التفسير البسيط سورة الحشر

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > تفسير سورة الحشر

تفسيرُ سورةِ الحشر كاملةً من التفسير البسيط (الواحدي) (أبو الحسن الواحدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 55 دقيقة قراءة

تفسير سورة الحشر كاملةً (أبو الحسن الواحدي)

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١

﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ﴾ الآية تفسيرها قد تقدم في مواضع.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لِأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا۟ ۖ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا۟ ۖ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُوا۟ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ ٢

﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ أجمعوا على أن هذا في بني النضير، وهم قوم من اليهود كانوا بالمدينة، غدروا بالنبي -  - بعد أن عاهدوا وصاروا عليه مع المشركين يدًا واحدة، فحاصرهم رسول الله -  - حتى رضوا بالجلاء وذلك بعد وقعة بدر بستة أشهر، قاله الزهري (١) وقال محمد بن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي -  - من أحد (٢) قوله: ﴿ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ﴾ ذكر المفسرون فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن جلاءهم ذلك كان أول حشر في الدنيا إلى الشام، قاله الزهري (٣)  - قال لهم يومئذ: "اخرجوا".

فقالوا: إلى أين؟

قال: "إلى أرض المحشر" (٤) والمعنى على هذا القول: أنهم أجلوا إلى الشام فكان ذلك أول حشر حشروا إلى الشام يوم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام.

القول الثاني: أنهم أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب، وكان ذلك أول حشر من المدينة والحشر الثاني كان من خيبر وجزيرة العرب، وهذا قول المقاتلين، ومرة الهمداني، عن ابن عباس (٥) القول الثالث: ما قال قتادة: كان ذلك أول الحشر، والحشر الثاني نارُ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وهو قول عبد الله بن عمرو (٦) (٧) قوله: ﴿ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ﴾ قال ابن عباس: كان أمرهم في صدور المسلمين عظيمًا (٨) ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ ﴾ .

قال ابن عباس: ظنوا أن حصونهم مانعة من سلطان الله، وكانوا أهل حلقة (٩) (١٠) ﴿ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ أي: أمر الله وعذابه، وهو أنه أمر النبي -  - بقتالهم ومحاصرتهم، فكانوا لا يظنون أن ذلك يكون ولا يحتسبون ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ قالوا يعني بقتل سيدهم كعب بن الأشرف.

قوله تعالى: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ذكر المفسرون في تخريبهم منازلهم ثلاثة أسباب: أحدها: لما أيقنوا بالجلاء وحسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج، وهذا قول عكرمة، وقتادة (١١) وقال مقاتل (١٢) (١٣) ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أنهم عَرضوا لذلك.

وهذا قول مقاتل عن ابن عباس.

قال: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع لهم للقتال، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله -  - (١٤) وقال محمد بن إسحاق: ذلك هدمهم عن نحف (١٥) (١٦) (١٧) وقراءة العامة ﴿ يُخْرِبُونَ ﴾ من الإخراب، وقرأ أبو عمرو مشددًا من التخريب (١٨) (١٩) (٢٠) وأخربت من أرض قومي ديارًا (٢١) وقال الفراء: (يخرِّبون) بالتشديد، يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها، ألا ترى أنهم كانوا ينقبون الدار فيعطلونها، فهذا معنى يخربون (٢٢) قوله تعالى: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ قال ابن عباس: يريد يا أهل اللب والعقل والبصائر (٢٣) (٢٤) قال الفراء: ويقال يا أولي الأبصار: يا من عاين ذلك بعينه (٢٥) ومعنى الاعتبار: النظر في أوائل الأمور وأواخرها وتدبرها ليعرف بالنظر فيها شيئًا آخر من جنسها (٢٦) (٢٧) (١) في (ك): (الأزهري).

وانظر: "صحيح البخاري"، كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير 5/ 112، و"فتح الباري" 7/ 330 - 332، و"أسباب النزول" للواحدي ص 479، و"البداية والنهاية" 3/ 74.

(٢) انظر: "تاريخ الأمم والملوك" 2/ 83، و"البداية والنهاية" 4/ 74، و"جامع البيان" 28/ 19 عن قتادة.

وقال ابن حجر عن قول الزهري السابق: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه -  - أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، فالله اعلم.

"فتح الباري" 7/ 33.

(٣) هذا القول عن الزهري أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، والحاكم، وأخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن عروة مرسلاً.

قال البيهقي: وهو المحفوظ.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 282، و"جامع البيان" 28/ 20، و"الدر" 6/ 187.

(٤) أخرجه البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن عكرمة، عن ابن عباس، انظر: "الكشف والبيان" 13/ 87 أ، وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 332.

(٥) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 87 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 314، و"زاد المسير" 8/ 205.

(٦) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 282، و"الكشف والبيان" 13/ 87 أ، و"زاد المسير" 8/ 204، و"التفسير الكبير" 29/ 279، ولم أجده عن غير قتادة.

(٧) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 279.

ومراد قتادة رحمه الله بالنار التي تحشر الناس ما أخرجه مسلم في كتاب الفتن، من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري وفيه (..

وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم)، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة (...

وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا).

انظر: "صحيح البخاري" كتاب: الرقاق، باب: الحشر.

انظر: "صحيح مسلم"، كتاب: الجنة، باب: (59)، وعند الحاكم، عن عبد الله بن عمرو رفعه: "تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم وتخلّف، تسوقهم سوق الجمل الكبير".

قال ابن حجر: وقد أشكل الجمع بين هذه الأخبار.

وظهر لي في وجه الجمع أن كونها تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها.

والمراد بقوله: "تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق ..

وأما جعل الغاية إلى المغرب فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق مغرب.

"فتح الباري" 11/ 378 - 379 وهذه الأقوال ذكرها الآلوسي، ثم ضعف ما روي عن عكرمة، وضعف ما روي عن قتادة أيضًا، واختار أن يكون المراد بأول الحشر أن أول حشرهم إلى الشام، أو على أنهم أول محشورين من أهل الكتاب من جزية العرب إلى الشام.

"روح المعاني" 28/ 39.

(٨) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 279.

(٩) قال أبو عبيد: الحلقة: اسم يجمع السلاح والدروع وما أشبهها.

انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 64، و"اللسان" 1/ 701 (حلق) ونسبه لابن سيده.

(١٠) لم أجده عن ابن عباس، ولا عن غيره.

(١١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، و"جامع البيان" 28/ 20 عن قتادة.

(١٢) في (ك): (قتادة).

(١٣) ولعلها (وردموا).

(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 147 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 87 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 315، و"التفسير الكبير" 29/ 28.

(١٥) النجف: هو العتبة، وهو الذي يستقبل الباب من أعلى العتبة.

انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 114، و"اللسان" 3/ 588 (نجف).

(١٦) انظر: "جامع البيان" 28/ 21، و"البداية والنهاية" 4/ 8.

(١٧) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 282، و"جامع البيان" 28/ 21، و"معالم التنزيل" 4/ 315.

(١٨) قرأ الجمهور (يُخْربون) بالتخفيف.

وقرأ أبو عمرو (يُخَرِّبون) بالتشديد، ووافقه من غير العشرة الحسن، واليزيدي.

انظر: "النشر" 2/ 386، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 413.

(١٩) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 283، و"حجة القراءات" ص 705، و"الكشف والبيان" 13/ 87 ب.

(٢٠) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 28.

(٢١) "ديوان الأعشى" ص 84، و"الخزانة" 5/ 72، وصدره: أقللْتَ قوْمًا وأعمرتهم (٢٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 143.

(٢٣) انظر: "التفسير الكبير" 29، 282.

(٢٤) "تفسير مقاتل" 147 أ.

(٢٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 143.

(٢٦) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 282.

(٢٧) انظر: "مفردات الراغب" ص 320، و"اللسان" 2/ 668 (عبر).

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ ﴾ معنى الجلاء في اللغة: الخروج من الوطن والتحول منه، يقال منه: جلا القوم عن منازلهم.

وتقول: أجليناهم عن بلادهم فجلوا (١) وأجلوا عن مساكن فارقوها ...

كما جلت الفراخ من العشاش (٢) يقول: لولا أن الله قضى عليهم أنهم يخرجون عن أوطانهم بالمدينة إلى الشام وخيبر.

قوله تعالى: ﴿ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ﴾ بالقتل والسبي، ولسلطكم عليهم كما فعل بقريظة (٣) ﴿ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ﴾ مع ما أحل بهم في الدنيا، وهذا معنى قول عامة المفسرين (٤) (١) انظر: "مجاز القرآن" 2/ 256، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 373، و"تهذيب اللغة" 1/ 488، و"اللسان" 1/ 488 (جلل).

(٢) انظر: "الخزانة" 9/ 271.

(٣) وهي الغزوة التي حكم فيها سعد بن معاذ بأن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم، وأن تقسم أموالهم، وكانت بعد غزوة الأحزاب، وذلك لنقضهم العهد الذي بينهم وبين محمد -  -، انظر: "تاريخ الطبري" 2/ 93 - 98.

(٤) انظر: "جامع البيان" 28/ 22، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 332.

<div class="verse-tafsir"

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٤

<div class="verse-tafsir"

مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٥

قوله تعالى: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ﴾ قال أبو عبيدة: اللينة: النخلة، ما لم تكن عجوة أو برنية، وأنشد لذي الرمة: كأن قُتودي فوقَها عُشُّ طائر ...

علي لينةٍ فرواء تهفو جنوبها (١) (٢) قال المبرد: أصل الياء في لينة الواو، بمنزلة ريح، فإذا قلت ألوان رجعت الواو لذهاب الكسرة كما تقول ريح وأرواح (٣) طراق الخوافي واقع فوق لينة ...

ندى ليله في ريشة يترفرف (٤) ويجمع اللينة أيضًا ليان، قال امرؤ القيس يصف عنق فرس: وسالفه كسحون الليان ...

أضرم فيه الغوىَّ السعر (٥) ونحو هذا قال المفسرون في تفسير اللينة، الزهري، وقتادة، وجماعة قالوا: هي النخل ليس بالعجوة (٦) (٧) وقال المقاتلان: هي ضرب من النخل ثمره أجود الثمر يرى نواه من ظاهره، النخلة منها أحب إليهم من وصيف (٨) قال المفسرون: لما حصر رسول الله -  - بني النضير وتحصنوا بحصونهم، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فشق ذلك على اليهود، وجزعوا، وأكثروا القول، وقالوا: أين وجدت فيما أنزل عليك الفساد في الأرض وأخذ المسلمون من ذلك دمامة (٩) (١٠) وروي عن ابن عباس قال: أمروا بقطع النخل فحك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا ولنسألن رسول الله -  - هل لنا فيما قطعناه من أجر؟

وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل الله هذه الآية (١١) قال أبو إسحاق: فأعلم الله أن ذلك بإذنه، وإليه القطع والترك جميعًا (١٢) وقال قتادة: نزلت الآية لاختلاف كان بين المسلمين في قطعها وتركها.

قال مجاهد: نهى بعض المسلمين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين فنزل القرآن بتصديق من نهى، وتحليل من قطع (١٣) قوله: ﴿ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴾ يعني اليهود، قال مقاتل: كان قطع النخل ذلاً لهم وهوانًا (١٤) وقال ابن حيان: كان ذلك خزيًا لبني النضير (١٥) وقال الزجاج ﴿ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴾ أن يريهم بأموالهم يتحكم فيها المؤمنون كيف أحبوا (١٦) ﴿ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ (١٧) (١) والبيت في "الديوان" 2/ 699، و"تهذيب اللغة" 4/ 121، ورواية الديوان: على== لينة سوقاء تهفو جنوبها والقتودي عيدان الرحل: أي أن الناقة طويلة يصغر الرحل عليها، وسوقاء: طويلة الساق، وتهفو: تضطرب.

(٢) وهذا القول قول الزجاج.

انظر:"معاني القرآن" للزجاج 5/ 144، و"تهذيب اللغة" 15/ 470، و"اللسان" 3/ 424 (لين).

وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 256.

(٣) "التفسير الكبير" 29/ 282.

(٤) "ديوان ذي الرمة" ص 79، و"الكتاب" 7/ 112، و"الخزانة" 4/ 21.

(٥) انظر: "الديوان" ص 315.

(٦) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، و"جامع البيان" 28/ 22، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 391، و"فتح الباري" 8/ 629، وهو قول سعيد بن جبير، ويزيد بن رومان، وعكرمة، وابن عباس.

(٧) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 663، و"جامع البيان" 28/ 22، و"الكشف والبيان" 13/ 88 ب قال النحاس: وهذه الأقوال صحيحة، لأن الأصمعي حكى مثل القول الأول فيكون لجميع النخل، ويكون ما قطعوا منها مخصوصًا فتتفق الأقوال.

"إعراب القرآن" 3/ 392.

(٨) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 88 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 316، و"زاد المسير" 8/ 208.

(٩) أي: غضب مما فعلوا.

"اللسان" 1/ 1015 (دمم).

(١٠) انظر: "جامع البيان" 28/ 23، و"أسباب النزول" للواحدي ص 481، و"معالم التنزيل" 4/ 315.

(١١) أخرجه الترمذي (3303) كتاب: التفسير: تفسير سورة الحشر، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والنسائي 6/ 483 كتاب: التفسير، و"الدر" 6/ 187.

(١٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 145.

(١٣) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 663، و"جامع البيان" 28/ 23.

(١٤) "تفسير مقاتل" 147 ب.

(١٥) لم أجده، في الأصل (يريهم).

(١٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 145.

(١٧) انظر: "زاد المسير" 8/ 208.

<div class="verse-tafsir"

وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍۢ وَلَا رِكَابٍۢ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٦

قوله: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ قال المبرد: يقال فاء يفيء إذا رجع، وأفاءه الله إذا رده (١) وقال الأزهري: الفيء ما رد الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال، إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، وإما أن يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم (٢)  - على أن لكل ثلاثة منهم ما وسق (٣) فهذا المال هو الفيء، وهذا مما أفاء الله على المسلمين، أي: رده ورجعه من الكفار على المسلمين.

وقوله: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ أي من يهود بني النضير.

قوله: ﴿ فَمَا أَوْجَفْتُمْ ﴾ يقال وجف الفرس والبعير يجف وجفًا ووجيفًا ووجفانًا (٤) ناج طواه الأين مما وجفا (٥) وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع، وهما مثال الإيضاع (٦) وقوله: ﴿ عَلَيْهِ ﴾ أي على ما أفاء الله.

قوله: ﴿ وَلَا رِكَابٍ ﴾ الركاب الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها في لفظها (٧) قال الفراء: الركاب الإبل التي تحمل القوم، وهي ركاب القوم إذا حملت وأريد العمل عليها، وهو اسم جماعة لا يفرد (٨) قال المفسرون: إن بني النضير لما جلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم طلب المسلمون من رسول الله أن يخمسها كما فعل بغنائم بدر، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها (٩)  - كان راكب جمل (١٠) (١١) (١٢) فإن قيل: أموال النضير أخذت بعد القتال، لأنهم حوصروا أيامًا وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء، قيل: إن الله تعالى خص نبيه بفيء بني النضير وجعل أموالهم له فيئًا فهو مخصوص بهذا (١٣) قال صاحب النظم: قوله: ﴿ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ﴾ ليس بعلة لصرف الفيئ عنهم، وإنما هو تعزية لهم عما صرف عنهم لئلا يأسفوا عليه بما أعلمهم أنهم لم ينفقوا فيه شيئًا، ولا لزمهم نصب ولا تعب كما يكون في الوقائع.

ثم وكد ذلك بقول ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ﴾ فكان في ذلك زيادة شرح لإحراز جميع الفيئ لرسوله دون أصحابه (١٤) قال المفسرون: فجعل الله أموال بني النضير لرسوله -  - خاصة يفعل فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله -  - بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 284.

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 578 (فاء).

(٣) الأصل في الوسق: الحمل، وكل شيء وسقته فقد حملته.

"اللسان" 3/ 926 (وسق).

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 213.

(٥) انظر: "ملحقات ديوان العجاج" ص 84، و"الكتاب مع شواهده" للأعلم 1/ 180، و"تهذيب اللغة" 4/ 78.

(٦) انظر: "اللسان" 3/ 882، و"تفسير غريب القرآن" ص 460.

(٧) "اللسان" 1/ 1213 (ركب).

(٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 144، و"تهذيب اللغة" 10/ 219 (ركب)، ونسبه لليث.

(٩) انظر: "جامع البيان" 28/ 24، و"الكشف والبيان" 12/ 89 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 316، و"زاد المسير" 8/ 209 (١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 147 ب، و"جامع البيان" 28/ 24.

(١١) في (ك): (وكان).

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 149 (غنم)، 15/ 578 (فاء)، و"المغني" 9/ 283.

(١٣) قال السهيلي: ولم يختلفوا في أن أموال بني النضير كانت خاصة برسول الله -  - وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب، وأنه لم يقع بينهم قتال أصلاً.

"فتح الباري" 7/ 33.

قلت: وتخصيص الرسول -  - بأموال بني النضير هو الثابت عن عمر ابن الخطاب؟

وعمن حضر مجلسه من كبار الصحابة رضوان الله عليهم.

انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير 5/ 113، و"فتح الباري" 4/ 337 - 335، و"صحيح مسلم بشرح النووي" 12/ 71، والحديث مخرج في الكتب الستة، وغيرها.

(١٤) لم أقف عليه.

(١٥) أبو دجانة سماك بن أوس، بن خرشة الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا، وأحدًا، واليمامة وقتل بها.

وهو قاتل مسيلمة الكذاب مع وحشي بن حرب  ما.

انظر: "المعارف" ص 271، و"البداية والنهاية" 6/ 337.

(١٦) سهل بن حنيف الأوسي، حضر المشاهد كلها مع رسول الله -  - وشهد مع علي بن أبي طالب مشاهده كلها غير الجمل، فإنه كان قد استخلفه على المدينة، توفي سنة (38 هـ) بالكوفة، وصلى عليه علي  ما.

انظر: "المعارف" ص 291، و"البداية والنهاية" 7/ 318.

(١٧) الحارث بن الصمة، أبو سعد: آخى رسول الله -  - بينه وبين صهيب بن سنان، شهد أحدًا وثبت مع الرسول -  - وشهد يوم بئر معونه، وقتل يومئذ شهيدًا في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة.

انظر: "طبقات ابن سعد" 3/ 508.

(١٨) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 89 ب، ذكره بغير سند، و"معالم التنزيل" 4/ 316، و"زاد المسير" 8/ 209.

وهو المنقول عن السهيلي، واقتصر ابن إسحاق، وابن هشام، وابن سيد الناس، == وغيرهم على ذكر أبي دجانة، وسهيل بن حنيف.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، عن الزهري، وأهمل اسم الرجلين، و"تاريخ الأمم والملوك" 2/ 81، 85، و"البداية والنهاية" 4/ 76، و"روح المعاني" 28/ 45.

ومن هذا ما رواه الحاكم في الإكليل، من حديث أم العلاء، قالت: قال النبي -  - للأنصار لما فتح النضير: "إن أحببتم قسمت بينكم ما أفاء الله علي، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم وإن أحببتم أعيكتهم وفرجوا عنكم"، فاختاروا الثاني.

"فتح الباري" 7/ 333.

<div class="verse-tafsir"

مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةًۢ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٧

ثم ذكر حكم الفيء فقال: ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾ أي من أموال كفار أهل القرى كما رد عليه وأفاء من أموال بني النضير وقريظة (١) (٢) ﴿ لِلَّهِ ﴾ .

أي: أن الحكم فيها لله، له أن يأمركم فيه بما أحب ﴿ وَلِرَسُولِهِ ﴾ بتمليك الله إياه.

﴿ وَلِذِي الْقُرْبَى ﴾ يعني بني هاشم، وبني المطلب لأنهم قد منعوا الصدقة فجعل لهم حق في الفي.

﴿ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ قال العلماء من أصحابنا في بيان حكم هذه الآية: كان الفيء في زمان رسول الله مقسومًا على خمسة أسهم، أربعة منها لرسول الله -  - خاصة، وكان الخمس الباقي يقسم على خمسة أسهم: سهم منها لرسول الله أيضًا (٣)  - قولان: أحدهما: أنه للمجاهدين المرصدين (٤) القول الثاني: أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور، وحفر الأنهار، وبناء القناطر يبدأ بالأهم فالأهم، هذا في الأربعة الأخماس التي كانت لرسول الله -  -، وأما السهم الذي كان له في خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف (٥) قوله تعالى: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾ أي ما أفاء الله لهؤلاء الذين ذكرهم كي لا يكون دولة، وهي اسم الشيء يتداوله القوم بينهم يكون لذا مرة ولذا مرة.

والدَّوْلة بالفتح: انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم، والدُّولى بالضم: اسم لما يتداول، وبالفتح مصدر من هذا، وسشعمل في الحالة السارة التي تنوب الإنسان فيقول: هذه دولة فلان، أي: قد أديل بالدولة، فالدَّولةَ اسم لما يتداول من المال، فالدُّولة: اسم لما ينتقل من الحال، هذا كلام المبرد، وهو معنى جميع أهل اللغة (٦) قال الفراء: المعنى: كيلا يكون الفيء دولة بين الرؤساء منكم يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية (٧) (٨) ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ (٩) قال ابن عباس: يقول ما أعطاكم الرسول من الفيء فخذوه فهو لكم حلال، وما نهاكم عنه فانتهوا (١٠) ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في أمر الفيء ﴿ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ على ما نهاكم عنه الرسول، وهذا نازل في أمر الفيء فهو عام في كل ما أمر به، ونهى عنه رسول الله -  -.

وكثر من الصحابة احتجوا على أن أوامر النبي -  - وزواجره كلها من القرآن (١١)  - فإنما يفعله بأمر الله، وهو أمرنا بذلك أمرًا مطلقًا، وكذلك فيما ينهى عنه بأمره (١٢) قال مقاتل: ثم ذكر أن الفيء للفقراء المهاجرين (١٣) (١) قريظة: حي من اليهود، كانوا يسكنون المدينة، وكان بينهم وبين رسول الله -  - عهد فنقضوه، وحاصرهم -  - خمساً وعشرين ليلة ثم نزلوا على حكمه.

"سيرة ابن هشام" 3/ 247.

(٢) خيبر: الموضع المذكور في غزاة النبي -  - بينها وبين المدينة المنورة ثمانية برد على طريق الشام، ويطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير.

انظر: "معجم البلدان" 2/ 409.

(٣) (أيضًا) ساقطة من (ك).

(٤) في (ك): (المترصدين).

(٥) انظر: "المغني" 9/ 299 وقد احتج الجمهور بقول عمر بن الخطاب  في الحديث الصحيح: " ...

فكانت هذه خالصة لرسول الله -  - ثم والله ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم ...

" الحديث.

ولم يوجبوا الخمس في الفيء، بل قالوا: مصرف الفيء كله إلى رسول الله -  -.

وقال ابن المنذر: "لا نعلم أحدًا قبل الشافعي قال بالخمس في الفيء، وقد تأول -رحمه الله- قول عمر المذكور بأنه يريد الأخماس الأربعة.

انظر: "مسلم بشرح النووي" 12/ 69، و"فتح الباري" 6/ 208.

(٦) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 706، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 146، و"تهذيب اللغة" 14/ 175 (دوبل)، و"اللسان" 1/ 1034 (دول)، و"التفسير الكبير" 29/ 285.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 3/ 145.

(٨) "تفسير مقاتل" 148 أ.

(٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 145.

(١٠) انظر: "تنوير المقياس" 6/ 32، و"الكشف والبيان" 13/ 93 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 318، ولم ينسبوه لقائل.

(١١) في (ك): (القرآن كلها).

(١٢) وممن قال بذلك ابن مسعود، وابن عباس، وعمر بن الخطاب، وأبو هريرة، والشافعي.

انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: وما آتاكم الرسول فخذوه، 6/ 184، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 396، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 336، و"روح المعاني" 28/ 50.

وقال الشوكاني: والحق أن هذه الآية عامة في كل شيء يأتي به رسول الله -  - من أمر أو نهي أو ترك أو فعل، وإن كان السبب خاصًا، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شيء أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصلنا إليه ...

وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها.

"فتح القدير" 5/ 278.

(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 148 أ.

<div class="verse-tafsir"

لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ ٨

قال أبو إسحاق: بين المساكين الذين لهم الحق بقوله: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ (١) ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ بدل من قوله للمساكين في الآية الأولى، وأنه عني بالمساكين هؤلاء ﴿ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ﴾ ، يعني أن كفار مكة أحوجوهم (٢) قوله تعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ﴾ قال مقاتل: يعني رزقًا في الجنة ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾ رضا ربهم (٣) قال ابن عباس: ابتغوا فضل الله واختاروا رضوان الله على الدور والأموال فقبل الله ذلك منهم، وشكر سعيهم وسماهم الصادقين في قوله: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ (٤) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 145.

(٢) (ك): (أحوجهم).

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 148 أ.

(٤) لم أجده.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةًۭ مِّمَّآ أُوتُوا۟ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌۭ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ٩

قال مقاتل: ثم ذكر الأنصار وأثنى عليهم حين طابت أنفسهم عن الفيء إذ جعله للمهاجرين دونهم فقال: قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ يعني المدينة، وهي دار الهجرة تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، وتقدير الآية: والذين تبوؤا الدار من قبلهم والإيمان، لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، وهذا قول مقاتل (١) وقال أبو علي الفارسي: ومعنى الآية: تبوأوا الدار واعتقدوا الإيمان، لأن الإيمان ليس بمكان فيتبوأ فيكون كقوله: ﴿ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ  ﴾ على معنى: وأعدوا شركاءكم، ويجوز أن يكون تبوأوا الإيمان على طريق المثل كما تقول: تبوأ من بني فلان الصميم، وعلى ذلك قول الشاعر: وبُؤّئت في صميم معشرها ...

فتم في قومها مبوؤها (٢) قال: كل هذه الوجوه ممكن (٣) قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ﴾ قال المفسرون: حسدًا وحزازة وغيظًا مما أوتي المهاجرون دونهم (٤) قوله تعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾ يقال: آثرتك إيثارًا، أي: فضلتك، وآثره بكذا إذا خصه به وفضله من بين الناس (٥) (٦) وقال الكلبي، عن ابن عباس: هو أن النبي -  - قال للأنصار: "إن شئتم قسمتم لهم من دوركم وأموالكم، وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم".

فقالوا: لا.

بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ولا نشاركهم في القسم، فأنزل الله ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ (٧) ينظرن من خصاص ...

بأعين شواصى (٨) وذكر المفسرون أنواعًا من إيثار الأنصار للضيف بالطعام وتعللهم عه حتى شبع الضيف، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار (٩) ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾ ما رووه من أنواع الإيثار (١٠) قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ ذكرنا تفسير الشح في قوله: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ (١١) (١٢) وقال مقاتل: حرص نفسه (١٣) (١٤) قال المفسرون: يعني أن الأنصار ممن وقي شح نفسه حين طابت أنفسهم عن الفيء (١٥) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 148 أ.

(٢) البيت لابن هرمة.

انظر: "اللسان" 1/ 284 (بوأ) ولم ينسبه لقائل، و"مجاز القرآن" 1/ 218، و"شواهد المعنى" ص 279.

(٣) انظر: "البحر المحيط" 8/ 247.

(٤) انظر: "جامع البيان" 28/ 28، و"الكشف والبيان" 13/ 94 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 319، و"زاد المسير" 8/ 212.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة"، 15/ 122 (أثر)، و"اللسان" 1/ 20 (أثر).

(٦) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 94 أ، و"معالم التزيل" 4/ 319.

(٧) ذكره الثعلبي بغير سند.

انظر: "الكشف والبيان" 13/ 95 ب، و"معالم التزيل" 4/ 420، و"التفسير الكبير" 29/ 287، ورواه الواقدي عن معمر، عن الزهري، عن خارجة بن زيج، عن أم العلاء قالت: وذكر نحوه.

"تخريجات الكشاف" ص 16، 167.

(٨) انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 551 (خصص)، و"اللسان" 841/ 1 (خصصه).

والرجز لحضرمي بن عامر، وكان له تسعة إخوة فماتوا وورثهم.

انظر: "اللسان" 2/ 313 (مشصا)، و"تهذيب اللغة" 8/ 367 (قرص) ولم ينسبه لقائل.

(٩) انظر: "جامع البيان" 28/ 29، و"الكشف والبيان" 13/ 94 أ، ب، و"أسباب النزول" للواحدي ص 483.

(١٠) وهكذا فسر مقاتل هذه الآية بإيثار الأنصار للمهاجرين بالفيء، ولعل الصواب في هذا أن الآية نزلت في رجل من الأنصار وامرأته حين ضيفا ضيف رسول الله -  -، ولا يمنع من تضمن الآية لإيثارهم المهاجرين بالفيء وغيره، والله أعلم.

انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: التفسير، باب: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، و"فتح الباري" 8/ 631.

(١١) عند تفسيره الآية (128) من سورة النبأ.

والشح: بخل مع الحرص، وذلك فيما كان عادة.

"اللسان" 2/ 276 (شح)، و"مفردات الراغب" ص 256 (شح).

(١٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 320، و"الدر المنثور" 6/ 196، ونسب تخريجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.

(١٣) "تفسير مقاتل": 148 أ.

(١٤) انظر: "جامع البيان" 28/ 30، و"الكشف والبيان" 13/ 96 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 42.

(١٥) وهو المذكور في سبب النزول، عن ابن عباس، وتقدم.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّۭا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ ١٠

قوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ أي أتوا المدينة بعد الأنصار، فإنهم نزلوها بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل وألف بين قلوبنا ولا تجعل فيها غمرًا (١) (٢) ﴿ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ﴾ والأنصار لم يسبقوا المهاجرين بالإيمان (٣) ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ﴾ وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا ﴾ عطف على قوله: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ (٤) (٥) ﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾ حتى بلغ ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ فقرأها ثم قرأ ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ ثم قال: استوعبت هذه الآية المسلمين عامة، فليس أحد إلا له فيها حق (٦) وروى عن مالك بن أنس أنه قال: من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله -  -، أو كان في قلبه عليه غل فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا هذه الآيات.

قال: وهذا نص في الكتاب بين (٧) وقال المقاتلان: قوله: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ﴾ ابتدأ كلام في الثناء على الأنصار ثم حين طالت أنفسهم عن الفيء جعل للمهاجرين دونهم، وعلى قولهما: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُو ﴾ ابتداء، وخبره ﴿ يُحِبُّونَ ﴾ وكذلك ما بعده (٨) ثم أنزل فيما دس المنافقون إلى اليهود أنا معكم في النصر والخروج.

(١) الغِمْرُ والغَمَرُ: الحقد والغل، والجمع غُمور.

وقد غَمِرَ صدرهُ عليّ بالكسر يَغْمُر غِمْرًا وغَمَرًا.

"اللسان" 2/ 1015 (غمر).

(٢) "معاني القرآن" للفراء 3/ 145، و"جامع البيان" 28/ 31، ذكراه دون نسبة لقائل.

(٣) قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال في آية براءة ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ .

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 339.

(٤) قال النحاس: وعلى هذا كلام أهل التفسير والفقهاء، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 399.

(٥) مالك بن أوس بن الحدثان.

قديم أدرك الجاهلية، ولكنه تأخر إسلامه، رأى أبا بكر، وروى عن عمر وعثمان.

مات بالمدينة سنة (72 هـ).

انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 56، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 170، و"المعارف" ص 427، و"التقريب" 2/ 223.

(٦) مسلم في كتاب: الجهاد، باب: حكم الفيء، الترمذي رقم (1609) والنسائي 7/ 136 في قسم الفيء "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، وانظر: "موسوعة فقه عمر بن الخطاب" لمحمد رواس قلعه جي ص 532 - 533.

(٧) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 399، و"الكشف والبيان" 13/ 98 ب، 98 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 321، و"زاد المسير" 8/ 216.

(٨) انظر: "البحر المحيط" 8/ 247.

<div class="verse-tafsir"

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ يَقُولُونَ لِإِخْوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًۭا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ ١١

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ (١) (٢) ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ ﴾ أي من المدينة ﴿ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ ﴾ أي في خذلانكم وإسلامكم ﴿ أَحَدًا أَبَدًا ﴾ ووعدوهم (٣) (٤) ﴿ وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ ﴾ ثم كذبهم الله تعالى في ذلك فقال ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

ثم ذكر أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر.

(١) أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قد أسلم ناس من أهل قريظة والنضير، وكان فيهم منافقون، وكانوا يقولون لأهل النضير: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، فنزلت فيهم هذه الآية ...

"الدر" 6/ 199.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 148 ب، و"التفسير الكبير" 29/ 288.

(٣) (ك): (ووعدهم).

(٤) (ك): (بقوله).

<div class="verse-tafsir"

لَئِنْ أُخْرِجُوا۟ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا۟ لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلْأَدْبَـٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢

قوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُوا ﴾ الآية، علم الله تعالى ما هو كائن، وما كان، وما ليس بكائن، إذا كان كيف يكون عز ربنا وجل - وقال أبو إسحاق: وقد بَانَ صدق ما قاله الله في أمر بني النضير الذين عاقدهم المنافقون وقوتلوا فلم ينصروهم.

فأظهر الله عز وجل كذبهم (١) قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ ﴾ بعد قوله: ﴿ لَا يَنْصُرُونَهُمْ ﴾ معناه: وإن قدر وجود نصرهم، لأن ما نفاه الله تعالى لا يجوز وجوده، ولكن يجوز أن يقال لو قدر وجوده.

قال الزجاج: معناه أنهم لو تعاطوا نصرهم، يعني أن المنافقين إن قصدوا نصر اليهود لولوا الأدبار منهزمين (٢)  - وأصحابه، ﴿ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ يعني بني النضير لا يصيرون منصورين على محمد وأصحابه إذا انهزم ناصرهم الذين راموا نصرهم.

وقوله: ﴿ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ ﴾ بعد قوله: ﴿ لَا يَنْصُرُونَهُمْ ﴾ كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ﴾ (٣) (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 147.

(٢) انظر: المرجع السابق 5/ 147.

(٣) عند تفسيره الآية رقم (32) من سورة الأنفال.

<div class="verse-tafsir"

لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةًۭ فِى صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ ١٣

ثم ذكر أن المنافقين خوفهم من المؤمنين أشد من خوفهم من الله فقال ﴿ لَأَنْتُمْ ﴾ أيها المؤمنون ﴿ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد هم منكم من أجل أنهم قوم لا يفقهون عظمة الله (١) (٢) (١) لم أجد هذا الأثر.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 146.

<div class="verse-tafsir"

لَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرًۭى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍۭ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌۭ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًۭا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ ١٤

ثم أخبر عن اليهود فقال ﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ ﴾ قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أنهم إذا اجتمعوا على قتال المؤمنين لم يبرزوا لحربهم، إنما يقاتلون متحصنين بالقرى والجدران (١) قوله: ﴿ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ﴾ أي لا يصحرون (٢) وقراءة العامة ﴿ جُدُرٍ ﴾ على الجمع إذ ليس المعنى أنهم يقاتلونكم من وراء حجاب واحد، ولكن من وراء جدر، ولا يقاتلونكم إلا في قرى محصنة، وكما أن القرى جماعة كذلك الجدر ينبغي أن تكون جمعًا، ومن قرأ (جدار) (٣) (٤) قوله تعالى: ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ قال ابن عباس: بعضهم فظ (٥) (٦) وقال مجاهد ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ قال: بالوعيد، يقولون لنفعلن كذا وكذا (٧) قال أبو إسحاق: أي أنهم مختلفون لا تستوي قلوبهم ولا يتعاونون بنيات مجتمعة؛ لأن الله عز وجل ناصر حزبه، خاذل أعدائه (٨) (٩) وذهب المقاتلان، ومجاهد في رواية خصيف إلى أن هذا من صفة المنافقين واليهود، قالوا في قوله: ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ ﴾ يعني المنافقين واليهود (١٠) ﴿ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ ﴾ مختلفة.

ثم بين سبب ذلك الاختلاف فقال ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي ذلك التشتت ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ ما فيه الحظ لهم، ثم ضرب لليهود مثلاً: (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 148.

(٢) أصحر القوم إذا برزوا إلى فضاء لا يواريهم شيء.

انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 235، و"اللسان" 2/ 411 (صحر).

(٣) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو (جِدَار) بكسر الجيم وفتح الدال وألف بعدها على الأفراد.

وقرأ الباقون (جُدُر) بضم الجيم والدال من غير ألف على الجمع.

انظر: "حجة القراءات" ص 705، و"النشر" 2/ 386، و"الإتحاف" ص 413.

(٤) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 383 - 384.

(٥) الفظُّ: الخَشِنُ الكلام، وقيل: الفظ الغليظ، والفَظَظُ: خشونة في الكلام.

ورجل فَظُّ: ذو فظاظةٍ جافٍ غليظُ، في مَنطئِه غِلَظٌ وخشونةٌ.

"اللسان" 2/ 1111 (فظظ).

(٦) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 98 ب، و"التفسير الكبير" 29/ 290، و"غرائب القرآن" 29/ 44.

(٧) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 29.

(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 148.

(٩) انظر: "جامع البيان" 28/ 32، و"الكشف والبيان" 13/ 98 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 322.

(١٠) انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 665، و"تفسير مقاتل" 148 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 322.

<div class="verse-tafsir"

كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًۭا ۖ ذَاقُوا۟ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٥

قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ﴾ والمعنى: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، فحذف أحد المثلين، والمراد بالذين من قبلهم كفار مكة الذين قتلوا ببدر (١) (٢) ﴿ قَرِيبًا ﴾ ، والمعنى: تقدموا قريبًا، لأن قوله: ﴿ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ يدل على التقدم وعلى هذا تم الكلام (٣) ثم قال ﴿ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ ﴾ قال مقاتل: يعني جزاء ذنبهم، وهو القتل ببدر (٤) ﴿ وَبَالَ أَمْرِهِمْ ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يعني في الآخرة.

(١) قال مجاهد ومقاتل: وقال ابن عباس: هم بنو قينقاع، وقيل: مثل قريظة كمثل بني النضير.

انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 665، و"تفسير مقاتل" 145 أ، و"جامع البيان" 28/ 32، و"الكشف والبيان" 13/ 98 ب.

قال النحاس: اختلف أهل التأويل في الذين من قبلهم، هاهنا، فقال ابن عباس: هم بنو قينقاع، وقال مجاهد: هم أهل بدر، والصواب أن يقال في هذا: إن الآية عامة، وهؤلاء جميعًا ممن كان قبلهم.

"إعراب القرآن" 3/ 402.

(٢) وهو قول الزهري رحمه الله.

(٣) وبه قال الأخفش، انظر: "القطع والارتفاق" ص 718، و"المكتفى" ص 562.

(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 148 ب.

<div class="verse-tafsir"

كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦

ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلًا فقال قولى تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ ﴾ أي مثل المنافقين الذين غروا بني النضير بقولهم: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ﴾ الآية، ثم خذلوهم ولم يفوا لهم ما وعدوهم ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ ﴾ وهو عابد في بني إسرائيل كان يداوي من الجنون، فداوى امرأة فأعجبته فأغواه الشيطان حتى وقع بها، ثم قتلها، ثم صار آخر أمره أن كفر، فلما كفر تبرأ منه الشيطان (١) ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ الآية.

قوله تعالى: ﴿ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ ذكرنا تفسيره في سورة الأنفال في قوله: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ﴾ .

(١) أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، والحاكم، وصححه، عن علي بن أبي طالب، وابن عباس.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 285، و"جامع البيان" 28/ 33 ، و"المستدرك" 2/ 484، وقال هذا حديث صحح الإسناد، ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي، و"تفسير مقاتل" 148 ب، 149 أ.

وقال ابن كثير: وكذا روي عن ابن عباس، وطاووس ومقاتل بن حيان، نحو ذلك، واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا، فالله أعلم.

"تفسير القرآن العظيم" 4/ 341.

<div class="verse-tafsir"

فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ خَـٰلِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٧

ثم ذكر أنهما صارا إلى النار بقوله: ﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا ﴾ أي عاقبة الشيطان والإنسان حين صارا إلى النار.

قوله تعالى: ﴿ خَالِدَيْنِ فِيهَا ﴾ قال الفراء: نصبه على الحال (١) (٢) ثم رجع إلى موعظة المؤمنين فقال: (١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 146.

(٢) لم أجده.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌۭ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍۢ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٨

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد الأعمال التي فيها الثواب والعقاب، والمعنى: لينظر أحدكم أي شيء قدم لنفسه (١) (٢) قال ابن إسحاق ﴿ لِغَدٍ ﴾ أي ليوم القيامة، وقرب على الناس كأنه يأتي غدًا (٣) (٤) (١) (ك): (إيش الذي قدم نفسه).

(٢) انظر: "معالم التنزيل" 4/ 326، ولم ينسبه لقائل.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 149.

(٤) عند تفسيره الآية (12) من سورة يونس.

والغدْووُ: أصلُ الغّدِ، وهو اليومُ الذي يأتي بعد يومك فحُذفت لامه ولم يستعمل تامًّا إلا في الشعر، ..

وربما كُني به عن الزمن الأخير كقوله تعالى: ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ﴾ وقوله: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ .

انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 170، و"اللسان" 2/ 963 (غدا).

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ١٩

قوله: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ ﴾ قال ابن عباس والمقاتلان، وغيرهم: تركوا أمر الله وذكره ﴿ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ فأنساهم حظوظ أنفسهم حتى لم يعملوا لله بطاعته ولم يقدموا خيرًا، هذا معنى قول جماعة المفسرين (١) قال ابن عباس: يريد قريظة، والنضير، وبني قينقاع (٢) ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ .

(١) انظر: "تفسير مقاتل" 149 ب، و"جامع البيان" 28/ 35، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 404، و"معالم التنزيل" 4/ 326، و"التفسير الكبير" 29/ 291.

(٢) انظر: "زاد التفسير" 8/ 224.

<div class="verse-tafsir"

لَا يَسْتَوِىٓ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۚ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ٢٠

<div class="verse-tafsir"

لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍۢ لَّرَأَيْتَهُۥ خَـٰشِعًۭا مُّتَصَدِّعًۭا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ٢١

قوله تعالى: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ ﴾ الآية.

قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أن من شأن القرآن وعظمته وبيانه أنه لو جعل في الجبل تمييز كما جعل فيكم وأنزل عليه القرآن لخشع، أي: تطأطأ وخضع وتشقق من خشية الله، هذا كلامه (١) والمعنى أن الجبل على قساوته وصلابته يتشقق من خشية الله وحذرًا من أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن، والكافر مستخف بحقه معرض عما فيه من العبر والذكر كأن لم يسمعها، فهو غافل عما تضمنه القرآن من تمييز الحق من الباطل، والواجب مما لا يجب، والجائز مما لا يجوز، والأولى مما ليس بأولى بأحسن البيان وأوضح البرهان، ومن وقف على هذا أوجب ذلك له الخشوع والخشية.

قال مقاتل: يقول: فالذين هم أضعف من الجبل أولى أن يأخذوا القرآن بالخشية والمخافة (٢) ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ  ﴾ الآية.

وهذه الآية تمثيل، لأن الجبل لا يتصور منه الخشوع إلا أن يخلق الله له تمييزًا يدل على أنه تمثيل ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ قال مقاتل: ضرب الله ذلك مثلاً (٣) (٤) ثم أخبر بربوبيته وعظمته فقال: (١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 150.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 149 ب.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 149 ب.

(٤) وروى نحوه عن ابن عباس، وقتادة.

انظر: "جامع البيان" 28/ 35، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۖ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢

﴿ هُوَ اللَّهُ ﴾ وهو ظاهر التفسير ماض فيما سبق (١) ﴿ الْقُدُّوسُ ﴾ قال المفسرون: هو الطاهر من كل عيب، المنزه مما لا يليق به (٢) ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ  ﴾ وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ الْقُدُّوسُ ﴾ الذي منه البركات (٣) (٤) ﴿ السَّلَامُ ﴾ ذكروا فيه قولين: أحدهما: أنه الذي سلم من النقص والعيب (٥) والآخر: أنه الذي سلم خلقه من ظلمه (٦) وكلا القولين قد تقدم بيانه عند قوله: ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ ﴾ (٧) ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾ (٨) (١) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 6، 19، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص 57.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 102 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 326.

(٣) وفي "التفسير الكبير" 29/ 293، قال الحسن: إنه الذي كثرت بركاته.

(٤) انظر: "جامع البيان" 28/ 36، الكشف والبيان" 102 ب، ولفظه (المبارك).

(٥) انظر:"تفسير غريب القرآن" ص 6، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 101، و"معالم التنزيل" 4/ 326، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343، وهو المعتمد عنده، حيث قال: ﴿ السَّلَامُ ﴾ أي من جميع العيوب، والنقائض لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.

(٦) قاله قتادة، ومقاتل: انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، و"جامع البيان" 28/ 36، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 150، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 102.

(٧) عند تفسيره الآية (127) من سورة الأنعام.

(٨) عند تفسيره الآية (25) من سورة يونس.

<div class="verse-tafsir"

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٢٣

قوله تعالي: ﴿ الْمُؤْمِنُ ﴾ ذكره (١) (٢) والمؤمنِ العائذاتِ الطَّيرَ يَمْسَحُها ...

رُكْبانُ مكة بين الغيل والسَّند (٣) حلف بالله الذي آمن طير مكة فلا ينفر عن أن يمسحها الركبان، وهذا من الإيمان الذي هو ضد التخويف.

قال الكلبي: المؤمن الذي لا يخاف ظلمه (٤) وقال مقاتل: هو الذي يؤمن أولياءه (٥) القول الثاني: أن معنى المؤمن في صفته تعالى: المصدق (٦) (٧) قال ابن الأنباري: سمعت أحمد بن يحيى يقول: المؤمن عند العرب المصدق (٨) (٩)  - فيسئلون عن ذلك فيصدقون نبيهم والأنبياء الماضين، فيصدقهم الله تعالى عند ذلك (١٠) ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ معناه: يصدق الله ويصدق المؤمنين (١١) قوله تعالى: ﴿ الْمُهَيْمِنُ ﴾ قال ابن عباس: الشاهد الذي لا يغيب عنه شيء، وهو قول قتادة، ومجاهد، قالوا: معناه الشهيد على عباده بأعمالهم (١٢) (١٣) وذهب كثير من المفسرين وأهل المعاني على أن المهيمن مؤيمن على الأصل من أمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن (١٤) ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ  ﴾ قال ابن الأنباري: المهيمن القائم على خلقه برزقه وأنشد: ألا إن خير الناس بعد نبيه ...

مهيمنه التاليه في العرف والنكر قال معناه: القائم على الناس بعده (١٥) (١٦) قوله تعالى: ﴿ الْجَبَّارُ ﴾ له معان في صفة الله تعالى، قال ابن عباس: هو العظيم، وجبروت الله عظمته (١٧) وانعم صباحًا أيها الجبر (١٨) أراد: أيها الملك.

والعرب تسمي الجوزاء الجبار، تشبيهًا لها بالملك، لأنها في صورة رجل على كرسي وعليه تاج، ويجوز أن يكون الجبار في صفة الله تعالى من جبر إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير.

قال الأزهري: وهو لعمري جابر (١٩) قد جبر الدين الإله فجبر (٢٠) قال اللحياني: يقال جبرت اليتيم والفقير أجْبُرُه جَبْرًا وجُبُورًا، فَجَبَرَ يجْبُرُ جُبُورًا، وانْجَبَرَ، واجْتَبَرَ بمعنى واحد (٢١) ويجوز أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراد.

قال السدي: هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد (٢٢) (٢٣) (٢٤) وكان الشافعي -رحمه الله- يقول: جبره السلطان على كذا بغير ألف (٢٥) وجعل الفراء الجبار بهذا المعنى من أجبر، وهي اللغة المعروفة في الإكراه، فقال: لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين، وهما جبار من أجبر، ودراك من أدرك (٢٦) قال القرظي: إنما سمي الجبار، لأنه جبر الخلق على ما أراد.

والخلق أرق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلا بما أراد (٢٧) (٢٨) وقال ابن الأنباري: الجبار في صفة الله: الذي لا ينال، ومنه قيل للنخلة التي فاتت يد المتناول: جبارة (٢٩) هذا الذي ذكرنا معاني الجبار في صفة الله تعالى، وللجبار معان في صفة الخلق: أحدهما: المسلط كقوله: ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ  ﴾ .

والثاني: القوي العظيم الجسم، كقوله: ﴿ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا  ﴾ .

والثالث: التكبر على عبادة الله، كقوله: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا  ﴾ .

والرابع: القتال كقوله: ﴿ بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ ﴾ ، ذكر ذلك ابن الأنباري (٣٠) قوله: ﴿ الْمُتَكَبِّرُ ﴾ قال ابن عباس: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله (٣١) وقال مقاتل: المتعظم عن كل سوء (٣٢) (٣٣) وقال أبو إسحاق: الذي تكبر عن ظلم عباده (٣٤) قال ابن الأنباري: المتكبر ذو الكبرياء، والكبرياء عند العرب: الملك، ومنه قوله: ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ ﴾ (٣٥) وقال أهل المعاني: المتكبر في صفة الله تعالى معناه الكبرياء فإنه أجل من أن يتكلف كبرًا، والعرب تضع يفعل في موضع فعل، يقولون: تظلم بمعنى ظلم، ومنه قول الجعدي: وما يشعر الرُّمْحُ الأصم كُعوبُه ...

بثروة رهط الا ثلج المتظلمِ (٣٦) ويقولون لشتم الرجل إذا شتم، قال الشاعر: فقل لزهيرٍ إن شَتَمْتَ سَرَاتَنا ...

فلسنا بشَتَّامين للمُتَشَتِّم (٣٧) (١) في (ك): (ذكره).

(٢) وهو المروي عن ابن عباس، وابن جريج، وزيد بن علي.

انظر: "تنوير المقباس" 6/ 47، و"الكشف والبيان" 13/ 102 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343.

(٣) البيت للنابغة الذبياني.

انظر: "ديوانه" 25، و"الخزانة" 2/ 315، و"شرح المفصل" 3/ 11، ومعنى العائذات: التي عاذت بالحرم، والغيل، الشجر الملتف، ورواية "الديوان" (نسعد) بدل "السند"، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 165 - 166.

(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 150، ذكر نحوه ولم ينسبه.

(٥) انظر: "تفسير مقاتل": 150 أ.

(٦) (ك): (المتصدق).

(٧) ذكره المفسرون عن الضحاك، وابن زيد.

وانظر: "جامع البيان" 28/ 36، و"الكشف والبيان" 13/ 102 ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 343.

(٨) في (ك): (المتصدق).

وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس" 3/ 407، و"اللسان" 1/ 108 (أمن).

(٩) في (ك): (فيقول).

(١٠) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407، و"اللسان" 1/ 109 (أمن).

(١١) انظر: "اللسان" 1/ 109 (أمن).

(١٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 285، و"جامع البيان" 28/ 36، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407، و"الكشف والبيان" 13/ 103 أ.

(١٣) انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 334 (همن)، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407، و"زاد المسير" 8/ 226، و"روح المعاني" 6/ 152.

(١٤) انظر: تفسير "غريب القرآن " ص 11 - 12، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 150، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 407.

(١٥) انظر: "تهذيب اللغة" 6/ 334، و"اللسان" 3/ 833 (همن)، و"التفسير الكبير" 29/ 293.

(١٦) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 327.

(١٧) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، و"زاد المسير" 8/ 227، و"التفسير الكبير" 29/ 294.

(١٨) وصدره: أسْلَمْ براووُقٍ حُييتَ به والبيت لعمرو بن أحمر، وقد ورد منسوبًا في "الخصائص" 2/ 21، "المحتسب" 1/ 97، و"تهذيب اللغة" 11/ 59، و"اللسان" 1/ 395 (جبر).

(١٩) (ك): (على).

(٢٠) "ديوان العجاج" ص 15، وصدره: وعور الرحن من ولى العور و"الخصائص" 2/ 263، و"اللسان" 1/ 396 (جبر)، و"شرح الأشموني لألفية ابن مالك" 4/ 241.

(٢١) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 60 (جبر).

(٢٢) انظر: " الكشف والبيان" 12/ 103 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 293.

(٢٣) انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 327.

(٢٤) انظر: "اللسان" 1/ 396 (جبر).

(٢٥) انظر: " اللسان" 1/ 396، وقال ابن منظور.

وهو حجازي وفصيح.

(٢٦) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 293 - 294، و"البحر المحيط" 8/ 251.

(٢٧) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 103 أ، و"الدر" 6/ 202.

(٢٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 151.

(٢٩) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 58 (جبر)، و"اللسان" 1/ 395 (جبر)، و"التفسير الكبير" 29/ 294.

(٣٠) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 51، و"اللسان" 1/ 395 (جبر)، وقد نسباه للحياني.

(٣١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 294.

(٣٢) انظر: "تفسير مقاتل" 150 أ، ولفظه: (المتعظم على كل شيء).

(٣٣) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 285، و"جامع البيان" 28/ 37.

(٣٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 151.

(٣٥) من آية (78) من سورة يونس.

وانظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" (كبر) عن ابن الأنباري.

(٣٦) "ديوان النابغة" ص 144، و"كتاب سيبويه في شرح شواهده" للأعلم 1/ 237، و"الأغاني" 4/ 139، و"السبع الطوال" ص 347، و"شروح سقط الزند" صس 592، و"اللسان" (ظلم).

(٣٧) والبيت لمعبد بن علقمة.

انظر: "الحماسة" لأبي تمام 1/ 362.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله