الآية ٣٧ من سورة الطور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ٣٧ من سورة الطور

أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَۣيْطِرُونَ ٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 54 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٧ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة الطور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون ) أي : أهم يتصرفون في الملك وبيدهم مفاتيح الخزائن ، ( أم هم المسيطرون ) أي : المحاسبون للخلائق ، ليس الأمر كذلك ، بل الله عز وجل ، هو المالك المتصرف الفعال لما يريد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37) يقول تعالى ذكره: أعند هؤلاء المكذّبين بآيات الله خزائن ربك يا محمد, فهم لاستغنائهم بذلك عن آيات ربهم معرضون, أم هم المسيطرون.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: أم هم المسلَّطون.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ) يقول: المسلَّطون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أم هم المُنـزلونَ.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ) قال: يقول أم هم المنـزلون.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أم هم الأرباب, ومن قال ذلك معمر بن المثنى, قال: يقال: سيطرتَ عليّ: أي اتخذتني خولا لك.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أم هم الجبَّارون المتسلطون المستكبرون على الله, وذلك أن المسيطر في كلام العرب الجبار المتسلط, ومنه قول الله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ .

يقول: لست عليهم بجبار مسلط.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أم عندهم خزائن ربك أم عندهم ذلك فيستغنوا عن الله ويعرضوا عن أمره .

وقال ابن عباس : خزائن ربك : المطر والرزق .

وقيل : مفاتيح الرحمة .

وقال عكرمة : النبوة .

أي أفبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة يضعونها حيث شاءوا .

وضرب المثل بالخزائن ; لأن الخزانة بيت يهيأ لجمع أنواع مختلفة من الذخائر ; ومقدورات الرب كالخزائن التي فيها من كل الأجناس فلا نهاية لها .أم هم المسيطرون قال ابن عباس : المسلطون الجبارون .

وعنه أيضا : المبطلون .

وقاله الضحاك .

وعن ابن عباس أيضا : أم هم المتولون .

عطاء : أم هم أرباب قاهرون .

قال عطاء : يقال تسيطرت علي أي : اتخذتني خولا لك .

وقاله أبو عبيدة .

وفي الصحاح : المسيطر والمصيطر المسلط على الشيء ليشرف عليه ويتعهد أحواله ويكتب عمله ، وأصله من السطر ; لأن الكتاب يسطر والذي يفعله مسطر ومسيطر .

يقال سيطرت علينا .

ابن بحر : أم هم المسيطرون أي هم الحفظة ; مأخوذ من تسطير الكتاب الذي يحفظ ما كتب فيه ; فصار المسيطر هاهنا حافظا ما كتبه الله في اللوح المحفوظ .

وفيه ثلاث لغات : الصاد وبها قرأت العامة ، والسين وهي قراءة ابن محيصن وحميد ومجاهد وقنبل وهشام وأبي حيوة ، وبإشمام الصاد الزاي وهي قراءة حمزة كما تقدم في الصراط .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ } أي: أعند هؤلاء المكذبين خزائن رحمة ربك، فيعطون من يشاءون ويمنعون من يريدون؟

أي: فلذلك حجروا على الله أن يعطي النبوة عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، وكأنهم الوكلاء المفوضون على خزائن رحمة الله، وهم أحقر وأذل من ذلك، فليس في أيديهم لأنفسهم نفع ولا ضر، ولا موت ولا حياة ولا نشور.{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } { أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ } أي: المتسلطون على خلق الله وملكه، بالقهر والغلبة؟ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الفقراء

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أم عندهم خزائن ربك ) قال عكرمة : يعني النبوة .

قال مقاتل : أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاءوا ؟

قال الكلبي : خزائن المطر والرزق ( أم هم المسيطرون ) المسلطون الجبارون ، قال عطاء : أرباب قاهرون فلا يكونوا تحت أمر ونهي ، يفعلون ما شاءوا .

ويجوز بالسين والصاد جميعا ، قرأ ابن عامر بالسين هاهنا وقوله : " بمسيطر " ، وقرأ حمزة بإشمام الزاي فيهما ، وقرأ ابن كثير هاهنا بالسين و " بمصيطر " بالصاد ، وقرأ الآخرون بالصاد فيهما .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أم عندهم خزائن ربك» من النبوة والرزق وغيرهما فيخصوا من شاءُوا بما شاءُوا «أم هم المسيطرون» المتسلطون الجبارون وفعله سيطر ومثله بيطر وبيقر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أم عندهم خزائن ربك يتصرفون فيها، أم هم الجبارون المتسلطون على خلق الله بالقهر والغلبة؟

ليس الأمر كذلك، بل هم العاجزون الضعفاء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم قال - تعالى - : ( أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المصيطرون ) أى : بل أعند هؤلاء الغافلين ( خَزَآئِنُ رَبِّكَ ) أى : مفاتيح أرزاقه - تعالى - لعباده ، وقدراته لهم ، حتى يقسموها عليهم كما شاءوا ، أم هم المصيطرون على أحوال هذا الكون ، المتسلطون على مقدراته ، حتى لكأنهم أربابه المتغلبون عليه؟

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه وجوه: أحدها: المراد من الخزائن خزائن الرحمة ثانيها: خزائن الغيب ثالثها: أنه إشارة إلى الأسرار الإلهية المخفية عن الأعيان رابعها: خزائن المخلوقات التي لم يرها الإنسان ولم يسمع بها، وهذه الوجوه الأول والثاني منقول، والثالث والرابع مستنبط، وقوله تعالى: ﴿ أَمْ هُمُ المسيطرون ﴾ تتمة للرد عليهم، وذلك لأنه لما قال: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبّكَ ﴾ إشارة إلى أنهم ليسوا بخزنة (رحمة) الله فيعلموا خزائن الله، وليس بمجرد انتفاء كونهم خزنة ينتفي العلم لجواز أن يكون مشرفاً على الخزانة، فإن العلم بالخزائن عند الخازن والكاتب في الخزانة، فقال لستم بخزنة ولا بكتبة الخزانة المسلطين عليها، ولا يبعد تفسير المسيطرين بكتبة الخزانة، لأن التركيب يدل على السطر وهو يستعمل في الكتاب، وقيل المسيطر المسلط وقرئ بالصاد، وكذلك في كثير من السيئات التي مع الطاء، كما في قوله تعالى: ﴿ بِمُسَيْطِرٍ  ﴾ و(قد قرئ) مصيطر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ يتربص به ريب المنون ﴾ ، على البناء للمفعول.

وريب المنون.

ما يقلق النفوس ويشخص بها من حوادث الدهر.

قال: أَمِنَ المَنُونِ وَرَيْبِهِ تتَوَجَّعُ وقيل: المنون الموت، وهو في الأصل فعول؛ من منه إذا قطعه؛ لأن الموت قطوع؛ ولذلك سميت شعوب قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء: زهير والنابغة ﴿ مّنَ المتربصين ﴾ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي ﴿ أحلامهم ﴾ عقولهم وألبابهم.

ومنه قولهم: أحلام عاد.

والمعنى: أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في القول، وهو قولهم: كاهن وشاعر، مع قولهم مجنون.

وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهى ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ مجاوزون الحدّ في العناد مع ظهور الحق لهم.

فإن قلت: ما معنى كون الأحلام آمرة؟

قلت: هو مجاز لأدائها إلى ذلك، كقوله تعالى: ﴿ أصلواتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا ﴾ [هود: 87] وقرئ: ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ ﴿ تَقَوَّلَهُ ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه المطاعن، مع علمهم ببطلان قولهم، وأنه ليس بمتقول لعجز العرب عنه، وما محمد إلا واحد من العرب.

وقرئ (بحديث مثله) على الإضافة، والضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه: أن مثل محمد في فصاحته ليس بمعوز في العرب، فإن قدر محمد على نظمه كان مثله قادراً عليه، فليأتوا بحديث ذلك المثل: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ ﴾ أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم ﴿ مِنْ غَيْرِ شَيْء ﴾ من غير مقدّر ﴿ أَمْ هُمُ ﴾ الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق ﴿ بل لا يوقنون ﴾ أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السموات والأرض؟

قالوا: الله، وهم شاكون فيما يقولون، لا يوقنون.

وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب؟

وقيل: أخلقوا من غير أب وأم؟

﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ ﴾ الرزق حتى يرزقوا النبوّة من شاؤا.

أو: أعندهم خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختياره حكمة ومصلحة؟

﴿ أَمْ هُمُ المسيطرون ﴾ الأرباب الغالبون، حتى يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم؟

وقرئ ﴿ المصيطرون ﴾ بالصاد ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ﴾ منصوب إلى السماء يستمعون صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون؟

﴿ بسلطان مُّبِينٍ ﴾ بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم.

المغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه، أي: لزمهم مغرم ثقيل فدحهم فزهدهم ذلك في أتباعك؟

﴿ أَمْ عِندَهُمُ الغيب ﴾ أي اللوح المحفوظ ﴿ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ما فيه حتى يقولوا لا نبعث، وإن بعثنا لم نعذب ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً ﴾ وهو كيدهم في دار الندوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين ﴿ فالذين كَفَرُواْ ﴾ إشارة إليهم أو أريد بهم كل من كفر بالله ﴿ هُمُ المكيدون ﴾ هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم ويحيق بهم مكرهم.

وذلك أنهم قتلوا يوم بدر.

أو المغلوبون في الكيد، من كايدته فكدته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ خَزائِنُ رِزْقِهِ حَتّى يُرْزَقُوا النُّبُوَّةَ مَن شاؤُوا، أوْ خَزائِنُ عِلْمِهِ حَتّى يَخْتارُوا لَها مَنِ اخْتارَتْهُ حِكْمَتُهُ.

﴿ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ الغالِبُونَ عَلى الأشْياءِ يُدَبِّرُونَها كَيْفَ شاؤُوا.

وقَرَأ قُنْبُلٌ وحَفْصٌ بِخِلافٍ عَنْهُ وهِشامٌ بِالسِّينِ وحَمْزَةُ بِخِلافٍ عَنْ خَلّادٍ بَيْنَ الصّادِ والزّايِ، والباقُونَ بِالصّادِ خاصَّةً.

﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ ﴾ مُرْتَقًى إلى السَّماءِ.

﴿ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ صاعِدِينَ فِيهِ إلى كَلامِ المَلائِكَةِ وما يُوحِي إلَيْهِمْ مِن عِلْمِ الغَيْبِ حَتّى يَعْلَمُوا ما هو كائِنٌ.

﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ اسْتِماعَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبّكَ} من النبوة الرزق وغيرهما فيخصوا من شاءوا بما شاءوا {أَمْ هم المصيطرون} الا رباب الغالبون حتى يدبروا امر الربوبية وبينوا الامور على مشيئتم وبالسين مكي وشامي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ أيْ خَزائِنُ رِزْقِهِ تَعالى ورَحِمَتُهُ حَتّى يَرْزُقُوا النُّبُوَّةَ مَن شاؤُوا، ويُمْسِكُوها عَمَّنْ شاؤُوا، وقالَ الرُّمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى مَقْدُوراتُهُ سُبْحانَهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللَّهِ تَعالى في جَمِيعِ الأُمُورِ لِأنَّ المالَ والصِّحَّةَ والعِزَّةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ مِن خَزائِنِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّهْرِيُّ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ واسْتَحْسَنَهُ أبُو حَيّانَ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُعْلَمُ حالُهُ مِنهُ ﴿ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ الأرْبابُ الغالِبُونَ حَتّى يُدَبِّرُوا أمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ ويَبْنُوا الأُمُورَ عَلى إرادَتِهِمْ ومَشِيئَتِهِمْ فالمُسَيْطِرُ الغالِبُ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: المُسَلِّطُ القاهِرُ وهو مَن سَيْطَرَ عَلى كَذا إذا راقَبَهُ وأقامَ عَلَيْهِ ولَيْسَ مُصَغَّرًا كَما يُتَوَهَّمُ ولَمْ يَأْتِ عَلى هَذِهِ الزِّنَةِ إلّا خَمْسَةُ ألْفاظٍ أرْبَعَةٌ مِنَ الصِّفاتِ، وهي مُهَيْمِنٌ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ ومُبَيْطِرٌ، وواحِدٌ مِنَ الأسْماءِ وهو مُجَيْمِرٌ اسْمُ جَبَلٍ، وقَرَأ الأكْثَرُ ﴿ المُصَيْطِرُونَ ﴾ بِالصّادِ لِمَكانِ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ وهو الطّاءُ، وأشَمَّ خَلَفٌ عَنْ حَمْزَةَ وخَلّادٌ عَنْهُ بِخِلافِ الزّايِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: فَذَكِّرْ يعني: فعظ بالقرآن فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ يعني: برحمة ربك.

ويقال: هو كقوله: ما أنت بحمد الله مجنون.

وقال أبو سهل: متعظ بالقرآن، ولست أنت والحمد الله بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ويقال: فذكر.

يعني: ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين المتقين، وبما أعتدنا للضالين الكافرين فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ يعني: لست تقول بقول الكهنة، ولا تنطق إلا بالوحي.

ثم قال: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ يعني: أيقولون هو شاعر يأتي من قبل نفسه، وهو قول الوليد بن المغيرة، وأبي جهل، وأصحابهما.

نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ يعني: أوجاع الموت، وحوادثه.

قال قتادة: رَيْبَ الْمَنُونِ الموت.

وقال مجاهد: رَيْبَ الْمَنُونِ حوادث الدهر.

وقال القتبي: حوادث الدهر، وأوجاعه، ومصائبه.

ويقال: إنهم كانوا يقولون: قد مات أبوه شاباً، وهم ينتظرون موته قُلْ تَرَبَّصُوا يعني: انتظروا هلاكي فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ وذكر في التفسير، أن الذين قالوا هكذا ماتوا كلهم قبل رسول الله  .

قوله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا يعني: أتأمرهم عقولهم، وتدلهم على التكذيب، والإيذاء بمحمد  .

أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ يعني: بل هم قوم عاتون في معصية الله تعالى.

أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ يعني: أيقولون أن محمداً  يقول من ذات نفسه.

واللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر والوعيد.

ثم قال: بَلْ لاَّ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون بالرَّسول، والكتاب، عناداً وحسداً منهم.

قوله عز وجل: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ يعني: إن قلتم إن محمداً  يقول: من ذات نفسه، فأتوا بمثل هذا القرآن كما جاء به إِنْ كانُوا صادِقِينَ في قولهم.

ثم قال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يعني: من غير رب.

كانوا هكذا خلقاً من غير شيء.

ومعناه: كيف لا يعتبرون بأن الله تعالى خلقهم، فيوحدونه، ويعبدونه.

ويقال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يعني: لغير شيء.

ومعناه: أخلقوا باطلاً لا يحاسبون، ولا يؤمرون، ولا ينهون.

ثم قال: أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ يعني: أهم خلقوا الخلق؟

أم الله تعالى؟

ومعناه: أن الله تعالى خلق الخلق، وهو الذي يبعثهم يوم القيامة.

ثم قال: أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني: بل الله تعالى خلقهم بَلْ لاَّ يُوقِنُونَ بتوحيد الله الذي خلقهما، أنه واحد لا شريك له.

ثم قال أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ يعني: مفاتيح رزق ربك.

ويقال: مفاتيح ربك الرسالة، فيضعونها حيث شاؤوا، ولكن الله يختار من يشاء، كقولهم: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (5) [القمر: 25] .

ثم قال: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ يعني: أهم المسلطون عليهم، يحملونهم حيث شاؤوا على الناس، فيجبرونهم بما شاؤوا.

قرأ ابن كثير، وابن عامر، والكسائي، في إحدى الروايتين: المسيطرون بالسين.

والباقون: بالصاد.

وقرأ حمزة: المزيطرون بإشمام الزاء.

وقال الزجاج: تسيطر علينا، وتصيطر.

وأصله السين، وكل سين بعدها طاء، يجوز أن تقلب صاداً، مثل مسيطر، ويبسط.

ثم قالوا: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يعني: سبباً إلى السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ يعني: يرتقون عليه، فيستمعون القول من رب العالمين فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي: بحجة بينة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ بمنزلة قوله: أم عندهم الاستغناء في جميع الأمور؟

والمصيطر: القاهر، وبذلك فسر ابن عباس «١» الآية، والسُّلَّمُ: السبب الذي يُصْعَدُ به، كان ما كان من خشب، أو بناء، أو حبال، أو غير ذلك، والمعنى: ألهم سُلَّمٌ إِلى السماء يستمعون فيه، أي: عليه أو منه، وهذه حروف يَسُدُّ بعضُها مَسَدَّ بعض، والمعنى:

يستمعون الخبر بِصِحَّةِ ما يدعونه، فليأتوا بالحُجَّةِ المبينة في ذلك.

وقوله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ الآية، قال ابن عباس «٢» : يعني أَمْ عندهم اللوحُ المحفوظ، فَهُمْ يَكْتُبُونَ: ما فيه، ويخبرون به، ثم قال: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً: بك وبالشرع، ثم جزم الخبر بأنَّهم هُمُ الْمَكِيدُونَ أي: هم المغلوبون، فَسَمَّى غَلَبَتَهُمْ كيداً إذ كانت عقوبةُ الكَيْدِ، ثم قال سبحانه: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ: يعصمهم ويمنعهم من الهلاك، قال الثعلبيُّ: قال الخليل: ما في سورة الطور كُلِّها من ذكر «أم» كُلُّه استفهام لهم، انتهى.

