الآية ٣٨ من سورة الطور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 52 الطور > الآية ٣٨ من سورة الطور

أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌۭ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ٣٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 56 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٨ من سورة الطور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٨ من سورة الطور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( أم لهم سلم يستمعون فيه ) أي : مرقاة إلى الملأ الأعلى ، ( فليأت مستمعهم بسلطان مبين ) أي : فليأت الذي يستمع لهم بحجة ظاهرة .

على صحة ما هم فيه من الفعال والمقال ، أي : وليس لهم سبيل إلى ذلك ، فليسوا على شيء ، ولا لهم دليل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ) يقول: أم لهم سلم يرتقون فيه إلى السماء يستمعون عليه الوحي, فيدعون أنهم سمعوا هنالك من الله أن الذي هم عليه حقّ, فهم بذلك متمسكون بما هم عليه.

وقوله: ( فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) يقول: فإن كانوا يدّعون ذلك فليأت من يزعم أنه استمع ذلك, فسمعه بسلطان مبين, يعني بحجة تبين أنها حقّ, كما أتى محمد صلى الله عليه وسلم بها على حقيقة قوله, وصدقه فيما جاءهم به من عند الله.

والسُّلَّم في كلام العرب: السبب والمرقاة; ومنه قول ابن مقبل: لا تُحـرزِ المَـرْءَ أَحْجـاءُ الْبِـلاد وَلا تُبْنَـى لَـهُ فـي السَّـمَاواتِ السَّـلاليمُ (1) ومنه قوله: جعلت فلانا سلما لحاجتي: إذا جعلته سببا لها.

_____________________ الهوامش: (1) هذا البيت لتميم بن أبي مقبل ، نسبه إليه أبو عبيد في مجاز القرآن ( الورقة 230 - 1 ) وأحجاء البلاد .

نواحيها وأطرافها .

قاله في ( اللسان : حجا ) ونسب البيت لابن مقبل وقد شرحنا البيت وبينا الشاهد فيه ، عند قوله تعالى ( أو سلما في السماء ) في سورة الأنعام ( 7 : 184 ) من هذه الطبعة ، فراجعه ثمة .

وقال أبو عبيدة والسلم : السبب والمراقاة ، قال ابن مقبل : " لا تحرز المرء ...

البيت " قال : أنت تتخذني سلمًا لحاجتك : أي سببا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أم لهم سلم أي : أيدعون أن لهم مرتقى إلى السماء ومصعدا وسببا يستمعون فيه أي عليه الأخبار ويصلون به إلى علم الغيب ، كما يصل إليه محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي .فليأت مستمعهم بسلطان مبين أي بحجة بينة أن هذا الذي هم عليه حق .

[ ص: 70 ] والسلم واحد السلالم التي يرتقى عليها .

وربما سمي الغرز بذلك ; قال أبو الربيس الثعلبي يصف ناقته :مطارة قلب إن ثنى الرجل ربها بسلم غرز في مناخ يعاجلهوقال زهير :ومن هاب أسباب المنايا ينلنها وإن يرق أسباب السماء بسلموقال آخر :تجنيت لي ذنبا وما إن جنيته لتتخذي عذرا إلى الهجر سلماوقال ابن مقبل في الجمع :لا تحرز المرء أحجاء البلاد ولا يبنى له في السماوات السلاليمالأحجاء النواحي مثل الأرجاء واحدها حجا ورجا مقصور .

ويروى : أعناء البلاد ، والأعناء أيضا الجوانب والنواحي واحدها عنو بالكسر .

وقال ابن الأعرابي : واحدها عنا مقصور .

وجاءنا أعناء من الناس واحدهم عنو بالكسر ، وهم قوم من قبائل شتى .

يستمعون فيه أي عليه ; كقوله تعالى : في جذوع النخل أي عليها ; قاله الأخفش .

وقال أبو عبيدة : يستمعون به .

وقال الزجاج : أي : ألهم كجبريل الذي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ } أي: ألهم اطلاع على الغيب، واستماع له بين الملأ الأعلى، فيخبرون عن أمور لا يعلمها غيرهم؟{ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ } المدعي لذلك { بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } وأنى له ذلك؟والله تعالى عالم الغيب والشهادة، فلا يظهر على غيبه [أحدا] إلا من ارتضى من رسول يخبره بما أراد من علمه.وإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل وأعلمهم وإمامهم، وهو المخبر بما أخبر به، من توحيد الله، ووعده، ووعيده، وغير ذلك من أخباره الصادقة، والمكذبون هم أهل الجهل والضلال والغي والعناد، فأي المخبرين أحق بقبول خبره؟

خصوصا والرسول صلى الله عليه وسلم قد أقام من الأدلة والبراهين على ما أخبر به، ما يوجب أن يكون خبره عين اليقين وأكمل الصدق، وهم لم يقيموا على ما ادعوه شبهة، فضلا عن إقامة حجة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أم لهم سلم ) مرقى ومصعد إلى السماء ( يستمعون فيه ) أي يستمعون عليه الوحي ، كقوله : " ولأصلبنكم في جذوع النخل " ( طه - 71 ) أي : عليها ، معناه : ألهم سلم يرتقون به إلى السماء ، فيستمعون الوحي ويعلمون أن ما هم عليه حق بالوحي ، فهم مستمسكون به كذلك ؟

( فليأت مستمعهم ) إن ادعوا ذلك ( بسلطان مبين ) حجة بينة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أم لهم سلم» مرقى إلى السماء «يستمعون فيه» أي عليه كلام الملائكة حتى يمكنهم منازعة النبي بزعمهم إن ادعوا ذلك «فليأت مبين» بحجة مستمعهم مدعي الاستماع عليه «بسلطان مبين» بينة واضحة ولشبه هذا الزعم بزعمهم أن الملائكة بنات الله قال تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أم لهم مصعد إلى السماء يستمعون فيه الوحي بأن الذي هم عليه حق؟

فليأت مَن يزعم أنه استمع ذلك بحجة بينة تصدِّق دعواه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

كلا لا شىء لهم من ذلك إطلاقا ، وإنما هم وغيرهم فقراء إلى رزق الله - تعالى - لهم ( أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ .

.

.

) والسلم : هو ما يتصل به إلى الأمكنة العالية .أى : بل ألهم سلم يصعدون بواسطته إلى السماء ، ليستمعوا إلى وحينا وأمرنا ونهينا .

.

.إن كان أمرهم كذلك : ( فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ) أى : فليأت من استمع منهم إلى شىء من كلامنا أو وحينا بحجة واضحة تدل على صدقه فيما ادعاه .ومما لا شك فيه أنهم لا حجة لهم ، بل هم كاذبون إذا ما ادعوا ذلك ، لأن وحى الله - تعالى - خاص بأناس معينين ، ليسوا منهم قطعا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وهو أيضاً تتميم للدليل، فإن من لا يكون خازناً ولا كاتباً قد يطلع على الأمر بالسماع من الخازن أو الكاتب، فقال أنتم لستم بخزنة ولا كتبة ولا اجتمعتم بهم، لأنهم ملائكة ولا صعود لكم إليهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: المقصود نفي الصعود، ولا يلزم من نفي السلم لهم نفي الصعود، فما الجواب عنه؟

نقول النفي أبلغ من نفي الصعود، وهو نفي الاستماع وآخر الآية شامل للكل، قال تعالى: ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بسلطان مُّبِينٍ ﴾ .

المسألة الثانية: السلم لا يستمع فيه، وإنما يستمع عليه، فما الجواب؟

نقول من وجهين: أحدهما: ما ذكره الزمخشري أن المراد ﴿ يَسْتَمِعُونَ ﴾ صاعدين فيه وثانيهما: ما ذكره الواحدي أن في بمعنى على، كما في قوله تعالى: ﴿ ولأصَلّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل  ﴾ أي جذوع النخل، وكلاهما ضعيف لما فيه من الإضمار والتغيير.

المسألة الثالثة: لم ترك ذكر مفعول ﴿ يَسْتَمِعُونَ ﴾ وماذا هو؟

نقول فيه وجوه: أحدها: المستمع هو الوحي، أي هل لهم سلم يستمعون فيه الوحي ثانيها: يستمعون ما يقولون من أنه شاعر، وأن لله شريكاً، وأن الحشر لا يكون ثالثها: ترك المفعول رأساً، كأنه يقول: هل لهم قوة الاستماع من السماء حتى يعلموا أنه ليس برسول، وكلامه ليس بمرسل.

المسألة الرابعة: قال: ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم ﴾ ولم يقل فليأتوا، كما قال تعالى: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ  ﴾ نقول طلب منهم ما يكون أهون على تقدير صدقهم، ليكون اجتماعهم عليه أدل على بطلان قولهم، فقال هناك ﴿ فَلْيَأْتُواْ ﴾ أي اجتمعوا عليه وتعاونوا، وأتوا بمثله، فإن ذلك عند الاجتماع أهون، وأما الارتقاء في السلم بالاجتماع (فإنه) متعذر لأنه لا يرتقي إلا واحد بعد واحد، ولا يحصل في الدرجة العليا إلا واحد فقال: ﴿ فَلْيَأْتِ ﴾ ذلك الواحد الذي كان أشد رقياً بما سمعه.

المسألة الخامسة: قوله: ﴿ بسلطان مُّبِينٍ ﴾ ما المراد به؟

نقول هو إشارة إلى لطيفة، وهي أنه لو طلب منهم ما سمعوه، وقيل لهم ﴿ فليأت مستمعهم ﴾ بما سمع لكان لواحد أن يقول: أنا سمعت كذا وكذا فيفتري كذباً، فقال لا بل الواجب أن يأتي بدليل يدل عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرئ: ﴿ يتربص به ريب المنون ﴾ ، على البناء للمفعول.

وريب المنون.

ما يقلق النفوس ويشخص بها من حوادث الدهر.

قال: أَمِنَ المَنُونِ وَرَيْبِهِ تتَوَجَّعُ وقيل: المنون الموت، وهو في الأصل فعول؛ من منه إذا قطعه؛ لأن الموت قطوع؛ ولذلك سميت شعوب قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء: زهير والنابغة ﴿ مّنَ المتربصين ﴾ أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي ﴿ أحلامهم ﴾ عقولهم وألبابهم.

ومنه قولهم: أحلام عاد.

والمعنى: أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في القول، وهو قولهم: كاهن وشاعر، مع قولهم مجنون.

وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهى ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ مجاوزون الحدّ في العناد مع ظهور الحق لهم.

فإن قلت: ما معنى كون الأحلام آمرة؟

قلت: هو مجاز لأدائها إلى ذلك، كقوله تعالى: ﴿ أصلواتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا ﴾ [هود: 87] وقرئ: ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ ﴿ تَقَوَّلَهُ ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ فلكفرهم وعنادهم يرمون بهذه المطاعن، مع علمهم ببطلان قولهم، وأنه ليس بمتقول لعجز العرب عنه، وما محمد إلا واحد من العرب.

وقرئ (بحديث مثله) على الإضافة، والضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه: أن مثل محمد في فصاحته ليس بمعوز في العرب، فإن قدر محمد على نظمه كان مثله قادراً عليه، فليأتوا بحديث ذلك المثل: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ ﴾ أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم ﴿ مِنْ غَيْرِ شَيْء ﴾ من غير مقدّر ﴿ أَمْ هُمُ ﴾ الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق ﴿ بل لا يوقنون ﴾ أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السموات والأرض؟

قالوا: الله، وهم شاكون فيما يقولون، لا يوقنون.

وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء ولا حساب؟

وقيل: أخلقوا من غير أب وأم؟

﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ ﴾ الرزق حتى يرزقوا النبوّة من شاؤا.

أو: أعندهم خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختياره حكمة ومصلحة؟

﴿ أَمْ هُمُ المسيطرون ﴾ الأرباب الغالبون، حتى يدبروا أمر الربوبية ويبنوا الأمور على إرادتهم ومشيئتهم؟

وقرئ ﴿ المصيطرون ﴾ بالصاد ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ﴾ منصوب إلى السماء يستمعون صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون؟

﴿ بسلطان مُّبِينٍ ﴾ بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم.

المغرم: أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه، أي: لزمهم مغرم ثقيل فدحهم فزهدهم ذلك في أتباعك؟

﴿ أَمْ عِندَهُمُ الغيب ﴾ أي اللوح المحفوظ ﴿ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ما فيه حتى يقولوا لا نبعث، وإن بعثنا لم نعذب ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً ﴾ وهو كيدهم في دار الندوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين ﴿ فالذين كَفَرُواْ ﴾ إشارة إليهم أو أريد بهم كل من كفر بالله ﴿ هُمُ المكيدون ﴾ هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم ويحيق بهم مكرهم.

وذلك أنهم قتلوا يوم بدر.

أو المغلوبون في الكيد، من كايدته فكدته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ خَزائِنُ رِزْقِهِ حَتّى يُرْزَقُوا النُّبُوَّةَ مَن شاؤُوا، أوْ خَزائِنُ عِلْمِهِ حَتّى يَخْتارُوا لَها مَنِ اخْتارَتْهُ حِكْمَتُهُ.

﴿ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ الغالِبُونَ عَلى الأشْياءِ يُدَبِّرُونَها كَيْفَ شاؤُوا.

وقَرَأ قُنْبُلٌ وحَفْصٌ بِخِلافٍ عَنْهُ وهِشامٌ بِالسِّينِ وحَمْزَةُ بِخِلافٍ عَنْ خَلّادٍ بَيْنَ الصّادِ والزّايِ، والباقُونَ بِالصّادِ خاصَّةً.

﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ ﴾ مُرْتَقًى إلى السَّماءِ.

﴿ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ صاعِدِينَ فِيهِ إلى كَلامِ المَلائِكَةِ وما يُوحِي إلَيْهِمْ مِن عِلْمِ الغَيْبِ حَتّى يَعْلَمُوا ما هو كائِنٌ.

﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُصَدِّقُ اسْتِماعَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ} منصوب يرتقون به إلى السماء {يَسْتَمِعُونَ فِيهِ} كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من تقدم هلاكه على هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونه كما يزعمون قال الزجاج يستمعون فيه أي عليه {فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بسلطان مُّبِينٍ} بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ ﴾ هو ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الأمْكِنَةِ العالِيَةِ فَيُرْجى بِهِ السَّلامَةَ ثُمَّ جُعِلَ اسْمًا لِكُلِّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ رَفِيعٍ كالسَّبَبِ أيْ أمْ لَهم سُلَّمٌ مَنصُوبٌ إلى السَّماءِ ﴿ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ أيْ صاعِدِينَ فِيهِ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ خاصٍّ مَحْذُوفٌ وقَعَ حالًا والظَّرْفِيَّةُ عَلى حَقِيقَتِها، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ - بِيَسْتَمِعُونَ - عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى الصُّعُودِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ أوْ مِنهُ إذْ حُرُوفُ الجَرِّ قَدْ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ ومَفْعُولُ يَسْتَمِعُونَ مَحْذُوفٌ أيْ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، قِيلَ: ولَوْ نَزَلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ جازَ ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَصْدُقُ اسْتِماعَهُ ﴿ أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ ﴾ تَسْفِيهٌ لَهم وتَرْكِيكٌ لِعُقُولِهِمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ مَن هَذا رَأْيُهُ لا يَكادُ يَعِدُ مِنَ العُقَلاءِ فَضْلًا عَنِ التَّرَقِّي إلى عالَمِ المَلَكُوتِ وسَماعِ كَلامِ ذِي العِزَّةِ والجَبَرُوتِ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِتَشْدِيدِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: فَذَكِّرْ يعني: فعظ بالقرآن فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ يعني: برحمة ربك.

ويقال: هو كقوله: ما أنت بحمد الله مجنون.

وقال أبو سهل: متعظ بالقرآن، ولست أنت والحمد الله بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ويقال: فذكر.

يعني: ذكرهم بما أعتدنا للمؤمنين المتقين، وبما أعتدنا للضالين الكافرين فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ يعني: لست تقول بقول الكهنة، ولا تنطق إلا بالوحي.

ثم قال: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ يعني: أيقولون هو شاعر يأتي من قبل نفسه، وهو قول الوليد بن المغيرة، وأبي جهل، وأصحابهما.

نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ يعني: أوجاع الموت، وحوادثه.

قال قتادة: رَيْبَ الْمَنُونِ الموت.

وقال مجاهد: رَيْبَ الْمَنُونِ حوادث الدهر.

وقال القتبي: حوادث الدهر، وأوجاعه، ومصائبه.

ويقال: إنهم كانوا يقولون: قد مات أبوه شاباً، وهم ينتظرون موته قُلْ تَرَبَّصُوا يعني: انتظروا هلاكي فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ وذكر في التفسير، أن الذين قالوا هكذا ماتوا كلهم قبل رسول الله  .

قوله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا يعني: أتأمرهم عقولهم، وتدلهم على التكذيب، والإيذاء بمحمد  .

أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ يعني: بل هم قوم عاتون في معصية الله تعالى.

أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ يعني: أيقولون أن محمداً  يقول من ذات نفسه.

واللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به الزجر والوعيد.

ثم قال: بَلْ لاَّ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون بالرَّسول، والكتاب، عناداً وحسداً منهم.

قوله عز وجل: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ يعني: إن قلتم إن محمداً  يقول: من ذات نفسه، فأتوا بمثل هذا القرآن كما جاء به إِنْ كانُوا صادِقِينَ في قولهم.

ثم قال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يعني: من غير رب.

كانوا هكذا خلقاً من غير شيء.

ومعناه: كيف لا يعتبرون بأن الله تعالى خلقهم، فيوحدونه، ويعبدونه.

ويقال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يعني: لغير شيء.

ومعناه: أخلقوا باطلاً لا يحاسبون، ولا يؤمرون، ولا ينهون.

ثم قال: أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ يعني: أهم خلقوا الخلق؟

أم الله تعالى؟

ومعناه: أن الله تعالى خلق الخلق، وهو الذي يبعثهم يوم القيامة.

ثم قال: أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعني: بل الله تعالى خلقهم بَلْ لاَّ يُوقِنُونَ بتوحيد الله الذي خلقهما، أنه واحد لا شريك له.

ثم قال أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ يعني: مفاتيح رزق ربك.

ويقال: مفاتيح ربك الرسالة، فيضعونها حيث شاؤوا، ولكن الله يختار من يشاء، كقولهم: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (5) [القمر: 25] .

ثم قال: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ يعني: أهم المسلطون عليهم، يحملونهم حيث شاؤوا على الناس، فيجبرونهم بما شاؤوا.

قرأ ابن كثير، وابن عامر، والكسائي، في إحدى الروايتين: المسيطرون بالسين.

والباقون: بالصاد.

وقرأ حمزة: المزيطرون بإشمام الزاء.

وقال الزجاج: تسيطر علينا، وتصيطر.

وأصله السين، وكل سين بعدها طاء، يجوز أن تقلب صاداً، مثل مسيطر، ويبسط.

ثم قالوا: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يعني: سبباً إلى السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ يعني: يرتقون عليه، فيستمعون القول من رب العالمين فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي: بحجة بينة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ بمنزلة قوله: أم عندهم الاستغناء في جميع الأمور؟

والمصيطر: القاهر، وبذلك فسر ابن عباس «١» الآية، والسُّلَّمُ: السبب الذي يُصْعَدُ به، كان ما كان من خشب، أو بناء، أو حبال، أو غير ذلك، والمعنى: ألهم سُلَّمٌ إِلى السماء يستمعون فيه، أي: عليه أو منه، وهذه حروف يَسُدُّ بعضُها مَسَدَّ بعض، والمعنى:

يستمعون الخبر بِصِحَّةِ ما يدعونه، فليأتوا بالحُجَّةِ المبينة في ذلك.

وقوله سبحانه: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ الآية، قال ابن عباس «٢» : يعني أَمْ عندهم اللوحُ المحفوظ، فَهُمْ يَكْتُبُونَ: ما فيه، ويخبرون به، ثم قال: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً: بك وبالشرع، ثم جزم الخبر بأنَّهم هُمُ الْمَكِيدُونَ أي: هم المغلوبون، فَسَمَّى غَلَبَتَهُمْ كيداً إذ كانت عقوبةُ الكَيْدِ، ثم قال سبحانه: أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ: يعصمهم ويمنعهم من الهلاك، قال الثعلبيُّ: قال الخليل: ما في سورة الطور كُلِّها من ذكر «أم» كُلُّه استفهام لهم، انتهى.

ثم نَزَّهَ تعالى نفسه: عَمَّا يُشْرِكُونَ به.

وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)

وقوله: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً أي: قطعةً يقولون لشدة معاندتهم هذا سَحابٌ مَرْكُومٌ:

بعضُه على بعض، وهذا جوابٌ لقولهم: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ [الشعراء: ١٨٧] وقولهم: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً [الإسراء: ٩٢] يقول: لو فعلنا هذا بهم لما/ آمنوا، ولقالوا: سحاب مركوم.

وقوله تعالى: فَذَرْهُمْ، وما جرى مَجْرَاهُ من الموادعة- منسوخ بآية السيف،

والجمهورُ أَنَّ يومهم الذي فيه يُصْعَقُونَ، هو يوم القيامة، وقيل: هو موتهم واحداً واحداً، ويحتمل أن يكون يوم بدر لأَنَّهُمْ عُذِّبُوا فيه، والصعق: التعذيب في الجملة، وإنْ كان الاستعمالُ قد كَثُرَ فيما يصيب الإنسانَ من الصَّيْحَةِ المُفْرِطَةِ ونحوه، ثُمَّ أخبر تعالى بِأَنَّ لهم دُونَ هذا اليوم، أي: قبله عَذاباً واخْتُلِفَ في تعيينه، فقال ابن عباس وغيره «١» : هو بدر ونحوه، وقال مجاهد «٢» : هو الجُوعُ الذي أصابهم، وقال البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وابن عباس أيضاً «٣» : هو عذاب القبر، وقال ابن زيد «٤» : هي مصائب الدنيا، إذْ هي لهم عذاب.

ت: ويحتمل أَنْ يكونَ المراد الجميع قال الفخر «٥» : إنْ قلنا إنَّ العذابَ هو بدر فالذين ظلموا هم أهل مَكَّةَ، وإنْ قلنا: العذابُ هو عذابُ القبر، فالذين ظلموا عامٌّ في كل ظالم، انتهى.

ثم قال تعالى لنبيِّهِ: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أي: بمرأى ومنظر، نرى ونَسْمَعُ ما تقول، وأَنَّك في حفظنا وحيطتنا كما تقول: فلان يرعاه المَلِكُ بعين، وهذه الآية ينبغي أَنْ يُقَرِّرَهَا كُلُّ مؤمن في نفسه فإنها تُفَسِّحُ مضايق الدنيا.

وقوله سبحانه: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قال أبو الأحوص «٦» : هو التسبيح المعروف، يقول في كل قيام: سبحان اللَّهِ وبحمدِهِ، وقال عطاء «٧» : المعنى حين تقومُ من كُلِّ مجلس.

ت: وفي تفسير أحمدَ بن نصر الداوديّ قال: وعن ابن المُسَيِّبِ قال: حَقٌّ على كل مسلم أنْ يقول حين يقومُ إِلى الصلاة: سبحان اللَّهِ وبحمده لقولِ اللَّه سبحانه لِنَبِيِّهِ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، انتهى، / وقال ابن زيد «٨» : هي صلاة النوافل، وقال

الضَّحَّاكُ «١» : هي الصلوات المفروضة، وَمَنْ قال هي النوافل جعلَ أدبار النجوم رَكْعَتَيِ الفجر، وعلى هذا القول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وقد رُوِيَ مرفوعاً، ومَنْ جعله التسبيحَ المعروفَ جعل قوله: حِينَ تَقُومُ مثالاً، أي: حين تقومُ وحينَ تَقْعُدُ، وفي كل تَصَرُّفِكَ، وحكى منذر عن الضَّحَّاكِ أَنَّ المعنى: حين تقومُ في الصلاة [بعد] تكبيرة الإحرام، فقل: «سُبْحَانَكَ اللهمّ، وبحمدك، وتبارك اسمك» «٢» الحديث.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ رَبٍّ خالِقٍ؟

والثّانِي: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ آباءٍ ولا أُمَّهاتٍ، فَهم كالجَمادِ لا يَعْقِلُونَ؟

والثّالِثُ: أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ كالسَّماواتِ والأرْضِ؟

أيْ: إنَّهم لَيْسُوا بِأشَدَّ خَلْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّها خُلِقَتْ مِن غَيْرِ شَيْءٍ وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ.

والرّابِعُ: أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ؟

فَتَكُونُ "مِن" بِمَعْنى اللّامِ.

والمَعْنى: ما خُلِقُوا عَبَثًا فَلا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ هُمُ الخالِقُونَ ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَأْتَمِرُونَ ولا يَنْتَهُونَ؟

لِأنَّ الخالِقَ لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى.

قَوْلُهُ: تَعالى ﴿ بَلْ لا يُوقِنُونَ ﴾ بِالحَقِّ، وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَطَرُ والرِّزْقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: عِلْمُ ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ، وقِيلَ: مِنَ الرِّزْقِ، فَهم مُعْرِضُونَ عَنْ رَبِّهِمْ لِاسْتِغْنائِهِمْ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "المُسَيْطِرُونَ" بِالسِّينِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُسَلَّطُونَ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "المُصَيْطِرُونَ": الأرْبابُ.

يُقالُ: تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ، أيِ: اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا، قالَ: ولَمْ يَأْتِ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ عَلى "مُفَيْعِلٍ" إلّا خَمْسَةُ أسْماءٍ: مُهَيْمِنٌ، ومُجَيْمِرٌ، ومُسَيْطِرٌ، ومُبَيْطَرٌ، ومُبَيْقَرٌ؛ فالمُهَيْمِنُ: اللَّهُ النّاظِرُ المُحْصِي الَّذِي لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ؛ ومُجَيْمِرٌ: جَبَلٌ؛ والمُسَيْطِرُ: المُسَلَّطُ؛ ومُبَيْطِرٌ: بَيْطارٌ؛ والمُبَيْقِرُ: الَّذِي يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، يُقالُ: بَيْقَرَ: إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ بِأنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا؟

قالَ الزَّجّاجُ: المُسَيْطِرُونَ: الأرْبابُ المُسَلَّطُونَ، يُقالُ: قَدْ تَسَيْطَرَ عَلَيْنا وتَصَيْطَرَ: بِالسِّينِ والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ، فَيَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ سَطَرَ وصَطَرَ، وسَطا عَلَيْنا وصَطا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْنى الكَلامِ: أمْ هُمُ الأرْبابُ فَيَفْعَلُونَ ما شاؤُوا ولا يَكُونُونَ تَحْتَ أمْرٍ ولا نَهْىٍ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ ﴾ أيْ: مَرْقى ومَصْعَدٌ إلى السَّماءِ ﴿ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ أيْ: عَلَيْهِ الوَحْيَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ  ﴾ فالمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ [الوَحْيَ] فَيَعْلَمُونَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ ﴾ إنِ ادَّعى ذَلِكَ ﴿ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ، بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ كَما أتى مُحَمَّدٌ بِحُجَّةٍ عَلى قَوْلِهِ.

﴿ أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ ﴾ هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ.

﴿ أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾ أيْ: هَلْ سَألْتَهم أجْرًا عَلى ما جِئْتَ بِهِ، فَأثْقَلَهم ذَلِكَ الَّذِي تَطْلُبُهُ مِنهم فَمَنَعَهم عَنِ الإسْلامِ؟

والمَغْرَمُ بِمَعْنى الغُرْمِ، وقَدْ شَرَحْناهُ في [بَراءَةٍ: ٩٨] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ ﴾ هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ ﴾ والمَعْنى: أعِنْدَهُمُ الغَيْبُ؟

وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، ﴿ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ النّاسَ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أعِنَدَهم عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا يَمُوتُ قَبْلَهم ﴿ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ أيْ، يَحْكُمُونَ فَيَقُولُونَ: سَنَقْهَرُكَ.

والكِتابُ: الحُكْمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : « "سَأقْضِي بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ"» أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ وإلى هَذا المَعْنى: ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ﴾ وهو ما كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ومَعْنى ﴿ هُمُ المَكِيدُونَ ﴾ هُمُ المَجْزِيُّونَ بِكَيْدِهِمْ، لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عادَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ وغَيْرِها.

﴿ أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ أيْ ألْهَمَ إلَهٌ يَرْزُقُهم ويَحْفَظُهم غَيْرُ اللَّهِ؟

والمَعْنى أنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، لِأنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَدْفَعُ.

ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ شِرْكِهِمْ بِباقِي الآيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ ﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ ﴾ ﴿ أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ﴾ ﴿ أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ ﴾ ﴿ أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ ﴾ ﴿ أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "أمْ عِنْدَهُمُ الِاسْتِغْناءُ عَنِ اللهِ في جَمِيعِ الأُمُورِ"؟

لِأنَّ المالَ والصِحَّةَ والقُوَّةَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ كُلُّها مِن خَزائِنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: يُرِيدُ بِالخَزائِنِ العِلْمَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذا تُؤَمِّلَ وبُسِطَ، قالَ الرُمّانِيُّ: خَزائِنُهُ تَعالى: مَقْدُوراتِهِ.

و: "المُصَيْطِرُ": المُسَلِّطُ القاهِرُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأصْلُهُ السِينُ، ولَكِنْ كَتَبَهُ بَعْضُ الناسِ وقَرَأهُ بِالصادِّ مُراعاةً لِلطّاءِ لِيَتَناسَبَ النُطْقُ، وحَكى أبُو عُبَيْدَةَ: "تَسَيْطَرْتَ عَلَيَّ" إذا اتَّخَذْتَنِي خَوَلًا.

و"السُلَّمُ": السَبَبُ الَّذِي يَصْعَدُ بِهِ، كانَ ما كانَ، مِن خَشَبٍ أو بِناءٍ أو حِبالٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: لا تُحْرِزُ المَرْءُ أحْجاءَ البِلادِ ولا تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ وحَكى الرُمّانِيُّ قالَ: لا يُقالُ "سُلَّمٌ" لِما بُنِي مِنَ الأدْراجِ وإنَّما السُلَّمُ المُشَبَّكُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، والمَعْنى: ألْهم سُلَّمٌ إلى السَماءِ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ؟

أيْ: عَلَيْهِ ومِنهُ، وهَذِهِ حُرُوفُ يَسُدُّ بَعْضُها مَسَدَّ بَعْضٍ، والمَعْنى: يَسْتَمِعُونَ الخَبَرَ بِصِحَّةِ ما يَدْعُونَ، فَلْيَأْتُوا بِالحُجَّةِ المُبَيِّنَةِ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ لَهُ البَناتُ ﴾ الآيَةُ...

مَعْناهُ: أمْ هم أهْلُ الفَضِيلَةِ عَلَيْنا فَيَلْزَمُ لِذَلِكَ انْتِحاؤُهم وتَكْبُرُهُمْ؟

ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ تَسْألُهم يا مُحَمَّدُ عَلى الإيمانِ بِاللهِ تَعالى وشَرْعِهِ أُجْرَةً يُثْقِلُهم غُرْمُها فَهم لِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الدُخُولَ فِيما يُوجِبُ غَرامَتَهُمْ؟

ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ عِنْدَهُمُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهم يُبَيِّنُونَ ذَلِكَ لِلنّاسِ سُنَنًا وشَرْعًا يَكْتُبُونَهُ، وذَلِكَ عِبادَةُ الأوثانِ وتَسْيِيبُ السَوائِبِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن شَرِّهِمْ؟

وقِيلَ: المَعْنى: فَهم يَعْلَمُونَ مَتى يَمُوتُ مُحَمَّدٌ الَّذِي يَتَرَبَّصُونَ بِهِ؟

و"يَكْتُبُونَ" بِمَعْنى يَحْكُمُونَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَعْنِي أمْ عِنْدَهُمُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ فَهم يَكْتُبُونَ ما فِيهِ ويُخْبِرُونَ؟

ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا بِكَ وبِالشَرْعِ؟

ثُمَّ جَزَمَ الخَبَرَ بِأنَّهم هُمُ المَكِيدُونَ، أيْ المَغْلُوبُونَ، فَسَمّى تَعالى غَلَبَتَهم كَيْدًا إذْ كانَتْ عُقُوبَةَ الكَيْدِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِنهم ويَدْفَعُ في صَدْرِ إهْلاكِهِمْ، ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأصْنامِ والأوثانِ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي وقَّفَهم تَعالى عَلَيْها حَصَرَتْ جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُوجِبُ الِانْتِخاءَ والتَكَبُّرَ والبُعْدَ مِنَ الِائْتِمارِ، فَوَقَّفَهم تَعالى عَلَيْها، أيْ لَيْسَتْ لَهُمْ، ولا بَقِيَ شَيْءٌ يُوجِبُ ذَلِكَ إلّا أنَّهم قَوْمٌ طاغُونَ، وهَذِهِ صِفَةٌ فِيها تَكَسُّبُهم وإيثارُهُمْ، فَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ عِقابُهم.

ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِأنَّهم عَلى الغايَةِ مِنَ العُتُوِّ والتَمَسُّكِ بِالأقْوالِ الباطِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا ﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَ في جُمْلَةِ ما اقْتَرَحَتْ "أنْ تُسْقِطَ السَماءَ عَلَيْنا كِسَفًا" وهي القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى "كِسْفٌ" كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: هي الَّتِي تَكُونُ بِقَدْرِ ما يَكْسِفُ ضَوْءَ الشَمْسِ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَوْ رَأوا كِسْفًا ساقِطًا حَسَبَ اقْتِراحِهِمْ لَبَلَغَ بِهِمُ العُتُوُّ والجَهْلُ والبُعْدُ عَنِ الحَقِّ أنْ يُغالِطُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم ويَقُولُوا: "سَحابٌ مَرْكُومٌ"، أيّ كَثِيفٍ قَدْ تَراكم بَعْضه فَوْقَ بَعْض، ولِهَذِهِ الآيَةِ نَظائِر في آياتٍ أخَّرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما نفى أن يكون لهم تصرف قوي أو ضعيف في مواهب الله تعالى على عباده أعقبه بنفي أن يكون لهم إطلاع على ما قدره الله لعباده إطلاعاً يخوّلهم إنكار أن يرسل الله بشراً أو يوحي إليه وذلك لإِبطال قولهم: ﴿ تقوله ﴾ [الطور: 33].

ومثل ذلك قولهم: ﴿ نتربص به ريب المنون ﴾ [الطور: 30] المقتضي أنهم واثقون بأنهم يشهدون هلاكه.

وحذف مفعول ﴿ يستمعون ﴾ ليعم كلاماً من شأنه أن يسمع من الأخبار المغيبة بالمستقبل وغيره الواقع وغيره.

وسلك في نفي علمهم بالغيب طريق التهكم بهم بإنكار أن يكون لهم سُلَّم يرتقون به إلى السماء ليستمعوا ما يجري في العالم العلوي من أمر تتلقاه الملائكة أو أهل الملأ الأعلى بعضهم مع بعض فيسترقوا بعض العلم مما هو محجوب عن الناس إذ من المعلوم أنه لا سُلّم يصل أهل الأرض بالسماء وهم يعلمون ذلك ويعلمه كل أحد.

وعُلم من اسم السُّلَّم أنه آلة الصعود، وعلم من ذكر السماوات في الآية قبلها أن المراد سلم يصعدون به إلى السماء، فلذلك وصف ب ﴿ يستمعون فيه ﴾ أي يرتقون به إلى السماء فيستمعون وهم فيه، أي في درجاته الكلامَ الذي يجري في السماء.

و ﴿ فيه ﴾ ظرف مستقر حال من ضمير ﴿ يستمعون ﴾ ، أي وهم كائنون فيه لا يفارقونه إذ لا يفرض أنهم ينزلون منه إلى ساحات السماء.

وإسناد الاستماع إلى ضمير جماعتهم على اعتبار أن المستمع سفير عنهم على عادة استعمال الكلام العربي من إسناد فعل بعض القبيلة إلى جميعها إذا لم تصده عن عمله في قولهم: قتلت بنو أسد حُجْراً، ألا ترى أنه قال بعد هذا ﴿ فليأت مستمعهم ﴾ ، أي من استمع منهم لأجلهم، أي أرسلوه للسمع.

ومثل هذا الإِسناد شائع في القرآن وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ﴾ وما بعده من الآيات في سورة البقرة (49).

و (في) للظرفية وهي ظرفية مجازية اشتهرت حتى ساوت الحقيقة لأن الراقي في السُّلَّم يكون كله عليه، فالسلم له كالظرف للمظروف، وإذ كان في الحقيقة استعلاء ثم شاع في الكلام فقالوا: صعد في السلم، ولم يقولوا: صعد على السلم ولذلك اعتبرت ظرفية حقيقية، أي حقيقة عرفية بخلاف الظرفية في قوله تعالى: ﴿ ولأصلبنكم في جذوع النخل ﴾ [طه: 71] لأنه لم يشتهر أن يقال: صلبه في جذع، بل يقال: صلبه على جذع، فلذلك كانت استعارة، فلا منافاة بين قول من زعم أن الظرفية مجازية وقول من زعمها حقيقة.

والفاء في ﴿ فليأت مستمعهم بسلطان مبين ﴾ لتفريع هذا الأمر التعجيزي على النفي المستفاد من استفهام الإِنكار.

فالمعنى: فما يأتي مستمع منهم بحجة تدل على صدق دعواهم.

فلام الأمر مستعمل في إرادة التعجيز بقرينة انتفاء أصل الاستماع بطريق استفهام الإنكار.

والسلطان: الحجة، أي حجة على صدقهم في نفي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو في كونه على وشك الهلاك.

والمراد بالسلطان ما يدل على إطلاعهم على الغيب من أمارات كأنْ يقولوا: آية صدقنا فيما ندعيه وسمعناه من حديث الملأ الأعلى، أننا سمعنا أنه يقع غداً حادثُ كذا وكذا مثلاً، مما لا قبل للناس بعلمه، فيقع كما قالوا ويتوسم منه صدقهم فيما عداه.

وهذا معنى وصف السلطان بالمبين، أي المظهر لصحة الدعوى.

وهذا تحدَ لهم بكذبهم فلذلك اكتفى بأن يأتي بعضهم بحجة دون تكليف جميعهم بذلك على نحو قوله: ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ [البقرة: 23] أي فليأت من يتعهد منهم بالاستماع بحجة.

وهذا بمنزلة التذييل للكلام على نحو ما تقدم في قوله: ﴿ قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين ﴾ [الطور: 31] وقوله: ﴿ فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ﴾ [الطور: 34] ﴿ أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ ا لبنون ﴾ .

لما جرى نفي أن تكون لهم مطالعة الغيب من الملأ الأعْلى إبطالاً لمقالاتهم في شؤون الربوبية أعقب ذلك بإبطال نسبتهم لله بنات استقصاء لإِبطال أوهامهم في المغيبات من العالم العلوي، فهذه الجملة معترض بين جملة ﴿ أم لهم سلم ﴾ [الطور: 38] وجملة ﴿ أم تسألهم أجراً ﴾ [الطور: 40]، ويقدر الاستفهام إنكاراً لأن يكون لله البنات.

ودليل الإِنكار في نفس الأمر استحالة الولد على الله تعالى ولكن لمَّا كانت عقول أكثر المخاطبين بهذا الرد غيرَ مستعدة لإِدراك دليل الاستحالة، وكان اعتقادهم البنات لله منكراً، تُصدِّيَ لدليل الإِبطال وسُلِك في إبطاله دليل إقناعي يتفطنون به إلى خطل رأيهم وهو قوله: ﴿ ولكم البنون ﴾ .

فجملة ﴿ ولكم البنون ﴾ في موضع الحال من ضمير الغائب، أي كيف يكون لله البنات في حال أن لكم بنين وهم يعلمون أن صنف الذكور أشرف من صنف الإِناث على الجملة كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذاً قسمة ضيزى ﴾ [النجم: 21، 22].

فهذا مبالغة في تشنيع قولهم فليس المراد أنهم لو نسَبوا لله البنين لكان قولهم مقبولاً لأنهم لم يقولوا ذلك فلا طائل تحت إبطاله.

وتغيير أسلوب الغيبة المتبع ابتداء من قوله: ﴿ أم يقولون شاعر ﴾ [الطور: 30] إلى أسلوب الخطاب التفات مكافحة لهم بالرد بجملة الحال.

وتقديم ﴿ لكم ﴾ على ﴿ البنون ﴾ لإِفادة الاختصاص، أي لكم البنون دونه فهم لهم بنون وبنات، وزعموا أن الله ليس له إلا البنات.

وأما تقديم المجرور على المبتدأ في قوله: ﴿ أم له البنات ﴾ فللاهتمام باسم الجلالة وقد أنهي الكلام بالفاصلة لأنه غرض مستقل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَفاتِيحُ الرَّحْمَةِ.

الثّانِي: خَزائِنُ الرِّزْقِ.

﴿ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُسَلَّطُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الأرْبابُ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو عُبَيْدٍ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ: أمْ هُمُ المُتَوَلُّونَ، وهَذا قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الرّابِعُ: أنَّهُمُ الحَفَظَةُ، مَأْخُوذٌ مِن تَسْطِيرِ الكِتابِ، الَّذِي يَحْفَظُ ما كُتِبَ فِيهِ فَصارَ المُسَيْطِرُ هُنا حافِظًا ما كَتَبَهُ اللَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ السُّلَّمَ المُرْتَقى إلى السَّماءِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ لا تُحْرِزُ المَرْءَ أحْجاءُ البِلادِ ولا يُبْنى لَهُ في السَّماواتِ السَّلالِيمُ الثّانِي: أنَّهُ السَّبَبُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى عَوالِي الأشْياءِ، قالَ الشّاعِرُ تَجَنَّيْتِ لِي ذَنْبًا وما إنْ جَنَيْتُهُ ∗∗∗ لِتَتَّخِذِي عُذْرًا إلى الهَجْرِ سُلَّمًا وَقَوْلُهُ ﴿ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَسْتَمِعُونَ مِنَ السَّماءِ ما يَقْضِيهِ اللَّهُ عَلى خَلْقِهِ.

الثّانِي: يَسْتَمِعُونَ مِنها ما يُنْزِلُ اللَّهُ عَلى رُسُلِهِ مِن وحْيِهِ.

﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلْيَأْتِ صاحِبُهم بِحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ.

الثّانِي: فَلْيَأْتِ بِقُوَّةٍ تَتَسَلَّطُ عَلى الأسْماعِ وتَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس أن قريشاً لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال قائل منهم: احبسوه في وثاق، وتربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم فأنزل الله في ذلك من قولهم ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ريب المنون ﴾ قال: الموت.

وأخرج ابن الأنباري في الوقت والابتداء عن ابن عباس قال: ريب: شك، إلا مكاناً واحداً في الطور ﴿ ريب المنون ﴾ يعني حوادث الأمور، قال الشاعر: تربص بها ريب المنون لعلها ** تطلق يوماً أو يموت حليلها وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ريب المنون ﴾ قال: حوادث الدهر، وفي قوله: ﴿ أم هم قوم طاغون ﴾ قال: بل هم قوم طاغون.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم تأمرهم أحلامهم ﴾ قال: العقول.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ قال: مثل القرآن، وفي قوله: ﴿ فليأت مستمعهم ﴾ قال: صاحبهم، وفي قوله: ﴿ أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون ﴾ يقول: أسألت هؤلاء القوم على الإِسلام أجراً فمنعهم من أن يسلموا الجعل، وفي قوله: ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ قال: القرآن.

وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن جبير بن مطعم رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿ أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ﴾ الآيات، كاد قلبي أن يطير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ قال: المسلطون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ قال: أم هم المنزلون والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ قال أبو عبيدة: السلم السبب والمَرْقَى (١) وقد مرَّ تفسير السُّلّم (٢) وقوله: ﴿ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ قال أبو عبيدة: معنى ﴿ فِيهِ ﴾ به وعليه (٣) وقال المبرد: (فيه) هاهنا بمنزلة (عليه) في الفائدة.

والأصل مختلف، فإذا قلت: عليه، فمعناه العلو والارتفاع، وإذا قلت: فيه، فمعناه أنه مكان حواه (٤) ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ  ﴾ وقد مر.

ومعنى الآية: ألهم سلم إلى السماء يستمعون عليه الوحي فقد وثقوا بما هم عليه وردوا ما سواه.

قال المفسرون: يقول: ألهم سبب إلى السماء يرتقون عليه فيستمعون الوحي فيدعون أنهم سمعوا من الله ما هم عليه وأنه حق ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ ﴾ إن دعوا ذلك ﴿ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾ بحجة واضحة.

وقال أبو إسحاق: المعنى ألهم كجبريل الذي يأتي النبي -  - بالوحي ويبين عن الله -عز وجل-.

(١) انظر: "اللسان" 2/ 190 (سلم).

(٢) عند تفسيره لآية (35) من سورة الأنعام.

وقد ذكر معنى الآية ولم يتطرق لمعنى السلم قال الزجاج: والسلم مشتق من السَّلامة وهو الشيء الذي يُسلمك إلى مصعدك.

وانظر: "معاني القرآن" 2/ 244.

(٣) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 233.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 66، "البحر المحيط" 8/ 152.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ المعنى أعندهم خزائن اله بحيث يستغنون عن عبادته؟

وقيل: أعندهم خزائن الله بحيث يعطون من شاؤوا ويمنعون من شاؤوا؟

ويخصون بالنبوّة من شاؤوا ﴿ أَمْ هُمُ المصيطرون ﴾ أي الأرباب الغالبون، وقيل: المسيطر المسلط القاهر ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ يعني أم لهم سلم يصعدون به إلى السماء، فيسمعون ما تقول الملائكة، بحث يعلمون صحة دعواهم.

ثم عجّزهم بقوله: ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي بحجة واضحة على دعواهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فكهين ﴾ مقصوراً: يزيد ﴿ وأتبعناهم ﴾ من باب الأفعال: أبو عمرو ﴿ وذريتهم ﴾ على التوحيد مرفوعاً ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

وقرأ أبو عمرو على الجمع فيهما منصوباً.

وقرأ ﴿ ذريتهم ﴾ ابن عامر وسهل ويعقوب على الجمع أيضاً ولكن برفع الأول.

الباقون: على التوحيد فيهما الأول مرفوعاً والثاني منصوباً ﴿ ألتناهم ﴾ بكسر اللام ثلاثياً.

ابن كثير ﴿ لؤلؤ ﴾ بتليين الهمزة الأولى: شجاع ويزيد وأبو بكر وحماد وحمزة في الوقف كما مر في الحج ﴿ أنه هو البر ﴾ بفتح الهمزة: أبو جعفر ونافع وعلي ﴿ أنا كنا ندعوه ﴾ ﴿ لأنه ﴾ ﴿ المسيطرون ﴾ بالسين: ابن كثير في رواية.

وابن عامر والآخرون: بالصاد.

وقرأ حمزة في رواية بإشمام الراء ﴿ يصعقون ﴾ مبنياً للمفعول: ابن عامر وعاصم ﴿ وإدبار النجوم ﴾ بالفتح: زيد عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ والطور ﴾ ه لا ﴿ مسطور ﴾ ه لا ﴿ منشور ﴾ ه لا ﴿ المعمور ﴾ ه لا ﴿ المرفوع ﴾ ه لا ﴿ المسجور ﴾ ه لا ﴿ لواقع ﴾ ه لا ﴿ من دافع ﴾ ه لا ﴿ موراً ﴾ ه لا ﴿ سيراً ﴾ ط ﴿ للمكذبين ﴾ ه لا ﴿ يلعبون ﴾ ه م ﴿ دعا ﴾ ط لأن التقدير يقال لهم هذه النار ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لا تبصرون ﴾ ه ﴿ تصبروا ﴾ ه لاختلاف الجملتين مع اتفاق المعنى ﴿ عليكم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ ونعيم ﴾ ه لا ﴿ آتاهم ربهم ﴾ ج لاحتمال العطف واتضاح وجه الحال أي وقد وقاهم ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه لا ﴿ مصفوفة ﴾ ج ﴿ عين ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ ه ﴿ رهين ﴾ ه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ ولا تأثيم ﴾ ه ﴿ مكنون ﴾ ه ﴿ يتساءلون ﴾ ه ﴿ مشفقين ﴾ ه ﴿ السموم ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ إنه ﴾ بالكسر ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ مجنون ﴾ ه لأن "أم" ابتداء استفهام وتوبيخ ﴿ المنون ﴾ ه ﴿ المتربصين ﴾ ه ط لما قلنا ﴿ طاغون ﴾ ه ج لاحتمال ابتداء الاستفهام والجواب بقوله بل ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ج للآية مع الفاء ﴿ صادقين ﴾ ه ط ﴿ الخالقون ﴾ ه ط ﴿ والأرض ﴾ ج لأن "بل" للإضراب مع العطف ﴿ لا يوقنون ﴾ ه ﴿ المسيطرون ﴾ ه ط ﴿ فيه ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع فاء التعقيب ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ البنون ﴾ ه ط ﴿ مثقلون ﴾ ه ﴿ يكتبون ﴾ ط ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ المكيدون ﴾ ه ط والضابط فيما تقدم أن كلما وصل "أم" فهو للجواب وما قطع فهو بمعنى ألف الاستفهام ﴿ غير الله ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ مركوم ﴾ ه ﴿ يصعقون ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ بدل ما تقدمه ﴿ ينصرون ﴾ ه ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ تقوم ﴾ ه لا ﴿ النجوم ﴾ ه.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بوقوع اليوم الموعود أقسم على ذلك بالطور وهو الجبل الذي مر ذكره مراراً في قصة موسى.

والكتاب المسطور التوراة ظاهراً لأنه هو المناسب للطور.

وقيل: اللوح المحفوظ.

وقيل: صحيفة الأعمال.

والرق الصحيفة أو الجلد الذي يكتب عليه.

والمنشور خلاف المطوي كقوله ﴿ ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً  ﴾ وقيل: هو القرآن ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب ﴿ والبيت المعمور ﴾ الكعبة أو الضراح في السماء السابعة سمي معموراً لكثرة زواره من الحجاج أو الملائكة ﴿ والسقف المرفوع ﴾ السماء ﴿ والبحر المسجور ﴾ المملوء أو الموقد من قوله ﴿ وإذا البحار سجرت  ﴾ وقد سبق في "المؤمن" في قوله ﴿ ثم في النار يسجرون  ﴾ عن جبير بن مطعم أتيت رسول الله  أكلمه في الأساري فألفيته في صلاة الفجر يقرأ سورة ﴿ والطور ﴾ فلما بلغ ﴿ إن عذاب ربك لواقع ﴾ أسلمت خوفاً من أن ينزل العذاب ﴿ يوم تمور ﴾ تضطرب وتجيء وتذهب وقد يقال: المور تحرك في تموج كحركة الزئبق ونحوه.

قلت: لأهل التأويل أن يقولوا: الطور القوة العقلية، وكتاب مسطور هي الجلايا القدسية والمعارف الإلهية الثابتة فيها كالحرف في الرق، والبيت المعمور بيت القلب، والسقف المرفوع الرأس، والبحر المسجور الدماغ المملوء من الخيالات والأوهام.

﴿ إن عذاب ربك ﴾ بالحرمان عن الإكرام لازدحام ظلم الآثام لواقع يوم القيامة الصغرى إذ تمور سماء الأرواح حين قطع العلائق وحيلولة العوائق موراً، وتسير جبال النفوس الحيوانية الأمارة التي أثقلت ظهر صاحبها لانتهاء سيرانها وانقضاء سلطانها سيراً.

والدع الدفع العنيف.

قال المفسرون: إن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ويدفعونهم إلى النار دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم.

والاستفهام في قوله ﴿ أفسحر ﴾ للتقريع والتهكم، والفاء مؤكد له أي كنتم تقولون للوحي إنه سحر فهذا أيضاً سحر ﴿ أم أنتم لا تبصرون ﴾ هذا المخبر عنه في الآخرة كما كنتم لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله {سواء علينا لا تصدقون الخبر عنه في الدنيا.

وقوله ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا ﴾ كقوله ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا  ﴾ ثم علل الاستواء بقوله ﴿ إنما تجزون ﴾ يعني أن الجزاء لا بد من حصوله فلا مزية للصبر على عدمه.

قوله ﴿ ووقاهم ﴾ معطوف على متعلق قوله ﴿ في جنات ﴾ أي استقروا في جنات ونعيم ووقاهم العذاب.

وجوز أن يعطف على ﴿ آتاهم ﴾ على أن "ما" مصدرية أي فاكهين بالإيتاء والوقاية ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم كلوا ﴿ واشربوا ﴾ أكلاً وشرباً ﴿ هنيئاً ﴾ أو طعاماً وشراباً هنيئاً لا تنغيص فيه.

وقد مر في أول "النساء".

وجوز جار الله أن يكون صفة في معنى المصدر القائم مقام الفعل أي هنأكم الأكل والشرب بسبب ما عملتم، أو الباء مزيدة أي هنأكم جزاء ما عملتم.

قوله ﴿ والذين آمنوا ﴾ ظاهره أنه مبتدأ خبره ﴿ ألحقنا ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ﴿ حور عين ﴾ أي قرناهم بحور عين والذين آمنوا من رفقائهم وجلسائهم وأتبعناهم ذرياتهم كي يجتمع لهم أنواع السرور بملاعبة الحور وبمؤانسة الإخوان المؤمنين وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم.

وقوله ﴿ بإيمان ﴾ أي بسبب إيمان عظيم رفيع المحل وهو إيمان الآباء.

﴿ ألحقنا ﴾ بدرجاتهم ﴿ ذريتهم ﴾ ويجوز أن يراد إيمان الذرية الداني المحل كما جاء في الحديث " إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقر بهم عينه ثم تلا هذه الآية" ﴿ وما ألتناهم ﴾ أي وما نقصنا من ثوابهم شيئاً بعطية الأبناء ولا بسبب غيرها ولكن وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا تفضلاً وإحساناً.

ثم بين أن الجزاء بمقدار العمل فقال ﴿ كل امرىء بما كسب رهين ﴾ أي مرهون.

قال جار الله: كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به كما يرهن الرجل عبده بدين عليه.

فإن عمل صالحاً فكها وخلصها وإلا أوبقها.

وقيل: هذا يعود إلى الكفار.

والرهين المرهون المأخوذ المحبس على أمر يؤدي عنه.

وقيل: بمعنى راهن وهو المقيم أي كل إنسان مقيم في جزاء ما يقدم.

﴿ وأمددناهم ﴾ وزدناهم وقتاً بعد وقت ﴿ يتنازعون ﴾ يتعاطون هم وقرناؤهم ﴿ لا لغو فيها ﴾ أي لا حديث باطل في أثناء شربها.

ونفى اللغو لانتفاء الغول الذي هو من تعاكسيه ﴿ ولا تأثيم ﴾ أي لا يفعلون ما ينسب صاحبه إلى الإثم لو فعله في دار التكليف، وإنما يتكلمون بالكلام الحسن المفيد وذلك أنهم حكماء علماء.

والغلمان الخدام المختصمون بهم، واللؤلؤ المكنون المستور في الصدف أو في الدرج وذلك أنه أصفى وأرطب وأثمن.

وقيل لقتادة: هذا هو الخادم فكيف المخدوم؟

فقال: قال رسول الله  "والذي نفس بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وعنه  " إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامه فيجيب ألف ببابه لبيك لبيك" ﴿ يتساءلون ﴾ يتحادثون ﴿ مشفقين ﴾ أرقاء القلوب من خشية الله وعذاب السموم عذاب النار لأنها تدخل المسام ومنه الريح السموم ﴿ من قبل ﴾ أي في الدنيا ﴿ فذكر ﴾ فأثبت على ما أنت عليه من التذكير والدعوة العامة ﴿ فما أنت بنعمة ربك ﴾ أي بسبب حمد الله وإنعامه عليك ﴿ بكاهن ﴾ كما يزعمون ﴿ ولا مجنون ﴾ فلعله كان لهم في رسول الله  أقوال، فبعضهم ينسبونه إلى الكهانة نظراً إلى إخباره عن المغيبات، وبعضهم يرمونه بالجنون حيث لا يسمعون منه ما يوافق هواهم ويطابق مغزاهم، وبعضهم يرون أن تأثير كلامه فيهم من باب التخييل لا الإعجاز كما قال ﴿ أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون ﴾ وهو ما يقلق النفوس ويزعجها من حوادث الدهر، وقيل: المنون الموت "فعول" من منه إذا قطعه لأن الموت قطوع ولذلك سمي شعوب.

وقد قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك الشعراء قبله.

والأحلام العقول وكانت قريش يدعون أنهم أهل النهي والأحلام.

وكون الأحلام أمرتهم مجاز لأدائها إلى تلك الأقوال الفاسدة، وفيه تقريع وتوبيخ إذ لو كان لهم عقل لميزوا بين الحق والباطل والمعجز وغيره ﴿ تقوَّله ﴾ اختلقه من تلقاء نفسه ﴿ بل لا يؤمنون ﴾ جحوداً وعناداً وقد صح عندهم إعجاز القرآن وإلا ﴿ فليأتوا بحديث مثله ﴾ .

ثم وبخهم على إنكار الصانع بقوله ﴿ أم خلقوا من غير شيء ﴾ من غير خالق ﴿ أم هم الخالقون ﴾ أنفسهم.

وقيل: أخلقوا من أجل لا شيء من جزاء وحساب.

والأول أقوى لقوله ﴿ أم خلقوا السموات والأرض ﴾ ثم احتج عليهم بالأنفس ثم بالآفاق ثم قال ﴿ بل لا يوقنون ﴾ وذلك أنه حكى عنهم ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ فتبين أنهم في هذا الاعتراف شاكون إذ لو عرفوه حق معرفته لم يثبتوا له نداً ولم يحسدوا من اختاره للرسالة كما وبخهم عليه بقوله ﴿ أم عندهم خزائن ربك ﴾ حتى يختاروا للنبوة من أرادوه ﴿ أم هم المسيطرون ﴾ المسلطون الغالبون حتى يدبروا أمر العالم على حسب مشيئتهم ﴿ أم لهم سلم يستمعون ﴾ الوحي صاعدين ﴿ فيه ﴾ إلى السماء عالمين بالمحق والمبطل ومن له العاقبة.

والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه ﴿ أم عندهم الغيب ﴾ المحفوظ في اللوح ﴿ فهم يكتبون ﴾ ما فيه من أحوال المبدأ والنبوة والمعاد فيحكمون بحسبها ﴿ أم يريدون كيداً ﴾ وهو كيدهم لرسول الله  في دار الندوة وفي غيرها ﴿ فالذين كفروا ﴾ اللام لهؤلاء أو للجنس فيشملهم ﴿ هم المكيدون ﴾ المغلوبون الذين يعود وبال الكيد عليهم فقتلوا ببدر وأظهر الله دين الإسلام.

ثم صرح بالمقصود الكلي فوبخهم على إشراكهم ونزه نفسه عن ذلك بقوله ﴿ سبحان الله ﴾ ثم أجاب عن بعض مقترحهم وهو قولهم ﴿ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ﴾ والمراد أنهم لفرط عنادهم لا يفيد معهم شيء من الدلائل فلو أسقطنا عليهم قطعة من السماء لقالوا هذا سحاب مركوم بعضه فوق بعض.

ومعنى يصعقون يموتون وذلك عند النفخة الأولى.

قوله ﴿ عذاباً دون ذلك ﴾ أي قبل يوم القيامة وهو القتل ببدر القحط سبع سنين وعذاب القبر ﴿ فأصبر لحكم ربك ﴾ بإمهالهم وتبليغ الرسالة ﴿ فإنك ﴾ محفوظ ﴿ بأعيننا ﴾ وهو مجاز عن الكلاءة التامة والجمع للتعظيم والمبالغة و ﴿ حين تقوم ﴾ أي من أي مكان قمت أو من منامك.

وإدبار النجوم بالكسر غروبها آخر الليل وهو بالحقيقة تلاشي نورها في ضوء الصبح، وبالفتح أعقابها.

والمعنى مثل ما قلنا.

وقيل: التسبيح التهجد.

ومن الليل صلاة العشاءين، وإدبار النجوم صلاة الفجر.

أمره بالإقبال على طاعته بعد الفراغ عن دعوة الأمة فليس له شأن إلا هذين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ ﴾ .

أي: بما أنعم عليك من النبوة والقرآن لست بكاهن ولا مجنون.

ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إنك لم تقابل نعمة ربك [بذلك،] عوفيت وعصمت عما ذكروا من الجنون، والسحر وغير ذلك، والله أعلم.

دلت هذه الآية على أنهم قالوا له: إنه كاهن، ومجنون، وكذا كانت عادة أولئك أنهم ينسبون الحجج عند عجزهم عن مقابلتها إلى السحر، والأنباء المتقدمة إلى الكهانة، وخلاف الرسل - عليهم السلام - لقادتهم وفراعنتهم إلى الجنون، والكلام المستملح والنظم الجيد إلى الشعر؛ تلبيسا للأمر على أتباعهم، هذه كانت عادتهم، مع العلم منهم أن رسول الله  ليس كذلك، ولا اختلف إلى أحد من الكهان ولا السحرة ولا كان القرآن على نظم الشعر؛ إذ عجزوا عن إتيان مثله، وهم عن الشعر غير عاجزين، لم لم عجزوا عن مقابلة ما آتاهم من الحجج قالوا: ﴿ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ ﴾ ، أي: عن قريب يرجعون إلى ديننا، وإلى ما نحن فيه، وكانوا يقولون للضعفاء أصحاب رسول الله  : إن محمداً يموت ويصير الأمر لنا؛ فترجعون إلينا؛ فقال  : ﴿ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ ﴾ ، أي: تربصوا ذلك؛ فإني متربص ذلك بكم؛ فكانوا جميعاً أو عامتهم - أعني: الذين قالوا لرسول الله  : إنه شاعر نتربص به ريب المنون - أهلكوا قبل وفاة رسول الله  - فحل بهم ما ظنوا برسول الله  ، والله أعلم.

قال القتبي: ريب المنون: حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه، والمنون: الدهر.

وقال أبو عوسجة: ريب المنون، أي: المنية، وريبها: ما تأتي به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع معنى حرف "أم" أي: ليست لهم عقول تأمرهم بذلك، أي: من يأمر بهذا فليس بعاقل.

والثاني: على تسفيه أحلامهم، أي: أي عقل يأمر بعبادة الأصنام، وينهى عن عبادة الله  ؟!

أي: لا عقل يأمر به.

وقوله: ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .

أي: طاغون في ذلك، والطغيان: هو المجاوزة عن الحد في العداوة.

وقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: يعلمون أنك لست بمتقول، ولكن ينسبونك إلى التقول، لتكذيبهم بآيات الله  ؛ وهو وما ذكر في آية أخرى: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ - بالتخفيف والتشديد - ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ يقول: إنهم لا يقولون: إنك كاذب فيما تقول، ولا ينسبونك إلى الكذب، ولكن إنما يكذبون الآيات، ويعتقدون كذبها؛ فعلى ذلك تقوله على علم منهم: أنك لم تتقول، ولكن اعتقدوا تكذيب الآيات والجحود لها، فيقولون: إنك تتقول من [عند نفسك]، قال: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ﴾ ، أي: لو كانوا صادقين بأن محمداً يتقول على الله، فليأتوا بمثل ما أتى به محمد.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ ﴾ وإن خرج مخرج الأمر في الظاهر، فهو في الحقيقة ليس بأمر؛ لأنه لا يحمل أن يأمرهم أن يأتوا بالكذب والافتراء، ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الإعجاز عن أن يأتوا بمثله.

والثاني: على التوبيخ والتوعيد على ما قالوا على رسول الله  من الافتراء والتقول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: أم خلقوا من غير أب، ولكن ليس فيما ذكروا كثير فائدة، لو خلقوا من غير أب، إلا أن يريدوا بذلك: حتى لم يعرفوا من خلقهم، وممن خلقوا، بل كانت لهم آباء عودوهم وأعلموهم بأن لهم خالقا، وأنهم مخلوقون، وليسوا بخالقين، أن كلام نحوه، فكيف يتكلمون بما هو سفه، وكيف يصرون عليه.

وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ أي: يعلمون أنهم لم يخلقوا لغير شيء، إذ [لو] خلقوا من تراب، ولغير معنى وحكمة، لكان خلقهم عبثاً باطلا، وهم يعلمون أنهم لم يخلقوا لعباً باطلا.

والثاني: يقال: لا يلخو إما أن يكون خلقوا من غير شيء، أو خلقوا من تراب وماء، فكيفما كان، فدل أن قدرته ذاتية لا مستفادة؛ فلا يحتمل أن يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ .

أي: ليسوا هم بخالقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ أي: يعلمون أنهم لم يخلقوهما.

وقوله: ﴿ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أن ما يقولون إما يقولون على الظن لا على اليقين.

والثاني: ﴿ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ﴾ أي: لا يصدقون، وذلك في قوة علم الله  بأنهم لا يؤمنون.

فإن كان التأويل هذا، ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ حيث أخبر عن الغيب.

وإن كان التأويل هو الأول، ففيه أن جميع ما يقولون، إنما يقولون على الظن والجهل، لا على اليقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ...

﴾ الآية؛ أي: ليس عندهم خزائن ربك، على ما ذكرنا في قوله  : ﴿ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ أي: لم يخلقوا؛ فعلى ذلك هذا: ليس عندهم خزائن ربك، ولا هم المصيطرون.

ثم الآية تحتمل وجوها أيضاً: تحتمل ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ ، أي: الذي منعهم عن اتباع رسول الله  هو المنعة التي عندهم، ليس ذلك عند رسول الله  ؛ فيكونون هم الذلك أحق بالرسالة، أي: ليسوا بأحق.

ويحتمل قوله  : ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ أي: علم الغيب، أطلعوا على ذلك فعلموا أن رسول الله  قد تقوَّلَ على الله  ؟!

أي: ليس لهم علم الغيب.

ويحتمل ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ ، أي: علم الغيب، ليس ذلك عند رسول الله  ، بل عند رسوله ما يخبره ربه - جل وعلا - ليس عندهم شيء من ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ ﴾ .

أي: ليس هم المسلطين على أرزاقهم، ولا أرزاق غيرهم.

وقال بعضهم: المسيطر: الرب  ، يقال: سيطر فلان، أي: صار ربا؛ وهو قول القتبي.

وقال الزجاج: المسطير: المسلط؛ يقال: سيطر، اي: تسلط.

وقال أبو بكر: المسيطر: الغالب القاهر، لكن الغلبة والقهر بالحجة عليهم، وهذا يخرج على المقابلة برسول الله  ما ذكر، ويحتمل على غير المقابلة والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أم لهم سبب وقوة؛ فيصعدون السماء؛ فيستمعون من أخبارها؛ فعلموا بذلك أن محمداً  تقول على الله  .

والثاني: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ﴾ ، أي: لهم حجة وبرهان يستمعون يه أن رسول الله  على ما ذكروا، فإن قالوا: نعم لنا ذلك، يقال لهم عند ذلك: ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: بحجة بينة، ليس لهم ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ...

﴾ الآية.

هذا ليس من نوع ما سبق ذكره؛ لأن ما تقدم من الآيات بينهم وبين رسول الله  على المقابلة، وهذا راجع إلى الله  في الظاهر على ما سبق منهم القول: إن الملائكة بنات الله، وهو ما قال: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ  ﴾ ، يذكر سفههم في نسبتهم البنات إلى الله - عز وجل - وهم يأنفون من نسبتهن إليهم، فيسكن بذلك صدر رسول الله  ، ويصبره على أذاهم، أي: إنهم يقولون فيَّ ما قالوا؛ فاصبر على ما يقولون فيك، والله أعلم.

ويحتمل أن خرج ما ذكرنا من المقابلة برسول الله  ، [و]معناه: أم لرسول الله البنات، ولكم البنون؛ فتتركون اتباعه لذلك؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ .

أي: لست تسألهم أجرا على اتباعك، فيمنعهم ذلك عن اتباعك، يذكر أن ليس لهم أسباب المنع، وهذه أسباب المنع، وإنما امتنعوا عن الاتباع تعنتا ومكابرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ، أي: عندهم علم الغيب؛ فيعلمون أن رسول الله  تقوله؛ بل ليس عندهم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ ﴾ .

أي: يريدون كيدا برسول الله  ، لكن هم المكيدون، أي: إليهم يرجع ذلك الكيد، والذي أرادوا برسول الله  .

ثم يحتمل ذلك الكيد الذي أخبر - عز وجل - أنه عليهم في الدنيا؛ على ما قاله أهل التأويل: إنهم قتلوا يوم بدر، ويحتمل ذلك في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: أم لهم إله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله  ؟

أي: أم لهم إله غير الله يمنعهم ن عذاب الله  ؟!

أي: ليس لهم.

ويحتمل: أم لهم إله غير الله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله  من التقول على الله  ، أو يطعلهم على ذلك؟

أي: ليس لهم إله يطلعهم على ذلك، ويدفع عنهم ما ينزل من السماء من العذاب، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ  مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ  ﴾ .

ثم نزه نفسه عما أشركوا معه من الأوثان في تسمية الألوهية واستحقاق العبادة، فقال: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أم لهم مِرْقَاة يرقون بها إلى السماء يستمعون فيها إلى وحي الله يوحيه أنهم على حق؟!

فليأت من استمع منهم إلى ذلك الوحي بحجة واضحة تصدقكم فيما تدّعونه من أنكم على حق.

<div class="verse-tafsir" id="91.rXneB"

مزيد من التفاسير لسورة الطور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله