الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ١٧ من سورة الحشر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 84 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة الحشر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها ) أي : فكانت عاقبة الآمر بالكفر والفاعل له ، وتصيرهما إلى نار جهنم خالدين فيها ، ( وذلك جزاء الظالمين ) أي : جزاء كل ظالم .
القول في تأويل قوله تعالى : فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) يقول تعالى ذكره: فكان عُقبى أمر الشيطان والإنسان الذي أطاعه، فكفر بالله أنهما خالدان في النار ماكثان فيها أبدًا، ( وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ) يقول: وذلك ثواب اليهود من النضير والمنافقين الذين وعدوهم النصرة، وكلُّ كافر بالله ظالم لنفسه على كفره به أنهم في النار مخلَّدون.
واختلف أهل العربية في وجه نصب قوله: ( خَالِدِينَ فِيهَا ) فقال بعض نحوِّيي البصرة: نصب على الحال، وفي النار الخبر؛ قال: ولو كان في الكلام لكان الرفع أجود في " خالدين " قال: وليس قولهم: إذا جئت مرّتين (1) فهو نصب لشيء، إنما فيها توكيد جئت بها أو لم تجيء بها فهو سواء، إلا أن العرب كثيرًا ما تجعله حالا إذا كان فيها للتوكيد وما أشبهه في غير مكان؛ قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا وقال بعض نحويي الكوفة: في قراءة عبد الله بن مسعود ( فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَانِ فِيهَا ) ؛ قال: وفي أنهما في النار خالدين فيها نصب؛ قال: ولا أشتهي الرفع وإن كان يجوز، فإذا رأيت الفعل بين صفتين قد عادت إحداهما على موضع الأخرى نصبت، فهذا من ذلك؛ قال: ومثله في الكلام قولك: مررت برجل على نابِه متحملا به؛ ومثله قول الشاعر: والزعفـــران عـــلى ترائبهــا شـــرقا بــه اللَّبَّــات والنَّحْــر (2) لأن الترائب هي اللبات، ها هنا، فعادت الصفة باسمها الذي وقعت عليه، فإذا اختلفت الصفتان جاز الرفع والنصب على حُسْن، من ذلك قولك: عبد الله في الدار راغب فيك، ألا ترى أن " في" التي في الدار مخالفة لفي التي تكون في الرغبة؛ قال: والحجة ما يُعرف به النصب من الرفع أن لا ترى الصفة الآخرة تتقدم قبل الأولى، ألا ترى أنك تقول: هذا أخوك في يده درهم قابضًا عليه، فلو قلت: هذا أخوك قابضًا عليه في يده درهم لم يجز، ألا ترى أنك تقول: هذا رجل قائم إلى زيد في يده درهم، فهذا يدل على أن المنصوب إذا امتنع تقديم الآخر، ويدل على الرفع إذا سهل تقديم الآخر.
--------------- الهوامش: (1) تحرر هذه العبارة فإن فيها من التحريف والتصحيف ما لا يخفى.
(2) البيت في (اللسان: ترب) غير منسوب.
والرواية فيه "شرق" بالرفع.
والمؤلف أورده منصوبًا، وأعربه حالا، والزعفران: مما يستعمله العرب في الطيب وزينة النساء.
والترائب: موضع القلادة من الصدر.
واللباب: جمع لبة، وهي موضع النحر.
والثغرة ثغرة النحر، وهي الهزمة بين الترقوتين.
وقال: "والزعفران...
البيت".
والبيت من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة 330) قال عند قوله تعالى: "فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها": وهي في قراءة عبد الله بن مسعود "خالدان في النار"، وفي قراءتنا "خالدين فيها" نصب، ولا أشتهى الرفع وإن كان يجوز، وقد نقل المؤلف كلام الفراء كله في توضيح المسألة، على مذهب أهل الكوفة، فنكتفي بهذه الإشارة هنا
فكان عاقبتهما أي عاقبة الشيطان وذلك الإنسانأنهما في النار خالدين فيها نصب على الحال .
والتثنية ظاهرة فيمن جعل الآية مخصوصة في الراهب والشيطان .
ومن جعلها في الجنس فالمعنى : وكان عاقبة الفريقين أو الصنفين .
ونصب عاقبتهما على أنه خبر كان .
والاسم أنهما في النار ، وقرأ الحسن " فكان عاقبتهما " بالرفع على الضد من ذلك .
وقرأ الأعمش " خالدان فيها " بالرفع وذلك خلاف المرسوم .
ورفعه على أنه خبر " أن " والظرف ملغى .
{ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا } أي: الداعي الذي هو الشيطان، والمدعو الذي هو الإنسان حين أطاعه { أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا } كما قال تعالى: { إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } { وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ } الذين اشتركوا في الظلم والكفر، وإن اختلفوا في شدة العذاب وقوته، وهذا دأب الشيطان مع كل أوليائه، فإنه يدعوهم ويدليهم إلى ما يضرهم بغرور، حتى إذا وقعوا في الشباك، وحاقت بهم أسباب الهلاك، تبرأ منهم وتخلى عنهم.واللوم كل اللوم على من أطاعه، فإن الله قد حذر منه وأنذر، وأخبر بمقاصده وغايته ونهايته، فالمقدم على طاعته، عاص على بصيرة لا عذر له.
يقول الله تعالى ( فكان عاقبتهما ) يعني الشيطان وذلك الإنسان ( أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين ) قال ابن عباس : ضرب الله هذا المثل ليهود بني النضير والمنافقين من أهل المدينة وذلك أن الله - عز وجل - أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإجلاء بني النضير عن المدينة فدس المنافقون إليهم وقالوا : لا تجيبوا محمدا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم فإن قاتلكم فإنا معكم وإن أخرجكم خرجنا معكم فأجابوهم فدربوا على حصونهم وتحصنوا في ديارهم رجاء نصر المنافقين حتى جاءهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فناصبوه الحرب يرجون نصر المنافقين فخذلوهم وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا وخذله فكان عاقبة الفريقين النار .
قال ابن عباس رضي الله عنه : فكان الرهبان بعد ذلك في بني إسرائيل لا يمشون إلا بالتقية والكتمان وطمع أهل الفسوق والفجور في الأحبار ورموهم بالبهتان والقبيح حتى كان أمر جريج الراهب فلما برأه الله مما رموه به انبسطت بعده الرهبان وظهروا للناس وكانت قصة جريج على ما : أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أخبرنا عبد الغافر بن محمد حدثنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا جرير بن حازم حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ابن مريم عليه السلام وصاحب جريج وكان جريج رجلا عابدا فاتخذ صومعته فكان فيها فأتته أمه وهو يصلي فقالت : يا جريج فقال : يا رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته فانصرفت فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت : يا جريج فقال : أي رب أمي وصلاتي فأقبل على صلاته فقالت : اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات .
فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها فقالت : إن شئتم لأفتننه لكم قال : فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت فلما ولدت قالت : هو من جريج فأتوه فاستنزلوه من صومعته وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه فقال : ما شأنكم قالوا : زنيت بهذه البغية فولدت منك فقال : أين الصبي ؟
فجاءوا به فقال دعوني حتى أصلي فصلى فلما انصرف أتى الصبي وطعن في بطنه وقال : يا غلام من أبوك ؟
قال : فلان الراعي قال : فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به وقالوا نبني لك صومعتك من ذهب قال : لا ، أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا .
وبينا صبي يرضع من أمه فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة فقالت أمه : اللهم اجعل ابني مثل هذا فترك الثدي وأقبل عليه ونظر إليه فقال : اللهم لا تجعلني مثله .
ثم أقبل على ثديه فجعل يرضع .
قال : فكأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحكي ارتضاعه بأصبعه السبابة في فمه فجعل يمصها .
قال : ومروا بجارية وهم يضربونها ويقولون : زنيت وسرقت وهي تقول : حسبي الله ونعم الوكيل فقالت أمه : اللهم لا تجعل ابني مثلها فترك الرضاع ونظر إليها فقال : اللهم اجعلني مثلها فهناك تراجعا الحديث فقالت : مر رجل حسن الهيئة فقلت : اللهم اجعل ابني مثله فقلت : اللهم لا تجعلني مثله ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون زنيت وسرقت فقلت : اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت : اللهم اجعلني مثلها قال : إن ذاك الرجل كان جبارا فقلت اللهم لا تجعلني مثله وإن هذه يقولون لها : زنيت ولم تزن وسرقت ولم تسرق فقلت : اللهم اجعلني مثلها " .
«فكان عاقبتهما» أي الغاوي والمغوي وقرئ بالرفع اسم كان «أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين» أي الكافرين.
فكان عاقبة أمر الشيطان والإنسان الذي أطاعه فكفر، أنهما في النار، ماكثَيْن فيها أبدًا، وذلك جزاء المعتدين المتجاوزين حدود الله.
وقوله - سبحانه - : ( فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي النار خَالِدِينَ فِيهَا .
.
) من تمام المثل الذى ضربه الله - تعالى - للمنافقين واليهود .
.أى : فكان عاقبة ذلك الشيطان وذلك الإنسان ، أنهما فى النار ، حالة كونهما خالدين فيها خلودا أبديا ، وكذلك حال المنافقين واليهود .
.( وَذَلِكَ ) الخلود فى النار ( جَزَآءُ الظالمين ) الذين تجاوزوا حدود الله - تعالى - وحاربوا أولياءه - سبحانه - .والمراد بالشيطان والإنسان جنسهما ، وقد ذكر بعضهم هنا قصصا تدل على أن المراد بالإنسان شخص معين ، وقد أضربنا عنها صفحا لضعفها .
.وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت المنافقين واليهود ذما شنيعا ، وأضعفت من شأنهم ، وساقت لهم من الأمثلة ما يجعل المؤمنين يستخفون بهم ، ويجاهدونهم بغلظة وشدة .
وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال مقاتل: فكان عاقبة المنافقين واليهود مثل عاقبة الشيطان والإنسان حيث صارا إلى النار.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قرأ ابن مسعود (خالدان فيها)، على أنه خبران، و(في النار) لغو، وعلى القراءة المشهورة الخبر هو الظرف ﴿ وخالدين فيها ﴾ حال، وقرئ: ﴿ عاقبتهما ﴾ بالرفع، ثم قال: ﴿ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظالمين ﴾ أي المشركين، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَهْبَةً ﴾ مصدر رهب المبني للمفعول، كأنه قيل: أشد مرهوبية.
وقوله: ﴿ فِى صُدُورِهِمْ ﴾ دلالة على نفاقهم، يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله وأنتم أهيب في صدورهم من الله.
فإن قلت: كأنهم كانوا يرهبون من الله حتى تكون رهبتهم منهم أشدّ.
قلت: معناه أن رهبتهم في السر منكم أشدّ من رهبتهم من الله التي يظهرونها لكم- وكانو يظهرون لهم رهبة شديدة من الله- ويجوز أن يريد أنّ اليهود يخافونكم في صدورهم أشدّ من خوفهم من الله؛ لأنهم كانوا قوماً أولى بأس ونجدة، فكانوا يتشجعون لهم مع إضمار الخيفة في صدورهم ﴿ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ لا يعلمون الله وعظمته حتى يخشوه حق خشيته ﴿ لاَ يقاتلونكم ﴾ لا يقدرون على مقاتلتكم ﴿ جَمِيعاً ﴾ مجتمعين متساندين، يعني اليهود والمنافقين ﴿ إِلاَّ ﴾ كائنين ﴿ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ ﴾ بالخنادق والدروب ﴿ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ ﴾ دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم، لقذف الله الرعب في قلوبهم، وأن تأييد الله تعالى ونصرته معكم.
وقرئ: ﴿ جدر ﴾ ، بالتخفيف.
وجدار.
وجدر وجدر، وهما: الجدار ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ يعني أنّ البأس الشديد الذي يوصفون به إنما هو بينهم إذا اقتتلوا؛ ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدّة؛ لأنّ الشجاع يجبن والعزيز يذل عند محاربة الله ورسوله ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً ﴾ مجتمعين ذوي ألفة واتحاد ﴿ وَقُلُوبُهُمْ شتى ﴾ متفرقة لا ألفة بينها، يعني.
أنّ بينهم إحنا وعداوات، فلا يتعاضدون حق التعاضد، ولا يرمون عن قوس واحدة.
وهذا تجسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتالهم ﴿ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم ويعين على أرواحهم ﴿ كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي مثلهم كمثل أهل بدر في زمان قريب.
فإن قلت: بم انتصب ﴿ قَرِيبًا ﴾ ؟
قلت: بمثل، على: كوجود مثل أهل بدر قريباً ﴿ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ ﴾ سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، من قولهم كلأ وبيل: وخيم سيء العاقبة، يعني ذاقوا عذاب القتل في الدنيا ﴿ وَلَهُمْ ﴾ في الآخرة عذاب النار.
مثل المنافقين في إغرائهم اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، ثم متاركتهم لهم وإخلافهم ﴿ كَمَثَلِ الشيطان ﴾ إذا استغوى الإنسان بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة، والمراد استغواؤه قريشاً يوم بدر؛ وقوله لهم: ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ ﴾ إلى قوله ﴿ إِنِّى بريء مِّنكَ ﴾ [الأنفال: 48] وقرأ ابن مسعود: ﴿ خالدان فيها ﴾ ، على أنه خبر أنّ، و ﴿ فِى النار ﴾ لغو، وعلى القراءة المشهورة: الظرف مستقر، وخالدين فيها: حال.
وقرئ: ﴿ أنا بريء ﴾ وعاقبتهما بالرفع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أيْ مَثَلُ اليَهُودِ كَمَثَلِ أهْلِ بَدْرٍ، أوْ بَنِي قَيْنُقاعَ إنْ صَحَّ أنَّهم أُخْرِجُوا قَبْلَ النَّضِيرِ، أوِ المُهْلَكِينَ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ.
﴿ قَرِيبًا ﴾ في زَمانٍ قَرِيبٍ وانْتِصابُهُ بِـ مَثَلِ إذِ التَّقْدِيرُ كَوُجُودِ مَثَلٍ.
﴿ ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ﴾ سُوءَ عاقِبَةِ كُفْرِهِمْ في الدُّنْيا.
﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ.
﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ مَثَلُ المُنافِقِينَ في إغْراءِ اليَهُودِ عَلى القِتالِ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ.
﴿ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ ﴾ أغْراهُ عَلى الكُفْرِ إغْراءَ الآمِرِ المَأْمُورَ.
﴿ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ ﴾ تَبَرَّأ عَنْهُ مَخافَةَ أنْ يُشارِكَهُ في العَذابِ ولَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ كَما قالَ.
﴿ فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ ﴾ والمُرادُ مِنَ الإنْسانِ الجِنْسُ.
وقِيلَ: أبُو جَهْلٍ قالَ لَهُ إبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ ﴾ الآيَةَ.
وقِيلَ: راهِبٌ حَمَلَهُ عَلى الفُجُورِ والِارْتِدادِ وقُرِئَ «عاقِبَتُهُما» و «خالِدانِ» عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ وفي النّارِ لَغْوٌ.
<div class="verse-tafsir"
عاقبة الإنسان الكافر والشيطان {أَنَّهُمَا فِى النار خالدين فيها} عاقبتهما خبر كان مقدم وأن مع اسمها وخبرها أي في النار في موضع الرفع على الاسم وخالدين حال {وذلك جزاء الظالمين}
﴿ فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها ﴾ أبَدَ الآبِدِينَ ﴿ وذَلِكَ ﴾ أيِ الخُلُودُ في النّارِ ﴿ جَزاءُ الظّالِمِينَ ﴾ عَلى الإطْلاقِ دُونَ المَذْكُورِينَ خاصَّةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّيْطانِ والإنْسانِ الجِنْسُ فَيَكُونُ التَّبَرِّي يَوْمَ القِيامَةِ وهو الأوْفَقُ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي أخافُ ﴾ إلَخْ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسُ، وبِالإنْسانِ أبُو جَهْلٍ عَلَيْهِما اللَّعْنَةُ قالَ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: ﴿ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمُ ﴾ حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا قالَ: ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ ﴾ .
.
الآيَةَ، وفي الآيَةِ عَلَيْهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ عَنْ مُجاهِدٍ لَطِيفَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا شَبَّهَ أوَّلًا حالَ إخْوانِ المُنافِقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِحالِ أهْلِ بَدْرٍ شَبَّهَ هُنا حالَ المُنافِقِينَ بِحالِ الشَّيْطانِ في قِصَّةِ أهْلِ بَدْرٍ، ومَعْنى ﴿ اكْفُرْ ﴾ عَلى تَخْصِيصِ الإنْسانِ بِأبِي جَهْلٍ دُمْ عَلى الكُفْرِ عِنْدَ بَعْضٍ، وقالَ الخَفاجِيُّ: لا حاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ تَمْثِيلٌ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ رَجُلًا كانَ يَتَعَبَّدُ في صَوْمَعَتِهِ وأنَّ امْرَأةً كانَتْ لَها إخْوَةٌ فَعَرَضَ لَها شَيْءٌ فَأتَوْهُ بِها فَزَيَّنَتْ لَهُ نَفْسُهُ فَوَقَعَ عَلَيْها فَحَمَلَتْ فَجاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: اقْتُلْها فَإنَّهم إنْ ظَهَرُوا عَلَيْكَ افْتَضَحْتَ فَقَتَلَها ودَفَنَها فَجاؤُوهُ فَأخَذُوهُ فَذَهَبُوا بِهِ فَبَيْنَما هم يَمْشُونَ إذْ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: أنا الَّذِي زَيَّنْتُ لَكَ فاسْجُدْ لِي سَجْدَةً أُنْجِيكَ فَسَجَدَ لَهُ أيْ ثُمَّ تَبَرَّأ مِنهُ وقالَ لَهُ ما قالَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ ﴾ الآيَةَ، وهَذا الرَّجُلُ هو بَرْصِيصا الرّاهِبُ، وقَدْ رُوِيَتْ قِصَّتُهُ عَلى وجْهٍ أكْثَرَ تَفْصِيلًا مِمّا ذُكِرَ وهي مَشْهُورَةٌ في القَصَصِ، وفي البَحْرِ إنَّ قَوْلَ الشَّيْطانِ: ﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ ﴾ كانَ رِياءً وهو لا يَمْنَعُهُ الخَوْفُ عَنْ سُوءٍ يُوقِعُ فِيهِ ابْنَ آدَمَ وقُرِئَ أنا بَرِيءٌ، وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وسُلَيْمُ بْنُ أرْقَمَ - فَكانَ عاقِبَتُهُما - بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ، وأنَّهُما إلَخْ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ خَبَرُها عَلى عَكْسِ قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ - خالِدانِ - بِالألِفِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ إنَّ، ﴿ وفِي النّارِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقُدِّمَ لِلِاخْتِصاصِ، وفِيها تَأْكِيدٌ لَهُ وإعادَةٌ بَضْمِيرِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ «فِي النّارِ» خَبَرَ إنَّ، وخالِدانِ - خَبَرٌ ثانِيًا وهو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ <div class="verse-tafsir"
فقال عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يعني: منافقي المدينة.
يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني: من بني النضير.
لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً يعني: ولا نطيع محمدا في خذلانكم.
وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ يعني: لنعينكم.
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في مقالتهم، وإنما قالوا ذلك بلسانهم في غير حقيقة قلوبهم، فقال الله تعالى: لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ يعني: لئن أخرج بنو النضير، لا يخرج المنافقين معهم.
وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ يعني: لا يمنعونهم من ذلك.
وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ يعني: ولو أعانوهم لا يثبتون على ذلك وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ يعني: رجعوا منهزمين.
ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ، ثم لا يثبتون يعني: لا يُمْنَعون من الهزيمة.
ثم قال عز وجل: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً يعني: أنتم يا معشر المسلمين أشد رهبة فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ، يعني: خوفهم منكم أشد مِنْ عَذَابِ الله في الآخرة.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ، يعني: لا يعقلون أمر الله تعالى.
ثم أخبر عن ضعف اليهود في الحرب، فقال عز وجل: لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً، يعني: لا يخرجون إلى الصحراء لقتالكم.
إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ، يعني: حصينة أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ، يعني: يقاتلونكم من وراء جدر، فحذف الألف وهو جمع الجدار.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو من وراء جدار بالألف، والباقون جُدُرٍ بحذف الألف وهو جماعة وممن قرأ جدار، فهو واحد يريد به الجمع.
ثم قال: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ، يعني: قتالهم فيما بينهم إذا اقتتلوا شديد، وأما مع المؤمنين فلا.
ثم قال تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً، يعني: تظن أن المنافقين واليهود على أمر واحد وكلمتهم واحدة.
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى، يعني: قلوب اليهود مختلفة ولم يكونوا على كلمة واحدة.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ يعني: ذلك الاختلاف بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ يعني: لا يعقلون أمر الله تعالى.
ثم ضرب لهم مثلا، فقال عز وجل: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: مثل بني النضير مثل الذين من قبلهم، يعني: أهل بدر.
قَرِيباً يعني: كان قتال بدر قبل ذلك بقريب، وهو مقدار سنتين أو نحو ذلك قريبا.
ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ يعني: عقوبة ذنبهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: عذابا شديدا في الآخرة ثم ضرب لهم مثلا آخر في الآخرة، وهو مثل المنافقين مع اليهود حين خذلوهم ولم يعينوهم.
كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ يعني: برصيصا الراهب.
وروى عدي بن ثابت، عن ابن عباس- ما- قال: كان في بني إسرائيل راهب عبد الله تعالى زمانا من الدهر، حتى كان يؤتى بالمجانين فيعودهم ويداويهم، فيبرءون على يديه.
وأنه أتى بامرأة قد جنت وكان لها أخوة فأتوه بها، فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزين له، حتى وقع عليها، فحملت.
فلما استبان حملها، لم يزل به الشيطان يخوفه ويزين له، حتى قتلها ودفنها.
ثم ذهب الشيطان إلى إخوتها في صورة رجل، حتى لقي أحدا من أخوتها، فأخبره بالذي فعل الراهب، وأنه دفنها في مكان كذا.
فبلغ ذلك ملكهم، فسار الملك مع الناس، فأتوه فاستنزلوه من الصومعة فأقر لهم بالذي فعل، فأمر به، فصلب.
فلما رفع على خشبة، تمثل له الشيطان، فقال: أنا الذي زينت لك هذا وألقيتك فيه، فهل لك أن تطيعني: فيما أقول لك، وأخلصك مما أنت فيه؟
فقال: نعم.
قال: اسجد لي سجدة واحدة.
فسجد له، فذلك قوله: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ يعني: اسجد.
فَلَمَّا كَفَرَ يعني: سجد.
قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ، قال ذلك على وجه الاستهزاء، كذلك المنافقون خذلوهم اليهود كما خذل الشيطان الراهب، فَكانَ عاقِبَتَهُما يعني: عاقبة الشيطان والراهب، أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها يعني: مقيمين فيها.
وكان ابن مسعود يقرأ خالدان فيها، وقراءة العامة بعده خالِدَيْنِ فِيها بالنصب.
وإنما هو نصب على الحال.
وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ يعني: الخلود في النار جزاء المنافقين والكافرين.
<div class="verse-tafsir"
صُدُورِهِمْ يعود على اليهود والمنافقين، والضمير في قوله: لاَ يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً لبني النضير وجميع اليهود، هذا قول جماعة المفسرين، ومعنى الآية: لا يبرزون لحربكم، وإنَّما/ يقاتلون متحصنين بالقُرَى والجدران للرعب والرهب الكائن في قلوبهم.
وقوله تعالى: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ أي: في غائلتهم وإحَنِهِمْ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً أي: مجتمعين وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى أي: متفرقة قال ع «١» : وهذه حال الجماعة المتخاذلة، وهي المغلوبةُ أبداً في كُلِّ ما تحاول، واللفظة مأخوذة من الشتات، وهو التفرق ونحوه.
وقوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قال ابن عباس «٢» : همْ بنو قينقاع، لأنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير، والوَبَالُ: الشِّدَّةُ والمكروه، وعاقبة السوء والعذاب الأليم: هو في الآخرة.
وقوله سبحانه: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ معناه: أَنَّ هاتينِ الفرقتين من المنافقين وبني النضير، كمثل الشيطان مع الإنسان فالمنافقونَ مَثَلُهُمُ الشيطان، وبنو النضير مثلهم الإنسان، وذهب مجاهد وجمهور من المتأولين «٣» إلى أَنَّ الشيطانَ والإنسانَ في هذه الآية اسما جنس، فكما أَنَّ الشيطان يغوي الإنسان، ثم يَفِرُّ عنه بعد أَنْ يُوَرِّطَهُ كذلك أغوى المنافقون بني النضير وحَرَّضُوهم على الثبوت، ووعدوهم النصرَ، فَلَمَّا نَشَبَ بنو النضير، وكشفوا عن وجوههم- تركهم المنافقون في أسوأ حال، وذهب قوم من رواة القصص إلى أَنَّ هذا في شيطانٍ مخصوصٍ مع عابد مخصوص، اسمه «بَرْصِيصَا» ، اسْتُودِعَ امرأة جميلةً، وقيل: سِيقَتْ إليه لِيَشْفِيهَا بدعائه من الجنون، فَسَوَّلَ له الشيطانُ الوقوعَ عليها، فحملت منه، فَخَشِيَ الفضيحة، فسَوَّلَ له قَتْلَهَا وَدَفْنَهَا، ففعل، ثم شهّره، فلمّا استخرجت المرأة،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا ﴾ يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ ﴿ يَقُولُونَ لإخْوانِهِمُ ﴾ في الدِّينِ، لِأنَّهم كُفّارٌ مِثْلُهُمْ، وهُمُ اليَهُودُ ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ ﴾ مِنَ المَدِينَةِ ﴿ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكُمْ ﴾ أيْ: في خِذْلانِكم ﴿ أحَدًا أبَدًا ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم يُخْلِفُونَهم ما وعَدُوهم مِنَ الخُرُوجِ والنَّصْرِ بِالآيَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ، فَكانَ الأمْرُ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، لِأنَّهم أُخْرِجُوا فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمُ المُنافِقُونَ، وقُوتِلُوا فَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ، ومَعْنى ﴿ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ ﴾ لَئِنْ قُدِّرَ وُجُودُ نَصْرِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ نَفى نَصْرَهُمْ، فَلا يَجُوزُ وجُودُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ يَعْنِي: بَنِي النَّضِيرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأنْتُمْ أشَدُّ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ أشَدُّ ﴿ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: بَنُو النَّضِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والمَعْنى: أنَّهم لا يَبْرُزُونَ لِحَرْبِكُمْ، إنَّما يُقاتِلُونَ مُتَحَصِّنِينَ ﴿ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبانُ "جِدارٍ" بِألِفٍ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "جُدُرٍ" بِضَمِّ الجِيمِ والدّالِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "جَدَرٍ" بِفَتْحِ الجِيمِ والدّالِ جَمِيعًا، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، ومُعاوِيَةُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "جَدْرٍ" بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ الدّالِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ يَعْمَرَ "جُدْرٍ" بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ الدّالِ ﴿ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ ﴾ فِيما وراءَ الحُصُونِ شَدِيدٌ، وإذا خَرَجُوا إلَيْكم فَهم أجْبَنُ خَلْقِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَحْسَبُهم جَمِيعًا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: بَنُو النَّضِيرِ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلُوبُهم شَتّى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: هم مُخْتَلِفُونَ لا تَسْتَوِي قُلُوبُهُمْ، ولا يَتَعاوَنُونَ بِنِيّاتٍ مُجْتَمِعَةٍ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُ حِزْبِهِ، وخاذِلُ أعْدائِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: ذَلِكَ الِاخْتِلافَ ﴿ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ما فِيهِ الحَظُّ لَهم.
ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ مَثَلًا، فَقالَ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: بَنُو قَيْنُقاعٍ، وكانُوا وادَعُوا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ غَدَرُوا، فَحَصَرُوهُمْ، ثُمَّ نَزَلُوا عَلى حُكْمِهِ أنَّ لَهُ أمْوالَهُمْ، ولَهُمُ النِّساءُ والذُّرِّيَّةُ.
فالمَعْنى: مَثَلُ بَنِي النَّضِيرِ فِيما فُعِلَ بِهِمْ كَبَنِي قَيْنُقاعٍ فِيما فُعِلَ بِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والمَعْنى: مَثَلُ هَؤُلاءِ اليَهُودِ كَمَثَلِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبِلِهِمْ قَرِيبًا، وذَلِكَ لِقُرْبِ غَزاةِ بَنِي النَّضِيرِ مِن غَزاةِ بَدْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم بَنُو قُرَيْظَةَ، فالمَعْنى: مَثَلُ بَنِي النَّضِيرِ كَبَنِي قُرَيْظَةَ ﴿ ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ﴾ بِأنْ قُتِلَتْ مُقاتَلَتُهُمْ، وسُبِيَتْ ذَرارِيهُمْ، وهَؤُلاءِ أُجْلُوا عَنْ دِيارِهِمْ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ.
ثُمَّ ضَرَبَ لِلْيَهُودِ والمُنافِقِينَ مَثَلًا فَقالَ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴾ والمَعْنى: مَثَلُ المُنافِقِينَ في غُرُورِهِمْ بَنِي النَّضِيرِ، وقَوْلِهِمْ: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ، ولَئِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ، كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴿ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْكافِرِ في طاعَةِ الشَّيْطانِ، وهو عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهَذا شَرْحُ قِصَّتِهِ.
ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ عابِدًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ يُقالُ لَهُ: بِرْصِيصا تَعَبَّدَ في صَوْمَعَةٍ لَهُ أرْبَعِينَ سَنَةً لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ، فَجَمَعَ إبْلِيسُ يَوْمًا مَرَدَةَ الشَّياطِينِ، فَقالَ: ألا أحَدٌ مِنكم يَكْفِينِي بِرْصِيصا، فَقالَ الأبْيَضُ، وهو صاحِبُ الأنْبِياءِ: أنا أكْفِيكَهُ، فانْطَلَقَ عَلى صِفَةِ الرُّهْبانِ، وأتى صَوْمَعَتَهُ، فَناداهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، وكانَ لا يَنْفَتِلُ عَنْ صِلاتِهِ إلّا في كُلِّ عَشْرَةِ أيّامٍ، ولا يُفْطِرُ إلّا في كُلِّ عَشْرَةِ أيّامٍ، فَلَمّا رَأى أنَّهُ لا يُجِيبُهُ أقْبَلَ عَلى العِبادَةِ في أصْلِ صَوْمَعَتِهِ، فَلَمّا انْفَتَلَ بِرْصِيصا، اطَّلَعَ فَرَآهُ مُنْتَصِبًا يُصَلِّي عَلى هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، فَناداهُ: ما حاجَتُكَ؟
فَقالَ: إنِّي أحْبَبْتُ أنْ أكُونَ مَعَكَ، أقْتَبِسُ مِن عَمَلِكَ، وأتَأدَّبُ بِأدَبِكَ، ونَجْتَمِعُ عَلى العِبادَةِ، فَقالَ بِرْصِيصا: إنِّي لَفي شُغْلٍ عَنْكَ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى صَلاتِهِ، وأقْبَلَ الأبْيَضُ يُصَلِّي، فَلَمْ يُقْبِلْ إلَيْهِ بِرْصِيصا أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَرَآهُ يُصَلِّي، فَلَمّا رَأى شِدَّةً اجْتِهادِهِ، قالَ: ما حاجَتُكَ؟
فَأعادَ عَلَيْهِ القَوْلَ، فَأذِنَ لَهُ، فَصَعِدَ إلَيْهِ، فَأقامَ مَعَهُ حَوْلًا لا يُفْطِرُ إلّا كُلَّ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ولا يَنْفَتِلُ مِن صِلاتِهِ إلّا في كُلِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ورُبَّما زادَ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا رَأى بِرْصِيصا اجْتِهادَهُ، أعْجَبَهُ شَأْنُهُ وتَقاصَرَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ، فَلَمًّا حالَ الحَوْلُ قالَ الأبْيَضُ لِبِرْصِيصا: إنِّي مُنْطَلِقٌ عَنْكَ، فَإنَّ لِي صاحِبًا غَيْرَكَ ظَنَنْتُ أنَّكَ أشَدُّ اجْتِهادًا مِمّا أرى، وكانَ يُبْلِغُنا عَنْكَ غَيْرَ الَّذِي أرى، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى بِرْصِيصا، وكَرِهَ مُفارَقَتَهُ، فَلَمّا ودَّعَهُ قالَ لَهُ الأبْيَضُ: إنَّ عِنْدِي دَعَواتٍ أُعَلِّمُكَها، يَشْفِي اللَّهُ بِها السَّقِيمَ، ويُعافِي بِها المُبْتَلى، فَقالَ بِرْصِيصا: إنِّي أكْرَهُ هَذِهِ المَنزِلَةَ، لِأنَّ لِي في نَفْسِي شُغْلًا، فَأخافُ أنْ يَعْلَمَ النّاسُ بِهَذا، فَيَشْغَلُونِي عَنِ العِبادَةِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى عَلَّمَهُ إيّاها، ثُمَّ انْطَلَقَ إلى إبْلِيسَ فَقالَ: قَدِ واللَّهِ أهْلَكْتُ الرَّجُلَ، فانْطَلَقَ الأبْيَضُ، فَتَعَرَّضَ لِرَجُلٍ فَخَنَقَهُ، ثُمَّ جاءَهُ في صُورَةِ رَجُلٍ مُتَطَبِّبٍ، فَقالَ لِأهْلِهِ: إنَّ بِصاحِبِكم جُنُونًا فَأُعالِجُهُ؟
قالُوا: نَعَمْ، فَقالَ لَهُمْ: إنِّي لا أقْوى عَلى جِنِّيِهِ، ولَكِنْ سَأُرْشِدُكم إلى مَن يَدْعُو لَهُ فَيُعافى، فَقالُوا لَهُ: دُلَّنا، قالَ: انْطَلَقُوا إلى بِرْصِيصا العابِدِ، فَإنَّ عِنْدَهُ اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ، فَدَعا بِتِلْكَ الكَلِماتِ، فَذَهَبَ عَنْهُمُ الشَّيْطانُ، وكانَ الأبْيَضُ يَفْعَلُ بِالنّاسِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْشِدُهم إلى بِرْصِيصا، فَيُعافَوْنَ، فَلَمّا طالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ انْطَلَقَ إلى جارِيَةٍ مِن بَناتِ مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ، لَها ثَلاثَةُ إخْوَةٍ، فَخَنَقَها، ثُمَّ جاءَ إلَيْهِمْ في صُورَةِ مُتَطَبِّبٍ، فَقالَ: أُعالِجُها؟
قالُوا: نَعَمْ.
فَقالَ: إنَّ الَّذِي عَرَضَ لَها مارِدٌ لا يُطاقُ، ولَكِنْ سَأُرْشِدُكم إلى رَجُلٍ تَدَعُونَها عِنْدَهُ، فَإذا جاءَ شَيْطانُها دَعا لَها، قالُوا، ومَن هُوَ؟
قالَ: بِرْصِيصا، قالُوا: فَكَيْفَ لَنا أنْ يَقْبَلَها مِنّا، وهو أعْظَمُ شَأْنًا مِن ذَلِكَ؟!
قالَ: إنْ قَبِلَها، والا فَضَعُوها في صَوْمَعَتِهِ، وقُولُوا لَهُ: هي أمانَةٌ عِنْدَكَ، فانْطَلَقُوا إلَيْهِ، فَأبى عَلَيْهِمْ، فَوَضَعُوها عِنْدَهُ.
وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ قالَ: ضَعُوها في ذَلِكَ الغارِ، وهو غارٌ إلى جَنْبِ صَوْمَعَتِهِ، فَوَضَعُوها، فَجاءَ الشَّيْطانُ فَقالَ: لَهُ انْزِلْ إلَيْها فامْسَحْها بِيَدِكَ تُعافى، وتَنْصَرِفُ إلى أهْلِها، فَنَزَلَ، فَلَمّا دَنا إلى بابِ الغارِ دَخَلَ الشَّيْطانُ فِيها، فَإذا هي تَرْكُضُ، فَسَقَطَتْ عَنْها ثِيابُها، فَنَظَرَ العابِدُ إلى شَيْءٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ حُسْنًا وجَمالًا، فَلَمْ يَتَمالَكْ أنْ وقْعَ عَلَيْها، وضَرَبَ عَلى أُذُنِهِ، فَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إلَيْها إلى أنْ حَمَلَتْ، فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ: ويْحَكَ يا بِرْصِيصا قَدِ افْتُضِحْتَ، فَهَلْ لَكَ أنْ تَقْتُلَ هَذِهِ وتَتُوبَ؟!
فَإنْ سَألُوكَ عَنْها فَقُلْ: جاءَ شَيْطانُها، فَذَهَبَ بِها، فَلَمْ يَزَلْ بِها حَتّى قَتَلَها، ودَفَنَها، ثُمَّ رَجَعَ إلى صَوْمَعَتِهِ، فَأقْبَلَ عَلى صَلاتِهِ إذْ جاءَ إخْوَتُها يَسْألُونَ عَنْها، فَقالُوا: يا بِرْصِيصا!
ما فَعَلَتْ أُخْتُنا؟
قالَ: جاءَ شَيْطانُها فَذَهَبَ بِها، ولَمْ أُطِقْهُ، فَصَدَّقُوهُ، وانْصَرَفُوا.
وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ قالَ: دَعَوْتُ لَها، فَعافاها اللَّهُ، ورَجَعَتْ إلَيْكُمْ، فَتَفَرَّقُوا يَنْظُرُونَ لَها أثَرًا، فَلَمّا أمْسَوْا جاءَ الشَّيْطانُ إلى كَبِيرِهِمْ في مَنامِهِ، فَقالَ: ويْحَكَ: إنَّ بِرْصِيصا فَعَلَ بِأُخْتِكَ كَذا وكَذا، وإنَّهُ دَفَنَها في مَوْضِعِ كَذا مِن جَبَلِ كَذا، فَقالَ: هَذا حُلْمٌ، و بِرْصِيصا خَيْرٌ مِن ذَلِكَ، فَتَتابَعَ عَلَيْهِ ثَلاثَ لَيالٍ، ولا يَكْتَرِثُ، فانْطَلَقَ إلى الأوْسَطِ كَذَلِكَ، ثُمَّ إلى الأصْغَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ الأصْغَرُ لِإخْوَتِهِ: لَقَدْ رَأيْتُ كَذا وكَذا، فَقالَ الأوْسَطُ: وأنا واللَّهِ، فَقالَ الأكْبَرُ: وأنا واللَّهِ، فَأتَوْا بِرْصِيصا، فَسَألُوهُ عَنْها، فَقالَ: قَدْ أعْلَمْتُكم بِحالِها، فَكَأنَّكُمُ اتَّهَمْتُمُونِي، قالُوا: لا واللَّهِ، واسْتَحْيَوْا، وانْصَرَفُوا، فَجاءَهُمُ الشَّيْطانُ فَقالَ: ويْحَكم إنَّها لَمَدْفُونَةٌ في مَوْضِعِ كَذا وكَذا، وإنَّ إزارَها لَخارِجٌ مِنَ التُّرابِ، فانْطَلَقُوا، فَحَفَرُوا عَنْها، فَرَأوْها، فَقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ لَمَ قَتَلْتَها؟
اهْبِطْ، فَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، ثُمَّ أوْثَقُوهُ، وجَعَلُوا في عُنُقِهِ حَبْلًا، ثُمَّ قادُوهُ إلى المَلِكِ فَأقَرَّ عَلى نَفْسِهِ، وذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ عَرَضَ لَهُ، فَقالَ: تَقْتُلُها ثُمَّ تُكابِرُ، فاعْتَرَفَ، فَأمَرَ المَلِكُ بِقَتْلِهِ وصَلْبِهِ، فَعَرَضَ لَهُ الأبْيَضُ، فَقالَ: أتَعْرِفُنِي؟
قالَ: لا، قالَ: أنا صاحِبُكَ الَّذِي عَلَّمْتُكَ الدَّعَواتِ، ويْحَكَ ما اتَّقَيْتَ اللَّهَ في أمانَةٍ خُنْتَ أهْلَها، أما اسْتَحْيَيْتَ مِنَ اللَّهِ؟!
ألَمْ يَكْفِكَ ذَلِكَ حَتّى أقْرَرْتَ فَفَضَحَتْ نَفْسَكَ وأشْباهَكَ بَيْنَ النّاسِ؟!
فَإنَّ مُتَّ عَلى هَذِهِ الحالَةِ لَمْ تُفْلِحْ، ولا أحَدٌ مِن نُظَرائِكَ، قالَ: فَكَيْفَ أصْنَعُ قالَ: تُطِيعُنِي في خَصْلَةٍ حَتّى أُنْجِيَكَ، وآخُذَ بِأعْيُنِهِمْ، وأُخْرِجَكَ مِن مَكانِكَ، قالَ: ما هِيَ؟
قالَ: تَسْجُدُ لِي، فَسَجَدَ لَهُ، فَقالَ: هَذا الَّذِي أرَدْتُ مِنكَ صارَتْ عاقِبَةُ أمْرِكَ أنْ كَفَرْتَ ﴿ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ ﴾ ثُمَّ قُتِلَ.
فَضَرَبَ اللَّهُ هَذا المَثَلَ لِلْيَهُودِ حِينَ غَرَّهُمُ المُنافِقُونَ، ثُمَّ أسْلَمُوهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ ﴾ ونَصَبَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو ياءَ "إنِّيَ" وأسْكَنَها الباقُونَ.
وقَدْ بَيَّنّا المَعْنى في [الأنْفالِ: ٤٨] ﴿ فَكانَ عاقِبَتَهُما ﴾ يَعْنِي: الشَّيْطانَ وذَلِكَ الكافِرَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أو مِن وراءِ جُدُرٍ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ كَمَثَلِ الشَيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظالِمِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لا يُقاتِلُونَكُمْ" لَبَنِي النَضِيرِ وجَمِيعِ اليَهُودِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ اليَهُودُ والمُنافِقِينَ؛ لِأنَّ دُخُولَ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ﴾ مُتَمَكِّنٌ بَيِّنٌ، ومَعْنى الآيَةِ: لا يُقاتِلُونَكم في جَيْشٍ بِفَحْصٍ، و"القُرى": المُدُنُ، قالَ الفَرّاءُ: هَذا جَمْعٌ شاذٌّ، قالَ الزَجّاجُ: ما في القُرْآنِ فَلَيْسَ بِشاذٍّ، وهو مِثْلُ: ضَيْعَةٌ وضِيَعٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وكَثِيرٌ مِنَ المَكِّيِّينَ: "جِدًّا" عَلى مَعْنى الجِنْسِ، وقَرَأ كَثِيرٌ مِنَ المَكِّيِّينَ، وهارُونُ عَنِ ابْنِ كَثِرٍ: "جُدْ" بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ الدالِ، ومَعْناهُ: أصْلُ بُنْيانٍ كالسُورِ ونَحْوِهِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ القُرّاءِ: "جُدُرٌ" بِضَمِّ الجِيمِ والدالِ، وهو جَمْعُ جِدارٍ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو حَيْوَةَ: "جُدْرٌ" بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الدالِ، وهو تَخْفِيفٌ في جَمْعِ جِدارٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن جُدُرِ النَخِيلِ، أيْ: مِن وراءِ نَخْلِهِمْ إذْ هي مِمّا يُتَّقى بِهِ عِنْدَ المُضايَقَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ ﴾ أيْ: في غائِلَتِهِمْ وأحِبَّتِهِمْ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم أشَتُّ"، وهَذِهِ حالُ الجَماعاتِ المُتَخاذِلَةِ، وهي المَغْلُوبَةُ أبَدًا في كُلِّ ما تُحاوِلُ، واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَتاتِ وهو التَفَرُّقُ ونَحْوُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مَعْناهُ: مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم بَنُو قَيْنُقاعٍ؛ لِأنَّ النَبِيَّ أجْلاهم عَنِ المَدِينَةِ قَبْلَ بَنِي النَضِيرِ، وكانُوا مَثَلًا لَهُمْ، وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ ؛ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلُ بَدْرٍ الكُفّارُ؛ فَإنَّهم قَبْلَهم ومَثَلٌ لَهم في أنْ غَلَبُوا وقَهَرُوا، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ لِلْمُنافِقِينَ، وهم مُنافِقُوا الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ؛ وذَلِكَ أنَّهم غُلِبُوا ونالَتْهُمُ الذِلَّةُ عَلى وجْهِ الدَهْرِ، فَهم مَثَلٌ لِهَؤُلاءِ، ولَكِنَّ قَوْلُهُ تَعالى: "قَرِيبًا" إمّا أنْ يَكُونَ في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وإلّا فالتَأْوِيلُ المَذْكُورُ يُضْعِفُ، إلّا أنْ يَجْعَلَ "قَرِيبًا" ظَرْفًا لِلذَّوْقِ، فَيَكُونُ التَقْدِيرُ: ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ قَرِيبًا مِن عِصْيانِهِمْ وبِحِدْثانِهِ، ولا يَكُونُ المَعْنى أنَّ المَثَلَ قَرِيبٌ في الزَمَنِ مِنَ المُمَثِّلِ لَهُ، وعَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فَـ "قَرِيبًا" ظَرْفٌ أو نَعْتٌ لِظَرْفٍ.
و"الوَبالُ": الشِدَّةُ والمَكْرُوهُ وعاقِبَةُ السُوءِ، و"العَذابُ الألِيمُ" هو في الآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَمَثَلِ الشَيْطانِ" مَعْناهُ: مَثَلُ هاتَيْنِ الفِرْقَتَيْنِ مِنَ المُنافِقِينَ وبَنِي النَضِيرِ كَمَثَلِ الشَيْطانِ والإنْسانِ، فالمُنافِقُونَ مَثَلُهُمُ الشَيْطانُ، وبَنُو النَضِيرِ مَثَلُهُمُ الإنْسانُ، وذَهَبَ مُجاهِدٌ وجُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ الشَيْطانَ والإنْسانَ في هَذِهِ الآيَةِ أسْماءُ جِنْسٍ؛ لِأنَّ العُرْفَ أنْ يَعْمَلَ هَذا شَياطِينٌ بِناسٍ، كَما يَغْوِي الشَيْطانُ الإنْسانَ ثُمَّ يَفِرُّ مِنهُ بَعْدَ أنْ يُوَرِّطَهُ، كَذَلِكَ أغْوى المُنافِقُونَ بَنِي النَضِيرِ وحَرَّضُوهم عَلى الثُبُوتِ ووَعَدُوهُمُ النَصْرَ، فَلَمّا غَدَرَ بَنُو النَضِيرِ وكَشَفُوا عن وُجُوهِهِمْ، تَرَكَهُمُ المُنافِقُونَ في أسْوَأِ حالٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِن رُواةِ القِصَصِ أنَّ هَذا في شَيْطانٍ مَخْصُوصٍ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ اسْمَهُ بَرْصِيصا، قالُوا: إنَّهُ اسْتَوْدَعَ امْرَأةً، وقِيلَ: سِيقَتْ إلَيْهِ لِيَشْفِيَها بِدُعائِهِ مِنَ الجُنُونِ، فَسَوَّلَ لَهُ الشَيْطانُ الوُقُوعَ عَلَيْها، فَحَمَلَتْ، فَخَشِيَ الفَضِيحَةَ، فَسَوَّلَ لَهُ قَتْلُها ودَفْنُها، فَفَعَلَ، ثُمَّ شَهَرَهُ، فَلَمّا اسْتَخْرَجَتِ المَرْأةُ وحُمِلَ العابِدُ شَرَّ حَمْلٍ، وهو قَدْ قالَ: إنَّها ماتَتْ فَقُمْتُ عَلَيْها ودَفَنْتُها، فَلَمّا وُجِدَتْ مَقْتُولَةً عَلِمُوا كَذِبَهُ، فَتَعَرَّضَ لَهُ الشَيْطانُ وقالَ لَهُ: اكْفُرْ واسْجُدْ لِي وأُنْجِيكَ، فَفَعَلَ، وتَرَكَهُ عِنْدَ ذَلِكَ وقالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ.
وهَذا كُلُّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ هو وجْهُ الكَلامِ، وقَوْلُ الشَيْطانِ "إنِّي أخافُ اللهَ" رِياءٌ وسُمْعَةٌ، ولَيْسَتْ عَلى ذَلِكَ عَقِيدَتُهُ، ولا يَعْرِفُ اللهُ تَعالى حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، ولا يَحْجِزُهُ خَوْفُهُ عن سُوءٍ يُوقِعُ فِيهِ ابْنَ آدَمَ مِن أوَّلٍ إلّا آخِرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكانَ عاقِبَتَهُما ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ الضَمِيرُ أنْ يَعُودَ عَلى المَخْصُوصِينَ المَذْكُورِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمَيِ الجِنْسَيْنِ، أيْ: هَذا هو عاقِبَةُ كُلِّ شَيْطانٍ وإنْسانٍ يَكُونُ أمْرُهُما هَكَذا، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "عاقِبَتُهُما" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "عاقِبَتَهُما" بِالنَصْبِ، ومَوْضِعُ "أنْ" يُخالِفَ إعْرابَ "العاقِبَةِ" في القِراءَتَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ: "خالِدانِ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ "أنَّ"، والظَرْفُ مُلْغًى، ويَلْحَقُ هَذِهِ القِراءَةَ مِنَ الِاعْتِراضِ إلْغاءُ الظَرْفِ مَرَّتَيْنِ، قالَهُ الفَرّاءُ، وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى التَأْكِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا مثل آخر لمُمَثَّل آخر، وليس مثلاً منْضمًّا إلى المثل الذي قبله لأنه لو كان ذلك لكان معطوفاً عليه بالواو، أو ب (أو) كقوله تعالى ﴿ أو كصيّب من السماء ﴾ [البقرة: 19].
والوجه: أن هذا المثل متصل بقوله: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ [الحشر: 15] كما يفصح عنه قوله في آخره: ﴿ فكان عاقبتهما أنهما في النار ﴾ الآية، أي مثلهم في تسبيبهم لأنفسهم عذاب الآخرة كمثل الشيطان إذ يوسوس للإنسان بأن يكفر ثم يتركه ويتبرأ منه فلا ينتفع أحدهما بصاحبه ويقعان معاً في النار.
فجملة ﴿ كمثل الشيطان ﴾ حال من ضمير ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ [الحشر: 15] أي في الآخرة.
والتعريف في ﴿ الشيطان ﴾ تعريف الجنس وكذلك تعريف «الإنسان».
والمراد به الإنسان الكافر.
ولم تُرد في الآخرة حادثة معيَّنة من وسوسة الشيطان لإِنسان معيَّن في الدنيا، وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول: ﴿ فلمّا كَفَرَ قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ﴾ ، وهل يتكلم الشيطان مع الناس في الدنيا فإن ظاهرة قوله: ﴿ قال إني بريء منك ﴾ أنه يقوله للإِنسان، وإما احتمال أن يقوله في نفسه فهو احتمال بعيد.
فالحق: أن قول الشيطان هذا هو ما في آية ﴿ وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل ﴾ في سورة [إبراهيم: 22].
وقد حكى ابن عباس وغيرهما من السلف في هذه الآية قصة راهب بحكاية مختلفة جعلت كأنها المراد من الإنسان في هذه الآية.
ذكرها ابن جرير والقرطبي وضَعَّف ابن عطية أسانيدها فلئن كانوا ذكروا القصة فإنما أرادوا أنها تصلح مثالاً لما يقع من الشيطان للإِنسان كما مال إليه ابنُ كثير.
فالمعنى: إذ قال للإِنسان في الدنيا: اكفر، فلما كفر ووافى القيامة على الكفر قال الشيطان يوم القيامة: إني بريء منك } ، أي قال كل شيطان لقرينه من الإِنس: ﴿ إنّي بريء منك ﴾ طمعاً في أن يكون ذلك منجيه من العذاب.
ففي الآية إيجاز حذف حُذف فيها معطوفات مقدرة بعد شرط (لَمَّا) هي داخلة في الشرط إذ التقدير: فلما كفر واستمر على الكفر وجاء يوم الحشر واعتذر بأن الشيطان أضله قال الشيطان: ﴿ إني بريء منك ﴾ الخ.
وهذه المقدرات مأخوذة من آيات أخرى مثل آية سورة إبراهيم وآية سورة [ق: 27].
﴿ قال قرينه ربّنا ما أطغيته ﴾ الآية.
وظاهر أن هذه المحاجة لا تقع إلا في يوم الجزاء وبعد موت الكافر على الكفر دون من أسلموا.
وقول: فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها} من تمام المثل.
أي كان عاقبة الممثل بهما خسرانهما معاً.
وكذلك تكون عاقبة الفريقين الممثلين أنهما خائبان فيما دبّرا وكادا للمسلمين.
وجملة ﴿ وذلك جزاء الظالمين ﴾ تذييل، والإِشارة إلى ما يدل عليه ﴿ فكان عاقبتهما أنهما في النار ﴾ من معنى، فكانت عاقبتهما سوأى والعاقبة السّوأى جزاء جميع الظّالمين المعتدين على الله والمسلمين، فكما كانت عاقبة الكافر وشيطانه عاقبة سوء كذلك تكون عاقبة الممثلين بهما وقد اشتركا في ظلم أهل الخير والهدى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اخْتِلافُ قُلُوبِهِمْ حَتّى لا يَتَّفِقُوا عَلى أمْرٍ واحِدٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ وعِيدُهم لِلْمُسْلِمِينَ لَنَفْعَلَنَّ كَذا وكَذا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ تَحْسَبُهم جَمِيعًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ واليَهُودُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَقُلُوبُهم شَتّى ﴾ يَعْنِي مُخْتَلِفَةً مُتَفَرِّقَةً، قالَ الشّاعِرُ إلى اللَّهِ أشْكُو نِيَّةً شَقَّتِ العَصا هي اليَوْمُ شَتّى وهي بِالأمْسِ جَمْعٌ وَفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَقُلُوبُهم أشَتُّ) بِمَعْنى أشَدُّ تَشْتِيتًا، أيْ أشَدُّ اخْتِلافًا.
وَفي اخْتِلافِ قُلُوبِهِمْ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهم عَلى باطِلٍ، والباطِلُ مُخْتَلِفٌ، والحَقُّ مُتَّفِقٌ.
الثّانِي: أنَّهم عَلى نِفاقٍ، والنِّفاقُ اخْتِلافٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهم قَتْلى بَدْرٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: أنَّهم بَنُو النَّضِيرِ الَّذِينَ أُجْلُوا مِنَ الحِجازِ إلى الشّامِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّهم بَنُو قُرَيْظَةَ، كانَ قَبْلَهم إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ.
﴿ ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ﴾ بِأنْ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ [بْنِ مُعاذٍ] فَحَكَمَ فِيهِمْ بِقَتْلِ مُقاتِلِيهِمْ وسَبْيِ ذَرارِيهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في تِجارَتِهِمْ.
الثّانِي: في نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ.
﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلإنْسانِ اكْفُرْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِ في طاعَتِهِ لِلشَّيْطانِ، وهو عامٌّ في النّاسِ كُلِّهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها خاصَّةً في سَبَبٍ خاصٍّ صارَ بِهِ المَثَلُ عامًّا، وذَلِكَ ما رَواهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ راهِبًا كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَيُحْسِنُ عِبادَتَهُ، وكانَ يُؤْتى مِن كُلِّ أرْضٍ يَسْألُ عَنِ الفِقْهِ وكانَ عالِمًا، وأنَّ ثَلاثَةَ إخْوَةٍ كانَتْ لَهم أُخْتٌ مِن أحْسَنِ النِّساءِ مَرِيضَةٌ، وأنَّهم أرادُوا سَفَرًا فَكَبُرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَذَرُوها ضائِعَةً، فَجَعَلُوا يَأْتَمِرُونَ فِيما يَفْعَلُونَ، فَقالَ أحَدُهُمْ: ألا أدُلُّكم عَلى مَن تَتْرُكُونَها عِنْدَهُ؟
فَقالَ لَهُ مَن؟
فَقالَ: راهِبُ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنْ ماتَ قامَ عَلَيْها، وإنْ عاشَتْ حَفِظَها حَتّى تَرْجِعُوا إلَيْهِ، فَعَمَدُوا إلَيْهِ وقالُوا: إنّا نُرِيدُ السَّفَرَ وإنّا لا نَجِدُ أحَدًا أوْثَقَ في أنْفُسِنا مِنكَ ولا آمَنَ عَلَيْنا غَيْرَكَ، فاجْعَلْ أُخْتَنا عِنْدَكَ فَإنَّها ضائِعَةً مَرِيضَةً، فَإنْ ماتَتْ فَقُمْ عَلَيْها، وإنْ عاشَتْ فاحْفَظْها حَتّى نَرْجِعَ، فَقالَ: أكْفِيكم إنْ شاءَ اللَّهُ، وإنَّهُمُ انْطَلَقُوا، فَقامَ عَلَيْها وداواها حَتّى بَرِئَتْ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ الشَّيْطانُ يُزَيِّنُ لَهُ حَتّى وقَعَ عَلَيْها وحَبِلَتْ، ثُمَّ تَقَدَّمَ مِنهُ الشَّيْطانُ فَزَيَّنَ لَهُ قَتْلَها وقالَ: إنْ لَمْ تَفْعَلِ افْتُضِحْتَ، فَقَتَلَها.
فَلَمّا عادَ إخْوَتُها سَألُوهُ عَنْها فَقالَ: ماتَتْ فَدَفَنْتُها، قالُوا أحْسَنْتَ، فَجَعَلُوا يَرَوْنَ في المَنامِ أنَّ الرّاهِبَ قَتَلَها وأنَّها تَحْتَ شَجَرَةِ كَذا، فَعَمَدُوا إلى الشَّجَرَةِ فَوَجَدُوها قَدْ قُتِلَتْ، فَأخَذُوهُ، فَقالَ لَهُ الشَّيْطانُ: أنا الَّذِي زَيَّنْتُ لَكَ قَتْلَها بَعْدَ الزِّنى فَهَلْ لَكَ أنْ أُنْجِيكَ وتُطِيعُنِي؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ فاسْجُدْ لِي سَجْدَةً واحِدَةً، فَسَجَدَ ثُمَّ قُتِلَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ ﴾ فَكَذا المُنافِقُونَ وبَنُو النَّضِيرِ مَصِيرُهم إلى النّارِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن راهويه وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب أن رجلاً كان يتعبد في صومعة، وأن امرأة كان لها إخوة فعرض لها شيء، فأتوه بها، فزينت له نفسه فوقع عليها، فجاءه الشيطان فقال: اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت، فقتلها ودفنها، فجاؤوه فأخذوه، فذهبوا به، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال: إني أنا الذي زينت لك فاسجد لي سجدة أنجيك، فسجد له، فذلك قوله: ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ كمثل الشيطان ﴾ الآية، قال: كان راهب من بين إسرائيل يعبد الله فيحسن عبادته، وكان يؤتي من كل أرض فيسأل عن الفقه، وكان عالماً، وإن ثلاثة إخوة لهم أخت حسناء من أحسن الناس، وإنهم أرادوا أن يسافروا، وكبر عليهم أن يدعوها ضائعة، فعمدوا إلى الراهب، فقالوا: إنا نريد السفر، وإنا لا نجد أحد أوثق في أنفسنا ولا آمن عندنا منك، فإن رأيت جعلنا أختنا عندك، فإنها شديدة الوجع، فإن ماتت، فقم عليها، وإن عاشت فأصلح إليها حتى ترجع، فقال: أكفيكم إن شاء الله، فقام عليها فداواها حتى برئت وعاد إليها حسنها، وإنه اطلع إليها فوجدها متصنعة، ولم يزل به الشيطان حتى وقع عليها فحملت، ثم ندمه الشيطان فزين له قتلها وقال: إن لم تفعل افتضحت وعرف أمرك، فلم يكن لك معذره، فلم يزل به حتى قتلها، فلما قدم إخوتها سألوه ما فعلت؟
قال: ماتت، فدفنتها.
قالوا: أحسنت.
فجعلوا يرون في المنام ويخبرون أن الراهب قتلها وأنها تحت شجرة كذا وكذا، وأنهم عمدوا إلى الشجرة فوجدها قد قتلت، فعمدوا إليه فأخذوه فقال الشيطان: أنا الذي زينت لك الزنا وزينت لك قتلها، فهل لك أن تطيعني وأنجيك؟
قال: نعم، قال: قال فاسجد لي سجدة واحدة فسجد له ثم قتل فذلك قول الله: ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في هذه الآية قال: كانت امرأة ترعى الغنم وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب فنزل الراهب ففجر بها، فأتاه الشيطان فقال: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق يسمع قولك، فقتلها ثم دفنها، فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن الراهب فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلم أصبح قال رجل منهم: لقد رأيت البارحة كذا وكذا فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت كذلك فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت كذلك قالوا: فوالله ما هذا إلا لشيء، فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب فأتوه فأنزلوه، ثم انطلقوا به، فلقيه الشيطان فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا، ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، فسجد له فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه وأُخِذَ فقُتِل.
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبيد بن رفاعة الدارمي يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: كان راهب في بني إسرائيل، فأخذ الشيطان جارية فخنقها فألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب، فأتي بها الراهب، فأبى أن يقبلها، فلم يزالوا به حتى قبلها، فكانت عنده، فأتاه الشيطان فوسوس له وزين له، فلم يزل به حتى وقع عليها، فلما حملت وسوس له الشيطان فقال: الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها، فإن أتوك، فقل: ماتت، فقتلها ودفنها فأتى الشيطان أهلها فوسوس إليهم، وألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها، فأتاه أهلها فسألوه فقال: ماتت، فأخذوه فأتاه الشيطان فقال: أنا الذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الذي أوقعتك في هذا فأطعني تنج واسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فهو الذي قال الله: ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ﴾ الآية.
وأخرج ابن المنذر والخرائطي في اعتلال القلوب من طريق عدي بن ثابت عن ابن عباس في الآية قال: كان راهب في بني إسرائيل متعبداً زماناً حتى كان يؤتى بالمجانين فيقرأ عليهم ويعودهم حتى يبرؤوا فأتى بامرأة في شرف قد عرض لها الجنون، فجاء إخوتها إليه ليعوذها، فلم يزل به الشيطان يزين له حتى وقع عليها فحملت، فلما عظم بطنها لم يزل الشيطان يزين له حتى قتلها ودفنها في مكان، فجاء الشيطان في صورة رجل إلى بعض إخوتها فأخبره، فجعل الرجل يقول لأخيه: والله لقد أتاني آت فأخبرني بكذا وكذا حتى أفضى به بعضهم إلى بعض حتى رفعوه إلى ملكهم، فسار الملك والناس حتى استنزله فأقر واعترف فأمر به الملك فصلب، فأتاه الشيطان وهو على خشبته فقال: أنا الذي زينت لك، هذا وألقيتك فيه، فهل أنت مطيعي فيما آمرك به وأخلصك؟
قال: نعم.
قال: فاسجد لي سجدة واحدة، فسجد له وكفر، فقتل في تلك الحال.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاووس قال: كان رجل من بني إسرائيل عابداً وكان ربما داوى المجانين وكانت امرأة جميلة أخذها الجنون فجيء بها إليه فتركت عنده، فأعجبته، فوقع عليها، فحملت، فجاءه الشيطان، فقال: إن علم بهذا افتضحت فاقتلها وادفنها في بيتك، فقتلها فجاء أهلها بعد زمان يسألونه عنها، فقال: ماتت، فلم يتهموه لصلاحه فيهم ورضاه، فجاءهم الشيطان فقال: إنها لم تمت ولكنه وقع عليها فحملت فقتلها ودفنها في بيته في مكان كذا وكذا، فجاء أهلها فقالوا: ما نتهمك، ولكن أخبرنا أين دفنتها ومن كان معك ففتشوا بيته فوجدوها حيث دفنها، فأخذ فسجن، فجاءه الشيطان فقال: إن كنت تريد أن أخرجك مما أنت فيه فأكفر بالله، فأطاع الشيطان وكفر، فأخذ وقتل فتبرأ منه الشيطان حينئذ.
قال طاوس: فما أعلم إلا أن هذه الآية أنزلت فيه ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في الآية قال: ضرب الله مثل الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإِنسان اكفر ﴾ قال: عامة الناس.
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه كان يقرأ «فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدان فيها» والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ الآية.
أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن جرير قال: «كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه قوم مجتابي النمار متقلدي السيوف عليهم أزر ولا شيء غيرها، عامتهم من مضر، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الذي بهم من الجهد والعري والجوع تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام فدخل بيته، ثم راح إلى المسجد، فصلى الظهر ثم صعد منبره، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد ذلكم فإن الله أنزل في كتابه ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ﴾ تصدقوا قبل أن لا تصدقوا، تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة، تصدق امرؤ من ديناره تصدق امرؤ من درهمه، تصدق امرؤ من بره، من شعيره، من تمره، لا يحقرن شيء من الصدقة ولو بشق التمرة» فقام رجل من الأنصار بصرة في كفه فناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على منبره فعرف السرور في وجهه، فقال: من سن في الإِسلام سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً «فقام الناس فتفرقوا فمن ذي دينار، ومن ذي درهم، ومن ذي طعام، ومن ذي، ومن ذي فاجتمع فقسمه بينهم» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ما قدمت لغد ﴾ قال: يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن نعيم بن محمد الرحبي قال: كان من خطبة أبي بكر الصديق: واعلموا أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه فإن استطعتم أن ينقضي الأجل وأنتم على حذر فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بإذن الله، وإن قوماً جعلوا أجلهم لغيرهم فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم، فقال: ﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ﴾ أين من كنتم تعرفون من إخوانكم؟
قد انتهت عنهم أعمالهم ووردوا على ما قدموا.
أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟
قد صاروا تحت الصخر والآكام هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره استضيئوا منه اليوم ليوم الظلمة، واستنصحوا كتابه وتبيانه، فإن الله قد أثنى على قوم فقال: ﴿ كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين ﴾ [ الأنبياء: 90] لا خير في قول لا يبتغي به وجه الله، ولا خر في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب غضبه حلمه، ولا خير في رجل يخاف في الله لومة لائم.
<div class="verse-tafsir"
ثم ذكر أنهما صارا إلى النار بقوله: ﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا ﴾ أي عاقبة الشيطان والإنسان حين صارا إلى النار.
قوله تعالى: ﴿ خَالِدَيْنِ فِيهَا ﴾ قال الفراء: نصبه على الحال (١) (٢) ثم رجع إلى موعظة المؤمنين فقال: (١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 146.
(٢) لم أجده.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر ﴾ مثَّل الله المنافقين الذين أغووا يهود بني النضير ثم خذلوهم بعد ذلك بالشيطان فإنه يغوي ابن آدم ثم يتبرأ منه، والمراد بالشيطان والإنسان هنا الجنس، وقيل: أراد الشيطان الذي أغوى قريشاً يوم بدر وقال لهم: ﴿ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ﴾ [الأنفال: 48]، ﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي النار ﴾ الضميران يعودان على الشيطان والإنسان، وفي ذلك تمثيل للمنافقين واليهود.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد: أبوعمرو.
والباقون: بالتخفيف من الإخراب ﴿ تكون ﴾ بالتاء الفوقانية ﴿ دولة ﴾ بالرفع على " كان " التامة: يزيد.
والآخرون: على التذكير والنصب ﴿ جدار ﴾ بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو.
والآخرون: بضمتين من غير ألف.
﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
و ﴿ الباري ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس.
الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الحشر ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ط ﴿ في الدنيا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ه ﴿ ورسوله ﴾ ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ فانتهوا ﴾ ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه لئلا يوهم أن قوله ﴿ للفقراء ﴾ يتعلق بـ ﴿ شديد ﴾ ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في التفسير.
﴿ خصاصة ﴾ قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله ﴿ المفلحون ﴾ ه لمثل المذكور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ لا لأن ما بعده من تمام القول ﴿ لننصركم ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ معهم ﴾ ج ﴿ لا ينصرونهم ﴾ ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ جدر ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ج لتعلق الكاف بـ ﴿ لا يعقلون ﴾ أو بمحذوف أو مثلهم كمثل ﴿ أمرهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ أليم ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ اكفر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لغد ﴾ ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم فلتنظر لغدها نفس واحد منكم ﴿ واتقوا الله ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ الأولى ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ من خشية الله ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده خبر مبتدأ محذوف ﴿ والشهادة ﴾ ج لاحتمال كون الضمير بدلاً من عالم أو مبتدأ ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط لما قلنا ﴿ المتكبر ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.
التفسير: قال المفسرون: صالح بنو النضر رسول الله على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هوالنبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رأيه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشاً عند الكعبة، فأمر النبي محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان اخا كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك.
فتنادوا بالحرب.
وقيل: استمهلوا رسول الله عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة.
فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشأم إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحُيَيّ بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.
واللام في قوله ﴿ لأول الحشر ﴾ بمعنى الوقت كقولك " جئت ليوم كذا ".
وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.
فمعنى الحشر إخراج الجميع من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين.
وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام كما جاء في الحديث " نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب" قاله قتادة.
وقيل: آخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.
وقيل: معناه لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله .
قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل " وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم " هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسماً لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم.
قلت: حاصل كلامه الحصر.
ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله ﴿ في قلوبهم ﴾ ولاستعمال القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ﴾ ومعنى ﴿ لم يحتسبوا ﴾ أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه.
وقذف الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا كما مر في آل عمران ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ وفي لفظ القذف زيادة تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد " مقذف " فكأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.
قال الفراء ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها.
وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا.
وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الأحكام نحو " فرحته " و " أفرحته " و " حسنة الله " و " أحسنه ".
قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج.
قلت: ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسدّ أفواه الأزقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما أرادوا حمله من جيد الخشب والساج.
وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك.
ثم أمر أهل الابصار الباطنة بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس.
ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على حصونهم وعدّتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوّة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء.
واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي.
وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في الآخرة والعكس لا يلزم.
وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة نبوّته.
والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم أشدّ من الموت فلهذا قال ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ بالقتل ﴿ ولهم في الآخرة ﴾ بعدما عاينوا في الدنيا ﴿ عذاب النار ذلك ﴾ التخريب أو الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله.
قالت الفقهاء: فيه دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب.
يروى أنه حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟
فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى ﴿ ما قطعتم ﴾ محله نصب و ﴿ من لينة ﴾ بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل.
وياؤها واو في الأصل كالديمة.
وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله أن ذلك جائز غيظاً لقلوب الكفرة.
واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون الكفار وقلع أشجارهم.
وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال.
وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله فقال هذا: تركتها لرسول الله وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار.
وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي وعلى أن كل مجتهد مصيب.
قوله ﴿ وما أفاء الله ﴾ أدخل العاطف ههنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها.
ومعنى أفاء جعله فيئاً من فاء إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين.
والإيجاف من الوجيف وهو السير السريع.
وقوله ﴿ عليه ﴾ أي على ما أفاء.
والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة لا من الفيء.
وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع.
الثاني تسليم أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله وكان راكب جمل، فلما كان المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة.
ثم روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة قال الواحدي: كان الفيء مقسوماً في زمان رسول الله خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله خاصة وكذا خمس الباقي، والسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، واليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان: أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله في رباط الثغور.
والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم.
هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال.
ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال ﴿ كيلا يكون دولة ﴾ قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف.
والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم.
قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت الدولة.
فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جداً بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عز بر ومنه قول الحسن " اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً " يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به.
ومن قرأ على " كان " التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاوراً بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها.
قوله ﴿ وما آتاكم ﴾ الآية.
قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول منها، والأولى عند المحققين العموم.
قوله ﴿ للفقراء ﴾ بدل من قوله ﴿ ولذي القربى ﴾ إلى آخر الأصناف الأربعة.
ولا يجوز أيضاً أن يكون ابتدال البدل من قوله ﴿ فلله ﴾ لأنه يخل بتعظيم قولهم ﴿ وللرسول ﴾ لأنه أخرجه عن الفقراء بقوله ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير.
ولئن صح أنه قال " "الفقر فخري" فذاك معنى آخر وهو غنى القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هماً واحداً وهو الافتقار بالكلية إلى الله.
إستدل بعض العلماء بقوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله .
فلو لم تكن خلافته حقه لزم كذبهم وهو خلاف الآية.
وقال في الكشاف: أراد صدقهم في إيمانهم وجهادهم.
قوله ﴿ والذين تبوّؤا الدار ﴾ معطوف على المهاجرين وكذا قوله ﴿ والذين جاءوا ﴾ وذلك عند من يجعل الغنائم حلاً للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله ﴿ يحبون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ حالين أي الغنائم لهم محببن قائلين.
ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير وقف على ﴿ هم الصادقون ﴾ و ﴿ المفلحون ﴾ وجعل الفعلين خبرين.
وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على الدعاء.
قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طالبت أنفسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم.
وههنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان.
الثاني بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين.
والجواب من الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: "علفتها تبناً وماء بارداً" *** أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان كأنهم جعلوه مستقراً لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان.
والمعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي تقدمه.
وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في الإيمان ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة ﴾ أي حسداً وغيظاً مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره.
وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة.
وقال جار الله: المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطح إلى شيء منه يحتاج إليه ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة.
وفعول ﴿ يؤثرون ﴾ محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.
عن ابن عباس أن النبي قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم.
فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا نؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت.
والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة وملكة.
قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه.
وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف.
والظاهر أنها نزلت في الفيء كما مر ويدخل فيه غيره.
قوله ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ أي هاجروا بعد المهاجرين الأوّلين.
وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث جميع المؤمنين.
ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا له ملا نطيع في قتالكم أو خذلانكم أحداً.
ثم شهد إجمالاً عليهم بأنهم كاذبون، ثم فصل ذلك قائلاً ﴿ لئن أخرجوا ﴾ إلى قوله ﴿ ولئن نصروهم ﴾ وهذا على سبيل الفرض لأنه كما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون.
والمعنى لو فرض نصر المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ بعد ذلك أي لا يمنعهم من عذاب الله مانع لظهور كفرهم.
وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين.
وعلى هذا يكون " ثم " لترتيب الأخبار كقوله ﴿ ثم اهتدى ﴾ ثم بيّن الحكمة في الغزو فقال ﴿ لأنتم أشد رهبة ﴾ قال في الكشاف: أي مرهوبية هي مصدر رهب المبني للمفعول.
وقوله ﴿ في صدورهم ﴾ دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفاً شديداً ورهبتهم في السر منكم أشد من ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته.
وجوز أن يكون المراد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم.
قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا يرتدعون إلا خوفاً من العقوبة العاجلة.
ومن هذا أخذ عمر فقال: ما ينزع السلطان أي يمنع أكثر مما ينزع القرآن.
وقال الشاعر: السيف أصدق إنباء من الكتب *** وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا.
ثم شجع المسلمين بقوله ﴿ لا يقاتلونكم ﴾ أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين ﴿ إلا في قرى محصنة ﴾ غاية التحصين ﴿ أو من وراء جدر ﴾ لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أموراً يعلم الله أنها لا تقع في الخارج على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدوّ يؤيده قوله ﴿ تحسبهم جميعاً ﴾ مجتمعين ذوي تآلف ومحبة ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ متفرقة وهو فعلى من الشت.
وإنما قال ههنا ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ وفي الأوّل ﴿ لا يفقهون ﴾ لأن الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد ههنا أنهم لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا مبطلين.
ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب.
قال جار الله: انتصب ﴿ قريباً ﴾ بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريباً.
قلت: لا يبعد أن يتعلق بصلة الذين.
ثم ضرب مثلاً آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما خصوص إغراء إبليس قريشاً يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله ﴿ وإذ زين لهم الشيطان ﴾ إلى قوله ﴿ إني برىء منكم ﴾ قال مقاتل: وكان عاقبة اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار.
قال جار الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.
وسمى القيامة بالغد تقريباً لمجيئها.
عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد.
وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة.
قال أهل المعاني: تنكير ﴿ نفس ﴾ للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير ﴿ غد ﴾ للتعظيم والتهويل.
قال مقاتل: ونسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم.
قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية.
وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه " هو أبوك ".
استدل أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.
واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل النار لزم خلاف الآية.
والجواب ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم أنه من أهل النار.
ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان.
قال الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله ﴿ وتلك الأمثال ﴾ يعني هذا وغيره من أمثال التنزيل.
وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله ﴿ كمثل الذين ﴾ ﴿ كمثل الشيطان ﴾ ولما وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة.
والقدّوس مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين هذا بالنسبة إلى زمان الماضي والحال.
والسلام إشارة إلى كونه سالماً عن الآفات والعاهات والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة.
المؤمن الواهب الأمن والمصدق لأنبيائه بالمعجزات.
وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في قوله ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء.
ولمكان تعداد هذه الأوصاف كرر قوله ﴿ يسبح له ﴾ إلى آخر السورة.
فمن عزته كان منزهاً عن النقائص أهلاً للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق للخير وإليه المآب.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ .
هذه الآية تدل على أن الله - - جعل حجة رسالة محمد قول المنافقين في أنفسهم؛ لأنهم قالوا هذا القول سرا منهم إلى أهل الكتاب؛ لأنه لا يحتمل أن يظهروا مثل هذا القول بين يدي المؤمنين؛ ولا كان الكفار يخبرون بهذا أحداً من المؤمنين، فلما أخبر بما قال المنافقون، ثبت أنه ما علمه إلا من الوحي والتنزيل، وذلك علم نبوته عليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يكونوا قالوا لهم هذا على أن يتكثر أتباعهم في القتال.
والثاني: أنهم قالوا ذلك لأهل الكتاب على حسبان منهم أن رسول الله إذا علم بحال هؤلاء، لم يخرجهم من المدينة؛ خوفاً أن يقال: أخرج أصحابه، وإذن لهم لم يخرج أهل الكتاب ولم يقاتلوا.
وقوله: ﴿ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً ﴾ .
يعني: لا ننظر أحداً فيكم أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ ﴾ يحتمل أن يكونوا وعدوا نصرهم هذا في قرى محصنة، ثم أخبر أنهم: وإن نصروهم ثم انهزموا، هربوا ونفروا وتولوا ولم ينصروهم بعد ذلك أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
لقائل أن يقول: كيف يشهد عليهم بالكذب، والكذب إنما يدخل في الأخبار، وقولهم الذي قالوا إنما هو وعد منهم؛ فحقه أن يقال: إنهم لمخلفوا الوعد؟
وبمثل هذه الحجة احتج الخوارج في تكفير من أذنب ذنباً، وذلك أنهم يقولون: إن من آمن بالله - - فقد اعتقد ألا يعصيه، فإذا عصاه تبين بعصيانه أنه كذب في اعتقاده؛ فكفر لهذا المعنى.
ومن جوابنا عن هذا: أن قول المنافقين لأهل الكتاب إخبار منهم من موالاتهم أياهم، فأخبر الله - - أنهم كاذبون فيما أخبروا عن الموالاة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ .
في هذه الآية حجة رسالته على الفريقين جميعاً وذلكأن هذا خبر عن الغائب، وذلك لا يوصل إلى علمه إلا بالتعليم، ولم يكن النبي اختلف إلى أحد غيره، ولا تلقن شيئاً من أحد من البشر، فإذا أخبر عما يحدث وعما هو غائب، ثبت أنه ما قاله إلا عن الرسالة والوحي، والله أعلم.
قال: ويجوز أن يكون الله - - ذكر المؤمنين بهذه الآيات على ما لقي الرسول - - ممن كان الواجب [عليهم] - على ما عليه عادتهم -: الإحسان إليه؛ وذلك أنه كان من عادة العرب المعونة والنصرة لمن قاربهم في النسب أو القبيلة، وإن كان ظالماً، ثم إن الله - وتعالى - أرسل محمداً من بين أظهرهمه من قريش، فأظهروا معه من العداوة ما أظهروا حتى هموا بقتله، وجعل محمداً حين أرسله حجة يظهر لليهود والنصارى وجميع أهل [الكتاب] ما ذكر في كتابهم من نعته وصفته، فقابلوه بذلك ما قابلوا من سوء الصنيع وإظهار العداوة، وكان هذا كله - والله أعلم - حجة وعلامة، يعلم بها أن رسالته - - لم تظهر بمعاونة أحد؛ بل بنصر الله وفضله وتأييده، والله المستعان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل أن يكون رهبة هؤلاء في صدورهم على التحقيق، ويجوز أن تكون على التمثيل: فأما وجه التمثيل فهو ما قال: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ ؛ فأخبر أنهم يعتذرون إليهم بالحلف؛ فيجوز أن يكون معاملتهم هذه - التمثيل - معاملة من يرهبهم؛ فسمى ذلك: رهبة في قلوبهم، وهذا نحو قوله - -: ﴿ ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ ، يعني: جمع ماله جمع من يحسب أن ماله أخلده؛ فكذلك الأول.
ويجوز أن يكون على التحقيق؛ ولذلك أوجه من التأويل: أحدها: أنهم كانوا يظهرون الموالاة لكل فريق، وكان عندهم أن الله - - ولي أحد الفريقين لا محالة، وإذا نجا أحد الفريقين نجوا هم أيضاً؛ فكأنهم على هذا التأويل كانوا يرهبون الخلق جميعاً، لا أن يختص به المؤمنون، وكانوا لا يرهبون الله؛ لأنهم أمنوا ناحتيه من الوجه الذي وصفنا.
ويجوز أن يكون رهبتهم من المؤمنين خاصة، وذلك أن أهل النفاق إنما كانوا من أحد الصنفين: أما إذا كانوا دهرية فنافقوا إذا كانوا أهل كتاب، وإن كانوا أهل كتاب فنافقوا، فإن كانوا دهرية فكانوا لا يرهبون الله - - لما كانوا غير مقربين بالصانع، وإن كانوا أهل كتاب، فإنهم قد آمنوا - أيضاً - لما كانوا يصفون من قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ ﴾ ، وإذا سقطت الرهبة من كلا الجنابين من الله - - حصلت الرهبة من المؤمنين خاصة، والله أعلم.
ويجوز أن يكون تفسير قوله - -: ﴿ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ في قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ ، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم لا يفقهون أن البلايا التي في الدنيا ونعيمها تذكير لبلايا الآخرة ونعيمها، وكانوا يرون أنها جعلت لأنفسها، وإذا كان هذا وهمهم وحسبانهم لم يرهبوا من الله .
والثاني: أنهم قوم لا يفقهون من الوعد والوعيد؛ بل كانت رهبتهم ممن كانوا يأملون منهم المنافع ويحذرون مضارهم، فلا يرهبون من الله .
ولقائل أن يقول: إنه لا أحد من أهل الإسلام إلا ورهبته من الناس أشد من ربهة الله - - لأنك ترى الرجل يمتنع عن الزلة عند اطلاع الناس عليه ما لا يمتنع عن كثير من الزلات فيما بينه وبين الله .
والجواب عن هذا وجهان: أحدهما: أنه ليس بإزاء الخوف من الإنسان رجاء يرجوه، وبإزاء رهبته من الله - - رجاء يرجوه من رحمته وفضله وإحسانه؛ فيجوز أن يكون الرجاء من رحمته وفضله يغلب عليه؛ فيقترف الذنوب ويرتكبها.
والوجه الثاني: إذا كان يما يرتكبه من الذنب شرك فليس يهابهم، وإنما خوفه من قوم فيهم سمعة الصلاح وأمارة النصر لدين الله - - ليس من نفس المخلوقين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ ﴾ .
قوله: ﴿ جَمِيعاً ﴾ ، أي: لا يقاتلكم أهل النفاق وأهل الكتاب جميعاً معا، وإنهم ليسوا بفاعلين ما وعدوا لأهل الكتاب من النصر والقتال.
واحتمل أن يكون استثناؤه من الوعد الذي وعدوا لأهل الكتاب، فإن كان من القتال فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم لا يقاتلون إلا أن يكونوا في قرى أو حصون أو من وراء جدر، لا يعلم بهم أهل الإسلام، والله أعلم.
وإن كان من الوجه الثاني فهو يحتمل وجهين أيضاً.
أحدهما: أنهم لا يوفون ما وعدوا من النصر في القتال لأهل الكتاب، ولكنهم يلتجئون إلى قرى محصنة؛ ألا ترى إلى ما أخبر الله - - منهم من ناحية المسلمين: ﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ ﴾ ، فأخبر أنهم قد أظهروا الموالاة للمسلمين كما اظهروا لأهل الكتاب إلى أن جاء القتال التجئوا إلى مكان يستمعون من أخبارهم؛ فعلى ذلك النحو يجوز أن يكون في أهل الكتاب.
والوجه الثاني: أنهم لا يقاتلون، ولكنهم يدخلون في قرى محصنة يتربصون لمن يكون الظفر والعاقبة؟
كما أخبر عنهم في آية أخرى، وهو قوله - -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ : فأخبر الله - -: أنهم يتربصون العاقبة، فالتجاؤهم إلى قرى محصنة يجوز أن يكون بهذا التأويل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقول: ﴿ بَأْسُهُمْ ﴾ ، يعني: قوتهم ﴿ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ ، لما لم يروا أعداء ظاهرة.
أو يقول: بأسهم شديد ما دام القتال بينهم؛ لأنه ليس فيهم من أكرم بالرعب مسيرة شهرين، فإذا أكرم بالرعب هذا المقدار من المسير، فلا يحرم ذكل في أهل قريته، وإذا كان كذلك ثبت أن التأويل ما وصفنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ﴾ .
لأن همة المنافقين سلامة الأنفس وراحة الأبدان، وهمة أهل الكتاب الذب عن المذهب والسعي في إقامته، فإذا اختلف همتهم ومقاصدهم تشتت قلوبهم، وذلك معنى قوله: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ يعني: في الهمم والقلوب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ .
يحمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم لا يعقلون حق الوعد والوعيد.
والثاني: أنهم لا ينتفعون بما يعقلون.
والثالث: أنهم لا يعقلون لمن يكون له العاقبة، وقد وصفنا أن عادتهم التربص لمن يكون الظفر والعاقبة، فإذا اشتبهت عليم العاقبة ولم يعقلوها لم يوالوا واحداً من الفريقين في الظاهر والباطن جميعاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ...
﴾ الآية.
يجوز أن يكون في هذا إضمار مثل آخر؛ كأنه يقول: مثل هؤلاء الكفار كمثل الذين كانوا من قبلهم، وكذلك في قوله: ﴿ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً ﴾ ، يعني: مثل محمد [و]مثل هؤلاء الكفار، على إضمار مثل آخر، ثم التمثيل وكيفيته يحتمل أوجهاً ثلاثة: أحدها: أن يقول: مثل هؤلاء الكفار الذين أساءوا لرسوله كمثل الكفار الذين أساءوا للرسل من قبله، كان قريباً أن ذاقوا وبال أمرهم.
والوجه الثاني: أن يقول: مثل أهل المدينة من الكفار حين هموا بإخراج الرسول من المدينة كمثل أهل مكة حين أخرجوا الرسول من مكة وكان قريباً، حتى ذقوا وبال أمرهم من الأسر والقتل، والدليل على أن كفار المدينة هموا بإخراج الرسول قول - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا...
﴾ الآية [الإسراء: 76].
ويحتمل أن يكون تخصيصاً لقرية أو قبيلة، ووجه ذلك أن يقول: مثل بني قريظة كمثل الذين من قبلهم وهم بنو النضير، وإن كانوا قريباً أن ذاقوا وبال أمرهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
هذا أخبار أنهم يموتون على الكفر، وفيه دلالة رسالته حيث أخبر عن الغيب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ ﴾ .
فكذلك المنافقون يظهرون الموالاة والنصر، فإذا جاء القتال امتنعوا وتبرءوا عنهم.
ثم قوله: ﴿ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ ﴾ يجوز أن يكون في الآخرة؛ حيث يقول: ﴿ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ .
ويجوز أن يكون في الدنيا، وهو قوله: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ...
﴾ الآية [الأنفال: 48].
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
فكان نهاية أمر الشيطان ومن أطاعه أنهما (أي: الشيطان المُطاع، والإنسان المُطِيع) يوم القيامة في النار ماكثَيْنِ فيها أبدًا، وذلك الجزاء الَّذي ينتظرهما هو جزاء الظالمين لأنفسهم بتعدّي حدود الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.n0zjP"