الآية ٥١ من سورة النجم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 53 النجم > الآية ٥١ من سورة النجم

وَثَمُودَا۟ فَمَآ أَبْقَىٰ ٥١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥١ من سورة النجم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥١ من سورة النجم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وثمود فما أبقى ) ، أي : دمرهم فلم يبق منهم أحدا

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ) يقول تعالى ذكره: ولم يبق الله ثمود فيتركها على طغيانها وتمردها على ربها مقيمة, ولكنه عاقبها بكفرها وعتوّها فأهلكها.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرَّاء البصرة وبعض الكوفيين ( وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ) بالإجراء إتباعا للمصحف, إذ كانت الألف مثبتة فيه, وقرأه بعض عامة الكوفيين بترك الإجراء.

وذُكر أنه في مصحف عبد الله بغير ألف.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب لصحتهما في الإعراب والمعنى.

وقد بيَّنا قصة ثمود وسبب هلاكها فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وثمود فما أبقى ثمود هم قوم صالح أهلكوا بالصيحة .

قرئ " ثمودا " وقد تقدم .

وانتصب على العطف على عاد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَثَمُودَ } قوم صالح عليه السلام، أرسله الله إلى ثمود فكذبوه، فبعث الله إليهم الناقة آية، فعقروها وكذبوه، فأهلكهم الله تعالى، { فَمَا أَبْقَى } منهم أحدا، بل أهلكهم الله عن آخرهم

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" وثمود "، وهم قوم صالح أهلكهم الله بالصيحة، " فما أبقى "، منهم أحداً.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وثمودا» بالصرف اسم للأب وبلا صرف للقبيلة وهو معطوف على عادا «فما أبقى» منهم أحدا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأنه سبحانه وتعالى أهلك عادًا الأولى، وهم قوم هود، وأهلك ثمود، وهم قوم صالح، فلم يُبْقِ منهم أحدًا، وأهلك قوم نوح قبلُ.

هؤلاء كانوا أشد تمردًا وأعظم كفرًا من الذين جاؤوا من بعدهم.

ومدائن قوم لوط قلبها الله عليهم، وجعل عاليها سافلها، فألبسها ما ألبسها من الحجارة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله : ( وَثَمُودَ ) معطوف على عاد .

أى : وأنه أهلك - أيضا - قبيلة ثمود ، دون أن يبقى منهم أحدا .وهلاك هاتين القبيلتين قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

يعني وأهلك ثمود وقوله: ﴿ فَمَا أبقى ﴾ عائد إلى عاد وثمود أي فما أبقى عليهم، ومن المفسرين من قال: فما أبقاهم أي فما أبقى منهم أحداً ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿ فَهَلْ ترى لَهُم مّن بَاقِيَةٍ  ﴾ وتمسك الحجاج على من قال: إن ثقيفاً من ثمود بقوله تعالى: ﴿ فَمَا أبقى ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وأكدى ﴾ قطع عطيته وأمسك، وأصله: من إكداء الحافر، وهو أن تلقاه كدية: وهي صلابة كالصخرة فيمسك عن الحفر، ونحوه: أجبل الحافر، ثم استعير فقيل: أجبل الشاعر إذا أفحم.

روى: أن عثمان رضي الله عنه كان يعطي ما له في الخير، فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهو أخوه من الرضاعة: يوشك أن لا يبقي لك شيء، فقال عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه، فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء.

فنزلت.

ومعنى ﴿ تولى ﴾ ترك المركز يوم أحد، فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل ﴿ فَهُوَ يرى ﴾ فهو يعلم أن ما قاله له أخوه من احتمال أو زاره حق ﴿ وفى ﴾ قرئ مخففاً ومشدّداً، والتشديد مبالغة في الوفاء.

أو بمعنى: وفر وأتم، كقوله تعالى: ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ [البقرة: 124] وإطلاقه ليتناول كل وفاء وتوفية، من ذلك: تبليغه الرسالة، واستقلاله بأعباء النبوّة، والصبر على ذبح ولده وعلى نار نمروذ، وقيامه بأضيافه وخدمته إياهم بنفسه، وأنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يرتاد ضيفاً، فإن وافقه أكرمه، وإلا نوى الصوم.

وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به.

وعن الهزيل بن شرحبيل: كان بين نوح وبين إبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة غيره، ويقتل بأبيه وابنه وعمه وخاله، والزوج بامرأته، والعبد بسيده؛ فأوّل من خالفهم إبراهيم.

وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً، فلما قذف في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟

فقال.

أمّا إليكما فلا.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «وفّى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار، وهي صلاة الضحى» وروى: ألا أخبركم لم سمى الله خليله ﴿ الذى وفى ﴾ ؟

كان يقول إذا أصبح وأمسى: ﴿ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ...

﴾ إلى ﴿ ...

حِين تُظْهِرُونَ ﴾ [الروم: 17] وقيل: وفي سهام الإسلام: وهي ثلاثون: عشرة في التوبة (التائبون..) وعشرة في الأحزاب: ﴿ إِنَّ المسلمين...

﴾ وعشرة في المؤمنين ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون..

﴾ وقرئ: ﴿ في صحف ﴾ ، بالتخفيف ﴿ أَلاَّ تَزِرُ ﴾ أن مخففة من الثقيلة.

والمعنى: أنه لا تزر، والضمير ضمير الشأن، ومحل أن وما بعدها: الجر بدلاً من ما في صحف موسى.

أو الرفع على: هو أن لا تزر، كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم، فقيل: أن لا تزر ﴿ إِلاَّ مَا سعى ﴾ إلا سعيه.

فإن قلت: أما صح في الأخبار: الصدقة عن الميت، والحج عنه، وله الإضعاف؟

قلت: فيه جوابان، أحدهما: أن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً صالحاً وكذلك الإضعاف كأن سعى غيره كأنه سعى نفسه، لكونه تابعاً له وقائماً بقيامه.

والثاني؛ أن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه، ولكن إذا نواه به فهو بحكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه ﴿ ثُمَّ يُجْزَاهُ ﴾ ثم يجزى العبد سعيه، يقال: أجزاه الله عمله وجزاه على عمله، بحذف الجار وإيصال الفعل.

ويجوز أن يكون الضمير للجزاء، ثم فسره بقوله: ﴿ الجزاء الأوفى ﴾ أو أبدله عنه، كقوله تعالى: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ [الأنبياء: 3] ، ﴿ وَأَنَّ إلى رَبِّكَ المنتهى (42) ﴾ قرئ بالفتح على معنى: أن هذا كله في الصحف، وبالكسر على الابتداء، وكذلك ما بعده.

والمنتهى: مصدر بمعنى الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون إليه، كقوله تعالى: ﴿ إِلَى الله المصير ﴾ [فاطر: 18] .

﴿ أَضْحَكَ وأبكى ﴾ خلق قوتي الضحك والبكاء ﴿ إِذَا تمنى ﴾ إذا تدفق في الرحم، يقال: منى وأمنى.

وعن الأخفش: تخلق من منى الماني، أي قدر المقدّر: قرئ: ﴿ النشأة ﴾ ﴿ النشاءة ﴾ بالمد.

وقال: (عليه) لأنهاواجبة عليه في الحكمة، ليجازى على الإحسان والإساءة ﴿ وأقنى ﴾ وأعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك ﴿ الشعرى ﴾ مرزم الجوزاء: وهي التي تطلع وراءها، وتسمى كلب الجبار، وهما شعريان الغميصاء والعبور وأراد العبور.

وكانت خزاعة تعبدها، سنّ لهم ذلك أبو كبشة رجل من أشرافهم، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو كبشة، تشبيهاً له به لمخالفته إياهم في دينهم، يريد: أنه رب معبودهم هذا.

عاد الأولى: قوم هود، وعاد الأخرى: إرم.

وقيل: الأولى القدماء؛ لأنهم أوّل الأمم هلاكاً بعد قوم نوح، أو المتقدمون في الدنيا الأشراف.

وقرئ: ﴿ عاد لولي ﴾ وعاد لولى، بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة أولى ونقل ضمتها إلى لام التعريف (وثمودا) وقرئ: وثمود ﴿ أَظْلَمَ وأطغى ﴾ لأنهم كانوا يؤذونه ويضربونه حتى لا يكون به حراك، وينفرون عنه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه، وما أثر فيهم دعاؤه قريباً من ألف سنة ﴿ والمؤتفكة ﴾ والقرى التي ائتفكت بأهلها، أي: انقلبت، وهم قوم لوط، يقال: أفكه فائتفك: وقرئ: ﴿ والمؤتفكات ﴾ ﴿ أهوى ﴾ رفعها إلى السماء على جناج جبريل، ثم أهواها إلى الأرض أي: أسقطها ﴿ مَا غشى ﴾ تهويل وتعظيم لما صب عليها من العذاب وأمطر عليها من الصخر المنضود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى ﴾ القُدَماءَ لِأنَّهم أُولى الأُمَمِ هَلاكًا بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقِيلَ: «عادٌ الأُولى» قَوْمُ هُودٍ وعادٌ الأُخْرى إرَمُ.

وقُرِئَ: «عادًا لُولى» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ ضَمِّها إلى لامِ التَّعْرِيفِ وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو عادٌ لُولى بِضَمِّ اللّامِ بِحَرَكَةِ الهَمْزَةِ وبِإدْغامِ التَّنْوِينِ، وقالُونُ بَعْدَ ضَمَّةِ اللّامِ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ في مَوْضِعِ الواوِ.

﴿ وَثَمُودَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( عادًا ) لِأنَّ ما بَعْدَهُ لا يَعْمَلُ فِيهِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ويَقِفانِ بِغَيْرِ الألِفِ والباقُونَ بِالتَّنْوِينِ ويَقِفُونَ بِالألِفِ.

﴿ فَما أبْقى ﴾ الفَرِيقَيْنِ.

﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ ﴾ أيْضًا مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ.

﴿ مِن قَبْلُ ﴾ مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ.

﴿ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى ﴾ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لِأنَّهم كانُوا يُؤْذُونَهُ ويَنْفِرُونَ عَنْهُ ويَضْرِبُونَهُ حَتّى لا يَكُونَ بِهِ حَراكٌ.

﴿ والمُؤْتَفِكَةَ ﴾ والقُرى الَّتِي ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها أيِ انْقَلَبَتْ وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ.

﴿ أهْوى ﴾ بَعْدَ أنْ رَفَعَها فَقَلَبَها.

﴿ فَغَشّاها ما غَشّى ﴾ فِيهِ تَهْوِيلٌ وتَعْمِيمٌ لِما أصابَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وثمود فما أبقى} حمزة وعاصم الباقون وثمود

سورة القمر

بسم الله الرحمن الرحيم

{اقتربت الساعة وانشق القمر}

وهو معطوف على عادا ولا ينصب بفما أبقى لأن ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلة لا تقول زيد فضربت وذا ما بعد النفي لا يعمل فيما قبله والمعنى وأهلك ثمود فما أبقاهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وثَمُودَ ﴾ عَطْفٌ عَلى عادًا ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا - لِأبْقى - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما أبْقى ﴾ لِأنَّ - ما - النّافِيَةَ لَها صَدْرُ الكَلامِ والفاءُ عَلى ما قِيلَ: مانِعَةٌ أيْضًا فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ ما بَعْدَها، وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ - لِأهْلَكَ - مُقَدَّرٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ - ثَمُودَ - بِلا تَنْوِينٍ ويَقِفانِ بِغَيْرِ ألِفٍ والباقُونَ بِالتَّنْوِينِ ويَقِفُونَ بِالألِفِ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ ﴿ أبْقى ﴾ يَرْجِعُ إلى عادٍ وثَمُودَ مَعًا أيْ فَما أبْقى عَلَيْهِمْ، أيْ أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ، وقِيلَ: أيْ ما أبْقى مِنهم أحَدًا، والمُرادُ ما أبْقى مِن كُفّارِهِمْ ﴿ وقَوْمَ نُوحٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى عادًا أيْضًا ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ، وصَرَّحَ بِالقِبْلِيَّةِ لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ آدَمُ الثّانِي وقَوْمَهُ أوَّلُ الطّاغِينَ والهالِكِينَ ﴿ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى ﴾ أيْ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ كانُوا يُؤْذُونَهُ ويَضْرِبُونَهُ حَتّى لا يَكادُ يَتَحَرَّكُ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْخُذُ بِيَدِ ابْنِهِ يَتَمَشّى بِهِ إلَيْهِ يُحَذِّرُهُ مِنهُ ويَقُولُ: يا بُنَيَّ إنَّ أبِي مَشى بِي إلى هَذا وأنا مِثْلُكَ يَوْمَئِذٍ فَإيّاكَ أنْ تُصَدِّقَهُ فَيَمُوتُ الكَبِيرُ عَلى الكُفْرِ ويَنْشَأُ الصَّغِيرُ عَلى وصِيَّةِ أبِيهِ ولَمْ يَتَأثَّرُوا مِن دُعائِهِ وقَدْ دَعاهم ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( إنَّهم ) يَعُودُ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ نُوحٍ أيْ كانُوا أظْلَمَ مِن قُرَيْشٍ وأطْغى مِنهم، وفِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لا يَخْفى، و(هم ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المَنصُوبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا لِأنَّهُ واقِعٌ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ وأفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وحُذِفَ المَفْضُولُ مَعَ الواقِعِ خَبَرًا لَكانَ لِأنَّهُ جارٍ مَجْرى خَبَرِ المُبْتَدَأِ وحَذْفُهُ فَصِيحٌ فِيهِ فَكَذَلِكَ في خَبَرِ كانَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى يعني: أَضْحَكَ أهل الجنة في الجنة.

قال: وَأَبْكى أهل النار في النار.

ويقال: أَضْحَكَ في الدنيا أهل النعمة، وَأَبْكى أهل الشدة، والمعصية.

وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا يعني: يميت في الدنيا، ويحيي في الآخرة للبعث وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ يعني: اللونين، والصنفين، الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى يعني: تهراق في رحم الأنثى.

وقال القتبي: مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى يعني: تقدر، وتخلق.

ويقال: ما تدري ما يمني لك الماني.

يعني: ما يقدر لك المقدر.

ثم قال عز وجل: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى يعني: البعث بعد الموت.

يعني: ذلك إليه، وبيده، وهو قادر على ذلك، فاستدل عليهم بالفعل الآخر بالفعل الأول، أنه خلقهم في الابتداء من النطفة، وهو الذي يحييهم بعد الموت وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى يعني: حول وأعطى المال.

وَأَقْنى يعني: أفقر.

ويقال: أَغْنى يعني: يعطي وَأَقْنى يعني: يُرضي بما يُعطي.

ويقال: أَغْنى نفسه عن الخلق وَأَقْنى يعني: أفقر الخلق إلى نفسه.

وروى السدي عن أبي صالح: أَغْنى بالمال، وَأَقْنى يعني: بالقنية.

وقال الضحاك: أَغْنى بالذهب، وبالفضة، والثياب، والمسكن، وَأَقْنى بالإبل، والبقر، والغنم، والدواب.

وقال عكرمة: أَغْنى يعني: أرضى وَأَقْنى يعني: وأقنع.

ثم قال: وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى يعني: وأن الله هو خالق الشعرى.

قال ابن عباس: هو كوكب تعبده خزاعة يطلع بعد الجوزاء، يقول الله تعالى وأنا ربها، وأنا خلقتها، فاعبدوني.

ثم خوفهم فقال عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولى بالعذاب، وهم قوم هود  ، وكان بعدهم عاد آخر سواهم، فلهذا سماهم عاد الأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى يعني: قوم صالح-  -، فأهلكهم الله، وما بقي منهم أحد.

قرأ نافع، وأبو عمرو عَادٍ الاولى بحذف الهمزة، وإدغام التنوين.

والباقون: عَاداً بالتنوين الأولى، بالهمزة.

وكلاهما جائز عند العرب.

وقرأ حمزة، وعاصم، رواية حفص: وَثَمُودَ بغير تنوين.

والباقون: ثموداً بالتنوين.

قال أبو عبيد نقرأ بالتنوين مكان الألف الثانية في المصحف.

ثم قال: وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ يعني: أهلكنا قوم نوح من قبل عاد وثمود إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى يعني: أشد في كفرهم، وطغيانهم، لأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فدعاهم، فلم يجيبوا، وكان الآباء يوصون الأبناء بتكذيبه.

ثم قال عز وجل: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى يعني: مدينة قوم لوط.

وسماها مؤتفكة لأنها ائتفكت.

أي: انقلبت أَهْوى أي: أسقط.

ويقال: الْمُؤْتَفِكَةَ يعني: المكذبة أَهْوى يعني: أهوى من السماء إلى الأرض، وذلك أن جبريل  حيث قلع تلك المدائن، فرفعها إلى قريب من السماء، ثم قلبها، وأهواها إلى الأرض.

فَغَشَّاها مَا غَشَّى يعني: فغشاها من الحجارة مَا غَشَّى كقوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [الحجر: 74] .

ثم قال: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى يعني: بأي نعمة من نعماء ربك تتجاحد أيها الإنسان، بأنها ليست من الله تعالى.

قوله عز وجل: هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى يعني: محمدا  نَذِيرٌ مثل النُّذُرِ الْأُولى يعني: رسولاً مثل الرسل الأولى، ثم نوح، وهود، وصالح صلوات الله عليهم، وقد خوفهم الله ليحذروا معصيته، ويتبعوا ما أمرهم الله تعالى، ورسوله  .

ثم قال: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ يعني: دنت القيامة لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ يعني: ليس للساعة من دون الله كاشِفَةٌ عن علم قيامها، وهذا كقوله: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [الأعراف: 187] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مُحْكَمٌ لا نسخَ فيه، وهو لفظ عام مخصص.

وقوله: وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى أي: يراه اللَّه، ومَنْ شاهد تلك الأُمُورَ، وَفِي عَرْضِ الأعمال على الجميع تشريفٌ للمحسنين وتوبيخٌ للمسيئين، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ سَمَّعَ بِأَخِيهِ فِيمَا يَكْرَهُ، سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «١» .

وفي قوله تعالى: ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى وعيد للكافرين، ووعد للمؤمنين.

وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤)

وقوله سبحانه: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى أي: مُنْتَهَى الخلق ومصيرُهم، اللَّهمَّ أطلعنا على خيرك بفضلك، ولا تفضحْنا بين خلقك، / وجُدْ علينا بسترك في الدارين!

وَحُقَّ لعبد يعلم أَنَّه إلى ربه منتهاه أَنْ يرفض هواه ويزهدَ في دنياه، ويُقْبِلَ بقلبه على مولاه ويقتدي بنبيٍّ فَضَّلَهُ اللَّهُ على خلقه وارتضاه ويتأمل كيف كان زهده صلّى الله عليه وسلّم في دنياه وإِقباله على مولاه قال عياض في «شفاه» : وأما زهده صلّى الله عليه وسلّم، فقد قدمنا من الأخبار أثناء هذه السيرة ما يكفي، وحَسْبُكَ من تقلُّله منها وإِعراضِهِ عَنْهَا وعن زَهْرَتِها، وقد سِيقَتْ إليه بحذافيرها، وترادفت عليه فتوحاتها- أنّه توفّي صلّى الله عليه وسلّم ودِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ «٢» ، وهو يدعو، ويقول:

«اللَّهُمَّ اجعل رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتاً» .

وفي «صحيح مسلم» عن عائشة- رضي اللَّه عنها- قالت: ما شبع آل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعاً حتى مضى لِسَبِيلِهِ «١» .

وعنها- رضي اللَّه عنها- قالت: «لَمْ يَمْتَلِىءْ جَوْفُ نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم شِبَعاً قَطُّ، وَلَمْ يَبُثَّ شكوى إلى أَحَدٍ، وَكَانَتِ الْفَاقَةُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنَ الغنى، وَإِنْ كَانَ لَيَظَلُّ جَائِعاً يَلْتَوِي طُولَ لَيْلَتِهِ مِنَ الْجُوعِ، فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ صِيَامَ يَوْمِهِ، وَلَوْ شَاءَ سَأَلَ رَبَّهُ جَمِيعَ كُنُوزِ الأَرْضِ وَثِمَارِهَا وَرَغْدِ عَيْشِهَا، وَلَقَدْ كُنْتُ أَبْكِي لَهُ رَحْمَةً مِمَّا أرى بِهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِي على بَطْنِهِ ممّا به من الجوع، وأقول: نفسي لَكَ الْفِدَاءُ لَوْ تَبَلَّغْتَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَقُوتُكَ!

فَيَقُولُ: يَا عَائِشَةُ، مَا لِي وَلِلدُّنْيَا!

إخْوَانِي مِنْ أُولي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ صَبَرُوا على مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هذا، فَمَضَوْا على حَالِهِمْ، فَقَدِمُوا على رَبِّهِمْ فَأَكْرَمَ مَآبَهُمْ، وَأَجْزَلَ ثَوَابَهُمْ، فَأَجِدُنِي أَسْتَحِيي إنْ تَرَفَّهْتُ فِي مَعِيشَتِي/ أنْ يُقَصِّرَ بِي غَداً دُونَهُمْ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنَ اللُّحُوقِ بإخْوَانِي وأَخِلاَّئِي، قَالَتْ: فَمَا أَقَامَ بَعْدُ إلاَّ أَشْهُراً حتى تُوُفِّيَ- صلواتُ اللَّهُ وسَلاَمُهُ عليه-» انتهى، وباقي الآية دَلالة على التوحيد واضحة، والنَّشْأَةَ الْأُخْرى: هي إعادة الأجسام إلى الحشر بعد البِلَى، وأَقْنى معناه: أَكْسَبَ ما يُقْتَنَى تقول: قنيت المالَ، أي: كسبْته، وقال ابن عباس: أَقْنى: قنَّع «٢» ، قال ع «٣» : والقناعة خير قُنْيَةٍ، والغِنَى عرض زائل، فلله درّ ابن عبّاس!

والشِّعْرى: نجم في السماء، قال مجاهد وابن زيد «٤» : هو مرزم الجَوْزاء، وهما شِعْرَيَانِ: إحداهما الغُمَيْصَاءُ، والأُخرى العَبُور لأَنَّها عَبَرَتِ المجرَّةَ، وكانت خُزَاعَةُ مِمَّنْ يَعْبُدُ هذه الشعْرَى العَبُورَ، ومعنى الآية: وَأَنَّ اللَّه سبحانه رَبُّ هذا المعبودِ الذي لكم وعاداً الْأُولى: اختلف في معنى وصفها بالأُولى، فقال الجمهور:

سُمِّيتْ «أولى» بالإضافة إلى الأمم المتأخِرة عنها، وقال الطبريُّ «٥» وغيره: سُمِّيتْ أولى لأَنَّ ثَمَّ عاداً آخرةً، وهي قبيلة كانت بمكَّةَ مع العماليق، وهم بنو لقيم بن هزال، والله

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ﴾ أيْ: مُنْتَهى العِبادِ ومَرْجِعُهم.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى ﴾ قالَتْ عائِشَةُ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِقَوْمٍ يَضْحَكُونَ، فَقالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ما خَطَوْتُ أرْبَعِينَ خَطْوَةً حَتّى أتانِي جِبْرِيلُ، فَقالَ ائْتِ هَؤُلاءِ فَقُلْ لَهم إنَّ اللَّهَ يَقُولُ وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأعْمالِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ حَتّى الضَّحِكُ والبُكاءُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النّارِ.

وقالَ الضَّحّاكُ.

أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَّباتِ، وأبْكى السَّماءَ بِالمَطَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَأنَّهُ هو أماتَ ﴾ في الدُّنْيا ﴿ وَأحْيا ﴾ لِلْبَعْثِ.

﴿ وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ ﴾ أيِ: الصِّنْفَيْنِ ﴿ الذَّكَرَ والأُنْثى ﴾ مِن جَمِيعِ الحَيَواناتِ، ﴿ مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذا تُراقُ في الرَّحِمِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: إذا تُخَلَّقُ وتُقَدَّرُ.

﴿ وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى ﴾ وهي الخَلْقُ الثّانِي لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ وَأنَّهُ هو أغْنى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بِالمَعِيشَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: بِالأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والرّابِعُ: بِالقَناعَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.

وَفِي قَوْلِهِ: ( أقْنى ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أرْضى بِما أعْطى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أخْدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: جَعَلَ لِلْإنْسانِ قِنْيَةً، وهو أصْلُ مالٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَوْكَبُ الَّذِي يَطْلُعُ بَعْدَ الجَوْزاءِ، وكانَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا الأُولى" مُنَوَّنَةً.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "عادًا لُولى" مَوْصُولَةً مُدْغَمَةً.

ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ هُودٍ، وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّ قَوْمَ هُودٍ هم عادٌ الأُخْرى، وهم مِن أوْلادِ عادٍ الأُولى، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: وفي "الأُولى" لُغاتٌ، أجْوَدُها سُكُونُ اللّامِ وإثْباتُ الهَمْزَةِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ضَمُّ اللّامِ وطَرْحُ الهَمْزَةِ، ومِنالعَرَبِ مَن يَقُولُ: لُولى، يُرِيدُ: الأُولى، فَتُطْرَحُ الهَمْزَةُ لِتَحَرُّكِ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ عادٍ وثَمُودَ ﴿ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى ﴾ مِن غَيْرِهِمْ، لِطُولِ دَعْوَةِ نُوحٍ إيّاهم وعُتُوِّهِمْ.

﴿ والمُؤْتَفِكَةَ ﴾ قُرى قَوْمِ لُوطٍ ﴿ أهْوى ﴾ \[أيْ\]: أسْقَطَ، وكانَ الَّذِي تَوَلّى ذَلِكَ جِبْرِيلَ بَعْدَ أنْ رَفَعَها، وأتْبَعَهُمُ اللَّهُ بِالحِجارَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَغَشّاها ﴾ أيْ: ألْبَسَها ما ﴿ غَشّى ﴾ يَعْنِي الحِجارَةَ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ﴾ هَذا خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ اللَّهُ ما فَعَلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ قالَ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَتَشَكَّكُ؟

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تُكَذِّبُ يا ولِيدُ، يَعْنِي [الوَلِيدَ] بْنَ المُغِيرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ ﴿ وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ﴾ ﴿ ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوفى ﴾ ﴿ وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا ﴾ ﴿ وَأنَّهُ خَلَقَ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى ﴾ ﴿ مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى ﴾ ﴿ وَأنَّ عَلَيْهِ النَشْأةَ الأُخْرى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِعْرى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى ﴾ ﴿ وَثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْ لَيْسَ"، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "وَأنَّ، وأنَّهُ" مَعْطُوفٌ كُلُّ ذَلِكَ عَلى "أنْ" المَقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: "ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ"، وهي كُلُّها بِفَتْحِ الألِفِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ قُعْنُبٌ: "وَإنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيها وفِيما بَعْدَها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ  ﴾ ، وهَذا لا يَصِحُّ عِنْدِي عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ خَبَرٌ لا يُنْسَخُ، ولِأنَّ شُرُوطَ النَسْخِ لَيْسَتْ هُنا، اللهُمَّ إلّا أنْ يَتَجَوَّزَ في لَفْظَةِ النَسْخِ لِيَفْهَمَ سائِلًا.

وقالَ عِكْرِمَةُ: هَذا الحُكْمُ كانَ في قَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَها سَعْيُ غَيْرِها، والدَلِيلُ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، «قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: هَلْ لِأُمِّي إنْ تَطَوَّعْتُ عنها أجْرٌ؟

قالَ: نَعَمْ،» وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هَذا الإنْسانُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو الكافِرُ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلَهُ ما سَعى وما سَعى لَهُ غَيْرُهُ، وسَألَ عَبْدُ اللهِ بْنُ طاهِرِ بْنِ الحُسَيْنِ والِي خُراسانَ الحُسَيْنَ بْنَ الفَضْلِ عن هَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ  ﴾ ، فَقالَ لَهُ: لَيْسَ بِالعَدْلِ إلّا ما سَعى، ولَهُ بِفَضْلِ اللهِ ما شاءَ اللهُ، فَقَبَّلَ عَبْدُ اللهِ رَأْسَ الحُسَيْنِ، وقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، والتَحْرِيرُ عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُلّاكَ المَعْنى هو في اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لِلْإنْسانِ"، فَإذا حَقَّقْتَ الشَيْءَ الَّذِي هو حَقُّ الإنْسانِ يَقُولُ فِيهِ: "لِي كَذا" لَمْ تَجِدْهُ إلّا سَعْيَهُ، وما تَمَّ بَعْدُ مِن رَحْمَةٍ بِشَفاعَةٍ أو رِعايَةِ أبٍ صالِحٍ أوِ ابْنٍ صالِحٍ أو تَضْعِيفِ حَسَناتٍ أو تَغَمُّدٍ بِفَضْلٍ ورَحْمَةٍ دُونَ هَذا كُلِّهِ، فَلَيْسَ هو لِلْإنْسانِ ولا يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ: "لِي كَذا وكَذا" إلّا عَلى تَجَوُّزٍ وإلْحاقٍ بِما هو لَهُ حَقِيقَةً، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى أنَّهُ لا يَعْمَلُ أحَدٌ عن أحَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِبَدَنٍ ولا مالٍ، وفَرَّقَ بَعْضُ العُلَماءِ بَيْنَ البَدَنِ والمالِ، وهي عِنْدِي كُلُّها فَضائِلُ لِلْعامِلِ وحَسَناتٌ تُذْكَرُ لِلْمَعْمُولِ عنهُ، وقَدْ أمَّرَ رَسُولُ اللهِ  سَعْدًا رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالصَدَقَةِ عن أُمِّهِ، والسَعْيُ: الكَسْبُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يُرى" فاعِلُهُ حاضِرٌ والقِيامَةُ، أيْ يَراهُ اللهُ ومَن شاهَدَ الأمْرَ، وفي عَرْضِ الأعْمالِ عَلى الجَمِيعِ تَشْرِيفٌ لِلْمُحْسِنِينَ وتَوْبِيخٌ لِلْمُسِيئِينَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن سَمِعَ بِأخِيهِ فِيما يَكْرَهُ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ".» وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوفى ﴾ وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.

و"المُنْتَهى": يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الحَشْرَ والمَصِيرَ بَعْدَ المَوْتِ، فَهو مُنْتَهى بِالإضافَةِ إلى الدُنْيا وإنْ كانَ بَعْدَهُ مُنْتَهًى آخَرَ وهو الجَنَّةُ أوِ النارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُنْتَهى الجَنَّةَ أوِ النارَ، فَهو مُنْتَهًى عَلى الإطْلاقِ، لَكِنَّ في الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ، أيْ: إلى عَذابِ رَبِّكَ أو رَحْمَتِهِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «قالَ النَبِيُّ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ﴾ "لا فِكْرَةَ في الرَبِّ"،» ورَوى أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "إذا ذُكِرَ الرَبُّ فانْتَهُوا"،» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ  يَوْمًا عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: "فِيمَ أنْتُمْ"؟

قالُوا: نَتَفَكَّرُ في الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ، ولا تَتَفَكَّرُوا في الخالِقِ؛ فَإنَّهُ لا تُحِيطُ بِهِ الفِكْرَةُ"...» الحَدِيثُ، وذَكَرَ تَعالى الضَحِكَ والبُكاءَ لِأنَّهُما صِفَتانِ تَجْمَعانِ أصْنافًا كَثِيرَةً مِنَ الناسِ؛ إذِ الواحِدَةُ دَلِيلُ السُرُورِ والأُخْرى دَلِيلُ الحُزْنِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، فَنَبَّهَ تَعالى عَلى هاتَيْنِ الخاصَّتَيْنِ اللَتَيْنِ هُما لِلْإنْسانِ وحْدَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النارِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ في هَذا أقْوالًا اسْتِعارِيَّةً كَمَن قالَ: أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَباتِ وأبْكى السَماءَ بِالمَطَرِ، ونَحْوَهُ، و"أماتَ وأحْيا" بَيِّنٌ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ قَوْلًا إنَّهُ أحْيا بِالإيمانِ وأماتَ بِالكُفْرِ.

و"الزَوْجَيْنِ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرِيدُ بِهِ المُصْطَحِبِينَ مِنَ الناسِ، مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وما ضارَعَ مِنَ الحَيَوانِ، والخُنْثى مُتَمَيِّزٌ ولا بُدَّ لِأحَدِ الجِهَتَيْنِ.

و"النُطْفَةُ" في اللُغَةِ: القِطْعَةُ مِنَ الماءِ كانَتْ يَسِيرَةً أو كَثِيرَةً، ويُرادُ بِها هُنا الذُكْرانُ.

وقَوْله: "تَمَنّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ" إذا خَرَجَ مِنهُ المَنِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنّى اللهُ الشَيْءَ" إذا خَلَقَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا تَخَلَّقَ وتَقَدَّرَ.

و"النَشْأةَ الأُخْرى" هي إعادَةُ الأجْسامِ إلى الحَشْرِ بَعْدَ البِلى في التَرْكِيبِ، وقَرَأ الناسُ: "النَشْأةَ" بِسُكُونِ الشِينِ وبِالهَمْزِ والقَصْرِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ: "النَشاءَةَ" مَمْدُودَةً، و"أقْنى" مَعْناهُ: أكْسَبُ، تَقُولُ: قَنَيْتُ المالَ أيْ كَسَبْتُهُ، ثُمَّ تَعَدّى بَعْدَ ذَلِكَ بِالهَمْزَةِ، وتَعَدّى بِالتَضْعِيفِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَمْ مِن غَنِيٍّ أصابَ الدَهْرُ ثَرْوَتَهُ ∗∗∗ ومِن فَقِيرٍ تَقَنّى بَعْدَ إقْلالِ وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن "أقْنى" بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: أقْنى مَعْناهُ: اكْتَسَبَ ما يَقْتَنِي، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أرْضى وأغْنى، وقالَ حَضْرَمِيُّ: مَعْناهُ: أغْنى نَفْسَهُ و"أقْنى" أفْقَرَ عِبادَهُ إلَيْهِ، وقالَ الأخْفَشُ: أغْنى: أفْقَرُ، وهَذِهِ عِباراتٌ لا تَقْتَضِيها اللَفْظَةُ، والوَجْهُ فِيها بِحَسَبِ اللُغَةِ: أكْسَبُ ما يُقْتَنى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أقْنى: أقْنَعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَناعَة خَيْرُ قَنْيَةٍ، والغِنى عَرَضٌ زائِلٌ، فَلِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

و"الشِعْرى": نَجْمٌ في السَماءِ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو مَرْزَمُ الجَوْزاءِ، وهُما شِعْرِيّانِ: إحْداهُما: الغُمَيْصاءُ والأُخْرى العُبُورُ، لِأنَّها عَبَرَتِ المَجَرَّةَ، وكانَتْ خُزاعَةُ مِمَّنْ يَعْبُدُ هَذِهِ الشِعْرى، ومِنهم أبُو كَبْشَةَ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ والثَعْلَبِيُّ، واسْمُهُ عَبْدُ الشِعْرى، فَلِذَلِكَ خُصَّتْ بِالذِكْرِ، أيْ: وهو رَبُّ هَذا المَعْبُودِ الَّذِي هو لَكم.

و"عادٌ": قَوْمُ هُودٍ، واخْتَلَفَ في مَعْنى وصْفِها بِالأُولى، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: ذَلِكَ لِأنَّها في وجْهِ الدَهْرِ وقَدِيمِهِ، فَهي أولى بِالإضافَةِ إلى الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: سُمِّيَتْ بِالأُولى لِأنَّ ثُمَّ عادًا أخِيرَةً -وَهِيَ قَبِيلَةٌ- كانَتْ بِمَكَّةَ مَعَ العَمالِيقِ وهم بَنُو لُقَيْمِ بْنِ هُزالٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ هَذا الأخِيرَ لَمْ يَصِحَّ، وقالَ المُبَرِّدُ: عادٌ الأخِيرَةُ هي ثَمُودُ، والدَلِيلُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ..............

∗∗∗ كَأحْمَرَ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقِيلَ الأخِيرَةُ: الجَبّارُونَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا" مُنَوَّنَةً "الأُولى" مَهْمُوزَةً، وقَرَأ نافِعٌ فِيما رُوِيَ عنهُ: "عادًا الأولى" بِإزالَةِ التَنْوِينِ والهَمْزِ، وهَذا كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: "أحَدٌ اللهُ"، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: ..............

∗∗∗ ولا ذاكِرِ اللهَ إلّا قَلِيلًا وقَرَأ قَوْمٌ: "عادٌ الأُولى"، والنُطْقُ بِها "عادَنِ الأُولى"، واجْتَمَعَ سُكُونُ نُونِ التَنْوِينِ وسُكُونُ لامِ التَعْرِيفِ فَكُسِرَتِ النُونُ لِلِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما وبَيْنَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا تَرَكُ الهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وأبُو عَمْرٍو بِالوَصْلِ والإدْغامِ: "عادًا لِوَلى" بِإدْغامِ النُونِ في اللامِ ونَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللامِ، وعابَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ والمُبَرِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ وقالا: إنَّ هَذا النَقْلَ لا يُخْرِجُ اللامَ عن حَدِّ السُكُونِ، وحَقُّ ألِفِ الوَصْلِ أنْ تَبْقى كَما تَقُولُ العَرَبُ إذا نُقِلَتِ الهَمْزَةُ مِن قَوْلِهِمْ: "الأحْمَرُ" فَإنَّهم يَقُولُونَ: "الحَمْرُ جاءَ" فَكَذَلِكَ يُقالُ هُنا "عادًا لْلُولى"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والقِراءَةُ سائِغَةٌ، وأيْضًا فَمِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "لَحَمَرُ جاءَ" فَيُحْذَفُ الألِفُ مَعَ النَقْلِ ويُعْتَدُّ بِحَرَكَةِ اللامِ ولا يَراها في حُكْمِ السُكُونِ، وقَرَأ نافِعٌ فِيما رُوِيَ عنهُ: "عادًا اللُؤْلى" بِهَمْزِ "اللُؤْلى"،يَهْمِزُ الواوَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الواوِ والضَمَّةِ حائِلٌ يَحْمِلُ الهَمْزَةَ فَهَمَزَها كَما تُهْمَزُ الواوُ المَضْمُومَةُ، وكَذَلِكَ فَعَلَ مَن قَرَأ: "عَلى سُؤْقِهِ"، وكَما قالَ الشاعِرُ: لَحَبَّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤْسى ∗∗∗.....................

وهِيَ لُغَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَثَمُودًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "عادًا"، وقَرَأ عاصِمٌ، والحَسَنُ، وعِصْمَةٌ: "وَثَمُودُ" بِغَيْرِ صَرْفٍ، وهي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الدالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَما أبْقى" ظاهِرُهُ: فَما أبْقى عَلَيْهِمْ، وتَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ: فَما أبْقى مِنهم عَيْنًا تُطْرَفُ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ الحَجّاجُ حِينَ سَمِعَ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنْ ثَقِيفًا مِن ثَمُودَ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿ وَثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ ، وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: بَقِيَ مِنهم باقِيَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما استُوفي ما يستحقه مقام النداء على باطل أهل الشرك من تكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وطعنهم في القرآن، ومن عبادة الأصنام، وقولهم في الملائكة، وفاسد معتقدهم في أمور الآخرة، وفي المتصرف في الدنيا، وكان معظم شأنهم في هذه الضلالات شبيهاً بشأن أمم الشرك البائدة نقل الكلام إلى تهديدهم بخوف أن يحل بهم ما حل بتلك الأمم البائدة فذكر من تلك الأمم أشهرها عند العرب وهم: عاد، وثمود، وقوم نوح، وقوم لوط.

فموقع هذه الجملة كموقع الجمل التي قبلها في احتمال كونها زائدة على ما في صحف موسى وإبراهيم ويحتمل كونُها مما شملته الصحف المذكورة فإن إبراهيم كان بعد عاد وثمود وقوم نوح، وكان معاصراً للمؤتفكة عالماً بهلاكها.

ولكون هلاك هؤلاء معلوماً لم تقرن الجملة بضمير الفصل.

ووصف عاد ب ﴿ الأولى ﴾ على اعتبار عاد اسماً للقبيلة كما هو ظاهر.

ومعنى كونها أولى لأنها أول العرب ذكراً وهم أول العرب البائدة وهم أول أمة أهلكت بعد قوم نوح.

وأما القول بأن عاداً هذه لما هلكت خلفتها أمة أخرى تُعرف بعاد إرم أو عاد الثانية كانت في زمن العماليق فليس بصحيح.

ويجوز أن يكون ﴿ الأولى ﴾ وصفاً كاشفاً، أي عاداً السابقة.

وقيل ﴿ الأولى ﴾ صفة عظمة، أي الأولى في مراتب الأمم قوة وسعة، وتقدم التعريف بعاد في سورة الأعراف.

وتقدم ذكر ثمود في سورة الأعراف أيضاً.

وتقدم ذكر نوح وقومه في سورة آل عمران وفي سورة الأعراف.

وإنما قدم في الآية ذكر عاد وثمود على ذكر قوم نوح مع أن هؤلاء أسبق لأن عاداً وثموداً أشهر في العرب وأكثر ذكراً بينهم وديارهم في بلاد العرب.

وقرأ الجمهور ﴿ عاداً الأولى ﴾ بإظهار تنوين ﴿ عاداً ﴾ وتحقيق همزة ﴿ الأولى ﴾ .

وقرأ ورش عن نافع وأبو عمرو ﴿ عاد لُولى ﴾ بحذف همزة (الأولى) بعد نقل حركتها إلى اللام المعرِّفة وإدغام نون التنوين من ﴿ عاداً ﴾ في لاَم ﴿ لُولى ﴾ .

وقرأه قالون عن نافع بإسكان همزة ﴿ الأولى ﴾ بعد نقل حركتها إلى اللام المعرِفة (عاد لُؤْلى) على لغة من يبدل الواو الناشئة عن إشباع الضمة همزاً، كما قرئ ﴿ فاستوى على سؤقه ﴾ [الفتح: 29].

وقرأ الجمهور ﴿ وثموداً ﴾ بالتنوين على إطلاق اسم جد القبيلة عليها.

وقرأه عاصم وحمزة بدون تنوين على إرادة اسم القبيلة.

وجملة ﴿ إنهم كانوا هم أظلم وأطغى ﴾ تعليل لجملة ﴿ أهلك عاداً ﴾ إلى آخرها، وضمير الجمع في ﴿ إنهم كانوا ﴾ يجوز أن يعود إلى قوم نوح، أي كانوا أظلم وأطغى من عاد وثمود.

ويجوز أن يكون عائداً إلى عاد وثمود وقوم نوح والمعنى: إنهم أظلم وأطغى من قومك الذين كذبوك فتكون تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الرسل من قبله لقُوا من أممهم أشد مما لقيه محمد صلى الله عليه وسلم وفيه إيماء إلى أن الله مبق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يهلكها لأنه قدّر دخول بقيتها في الإسلام ثم أبنائها.

وضمير الفصل في قوله ﴿ كانوا هم أظلم ﴾ لتقوية الخبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إلى إعادَتِكم لِرَبِّكم بَعْدَ مَوْتِكم يَكُونُ مُنْتَهاكم.

﴿ وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَضى أسْبابَ الضَّحِكِ والبُكاءِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِالضَّحِكِ السُّرُورَ، وبِالبُكاءِ الحُزْنَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، فَإنَّ اللَّهَ مَيَّزَ الإنْسانَ بِالضَّحِكِ والبُكاءِ مِن بَيْنِ سائِرِ الحَيَوانِ، فَلَيْسَ في سائِرِ الحَيَوانِ ما يَضَحَكُ ويَبْكِي غَيْرَ الإنْسانِ، وقِيلَ إنَّ القِرْدَ وحْدَهُ يَضْحَكُ ولا يَبْكِي، وإنَّ الإبِلَ وحْدَها تَبْكِي ولا تَضْحَكُ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا رابِعًا: أنْ يُرِيدَ بِالضَّحِكِ والبُكاءِ النِّعَمَ والنِّقَمَ.

﴿ وَأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَضى أسْبابَ المَوْتِ والحَياةِ.

الثّانِي: خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ كَما قالَ تَعالى ﴿ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ ﴾ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّالِثُ: أنْ يُرِيدَ بِالحَياةِ الخَصْبَ وبِالمَوْتِ الجَدْبَ.

الرّابِعُ: أماتَ بِالمَعْصِيَةِ وأحْيا بِالطّاعَةِ.

الخامِسُ: أماتَ الآباءَ وأحْيا الأبْناءَ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنْ يُرِيدَ بِهِ أنامَ وأيْقَظَ.

﴿ مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا تَخَلَّقَ وتَقَدَّرَ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: إذا نَزَلَتْ في الرَّحِمِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ وَأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أغْنى بِالكِفايَةِ وأقْنى بِالزِّيادَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أغْنى بِالمَعِيشَةِ وأقْنى بِالمالِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أغْنى بِالمالِ وأقْنى بِأنْ جَعَلَ لَهم قُنْيَةً، وهي أُصُولُ الأمْوالِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الرّابِعُ: أغْنى بِأنْ مَوَّلَ وأقْنى بِأنْ حَرَّمَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: أغْنى نَفْسَهُ وأفْقَرَ خَلْقَهُ إلَيْهِ، قالَهُ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ.

السّادِسُ: أغْنى مَن شاءَ وأفْقَرَ مَن شاءَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

السّابِعُ: أغْنى بِالقَناعَةِ وأقْنى بِالرِّضا، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّامِنُ: أغْنى عَنْ أنْ يُخْدِمَ وأقْنى أنْ يَسْتَخْدِمَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.

وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أغْنى بِما كَسَبَهُ [الإنْسانُ] في الحَياةِ وأقْنى بِما خَلَّفَهُ بَعْدَ الوَفاةِ مَأْخُوذٌ مِنِ اقْتِناءِ المالِ وهو اسْتِبْقاؤُهُ.

﴿ وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى ﴾ والشِّعْرى نَجْمٌ يُضِيءُ وراءَ الجَوْزاءِ، قالَ مُجاهِدٌ: تَسَمّى هَوْزَمَ الجَوْزاءِ، ويُقالُ إنَّهُ الوَقّادُ، وإنَّما ذَكَرَ أنَّهُ رَبُّ الشِّعْرى وإنْ كانَ رَبًّا لِغَيْرِهِ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَعْبُدُهُ فَأُعْلِمُوا أنَّ الشِّعْرى مَرْبُوبٌ ولَيْسَ بِرَبٍّ.

واخْتُلِفَ فِيمَن كانَ يَعْبُدُهُ فَقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ تَعْبُدُهُ حِمْيَرُ وخُزاعَةُ وقالَ غَيْرُهُ: أوَّلُ مَن عَبَدَهُ أبُو كَبْشَةَ، وقَدْ كانَ مَن لا يَعْبُدُها مِنَ العَرَبِ يُعَظِّمُها ويَعْتَقِدُ تَأْثِيرَها في العالَمِ، قالَ الشّاعِرُ مَضى أيْلُولُ وارْتَفَعَ الحَرُورُ وأخْبَتَ نارَها الشِّعْرى العَبُورُ ﴿ وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ عادًا الأُولى عادُ بْنُ إرَمَ، وهُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ، وعادًا الآخِرَةَ قَوْمُ هُودٍ.

الثّانِي: أنَّ عادًا الأُولى قَوْمُ هُودٍ والآخِرَةَ قَوْمٌ كانُوا بِحَضْرَمَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى ﴾ والمُؤْتَفِكَةُ المُنْقَلِبَةُ بِالخَسْفِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ وهي خَمْسَةٌ: صَبْغَةُ وصَغِيرَةُ وعَمْرَةُ ودُوما وسَدُومُ وهي العُظْمى، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ فاحْتَمَلَها بِجَناحِهِ ثُمَّ صَعَدَ بِها حَتّى أنَّ أهْلَ السَّماءِ يَسْمَعُونَ نُباحَ كِلابِهِمْ وأصْواتَ دَجاجِهِمْ ثُمَّ كَفَأها عَلى وجْهِها ثُمَّ أتْبَعَها بِالحِجارَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿ وَأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافِ ألْفٍ.

﴿ أهْوى ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ جِبْرِيلَ أهْوى بِها حِينَ احْتَمَلَها حَتّى جَعَلَ عالِيَها سافِلَها.

الثّانِي: أنَّهم أكْثَرُ ارْتِكابًا لِلْهَوى حَتّى حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ مِنَ البَلاءِ.

﴿ فَغَشّاها ما غَشّى ﴾ يَعْنِي المُؤْتَفِكَةَ، وفِيما غَشّاها قَوْلانِ: أحَدُهُما: جِبْرِيلُ حِينَ قَلَبَها.

الثّانِي: الحِجارَةُ حَتّى أهْلَكَها.

﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ﴾ وهَذا خِطابٌ لِلْمُكَذِّبِ أيْ فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ تَشُكُّ فِيما أوْلاكَ وفِيما كَفاكَ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ فَغَشّاها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ألْقاها.

الثّانِي: غَطّاها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنه هو أغنى وأقنى ﴾ قال: أعطى وأرضى.

وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أغنى ﴾ قال: أكثر ﴿ وأقنى ﴾ قال: قنع.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ أغنى وأقنى ﴾ قال: أغنى من الفقر وأقنى من الغنى فقنع به، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول عنترة العبسي: فأقنى حياءك لا أبالك واعلمي ** أني امرؤ سأموت إن لم أقتل وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: أغنى أرضى وأقنى موّن.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح في قوله: ﴿ أغنى وأقنى ﴾ قال: غنى بالمال وأقنى من القنية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة والضحاك مثله.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحضرمي في قوله: ﴿ وأنه هو أغنى وأقنى ﴾ قال: أغنى نفسه وأفقر الخلائق إليه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأنه هو رب الشعرى ﴾ قال: هو الكوكب الذي يدعى الشعرى.

وأخرج الفاكهي عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في خزاعة، وكانوا يعبدون الشعرى وهو الكوكب الذي يتبع الجوزاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد قال: الشعرى الكوكب الذي خلف الجوزاء كانوا يعبدونه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: كان ناس في الجاهلية يعبدون هذا النجم الذي يقال له: الشعرى فنزلت.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وأنه أهلك عاداً الأولى ﴾ قال: كانت الآخرة بحضرموت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى ﴾ قال: لم يكن قبيل من الناس هم أظلم وأطغى من قوم نوح، دعاهم نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً كلما هلك قرن ونشأ قرن دعاهم، حتى لقد ذكر لنا أن الرجل كان يأخذ بيد أخيه أو ابنه فيمشي إليه فيقول: يا بني إن أبي قد مشى بي إلى هذا وأنا مثلك يومئذ.

تتابعاً في الضلالة وتكذيباً بأمر الله عز وجل.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ والمؤتفكة أهوى ﴾ قال: أهوى بها جبريل بعد أن رفعها إلى السماء.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ والمؤتفكة أهوى ﴾ قال: قوم لوط ائتفكت بهم الأرض بعد أن رفعها الله إلى السماء، فالأرض تجلجل بها إلى يوم القيامة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ والمؤتفكة أهوى ﴾ قال: قرى قوم لوط ﴿ فغشاها ما غشى ﴾ قال: الحجارة ﴿ فبأي آلاء ربك ﴾ قال: فبأي نعم ربك.

وأخرج ابن جرير عن أبي مالك الغفاري في قوله: ﴿ أن لا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ إلى قوله: ﴿ هذا نذير من النذر الأولى ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم أنذر ما أنذر الأولون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ هذا نذير من النذر الأولى ﴾ قال: إنما بعث محمد بما بعث به الرسل قبله، وفي قوله: ﴿ أزفت الآزفة ﴾ قال: الساعة ﴿ ليس لها من دون الله كاشفة ﴾ أي رادة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الآزفة من أسماء يوم القيامة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ أزفت الآزفة ﴾ قال: اقتربت الساعة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ أزفت الآزفة ﴾ قال: اقتربت الساعة ﴿ ليس لها من دون الله كاشفة ﴾ قال: لا يكشف عنها إلا هو.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: ليس لها من دون الله من آلهتهم كاشفة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَثَمُودَ ﴾ أهلك الله ثمود وهم قوم صالح بالصيحة ﴿ فَمَا أَبْقَى ﴾ منهم أحدًا.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ عَاداً الأولى ﴾ وصفها بالأولى لأنها كانت في قديم الزمان، فهي الأولى بالإضافة إلى الأمم المتأخرة، وقيل: إنما سميت أولى لأن ثم عاداً أخرى متأخرة وهذا لا يصح، وقرأ نافع عادَ لولى بإدغام تنوين عاد في لام الأولى بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللم وضعّف المزني والمبرد هذه القراءة وهَمَزَ قالون الأولى دون وَرْشَ وقرأ الباقون على الأصل بكسر تنوين عادا وإسكان لام الأولى ﴿ وَثَمُودَ فَمَآ أبقى ﴾ أي ما أبقى منهم أحداً، وقيل: ما أبقى عليهم: ﴿ والمؤتفكة أهوى * فَغَشَّاهَا مَا غشى ﴾ هي مدينة قوم لوط، ومعنى أهوى طرحها من علو إلى أسفل، وفي قوله: ما غشى تعظيم للأمر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هوى ﴾ وسائر آياته بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة المفرطة كما سبق في "طه" ﴿ ما كذب ﴾ بالتشديد: يزيد وهشام ﴿ ما زاغ البصر ﴾ بالإمالة: حمزة ونصير ﴿ ومناة ﴾ بالمد: ابن كثير والشموني ﴿ أفتمرونه ﴾ ثلاثياً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف ﴿ ضيزى ﴾ بالهمزة: ابن كثير في رواية ﴿ كبير الأثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ هشام ﴿ عاداً لولي ﴾ مدغماً غير مهموز: أبو عمرو ويزيد ويعقوب والنجاري عن ورش.

وقرأ إسماعيل والأصبهاني عن ورش وأبو نشيط عن قالوا بإظهار الغنة غير مهموز.

وكذلك روي عن أبي عمرو فعلى مذهبهم إذا وقف القارىء على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ بلولي ﴾ ولو شاء الولي بتخفيف الهمزة والأول أحسن.

وقرأ قالون غير أبي نشيط بالهمزة وإظهار الغنة، وإذا وقف على ﴿ عاد ﴾ ابتدأ ﴿ لولي ﴾ ولو شاء ﴿ الولي ﴾ والباقون ﴿ عاد الأولى ﴾ بالألف قبل اللام وبعد اللام في الحالين ﴿ وثمود ﴾ في الحالين بغير تنوين: حمزة وعاصم غير ابن غالب والبرجمي والمفضل وسهل ويعقوب ﴿ ربك تمارى ﴾ بتشديد التاء: رويس عن يعقوب.

الوقوف: ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ غوى ﴾ ه ج للآية مع العطف على جواب القسم ﴿ الهوى ﴾ ه ط ﴿ يوحى ﴾ ه لا ﴿ القوى ﴾ ه لا لذلك ﴿ ذو مرة ﴾ ط لتمام الصفة ﴿ فاستوى ﴾ ه لا لأن الواو للحال ﴿ الأعلى ﴾ ه ط ﴿ فتدلى ﴾ ه لا لأن ما بعده من تمام المقصود ﴿ أو أدنى ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان لأن ضمير ﴿ فأوحى ﴾ لله لا للنبي ﴿ ما أوحى ﴾ ه ج ﴿ ما رأى ﴾ ه ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ه لأن عامل ﴿ إذ زاغ البصر ﴾ فلا وقف على ﴿ ما يغشى ﴾ ﴿ طغى ﴾ ه ﴿ الكبرى ﴾ ه ﴿ والعزى ﴾ ه لا ﴿ الأخرى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ ضيزى ﴾ ه ﴿ سلطان ﴾ ط ﴿ الأنفس ﴾ ج لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ الهدى ﴾ ه ط لأن أم ابتداء استفهام إنكار ﴿ ما تمنى ﴾ ه ز لتناهى الاستفهام والوصل أولى للفاء واتصال المعنى ﴿ والأولى ﴾ ه ﴿ ويرضى ﴾ ه ﴿ الأنثى ﴾ ه ﴿ علم ﴾ ط ﴿ إلا الظن ﴾ ه ج لاختلاف الجملتين ﴿ شيئاً ﴾ ط لذلك ﴿ الدنيا ﴾ ه ط ﴿ من العلم ﴾ ط ﴿ اهتدى ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بالحسنى ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح خبر مبتدأ محذوف وبدلاً من ﴿ الذين أحسنوا ﴾ ﴿ اللمم ﴾ ط ﴿ المغفرة ﴾ ط ﴿ أمهاتكم ﴾ ج ﴿ أنفسكم ﴾ ه ط ﴿ اتقى ﴾ ه ﴿ تولى ﴾ ج ﴿ وأكدى ﴾ ه ﴿ يرى ﴾ ه ﴿ موسى ﴾ ه ﴿ وفى ﴾ ه لا ﴿ أخرى ﴾ ه لا ﴿ سعى ﴾ ه لا ﴿ يرى ﴾ ه ص لوقوع العارض بين المعطوف على أن ﴿ الأوفى ﴾ ه لا ﴿ المنتهى ﴾ ه لا ﴿ وأبكى ﴾ ه لا ﴿ وأحيا ﴾ ه لا ﴿ والأنثى ﴾ ه ﴿ تمنى ﴾ ه ص لما مر ﴿ الأخرى ﴾ ه لا ﴿ وأقنى ﴾ ه لا ﴿ الشعرى ﴾ ه ط ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ أبقى ﴾ ه لا ﴿ وأطفى ﴾ ه ط لأن ﴿ المؤتفكة ﴾ منصوب بما بعده ﴿ هوى ﴾ ه لا ﴿ ما غشى ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ تتمارى ﴾ ه ﴿ الأولى ﴾ ه لا ﴿ الآزقة ﴾ ه للاستئناف والحال ﴿ كاشفةْ ﴾ ه ﴿ تعجبون ﴾ ه لا ﴿ ولا تبكون ﴾ ه لا ﴿ سامدون ﴾ ه لا ﴿ واعبدوا ﴾ ه سجدة.

التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بالنجوم خص الأقسام في أول هذه السورة بالنجم, واللام فيه للعهد أو للجنس.

والأول قول من قال: إنه الثريا وهو اسم غالب لها وصورتها في السماء كعنقود عنب.

وأظهر كواكبها سبعة وهي المنزل الثالث من منازل القمر.

قال: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء.

وذلك أن الشمس تكون في أول العقرب حينئذ في مقابلتها فتطلع بغروبها.

وعلى الثاني فيه وجوه أحدها.

نجوم السماء وهويها غروبها.

وفائدة هذا القيد أن النجم إذا كان في وسط السماء لم يهتد به الساري لأنه لا يعلم المغرب من المشرق والجنوب من الشمال، فإذا مال إلى الأفق عرف به هذه الجهات والميل إلى أفق المغرب أولى بالذكر من الناظر إليه حينئذ يستدل بغروبها على أفوله في حيز الإمكان فيتم له اهتداء الدين مع اهتداء الدنيا.

وقيل: هويها انتثارها يوم القيامة.

وثانيها النجم هو الذي يرجم به الشياطين وهويها انقضاضها.

وثالثها النجم النبات إذا هوى إذا سقط على الأرض وهو غاية نشوة.

ورابعها النجم أحد نجوم القرآن وقد نزل منجماً في عشرين سنة فيكون كقوله ﴿ والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم  ﴾ وعلى القول الآخر فالثريا أظهر النجوم عند الناظرين وأشهر المنازل للسائرين وأنها تطلع عشاء في وقت إدراك الثمار.

والنبي  تميز من سائر الأنبياء بالمعجزات الباهرات ولا سيما فإنه حين ظهر زال يبس الشوك وحرارة الحمية الجاهلية وإدراك الحكمة ورجم به شياطين الإنس المضلين لعباد الله في أرضه، ونبت بوجوده أصناف الأغذية الروحانية تامة كاملة.

قال جار الله: الضلال نقيض الهدى، والغي نقيض الرشد، والخطاب لقريش.

قلت: هذا صادق من حيث الاستعمال لقوله ﴿ قد تبين الرشد من الغي  ﴾ ﴿ من يضلل الله فلا هادي له  ﴾ إلا أنه ينبغي أن يتبين لافرق بين الضلال والغواية.

والظاهر أن الضلال أعم وهو أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، والغواية أن لا يكون له إلى المقصد طريق مستقيم ولهذا لا يقال للمؤمن من إنه ضال أو غير مهتد ويقال له إنه غوي غير رشيد.

قال عز من قائل ﴿ فإن آنستم منهم رشداً  ﴾ فكأنه  نفى الأعم أولاً ثم نفى الأخص ليفيد أنه على الجادة غير منحرف عنها أصلاً.

ويحتمل أن يكون قوله ﴿ ما ضل ﴾ نفياً لقولهم هو كاهن أو مجنون لأن الكهانة أيضاً من مسيس الجن.

وقوله ﴿ وما غوى ﴾ نفي لقولهم هو شاعر والشعراء يتبعهم الغاوون.

ويحتمل أن يكون الأول عبارة عند صلاحه في أمور المعاد، والثاني إشارة إلى رشده في أمور المعاش ومنه يعلم أن أقواله كلها على سنن الصواب إلا أنه كان يمكن أن تكون مستنبطة من العقل أو العرف أو العادة، فأسندها الله  إلى طريق أخص وأشرف وهو أن تكون مستندة إلى الوحي فقال بصيغة تفيد الاستمرار ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ أي ليس كل ما ينطق به ولا بعضه بصادر عن الرأي والتشهي إنما وحي يوحى إليه من الله، واستدل به بعض من لا يرى الاجتهاد للأنبياء عليهم السلام، وأجيب بأن الله  إذا سوغ له الاجتهاد كان لك من قبيل الوحي أيضاً.

وأما من يخص النطق بالقرآن فلا اعتراض عليه.

قال أهل اللغة: الهوى المحبة النفسانية، والتركيب يدل على النزول والسقوط ومنه الهاوية.

ومبة النفس الأمارة لا أصل لها ولا تصدر إلا عن خسة ودناءة، وقوله ﴿ إن هو إلا وحي ﴾ أبلغ مما لو قيل هو "وحي" وهو ظاهر.

وقوله ﴿ يوحى ﴾ لتحقيق الحقيقة كقوله ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ فإن الفرس الشديد العدو بما يقال إنه طائر، فإذا قيل يطير بجناحيه زال جواز ذلك المجاز فكذلك ههنا ربما يقال للكلام الصادق الفصيح هو وحي أو سحر حلال.

فلما قيل ﴿ يوحى ﴾ اندفع التجوز.

ثم بين طريق الوحي بقوله ﴿ علمه ﴾ أي الموحي أو محمداً ﴿ شديد القوى ﴾ وهو جبرائيل  أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة مدح المعلم ليلزم منه فضيلة المتعلم.

ولو قال "علمه جبرائيل  " لم يفهم منه فضل المتعلم ظاهراً.

وفيه رد على من زعم أنه يعلمه بشر لأن الإنسان خلق ضعيفاً وما أوتي من العلم إلا قليلاً.

وفيه أن جبرائيل  أمين موثوق به من حيث قوته المدركة والحافظة ولو كان مختل الذهن أو الحفظ لم يوثق بروايته، وفيه تسلية للنبي  كيلا يضيق صدره حين علم بواسطة الملك فكأنه قيل له: ليس لك في ذلك نقص لأنه شديد القوى على أنه قال في موضع آخر ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ وأخبر النبي  عن حاله فقال " أدبني ربي فأحسن تأديبي " والمرة القوة.

والظاهر أنها القوة الجسمانية كقوله ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم  ﴾ فمن قوته أنه قلع قريات قوم لوط وقلبها بجناحه، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان ينزل إلى الأنبياء ويصعد في لمحة.

ويجوز أن يراد بقوله ﴿ شديد القوى ﴾ قواه الجسمانية وبقوله ﴿ ذو مرة ﴾ القوى العقلية.

والتنكير للتعظيم.

قوله ﴿ فاستوى ﴾ المشهور أن فاعله جبرائيل  أي فاستقام على صورته الحقيقية دون صورة دحية، وذلك أن رسول الله  أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له في الأفق الأعلى أي الأشرف وهو الشرقي ﴿ ثم دنا ﴾ جبرائيل من الرسول  على الصورة المعتادة ﴿ فتدلى ﴾ قيل: فيه تقديم وتأخير أي فتعلق عليه في الهواء ثم دنا منه.

وقيل: دنا أي قصد القرب من محمد أو تحرك من المكان الذي كان فيه، فنزل إلى النبي  .

يقال: تدلت الثمرة ودلى رجليه من السرير وقد يقال: الدنو والتدلي بمعنى واحد فلا يفيد إلا التأكيد.

ثم زاد تأكيداً بقوله ﴿ فكان قاب قوسين ﴾ قال أهل العربية.

هو من باب حذف المضافات أي فكان مقدار مسافة قرب جبرائيل  مثل "قاب قوسين".

والقاب والقيب والقاد والقيد والقيس كلها المقدار.

والعرب تقدر الأشياء بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع وغيرها.

وفي الحديث " لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين " وقال  " لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها" والقد السوط.

وقوله ﴿ أو أدنى ﴾ أي في تقديركم كقوله ﴿ مائة ألف أو يزيدون  ﴾ وقال بعضهم: الضمير في ﴿ فاستوى ﴾ لمحمد  وذلك أن تعليم جبرائيل إياه كان قبل كماله واستوائه، فحين تكاملت قواه النظرية والعلمية وصار بالأفق الأعلى أي بالرتبة العليا من المراتب الإنسانية دنا من الأمة فتدلى أي لان لهم ورفق بهم حتى قال ﴿ إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ  ﴾ فكان الفرق بينه وبين جبرائيل قليلاً جداً.

وعلى هذا يمكن أن يكون الرجحان في الكمال للنبي  كما يقول أكثر أهل السنة، أو بالعكس كما تزعم طائفة منهم ومن غيرهم، ويحتمل على هذا القول أن يكون الضمير في ﴿ دنا ﴾ لجبريل والمراد أن النبي  وإن زال عن الصفات البشرية من الشهوة والغضب والجهل وبلغ الأفق الأعلى الإنساني، ولكن نوعيته لم تزل عنه وكذلك جبرائيل.

وإن ترك اللطافة المانعة من الرؤية ونزل إلى الأفق الأدنى من الآفاق الملكية ولكن لم يخرج عن كونه ملكاً فلم يبقى بينهما إلا اختلاف حقيقتهما نظيره ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين  ﴾ أي رأى جبرائيل وهو أي محمد بالأفق الفارق بين درجة الإنسان ومنزلة الملك كقول القائل: "رأيت الهلال على السطح" أي وأنا على السطح.

وقد يجعل ذكر القوس عبارة عن معنى آخر هو أن العرب كانوا إذا عاهدوا فيما بينهم طرحوا قوساً أو قوسين لتأكيد العهد بين الاثنين، فأخبر الله  أنه كان بين جبرائيل ومحمد عليه الصلاة والسلام من المحبة وقرب المنزلة مثل ما تعرفونه فيما بينكم عند المعاقدة.

وقيل: الضمير لمحمد  أو لله والمراد قرب المكان بينهما.

وهذا يشبه مذهب المجسمة إلا أن يقال: دنا دنو ألفة ولا دنو زلفة.

دنا دنو إكرام لا دنو أجسام، دنا دنو أنس لا دنو نفس.والقوسان أحدهما صفة الحدوث والأخرى صفة القدم.

أخبر بالقصة إكراماً وكتم الإسرار عظاماً.

قوله ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ الضمير في الفعلين إما لله أو لجبرائيل، والمراد بالعبد إما محمد  أو جبريل  فيحصل تقديرات أحدها: فأوحى الله إلى محمد  ما أوحى وفيه تفخيم لشأن الوحي.

وقيل: أوحى إليه الصلاة.

وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها.

وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.

والظاهر أنها أسرار وحقائق ومعارف لا يعلمها إلا الله ورسوله.

ثانيها فأوحى الله إلى محمد  ما أوحى أولاً جبرائيل يعني أن الوحي كان ينزل عليه أولاً بواسطة جبرائيل وقد ارتفعت الآن تلك الواسطة.

وعلى هذا يحتمل أن يقال "ما" مصدرية أي أوحى إلى محمد  الإيحاء أي العلم بالإيحاء كي يفرق بين الملك والجن.

أو كلمة أنه وحي أو خلق فيه علماً ضرورياً.

ثالثها فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى.

رابعها فأوحى الله إلى جبرائيل ما أوحى جبريل إلى محمد  وغيره من الأنبياء قبله.

وفيه إشارة إلى أن جبريل  أمين لم يجن قط في شيء مما أوحى إلى الأنبياء.

خامسها فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد  ما أوحى الله إليه.

سادسها فأوحى جبرائيل إلى عبد الله ما أوحى هو.

وفي هذين الوجهين لا يمكن أن يراد بالعبد إلا محمد  .

قوله ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ الأشهر أن اللام للعهد وهو فؤاد محمد  أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك.

ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه.

ومن قرأ بالتشديد فظاهر أي صدق فؤاده ما عاينه ولم يشك في ذلك.

وقيل: اللام للجنس والمراد أن جنس الفؤاد لا ينكر ذلك وإن كان الوهم والخيال ينكره.

والمقصود نفي الجواز لا نفي الوقوع كقوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ﴿ وما ربك بغافل  ﴾ بخلاف قوله ﴿ إن الله لا يضيع أجر المحسنين  ﴾ ﴿ لا يغفر أن يشرك به  ﴾ فإنه لنفس الوقوع.

والظاهر أن فاعل رأى محمد  وقيل: الفؤاد أو البصر أي ما رآه الفؤاد ولم يقل له إنه جن أو شيطان أو لم يكذب الفؤاد ما رآه بصر محمد  .

وما المرئي فيه أقوال: أحدها ما مر وهو أنه رأى جبريل في صورته بالأفق الشرقي.

والثاني الآيات العجيبة الإلهية.

والثالث الرب  والمسألة مبنية على جواز الرؤية وقد تقدم البحث عن ذلك في قوله ﴿ لا تدركه الأبصار  ﴾ ثم على وقوع الرؤية وقد تقدم خلاف الصحابة فيه في حديث معراج النبي  وذلك في أول "سبحان الذي".

ولعل القول الأول أصح.

يروي أنه ما رأى جبريل أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد  مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء، وإليه إشارة بقوله ﴿ أفتمارونه ﴾ من المراء أي أتجادلونه ﴿ على ما يرى ﴾ ومن قرأ ﴿ أفتمرونه ﴾ فمعناه أتغلبونه في المراء يقال: ماريته فمريته.

ولما فيه من معنى الغلبة عدي بـ "على" وقيل: معناه افتجحدونه.

ولا بد من تضمين معنى الغلبة.

﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ أي مرة أخرى فانتصبت على الظرف لأن الفعلة صيغة المرة فكانت النزلة في حكم المرة أي نزل عليه جبريل في صورته تارة أخرى في ليلة المعراج ووجه الاستفهام الإنكاري أنه لما رآه وهو على بسيط الأرض احتمل أن يقال: إنه كان من الجن احتمالاً بعيداً فلما رآه ﴿ عند سدرة المنتهى ﴾ لم يحتمل أن يكون هناك جن ولا إنس فلم يبق للجدال مجال.

أما القائل بالقول الثالث فزعم أن النبي  رأى ربه بقلبه مرتين.

والنزلة إما لله بمعنى الحركة والانتقال عند من يجوز ذلك، أبو بمعنى قرب الرحمة والإفضال، وإما للنبي  لأنه نزل عن متن الهوى ومركب النفس.

وقيل: أراد بالنزلة ضدها وهي العرجة، واختير هذه العبارة ليعلم أن هذه عرجة تتبعها النزلة ليست عرجة لا نزلة لها وهي عرجة الآخرة.

وعلى القول الأول أيضاً يحتمل أن تكون النزلة لمحمد  وذلك أن جبرائيل تخلف عنه في مقام "لو دنوت أنملة لاحترقت" ثم عاد النبي  إليه.

ومعنى أخرى أنه  تردد في أمر الصلاة مراراً فلعله كان ينزل إلى جبرائيل كل مرة لا أقل من نزلتين.

أما السدرة فالأكثرون على أنها شجرة في السماء السابعة: وقيل: في السادسة.

"نبقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة، يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها" وقد ورد الحديث بذلك.

فعلى هذا ﴿ عند ﴾ ظرف مكان.

ثم إن كان المرئي جبريل فلا إشكال، إن كان هو الله  فكقول القائل "رأيت الهلال على السطح" وقد مر.

وقال بعضهم ﴿ عند ﴾ ظرف زمان كما يقال: صليت عند طلوع الفجر.

والمعنى رآه عند الحيرة القصوى أي في وقت تحارعقول العقلاء فيه ولكنه ما حار ولم يعرض له سدر.

وإضافة سدرة إلى المنتهى إما من إضافة الشيء إلى مكانه كما يقال "أشجار البلدة الفلانية كذا" وأشجار الجنة لا تيبس ولا تخلو من الثمار.

فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك ولا يعلم ما وراءه أحد وإليه ينتهي أرواح الشهداء.

وإما من إضافة المحل إلى الحال كما يقال "ظرف المداد" أي سدرة هي محل انتهاء الجنة.

وإما من إضافة الملك إلى مالكه كما يقال "دار زيد وأشجار عمرو" فيكون التقدير سدرة المنتهى إليه وهو الله  قال ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ فالإضافة للتشريف "نحو بيت الله وناقة الله".

وقال الحسن: ﴿ جنة المأوى ﴾ هي التي يصير إليها المتقون.

وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء والظاهر أن الضمير في ﴿ عندها ﴾ للسدرة.

وقيل: للنزلة من ذهب إلى أن سدرة المنتهى معناها الحيرة القصوى.

قال ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى ﴾ معناه ورود حالة على حالة أي طرأ على محمد حين ما يحار العقل ما طرأ من فضل الله ومن رحمته.

والأكثرون قالوا فيه تعظيم وتكثير لما يغشى الشجرة من الخلائق الدالة على عظمة الله وجلاله مما لا يحيط بها الوصف.

وعن رسول الله  " رأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله" وعنه  "يغشاها رفرف من طير خضر" والرفرف كل ما يبسط من أعلى إلى أسفل.

وعن ابن مسعود وغيره: يغشاها فراش أو جراد من ذهب.

والمحققون على أنها أنوار الله  تجلى للسدرة كما تجلى للجبل لكن السدرة كانت أقوى من الجبل، ومحمد  كان أثبت من موسى فلم تضطرب الشجرة ولم يصعق محمد  .

قوله ﴿ ما زاغ البصر ﴾ فيه وجهان: أشهرهما أنه بصر محمد  أي لم يلتفت إلى ما يغشاها.

فإن كان الغاشي هو الفراش أو الجراد من ذهب فمعناه ظاهر ويكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لمحمد  بالأمور الدنيوية، وإن كان الغاشي أنوار الله فالمراد أنه لم يلتفت إلى غير المقصود ولم يشتغل بالنور عن ذي النور.

أو المراد ما زاغ البصر بالصعقة بخلاف موسى  .

وفي الأول بيان أدب محمد  ، وفي الثاني بيان مزيته.

وذهب بعضهم إلى أن اللام للجنس أي ما زاغ بصره أصلاً في ذلك الموضع هيبة وإجلالاً.

والظاهر أن الضمير في قوله ﴿ وما طغى ﴾ للبصر أي ما جاوز حده المعين المأمور برؤيته.

ويحتمل أن يكون لمحمد  أي ما زاغ بصره بالميل إلى غير المقصود، وما طغى محمد بسبب الالتفات.

قال بعض العلماء: فيه بيان لوصول محمد  إلى سدرة اليقين الذي لا يقين فوقه إذ لم ير الشيء على خلاف ما هو عليه بخلاف الناظر إلى عين الشمس فإنه إذا نظر إلى شيء آخر رآه أبيض أو أصفر أو أخضر.

قوله ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ الظاهر أن الكبرى صفة الآيات أي لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى.

وذلك البعض إما جبرائيل على صورته، وإما سائر عجائب الملكوت.

ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف أي لقد رأى من آيات ربه آية هي الكبرى.

وعلى هذا لا تكون تلك الآية رؤية جبريل لما ورد في الاخبار أن الله ملائكمة أعظم منه كالملك الذي يسمى روحاً.

نعم لو قيل: إنها رؤية الله الأعظم كان له وجه عند من يقول بأنه  رأي الله ليلة المعراج.

وفيه خلاف تقديم.

قوله ﴿ أفرأيتم اللات والعزى ﴾ الخ.

أي عقيب ما سمعتم من عظمة الله  ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وأن الذي سد الأفق ببعض أجنحته تخلف عند سدره المنهتى، هل تنظرون إلى هذه الأصنام مع قلتها وفقرها حتى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه وعولتم عليه؟

قال في الكشاف: اللات اسم صنم كان لثقيف بالطائف وأصله "فعلة" من لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة، أو يتلوون عليها أي يطوفون فكأنه حذفت الياء تخفيفاً وحركت الواو فانقلبت ألفاً.

والوقف عليه بالتاء كيلا يشبه اسم الله: وقيل: أصله اللات بالتشديد وقد قرىء به.

زعموا أنه سمي برجل كان يلت عنده السمن بالزيت ويطعمه الحاج.

وعن مجاهد: كان رجل يلت السويق بالطائف وكانوا يعكفون على قبره فجعلوه وثناً.

والعزى تأنيث الأعز وكان لغطفان وهي شجرة سمرة بعث إليها رسول الله  خالد ابن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس ناشرة الشعر تضرب رأسها وتدعو بالويل والثبور فجعل خالد يضربها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك *** إني رأيت الله قد أهانك فرجع إلى النبي  وأخبره بما فعل.

فقال: تلك العزى ولن تعبد أبداً.

وأما مناة فهي صخرة كانت لهذيل وخزاعة كأنها سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق.

ومن قرأ بالمد فلعلها "مفعلة" من النوء كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركاً بها.

و ﴿ الأخرى ﴾ لا يطلق إلأا إذا كان الأول مشاركاً كالثاني فلا يقال: رأيت رجلاً وامرأة أخرى.

وإنما يقال رأيت رجلاً ورجلاً آخر.

وههنا ليست عزى ثالثة فكيف قال ﴿ ومناة الثالثة الأخرى ﴾ ؟

وأجيب بأن الأخرى صفة ذم لها أي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله { ﴿ وقالت أخراهم لأولاهم  ﴾ أي وضعاؤهم لرؤسائهم.

ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى وذلك أن الأول كان على صورة آدمي، والعزى كانت من النبات ومناة من الجماد.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي ومناة الأخرى.

الثالثة.

وقيل: إن الأصنام فيها كثرة فإذا أخذنا اللات والعزى مقدمين كانت لهما ثوالت كثيرة هذه ثالثة أخرى.

وقيل: فيه حذف والتقدير أفرأيتم اللات والعزى المعبودتين.

بالباطل ومناة الثالثة المعبودة الأخرى.

ثم إنه  حين وبخهم على الشرك فكأنهم قالوا نحن لا نشك في أن شيئاً منها ليس مثلاً لله  ولكنا صورنا هذه الأشياء على صور الملائكة المعظمين الذين اعترف بهم الأنبياء وقالوا: إنهم يرتقون ويقفون عند سدرة المنتهى، ويرد عليهم الأمر والنهي ويصدر عنهم إلينا فوبخهم على قولهم إن هؤلاء الأصنام التي هي إناث أنداد الله  ، أو على قولهم الملائكة بنات الله فاستفهم منكراً ﴿ ألكم الذكر ﴾ الذي ترغبون فيه ﴿ وله الأنثى ﴾ التي تستنكفون عنها ﴿ تلك ﴾ القسمة ﴿ إذا ﴾ أي إذا صح ما ذكرتم ﴿ قسمة ضيزى ﴾ أي جائرة غير عادلة من ضازه يضيزه إذا ضامه، وهي "فعلى" بالضم، وكان يمكن أن تقلب الياء واواً لتسلم الضمة إلا أنه فعل بالعكس أي قبلت الضمة كسرة لتسلم الياء فإن إبقاء الحرف أولى من إبقاء الحركة.

ومن قرأ بالهمزة فمن ضأزه بالهمزة والمعنى واحد ولكنها "فعلى" بالكسر.

قال بعضهم: إنهم ما قسموا ولم يقولوا لنا البنون وله البنات ولكنهم نسبوا إلى الله البنات وكانوا يكرهونهن، فلزم من هذه النسبة قسمة جائرة، فتقدير الكلام تلك النسبة قسمة غير عادلة إذ العدالة تقتضي أن يكون الشريف للشريف والوضيع للوضيع ﴿ إن هي ﴾ يعني ليس الأصنام أو أسماؤها المذكورات ﴿ إلا أسما سميتموها ﴾ وقد مر في "الأعراف" وفي "يوسف".

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: الم يتم بقوله ﴿ ما أنزل الله بها من سلطان ﴾ فإن إطلاق اللاسم على المسمى إنما يجوز إذا لم يتبعه مفسدة دينية.

وههنا يمكن أن يكون مرادهم من قولهم "الملائكة بنات الله" أنهم أولاد الله من حيث إنه لا واسطة بينهم وبينه في الإيجاد كما تقوله الفلاسفة.

والعرب قد تستعمل البنت مكان الولد كما يقال "بنت الجبل وبنت الشفة" لما يظهر منهما بغير واسطة خصوصاً إذا كان في اللفظ تاء التأنيث كالملائكة إلا أنه لم يجز في الشرع إطلاق هذا اللفظ على الملائكة لأنه يوهم النقص في حقه  ثم قال: وهذا بحث يدق عن إدراك اللغوي إن لم يكن عنده من العلوم حظ عظيم.

قلت: هذا البحث الدقيق يوجب أن يكون الذم راجعاً إلى ترك الأدب فقط.

وليس الأمر كذلك فإن الذم إنما توجه إلى المشرك لأنه ادعى الإلهية لما هو أبعد شيء منها.

وما أمكن له على تصحيح دعواه حجة عقلية ولا سمعية.

ومعنى ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ أي بسببها وصحتها.

وقال الرازي: الباء للمصاحبه كقول القائل "ارتحل فلان بأهله ومتاعه" أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع.

ومن قرأ ﴿ إن تبعون ﴾ على الخطاب فظاهر، ومن قرأ على الغيبة فإما للالتفات، وأما لأن الضمر للآباء وصيغة الاستقبال حكاية الحال الماضية ويحتمل أن يكون المراد عامة الكفار.

قوله ﴿ وما تهوى الأنفس ﴾ يجوز أن تكون "ما" مصدرية، وفائدة العدول عن صريح المصدر إلى العبارة الموجودة أن القاتل إذا قال: أعجبني صنعك.

لم يعلم أن الإعجاب من أمر قد تتحقق أو من أمر هو فيه.

وإذا قال: أعجبني ما تصنع.

شمل الحال والاستقبال.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة والفرق أن المتبع في الأول الهوى وفي الثاني مقتضى الهوى.

وقوله ﴿ الأنفس ﴾ من باب مقابلة الجمع بالجمع.

والمعنى اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه كقولك: خرج الناس بأهلهم أي كل واحد بأهله ولعل الظن يختص بالاعتقاد وهوى النفس بالعمل.

ويجوز أن يكون الظن مقصوداً به كل ماله محمل مرجوح والهوى يراد به ما لا وجه له أصلاً.

ويحتمل أن يراد بالظن ماله محمل راجح أيضاً وهو إن كان واجب العمل به في المسائل الاجتهادية إلا أنه مذموم عند القدرة على اليقين وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ولقد جاءهم من ربهم الهدى ﴾ وهو القرآن أو الرسول أو المعجزة، وفي هذه الحالة لا يجوز البناء على الظن بل يجب التعويل على اليقين.

قوله ﴿ أم للإنسان ﴾ أم منقطعة والهمزة فيها للإنكار والمراد تمنيهم شفاعة الآلهة وأن لهم عند الله الحسنى على تقدير البعث إذ تمنى أشرافهم أن يكونوا أنبياء دون محمد  .

قوله ﴿ فالله الآخرة والأولى ﴾ رد عليهم أي هو مالكها فهو المعطي والمانع ولا حكم لأحد عليه.

ومعنى الفاء أنه إذا تقرر أن شيئاً من الأشياء ليس بتمني الإنسان فلا حكم إلا لله.

ثم بين أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا برضاه.

وفيه أصناف من المبالغة من جهة أن "كم" للتكثير والعرب تستعمل الكثير وتريد الكل كما قد تستعمل الكل وتريد به الكثير كقوله ﴿ تدمر كل شيء  ﴾ ومن جهة لفظ الملك فإنهم أشرف المخلوقات سوى الأنبياء عند بعض، ومن قبل أنهم في السموات فإن ذلك يدل على علو مرتبتهم ودنو منزلتهم، ومن قبل اجتماعهم المدلول عليه بضمير الجمع في شفاعتهم وإذا كان حالهم هكذا فكيف يكون حال الجمادات؟

وقوله ﴿ لمن يشاء ﴾ أي لمن يريد الشفاعة له ﴿ ويرضى ﴾ أي ويراه أهلاً أن يشفع له فههنا أيضاً أنواع أخر من المبالغة.

الأول توقيف الشفاعة على الإذن.

والثاني تعليقها بالمشيئة فيهم منه أنه بعد أن يؤذن في مطلق الشفاعة يحتاج إلى الأذن في كل مرة معينة.

والثالث رضا الله الشفاعة فقد يشاء ولكن لا يرضاه كقوله ﴿ ولا يرضى لعباده الكفر  ﴾ وهذا عند أهل السنة واضح.

ثم صرح بالتوبيخ على قولهم الملائكة بنات الله فقال ﴿ إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة ﴾ أي كل واحد منهم ﴿ تسمية الأنثى ﴾ لأنهم إذا جعلوا الكل بنات فقد جعلوا كل واحدة بنتاً وبالعكس.

وههنا سؤالان: أحدهما: إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعم من هؤلاء المسلمين فكان الأولى أن يقال: إن الذين يسمون لا يؤمنون.

وثانيهما أنه كيف يلزم من عدم الإيمان بالآخرة هذه التسمية؟

والجواب عن الأول أن اللام للعهد وبه خرج الجواب عن الثاني أيضاً لأنه بخير عن جميع معهود أنهم يسمون.

ولا يلزم من حمل شيء على شيء أن يكون بينهما ملازمة.

ولو سلم أن اللام للعموم فالمراد بمثل هذا التركيب المبالغة والتوكيد كما تقول: الإنسان زيد.

وعلى هذا فإن أريد بالحمل مجرد الإخبار فلا إشكال وإن أريد الملازمة فمعناه المبالغة أيضاً لأن غاية جهلهم بالآخرة وبالجزاء حملهم على ارتكاب مثل هذا الافتراء على الله، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ ما لهم به من علم أن يتبعون إلا الظن ﴾ واعلم أن الإمام فخر الدين الرازي  بحث مع هؤلاء المشركين الذين سموا الملائكة إناثاً بحثاً طويلاً بناء على ظنه بهم أنهم رأوا في لفظ الملائكة تاء فلذلك جعلوه مؤنثاً.

وحاصل ذلك البحث يرجع إلى أن التاء لا يلزم أن تكون للتأنيث فقد تكون لتأكيد الجمع كحجارة وصقورة، أو لغير ذلك من المعاني، ونحن قد أسقطنا تلك البحوث لعدم فائدتها كما نبهناك عليه.

ثم بين الله  قاعدة كلية فقال: ﴿ وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ﴾ أي كل ما يجب أن يحصل منه المكلف على العلم واليقين فلا ينفع فيه الظن والتخمين، ومن جملته مسائل المبدأ والمعاد التي ينبني البحث فيها على البراهين العقلية والدلائل السمعية، ومن قنع في أمثالها بالوهم والظن لعدم الاستعداد أو لحفظ بعض المنافع الدنيوية وجب الإعراض عنه كما قال ﴿ فأعرض ﴾ أي إذا وقفت على قلة استعدادهم وعدم طلبهم للحق فأعرض يا محمد يا طالب الحق ﴿ عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ﴾ ويجوز أن يكون هذا الإعراض متضمناً للأمر.

بالقتال أي أعرض عن المقال وأقبل على القتال.

وقوله ﴿ ذلك ﴾ أي الذي ذكر من التسمية أو من اعتقاد كون الأصنام شفعاء ﴿ مبلغهم من العلم ﴾ جملة معترضة.

ثم بين علة الإعراض قائلاً ﴿ إن ربك هو أعلم ﴾ إلى آخره، وفيه بيان أنه تعالى يجازي كل فريق بحسب ما يستحقه، وفيه تسلية للنبي  كيلا يتعب نفسه في تحصيل ما ليس يرجى حصوله وهو إيمان أهل العناد الذين قنعوا بالظن بدل العلم ووقفوا لدى الباطل دون الحق.

ثم قرر أنه سوى الملك والملكوت لغرض الجزاء والإثابة.

والحسنى صفة المثوبة والأعمال، وإضافة الكبائر إلى الإثم إضافة النوع إلى الجنس لأن الإثم يشمل الكبائر والصغائر.

واختلف في الكبائر وقد أشبعنا القول القول فيها في سورة النساء في قوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ والفواحش ام تزايد قبحه من الكبائر كأنها مع كبر مقدار عقابها قبيحة في الصورة كالشرك بالله.

والمراد باللمم الصغائر، والتركيب يدل على القلة ومنه اللمم المس من الجنون وألم بالمكان إذا قل لبثه فيه قال: ألمت فحيث ثم قامت فودعت *** وإلا صفة كأنه قيل: كبائر الإثم وفواحشه غير اللمم، أو استثناء منقطع لأن اللمم ليس من الفواحش.

عن أبي سعيد الخدري: اللمم هي النظرة والغمزة والقبلة.عن السدي: الخطرة من الذنب.

وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عز وجل عليه حداً ولا عذاباً.

وعن عطاء: هي ما تعتاده النفس حيناً بعد حين.

قال جار الله: معنى قوله ﴿ إن ربك واسع المغفرة ﴾ أنه يكفر الصغائر باجتناب الكبائر ويكفر الكبائر بالتوبة.

وأقول: فيه إشارة إلى أن اللمم ما لا يمكن فيه الاجتناب عنه لكل الناس أو لأكثرهم فالعفو عن ذلك يحتاج إلى سعة وكثرة، بل فيه بشارة أنه  يغفر الذنوب جميعاً سوى الشرك لأن غفران اللمم لا يوجب الوصف بسعة المغفرة وإنما يوجب ذلك أن لو غفر معها الكبائر.

وقوله ﴿ هو أعلم بكم ﴾ إلى آخره.

دليل على وجوب وقوع الغفران لأنه إذا كان عالماً بأصلهم وفرعهم كان عالماً بضعفهم ونقصهم فلا يؤاخذهم بما يصدر عنهم على مقتضى جبلتهم وطبعهم.

فكل شيء يرجع إلى الأصل والأرض بطبعها تميل إلى الأسفل.

والجنين أوله نطفة مذرة وآخره الاغتذاء بدماء قذرة، وإذا كان مبدأ حاله هكذا وهو في أوسط أمره متصف بالظلم والجهل والعاقبة غير معلومه وجب عليه أن لا يزكي نفسه فإن الله تعالى أعلم بالزكي والتقي أولاً وآخراً باطناً وظاهراً، وما أحسن نسق هذه الجمل.

وقد أبعد بعض أهل النظم فقال لما ذكر أنه أعلم بمن ضل كان للكافر أن يقول: كيف يعلم الله أموراً نعلمها في البيت الخالي وفي جوف الليل المظلم؟

فأجاب الله  بأنا نعلم ما هو أخفى من ذلك وهو أحوالكم وقت كونكم أجنة.

وقوله ﴿ في بطون أمهاتكم ﴾ للتأكيد فإنه إذا خرج من بطن الأم يدعى سقطاً أو ولداً.

وقيل: أراد أن الضال والمهتدي حصلا على ما هما عليه بتقدير الله وبأنه كتب عليهما في رحم أمهما أنه ضال أو مهتد.

وقيل: فيه تقرير الجزاء وتحقيق الجزاء وتحقيق الحشر فإن العالم بأحوال المكلف وهو جنين القادر على إنشائه من الأرض أول مرة، عالم بأجزائه بعد التفرق، قادر على جمعه بعد التمزق.

والعامل في "إذ" هو "اذكر" أو ما يدل عليه ﴿ أعلم ﴾ أي يعلمكم وقت الإنشاء.

والخطاب للموجودين وقت نزول الآية وللآخرين بالتبعية.

ويجوز أن يكون الإنشاء من الأرض إشارة إلى خلق أبينا آدم.

وقوله ﴿ وإذ أنتم ﴾ يكون خطاباً لنا.

قوله ﴿ أفرأيت الذي تولى ﴾ قال بعض المفسرين: نزل في الوليد بن المغيرة جلس عند رسول الله  وسمع وعظه وأثرت الحكمة فيه تأثيراً قوياً فقال له رجل: لم تترك دين آبائك؟

قال: أخاف.

ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك فأعطاه ما ألزمه وتولى عن الوعظ واستماع كلام النبي  وقال بعضهم: نزل في عثمان بن عفان كان يعطي ماله عطاء فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح.

ويوشك أن يفنى مالك فأمسك فقال له عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا وإني أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء.

فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الإعطاء ومعنى تولي ترك المركز يوم أحد فعاد عثمان إلى خير من ذلك.

يقال: أكدى الحافر إذا لقيته كدية وهي أرض صلبة كالصخرة ونحوه "أجبل الحافر وأجبل الشاعر" إذا أفحم.

ثم وبخه بأنه لا يعلم الغيب فكيف يعلم أن أوزاره محمولة عنه؟

وقيل: نزلت في أهل الكتاب وذلك أنه لما بين حال المشركين المعاندين شرع في قصة هؤلاء والمعنى: أفرأيت الذي تولى أي صار متولياً لكتاب الله وأعطى قليلاً من الزمان حق الله فيه، ولما بلغ عصر محمد  أمسك عن العمل به.

قالوا: يؤيد هذا التفسير قوله ﴿ أم لم ينبأ بما في صحف موسى ﴾ عينها أو جنسها وهو ما نبأهم به نبينا  .

وجمع الصحف إما لأن موسى له صحيفة وإبراهيم له صحيفة فذكر التثنية بصيغة الجمع، وإما لأن كل واحد منهما له صحف لقوله تعالى ﴿ وألقى الألواح  ﴾ وكل لوح صحيفة.

وتقديم صحف موسى إما لأنها أقرب وأشهر وأكثر وإما لأنه رتب وصف إبراهيم عليه، وإما لحسن رعاية الفاصلة وقد راعى في آخر "سبح اسم ربك" هذا المعنى مع ترتيب الوجود.

والتشديد في قوله ﴿ وفي ﴾ للمبالغة في الوفاء، أو لأنه بمعنى وفر وأتم كقوله ﴿ فأتمهن  ﴾ وأطلق الفعل ليتناول كل وفاء وتوفية من ذلك تبليغه الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة والصبر على ذبح الولد وعلى نار نمرود وقيامه بأضيافه بنفسه.

يروى أنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يطلب ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم.

وعن عطاء بن السائب: عهد أن لا يسأل مخلوقاً فلما رمي في النار قال له جبريل وميكائيل: ألك حاجة؟

فقال: أما إليكم فلا.

قالا: فسل الله.

قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي.

وروي في الكشاف عن النبي  وفي عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار وهي صلاة الفجر والضحى.

وروي "ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى؟

كان يقول إذا أصبح وإذا أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى حين تظهرون" وعن الهزيل بن شرحبيل كان بين نوح وإبراهيم  يؤخذ الرجل بجريرة غيره ويقتل الزوج بامرأته والعبد بسيده، وأول من خالفهم إبراهيم فلهذا قال  ﴿ ألا تزر وازرة ﴾ وهي مخففة من الثقيلة ولهذا لم ينصب الفعل وضمير الشأن محذوف ومحله الجر بدلاً مما في صحف موسى، أو الرفع كأن قائلاً قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟

فقيل: هو أنه لا تزر نفس من شأنها أن تزر وزر نفس أخرى إذا لم تحمل التي يتوقع منها ذلك فغيرها أولى بأن لا تحمل.ثم عطف على قوله ﴿ ألا تزر ﴾ قوله ﴿ وأن ليس ﴾ وحكمه حكم ما يتلوه من المعطوفات فيما مر.

وفيه مباحث: الأول الإنسان عام وقيل: هو الكافر.

وأورد عليه أن الله  قال ﴿ ليس للإنسان ﴾ ولو أراد الكافر لقال "ليس على الإنسان" وهذا بالحقيقة غير وارد فإن اللام قد تستعمل في مثل هذا المعنى قال  ﴿ وإن أسأتم فلها  ﴾ وورد على الأول أن الدعاء والصدقة والحج ينفع الميت كما ورد في الأخبار، وأيضاً قال  ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ والأضعاف فوق ما سعى.

وأجاب بعضهم بأن قوله ﴿ ليس للإنسان إلا ما سعى ﴾ كان في شرع من تقدم ثم إنه  نسخه في شريعتنا وجعل للإنسان ما سعى وما لم يسع.

وقال المحققون: إن سعي غيره وكذا الأضعاف لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه وهو أن يكون مؤمناً صالحاً كان سعي غيره كأنه سعي نفسه.

والثاني "ما" مصدرية والمضاف محذوف أي الأثواب أو جزاء سعيه.

ويجوز أن تكون موصولة أي إلا الجزاء الذي سعى فيه.

الثالث في صيغة المضي إشارة إلى أنه لا يفيد الإنسان إلا الذي قد حصل فيه ووجد، وأما مجرد النية مع التواني والتراخي فذلك مما لا اعتماد عليه ولعل ذلك من مكايد الشيطان يمنيه ويعده إلى أن يحل اوجل بغتة.

قوله ﴿ وأن سعيه سوف يرى ﴾ إن كان من الرؤية فكقوله ﴿ اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله  ﴾ وإن كان من الإراءة فالفائدة في إراءته وعرضه عليه أن يفرح به هو ويحزن الكافر والله قادر على إعادة كل معدوم عرضاً كان أو جوهراً، والمراد أن يريه الله إياه على صورة جميلة إن كان عملاً صالحاً وبالضد إن كان بالضد.

ويجوز أن يكون مجازاً عن الثواب كما يقال "سترى إحسانك عند الملك" أي جزاءه إلا أن القول الأول أقوى لقوله ﴿ ثم يجزاه الجزاء الأوفى ﴾ اللهم إلا أن يراد تراخي الرتبة والفائدة تعود إلى الوصف بالأوفى وهو الرؤية التي هي أوفى من كل وافٍ أي يجزى العبد بسعيه الجزاء الأتم.

وجوز أن يكون الضمير للجزاء ثم فسره بقوله ﴿ الجزاء الأوفى ﴾ وأبدل عنه كقوله ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا  ﴾ ومن لطائف الآية أنه قال في حق المسيء ﴿ لا تزر وارزة وزر أخرى ﴾ ولا يلزم منه أن يبقى الوزر على المذنب بل يجوز أن يسقط عنه بالمحو والعفو، ولو قال "كل وازرة تزر وزر نفسها" لم يكن بد من بقاء وزرها عليها.

وقال في حق المحسن "ليس له ما سعى" ولم يقل "ليس له ما لم يسع" إذا العبارة الثانية لا يلزمها أن له ما سعى، والعبارة الأولى يلزمها ذلك لأنها في قوة كلامين إثبات ونفي والحاصل أنه قال هي حق المسيء بعبارة لا تقطع رجاءه، وفي حق المحسن بعبارة توجب رجاءه كل ذلك لأن رحمته سبقت غضبه.

قوله ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ المشهور أن فيه بيان المعاد كقوله عز من قائل ﴿ وإلى الله المصير  ﴾ أي للناس بين يدي الله وقوف وفيه بيان وقت الجزاء.

وقد يقال: المراد به التوحيد وهو تأويل أهل العرفان.

والحكماء يستدلون به على وجود الصانع فإن الممكن لا بد أن ينتهي إلى الواجب.

وقيل: أراد أن البحث والإدراك ينتهي عنده كما قيل: إذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا.

وعن أنس أن النبي  قال "إذا ذكر الرب فانتهوا" والخطاب عام لكل سامع مكلف وفيه تهديد للمسيء ووعد للمحسن: وقيل: الخطاب للنبي  وفيه تسلية له.

ثم بين غاية قدرته وهي إيجاده الضدين الضحك والبكاء والإماتة والإحياء في شخص واحد، وكذا الذكورة والأنوثة في مادة واحدة هي النطفة نطفت إذا تمنى تدفق في الرحم.

يقال: منى وأمنى.

وقال الأخفش: تخلق والمنى والتقدير وفيه إبطال قول الطبيعيين أن مبدأ الضحك قوة التعجب، ومبدأ الكباء رقة القلب، وإن الحياة مستندة إلى الطبيعة كالنبات، والموت أمر ضروري وهو تداعي الأجزاء العنصرية إلى الانفكاك بعد اجتماعها على سبيل الاتفاق أو لاقتضاء سبب سماوي من اتصال أو انفصال وذلك أن انتهاء كل ممكن إلى الواجب واجب.

قوله ﴿ أمات وأحيي ﴾ إما لأجل الفاصلة أو لأنه اعتبر حالة كون الإنسان نطفة ميتة.

قال الأطباء: الذكر أسخن وأجف والأنثى أبرد وأرطب.

وقالوا في نبات شعر الرجل: إن الشعور تتكون من بخار دخاني منجذب إلى المسام فإذا كانت المسام في غاية الرطوبة والتحلل كما في مزاج الصبي والمرأة، لا ينبت الشعر لخروج تلك الأدخنة من المسام الرطبة بسهولة قبل أن يتكون شعراً.

وإذا كانت في غاية اليبوسة والتكاثف لم ينبت لعسر خروجه من المخرج الضيق وإنما يندفع كثرة تلك الأبخرة إلى الرأس حتى رأس المرأة والصبي لأنه مخلوق كقبة فوق الأبخرة والأدخنة فيتصاعد إليها.

وأما في الرجل فيندفع إلى صدره كثيراً لحرارة القلب.

وإلى آلات التناسل لحرارة الشهوة، وإلى اللحيين لكثرة الحرارة بسبب الأكل والكلام ومع حرارة الأبخرة، ومن شأن الحرارة جذب الرطوبة كجذب السراج الزيت.

هذا أقوى ما قالوا في هذا الباب.

ويرد عليه أنه ما السبب لتلازم شعر اللحية وآلة التناسل فإنها لو قطعت لم تنبت اللحية، ولو سلم التلازم من حيث إن حرارة الخصيان تقل بسبب قطع آلة الشهوة فلا بد أن يعترفوا بانتهاء جميع الممكنات إلى الواجب بالذات.

واعلم أنه  في هذه الآية وسط الفصل بين الاسم والخبر حيث كان توهم الحملية فيه أكثر وترك الفصل حيث لم يكن كذلك.

ففي آيات الضحك والبكاء والإماتة والإحياء وسط الفصل للتوهمات المذكورة حتى قال نمرود ﴿ أنا أحي وأميت  ﴾ وأما خلق الذكر والأنثى فلم يتوهم أحد أنه بفعل المخلوقين فلم يؤكد بالفصل وعلى هذا القياس قوله ﴿ وأن عليه النشأة الأخرى ﴾ ظاهرة وجوب وقوع الحشر في الحكمة الإلهية للمجازاة على الإحسان والإساءة وقال في التفسير الكبير: هو كقوله ﴿ ثم أنشأناه خلقاًً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] أي بعد خلقته ذكراً وأنثى نفخ فيه الروح الإنساني ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره، ثم أقناه بالكسب بعد كبره أي أعطاه القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت أن لا تخرجه من يدك، وبالجملة فالإغناء بكل ما تدفع به الحاجة والإقناء بما زاد عليه.

وإنما وسط الفصل لأن كثيراً من الناس يزعم أن الفقر والغنى بكسب الإنسان واجتهاده، فمن كسب استغنى ومن كسل افتقر.

وذهب بعضهم إلى أنه بالبخت أو النجوم فقال رداً عليهم ﴿ وأنه هو رب الشعرى ﴾ وهما شعريان شامية ويمانية وهذه أنورهما.

وخصت بالذكر لأن أبا كبشة أحد أجداد رسول الله  من قبل أمه قال: لا أرى شمساً ولا قمراً ولا نجماً تقطع السماء عرضاً غيرها فليس شيء مثلها فعبدها وعبدتها خزاعة فخالفوا قريشاً في عبادة الأوثان.

وكانت قريش يقولون لرسول الله  "أبو كبشة" تشبيهاً له لمخالفته إياهم في دينهم.

وحين ذكر أنه أغنى وأقنى وذلك كان بفضل المولى لا بعطاء الشعرى، ذكرهم حال الأقدمين الهلكى.

وعاد الأولى قوم هود والأخرى، إرم ميزوا عن قوم كانوا بمكة.

وقيل: أراد التقدم في الدنيا وأنهم كانوا أشرافاً قوله ﴿ وثمود ﴾ عطف على ﴿ عاد ﴾ أي ما رحم عليهم.

ومن المفسرين من قال فما أبقى أي ما ترك أحداً منهم كقول ﴿ فهل ترى لهم من باقية  ﴾ وبه تمسك الحجاج على من زعم أن ثقيفاً من ثمود.

وإنما وصف قوم نوح بأنهم كانوا هم أظلم وأطغى فبالغ بتوسيط الفصل وبناء التفضيل لأن نوحاً  كان أول الرسل إلى أهل الأرض، وكان قومه أول من سن التكذيب وإيذاء النبي والبادي أظلم.

ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها.

ولأنهم كانوا مجاوزين حد الاعتدال يضربون نبيهم حتى لم يربه حراك وينفرون عنه الناس ويخوفون صبيانهم وما نجع فيهم وعظه ألف سنة إلا خمسين عاماً.

وليس قوله ﴿ أنهم كانوا ﴾ تعليلاً للإهلاك حتى يرد عليه أن غيرهم من الظالمين والطاغين لا يلزم أن يهلكوا وإنما هي جملة معترضة بياناً لشدة طغيانهم وفرط ظلمهم.

﴿ والمؤتفكة ﴾ يعني قريات قوم لوط لأنها ائتفكت بأهلها أي انقلبت وقد مر في هود ﴿ أهوى ﴾ أي رفعها إلى السماء على جناح جبريل فأسقطها إلى الأرض ﴿ فغشاها ما غشي ﴾ من الحجار المسومة وفيه تهويل وتفخيم لما صب عليهم من العذاب.

وجوز أن يكون "ما" فاعلاً كقوله ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ هذا كله حكاية ما في الصحف إلا فيمن قرأ ﴿ وإن إلى ربك المنتهي ﴾ بالكسر على الابتداء وكذا ما بعده أما قوله ﴿ فبأي آلاء ربك تتمارى ﴾ فقد قيل: هو أيضاً مما في الصحف وقيل: هو ابتداء كلام، والخطاب لكل سامع ولرسول الله  كقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ والمراد أنه لم يبق فيها إمكان الشك، وقد عد نعماً ونقماً وجعل كلها آلاء لأن النقم أيضاً نعم إن أراد أن يعتبر.

ويحتمل أن يقال لما عد نعمه على الإنسان من خلقه وإغنائه وإقنائه.

ثم ذكر أنه أهلك من كفر بها، وبخ الإنسان على جحد شيء من نعمة فيصيبه مثل ما أصاب المتمارين: أو يقال: لما حكى الإهلاك قال للشاك: أنت ما أصابك الذي أصابهم وذلك بحفظ الله إياك فبأي آلاء ربك تتمارى وسيجيء له مزيد بيان في سورة الرحمن ﴿ هذا ﴾ القرآن أو الرسول ﴿ نذير ﴾ أي إنذار أو منذر من جنس الإنذارات أو المنذرين.

وقال ﴿ الأولى ﴾ على تأويل الجماعة.

وحين فرغ من بيان التوحيد والرسالة ختم السورة بذكر اقتراب الحشر فقال ﴿ أزفت الآزفة ﴾ أي قربت الموصوفة بالقرب في قوله ﴿ اقترب للناس حسابهم  ﴾ ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب  ﴾ وفيه تنبيه على أن قرب الساعة يزداد كل يوم وأنها تكاد تقوم ﴿ ليس لها من دون الله ﴾ نفس ﴿ كاشفة ﴾ تكشف عن وقت مجيئها أو تقدر على كشفها ودفعها إذا وقعت، ولا يلزم من قدرة الله على دفعها وجوب وقوع الدفع فإن كل مقدور لا يلزم أن يكون واقعاً.

والتاء في ﴿ كاشفة ﴾ للتأنيث كما مر، أو للمبالغة أي لا أحد يكشف حقيقتها، أو هي مصدر كالعافية، و"من" زائدة والتقدير ليس لها كاشفة دون الله، ويحتمل أن يراد لها في الوجود نفس تكشف عنها من غير الله بل إنما يكشفها من عند الله ومن قبل علمه وإخباره.

ثم وبخهم على التعجب من القرآن ومن حديث القيامة وضحكهم من استهزاء وإنكاراً.

وفي قوله ﴿ ولا تبكون ﴾ إلى آخره تنبيه على أن البكاء والخشوع وحضور القلب حق عليهم عند سماع القرآن كما قال ﴿ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً  ﴾ والسمود الغفلة وقد يكون مع اللهو.

وعن مجاهد: كانوا يمرون بالنبي  غضاباً مبرطمين.

وقال: البرطمة الإعراض ثم إنهم كانوا أنصفوا من أنفسهم وقالوا: لا نعجب ولا نضحك ولا نسمد بل نبكي ونخشع فلا جرم قال ﴿ فاسجدوا ﴾ أي إذا اعترفتم لله بالعبودية فاخضعوا له وأقيموا وظائف العبادة.

وقد مر في سورة الحج في قوله ﴿ ألقى الشيطان في أمنيته ﴾ {الآية: 52] أن رسول الله  قرأ هذه السورة في الصلاة ثم سجد فسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس وذكرنا سببه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ * وَأَعْطَىٰ قَلِيلاً وَأَكْدَىٰ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أفرأيت الذي تولى كبراء الكفرة وعظماءهم، وأعطى قليلا من المال لضعفه أهل الإيمان؛ ليرجعوا عن الإيمان بمحمد والتصديق له، ويكذبوا عليه.

وقوله: ﴿ وَأَكْدَىٰ ﴾ أي: قطع عنهم في وقت أيضاً.

وكذا قال القتبي: ﴿ وَأَكْدَىٰ ﴾ أي: قطع، وهو من كدية الركبة، وهي الصلابة فيها إذا بلغها الحافر يئس من حفرها؛ فقطع الحفر.

وقيل لكل من طلب شيئاً فلم يبلغ، أو أعطى فلم يتم: أكدى.

وقال أبو عوسجة: أكدى: بخل، ورجل مكدٍ: بخيل.

وقوله: ﴿ أَعِندَهُ عِلْمُ ٱلْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ ﴾ ، فهو - والله أعلم -: أعنده علم الغيب؛ فيأمر بتكذيب محمد  ، ويأذن له بالتولي عنه، وإعطاء المال على التكذيب له؛ أي: ليس عنده علم الغيب؛ لأنهم قوم لا يؤمنون بالرسل والكتب، وأسباب العلم هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ ﴾ ، كأن هذا مقطوع من الأول؛ كأن أولئك الكفرة يقولون لأتباعهم: إنا نتحمل عنكم الظلم والوزرا؛ فلا تأنوا محمداً ولا تصدقوه؛ كقوله -  - حكاية عنهم: ﴿ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ  ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ ﴾ ، أي: قد بينا في صفحها: ألا تزر وازرة وزر أخرى.

وقيل: لأنه كان يصلي أربع ركعات عند الضحى، وعلى ذلك يروون خبرا عن رسول الله  أنه قال: "أتذرون ما وفى؟

قالوا: الله ورسوله أعلم، [قال]: وَفَّى أربع ركعات [عند] الضحى" فإن ثبت هذا اكتفى عن [أي] تأويل آخر، وأصله: أ نه سماه: وفيّاً؛ لما قام بوفاء ما أمر به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ فيه أن هذا في الكتب كلها: في صحف إبراهيم، وموسى، وغيرهما من الكتب: ألاَّ يحمل أحد وزر آخر، إنما يحمل وزر نفسه.

وعن ابن عباس -  ما - أنه قال: لا يؤخذ الرجل بذنب غيره.

وعن عمرو بن أوس قال: كان الرجل يؤخذ في الجاهلية بذنب غيره حتى نزلت الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ...

﴾ الآية.

يشبه أن يكون قوله: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ ﴾ أي: ليس على الإنسان إلا ما سعى؛ لأنه - جل وعلا - يثيب ويعطي الزيادة على ما سعى بفضله وكرمه؛ كقوله -  -: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا  ﴾ ، ونحو الصغار الذين لا سعي لهم، قد يعطيهم الثواب بفضله، وأما جزاء الشر، فإنه لا يكون إلا بالمثل؛ كقوله -  -: ﴿ فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا  ﴾ .

وجائز أن يكون "له" بمعنى "عليه" في اللغة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ أي: فعليها.

ويحتمل أن تكون الأية في أولئك الكافرين الذين نزل فيهم قوله -  -: ﴿ أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ﴾ يقول: ليس لذلك الإنسان إلا ما سعى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ ﴾ ، وحرف ﴿ سَوْفَ ﴾ من الله -  وتعالى - على التحقيق والإيجاب؛ كحرف "لعل" و"عسى"؛ فيكون قوله -  -: ﴿ سَوْفَ يُرَىٰ ﴾ أي: يرى جزاء عمله لا محالة.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يُجْزَاهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلأَوْفَىٰ ﴾ جزاء الآخرة على الوفاء، لا نقصان فيه، خيرا كان أو شرّاً.

ويحتمل أن يكون ذلك للكافر يجزى جزاء الشرك وجميع ما يعمل من السوء، فأما المؤمن، فإنه يكفر سيئاته، ويجزي جزاء الخيرات؛ كقوله -  -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ﴾ سمى الآخرة: منتهى، ومصيراً، ورجوعا.

ويحتمل: أي: إلى جزاء ربك يُنْتهى.

وقوله: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ﴾ بين الله - جل وعلا - قدرته وسلطانه في إنشاء أنفسهم، وأحوالهم، وأفعالهم.

أما بيان قدرته في أنفسهم حيث قال: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ  ﴾ .

وأما بيان قدرته في أحوالهم ما ذكر من قوله -  -: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ ﴾ ، ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾ .

وأما في أفعالهم قوله: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ﴾ يذكر قدرته وسلطانه بما ذكر؛ ليعلموا أنه لا يعجزه شيء.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: على الكتابة والاستعارة؛ جعل الضحاك كناية عن السرور، والبكاء كناية عن الخوف، وكذا العرف في الناس له إذا اشتد بهم السرور ضحكوا، وإذا اشتد بهم الحزن بكوا.

والثاني: على حقيقة الضحك والبكاء؛ فهو على وجهين: أحدهما: أي: أنشأهم بحيث يضحكون ويبكون.

والثاني: يخلق منهم فعل الضحك والبكاء؛ فهو أشبه التأويلين عندنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾ .

قوله: ﴿ أَمَاتَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: جعلهم بحيث يموتون، وبحيث يحيون.

والثاني: أمات بإخراج روحهم، وأحيا بإدخال الروح فيهم، وهو كقوله -  - ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  ﴾ ، فيحتمل إماتتهم في الدنيا وإحياءهم في الآخرة، وأصل ذلك: أنه يفعل بهم كل ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ ﴾ اسم الزوج يحتمل الشكل، ويحتمل المقابل؛ أي: يجعل أحدهما شكلا للآخر وإن ك ان ضدين؛ يقول: جعلهم بحيث يتزاوجون ويتشاكلون، أو يتقابلون ويتضادون،، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ ﴾ أي: تقذف.

قال الأصم: دل قوله: ﴿ نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ ﴾ : أنها إذا لم تقذف تصير: مذيا، وإنما تقذف التي تخرج على شهوة، فأما التي تخرج لا على شهوة فإنه يكون مذيا، ولا يوجب الاغتسال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ ﴾ أي: في الحكمة عليه النشأة الأخرى؛ لأنه لو لم تكن النشأة الأخرى، كانت النشأة الأولى باطلا، عبثا، غير حكمة.

أو يقول: إن عليه النشأة الأخرى؛ ليعلم أن له قدرة عليها كما له القدرة على الأولى؛ لأن أولئك الكفرة كانوا مقرين بالأولى والقدرة عليها، وينكرون الأخرى؛ فيخبر أن له القدرة عليهما، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ ﴾ الآية.

يحتمل قوله: ﴿ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ ﴾ ، أي: وسع عليهم ﴿ وَأَقْنَىٰ ﴾ ، أي: سيَّر لهم ما يقتنون من الخدم وغيرها؛ فيكون الإغناء هو التوسيع بأنواع الأموال، والإفناء هو إعطاء القنبة من الخادم وما يحتاج إليه للمهنة؛ فيكون في جعل الخدم له فضل حاجة، لا غناء، وذلك دليل على صحة مذهبنا في استجازتهم دفع الزكاة إلى من له الخدم.

وقيل: ﴿ أَغْنَىٰ ﴾ أي: أعطى ما يغنيه ويستغني به، ﴿ وَأَقْنَىٰ ﴾ أي: أقنعه، وأرضاه.

وقيل: على العكس: أغنى، أي: أرضى، وأقنى: أي: أخدم.

وعن ابن عباس -  - ﴿ أَغْنَىٰ وَأَقْنَىٰ ﴾ ، أي: أكثر.

وقال عطاء: ابنَ آدم، هو أغناك وأقناك، أي: أعطاك الخدم؛ على ما ذكرنا.

وقال القتبي: هو من القنية، وهي الكسب؛ يقال: أقنيته كذا.

وقال أبو عوسجة: هو من القنو؛ فنى: - أعطاه مالاً - يقنى قنوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ ﴾ قيل: إن الشعرى: اسم كوكب كان يعبده بعض العرب؛ فكأنهم ظنوا أن ما في ذلك الكوكب من الحسن والجمال؛ لِقَدْرٍ له عند الله ومنزلة، وأن تدبيرهم يرجع إليه؛ فعبدوه لذلك.

ويحتمل أنهم عبدوه؛ لما لم يروا لأنفسهم أهلية لعبادة الرب -  - فعبدوه من دونه؛ وجاء التقرب إليه؛ على ما يخدم المرء المتصلين بملوك الأرض.

ولكن هذا فاسد؛ لأن من خدم المتصلين بملوك الأرض إنما يخدم لما لم يسبق لهم إليهم من خدمة متصلة، ولا الإذن بعبادة أنفسهم وخدمتهم، فأما الله -  - قد أمرهم بعبادة نفسه، ونهاهم عن عبادة غيره؛ فلم يسع لهم بعد الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره عبادة من دونه.

ذكر سفههم في عبادتهم الشِّعْرَى وأمثالها؛ أي: اعبدوا رب الشعرى؛ فإن ما فيه من الحسن والجمال هو الذي فعل، فإليه اصرفوا العبادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ ﴾ ، قرئ: ﴿ عَاداً ٱلأُولَىٰ ﴾ بإظهار التنوين والهمزة، وبغير الهمزة ولا إظهار التنوين؛ حتى تصير كأنها لام مثقلة.

ثم هذا ليس نوع ما ذكر من قبل، إنما ذكر هذا لهم؛ لينزجروا عن صنيعهم؛ أي: إذ أهلك عادا وهم أشد منكم قوة، وأكثر عدداً وأموالاً، فلما لم ينزجروا بمواعظ الرب -  - أهلكهم، فعلى ذلك يفعل بكم يا أهل مكة؛ إن لم تتعظوا.

أو إنه أهلك عادا فلم يتهيأ لهم القيام بدفع عذاب الله - عز وجل - مع قوتهم، فكيف أنتم يا أهل مكة؟!

ثم اختلفوا في قوله -  -: ﴿ عَاداً ٱلأُولَىٰ ﴾ منهم من قال: كانوا عادَيْنِ: أحدهما: قوم هود، وهم أول، فأهلكوا بالريح، وكانت أخرى في زمن فارس الأول.

ومنهم من قال: عاد الأولى: الذين أهلكوا من قبل من الأمم، وأهل مكة وهؤلاء عاد أخرى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَثَمُودَ فَمَآ أَبْقَىٰ ﴾ أي: أهلك ثموداً أيضاً.

وقوله: ﴿ فَمَآ أَبْقَىٰ ﴾ قال بعضهم: أي: استأصلهم لم يبق منهم أحداً؛ أي: ما أبقى لهم نسلا يذكرون بذلك بعد هلاكهم، كما أبقى الأنبياء والرسل - عليهم السلام - من السنل.

أو ما لهم من آثار الخير شيئاً كما أبقى للرسل وأتباعهم إلى آخر الأبد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ ﴾ ، أي: كانوا أفحش ظلما، وأكثر طغيانا، لأن نوحا - عليه الصلاة والسلام - دعاهم إلى توحيد الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، فما زادهم إلا نفورا واستكبارا؛ على ما أخبر: ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ﴾ قيل: قريات لوط -  - أي: أهلكها أيضاً.

وقوله: ﴿ أَهْوَىٰ ﴾ قيل: أي: أهوى إلى النار.

وقيل: أي: أهوى من السماء إلى الأرض؛ على ما ذكر أن جبريل -  - رفعها إلى السماء وأرسلها إلى الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ ﴾ .

قيل: غشاها بالحجارة بعد ذلك، فسواها بالأرض.

وقيل: غسى بالحجارة مسافريهم ومن غاب عنهم.

وقيل: المؤتفكة: المكذبة؛ من الإفك وهو الكذب.

وقيلأ: المنقلبة؛ ائتفكت: أي: انقلبت، ﴿ فَغَشَّاهَا ﴾ أي: غشى قريات لوط -  - من العذاب ما غشى أولئك الذين ذكر من قبل من عاد، ومن قوم نوح؛ وهو قول القتبي.

وقال أبو عبيدة: المؤتفكة: المخسوفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ﴾ فظاهر هذا وظاهر قوله -  -: ﴿ فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ  ﴾ مشكل؛ لأنه ذكر آلاء، ولو عرف أنها ألاء ربه، لكان لا يكذبه، لكن يخرج على وجوه: على التقديم والتأخير والإضمار؛ كأنه يقول: فبأي آلاء من آلاء ربكم شاهدتموه وعاينتموه تتمارون، وكذلك: فبأي آلاء ربكما الذي أقررتم به تكذبونّي.

أو يقول: فبأي آلائه وإحسانه تتمارى، فكيف أنكرتم إحسانه بمحمد  ؟!

أو كيف صرفتم شكر نعمه إلى غيره.

أو تكون الاَلاء هاهنا هي الحجج؛ يقول: فبأي حجة من حجج ربك تنكر رسالة محمد  أو تتمارى فيها؛ أي: لا حجة لك في تكذيبك إياه أو إنكارك رسالته.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ ﴾ ، أي: الذي يدعوكم وينبئكم محمد  من النذر الأولى التي أنبأها الرسل الأولون، وأوعدوا قومه؛ فيكون صلة قوله - عز وجل - ﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً ٱلأُولَىٰ...

﴾ إلى آخره.

وقيل: ﴿ هَـٰذَا نَذِيرٌ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلأُوْلَىٰ ﴾ أي: الرسل الأولى، وتمام هذا التأويل: أي: هذا نذير من البشر كالذين كانوا من قبل.

وقيل: هذا الذي ينذر محمد  هو من النذر التي في اللوح المحفوظ، أي: مما ينذر به، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأهلك ثمود قوم صالح، فلم يُبْقِ منهم أحدًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.5qn5p"

مزيد من التفاسير لسورة النجم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله