الآية ٢٨ من سورة ق

الإسلام > القرآن > سور > سورة 50 ق > الآية ٢٨ من سورة ق

قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا۟ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 90 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة ق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة ق عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( قال لا تختصموا لدي ) يقول الرب عز وجل للإنسي وقرينه من الجن ، وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق فيقول الإنسي : يا رب ، هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني .

ويقول الشيطان : ( ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد ) أي : عن منهج الحق .

فيقول الرب عز وجل لهما : ( لا تختصموا لدي ) أي : عندي ، ( وقد قدمت إليكم بالوعيد ) أي : قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل ، وأنزلت الكتب ، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ) يقول تعالى ذكره: قال الله لهؤلاء المشركين الذين وصف صفتهم, وصفة قرنائهم من الشياطين ( لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ) اليوم ( وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ) في الدنيا قبل اختصامكم هذا, بالوعيد لمن كفر بي, وعصاني, وخالف أمري ونهيي في كتبي, وعلى ألسن رسلي.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الله بن أبي زياد, قال: ثنا عبد الله بن أبي بكر, قال: ثنا جعفر, قال: سمعت أبا عمران يقول في قوله ( وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ) قال: بالقرآن.

حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله ( لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ) قال: إنهم اعتذروا بغير عذر, فأبطل الله حجتهم, وردّ عليهم قولهم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ) قال: يقول: قد أمرتكم ونهيتكم, قال: هذا ابن آدم وقرينه من الجن.

حدثنا ابن حُمَيد, قال: ثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع, قال: قلت لأبي العالية ( لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ) قال أبو جعفر الطبريّ: أحسبه قال: هم أهل الشرك, وقال في آية أخرى ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ فهم أهل القبلة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لا تختصموا لدي يعني الكافرين وقرناءهم من الشياطين .

قال القشيري : وهذا يدل على أن القرين الشيطان .وقد قدمت إليكم بالوعيد أي : أرسلت الرسل .

وقيل : هذا خطاب لكل من اختصم .

وقيل : هو للاثنين وجاء بلفظ الجمع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال الله تعالى مجيبًا لاختصامهم: { لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ } أي: لا فائدة في اختصامكم عندي، { و } الحال أني قد { قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ } أي: جاءتكم رسلي بالآيات البينات، والحجج الواضحات، والبراهين الساطعات، فقامت عليكم حجتي، وانقطعت حجتكم، وقدمتم علي بما أسلفتم من الأعمال التي وجب جزاؤها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال ) فيقول الله ( لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ) في القرآن وأنذرتكم وحذرتكم على لسان الرسول ، وقضيت عليكم ما أنا قاض .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال» تعالى «لا تختصموا لديَّ» أي ما ينفع الخصام هنا «وقد قدمت إليكم» في الدنيا «بالوعيد» بالعذاب في الآخرة لو لم تؤمنوا ولا بد منه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الله تعالى: لا تختصموا لديَّ اليوم في موقف الجزاء والحساب؛ إذ لا فائدة من ذلك، وقد قَدَّمْتُ إليكم في الدنيا بالوعيد لمن كفر بي وعصاني.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( قَالَ ) أى : - الخالق - عز وجل ( لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ) أى : لا تتنازعوا عندى فى هذا الموقف ، فإن التنازع لا فائدة فيه .( وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد ) أى : والحال أنى قد حذرتكم على ألسنة رسلى من سوء عاقبة الكفر ، والآن لا مجال لهذا الاعتذار أو التخاصم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ ﴾ .

قد ذكرنا أن هذا دليل على أن هناك كلاماً قبل قوله: ﴿ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ  ﴾ وهو قول الملقى في النار ربنا أطغاني وقوله: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ ﴾ يفيد مفهومه أن الاختصام كان ينبغي أن يكون قبل الحضور والوقوف بين يدي.

وقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد ﴾ .

تقرير للمنع من الاختصام وبيان لعدم فائدته، كأنه يقول قد قلت إنكم إذا اتبعتم الشيطان تدخلون النار وقد اتبعتموه، فإن قيل ما حكم الباء في قوله تعالى: ﴿ بالوعيد ﴾ ؟

قلنا فيها وجوه: أحدها: أنها مزيدة كما في قوله تعالى: ﴿ تَنبُتُ بالدهن  ﴾ ، على قول من قال إنها هناك زائدة، وقوله: ﴿ وكفى بالله  ﴾ .

وثانيها: معدية فقدمت بمعنى تقدمت كما في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله  ﴾ ثالثها: في الكلام إضمار تقديره، وقد قدمت إليكم مقترناً بالوعيد ﴿ مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ  ﴾ فيكون المقدم هو قوله، ما يبدل القول لدي، رابعها: هي المصاحبة يقول القائل: اشتريت الفرس بلجامه وسرجه أي معه فيكون كأنه تعالى قال: قدمت إليكم ما يجب مع الوعيد على تركه بالإنذار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ ﴾ استئناف مثل قوله: ﴿ قَالَ قرِينُهُ ﴾ [ق: 27] كأن قائلاً قال: فماذا قال الله؟

فقيل: قال لا تختصموا.

والمعنى: لا تختصموا في دار الجزاء وموقف الحساب، فلا فائدة في اختصامكم ولا طائل تحته، وقد أوعدتكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي، فما تركت لكم حجة عليَّ، ثم قال: لا تطمعوا أن أبدل قولي ووعيدي فأعفيكم عما أوعدتكم به ﴿ وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ فأعذب من ليس بمستوجب للعذاب.

والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ مزيدة مثلها في ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ أو معدية، على أن (قدّم) مطاوع بمعنى (تقدّم) ويجوز أن يقع الفعل على جملة قوله: ﴿ مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ وَمَآ أَنَاْ بظلام لِّلْعَبِيدِ ﴾ ولأن ﴿ بالوعيد ﴾ حالاً، أي: قدّمت إليكم هذا ملتبساً بالوعيد مقترناً به.

أو قدّمته إليكم موعداً لكم به.

فإن قلت: إنّ قوله: ﴿ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم ﴾ واقع موقع الحال من ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ ﴾ والتقديم بالوعيد في الدنيا والخصومة في الآخرة واجتماعها في زمان واحد واجب.

قلت: معناه ولا تختصموا وقد صح عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد، وصحة ذلك عندهم في الآخرة، فإن قلت: كيف قال: ﴿ بظلام ﴾ على لفظ المبالغة؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون من قولك: هو ظالم لعبده، وظلام لعبيده.

والثاني: أن يراد لو عذبت من لا يستحق العذاب لكنت ظلاماً مفرط الظلم.

فنفى ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ ﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى.

﴿ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾ أيْ في مَوْقِفِ الحِسابِ فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ، وهو اسْتِئْنافٌ مِثْلَ الأوَّلِ.

﴿ وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ ﴾ عَلى الطُّغْيانِ في كُتُبِي وعَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي فَلَمْ يَبْقَ لَكم حُجَّةٌ.

وهو حالٌ فِيهِ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ لا تَخْتَصِمُوا عالَمَيْنِ بِأنِّي أوْعَدْتُكُمْ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ مُعَدِّيَةٌ عَلى أنَّ قَدَّمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالوَعِيدِ حالًا والفِعْلُ واقِعًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ﴾ أيْ بِوُقُوعِ الخُلْفِ فِيهِ فَلا تَطْمَعُوا أنْ أُبَدِّلَ وعِيدِي.

وعَفْوُ بَعْضِ المُذْنِبِينَ لِبَعْضِ الأسْبابِ لَيْسَ مِنَ التَّبْدِيلِ فَإنَّ دَلائِلَ العَفْوِ تَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الوَعِيدِ.

﴿ وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ فَأُعَذِّبَ مَن لَيْسَ لِي تَعْذِيبُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ} هو استئناف مثل قوله تعالى قَالَ قرِينُهُ كأن قائلاً قال فماذا قال الله فقيل قال لا تختصموا {لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد}

أي لا تختصموا في دار الجزاء وموقف الحساب فلا فائدة في اختصامكم ولا طائل تحته وقد أوعدتكم بعذابي على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي فما تركت لكم حجة عليّ والباء في بالوعيد مزيدة كما في قوله وَلاَ تلقوا بايديكم أو معدية على أن قدم مطاوع بمعنى تقدم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى؟

فَقِيلَ: قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾ أيْ في مَوْقِفِ الحِسابِ والجَزاءِ إذْ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ ﴿ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ ﴾ عَلى الطُّغْيانِ في دارِ الكَسْبِ في كُتُبِي وعَلى ألْسِنَةِ رُسُلِي فَلا تَطْمَعُوا في الخَلاصِ عَنْهُ بِما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ التَّعَلُّلِ بِالمَعاذِيرِ الباطِلَةِ، والجُمْلَةُ حالٌ فِيها تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ ويُلاحَظُ مَعْنى العِلْمِ لِتَحْصُلَ المُقارَنَةُ الَّتِي تَقْتَضِيها الحالِيَّةُ أيْ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ عالِمِينَ أنِّي قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ ﴾ فاتَّبَعْتُمُوهُ مُعْرِضِينَ عَنِ الحَقِّ والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ مُعَدِّيَةٌ عَلى أنَّ قَدَّمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ وهو لازِمٌ يُعَدّى بِالباءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( قَدَّمْتُ ) واقِعًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَقالَ قَرِينُهُ يعني: ملكه الذي كان يكتب عمله هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ يعني: هذا الذي وكلتني به قد أتيتك به، وهو حاضر يقول الله عز وجل أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ يعني: يقول للملكين ألقيا في جهنم كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ وقال بعضهم هذا أمر للملك الواحد بلفظ الاثنين، وقال الفراء: يرى أصل هذا أن أن الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة نفر، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ألا ترى أن الشعراء أكثر شيء: قيلاً يا صاحبي، ويا خليلي، قال الشاعر: فقلت لصاحبي لا تحبساني، وأدنى ما يكون الأمر والنهي في الإعراب اثنان، فجرى كلامهم على ذلك ومثل هذا قول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ويقال: أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ، على معنى تكرير الأمر، يعني: ألق ألق، وهو على معنى التأكيد، وكذلك في قوله: قفا، معناه قف قف.

وقال الزجاج: عندي أن قوله أَلْقِيَا أَمر للملكين، وقال بعضهم: الأمر للواحد بلفظ الاثنين واقع في إطلاق العرب، وكان الحجاج يقول: يا حرسي اضربا عنقه كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ، يعني: كل جاحد بتوحيد الله تعالى معرض عن الإيمان، وقال مقاتل: يعني: الوليد بن المغيرة.

ويقال هذا في جميع الكفار الذين ذكر صفتهم في هذه الآية، وهي قوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يعني: بخيلاً لا يخرج حق الله من ماله، ويقال: «مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ» يعني يمتنع عن الإسلام مُعْتَدٍ مُرِيبٍ المعتدي هو الظلوم الغشوم، والمريب الشاك في توحيد الله تعالى قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ يعني: أشرك بالله عز وجل فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ يعني: في النار قالَ قَرِينُهُ يعني: شيطانه رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ يعني: لم يكن لي قوة أن أضله وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ يعني: في خطأ طويل بعيد عن الحق، يقول الله تعالى لابن آدم وشيطانه قالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ أي لا تختصموا عندي وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ يعني: أخذت عليكم الحجة، وأخبرتكم بالكتاب والرسول مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ يعني: لا يغير قضائي وحكمي الذي حكمت، ويقال: لا يكذب وعيدي وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ يعني: لا أعذب أحداً بغير ذنب، ويقال: مَا يُبَدِّلُ القول لدى، يعني: لا يغير عن جهته، ولا يحذف منه، ولا يزاد فيه، لأني أعلم كيف ضلوا، وكيف أضللتموهم، وروى سالم عن أبيه عن النبيّ  أنه قال: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ وُكِّلَ بِهِ قَرِيُنُه مِنَ الجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ المَلائِكَةِ» ، قالوا: وإياك يا رسول الله  » ؟

قال: «وَإيَّايْ وَلَكِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ أعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلاَ يَأمُرُنِي إلاَّ بِخَيرٍ» ، وعن الربيع، عن أنس، قال: سألت أبا العالية عن قوله عز وجل: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر: 31] وهاهنا يقول: لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ فقال: لا تختصموا لدي في أهل النار، والأخرى في المؤمنين في المظالم، فيما بينهم، وقال مجاهد: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: 29] يعني: لقد قضيت ما أنا قاض قوله عز وجل: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر يِقُولُ بِاليَاء يعني: يقول الله تعالى، قرأ الباقون بالنون، ومعناه كذلك يوم صار نصباً على معنى مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ في ذلك اليوم، ويقال على معنى أنذرهم يوم، كقوله: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ [مريم: 39] ثم قال: هَلِ امْتَلَأْتِ يعني: هل أوفيتك ما وعدتك، وهو قوله لأَملأن جَهَنَّمَ فَتَقُولُ النار هَلْ مِنْ مَزِيدٍ يعني: هل من زيادة وقال عطية: هل من موضع، ويقال معناه هل امتلأت، أي قد امتلأت، فليس من مزيد، ويقال: أنا طلبت الزيادة تغيظاً لمن فيها، وروى وكيع بإسناده عن أبي هريرة قال: «لا تَزَالُ جَهَنَّمَ تَسَأَل الزِّيَادَة حتى يضع الله فيها قدمه فَتَقُولُ جَهَنَّمَ يَا رَبَّ قط قط» أي حسبي حسبي، وقال في رواية الكلبي نحو هذا، ويقال تضيق بأهلها حتى لا يكون فيها مدخل لرجل واحد.

قال أبو الليث: قد تكلم الناس في مثل هذا الخبر قال بعضهم: نؤمن به ولا نفسره، وقال بعضهم: نفسره على ما جاء بظاهر لفظه، وتأوله بعضهم وقال: معنى الخبر بكسر القاف يضع قدمه وهم أقوام سالفة فتمتلئ بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَقالَ قَرِينُهُ هذا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ قال جماعة من المفسرين: يعني قرينه من زبانية جهنم، أي: قال هذا العذاب الذي لدي لهذا الكافر، حاضر، وقال قتادة وابن زيد «١» : بل قرينه المُوَكَّلُ بسوقه، قال ع «٢» : ولفظ القرين اسم جنس، فسائقه قرين، وصاحبُه من الزبانية قرين، وكاتب سيئاته في الدنيا قرين، والكُلُّ تحتمله هذه الآية، أي:

هذا الذي أحصيتُهُ عليه عتيد لَدَيَّ، وهو مُوجِبُ عذابه، والقرين الذي في هذه الآية غيرُ القرين الذي في قوله: قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا مَا أَطْغَيْتُهُ إذ المقارنة تكون على أنواع.

وقوله سبحانه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ المعنى: يقال: ألقينا في جهنَّمَ، واخْتُلِفَ لمن يُقَالُ ذلك، فقال جماعة: هو قول لِمَلَكَيْنِ من ملائكة العذاب.

وقال عبد الرحمن بن زيد «٣» : هو قول للسائق والشهيد.

وقال جماعة من أهل العلم باللغة: هذا جارٍ على عادة كلام العرب الفصيح أنْ يُخَاطَبَ الواحدُ بلفظ الاثنين وذلك أَنَّ العربَ كان الغالبُ عندها أنْ يترافق في الأسفار ونحوها ثَلاَثَةٌ، فَكُلُّ واحد منهم يخاطِبُ اثنين، فَكَثُرَ ذلك في أشعارها وكلامها، حَتَّى صار عُرْفاً في المخاطبة، فاسْتُعْمِلَ في الواحد، ومن هذا قولهم في الأشعار:

[من الطويل] خليليّ......

.......

«٤»

وصاحبيّ......

...

........

«١»

[من الطويل]

قِفَانَبْكِ....

...

........

«٢»

ونحوه.

وقال بعض المتأولين: المراد «أَلْقِيَنْ» ، فَعُوِّضَ من النون ألفٌ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «أَلْقِياً» بتنوين الياء «٣» ، و «عنيد» معناه: عَانِدٌ عن الحق، أي: مُنْحَرِفٌ/ عنه.

وقوله تعالى: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ لفظ عامٌّ للمال والكلام الحسن والمعاونة على الأشياء، ومُعْتَدٍ معناه: بلسانه ويده.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ قَرِينُهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هو مَلَكُهُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ عَمَلَهُ السَّيِّئَ في دارِ الدُّنْيا، يَقُولُ لِرَبِّهِ: قَدْ كَتَبْتُ ما وكَّلْتَنِي بِهِ، فَهَذا عِنْدِي مُعَدٌّ حاضِرٌ مِن عَمَلِهِ الخَبِيثِ، فَقَدْ أتَيْتُكَ بِهِ وبِعَمَلِهِ.

وفي "ما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "مَن" قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الشَّيْءِ، فَتَقْدِيرُهُ: هَذا شَيْءٌ لَدَيَّ عَتِيدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى العَتِيدِ في هَذِهِ السُّورَةِ [قْ: ١٨]، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ ﴾ وفي مَعْنى هَذا الخِطابِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ مُخاطَبَةٌ لِلْواحِدِ بِلَفْظِ الخِطابِ لِلِاثْنَيْنِ، قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَأْمُرُ الواحِدَ والقَوْمَ بِأمْرِ الِاثْنَيْنِ، فَيَقُولُونَ لِلرَّجُلِ ويْلَكَ ارْحَلاها وازْجُراها، سَمِعْتُها مِنَ العَرَبِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهُمْ: فَقُلْتُ لِصاحِبِي لا تَحْبِسانا بِنَزْعِ أُصُولِهِ واجْتَزَّ شِيحا وَأنْشَدَنِي أبُو ثَرْوانَ: فَإنْ تَزْجُرانِي يابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا وَنَرى أنَّ ذَلِكَ مِنهُمْ، لِأنَّ أدْنى أعْوانِ الرَّجُلِ في إبِلِهِ وغَنَمِهِ اثْنانِ، وكَذَلِكَ الرُّفْقَةُ أدْنى ما تَكُونُ ثَلاثَةٌ، فَجَرى الكَلامُ عَلى صاحِبَيْهِ، ألا تَرى الشِّعْرَ أكْثَرَ شَيْءٍ قِيلًا: يا صاحِبَيَّ ويا خَلِيلَيَّ.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبِ ∗∗∗ نُقَضِّي لُباناتِ الفُؤادِ المُعَذَّبِ ثُمَّ قالَ: ألَمْ تَرَ أنِّي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ وجَدْتُ بِها طِيبًا وإنْ لَمْ تَطَيَّبِ فَرَجَعَ إلى الواحِدِ، وأوَّلُ كَلامِهِ اثْنانِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُقاتِلٌ، وقالَ: ﴿ ألْقِيا ﴾ خِطابٌ لِلْخازِنِ، يَعْنِي خازِنَ النّارِ.

والثّانِي: أنَّهُ فِعْلٌ ثُنِّيَ تَوْكِيدًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ ألْقِيا ﴾ ، نابَ عَنْ ألْقِ ألْقِ، وكَذَلِكَ، قِفا نَبْكِ، مَعْناهُ: قِفْ قِفْ، فَلَمّا نابَ عَنْ فِعْلَيْنِ، ثُنِّيَ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أمْرٌ لِلْمَلَكَيْنِ، يَعْنِي السّائِقَ والشَّهِيدَ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

فَأمّا "الكَفّارُ" فَهو أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الكافِرِ.

و"العَنِيدُ" قَدْ فَسَّرْناهُ في [هُودٍ: ٥٩] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ في المُرادِ بِالخَيْرِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، يَمْنَعُ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ، وذَكَرَ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، مَنَعَ بَنِي أخِيهِ عَنِ الإسْلامِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ خَيْرٍ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُعْتَدٍ ﴾ أيْ: ظالِمٌ لا يُقِرُّ بِالتَّوْحِيدِ ﴿ مُرِيبٍ ﴾ أيْ: شاكٌّ في الحَقِّ، مِن قَوْلِهِمْ: أرابَ الرَّجُلُ: إذا صارَ ذا رَيْبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ قَرِينُهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: شَيْطانُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.

وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ تَقْدِيرُهُ: إنَّ الإنْسانَ ادَّعى عَلى قَرِينِهِ مِنَ الشَّياطِينِ أنَّهُ أضَلَّهُ فَقالَ: ﴿ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ لِي قُوَّةٌ عَلى إضْلالِهِ بِالإكْراهِ، وإنَّما طَغى هو بِضَلالِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ المَلَكُ الَّذِي كانَ يَكْتُبُ السَّيِّئاتِ.

ثُمَّ فِيما يَدَّعِيهِ الكافِرُ عَلى المَلَكِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّهُ] يَقُولُ: زادَ عَلَيَّ فِيما كَتَبَ، فَيَقُولُ المَلَكُ: ما أطْغَيْتُهُ، أيْ: ما زِدْتُ عَلَيْهِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ يَقُولُ: كانَ يُعْجِلُنِي عَنِ التَّوْبَةِ، فَيَقُولُ: رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ أيْ: بَعِيدٌ مِنَ الهُدى، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾ في هَذا الخِصامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اعْتِذارُهم بِغَيْرِ عُذْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ خِصامُهم مَعَ قُرَنائِهِمُ الَّذِينَ أغْوَوْهُمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

فَأمّا اخْتِصامُهم فِيما كانَ بَيْنَهم مِنَ المَظالِمِ في الدُّنْيا، فَلا يَجُوزُ أنْ يُهْمَلَ، لِأنَّهُ يَوْمُ التَّناصُفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ ﴾ أيْ: قَدْ أخْبَرْتُكم عَلى ألْسُنِ الرُّسُلِ بِعَذابِي في الآخِرَةِ لِمَن كَفَرَ.

﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ما يُبَدَّلُ القَوْلُ فِيما وعَدْتُهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: ما يُكَذَّبُ عِنْدِي ولا يُغَيَّرُ القَوْلُ عَنْ جِهَتِهِ، لِأنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ وأعْلَمُ كَيْفَ ضَلُّوا وكَيْفَ أضْلَلْتُمُوهُمْ، هَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ واخْتِيارُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: ما يُبَدَّلُ قَوْلِي ﴿ وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ فَأزِيدَ عَلى إساءَةِ المُسِيءِ، أوْ أنْقُصَ مِن إحْسانِ المُحْسِنِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عنكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ ﴿ وَقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ﴾ ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ﴾ ﴿ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَدِيدِ ﴾ ﴿ قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ ﴾ قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "لَقَدْ كُنْتِ" بِكَسْرِ التاءِ عَلى مُخاطَبَةِ النَفْسِ، وكَذَلِكَ كَسْرُ الكافاتِ بَعْدُ، وقالَ صالِحُ بْنُ كَيْسانَ، والضَحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "لَقَدْ كُنْتَ" الآيَةُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ الغافِلِ مِن ذَوِي الَّتِي مَعَها السائِقُ والشَهِيدُ إذا حَصَلَ بَيْنَ يَدَيِ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ، وعايَنَ الحَقائِقَ الَّتِي كانَ لا يُصَدِّقُ بِها في الدُنْيا ويَتَغافَلُ عنها وعَنِ النَظَرِ فِيها: لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا، فَلَمّا كُشِفَ الغِطاءُ عنكَ الآنَ احْتَدَّ بَصَرُكَ، أيْ: بَصِيرَتُكَ، وهَذا كَما تَقُولُ: "فُلانٌ حَدِيدُ الذِهْنِ والفُؤادِ" ونَحْوُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو بَصَرُ العَيْنِ: أيِ: اشْتَدَّ التِفاتُهُ إلى مِيزانِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أهْوالِ القِيامَةِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَقَدْ كُنْتَ" الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ  ، والمَعْنى أنَّهُ خُوطِبَ بِهَذا في الدُنْيا، أيْ: لَقَدْ كُنْتَ يا مُحَمَّدُ، في غَفْلَةٍ عن مَعْرِفَةِ هَذا القَصَصِ والغَيْبِ حَتّى أرْسَلْناكَ وأنْعَمْنا عَلَيْكَ وعَلَّمْناكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ.

وهَذا التَأْوِيلُ يَضْعُفُ مِن وُجُوهٍ: أحُدُّها أنَّ "الغَفْلَةَ" إنَّما تُنْسَبُ أبَدًا إلى مُقَصِّرٍ، ومُحَمَّدٌ  لا تَقْصِيرَ لَهُ قَبْلَ بَعْثِهِ ولا بَعْدَهُ، وثانِيها أنَّ قَوْلَهُ تَعالى -بَعْدَ هَذا- "وَقالَ قَرِينُهُ" يَقْتَضِي أنَّ الضَمِيرَ إنَّما يَعُودُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهَذا الَّذِي يُقالُ لَهُ: ﴿ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ وإنْ جَعَلْناهُ عائِدًا عَلى ذِي النَفْسِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، جاءَ هَذا الِاعْتِراضُ لِمُحَمَّدٍ  بَيْنَ الكَلامَيْنِ غَيْر مُتَمَكِّنٍ، فَتَأمَّلْهُ، وثالِثُها أنَّ مَعْنى تَوْقِيفِ الكافِرِ وتَوْبِيخِهِ عَلى حالِهِ في الدُنْيا يَسْقُطُ، وهو أجْرى في الآيَةِ وأولى بِالرَصْفِ، والوَجْهُ عِنْدِي ما قالَهُ الحَسَنُ، وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إنَّها مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ ذِي النَفْسِ المَذْكُورَةِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.

و ﴿ فَكَشَفْنا عنكَ غِطاءَكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ ، قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَرِينُهُ مِن زَبانِيَةِ جَهَنَّمَ، أيْ قالَ: هَذا العَذابُ الَّذِي لِهَذا الإنْسانِ الكافِرِ حاضِرٌ عَتِيدٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَفِي هَذا تَحْرِيضٌ عَلى الكافِرِ واسْتِعْجالٌ بِهِ.

وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: بَلْ قَرِينُهُ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِسَوْقِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا الكافِرُ الَّذِي جُعِلَ إلى سَوْقِهِ، فَهو لَدَيَّ حاضِرٌ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: "وَقالَ قَرِينُهُ" شَيْطانُهُ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما أوقَعُ فِيهِ أنَّ القَرِينَ في قَوْلِهِ: "رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ" هو شَيْطانُهُ في الدُنْيا ومُغْوِيهِ بِلا خِلافٍ، ولَفْظَةُ القَرِينِ اسْمُ جِنْسٍ، فَسائِقُهُ قَرِينٌ، وصاحِبُهُ مِنَ الزَبانِيَةِ قَرِينٌ، وكاتِبُ سَيِّئاتِهِ في الدُنْيا قَرِينٌ، وتَحْتَمِلُهُ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: هَذا الَّذِي أحْصَيْتُهُ عَلَيْهِ عَتِيدٌ لَدَيَّ، ومُوجِبٌ عَذابَهُ.

ومُماشِي الإنْسانَ في طَرِيقِهِ قَرِينٌ، وقالَ الشاعِرُ: عَنِ المَرْءِ لا تَسْألْ وسَلْ عن قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يَقْتَدِي والقَرِينُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ القَرِينِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ﴾ إذِ المُقارَنَةُ تَكُونُ عَلى أنْواعٍ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَرِينُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَمَلُهُ قَلْبًا وجَوارِحًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ألْقِيا في جَهَنَّمَ" مَعْناهُ: يُقالُ: ألْقِيا في جَهَنَّمَ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَن يُقالُ ذَلِكَ؟

فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو قَوْلٌ لِمَلَكَيْنِ مِن مَلائِكَةِ العَذابِ، وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: هو قَوْلٌ لِلسّائِقِ والشَهِيدِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ المَأْمُورَ بِإلْقاءِ الكافِرِ في النارِ اثْنانِ، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ لا نَظَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "ألْقِيا"، وقالَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو قَوْلٌ لِلْقَرِينِ، إمّا السائِقُ وإمّا الَّذِي هو مِنَ الزَبانِيَةِ حَسَبَما تَقَدَّمَ، واخْتَلَفَ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "ألْقِيا" وهى مُخاطَبَةٌ لِواحِدٍ، فَقالَ المُبَرِّدُ: مَعْناهُ: ألْقِ ألْقِ، فَإنَّما أرادَ تَثْنِيَةَ الأمْرِ مُبالَغَةً وتَأْكِيدًا فَرَدَّ التَثْنِيَةَ إلى الضَمِيرِ اخْتِصارًا كَما قالَ: ..............

∗∗∗ لَفْتَكَ لَأْمَيْنِ عَلى نابِلٍ يُرِيدُ: ارْمِ ارْمِ.

وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ: "ألْقَيْنَ"، فَعَوَّضَ مِنَ النُونِ ألِفًا كَما تُعَوَّضُ مِنَ التَنْوِينِ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِكَلامِ العَرَبِ: هَذا جَرى عَلى عادَةِ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّها كانَ الغالِبُ عِنْدَها أنْ يَتَرافَقَ في الأسْفارِ ونَحْوِها ثَلاثَةٌ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم يُخاطِبُ اثْنَيْنِ، فَكَثُرَ ذَلِكَ في كَلامِها وأشْعارِها حَتّى صارَ عُرْفًا في المُخاطَبَةِ، فاسْتُعْمِلَ في الواحِدِ، ومِن هَذا قَوْلُهم في الأشْعارِ: خَلِيلِي، وصاحِبِي، وقِفا نَبْكِ ونَحْوِهِ، وقَدْ جَرى المُحَدِّثُونَ عَلى هَذا الرَسْمِ، فَيَقُولُ الواحِدُ: حَدَّثَنا، -وَإنْ كانَ قَدْ سَمِعَ وحْدَهُ-، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا القَوْلِ قَوْلُ الزَجّاجِ: يا حَرَسَيَّ اضْرِبا عُنُقَهُ، وهو دَلِيلٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَإنْ تَزْجُرانِي بِابْنِ عَفّانَ أنْزَجِرْ ∗∗∗ وإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضًا مُمَنَّعا وَقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "ألْقِيًا" بِتَنْوِينِ "ألْقِيا".

و"كَفّارٍ" بِناءُ مُبالَغَةٍ، و"عَنِيدٍ" مَعْناهُ: عانَدَ عَنِ الحَقِّ أيْ: مُنْحَرِفٌ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ" لَفْظٌ عامٌّ لِلْمالِ والكَلامِ الحَسَنِ والتَعاوُنِ عَلى الأشْياءِ، وقالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا التَخْصِيصُ ضَعِيفٌ، و"مُعْتَدٍ" مَعْناهُ: بِلِسانِهِ ويَدِهِ، و"مُرِيبٍ" مَعْناهُ: مُتَلَبِّسٌ بِما يَرْتابُ بِهِ، أرابَ الرَجُلُ إذا أتى بِرِيبَةٍ ودَخَلَ فِيها.

قالَ الثَعْلَبِيُّ: قِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقالَ الحَسَنُ: "مُرِيبٍ": شاكٍّ في اللهِ تَعالى ودِينِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِي" بَدَلًا مِن "كَفّارٍ" ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَهُ مِن حَيْثُ تُخَصَّصُ "كَفّارٍ" بِالأوصافِ المَذْكُورَةِ فَجازَ وصْفُهُ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الَّذِي" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَألْقِياهُ"، ودَخَلَتِ الفاءُ لِلْإبْهامِ الَّذِي في "الَّذِي" فَحَصَلَ الشَبَهُ بِالشَرْطِ، وفي هَذا نَظَرٌ، ويَقْوى عِنْدِي أنْ يَكُونَ "الَّذِي" ابْتِداءً، ويَتَضَمَّنُ القَوْلُ حِينَئِذٍ بَنِي آدَمَ والشَياطِينَ المُغْوِينَ لَهم في الدُنْيا، ولِذَلِكَ تَحَرَّكَ القَرِينُ الشَيْطانُ المُغْوِي في الدُنْيا فَرامَ أنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ وَيُخَلِّصَها بِقَوْلِهِ لِرَبِّهِ: ﴿ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ﴾ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ لِأنَّهُ كَذِبٌ في نَفْيِ الإطْغاءِ عن نَفْسِ جُمْلَةٍ، والحَقِيقَةُ أنَّهُ أطْغاهُ بِالوَسْوَسَةِ والتَزَيُّنِ، وأطْغاهُ اللهُ تَعالى بِالخَلْقِ، والِاخْتِراعِ حَسَبَ سابِقِ قَضائِهِ الَّذِي هو عَدْلٌ مِنهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ، ويُوصَفُ بِالضَلالِ البَعِيدِ مُبالَغَةً، أيْ لِتَعَذُّرِ رُجُوعِهِ إلى الهُدى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾ مَعْناهُ: قالَ اللهُ تَعالى لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ بِهَذا النَوْعِ مِنَ المُقاوَلَةِ الَّتِي لا تُفِيدُ شَيْئًا إذْ قَدِ اسْتَوْجَبَ جَمِيعُكُمُ النارَ.

وقَدْ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ تَقَعُ الخُصُومَةُ لَدَيْهِ في الظُلاماتِ ونَحْوِها مِمّا فِيهِ اقْتِصاصٌ واقْتِضاءٌ، فَأيَّدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ  ﴾ ، وجَمْعُ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى:"لا تَخْتَصِمُوا" يُرِيدُ تَعالى بِذَلِكَ مُخاطَبَةَ جَمِيعِ القُرَناءِ؛ إذْ هو أمْرٌ شائِعٌ لا يَقِفُ عَلى اثْنَيْنِ فَقَطْ، وهَذا كَما يَقُولُ الحاكِمُ لِخَصْمَيْنِ: لا تُغْلِظُوا عَلَيَّ، يُرِيدُ الخَصْمَيْنِ ومَن هو في حُكْمِهِما، وتَقَدَّمَتْهُ إلى الناسِ بِالوَعِيدِ هو ما جاءَتْ بِهِ الرُسُلُ عَلَيْهِمُ السَلامُ والكُتُبُ مِن تَعْذِيبِ الكَفَرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا حكاية كلام يصدر يومئذٍ من جانب الله تعالى للفريقين الذي اتَّبعوا والذين اتُّبعوا، فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام يدل عليه قوله: ﴿ فكشفنا عنكَ غطاءك ﴾ [ق: 22].

وعدم عطف فعل ﴿ قال ﴾ على ما قبله لوقوعه في معرض المقاولة، والتعبير بصيغة الماضي لتحقق وقوعه فقد صارت المقاولة بين ثلاثةِ جوانب.

والاختصام: المخاصمة وهو مصدر بصيغة الافتعال التي الأصل فيها أنها لمطاوعة بعض الأفعال فاستعملت للتفاعل مثل: اجتوروا واعتوروا واختصموا.

والنهي عن المخاصمة بينهم يقتضي أن النفوس الكافرة ادعت أن قرناءها أطْغَوْها، وأن القرناء تنصلوا من ذلك وأن النفوس أعادت رَمي قرنائها بذلك فصار خصاماً فلذلك قال الله تعالى: ﴿ لا تختصموا لدى ﴾ وطوي ذكره لدلالة ﴿ لا تختصموا ﴾ عليه إيثارا لحق الإيجاز في الكلام.

والنهي عن الاختصام بعد وقوعه بتأويل النهي عن الدوام عليه، أي كفوا عن الخصام.

ومعنى النهي أن الخصام في ذلك لا جدوى له لأن استواء الفريقين في الكفر كاففٍ في مؤاخذة كليهما على السواء كما قال تعالى: ﴿ قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ﴾ [الأعراف: 38]، وذلك كناية عن أن حكم الله عليهم قد تقرر فلا يفيدهم التخاصم لإلقاء التبعة على أحد الفريقين.

ووجه استوائهما في العذاب أن الداعي إلى إضلاله قائم بما اشتهته نفسه من ترويج الباطل دون نظر في الدلائل الوزاعة عنه وأن متلقّي الباطل ممن دعاه إليه قائم بما اشتهته نفسه من الطاعة لأيمة الضلال فاستويا في الداعي وترتُّب أثره.

والواو في ﴿ وقد قدمت ﴾ واو الحال.

والجملة حال من ضمير ﴿ تختصموا ﴾ وهي حال معللة للنهي عن الاختصام.

والمعنى: لا تطمعوا في أنّ تدافعكم في إلقاء التَبعة ينجيكم من العقاب بعد حال إنذاركم بالوعيد من وقت حياتكم فما اكترثتم بالوعيد فلا تلوموا إلا أنفسكم لأن من أنذر فقد أعذر.

فقوله: ﴿ وقد قدمت إليكم بالوعيد ﴾ كناية عن عدم الانتفاع بالخصام كون العقاب عدلاً من الله.

والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ مزيدة للتأكيد كقوله: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6].

والمعنى: وقد قدمت إليكم الوعيد قبل اليوم.

والتقديم: جَعْل الشيء قدام غيره.

والمراد به هنا: كونه سابقاً على المؤاخذة بالشرك لأن الله توعدهم بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم فالمعنى الأول المكنّى عنه بُيِّن بجملة ﴿ ما يبدل القول لدى ﴾ ، أي لست مبطلاً ذلك الوعيد، وهو القول، إذ الوعيد من نوع القول، والتعريف للعهد، أي فما أوعدتكم واقع لا محالة لأن الله تعهد أن لا يغفر لمن يشرك به ويموت على ذلك.

والمعنى الثاني المكنَّى عنه بُين بجملة ﴿ وما أنا بظلام للعبيد ﴾ ، أي فلذلك قدمت إليكم الوعيد.

والمبالغة التي في وصف ﴿ ظلاّم ﴾ راجعة إلى تأكيد النفي.

والمراد: لا أظلم شيئاً من الظلم، وليس المعنى: ما أنا بشديد الظلم كما قد يستفاد من توجُّه النفي إلى المقيّد يفيد أن يتوجه إلى القيد لأن ذلك أغلبي.

والأكثر في نفي أمثلة المبالغة أن يقصد بالمبالغة مبالغة النفي، قال طرفة: ولسْتُ بحَلاَّل التلاع مخافة *** ولكن متى يسترفد القوم أرفِد فإنه لا يريد نفي كثرة حلوله التلاع وإنما أراد كثرة النفي.

وذكر الشيخ في «دلائل الإعجاز» توجه نفي الشيْء المقيد إلى خصوص القيد كتوجّه الإثبات سواء، ولكن كلام التفتزاني في كتاب «المقاصد في أصول الدين» في مبحث رؤية الله تعالى أشار إلى استعمالين في ذلك، فالأكثرُ أن النفي يتوجه إلى القيد فيكون المنفي القيد، وقد يعتبر القيد قيداً للنفي وهذا هو التحقيق.

على أني أرى أن عَدّ مثل صيغة المبالغة في عِداد القيود محل نظر فإن المعتبر من القيود هو ما كان لفظاً زائداً على اللفظ المنفي من صفة أو حال أو نحو ذلك، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال: لست ظَلاّماً، ولكن أظلم، ويحسن أن يقال لا آتيك محارباً ولكن مسالماً.

وقد أشار في «الكشاف» إلى أن إيثار وصف ﴿ ظَلاّم ﴾ هنا إيماء إلى أن المنفي لو كان غير منفي لكان ظلماً شديداً فيفهم منه أنه لو أخذ الجاني قبلَ أن يَعرَّف أن عمله جناية لكانت مؤاخذته بها ظلماً شديداً.

ولعل صاحب «الكشاف» يرمي إلى مذهبه من استواء السيئات، والتعبير بالعبيد دون التعبير بالناس ونحوه لزيادة تقرير معنى الظلم في نفوس الأمة، أي لا أظلم ولو كان المظلوم عبدي فإذا كان الله الذي خلق العباد قد جعل مؤاخذة من لم يسبق له تشريع ظلماً فما بالك بمؤاخذة الناس بعضهم بعضاً بالتبعات دون تقدّم إليهم بالنهي من قبل، ولذلك يقال: لا عقوبة إلا على عمل فيه قانون سابق قبل فعله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ أمّا قَرِينُهُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المَلِكُ الشَّهِيدُ عَلَيْهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ قَرِينُهُ الَّذِي قُيِّضَ لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ قَرِينُهُ مِنَ الإنْسِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في رِوايَةِ ابْنِ وهْبٍ عَنْهُ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: هَذا الَّذِي وُكِّلْتُ بِهِ أحْضَرْتُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: هَذا الَّذِي كُنْتُ أُحِبُّهُ ويُحِبُّنِي قَدْ حَضَرَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ﴾ في ألْقِيا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المَأْمُورَ بِألْقِيا كُلَّ كافِرٍ في النّارِ مَلَكانِ.

الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدٌ ويُؤْمَرُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ فَإنْ تَزْجُرانِي يابْنَ عَفّانَ أنْزَجِرْ وإنْ تَدَعانِي أحِمْ عَرْضًا مُمَنَّعًا الثّالِثُ: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ تَثْنِيَةِ القَوْلِ عَلى مَعْنى قَوْلِكَ ألْقِ ألْقِ، قِفْ قِفْ، تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ.

والكَفّارُ [بِفَتْحِ الكافِ] أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الكافِرِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكافِرُ الَّذِي كَفَرَ بِاللَّهِ ولَمْ يُطِعْهُ، وكَفَرَ بِنِعَمِهِ ولَمْ يَشْكُرْهُ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي كَفَرَ بِنَفْسِهِ وكَفَرَ غَيْرُهُ بِإغْوائِهِ.

وَأمّا العَنِيدُ فَفِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُعانِدُ لِلْحَقِّ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

الثّانِي: أنَّهُ المُنْحَرِفُ عَنِ الطّاعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الجاحِدُ المُتَمَرِّدُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُشاقُّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُ المُعْجَبُ بِما عِنْدَهُ المُقِيمُ عَلى العَمَلِ بِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

فَأمّا العانِدُ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي يُعَرَّفُ بِالحَقِّ ثُمَّ يَجْحَدُهُ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُدْعى إلى الحَقِّ فَيَأْباهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَنَعَ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّ الخَيْرَ المالُ كُلَّهُ، ومَنعُهُ حَبْسُهُ عَنِ النَّفَقَةِ في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

الثّالِثُ: مَحْمُولٌ عَلى عُمُومِ الخَيْرِ مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ.

﴿ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ ﴾ في المُرِيبِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشّاكُّ في اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ الشّاكُّ في البَعْثِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المُتَّهَمُ.

قالَ الشّاعِرُ بُثَيْنَةُ قالَتْ يا جَمِيلُ أرَبْتَنا ∗∗∗ فَقُلْتُ كِلانا يا بُثَيْنُ مُرِيبُ وأرِيبُنا مَن لا يُؤَدِّي أمانَةً ∗∗∗ ولا يَحْفَظُ الأسْرارَ حِينَ يَغِيبُ قالَ الضَّحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ حِينَ اسْتَشارَهُ بَنُو أخِيهِ في الدُّخُولِ في الإسْلامِ فَمَنَعَهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اخْتِصامَهم هو اعْتِذارُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم فِيما قَدَّمَ مِن مَعاصِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ تَخاصُمُ كُلِّ واحِدٍ مَعَ قَرِينِهِ الَّذِي أغْواهُ في الكُفْرِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

فَأمّا اخْتِصامُهم في مَظالِمِ الدُّنْيا، فَلا يَجُوزُ أنْ يُضاعَ لِأنَّهُ يَوْمَ التَّناصُفِ.

أحَدُها: أنَّ الوَعِيدَ الرَّسُولُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الأمْرُ والنَّهْيُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ الوَعْدُ بِالثَّوابِ والعِقابِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فِيما أُوَجِّهُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

الثّانِي: فِيما وعَدَ بِهِ مِن طاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الرّابِعُ: في أنَّ بِالحَسَنَةِ عَشْرَ أمْثالِها وبِخَمْسِ الصَّلَواتِ خَمْسِينَ صَلاةً، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما أنا بِمُعَذِّبٌ مَن لَمْ يُجْرِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ما أزِيدُ في عِقابِ مُسِيءٍ ولا أنْقُصُ مِن ثَوابِ مُحْسِنٍ، وهو مُحْتَمَلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ قال: غمرة الموت.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: «لا إله إلا الله إن للموت سكرات» .

وأخرج الحاكم وصححه عن القاسم بن محمد رضي الله عنه أنه تلا ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ﴾ فقال: حدثتني أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: «اللهم أعني على سكرات الموت» .

وأخرج ابن سعد عن عروة رضي الله عنه قال: لما مات الوليد بن الوليد بكته أم سلمة فقالت: يا عين فأبكي للوليد ** بن الوليد بن المغيرة كان الوليد بن الوليد ** أبا الوليد فتى العشيرة «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقولي هكذا يا أم سلمة، ولكن قولي ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ » .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر عن عائشة قالت: لما حضرت أبا بكر الوفاة قلت: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل قال أبو بكر رضي الله عنه بل ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ قدم الحق وأخر الموت.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال: صبحت ابن عباس من مكة إلى المدينة فكان إذا نزل منزلاً قام شطر الليل، فسئل: كيف كانت قراءته؟

قال: قرأ ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ فجعل يرتل ويكثر في ذلك التسبيح.

وأخرج أحمد وابن جرير عن عبد الله بن اليمني مولى الزبير بن العوّام قال: لما حضر أبو بكر تمثلت عائشة بهذا البيت.

أعاذل ما يغني الحذار عن الفتى ** إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس كذلك يا بنية، ولكن قولي ﴿ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ .

أخرج الطبراني عن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل حجره فقالت له الأرض يا ثعلب ديني فخرج خصاص فلم يزل كذلك حتى انقطعت عنقه فمات» .

أما قوله تعالى: ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ .

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور وابن عساكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ قال: سائق يسوقها إلى أمر الله وشهيد يشهد عليها بما عملت.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ قال: السائق الملك والشهيد العمل.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ سائق وشهيد ﴾ قال: السائق من الملائكة، والشهيد شاهد عليه من نفسه.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ سائق وشهيد ﴾ قال: السائق من الملائكة والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل والملائكة أيضاً شهداء عليهم.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سائق وشهيد ﴾ قال: الملكان كاتب وشهيد.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ابن آدم لفي غفلة عما خلق له، إن الله إذا أراد خلقه قال للملك أكتب رزقه، أكتب أثره، أكتب أجله، أكتب شقياً أم سعيداً، ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله ملكاً فيحفظه حتى يدرك، ثم يرتفع ذلك الملك، ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا حضره الموت ارتفع الملكان، وجاء ملك الموت ليقبض روحه، فإذا أدخل قبره رد الروح في جسده وجاءه ملكا القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فبسطا كتاباً معقوداً في عنقه، ثم حضر معه واحد سائق وآخر شهيد، ثم قال، رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قدامكم لأمراً عظيماً لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد كنت في غفلة من هذا ﴾ قال: هو الكافر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فكشفنا عنك غطاءك ﴾ قال: الحياة بعد الموت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ﴾ قال: عاين الآخرة فنظر إلى ما وعده الله فوجده كذلك.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ فبصرك اليوم ﴾ قال: إلى لسان الميزان حديد، قال: حديد النظر شديد.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقال قرينه ﴾ قال: الشيطان.

وأخرج الفريابي عن مجاهد في قوله: ﴿ وقال قرينه ﴾ قال: الشيطان الذي قيض له.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وقال قرينه ﴾ قال: ملكه ﴿ هذا ما لديّ عتيد ﴾ قال: الذي عندي عتيد للإِنسان حفظته حتى جئت به وفي قوله: ﴿ قال قرينه ربنا ما أطغيته ﴾ قال: هذا شيطانه.

وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم في قوله: ﴿ كل كفار عتيد ﴾ قال: مناكب عن الحق.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ﴾ قال: كفار بنعم الله عنيد عن طاعة الله وحقه مناع للخير، قال: الزكاة المفروضة ﴿ معتد مريب ﴾ قال: معتد في قوله وكلامه آثم بربه، فقال هذا المنافق الذي جعل مع الله إلها آخر، هذا المشرك.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن منصور قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: ولا أنت، قال: ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تختصموا لديّ ﴾ قال: إنهم اعتذروا بغير عذر فأبطل الله عليهم حجتهم ورد عليهم قولهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ قال لا تختصموا لديّ ﴾ قال: عندي ﴿ وقد قدمت إليكم بالوعيد ﴾ قال: على لسان الرسل أن من عصاني عذبته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الربيع بن أنس قال: قلت لأبي العالية قال الله: ﴿ لا تختصموا لديّ وقد قدمت إليكم بالوعيد ﴾ وقال: ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ فكيف هذا؟

قال: نعم، أما قوله: ﴿ لا تختصموا لديّ ﴾ فهؤلاء أهل الشرك، وقوله: ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ فهؤلاء أهل القبلة يختصمون في مظالمهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ما يبدل القول لديّ ﴾ قال: قد قضيت ما أنا قاض.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ ما يبدل القول لديّ ﴾ قال: هاهنا القسم.

وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن أنس قال: فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسريَ به الصلاة خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمساً، ثم نودي يا محمد إنه لا يبدل القول لدي وإن لك بهذه الخمس خمسين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أنا بظلام للعبيد ﴾ قال: ما أنا بمعذب من لم يجترم والله تعالى أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ﴾ قال: وهل فيَّ من مكان يزاد فيَّ.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: حتى تقول فهل من مزيد؟.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: وعدها الله ليملأنها فقال أوفيتك فقالت: وهل من مسلك؟.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقاً آخر فيسكنهم في قصور الجنة» .

وأخرج البخاري وابن مردويه عن أبي هريرة رفعه: «يقال لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد فيضع الرب قدمه عليها فتقول قط قط» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟

قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحداً، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «افتخرت الجنة والنار فقالت النار: يا رب يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف، وقالت الجنة: أي رب يدخلني الضعفاء والفقراء المساكين، فيقول الله للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها فيلقى فيها أهلها، فتقول هل من مزيد، ويلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يأتيها عز وجل فيضع قدمه عليها فتزوي، وتقول قدني قدني، وأما الجنة فيلقى فيها ما شاء الله أن يلقى فينشئ لها خلقاً ما يشاء» .

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يعرفني الله نفسه يوم القيامة فأسجد سجدة يرضى بها عني، ثم أمدحه مدحة يرضى بها عني.

ثم يؤذن لي في الكلام ثم تمر أمتي على الصراط مضروب بين ظهراني جهنم، فيمرون أسرع من الطرف والسهم، وأسرع من أجود الخيل، حتى يخرج الرجل منها يحبو وهي الأعمال، وجهنم تسأل المزيد حتى يضع فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أُبيّ كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من يدعى يوم القيامة أنا فأقوم فألبي، ثم يؤذن لي في السجود فأسجد له سجدة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي فأرفع رأسي فأدعو بدعاء يرضى به عني، فقلنا يا رسول الله كيف تعرف أمتك يوم القيامة؟

قال: يعرفون غراً محجّلين من أثر الطهور فيردون علي الحوض ما بين عدن إلى عمان بصرى، أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج وأطيب ريحاً من المسك، فيه من الآنية عدد نجوم السماء، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ومن صرف عنه لم يرو بعده أبداً، ثم يعرض الناس على الصراط، فيمر أوائلهم كالبرق، ثم يمرون كالريح، ثم يمرون كالطرف، ثم يمرون كأجاويد الخيل والركاب، وعلى كل حال وهي الأعمال، والملائكة جانبي الصراط يقولون رب سلم سلم، فسالم ناج، ومخدوش ناج، ومرتبك في النار، وجهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين ما شاء الله أن يضع فتقبض وتغرغر كما تغرغر المزادة الجديدة إذا ملئت وتقول قط قط» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ خطاب للناس وقرنائهم من الشياطين ﴿ مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ ﴾ أي قد حكمت بتعذيب الكفار فلا تبديل لذلك، وقيل: معناه لا يكذب أحد لدي لعلمي بجميع الأمور، فالإشارة على هذا إلى قول القرين ما أطغيته ﴿ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ الفعل مسند إلى جهنم، وقيل: إلى خزنتها من الملائكة، والأول أظهر واختلف هل تتكلم جهنم حقيقة أو مجازاً بلسان الحال؟

والأظهر أنه حقيقة، وذلك على الله يسير، ومعنى قوله: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ إنما تطلب الزيادة وكانت لم تمتلئ.