ثم نَزَّهَ تعالى نفسه: عَمَّا يُشْرِكُونَ به.

وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)

وقوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً أي: قطعةً يقولون لشدة معاندتهم هذا سَحابٌ مَرْكُومٌ:

بعضُه على بعض، وهذا جوابٌ لقولهم: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ [الشعراء: ١٨٧] وقولهم: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [الإسراء: ٩٢] يقول: لو فعلنا هذا بهم لما/ آمنوا، ولقالوا: سحاب مركوم.

وقوله تعالى: فَذَرْهُمْ، وما جرى مَجْرَاهُ من الموادعة- منسوخ بآية السيف،

والجمهورُ أَنَّ يومهم الذي فيه يُصْعَقُونَ، هو يوم القيامة، وقيل: هو موتهم واحداً واحداً، ويحتمل أن يكون يوم بدر لأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فيه، والصعق: التعذيب في الجملة، وإنْ كان الاستعمالُ قد كَثُرَ فيما يصيب الإنسانَ من الصَّيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونحوه، ثُمَّ أخبر تعالى بِأَنَّ لهم دُونَ هذا اليوم، أي: قبله عَذاباً واخْتُلِفَ في تعيينه، فقال ابن عباس وغيره «١» : هو بدر ونحوه، وقال مجاهد «٢» : هو الجُوعُ الذي أصابهم، وقال البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وابن عباس أيضاً «٣» : هو عذاب القبر، وقال ابن زيد «٤» : هي مصائب الدنيا، إذْ هي لهم عذاب.

ت: ويحتمل أَنْ يكونَ المراد الجميع قال الفخر «٥» : إنْ قلنا إنَّ العذابَ هو بدر فالذين ظلموا هم أهل مَكَّةَ، وإنْ قلنا: العذابُ هو عذابُ القبر، فالذين ظلموا عامٌّ في كل ظالم، انتهى.

ثم قال تعالى لنبيِّهِ: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أي: بمرأى ومنظر، نرى ونَسْمَعُ ما تقول، وأَنَّك في حفظنا وحيطتنا كما تقول: فلان يرعاه المَلِكُ بعين، وهذه الآية ينبغي أَنْ يُقَرِّرَهَا كُلُّ مؤمن في نفسه فإنها تُفَسِّحُ مضايق الدنيا.

وقوله سبحانه: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قال أبو الأحوص «٦» : هو التسبيح المعروف، يقول في كل قيام: سبحان اللَّهِ وبحمدِهِ، وقال عطاء «٧» : المعنى حين تقومُ من كُلِّ مجلس.

ت: وفي تفسير أحمدَ بن نصر الداوديّ قال: وعن ابن المُسَيِّبِ قال: حَقٌّ على كل مسلم أنْ يقول حين يقومُ إِلى الصلاة: سبحان اللَّهِ وبحمده لقولِ اللَّه سبحانه لِنَبِيِّهِ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، انتهى، / وقال ابن زيد «٨» : هي صلاة النوافل، وقال

الضَّحَّاكُ «١» : هي الصلوات المفروضة، وَمَنْ قال هي النوافل جعلَ أدبار النجوم رَكْعَتَيِ الفجر، وعلى هذا القول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وقد رُوِيَ مرفوعاً، ومَنْ جعله التسبيحَ المعروفَ جعل قوله: حِينَ تَقُومُ مثالاً، أي: حين تقومُ وحينَ تَقْعُدُ، وفي كل تَصَرُّفِكَ، وحكى منذر عن الضَّحَّاكِ أَنَّ المعنى: حين تقومُ في الصلاة [بعد] تكبيرة الإحرام، فقل: «سُبْحَانَكَ اللهمّ، وبحمدك، وتبارك اسمك» «٢» الحديث.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟

والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟

والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟

أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ.

والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟

فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ.

والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ هُمُ الخالِقُونَ ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟

لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى.

قَوْلُهُ: تَعالى ﴿ بَلْ لا يُوقِنُونَ ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ.

يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟

قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ  ﴾ فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ.

﴿ أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ.

﴿ أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟

والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟

وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ.

والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ومَعْنى ﴿ هُمُ المَكِيدُونَ ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها.

﴿ أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟

والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ.

ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ ﴾ ﴿ أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾ ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ ﴿ أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ ﴾ ﴿ أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ"؟

لِأنَّ المالَ والصِحَّةَ والقُوَّةَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلُّها مِن خَزائِنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤَمِّلَ وبُسِطَ، قالَ الرُمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتِهِ.

و: "المُصَيْطِرُ": المُسَلِّطُ القاهِرُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأصْلُهُ السِينُ، ولَكِنْ كَتَبَهُ بَعْضُ الناسِ وقَرَأهُ بِالصادِّ مُراعاةً لِلطّاءِ لِيَتَناسَبَ النُطْقُ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: "تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ" إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا.

و"السُلَّمُ": السَبَبُ الَّذِي يَصْعَدُ بِهِ، كانَ ما كانَ، مِن خَشَبٍ أو بِناءٍ أو حِبالٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: لا تُحْرِزُ المَرْءُ أحْجاءَ البِلادِ ولا تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ وحَكى الرُمّانِيُّ قالَ: لا يُقالُ "سُلَّمٌ" لِما بُنِي مِنَ الأدْراجِ وإنَّما السُلَّمُ المُشَبَّكُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ألْهم سُلَّمٌ إلى السَماءِ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؟

أيْ: عَلَيْهِ ومِنهُ، وهَذِهِ حُرُوفُ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ الخَبَرَ بِصِحَّةِ ما يَدْعُونَ، فَلْيَأْتُوا بِالحُجَّةِ المُبَيِّنَةِ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهُ البَناتُ ﴾ الآيَةُ...

مَعْناهُ: أمْ هم أهْلُ الفَضِيلَةِ عَلَيْنا فَيَلْزَمُ لِذَلِكَ انْتِحاؤُهم وتَكْبُرُهُمْ؟

ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ تَسْألُهم يا مُحَمَّدُ عَلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى وشَرْعِهِ أُجْرَةً يُثْقِلُهم غُرْمُها فَهم لِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الدُخُولَ فِيما يُوجِبُ غَرامَتَهُمْ؟

ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ عِنْدَهُمُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ سُنَنًا وشَرْعًا يَكْتُبُونَهُ، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوثانِ وتَسْيِيبُ السَوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن شَرِّهِمْ؟

وقِيلَ: المَعْنى: فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ؟

و"يَكْتُبُونَ" بِمَعْنى يَحْكُمُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ؟

ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا بِكَ وبِالشَرْعِ؟

ثُمَّ جَزَمَ الخَبَرَ بِأنَّهم هُمُ المَكِيدُونَ، أيْ المَغْلُوبُونَ، فَسَمّى تَعالى غَلَبَتَهم كَيْدًا إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِنهم ويَدْفَعُ في صَدْرِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوثانِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي وقَّفَهم تَعالى عَلَيْها حَصَرَتْ جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِخاءَ والتَكَبُّرَ والبُعْدَ مِنَ الِائْتِمارِ، فَوَقَّفَهم تَعالى عَلَيْها، أيْ لَيْسَتْ لَهُمْ، ولا بَقِيَ شَيْءٌ يُوجِبُ ذَلِكَ إلّا أنَّهم قَوْمٌ طاغُونَ، وهَذِهِ صِفَةٌ فِيها تَكَسُّبُهم وإيثارُهُمْ، فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ عِقابُهم.

ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم عَلى الغايَةِ مِنَ العُتُوِّ والتَمَسُّكِ بِالأقْوالِ الباطِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا ﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَ في جُمْلَةِ ما اقْتَرَحَتْ "أنْ تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا كِسَفًا" وهي القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى "كِسْفٌ" كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: هي الَّتِي تَكُونُ بِقَدْرِ ما يَكْسِفُ ضَوْءَ الشَمْسِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ رَأوا كِسْفًا ساقِطًا حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ لَبَلَغَ بِهِمُ العُتُوُّ والجَهْلُ والبُعْدُ عَنِ الحَقِّ أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم ويَقُولُوا: "سَحابٌ مَرْكُومٌ"، أيّ كَثِيفٍ قَدْ تَراكم بَعْضه فَوْقَ بَعْض، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِر في آياتٍ أخَّرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّك ﴾ .

انتقال بالعود إلى ردّ جحودهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك غُيّر أسلوب الأخبار فيه إلى مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وكان الأصل الذي ركّزوا عليه جحودهم توهمَ أن الله لو أرسل رسولاً من البشر لكان الأحقُّ بالرسالة رجلاً عظيماً من عظماء قومهم كما حكى الله عنهم: ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ [ص: 8] وقال تعالى: ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31] يعنون قرية مكة وقرية الطائف.

والمعنى: إبطال أن يكون لهم تصرف في شؤون الربوبية فيجعلوا الأمور على مشيئتهم كالمالك في ملكه والمدبرِ فيما وُكل عليه، فالاستفهام إنكاري بتنزيلهم في إبطال النبوءة عمن لا يرضونه منزلة من عندهم خزائن الله يخلعون الخلع منها على من يشاؤون ويمنعون من يشاؤون.

والخزائن: جمع خزينة وهي البيت، أو الصندوق الذي تخزن فيه الأقوات، أو المال وما هو نفيس عند خازنه، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال اجعلني على خزائن الأرض ﴾ [يوسف: 55].

وهي هنا مستعارة لما في علم الله وإرادته من إعطاء الغير للمخلوقات، ومنه اصطفاء من هيّأهُ من الناس لتبليغ الرسالة عنه إلى البشر، وقد تقدم في سورة الأنعام (50) قوله: ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن اللَّه ﴾ قال تعالى: ﴿ وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل اللَّه اللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ [الأنعام: 124].

وقال: ﴿ وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان اللَّه وتعالى عما يشركون ﴾ [القصص: 68].

وقد سُلك معهم هنا مسلك الإِيجاز في الاستدلال بإحالتهم على مجمل أجمله قوله: ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ ، لأن المقام مقام غضب عليهم لجرأتهم على الرسول صلى الله عليه وسلم في نفي الرسالة عنه بوقاحة من قولهم: كاهن، ومجنون، وشاعر إلخ بخلاف آية الأنعام فإنها ردّت عليهم تعريضهم أنفسهم لنوال الرسالة عن الله.

فقوله تعالى هنا: ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ هو كقوله في سورة ص (8، 9) ﴿ أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ﴾ وقوله في سورة الزخرف (32) ﴿ أهم يقسمون رحمتَ ربك ﴾ وكلمة عند تستعمل كثيراً في معنى الملك والاختصاص كقوله تعالى: ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ [الأنعام: 59]، فالمعنى: أيملكون خزائن ربك، أي الخزائن التي يملكها ربك كما اقتضته إضافة ﴿ خزائن ﴾ إلى ﴿ ربك ﴾ على نحو ﴿ أعنده علم الغيب فهو يرى ﴾ [النجم: 35].

وقد عبر عن هذا باللفظ الحقيقي في قوله تعالى: ﴿ قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق ﴾ [الإسراء: 100].

﴿ أَمْ هُمُ المسيطرون ﴾ .

إنكار لأن يكون لهم تصرف في عطاء الله تعالى ولو دون تصرف المالك مثل تصرف الوكيل والخازن وهو ما عبر عنه بالمصيطرون.

والمصيطر: يقال بالصاد والسين في أوله: اسم فاعل من صيطر بالصاد والسين، إذا حفظ وتسلط، وهو فعل مشتق من سيطر إذا قطع، ومنه الساطور، وهو حديدة يقطع بها اللحم والعظم.

وصيغ منه وزن فيعل للإِلحاق بالرباعي كقولهم: بيقر، بمعنى هلك أو تحضر، وبيطر بمعنى شق، وهيمن، ولا خامس لها في الأفعال.

وإبدال السين صاداً لغة فيه مثل الصراط والسراط.

وقرأ الجمهور ﴿ المصيطرون ﴾ بصاد.

وقرأه قنبل عن ابن كثير وهشام عن ابن عامر، وحفص في رواية بالسين في أوله.

وفي معنى الآية قوله تعالى: ﴿ أهم يقسمون رحمتَ ربك ﴾ [الزخرف: 32]، وليس في الآية الاستدلال لهذا النفي في قوله: ﴿ أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون ﴾ لأن وضوحه كنار على عَلَم.

وقد تقدم في صدر تفسير هذه السورة حديث جبير بن مطعم لما سمع هذه الآية وكانت سبب إسلامه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.

الثّانِي: خَزائِنُ الرِّزْقِ.

﴿ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُسَلَّطُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الأرْبابُ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدٍ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ: أمْ هُمُ المُتَوَلُّونَ، وهَذا قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ، مَأْخُوذٌ مِن تَسْطِيرِ الكِتابِ، الَّذِي يَحْفَظُ ما كُتِبَ فِيهِ فَصارَ المُسَيْطِرُ هُنا حافِظًا ما كَتَبَهُ اللَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ السُّلَّمَ المُرْتَقى إلى السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ لا تُحْرِزُ المَرْءَ أحْجاءُ البِلادِ ولا يُبْنى لَهُ في السَّماواتِ السَّلالِيمُ الثّانِي: أنَّهُ السَّبَبُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى عَوالِي الأشْياءِ، قالَ الشّاعِرُ تَجَنَّيْتِ لِي ذَنْبًا وما إنْ جَنَيْتُهُ ∗∗∗ لِتَتَّخِذِي عُذْرًا إلى الهَجْرِ سُلَّمًا وَقَوْلُهُ ﴿ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَسْتَمِعُونَ مِنَ السَّماءِ ما يَقْضِيهِ اللَّهُ عَلى خَلْقِهِ.

الثّانِي: يَسْتَمِعُونَ مِنها ما يُنْزِلُ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ مِن وحْيِهِ.

﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلْيَأْتِ صاحِبُهم بِحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ.

الثّانِي: فَلْيَأْتِ بِقُوَّةٍ تَتَسَلَّطُ عَلى الأسْماعِ وتَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس أن قريشاً لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال قائل منهم: احبسوه في وثاق، وتربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم فأنزل الله في ذلك من قولهم ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ريب المنون ﴾ قال: الموت.

وأخرج ابن الأنباري في الوقت والابتداء عن ابن عباس قال: ريب: شك، إلا مكاناً واحداً في الطور ﴿ ريب المنون ﴾ يعني حوادث الأمور، قال الشاعر: تربص بها ريب المنون لعلها ** تطلق يوماً أو يموت حليلها وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ريب المنون ﴾ قال: حوادث الدهر، وفي قوله: ﴿ أم هم قوم طاغون ﴾ قال: بل هم قوم طاغون.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم تأمرهم أحلامهم ﴾ قال: العقول.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ قال: مثل القرآن، وفي قوله: ﴿ فليأت مستمعهم ﴾ قال: صاحبهم، وفي قوله: ﴿ أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون ﴾ يقول: أسألت هؤلاء القوم على الإِسلام أجراً فمنعهم من أن يسلموا الجعل، وفي قوله: ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ قال: القرآن.

وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن جبير بن مطعم رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ﴾ الآيات، كاد قلبي أن يطير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ قال: المسلطون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ قال: أم هم المنزلون والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ﴾ قال مقاتل: يقول أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاءوا (١) (٢) ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ  ﴾ ، وقال الكلبي: خزائن المطر والرزق (٣) وقال أهل المعاني: هذا عام في جميع مقدورات الله تعالى، وضرب لها المثل بالخزائن، لأن الخزانة بيت مهيأ لجَمْع (٤) (٥) ﴿ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ﴾ أي: الأرباب المسلطون، ومصدره التسطير (٦) (٧) وقال المبرد: المسيطر المتغلب على الشيء، يقال: تسيطرت علينا أي تكلفت أن تقصرنا على ما تحب (٨) قال أبو علي: وقد جاء على هذا البناء مُبَيْطِر ومُهَيمن ومبيقر (٩) (١٠) ذكرنا ذلك في الصراط (١١) وقال المفسرون في تفسير هذا الحرف: المسلطون الجبارون الأرباب القاهرون.

كل هذا ألفاظهم.

قال عطاء عن ابن عباس: المسلطون على عبادي (١٢) وقال مقاتل: أم هم المسلطون على الناس فيجبرونهم على ما شاءوا ويمنعونهم ما شاءوا (١٣) قال الكلبي: أم هم المسلطون على تلك الخزائن ينزلون منها على الخلق (١٤) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ، "معالم التنزيل" 4/ 241.

(٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 74.

(٣) انظر: "الوسيط" 4/ 189، "معالم التنزيل" 4/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 74، عن ابن عباس، وكذا في "تنوير المقباس" 5/ 288.

(٤) (ك): الجميع).

(٥) انظر: "تفسير القرطبى" 17/ 74، 75، "البحر المحيط" 1/ 152 عن الرماني.

(٦) (ك): (التسطير).

(٧) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 233، "تهذيب اللغة" 12/ 326 (سطر).

(٨) انظر: "اللسان" 2/ 143 (سطر)، "معاني القرآن" للزجاج 5/ 66.

(٩) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 22.

والبيطرة: معالجة الدواب، والمبيطر: معالج الدواب.

والبيقرة: مثية فيها تقارب.

"اللسان" 1/ 225، 242 (بطر)، (بقر).

(١٠) قال الفراء: كتابتها بالصاد، والقراءة بالسين والصاد، "معاني القرآن" 3/ 93، وابن كثير، وحفص، وابن عامر في رواية الحلواني عن هشام، عن عمار، والكسائي في رواية الفراء: قرأوا (المسيطرون) بالسين، وقرأ حمزة بالإشمام، وقرأ الباقون بالصاد.

انظر: "حجة القراء السبعة" 1/ 49، 6/ 228، "حجة القراءات" 684، "النشر" 2/ 378، "الإتحاف" 401 (١١) عند تفسيره لآية (6) من سورة الفاتحة.

والقراءة في قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ رويت عن ابن كثير السين والصاد وروي عن أبي عمرو السين والصاد والمضارعة بين الزاي والصاد.

رواه عنه العريان بن أبي سفيان، وروى عنه الأصمعي (الزراط) بالزاي.

والباقون بالصاد، غير أن حمزة يلفظ بها بين الصاد والزاي.

انظر: "الحجة" 1/ 49.

(١٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 241، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 75.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 129 أ.

(١٤) انظر: "تنوير المقباس" 5/ 288، "التفسير الكبير" 28/ 261.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ المعنى أعندهم خزائن اله بحيث يستغنون عن عبادته؟

وقيل: أعندهم خزائن الله بحيث يعطون من شاؤوا ويمنعون من شاؤوا؟

ويخصون بالنبوّة من شاؤوا ﴿ أَمْ هُمُ المصيطرون ﴾ أي الأرباب الغالبون، وقيل: المسيطر المسلط القاهر ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ يعني أم لهم سلم يصعدون به إلى السماء، فيسمعون ما تقول الملائكة، بحث يعلمون صحة دعواهم.

ثم عجّزهم بقوله: ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي بحجة واضحة على دعواهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.

وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.

الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.

ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.

وابن عامر والآخرون: بالصاد.

وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.

والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.

وقيل: اللوح المحفوظ.

وقيل: صحيفة الأعمال.

والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.

والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً  ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت  ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون  ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله  أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.

قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.

﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.

والدع الدفع العنيف.

قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.

والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا  ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.

قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.

وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.

وقد مر في أول "النساء".

وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.

قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.

وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.

﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.

ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.

قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.

فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.

وقيل: هذا يعود إلى الكفار.

والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.

وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.

﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.

ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.

والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.

وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟

فقال: قال رسول الله  "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه  " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله  أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.

وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.

والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.

وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .

ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.

وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.

والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.

والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله  في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.

ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.

ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.

قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.

وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.

والمعنى مثل ما قلنا.

وقيل: التسبيح التهجد.

ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.

أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ ﴾ .

أي: بما أنعم عليك من النبوة والقرآن لست بكاهن ولا مجنون.

ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إنك لم تقابل نعمة ربك [بذلك،] عوفيت وعصمت عما ذكروا من الجنون، والسحر وغير ذلك، والله أعلم.

دلت هذه الآية على أنهم قالوا له: إنه كاهن، ومجنون، وكذا كانت عادة أولئك أنهم ينسبون الحجج عند عجزهم عن مقابلتها إلى السحر، والأنباء المتقدمة إلى الكهانة، وخلاف الرسل - عليهم السلام - لقادتهم وفراعنتهم إلى الجنون، والكلام المستملح والنظم الجيد إلى الشعر؛ تلبيسا للأمر على أتباعهم، هذه كانت عادتهم، مع العلم منهم أن رسول الله  ليس كذلك، ولا اختلف إلى أحد من الكهان ولا السحرة ولا كان القرآن على نظم الشعر؛ إذ عجزوا عن إتيان مثله، وهم عن الشعر غير عاجزين، لم لم عجزوا عن مقابلة ما آتاهم من الحجج قالوا: ﴿ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ ﴾ ، أي: عن قريب يرجعون إلى ديننا، وإلى ما نحن فيه، وكانوا يقولون للضعفاء أصحاب رسول الله  : إن محمداً يموت ويصير الأمر لنا؛ فترجعون إلينا؛ فقال  : ﴿ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ ﴾ ، أي: تربصوا ذلك؛ فإني متربص ذلك بكم؛ فكانوا جميعاً أو عامتهم - أعني: الذين قالوا لرسول الله  : إنه شاعر نتربص به ريب المنون - أهلكوا قبل وفاة رسول الله  - فحل بهم ما ظنوا برسول الله  ، والله أعلم.

قال القتبي: ريب المنون: حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه، والمنون: الدهر.

وقال أبو عوسجة: ريب المنون، أي: المنية، وريبها: ما تأتي به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع معنى حرف "أم" أي: ليست لهم عقول تأمرهم بذلك، أي: من يأمر بهذا فليس بعاقل.

والثاني: على تسفيه أحلامهم، أي: أي عقل يأمر بعبادة الأصنام، وينهى عن عبادة الله  ؟!

أي: لا عقل يأمر به.

وقوله: ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .

أي: طاغون في ذلك، والطغيان: هو المجاوزة عن الحد في العداوة.

وقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: يعلمون أنك لست بمتقول، ولكن ينسبونك إلى التقول، لتكذيبهم بآيات الله  ؛ وهو وما ذكر في آية أخرى: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ - بالتخفيف والتشديد - ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ يقول: إنهم لا يقولون: إنك كاذب فيما تقول، ولا ينسبونك إلى الكذب، ولكن إنما يكذبون الآيات، ويعتقدون كذبها؛ فعلى ذلك تقوله على علم منهم: أنك لم تتقول، ولكن اعتقدوا تكذيب الآيات والجحود لها، فيقولون: إنك تتقول من [عند نفسك]، قال: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ﴾ ، أي: لو كانوا صادقين بأن محمداً يتقول على الله، فليأتوا بمثل ما أتى به محمد.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ ﴾ وإن خرج مخرج الأمر في الظاهر، فهو في الحقيقة ليس بأمر؛ لأنه لا يحمل أن يأمرهم أن يأتوا بالكذب والافتراء، ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الإعجاز عن أن يأتوا بمثله.

والثاني: على التوبيخ والتوعيد على ما قالوا على رسول الله  من الافتراء والتقول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: أم خلقوا من غير أب، ولكن ليس فيما ذكروا كثير فائدة، لو خلقوا من غير أب، إلا أن يريدوا بذلك: حتى لم يعرفوا من خلقهم، وممن خلقوا، بل كانت لهم آباء عودوهم وأعلموهم بأن لهم خالقا، وأنهم مخلوقون، وليسوا بخالقين، أن كلام نحوه، فكيف يتكلمون بما هو سفه، وكيف يصرون عليه.

وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ أي: يعلمون أنهم لم يخلقوا لغير شيء، إذ [لو] خلقوا من تراب، ولغير معنى وحكمة، لكان خلقهم عبثاً باطلا، وهم يعلمون أنهم لم يخلقوا لعباً باطلا.

والثاني: يقال: لا يلخو إما أن يكون خلقوا من غير شيء، أو خلقوا من تراب وماء، فكيفما كان، فدل أن قدرته ذاتية لا مستفادة؛ فلا يحتمل أن يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ .

أي: ليسوا هم بخالقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ أي: يعلمون أنهم لم يخلقوهما.

وقوله: ﴿ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أن ما يقولون إما يقولون على الظن لا على اليقين.

والثاني: ﴿ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ﴾ أي: لا يصدقون، وذلك في قوة علم الله  بأنهم لا يؤمنون.

فإن كان التأويل هذا، ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ حيث أخبر عن الغيب.

وإن كان التأويل هو الأول، ففيه أن جميع ما يقولون، إنما يقولون على الظن والجهل، لا على اليقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ...

﴾ الآية؛ أي: ليس عندهم خزائن ربك، على ما ذكرنا في قوله  : ﴿ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ أي: لم يخلقوا؛ فعلى ذلك هذا: ليس عندهم خزائن ربك، ولا هم المصيطرون.

ثم الآية تحتمل وجوها أيضاً: تحتمل ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ ، أي: الذي منعهم عن اتباع رسول الله  هو المنعة التي عندهم، ليس ذلك عند رسول الله  ؛ فيكونون هم الذلك أحق بالرسالة، أي: ليسوا بأحق.

ويحتمل قوله  : ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ أي: علم الغيب، أطلعوا على ذلك فعلموا أن رسول الله  قد تقوَّلَ على الله  ؟!

أي: ليس لهم علم الغيب.

ويحتمل ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ ، أي: علم الغيب، ليس ذلك عند رسول الله  ، بل عند رسوله ما يخبره ربه - جل وعلا - ليس عندهم شيء من ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ ﴾ .

أي: ليس هم المسلطين على أرزاقهم، ولا أرزاق غيرهم.

وقال بعضهم: المسيطر: الرب  ، يقال: سيطر فلان، أي: صار ربا؛ وهو قول القتبي.

وقال الزجاج: المسطير: المسلط؛ يقال: سيطر، اي: تسلط.

وقال أبو بكر: المسيطر: الغالب القاهر، لكن الغلبة والقهر بالحجة عليهم، وهذا يخرج على المقابلة برسول الله  ما ذكر، ويحتمل على غير المقابلة والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أم لهم سبب وقوة؛ فيصعدون السماء؛ فيستمعون من أخبارها؛ فعلموا بذلك أن محمداً  تقول على الله  .

والثاني: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ﴾ ، أي: لهم حجة وبرهان يستمعون يه أن رسول الله  على ما ذكروا، فإن قالوا: نعم لنا ذلك، يقال لهم عند ذلك: ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: بحجة بينة، ليس لهم ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ...

﴾ الآية.

هذا ليس من نوع ما سبق ذكره؛ لأن ما تقدم من الآيات بينهم وبين رسول الله  على المقابلة، وهذا راجع إلى الله  في الظاهر على ما سبق منهم القول: إن الملائكة بنات الله، وهو ما قال: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ  ﴾ ، يذكر سفههم في نسبتهم البنات إلى الله - عز وجل - وهم يأنفون من نسبتهن إليهم، فيسكن بذلك صدر رسول الله  ، ويصبره على أذاهم، أي: إنهم يقولون فيَّ ما قالوا؛ فاصبر على ما يقولون فيك، والله أعلم.

ويحتمل أن خرج ما ذكرنا من المقابلة برسول الله  ، [و]معناه: أم لرسول الله البنات، ولكم البنون؛ فتتركون اتباعه لذلك؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ .

أي: لست تسألهم أجرا على اتباعك، فيمنعهم ذلك عن اتباعك، يذكر أن ليس لهم أسباب المنع، وهذه أسباب المنع، وإنما امتنعوا عن الاتباع تعنتا ومكابرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ، أي: عندهم علم الغيب؛ فيعلمون أن رسول الله  تقوله؛ بل ليس عندهم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ ﴾ .

أي: يريدون كيدا برسول الله  ، لكن هم المكيدون، أي: إليهم يرجع ذلك الكيد، والذي أرادوا برسول الله  .

ثم يحتمل ذلك الكيد الذي أخبر - عز وجل - أنه عليهم في الدنيا؛ على ما قاله أهل التأويل: إنهم قتلوا يوم بدر، ويحتمل ذلك في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: أم لهم إله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله  ؟

أي: أم لهم إله غير الله يمنعهم ن عذاب الله  ؟!

أي: ليس لهم.

ويحتمل: أم لهم إله غير الله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله  من التقول على الله  ، أو يطعلهم على ذلك؟

أي: ليس لهم إله يطلعهم على ذلك، ويدفع عنهم ما ينزل من السماء من العذاب، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ  مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ  ﴾ .

ثم نزه نفسه عما أشركوا معه من الأوثان في تسمية الألوهية واستحقاق العبادة، فقال: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أم عندهم خزائن ربك من الرزق فيمنحوه من يشاؤون، ومن النبوّة فيعطوها ويمنعوها من أرادوا؟!

أم هم المُتَسلِّطون المتصرفون حسب مشيئتهم؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.GgYME"

مزيد من التفاسير لسورة الطور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله