قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ .
.
) .أى : قل لهم لا تتفاخروا علىَّ بسبب إسلامكم ، لأن ثمرة هذا الإِسلام يعود نفعها عليكم لا علىّ .ثم بين - سبحانه - أن المنة له وحده فقال : ( بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ .
.
) .أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - ليس الأمر كما زعمتم من أن إِسلامكم يعتبر منّهَّ علىَّ ، بل الحق أن الله - تعالى - هو الذى يمن عليكم أن أرشدكم إلى الإِيمان ، وهداكم إليه ، وبين لكم طريقه ، فادعيتم أ ، كم آمنتم مع أنكم لم تؤمنوا ولكنكم أسلمتم فقط .قال صاحب الكشاف : وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة ، وذلك أن الكائن من الأعاريب قد سماه الله إسلاما ، ونفى أن يكون - كما زعموا - إيمانا فلما منُّوا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما كان منهم ، قال الله - تعالى - لرسوله : إن هؤلاء يعتدون عليك بما ليس جديرا بالاعتداد به .ثم قال : بل الله يعتد عليكم أن أمدكم بتوفيقه ، حيث هداكم للإِيمان - على ما زعمتم - وادعيتم أنكم أرشدتم إليه ، ووفقتم له إن صح زعمكم ، وصدقت دعواكم .
.
وفى إضافة الإِسلام عليهم ، وإيراد الإِيمان غير مضاف ، مالا يخفى على المتأمل .
.وجواب الشرط فى قوله : ( إِنُ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) محذوف ، يدل عليه ما قبله .
أى : إن كنتم صادقين فى إيمانكم فاعتقدوا ، أن المنة إنماه ى لله - تعالى - علينكم ، حيث أرشدكم إلى الطريق الموصل إلى الإِيمان الحق .وشبيه فى المعنى بهبذه الآية قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - للأنصار فى إحدى خطبه :" يا معشر الأنصار ، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بى ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بى ، وكنتم عالة فأغناكم الله بى؟
" وكان - صلى الله عليه وسلم - كلما قال شيئا ، قالوا : الله ورسوله أَمَنُّ .والحق أن هداية الله - تعالى - لعبده إلى الإِيمان تعتبر منة منه - سبحانه - لا تدانيها منه ، ونعمة لا تقاربها نعمة ، وعطاء ساميا جليلا منه - تعالى - لا يساميه عطاء فله - عز وجل - الشكر الذى لا تحصيه عبارة على النعمة ، ونسأله - تعالى - أن يديمها علينا حتى نلقاه .
يقرر ذلك ويبين أن إسلامهم لمن يكن لله، وفيه لطائف الأولى: في قوله تعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ ﴾ زيادة بيان لقبيح فعلهم، وذلك لأن الإيمان له شرفان أحدهما: بالنسبة إلى الله تعالى وهو تنزيه الله عن الشرك وتوحيده في العظمة، وثانيهما: بالنسبة إلى المؤمن فإنه ينزه النفس عن الجهل ويزينها بالحق والصدق، فهم لا يطلبون بإسلامهم جانب الله ولا يطلبون شرف أنفسهم بل منوا ولو علموا أن فيه شرفهم لما منوا به بل شكروا.
اللطيفة الثانية: قال: ﴿ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إسلامكم ﴾ أي الذي عندكم إسلام، ولهذا قال تعالى: ﴿ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا ﴾ ولم يقل: لم تؤمنوا ولكن أسلمتم لئلا يكون تصديقاً لهم في الإسلام أيضاً كما لم يصدقوا في الإيمان، فإن قيل لم لم يجز أن يصدقوا في إسلامهم، والإسلام هو الانقياد، وقد وجد منهم قولاً وفعلاً وإن لم يوجد اعتقاداً وعلماً وذلك القدر كاف في صدقهم؟
نقول التكذيب يقع على وجهين: أحدهما: أن لا يوجد نفس المخبر عنه وثانيهما: أن لا يوجد كما أخبر في نفسه فقد يقول ما جئتنا بل جاءت بك الحاجة، فالله تعالى كذبهم في قولهم آمنا على الوجه الأول، أي ما آمنتم أصلاً ولم يصدقوا في الإسلام على الوجه الثاني فإنهم انقادوا للحاجة وأخذ الصدقة.
اللطيفة الثالثة: قال: ﴿ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ ﴾ يعني لا منة لكم ومع ذلك لا تسلمون رأساً برأس بحيث لا يكون لكم علينا ولا لنا عليكم منة، بل المنة عليكم، وقوله تعالى: ﴿ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ ﴾ حسن أدب حيث لم يقل لا تمنوا علي بل لي المنة عليكم حيث بينت لكم الطريق المستقيم، ثم في مقابلة هذا الأدب قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
اللطيفة الرابعة: لم يقل يمن عليكم أن أسلمتم بل قال: ﴿ أَنْ هَداكُمْ للإيمان ﴾ لأن إسلامهم كان ضلالاً حيث كان نفاقاً فما منّ به عليهم، فإن قيل كيف من عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه بيّن أنهم لم يؤمنوا؟
نقول الجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تعالى لم يقل: بل الله يمن عليكم أن رزقكم الإيمان، بل قال: ﴿ أَنْ هَداكُمْ لإيمان ﴾ وإرسال الرسل بالآيات البينات هداية ثانيها: هو أنه تعالى يمن عليهم بما زعموا، فكأنه قال أنتم قلتم آمنا، فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار، فقال هداكم في زعمكم ثالثها: وهو الأصح، هو أن الله تعالى بيّن بعد ذلك شرطاً فقال: ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
يقال: منّ عليه بيد أسداها إليه، كقولك: أنعم عليه وأفضل عليه.
والمنة: النعمة التي لا يستثيب مسديها من يزلها إليه؛ واشتقاقها من المنّ الذي هو القطع، لأنه إنما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير، من غير أن يعمد لطلب مثوبة.
ثم يقال: منّ عليه صنعه، إذا اعتده عليه منة وإنعاماً.
وسياق هذه الآية فيه لطف ورشاقة، وذلك أنّ الكائن من الأعاريب قد سماه الله إسلاماً، ونفى أن يكون كما زعموا إيماناً؛ فلما منوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان منهم قال الله سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: إنّ هؤلاء يعتدّون عليك بما ليس جديراً بالاعتداد به من حدثهم الذي حق تسميته أن يقال له إسلام.
فقل لهم: لا تعتدّوا على إسلامكم، أي حدثكم المسمى إسلاماً عندي لا إيماناً.
ثم قال: بل الله يعتد عليكم أن أمدّكم بتوفيقه حيث هداكم للإيمان على ما زعمتم وادعيتم أنكم أرشدتم إليه ووفقتم له إن صحّ زعمكم وصدقت دعواكم، إلا أنكم تزعمون وتدعون ما الله عليم بخلافه.
وفي إضافة الإسلام إليهم وإيراد الإيمان غير مضاف: ما لا يخفى على المتأمل، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، تقديره: إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان، فللَّه المنة عليكم.
وقرئ: ﴿ إن هداكم ﴾ بكسر الهمزة.
وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: إذ هداكم.
وقرئ: ﴿ تعلمون ﴾ بالتاء والياء، وهذا بيان لكونهم غير صادقين في دعواهم، يعني أنه عزّ وجل يعلم كل مستتر في العالم ويبصر كل عمل تعملونه في سركم وعلانيتكم، لا يخفى عليه منه شيء، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم ولا يظهر على صدقكم وكذبكم، وذلك أنّ خاله مع كل معلوم واحدة لا تختلف.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه» .
﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا ﴾ يَعُدُّونَ إسْلامَهم عَلَيْكَ مِنَّةً وهي النِّعْمَةُ الَّتِي لا يَسْتَثِيبُ مُوَلِّيها مِمَّنْ بَذَلَها إلَيْهِ، مِنَ المَنِّ بِمَعْنى القَطْعِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِها قَطْعُ حاجَتِهِ.
وقِيلَ: النِّعْمَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ المَنِّ.
﴿ قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ ﴾ أيْ بِإسْلامِكُمْ، فَنُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى الِاعْتِدالِ.
﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ ﴾ عَلى ما زَعَمْتُمْ مَعَ أنَّ الهِدايَةَ لا تَسْتَلْزِمُ الِاهْتِداءَ، وقُرِئَ «إنْ هَداكُمْ» بِالكَسْرِ و «إذْ هَداكُمْ».
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في ادِّعاءِ الإيمانِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْكُمْ، وفي سِياقِ الآيَةِ لُطْفٌ وهو أنَّهم لَمّا سَمَّوْا ما صَدَرَ عَنْهم إيمانًا ومَنُّوا بِهِ فَنَفى أنَّهُ إيمانٌ وسَمّاهُ إسْلامًا بِأنْ قالَ يَمُنُّونَ عَلَيْكم بِما هو في الحَقِيقَةِ إسْلامٌ ولَيْسَ بِجَدِيرٍ أنْ يُمَنَّ بِهِ عَلَيْكَ، بَلْ لَوْ صَحَّ ادِّعاؤُهم لِلْإيمانِ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْهِمْ بِالهِدايَةِ لَهُ لا لَهم.
﴿ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ما غابَ فِيهِما.
﴿ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ في سِرِّكم وعَلانِيَتِكم فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما في ضَمائِرِكُمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ لِما في الآيَةِ مِنَ الغَيْبَةِ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ الحُجُراتِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ بِعَدَدِ مَن أطاعَ اللَّهَ وعَصاهُ».»
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)
{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ} أي بأن {أَسْلَمُواْ} يعني بإسلامهم والمن ذكر الأيادي تعريضاً للشكر {قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إسلامكم بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ} أي المنة لله عليكم {أَنْ هَداكُمْ} بأن هداكم أو لأن {للإيمان إِنُ كُنتُمْ صادقين} إن صح زعمكم وصدقت دعواكم إلا أنكم تزعمون وتدعون ما الله عليم بخلافه وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره إن
كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان بالله فلله المنة عليكم وقرىء إِنْ هَداكُمْ
﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا ﴾ أيْ يَعْتَدُونَ إسْلامَهم مِنَّةً عَلَيْكَ وهي النِّعْمَةُ الَّتِي لا يَطْلُبُ مُوَلِّيها ثَوابًا مِمَّنْ أنْعَمَ بِها عَلَيْهِ مِنَ المَنِّ بِمَعْنى القَطْعِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِها قَطْعُ حاجَتِهِ، وقالَ الرّاغِبُ: هي النِّعْمَةُ الثَّقِيلَةُ مِنَ المَنِّ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ وثِقَلُها عِظَمُها أوِ المَشَقَّةُ في تَحَمُّلِها، و ﴿ أنْ أسْلَمُوا ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِيَمُنُّونَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِاعْتِدادِ أوْ هو بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ فَيَكُونُ المَصْدَرُ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ أوْ مَجْرُورًا بِالحَرْفِ المُقَدَّرِ أيْ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ بِإسْلامِهِمْ، ويُقالُ نَحْوُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ ﴾ فَهو إمّا عَلى مَعْنى لا تَعْتَدُّوا إسْلامَكم مِنَّةً عَلَيَّ أوْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ بِإسْلامِكُمْ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ ﴿ أنْ أسْلَمُوا ﴾ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ أيْ يَتَفَضَّلُونَ عَلَيْكَ لِأجْلِ إسْلامِهِمْ ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ ﴾ أيْ ما زَعَمْتُمْ في قَوْلِكم آمَنّا فَلا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ﴾ أوِ الهِدايَةُ مُطْلَقُ الدَّلالَةِ فَلا يَلْزَمُ إيمانُهم ويُنافِي نَفْيَ الإيمانِ السّابِقِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (إذْ هَداكُمْ) بِإذِ التَّعْلِيلِيَّةِ، وقُرِئَ (إنْ هَداكُمْ) بِإنِ الشَّرْطِيَّةِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ في ادِّعاءِ الإيمانِ فَهو مُتَعَلِّقُ الصِّدْقِ لا الهِدايَةُ فَلا تَغْفَلْ.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ فَلِلَّهِ المِنَّةُ عَلَيْكُمْ، ولا يَخْفى ما في سِياقِ الآيَةِ مِنَ اللُّطْفِ والرَّشاقَةِ، وذَلِكَ أنَّ الكائِنَ مِن أُولَئِكَ الأعْرابِ قَدْ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى إسْلامًا إظْهارًا لِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: آمَنّا أيْ أحْدَثَنا الإيمانَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ ونَفى سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ كَما زَعَمُوا إيمانًا فَلَمّا مَنَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما كانَ مِنهم قالَ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: يَعْتَدُونَ عَلَيْكَ بِما لَيْسَ جَدِيرًا بِالِاعْتِدادِ بِهِ مِن حَدِيثِهِمُ الَّذِي حَقَّ تَسْمِيَتُهُ أنْ يُقالَ لَهُ إسْلامٌ فَقُلْ لَهُمْ: لا تَعْتَدُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم أيْ حَدِيثَكُمُ المُسَمّى إسْلامًا عِنْدِي لا إيمانًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: بَلِ اللَّهُ يَعْتَدُّ عَلَيْكم أنْ أمَدَّكم بِتَوْفِيقِهِ حَيْثُ هَداكم لِلْإيمانِ عَلى ما زَعَمْتُمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إسْلامَكُمْ ﴾ بِالإضافَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ وأنَّهُ شَيْءٌ يَلِيقُ بِأمْثالِهِمْ فَأنّى يَخْلُقُ بِالمِنَّةِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإيمانِ الإيمانُ المُعْتَدُّ بِهِ لَمْ يُضِفْهُ عَزَّ وجَلَّ، ونَبَّهَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ عَلى أنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ مِنهُمْ، واللُّطْفُ في تَقْدِيمِ التَّكْذِيبِ <div class="verse-tafsir"
فقال عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ يعني: المصدقون في إيمانهم الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا يعني: لم يشكوا في إيمانهم وَجاهَدُوا الأعداء بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: في طاعة الله أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم.
فلما نزلت هذه الآية، أتوا رسول الله ، فحلفوا بالله أنهم لمصدقوه في السر، فنزل: قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ الذي أنتم عليه وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني: سر أهل السموات، وسر أهل الأرض وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي: يعلم ما في قلوبكم من التصديق وغيره.
قوله عز وجل: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا يعني: بقولهم جئناك بأهالينا، وأولادنا قُلْ لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ يعني: وفقكم للإيمان إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأنكم مخلصون في السر، والعلانية.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: سر أهل السموات، وسر أهل الأرض.
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية إبان يَعْمَلُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم.
وقرأ الباقون: بالتاء على معنى المخاطبة.
أي: بصير بما يعملون من التصديق وغيره، والخير، والشر، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
وقوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قال مجاهد: نزلت في بني أسد «١» ، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة، أظهروا الإسلام، وفي الباطن إنَّما يريدون المغانمَ وَعَرَضَ الدنيا، ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ أَنْ يقول لهؤلاء المُدَّعِينَ للإيمان: لَمْ تُؤْمِنُوا أي: لم تصدقوا بقلوبكم، وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي: استسلمنا، والإسلام يقال بمعنيين:
أحدهما: الذي يَعُمُّ الإيمانَ والأعمالَ، وهو الذي في قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] والذي في قوله ع: «بُنِيَ الإسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ» «٢» .
والمعنى الثاني للفظ الإسلام: هو الاستسلام، والإظهار الذي يُسْتَعْصَمُ به ويحقن الدم، وهذا هو الذي في الآية، ثم صَرَّحَ بأَنَّ الإيمان لم يدخل في قلوبهم، ثم فتح باب التوبة بقوله: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...
الآية، وقرأ الجمهور: «لاَ يَلِتْكُمْ» من «لاَتَ يَلِيتُ» إذا نقص يقال: لاَتَ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ منه، وقرأ أبو عمرو: «لاَ يَأْلِتْكُمْ» من «أَلَتَ يَأْلِتُ» «٣» وهي بمعنى لات.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)
وقوله سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إنما هنا حاصرة.
وقوله: ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا أي: لم يشكوا، ثم أمر الله تعالى نبيّه ع بتوبيخهم بقوله: أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ أي: بقولكم آمنا، وهو يعلم منكم خلاف ذلك
لأَنَّهُ العليم بكل شيء.
وقوله سبحانه: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا نزلت في بني أسد أيضاً، وقرأ ابن مسعود: «يَمنُّونَ عَلَيْكَ إسْلاَمَهُمْ» وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية: «وَاللَّهُ بصير بما يعملون» «١» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في أعْرابِ بَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ.
ووَصَفَ غَيْرُهُ حالَهُمْ، فَقالَ: قَدِمُوا المَدِينَةَ في سَنَةٍ مُجْدِبَةٍ، فَأظْهَرُوا الإسْلامَ ولَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وأفْسَدُوا طُرُقَ المَدِينَةِ بِالعُذُراتِ، وأغْلَوا أسْعارَهُمْ، وكانُوا يَمُنُّونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فَيَقُولُونَ: أتَيْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ، ولَمْ نُقاتِلْكَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في أعْرابِ مُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ وأسْلَمَ وأشْجَعَ وغِفارٍ [وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ [الفَتْحِ] وكانُوا يَقُولُونَ: آمَنّا بِاللَّهِ، لِيَأْمَنُوا عَلى أنْفُسِهِمْ]، فَلَمّا اسْتُنْفِرُوا إلى الحُدَيْبِيَةِ تَخَلَّفُوا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانَتْ مَنازِلُهم بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، فَكانُوا إذا مَرَّتْ بِهِمْ سَرِيَّةٌ مِن سَرايا رَسُولِ اللَّهِ قالُوا: آمَنّا، لِيَأْمَنُوا عَلى دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَلَمّا سارَ رَسُولُ اللَّهِ إلى الحُدَيْبِيَةِ اسْتَنْفَرَهم فَلَمْ يَنْفِرُوا مَعَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا ﴿ وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيِ: اسْتَسْلَمْنا مِن خَوْفِ السَّيْفِ، وانْقَدْنا.
قالَ الزَّجّاجُ: الإسْلامُ: إظْهارُ الخُضُوعِ والقَبُولِ لِما أتى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ، وبِذَلِكَ يُحْقَنُ الدَّمُ، فَإنْ كانَ مَعَهُ اعْتِقادٌ وتَصْدِيقٌ بِالقَلْبِ، فَذَلِكَ الإيمانُ، فَأخْرَجَ اللَّهُ هَؤُلاءِ مِنَ الإيمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ ﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا، إنَّما أسْلَمْتُمْ تَعَوُّذًا مِنَ القَتْلِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: "وَلَمّا" بِمَعْنى "وَلَمْ" يَدْخُلِ التَّصْدِيقُ في قُلُوبِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ تُخْلِصُوا الإيمانَ ﴿ لا يَلِتْكُمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَأْلِتْكُمْ" بِألِفٍ وهَمْزٍ؛ ورُوِيَ عَنْهُ بِألِفٍ ساكِنَةٍ مَعَ تَرْكِ الهَمْزَةِ: وقَرَأ الباقُونَ: "يَلِتْكُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ ولا هَمْزٍ.
فَقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو مِن ألَتَ يَأْلِتُ، وقِراءَةُ الباقِينَ مِن لاتَ يَلِيتُ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُما واحِدٌ.
والمَعْنى: لا يَنْقُصُكم.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: ألَتَ يَأْلِتُ، تَقْدِيرُها: أفَكَ يَأْفِكُ، وألاتَ يُلِيتُ، تَقْدِيرُها: أقالَ يُقِيلُ، ولاتَ يَلِيتُ، قالَ رُؤْبَةُ: ولَيْلَةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُراها لَيْتُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن أعْمالِكُمْ ﴾ أيْ: مِن ثَوابِها.
ثُمَّ نَعَتَ الصّادِقِينَ في إيمانِهِمْ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ.
ومَعْنى: ﴿ يَرْتابُوا ﴾ يَشُكُّوا.
وإنَّما ذُكِرَ الجِهادُ، لِأنَّ الجِهادَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ كانَ فَرْضًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ \[فِي إيمانِهِمْ فَلَمّا نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ أتَوا رَسُولَ اللَّهِ يَحْلِفُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ صادِقُونَ\] فَنَزَلَتْ [هَذِهِ الآيَةُ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾ و "عَلَّمَ" بِمَعْنى "أعْلَمَ"، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ في قَوْلِهِ: "بِدِينِكُمْ" والمَعْنى: أتُخَبِّرُونَ [اللَّهَ] بِالدِّينِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ؟!، أيْ: هو عالِمٌ بِذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى إخْبارِكُمْ؛ وفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا ﴾ قالُوا: أسْلَمْنا ولَمْ نُقاتِلْكَ [واللَّهُ أعْلَمُ] .
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصادِقُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكم واللهُ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ "إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ تُعْطِي ذَلِكَ المَعْنى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا ﴾ أيْ: لَمْ يَشُكُّوا في إيمانِهِمْ، ولَمْ يُداخِلْهم رَيْبٌ، وهُمُ الصادِقُونَ إذْ جاءَ فِعْلُهم مُصَدِّقًا لِقَوْلِهِمْ.
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَوْبِيخِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ أتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ ﴾ أيْ بِقَوْلِكُمْ: "آمَنّا" وهو يَعْلَمُ مِنكم خِلافَ ذَلِكَ لِأنَّهُ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا ﴾ نَزَلَتْ في بَنِي أسَدٍ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا في بَعْضِ الأوقاتِ لِلنَّبِيِّ : إنّا آمَنّا بِكَ واتَّبَعْناكَ ولَمْ نُحارِبْكَ كَما فَعَلَتْ مُحارِبُ وحَصْفَةُ وهَوازِنُ وغَطَفانُ وغَيْرُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يُمَنُّونَ عَلَيْكَ إسْلامَهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ ﴾ أيْ: بِزَعْمِكم إذْ تَقُولُونَ آمَنّا، فَقَدْ لَزِمَكم أنَّ اللهَ تَعالى مانَّ عَلَيْكُمْ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ، فَعَلَّقَ عَلَيْهِمُ الحُكْمَيْنِ: هم مَمْنُونٌ عَلَيْهِمْ عَلى الصِدْقِ، وأهْلٌ أنْ يَقُولُوا أسْلَمْنا مِن حَيْثُ هم كَذَبَةٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إذْ هَداكُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "يَمُنُّ عَلَيْكُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: يُنْعِمُ، كَما تَقُولُ: مَنَّ اللهُ عَلَيْكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: يَذْكُرُ إحْسانَهُ فَيَجِيءُ مُعادِلًا لِـ "يَمُنُّونَ عَلَيْكَ"، وقالَ الناسُ قَدِيمًا: إذا كَفَرَتِ النِعْمَةُ حَسُنَتِ المِنَّةُ، وإنَّما المِنَّةُ المُبْطِلَةُ لِلصَّدَقَةِ المَكْرُوهَةِ ما وقَعَ دُونَ كُفْرِ النِعْمَةِ.
وَقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "بِما يَعْمَلُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحُجُراتِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ كَمُلَ تَفْسِيرُ الحُجُراتِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
استئناف ابتدائي أريد به إبطال ما أظهره بنو أسد للنبيء صلى الله عليه وسلم من مزيتهم إذ أسلموا من دون إكراه بغزو.
والمنّ: ذكر النعمة والإحسان ليراعيَه المحسَن إليه للذاكر، وهو يكون صريحاً مثل قول سبرة بن عمرو الفقعسي: أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مُسلم *** وقد سال من ذل عليك قراقر ويكون بالتعريض بأن يذكر المان من معاملته مع الممنون عليه ما هو نافعه مع قرينة تدلّ على أنه لم يرد مجرد الإخبار مثل قول الراعي مخاطباً عبد الملك بن مروان: فآزرت آل أبي خُبيب وافدا *** يوماً أريد لبيعتي تبديلا أبو خبيب: كنية عبد الله بن الزبير.
وكانت مقالة بني أسد مشتملة على النوعين من المنّ لأنهم قالوا: ولم نقاتلك كما قاتلك محارب وغَطَفان وهوازن وقالوا: وجئناك بالأثقال والعيال.
و ﴿ أن أسْلَمُوا ﴾ منصوب بنزع الخافض وهو باء التعدية، يقال: منّ عليه بكذا، وكذلك قوله: ﴿ لا تمنوا على إسلامكم ﴾ إلا أن الأول مطرد مع ﴿ أنْ ﴾ و(أن) والثاني سماعي وهو كثير.
وهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم آمنَّا كما حكاه الله آنفاً، وسماه هنا إسلاماً لقوله: ﴿ ولكن قولوا أسلمنا ﴾ [الحجرات: 14] أي أن الذي مَنُّوا به عليك إسلام لا إيمان.
وأثبت بحرف ﴿ بَل ﴾ أن ما مَنُّوا به إن كان إسلاماً حقاً موافقاً للإيمان فالمنّة لله لأنْ هداهم إليه فأسلموا عن طواعية.
وسماه الآن إيماناً مجاراة لزعمهم لأن المقام مقام كون المنّة لله فمناسبة مُسَابَرَة زعمهم أنهم آمنوا، أي لو فرض أنكم آمنتم كما تزعمون فإن إيمانكم نعمة أنعم الله بها عليكم.
ولذلك ذيله بقوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ فنفى أولاً أن يكون ما يمنّون به حقاً، ثم أفاد ثانياً أن يكون الفضل فيما ادعوه لهم لو كانوا صادقين بل هو فضل الله.
وقد أضيف إسلام إلى ضميرهم لأنهم أتوا بما يسمى إسلاماً لقوله: ﴿ ولكن قولوا أسْلَمْنا ﴾ .
وأُتي بالإيمان معرّفا بلام الجنس لأنه حقيقة في حدّ ذاته وأنهم ملابسوها.
وجيء بالمضارع في ﴿ يمنون ﴾ مع أن منَّهم بذلك حصل فيما مضى لاستحضار حالة منّهم كيف يمنون بما لم يفعلوا مثل المضارع في قوله تعالى: ﴿ ويسخرون من الذين آمنوا ﴾ في سورة البقرة (212).
وجيء بالمضارع في قوله: بل اللَّه يمن عليكم } لأنه مَنّ مفروض لأن الممنون به لمّا يقع.
وفيه من الإيذان بأنه سيمنّ عليهم بالإيمان ما في قوله: ﴿ ولمَّا يدخُل الإيمان في قلوبكم ﴾ [الحجرات: 14]، وهذا من التفنن البديع في الكلام ليضع السامع كل فنّ منه في قَراره، ومثلهم من يتفطن لهذه الخصائص.
وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي لإفادة التقوية مثل: هو يعطي الجزيل، كما مثَّل به عبد القاهر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم أقَرُّوا ولَمْ يَعْمَلُوا، فالإسْلامُ قَوْلٌ والإيمانُ عَمَلٌ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.
الثّانِي: أنَّهم أرادُوا أنْ يَتَسَمُّوا بِاسْمِ الهِجْرَةِ قَبْلَ أنْ يُهاجِرُوا فَأعْلَمَهم أنَّ اسْمَهم أعْرابٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهم مَنُّوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ بِإسْلامِهِمْ فَقالُوا أسْلَمْنا، لَمْ نُقاتِلْكَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ: قُلْ لَهُمْ: لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا خَوْفَ السَّيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
لِأنَّهم آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ دُونَ قُلُوبِهِمْ، فَلَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وتَرَكُوا القِتالَ فَصارُوا مُسْتَسْلِمِينَ لا مُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ مَأْخُوذًا مِنَ الِاسْتِسْلامِ لا مِنَ الإسْلامِ كَما قالَ الشّاعِرُ طالَ النَّهارُ عَلى مَن لا لِقاحَ لَهُ إلّا الهَدِيَّةَ أوْ تَرْكٌ بِإسْلامٍ وَيَكُونُ الإسْلامُ والإيمانُ في حُكْمِ الدِّينِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ واحِدًا وهو مَذْهَبُ الفُقَهاءُ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما تَصْدِيقٌ وعَمَلٌ.
وَإنَّما يَخْتَلِفانِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن أصْلِ الِاسْمَيْنِ لِأنَّ الإيمانَ مُشْتَقٌّ مِنَ الأمْنِ، والإسْلامُ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّلْمِ.
الثّانِي: أنَّ الإسْلامَ عَلَمٌ لِدِينِ مُحَمَّدٍ والإيمانُ لِجَمِيعِ الأدْيانِ، ولِذَلِكَ امْتَنَعَ اليَهُودُ والنَّصارى أنْ يَتَسَمَّوْا بِالمُسْلِمِينَ، ولَمْ يَمْتَنِعُوا أنْ يَتَسَمَّوْا بِالمُؤْمِنِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أعْرابِ بَنِي أسَدٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَمْنَعُكم مِن ثَوابِ عَمَلِكم شَيْئًا، قالَ رُؤْبَةُ: ولَيْلَةٍ ذاتِ سِرًى سَرَيْتُ ∗∗∗ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سَراها لَيْتٌ أيْ لَمْ يَمْنَعْنِي عَنْ سَراها.
الثّانِي: ولا يُنْقِصْكم مِن ثَوابِ أعْمالِكم شَيْئًا، قالَ الحُطَيْئَةُ أبْلِغْ سَراةَ بَنِي سَعْدٍ مُغَلْغَلَةً ∗∗∗ جَهْدَ الرِّسالَةِ لا ألْتًا ولا كَذِبًا أيْ لا نَقْصًا ولا كَذِبًا.
وَفِيهِ قِراءَتانِ ﴿ يَلِتْكُمْ ﴾ و يَأْلِتْكم وفِيها وجْهانِ: أحَدُها: [أنَّهُما] لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ.
الثّانِي: يَأْلِتْكم أكْثَرُ وأبْلَغُ مِن يَلِتْكم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾ الآيَةَ.
هَؤُلاءِ أعْرابٌ حَوْلَ المَدِينَةِ أظْهَرُوا الإسْلامَ خَوْفًا، وأبْطَنُوا الشِّرْكَ اعْتِقادًا فَأظْهَرَ اللَّهُ ما أبْطَنُوهُ وكَشَفَ ما كَتَمُوهُ، ودَلَّهم بِعِلْمِهِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ عَلِمٌ عَلِمَهُ بِما اعْتَقَدُوهُ، وكانُوا قَدْ مَنُّوا بِإسْلامِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، وقالُوا فُضِّلْنا عَلى غَيْرِنا بِإسْلامِنا طَوْعًا.
فَقالَ تَعالى ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ ﴾ وهَذا صَحِيحٌ لِأنَّهُ إنْ كانَ إسْلامُهم حَقًّا فَهو لِخَلاصِ أنْفُسِهِمْ فَلا مِنَّةَ فِيهِ لَهم، وإنْ كانَ نِفاقًا فَهو لِلدَّفْعِ عَنْهم، فالمِنَّةُ فِيهِ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ قالَ ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ أحَقُّ أنْ يَمُنَّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ حَتّى آمَنتُمْ.
وَتَكُونُ المِنَّةُ هي التَّحَمُّدَ بِالنِّعْمَةِ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْعِمُ عَلَيْكم بِهِدايَتِهِ لَكم، وتَكُونُ المِنَّةُ هي النِّعْمَةَ.
وَقَدْ يُعَبَّرُ بِالمِنَّةِ عَنِ النِّعْمَةِ تارَةً وعَنِ التَّحَمُّدِ بِها أُخْرى.
﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ يَعْنِي فِيما قُلْتُمْ مِنَ الإيمانِ.
أخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن عبد الله بن أبي أوفى أن أناساً من العرب قالوا يا رسول الله: أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأنزل الله: ﴿ يمنون عليك أن أسلموا ﴾ الآية.
وأخرج النسائي والبزار وابن مردويه عن ابن عباس قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله: أسلمنا وقاتلك العرب ولم نقاتلك، فنزلت هذه الآية ﴿ يمنون عليك أن أسلموا ﴾ .
وأخرج ابن الضريس وابن جرير عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت السبع مكان التوراة، وأعطيت المثاني مكان الإِنجيل، وأعطيت كذا وكذا مكان الزبور، وفضلت بالمفصل» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال: لما فتحت مكة جاء ناسٌ، فقالوا يا رسول الله: إنا قد أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، فأنزل الله: ﴿ يمنون عليك أن أسلموا ﴾ .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال: قدم عشرة رهط من بني أسد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول سنة تسع وفيهم حضرمي بن عامر وضرار بن الأزور ووابصة بن معبد وقتادة بن القائف وسلمة بن حبيش ونقادة بن عبد الله بن خلف وطلحة بن خويلد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد مع أصحابه فسلموا وقال متكلمهم: يا رسول الله إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك يا رسول الله ولم تبعث إلينا بعثاً، ونحن لمن وراءنا سلم، فأنزل الله: ﴿ يمنون عليك أن أسلموا ﴾ الآية.
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطاني ربي السبع الطوال مكان التوراة والمئين مكان الإِنجيل وفضلت بالمفصل» .
وأخرج ابن الضريس وابن جرير عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت السبع مكان التوراة، وأعطيت المثاني مكان الإِنجيل، وأعطيت كذا وكذا مكان الزبور، وفضلت بالمفصل» .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: الطوال مكان التوراة، والمئين كالإِنجيل، والمثاني كالزبور، وسائر القرآن بعد فضل على الكتب.
﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ﴾ (١) قال الفراء في قوله: ﴿ أَنْ أَسْلَمُوا ﴾ و ﴿ أَنْ هَدَاكُمْ ﴾ : موضعها نصب لا بوقوع الفعل، ولكن بسقوط الصفة (٢) (١) أخرج ذلك الطبري عن سعيد بن جبير وقتادة، انظر: "تفسيره" 13/ 145، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 112: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه الحجاج ابن أرطأة، وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح، وأورده السيوطي في "أساب النزول" وعزاه للطبراني والبزار، انظر: "أسباب النزول" ص 199.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 74.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ ﴾ نزلت في بني أسد أيضاً فإنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا آمنا بك واتبعناك ولم نحاربك كما فعلت هوازن وغطفان وغيرهم ﴿ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ أي هداكم للإيمان على زعمكم، ولذلك قال: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ ، و ﴿ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون بمعنى ينعم عليكم أو بمعنى: يذكر إنعامه، وهذا أحسن لأنه في مقابلة بمنون عليك.
" القراءات: ﴿ لا تقدّموا ﴾ بالفتحات من التقدّم: يعقوب ﴿ الحجرات ﴾ بفتح الجيم: يزيد.
﴿ إخوتكم ﴾ على الجمع: يعقوب وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ ولا تجسسوا ﴾ ﴿ ولا تنابزوا ﴾ و ﴿ لتعارفوا ﴾ بالتشديدات للإدغام: البزي وابن فليح ﴿ ميتاً ﴾ مشدّداً: أبو جعفر ونافع ﴿ يألتكم ﴾ بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وقد لا يهمز في رواية.
الآخرون: بالحذف ﴿ بما يعملون ﴾ على الغيبة: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ج ﴿ لا تشعرون ﴾ ه ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ط ﴿ والعصيان ﴾ ط ﴿ الراشدون ﴾ ه لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول له ﴿ ونعمة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أمر الله ﴾ ج لذلك ﴿ وأقسطوا ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ منهن ﴾ ج للعدول عن الغيبة إلى الخطاب ﴿ بالألقاب ﴾ ط ﴿ بعد الإيمان ﴾ ه ج لابتداء الشرط مع احتمال ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما ذكر من اللمز والنبز ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من الظن ﴾ ز للابتداء بأن إلا إنه للتعليل أي لأن ﴿ بعضاً ﴾ ج ﴿ فكرهتموه ﴾ ط ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لتعارفوا ﴾ ط ﴿ أتقاكم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ آمناً ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ أسلموا ﴾ ط ﴿ إسلامكم ﴾ ج لأن "بل" للإضراب عن الأول ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه.
التفسير: لما بين محل النبي وعلو منصبه بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ إلى آخر السورة افتتح الآن بقوله ﴿ لا تقدموا ﴾ الآية.
ففيه تأكيد لما ذكر هناك من وجوب إتباعه والإذعان له.
والأظهر أن هذا إرشاد عام.
وذكر المفسرون في أسباب النزول وجوهاً منها ماروي عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبر أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه فقال أبو بكر لرسول الله : أمّر القعقاع بن معبد وقال عمر: بل أمر الأقرع بن جابس.
فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي.
فقال عمر: ما أردت خلافك.
فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله الآية.
وقال الحسن والزجاج: نزلت في رجل ذبح الأضحية قبل الصلاة وقبل ذبح النبي فأمره بإعادتها وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن تزول الشمس.
وعند الشافعي يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة.
وعن عائشة أنها نزلت في صوم يوم الشك.
وروي أنها في القتال أي لا تحملوا على الكفار في الحرب قبل أن يأمر النبي .
وقدّم إما متعد وحذف المفعول للعموم حتى يتناول كل فعل وقول، أو ترك مفعوله كما في قوله "فلان يعطي ويمنع" لأن النظر إلى الفعل لا إلى المفعول كأنه قيل: يجب أن لا يصدر منكم تقدم أصلاً في أيّ فعل كان.
وإما لازم نحو بين وتبين بمعنى يؤيده قراءة يعقوب.
قال جار الله: حقيقة قولهم "جلست بين يدي فلان" أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله حتى ينظر إليك من غير تقليب حدقة وذكر الله للتعظيم.
وفيه أن التقديم بين يدي رسول الله كالتقديم بين يدي الله.
قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا.
وقيل: معناه لا تخالفوا كتاب الله وسنة رسوله.
وعن الحسن في رواية أخرى: لما استقر رسول الله بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدؤه بالمسألة حتى يكون هو المبتدىء ﴿ واتقوا الله ﴾ في التقديم أو أمرهم بالتقوى ليحملهم على ترك التقدمة فإن المتقي حذر عن كل ما فيه تبعة وريب ﴿ إن الله سميع ﴾ لأقوالكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم وأفعالكم.
ثم أعاد النداء عليهم مزيداً للتنبيه، وفيه نوع تفصيل بعد إجمال وتتخصيص بعد تعميم.
وعن ابن عباس أن ثابت ابن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوريّ الصوت وكان يتأذى رسول الله بصوته إذا كلمه، فحين نزلت الآية فقد ثابت فتفقده رسول الله فاعتذر بأنه رجل جهير الصوت يخاف أن تكون الآية نزلت فيه.
فقال له رسول الله : لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة.
وعن الحسن: نزلت في المنافقين كانوا يرفعون بأصواتهم فوق صوت رسول الله استخفافاً واستهانة وليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهى المؤمنون عن ذلك.
وعلى هذا فإما أن يكون الإيمان أعم من أن يكون باللسان أو به وبالقلب، وإما أن يكون الإيمان حقيقة فيكون تأديباً للمؤمنين الخلص حتى يكون حالهم بخلاف حال أهل النفاق، ويكون كلامهم لرسول الله أخفض من كلامه لهم رعاية لحشمته وصيانة على مهابته.
قوله ﴿ ولا تجهروا له بالقول كجهر ﴾ أي جهراً مثل جهر ﴿ بعضكم لبعض ﴾ قيل: تكرار للمعنى الأوّل لأجل التأكيد فإن الجهر هو رفع الصوت والجمهور على أن بين النهيين فرقاً.
ثم اختلفوا فقيل: الأول فيما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا في أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر.
والثاني فيما إذا سكت ونطقوا فنهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه فيما بينهم وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوّة.
وقيل: النهي الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهي الثاني أن لا ينادي وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضهم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم ولكن يا نبي الله يا رسول الله.
ثم علل كلاً من النهيين بقوله ﴿ أن تحبط ﴾ أي كراهة حبوط أعمالكم وذلك أن الرفع والجهر إذا كان عن استخفاف وإهانة كان كفراً محبطاً للأعمال السابقة.
والمفعول له يتعلق بالفعل الأول في الظاهر عند الكوفيين وبالعكس عند البصريين.
وجوز في الكشاف أن يقدر الفعل في الثاني مضموماً إليه المفعول له كأنهما شيء واحد ثم يصب عليهما الفعل جميعاً صباً واحداً، والمعنى أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط لأنه كان بصدد الأداء إليه فجعل كأنه سبب في إيجاده كقوله ﴿ ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ وفي قوله ﴿ وأنتم لا تشعرون ﴾ إشارة إلى أن ارتكاب المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به.
ومثله قول الحكيم: إن كلاً من الأخلاق الفاضلة والرذيلة تكون أوّلاً حالاً ثم تصير ملكة راسخة وعادة مستمرة.
ومنه قول أفلاطون: لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق وأنت لا تدري.
فالعاقل من يجتهد في الفضائل أن تصير ملكات، وفي الرذائل أن تزول عنه وهي أحوال.
قال ابن عباس: لما نزلت الآية قال أبو بكر: يا رسول الله والله ولا أكلمك إلا السرار أو كأخي السرار حتى ألقى الله فأنزل الله فيه وفي أمثاله ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ﴾ هو افتعل من المحنة وهو اختبار بليغ يقال: امتحن فلان لأمر كذا أي جرب له فوجد قوياً عليه، أو وضع الامتحان موضع المعرفة لأن تحقق الشيء باختباره فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم كائنة للتقوى فاللام متعلقة بالمحذوف كقولك: أنت لهذا الأمر.
أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف لأجل التقوى وحصولها فيها سابقة ولا حقة ﴿ لهم مغفرة ﴾ لذنوبهم ﴿ وأجر عظيم ﴾ لطاعتهم.
وفي تنكير الوعد وغير ذلك من مؤكدات الجملة تعريض بعظم ما ارتكب غيرهم واستحقاقهم أضداد ما استحق هؤلاء.
يروى أنه كان إذا قدم على رسول الله وفد أرسل إليهم أبو بكر من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار.
قال العلماء: إن النهي لا يتناول رفع الصوت الذي ليس باختيار المكلف كما مر في حديث ثابت بن قيس، ولا الذي نيط به صلاح في حرب أو جدال معاند أو إرهاب عدوّ.
ففي الحديث أنه قال للعباس ابن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: أصرخ بالناس وكان العباس أجهر الناس صوتاً.
وفيه قال نابغة بني جعدة: زجر أبي عروة السباع إذا *** أشفق أن يختلطن بالغنم وأبو عروة كنية العباس.
زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيشق مرارة السبع في جوفه.
ويروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس يا صباحاه فأسقطت الحوامل لشدّة صوته.
ثم علمهم أدباً أخص فقال: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ أي من جانب البر والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض.
والحجرة البقعة التي يحجرها المرء لنفسه كيلا يشاركه فيها غيره من الحجر وهو المنع "فعلة" بمعنى مفعولة، وجمعت لأن كلاً من أمهات المؤمنين لها حجرة.
روي أن وفداً من بني تميم قدم على النبي وهم سبعون رجلاً منهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن.
فدخلوا المسجد ونادوا النبي من خارج حجراته كأنهم تفرقوا على الحجرات أو أتوها حجرة فنادوه من ورائها أو نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالاً له .
والفعل وإن كان مستنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم لأن رضا الباقين به كالتولي له.
وحكى الأصم أن الذي ناداه عيينة والأقرع قالا: أخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين منا شين.
فتأذى رسول الله من ذلك فخرج إليهم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين.
فقال لهم: فيم جئتم؟
فقالوا: جئنا بخطيبنا وشاعرنا نفاخرك ونشاعرك.
فقال: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا.
فقام خطيبهم فخطب وقام شاعرهم وأنشد فأمر النبي ثابت بن قيس فقام وخطب وأمر حساناً فقام وأنشد.
فلما فرغوا قام الأقرع وقال: والله ما أدري ما هذا، تكلم خطيبنا وكان خطيبهم أحسن قولاً، وأنشد شاعرنا وكان شاعرهم أشعر.
ثم دنا من رسول الله وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله.
وعن زيد بن أرقم أنهم قالوا: نمتحنه فإن يكن ملكاً عشنا في جنابه، وإن يكن نبياً كان أولى بأن نكون أسعد الناس به.
وقيل: إنهم وفدوا شافعين في أسرى بني العنبر.
أما إخبار الله عنهم بأن أكثرهم لا يعقلون فإما لأن الأكثر أقيم مقام الكل على عادة الفصحاء كيلا يكون الكلام بصدد المنع، وإما لأن الحكم بقلة العقلاء فيهم عبارة عن العدم فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم، وإما لأن فيهم من رجع وندم على صنيعه فاستثناه الله .
وإنما حكم عليهم بعدم العقل لأنهم يعقلوا أن هذا النحو من النداء خارج عن قانون الأدب ومنبىء عن عدم الوقار والأناة لا سيما في حق النبي فإنه لم يكن يحتجب عن الناس إلا عند الخلوة والاشتغال بمهامّ أهل البيت فلذلك قال ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج ﴾ وفائدة قوله ﴿ إليهم ﴾ أنه لو خرج لا لأجلهم لزمهم الصبر إلى أن يكون خروجه إليهم لأجلهم ﴿ لكان ﴾ الصبر ﴿ خيراً لهم ﴾ في دينهم وهو ظاهر وفي دنياهم بأن ينسبوا إلى وفور العقل وكمال الأدب.
وقيل: بإطلاق أسرائهم جميعاً فقد روي أن النبي أطلق النصف وفادى النصف ﴿ والله غفور ﴾ مع ذلك لمن تاب ﴿ رحيم ﴾ في قبول التوبة.
سئل رسول الله عن وفد بني تميم فقال: إنهم جفاة بني تميم ولولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم.
ويحكى عن أبي عبيدة وهو المشهور بالعلم والزهادة وثقة الرواية أنه قال: ما وقفت بباب عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه.
ثم أرشدهم إلى أدب آخر فقال ﴿ يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ﴾ وقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله إلى بني المصطلق مصدقاً وكان بينهما إحنة، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم خافهم فرجع فقال: إن القوم هموا بقتلي ومنعوا صدقاتهم.
فهم النبي بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فاتهمهم النبي وقال: لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.
وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع.
قال جار الله: في تنكير الفاسق والنبأ عموم كأنه قيل: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ فتوقفوا فيه واطلبوا البيان لأن من لا يتجافى جنس الفسوق ولا يتجافى بعض أنواعه الذي هو الكذب.
والفسوق الخروج عن الشيء والانسلاخ منه فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه "فقست البيضة" إذا كسرتها وأخرجت ما فيها.
ومن تقاليبه أيضاً "قفست الشيء" بتقديم القاف إذا أخرجته من يد مالكه غصباً.
والنبأ الخبر الذي يعظم وقعه.
واختبر لفظة "إن" التي هي للشك دون "إذا" تنبيهاً على أنه ومن معه بمنزلة لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب إلا على سبيل الفرض والندرة، فعلى المؤمنين أن يكونوا بحيث لا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور.
ثم علل التبين بقوله ﴿ أن تصيبوا ﴾ أي كراهة إصابتكم ﴿ قوماً ﴾ حال كونكم جاهلين بحقيقة الأمر.
والندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك متمنياً أنه لم يقع ولا يخلو من دوام وإلزام.
ومن مقلوباته "أدمن الأمر" إذا دام عليه.
ومدن بالمكان أقام به.
قال الأصوليون من الأشاعرة: إن خبر الواحد العدل يجب العمل به لأن الله أمر بالتبيين في خبر الفاسق، ولو تبينا في خبر العدل لسوّينا بينهما.
وضعف بأنه من باب التمسك بالمفهوم.
واتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لأن باب الشهادة أضيق من باب التمسك بمفهوم الخبر.
وأكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله فصار فاسقاً بكذبه.
وقيل: إن الوليد لم يقصد الكذب ولكنه ظن حين اجتمعوا لإكرامه أن يكونوا هموا بقتله.
ولقائل أن يقول: لفظ القرآن وسبب النزول يدل على خلافه.
نعم لو قيل: إنه تاب بعد ذلك لكان له وجه ثم أرشدهم إلى أمر آخر قائلاً ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله ﴾ وليس هذا الأمر مقصوداً بظاهره لأنه معلوم مشاهد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وإنما المراد ما يستلزم كونه فيهم كما يقال من يغلط في مسألة أو يقول فيها برأيه: أعلم أن الشيخ حاضر.
ثم قيل: المراد لا تقولوا الباطل والكذب فإن الله يخبره ويوحي إليه.
وقيل: أراد أن الرأي رأيه فلا تعدوا رأيه وقد صرح بهذا المعنى في قوله ﴿ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ لوقعتم في العسر والمشقة والحرج لأنه أعلم منكم بالحنيفية السهلة السمحاء، ومن جملة ذلك قصة الوليد فإنه لو أطاعه وقبل قوله لقتل وقتلتم وأخذ المال وأخذتم فاتهمتهم.
قال جار الله: الجملة المصدّره بلو ليس كلاماً مستأنفاً لاختلال النظم حينئذ ولكنها حال من أحد الضميرين في ﴿ فيكم ﴾ وهو المستتر المرفوع أو البارز المجرور.
والمعنى أن فيكم رسول الله على حالة يجب تغييرها وهي أنكم تطلبون منه اتباع آرائكم.
قلت: قد ذكرنا في وجه النظم بياناً آخر.
ثم قال: فائدة تقدير خبر "أن" هو أن يعلم أن التوبيخ ينصب إلى هذا الغرض.
وفائدة قوله ﴿ يطيعكم ﴾ بلفظ الاستقبال الدلالة على ما أرادوه من استمرار طاعته لهم وأنه لا يخالفهم في كثير مما عنّ لهم من الآراء والأهواء.
وفي قوله ﴿ في كثير من الأمر ﴾ مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضاً تعليم حسن وتأديب جميل في باب التخاطب.
ويمكن أن يكون إشارة إلى تصويب رأي بعضهم لا إلى تصويب بعض رأيهم فقد قيل: إن بعضهم زينوا لرسول الله الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وبعضهم كانوا يرون التحلم عنهم إلى أن يتبين أمرهم، وقد أشار إلى هذا البعض بقوله ﴿ ولكن الله حبب إليكم الأيمان ﴾ أي إلى بعضكم وإلا لم يحسن الاستدراك يعني بـ ﴿ لكن ﴾ فإن من شرطه مخالفة ما بعده لما قبله.
فلو كان المخاطبون في الطرفين واحداً لم يكن للاستدراك معنى بل يؤدّي إلى التناقض لأنه يكون قد أثبت لهم في ثاني الحال محبة الإيمان وكراهة العصيان، وذكر أوّلاً أنه توجب إجابتهم الوقوع في العنت.
قال أهل اللغة: الطاعة موافقة الداعي غير أن المستعمل في حق الأكابر الإجابة، وفي حق الأصاغر الطاعة، وقد ورد القرآن على أصل اللغة.
استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ على مسألة خلق الأفعال.
وحملها المعتزلة على نصب الأدلة أو اللطف والتوفيق أو الوعد والوعيد.
والمعنى ولكن الله حبب إليكم الإيمان فأطعتموه فوقاكم العنت والكفر واضح.
وأما الفسوق والعصيان فقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.
ويحتمل أن يكون الكفر مقابل التصديق بالجنان، والفسوق مقابل الإقرار باللسان لأن الفسق ههنا أمر قولي بدليل قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ سماه فاسقاً لكذبه والعصيان مقابل العمل بالأركان ﴿ أولئك ﴾ البعض المتبينون ﴿ هم الراشدون ﴾ وهذه جملة معترضة.
وقوله ﴿ فضلاً من الله ونعمة ﴾ كل منهما مفعول له والعامل فيهما ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ ويجوز أن يكونا منصوبين عن الراشدين لأن الرشد عبارة عن التحبيب والتكريه المستندين إلى الله، فكأن الرشد أيضاً فعله فاتحد الفاعل في الفعل والمفعول له بهذا الاعتبار.
ويجوز أن يكونا مصدرين من غير لفظ الفعل وهو الرشد فكأنه قيل: فأولئك هم الراشدون رشداً لأن رشدهم إفضال وإنعام منه.
قال بعض العلماء: الفضل بالنظر إلى جانب الله الغنيّ، والنعمة بالنظر إلى جانب العبد الفقير ﴿ والله عليم ﴾ بأحوال الخلق وما بينهم من التمايز والتفاضل ﴿ حكيم ﴾ في تدابيره وأفضاله وأنعامه.
ثم علمهم حكماً آخر.
في الصحيحين عن أنس أنه قيل لرسول الله : يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبيّ.
فانطلق إليه على حمار وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فبال الحمار فقال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك.
فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله فيهم ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ جمع لأن الطائفتين في معنى القوم، أو الناس، أو لأن اقل الجمع اثنان فرجع إليهم رسول الله فأصلح بينهم.
وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا.
وقال ابن بحر: القتال لا يكون بالنعال والأيدي وإنما هذا في المنتظر من الزمان.
والطائفة الجماعة وهي أقل من الفرقة لقوله ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ﴾ وارتفاعها بمضمر دل عليه ما بعده أي إن اقتتلت طائفتان واختير "أن" دون "إذا" مع كثرة وقوع القتال بين المؤمنين ليدل على أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادراً وعلى سبيل الفرض والتقدير، ولهذه النكتة بعينها قال ﴿ طائفتان ﴾ ولم يقل "فريقان" تحقيقاً للتقليل كما قلنا.
وفي تقديم الفاعل على الفعل إشارة أيضاً إلى هذا المعنى لأن كونهما طائفتين مؤمنين يقتضي أن لا يقع القتال بينهما ولهذا اختير المضيّ في الفعل ولم يقل يقتتلون لئلا ينبىء عن الاستمرار.
وفيه أيضاً من التقابل ما فيه.
وإنما قدم الفعل في قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ ليعلم أن المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الجائي به فاسقاً سواء كان قبل ذلك فاسقاً أم لا، ولو أخر الفعل لم تتناول الآية إلا مشهور الفسق قبل المجيء بالنبأ.
قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ اقتتلوا ﴾ على الجمع ولم يقل "فأصلحوا بينهم" لأن عند القتال يكون لكل منهم فعل برأسه، أما عند العود إلى الصلح فإنه تتفق كل طائفة وإلا لم يتحقق الصلح فكان كل من الطائفتين كنفس واحدة فكانت التثنية أقعد.
والبغي الاستطالة وإباء الصلح، والفيء الرجوع وبه سمي الظل لأنه يرجع بعد نسخ الشمس، أو لأن الناس يرجعون إليه، والغنيمة لأنها ترجع من الكفار إلى المسلمين.
ومعنى قوله ﴿ إلى أمر الله ﴾ قيل: إلى طاعة الرسول أو من قام مقامه من ولاة الأمر بقوله ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ﴾ وقيل: إلى الصلح لقوله ﴿ وأصلحوا ذات بينكم ﴾ وقيل: إلى أمر الله بالتقوى فإن من خاف الله حق خشيته لا تبقى له عداوة إلا مع الشيطان.
وإنما قال ﴿ فإن بغت ﴾ ولم يقل "فإذا" بناء على أن بغي إحداهما مع صلاح الأخرى كالنادر، وكذا قوله ﴿ فإن فاءت ﴾ لأن الفئة الباغية مع جهلها وعنادها وإصرارها على حقدها كالأمر النادر نظيره قول القائل لعبده: "إن مت فأنت حر".
مع أن الموت لا بد منه وذلك لأن موته بحيث يكون العبد حياً باقياً في ملكه غير معلوم.
واعلم أن الباغية في اصطلاح الفقهاء فرقة خالفت الإمام بتأويل باطل بطلاناً بحسب الظن لا القطع، فيخرج المرتد لأن تأويله باطل قطعاً، وكذا الخوارج وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أتى بكبيرة ويسبون بعض الأئمة.
وهكذا يخرج مانع حق الشرع لله أو للعباد عناداً لأنه لا تأويل له.
ولا بد أن يكون له شوكة وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفه ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفراداً يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي.
والأكثرون على أن البغاة ليسوا بفسقه ولا كفرة لقوله ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ وعن عليّ : إخواننا بغوا علينا ولكنهم يخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل كما وقع للخارجة عن عليّ حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص لمواطأته إياهم.
وكما قال مانعو الزكاة لأبي بكر: أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا وصلاة غير النبي ليست بسكن لنا.
واتفقوا على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين للحديث المشهور "إن عماراً تقتله الفئة الباغية" وقد يقال: إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما قبل البغي كقوله { ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ والمرتد ليس بمؤمن بالاتفاق.
أما الذي يتلفه العادل على الباغي وبالعكس في غير القتال فمضمون على القاعدة الممهدة في قصاص النفوس وغرامة الأموال، وأما في القتال فلا يضمن العادل لأنه مأمور بالقتال ولا الباغي على الأصح، لأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة والتابعين لم يطلب بعضهم بعضاً بضمان نفس ومال، ولأنه لو وجبت الغرامة لنفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة.
والأموال المأخوذة في القتال تردّ بعد انقضاء الحرب إلى أربابها من الجانبين.
والمراد من متلف القتال ما يتلف بسبب القتال ويتولد منه هلاكه حتى لو فرض إتلاف في القتال من غير ضرورة القتال كان كالإتلاف في غير القتال، والذين لهم تأويل بلا شوكة لزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال وإن كان على صورة القتال، وحكمهم حكم قطاع الطريق إذا قاتلوا، ولو أسقطنا الضمان لأبدت كل شرذمة من أهل الفساد تأويلاً وفعلت ما شاءت وفي ذلك إبطال السياسات، ولهذه النكتة قرن بالإصلاح.
والثاني قوله ﴿ بالعدل ﴾ لأن تضمين الأنفس والأموال يحتاج فيه إلى سلوك سبيل العدل والنصفة لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة مرة أخرى.
واحتج الشافعي لوجوب الضمان إذا لم يكن قتال بأن ابن ملجم قتل علياًَ زاعماً أن له شبهة وتأويلاً فأمر بحبسه وقال لهم: إن قتلتم فلا تمثلوا به فقتله الحسن بن علي وما أنكر عليه أحد.
وأما الذين لهم شوكة ولا تأويل فالظاهر عند بعضهم نفي الضمان وعند آخرين الوجوب.
وأما كيفية قتال الباغين فإن أمكن الأسر لم يقتلوا، وإن أمكن الإثخان فلا يذفف عليه كدفع الصائل إلا إذا التحم القتال وتعسر الضبط.
قوله ﴿ وأقسطوا ﴾ أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما أمر به في إصلاح ذات البين، قال أهل اللغة: القسط بالفتح والسكون الجور من القسط بفتحتين وهو اعوجاج في الرجلين.
وعود قاسط يابس، والقسط بالكسر العدل والهمزة في أقسط للسلب أي أزال القسط وهو الجور.
وحين بين إصلاح الخلل الواقع بين الطائفتين أراد أن يبين الخلل الواقع بين اثنين بالتشاتم والسباب ونحو ذلك فقال ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ أي حالهم لا يعدوا الأخوة الدينية إلى ما يضادّها ﴿ فأصحلوا بين أخويكم ﴾ بإيصال المظلوم إلى حقه وبدفع إثم الظلم عن الظالم.
والتثنية بحسب الأغلب، ويحتمل أن يقال: إنه شامل لما دون الطائفتين.
روي أن النبي قال "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره ثم قال احفظوا ولا يحفظ منكم إلى قليل" ﴿ واتقوا الله ﴾ في سائر الأبواب راجين أن يرحمكم ربكم.
ثم شرع في تأديبات آخر.
والقوم الرجال خاصة لقيامهم على الأمور.
قال جمهور المفسرين: إن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر وكان إذا أتى رسول الله أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول.
فجاء يوماً وقد أخذ الناس مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا.
فقال له رجل: أصبت مجلساً فاجلس.
فجلس ثابت مغضباً ثم قال للرجل: يا فلان ابن فلانه يريد أمّاً كان يعير بها في الجاهلية فسكت الرجل استحياء فنزلت.
وقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله من وراء الحجرات واستهزؤا بالفقراء.
وقيل: في كعب بن مالك قال لعبد الله: يا أعرابي.
فقال له عبد الله: يا يهودي.
وقيل: نزلت ﴿ ولا نساء من نساء ﴾ في عائشة وقد عابت أم سلمة بالقصر.
ويروى أنها ربطت حقويها بثوب أبيض وأسدلت طرفها خلفها وكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذات تجر خلفها كأنه لسان كلب.
وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حييّ أتت رسول الله فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين.
فقال لها رسول الله : هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد.
وتنكير القوم والنساء للبعضية أو لإفادة الشياع.
وإنما لم يقل "رجل من رجل ولا امرأة من امرأة " زيادة للتوبيخ وتنبيهاً على أن السخرية قلما تصدر عن واحد ولكن ليشاركه في ذلك جمع من الحاضرين لأن ميل الطباع لى التلهي والدعابة والازدراء بالضعفاء وأهل السآمة أكثريّ.
وإنما لم يقل "رجل من امرأة" وبالعكس لأن سخرية الجنس من الجنس أكثر فاقتصر على ذلك والباقي فيه بالأولى.
وقوله ﴿ عسى أن يكونوا ﴾ كلام مستأنف ينبىء عن سبب النهي.
عن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلباً.
قوله ﴿ ولا تلمزوا ﴾ تأديب آخر واللمز الطعن باللسان.
والمعنى حضوا أنفسكم بالانتهاء عن الطعن في أمثالكم من أهل هذا الدين ولا عليكم أن تعيبوا غير أهل دينكم.
قيل: اللمز والسب خلف الإنسان، والهمز العيب في وجهه الإنسان.
وقيل: بل الأمر بالعكس لأن من تقاليب همز هزم، وهو يدل على البعد، ومن مقلوب اللمز اللزم وهو يدل على القرب فيشمل العيب بالإشارة أيضاً.
قوله ﴿ ولا تنابزوا ﴾ تأديب آخر والنبز بالسكون القذف بالمكروه من الألقاب، واللقب من الأعلام ما دل على مدح أو ذم، والنبز بالفتح اللقب القبيح فهو أخص من اللقب كما أن اللقب أخص من العلم.
وإنما قال ﴿ ولا تنابزوا ﴾ ولم يقل ولا تنبزوا على منوال ﴿ ولا تلمزوا ﴾ لأن النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالباً فمن ينبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلاً ولا كذلك اللمز فإن الملموز كثيراً ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء فيقع اللمز من جانب واحد فقط.
ثم أكد النهي عن التنابز بقوله ﴿ بئس الاسم ﴾ أي الذكر ﴿ الفسوق ﴾ وفي قوله ﴿ بعد الإيمان ﴾ وجوه أحدها: استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول "بئس الشأن الصبوة بعد الشيخوخة" أي معها.
وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه.
وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة "بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة" فمعنى بعد الإيمان بدلاً عن الإيمان ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما نهي عنه ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ فيه تأديب آخر.
ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب.
وإنما قال ﴿ كثيراً ﴾ ولم يقل الظن مطلقاً لأن منه ما هو واجب كحسن الظن بالله وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي بي" قال النبي "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" وقال "إن حسن الظن من الإيمان" ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن بالله وبأهل الصلاح.
عن النبي "إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " وهو الذي أمر في الآية باجتنابه.
ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة بقوله "من الحزم سوء الظن" وعن النبي "احترسوا من الناس بسوء الظن" ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية.
قال أهل المعاني: إنما نكر ﴿ كثيراً ﴾ ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ ولو عرّف لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه.
والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه.
تأديب آخر ﴿ ولا تجسسوا ﴾ وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث عنه كقوله ﴿ فتحسسوا من يوسف وأخيه ﴾ فبالجيم تفعل من الجس، وبالحاء من الحس.
قال مجاهد: معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله.
عن النبي أنه قال في خطبته "يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لاتتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته" وهذا الأدب كالسبب لما قبله.
فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضاً.
تأديب آخر ﴿ ولا يغتب ﴾ يقال غابه واغتابه بمعنى، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب بظهر الغيب، وسئل رسول الله عنها فقال "أن تذكر أخاك بما يكره فإن كنت صادقاً اغتبته وإن كانت كاذباً فقد بهته" ثم مثل ما يناله المغتاب من عرض صاحبه على أفظع وجه فقال ﴿ أيحب ﴾ إلى آخره.
وفيه أنواع من المبالغة منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه، ومنها إسناد الفعل إلى ﴿ أحدكم ﴾ ففيه إشعار بأنه لا أحد يحب ذلك، ومنها تقييد المكروه بأكل لحم الإنسان، ومنها تقييد الإنسان بالأخ، ومنها جعل الأخ أو اللحم ميتاً ففيه مزيد تنفير للطبع.
وإنما مثل بالأكل لأن العرب تقول لمن ذكر بالسوء إن الناس يأكلون فلاناً ويمضغونه، وفلان مضغة للماضغ.
شبهوا إدارة ذكره في الفم بالأكل.
والميت لمزيد التنفير كما قلنا، أو لأن الغائب كالميت من حيث لا يشعر بما يقال فيه.
أما الفاء في قوله ﴿ فكرهتموه ﴾ ففصيحة أو نتيجة لأنها للإلزام أي بل عافته نفوسكم فكرهتموه.
أو فتحققت بوجوب الإقرار وبحكم العقل وداعي الطبع كراهتكم للأكل أو اللحم أو الميت فليتحق أيضاً أن تكرهوا لما هو نظيره وهي الغيبة.
وقال ابن عباس: هي إدام كلاب الناس.
وعنه أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوماً فبعثاه إلى رسول الله فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة "لبئر من آبار مكة" لغار ماؤها.
فلما راحا إلى رسول الله قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟
فقالا: ما تناولنا لحماً.
فقال: إنكما قد اغتبتما فنزلت.
قلت: قد تبين في الحديث أن في الآية مبالغة أخرى وهي أنه أراد باللحم الميت المدوّد المنتن المخضر، وقد عبر رسول الله بالأمر الحسي عن الأمر المعنوي الذي أدركه بنور النبوّة منهما.
واعلم أن الغيبة وإن كانت منهية إلا أنها مباحة في حق الفاسق.
ففي الحديث "اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس" وروي "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واتقوا الله فيما نهاكم وتوبوا فيما وجد منكم " .
وحين علم المؤمنين تلك الآداب الجميلة عمم الخطاب منعاً من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.
قال بعض الرواة: "إن ثابت بن قيس حين قال فلان ابن فلانة قال النبي : من الذاكر فلانة؟
فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله.
فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟
قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر.
قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين" ، فأنزل الله هذه الآية.
وعن مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي بلالاً حتى أذن على ظهر الكعبة فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم.
وقال الحرث بن هشام: أما وجه محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناَ.
وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيره.
وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء.
فأتى جبريل فأخبره.
وأقول: الآية تزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء.
ويروى أن رسول الله رأي في سوق المدينة غلاماً أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف النبي : فاشتراه رجل وكان رسول الله يراه عند كل صلاة ففقده يوماً فسأل عنه صاحبه فقال: محموم.
فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقيل: هو في ذمائه.
فجاءه وتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت.
وقوله ﴿ من ذكر وأنثى ﴾ فيه وجهان: أحدهما من آدم وحوّاء فيدل على أنه لا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، والثاني كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين كالذباب والذئاب مثلاً، لكن التفاوت بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين، لأن الكافر كالأنعام بل أضل، والمؤمن هو الناس وغيره كالنسناس.
والحاصل أن الشيء إما أن يترجح على غيره بأمر يلحقه ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله.
وهذا القسم إما أن يرجع إلى القابل أو إلى الفاعل كما يقال "كان هذا من النحاس وهذا من الفضة وهذا عمل فلان" فذكر الله أنه لا ترجح بحسب الأصل القابل لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا بحسب الفاعل فإن الله هو خالقكم.
فإن كان تفاوت فبأمور لاحقة وأحقها بالتمييز هو التقوى لما قلنا، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح لشيء منها فاسق وإن كان قرشي النسب قارونيّ النشب.
ثم بين الحكمة التي من أجلها رتبهم على شعوب وقبائل وهي أن يعرف بعضهم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه فقال ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾ أي ليقع بينكم التعارف بسبب ذلك لا أن تتفاخروا بالأنساب.
وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب.
وقال جار الله: الشعب بالفتح الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب.
أوّلها شعب وهي أعم سمي بذلك لأن القبيلة تنشعب منها، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة وهي الأخص مثال ذلك: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.
فائدة: لا ريب أن الخلق يستعمل في الأصول أكثر، والجعل يستعمل فيما يتفرع عليه، ولهذا قال ﴿ خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ﴾ وقال في الآية ﴿ خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل ﴾ ولكنه قال في موضع آخر ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ فبين أن الأصل في الخلق والغرض الأقدم هو العبادة ليعلم منه أن اعتبار النسب وغيره مؤخر عن اعتبار العبادة فلهذا قال ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وفيه معنيان: أحدهما أن التقوى تفيد الإكرام عند الله.
والثاني أن الإكرام في حكم الله يورث التقوى والأول أشهر كما يقال "ألذ الأطعمة أحلاها" أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة.
عن النبي صلى الله عيله وسلم أنه طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها.
يا أيها الناس إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم قرأ الآية" وعنه "من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله" قال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى.
﴿ إن الله عليم ﴾ بظواهركم ﴿ خبير ﴾ ببواطنكم وحق مثله أن يخشى ويتقى.
وحين حث عموم الناس على تقواه وبخ من في إيمانه ضعف.
قال ابن عباس: إن نفراً من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طريق المدينة بالقذاة، وأغلوا أسعارها وكانوا يقولون لرسول الله : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله هذه الآيات.
أي قالوا آمنا بشرائطه فأطلع الله نبيه على مكنون ضمائرهم وقال: لن تؤمنوا إيماناً حقيقياً وهو الذي وافق القلب فيه اللسان.
﴿ ولكن قولوا أسلمنا ﴾ يعني إسلاماً لغوياً وهو الخضوع والانقياد خوفاً من القتل ودخولاً في زمرة أهل الإيمان والسلم.
ثم أكد النفي المذكور بقوله ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ وفيه فائدة زائدة هي أن يعلم أن الإيمان متوقع منهم لأن "لما" حرف فيه توقع وانتظار.
ثم حثهم على الطاعة بقوله ﴿ وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم ﴾ أي لا ينقصكم ﴿ من ﴾ ثواب ﴿ أعمالكم شيئاً ﴾ يعني الثواب المضاعف الموعود في نحو قوله ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ ألت يألت بالهمز إذا نقص وهي لغة غطفان.
يقال ألته السلطان حقه أشدّ الألت.
ولغة أسد وأهل الحجاز لأته ليتاً.
وقال قطرب: ولته يلته بمعنى صرفه عن وجهه.
فيكون ﴿ يلتكم ﴾ على وزن "يعدكم"، وعلى الوجه المتقدم على وزن "يبعكم".
﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ لمن تاب وأخلص نيته.
ثم وصف المؤمنين المحقين بقوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم لم يرتابوا ﴾ كما في قوله ﴿ ربنا الله ثم استقاموا ﴾ وارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة أي ثم لم يقع في قلوبهم شك فيما آمنوا به ولا إتهام لمن صدّقوه وذلك بتشكيك بعض شياطين الجن والإنس.
وقال جار الله: وجه آخر لما كان زوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان تنبيهاً على مزيته وإشعاراً بأنهم مستقرون على ذلك في الأزمنة المتطاولة غضاً جديداً.
وفي قوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ تعريض بأن المذكورين أولاً كاذبون ولهذا قال ﴿ قل لم تؤمنوا ﴾ إشارة إلى كذبهم في دعواهم ورب تعريض لا يقاومه التصريح.
ثم أراد تجهيلهم بقوله ﴿ قل أتعلمون الله بدينكم ﴾ والباء قيل للسببية والأظهر أنه الذي في قولهم ما علمت بقدومك أي ما شعرت ولا أحطت به.
وذكر في أسباب النزول أنه لما نزلت الآية الأولى جاءت هؤلاء الأعراب وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية.
والاستفهام للتوبيخ أي كيف تعلمونه بعقيدتكم وهو عالم بكل خافية والتعليم إفادة العلم على التدريج والمعالجة؟
وقيل: تعريض من لا يعلم بإفهام المعنى لأن يعلم قوله ﴿ يمنون عليك ﴾ نزلت في المذكورين وفي أمثالهم.
يقال: منّ عليه صنعه إذا اعتدّه عليه منة وإنعاماً.
قال أهل العربية: اشتقاق المنة من المن الذي هو القطع لأنه إنما يسدي النعمة إليه ليقطع بها حاجته لا غير من غير أن يعمل لطلب مثوبة وعوض.
ثم قال ﴿ بل الله يمن عليكم ﴾ حيث هداكم للإيمان الذي ادّعيتموه.
وفي إضافة الإسلام إليهم ازدراء بإسلامهم، وفي إيراد الإيمان مطلقاً غير مضاف إشارة إلى الإيمان المعهود الذي يجب أن يكون المكلف عليه.
وجواب الشرط محذوف أي ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في ادعاء الإيمان الحقيقي فلله المنة عليكم.
ثم عرض بأنهم غير صادقين فقال ﴿ إن الله يعلم ﴾ الآية والمراد أنه لا يخفي عليه ضمائرهم والله أعلم بالصواب.
قوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا ﴾ هذه الآية وإن خرجت على مخرج العموم، ولكن أراد بها الخاص، وهو بعض الأعراب؛ إذ في الإجراء على العموم يؤدي إلى الكذب في خير الله - - عن ذلك؛ إذ لا كل الأعراب قالوا ذلك، ولا كل الأعراف يجب أن يقال لهم: لم تؤمنوا، ولكن يقال لهم: قولوا: أسملنا، فهو يرجع إلى خاص من الأعراب، فكأنه يرجع إلى أهل النفاق منهم، فإنهم أخبروا أنهم آمنوا، ولما آمنوا فلما اطلع الله - عز وجل - رسوله أنهم لم يؤمنوا، ولكنهم أستسلموا وخضعوا للمؤمنين ظاهراً؛ خوفاً من معرة السيف، وطمعاً فيما عند المسلمين من الخير، فنهاهم أن يقولوا: آمنا، إذا لم يكن في قلوبهم ذلك، وأمرهم أن يقولوا: أسملنا، ومعناه ما ذكرنا؛ أي: خضعنا واستسلمنا، ليرتفع عنهم السيف.
ولا يصح الاستدلال بالآية على أن الإسلام والإيمان غيران، فإنه غاير بينهما؛ حيث نهاهم أن يقولوا: آمنا وآمرهم أن يقولوا: أسلمنا، ولو كان واحداً لم يصح هذا؛ لأنا نقول: لم يرد بهذا الإسلام هو الإسلام الذي هو الإيمان، ولكن أراد به الاستسلام والانقياد الظاهر، وهو كما يسمى: إسلاماً يسمى: إيماناً - أيضاً - من حيث الظاهر، فأما حقيقة الإيمان والإسلام ترجع إلى واحد، لأن الإيمان هو أن يصدق كل شيء في شهادته على الربوبية والواحدانية لله - - والإسلام هو أن يجعل كل شيء لله سالماً، لا شركة لأحد فيه، فمتى اعتقد أن كل شيء في العالم لله - - وهو الخالق له، وكل مصنوع شاهد ودليل على صانعه فقد صدقه في شهادته على صانعه، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ الإيمان ليس هو محسوساً مركباً يدخل في القلب أو لا، ولكن معناه: نفى فعل القلب، وهو التصديق؛ كأنه قال: ولم تؤمن قلوبهم؛ على ما ذكر في آية أخرى ﴿ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ .
ثم هاتان الآيتان تنقضان على الكرامية مذهبهم في أن الإيمان لا يكون بالقلب، ولكن باللسان والقول، فإن أهل النفاق قد قالوا ذلك بلسانهم، ثم أخبر أنهم لم يؤمنوا، وهم يقولون: بل قد آمنوا.
فيقال لهم: ﴿ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ﴾ ، ﴿ قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ .
وفي هذه الآية آية عظيمة على رسالته؛ حيث قال له: ﴿ قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا ﴾ وقد قال لهم - عليه الصلاة والسلام - ذلك، ولم يتهيأ لهم إنكار ذلك القول، فعرفوا أنه بالله عرف ذلك، ولم يظهروا ما في ضميرهم خوفاً من السيف ليعرف النبي والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً ﴾ جائز أن تكون الآية صلة ما ذكر في سورة الفتح للمنافقين بعد تخلفهم عن أمر الحديبية مع المؤمنين؛ حيث قال: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ وما ذكر من أمرهم في غير آي من القرآن، يقول: ﴿ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً ﴾ يقول: إن تطيعوا الله ورسوله فيما يدعوكم الرسول إلى الخروج إلى الجهاد والقتال بعد تخلفكم عن الحديبية لا ينقصكم من أعمالكم التي كانت لكم شيئاً، و الله أعلم.
ويحتمل وإن تطيعوا الله ورسوله بعد وفاة رسول الله لم يلتكم من أعمالكم شيئاً، أي: لم ينقصكم من أعمالكم التي عملتموها من قبل، ولم تضلوا أعمالكم التي عملتم من بعد، وإن عصيتموه وتخلفتم عنه في حياته؛ لأنه قال: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً ﴾ قد كان نهاهم عن الخروج معه للغزو أبداً، فيقول: إن تطيعوا بعد وفاته وتجاهدوا في سبيل الله لم يلتكم من أعاملكم شيئاً؛ بل يقبل ذلك منكم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون في المنافقين، فيكون فيها وعد المغفرة للمنافقين إذا تابوا وأطاعوا الله ورسوله، كما وعد المغفرة لجميع الكفرة إذا تابوا عن الكفر بقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ فعلى ذلك هذا، وهو كقوله : ﴿ لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، والله أعلم.
قال بعضهم: هذا في جميع المؤمنين: إن من أطاع الله ورسوله لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً؛ أي: لا يضيع أعمالكم؛ بل يثيبكم؛ كقوله - -: ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ﴾ أي: من عمل لله لا يضيع، ومن عمل لغيره قد يضيع، فلا يظفر على ثوابه بشيء.
ويحتمل أن تكون الآية في المؤمنين الذين أسلموا؛ يقول: إذا أسلمتم فلم ينقصكم من ثواب أعمالكم ما سبق منكم من الكفر، وهو كقوله - -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ﴾ كأن هذا ذكر مقابل ما تقدم من قول المنافقين؛ حيث قال: ﴿ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ ، فقال لهم: قل: لم تؤمنوا أنتم، إنما المؤمنون هؤلاء، ثم نعتهم فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ﴾ أخبر أن هؤلاء هم الصادقون في إيمانهم، وأنتم يا أهل النفاق بحث أضمرتم الخلاف له ولم تجاهدوا معه فلستم بصادقين في إيمانكم، فجعل الجهاد دليل ظهور الصدق في الإيمان، لا أنه من شرائط الإيمان الذي لا يجوز الإيمان الذي دونه.
ويحتمل: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ؛ أي: صدقوا الله ورسوله سرّاً وعلانية على الحقيقة، لا الذين أظهروا ولم تكن قلوبهم مصدقة لذلك كالمنافقين؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ ﴾ أي: لم يشكوا في حادث الوقت؛ بل جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله؛ إظهاراً لتحقيق الإيمان وصدقه، وليسوا كالمنافقين الذين ارتابوا وشكوا في إيمانهم، وتخلفوا عن الجهاد مع رسول الله ، والله أعلم.
ثم قال الله - -: ﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾ كأنه صلة قوله - - ﴿ قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ حيث قالوا ذلك بألسنتهم، وليس ذلك في قلوبهم، فأخبر أنه يعلم ما في قلوبهم من الإيمان والشك والخلاف، كأنهم حين قال لهم الرسول : لم تؤمنوا، فجلوّا في ذلك وقالوا: بل آمنّا؛ ظنوا أنه إنما قال ذلك من دأب نفسه، فقال عند ذلك قل: ﴿ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾ يخير أن الذي أنبأني وأخبرني بذلك هو الذي يعلم غيب ما في السماوات وما في الأرض، وهو بكل شيء مما في القلوب من الصدق وغيره عليم، فكيف تعلمون الله بأنكم مؤمنون، وهو يعلم أنكم لكاذبون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ ﴾ الذي حملهم وبعثهم على الامتنان عليه بالإيمان الذي أتوا به أنهم قوم لا يؤمنون بالآخرة؛ فيظنون أنهم إذا أظهروا الموافقة لم يلحقهم بسببه مؤنة الخروج إلى القتال.
أو متى أظهروا الإيمان يصير المسملون أعوانً لهم، ونحو ذلك.
هذا الذي ذكرنا ونحوه بعثهم وحملهم على الامتنان عليه، ولو كانوا يؤمنون بالآخرة لعرفوا أن إيمانهم لأنفسهم؛ إذ به نجاتهم، وإليهم يقع نفعه، ليس في الإيمان لله - - نفع، ولا في تركه ضرر، عن الضرر والنفع، فيكون الامتنان لله - - عليهم كما قال: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
ثم [في] قوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ ﴾ نقض قول المعتزلة: إنه يجب على الله - - أن يهديهم؛ لقولهم بالأصلح، فإنه قال: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ ﴾ ولو كانت هدايتهم و اجبة عليه لا يكون له عليهم منة؛ لأنه مؤد [ما] عليه لهم من الحق، ومن أدى حقّاً عليه لآخر لا يكون له الامتنان على صاحب الحق، وكذلك في قوله - -: ﴿ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً ﴾ لو كانت الهداية [واجبة] عليه لا يكون في فعله متفضلا ولا منعماً، بل يكون لهم عليه الامتنان، ومنهم الإفضال والإنعام؛ لما عظموه وبجلوه بشيء كان عليه فعل ذلك حقّاً واجباً له؛ فدل على فساد مذهبهم.
وفيه دلالة أن الهداية ليست هي البيان فحسب؛ لوجهين: أحدهما: لأن هداية البيان مما قد كان فيحق الكافر والمسلم جميعاً، فلا معنى لتخصيص المسلمين بهذه المنة ومثلها موجود في حق غيرهمه.
والثاني: أن البيان قد عم الكافر والمؤمن، وقد أخبر الله - - بأن له المنة عليهم إن كانوا صادقين في إيمانهم، فلو كانت الهداية هي البيان لا غير، لكان لا يشترط فيه شرط صدقهم؛ لأن منة البيان نعم الصادقين وغير الصادقين دل أن المراد من الهداية: الإسلام، حتى تتحقق له المنة على الخصوص في حق المسلمين، والله الموفق.
ثم الهداية المذكرة - هاهنا - تحتمل وجهين: أحدهما: خلق فعل الاهتداء منهم.ط والثاني: التوفيق والعصمة؛ كأنه يقول: بل الله يمن عليكم أن خلق منكم الاهتداء أو وفقكم للإيمان، وعصمكم عن ضده، وكذلك يخرج قوله - -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ على هذه الوجهين: وفقكم له وعصمكم عن ضده، أو خلق حبه في قلوبكم وزينه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ هذا يخرج على الوعيد؛ أي: هو بصير بما أسروا وأعلنوا، ليكونوا أبداً على يقظة وحذر، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
يمنّ عليك -أيها الرسول- هؤلاء الأعراب بإسلامهم، قل لهم: لا تمنوا عليّ بدخولكم في دين الله، فنفع ذلك -إن حصل- عائد عليكم، بل الله هو الذي يمنّ عليكم بأن وفّقكم للإيمان به إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم دخلتم فيه.
<div class="verse-tafsir" id="91.7ZkLP"