وقيل: لا مزيد أي ليس عندي موضع للزيادة، فهي على هذا قد امتلأت والأول أظهر وأرجح، لما ورد في الحديث: «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد حتى يلقى فيها الجبار قدمه» ، وفي الحديث كلام ليس هذا موضعه، وإن كان اسم معفول فوزنه مفعول.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ميتاً ﴾ بالتشديد: يزيد ﴿ وعيدي ﴾ وما بعده مثل التي في "إبراهيم" ﴿ يوم يقول ﴾ بالياء: نافع وأبو بكر وحماد ﴿ امتلات ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يوعدون ﴾ على الغيبة: ابن كثير ﴿ وإدبار ﴾ بكسر الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وحمزة وخلف وجبلة ﴿ المنادي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وفي الوصل.

الوقوف: ﴿ ق ﴾ ط كوفي ولو جعل قسماً فلا يوقف للعطف ﴿ المجيد ﴾ ه ج لأن "بل" قد يجعل جواب القسم تشبيهاً بأن في التحقيق وفي توكيد مابعده، وقد يجعل جوابه محذوفاً أي لتبعثن ﴿ تراباً ﴾ ج لأن ذلك مبتدأ إلا أن المقوم واحد ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ حفيظ ﴾ ه ﴿ مريح ﴾ ه ﴿ فروج ﴾ ه ﴿ بهيج ﴾ ه لا لأن ﴿ تبصرة ﴾ مفعول لأجله ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ الحصيد ﴾ ه لا لأن النخل معطوف على الجنات والحب ﴿ نضيد ﴾ ه لا لأن المراد أنبتناها لأجل الرزق ﴿ للعباد ﴾ ط للعطف ﴿ ميتاً ﴾ ط ﴿ لخروج ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ه ﴿ لوط ﴾ ه لا ﴿ تبع ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ الأول ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ نفسه ﴾ ج وجعل ما بعدها حالاً أولى من الاستئناف فيوقف على الوريد و "إذا" يتعلق بمحذوف وهو "أذكر" أبو بقوله ﴿ ما يلفظ ﴾ فلا يوقف على ﴿ قعيد ﴾ .

﴿ عتيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ تحيد ﴾ ه ﴿ الصور ﴾ ط ﴿ الوعيد ﴾ ه ﴿ وشهيد ﴾ ه ﴿ حديد ﴾ ه ﴿ عتيد ﴾ ه لتقدير القول ﴿ عنيد ﴾ ه لا ﴿ مريب ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده صفة أخرى ولو جعل مبتدأ لتضمنها معنى الشرط أو نصباً على المدح فالوقف ﴿ الشديد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ بالوعيد ﴾ ه ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ حفيظ ﴾ ه ج لاحتمال أن تكون "من" شرطية جوابها القول المقدر قبل أدخلوها أو موصولة بدلاً من لكل ﴿ منيب ﴾ ه ﴿ بسلام ﴾ ط ﴿ الخلود ﴾ ه ط ﴿ مزيد ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ط للاستفهام.

قال السجاوندي: وعندي أن عدم الوقف أولى لأن النقب وهو البحث والتفتيش وأقع على جملة الاستفهام.

﴿ محيص ﴾ ه ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ الغروب ﴾ ج لاحتمال تعلق الجار بما قبله وبما بعده ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ الخروج ﴾ ه ﴿ المصير ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ سراعاً ﴾ ط ﴿ يسير ﴾ ه ﴿ وعيد ﴾ ه.

التفسير: قيل: إن قاف اسم جبل من زبرجد أخضر محيط بالأرض وخضرة السماء منه.

وقيل: قادر أو قاهر ونحو ذلك من أسماء الله مما أوله قاف.

وقيل: قضي الأمر.

وقيل: قف يا محمد على أداء الرسالة.

والأقوال المشتركة بين الفواتح مذكورة، وإعراب فاتحة هذه السورة كإعراب أول "ص"، وبينهما مناسبة أخرى من قبل وقوع الإضراب بعد القسم ووجهه ما مر.

ومن قبل أن أكثر مباحث تلك السورة في المبدأ والتوحيد.

وفي أوّل خلق البشر، وأكثر أبحاث هذه السورة في الحشر والخروج ولهذا سنت قراءتها في صلاة العيد لأنه يوم الاجتماع وخروج الناس إلى الفضاء.

والمجيد ذو المجد حقيقة في القرآن لأنه أشرف من سائر الكتب أو مجاز باعتبار قارئه وعالمه والعامل به.

ومعنى ﴿ منذر منهم ﴾ أي من جنسهم أو من بينهم فتوجه العجب إلى الإنذار بالبعث أوّلاً ثم إلى كون المنذر منهم، ولعل الأول أدخل عندهم في استحقاق التعجب منه فلهذا أشاروا إليه بقولهم ﴿ هذا ﴾ الرجع أو البعث ﴿ شيء عجيب ﴾ أبهم الضمير أوّلاً في ﴿ عجبوا ﴾ ثم فسره ثانياً في قوله ﴿ فقال الكافرون ﴾ أو اقتصر على الضمير أوّلاً للتعليم بهم ثم وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالكفر.

ثم زادوا في التعجب والتعجيب بقولهم ﴿ أئذا متنا ﴾ والتقدير انبعث وقت الموت والصيرورة تراباً ﴿ ذلك ﴾ الرجع أي البعث ﴿ رجع بعيد ﴾ أي يستبعد في العقول.

وقيل: إنه من كلام الله عز وجل.

والرجع بمعنى الجواب أي جواب هؤلاء الكفار في دعوى المنذر جواب بعيد عن حيز العقل لدلالة البراهين الساطعة على وجود الحشر والنشر منها شمول علم الله  بأجزاء الميت على التفصيل، وإلى هذا أشير بقوله ﴿ قد علمنا ما تنقص الأرض ﴾ من أجساد الموتى وتأكل من لحومهم وعظامهم.

عن النبي  " "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب" وعن السدي: ما تنقص الأرض منهم بالموت ويدفن في الأرض منهم ﴿ وعندنا كتاب ﴾ هو اللوح المحفوظ من التغيير ومن الشياطين.

ثم أتبع الإضراب الأول إضراباً آخر فقال ﴿ بل كذبوا ﴾ والمقصود أن تكذيبهم ﴿ بالحق ﴾ الذي هو محمد أو القرآن أو الأخبار بالبعث في أوّل وهلة من غير تدبر أفظع من تعجبهم.

والمريج أمر دينهم المضطرب المخلوط بالشبهات والشكوك ولهذا نسبوا القرآن تارة إلى السحر وأخرى إلى الشعر أو الكهانة وقالوا في حق محمد  مثل ذلك.

ثم استدل على حقية المبدأ والمعاد بوجوه أخر: منها بناء السماء ورفعها بلا عمد ولا فروج أي شقوق وفتوق ولكنها صحيحة الاستدارة من جميع الجوانب.

وليس في الآية دلالة على امتناع الخرق على السماء لأن الإخبار عن عدم الوقوع لا ينافي إمكانه.

نعم إنه مناف لوجود نحو الأبواب فيها ظاهراً اللهم إلا أن تدعي المغايرة بين الفروج والأبواب.

وفي قوله ﴿ فوقهم ﴾ مزيد توبيخ لهم ونداء عليهم بغاية الغباوة.

ومنه مدّ الأرض أي دحوها.

ومنها خلق الجبال الرواسخ.

ومنها خلق أصناف النبات مما يبتهج به ويروق الناظر لخضرته ونضرته كل ذلك ليتبصر به ويتذكر من يرجع إلى ربه ويفكر في بدائع المخلوقات ويرتقي إلى الصانع من المصنوعات.

ومنها إنزال ماء المطر الكثير المنافع المنبت للجنات والحبات.

والحصيد صفة موصوفة محذوفة أي وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالحنطة وغيرها من الأقوات ونحوها.

والباسقات التي طالت في السماء، والطلع أوّل ما يبدو من ثمر النخيل، والنضيد الذي نضد بعضه فوق بعض، والمراد كثرة الطلع وتراكمه المستتبع لكثرة الثمر.

ثم شبه بإحياء الأرض خروج الموتى كما قال في الروم ﴿ وكذلك تخرجون  ﴾ ثم هدّدهم بأحوال الأمم السالفة وقد مر قصصهم مراراً.

وأما حديث أصحاب الرس فلم يذكر إلا في "الفرقان" وحديث تبع في "الدخان".

وأراد بفرعون قومه لأن المعطوف عليه أقوام ﴿ فحق وعيد ﴾ مثل ﴿ فحق عقاب  ﴾ وفيه تسلية للنبي  .

ثم دل على الحشر بضرب آخر من البيان وهو أن الذي لم يعي أي لم يعجز عن الخلق الأول بالنسبة إلى أيّ مخلوق فرض كيف يعجز عن الإعادة؟

واللبس الخلط والشبهة، وتنكير اللبس والخلق الجديد للتعظيم أي لبس عظيم، وخلق له شأن وحق عليه أن يهتم به ولا يغفل عنه.

ثم شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله  وعظيم قدرته على بدئه وإعادته.

والوسوسة الصوت الخفي.

والباء في ﴿ به ﴾ للتعدية و "ما" مصدرية أي نعلم جعل نفسه إياه موسوساً.

والقرب مجاز عن العلم التام كقولهم "هو منى مقعد القابلة ومعقد الإزار" وما في الآية دل على الإفراط في القرب لأن الوريد جزء من بدن الإنسان يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفود الدم في العروق.

والوريد العرق الحامل للدم سوى الشرايين، سمي وريداً لأن الروح أو الدم يرده.

والوريدان عرقان يكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها يتشعبان من الرأس يتصلان بالوتين.

والحبل العرق أيضاً شبه بواحد الحبال والإضافة للبيان كإضافة العام إلى الخاص.

قال جار الله: "إذ" منصوب بـ ﴿ أقرب ﴾ والمراد أنه أقرب نم الإنسان من كل قريب حين يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به.

وفيه أن كتابة الملكين لا حاجة إليها لعلام الغيوب وإنما هي لأغراض أخر كإلزام العبد واستحيائه منهما.

عن النبي  "إن مقعد ملكيك على - ثنييك أي عطفيك - ولسانك قلمهما وريقك مدادهما وأنت تجري فيما لا يعنيك لا تستحي من الله ولا منهما" ويجوز أن يكون تلقى الملكين بياناً للقرب فكأنه قيل: لا يخفى عليه شيء لأنه حفظته موكلون به.

والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة، والقعيد المقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والتقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد فاختصر المفاعلة.

وإما بالنسبة إلى الملك الآخر وإما بالإضافة إلى الإنسان، والعتيد الحاضر.

قال أكثر المفسرين: إنهما يكتبان كل شيء حتى أنينه في مرضه.

وقيل: لا يكتبان إلا الحسنات والسيئات.

وقيل: إن الملائكة يجتنبون الإنسان عند غائطه وعند جماعه.

وحين حكى إنكارهم البعث واحتج عليهم بالدلائل الباهرة أخبر عن قرب القيامتين الصغرة والكبرى بأن عبر عنهما بلفظ الماضي وهو قوله ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ونفخ في الصور وسكرات الموت حالاته الذاهبه بالعقل.

والباء في ﴿ بالحق ﴾ للتعدية أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلبة الحال من تحقق وقوع الموت أو من سعادة الميت أو ضدّها كما نطق بها الكتاب والسنة، أو المراد وجاءت ملتبسة بالغرض الصحيح الذي هو ترتب الجزاء على الأعمال ﴿ ذلك ﴾ المجيء ﴿ ما كنت منه تحيد ﴾ أي تميل وتهرب أيها الإنسان.

ولا ريب أن هذا الهرب للفاجر يكون بالحقيقة وللبر يكون بسبب نفرة الطبع إلا أنه إذا فكر في أمر نفسه وما خلق هو لأجله علم أن الموت راحة وخلاص عن عالم الآفات والبليات.

قوله ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ إشارة إلى النفخ والمضاف محذوف أي وقت النفخ الثاني آن زمان الوعيد.

والسائق والشاهد ملكان، أحدهما يسوقه إلى المحشر أو إلى الجنة أو النار كما قال ﴿ وسيق ﴾ والآخر يشهد عله بأعماله ويجوز أن يكون ملكاً واحداً جامعاً بين الأمرين.

ويجوز أن يكون الرقيب المذكور والجملة حال من كل لأنه لعمومه كالمعرفة.

ثم يقال للإنسان.

﴿ لقد كنت ﴾ في الدنيا ﴿ في غفلة من هذا ﴾ الأمر ﴿ فكشفنا عنك ﴾ بقطع العلائق الحسية ومفارقة النفس الناطقة ﴿ غطاءك ﴾ وهو الاشتغال بعالم المحسوسات ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ غير كليل متيقظ غير نائم.

وقال ابن زيد: الخطاب للنبي  كقوله ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان  ﴾ أي كنت قبل الوحي في غفلة من هذا العلم.

ثم بين أن الشيطان الذي هو قرين كل فاجر لقوله { ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان  ﴾ يقول لأهل المحشر أو لسائر القرناء قد أعتدت قريني لجهنم وهيأته لها.

إن جعلت "ما" موصوفة فـ ﴿ عتيد ﴾ صفة لها وإن جعلتها موصولة فـ ﴿ عتيد ﴾ بدل أو خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف.

ويحتمل أن يقول الشيطان لقرينه هذا البلاء النازل بك مما أعددته لك ﴿ ألقيا ﴾ خطاب من الله للملكين السائق والشهيد أو للواحد على عادة قول العرب "خليلي" و "قفا".

وذلك أن أكثر الرفقاء يكون ثلاثة.

وقال المبرد: التثنية للتأكيد كأنه قيل: ألق ألق.

نزلت تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل لاتحادهما.

وجوز أن يكون الألف بدلاً من نون التأكيد الخفيفة إجراء للوصل مجرى الوقف يؤيده قراءة الحسن ﴿ ألقين ﴾ .

﴿ عنيد ﴾ ذي عناد أو معاند ﴿ مناع للخير ﴾ كثير المنع للمال عن حقوقه أو مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله.

وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يمنع بني أخيه من الإسلام وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام لم أنفعه بخير ما عشت.

﴿ معتد ﴾ ظالم ﴿ مريب ﴾ مشكك أو شاك في دين الله.

قوله ﴿ قال قرينه ﴾ جاء على طريقة الاستئناف بخلاف ما تقدّم فإنه جاء على طريق العطف كأن قرينه - وهو الفاجر - قال: يا رب إنه أطغاني فأجاب القرين وهو الشيطان ﴿ ربنا ما أطغيته ﴾ ما أوقعته في الطغيان ﴿ ولكن كان ﴾ في الأزل ﴿ في ضلال بعيد ﴾ وقالت المعتزلة: ولكنه اختار الضلالة على الهدى.

ثم ذكر كلاماً آخر مستأنفاً كأن سائلاً سأل فماذا قال الله؟

فقيل: ﴿ قال لا تختصموا ﴾ وهذا هو الذي دل على أن ثمة مقاولة من الكافر لكنها طويت لدلالة الاختصام عليها والمعنى لا تختصموا في موقف الحساب ﴿ و ﴾ الحال أني ﴿ قد قدمت إليكم ﴾ وفيه أن اختصامهم كان يجب أن يكون قبل ذلك في الدنيا كما قال ﴿ إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوّاً  ﴾ والباء في ﴿ بالوعيد ﴾ إما مزيدة أو للتعدية على أن قدّم بمعنى تقدّم أو هو حال والمفعول جملة.

قوله ﴿ ما يبدّل ﴾ إلى آخره.

أي قدّمت إليكم هذا الكلام مقروناً بالوعيد.

قال في الكشاف: فإن قلت: إن قوله ﴿ وقد قدّمت ﴾ حال من ضمير ﴿ لا تختصموا ﴾ فاجتماعهما في زمان واحد واجب وليس كذلك لأن التقديم في الدنيا والاختصام في الآخرة.

قلت: معناه لا تختصموا وقد صح عندكم أني قدّمت إليكم بالوعيد وصحة ذلك عندهم في الآخرة.

وأقول: لا حاجة إلى هذا التكلف والسؤال ساقط بدونه لأن مضيّ الماضي ثابت في أيّ حال فرض بعده.

وقوله ﴿ لدي ﴾ إما أن يتعلق بالقول أي ما يبدّل القول الذي هو لديّ يعني ألقيا في جهنم، أو لأملأن جهنم، أو الحكم الأزلي بالسعادة والشقاوة.

وإما أن يتعلق بقوله ﴿ ما يبدّل ﴾ أي لا يقع التبديل عندي.

والمعاني كما مرت.

ويجوز أن يراد لا يكذب لديّ ولا يفتري بين يديّ فإني عالم بمن طغى وبمن أطغى.

ويحتمل أن يراد لا تبديل للكفر بالإيمان فإن إيمان اليأس غير مقبول.

فقولكم "ربنا وإلهنا" لا يفيدكم ﴿ يوم نقول ﴾ منصوب بـ ﴿ ظلام ﴾ أو بـ "أذكر" قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تقرير المعنى في النفس.

وقوله ﴿ هل من مزيد ﴾ أي من زيادة، أو هو اسم مفعول كالمبيع لبيان استكثار الداخلين كما أن من يضرب غيره ضرباً مبرحاً أو شتمه شتماً فاحشاً يقول له المضروب: هل بقي شيء آخر يدل عليه قوله  ﴿ لأملأن جهنم ﴾ فلا بدّ أن يحصل الامتلاء فكيف يبقى في جهنم موضع خال حتى تطلب المزيد؟

ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة وتضيقاً للمكان عليهم، أو لعل هذا الكلام يقع قبل إدخال الكل.

وفيه لطيفة وهي أن جهنم تغيظ على الكفار فتطلبهم، ثم يبقى فيها موضع لعصاة المسلمين فتطلب الامتلاء من الكفار كيلا ينقص إيمان العاصي حرها، فإذا أدخل العصاة النار سكن غيظها وسكن غضبها وعند هذا يصح ما ورد في الأخبار، وإن جهنم تطلب الزيادة حتى يضع الجبار فيها قدمه والمؤمن جبار يتكبر على ما سوى الله  ذليل متواضع لله.

وروي أنه لا يلقى فيها فوج إلا ذهب ولا يملؤها شيء فتقول: قد أقسمت لتملأني فيضع  فيها قدمه أي ما قدّمه في قوله "سبقت رحمتي غضبي" أي يضع رحمته فتقول: قط قط ويزوي بعضها إلى بعض ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله خلقاً فيسكنون فضول الجنة.

قلت: لا ريب أن جهنم الحرص والشهوة والغضب لا تقر ولا تسكن ولا تنتهي إلى حدّ معلوم، بل تقول دائماً بلسان الحال هل من مزيد إلا أن يفيض الله  عليها من سجال هدايته ورحمته فيتنبه صاحبها وينتهي عن طلب الفضول ويقف في حدّ معين ويقنع بما تيسر، وكذا الترقي في مدارج الكمالات ليس ينتهي إلى حدّ معلوم إلا إذا استغرق في بحر العرفان وكان هنالك ما كان كما قال ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ أي قربت للمتقين يحتمل أن تكون الواو للاستئناف وأن تكون للعطف على ﴿ نقول ﴾ والمضي لتحقيق الوقوع المستدعي لمزيد البشارة ولم يكن المنذرون مذكورين في الآية المتقدّمة فلم يحتج إلى تحقيق الإنذار.

وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ نصب على الظرف أي مكاناً غير بعيد عنهم، أو على الحال.

ووجه تذكيره مع تأنيث ذي الحال كما تقرر في قوله ﴿ إن رحمة الله قريب  ﴾ أنه على زنة المصدر كالزفير والصهيل، أو هو على حذف الموصوف أي شيئاً غير بعيد.

قال جار الله: معناه التوكيد كما تقول هو قريب غير بعيد وعزيز غير ذليل، وذلك أنه يجوز أن يتناول العزيز ذلّ ما من بعض الوجوه إلا أن الغالب عليه العز فإذا قيل عزيز غير ذليل أزيل ذلك الوهم، وهكذا في كل تأكيد.

فمعنى الآية أن الجنة قريب منهم بكل الوجوه وجميع المقايسات.

وقال آخرون: إنه صفة مصدر محذوف أي إزلافاً غير بعيد عن قدرتنا، وذلك إن المكان لا يقرب وإنما يقرب منه فذكر الله  إن إزلاف المكان ليس ببعيد عن قدرتنا بطيّ المسافة وغير ذلك.

ويحتمل أن يقال: الإزلاف بمعنى قرب الحصول كمن يطلب من الملك أمراً خطيراً فيقول الملك بعيد عن ذلك أو قريب منه، ولا ريب أن الجنة بعيدة الحصول للمكلف لولا فضل الله ورحمته ولهذا قال  : "ما من عبد يدخل الجنة إلا بفضل الله.

فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله ﴿ غير بعيد ﴾ يراد به القرب المكاني كأنه  ينقل الجنة من السماء إلى الأرض فيحصل فيها المؤمن.

ومما سنح لهذا الضعيف وقت كتبه تفسير هذه الآية أن الشيء ربما يقرب من شخص ولكن لا يوهب منه، وقد يملكه ولكن لا يكون قريباً منه فذكر الله  في الآية إن الجنة تقرب لأجل المتقين غير بعيد الحصول لهم بل كما قربت دخلوها وحصلوا فيها لا كما قيل: على أن قرب الدار ليس بنافع *** إذا كان من تهواه ليس بذي ود وفي المثل البعيد القريب خير من القريب البعيد وذلك لأنهم حصلوا استعداد دخول الجنة وهو التقوى بخلاف الفاجر فإنه لا ينفعه القرب من الجنة لأن ملكاته الذميمة تحول بينه وبينها.

ولك أن تشبه حالهما بحال الكبريت الجيد والحطب الرطب إذا قربا من الجمر، وذلك أن تعتبر هذه الحالة في الدنيا فإن أهل الصلاح وأرباب النفوس المطمئنة يقبلون بل يستقبلون كل خير يعرض عليهم، وأهل الشقاوة وأصحاب النفوس الأمارة يكون حالهم بالعكس يفرون من الخيرات والكمالات ويألفون الشرور واللذات الزائلات.

ووجه آخر وهو أن الجنة قربت لهم حال كون كل واحد منهم غير بعيد عن لقاء الله ورضاه، وفيه أن المتقين هم أهل الله وخاصته ليسوا بمن شغلوا بالجنة عن الاستغراق في لجة العرفان بل لهم مع النعيم المقيم لقاء الرب الكريم.قوله عز من قائل ﴿ هذا ما توعدون ﴾ قال جار الله: إنه جملة معترضة.

وقوله ﴿ لكل أوّاب حفيظ ﴾ بدل من قوله ﴿ للمتقين ﴾ قلت: ولو جعل خبراً ثانياً لهذا لم يبعد.

والمشار إليه الثواب أو الإزلاف.

والأوّاب الرجاع إلى الله بالإعراض عما سواه، والحفيظ الحافظ لحدود الله أو لأوقات عمره أو لما يجده من المقامات والأحوال فلا ينكص على عقبيه فيصير حينئذ مريداً لطريقه.

قوله ﴿ من خشي ﴾ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف.

وجوز أن يكون منادي كقولهم "من لا يزال محسناً أحسن إليّ" وحذف حرف النداء للتقريب والترحيب، وقرن بالخشية اسمه الدال على وفور الرحمة للثناء على الخاشي من جهة الخشية أوّلاً ومن جهة خشيته مع علمه بسعة جوده ورحمته ومن جهة الخشية مع الغيب وقد مر مراراً، وقد يقال: إنها الخشية في الخلوة حيث لا يراه أحد.

قال أهل الاشتقاق: إن تركيب خ ش ى يلزمها الهيبة ومنه للسيد ولكبير السن وتركيب الخوف يدل على الضعف ومنه الخفاء، وكل موضع ذكر فيه الخشية أريد بها معنى عظمة المخشي عنه، وكل موضع ذكر فيه الخوف فإنه أريد ضعف الخائف كقوله ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ أو ضعف المخوف منه كقوله ﴿ لا تخف ولا تحزن  ﴾ يريد أنه لا عظمة لهم وقال ﴿ إنا نخاف من ربنا يوماً  ﴾ لأن عظمة اليوم بالنسبة إلى عظمة الله هينة.

ووصف القلب بالمنيب باعتبار صاحبه أو لأن الإنابة المعتبرة هي الرجوع إلى الله بالقلب لا اللسان والجوارح ﴿ ادخلوها بسلام ﴾ أي سالمين من الآفات أو مع سلام من الله وملائكته ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله ﴿ يوم نقول ﴾ أي ذلك اليوم ﴿ يوم ﴾ تقدير ﴿ الخلود ﴾ في النار أو في الجنة ويجوز أن يكون إشارة إلى وقت القول أي حين يقال لهم ادخلوها هو وقت تقدير الخلود في الجنة يؤيده قوله بعده ﴿ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد ﴾ مما لم يخطر بالقلوب.

ويجوز أن يراد به الذي ذكر في قوله { ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ويروى أن السحاب تمر بأهل الجنة فتمطر عليهم الحور فتقول الحور: نحن المزيد الذي قال الله  ﴿ ولدينا مزيد ﴾ .

ثم عاد إلى التهديد بوجه أجمل وأشمل قائلاً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ الآية.

ومعنى الفاء في قوله ﴿ فنقبوا ﴾ للتسبيب عما قبله من الموت كقوله "هو أقوى من زيد فغلبه" أي شدّة بطشم أقدرتهم على التنقيب وأورثتهم ذلك وساروا في أقطار الأرض وسألوا ﴿ هل من محيص ﴾ أي مهرب من عذاب الله فعلموا أن لا مفر ﴿ إن في ذلك ﴾ الذي ذكر من أوّل السورة إلى ههنا أو من حديث النار والجنة أو من إهلاك الأمم الخالية ﴿ لذكرى لمن كان له قلب ﴾ واع فإن الغافل في حكم عديم القلب وإلقاء السمع الإصغاء إلى الكلام وفي قوله ﴿ وهو شهيد ﴾ إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضراً بفطنته وذهنه.

وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعاً مصغياً إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير.

قال المفسرون: زعمت اليهود إن الله  خلق السموات والأرض في ستة أيام، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ الله عيلهم بقوله ﴿ ولقد خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وما مسنا من لغوب ﴾ أي إعياء.

ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار.

وفيه لطيفة وهي أن الله  مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته؟

بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا؟

اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر واغوثاه واغوثاه واغوثاه.

وقد سبق نظير الآية في آخر "طه" ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة ﴿ وأدبار السجود ﴾ أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه الله  وتقديسه.

قيل: النوافل بعد المكتوبات.

وعن ابن عباس: هو الوتر بعد العشاء.

ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك "آتيك خفوق النجم".

قال أهل النظم: إن النبي  له شغلان: أحدهما عبادة الله، والثاني هداية الخلق.

فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له: اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة.

ثم بين غاية التسبيح بقوله ﴿ واستمع ﴾ يعني اشتغل بتنزيه الله وانتظر المنادي كقوله ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ ومفعول ﴿ استمع ﴾ متروك أي كن مستمعاً لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين.

قال جار الله: وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي  قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل: يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك.وانتصب ﴿ يوم ينادي ﴾ بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور.

والمنادي قيل الله كقوله ﴿ ويوم يناديهم فيقول أين شركائي  ﴾ ﴿ أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم  ﴾ والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.

وقيل: إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر.

والمكان القريب صخرة بيت المقدس.

يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلاً.

وقيل: من تحت أقدامهم.

وقيل: من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن المنادي هو الله لقوله ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ والصيحة النفخة الثانية كما قال { ﴿ إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع  ﴾ وقوله ﴿ بالحق ﴾ متعلق بالصيحة والمراد به البعث للجزاء أي بسبب الحق الذي هو البعث.

ويجوز أن يتعلق بالسماع أي يسمعونها باليقين.

وقيل: الباء للقسم أي بالله الحق.

قوله ﴿ سراعاً ﴾ حال من المجرور أي ينكشف عنهم مسرعين ﴿ ذلك ﴾ الشق أو الحشر ﴿ حشر علينا يسير ﴾ لا على غيرنا وهو ردّ على قولهم ﴿ ذلك رجع بعيد ﴾ .

﴿ نحن أعلم بما يقولون ﴾ أي من المطاعن والإنكار وفيه تهديد لهم وتسلية للنبي  ﴿ وما أنت عليهم بجبار ﴾ أي بمسلط حتى تقسرهم على الإيمان وإنما أنت داع.

ولعل في تقديم الظرف إشارة إلى أنه كالمسلط على المؤمنين ولهذا وقع إيمانهم وهذا مما يقوّي طرف المجبرة.

وقيل: أراد إنك رؤوف رحيم بهم لست فظاً غليظاً.

والأول أولى بدليل قوله ﴿ فذكر ﴾ إلى آخر أي اترك هؤلاء وأقبل على دعوة من ينتفع بتذكيرك والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز جل -: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ﴾ قال أبو عو سجة: ﴿ سَكْرَةُ الْمَوْتِ ﴾ أي: شدته.

يخبر أن لا بد أن ينزل بالنفس عند الموت شدة ومشقة.

ثم الآية ترخج على وجهين: أحدهما: أن تُجْرِى على ظاهرها في الماضي؛ أعني: لفظة ﴿ جَاءَتْ ﴾ أي: جاءت سكرة الموت على الذين كانوا من قبلكم، فوجدتهم غير متأهبين و لامستعدين له، والله أعلم.

والثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَجَاءَتْ ﴾ بمعنى تجيء، وكذلك ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ ﴾ وذلك جائز في اللغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ أي: من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة؛ يقول: عند ذلك يبين له ويظهر أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة؟

أو من أهل الجنة أو من أهل النار؟

وأصله عندنا: أن الحق هو ما وعد كل نفس من خير، وما أوعد كل نفس من الشر، إن كان مؤمناً وقد وعد له الجنة فيتحقق له ذلك، وإن كان كافراً وقد أوعد له النار فيتحقق له ذلك.

ويحتمل ما ذكر من الحق - هاهنا - هو الموت نفسه؛ أخبر أنه لا بد من الموت، وأنه كائن لا محالة، وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ  ﴾ يقل: لم يخلق الخلق للخلود وفي الدنيا، ولكن للآخرة، فلا بد م نالمت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ يحتمل وجهين: أي: أتاك ما كنت تكره مجيئه وتنكره، ولم تؤمن به، وهو البعث ويوم القيامة الذي ينكرونه ويكرهونه.

والثاني: يحتمل الموت نفسه؛ أي: أتاك ما كنت تكره وتفر منه؛ إذ هم كانوا يكرهون الموت ويفرون منه؛ كقوله -  -: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ  ﴾ أي: يأتيكم من حيث لا مفر لكم عنده.

ثم الحيد: الميل والكراهة.

وقال أبو عوسجة: الحيد: الفرار، يقال: حاد يحيد حيداً فهو حائد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ﴾ .

يحتمل أن يكون أراد النفخة الأولى، وهي النفخة التي يفزع عندها أهل السماوات والأرض فيموتون.

ويحتمل أن يريد النفخة الثانية التي عندها البعث وإدخال الأرواح في الأجساد.

ويحتمل أن يريد عندما يوضع كل واحد في القبر وهو أن يسأل، على ما جاءت الأخبار من سؤال منكر ونكير، وذلك أيضاً هو يوم الوعيد في حق ذلك الرجل، وهذا للكافر خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ ﴾ أي: ذلك يوم وقوع الوعيد؛ إذ يوم الوعيد الدنيا، فأما القيامة فهو يوم وقوع الوعيد وتحققه، والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ .

قال بعضهم: السائق: الذي يقبض روحه، والشهيد: الذي يحفظ عمله.

وقال بعضهم: السائق: هو الملك الذي يكتب عليه سيئاته، والشهيد هو الذي يكتب حسناته.

وقيل: السائق: هو النار التي تأتي تسوق الكفرة إلى المحشر، والشيهد هو عمله الذي عمل في الدنيا.

وقيل: السائق: الكاتب، والشهيد: جوارحه بقوله  : ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24].

واصله ما ذكر في قوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ  ﴾ ، و ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ  ﴾ ، ذكر السوق في الفريقين، وذكر في الكفرة: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ  ﴾ ، فالسائق: هو ملك يسوق إلى ما أمر من الجنة أو النار، والشهيد هم الملائكة الذين يكتبون علينا الأعمال، فيشهدون في الآخرة: إن كان شرّاً فشرّ، وإن كان خيراً فخير، والله أعلم بحقيقة ما أراد، وإن كان ما قالوا فمحتمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ .

يقول: لقد كنت في الدنيا في غفلة من هذا تعاين وتشاهد.

أو في غفلة عما أوعدت من المواعد والشدائد التي عاينتها ﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ ﴾ أي: كشفنا عنك الشبه التي تمنع وقوع العلم به والتجلي له ﴿ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ أي: ثاقب نيّر، يبصر الحق؛ كقوله -  -: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا  ﴾ .

وقيل: حديد من الحدة؛ أي: نافذ لا يخفى عليه شيء، فكأنه أراد - والله أعلم -: إنك كنت في الدنيا جاهلا عن هذا اليوم، وعن هذه الحال، والآن قد عاينت ما كنت عنه في غفلة وأيقنت به، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ  ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ أي: يقول الملك الذي كان عليه رقيبا: إن كل ماعمل فه وعندي حاضر من تكذيب وعمل السوء، فيشبه أن تكون شهادة الحفظة على هذا القول.

ويحتمل أن يكون ذلك على السؤال للملائكة عما كتبوا وحفظوا، يقول كل ملك: ﴿ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ أي: هذا الذي عمل هذا عندي حاضر محفوظ؛ إذ الكتاب الذي كتبت فيه أعمالهم حاضر.

ثم جائز أن الذي يكتب الأعمال ملك واحد على هذا؛ حيث قال: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ ﴾ ولم يقل: قريناه، وإن كان قال: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ  ﴾ على ما ذكرنا أنهما ملكان، لكن يجوز أن يتولى الكتابة واحد، والآخر شاهد.

وجائز أن يكونا يكتبان جميعاً بقوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ ﴾ الانفطار: 11] لكنه ذكر - هاهنا - بحرف التوحيد فقال: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ ﴾ لما يقول كل واحد منهما ذلك على حدة، وهو كما ذكرنا، وفي قوله: ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ  ﴾ أي: كل واحد منهما قعيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ .

يحتمل أن يكون الخطاب بقوله -  -: ﴿ أَلْقِيَا ﴾ لاثنين؛ على ما هو ظاهر الصيغة، الذي يسوقه والذي يشهد عليه، حيث قال: ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ كأن الأمر بذلك لهما.

ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب هو القرين الذي سبق ذكره: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ لكن قال: ﴿ أَلْقِيَا ﴾ لوجهين: أحدهما: ما قيل: إن العرب قد تذكر حرف التثنية على إرادة الواحد والجماعة.

والثاني: ما قال بعضهم: إن المراد من قوله ﴿ أَلْقِيَا ﴾ أي: ألق ألق، على التأكيد؛ كقوله -  -: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ﴾ \[المؤمنون: 36\] على الوعيد في الذم، ويقال في المدح: بخ بخ، ونحو ذلك، على التأكيد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ كل كفار لنعم الله -  - حيث صرف شكرها إلى غيره.

أو كل كفار لتوحيد الله، وتسمية غيرٍ: إلها.

والعنيد، قال بعضهم: هو الذي بلغ في الخلاف غايته، والمخالف أشد الخلاف، من عند يعند عنوداً، فهو عاند، وعنيد بمعنى: عاند.

وقيل: هو الذي لا ينصف من نفسه.

وقيل: هو الذي يكابر ويعاند بعد ظهور الحق له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: مناع عن الخير، وهو منع غيره عن التوحيد وقبول الحق.

والثان]: ﴿ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ﴾ أي: منع ماعنده من الحقوق التي وجبت في أمواله ونفسه.

وقال بعض أهل التأويل: أراد به الوليد بن المغيرة المخزومي؛ لكن هذا عادة كل كافر؛ كقوله - عز وجل - : ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً  وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً  ﴾ فلا معنى لتخصيص واحد به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ﴾ المعتدي من الاعتداء، وهو المجاوز عن حدود الله -  - والمريب من الريبة، وهو الشك والفساد، فكأن المريب هو الذي فيه الشك والفساد جميعاً.

ثم نعت ذلك الإنسان فقال: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ﴾ ، أي: وصف وذكر مع الله إلهاً آخر، وهو كقوله -  -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ  ﴾ وقوله -  -: ﴿ وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً  ﴾ أي: قالوا ووصفوا أنهم إناث، وإلا لا يملكون جعل ذلك حقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ﴾ وصف نار جهنم بالشدة؛ لما أنه لا انقطاع لها، وكل عذاب يرجى انقطاعه في بعض الأزمان ففيه بعض الراحة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ ، أي: قال شيطانه الذي أضله ودعاه إلى ما دعاه؛ فصار قرينه في الآخرة؛ لقوله -  -: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ قرِينُهُ ﴾ أي: رفيقه الذي كان معه يتبعه ويصدر عن رأيه.

ثم هذا القول من قرينه إنما بعد أن كان منه إنكار لما كان منه من الكفر والشرك عن اختيار، وقال: هذا الذي أضلني وأطغاني، وهو الذي حملني عليه، كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ ، فيقول رفيقه: ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ ، وكان الكفرة لحيرتهم وقلة حيلتهم أحياناً ينكرون الشرك؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ  ﴾ ، وأحياناً يقولون: هؤلاء أضلونا، وأحياناً يلعن بعضهم بعضا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ ﴾ أي: ما قهرته على الضلال، ولا لي قوة ذلك، ولكن اتبعني على ما كنت أنا فيه، وأطاعني من غير أن يكون مني إكراه وإجبار على ذلك، وهو ما ذكر: ﴿ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ أي: كان في ضلال لا يرجى الرجوع ولا الانقطاع.

وقال بعض اهل التأويل: إن ذلك الكافر يكذب الحفظة بأنهم كتبوا ما لم أعمل، وهم كانوا يكذبون في ذلك اليوم؛ لحيرتهم؛ كقولهم: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، فقال قرينه وهو الذي يكتب أعماله: ﴿ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ ﴾ .

لكن هذا فاسد، وهذا القول من الشيطان، لا من الملائكة الإطغاء والإغواء؛ إذ هم لا يدعون على الملائكة الإطغاء والإغواء؛ ألا ترى انه قال: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ واختصامهم مع الشيطان كما أخبر - عز وجل - في غير آي من القرآن؛ قال الله -  - ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ  قَالُوۤاْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ  قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله - عز جل -: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ...

﴾ إلى قوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي...

﴾ الآية [إبراهيم: 22].

فهذه الخصومة بينهم وبين قرنائهم، وهم الشياطين ﴿ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ : خصومتهم ما ذكرنا، قالت الأتباع: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا  ﴾ وما ذكر من لعن بعضهم بعضاً ومن تبري بعض عن بعض، فقال -  عز وجل -: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ أي: قدمت إليكم من الوعيد في الدنيا، فانقطعت خصوماتكم هذه؛ أي: بينت في الدنيا ما يلحق بمن ضل بنفسه، ومن ضل بغيره.

كأن هؤلاء الكفرة يطلبون وجه الاعتذار بما لا عذر لهم؛ فلذلك يقال لهم: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ﴾ أي: أرسلت إليكم الرسل معهم الكتب وفيها الوعيد، فلم تقبلوا ذلك كله.

فإن قيل: قال هاهنا: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ ، وقا ل في موض آخر: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ قيل: هو يخرج على جوه: أحدها: أن قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ في أهل القبلة، وهو في المظالم التي كانت بينهم في الدنيا.

والثاني: ما قال بعضهم بأن إحدى الآيتين في موضع، والآخرى في موضع، فيؤذن لهم بالكلام فيه حتى يكون جمعاً بين الآيتين، وهو كقوله -  -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\]، وقال في آية أخرى: ﴿ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ  عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ  مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ  ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا.

والثالث: جائز أن يكون قوله -  -: ﴿ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ ﴾ في الدين فيما بينهم وبين ربهم في دفع عذاب الله عن أنفسهم، وذلك لا يملكونه ولا ينتفعون به، وأما قوله -  -: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ  ﴾ فيما بين أنفسهم في المظالم والمغرامات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾ هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: ما يبدل ما استحق كل واحد منكم من العذاب والثواب ما سبق مني من الوعد والوعيد في الدنيا بأن أجعل جزاء الكافر الجنة، وجزاء المؤمن النار؛ إذ قد سبق في وعدي ووعيدي بأن أجعل الجنة مثوى المؤمنين، والنار مثوى الكافرين؛ فلا يبدل ذلك الوعد والوعيد.

والثاني: ﴿ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾ يتمل أنه أراد به قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ .

والثالث: أي: لا يبدل اليوم ما يستوجب به الجنة والخلود فيها، وهو الإيمان عن غيب، كما أخبر - عز وجل -: ﴿ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ...

﴾ الآية، فأما الأيمان بعد العيان لا ينفع، كما أخبر - عز وجل -: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا...

﴾ الآية [غافر: 85].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾ أي: في العقل والحكمة تعذيب من أتى بالكفر والشرك، فيكون ترك تعذيبه سفهاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على تحقيق القول من الله -  - لجهنم: ﴿ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾ ، وعلى تحقيق القول من جهنم والإجابة له: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ، وذلك جائز أن ينطلق الله -  - جهنم حتى تجيب له بما ذكر ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ على ما ذكرنا من شهادة الجوارح عليهم، والنطق منها للكل، حتى أجابت الجوارح لهم لما قالوا: ﴿ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ  ﴾ وعلى ذلك ما ذكرنا في قوله -  -: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ  ﴾ ونحو ذلك، ومثل هذا غير مستنكر في العقول على تدقير إحداث الحياة فيها التي هي شرط النطق عن علم، والله أعلم.

والثاني: على التمثيل، لا على تحقيق القول لها: ﴿ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾ وعلى تحقيق الإجابة منها ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ولكن على التمثيل؛ لوجهين: أحدهما: أي: إن جهنم لو كانت بحيث تنطق وتسمع وتعلم لو قلت ل ها: ﴿ هَلِ ٱمْتَلأَتِ ﴾ ، فتقول: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ ؟

يخبر عن انقياد المخلوقات له والطاعة والإجابة، وهو ما ذكرنا في قوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ لا يكون من الدنيا حقيقة التغرير قولا ولا فعلا، ولكن معناه: إنها بحال من التزين وما فيها من الشهوات لو كان لها تمييز وعقل لغرتهم، والله أعلم.

والثاني: وصف لها بالعظم والسعة وإخبار عن أنها تحتمل المزيد، وإن جمع من الكفرة ما لا يحصى، على التمثيل، وهو كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ وصف لها بالتزين والحسن الظاهر ما [لو] لم يتأمل الناظر فيها العاقبة لاغتر بها من حسنها وزينتها؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: هل يبقى من أحد يزاد فيَّ فإني قد امتلأت، وليس فىَّ سعة تحتمل غيرهم.

والثاني: ﴿ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴾ أي: فيَّ سعة عظيمة، فهل من زيادة خلق امتلئ بها؟

لأن الله -  - وعد أن يملأ جهنم، كما قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ فتسأل المزيد من ربها لتمتلئ، والله أعلم بذلك.

وقال بعض أهل التأويل بأنها تسأل الزيادة حتى يضع الرحمن قدمه فيها فتضيق بأهلها حتى لا يبقى فيها مدخل رجل واحد، وروي خبر عن أبي هريرة -  - عن النبي  في ذلك، وأنه فاسد، وقول بالتشبيه، وقد قامت الدلائل العقلية على إبطال التشبيه، فكل خبر ورد مخالفاً للدلائل العقلية يجب رده، ومخالف لنص التنزيل، وهو قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ثم هذا القول على قول المشبهة - على ما توهموا - مخالف للكتاب؛ لأنه الله - عز وجل - قال: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ وعندهم لا تمتلئ بهم ما لم يضع الرحمن قدمه فيها.

ثم ذكر البلحي أن مدار ما ذكروا من الحديث على حماد بن سلمة، وكان خوفاً مفنداً في ذلك الوقت لم يجز أن يؤخذ منه، مع ما روي في خبر أنس -  - عن رسول الله  أنه قال: "يأتي الله -  - يبشر فيضع في النار حتى تمتلئ" فهذا يحتمل نلا ما رووا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: قربت، وذكر في آية آخرى: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى ٱلّجَنَّةِ زُمَراً  ﴾ ذكر - هاهنا - تقريب الجنة إلى أهلها، وذكر ثَمَّ سوق أهل الجنة إليها، فبين الآيتين مخالفة من حيث الظاهر، ولكن يحتمل وجهين: أحدهما: أن أهل الجنة إذا قربوا منها بالسوق إليها قربت هي إليهم؛ لأن أحد الشيئين إذا قرب إلى الآخرة قرب الآخر منه، ويزول البعد بزوال المسافة، وذلك معروف.

ويتحمل أن يكون إخباراً عن وصف الجنة أنها بحال تقرب إلى أهلها وتزلف، ذكر في الجنة التقريب؛ وفي النار البروز الظهور بقوله -  -: ﴿ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ  ﴾ فهو - والله أعلم - أن أهل النار كانوا يجحدون النار وينكرونها وبرزت الجحيم ليرونها ويطلعون عليها، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ  ﴾ فأما أهل التوحيد فإنهم كانوا يقرون بالجنة، ولكن لا يرون أنفسهم من أهلها لما بدا منهم من الخطايا والزلات، ويرونها بعيدة من أنفسهم، فذكر الله -  - التقريب لهم، ووعدهم بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ أي: غير بعيد منهم، بل بحيث يرونها وقت وقوفهم في القيامة، والله أعلم.

والثاني: أي: على بعد منهم في الدنيا؛ أي: يأتونها ويكونون من أهلها عن قريب؛ لأن كل آت فكأن قد أتى، والله أعلم.

ويحتمل: أي: غير بعيد منهم في الجنة إذا دخلوها من الثمار والفواكه؛ بل قريب منهم، يتناولون كيف شاءوا والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴾ الأواب الرجاع، من الآوبة، وهي الرجوع؛ فمعناه: لكل رجاع إلى الله -  - في كل وقت، أو رجاع إلى أمره وطاعته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَفِيظٍ ﴾ أي: يحفظ نفسه عن المعاصي والزلات سرّاً وعلانية والحافظ لحدوده في أوامره ونواهيه، وهو كقوله -  -: ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ و ﴿ لِّلْمُحْسِنِينَ  ﴾ إذ التقوى هي الائتمار بما أمر والامتناع عما نهى وحظر، والإحسان هو العمل بجميع ما يحسن في العقول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: خاف وحذر بما أوعد.

ثم يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ أي: قبل أن يرد على ظاهر ما ذكر.

والثاني: أي: من خشي الرحمن في الدنيا التي هي حال غيب الدلائل بالمواعيد التي أوعدها وحذر منها قبل أن يعاينها؛ إذ هو لم يرد ذلك العذاب فيصدقه فيما أوعد، وخافه وهو كقوله -  -: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ  ﴾ أي: عقوبته ونقمته، والله أعلم.

وقوله -0 عزو جل -: ﴿ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ﴾ والمنيب: هو المقبل على الله  بجميع أوامره ونواهيه، المطيع له في ذلك كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ﴾ كأنه على الإضمار، أي: يقال لهم: ادخلوها بسلام الملائكة: أي: تسلم الملائكة عليهم وقت دخولهم الجنة؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ  ﴾ .

والثاني: السلام: هو اسم من أسماء الله  فيقال لهم: ادخلوها باسم الله  عل ما هو الأصل، وفي كل خير أنه يبتدأ باسم الله  ؛ امتثالا لحديث رسول الله  : "كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر" وقال بعضهم: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ ﴾ ، أي: سالمين عن الخوف والحزن، لا آفة تصيبكم فيها، وهو كقوله: ﴿ ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ  ﴾ عن الخوف والحزن.

ويحتمل ادخلوها ولا كلفة عليكم، ولا أمر، ولا محنة، سوى الثناء على الله  والحمد له، وتسليم بعضكم على بعض؛ بل تسقط عنكم جميع المحن والأوامر التي عليكم في الدنيا، وذلك كقوله  : ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ ، وكأنه لا شيء ألذ في الدنيا على أهل الإيمان من الثناء على الله  وتسليم بعضهم على بعض؛ فلذلك أبقى ذلك في الجنة، وأسقط ما رواء ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ ﴾ : يحتمل: أي: ذلك يوم الخلود لأهل الجنة بالسرور والراحة، ولأهل النار بالعقوبة العذاب.

ويحتملم: أي: يوم لا انقطاع لذلك الذي وعدوا، وهي الجنة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا ﴾ ، أي: لهم ما يختارون فيه، لا يبجرون، ولا يكرهون فيها على شيء؛ إذ المشيئة هي صفة كل فاعل مختار.

وإن كانت المشيئة مشيئة التمني والتشهي، فكأنه قال: لهم ما يتمنون، ويتخيرون كقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ قال بعض أهل التأويل: بأنه تأتيهم سحابة فتمطرهم كل ما يشاءون، وذلك هو المزيد لهم في الجنة.

وقال بعضهم بأنه تنبت لهم شجرة فتنفطر لهم كل ما يشاءون، فذلك هو المزيد.

لكن يحتمل وجهين: أحدهما: النظر إلى رؤية الرب - جل وعلا - وهو كقوله  -: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ  ﴾ قيل: الزيادة هي رؤية الله  في الجنة.

ويشبه: ولدينا مزيد من نعيمها ما لا يبلغ تمنيهم وشهواتهم؛ كقوله -  - في صفة نعيم الجنة: "ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ؛ لأن لأماني والشهوات إنما تكون لما سبق لجنسه من الذي تقع عليه الرؤية والنظر، أو الخبر فأما ما لا معرفة به، فلا يتمنى ولا يشتهى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال الله: لا تختصموا لديّ، فلا فائدة من ذلك، فقد قدمت لكم في الدنيا ما جاءت به رسلي من الوعيد الشديد لمن كفر بي وعصاني.

<div class="verse-tafsir" id="91.GXKz9"

مزيد من التفاسير لسورة ق

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله