الإسلام > القرآن > سور > سورة 53 النجم > الآية ٣ من سورة النجم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 105 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣ من سورة النجم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وما ينطق عن الهوى ) أي : ما يقول قولا عن هوى وغرض
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) يقول تعالى ذكره: وما ينطق محمد بهذا القرآن عن هواه ( إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ) يقول: ما هذا القرآن إلا وحي من الله يوحيه إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) : أي ما ينطق عن هواه .
قوله تعالى : وما ينطق عن الهوى .قوله تعالى : وما ينطق عن الهوى قال قتادة : وما ينطق بالقرآن عن هواه وقيل : عن الهوى أي بالهوى ; قاله أبو عبيدة ; كقوله تعالى : فاسأل به خبيرا أي فاسأل عنه .
النحاس : قول قتادة أولى ، وتكون " عن " على بابها ، أي ما يخرج نطقه عن رأيه ، إنما هو بوحي من الله عز وجل ; لأن بعده : إن هو إلا وحي يوحى .
{ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى } أي: ليس نطقه صادرا عن هوى نفسه
( وما ينطق عن الهوى ) أي : بالهوى يريد لا يتكلم بالباطل ، وذلك أنهم قالوا : إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يقول القرآن من تلقاء نفسه .
«وما ينطق» بما يأتيكم به «عن الهوى» هوى نفسه.
أقسم الله تعالى بالنجوم إذا غابت، ما حاد محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الهداية والحق، وما خرج عن الرشاد، بل هو في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد، وليس نطقه صادرًا عن هوى نفسه.
ما القرآن وما السنة إلا وحي من الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
و " الهوى " الميل مع شهوات النفس ، دون التقيد بما يقتضيه الحق ، أو العقل السليم .والمعنى : وحق النجم الذى ترونه بأعينكم - أيها المشركون - عند غربوه وأفوله ، وعند رجمنا به للشياطين .
.
.
إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسلناه إليكم - ( إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) ما ضل عن طريق الحق فى أقواله وأفعاله ، وما كان رأيه مجانبا للصواب فى أمر من الأمور ، وما ينطق بنطق صادر عن هوى نفسه ورأيه ، وإنما ينطق بما نوحيه إليه من قرآن كريم ، ومن قول حيكم ، ومن توجيه سديد .وقد أقسم - سبحانه - بالنجم عند غروبه ، للإشعار بأن هذا المخلوق العظيم مسخر لإرادة الله - تعالى - وقدرته فهو مع لمعانه وظهوره فى السماء لا يتأبى عن الغروب والأفول ، إذا ما أراد الله - تعالى - له ذلك ، ولا يصلح أن يكون إلها ، لأنه خاضع لإرادة خالقه .ولقد حكى - سبحانه - عن نبيه إبراهيم أنه حين ( جَنَّ عَلَيْهِ الليل رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين ) قال بعض العلماء : والوجه أن يكون قوله : ( إِذَا هوى ) بدل اشتمال من النجم ، لأن المراد من النجم أحواله الدالة على قدرة خالقه ومصرفه ، ومن أعظم أحواله حال هويّه وسقوطه ، ويكون " إذا " اسم زمان مجردا عن معنى الظرفية ، فى محل جر بحرف القسم .
.وقال - سبحانه - : ( صَاحِبُكُمْ ) للإشارة إلى ملازمته صلى الله عليه وسلم - لهم ، طوال أربعين سنة قبل البعثة ، وأنهم فى تلك المدة الطويلة لم يشاهدوا منه إلا الصدق ، والأمانة ، والعقل الراجح ، والقول السديد .
.
.
وأنهم لم يخف عليهم حاله بل كانوا مصاحبين له ، ومطلعين على سلوكه بينهم ، فقولهم بعد بعثته - صلى الله عليه وسلم - إنه ساحر أو مجنون .
.
.
هو نوع من كذبهم البين ، وجهلهم المطبق .
.
ثم قال تعالى: ﴿ ما ضل صاحبكم وما غوى ﴾ أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الضلال والغي، والذي قاله بعضهم عند محاولة الفرق: أن الضلال في مقابلة الهدى، والغي في مقابلة الرشد، قال تعالى: ﴿ وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغى يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ﴾ وقال تعالى: ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي ﴾ وتحقيق القول فيه أن الضلال أعم استعمالاً في الوضع، تقول ضل بعيري ورحلي، ولا تقول غوى، فالمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلا، والغواية أن لا يكون له طريق إلى المقصد مستقيم يدلك على هذا أنك تقول للمؤمن الذي ليس على طريق السداد إنه سفيه غير رشيد، ولا تقول إنه ضال، والضال كالكافر، والغاوي كالفاسق، فكأنه تعالى قال: ﴿ مَا ضَلَّ ﴾ أي ما كفر، ولا أقل من ذلك فما فسق، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿ فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ أو نقول الضلال كالعدم، والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة، وقوله: ﴿ صاحبكم ﴾ فيه وجهان الأول: سيدكم والآخر: مصاحبكم، يقال صاحب البيت ورب البيت، ويحتمل أن يكون المراد من قوله: ﴿ مَا ضَلَّ ﴾ أي ما جن، فإن المجنون ضال، وعلى هذا فهو كقوله تعالى: ﴿ ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ فيكون إشارة إلى أنه ما غوى، بل هو رشيد مرشد دال على الله بإرشاد آخر، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ وقال: ﴿ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ إشارة إلى قوله هاهنا ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى ﴾ فإن هذا خلق عظيم، ولنبين الترتيب فنقول: قال أولاً ﴿ مَا ضَلَّ ﴾ أي هو على الطريق ﴿ وَمَا غوى ﴾ أي طريقه الذي هو عليه مستقيم ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى ﴾ أي هو راكب متنه آخذ سمت المقصود، وذلك لأن من يسلك طريقاً ليصل إلى مقصده فربما يبقى بلا طريق، وربما يجد إليه طريقاً بعيداً فيه متاعب ومهالك، وربما يجد طريقاً واسعاً آمناً، ولكنه يميل يمنة ويسرة فيبعد عنه المقصد، ويتأخر عليه الوصول، فإذا سلك الجادة وركب متنها كان أسرع وصولاً، ويمكن أن يقال: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى ﴾ دليل على أنه ما ضل وما غوى، تقديره: كيف يضل أو يغوى وهو لا ينطق عن الهوى، وإنما يضل من يتبع الهوى، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ فإن قيل ما ذكرت من الترتيب الأول على صيغة الماضي في قوله: ﴿ مَا ضَلَّ ﴾ وصيغة المستقبل في قوله: ﴿ وَمَا يَنطِقُ ﴾ في غاية الحسن، أي ما ضل حين اعتزلكم وما تعبدون في صغره ﴿ وَمَا غوى ﴾ حين اختلى بنفسه ورأى منامه ما رأى وما ينطق عن الهوى الآن حيث أرسل إليكم وجعل رسولاً شاهداً عليكم، فلم يكن أولاً ضالاً ولا غاوياً، وصار الآن منقذاً من الضلالة ومرشداً وهادياً.
وأما على ما ذكرت أن تقديره كيف يضل وهو لا ينطق عن الهوى فلا توافقه الصيغة؟
نقول بلى، وبيانه أن الله تعالى يصون من يريد إرساله في صغره عن الكفر، والمعايب القبيحة كالسرقة والزنا واعتياد الكذب، فقال تعالى: ﴿ مَا ضَلَّ ﴾ في صغره، لأنه لا ينطق عن الهوى، وأحسن ما يقال في تفسير الهوى أنها المحبة، لكن من النفس يقال هويته بمعنى أحببته لكن الحروف التي في هوى تدل على الدنو والنزول والسقوط ومنه الهاوية، فالنفس إذا كانت دنيئة، وتركت المعالي وتعلقت بالسفاسف فقد هوت فاختص الهوى بالنفس الأمارة بالسوء، ولو قلت أهواه بقلبي لزال ما فيه من السفالة، لكن الاستعمال بعد استبعاد استعمال القرآن حيث لم يستعمل الهوى إلا في المواضع الذي يخالف المحبة، فإنها مستعملة في موضع المدح، والذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا ﴾ إلى قوله: ﴿ وَنَهَى النفس عَنِ الهوى ﴾ إشارة إلى علو مرتبة النفس.
<div class="verse-tafsir"
(النجم): الثريا، وهو اسم غالب لها.
قال: إذَا طَلَعَ النَّجْمُ عِشَاءَ ** إبْتَغَى الرَّاعِي كِسَاءَ أو جنس النجوم.
قال: فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ فِي مُسْتَحِيرَةٍ يريد النجوم ﴿ إِذَا هوى ﴾ إذا غرب أو انتثر يوم القيامة.
أو النجم الذي يرجم به إذا هوى: إذا انفض.
أو النجم من نجوم القرآن، وقد نزل منجماً في عشرين سنة، إذا هوى: إذا نزل.
أو النبات إذا هوى: إذا سقط على الأرض.
وعن عروة بن الزبير: أنّ عتبة بن أبي لهب وكانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى الشام، فقال: لآتينّ محمداً فلأوذينه؛ فأتاه فقال: يا محمد، وهو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم تفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وردّ عليه ابنته وطلقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك، وكان أبو طالب حاضراً، فوجم لها وقال: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة!
فرجع عتبة إلى أبيه، فأخبره، ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلاً، فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم: إن هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه: أغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة، فإني أخاف على ابني دعوة محمد، فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم؛ وأحدقوا بعتبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم، حتى ضرب عتبة فقتله.
وقال حسان: مَنْ يَرْجِعُ الْعَامَ إِلى أَهْلِهِ ** فَمَا أَكِيلُ السَّبْعِ بِالرَّاجِعِ ﴿ مَا ضَلَّ صاحبكم ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم: والخطاب لقريش، وهو جواب القسم، والضلال: نقيض الهدى، والغيّ نقيض الرشد، أي: هو مهتد راشد وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغي، وما أتاكم به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه، وإنما هو وحي من عند الله يوحى إليه.
ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء، ويجاب بأنّ الله تعالى إذا سوّغ لهم الاجتهاد، كان الاجتهاد وما يستند إليه كله وحياً لا نطقاً عن الهوى ﴿ شَدِيدُ القوى ﴾ ملك شديد قواه، والإضافة غير حقيقية، لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، وهو جبريل عليه السلام، ومن قوّته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود، وحملها على جناحه، ورفعها إلى السماء ثم قلبها، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في أوحى من رجعة الطرف، ورأى إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب الأرض المقدّسة، فنفحه بجناحه نفحة فألقاه في أقصى جبل بالهند ﴿ ذُو مِرَّةٍ ﴾ ذو حصافة في عقله ورأيه ومتانة في دينه ﴿ فاستوى ﴾ فاستقام على صورة نفسه الحقيقة دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي؛ وكان ينزل في صورة دحية، وذلك: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها، فاستوى له في الأفق الأعلى وهو أفق الشمس فملأ الأفق.
وقيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد صلى الله عليه وسلم مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء ﴿ ثُمَّ دَنَا ﴾ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فتدلى ﴾ فتعلق عليه في الهواء.
ومنه: تدلت الثمرة، ودلى رجليه من السرير.
والدوالي: الثمر المعلق.
قال: تَدَلَّى عَلَيْهَا بَيْنَ سِبٍّ وَخِيطَةٍ ويقال: هو مثل القرليّ: إن رأى خيراً تدلى، وإن لم يره تولى ﴿ قَابَ قَوْسَيْنِ ﴾ مقدار قوسين عربيتين: والقاب والقيب؛ والقاد والقيد، والقيس: المقدار.
وقرأ زيد بن علي: قاد.
وقرئ: ﴿ قيد ﴾ وقدر.
وقد جاء التقدير بالقوس والرمح، والسوط، والذراع، والباع، والخطوة، والشبر، والفتر، والأصبع.
ومنه: «لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين» وفي الحديث: «لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قدّه خير من الدنيا وما فيها» والقدّ: السوط.
ويقال: بينهما خطوات يسيرة.
وقال: وَقَدْ جَعَلَتْنِي مِنْ حَزِيمَةَ أَصْبُعَا فإن قلت: كيف تقدير قوله: ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ ﴾ ؟
قلت: تقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في قوله: وقد جعلتني من حزيمة أصبعا أي: ذا مقدار مسافة أصبع ﴿ أَوْ أدنى ﴾ أي على تقديركم، كقوله تعالى: ﴿ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ [الصافات: 147] .
﴿ إلى عَبْدِهِ ﴾ إلى عبد الله، وإن لم يجر لاسمه عزّ وجل ذكر، لأنه لا يلبس؛ كقوله: ﴿ على ظَهْرِهَا ﴾ [فاطر: 45] .
﴿ مَا أوحى ﴾ تفخيم للوحي الذي أوحي إليه: قيل أوحي إليه «إنّ الجنة محرّمة على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك» ﴿ مَا كَذَبَ ﴾ فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام، أي: ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذباً، لأنه عرفه، يعني: أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه، ولم يشك في أنّ ما رآه حق وقرئ: ﴿ ما كذب ﴾ أي صدّقه ولم يشك أنه جبريل عليه السلام بصورته ﴿ أفتمارونه ﴾ من المراء وهو الملاحاة والمجادلة واشتقاقه من مرى الناقة، كأن كل واحد من المتجادلين يمرى ما عند صاحبه.
وقرئ: ﴿ أفتمرونه ﴾ أفتغلبونه في المراء، من ماريته فمريته، ولما فيه من معنى الغلبة عدّى بعلى، كما تقول: غلبته على كذا: وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه.
وأنشدوا: لَئِنْ هَجَوْتَ أَخَاً صِدْقٍ وَمَكْرُمَةٍ ** لَقَدْ مَرَيْتَ أخاً مَا كَانَ يَمْرِيكاً وقالوا: يقال مريته حقه إذا جحدته، وتعديته بعلى لا تصح إلا على مذهب التضمين ﴿ نَزْلَةً أخرى ﴾ مرة أخرى من النزول، نصبت النزلة نصب الظرف الذي هو مرة، لأنّ الفعلة اسم للمرّة من الفعل، فكانت في حكمها، أي: نزل عليه جبريل عليه السلام نزلة أخرى في صورة نفسه، فرآه عليها، وذلك ليلة المعراج عند سدرة المنتهى.
قيل: في سدرة المنتهى: هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش: ثمرها كقلال هجر، وورقها كآذان الفيول، تنبع من أصلها الأنهار التي ذكرها الله في كتابه، يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها.
والمنتهى: بمعنى موضع الانتهاء، أو الانتهاء، كأنها في منتهى الجنة وآخرها.
وقيل: لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم، ولا يعلم أحد ما وراءها.
وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء ﴿ جَنَّةُ المأوى ﴾ الجنة التي يصير إليها المتقون: عن الحسن.
وقيل: تأوى إليها أرواح الشهداء.
وقرأ علي وابن الزبير وجماعة ﴿ جنة المأوى ﴾ أي سترة بظلاله ودخل فيه.
وعن عائشة: أنها أنكرته وقالت: من قرأ به فأجنه الله ﴿ مَا يغشى ﴾ تعظيم وتكثير لما يغشاها، فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله: أشياء لا يكتنهها النعت ولا يحيط بها الوصف.
وقد قيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله عندها.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله» .
وعنه عليه الصلاة والسلام: «يغشاها رفرف من طير خضر» .
وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش من ذهب ﴿ ما زاغ ﴾ بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وما طغى ﴾ أي أثبت ما رآه اثباتا مستقيماً صحيحاً، من غير أن يزيغ بصره عنه أو يتجاوزه، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها، وما طغى: وما جاوز ما أمر برؤيته ﴿ لَقَدْ رأى ﴾ والله لقد رأى ﴿ مِنْ ءايات رَبِّهِ ﴾ الآيات التي هي كبراها وعظماها، يعني: حين رقى به إلى السماء فأري عجائب الملكوت.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ والنَّجْمِ مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى أوِ اثْنَتانِ وسِتُّونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والنَّجْمِ إذا هَوى ﴾ أقْسَمَ بِجِنْسِ النُّجُومِ أوِ الثُّرَيّا فَإنَّهُ غُلِبَ فِيها إذا غَرُبَ أوِ انْتَثَرَ يَوْمَ القِيامَةِ أوِ انْقَضَّ أوْ طَلَعَ فَإنَّهُ يُقالُ.
هَوى هَوِيًّا بِالفَتْحِ إذا سَقَطَ وغَرُبَ، وهُوِيًّا بِالضَّمِّ إذا عَلا وصَعِدَ، أوْ بِالنَّجْمِ مِن نُجُومِ القُرْآنِ إذا نَزَلَ أوِ النَّباتِ إذا سَقَطَ عَلى الأرْضِ، أوْ إذا نَما وارْتَفَعَ عَلى قَوْلِهِ.
﴿ ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ ﴾ ما عَدَلَ مُحَمَّدٌ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والخِطابُ لِقُرَيْشٍ.
﴿ وَما غَوى ﴾ وما اعْتَقَدَ باطِلًا والخِطابُ لِقُرَيْشٍ، والمُرادُ نَفْيُ ما يَنْسُبُونَ إلَيْهِ.
﴿ وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ﴾ وما يَصْدُرُ نُطْقُهُ بِالقُرْآنِ عَنِ الهَوى.
﴿ إنْ هُوَ ﴾ ما القُرْآنُ أوِ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ.
﴿ إلا وحْيٌ يُوحى ﴾ أيْ إلّا وحْيٌ يُوحِيهِ اللَّهُ إلَيْهِ، واحْتَجَّ بِهِ مَن لَمْ يَرَ الِاجْتِهادَ لَهُ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ بِأنْ يَجْتَهِدَ كانَ اجْتِهادُهُ وما يَسْتَنِدُ إلَيْهِ وحْيًا، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ ذَلِكَ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِالوَحْيِ لا الوَحْيَ.
<div class="verse-tafsir"
وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)
{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى} وما أتاكم به من القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه انا هو وحي من عند الله يوحى إليه ويحتج بهذه الآية القرآن ليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه إنما هو وحي من عند الله يوحى إليه ويحتج بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام ويجاب بأن الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد وقررهم
عليه كان كالوحي لا نطقاً عن الهوى
﴿ وما يَنْطِقُ ﴾ أيِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ صاحِبُكُمْ ﴾ والنُّطْقُ مُضَمَّنُ مَعْنى الصُّدُورِ فَلِذا عُدِّيَ بِعْنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَنِ الهَوى ﴾ وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ ولَيْسَ بِذاكَ أيْ ما يَصْدُرُ نُطْقُهُ فِيما آتاكم بِهِ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كالقُرْآنِ، أوْ مِنَ القُرْآنِ عَنْ هَوى نَفْسِهِ ورَأْيِهِ أصْلًا فَإنَّ المُرادَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ كَما مَرَّ مِرارًا في نَظائِرِهِ <div class="verse-tafsir"
وهي ستون وآيتان مكية قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى قال ابن عباس : أقسم الله تعالى بالقرآن، إذا نزل نجوماً على رسول الله وقتاً بعد وقت.
الآية، والآيتان، والسورة، والسورتان، وكان بين أوله وآخره إحدى وعشرون سنة.
قال مجاهد: أقسم الله بالثريا إذا غابت، وسقطت.
والعرب تسمي الثريا: نجماً.
ويقال: أقسم بالكواكب المضيئة.
ويقال: أقسم بجميع الكواكب.
مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ وذلك أن قريشاً قالوا له: قد تركت دين آباءك، وخرجت من الطريق وتقول شيئاً من ذات نفسك فنزل: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى مَا ضَلَّ صاحِبُكُمْ يعني: ما ترك دين أبيه إبراهيم وَما غَوى يعني: لم يضل قوماً.
والغاوي والضال واحد.
يقال: الضلال: قبل البيان.
والفساد بعد البيان.
قرأ حمزة والكسائي: إِذا هَوى وَما غَوى كله بالإمالة في جميع السورة.
وقرأ نافع وأبو عمرو: بين الإمالة، والفتح في جميع السورة.
والباقون: بالتخفيف.
وكل ذلك جائز في اللغة.
ثم قال: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى يعني: ما ينطق بهذا القرآن بهوى نفسه، والعرب تجعل عن مكان الباء.
تقول: رميت عن القوس، أي: بالقوس وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى أي: بالهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى يعني: ما هذا القرآن إلا وحي يوحى إليه عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى يعني: أتاه جبريل ، وعلمه، وهو شَدِيدُ الْقُوى وأصله في اللغة، من قوى الجبل، وهو طاقاته، والواحد قوة.
ويقال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى يعني: الله تعالى يعلمه بالوحي وهو ذو القوة المتين.
قوله عز وجل: ذُو مِرَّةٍ يعني: ذي قوة.
وأصل المرة: القتل، فيعبر به عن القوة.
ومنه الحديث: لا تحلّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيَ وَلا لِذِي مَرَّةٍ سَوِيٍ.
ثم قال عز وجل: فَاسْتَوى يعني: جبريل .
ويقال: فَاسْتَوى يعني: محمدا وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى يعني: من قبل مطلع الشمس جبريل، فرآه على صورته، وله جناحان، أحدهما بالمشرق، والآخر بالمغرب.
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى إلى النبيّ فكل ما دنا منه، انتقص حتى إذا قرب منه مقدار قوسين، رآه كما في سائر الأوقات، حتى لا يشك جبريل فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ يعني: في القرب مقدار قوسين.
وقال بعضهم: ليلة المعراج، دنا من العرش مقدار قوسين، وإنما ذكر القوسين لأن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب تجعل مساحة الأشياء بالقوس.
ويقال: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ يعني: قدر ذراعين، وإنما سمي الذراع قوساً، لأنه تقاس به الأشياء.
أَوْ أَدْنى يعني: بل أدنى.
ويقال: أو بمعنى واو العطف.
يعني: مقدار قوسين أو أقرب من ذلك.
<div class="verse-tafsir"
- ص-: إِذا هَوى أبو البقاء: العامل في الظرف فِعْلُ الَقَسَمِ المحذوفِ، أي:
أقسم بالنجم وَقْتَ هَوِيِّهِ، وجوابُ القَسَمِ: مَا ضَلَّ، انتهى، قال الفخر «١» : أكثر المفسرين لم يُفَرِّقُوا بين الغَيِّ والضلال، وبينهما فرق فالغيُّ: في مقابلة الرُّشْدِ، والضلال أَعَمُّ منه، انتهى.
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى: يريد محمّدا صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه لا يتكلم عن هواه، أي:
بهواه وشهوته، وقال بعض العلماء: وما ينطقُ القرآنَ المُنَزَّلَ عن هوى.
ت: وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية كما ترى.
وقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى يراد به القرآن بإجماع.
ت: وليس هذا الإِجماع بصحيح، ولفظُ الثعلبيِّ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ أي: ما نُطْقُهُ في الدِّينِ إلاَّ بوحي، انتهى، وهو أحسن إِنْ شاء اللَّه، قال الفخر «٢» : الوحي اسم، ومعناه: الكتاب، أو مصدر وله معانٍ: منها الإرسال، والإِلهام، والكتابة، والكلام، والإِشارة، فإنْ قلنا: هو ضمير القرآن فالوحي اسم معناه الكتاب، ويحتمل أنْ يُقَالَ:
مصدر، أي: ما القرآن إلاَّ إرْسَالٌ، أي: مُرْسَلٌ، وَإِنْ قلنا: المراد من قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ قولُ محمد وكلامُه فالوحي حينئذ هو الإلهام، أي: كلامه مُلْهَمٌ من اللَّه أو مرسل، انتهى، والضمير في عَلَّمَهُ لنبِيِّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والمعلّم هو جبريل ع قاله ابن عباس وغيره «٣» ، أي: عَلَّم محمداً القرآن، وذُو مِرَّةٍ معناه: ذو قُوَّة قاله قتادة وغيره «٤» ومنه قوله ع: «لاَ تَحِلَّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلا لِذِي مِرَّةٍ سَوِىّ» «٥» .
وَأصْلُ المِرَّةِ مِنْ مَرَائِرِ الْحَبْلِ، وهي فتله وإحكام عمله.
سُورَةُ النَّجْمِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ إلّا أنَّهُ قَدْ حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها، وهي ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ ﴾ ، وكَذَلِكَ قالَ مُقاتِلٌ؛ [قالَ]: وهَذِهِ أوَّلُ سُورَةٍ أعْلَنَها رَسُولُ اللَّهِ بِمَكَّةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَّجْمِ إذا هَوى ﴾ هَذا قَسَمٌ.
وفي المُرادِ بِالنَّجْمِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الثُّرَيّا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والعَرَبُ تُسَمِّي الثُّرَيّا - وهي سِتَّةُ أنْجُمٍ- نَجْمًا.
وقالَ غَيْرُهُ: هي سَبْعَةٌ، فَسِتَّةٌ ظاهِرَةٌ، وواحِدٌ خَفِيٌّ يَمْتَحِنُ بِهِ النّاسُ أبْصارَهم.
والثّانِي: الرُّجُومُ مِنَ النُّجُومِ، يَعْنِي ما يُرْمى بِهِ الشَّياطِينُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ القُرْآنُ نَزَلَ نُجُومًا مُتَفَرِّقَةً، قالَهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والأعْمَشُ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ يَنْزِلُ نُجُومًا ثَلاثَ آياتٍ وأرْبَعَ آياتٍ ونَحْوَ ذَلِكَ.
والرّابِعُ: نُجُومُ السَّماءِ كُلُّها، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.
والخامِسُ: أنَّها الزُّهْرَةُ: قالَهُ السُّدِّيُّ.
فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: النَّجْمُ: الثُّرَيّا، يَكُونُ "هَوى" بِمَعْنى "غابَ"؛ ومَن قالَ: هو الرُّجُومُ، يَكُونُ هُوِيُّها في رَمْيِ الشَّياطِينِ، ومَن قالَ: القُرْآنُ.
يَكُونُ مَعْنى "هَوى": نَزَلَ، ومَن قالَ: نُجُومُ السَّماءِ كُلُّها، فَفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ هُوِيَّها أنْ تَغِيبَ.
والثّانِي: أنْ تَنْتَثِرَ يَوْمَ القِيامَةِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ هَذِهِ السُّورَةَ كُلَّها بِفَتْحِ أواخِرِ آياتِها.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالإمالَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ ﴾ هَذا جَوابُ القَسَمِ؛ والمَعْنى: ما ضَلَّ عَنْ طَرِيقِ الهُدى، والمُرادُ بِهِ: رَسُولُ اللَّهِ .
﴿ وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ﴾ أيْ: ما يَتَكَلَّمُ بِالباطِلِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "عَنْ" بِمَعْنى الباءِ.
وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّهُ يَقُولُ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
﴿ إنْ هُوَ ﴾ أيْ: ما القُرْآنُ ﴿ إلا وحْيٌ ﴾ مِنَ اللَّهِ ﴿ يُوحى ﴾ وهَذا مِمّا يَحْتَجُّ بِهِ مَن لا يُجِيزُ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ، ولَيْسَ كَما ظَنُّوا، لِأنَّ اجْتِهادَ الرَّأْيِ إذا صَدَرَ عَنِ الوَحْيِ، جازَ أنْ يُنْسَبَ إلى الوَحْيِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَجْمِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وهي أوَّلُ سُورَةٍ أعْلَنَ بِها رَسُولُ اللهِ ، وجَهَرَ بِقِراءَتِها في الحَرَمِ والمُشْرِكُونَ يَسْتَمِعُونَ، وفِيها سَجَدَ وسَجَدَ مَعَهُ المُؤْمِنُونَ والمُشْرِكُونَ والجِنُّ والإنْسُ غَيْرُ أبِي لَهَبٍ فَإنَّهُ رَفَعَ حِفْنَةً مِن تُرابٍ إلى جَبْهَتِهِ وقالَ: يَكْفِينِي هَذا، وسَبَبُ هَذِهِ السُورَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يَتَقَوَّلُ القُرْآنَ ويَخْتَلِقُ أقْوالَهُ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والنَجْمِ إذا هَوى ﴾ ﴿ ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى ﴾ ﴿ وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ﴾ ﴿ إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى ﴾ ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى ﴾ ﴿ ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى ﴾ ﴿ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى ﴾ ﴿ ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى ﴾ ﴿ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أو أدْنى ﴾ ﴿ فَأوحى إلى عَبْدِهِ ما أوحى ﴾ ﴿ ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى ﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهَذا المَخْلُوقِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَنْبِيهًا مِنهُ لِيَكُونَ مُعْتَبِرًا فِيهِ، حَتّى تُؤَوَّلَ العِبْرَةُ فِيهِ إلى مَعْرِفَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقالَ الزَهْراوِيُّ: المَعْنى: ورَبُّ النَجْمِ، وفي هَذا قَلِقَ مَعَ لَفْظِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في تَعْيِينِ النَجْمِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والفَرّاءُ، وبَيَّنَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هو الجُمْلَةُ مِنَ القُرْآنِ إذا تَنَزَّلَتْ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ نُجُومًا، أيْ: أقْدارًا مُقَدَّرَةً في أوقاتٍ ما، ويَجِيءُ "هَوى" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْنى نَزَلَ، وفي هَذا الهَوى بَعْدُ وتَحامَلَ عَلى اللُغَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ ﴾ ، والخِلافُ في هَذا كالخِلافِ في تِلْكَ، وقالَ الحَسَنُ، ومَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى، وغَيْرُهُما: النَجْمُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أرادُوا النُجُومَ إذا هَوَتْ، واخْتَلَفَ قائِلُوا هَذِهِ المَقالَةِ في مَعْنى "هَوى"، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَوى لِلْغُرُوبِ، وهَذا هو السابِقُ إلى الفَهْمِ مِن كَلامِ العَرَبِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: هَوى عِنْدَ الِانْكِدارِ في القِيامَةِ، فَهي بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: هَوى في الِانْقِضاضِ في أثَرِ العِفْرِيَة، وهي رُجُوم الشَياطِين، وهَذا القَوْل تُساعِدُهُ اللُغَةُ، والتَأْوِيلاتُ في "هَوى" مُحْتَمَلَةٌ كُلُّها قَوِيَّةٌ، ومِنَ الشاهِدِ في النَجْمِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ قَوْلُ الراعِي: فَباتَتْ تَعُدُّ النَجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ سَرِيعٍ بِأيْدِي الآكِلِينَ جُمُودُها يَصِفُ إهالَةً صافِيَةً، والمُسْتَحِيرَةُ: القِدْرُ الَّتِي يُطْبَخُ فِيها، قالَهُ الزَجّاجُ، وقالَ الرُمّانِيُّ: هي شَحْمَةٌ صافِيَةٌ حِينَ ذابَتْ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وسُفْيانُ: النَجْمُ في قَسَمِ الآيَةِ: الثُرَيّا، وسُقُوطُها مَعَ الفَجْرِ هو هَوِيُّها، والعَرَبُ لا تَقُولُ النَجْمَ مُطْلَقًا إلّا لِلثُّرَيّا ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "طَلَعَ النَجْمُ عِشاءً، ∗∗∗ فابْتَغى الراعِي كِساءَ، ∗∗∗ طَلَعَ النَجْمُ غُدَيَّهْ، ∗∗∗ فابْتَغى الراعِي شُكَيَّهْ"، و"هَوى" -عَلى هَذا القَوْلِ- يُحْتَمَلُ الغُرُوبُ ويُحْتَمَلُ الِانْكِدارُ، و"هَوى" في اللُغَةِ مَعْناهُ: خَرْقُ الهَوى ومَقْصِدُهُ السُفْلُ، أو مَصِيرُهُ وإنْ لَمْ يَقْصِدْهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: هَوى ابْنِي مِن شَفا جَبَلٍ ∗∗∗ فَزَلَّتْ رِجْلُهُ ويَدُهُ وقَوْل الشاعِرِ: وإنَّ كَلامَ المَرْءِ في غَيْرِ كُنْهِهِ ∗∗∗ لَكالنُبْلِ تَهْوِي لَيْسَ فِيها نِصالُها وقَوْلُ زُهَيْرٍ: ...............
∗∗∗ هَوِيَّ الدَلْوِ أسْلَمَها الرِشاءُ وَمِنهُ قَوْلُهم لِلْجَرادِ: الهاوِي، ومِنهُ هَوى العِقابُ.
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى ﴾ ، و"الضَلالُ" أبَدًا يَكُونُ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنَ الإنْسانِ إلَيْهِ، و"الغَيُّ" شَيْءٌ كَأنَّكَ تَتَكَسَّبُهُ وتُرِيدُهُ، فَنَفى اللهُ تَعالى عن نَبِيِّهِ أنْ يَكُونَ ضَلَّ في هَذِهِ السَبِيلِ الَّتِي أسْلَكَهُ اللهُ تَعالى إيّاها، وأثْبَتَ اللهُ تَعالى في سُورَةِ [الضُحى] أنَّهُ قَدْ كانَ قَبْلَ النُبُوءَةِ ضالًّا بِالإضافَةِ إلى حالِهِ مِنَ الرُشْدِ بَعْدَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَكَلِّمٍ عن هَواهُ، أيْ بِهَواهُ وشَهْوَتِهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْنى: وما يَنْطِقُ القُرْآنُ المُنَزَّلُ عن هَوًى وشَهْوَةٍ، ونَسَبٍ تَعالى النُطْقُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ يَفْهَمُ مِنهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ ﴾ ، وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى القُرْآنِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى ﴾ يُرادُ بِهِ القُرْآنُ بِإجْماعٍ، والوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى في خَفاءٍ، وهَذِهِ عِبارَةٌ تَعُمُّ المَلَكَ والإلْهامَ والإشارَةَ وكُلَّ ما يُحْفَظُ مِن مَعانِي الوَحْيِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلَّمَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ، والأظْهَرُ أنَّهُ لِمُحَمَّدٍ ، وأمّا المُعَلِّمُ فَقالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ، وابْنُ عَبّاسِ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ: عَلَّمَ مُحَمَّدًا القُرْآنَ، وقالَ الحَسَنُ: المُعَلِّمُ الشَدِيدُ القُوى هو اللهُ تَعالى، و"القُوى" جَمْعُ قُوَّةٍ، وهَذا في جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ مُتَمَكِّنٌ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ ﴾ ، و"ذُو مِرَّةٍ" مَعْناهُ: ذُو قُوَّةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والرَبِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "لا تَحِلُّ الصَدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ"،» وأصْلُ المِرَّةِ مِن مَرائِرِ الحَبْلِ وهي فَتْلُهُ وإحْكامُ عَمَلِهِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ................
∗∗∗ بِكُلِّ مُمَرِّ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ وقالَ قَوْمٌ مِمَّنْ قالَ إنَّ "ذا المِرَّةِ" جِبْرِيلُ: مَعْنى "ذُو مِرَّةٍ": ذُو هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْناهُ: ذُو جِسْمٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.
و"اسْتَوى" مُسْنَدٌ إلى اللهِ تَعالى في قَوْلِ الحَسَنِ الَّذِي قالَ: إنَّهُ المُتَّصِفُ: بِقَوْلِهِ تَعالى: "شَدِيدُ القُوى"، وكَذَلِكَ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى ﴾ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى مَعْنًى: وعَظَمَتُهُ وقُدْرَتُهُ وسُلْطانُهُ نَتَتَلَقّى نَحْنُ أنَّهُ بِالأُفُقِ الأعْلى، ويَجِيءُ المَعْنى نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ ، ومَن قالَ: إنَّ المُتَّصِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "شَدِيدُ القُوى" هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: إنَّ "اسْتَوى" مُسْتَنِدٌ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ واخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ الرَبِيعُ، والزَجّاجُ: المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في الجَوِّ وهو إذْ ذاكَ بِالأُفُقِ الأعْلى، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ بِحِراءٍ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، لَهُ سَتُّمِائَةِ جَناحٍ، وحِينَئِذٍ دَنا مِن مُحَمَّدٍ حَتّى كانَ قابَ قَوْسَيْنِ، وكَذَلِكَ هو المَرْئِيُّ -فِي هَذا القَوْلِ - في "النَزْلَةِ الأُخْرى" في صِفَتِهِ العَظِيمَةِ لَهُ سِتُّمِائَةُ جَناحٍ عِنْدَ السِدْرَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ والفَرّاءُ: المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الضَمِيرِ في "عِلْمِهِ"، وفي هَذا التَأْوِيلِ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ المَرْفُوعِ دُونَ أنْ يُؤَكَّدَ، وذَلِكَ عِنْدَ النُحاةِ مُسْتَقْبَحٌ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ حُجَّةً عَلى قَوْلِهِ: ألَم تَرَ أنَّ النَبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُ ∗∗∗ ولا يَسْتَوِي والخِرْوَعُ المُتَقَصِّفُ وقَدْ يَنْعَكِسُ هَذا التَرْتِيبُ فَيَكُونُ "اسْتَوى" لِمُحَمَّدٍ ، وهو لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأمّا "الأعْلى" فَهو عِنْدِي لِقِمَّةِ الرَأْسِ وما جَرى مَعَهُ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو أُفُقٌ مَشْرِقِ الشَمْسِ، وهَذا التَخْصِيصُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، إلى مَنِ اسْتَنَدَ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى"، فَقالَ الجُمْهُورُ: اسْتَنَدَ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ: دَنا إلى مُحَمَّدٍ عِنْدَ حِراءٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهم في حَدِيثِ الإسْراءِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ يَسْتَنِدُ إلى اللهِ تَعالى، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ مُجاهِدُ: كانَ الدُنُوُّ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ إلى مُحَمَّدٍ ، و"دَنا فَتَدَلّى" عَلى هَذا القَوْلِ، مَعَهُ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ دَنا سُلْطانُهُ ووَحْيُهُ وقَدَرُهُ، والِانْتِقالُ وهَذِهِ الأوصافُ مُنْتَفِيَةٌ في حَقِّ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
والصَحِيحُ عِنْدِي أنَّ جَمِيعَ ما في هَذِهِ الآياتِ هو مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ﴾ ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْضِي بِنَزْلَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وما رُوِيَ قَطُّ أنَّ مُحَمَّدًا رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَبْلَ لَيْلَةِ الإسْراءِ، أما أنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ لا تُمْنَعُ بِحالٍ.
وَ"دَنا" أعَمُّ مِن "تَدَلّى"، فَبَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: "فَتَدَلّى" هَيْئَةُ الدُنُوِّ كَيْفَ كانَتْ و"قابَ"مَعْناهُ: قَدْرَ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: مِن طَرَفِ العُودِ إلى طَرَفِهِ الآخَرِ، وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: مِنَ الوَتَرِ إلى العُودِ في وسَطِ القَوْسِ عِنْدَ المِقْبَضِ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "وَكانَ قَيْسَ قَوْسَيْنِ"، والمَعْنى قَرِيبٌ مِن قابَ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ.
« "لَقابُ قَوْسِ أحَدِكم في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُنْيا وما فِيها"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "لَقابُ قَوْسِ أحَدِكم في الجَنَّةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "أو أدْنى" مَعْناهُ: عَلى مُقْتَضى نَظَرِ البَشَرِ، أيْ: لَوْ رَآهُ أحَدُكم لَقالَ في ذَلِكَ: قَوْسانِ أو أدْنى، وقالَ أبُو رَزِينٍ: لَيْسَتْ بِهَذِهِ القَوْسِ ولَكِنْ قَدْرُ الذِراعَيْنِ أو أدْنى، وحَكى الزَهْراوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ القَوْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِراعٌ تُقاسُ بِهِ الأطْوالُ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ وأنَّهُ مِن لُغَةِ الحِجازِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوحى إلى عَبْدِهِ ما أوحى ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ القَوْسَ في هَذِهِ الآيَةِ تُقاسُ بِهِ الأطْوالُ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ وأنَّهُ مِن لُغَةِ الحِجازِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوحى إلى عَبْدِهِ ما أوحى ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَأوحى اللهُ تَعالى: إلى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ، ما أوحى، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْنى: فَأوحى اللهُ تَعالى إلى عَبْدِهِ جِبْرِيلَ- عَلَيْهِ السَلامُ- ما أوحى، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "ما أوحى" إبْهامٌ عَلى جِهَةِ التَفْخِيمِ والتَعْظِيمِ، والَّذِي عُرِفَ مِن ذَلِكَ فَرْضُ الصَلاةِ.
وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَأوحى جِبْرِيلُ إلى عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ ما أوحى، كالأُولى في الإبْهامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: فَأوحى جِبْرِيلُ إلى عَبْدِ اللهِ ما أوحى اللهُ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى ﴾ ، قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِتَخْفِيفِ الذالِ عَلى مَعْنى: لَمْ يُكَذِّبْ قَلْبُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الشَيْءَ الَّذِي رَأى بَلْ صَدَّقَهُ وتَحَقَّقَهُ نَظَرًا، و"كَذَبَ" يَتَعَدّى، وقالَ أهْلُ التَأْوِيلِ، ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو صالِحٍ -: رَأى مُحَمَّدٌ اللهَ تَعالى بِفُؤادِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: ما رَآهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يُكَذِّبْ ذَلِكَ قَلْبُهُ بَلْ صَدَّقَهُ وتَحَقَّقَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "فِيما رَأى"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رَوى عنهُ- وعِكْرِمَةُ، وكَعْبُ الأحْبارِ: إنَّ مُحَمَّدًا رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، ويَبْسُطُ الزَهْراوِيُّ هَذا الكَلامَ عنهُمْ، وأبَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُا، وقالَتْ «أنا سَألْتُ رَسُولَ اللهِ عن هَذِهِ الآياتِ فَقالَ لِي: "هُوَ جِبْرِيلُ فِيها كُلُّها"،» وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: ما رَأى مِن مَقْدُوراتِ اللهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ، «وَسَألَ أبُو ذَرٍّ النَبِيَّ : هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟
فَقالَ: "نُورٌ أنّى أراهُ"» وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وحَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا عَنِ النَبِيِّ قاطِعٌ لِكُلِّ تَأْوِيلٍ في اللَفْظِ؛ لِأنَّ قَوْلَ غَيْرِها إنَّما هو مُنْتَزَعٌ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِيما رَوى عنهُ هِشامٌ -: "ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذالِ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَتادَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وخالِدٍ، ومَعْناهُ بَيِّنٌ عَلى بَعْضِ ما قُلْناهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: إنَّ اللهَ تَعالى قَسَّمَ الكَلامَ والرُؤْيَةَ بَيْنَ مُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ فَكَلَّمَ مُوسى مَرَّتَيْنِ، ورَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي مِن سَماعِ هَذا، وقُلْتُ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ الآيَةُ.
وذَهَبَتْ هي وابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ وجُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ المَرْئِيَّ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في المَرَّتَيْنِ: في الأرْضِ وعِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى لَيْلَةَ الإسْراءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ [الإسْراءِ]، وهو مَشْهُورٌ في الأرْضِ وعِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى لَيْلَةَ الأُسَراءِ، وهو مَشْهُورٌ في كُتُبِ الصِحاحِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ هَذِهِ السُورَةُ كُلُّها بِفَتْحِ أواخِرِ الآياتِ فِيها، وأمالَ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَأى"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ جَمِيعَ ما في السُورَةِ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو -فِيما رَوى عنهُ أبُو عُبَيْدٍ - "الأعْلى" و"تَدَلّى".
<div class="verse-tafsir"
كلام موجه من الله تعالى إلى المشركين الطاعنين في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم و ﴿ النجم ﴾ : الكوكب أي الجرم الذي يبدو للناظرين لامعاً في جو السماء ليلاً.
أقسم الله تعالى بعظيم من مخلوقاته دال على عظيم صفات الله تعالى.
وتعريف ﴿ النجم ﴾ باللام، يجوز أن يكون للجنس كقوله: ﴿ وبالنجم هم يهتدون ﴾ [النحل: 16] وقوله: ﴿ والنجم والشجر يسجدان ﴾ [الرحمن: 6]، ويحتمل تعريف العهد.
وأشهر النجوم بإطلاق اسم النجم عليه الثريّا لأنهم كانوا يوقتون بأزمان طلوعها مواقيت الفصول ونضج الثمار، ومن أقوالهم: طلع النَّجم عِشاءَ فابتغى الراعي كمساءَ طَلع النجم غُذَيَّة وابتغى الراعي شُكَية (تصغير شَكْوة وعاءٍ من جلد يوضع فيه الماء واللبن) يعنون ابتداء زمن البرد وابتداء زمن الحرّ.
وقيل ﴿ النجم ﴾ : الشعرى اليمانية وهي العبورُ وكانت معظمة عند العرب وعَبدتْها خُزاعة.
ويجوز أن يكون المراد ب ﴿ النجم ﴾ : الشهاب، وبهُويه: سقوطه من مكانه إلى مكان آخر، قال تعالى: ﴿ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظاً من كل شيطان مارد ﴾ [الصافات: 6، 7] وقال: ﴿ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين ﴾ [الملك: 5].
والقَسَم ب ﴿ النجم ﴾ لما في خَلقه من الدلالة على عظيم قدرة الله تعالى، ألا ترى إلى قول الله حكاية عن إبراهيم ﴿ فلما جَنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي ﴾ [الأنعام: 76].
وتقييد القَسَم بالنجم بوقت غروبه لإِشعار غروب ذلك المخلوق العظيم بعد أَوْجه في شرف الارتفاع في الأفق على أنه تسخير لقدرة الله تعالى، ولذلك قال إبراهيم: ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ [الأنعام: 76].
والوجه أن يكون ﴿ إذا هوى ﴾ بدل اشتمال من النجم، لأن المرَاد من النجم أحواله الدالة على قدرة خالقه ومصرفه ومن أعظم أحواله حال هُويِّه، ويكون ﴿ إذا ﴾ اسم زمان مجرداً عن معنى الظرفية في محل جر بحرف القسم، وبذلك نتفادى من إشكال طَلب متعلق ﴿ إذَا ﴾ وهو إشكال أورده العلامة الجَنْزِي على الزمخشري، قال الطيبي وفي «المقتبس» قال الجَنْزِي: «فاوضتُ جارَ الله في قوله تعالى: ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ ما العامل في ﴿ إذا ﴾ ؟
فقال: العامل فيه ما تعلّق به الواو، فقلت: كيف يعمل فعل الحال في المستقبل وهذا لأن معنا أُقسم الآن، وليس معناه أُقسم بعد هذا فرجع وقال: العامل فيه مصدر محذوف تقديره: وهُوِيّ النجم إذا هَوَى، فعرضته على زين المشائخ فلم يستحسن قوله الثاني.
والوجه أن ﴿ إذا ﴾ قد انسلخ عنه معنى الاستقبال وصار للوقت المجرد، ونحوه: آتيك إذا احمرّ البسر، أي وقت احمراره فقد عُرّي عن معنى الاستقبال لأنه وقعت الغنية عنه بقوله: آتيك اه.
كلام الطيبي، فقوله: فالوجه يحتمل أن يكون من كلام زين المشائخ أو من كلام صاحب «المقتبس» أو من كلام الطيبي، وهو وجيه وهو أصل ما بنينا عليه موقع ﴿ إذَا ﴾ هنا، وليس تردد الزمخشري في الجواب إلا لأنه يلتزم أن يكون ﴿ إذَا ﴾ ظرفاً للمستقبل كما هو مقتضى كلامه في «المفصَّل» مع أن خروجها عن ذلك كثير كما تواطأت عليه أقوال المحققين.
والهُوِيّ: السقوط، أطلق هنا على غروب الكوكب، استعير الهُوِيُّ إلى اقتراب اختفائه ويجوز أن يراد بالهوِيّ: سقوط الشهاب حين يلوح للناظر أنه يجري في أديم السماء، فهو هويّ حقيقي فيكون قد استعمل في حقيقته ومجازه.
وفي ذكر ﴿ إذا هوى ﴾ احتراس من أن يتوهم المشركون أن في القسم بالنجم إقراراً لعبادة نجم الشعرى، وأن القسم به اعتراف بأنه إله إذ كان بعض قبائل العرب يعبدونها فإن حالة الغروب المعبر عنها بالهُوِيِّ حالة انخفاض ومغيب في تخيّل الرّائي لأنهم يعُدُّون طلوع النجم أوجاً لشرفه ويعدون غروبه حَضيضاً، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ فلما أفل قال لا أحب الآفلين ﴾ [الأنعام: 76].
ومَن مناسبات هذا يجيء قوله: ﴿ وأنه هو رب الشعرى ﴾ في هذه السورة (49)، وتلك اعتبارات لهم تخيلية شائعة بينهم فمن النافع موعظة الناس بذلك لأنه كاف في إقناعهم وصولاً إلى الحق.
فيكون قوله: ﴿ إذا هوى ﴾ إشعاراً بأن النجوم كلها مسخرة لقدرة الله مسيّرة في نظام أوْجدها عليه ولا اختيار لها فليست أهلاً لأن تعبد فحصل المقصود من القسم بما فيها من الدلالة على القدرة الإِلهية مع الاحتراس عن اعتقاد عبادتها.
وقال الراغب: قيل أراد بذلك أي ب ﴿ النجم ﴾ القرآن المنزل المنجم قدراً فقدراً، ويعني بقوله: ﴿ هوى ﴾ نزوله اه.
ومناسبة القسم ب ﴿ النجم إذا هَوَى ﴾ ، أن الكلام مسوق لإثباتتِ أن القرآن وحي من الله منزل من السماء فشابَه حالُ نزوله الاعتباريِّ حال النجم في حالة هويِّه مشابهة تمثيلية حاصلة من نزول شيء منيرٍ إنارة معنوية نازل من محل رفعة معنوية، شبه بحالة نزول نجم من أعلى الأفق إلى أسفله وهو من تمثيل المعقول بالمحسوس، أو الإِشارة إلى مشابهة حالة نزول جبريل من السماوات بحالة نزول النجم من أعلى مكانه إلى أسفله، أو بانقضاض الشهاب تشبيه محسوس بمحسوس، وقد يشبهون سرعة الجري بإنقضاض الشهاب، قال أوس بن حجر يصف فرساً: فانقضّ كالدُريّ يتبعه *** نقع يثور تخاله طُنبا والضلال: عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل إلى المقصود، وهو مجاز في سلوك ما ينافي الحق.
والغواية: فساد الرأي وتعلقه بالباطل.
والصاحب: الملازم للذي يضاف إليه وصف صاحب، والمراد بالصاحب هنا: الذي له ملابسات وأحوال مع المضاف إليه، والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم وهذا كقول أبي مَعبد الخزاعي الوارد في أثناء قصة الهجرة لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته وفيها أمُّ معبد وذكرت له معجزة مسحه على ضرع شاتها: «هذا صاحب قريش»، أي صاحب الحوادث الحادثة بينه وبينهم.
وإيثار التعبير عنه بوصف ﴿ صاحبكم ﴾ تعريض بأنهم أهل بهتان إذ نسبوا إليه ما ليس منه في شيء مع شدة إطلاعهم على أحواله وشؤونه إذ هو بينهم في بلد لا تتعذر فيه إحاطة علم أهله بحال واحد معين مقصود من بينهم.
ووقع في خطبة الحجاج بعد دَير الجماجم قوله للخوارج «ألستم أصحابي بالأهواز حين رُمتم الغدر واستبطنتم الكفر» يريد أنه لا تخفى عنه أحوالهم فلا يحاولون التنصل من ذنوبهم بالمغالطة والتشكيك.
وهذا رد من الله على المشركين وإبطال لقولهم في النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم قالوا: مجنون، وقالوا: ساحر، وقالوا: شاعر، وقالوا في القرآن: إنْ هذا إلا اختلاق.
فالجنون من الضلال لأن المجنون لا يهتدي إلى وسائل الصواب، والكذبُ والسحر ضلال وغواية، والشعر المتعارف بينهم غواية كما قال تعالى: ﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون ﴾ [الشعراء: 224] أي يحبذون أقوالهم لأنها غواية.
وعُطف على جواب القسم ﴿ ما ينطق عن الهوى ﴾ وهذا وصف كمال لذاته.
والكلام الذي ينطق به هو القرآن لأنهم قالوا فيه: ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه ﴾ [الفرقان: 4] وقالوا: ﴿ أساطير الأولين اكتتبها ﴾ [الفرقان: 5] وذلك ونحوه لا يعدُو أن يكون اختراعه أو اختياره عن محبة لما يُخترع وما يُختار بقطع النظر عن كونه حقاً أو باطلاً، فإن من الشعر حكمة، ومنه حكاية واقعات، ومنه تخيلات ومفتريات.
وكله ناشئ عن محبة الشاعر أن يقول ذلك، فأراهم الله أن القرآن داععٍ إلى الخير.
و (ما) نافية نفت أن ينطق عن الهوى.
والهوى: ميل النفس إلى ما تحبه أو تحب أن تفعله دون أن يقتضيه العقل السليم الحكيم، ولذلك يختلف الناس في الهوى ولا يَختلفون في الحق، وقد يحب المرء الحق والصواب.
فالمراد بالهوى إذا أطلق أنه الهوى المجرد عن الدليل.
ونفي النطق عن هَوى يقتضي نفي جنس ما يَنْطق به عن الاتصاف بالصدور عن هوى سواء كان القرآن أو غيره من الإِرشاد النبوي بالتعليم والخطابة والموعظة والحكمة، ولكن القرآن هو المقصود لأنه سبب هذا الرد عليهم.
واعلم أن تنزيهه صلى الله عليه وسلم عن النطق عن هوى يقتضي التنزيه عن أن يفعل أو يحكم عن هوى لأن التنزه عن النطق عن هوى أعظم مراتب الحكمة.
ولذلك ورد في صفة النبي صلى الله عليه وسلم «أنه يمزح ولا يقول إلا حقًّا».
وهنا تم إبطال قولهم فحسن الوقف على قوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ .
وبين ﴿ هوى ﴾ و ﴿ الهوى ﴾ جِناس شبه التام.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ النَّجْمِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا آيَةً، وهي ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والنَّجْمِ إذا هَوى ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نُجُومُ القُرْآنِ إذا نَزَلَتْ لِأنَّهُ كانَ يَنْزِلُ نُجُومًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها الثُّرَيّا، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، لِأنَّهم كانُوا يَخافُونَ الأمْراضَ عِنْدَ طُلُوعِها.
الثّالِثُ: أنَّها الزُّهْرَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، لِأنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ كانُوا يَعْبُدُونَها.
الرّابِعُ: أنَّها جَماعَةُ النُّجُومِ، قالَهُ الحَسَنُ، ولَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أنْ يُعَبَّرَ عَنْها بِلَفْظِ الواحِدِ كَما قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ أحْسَنُ النَّجْمِ في السَّماءِ الثُّرَيّا والثُّرَيّا في الأرْضِ زَيْنُ النِّساءِ الخامِسُ: أنَّها النُّجُومُ المُنْقَضَّةُ، وسَبَبُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أرادَ بَعْثَ مُحَمَّدٍ رَسُولًا، كَثُرَ انْقِضاضُ الكَواكِبِ قَبْلَ مَوْلِدِهِ، فَذُعِرَ أكْثَرُ العَرَبِ مِنها، وفَزِعُوا إلى كاهِنٍ لَهم ضَرِيرٍ كانَ يُخْبِرُهم بِالحَوادِثِ، فَسَألُوهُ عَنْها، فَقالَ انْظُرُوا البُرُوجَ الِاثْنَيْ عَشَرَ، فَإنِ انْقَضَّ مِنها شَيْءٌ، فَهو ذَهابُ الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يَنْقَضَّ مِنها شَيْءٌ، فَسَيَحْدُثُ في الدُّنْيا أمْرٌ عَظِيمٌ، فاسْتَشْعَرُوا ذَلِكَ، فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ، كانَ هو الأمْرَ العَظِيمَ الَّذِي اسْتَشْعَرُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ والنَّجْمِ إذا هَوى ﴾ أيْ ذَلِكَ النَّجْمُ الَّذِي هَوى، هو لِهَذِهِ النُّبُوَّةِ الَّتِي حَدَثَتْ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إذا هَوى ﴾ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النُّجُومُ إذا رَقِيَ إلَيْها الشَّياطِينُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: إذا سَقَطَ.
الثّالِثُ: إذا غابَ.
الرّابِعُ: إذا ارْتَفَعَ.
الخامِسُ: إذا نَزَلَ.
السّادِسُ: إذا جَرى، ومَهْواها جَرْيُها، لِأنَّها لا تَفْتُرْ في جَرْيِها في طُلُوعِها وغُرُوبِها، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
وَهَذا قَسَمٌ، وعَلى القَوْلِ الخامِسُ في انْقِضاضِ النُّجُومِ خَبَرٌ.
﴿ ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما ضَلَّ عَنْ قَصْدِ الحَقِّ ولا غَوى في اتِّباعِ الباطِلِ.
الثّانِي: ما ضَلَّ بِارْتِكابِ الضَّلالِ، وما غَوى بِأنْ خابَ سَعْيُهُ، وألْفى الخَيْبَةَ كَما قالَ الشّاعِرُ فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسَ أمْرُهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمُ عَلى الغِيِّ لائِمًا أيْ: مَن خابَ في طَلَبِهِ لامَهُ النّاسُ، وهَذا جَوابُ القَسَمِ عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ، قالَ مُقاتِلٌ: وهي أوَّلُ سُورَةٍ أعْلَنَها رَسُولُ اللَّهِ بِمَكَّةَ.
﴿ وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وما يَنْطِقُ عَنْ هَواهُ، وهو يَنْطِقُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: ما يَنْطِقُ بِالهَوى والشَّهْوَةِ، إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى بِأمْرٍ ونَهْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ.
﴿ إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى ﴾ أيْ يُوحِيهِ اللَّهُ إلى جِبْرِيلَ ويُوحِيهِ جِبْرِيلُ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ قال: الثريا إذا غابت، وفي لفظ إذا سقطت مع الفجر، وفي لفظ قال: الثريا إذا وقعت.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ قال: الثريا إذا تدلت.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ قال: إذا انصب.
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن رضي الله عنه ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ قال: إذا غاب.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ قال: القرآن إذا نزل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن معمر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ قال: «قال عتبة بن أبي لهب: إني كفرت برب النجم، قال معمر: فأخبرني ابن طاووس عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، له: أما تخاف أن يسلط الله عليك كلبه؟
فخرج ابن أبي لهب مع الناس في سفر حتى إذا كانوا ببعض الطريق سمعوا صوت الأسد، فقال: ما هو إلا يريدني، فاجتمع أصحابه حوله وجعلوه في وسطهم حتى إذا ناموا جاء الأسد فأخذ هامته» .
وأخرج أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني عن عكرمة رضي الله عنه قال: «لما نزلت ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ قال عتبة بن أبي لهب للنبي صلى الله عليه وسلم: إني كفرت برب النجم إذا هوى فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أرسل عليه كلباً من كلابك قال: فقال ابن عباس رضي الله عنهما: فخرج إلى الشام في ركب فيهم هبار بن الأسود حتى إذا كانوا بوادي الغاضرة وهي مسبعة نزلوا ليلاً فافترشوا صفاً واحداً، فقال عتبة: أتريدون أن تجعلوا حجزة؟
لا والله لا أبيت إلا وسطكم فما انبهني إلا السبع يشم رؤوسهم رجلاً رجلاً حتى انتهى إليه فالتفت أنيابه في صدغيه» .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر من طريق عروة عن هبار بن الأسود قال: «كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام وتجهزت معهما فقال ابن أبي لهب: والله لأنطلقن إلى محمد فلأوذينه في ربه، فانطلق حتى أتاه، فقال: يا محمد هو يكفر بالذي ﴿ دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم أبعث عليه كلبا من كلابك» .
وأخرج أبو نعيم عن طاووس قال: «لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ قال عتبة بن أبي لهب: كفرت برب النجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلط الله عليه كلباً من كلابه» .
وأخرج أبو نعيم «عن أبي الضحى رضي الله عنه قال: قال ابن أبي لهب: هو يكفر بالذي قال: ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عسى أن يرسل عليه كلباً من كلابه فبلغ ذلك أباه فأوصى أصحابه إذا نزلتم منزلاً فاجعلوه وسطكم، ففعلوا حتى إذا كان ليلة بعث الله عليه سبعاً فقتله» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والنجم إذا هوى ما ضل ﴾ قال: أقسم الله أنه ما ضل محمد وما غوى.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ قال: أقسم الله لك بنجوم القرآن ما ضل محمد صلى الله عليه وسلم وما غوى.
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ قال: ما ينطق عن هواه!
﴿ إن هو إلا وحي يوحى ﴾ قال: يوحي الله إلى جبريل ويوحي جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه عن أبي الحمراء وحبة العرني قالا: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسد الأبواب التي في المسجد، فشق عليهم، قال حبة: إني لأنظر إلى حمزة بن عبد المطلب وهو تحت قطيفة حمراء وعيناه تذرفان، وهو يقول: أخرجت عمك وأبا بكر وعمر والعباس، وأسكنت ابن عمك؟
فقال رجل يومئذ: ما يألوا يرفع ابن عمه، قال: فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد شق عليهم، فدعا الصلاة جامعة، فلما اجتمعوا صعد المنبر فلم يسمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة قط كان أبلغ منها تمجيداً وتوحيداً، فلما فرغ قال: يا أيها الناس ما أنا سددتها ولا أنا فتحتها ولا أنا أخرجتكم وأسكنته، ثم قرأ ﴿ والنجم إذا هوى ما ضلّ صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ﴾ » .
وأخرج أحمد والطبراني والضياء عن أبي أمامة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين أو مثل أحد الحيين ربيعة ومضر فقال رجل: يا رسول الله وما ربيعة من مضر؟
قال: إنما أقول ما أقول» .
وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أخبرتكم أنه من عند الله فهو الذي لا شك فيه» .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا أقول إلا حقّاً، قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله، قال: إني لا أقول إلا حقّاً» .
وأخرج الدارمي عن يحيى بن أبي كثير قال: كان جبريل ينزل بالسنّة كما ينزل بالقرآن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ أي وما ينطق محمد بالقرآن من هوى نفسه.
قال الكلبي: قالت قريش: إن محمدًا - - يقول القرآن من تلقاء نفسه، فنزلت هذه الآيات (١) قال أبو إسحاق: أي ما الذي يأتيكم به مما قاله بهواه.
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 70.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والنجم إِذَا هوى ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنها الثريا لأنها غلب عليها التسمية بالنجم، ومعنى هوى غرب وانتثر يوم القيامة، الثاني أنه جنس النجوم، ومعنى هوى كما ذكرنا، أو انقضت تَرْجُم الشياطين.
الثالث أنه من نجوم القرآن، وهو الجملة التي تنزل، وهوى على هذا معناه نزل ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غوى ﴾ هذا جواب القسم، والخطاب لقريش، وصاحبكم هو النبي صلى الله عليه وسلم، فنفى عنه الضلال والغيّ، والفرق بينهما: أن الضلال بغير قصد، والغيّ بقصد وتكسب ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى ﴾ أي ليس يتكلم بهواه وشهوته، إنما يتكلم بما يوحي الله إليه ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى ﴾ يعني القرآن.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ هوى ﴾ وسائر آياته بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة المفرطة كما سبق في "طه" ﴿ ما كذب ﴾ بالتشديد: يزيد وهشام ﴿ ما زاغ البصر ﴾ بالإمالة: حمزة ونصير ﴿ ومناة ﴾ بالمد: ابن كثير والشموني ﴿ أفتمرونه ﴾ ثلاثياً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ ضيزى ﴾ بالهمزة: ابن كثير في رواية ﴿ كبير الأثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ هشام ﴿ عاداً لولي ﴾ مدغماً غير مهموز: أبو عمرو ويزيد ويعقوب والنجاري عن ورش.
وقرأ إسماعيل والأصبهاني عن ورش وأبو نشيط عن قالوا بإظهار الغنة غير مهموز.
وكذلك روي عن أبي عمرو فعلى مذهبهم إذا وقف القارىء على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ بلولي ﴾ ولو شاء الولي بتخفيف الهمزة والأول أحسن.
وقرأ قالون غير أبي نشيط بالهمزة وإظهار الغنة، وإذا وقف على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ لولي ﴾ ولو شاء ﴿ الولي ﴾ والباقون ﴿ عاد الأولى ﴾ بالألف قبل اللام وبعد اللام في الحالين ﴿ وثمود ﴾ في الحالين بغير تنوين: حمزة وعاصم غير ابن غالب والبرجمي والمفضل وسهل ويعقوب ﴿ ربك تمارى ﴾ بتشديد التاء: رويس عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ غوى ﴾ ه ج للآية مع العطف على جواب القسم ﴿ الهوى ﴾ ه ط ﴿ يوحى ﴾ ه لا ﴿ القوى ﴾ ه لا لذلك ﴿ ذو مرة ﴾ ط لتمام الصفة ﴿ فاستوى ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ الأعلى ﴾ ه ط ﴿ فتدلى ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقصود ﴿ أو أدنى ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان لأن ضمير ﴿ فأوحى ﴾ لله لا للنبي ﴿ ما أوحى ﴾ ه ج ﴿ ما رأى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ه لأن عامل ﴿ إذ زاغ البصر ﴾ فلا وقف على ﴿ ما يغشى ﴾ ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ الكبرى ﴾ ه ﴿ والعزى ﴾ ه لا ﴿ الأخرى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ ضيزى ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ الأنفس ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ الهدى ﴾ ه ط لأن أم ابتداء استفهام إنكار ﴿ ما تمنى ﴾ ه ز لتناهى الاستفهام والوصل أولى للفاء واتصال المعنى ﴿ والأولى ﴾ ه ﴿ ويرضى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ إلا الظن ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ شيئاً ﴾ ط لذلك ﴿ الدنيا ﴾ ه ط ﴿ من العلم ﴾ ط ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بالحسنى ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح خبر مبتدأ محذوف وبدلاً من ﴿ الذين أحسنوا ﴾ ﴿ اللمم ﴾ ط ﴿ المغفرة ﴾ ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ج ﴿ أنفسكم ﴾ ه ط ﴿ اتقى ﴾ ه ﴿ تولى ﴾ ج ﴿ وأكدى ﴾ ه ﴿ يرى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ وفى ﴾ ه لا ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ سعى ﴾ ه لا ﴿ يرى ﴾ ه ص لوقوع العارض بين المعطوف على أن ﴿ الأوفى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه لا ﴿ وأبكى ﴾ ه لا ﴿ وأحيا ﴾ ه لا ﴿ والأنثى ﴾ ه ﴿ تمنى ﴾ ه ص لما مر ﴿ الأخرى ﴾ ه لا ﴿ وأقنى ﴾ ه لا ﴿ الشعرى ﴾ ه ط ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ أبقى ﴾ ه لا ﴿ وأطفى ﴾ ه ط لأن ﴿ المؤتفكة ﴾ منصوب بما بعده ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ ما غشى ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ تتمارى ﴾ ه ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ الآزقة ﴾ ه للاستئناف والحال ﴿ كاشفةْ ﴾ ه ﴿ تعجبون ﴾ ه لا ﴿ ولا تبكون ﴾ ه لا ﴿ سامدون ﴾ ه لا ﴿ واعبدوا ﴾ ه سجدة.
التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بالنجوم خص الأقسام في أول هذه السورة بالنجم, واللام فيه للعهد أو للجنس.
والأول قول من قال: إنه الثريا وهو اسم غالب لها وصورتها في السماء كعنقود عنب.
وأظهر كواكبها سبعة وهي المنزل الثالث من منازل القمر.
قال: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء.
وذلك أن الشمس تكون في أول العقرب حينئذ في مقابلتها فتطلع بغروبها.
وعلى الثاني فيه وجوه أحدها.
نجوم السماء وهويها غروبها.
وفائدة هذا القيد أن النجم إذا كان في وسط السماء لم يهتد به الساري لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات والميل إلى أفق المغرب أولى بالذكر من الناظر إليه حينئذ يستدل بغروبها على أفوله في حيز الإمكان فيتم له اهتداء الدين مع اهتداء الدنيا.
وقيل: هويها انتثارها يوم القيامة.
وثانيها النجم هو الذي يرجم به الشياطين وهويها انقضاضها.
وثالثها النجم النبات إذا هوى إذا سقط على الأرض وهو غاية نشوة.
ورابعها النجم أحد نجوم القرآن وقد نزل منجماً في عشرين سنة فيكون كقوله ﴿ والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم ﴾ وعلى القول الآخر فالثريا أظهر النجوم عند الناظرين وأشهر المنازل للسائرين وأنها تطلع عشاء في وقت إدراك الثمار.
والنبي تميز من سائر الأنبياء بالمعجزات الباهرات ولا سيما فإنه حين ظهر زال يبس الشوك وحرارة الحمية الجاهلية وإدراك الحكمة ورجم به شياطين الإنس المضلين لعباد الله في أرضه، ونبت بوجوده أصناف الأغذية الروحانية تامة كاملة.
قال جار الله: الضلال نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، والخطاب لقريش.
قلت: هذا صادق من حيث الاستعمال لقوله ﴿ قد تبين الرشد من الغي ﴾ ﴿ من يضلل الله فلا هادي له ﴾ إلا أنه ينبغي أن يتبين لافرق بين الضلال والغواية.
والظاهر أن الضلال أعم وهو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، والغواية أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم ولهذا لا يقال للمؤمن من إنه ضال أو غير مهتد ويقال له إنه غوي غير رشيد.
قال عز من قائل ﴿ فإن آنستم منهم رشداً ﴾ فكأنه نفى الأعم أولاً ثم نفى الأخص ليفيد أنه على الجادة غير منحرف عنها أصلاً.
ويحتمل أن يكون قوله ﴿ ما ضل ﴾ نفياً لقولهم هو كاهن أو مجنون لأن الكهانة أيضاً من مسيس الجن.
وقوله ﴿ وما غوى ﴾ نفي لقولهم هو شاعر والشعراء يتبعهم الغاوون.
ويحتمل أن يكون الأول عبارة عند صلاحه في أمور المعاد، والثاني إشارة إلى رشده في أمور المعاش ومنه يعلم أن أقواله كلها على سنن الصواب إلا أنه كان يمكن أن تكون مستنبطة من العقل أو العرف أو العادة، فأسندها الله إلى طريق أخص وأشرف وهو أن تكون مستندة إلى الوحي فقال بصيغة تفيد الاستمرار ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ أي ليس كل ما ينطق به ولا بعضه بصادر عن الرأي والتشهي إنما وحي يوحى إليه من الله، واستدل به بعض من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام، وأجيب بأن الله إذا سوغ له الاجتهاد كان لك من قبيل الوحي أيضاً.
وأما من يخص النطق بالقرآن فلا اعتراض عليه.
قال أهل اللغة: الهوى المحبة النفسانية، والتركيب يدل على النزول والسقوط ومنه الهاوية.
ومبة النفس الأمارة لا أصل لها ولا تصدر إلا عن خسة ودناءة، وقوله ﴿ إن هو إلا وحي ﴾ أبلغ مما لو قيل هو "وحي" وهو ظاهر.
وقوله ﴿ يوحى ﴾ لتحقيق الحقيقة كقوله ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ فإن الفرس الشديد العدو بما يقال إنه طائر، فإذا قيل يطير بجناحيه زال جواز ذلك المجاز فكذلك ههنا ربما يقال للكلام الصادق الفصيح هو وحي أو سحر حلال.
فلما قيل ﴿ يوحى ﴾ اندفع التجوز.
ثم بين طريق الوحي بقوله ﴿ علمه ﴾ أي الموحي أو محمداً ﴿ شديد القوى ﴾ وهو جبرائيل أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة مدح المعلم ليلزم منه فضيلة المتعلم.
ولو قال "علمه جبرائيل " لم يفهم منه فضل المتعلم ظاهراً.
وفيه رد على من زعم أنه يعلمه بشر لأن الإنسان خلق ضعيفاً وما أوتي من العلم إلا قليلاً.
وفيه أن جبرائيل أمين موثوق به من حيث قوته المدركة والحافظة ولو كان مختل الذهن أو الحفظ لم يوثق بروايته، وفيه تسلية للنبي كيلا يضيق صدره حين علم بواسطة الملك فكأنه قيل له: ليس لك في ذلك نقص لأنه شديد القوى على أنه قال في موضع آخر ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم ﴾ وأخبر النبي عن حاله فقال " أدبني ربي فأحسن تأديبي " والمرة القوة.
والظاهر أنها القوة الجسمانية كقوله ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ فمن قوته أنه قلع قريات قوم لوط وقلبها بجناحه، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان ينزل إلى الأنبياء ويصعد في لمحة.
ويجوز أن يراد بقوله ﴿ شديد القوى ﴾ قواه الجسمانية وبقوله ﴿ ذو مرة ﴾ القوى العقلية.
والتنكير للتعظيم.
قوله ﴿ فاستوى ﴾ المشهور أن فاعله جبرائيل أي فاستقام على صورته الحقيقية دون صورة دحية، وذلك أن رسول الله أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى أي الأشرف وهو الشرقي ﴿ ثم دنا ﴾ جبرائيل من الرسول على الصورة المعتادة ﴿ فتدلى ﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير أي فتعلق عليه في الهواء ثم دنا منه.
وقيل: دنا أي قصد القرب من محمد أو تحرك من المكان الذي كان فيه، فنزل إلى النبي .
يقال: تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير وقد يقال: الدنو والتدلي بمعنى واحد فلا يفيد إلا التأكيد.
ثم زاد تأكيداً بقوله ﴿ فكان قاب قوسين ﴾ قال أهل العربية.
هو من باب حذف المضافات أي فكان مقدار مسافة قرب جبرائيل مثل "قاب قوسين".
والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس كلها المقدار.
والعرب تقدر الأشياء بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع وغيرها.
وفي الحديث " لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين " وقال " لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها" والقد السوط.
وقوله ﴿ أو أدنى ﴾ أي في تقديركم كقوله ﴿ مائة ألف أو يزيدون ﴾ وقال بعضهم: الضمير في ﴿ فاستوى ﴾ لمحمد وذلك أن تعليم جبرائيل إياه كان قبل كماله واستوائه، فحين تكاملت قواه النظرية والعلمية وصار بالأفق الأعلى أي بالرتبة العليا من المراتب الإنسانية دنا من الأمة فتدلى أي لان لهم ورفق بهم حتى قال ﴿ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ﴾ فكان الفرق بينه وبين جبرائيل قليلاً جداً.
وعلى هذا يمكن أن يكون الرجحان في الكمال للنبي كما يقول أكثر أهل السنة، أو بالعكس كما تزعم طائفة منهم ومن غيرهم، ويحتمل على هذا القول أن يكون الضمير في ﴿ دنا ﴾ لجبريل والمراد أن النبي وإن زال عن الصفات البشرية من الشهوة والغضب والجهل وبلغ الأفق الأعلى الإنساني، ولكن نوعيته لم تزل عنه وكذلك جبرائيل.
وإن ترك اللطافة المانعة من الرؤية ونزل إلى الأفق الأدنى من الآفاق الملكية ولكن لم يخرج عن كونه ملكاً فلم يبقى بينهما إلا اختلاف حقيقتهما نظيره ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ أي رأى جبرائيل وهو أي محمد بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك كقول القائل: "رأيت الهلال على السطح" أي وأنا على السطح.
وقد يجعل ذكر القوس عبارة عن معنى آخر هو أن العرب كانوا إذا عاهدوا فيما بينهم طرحوا قوساً أو قوسين لتأكيد العهد بين الاثنين، فأخبر الله أنه كان بين جبرائيل ومحمد عليه الصلاة والسلام من المحبة وقرب المنزلة مثل ما تعرفونه فيما بينكم عند المعاقدة.
وقيل: الضمير لمحمد أو لله والمراد قرب المكان بينهما.
وهذا يشبه مذهب المجسمة إلا أن يقال: دنا دنو ألفة ولا دنو زلفة.
دنا دنو إكرام لا دنو أجسام، دنا دنو أنس لا دنو نفس.والقوسان أحدهما صفة الحدوث والأخرى صفة القدم.
أخبر بالقصة إكراماً وكتم الإسرار عظاماً.
قوله ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ الضمير في الفعلين إما لله أو لجبرائيل، والمراد بالعبد إما محمد أو جبريل فيحصل تقديرات أحدها: فأوحى الله إلى محمد ما أوحى وفيه تفخيم لشأن الوحي.
وقيل: أوحى إليه الصلاة.
وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها.
وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.
والظاهر أنها أسرار وحقائق ومعارف لا يعلمها إلا الله ورسوله.
ثانيها فأوحى الله إلى محمد ما أوحى أولاً جبرائيل يعني أن الوحي كان ينزل عليه أولاً بواسطة جبرائيل وقد ارتفعت الآن تلك الواسطة.
وعلى هذا يحتمل أن يقال "ما" مصدرية أي أوحى إلى محمد الإيحاء أي العلم بالإيحاء كي يفرق بين الملك والجن.
أو كلمة أنه وحي أو خلق فيه علماً ضرورياً.
ثالثها فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى.
رابعها فأوحى الله إلى جبرائيل ما أوحى جبريل إلى محمد وغيره من الأنبياء قبله.
وفيه إشارة إلى أن جبريل أمين لم يجن قط في شيء مما أوحى إلى الأنبياء.
خامسها فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى الله إليه.
سادسها فأوحى جبرائيل إلى عبد الله ما أوحى هو.
وفي هذين الوجهين لا يمكن أن يراد بالعبد إلا محمد .
قوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ الأشهر أن اللام للعهد وهو فؤاد محمد أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك.
ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه.
ومن قرأ بالتشديد فظاهر أي صدق فؤاده ما عاينه ولم يشك في ذلك.
وقيل: اللام للجنس والمراد أن جنس الفؤاد لا ينكر ذلك وإن كان الوهم والخيال ينكره.
والمقصود نفي الجواز لا نفي الوقوع كقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ﴿ وما ربك بغافل ﴾ بخلاف قوله ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ ﴿ لا يغفر أن يشرك به ﴾ فإنه لنفس الوقوع.
والظاهر أن فاعل رأى محمد وقيل: الفؤاد أو البصر أي ما رآه الفؤاد ولم يقل له إنه جن أو شيطان أو لم يكذب الفؤاد ما رآه بصر محمد .
وما المرئي فيه أقوال: أحدها ما مر وهو أنه رأى جبريل في صورته بالأفق الشرقي.
والثاني الآيات العجيبة الإلهية.
والثالث الرب والمسألة مبنية على جواز الرؤية وقد تقدم البحث عن ذلك في قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ثم على وقوع الرؤية وقد تقدم خلاف الصحابة فيه في حديث معراج النبي وذلك في أول "سبحان الذي".
ولعل القول الأول أصح.
يروي أنه ما رأى جبريل أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، وإليه إشارة بقوله ﴿ أفتمارونه ﴾ من المراء أي أتجادلونه ﴿ على ما يرى ﴾ ومن قرأ ﴿ أفتمرونه ﴾ فمعناه أتغلبونه في المراء يقال: ماريته فمريته.
ولما فيه من معنى الغلبة عدي بـ "على" وقيل: معناه افتجحدونه.
ولا بد من تضمين معنى الغلبة.
﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ أي مرة أخرى فانتصبت على الظرف لأن الفعلة صيغة المرة فكانت النزلة في حكم المرة أي نزل عليه جبريل في صورته تارة أخرى في ليلة المعراج ووجه الاستفهام الإنكاري أنه لما رآه وهو على بسيط الأرض احتمل أن يقال: إنه كان من الجن احتمالاً بعيداً فلما رآه ﴿ عند سدرة المنتهى ﴾ لم يحتمل أن يكون هناك جن ولا إنس فلم يبق للجدال مجال.
أما القائل بالقول الثالث فزعم أن النبي رأى ربه بقلبه مرتين.
والنزلة إما لله بمعنى الحركة والانتقال عند من يجوز ذلك، أبو بمعنى قرب الرحمة والإفضال، وإما للنبي لأنه نزل عن متن الهوى ومركب النفس.
وقيل: أراد بالنزلة ضدها وهي العرجة، واختير هذه العبارة ليعلم أن هذه عرجة تتبعها النزلة ليست عرجة لا نزلة لها وهي عرجة الآخرة.
وعلى القول الأول أيضاً يحتمل أن تكون النزلة لمحمد وذلك أن جبرائيل تخلف عنه في مقام "لو دنوت أنملة لاحترقت" ثم عاد النبي إليه.
ومعنى أخرى أنه تردد في أمر الصلاة مراراً فلعله كان ينزل إلى جبرائيل كل مرة لا أقل من نزلتين.
أما السدرة فالأكثرون على أنها شجرة في السماء السابعة: وقيل: في السادسة.
"نبقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة، يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها" وقد ورد الحديث بذلك.
فعلى هذا ﴿ عند ﴾ ظرف مكان.
ثم إن كان المرئي جبريل فلا إشكال، إن كان هو الله فكقول القائل "رأيت الهلال على السطح" وقد مر.
وقال بعضهم ﴿ عند ﴾ ظرف زمان كما يقال: صليت عند طلوع الفجر.
والمعنى رآه عند الحيرة القصوى أي في وقت تحارعقول العقلاء فيه ولكنه ما حار ولم يعرض له سدر.
وإضافة سدرة إلى المنتهى إما من إضافة الشيء إلى مكانه كما يقال "أشجار البلدة الفلانية كذا" وأشجار الجنة لا تيبس ولا تخلو من الثمار.
فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك ولا يعلم ما وراءه أحد وإليه ينتهي أرواح الشهداء.
وإما من إضافة المحل إلى الحال كما يقال "ظرف المداد" أي سدرة هي محل انتهاء الجنة.
وإما من إضافة الملك إلى مالكه كما يقال "دار زيد وأشجار عمرو" فيكون التقدير سدرة المنتهى إليه وهو الله قال ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ فالإضافة للتشريف "نحو بيت الله وناقة الله".
وقال الحسن: ﴿ جنة المأوى ﴾ هي التي يصير إليها المتقون.
وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء والظاهر أن الضمير في ﴿ عندها ﴾ للسدرة.
وقيل: للنزلة من ذهب إلى أن سدرة المنتهى معناها الحيرة القصوى.
قال ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ معناه ورود حالة على حالة أي طرأ على محمد حين ما يحار العقل ما طرأ من فضل الله ومن رحمته.
والأكثرون قالوا فيه تعظيم وتكثير لما يغشى الشجرة من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله مما لا يحيط بها الوصف.
وعن رسول الله " رأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله" وعنه "يغشاها رفرف من طير خضر" والرفرف كل ما يبسط من أعلى إلى أسفل.
وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش أو جراد من ذهب.
والمحققون على أنها أنوار الله تجلى للسدرة كما تجلى للجبل لكن السدرة كانت أقوى من الجبل، ومحمد كان أثبت من موسى فلم تضطرب الشجرة ولم يصعق محمد .
قوله ﴿ ما زاغ البصر ﴾ فيه وجهان: أشهرهما أنه بصر محمد أي لم يلتفت إلى ما يغشاها.
فإن كان الغاشي هو الفراش أو الجراد من ذهب فمعناه ظاهر ويكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لمحمد بالأمور الدنيوية، وإن كان الغاشي أنوار الله فالمراد أنه لم يلتفت إلى غير المقصود ولم يشتغل بالنور عن ذي النور.
أو المراد ما زاغ البصر بالصعقة بخلاف موسى .
وفي الأول بيان أدب محمد ، وفي الثاني بيان مزيته.
وذهب بعضهم إلى أن اللام للجنس أي ما زاغ بصره أصلاً في ذلك الموضع هيبة وإجلالاً.
والظاهر أن الضمير في قوله ﴿ وما طغى ﴾ للبصر أي ما جاوز حده المعين المأمور برؤيته.
ويحتمل أن يكون لمحمد أي ما زاغ بصره بالميل إلى غير المقصود، وما طغى محمد بسبب الالتفات.
قال بعض العلماء: فيه بيان لوصول محمد إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه إذ لم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف الناظر إلى عين الشمس فإنه إذا نظر إلى شيء آخر رآه أبيض أو أصفر أو أخضر.
قوله ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ الظاهر أن الكبرى صفة الآيات أي لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى.
وذلك البعض إما جبرائيل على صورته، وإما سائر عجائب الملكوت.
ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف أي لقد رأى من آيات ربه آية هي الكبرى.
وعلى هذا لا تكون تلك الآية رؤية جبريل لما ورد في الاخبار أن الله ملائكمة أعظم منه كالملك الذي يسمى روحاً.
نعم لو قيل: إنها رؤية الله الأعظم كان له وجه عند من يقول بأنه رأي الله ليلة المعراج.
وفيه خلاف تقديم.
قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ الخ.
أي عقيب ما سمعتم من عظمة الله ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وأن الذي سد الأفق ببعض أجنحته تخلف عند سدره المنهتى، هل تنظرون إلى هذه الأصنام مع قلتها وفقرها حتى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه؟
قال في الكشاف: اللات اسم صنم كان لثقيف بالطائف وأصله "فعلة" من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، أو يتلوون عليها أي يطوفون فكأنه حذفت الياء تخفيفاً وحركت الواو فانقلبت ألفاً.
والوقف عليه بالتاء كيلا يشبه اسم الله: وقيل: أصله اللات بالتشديد وقد قرىء به.
زعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج.
وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف وكانوا يعكفون على قبره فجعلوه وثناً.
والعزى تأنيث الأعز وكان لغطفان وهي شجرة سمرة بعث إليها رسول الله خالد ابن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ناشرة الشعر تضرب رأسها وتدعو بالويل والثبور فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك *** إني رأيت الله قد أهانك فرجع إلى النبي وأخبره بما فعل.
فقال: تلك العزى ولن تعبد أبداً.
وأما مناة فهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة كأنها سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق.
ومن قرأ بالمد فلعلها "مفعلة" من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها.
و ﴿ الأخرى ﴾ لا يطلق إلأا إذا كان الأول مشاركاً كالثاني فلا يقال: رأيت رجلاً وامرأة أخرى.
وإنما يقال رأيت رجلاً ورجلاً آخر.
وههنا ليست عزى ثالثة فكيف قال ﴿ ومناة الثالثة الأخرى ﴾ ؟
وأجيب بأن الأخرى صفة ذم لها أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله { ﴿ وقالت أخراهم لأولاهم ﴾ أي وضعاؤهم لرؤسائهم.
ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى وذلك أن الأول كان على صورة آدمي، والعزى كانت من النبات ومناة من الجماد.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي ومناة الأخرى.
الثالثة.
وقيل: إن الأصنام فيها كثرة فإذا أخذنا اللات والعزى مقدمين كانت لهما ثوالت كثيرة هذه ثالثة أخرى.
وقيل: فيه حذف والتقدير أفرأيتم اللات والعزى المعبودتين.
بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى.
ثم إنه حين وبخهم على الشرك فكأنهم قالوا نحن لا نشك في أن شيئاً منها ليس مثلاً لله ولكنا صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم الأنبياء وقالوا: إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى، ويرد عليهم الأمر والنهي ويصدر عنهم إلينا فوبخهم على قولهم إن هؤلاء الأصنام التي هي إناث أنداد الله ، أو على قولهم الملائكة بنات الله فاستفهم منكراً ﴿ ألكم الذكر ﴾ الذي ترغبون فيه ﴿ وله الأنثى ﴾ التي تستنكفون عنها ﴿ تلك ﴾ القسمة ﴿ إذا ﴾ أي إذا صح ما ذكرتم ﴿ قسمة ضيزى ﴾ أي جائرة غير عادلة من ضازه يضيزه إذا ضامه، وهي "فعلى" بالضم، وكان يمكن أن تقلب الياء واواً لتسلم الضمة إلا أنه فعل بالعكس أي قبلت الضمة كسرة لتسلم الياء فإن إبقاء الحرف أولى من إبقاء الحركة.
ومن قرأ بالهمزة فمن ضأزه بالهمزة والمعنى واحد ولكنها "فعلى" بالكسر.
قال بعضهم: إنهم ما قسموا ولم يقولوا لنا البنون وله البنات ولكنهم نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن، فلزم من هذه النسبة قسمة جائرة، فتقدير الكلام تلك النسبة قسمة غير عادلة إذ العدالة تقتضي أن يكون الشريف للشريف والوضيع للوضيع ﴿ إن هي ﴾ يعني ليس الأصنام أو أسماؤها المذكورات ﴿ إلا أسما سميتموها ﴾ وقد مر في "الأعراف" وفي "يوسف".
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: الم يتم بقوله ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ فإن إطلاق اللاسم على المسمى إنما يجوز إذا لم يتبعه مفسدة دينية.
وههنا يمكن أن يكون مرادهم من قولهم "الملائكة بنات الله" أنهم أولاد الله من حيث إنه لا واسطة بينهم وبينه في الإيجاد كما تقوله الفلاسفة.
والعرب قد تستعمل البنت مكان الولد كما يقال "بنت الجبل وبنت الشفة" لما يظهر منهما بغير واسطة خصوصاً إذا كان في اللفظ تاء التأنيث كالملائكة إلا أنه لم يجز في الشرع إطلاق هذا اللفظ على الملائكة لأنه يوهم النقص في حقه ثم قال: وهذا بحث يدق عن إدراك اللغوي إن لم يكن عنده من العلوم حظ عظيم.
قلت: هذا البحث الدقيق يوجب أن يكون الذم راجعاً إلى ترك الأدب فقط.
وليس الأمر كذلك فإن الذم إنما توجه إلى المشرك لأنه ادعى الإلهية لما هو أبعد شيء منها.
وما أمكن له على تصحيح دعواه حجة عقلية ولا سمعية.
ومعنى ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ أي بسببها وصحتها.
وقال الرازي: الباء للمصاحبه كقول القائل "ارتحل فلان بأهله ومتاعه" أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع.
ومن قرأ ﴿ إن تبعون ﴾ على الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فإما للالتفات، وأما لأن الضمر للآباء وصيغة الاستقبال حكاية الحال الماضية ويحتمل أن يكون المراد عامة الكفار.
قوله ﴿ وما تهوى الأنفس ﴾ يجوز أن تكون "ما" مصدرية، وفائدة العدول عن صريح المصدر إلى العبارة الموجودة أن القاتل إذا قال: أعجبني صنعك.
لم يعلم أن الإعجاب من أمر قد تتحقق أو من أمر هو فيه.
وإذا قال: أعجبني ما تصنع.
شمل الحال والاستقبال.
ويجوز أن تكون "ما" موصولة والفرق أن المتبع في الأول الهوى وفي الثاني مقتضى الهوى.
وقوله ﴿ الأنفس ﴾ من باب مقابلة الجمع بالجمع.
والمعنى اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه كقولك: خرج الناس بأهلهم أي كل واحد بأهله ولعل الظن يختص بالاعتقاد وهوى النفس بالعمل.
ويجوز أن يكون الظن مقصوداً به كل ماله محمل مرجوح والهوى يراد به ما لا وجه له أصلاً.
ويحتمل أن يراد بالظن ماله محمل راجح أيضاً وهو إن كان واجب العمل به في المسائل الاجتهادية إلا أنه مذموم عند القدرة على اليقين وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾ وهو القرآن أو الرسول أو المعجزة، وفي هذه الحالة لا يجوز البناء على الظن بل يجب التعويل على اليقين.
قوله ﴿ أم للإنسان ﴾ أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والمراد تمنيهم شفاعة الآلهة وأن لهم عند الله الحسنى على تقدير البعث إذ تمنى أشرافهم أن يكونوا أنبياء دون محمد .
قوله ﴿ فالله الآخرة والأولى ﴾ رد عليهم أي هو مالكها فهو المعطي والمانع ولا حكم لأحد عليه.
ومعنى الفاء أنه إذا تقرر أن شيئاً من الأشياء ليس بتمني الإنسان فلا حكم إلا لله.
ثم بين أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا برضاه.
وفيه أصناف من المبالغة من جهة أن "كم" للتكثير والعرب تستعمل الكثير وتريد الكل كما قد تستعمل الكل وتريد به الكثير كقوله ﴿ تدمر كل شيء ﴾ ومن جهة لفظ الملك فإنهم أشرف المخلوقات سوى الأنبياء عند بعض، ومن قبل أنهم في السموات فإن ذلك يدل على علو مرتبتهم ودنو منزلتهم، ومن قبل اجتماعهم المدلول عليه بضمير الجمع في شفاعتهم وإذا كان حالهم هكذا فكيف يكون حال الجمادات؟
وقوله ﴿ لمن يشاء ﴾ أي لمن يريد الشفاعة له ﴿ ويرضى ﴾ أي ويراه أهلاً أن يشفع له فههنا أيضاً أنواع أخر من المبالغة.
الأول توقيف الشفاعة على الإذن.
والثاني تعليقها بالمشيئة فيهم منه أنه بعد أن يؤذن في مطلق الشفاعة يحتاج إلى الأذن في كل مرة معينة.
والثالث رضا الله الشفاعة فقد يشاء ولكن لا يرضاه كقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ وهذا عند أهل السنة واضح.
ثم صرح بالتوبيخ على قولهم الملائكة بنات الله فقال ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة ﴾ أي كل واحد منهم ﴿ تسمية الأنثى ﴾ لأنهم إذا جعلوا الكل بنات فقد جعلوا كل واحدة بنتاً وبالعكس.
وههنا سؤالان: أحدهما: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعم من هؤلاء المسلمين فكان الأولى أن يقال: إن الذين يسمون لا يؤمنون.
وثانيهما أنه كيف يلزم من عدم الإيمان بالآخرة هذه التسمية؟
والجواب عن الأول أن اللام للعهد وبه خرج الجواب عن الثاني أيضاً لأنه بخير عن جميع معهود أنهم يسمون.
ولا يلزم من حمل شيء على شيء أن يكون بينهما ملازمة.
ولو سلم أن اللام للعموم فالمراد بمثل هذا التركيب المبالغة والتوكيد كما تقول: الإنسان زيد.
وعلى هذا فإن أريد بالحمل مجرد الإخبار فلا إشكال وإن أريد الملازمة فمعناه المبالغة أيضاً لأن غاية جهلهم بالآخرة وبالجزاء حملهم على ارتكاب مثل هذا الافتراء على الله، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ما لهم به من علم أن يتبعون إلا الظن ﴾ واعلم أن الإمام فخر الدين الرازي بحث مع هؤلاء المشركين الذين سموا الملائكة إناثاً بحثاً طويلاً بناء على ظنه بهم أنهم رأوا في لفظ الملائكة تاء فلذلك جعلوه مؤنثاً.
وحاصل ذلك البحث يرجع إلى أن التاء لا يلزم أن تكون للتأنيث فقد تكون لتأكيد الجمع كحجارة وصقورة، أو لغير ذلك من المعاني، ونحن قد أسقطنا تلك البحوث لعدم فائدتها كما نبهناك عليه.
ثم بين الله قاعدة كلية فقال: ﴿ وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ﴾ أي كل ما يجب أن يحصل منه المكلف على العلم واليقين فلا ينفع فيه الظن والتخمين، ومن جملته مسائل المبدأ والمعاد التي ينبني البحث فيها على البراهين العقلية والدلائل السمعية، ومن قنع في أمثالها بالوهم والظن لعدم الاستعداد أو لحفظ بعض المنافع الدنيوية وجب الإعراض عنه كما قال ﴿ فأعرض ﴾ أي إذا وقفت على قلة استعدادهم وعدم طلبهم للحق فأعرض يا محمد يا طالب الحق ﴿ عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ ويجوز أن يكون هذا الإعراض متضمناً للأمر.
بالقتال أي أعرض عن المقال وأقبل على القتال.
وقوله ﴿ ذلك ﴾ أي الذي ذكر من التسمية أو من اعتقاد كون الأصنام شفعاء ﴿ مبلغهم من العلم ﴾ جملة معترضة.
ثم بين علة الإعراض قائلاً ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ إلى آخره، وفيه بيان أنه تعالى يجازي كل فريق بحسب ما يستحقه، وفيه تسلية للنبي كيلا يتعب نفسه في تحصيل ما ليس يرجى حصوله وهو إيمان أهل العناد الذين قنعوا بالظن بدل العلم ووقفوا لدى الباطل دون الحق.
ثم قرر أنه سوى الملك والملكوت لغرض الجزاء والإثابة.
والحسنى صفة المثوبة والأعمال، وإضافة الكبائر إلى الإثم إضافة النوع إلى الجنس لأن الإثم يشمل الكبائر والصغائر.
واختلف في الكبائر وقد أشبعنا القول القول فيها في سورة النساء في قوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ والفواحش ام تزايد قبحه من الكبائر كأنها مع كبر مقدار عقابها قبيحة في الصورة كالشرك بالله.
والمراد باللمم الصغائر، والتركيب يدل على القلة ومنه اللمم المس من الجنون وألم بالمكان إذا قل لبثه فيه قال: ألمت فحيث ثم قامت فودعت *** وإلا صفة كأنه قيل: كبائر الإثم وفواحشه غير اللمم، أو استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش.
عن أبي سعيد الخدري: اللمم هي النظرة والغمزة والقبلة.عن السدي: الخطرة من الذنب.
وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عز وجل عليه حداً ولا عذاباً.
وعن عطاء: هي ما تعتاده النفس حيناً بعد حين.
قال جار الله: معنى قوله ﴿ إن ربك واسع المغفرة ﴾ أنه يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ويكفر الكبائر بالتوبة.
وأقول: فيه إشارة إلى أن اللمم ما لا يمكن فيه الاجتناب عنه لكل الناس أو لأكثرهم فالعفو عن ذلك يحتاج إلى سعة وكثرة، بل فيه بشارة أنه يغفر الذنوب جميعاً سوى الشرك لأن غفران اللمم لا يوجب الوصف بسعة المغفرة وإنما يوجب ذلك أن لو غفر معها الكبائر.
وقوله ﴿ هو أعلم بكم ﴾ إلى آخره.
دليل على وجوب وقوع الغفران لأنه إذا كان عالماً بأصلهم وفرعهم كان عالماً بضعفهم ونقصهم فلا يؤاخذهم بما يصدر عنهم على مقتضى جبلتهم وطبعهم.
فكل شيء يرجع إلى الأصل والأرض بطبعها تميل إلى الأسفل.
والجنين أوله نطفة مذرة وآخره الاغتذاء بدماء قذرة، وإذا كان مبدأ حاله هكذا وهو في أوسط أمره متصف بالظلم والجهل والعاقبة غير معلومه وجب عليه أن لا يزكي نفسه فإن الله تعالى أعلم بالزكي والتقي أولاً وآخراً باطناً وظاهراً، وما أحسن نسق هذه الجمل.
وقد أبعد بعض أهل النظم فقال لما ذكر أنه أعلم بمن ضل كان للكافر أن يقول: كيف يعلم الله أموراً نعلمها في البيت الخالي وفي جوف الليل المظلم؟
فأجاب الله بأنا نعلم ما هو أخفى من ذلك وهو أحوالكم وقت كونكم أجنة.
وقوله ﴿ في بطون أمهاتكم ﴾ للتأكيد فإنه إذا خرج من بطن الأم يدعى سقطاً أو ولداً.
وقيل: أراد أن الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله وبأنه كتب عليهما في رحم أمهما أنه ضال أو مهتد.
وقيل: فيه تقرير الجزاء وتحقيق الجزاء وتحقيق الحشر فإن العالم بأحوال المكلف وهو جنين القادر على إنشائه من الأرض أول مرة، عالم بأجزائه بعد التفرق، قادر على جمعه بعد التمزق.
والعامل في "إذ" هو "اذكر" أو ما يدل عليه ﴿ أعلم ﴾ أي يعلمكم وقت الإنشاء.
والخطاب للموجودين وقت نزول الآية وللآخرين بالتبعية.
ويجوز أن يكون الإنشاء من الأرض إشارة إلى خلق أبينا آدم.
وقوله ﴿ وإذ أنتم ﴾ يكون خطاباً لنا.
قوله ﴿ أفرأيت الذي تولى ﴾ قال بعض المفسرين: نزل في الوليد بن المغيرة جلس عند رسول الله وسمع وعظه وأثرت الحكمة فيه تأثيراً قوياً فقال له رجل: لم تترك دين آبائك؟
قال: أخاف.
ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك فأعطاه ما ألزمه وتولى عن الوعظ واستماع كلام النبي وقال بعضهم: نزل في عثمان بن عفان كان يعطي ماله عطاء فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
ويوشك أن يفنى مالك فأمسك فقال له عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا وإني أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء.
فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الإعطاء ومعنى تولي ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى خير من ذلك.
يقال: أكدى الحافر إذا لقيته كدية وهي أرض صلبة كالصخرة ونحوه "أجبل الحافر وأجبل الشاعر" إذا أفحم.
ثم وبخه بأنه لا يعلم الغيب فكيف يعلم أن أوزاره محمولة عنه؟
وقيل: نزلت في أهل الكتاب وذلك أنه لما بين حال المشركين المعاندين شرع في قصة هؤلاء والمعنى: أفرأيت الذي تولى أي صار متولياً لكتاب الله وأعطى قليلاً من الزمان حق الله فيه، ولما بلغ عصر محمد أمسك عن العمل به.
قالوا: يؤيد هذا التفسير قوله ﴿ أم لم ينبأ بما في صحف موسى ﴾ عينها أو جنسها وهو ما نبأهم به نبينا .
وجمع الصحف إما لأن موسى له صحيفة وإبراهيم له صحيفة فذكر التثنية بصيغة الجمع، وإما لأن كل واحد منهما له صحف لقوله تعالى ﴿ وألقى الألواح ﴾ وكل لوح صحيفة.
وتقديم صحف موسى إما لأنها أقرب وأشهر وأكثر وإما لأنه رتب وصف إبراهيم عليه، وإما لحسن رعاية الفاصلة وقد راعى في آخر "سبح اسم ربك" هذا المعنى مع ترتيب الوجود.
والتشديد في قوله ﴿ وفي ﴾ للمبالغة في الوفاء، أو لأنه بمعنى وفر وأتم كقوله ﴿ فأتمهن ﴾ وأطلق الفعل ليتناول كل وفاء وتوفية من ذلك تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح الولد وعلى نار نمرود وقيامه بأضيافه بنفسه.
يروى أنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يطلب ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم.
وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما رمي في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟
فقال: أما إليكم فلا.
قالا: فسل الله.
قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.
وروي في الكشاف عن النبي وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الفجر والضحى.
وروي "ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟
كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى حين تظهرون" وعن الهزيل بن شرحبيل كان بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة غيره ويقتل الزوج بامرأته والعبد بسيده، وأول من خالفهم إبراهيم فلهذا قال ﴿ ألا تزر وازرة ﴾ وهي مخففة من الثقيلة ولهذا لم ينصب الفعل وضمير الشأن محذوف ومحله الجر بدلاً مما في صحف موسى، أو الرفع كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟
فقيل: هو أنه لا تزر نفس من شأنها أن تزر وزر نفس أخرى إذا لم تحمل التي يتوقع منها ذلك فغيرها أولى بأن لا تحمل.ثم عطف على قوله ﴿ ألا تزر ﴾ قوله ﴿ وأن ليس ﴾ وحكمه حكم ما يتلوه من المعطوفات فيما مر.
وفيه مباحث: الأول الإنسان عام وقيل: هو الكافر.
وأورد عليه أن الله قال ﴿ ليس للإنسان ﴾ ولو أراد الكافر لقال "ليس على الإنسان" وهذا بالحقيقة غير وارد فإن اللام قد تستعمل في مثل هذا المعنى قال ﴿ وإن أسأتم فلها ﴾ وورد على الأول أن الدعاء والصدقة والحج ينفع الميت كما ورد في الأخبار، وأيضاً قال ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ والأضعاف فوق ما سعى.
وأجاب بعضهم بأن قوله ﴿ ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ كان في شرع من تقدم ثم إنه نسخه في شريعتنا وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع.
وقال المحققون: إن سعي غيره وكذا الأضعاف لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً صالحاً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه.
والثاني "ما" مصدرية والمضاف محذوف أي الأثواب أو جزاء سعيه.
ويجوز أن تكون موصولة أي إلا الجزاء الذي سعى فيه.
الثالث في صيغة المضي إشارة إلى أنه لا يفيد الإنسان إلا الذي قد حصل فيه ووجد، وأما مجرد النية مع التواني والتراخي فذلك مما لا اعتماد عليه ولعل ذلك من مكايد الشيطان يمنيه ويعده إلى أن يحل اوجل بغتة.
قوله ﴿ وأن سعيه سوف يرى ﴾ إن كان من الرؤية فكقوله ﴿ اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ﴾ وإن كان من الإراءة فالفائدة في إراءته وعرضه عليه أن يفرح به هو ويحزن الكافر والله قادر على إعادة كل معدوم عرضاً كان أو جوهراً، والمراد أن يريه الله إياه على صورة جميلة إن كان عملاً صالحاً وبالضد إن كان بالضد.
ويجوز أن يكون مجازاً عن الثواب كما يقال "سترى إحسانك عند الملك" أي جزاءه إلا أن القول الأول أقوى لقوله ﴿ ثم يجزاه الجزاء الأوفى ﴾ اللهم إلا أن يراد تراخي الرتبة والفائدة تعود إلى الوصف بالأوفى وهو الرؤية التي هي أوفى من كل وافٍ أي يجزى العبد بسعيه الجزاء الأتم.
وجوز أن يكون الضمير للجزاء ثم فسره بقوله ﴿ الجزاء الأوفى ﴾ وأبدل عنه كقوله ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا ﴾ ومن لطائف الآية أنه قال في حق المسيء ﴿ لا تزر وارزة وزر أخرى ﴾ ولا يلزم منه أن يبقى الوزر على المذنب بل يجوز أن يسقط عنه بالمحو والعفو، ولو قال "كل وازرة تزر وزر نفسها" لم يكن بد من بقاء وزرها عليها.
وقال في حق المحسن "ليس له ما سعى" ولم يقل "ليس له ما لم يسع" إذا العبارة الثانية لا يلزمها أن له ما سعى، والعبارة الأولى يلزمها ذلك لأنها في قوة كلامين إثبات ونفي والحاصل أنه قال هي حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه، وفي حق المحسن بعبارة توجب رجاءه كل ذلك لأن رحمته سبقت غضبه.
قوله ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ المشهور أن فيه بيان المعاد كقوله عز من قائل ﴿ وإلى الله المصير ﴾ أي للناس بين يدي الله وقوف وفيه بيان وقت الجزاء.
وقد يقال: المراد به التوحيد وهو تأويل أهل العرفان.
والحكماء يستدلون به على وجود الصانع فإن الممكن لا بد أن ينتهي إلى الواجب.
وقيل: أراد أن البحث والإدراك ينتهي عنده كما قيل: إذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا.
وعن أنس أن النبي قال "إذا ذكر الرب فانتهوا" والخطاب عام لكل سامع مكلف وفيه تهديد للمسيء ووعد للمحسن: وقيل: الخطاب للنبي وفيه تسلية له.
ثم بين غاية قدرته وهي إيجاده الضدين الضحك والبكاء والإماتة والإحياء في شخص واحد، وكذا الذكورة والأنوثة في مادة واحدة هي النطفة نطفت إذا تمنى تدفق في الرحم.
يقال: منى وأمنى.
وقال الأخفش: تخلق والمنى والتقدير وفيه إبطال قول الطبيعيين أن مبدأ الضحك قوة التعجب، ومبدأ الكباء رقة القلب، وإن الحياة مستندة إلى الطبيعة كالنبات، والموت أمر ضروري وهو تداعي الأجزاء العنصرية إلى الانفكاك بعد اجتماعها على سبيل الاتفاق أو لاقتضاء سبب سماوي من اتصال أو انفصال وذلك أن انتهاء كل ممكن إلى الواجب واجب.
قوله ﴿ أمات وأحيي ﴾ إما لأجل الفاصلة أو لأنه اعتبر حالة كون الإنسان نطفة ميتة.
قال الأطباء: الذكر أسخن وأجف والأنثى أبرد وأرطب.
وقالوا في نبات شعر الرجل: إن الشعور تتكون من بخار دخاني منجذب إلى المسام فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعراً.
وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف لم ينبت لعسر خروجه من المخرج الضيق وإنما يندفع كثرة تلك الأبخرة إلى الرأس حتى رأس المرأة والصبي لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فيتصاعد إليها.
وأما في الرجل فيندفع إلى صدره كثيراً لحرارة القلب.
وإلى آلات التناسل لحرارة الشهوة، وإلى اللحيين لكثرة الحرارة بسبب الأكل والكلام ومع حرارة الأبخرة، ومن شأن الحرارة جذب الرطوبة كجذب السراج الزيت.
هذا أقوى ما قالوا في هذا الباب.
ويرد عليه أنه ما السبب لتلازم شعر اللحية وآلة التناسل فإنها لو قطعت لم تنبت اللحية، ولو سلم التلازم من حيث إن حرارة الخصيان تقل بسبب قطع آلة الشهوة فلا بد أن يعترفوا بانتهاء جميع الممكنات إلى الواجب بالذات.
واعلم أنه في هذه الآية وسط الفصل بين الاسم والخبر حيث كان توهم الحملية فيه أكثر وترك الفصل حيث لم يكن كذلك.
ففي آيات الضحك والبكاء والإماتة والإحياء وسط الفصل للتوهمات المذكورة حتى قال نمرود ﴿ أنا أحي وأميت ﴾ وأما خلق الذكر والأنثى فلم يتوهم أحد أنه بفعل المخلوقين فلم يؤكد بالفصل وعلى هذا القياس قوله ﴿ وأن عليه النشأة الأخرى ﴾ ظاهرة وجوب وقوع الحشر في الحكمة الإلهية للمجازاة على الإحسان والإساءة وقال في التفسير الكبير: هو كقوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاًً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] أي بعد خلقته ذكراً وأنثى نفخ فيه الروح الإنساني ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره، ثم أقناه بالكسب بعد كبره أي أعطاه القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك، وبالجملة فالإغناء بكل ما تدفع به الحاجة والإقناء بما زاد عليه.
وإنما وسط الفصل لأن كثيراً من الناس يزعم أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده، فمن كسب استغنى ومن كسل افتقر.
وذهب بعضهم إلى أنه بالبخت أو النجوم فقال رداً عليهم ﴿ وأنه هو رب الشعرى ﴾ وهما شعريان شامية ويمانية وهذه أنورهما.
وخصت بالذكر لأن أبا كبشة أحد أجداد رسول الله من قبل أمه قال: لا أرى شمساً ولا قمراً ولا نجماً تقطع السماء عرضاً غيرها فليس شيء مثلها فعبدها وعبدتها خزاعة فخالفوا قريشاً في عبادة الأوثان.
وكانت قريش يقولون لرسول الله "أبو كبشة" تشبيهاً له لمخالفته إياهم في دينهم.
وحين ذكر أنه أغنى وأقنى وذلك كان بفضل المولى لا بعطاء الشعرى، ذكرهم حال الأقدمين الهلكى.
وعاد الأولى قوم هود والأخرى، إرم ميزوا عن قوم كانوا بمكة.
وقيل: أراد التقدم في الدنيا وأنهم كانوا أشرافاً قوله ﴿ وثمود ﴾ عطف على ﴿ عاد ﴾ أي ما رحم عليهم.
ومن المفسرين من قال فما أبقى أي ما ترك أحداً منهم كقول ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ وبه تمسك الحجاج على من زعم أن ثقيفاً من ثمود.
وإنما وصف قوم نوح بأنهم كانوا هم أظلم وأطغى فبالغ بتوسيط الفصل وبناء التفضيل لأن نوحاً كان أول الرسل إلى أهل الأرض، وكان قومه أول من سن التكذيب وإيذاء النبي والبادي أظلم.
ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها.
ولأنهم كانوا مجاوزين حد الاعتدال يضربون نبيهم حتى لم يربه حراك وينفرون عنه الناس ويخوفون صبيانهم وما نجع فيهم وعظه ألف سنة إلا خمسين عاماً.
وليس قوله ﴿ أنهم كانوا ﴾ تعليلاً للإهلاك حتى يرد عليه أن غيرهم من الظالمين والطاغين لا يلزم أن يهلكوا وإنما هي جملة معترضة بياناً لشدة طغيانهم وفرط ظلمهم.
﴿ والمؤتفكة ﴾ يعني قريات قوم لوط لأنها ائتفكت بأهلها أي انقلبت وقد مر في هود ﴿ أهوى ﴾ أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل فأسقطها إلى الأرض ﴿ فغشاها ما غشي ﴾ من الحجار المسومة وفيه تهويل وتفخيم لما صب عليهم من العذاب.
وجوز أن يكون "ما" فاعلاً كقوله ﴿ والسماء وما بناها ﴾ هذا كله حكاية ما في الصحف إلا فيمن قرأ ﴿ وإن إلى ربك المنتهي ﴾ بالكسر على الابتداء وكذا ما بعده أما قوله ﴿ فبأي آلاء ربك تتمارى ﴾ فقد قيل: هو أيضاً مما في الصحف وقيل: هو ابتداء كلام، والخطاب لكل سامع ولرسول الله كقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ والمراد أنه لم يبق فيها إمكان الشك، وقد عد نعماً ونقماً وجعل كلها آلاء لأن النقم أيضاً نعم إن أراد أن يعتبر.
ويحتمل أن يقال لما عد نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه وإقنائه.
ثم ذكر أنه أهلك من كفر بها، وبخ الإنسان على جحد شيء من نعمة فيصيبه مثل ما أصاب المتمارين: أو يقال: لما حكى الإهلاك قال للشاك: أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك فبأي آلاء ربك تتمارى وسيجيء له مزيد بيان في سورة الرحمن ﴿ هذا ﴾ القرآن أو الرسول ﴿ نذير ﴾ أي إنذار أو منذر من جنس الإنذارات أو المنذرين.
وقال ﴿ الأولى ﴾ على تأويل الجماعة.
وحين فرغ من بيان التوحيد والرسالة ختم السورة بذكر اقتراب الحشر فقال ﴿ أزفت الآزفة ﴾ أي قربت الموصوفة بالقرب في قوله ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب ﴾ وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل يوم وأنها تكاد تقوم ﴿ ليس لها من دون الله ﴾ نفس ﴿ كاشفة ﴾ تكشف عن وقت مجيئها أو تقدر على كشفها ودفعها إذا وقعت، ولا يلزم من قدرة الله على دفعها وجوب وقوع الدفع فإن كل مقدور لا يلزم أن يكون واقعاً.
والتاء في ﴿ كاشفة ﴾ للتأنيث كما مر، أو للمبالغة أي لا أحد يكشف حقيقتها، أو هي مصدر كالعافية، و"من" زائدة والتقدير ليس لها كاشفة دون الله، ويحتمل أن يراد لها في الوجود نفس تكشف عنها من غير الله بل إنما يكشفها من عند الله ومن قبل علمه وإخباره.
ثم وبخهم على التعجب من القرآن ومن حديث القيامة وضحكهم من استهزاء وإنكاراً.
وفي قوله ﴿ ولا تبكون ﴾ إلى آخره تنبيه على أن البكاء والخشوع وحضور القلب حق عليهم عند سماع القرآن كما قال ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً ﴾ والسمود الغفلة وقد يكون مع اللهو.
وعن مجاهد: كانوا يمرون بالنبي غضاباً مبرطمين.
وقال: البرطمة الإعراض ثم إنهم كانوا أنصفوا من أنفسهم وقالوا: لا نعجب ولا نضحك ولا نسمد بل نبكي ونخشع فلا جرم قال ﴿ فاسجدوا ﴾ أي إذا اعترفتم لله بالعبودية فاخضعوا له وأقيموا وظائف العبادة.
وقد مر في سورة الحج في قوله ﴿ ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ {الآية: 52] أن رسول الله قرأ هذه السورة في الصلاة ثم سجد فسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس وذكرنا سببه.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ﴾ .
قيل: المراد: هو النجوم أنفسها، فأقسم بها على أن محمداً ما ضل وما غوى؛ على ما قاله الكفرة؛ وبه يقول الأصم.
وقيل: أراد بقوله: ﴿ وَٱلنَّجْمِ ﴾ : نزول القرآن نجما فنجما، على التفاريق أقسم بالقرآن: إنه لم يضل، ولم يغو.
وقال مجاهد: أقسم بالثريا إذا غاب، والعرب تسمي الثريا - وهي ستة أنجم ظاهرة -: نجما.
وقال أبو عبيد: أقسم بالنجم إذا سقط في الغور؛ فكأنه لم يخص الثريا دون غيره.
فإن كان التأويل هو الأول فهو لما جعل الله للنجوم محلاًّ في قلوب الخلق وأعلاما يستخرجون بها جميع ما ينزل بالخلق، وما يكون لهم من المنافع والمضار من كثرة الأنزال والسعة والضيق، وما ينزل بهم من المصائب والشدائد، وما يكون من انقلاب الأمور، وما جعل فيها من المنافع من معرفة القبلة، وطرق الأمكنة النائية، ومعرفة الأوقات وغيرها مما يكثر عدها، فأقسم بنفسها، أو بالذي أنشأ النجوم، وما جعل فيها من المنافع: أن محمداً ما ضل وما غوى.
وإن كان النجم هو النجوم التي أنزل القرآن فيها نجوما على التفاريق، فالقسم بالذي أنزل القرآن على التفاريق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا هَوَىٰ ﴾ ؛ أي: سقطت، كقوله : ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ ﴾ أي: بمساقطها.
والأشبه: أن يكون قوله: ﴿ إِذَا هَوَىٰ ﴾ أي: إذا سارت سيراً دائماً في سيرها؛ لأنها أبدا تكون في السير، وفي سيرها منافع الخلق من الاهتداء للطرق وغيرها، ولما ليس في مساقط النجوم وغيبوبتها كثير حكمة حتى يقسم بذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما ضل عما نزل به القرآن، وعما آمر به؛ لأنهم كانوا يدعون عليه الضلال: أن خالف دينهم ودين آبائهم، فقال: ما ضل عما أمر به، وما غوى.
والثاني: ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ﴾ ؛ إذ ليس بساحر؛ ولا شاعر؛ لأنهم كانوا يقولون: إنه شاعر وإنه ساحر، فقال: ليس هو كذلك ما ضل بالسحر، وما غوى بالشعر؛ على ما قال ﴿ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ ﴾ [بل] رشد واهتدى، وهو ما قال: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ ﴾ أي: ما ينطق عما يهوي به نفسه؛ بل إنما ينطق عن الوحي بقوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ * ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ ﴾ ، وإلا جائز أن يصرف قوله - عز وجل -: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ﴾ إلى الله ؛ إذ الله قد أضاف تعليمه إلى نفسه بقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ ﴾ لكن أبان بقوله: ﴿ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ ﴾ : أن المراد غيره؛ إذ هو لا يوصف بأنه ﴿ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ ﴾ ، وهو جبريل - - على ما قال أهل التأويل.
ثم أضاف التعليم مرة إلى جبريل - - ومرة إلى نفسه، فالإضافة إلى جبريل - صلوات الله عليه - لما منه سمع النبي ، وتلقف.
والإضافة إلى الله تخرج على وجهين: أحدهما: أضاف إلى نفسه؛ لما أنه هو الباعث لجبريل إليه، والآمر له بالتعليم، والخالق لفعل التعليم من جبريل، .
والثاني: لما يكون من الله - وتعالى - من اللطف الذي يحصل به العلم عند التعليم؛ ولهذا يختلف المتعلمون في حصول العلم مع التساوي في التعليم؛ لاختلافهم في آثار اللطف، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ...
﴾ الآية.
قال أهل التأويل: ﴿ ذُو مِرَّةٍ ﴾ أي: ذو قوة.
وقيل: ﴿ ذُو مِرَّةٍ ﴾ أي: ذو إحكام، وأصله من قوى الحبل، وهي طاقته، والواحد: قوة، وأصل المرة: الفتل.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَوَىٰ ﴾ يحتمل ﴿ فَٱسْتَوَىٰ ﴾ ، أي: محمد ؛ لنزول الوحي إليه.
وقيل: ﴿ فَٱسْتَوَىٰ ﴾ ، أي: جبريل - - على صورته؛ لما ذكر أنه سأل ربه - عز وجل - أن يريه جبريل - - على صورته فاستوى جبريل على صورته، فرآه كذلك، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ ثم يحتمل ﴿ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ أي: أفق السماء.
ويحتمل أن يكون الأفق الأعلى مكان الملائكة ومسكنهم، فأخبر أنه رأى [جبريل] على صورته في مكانه.
وجائز أن يكون الأفق ما ذكر في الخبر: أن رسول الله أراد أن يرى جبريل في صورته، فسأله أن يراه، فقال: إن الأرض لا تسعني، ولكن انظر إلى الأفق الأعلى، فنظر فرآه.
وفي بعض الأخبار: إنك لا تقدر أن تراني في صورتي، ولكن انظر إلى الأفق الأعلى.
ثم جائز أن يكون ما ذكر من النظر إلى الأفق الأعلى؛ لما أن بصره كان لا يحتمل النظر إليه من قرب، ويحتمل ذلك من البعد، وذلك معروف فيما بين الخلق: أن الشيء إذا كان له شعاع أو نور أو بياض شديد: أن البصر لا يحتمل النظر إليه من القرب في أول ملاقاته، ويحتمل إذا كان يبعد منه؛ وعلى هذا قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ﴾ يحتمل: دنا منه جبريل - عليه الصلاة والسلام - شيئاً بد شيء، وقرب منه كذلك ليحتمله؛ إذ جبل الإنسان على طبيعة يحتمل الأشياء إذا انتهت إليه على التفاريق ما لو أئتته بدفعة واحدة في وقت واحد، لما احتملتها الأنفس؛ كالحر يأتي الخلق بعد شدة البرد شيئاً فشيئاً، وكذلك البرد بعد شدة الحر شيئاً فشيئاً حتى يشتد ما لو أتيا بدفعة واحدة إذا كان قريبا منه.
ويحتمل من البعد، ثم يقرب ويدنو قليلاً قليلاً حتى يحتمل من القرب، والله أعلم.
ثم من الناس من يقول: إن قوله : ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ﴾ على التقديم والتأخير؛ أي: تدلى قربا؛ لأ،ه يكون التدلي أولاً ثم الدنو منه.
ومنهم من قال: بل هو على ما قال، وهما سواء - أعني: التدني والدنو - بمنزلة القرب والدنو، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: القاب: هو صدر القوس؛ أي: فكان قدر صدر القوس من الوتر مرتين.
وقال بعضهم: أي: قدر قوسين حقيقة.
وقال القتبي: قاب: قدر قوسين عربيين.
وقال أبو عوسجة: القاب: قدر الطول.
وقيل: القوس: الذراع هاهنا؛ أي: كان قدر ما بينهما ذارعين.
قال: والأول أعجب إليَّ؛ لما روي عن النبي قال: "لقاب قوس أحدكم - أي: موضع قده - خير من الدنيا وما فيها" والقد: السوط.
فنقول: أيّ الوجوه كان ففيه دليل: أنه لم يكن جبريل - - يبعد من رسول الله بحيث لا يحيط به؛ لأن الشيء إذا بعد عن البصر لعرفه بالاجتهاد، ولا يدركه حقيقة، وكذلك إذا قرب منه، حتى ماسه والتصق به، قصر البصر عن إدراكه، وإذا كان بين البعد والقرب، أحاط به وأدركه، فيخبر الله - - أنه أحط به علماً، وأدركه حقيقة، لا أن كان معرفته إياه بطريق الاجتهاد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَدْنَىٰ ﴾ .
قال أهل التأويل: حرف "أو" شك، وذلك غير محتمل من الله ، لكن معناه على الإيجاب؛ أي: بل أدنى.
وقال بعضهم: ﴿ أَوْ أَدْنَىٰ ﴾ في اجتهادكم ووهمكم، لو نظرتم إليهما، لقلتم: إنهما بالقرب والدنو قدر قوسين أو أدنى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على التقديم والتأخير، أي: فأوحى جبريل ما أُوحي إليه إلى محمد عبده ورسوله، عليهما السلام.
والثاني: فأوحى الله - جل وعلا - إلى عبده جبريل ما أوحى هو إلى محمد عليهما الصلاة والسلام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ﴾ .
قرئ: ﴿ كَذَبَ ﴾ مخفف الذال ومشددة؛ فمن قرأ بالتخفيف، أي: ما كذب عبده فيما رأى؛ أي: ما رأى حق.
وقال أبو عبيد: ما كذب في رؤيته، قد صدقت.
ومن قرأ بالتشديد، أي: لم يجعل الفؤاد رؤية العين كذبا.
وعندنا: أي: ما رد الفؤاد ما رأى البصر، وأصله: أن الفؤاد مما يوعى به، يقول: قد وعى به ما رآى لم يتركه، ولم يضيعه.
وقيل: ﴿ مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ﴾ ؛ أي: ما علم، والرؤية: كناية عن العلم، لكن لو كان المراد منه: العلم فلا يحتمل ما ذكر ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ﴾ ، ولا يتصور أن يع لم مرتين؛ وكذا ذكر أنه رأى ربه مرتين، ولا يحتمل العلم مرتين؛ فدل أن الحمل على العلم لا يصح.
وأصله عندنا: ما كذب الفؤاد ما رأى من الآيات؛ دليله ما ذكر في آخره: ﴿ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ﴾ ؟
وعن الحسن: أي: رأى عظمة من عظمة الله، وأمرا من أمره.
وعن عبد الله بن مسعود - - أنه قال: "رأى جبريل - - على صورته مرتين"، أي: ما كذب الفؤاد ما رأى البصر جبريل - - ولقد رأه أيضاً مرة أخرى عند سدرة المنتهى.
ومنهم من قل: إنه رأى ربه على العيان بعينه، فهو خلاف ما ثبت من وعد الرؤية في الآخرة بالكتاب والسنة المتواترة، ولأنه لو رأى ربه على ما قالوا، لكن لا يحتاج إلى أن يرى آياته الكبرى؛ لأنه رؤية الآيات إنما يحتاج إليها عندما يعرف الشيء بالاجتهاد، فأما عند المشاهدة وارتفاع الموانع، لا حاجة تقع إليها، إلا أن يقال برؤية القلب على ما ذكر في الخبر: "أنه سئل عن ذلك، فقيل: هل رأيت ربك؟
فقال: رأيته مرتين بقلبي" وفي بعض الأخبار قال: "أما بعيني فلا، وأما بفؤادي، فقد رأيته مرتين" ويفسرون رؤية القلب بالعلم، ولكن الإشكال عليه ما ذكرنا؛ فإن ثبت الحديث فهو على ما كان وأراد لا يفسر ذلك، وكذلك قول من يقول في قوله : ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ ﴾ : إنه دنا من ربه - قول وحش، فيه إثبات المكان والتشبيه؛ من ذلك، ولكن المراد ما ذكرنا: أن رسول الله دنا من جبريل - - على ما ذكرنا.
ثم في قوله : ﴿ مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ ...
﴾ إلى آخره ذكر خصوصية رسولنا من بين غيره من الخلائق، منها: رؤية جبريل - - على صورته، ورؤية الرب بقلبه؛ إن ثبت الحديث عنه، وبلوغه إلى سدرة المنتهى؛ إذ لم يذكر لأحد من رسل الله : أنه بلغ هذا المبلغ سواه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ﴾ .
عن ابن مسعود وابن عباس - ما - أنهما قرآ مفتوحة التاء بغير ألف، ومعنه: أفتجحدونه؟!.
وعن الحسن بالألف مضمومة التاء، وقال: معناه: أفتجادلونه؟!
وعن شريح مثله قال أبو عبيد: فالأولى أن يقرأ بمعنى الجحود؛ وذلك أن المشركين إنما كان شأنهم الجحود فيما يأتيهم من الخبر السماوي، وهو أكبر من الممارة والمجادلة.
وقيل: ﴿ أَفَتُمَارُونَهُ ﴾ أي: تشككونه على ما يرى؟
وقال أبو بكر الأصم: لا تصح القراءة بغير ألف ولا تأويله، إنما القراءة بالألف، وتأويله: أفتجادلونه؟!
ونحن نقول بأن تأويل ما ذكر من الجحود والقراءة صحيح، وتأويل من قال: أفتجادلونه على ما يرى؟!
لا يحتمل؛ لأن مجادلتهم لا تكون فيما يرى، لكن يجادلونه على ما يخبر أنه برئ، إذ في الخبر يقع التكذيب، وبه يجادلونه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ ﴾ .
فهو على ما ذكرنا من اختلاف الناس أن ما أيش هو؟
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ ﴾ .
قيل: سمي ذلك الموضع سدرة [المنتهى] لما انتهى إليه علم الخلق؛ فلا يجاوزه.
وقيل: لما انتهى إليه كرامات الخلق، لا تجاوز كراماتهم عنها.
وقيل: السدرة: الشجر، ويروون في ذلك خبراً مرفوعاً عن ابن مسعود - - قال: قال رسول الله : "رأيت جبريل - - عند سدرة المنتهى، عليه كذا كذا من جناح" وقيل: سميت سدرة المنتهى؛ لما ينتهي إليها أرواح الشهداء.
ثم جائز أن يكون رسول الله رأى جبريل - - أولاً عند سدرة المنتهى من الأرض: ما برفع الحجب عنه، وإما بزيادة قوة وضعت في بصره، ثم رآه مرة أخرى هنالك أيضاً بعدما رفع إلى سدرة المنتهى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ .
قرئت بنصب الجيم وخفضه.
روي أنه قيل لسعد بن أبي وقاص - - إن فلانا يقرأ بالخفض (عندها جِنة المأوى)، فقال سعد: ما كذا جنة الله، وقرأ بالفتح.
وعن الأعمش قال: قالت: من قرأ (حِنة المأوى)، فأجَنَّه الله.
وعن أبي العالية قال: سئل عنها ابن عباس - - فقال لي: كيف تقرؤها يا أبا العالية؟
فقلت: ﴿ جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ بفتح الجيم، فقال: صدقت، وهي مثل الأخرى: ﴿ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ .
وعن الحسن أنه قرأ ﴿ جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ ، وقال: إنها من الجنان، وتصديقها حديث الإسراء: أنه أُرِيَ الجنة، وأدخلها.
قال: ودلت الآية: أن الجنة التي يأوي إليها المؤمنون في السماء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: يغشاها فراش من ذهب.
وكذا ذكر في خبر مرفوع "غشاها فراشا من ذهب".
ولكن لا تفسر ما الذي يغشى السدرة؛ بل نبهم كما أبهم الله إلا بحديث ثبت عن تواتر، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله : ﴿ إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ﴾ : أي: ما يغشى من أمر الله ، ويروون خبرا عن أنس بن مالك - - قال: قا ل رسول الله : "لما انتهت إلى السدرة رأيت ورقها أمثال آذان الفيلة؛ ورأيت نبقها أمثال القلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها، تحولت ياقوتاً" إن ثبت هذا الخبر، ففيه دليل: أن السدرة: شجرة، إذ ذكر ورقها، وفيه أن الذي يغشاها أمر الله .
وعن ابن عباس - ما -: ﴿ إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ ﴾ : الملائكة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ﴾ .
قال أبو بكر: أي: ما قصر البصر عن الحد الذي أمر وجعل له، وما طغى وما جاوز عنه، أو كلام نحوه.
ويحتمل ﴿ مَا زَاغَ ﴾ أي: ما مال وما عدل يميناً وشمالاً، ﴿ وَمَا طَغَىٰ ﴾ : وما جاوز.
وقال أبو عوسجة: ﴿ مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ ﴾ ، أي: ما مال، ﴿ وَمَا طَغَىٰ ﴾ من الارتفاع؛ طغى الماء: إذا ارتفع، يطغى طغيانا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ .
جائز أن تكون آيات ربه التي ذكر أنه رأى: هو جبريل - - حيث رآه بصروته، وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود: أنه رآه بصورته مرتين، وتأول الآية، ويحتمل غيره من الآيات، ولكن لا نفسرها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وما يتكلم بهذا القرآن تبعًا لهواه.
<div class="verse-tafsir" id="91.5yoWx"