الآية ٣ من سورة الحجرات

الإسلام > القرآن > سور > سورة 49 الحجرات > الآية ٣ من سورة الحجرات

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 103 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة الحجرات: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة الحجرات عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم ندب الله عز وجل ، إلى خفض الصوت عنده ، وحث على ذلك ، وأرشد إليه ، ورغب فيه ، فقال : ( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) أي : أخلصها لها وجعلها أهلا ومحلا ( لهم مغفرة وأجر عظيم ) .

وقد قال الإمام أحمد في كتاب الزهد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، قال : كتب إلى عمر يا أمير المؤمنين ، رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها ، أفضل ، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها ؟

فكتب عمر ، رضي الله عنه : إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) يقول تعالى ذكره: إن الذين يكفون رفع أصواتهم عند رسول الله, وأصل الغضّ: الكفّ في لين.

ومنه: غضّ البصر, وهو كفه عن النظر, كما قال جرير: فَغُــضَّ الطَّـرْفَ إنَّـكَ مِـنْ نُمَـيْر فَــلا كَعْبــا بَلَغــتَ وَلا كِلابــا (3) وقوله ( أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله, هم الذين اختبر الله قلوبهم بامتحانه إياها, فاصطفاها وأخلصها للتقوى, يعني لاتقائه بأداء طاعته, واجتناب معاصيه, كما يمتحن الذهب بالنار, فيخلص جيدها, ويبطل خبثها (4) .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله ( امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) قال: أخلص.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) قال: أخلص الله قلوبهم فيما أحبّ.

وقوله ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ) يقول: لهم من الله عفو عن ذنوبهم السالفة, وصفح منه عنها لهم ( وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) يقول: وثواب جزيل, وهو الجنة.

------------------------ الهوامش: (3) البيت لجرير بن الخطفي ، من قصيدة يهجو بها الراعي النميري الشاعر .

( ديوانه 64 ) يقول له .

غض نظرك أي كف بصرك ذلا ومهانة .

وهذا موضع الشاهد عند قوله تعالى " يغضون أصواتهم عند رسول الله " وهو من ذلك .

قال في " اللسان : غض " : وغض طرفه وبصره ، يغضه غضا وغضاضا ( ككتاب ) وغضاضة ( كسحابة ) فهو مغضوض وغضيض " كفه وخفضه وكسره ، وقيل : هو إذا دانى بين جفونه ونظر .

وقيل : الغضيض : الطرف المسترخي الأجفان .

وفي الحديث " كان إذا فرح غض طرفه " ، أي كسره وأطرق ، ولم يفتح عينيه .

وإنما كان يفعل ذلك ، ليكون أبعد من الأشر والمرح .

أ هـ .

وكعب وكلاب : حيان من تميم .

(4) الضمير في جيدها وخبثها : راجع إلى الذهب ، لأنها مؤنثة ، وقد تذكر .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيمقوله تعالى : إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أي يخفضون أصواتهم عنده إذا تكلموا إجلالا له ، أو كلموا غيره بين يديه إجلالا له .

قال أبو هريرة : لما نزلت لا ترفعوا أصواتكم قال أبو بكر - رضي الله عنه - : والله لا أرفع صوتي إلا كأخي السرار .

وذكر سنيد قال : حدثنا عباد بن العوام عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة قال : لما نزلت : لا تقدموا بين يدي الله ورسوله قال أبو بكر : والذي بعثك بالحق لا أكلمك بعد هذا إلا كأخي السرار .

وقال عبد الله بن الزبير : لما نزلت : لا ترفعوا أصواتكم ما حدث عمر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك فسمع كلامه حتى يستفهمه مما يخفض ، فنزلت : إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى .

قال الفراء : أي : أخلصها للتقوى .

وقال الأخفش : أي : اختصها للتقوى .

وقال ابن عباس : امتحن الله قلوبهم للتقوى طهرهم من كل قبيح ، وجعل في قلوبهم الخوف من الله والتقوى .

وقال عمر - رضي الله عنه - : أذهب عن قلوبهم الشهوات .

والامتحان : افتعال من محنت الأديم محنا حتى أوسعته .

فمعنى امتحن الله قلوبهم للتقوى وسعها وشرحها للتقوى .

وعلى الأقوال المتقدمة : امتحن قلوبهم فأخلصها ، كقولك : امتحنت الفضة أي : اختبرتها حتى خلصت .

ففي الكلام حذف يدل عليه الكلام ، وهو الإخلاص .

وقال أبو عمرو : كل شيء جهدته فقد محنته .

وأنشد :أتت رذايا باديا كلالها قد محنت واضطربت آطالهالهم مغفرة وأجر عظيم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم مدح من غض صوته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن الله امتحن قلوبهم للتقوى، أي: ابتلاها واختبرها، فظهرت نتيجة ذلك، بأن صلحت قلوبهم للتقوى، ثم وعدهم المغفرة لذنوبهم، المتضمنة لزوال الشر والمكروه، والأجر العظيم، الذي لا يعلم وصفه إلا الله تعالى، وفي الأجر العظيم وجود المحبوب وفي هذا، دليل على أن الله يمتحن القلوب، بالأمر والنهي والمحن، فمن لازم أمر الله، واتبع رضاه، وسارع إلى ذلك، وقدمه على هواه، تمحض وتمحص للتقوى، وصار قلبه صالحًا لها ومن لم يكن كذلك، علم أنه لا يصلح للتقوى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ) الآية .

قال أنس : فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا ، فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب ، رأى ثابت من المسلمين بعض الانكسار وانهزمت طائفة منهم ، فقال : أف لهؤلاء ، ثم قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة : ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل هذا ، ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا واستشهد ثابت وعليه درع ، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام وأنه قال له : اعلم أن فلانا رجل من المسلمين نزع درعي فذهب بها وهي في ناحية من المعسكر عند فرس يسير في طوله ، وقد وضع على درعي برمة ، فائت خالد بن الوليد وأخبره حتى يسترد درعي ، وائت أبا بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقل له : إن علي دينا حتى يقضى ، وفلان من رقيقي عتيق ، فأخبر الرجل خالدا فوجد درعه والفرس على ما وصفه له ، فاسترد الدرع ، وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا فأجاز أبو بكر وصيته .

قال مالك بن أنس : لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه .

قال أبو هريرة وابن عباس : لما نزلت هذه الآية كان أبو بكر لا يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا كأخي السرار .

وقال ابن الزبير : لما نزلت هذه الآية ما حدث عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك فيسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - كلامه حتى يستفهمه مما يخفض صوته ، فأنزل الله تعالى : " إن الذين يغضون أصواتهم " ، يخفضون ( أصواتهم عند رسول الله ) إجلالا له ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) اختبرها وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصه ( لهم مغفرة وأجر عظيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن» اختبر «الله قلوبهم للتقوى» أي لتظهر منهم «لهم مغفرة وأجر عظيم» الجنة، ونزل في قوم جاءُوا وقت الظهيرة والنبي صلى الله عليه وسلم في منزله فنادوه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين يَخْفِضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين اختبر الله قلوبهم، وأخلصها لتقواه، لهم من الله مغفرة لذنوبهم وثواب جزيل، وهو الجنة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم مدح - سبحانه - الذين يغضون أصواتهم فى حضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ &;يَغُضُّونَ1649;للَّهِ أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى ..

.

) .وقوله : ( يَغُضُّونَ ) بمعنى يخفضون .

يقال : غض فلان من صوته ومن طرفه إذا خفضه .

وكل شئ كففته عن غيره فقد غضضته .وقوله : ( امتحن ) أى : اختبر وأخلص ، وأصله من امتحان الذهب وإذابته ليخلص جيده من خبيثه ، والمراد به هنا : إخلاص القلوب لمراقبة الله وتقواه .أى : إن الذين يخفضون أصواتهم فى حضرة رسول الله - صلى الله علهي وسلم - وعند مخاطبتهم له .

أولئك الذين يفعلون ذلك ، هم الذين أخلص الله - تعالى - قلوبهم لتقواه وطاعته ، وجعلها خالصة من أى شئ سوى هذه الخشية والطاعة .قال صاحب الكشاف : ( امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى ) من قولك : امتحن فلان لأمر كذا وجرب له ، ودرب للنهوض به ، فهو مضطلع به غير وان عنه ، والمعنى : أنهم صبروا على التقوى ، أقوياء على احتمال مشاقها .

أو وضع الامتحان موضع المعرفة ، لأن تحقق الشئ باختباره ، كما يوضع الخبر موضعها ، فكأنه قيل : عرف الله قلوبهم للتقوى .وقوله : ( لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) بشارة عظيمة من الله - تعالى - لهم .

أى : لهؤلاء الغاضين أصواتهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مغفرة لذنوبهم ، وأجر كبير لا يعرف مقداره أحد سوى الله - تعالى - .ولقد التزم المسلمون بهذا الأدب فى حياة النبى - صلى الله عليه وسلم - بوعد مماته ، فقد سمع عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - رجلا يرفع صوته فى المسجد النبوى : فقال له : من أين أنت - أيها الرجل -؟

فقال : من الطائف ، فقال له : لو كنت من أهل المدينة لأوجعتك ضربا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه الحث على ما أرشدهم إليه من وجهين: أحدهما: ظاهر لكل أحد وذلك في قوله تعالى: ﴿ امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى ﴾ وبيانه هو أن من يقدم نفسه ويرفع صوته يريد إكرام نفسه واحترام شخصه، فقال تعالى ترك هذا الاحترام يحصل به حقيقة الاحترام، وبالإعراض عن هذا الإكرام يكمل الإكرام، لأن به تتبين تقواكم، و ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم  ﴾ ومن القبيح أن يدخل الإنسان حماماً فيتخير لنفسه فيه منصباً ويفوت بسببه منصبه عند السلطان، ويعظم نفسه في الخلاء والمستراح وبسببه يهون في الجمع العظيم، وقوله تعالى: ﴿ امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى ﴾ فيه وجوه: أحدها: امتحنها ليعلم منه التقوى فإن من يعظم واحداً من أبناء جنسه لكونه رسول مرسل يكون تعظيمه للمرسل أعظم وخوفه منه أقوى، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب  ﴾ أي تعظيم أوامر الله من تقوى الله فكذلك تعظيم رسول الله من تقواه الثاني: امتحن أي علم وعرف، لأن الامتحان تعرف الشيء فيجوز استعماله في معناه، وعلى هذا فاللام تتعلق بمحذوف تقديره عرف الله قلوبهم صالحة، أي كائنة للتقوى، كما يقول القائل أنت لكذا أي صالح أو كائن الثالث: امتحن: أي أخلص يقال للذهب ممتحن، أي مخلص في النار وهذه الوجوه كلها مذكورة ويحتمل أن يقال معناه امتحنها للتقوى اللام للتعليل، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون تعليلاً يجري مجرى بيان السبب المتقدم، كما يقول القائل: جئتك لإكرامك لي أمس، أي صار ذلك الإكرام السابق سبب المجيء.

وثانيها: أن يكون تعليلاً يجري مجرى بيان غاية المقصود المتوقع الذي يكون لاحقاً لا سابقاً كما يقول القائل جئتك لأداء الواجب، فإن قلنا بالأول فتحقيقه هو أن الله علم ما في قلوبهم من تقواه، وامتحن قلوبهم للتقوى التي كانت فيها، ولولا أن قلوبهم كانت مملوءة من التقوى لما أمرهم بتعظيم رسوله وتقديم نبيه على أنفسهم، بل كان يقول لهم آمنوا برسولي ولا تؤذوه ولا تكذبوه، فإن الكافر أول ما يؤمن يؤمن بالاعتراف بكون النبي صلى الله عليه وسلم صادقاً، وبين من قيل له لا تستهزئ برسول الله ولا تكذبه ولا تؤذه، وبين من قيل له لا ترفع صوتك عنده ولا تجعل لنفسك وزناً بين يديه ولا تجهر بكلامك الصادق بين يديه، بون عظيم.

واعلم أن بقدر تقديمك للنبي عليه الصلاة والسلام على نفسك في الدنيا يكون تقديم النبي عليه الصلاة والسلام إياك في العقبى، فإنه لن يدخل أحد الجنة ما لم يدخل الله أمته المتقين الجنة، فإن قلنا بالثاني فتحقيقه هو أن الله تعالى امتحن قلوبهم بمعرفته ومعرفة رسوله بالتقوى، أي ليرزقهم الله التقوى التي هي حق التقاة، وهي التي لا تخشى مع خشية الله أحداً فتراه آمناً من كل مخيف لا يخاف في الدنيا بخساً، ولا يخاف في الآخرة نحساً، والناظر العاقل إذا علم أن بالخوف من السلطان يأمن جور الغلمان، وبتجنب الأراذل ينجو من بأس السلطان فيجعل خوف السلطان جنة فكذلك العالم لو أمعن النظر لعلم أن بخشية الله النجاة في الدارين وبالخوف من غيره الهلاك فيهما فيجعل خشية الله جنته التي يحس بها نفسه في الدنيا والآخرة.

ثم قال تعالى: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقد ذكرنا أن المغفرة إزالة السيئات التي هي في الدنيا لازمة للنفس والأجر العظيم إشارة إلى الحياة التي هي بعد مفارقة الدنيا عن النفس، فيزيل الله عنه القبائح البهيمية ويلبسه المحاسن الملكية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى ﴾ من قولك: امتحن فلان لأملا كذا وجرب له، ودرب للنهوض به.

فهو مضطلع به غير وان عنه.

والمعنى أنهم صبر على التقوى، أقوياء على احتمال مشاقها.

أو وضع الامتحان موضع المعرفة؛ لأنّ تحقق الشيء باختباره، كما يوضع الخبر موضعها، فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم للتقوى، وتكون اللام متعلقة بمحذوف، واللام هي التي في قولك: أنت لهذا الأمر، أي كائن له ومختص به قال: أَنْتَ لَهَا أَحْمَدُ مِنْ بَيْنِ الْبَشَر ** أَعَدَّاءٌ مَنْ لِلْيَعْمُلاَتِ عَلَى الْوَجَى وهي مع معمولها منصوبة على الحال.

أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى، أي لتثبت وتظهر تقواها، ويعلم أنهم متقون؛ لأن حقيقة التقوى لا تعلم إلا عند المحن والشدائد والاصطبار عليها.

وقيل أخلصها للتقوى.

من قولهم: امتحن الذهب وفتنه، إذا أذابه فخلص إبريزه من خبشه ونقاه.

وعن عمر رضي الله عنه: أذهب الشهوات عنها.

والامتحان: افتعال، من محنه، وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد.

قال أبو عمرو: كل شيء جهدته فقد محنته.

وأنشد: أَتَتْ رَذَايَا بَادِياً كِلاَلُهَا ** قَدْ مَحَنَتْ واضطربت آطَالُهَا قيل: أنزلت في الشيخين رضي الله عنهما، لما كان منهما من غض الصوت والبلوغ به أخا السرار.

وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم اسماً لأنّ المؤكدة.

وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معاً.

والمبتدأ: اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة: مبهماً أمره ناظرة في الدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خفض أصواتهم، وفي الإعلام بمبلغ عزة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدر شرف منزلته، وفيها تعريض بعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم واستيجابهم ضد ما استوجب هؤلاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ أيْ إذا كَلَّمْتُمُوهُ فَلا تُجاوِزُوا أصْواتَكم عَنْ صَوْتِهِ.

﴿ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ ﴾ ولا تَبْلُغُوا بِهِ الجَهْرَ الدّائِرَ بَيْنَكم بَلِ اجْعَلُوا أصْواتَكم أخْفَضَ مِن صَوْتِهِ مُحاماةً عَلى التَّرْحِيبِ ومُراعاةً لِلْأدَبِ.

وقِيلَ: مَعْناهُ ولا تُخاطِبُوهُ بِاسْمِهِ وكُنْيَتِهِ كَما يُخاطِبُ بَعْضُكم بَعْضًا وخاطِبُوهُ بِالنَّبِيِّ والرَّسُولِ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِاسْتِدْعاءِ مَزِيدِ الِاسْتِبْصارِ والمُبالَغَةِ في الِاتِّعاظِ والدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِ المُنادى لَهُ وزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِهِ.

﴿ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ ﴾ كَراهَةَ أنْ تَحْبَطَ فَيَكُونَ عِلَّةً لِلنَّهْيِ، أوْ لِأنْ تَحْبَطَ عَلى أنَّ النَّهْيَ عَنِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِاعْتِبارِ التَّأْدِيَةِ لِأنَّ في الجَهْرِ والرَّفْعِ اسْتِخْفافًا قَدْ يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ المُحْبِطِ، وذَلِكَ إذِ انْضَمَّ إلَيْهِ قَصْدُ الإهانَةِ وعَدَمُ المُبالاةِ.

وَقَدْ رُوِيَ: «أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ كانَ في أُذُنِهِ وقْرٌ وكانَ جَهْوَرِيًّا، فَلَمّا نَزَلَتْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  فَتَفَقَّدَهُ ودَعاهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أُنْزِلَتْ إلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ وإنِّي رَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ فَأخافُ أنْ يَكُونَ عَمَلِي قَدْ حَبِطَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَسْتَ هُناكَ إنَّكَ تَعِيشُ بِخَيْرٍ وتَمُوتُ بِخَيْرٍ وإنَّكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ».وَأنْتُمْ» ﴿ لا تَشْعُرُونَ ﴾ أنَّها مُحْبَطَةٌ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ ﴾ يُخْفِضُونَها.

عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مُراعاةً لِلْأدَبِ أوْ مَخافَةً عَنْ مُخالَفَةِ النَّهْيِ.

قِيلَ: كانَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ يُسِرّانِهِ حَتّى يَسْتَفْهِمَهُما.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى ﴾ جَرَّبَها لِلتَّقْوى ومَرَّنَها عَلَيْها، أوْ عَرَّفَها كائِنَةً لِلتَّقْوى خالِصَةً لَها، فَإنَّ الِامْتِحانَ سَبَبُ المَعْرِفَةِ واللّامُ صِلَةُ مَحْذُوفٍ أوْ لِلْفِعْلِ بِاعْتِبارِ الأصْلِ، أوْ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَهم بِأنْواعِ المِحَنِ والتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ لِأجْلِ التَّقْوى، فَإنَّها لا تَظْهَرُ إلّا بِالِاصْطِبارِ عَلَيْها، أوْ أخْلَصَها لِلتَّقْوى مِنِ امْتَحَنَ الذَّهَبَ إذا أذابَهُ ومَيَّزَ إبْرِيزَهُ مِن خَبَثِهِ.

﴿ لَهم مَغْفِرَةٌ ﴾ لِذُنُوبِهِمْ.

﴿ وَأجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لِغَضِّهِمْ وسائِرِ طاعاتِهِمْ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ، أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما هو جَزاءُ الغاضِبِينَ إحْمادًا لِحالِهِمْ كَما أخْبَرَ عَنْهم بِجُمْلَةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِن مَعْرِفَتَيْنِ، والمُبْتَدَأُ اسْمُ الإشارَةِ المُتَضَمَّنِ لِما جُعِلَ عُنْوانًا لَهُمْ، والخَبَرُ المَوْصُولُ بِصِلَةٍ دَلَّتْ عَلى بُلُوغِهِمْ أقْصى الكَمالِ مُبالَغَةً في الِاعْتِدادِ بِغَضِّهِمْ والِارْتِضاءِ لَهُ، وتَعْرِيضًا بِشَناعَةِ الرَّفْعِ والجَهْرِ وأنَّ حالَ المُرْتَكِبِ لَهُما عَلى خِلافِ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله} ثم اسم إن عند قوله رَسُولِ الله والمعنى يخفضون أصواتهم في مجلسه تعظيماً له {أولئك} مبتدأ خبره {الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى} وتم صلة الذين عند قوله للتقوى وأولئك مع خبره خبران والمعنى أخلصها للتقوى من قولهم امتحن الذهب وفتنة إذا أذابه فخلص ابريزه من خبثه ونقاه وحقيقته عاملها معاملة المختبر فوجدها مخلصة وعن عمر رضى الله عنه أذهب الشهوات عنها والامتحان افتعال من محنه وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} جملة أخرى قيل نزلت في الشيخين رضى الله عنهما لما كان منهما من غض الصوت وهذه الآية بنظمها الذى وتبت عليه من إيقاع الغاضين اصواتهم اسما لان المؤكدة وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معا والمبتدا امس الإشارة واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم وإيراد الجزاء نكرة مبهماً أمره دالة على غاية الاعتداد والارتضاء بفعل الخافضين أصواتهم وفيها تعريض لعظيم ما ارتكب الرافعون اصواتهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ إلَخْ تَرْغِيبٌ في الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ بَعْدَ التَّرْهِيبِ عَنِ الإخْلالِ بِهِ أيْ يَحْفَظُونَها مُراعاةً لِلْأدَبِ أوْ خَشْيَةً مِن مُخالَفَةِ النَّهْيِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، وأصْلُ مَعْنى الِامْتِحانِ التَّجْرِبَةُ والِاخْتِبارُ، والمُرادُ بِهِ هُنا لِاسْتِحالَةِ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ تَعالى التَّمْرِينُ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ أيْ أنَّهم مَرَّنَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم لِلتَّقْوى.

وفي الكَشْفِ الِامْتِحانُ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ صَبْرِهِمْ عَلى التَّقْوى وثَباتِهِمْ عَلَيْها وعَلى احْتِمالِ مَشاقِّها لِأنَّ المُمْتَحَنَ جَرَّبَ وعُوِّدَ مِنهُ الفِعْلُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى فَهو دالٌّ عَلى التَّمَرُّنِ المُوجِبِ لِلِاضْطِلاعِ، والإسْنادِ إلَيْهِ تَعالى لِلدَّلالَةِ عَلى التَّمْكِينِ، فَفِيهِ عَلى ما قِيلَ مَعَ الكِنايَةِ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ والأصْلُ امْتَحَنُوا قُلُوبَهم لِلتَّقْوى بِتَمْكِينِ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، وكَأنَّهُ إنَّما اعْتَبَرَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ إرادَةُ المَعْنى المَوْضُوعِ لَهُ هُنا فَلا يَصِحُّ كَوْنُهُ كِنايَةً عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُ فِيها إرادَةَ الحَقِيقَةِ، ومَنِ اكْتَفى فِيها بِجَوازِ الإرادَةِ وإنِ امْتَنَعَتْ في مَحَلِّ الِاسْتِعْمالِ لَمْ يَحْتَجْ إلى ذَلِكَ الِاعْتِبارِ.

واخْتارَ الشِّهابُ كَوْنَ الِامْتِحانِ مَجازًا عَنِ الصَّبْرِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، وحاصِلُ المَعْنى عَلَيْهِ كَحاصِلِهِ عَلى الكِنايَةِ أيْ إنَّهم صُبْرٌ عَلى التَّقْوى أقْوِياءُ عَلى مَشاقِّها أوِ المُرادُ بِالِامْتِحانِ المَعْرِفَةُ كَما حُكِيَ عَنِ الجِبائِيِّ مَجازًا مِن بابِ إطْلاقِ السَّبَبِ وإرادَةِ المُسَبِّبِ، والمَعْنى عَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى، وإسْنادُ المَعْرِفَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ بِغَيْرِ لَفْظِها غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وهو في القُرْآنِ الكَرِيمِ شائِعٌ، عَلى أنَّ الصَّحِيحَ جَوازُ الإسْنادِ مُطْلَقًا لِما في نَهْجِ البَلاغَةِ مِن إطْلاقِ العارِفِ عَلَيْهِ تَعالى، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ أيْضًا عَلى ما ادَّعاهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، واللّامُ صِلَةٌ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( قُلُوبَهم ) أيْ كائِنَةً لِلتَّقْوى مُخْتَصَّةً بِها، فَهو نَحْوُ اللّامِ في قَوْلِهِ: وقَصِيدَةٍ رائِقَةٍ ضَوَّعْتُها أنْتَ لَها أحْمَدُ مِن بَيْنِ البَشَرِ وقَوْلِهِ: أعْداءٌ مَن لِلْيَعْمُلاتِ عَلى الوَجى ∗∗∗ وأضْيافُ لَيْلٍ بَيَّتُوا لِلنُّزُولِ أوْ هي صِلَةٌ لِامْتَحَنَ، بِاعْتِبارِ مَعْنى الِاعْتِيادِ أوِ المُرادُ ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم بِأنْواعِ المِحَنِ والتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ لِأجْلِ التَّقْوى أيْ لِتَظْهَرَ ويُعْلَمَ أنَّهم مُتَّقُونَ إذْ لا تُعْلَمُ حَقِيقَةُ التَّقْوى إلّا عِنْدَ المِحَنِ والِاصْطِبارِ عَلَيْها، وعَلى هَذا فالِامْتِحانُ هو الضَّرْبُ بِالمِحَنِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ عَلى مَعْنى أنَّ ظُهُورَ التَّقْوى هو الغَرَضُ والعِلَّةُ وإلّا فالصَّبْرُ عَلى المِحْنَةِ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّقْوى لا العَكْسُ، أوِ المُرادُ أخْلَصَها لِلتَّقْوى أيْ جَعَلَها خالِصَةً لِأجْلِ التَّقْوى أوْ أخْلَصَها لَها فَلَمْ يَبْقَ لِغَيْرِ التَّقْوى فِيها حَقٌّ كَأنَّ القُلُوبَ خَلُصَتْ مِلْكًا لِلتَّقْوى، وهَذا أبْلَغُ وهو اسْتِعارَةٌ مِنِ امْتِحانِ الذَّهَبِ وإذابَتِهِ لِيَخْلُصَ إبْرِيزُهُ مِن خَبَثِهِ ويُنَقّى أوْ تَمْثِيلٌ، وتَفْسِيرُ ﴿ امْتَحَنَ ﴾ بِأخْلَصَ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الكَعْبِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ، وقالَ الواحِدِيُّ: تَقْدِيرُ الكَلامِ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم فَأخْلَصَها لِلتَّقْوى فَحُذِفَ الإخْلاصُ لِدَلالَةِ الِامْتِحانِ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِذاكَ.

واخْتارَ صاحِبُ الكَشْفِ ما نُقِلَ عَنْهُ أوَّلًا فَقالَ: الأوَّلُ أرْجَحُ الوُجُوهِ لِكَثْرَةِ فائِدَتِهِ مِنَ الكِنايَةِ والإسْنادِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا الغَضِّ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ هو مُدَرَّبٌ لِلتَّقْوى صَبُورٌ عَلَيْها فَتَأمَّلْ ﴿ لَهُمْ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿ مَغْفِرَةٌ ﴾ لِذُنُوبِهِمْ ﴿ وأجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لِغَضِّهِمْ أصْواتَهم عِنْدَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِسائِرِ طاعاتِهِمْ، وتَنْكِيرُ ( مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ ) لِلتَّعْظِيمِ، فَفي وصْفِ أجْرٍ بِعَظِيمٍ مُبالَغَةٌ في عِظَمِهِ فَإنَّهُ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وجُمْلَةُ ( لَهم ) إلَخْ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ جَزاءِ الغاضِّينَ إحْمادًا لِحالِهِمْ كَما أُخْبِرَ عَنْهم بِجُمْلَةٍ مُؤَلَّفَةٍ مِن مَعْرِفَتَيْنِ، والمُبْتَدَأُ اسْمُ الإشارَةِ المُتَضَمِّنُ لِما جُعِلَ عُنْوانًا لَهُمْ، والخَبَرُ المَوْصُولُ بِصِلَةٍ دَلَّتْ عَلى بُلُوغِهِمْ أقْصى الكَمالِ مُبالَغَةً في الِاعْتِدادِ بِغَضِّهِمْ والِارْتِضاءِ لَهُ وتَعْرِيضًا بِشَناعَةِ الرَّفْعِ والجَهْرِ وأنَّ حالَ المُرْتَكِبِ لَهُما عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ لَإنَّ ولَيْسَ بِذاكَ، والآيَةُ قِيلَ: أُنْزِلَتْ في الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لِما كانَ مِنهُما مِن غَضِّ الصَّوْتِ والبُلُوغِ بِهِ أخا السِّرارِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ السّابِقَةِ وفي حَدِيثِ الحاكِمِ وغَيْرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ أنَّهُ قالَ بَعْدَ حِكايَةِ قِصَّةِ أبِيهِ وقَوْلِهِ: لا أرْفَعُ صَوْتِي أبَدًا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ حُكْمَها عامٌّ ويَدْخُلُ الشَّيْخانِ في عُمُومِها وكَذا ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مِنهم ثابِتُ بْنُ قَيْسِ ابْنِ شَمّاسٍ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ولم يقل: يا أيها الذين عصوا وقد ذكرنا من قبل أن النداء على ست مراتب، وهذا نداء مدح.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ نزلت في وفد بني تميم قدموا على النبيّ  ، وهم سبعون أو ثمانون، منهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وعطارد بن الحجاب، وذلك حين قالوا: ائذن لشاعرنا، وخطيبنا في الكلام، فعلت الأصوات، واللغط، فنزلت الآية لاَ تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ويقال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان في أذنه وقر، فكان إذا تكلم، رفع صوته.

ثم قال: وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ يعني: لا تدعوه باسمه، كما يدعو الرجل الرجل منكم باسمه، ولكن عظموه، ووقروه، وقولوا: يا نبي الله، ويا رسول الله.

ثم قال: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ أن ذلك يحبطها.

يعني: إن فعلتم ذلك، فتحبط حسناتكم.

وقال بعضهم: من عمل كبيرة من الكبائر حبط جميع ما عمل من الحسنات واحتج بهذه الآية: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ ولكن نحن نقول: الكبيرة لا تبطل العمل ما لم يكفر، وإنما ذكر هاهنا إبطال العمل، لأن في ذلك استخفافا بالنبي  .

ومن قصد الاستخفاف بالنبي  كفر.

فلما نزلت هذه الآية، دخل ثابت بن قيس بيته، وجعل يبكي، ويقول: أنا من أهل النار.

فذكر ذلك للنبي  ، فبعث إليه، وقال: «إنَّكَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ بَلْ غَيْرُكَ مِنْ أهْل النَّار» .

فقال: يا رسول الله لا أتكلم بعد ذلك إلا سراً، أو ما كان يشبه السر فنزل: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  روى ثابت عن أنس قال: لما نزل لاَ تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ وكان ثابت بن قيس رفيع الصوت.

فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي، وحبط عملي.

أنا من أهل النارِ.

وجلس في بيته يبكي، ففقده رسول الله  ، فأخبروه بما قال، فقال  : «بَلْ هُوَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ» .

فقال أنس: لكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة.

فلما كان يوم اليمامة، فكان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس وقد تحنط، ولبس كفنه، فقال: بئس ما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قتل.

ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى يعني: أخلص الله قلوبهم.

ويقال: أصفى الله عز وجل قلوبهم للتقوى من المعصية.

يعني: يجعل قلوبهم موضعاً للتقوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ أي: ثواب وافر في الجنة.

يعني: يجعل ثوابهم في الدنيا أن يخلص قلوبهم للتقوى، وفي الآخرة أجر عظيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : من غَلَبَ شهوتَه وغضبَه فذلك الذي امتحن اللَّه قلبه للتقوى، وبذلك تكونُ الاستقامة، وقال البخاريّ: امْتَحَنَ: أخلص، انتهى.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ نزلت في وفد بني تميم وقولِهِمْ: يا محمدُ، اخرج إلينا، يا محمد، اخرج إلينا، وفي مصحف ابن مسعود: «أَكْثَرُهُمْ بَنُو تَمِيمٍ لاَ يَعْقِلُونَ» وباقي الآية بيّن.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا وقُرِىءَ «فَتَثَبَّتُوا» روي في سبب الآية: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بَعَثَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنَ أبي مُعَيْطٍ إلَى بَنِي المُصْطَلِقِ مُصَدِّقاً، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ خَرَجُوا إلَيْهِ، فَفَزِعَ مِنْهُمْ، وظَنَّ بِهِمْ شَرًّا، فرجع، وقال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: قَدْ مَنَعُونِي الصَّدَقَةَ، وَطَرَدُونِي، وارتدوا، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم وَهَمَّ بِغَزْوِهِمْ، فَوَرَدَ وَفْدُهُمْ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ» «٢» ، ورُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ بَلَغَهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ نُعْطِيهِ الصَّدَقَةَ وَلا نُطِيعُهُ، فقال ما ذكرناه فنزلت الآية، وأَنْ تُصِيبُوا معناه: مخافة أنْ/ تصيبوا، قال قتادة: وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم عند ما نزلت هذه الآية: «التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ من الشيطان» «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الحُجُراتِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ رَوى ثَوْبانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكانَ التَّوْراةِ، وأعْطانِي المِئِينَ مَكانَ الإنْجِيلِ، وأعْطانِي مَكانَ الزَّبُورِ المَثانِيَ، وفَضَّلَنِي رَبِّي بِالمُفَصَّلِ.» أمّا السَّبْعُ الطُّوَلُ فَقَدْ ذَكَرْناها ["عِنْدَ قَوْلِهِ"]: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي  ﴾ .

وأمّا المُئُونَ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي ما ولِيَ الطُّوَلَ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِالمِئِينَ؛ لِأنَّ كُلَّ سُورَةٍ تَزِيدُ عَلى مِائَةِ آيَةٍ أوْ تُقارِبُها، والمَثانِي: ما ولِيَ المِئِينَ مِنَ السُّوَرِ الَّتِي دُونَ المِائَةِ، كَأنَّ المِئِينَ مَبادٍ، وهَذِهِ مَثانٍ، وأمّا المُفَصَّلُ: فَهو ما يَلِي المَثانِيَ مِن قِصارِ السُّوَرِ، وإنَّما سَمِّيَتْ مُفَصَّلًا لِقِصَرِها وكَثْرَةِ الفُصُولِ فِيها بِسَطْرِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

وَقَدْ ذَكَرَ الماوَرْدِيُّ في أوَّلِ تَفْسِيرِهِ في المُفَصَّلِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مِن أوَّلِ سُورَةٍ " مُحَمَّد " إلى آخِرِ القُرْآنِ.

قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: مِن سُورَةِ [قافْ] إلى آخِرِهِ، حَكاهُ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ.

والثّالِثُ: مِنَ [الضُّحى] إلى آخِرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنْ رَكْبًا مِن بَنِي تَمِيمٍ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أمِّرِ القَعْقاعَ بْنَ مَعْبِدٍ، وقالَ عُمَرُ: أمِّرِ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي، وقالَ عُمَرُ: ما أرَدْتُ خِلافَكَ، فَتَمارَيا حَتّى ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا ﴾ ، فَما كانَ عُمَرُ يَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ  [بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ] حَتّى يَسْتَفْهِمَهُ،» رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ.

والثّانِي: «أنَّ قَوْمًا ذَبَحُوا قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ رَسُولُ اللَّهِ  يَوْمَ النَّحْرِ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يُعِيدُوا الذَّبْحَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ في كَذا وكَذا!

فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ، وقَدَّمَ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: [أنَّها] نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضُّمْرِيِّ، وكانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سَلِيمٍ قَبْلَ أنْ يَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ  ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا خِلافَ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

ورَوى العَوْفِيُّ عَنْهُ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلامِهِ.

ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في هَذِهِ الآيَةِ قالَتْ: لا تَصُومُوا قَبْلَ أنْ يَصُومَ نَبِيُّكم.

ومَعْنى الآيَةِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ.

لا تَعْجَلُوا بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ قَبْلَ أنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ  أوْ يَفْعَلَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ فُلانٌ يُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ وبَيْنَ يَدَيْ أبِيهِ، أيْ: يَعْجَلُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ دُونَهُ.

فَأمّا "تُقَدِّمُوا" فَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو رَزِينٍ، وعائِشَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، ويَعْقُوبُ: بِفَتْحِ التّاءِ والدّالِ.

وقَرَأ الباقُونَ: بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الدّالِ.

قالَ الفَرّاءُ: كِلاهُما صَوابٌ، يُقالُ: قَدَّمْتُ، وتَقَدَّمْتُ؛ وقالَ الزَّجّاجُ: كِلاهُما واحِدٌ؛ فَأمّا "بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ" فَهو عِبارَةٌ عَنِ الأمامِ، لِأنَّ ما بَيْنَ يَدَيِ الإنْسانِ أمامَهُ؛ فالمَعْنى: لا تَقَدَّمُوا قُدّامَ الأمِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَفَعا أصْواتَهُما فِيما ذَكَرْناهُ آنِفًا في حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ.

والثّانِي: [أنَّها] نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وكانَ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ، فَرُبَّما كانَ إذا تَكَلَّمَ تَأذّى رَسُولُ اللَّهِ  بِصَوْتِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجَهْرُ بِالصَّوْتِ في المُخاطَبَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: لا تَدْعُوهُ بِاسْمِهِ: يا مُحَمَّدُ، كَما يَدْعُو بَعْضُكم بَعْضًا، ولَكِنْ قُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ويا نَبِيَّ اللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَحْبَطَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِئَلّا تَحْبَطَ.

وقالَ الأخْفَشُ: مَخافَةَ أنْ تَحْبَطَ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وقَدْ قِيلَ مَعْنى الإحْباطِ هاهُنا: نَقْصُ المَنزِلَةِ، لا إسْقاطُ العَمَلِ مَن أصْلِهِ كَما يَسْقُطُ بِالكُفْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ ﴾ تَأْلّى أبُو بَكْرٍ أنْ لا يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ  إلّا كَأخِي السِّرارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي بَكْرٍ: "إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ"، والغَضُّ: النَّقْصُ كَما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا  ﴾ .

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْلَصَها ﴿ لِلتَّقْوى ﴾ مِنَ المَعْصِيَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اخْتَبَرَ قُلُوبَهم فَوَجَدَهم مُخْلِصِينَ، كَما تَقُولُ: قَدِ امْتَحَنْتُ هَذا الذَّهَبَ والفِضَّةَ، أيِ: اخْتَبَرَتَهُما بِأنْ أذَبْتَهُما حَتّى خَلَصا، فَعَلِمْتَ حَقِيقَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَبَرَها بِامْتِحانِهِ إيّاها، فاصْطَفاها وأخْلَصَها لِلتَّقْوى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحُجُراتِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللهِ إنَّ اللهِ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهِ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ كانَتْ عادَةُ العَرَبِ -وَهِيَ إلى الآنِ- الِاشْتِراكُ في الآراءِ، وأنْ يَتَكَلَّمَ كُلٌّ بِما شاءَ ويَفْعَلَ ما أحَبَّ، فَمَشى بَعْضُ الناسِ مِمَّنْ لَمْ تَتَمَرَّنْ نَفْسُهُ مَعَ النَبِيِّ  عَلى بَعْضِ ذَلِكَ، قالَ قَتادَةُ: فَرُبَّما قالَ قَوْمٌ: لَوْ نَزَلَ كَذا وكَذا في مَعْنى كَذا، ولَوْ فَعَلَ اللهُ كَذا، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذا، وأيْضًا فَإنَّ قَوْمًا ذَبَحُوا ضَحاياهم قَبْلَ النَبِيِّ  ، حَكاهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَوْمًا فَعَلُوا في بَعْضِ حُرُوبِهِ وغَزَواتِهِ شَيْئًا بِآرائِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ناهِيَةً عن جَمِيعِ ذَلِكَ.

وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مَسْرُوقٍ أنَّهُ قالَ: «دَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في يَوْمِ الشَكِّ، فَقالَتْ لِلْجارِيَةِ: اسْقِهِ عَسَلًا، فَقُلْتُ: إنِّي صائِمٌ، فَقالَتْ: نَهى رَسُولُ اللهِ  عن صِيامِ هَذا اليَوْمِ،» وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ ورَسُولِهِ ﴾ ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى "لا تُقَدِّمُوا": لا تَمْشُوا بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللهِ، وكَذَلِكَ بَيْنَ يَدَيِ العُلَماءِ، فَإنَّهم ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وتَقُولُ العَرَبُ: تَقَدَّمْتُ في كَذا وكَذا وتَقَدَّمْتُ فِيهِ إذا قُلْتَ فِيهِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "تُقَدِّمُوا" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الدالِّ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، ويَعْقُوبُ، بِفَتْحِ التاءِ والدالِ عَلى مَعْنى: لا تَتَقَدَّمُوا، وعَلى هَذا يَجِيءُ تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ في المَشْيِ، والمَعْنى عَلى ضَمِّ التاءِ: بَيْنَ يَدَيِ قَوْلِ اللهِ ورَسُولِهِ.

ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو «أنْ وفْدُ بَنِي تَمِيمٍ لَمّا قَدِمَ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أمَّرْتَ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يا رَسُولَ اللهِ بَلْ أمِّرِ القَعْقاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي، ويُرْوى: إلى خِلافِي، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أرَدْتَ خِلافَكَ، وارْتَفَعَتْ أصْواتُها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وذَهَبَ بَعْضُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "لا تُقَدِّمُوا" مَعْناهُ: لا تُقَدِّمُوا وُلاةً، فَهو مِن تَقَدُّمِ الأُمَراءِ، وعُمُومُ اللَفْظِ أحْسَنُ، أيْ: اجْعَلُوهُ مَبْدَأً في الأقْوالِ والأفْعالِ.

و"سَمِيعٌ" مَعْناهُ: لِأقْوالِكُمْ، و"عَلِيمٌ" مَعْناهُ: بِأفْعالِكم ومُقْتَضى أقْوالِكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَبِيِّ ﴾ الآيَةُ هي أيضًا في ذَلِكَ الفَنِّ المُتَقَدِّمِ، ورَوى أنَّ سَبَبَها كَلامُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما المُتَقَدِّمُ في أمْرِ الأقْرَعِ والقَعْقاعِ، والصَحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ عادَةِ الأعْرابِ في الجَفاءِ وعُلُوِّ الصَوْتِ والعنجَهِيَّةِ، «وَكانَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في صَوْتِهِ جَهارَةٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اهْتَمَّ وخافَ عَلى نَفْسِهِ وجَلَسَ في بَيْتِهِ لَمْ يَخْرُجْ وهو كَئِيبٌ حَزِينٌ، حَتّى عَرَفَ رَسُولُ اللهِ  خَبَرَهُ، فَبَعَثَ فِيهِ فَآنَسَهُ وقالَ لَهُ: "امْشِ في الأرْضِ بَسْطًا فَإنَّكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ"،» وقالَ لَهُ مَرَّةً: « "أما تَرْضى أنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وتَمُوتَ شَهِيدًا"»، فَعاشَ كَذَلِكَ ثُمَّ قُتِلَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِاليَمامَةِ يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ.

وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لا تَرْفَعُوا بِأصْواتِكُمْ" بِزِيادَةِ الباءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ ﴾ أيْ: كَحالِ جَهْرِكم في جَفائِهِ وكَوْنِهِ مُخاطَبَةً بِالأسْماءِ والألْقابِ، وكانُوا يَدْعُونَ النَبِيَّ  : يا مُحَمَّدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى بِتَوْقِيرِهِ وأنْ يَدْعُوَهُ بِالنَبْوِهِ والرِسالَةِ والكَلامِ اللَيِّنِ، فَتِلْكَ حالَةُ المُوَقَّرِ، وكَرِهَ العُلَماءُ رَفْعَ الصَوْتِ عِنْدَ قَبْرِ النَبِيِّ  وبِحَضْرَةِ العالَمِ وفي المَساجِدِ، وفي هَذِهِ كُلِّها آثارٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تَحْبَطَ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: مَخافَةَ أنْ تَحْبَطَ، والحَبْطُ: إفْسادُ العَمَلِ بَعْدَ تُقَرُّرِهِ، يُقالُ حَبِطَ بِكَسْرِ الباءِ، وأحْبَطَهُ اللهُ، وهَذا الحَبْطُ إنْ كانَتِ الآيَةُ مُعَرِّضَةٌ بِمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِخْفافًا واحْتِقارًا وجُرْأةً فَذَلِكَ كُفْرٌ والحَبْطُ: مَعَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وإنْ كانَ التَعْرِيضُ لِلْمُؤْمِنِ الفاضِلِ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ غَفْلَةً وجَرْيًا عَلى طَبْعِهِ فَإنَّما يُحْبِطُ عَمَلُهُ البِرَّ في تَوْقِيرِ النَبِيِّ  وغَضِّ الصَوْتِ عِنْدَهُ أنْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْ تُحْبَطَ الأعْمالُ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ أنْ تَعْمَلُوها فَتُؤْجَرُوا عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ تَأْثَمُوا ويَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلى الوَحْشَةِ في نُفُوسِكُمْ، فَلا تَزالُ مُعْتَقَداتُكم تَتَدَرَّجُ القَهْقَرى حَتّى يُؤَوَّلَ ذَلِكَ إلى الكُفْرِ فَتُحْبَطُ الأعْمالُ حَقِيقَةً، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها مُخاطَبَةٌ لِفُضَلاءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ احْتِقارًا، وذَلِكَ أنَّهُ لا يُقالُ لِمُنافِقٍ يَعْمَلُ ذَلِكَ جُرْأةً: "وَأنْتَ لا تَشْعُرُ" لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ يَعْتَقِدُهُ هو عَمَلًا، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "فَتَحْبَطَ أعْمالُكُمْ".

ثُمَّ مَدَحَ تَعالى الصِنْفَ المُخالِفَ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهُمُ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ النَبِيِّ  ، وغَضُّ الصَوْتِ: خَفْضُهُ وكَسْرُهُ، وكَذَلِكَ البَصَرُ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: فَغُضَّ الطَرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ...................

ورُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما كانا بَعْدَ ذَلِكَ لا يُكَلِّمانِ رَسُولَ اللهِ  إلّا كَأخِي السِرارِ، وأنَّ النَبِيَّ  كانَ يَحْتاجُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى اسْتِعادَةِ اللَفْظِ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَسْمَعُهُ مِن إخْفائِهِ إيّاهُ.

و"امْتَحَنَ" مَعْناهُ: اخْتَبَرَ وطَهَّرَ كَما يُمْتَحَنُ الذَهَبُ بِالنارِ، فَيَسَّرَها وهَيَّأها لِلتَّقْوى، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: امْتُحِنَ لِلتَّقْوى: أذْهَبَ عنها الشَهَواتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَن غَلَبَ شَهْوَتَهُ وغَضَبَهُ فَذَلِكَ الَّذِي امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلتَّقْوى، وبِذَلِكَ تَكُونُ الِاسْتِقامَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عن ابن عباس لما نزل قوله تعالى: ﴿ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ [الحجرات: 2] كان أبو بكر لا يكلم رسولَ الله إلا كأخي السِّرار، أي مصاحب السرِّ من الكلام، فأنزل الله تعالى: ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول اللَّه ﴾ الآية.

فهذه الجملة استئناف بياني لأن التحذير الذي في قوله: ﴿ أن تحبط أعمالكم ﴾ [الحجرات: 2] الخ يثير في النفس أن يسأل سائل عن ضد حال الذي يرفع صوته.

وافتتاح الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بمضمونه من الثناء عليهم وجزاء عملهم، وتفيد الجملة تعليلَ النهيين بذكر الجزاء عن ضد المنهي عنهُما وأكد هذا الاهتمام باسم الإشارة في قوله: ﴿ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ﴾ مع ما في اسم الإشارة من التنبيه على أن المشار إليهم جديرون بالخبر المذكور بعده لأجللِ ما ذكر من الوصف قبل اسم الإشارة.

وإذ قد علمت آنفاً أن محصل معنى قوله: ﴿ لا ترفعوا أصواتكم ﴾ وقوله: ﴿ ولا تجهروا ﴾ [الحجرات: 2] الأمر بخفض الصوت عند النبي صلى الله عليه وسلم يتضح لك وجهُ العدول عن نوط الثناء هنا بعدم رفع الصوت وعدم الجهر عند الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نوطه بغض الصوت عنده.

والغض حقيقته: خفض العين، أي أن لا يُحدق بها إلى الشخص وهو هنا مستعار لِخفض الصوت والميللِ به إلى الإسرار.

والامتحان: الاختبار والتجربة، وهو افتعال من مَحَنه، إذا اختبره، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة كقولهم: اضطره إلى كذا.

واللام في قوله: للتقوى لام العلة، والتقدير: امتحن قلوبهم لأجل التقوى، أي لتكون فيها التقوى، أي ليكونوا أتقياء، يقال: امتحَن فلان للشيء الفلاني كما يقال: جرب للشيء ودُرب للنهوض بالأمر، أي فهو مضطلع به ليس بِواننٍ عنه فيجوز أن يجعل الامتحان كناية على تمكّن التقوى من قلوبهم وثباتهم عليها بحيث لا يوجدون في حال مَّا غيرَ متقين وهي كناية تلويحية لكون الانتقال بعدة لوازم، ويجوز أن يجعل فعل ﴿ امتحن ﴾ مجازاً مرسلاً عن العلم، أي علم الله أنهم متقون، وعليه فتكون اللام من قوله: ﴿ للتقوى ﴾ متعلّقة بمحذوف هو حال من قلوب، أي كائنة للتقوى، فاللام للاختصاص.

وجملة ﴿ لهم مغفرة ﴾ خبر ﴿ إنّ ﴾ وهو المقصود من هذه من الجملة المستأنفة وما بينهما اعتراض للتنويه بشأنه.

وجعل في «الكشاف» خبر ﴿ إنَّ ﴾ هو اسم الإشارة مع خبره وجعل جملة ﴿ لهم ﴾ مستأنفة ولكل وجه فانظره.

وقال: «وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم اسماً ل ﴿ إنّ ﴾ المؤكّدة وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معاً.

والمبتدأ اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودَعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهماً أمره ناظرة في الدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعَل الذين وقَّروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الإعلام بمبلغ عزة رسول الله وقدر شرف منزلته» اه.

وهذا الوعد والثناء يشملان ابتداءً أبا بكر وعمر إذ كان كلاهما يكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم كأخي السِّرار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الحُجُراتِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ ناسًا كانُوا يَقُولُونَ: لَوْ أُنْزِلَ في كَذا، لَوْ أُنْزِلَ في كَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهم نُهُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلامِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ ألّا يَقْتاتُوا عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ ضَحَّوْا قَبْلَ أنْ يُصَلُّوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأمَرَهم أنْ يُعِيدُوا الذَّبْحَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: لا تُقَدِّمُوا أعْمالَ الطّاعاتِ قَبْلَ وقْتِها الَّذِي أمَرَ بِهِ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ، قالَ الزَّجّاجُ.

وَسَبَبُ نُزُولِها ما حَكاهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ  أنْفَذَ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ إلى بَنِي عامِرٍ فَقَتَلُوهم إلّا ثَلاثَةً تَأخَّرُوا عَنْهم فَسَلِمُوا وانْكَفَئُوا إلى المَدِينَةِ فَلَقَوْا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سُلَيْمٍ فَسَألُوهُما عَنْ نَسَبِهِما فَقالا: مِن بَنِي عامِرٍ فَقَتَلُوهُما، فَجاءَ بَنُو سُلَيْمٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ  وقالُوا: إنَّ بَيْنَنا وبَيْنَكَ عَهْدًا وقَدْ قُتِلَ مِنّا رَجُلانِ فَوَداهُما رَسُولُ اللَّهِ  بِمِائَةِ بَعِيرٍ ونَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ في قِتْلَةِ الرَّجُلَيْنِ.

» ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ يَعْنِي في التَّقَدُّمِ المَنهِيِّ عَنْهُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِقَوْلِكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِفِعْلِكم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ قِيلَ إنَّ رَجُلَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ تَمارَيا عِنْدَهُ فارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا أُكَلِّمُكَ بَعْدَها إلّا كَأخِي السِّرارِ.

﴿ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجَهْرُ بِالصَّوْتِ.

رُوِيَ «أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شُماسٍ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ واللَّهِ لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، نَهانا اللَّهُ عَنِ الجَهْرِ بِالقَوْلِ وأنا امْرُؤٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، فَقالَ النَّبِيُّ  : (يا ثابِتُ أما تَرْضى أنْ تَعِيشَ حَمِيدًا وتُقْتَلَ شَهِيدًا وتَدْخُلَ الجَنَّةَ فَعاشَ حَمِيدًا وقُتِلَ شَهِيدًا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ.

» الثّانِي: أنَّ النَّهْيَ عَنْ هَذا الجَهْرِ هو المَنعُ مِن دُعائِهِ بِاسْمِهِ أوْ كُنْيَتِهِ كَما يَدْعُو بَعْضُهم بَعْضًا بِالِاسْمِ والكُنْيَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ ﴾ ، ولَكِنْ دُعاؤُهُ بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا  ﴾ .

﴿ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ فَتَحْبَطَ أعْمالُكم.

الثّانِي: لِئَلّا تَحْبَطَ أعْمالُكم.

﴿ وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ بِحَبْطِ أعْمالِكم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أخْلَصَها لِلتَّقْوى، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: مَعْناهُ اخْتَصَّها لِلتَّقْوى، قالَهُ الأخْفَشُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري وابن المنذر والطبراني عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس وأشار الآخر برجل آخر، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ الآية.

قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه.

وأخرجه الترمذي من طريق ابن أبي مليكة قال: حدثني عبد الله بن الزبير به.

وأخرج ابن جرير والطبراني من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير أن الأقرع بن حابس قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: يا رسول الله استعمله على قومه، فقال عمر: لا تستعمله يا رسول الله.

فتكلما عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى ارتفعت أصواتهما، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت الا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه.

وأخرج البزار وابن عدي والحاكم وابن مردويه عن أبي بكر الصديق قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ قلت يا رسول الله: والله لا أكلمك إلا كأخي السرار.

وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ﴾ قال أبو بكر: والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: كانوا يجهرون له بالكلام ويرفعون أصواتهم، فأنزل الله: ﴿ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تجهروا له بالقول ﴾ الآية قال: لا تنادوه نداء ولكن قولوا قولاً ليناً يا رسول الله.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو يعلى والبغوي في معجم الصحابة وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: «لما نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ إلى قوله: ﴿ وأنتم لا تشعرون ﴾ وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حبط عملي أنا من أهل النار، وجلس في بيته حزيناً ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: فقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك؟

قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم وأجهر له بالقول، حبط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك فقال: لا بل هو من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة قتل» .

وأخرج ابن جرير والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول ﴾ قعد ثابت رضي الله عنه في الطريق يبكي فمرّ به عاصم بن عدي بن العجلان فقال: ما يبكيك يا ثابت؟

قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيَّ وأنا صيّت رفيع الصوت، فمضى عاصم بن عدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره فقال: اذهب فأدعه لي فجاء فقال: ما يبكيك يا ثابت؟

فقال: أنا صيّت وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة؟

قال: رضيت ولا أرفع صوتي أبداً على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: وأنزل الله تعالى ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ﴾ » الآية.

وأخرج ابن حبان والطبراني وأبو نعيم في المعرفة عن إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري «أن ثابت بن قيس قال: يا رسول الله: لقد خشيت أن أكون قد هلكت.

قال: لمَ؟

قال: يمنع الله المرء أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد، وينهى عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال، وينهى أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا جهير الصوت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة؟» قال الحافظ ابن حجر في الأطراف: هكذا أخرجه ابن حبان بهذا السياق وليس فيه ما يدل على أن إسماعيل سمعه من ثابت، فهو منقطع، ورواه مالك رضي الله عنه في الموطأ عن ابن شهاب عن إسماعيل عن ثابت أنه قال فذكره ولم يذكره من رواة الموطأ أحد إلا سعيد بن عفير وحده وقال: قال مالك: قتل ثابت بن قيس يوم اليمامة.

قال ابن حجر رضي الله عنه: فلم يدركه إسماعيل، فهو منقطع قطعاً، انتهى.

وأخرج ابن جرير عن شمر بن عطية رضي الله عنه قال: جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال: «يا ثابت ما الذي أرى بك؟» قال: آية قرأتها الليلة فأخشى أن يكون قد حبط عملي ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ وكان في أذنه صمم، فقال: أخشى أن أكون قد رفعت صوتي وجهرت لك بالقول، وأن أكون قد حبط عملي وأنا لا أشعر.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «امشِ على الأرض نشيطاً فإنك من أهل الجنة» .

وأخرج البغوي وابن قانع في معجم الصحابة عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس عن ثابت بن قيس بن شماس قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ قعدت في بيتي، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «تعيش حميداً وتقتل شهيداً» .

فقتل يوم اليمامة.

وأخرج البغوي وابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه والخطيب في المتفق والمفترق عن عطاء الخراساني قال: قدمت المدينة فلقيت رجلاً من الأنصار.

قلت: حدثني حديث ثابت بن قيس بن شماس.

قال: قم معي فانطلقت معه حتى دخلت على امرأة، فقال الرجل: هذه ابنة ثابت بن قيس بن شماس فاسألها عما بدا لك.

فقلت: حدثيني.

قالت: سمعت أبي يقول: لما أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ الآية دخل بيته وأغلق عليه بابه وطفق يبكي، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما شأن ثابت؟

فقالوا: يا رسول الله ما ندري ما شأنه غير أنه قد أغلق عليه باب بيته فهو يبكي فيه.

فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله: ما شأنك؟

قال: يا رسول الله: أنزل الله عليك هذه الآية، وأنا شديد الصوت فأخاف أن أكون قد حبط عملي.

فقال: لست منهم، بل تعيش بخير وتموت بخير.

قالت: ثم أنزل الله على نبيه ﴿ إن الله لا يحب كل مختالٍ فخور ﴾ ، فأغلق عليه بابه وطفق يبكي فيه فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ثابت ما شأنه؟

قالوا: يا رسول الله، والله ما ندري ما شأنه غير أنه قد أغلق عليه بابه وطفق يبكي فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما شأنك؟

قال: يا رسول الله: أنزل الله عليك ﴿ إن الله لا يحب كل مختالٍ فخورٍ ﴾ والله إني لأحب الجمال وأحب أن أسود قومي، قال: لست منهم بل تعيش حميداً وتقتل شهيداً ويدخلك الله الجنة بسلام.

قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب فلما لقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انكشفوا فقال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حفر كل منهما لنفسه حفرة، وحمل عليهم القوم، فثبتا حتى قتلا وكانت على ثابت يومئذ درع له نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها فبينا رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت بن قيس في منامه فقال له: إني أوصيك بوصية إياك أن تقول هذا حلم فتضيعه إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى العسكر وعند خبائه فرس يستن في طوله وقد كفا على الدرع برمة وجعل فوق البرمة رحلاً فائتِ خالد بن الوليد فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها، وإذا قدمت على خليفة رسول الله فأخبره أن عليَّ من الدين كذا وكذا ولي من الدين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق، وفلان فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه.

فأتى الرجل خالد بن الوليد فأخبره، فبعث إلى الدرع فنظر إلى خباء في أقصى العسكر فإذا عنده فرس يستن في طوله فنظر في الخباء فإذا ليس فيه أحد فدخلوا فدفعوا الرجل فإذا تحته برمة ثم رفعوا البرمة فإذا الدرع تحتها، فأتوا به خالد بن الوليد.

فلما قدموا المدينة حدّث الرجل أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته بعد موته، ولا يعلم أحد من المسلمين جوّزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس بن شماس.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ الآية، قال: نزلت في قيس بن شماس.

وأخرج الترمذي وابن حبان وابن مردويه عن صفوان بن عسال رضي الله عنه أن رجلاً من أهل البادية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يناديه بصوت له جهوري: يا محمد يا محمد، فقلنا: ويحك أخفض من صوتك فإنك قد نهيت عن هذا، قال: لا والله حتى أسمعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هاؤم» ، قال: أرأيت رجلاً يحب قوماً ولم يلحق بهم، قال: «المرء مع من أحب» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما أنزل الله: ﴿ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «منهم ثابت بن قيس بن شماس» .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ امتحن ﴾ قال: أخلص.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: أخلص الله قلوبهم فيما أحب.

وأخرج أحمد في الزهد عن مجاهد قال: كتب إلى عمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟

فكتب عمر رضي الله عنه: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿ أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم ﴾ .

وأخرج الحكيم الترمذي عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نفس ابن آدم شابة ولو التقت ترقوتاه من الكبر إلا من امتحن الله قلبه للتقوى وقليل ما هم» .

وأخرج ابن المبارك في الزهد عن أبي الدرداء قال: لا تزال نفس أحدكم شابة من حب الشيء ولو التقت ترقوتاه من الكبر إلا الذين امتحن الله قلوبهم وقليل ما هم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ وقال عطاء عن ابن عباس: لما نزل قوله: ﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ﴾ تألَّى أبو بكر ألا يكلم رسول الله -  - إلا كأخي السرار، فأنزل الله تعالى في أبي بكر: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ ﴾ (١) (٢) وقال ابن الزبير: ما حدث عمر النبي -  - بعد قوله: ﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ﴾ فسمع النبي -  - كلامه حتى يستفهمه بما يخفض صوته فأنزل الله فيه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ ﴾ (٣) والغض: النقص من كل شيء، ومنه غض البصر وغض الصوت (٤) ﴿ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ  ﴾ ، قال مقاتل: يخفضون كلامهم عند رسول الله (٥) (٦) قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ﴾ قال مقاتل ومجاهد وقتادة: أخلص الله قلوبهم (٧) (٨) قال عطاء عن ابن عباس: يريد طهَّر قلوبهم من كل قبيح، وجعل التقوى في قلوبهم والخوف من الله (٩) (١٠) (١١) وقال أبو سعيد الضرير: محنت الأديم محنًا إذا مددته حتى توسعه، قال: ومعنى قوله: ﴿ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ﴾ شرح الله قلوبهم، كان معناه وسَّع الله قلوبهم للتقوى (١٢)  - إذ امتحن الله قلبي للتقوى، وجعل لي مغفرة وأجراً عظيمًا (١٣) (١) ذكر ذلك الهيثمي في "مجمع الزوائد" وقال رواه البزار وفيه حصين بن عمر الأحمسي وهو متروك، وقد وثقه العجلي، وبقية رجاله رجال الصحيح، انظر: "مجمع الزوائد" 7/ 108، وذكره الماوردي 5/ 326، البغوي 4/ 336، والقرطبي 16/ 308، وذكره في "الوسيط" 4/ 151.

(٢) أخرج ذلك الثعلبي 10/ 159 أعن أبي هريرة وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

انظر: "المستدرك" -كتاب التفسير- سورة الحجرات 2/ 462، وذكره البغوي في "تفسيره" 7/ 336.

(٣) أخرج ذلك البخاري في "تفسيره".

انظر: "صحيح البخاري" كتاب: التفسير 6/ 46، وذكر ذلك الثعلبي في "تفسيره" عن ابن الزبير 10/ 159 أ، البغوي في "تفسيره" 7/ 337، وذكره القرطبي في "الجامع" 16/ 308، ولا مانع من نزول الآية في جميع من ذكر لما اتحد فعلهم.

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (غض) 16/ 36، "اللسان" (غضض) 7/ 197.

(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90.

(٦) انظر: "تفسير الوسيط" 4/ 151.

(٧) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90، "تفسير الطبري" 13/ 120، و"الوسيط" 4/ 151.

(٨) انظر: "تهذيب اللغة" (محن) 5/ 121، "اللسان" (عن) 13/ 401.

(٩) انظر: ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 308 عن ابن عباس.

(١٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 70.

(١١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 219.

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" (عن) 5/ 121 - 122، "اللسان" (عن) 13/ 401.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 90 - 91.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله ﴾ نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإنه لما نزلت الآية قبلها قال أبو بكر: والله يا رسول الله لا أكلمنك إلا سراً.

وكان عمر يخفي كلامه حين يستفهمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظها مع ذلك على عمومه، ومعنى ﴿ امتحن ﴾ : اختبر فوجدها كما يجب، مثل ما يُختبر الذهب بالنار، فيوجدُ طيباً، وقيل معناها: درَّبها للتقوى حتى صارت قوية على احتماله بغير تكلف.

وقيل: معاه أخلصها الله للتقوى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

" القراءات: ﴿ لا تقدّموا ﴾ بالفتحات من التقدّم: يعقوب ﴿ الحجرات ﴾ بفتح الجيم: يزيد.

﴿ إخوتكم ﴾ على الجمع: يعقوب وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ ولا تجسسوا ﴾ ﴿ ولا تنابزوا ﴾ و ﴿ لتعارفوا ﴾ بالتشديدات للإدغام: البزي وابن فليح ﴿ ميتاً ﴾ مشدّداً: أبو جعفر ونافع ﴿ يألتكم ﴾ بالهمز: أبو عمرو وسهل ويعقوب وقد لا يهمز في رواية.

الآخرون: بالحذف ﴿ بما يعملون ﴾ على الغيبة: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ج ﴿ لا تشعرون ﴾ ه ﴿ للتقوى ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ خيراً لهم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ نادمين ﴾ ه ﴿ رسول الله ﴾ ط ﴿ والعصيان ﴾ ط ﴿ الراشدون ﴾ ه لأن ﴿ فضلاً ﴾ مفعول له ﴿ ونعمة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ أمر الله ﴾ ج لذلك ﴿ وأقسطوا ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ه ﴿ منهن ﴾ ج للعدول عن الغيبة إلى الخطاب ﴿ بالألقاب ﴾ ط ﴿ بعد الإيمان ﴾ ه ج لابتداء الشرط مع احتمال ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما ذكر من اللمز والنبز ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من الظن ﴾ ز للابتداء بأن إلا إنه للتعليل أي لأن ﴿ بعضاً ﴾ ج ﴿ فكرهتموه ﴾ ط ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لتعارفوا ﴾ ط ﴿ أتقاكم ﴾ ط ﴿ خبير ﴾ ه ﴿ آمناً ﴾ ط ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ أسلموا ﴾ ط ﴿ إسلامكم ﴾ ج لأن "بل" للإضراب عن الأول ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه.

التفسير: لما بين محل النبي  وعلو منصبه بقوله ﴿ هو الذي أرسل رسوله ﴾ إلى آخر السورة افتتح الآن بقوله ﴿ لا تقدموا ﴾ الآية.

ففيه تأكيد لما ذكر هناك من وجوب إتباعه والإذعان له.

والأظهر أن هذا إرشاد عام.

وذكر المفسرون في أسباب النزول وجوهاً منها ماروي عن ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبر أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه فقال أبو بكر لرسول الله  : أمّر القعقاع بن معبد وقال عمر: بل أمر الأقرع بن جابس.

فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي.

فقال عمر: ما أردت خلافك.

فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله الآية.

وقال الحسن والزجاج: نزلت في رجل ذبح الأضحية قبل الصلاة وقبل ذبح النبي  فأمره بإعادتها وهو مذهب أبي حنيفة إلى أن تزول الشمس.

وعند الشافعي يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة.

وعن عائشة أنها نزلت في صوم يوم الشك.

وروي أنها في القتال أي لا تحملوا على الكفار في الحرب قبل أن يأمر النبي  .

وقدّم إما متعد وحذف المفعول للعموم حتى يتناول كل فعل وقول، أو ترك مفعوله كما في قوله "فلان يعطي ويمنع" لأن النظر إلى الفعل لا إلى المفعول كأنه قيل: يجب أن لا يصدر منكم تقدم أصلاً في أيّ فعل كان.

وإما لازم نحو بين وتبين بمعنى يؤيده قراءة يعقوب.

قال جار الله: حقيقة قولهم "جلست بين يدي فلان" أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله حتى ينظر إليك من غير تقليب حدقة وذكر الله للتعظيم.

وفيه أن التقديم بين يدي رسول الله  كالتقديم بين يدي الله.

قال ابن عباس: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه بل عليهم أن يصغوا ولا يتكلموا.

وقيل: معناه لا تخالفوا كتاب الله وسنة رسوله.

وعن الحسن في رواية أخرى: لما استقر رسول الله  بالمدينة أتته الوفود من الآفاق فأكثروا عليه بالمسائل فنهوا أن يبتدؤه بالمسألة حتى يكون هو المبتدىء ﴿ واتقوا الله ﴾ في التقديم أو أمرهم بالتقوى ليحملهم على ترك التقدمة فإن المتقي حذر عن كل ما فيه تبعة وريب ﴿ إن الله سميع ﴾ لأقوالكم ﴿ عليم ﴾ بنياتكم وأفعالكم.

ثم أعاد النداء عليهم مزيداً للتنبيه، وفيه نوع تفصيل بعد إجمال وتتخصيص بعد تعميم.

وعن ابن عباس أن ثابت ابن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوريّ الصوت وكان يتأذى رسول الله  بصوته إذا كلمه، فحين نزلت الآية فقد ثابت فتفقده رسول الله  فاعتذر بأنه رجل جهير الصوت يخاف أن تكون الآية نزلت فيه.

فقال له رسول الله  : لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة.

وعن الحسن: نزلت في المنافقين كانوا يرفعون بأصواتهم فوق صوت رسول الله  استخفافاً واستهانة وليقتدي بهم ضعفة المسلمين فنهى المؤمنون عن ذلك.

وعلى هذا فإما أن يكون الإيمان أعم من أن يكون باللسان أو به وبالقلب، وإما أن يكون الإيمان حقيقة فيكون تأديباً للمؤمنين الخلص حتى يكون حالهم بخلاف حال أهل النفاق، ويكون كلامهم لرسول الله  أخفض من كلامه لهم رعاية لحشمته وصيانة على مهابته.

قوله ﴿ ولا تجهروا له بالقول كجهر ﴾ أي جهراً مثل جهر ﴿ بعضكم لبعض ﴾ قيل: تكرار للمعنى الأوّل لأجل التأكيد فإن الجهر هو رفع الصوت والجمهور على أن بين النهيين فرقاً.

ثم اختلفوا فقيل: الأول فيما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا في أثناء كلامه فنهوا أن يكون جهرهم باهر الجهر.

والثاني فيما إذا سكت ونطقوا فنهوا عن جهر مقيد بما اعتادوه فيما بينهم وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوّة.

وقيل: النهي الأول أعم مما إذا نطق ونطقوا أو أنصت ونطقوا والمراد بالنهي الثاني أن لا ينادي وقت الخطاب باسمه أو كنيته كنداء بعضهم لبعض فلا يقال: يا أحمد يا محمد يا أبا القاسم ولكن يا نبي الله يا رسول الله.

ثم علل كلاً من النهيين بقوله ﴿ أن تحبط ﴾ أي كراهة حبوط أعمالكم وذلك أن الرفع والجهر إذا كان عن استخفاف وإهانة كان كفراً محبطاً للأعمال السابقة.

والمفعول له يتعلق بالفعل الأول في الظاهر عند الكوفيين وبالعكس عند البصريين.

وجوز في الكشاف أن يقدر الفعل في الثاني مضموماً إليه المفعول له كأنهما شيء واحد ثم يصب عليهما الفعل جميعاً صباً واحداً، والمعنى أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط لأنه كان بصدد الأداء إليه فجعل كأنه سبب في إيجاده كقوله ﴿ ليكون لهم عدواً وحزناً  ﴾ وفي قوله ﴿ وأنتم لا تشعرون ﴾ إشارة إلى أن ارتكاب المآثم يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به.

ومثله قول الحكيم: إن كلاً من الأخلاق الفاضلة والرذيلة تكون أوّلاً حالاً ثم تصير ملكة راسخة وعادة مستمرة.

ومنه قول أفلاطون: لا تصحب الشرير فإن طبعك يسرق وأنت لا تدري.

فالعاقل من يجتهد في الفضائل أن تصير ملكات، وفي الرذائل أن تزول عنه وهي أحوال.

قال ابن عباس: لما نزلت الآية قال أبو بكر: يا رسول الله والله ولا أكلمك إلا السرار أو كأخي السرار حتى ألقى الله فأنزل الله فيه وفي أمثاله ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ﴾ هو افتعل من المحنة وهو اختبار بليغ يقال: امتحن فلان لأمر كذا أي جرب له فوجد قوياً عليه، أو وضع الامتحان موضع المعرفة لأن تحقق الشيء باختباره فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم كائنة للتقوى فاللام متعلقة بالمحذوف كقولك: أنت لهذا الأمر.

أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف لأجل التقوى وحصولها فيها سابقة ولا حقة ﴿ لهم مغفرة ﴾ لذنوبهم ﴿ وأجر عظيم ﴾ لطاعتهم.

وفي تنكير الوعد وغير ذلك من مؤكدات الجملة تعريض بعظم ما ارتكب غيرهم واستحقاقهم أضداد ما استحق هؤلاء.

يروى أنه كان إذا قدم على رسول الله  وفد أرسل إليهم أبو بكر من يعلمهم كيف يسلمون ويأمرهم بالسكينة والوقار.

قال العلماء: إن النهي لا يتناول رفع الصوت الذي ليس باختيار المكلف كما مر في حديث ثابت بن قيس، ولا الذي نيط به صلاح في حرب أو جدال معاند أو إرهاب عدوّ.

ففي الحديث أنه  قال للعباس ابن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: أصرخ بالناس وكان العباس أجهر الناس صوتاً.

وفيه قال نابغة بني جعدة: زجر أبي عروة السباع إذا *** أشفق أن يختلطن بالغنم وأبو عروة كنية العباس.

زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم فيشق مرارة السبع في جوفه.

ويروى أن غارة أتتهم يوماً فصاح العباس يا صباحاه فأسقطت الحوامل لشدّة صوته.

ثم علمهم أدباً أخص فقال: ﴿ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ﴾ أي من جانب البر والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض.

والحجرة البقعة التي يحجرها المرء لنفسه كيلا يشاركه فيها غيره من الحجر وهو المنع "فعلة" بمعنى مفعولة، وجمعت لأن كلاً من أمهات المؤمنين لها حجرة.

روي أن وفداً من بني تميم قدم على النبي  وهم سبعون رجلاً منهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن.

فدخلوا المسجد ونادوا النبي  من خارج حجراته كأنهم تفرقوا على الحجرات أو أتوها حجرة فنادوه من ورائها أو نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالاً له  .

والفعل وإن كان مستنداً إلى جميعهم فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم لأن رضا الباقين به كالتولي له.

وحكى الأصم أن الذي ناداه عيينة والأقرع قالا: أخرج إلينا يا محمد فإن مدحنا زين منا شين.

فتأذى رسول الله  من ذلك فخرج إليهم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين.

فقال لهم: فيم جئتم؟

فقالوا: جئنا بخطيبنا وشاعرنا نفاخرك ونشاعرك.

فقال: ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ولكن هاتوا.

فقام خطيبهم فخطب وقام شاعرهم وأنشد فأمر النبي  ثابت بن قيس فقام وخطب وأمر حساناً فقام وأنشد.

فلما فرغوا قام الأقرع وقال: والله ما أدري ما هذا، تكلم خطيبنا وكان خطيبهم أحسن قولاً، وأنشد شاعرنا وكان شاعرهم أشعر.

ثم دنا من رسول الله  وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسوله.

وعن زيد بن أرقم أنهم قالوا: نمتحنه فإن يكن ملكاً عشنا في جنابه، وإن يكن نبياً كان أولى بأن نكون أسعد الناس به.

وقيل: إنهم وفدوا شافعين في أسرى بني العنبر.

أما إخبار الله  عنهم بأن أكثرهم لا يعقلون فإما لأن الأكثر أقيم مقام الكل على عادة الفصحاء كيلا يكون الكلام بصدد المنع، وإما لأن الحكم بقلة العقلاء فيهم عبارة عن العدم فإن القلة تقع موقع النفي في كلامهم، وإما لأن فيهم من رجع وندم على صنيعه فاستثناه الله  .

وإنما حكم عليهم بعدم العقل لأنهم يعقلوا أن هذا النحو من النداء خارج عن قانون الأدب ومنبىء عن عدم الوقار والأناة لا سيما في حق النبي  فإنه لم يكن يحتجب عن الناس إلا عند الخلوة والاشتغال بمهامّ أهل البيت فلذلك قال ﴿ ولو أنهم صبروا حتى تخرج ﴾ وفائدة قوله ﴿ إليهم ﴾ أنه لو خرج لا لأجلهم لزمهم الصبر إلى أن يكون خروجه إليهم لأجلهم ﴿ لكان ﴾ الصبر ﴿ خيراً لهم ﴾ في دينهم وهو ظاهر وفي دنياهم بأن ينسبوا إلى وفور العقل وكمال الأدب.

وقيل: بإطلاق أسرائهم جميعاً فقد روي أن النبي  أطلق النصف وفادى النصف ﴿ والله غفور ﴾ مع ذلك لمن تاب ﴿ رحيم ﴾ في قبول التوبة.

سئل رسول الله  عن وفد بني تميم فقال: إنهم جفاة بني تميم ولولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم.

ويحكى عن أبي عبيدة وهو المشهور بالعلم والزهادة وثقة الرواية أنه قال: ما وقفت بباب عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه.

ثم أرشدهم إلى أدب آخر فقال ﴿ يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ﴾ وقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في الوليد بن عقبة بعثه رسول الله  إلى بني المصطلق مصدقاً وكان بينهما إحنة، فلما سمعوا به ركبوا إليه فلما سمع بهم خافهم فرجع فقال: إن القوم هموا بقتلي ومنعوا صدقاتهم.

فهم النبي  بغزوهم، فبيناهم في ذلك إذ قدم وفدهم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة فاتهمهم النبي  وقال: لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتلتكم ويسبي ذراريكم، ثم ضرب بيده على كتف علي  فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله.

وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع.

قال جار الله: في تنكير الفاسق والنبأ عموم كأنه قيل: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ فتوقفوا فيه واطلبوا البيان لأن من لا يتجافى جنس الفسوق ولا يتجافى بعض أنواعه الذي هو الكذب.

والفسوق الخروج عن الشيء والانسلاخ منه فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه "فقست البيضة" إذا كسرتها وأخرجت ما فيها.

ومن تقاليبه أيضاً "قفست الشيء" بتقديم القاف إذا أخرجته من يد مالكه غصباً.

والنبأ الخبر الذي يعظم وقعه.

واختبر لفظة "إن" التي هي للشك دون "إذا" تنبيهاً على أنه  ومن معه بمنزلة لا يجسر أحد أن يخبرهم بكذب إلا على سبيل الفرض والندرة، فعلى المؤمنين أن يكونوا بحيث لا يطمع فاسق في مخاطبتهم بكلمة زور.

ثم علل التبين بقوله ﴿ أن تصيبوا ﴾ أي كراهة إصابتكم ﴿ قوماً ﴾ حال كونكم جاهلين بحقيقة الأمر.

والندم ضرب من الغم وهو أن تغتم على ما وقع منك متمنياً أنه لم يقع ولا يخلو من دوام وإلزام.

ومن مقلوباته "أدمن الأمر" إذا دام عليه.

ومدن بالمكان أقام به.

قال الأصوليون من الأشاعرة: إن خبر الواحد العدل يجب العمل به لأن الله  أمر بالتبيين في خبر الفاسق، ولو تبينا في خبر العدل لسوّينا بينهما.

وضعف بأنه من باب التمسك بالمفهوم.

واتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لأن باب الشهادة أضيق من باب التمسك بمفهوم الخبر.

وأكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله  فصار فاسقاً بكذبه.

وقيل: إن الوليد لم يقصد الكذب ولكنه ظن حين اجتمعوا لإكرامه أن يكونوا هموا بقتله.

ولقائل أن يقول: لفظ القرآن وسبب النزول يدل على خلافه.

نعم لو قيل: إنه تاب بعد ذلك لكان له وجه ثم أرشدهم إلى أمر آخر قائلاً ﴿ واعلموا أن فيكم رسول الله ﴾ وليس هذا الأمر مقصوداً بظاهره لأنه معلوم مشاهد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وإنما المراد ما يستلزم كونه فيهم كما يقال من يغلط في مسألة أو يقول فيها برأيه: أعلم أن الشيخ حاضر.

ثم قيل: المراد لا تقولوا الباطل والكذب فإن الله يخبره ويوحي إليه.

وقيل: أراد أن الرأي رأيه فلا تعدوا رأيه وقد صرح بهذا المعنى في قوله ﴿ لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ﴾ لوقعتم في العسر والمشقة والحرج لأنه أعلم منكم بالحنيفية السهلة السمحاء، ومن جملة ذلك قصة الوليد فإنه لو أطاعه وقبل قوله لقتل وقتلتم وأخذ المال وأخذتم فاتهمتهم.

قال جار الله: الجملة المصدّره بلو ليس كلاماً مستأنفاً لاختلال النظم حينئذ ولكنها حال من أحد الضميرين في ﴿ فيكم ﴾ وهو المستتر المرفوع أو البارز المجرور.

والمعنى أن فيكم رسول الله على حالة يجب تغييرها وهي أنكم تطلبون منه اتباع آرائكم.

قلت: قد ذكرنا في وجه النظم بياناً آخر.

ثم قال: فائدة تقدير خبر "أن" هو أن يعلم أن التوبيخ ينصب إلى هذا الغرض.

وفائدة قوله ﴿ يطيعكم ﴾ بلفظ الاستقبال الدلالة على ما أرادوه من استمرار طاعته لهم وأنه لا يخالفهم في كثير مما عنّ لهم من الآراء والأهواء.

وفي قوله ﴿ في كثير من الأمر ﴾ مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضاً تعليم حسن وتأديب جميل في باب التخاطب.

ويمكن أن يكون إشارة إلى تصويب رأي بعضهم لا إلى تصويب بعض رأيهم فقد قيل: إن بعضهم زينوا لرسول الله  الإيقاع ببني المصطلق وتصديق قول الوليد، وبعضهم كانوا يرون التحلم عنهم إلى أن يتبين أمرهم، وقد أشار إلى هذا البعض بقوله ﴿ ولكن الله حبب إليكم الأيمان ﴾ أي إلى بعضكم وإلا لم يحسن الاستدراك يعني بـ ﴿ لكن ﴾ فإن من شرطه مخالفة ما بعده لما قبله.

فلو كان المخاطبون في الطرفين واحداً لم يكن للاستدراك معنى بل يؤدّي إلى التناقض لأنه يكون قد أثبت لهم في ثاني الحال محبة الإيمان وكراهة العصيان، وذكر أوّلاً أنه توجب إجابتهم الوقوع في العنت.

قال أهل اللغة: الطاعة موافقة الداعي غير أن المستعمل في حق الأكابر الإجابة، وفي حق الأصاغر الطاعة، وقد ورد القرآن على أصل اللغة.

استدلت الأشاعرة بقوله ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ على مسألة خلق الأفعال.

وحملها المعتزلة على نصب الأدلة أو اللطف والتوفيق أو الوعد والوعيد.

والمعنى ولكن الله حبب إليكم الإيمان فأطعتموه فوقاكم العنت والكفر واضح.

وأما الفسوق والعصيان فقيل: الأوّل الكبائر والثاني الصغائر.

ويحتمل أن يكون الكفر مقابل التصديق بالجنان، والفسوق مقابل الإقرار باللسان لأن الفسق ههنا أمر قولي بدليل قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ سماه فاسقاً لكذبه والعصيان مقابل العمل بالأركان ﴿ أولئك ﴾ البعض المتبينون ﴿ هم الراشدون ﴾ وهذه جملة معترضة.

وقوله ﴿ فضلاً من الله ونعمة ﴾ كل منهما مفعول له والعامل فيهما ﴿ حبب ﴾ و ﴿ كره ﴾ ويجوز أن يكونا منصوبين عن الراشدين لأن الرشد عبارة عن التحبيب والتكريه المستندين إلى الله، فكأن الرشد أيضاً فعله فاتحد الفاعل في الفعل والمفعول له بهذا الاعتبار.

ويجوز أن يكونا مصدرين من غير لفظ الفعل وهو الرشد فكأنه قيل: فأولئك هم الراشدون رشداً لأن رشدهم إفضال وإنعام منه.

قال بعض العلماء: الفضل بالنظر إلى جانب الله الغنيّ، والنعمة بالنظر إلى جانب العبد الفقير ﴿ والله عليم ﴾ بأحوال الخلق وما بينهم من التمايز والتفاضل ﴿ حكيم ﴾ في تدابيره وأفضاله وأنعامه.

ثم علمهم حكماً آخر.

في الصحيحين عن أنس أنه قيل لرسول الله  : يا نبي الله لو أتيت عبد الله بن أبيّ.

فانطلق إليه على حمار وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فبال الحمار فقال: إليك عني فوالله لقد آذاني نتن حمارك.

فقال عبد الله بن رواحة: والله إن بول حماره أطيب ريحاً منك فغضب لعبد الله رجل من قومه وغضب لكل واحد منهما أصحابه فوقع بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله فيهم ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ جمع لأن الطائفتين في معنى القوم، أو الناس، أو لأن اقل الجمع اثنان فرجع إليهم رسول الله  فأصلح بينهم.

وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا.

وقال ابن بحر: القتال لا يكون بالنعال والأيدي وإنما هذا في المنتظر من الزمان.

والطائفة الجماعة وهي أقل من الفرقة لقوله ﴿ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة  ﴾ وارتفاعها بمضمر دل عليه ما بعده أي إن اقتتلت طائفتان واختير "أن" دون "إذا" مع كثرة وقوع القتال بين المؤمنين ليدل على أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادراً وعلى سبيل الفرض والتقدير، ولهذه النكتة بعينها قال ﴿ طائفتان ﴾ ولم يقل "فريقان" تحقيقاً للتقليل كما قلنا.

وفي تقديم الفاعل على الفعل إشارة أيضاً إلى هذا المعنى لأن كونهما طائفتين مؤمنين يقتضي أن لا يقع القتال بينهما ولهذا اختير المضيّ في الفعل ولم يقل يقتتلون لئلا ينبىء عن الاستمرار.

وفيه أيضاً من التقابل ما فيه.

وإنما قدم الفعل في قوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبإ ﴾ ليعلم أن المجيء بالنبأ الكاذب يورث كون الجائي به فاسقاً سواء كان قبل ذلك فاسقاً أم لا، ولو أخر الفعل لم تتناول الآية إلا مشهور الفسق قبل المجيء بالنبأ.

قال بعض العلماء: إنما قال ﴿ اقتتلوا ﴾ على الجمع ولم يقل "فأصلحوا بينهم" لأن عند القتال يكون لكل منهم فعل برأسه، أما عند العود إلى الصلح فإنه تتفق كل طائفة وإلا لم يتحقق الصلح فكان كل من الطائفتين كنفس واحدة فكانت التثنية أقعد.

والبغي الاستطالة وإباء الصلح، والفيء الرجوع وبه سمي الظل لأنه يرجع بعد نسخ الشمس، أو لأن الناس يرجعون إليه، والغنيمة لأنها ترجع من الكفار إلى المسلمين.

ومعنى قوله ﴿ إلى أمر الله ﴾ قيل: إلى طاعة الرسول أو من قام مقامه من ولاة الأمر بقوله ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم  ﴾ وقيل: إلى الصلح لقوله ﴿ وأصلحوا ذات بينكم  ﴾ وقيل: إلى أمر الله بالتقوى فإن من خاف الله حق خشيته لا تبقى له عداوة إلا مع الشيطان.

وإنما قال ﴿ فإن بغت ﴾ ولم يقل "فإذا" بناء على أن بغي إحداهما مع صلاح الأخرى كالنادر، وكذا قوله ﴿ فإن فاءت ﴾ لأن الفئة الباغية مع جهلها وعنادها وإصرارها على حقدها كالأمر النادر نظيره قول القائل لعبده: "إن مت فأنت حر".

مع أن الموت لا بد منه وذلك لأن موته بحيث يكون العبد حياً باقياً في ملكه غير معلوم.

واعلم أن الباغية في اصطلاح الفقهاء فرقة خالفت الإمام بتأويل باطل بطلاناً بحسب الظن لا القطع، فيخرج المرتد لأن تأويله باطل قطعاً، وكذا الخوارج وهم صنف من المبتدعة يكفرون من أتى بكبيرة ويسبون بعض الأئمة.

وهكذا يخرج مانع حق الشرع لله أو للعباد عناداً لأنه لا تأويل له.

ولا بد أن يكون له شوكة وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفه ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفراداً يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي.

والأكثرون على أن البغاة ليسوا بفسقه ولا كفرة لقوله  ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ وعن عليّ  : إخواننا بغوا علينا ولكنهم يخطئون فيما يفعلون ويذهبون إليه من التأويل كما وقع للخارجة عن عليّ  حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ويقدر عليهم ولا يقتص لمواطأته إياهم.

وكما قال مانعو الزكاة لأبي بكر: أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا وصلاة غير النبي  ليست بسكن لنا.

واتفقوا على أن معاوية ومن تابعه كانوا باغين للحديث المشهور "إن عماراً تقتله الفئة الباغية" وقد يقال: إن الباغية في حال بغيها ليست بمؤمنة وإنما سماهم المؤمنين باعتبار ما قبل البغي كقوله { ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه  ﴾ والمرتد ليس بمؤمن بالاتفاق.

أما الذي يتلفه العادل على الباغي وبالعكس في غير القتال فمضمون على القاعدة الممهدة في قصاص النفوس وغرامة الأموال، وأما في القتال فلا يضمن العادل لأنه مأمور بالقتال ولا الباغي على الأصح، لأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة والتابعين لم يطلب بعضهم بعضاً بضمان نفس ومال، ولأنه لو وجبت الغرامة لنفرهم ذلك عن العود إلى الطاعة.

والأموال المأخوذة في القتال تردّ بعد انقضاء الحرب إلى أربابها من الجانبين.

والمراد من متلف القتال ما يتلف بسبب القتال ويتولد منه هلاكه حتى لو فرض إتلاف في القتال من غير ضرورة القتال كان كالإتلاف في غير القتال، والذين لهم تأويل بلا شوكة لزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس ومال وإن كان على صورة القتال، وحكمهم حكم قطاع الطريق إذا قاتلوا، ولو أسقطنا الضمان لأبدت كل شرذمة من أهل الفساد تأويلاً وفعلت ما شاءت وفي ذلك إبطال السياسات، ولهذه النكتة قرن بالإصلاح.

والثاني قوله ﴿ بالعدل ﴾ لأن تضمين الأنفس والأموال يحتاج فيه إلى سلوك سبيل العدل والنصفة لئلا يؤدي إلى ثوران الفتنة مرة أخرى.

واحتج الشافعي لوجوب الضمان إذا لم يكن قتال بأن ابن ملجم قتل علياًَ  زاعماً أن له شبهة وتأويلاً فأمر بحبسه وقال لهم: إن قتلتم فلا تمثلوا به فقتله الحسن بن علي  وما أنكر عليه أحد.

وأما الذين لهم شوكة ولا تأويل فالظاهر عند بعضهم نفي الضمان وعند آخرين الوجوب.

وأما كيفية قتال الباغين فإن أمكن الأسر لم يقتلوا، وإن أمكن الإثخان فلا يذفف عليه كدفع الصائل إلا إذا التحم القتال وتعسر الضبط.

قوله ﴿ وأقسطوا ﴾ أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعدما أمر به في إصلاح ذات البين، قال أهل اللغة: القسط بالفتح والسكون الجور من القسط بفتحتين وهو اعوجاج في الرجلين.

وعود قاسط يابس، والقسط بالكسر العدل والهمزة في أقسط للسلب أي أزال القسط وهو الجور.

وحين بين إصلاح الخلل الواقع بين الطائفتين أراد أن يبين الخلل الواقع بين اثنين بالتشاتم والسباب ونحو ذلك فقال ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ أي حالهم لا يعدوا الأخوة الدينية إلى ما يضادّها ﴿ فأصحلوا بين أخويكم ﴾ بإيصال المظلوم إلى حقه وبدفع إثم الظلم عن الظالم.

والتثنية بحسب الأغلب، ويحتمل أن يقال: إنه شامل لما دون الطائفتين.

روي أن النبي  قال "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره ثم قال احفظوا ولا يحفظ منكم إلى قليل" ﴿ واتقوا الله ﴾ في سائر الأبواب راجين أن يرحمكم ربكم.

ثم شرع في تأديبات آخر.

والقوم الرجال خاصة لقيامهم على الأمور.

قال جمهور المفسرين: إن ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر وكان إذا أتى رسول الله  أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول.

فجاء يوماً وقد أخذ الناس مجالسهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول: تفسحوا تفسحوا.

فقال له رجل: أصبت مجلساً فاجلس.

فجلس ثابت مغضباً ثم قال للرجل: يا فلان ابن فلانه يريد أمّاً كان يعير بها في الجاهلية فسكت الرجل استحياء فنزلت.

وقيل: نزلت في الذين نادوا رسول الله  من وراء الحجرات واستهزؤا بالفقراء.

وقيل: في كعب بن مالك قال لعبد الله: يا أعرابي.

فقال له عبد الله: يا يهودي.

وقيل: نزلت ﴿ ولا نساء من نساء ﴾ في عائشة وقد عابت أم سلمة بالقصر.

ويروى أنها ربطت حقويها بثوب أبيض وأسدلت طرفها خلفها وكانت تجره فقالت عائشة لحفصة: انظري ماذات تجر خلفها كأنه لسان كلب.

وعن عكرمة عن ابن عباس: أن صفية بنت حييّ أتت رسول الله  فقالت: إن النساء يعيرنني ويقلن يا يهودية بنت يهوديين.

فقال لها رسول الله  : هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد.

وتنكير القوم والنساء للبعضية أو لإفادة الشياع.

وإنما لم يقل "رجل من رجل ولا امرأة من امرأة " زيادة للتوبيخ وتنبيهاً على أن السخرية قلما تصدر عن واحد ولكن ليشاركه في ذلك جمع من الحاضرين لأن ميل الطباع لى التلهي والدعابة والازدراء بالضعفاء وأهل السآمة أكثريّ.

وإنما لم يقل "رجل من امرأة" وبالعكس لأن سخرية الجنس من الجنس أكثر فاقتصر على ذلك والباقي فيه بالأولى.

وقوله ﴿ عسى أن يكونوا ﴾ كلام مستأنف ينبىء عن سبب النهي.

عن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلباً.

قوله  ﴿ ولا تلمزوا ﴾ تأديب آخر واللمز الطعن باللسان.

والمعنى حضوا أنفسكم بالانتهاء عن الطعن في أمثالكم من أهل هذا الدين ولا عليكم أن تعيبوا غير أهل دينكم.

قيل: اللمز والسب خلف الإنسان، والهمز العيب في وجهه الإنسان.

وقيل: بل الأمر بالعكس لأن من تقاليب همز هزم، وهو يدل على البعد، ومن مقلوب اللمز اللزم وهو يدل على القرب فيشمل العيب بالإشارة أيضاً.

قوله ﴿ ولا تنابزوا ﴾ تأديب آخر والنبز بالسكون القذف بالمكروه من الألقاب، واللقب من الأعلام ما دل على مدح أو ذم، والنبز بالفتح اللقب القبيح فهو أخص من اللقب كما أن اللقب أخص من العلم.

وإنما قال ﴿ ولا تنابزوا ﴾ ولم يقل ولا تنبزوا على منوال ﴿ ولا تلمزوا ﴾ لأن النبز لا يعجز الإنسان عن جوابه غالباً فمن ينبز غيره بالحمار كان لذلك الغير أن ينبزه بالثور مثلاً ولا كذلك اللمز فإن الملموز كثيراً ما يغفل عن عيب اللامز فلا يحضره في الجواب شيء فيقع اللمز من جانب واحد فقط.

ثم أكد النهي عن التنابز بقوله ﴿ بئس الاسم ﴾ أي الذكر ﴿ الفسوق ﴾ وفي قوله ﴿ بعد الإيمان ﴾ وجوه أحدها: استقباح الجمع بين الأمرين كما تقول "بئس الشأن الصبوة بعد الشيخوخة" أي معها.

وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه.

وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة "بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة" فمعنى بعد الإيمان بدلاً عن الإيمان ﴿ ومن لم يتب ﴾ عما نهي عنه ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن ﴾ فيه تأديب آخر.

ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب.

وإنما قال ﴿ كثيراً ﴾ ولم يقل الظن مطلقاً لأن منه ما هو واجب كحسن الظن بالله وبالمؤمنين كما جاء في الحديث القدسي " أنا عند ظن عبدي بي" قال النبي  "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله" وقال "إن حسن الظن من الإيمان" ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن بالله وبأهل الصلاح.

عن النبي  "إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " وهو الذي أمر في الآية باجتنابه.

ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة بقوله  "من الحزم سوء الظن" وعن النبي  "احترسوا من الناس بسوء الظن" ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية.

قال أهل المعاني: إنما نكر ﴿ كثيراً ﴾ ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله ﴿ إن بعض الظن إثم ﴾ ولو عرّف لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه.

والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه.

تأديب آخر ﴿ ولا تجسسوا ﴾ وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث عنه كقوله ﴿ فتحسسوا من يوسف وأخيه  ﴾ فبالجيم تفعل من الجس، وبالحاء من الحس.

قال مجاهد: معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله.

عن النبي  أنه قال في خطبته "يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لاتتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته" وهذا الأدب كالسبب لما قبله.

فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضاً.

تأديب آخر ﴿ ولا يغتب ﴾ يقال غابه واغتابه بمعنى، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب بظهر الغيب، وسئل رسول الله  عنها فقال "أن تذكر أخاك بما يكره فإن كنت صادقاً اغتبته وإن كانت كاذباً فقد بهته" ثم مثل ما يناله المغتاب من عرض صاحبه على أفظع وجه فقال ﴿ أيحب ﴾ إلى آخره.

وفيه أنواع من المبالغة منها الاستفهام للتقرير ومحبة المكروه، ومنها إسناد الفعل إلى ﴿ أحدكم ﴾ ففيه إشعار بأنه لا أحد يحب ذلك، ومنها تقييد المكروه بأكل لحم الإنسان، ومنها تقييد الإنسان بالأخ، ومنها جعل الأخ أو اللحم ميتاً ففيه مزيد تنفير للطبع.

وإنما مثل بالأكل لأن العرب تقول لمن ذكر بالسوء إن الناس يأكلون فلاناً ويمضغونه، وفلان مضغة للماضغ.

شبهوا إدارة ذكره في الفم بالأكل.

والميت لمزيد التنفير كما قلنا، أو لأن الغائب كالميت من حيث لا يشعر بما يقال فيه.

أما الفاء في قوله ﴿ فكرهتموه ﴾ ففصيحة أو نتيجة لأنها للإلزام أي بل عافته نفوسكم فكرهتموه.

أو فتحققت بوجوب الإقرار وبحكم العقل وداعي الطبع كراهتكم للأكل أو اللحم أو الميت فليتحق أيضاً أن تكرهوا لما هو نظيره وهي الغيبة.

وقال ابن عباس: هي إدام كلاب الناس.

وعنه أن سلمان كان يخدم رجلين من الصحابة ويسوّي لهما طعامهما فنام عن شأنه يوماً فبعثاه إلى رسول الله  فقال: ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فعند ذلك قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة "لبئر من آبار مكة" لغار ماؤها.

فلما راحا إلى رسول الله  قال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟

فقالا: ما تناولنا لحماً.

فقال: إنكما قد اغتبتما فنزلت.

قلت: قد تبين في الحديث أن في الآية مبالغة أخرى وهي أنه أراد باللحم الميت المدوّد المنتن المخضر، وقد عبر رسول الله  بالأمر الحسي عن الأمر المعنوي الذي أدركه بنور النبوّة منهما.

واعلم أن الغيبة وإن كانت منهية إلا أنها مباحة في حق الفاسق.

ففي الحديث "اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس" وروي "من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له واتقوا الله فيما نهاكم وتوبوا فيما وجد منكم " .

وحين علم المؤمنين تلك الآداب الجميلة عمم الخطاب منعاً من السخرية واللمز وغير ذلك على الإطلاق فقال ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.

قال بعض الرواة: "إن ثابت بن قيس حين قال فلان ابن فلانة قال النبي  : من الذاكر فلانة؟

فقام ثابت فقال: أنا يا رسول الله.

فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟

قال: رأيت أبيض وأسود وأحمر.

قال: فإنك لا تفضلهم إلا بالتقوى والدين" ، فأنزل الله هذه الآية.

وعن مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر النبي  بلالاً حتى أذن على ظهر الكعبة فقال عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم.

وقال الحرث بن هشام: أما وجه محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذناَ.

وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئاً يغيره.

وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئاً أخاف أن يخبر به رب السماء.

فأتى جبريل  فأخبره.

وأقول: الآية تزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والازدراء بالفقراء.

ويروى أن رسول الله  رأي في سوق المدينة غلاماً أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف النبي  : فاشتراه رجل وكان رسول الله  يراه عند كل صلاة ففقده يوماً فسأل عنه صاحبه فقال: محموم.

فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقيل: هو في ذمائه.

فجاءه وتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت.

وقوله ﴿ من ذكر وأنثى ﴾ فيه وجهان: أحدهما من آدم وحوّاء فيدل على أنه لا تفاخر لبعض على بعض لكونهم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، والثاني كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين كالذباب والذئاب مثلاً، لكن التفاوت بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين، لأن الكافر كالأنعام بل أضل، والمؤمن هو الناس وغيره كالنسناس.

والحاصل أن الشيء إما أن يترجح على غيره بأمر يلحقه ويترتب عليه بعد وجوده، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله.

وهذا القسم إما أن يرجع إلى القابل أو إلى الفاعل كما يقال "كان هذا من النحاس وهذا من الفضة وهذا عمل فلان" فذكر الله  أنه لا ترجح بحسب الأصل القابل لأنكم كلكم من ذكر وأنثى، ولا بحسب الفاعل فإن الله هو خالقكم.

فإن كان تفاوت فبأمور لاحقة وأحقها بالتمييز هو التقوى لما قلنا، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان ديناً عالماً، ولا يصلح لشيء منها فاسق وإن كان قرشي النسب قارونيّ النشب.

ثم بين الحكمة التي من أجلها رتبهم على شعوب وقبائل وهي أن يعرف بعضهم نسب بعض فلا يعتزى إلى غير آبائه فقال ﴿ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ﴾ أي ليقع بينكم التعارف بسبب ذلك لا أن تتفاخروا بالأنساب.

وقيل: الشعوب بطون العجم، والقبائل بطون العرب.

وقال جار الله: الشعب بالفتح الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب.

أوّلها شعب وهي أعم سمي بذلك لأن القبيلة تنشعب منها، ثم قبيلة، ثم عمارة، ثم بطن، ثم فخذ، ثم فصيلة وهي الأخص مثال ذلك: خزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.

فائدة: لا ريب أن الخلق يستعمل في الأصول أكثر، والجعل يستعمل فيما يتفرع عليه، ولهذا قال ﴿ خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور  ﴾ وقال في الآية ﴿ خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل ﴾ ولكنه قال في موضع آخر ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ فبين أن الأصل في الخلق والغرض الأقدم هو العبادة ليعلم منه أن اعتبار النسب وغيره مؤخر عن اعتبار العبادة فلهذا قال ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ وفيه معنيان: أحدهما أن التقوى تفيد الإكرام عند الله.

والثاني أن الإكرام في حكم الله يورث التقوى والأول أشهر كما يقال "ألذ الأطعمة أحلاها" أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة.

عن النبي صلى الله عيله وسلم أنه طاف يوم فتح مكة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال "الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها.

يا أيها الناس إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله ثم قرأ الآية" وعنه  "من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله" قال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى وكرم الآخرة التقوى.

﴿ إن الله عليم ﴾ بظواهركم ﴿ خبير ﴾ ببواطنكم وحق مثله أن يخشى ويتقى.

وحين حث عموم الناس على تقواه وبخ من في إيمانه ضعف.

قال ابن عباس: إن نفراً من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طريق المدينة بالقذاة، وأغلوا أسعارها وكانوا يقولون لرسول الله  : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله هذه الآيات.

أي قالوا آمنا بشرائطه فأطلع الله نبيه على مكنون ضمائرهم وقال: لن تؤمنوا إيماناً حقيقياً وهو الذي وافق القلب فيه اللسان.

﴿ ولكن قولوا أسلمنا ﴾ يعني إسلاماً لغوياً وهو الخضوع والانقياد خوفاً من القتل ودخولاً في زمرة أهل الإيمان والسلم.

ثم أكد النفي المذكور بقوله ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ﴾ وفيه فائدة زائدة هي أن يعلم أن الإيمان متوقع منهم لأن "لما" حرف فيه توقع وانتظار.

ثم حثهم على الطاعة بقوله ﴿ وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم ﴾ أي لا ينقصكم ﴿ من ﴾ ثواب ﴿ أعمالكم شيئاً ﴾ يعني الثواب المضاعف الموعود في نحو قوله ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ ألت يألت بالهمز إذا نقص وهي لغة غطفان.

يقال ألته السلطان حقه أشدّ الألت.

ولغة أسد وأهل الحجاز لأته ليتاً.

وقال قطرب: ولته يلته بمعنى صرفه عن وجهه.

فيكون ﴿ يلتكم ﴾ على وزن "يعدكم"، وعلى الوجه المتقدم على وزن "يبعكم".

﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ لمن تاب وأخلص نيته.

ثم وصف المؤمنين المحقين بقوله ﴿ إنما المؤمنون ﴾ ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم لم يرتابوا ﴾ كما في قوله ﴿ ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ وارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة أي ثم لم يقع في قلوبهم شك فيما آمنوا به ولا إتهام لمن صدّقوه وذلك بتشكيك بعض شياطين الجن والإنس.

وقال جار الله: وجه آخر لما كان زوال الريب ملاك الإيمان أفرد بالذكر بعد تقدم الإيمان تنبيهاً على مزيته وإشعاراً بأنهم مستقرون على ذلك في الأزمنة المتطاولة غضاً جديداً.

وفي قوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ تعريض بأن المذكورين أولاً كاذبون ولهذا قال ﴿ قل لم تؤمنوا ﴾ إشارة إلى كذبهم في دعواهم ورب تعريض لا يقاومه التصريح.

ثم أراد تجهيلهم بقوله ﴿ قل أتعلمون الله بدينكم ﴾ والباء قيل للسببية والأظهر أنه الذي في قولهم ما علمت بقدومك أي ما شعرت ولا أحطت به.

وذكر في أسباب النزول أنه لما نزلت الآية الأولى جاءت هؤلاء الأعراب وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية.

والاستفهام للتوبيخ أي كيف تعلمونه بعقيدتكم وهو عالم بكل خافية والتعليم إفادة العلم على التدريج والمعالجة؟

وقيل: تعريض من لا يعلم بإفهام المعنى لأن يعلم قوله ﴿ يمنون عليك ﴾ نزلت في المذكورين وفي أمثالهم.

يقال: منّ عليه صنعه إذا اعتدّه عليه منة وإنعاماً.

قال أهل العربية: اشتقاق المنة من المن الذي هو القطع لأنه إنما يسدي النعمة إليه ليقطع بها حاجته لا غير من غير أن يعمل لطلب مثوبة وعوض.

ثم قال ﴿ بل الله يمن عليكم ﴾ حيث هداكم للإيمان الذي ادّعيتموه.

وفي إضافة الإسلام إليهم ازدراء بإسلامهم، وفي إيراد الإيمان مطلقاً غير مضاف إشارة إلى الإيمان المعهود الذي يجب أن يكون المكلف عليه.

وجواب الشرط محذوف أي ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في ادعاء الإيمان الحقيقي فلله المنة عليكم.

ثم عرض بأنهم غير صادقين فقال ﴿ إن الله يعلم ﴾ الآية والمراد أنه لا يخفي عليه ضمائرهم والله أعلم بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قال بعضهم: إن أبا بكر وعمر -  ما - اختلفا في شيء يحضره رسول الله  فارتفعت أصواتهما، فنزل قوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر من قوله: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ ﴾ .

وذكر عن الحسن في قوله -  -: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: لا تذبحوا قبل ذبح النبي يوم النحر، وذلك أن ناساً من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي  يوم النحر.

وقال قتادة ذكر لنا أن رجالا كانوا يقولون: لو أنزل كذا وكذا، أو صنع كذا وكذا، فنزلت هذه الآية، وأمرهم ألا يسبقوا نبيه  بقول ولا عمل حتى يبين الله -  - بيانه، وأمثال ذلك قد قالوا، والله أعلم.

وأصل ذلك عندنا من قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية، أي: يأيها الذين آمنوا اعلما أن لله الخلق والأمر، ولا تقدموا أمراً، ولا قولا، ولا فعلا، ولا حكماً، ولا نهياً سوى ما أمر الله -  - به ورسوله  وغير ما نهى عنه؛ بل اتبعوا أمره ونهيه، وراقبوه على ما آمنتم به وأقررتم بأن له الخلق والأمر، فاحفظوا أمره ونهيه، ولا تخالفوه ولا رسوله في شيء من الأمر والنهي، فهذا يدخل فيه كل شيء وكل أمر من القول، والفعل، والقضاء، والحكم، والذبح، وغير ذلك؛ على ما ذكرنا من إيمانهم بأن له الخلق والأمر في الخلق؛ إذ مثل هذا الخطاب لو كان لواحد خاص لكان حكمه يلزم الكل، وكذلك لو كان في أمر واحد وفعل واحد كان يدخل في ذلك جميع الأمور، فكيف والخطاب بذلك عام مطلق؟!

فهو للكل، وفي كل الأمور، والله الموفق.

وعلى ذلك ما روي عن مسروق أنه دخل على عائشة -  ا - فأمرت الجارية أن تسقيه، فقال: إني صائم - وهو اليوم الذي يشك فيه - فقالت له: قد نهى عن هذا، وتلت قوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ في صيام ولا غيره.

اعتبرت عائشة -  ا - عموم الآية في النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله ومخالفة النبي  في [كل] قول أو فعل.

وكذلك روي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال في قوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ أي: لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: اتقوا مخالفة أمر الله ونهيه قولا وفعلا، واتقوا مخالفة رسوله فيما يأمركم بأمر الله ونهيه، وفي كل ما دعاكم إليه ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لأقوالكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بأفعالكم وأعمالكم، ولا قوة إلا بالله.

ثم لم يفهموا مما ذكر في قوله: ﴿ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ الجوارح ولا العدد في اليد كما فهموا من ذلك في الخلق، فما بالهم يفهمون ذلك من قوله: ﴿ خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ أي: خلقته على علم مني بما يكون منه [من] خلاف أو معصية، لم أخلقه عن جهل بما يكون منه، وهو ما ذكر في قوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ و ﴿ خَبِيرٌ  ﴾ ، أي: عن علم بأحوالهم وما يكون منهم أنشأهم لا عن جهل بذلك، فعلى ذلك هذا، كما فهموا من قوله: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ ﴾ أمر الله ونهيه دون الجوارح والعدد، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ لِبَعْضٍ ﴾ قال بعضهم: إن الآية نزلت في أبي بكر وعمر -  ما - اختلفا في شيء بحضرة النبي  فارتفعت أصواتهما.

وقال بعضهم: إنها نزلت في قوم كانوا إذا سئل النبي  عن شيء قالوا فيه قبل قول النبي  .

وعندنا: لا يحتمل أن يكون من رفع الصوت فوق صوت رسول الله  والجهر بالقول له، وما ذكر من التقدم بين يدي رسول الله  في الأمر والنهي أن يكون الخطاب بذلك للذين صحبوا رسول الله  واتبعوا أمره ونهيه؛ إذ لا يحتمل منهم أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته ويجهروا له بالقول أو يقدموا بين يديه في أمر ولا نهي إلا عن سهو، أو غفلة، أو إذن منه بالمناظرة والمحاورة في العلم، فعند ذلك ترتفع أصواتهم؛ لأن رسول الله  كان أجل في قلوبهم وأعظم قدراً من أن يتجاسروا التقدم بين يديه بأمر، أو قول، أو رفع صوت، أو جهر القول له، فتكون الآية في أهل الشرك [أو] في أهل النفاق، والله أعلم.

ثم إن كان الخطاب بذلك للذين آمنوا فهو على جهين: أحدهما: أن ذلك منه ابتداء محنة امتحنهم بذلك وأمرهم به من غير أن كان منهم شيء من ذلك من التقدم بين يديه، ورفع الصوت، والجهر له بالقول، ولله -  - أن يمتحن ويأمر وينهى من شاء بما شاء ابتداء؛ امتحاناً منه لهم، وهو ما ذكرنا من نهي الرسل - عليهم السلام - عن الشرك والمعاصي وإن كانوا معصومين عن ذلك؛ لأن العصمة لا تمنع النهي؛ لأن العصمة إما تكون عصمة إذا كان هناك أمر ونهي؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من النهي عن التقدم، والرفع بالصوت، والجهر بالقول، وإن لم يكن منهم شيء مما ذكر ابتداء محنة منه لهم، والله أعلم.

ويحتمل أنه خاطب هؤلاء الصحابة -  م - بذلك؛ ليتعظ بذلك من يشهد مجلسه من المنافقين وغيرهم من الكفارين؛ إذ كان يشهد مجلسه أهل النفاق وسائر الكفرة؛ لئلا يعاملوا رسول الله  بمثل معاملة بضعهم بعضا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ ذكر هذا؛ ليكونوا أبداً متعظين بين يدي رسول الله  حذرين، معظيمن له في كل وقت؛ لئلا يكون منهم في وقت من الأوقات مايجري مجرى الاستخفاف به والتهاون على السهو والغفلة فيحبط ذلك أعمالهم؛ لأن هذا الصنيع برسول الله  يكفر صاحبه، ولا يكون معذوراً، وإن فعله على السهو والغفلة؛ لأن له قدرة الاحتراز، وأمكن التحذر، وإن كانوا معذورين فيما بينهم على غير التعمد والقصد، ولا مؤاخذة لهم برفع الله -  - المؤاخذة عنهم فيما بينهم، ولم يرفع في حق النبي - عليه أفضل الصلوات - مع أن الكل في حد جواز المؤاخذة، والله أعلم.

وذكر الكرابيسي فقال: ومن حكمه الآية عند قوم حبوط الأعمال بالكبائر؛ على ما روي عن الحسن قال: أما يشعر هؤلاء الناس أن عملا يحبط عملا، والله يقول: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية.

وقيل: المراد من الآية أن يتأذى بشؤم تلك المعصية إلى أن يهون عليه ارتكاب الكبيرة، يستحقرها حتى يخف عليه الكفر فيكفر؛ فتصير المعصية الأولى - وإن قلت - سبباً لحبوط ثواب أعماله، فإن أساس كل خطيرٍ حقيرٌ.

ونحن نقول: إن المعصية لا تحبط الطاعة، ولكن هو استخفاف بالنبي  ، و[نحو] ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ دلت هذه الآية أن الآيتين اللتين تقدم ذكرهما من قوله -  -: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ في أهل النفاق، فأما أصحابه الذين صحبوه وآمنوا به، [و] عرفوا أنه [رسول] رب العالمين، فلا يحتمل أن يكون منهم ما ذكر من رفع الصوت عنده، وجهر القول له، والنداء له باسمه من بُعْدٍ، إنما ذلك به فعل من ذكرنا من أهل النفاق والشرك، فأما الذين آمنوا به وصدقوه وعرفوا أنه رسول فلا يحتمل منهم سوى التعظيم له، والتوقير، والتشريف؛ لما عرفوا أن نجاتهم وشرفهم وعزهم في الدنيا والآخرة بتعظيمه وتوقيره، فكيف يحتمل عنهم ذلك؛ بل كانوا لا يتجاسرون التكلم بين يديه فضلا من أن يرفعوا أصواتهم، ويقدموا بين يديه، أو النداء من بعد، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ هذا وصف المؤمنين، امتحن قلوبهم للتقوى فوجدها صافية خالصة لذلك، والامتحان - هاهنا - هو التصفية والإخلاص؛ يقال: امتحن الذهب: إذ أخلص وصفي الصافي منه والخالص من غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ هذا وصف من ذكرنا من أهل الشرك والنفاق.

وقال بعضهم: إن نفرا من الأعراب جاءوا، وقالوا: ننطلق إلى هذا الرجل - يعنون: محمداً  - فإن يكن رسولا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكاً نعيش في جناحه، فأتوا إلى رسول الله  فجعلوا ينادونه من وراء الحجرات: يا محمد؛ فنزلت هذه الآية.

وقال بعضهم: كان النبي  سبى ذراري بني تيم ونساءهم، فأتوا يطلبون منه تخلية سبيل أولئك وإعتقاهم وردهم إليهم، فنادوه من وراء الحجرات، فأعتق بعضهم، وفدى بعضاً؛ فنزلت الآية.

وقوله: ﴿ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ ؛ لأن ذلك أعظم لقدره، وأجل لمنزلته، وأعرف لحقه، وأحفظ لحرمته.

ثم قوله: ﴿ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أكثرهم لا يعرفون قدره ومنزلته، وإن كان قليل منهم يعرفون ذلك، وهم المؤمنون.

والثاني: أكثرهم لا ينتفعون بما يعقلون.

والثالث: أكثرهم لا يعقلون أنه رسوله، وهم الأتباع والسفلة من الكفرة، وإنما يعرف القليل منهم، وهم الرؤساء المعاندون.

وفي هذه الآية وفي قوله -  -: ﴿ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ دلالة أن قد يلحق المرء حكم الكفر ويحبط العمل إذا خرج مخرج الاستخفاف وإن لم يعلم به ولم يقصد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين يخفضون أصواتهم عند رسول الله  ، أولئك هم الذين امتحن الله قلوبهم لتقواه، وأخلصهم لها، لهم مغفرة لذنوبهم فلا يؤاخذهم، ولهم ثواب عظيم يوم القيامة، وهو أن يدخلهم الله الجنة.

<div class="verse-tafsir" id="91.xPgZj"

مزيد من التفاسير لسورة الحجرات

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده