الآية ٢ من سورة الحشر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ٢ من سورة الحشر

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لِأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا۟ ۖ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا۟ ۖ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُوا۟ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 196 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة الحشر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة الحشر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ) يعني : يهود بني النضير .

قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والزهري ، وغير واحد : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم عهدا وذمة ، على ألا يقاتلهم ولا يقاتلوه ، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه ، فأحل الله بهم بأسه الذي لا مرد له ، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يصد ، فأجلاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون ، وظنوا هم أنها مانعتهم من بأس الله ، فما أغنى عنهم من الله شيئا ، وجاءهم ما لم يكن ببالهم ، وسيرهم رسول الله وأجلاهم من المدينة فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذرعات من أعالي الشام وهي أرض المحشر والمنشر ، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر .

وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم ، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي يمكن أن تحمل معهم ; ولهذا قال : ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ) أي : تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله ، وكذب كتابه ، كيف يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا ، مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم .

قال أبو داود : حدثنا محمد بن داود ، وسفيان ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ، ومن كان معه يعبد معه الأوثان من الأوس ، والخزرج ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر : إنكم آويتم صاحبنا ، وإنا نقسم بالله لنقاتلنه ، أو لتخرجنه ، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا ، حتى نقتل مقاتلتكم ، ونستبيح نساءكم ، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان ، اجتمعوا لقتال النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لقيهم ، فقال : " لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريد أن تكيدوا به أنفسكم ، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم ؟

" ، فلما سمعوا ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - تفرقوا ، فبلغ ذلك كفار قريش ، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود : إنكم أهل الحلقة والحصون ، وإنكم لتقاتلن مع صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا ، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء - وهي الخلاخيل - فلما بلغ كتابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتمعت بنو النضير بالغدر ، فأرسلوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - : اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك ليخرج منا ثلاثون حبرا ، حتى نلتقي بمكان المنصف فيسمعوا منك ، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك ، فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكتائب فحصرهم ، قال لهم : " إنكم والله لا تأمنوا عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه " .

فأبوا أن يعطوه عهدا ، فقاتلهم يومهم ذلك ، ثم غدا الغد على بني قريظة بالكتائب ، وترك بني النضير ، ودعاهم إلى أن يعاهدوه ، فعاهدوه ، فانصرف عنهم .

وغدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم ، حتى نزلوا على الجلاء .

فجلت بنو النضير ، واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها ، وكان نخل بني النضير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ، أعطاه الله أياها وخصه بها ، فقال : ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) يقول : بغير قتال ، فأعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثرها للمهاجرين ، قسمها بينهم ، وقسم منها لرجلين من الأنصار وكانا ذوي حاجة ، ولم يقسم من الأنصار غيرهما ، وبقي منها صدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي في أيدي بني فاطمة .

ولنذكر ملخص غزوة بني النضير على وجه الاختصار ، وبالله المستعان .

وكان سبب ذلك فيما ذكره أصحاب المغازي والسير : أنه لما قتل أصحاب بئر معونة ، من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانوا سبعين ، وأفلت منهم عمرو بن أمية الضمري ، فلما كان في أثناء الطريق راجعا إلى المدينة قتل رجلين من بني عامر ، وكان معهما عهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمان لم يعلم به عمرو فلما رجع أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لقد قتلت رجلين ، لأدينهما " وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك الرجلين ، وكان منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها شرقيها .

قال محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه السيرة : ثم خرج رسول الله إلى بني النضير ، يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري ; للجوار الذي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقد لهما ، فيما حدثني يزيد بن رومان ، وكان بين بني النضير ، وبني عامر عقد وحلف .

فلما أتاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا : نعم ، يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت ، مما استعنت بنا عليه .

ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جنب جدار من بيوتهم - فمن رجل يعلو على هذا البيت ، فيلقي عليه صخرة ، فيريحنا منه ؟

فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم ، فقال : أنا لذلك ، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر من أصحابه ، فيهم أبو بكر ، وعمر ، وعلي رضي الله عنهم .

فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر من السماء بما أراد القوم ، فقام وخرج راجعا إلى المدينة فلما استلبث النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه ، فقال : رأيته داخلا المدينة .

فأقبل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى انتهوا إليه ، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم .

ثم سار حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقطع النخل والتحريق فيها .

فنادوه : أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخل وتحريقها ؟

وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج ، منهم عبد الله بن أبي بن سلول ، ووديعة ، ومالك بن أبي قوقل ، وسويد ، وداعس ، قد بعثوا إلى بني النضير : أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم ، إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم ، فتربصوا ذلك من نصرهم ، فلم يفعلوا ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم ويكف عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ، ففعل ، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه ، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به .

فخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام وخلوا الأموال إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانت لرسول الله خاصة يضعها حيث شاء ، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار .

إلا أن سهل بن حنيف ، وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا ، فأعطاهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال : ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان : يامين بن عمير بن كعب بن عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها .

قال : ابن إسحاق : قد حدثني بعض آل يامين : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ليامين : " ألم تر ما لقيت من ابن عمك ، وما هم به من شأني " .

فجعل يامين بن عمير لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله فيما يزعمون .

قال ابن إسحاق : ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها .

وهكذا روى يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، بنحو ما تقدم .

فقوله : ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ) يعني : بني النضير ( من ديارهم لأول الحشر ) .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان ، عن أبي سعد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : من شك في أن أرض المحشر ها هنا - يعني الشام فليتل هذه الآية : ( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ) قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " اخرجوا " .

قالوا : إلى أين ؟

قال : " إلى أرض المحشر " .

وحدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، عن عوف ، عن الحسن قال : لما أجلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني النضير قال : " هذا أول الحشر ، وأنا على الأثر " .

ورواه ابن جرير ، عن بندار عن ابن أبي عدي ، عن عوف عن الحسن به .

وقوله : ( ما ظننتم أن يخرجوا ) أي : في مدة حصاركم لهم وقصرها ، وكانت ستة أيام ، مع شدة حصونهم ومنعتها ; ولهذا قال : ( وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) أي : جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال ، كما قال في الآية الأخرى : ( قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) [ النحل : 26 ] .

وقوله : ( وقذف في قلوبهم الرعب ) أي : الخوف والهلع والجزع ، وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نصر بالرعب مسيرة شهر ، صلوات الله وسلامه عليه .

وقوله : ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) قد تقدم تفسير ابن إسحاق لذلك ، وهو نقض ما استحسنوه من سقوفهم وأبوابهم ، وتحملها على الإبل ، وكذا قال عروة بن الزبير ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغير واحد .

وقال مقاتل بن حيان : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقاتلهم ، فإذا ظهر على درب أو دار ، هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال .

وكان اليهود إذا علوا مكانا أو غلبوا على درب أو دار ، نقبوا من أدبارها ثم حصنوها ودربوها ، يقول الله تعالى : ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ (2) يعني تعالى ذكره بقوله: ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ ): الله الذي أخرج الذين جحدوا نبوّة محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من أهل الكتاب، وهم يهود بني النضير من ديارهم، وذلك خروجهم عن منازلهم ودورهم، .

حين صالحوا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على أن يؤمنهم على دمائهم ونسائهم وذراريهم، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من أموالهم، ويخلو له دورهم، وسائر أموالهم، فأجابهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى ذلك، فخرجوا من ديارهم، فمنهم من خرج إلى الشام، ومنهم من خرج إلى خيبر، فذلك قول الله عزّ وجلّ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ ) .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله عزّ وجلّ: ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ ) قال: النضير حتى قوله: وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ .

* ذكر ما بين ذلك كله فيهم: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ ) قيل: الشام، وهم بنو النضير حيّ من اليهود، فأجلاهم نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من المدينة إلى خيبر، مرجعه من أحد.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري ( مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ ) قال: هم بنو النضير قاتلهم النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من شيء إلا الحلقة، والحلقة: السلاح، كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله عزّ وجلّ قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك عذبهم في الدنيا بالقتل والسباء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ ) قال: هؤلاء النضير حين أجلاهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثنا ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، قال: نـزلت في بني النضير سورة الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم الله عزّ وجل به من نقمته، وما سلط عليهم به رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وما عمل به فيهم، فقال: ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ ) ...

الآيات.

وقوله: ( لأوَّلِ الْحَشْرِ ) يقول تعالى ذكره: لأوّل الجمع في الدنيا، وذلك حشرهم إلى أرض الشام.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، قوله: ( لأوَّلِ الْحَشْرِ ) قال: " كان جلاءوهم أوّل الحشر في الدنيا إلى الشام ".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: " تجيء نار من مَشرِق الأرض، تَحْشُر الناس إلى مغاربها، فتبيت معهم حيث باتُوا، تَقِيل معهم حيث قالوا، وتأكل من تَخَلَّف ".

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أَبي عديّ، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لما أجلى بني النضير، قال: " امْضوا فهذا أوَّل الْحَشْرِ، وإنَّا على الأثَرِ".

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( لأوَّلِ الْحَشْرِ ) قال: الشام حين ردهم إلى الشام، وقرأ قول الله عزّ وجلّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا قال: من حيث جاءت، أدبارها أن رجعت إلى الشام، من حيث جاءت ردّوا إليه.

وقوله: (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) ، يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب &; 23-264 &; رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما ظننتم أن يخرج هؤلاء الذين أخرجهم الله من ديارهم من أهل الكتاب من مساكنهم ومنازلهم، (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ)، وإنما ظن القوم فيما ذكر أن عبد الله بن أُبي، وجماعة من المنافقين بعثوا إليهم لما حصرهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يأمرونهم بالثبات في حصونهم، ويعدونهم النصر.

كما حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، أن رهطًا من بني عوف بن الخزرج، منهم عبد الله بن أُبيّ بن سلول، ووديعة ومالك، ابنا نوفل، وسويد وداعس، بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنَّعوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا لذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وكانوا قد تحصنوا في الحصون من رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حين نـزل بهم.

وقوله: ( فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ) يقول تعالى ذكره: فأتاهم أمر الله من حيث لم يحتسبوا أنه يأتيهم، وذلك الأمر الذي أتاهم من الله حيث لم يحتسبوا، قذف في قلوبهم الرعب بنـزول رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بهم في أصحابه، يقول جلّ ثناؤه: ( وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) .

وقوله: ( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ) يعني جلّ ثناؤه بقوله: ( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ ) بني النضير من اليهود، وأنهم يخربون مساكنهم، وذلك أنهم كانوا ينظرون إلى الخشبة فيما ذُكر في منازلهم مما يستحسنونه، أو العمود أو الباب، فينـزعون ذلك منها بأيديهم وأيدي المؤمنين.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ) جعلوا يخربونها من أجوافها، وجعل المؤمنون يخربون من ظاهرها.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزُّهريّ، قال: لما صالحوا النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كانوا لا يعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابها.

وقال قتادة: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها، وتخربها اليهود من داخلها.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، قال: احتملوا من أموالهم، يعني بني النضير، ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، قال: فذلك قوله: ( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ) وذلك هدمهم بيوتهم عن نجف أبوابهم إذا احتملوها.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله عزّ وجلّ: ( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ) قال: هؤلاء النضير، صالحهم النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على ما حملت الإبل، فجعلوا يقلعون الأوتاد يخربون بيوتهم.

وقال آخرون: إنما قيل ذلك كذلك، لأنهم كانوا يخربون بيوتهم ليبنوا بنقضها ما هدم المسلمون من حصونهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ ) قال: يعني بني النضير، جعل المسلمون كلما هدموا شيئًا من حصونهم جعلوا ينقضون بيوتهم ويخربونها، ثم يبنون ما يخرب المسلمون، فذلك هلاكهم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ) يعني: أهل النضير، جعل المسلمون كلما هدموا من حصنهم جعلوا ينقضون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، ثم يبنون ما خرّب المسلمون.

واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الحجاز والمدينة والعراق سوى أَبي عمرو: ( يُخْرِبُونَ ) بتخفيف الراء، بمعنى يخرجون منها ويتركونها معطلة خرابًا، وكان أبو عمرو يقرأ ذلك ( يخرّبون ) بالتشديد في الراء، بمعنى يهدّمون بيوتهم.

وقد ذكر عن أَبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري أنهما كانا يقرآن ذلك نحو قراءة أَبي عمرو.

وكان أبو عمرو فيما ذكر عنه يزعم أنه إنما اختار التشديد في الراء لما ذكرت من أن الإخراب: إنما هو ترك ذلك خرابًا بغير ساكن، وإن بني النضير لم يتركوا منازلهم، فيرتحلوا عنها، ولكنهم خرّبوها بالنقض والهدم، وذلك لا يكون فيما قال إلا بالتشديد.

وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندي قراءة من قرأه بالتخفيف، لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

وقد كان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يقول: التخريب والإخراب بمعنى واحد، وإنما ذلك في اختلاف اللفظ لا اختلاف في المعنى.

وقوله: ( فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأبْصَارِ ) يقول تعالى ذكره: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحلّ الله بهؤلاء اليهود الذين قذف الله في قلوبهم الرعب، وهم في حصونهم من نقمته، واعلموا أن الله وليّ من والاه، وناصر رسوله على كلّ من ناوأه، ومحلّ من نقمته به نظيرَ الذي أحلّ ببني النضير.

وإنما عنى بالأبصار في هذا الموضع أبصار القلوب، وذلك أن الاعتبار بها يكون دون الإبصار بالعيون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصارقوله تعالى : هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم قال سعيد بن جبير : قلت لابن عباس : سورة الحشر ؟

قال : قل سورة النضير ; وهم رهط من اليهود من ذرية هارون عليه السلام ، نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل انتظارا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وكان من أمرهم ما نص الله عليه .الثانية : قوله تعالى : لأول الحشر ؛ الحشر الجمع ; وهو على أربعة أوجه : حشران في الدنيا وحشران في الآخرة ; أما الذي في الدنيا فقوله تعالى : هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر قال الزهري : كانوا من سبط لم يصبهم جلاء ، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء ; فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا ، وكان أول حشر حشروا في الدنيا إلى الشام .

قال ابن عباس وعكرمة : من شك أن المحشر في الشام فليقرأ هذه [ ص: 5 ] الآية ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : " اخرجوا " .

قالوا : إلى أين ؟

قال : " إلى أرض المحشر " .

قال قتادة : هذا أول المحشر .

قال ابن عباس : هم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من دياره .

وقيل : إنهم أخرجوا إلى خيبر ، وأن معنى " لأول الحشر " إخراجهم من حصونهم إلى خيبر ، وآخره إخراج عمر رضي الله عنه إياهم من خيبر إلى نجد وأذرعات .

وقيل تيماء وأريحاء ، وذلك بكفرهم ونقض عهدهم .وأما الحشر الثاني : فحشرهم قرب القيامة .

قال قتادة : تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا ، وتأكل منهم من تخلف .

وهذا ثابت في الصحيح ، وقد ذكرناه في ( كتاب التذكرة ) .

ونحوه روى ابن وهب عن مالك قال : قلت لمالك هو جلاؤهم من ديارهم ؟

فقال لي : الحشر يوم القيامة حشر اليهود .

قال : وأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى خيبر حين سئلوا عن المال فكتموه ; فاستحلهم بذلك .

قال ابن العربي : للحشر أول ووسط وآخر ; فالأول إجلاء بني النضير ، والأوسط إجلاء خيبر ، والآخر حشر يوم القيامة .

وعن الحسن : هم بنو قريظة .

وخالفه بقية المفسرين وقالوا : بنو قريظة ما حشروا ولكنهم قتلوا .

حكاه الثعلبي .الثالثة : قال الكيا الطبري : ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير شيء لا يجوز الآن ، وإنما كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ .

والآن فلا بد من قتالهم أو سبيهم أو ضرب الجزية عليهم .قوله تعالى : ما ظننتم أن يخرجوا يريد لعظم أمر اليهود ومنعتهم وقوتهم في صدور المسلمين ، واجتماع كلمتهم .وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم قيل : هي الوطيح والنطاة والسلالم والكتيبة .من الله أي من أمره .

وكانوا أهل حلقة - أي سلاح كثير - وحصون منيعة ; فلم يمنعهم شيء منها .فأتاهم الله أي أمره وعذابه .من حيث لم يحتسبوا أي لم يظنوا .

وقيل : من حيث لم يعلموا .

وقيل : من حيث لم يحتسبوا بقتل كعب بن الأشرف ; قاله ابن جريج والسدي وأبو صالح .قوله تعالى : وقذف في قلوبهم الرعب بقتل سيدهم كعب بن الأشرف ; وكان الذي قتله هو محمد بن مسلمة وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش - وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة - وعباد بن بشر بن وقش ، والحارث بن أوس بن معاذ ، وأبو عبس بن جبر .

وخبره [ ص: 6 ] مشهور في السيرة .

وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر " فكيف لا ينصر به مسيرة ميل من المدينة إلى محلة بني النضير .

وهذه خصيصى لمحمد صلى الله عليه وسلم دون غيره .قوله تعالى : يخربون بيوتهم قراءة العامة بالتخفيف من أخرب ; أي يهدمون .

وقرأ السلمي والحسن ونصر بن عاصم وأبو العالية وقتادة وأبو عمرو " يخربون " بالتشديد من التخريب .

قال أبو عمرو : إنما اخترت التشديد لأن الإخراب ترك الشيء خرابا بغير ساكن ، وبنو النضر لم يتركوها خرابا وإنما خربوها بالهدم .يؤيده قوله تعالى : بأيديهم وأيدي المؤمنين وقال آخرون : التخريب والإخراب بمعنى واحد ، والتشديد بمعنى التكثير .

وحكى سيبويه : أن معنى فعلت وأفعلت يتعاقبان ; نحو أخربته وخربته وأفرحته وفرحته .

واختار أبو عبيد وأبو حاتم الأولى .

قال قتادة والضحاك : كان المؤمنون يخربون من خارج ليدخلوا ، واليهود يخربون من داخل ليبنوا به ما خرب من حصنهم .

فروي أنهم صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يكونوا عليه ولا له ; فلما ظهر يوم بدر قالوا : هو النبي الذي نعت في التوراة ، فلا ترد له راية .

فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا ، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة ، فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة ، فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعبا غيلة ، ثم صبحهم بالكتائب ; فقال لهم : اخرجوا من المدينة .

فقالوا : الموت أحب إلينا من ذلك ; فتنادوا بالحرب .

وقيل : استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج ، فدس إليهم عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه : لا تخرجوا من الحصن ، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ، ولئن أخرجتم لنخرجن معكم .

فدربوا على الأزقة وحصنوها إحدى وعشرين ليلة ، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح ; فأبى عليهم إلا الجلاء ; على ما يأتي بيانه .

وقال الزهري وابن زيد وعروة بن الزبير : لما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن لهم ما أقلت الإبل ; كانوا يستحسنون الخشبة والعمود فيهدمون بيوتهم ويحملون ذلك على إبلهم ويخرب المؤمنون باقيها .

وعن ابن زيد أيضا : كانوا يخربونها لئلا يسكنها [ ص: 7 ] المسلمون بعدهم .

وقال ابن عباس : كانوا كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع موضع القتال ، وهم ينقبون دورهم من أدبارها إلى التي بعدها ليتحصنوا فيها ، ويرموا بالتي أخرجوا منها المسلمين .

وقيل : ليسدوا بها أزقتهم .

وقال عكرمة بأيديهم في إخراب دواخلها وما فيها لئلا يأخذه المسلمون .

و أيدي المؤمنين في إخراب ظاهرها ليصلوا بذلك إليهم .

قال عكرمة : كانت منازلهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها ، فخربوها من داخل وخربها المسلمون من خارج .

وقيل : يخربون بيوتهم بنقض المواعدة ، وأيدي المؤمنين بالمقاتلة ; قاله الزهري أيضا .

وقال أبو عمرو بن العلاء " بأيديهم " في تركهم لها .

و " أيدي المؤمنين " في إجلائهم عنها .

قال ابن العربي : التناول للإفساد إذا كان باليد كان حقيقة ، وإذا كان بنقض العهد كان مجازا ; إلا أن قول الزهري في المجاز أمثل من قول أبي عمرو بن العلاء .قوله تعالى : " فاعتبروا يا أولي " أي اتعظوا يا أصحاب العقول والألباب .

وقيل : يا من عاين ذلك ببصره ; فهو جمع للبصر .

ومن جملة الاعتبار هنا أنهم اعتصموا بالحصون من الله فأنزلهم الله منها .

ومن وجوهه : أنه سلط عليهم من كان ينصرهم .

ومن وجوهه أيضا : أنهم هدموا أموالهم بأيديهم .

ومن لم يعتبر بغيره اعتبر في نفسه .

وفي الأمثال الصحيحة : " السعيد من وعظ بغيره " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وكان إخراجهم منها أول حشر وجلاء كتبه الله عليهم على يد رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فجلوا إلى خيبر، ودلت الآية الكريمة أن لهم حشرا وجلاء غير هذا، فقد وقع حين أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر، ثم عمر رضي الله عنه، [أخرج بقيتهم منها].{ مَا ظَنَنْتُمْ } أيها المسلمون { أَنْ يَخْرُجُوا } من ديارهم، لحصانتها، ومنعتها، وعزهم فيها.{ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ } فأعجبوا بها وغرتهم، وحسبوا أنهم لا ينالون بها، ولا يقدر عليها أحد، وقدر الله تعالى وراء ذلك كله، لا تغني عنه الحصون والقلاع، ولا تجدي فيهم القوة والدفاع.ولهذا قال: { فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا } أي: من الأمر والباب، الذي لم يخطر ببالهم أن يؤتوا منه، وهو أنه تعالى { قذف فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ } وهو الخوف الشديد، الذي هو جند الله الأكبر، الذي لا ينفع معه عدد ولا عدة، ولا قوة ولا شدة، فالأمر الذي يحتسبونه ويظنون أن الخلل يدخل عليهم منه إن دخل هو الحصون التي تحصنوا بها، واطمأنت نفوسهم إليها، ومن وثق بغير الله فهو مخذول، ومن ركن إلى غير الله فهو عليه وبال فأتاهم أمر سماوي نزل على قلوبهم، التي هي محل الثبات والصبر، أو الخور والضعف، فأزال الله قوتها وشدتها، وأورثها ضعفا وخورا وجبنا، لا حيلة لهم ولا منعة معه فصار ذلك عونا عليهم، ولهذا قال: { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ } وذلك أنهم صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم، على أن لهم ما حملت الإبل.فنقضوا لذلك كثيرا من سقوفهم، التي استحسنوها، وسلطوا المؤمنين بسبب بغيهم على إخراب ديارهم وهدم حصونهم، فهم الذين جنوا على أنفسهم، وصاروا من أكبر عون عليها، { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } أي: البصائر النافذة، والعقول الكاملة، فإن في هذا معتبرا يعرف به صنع الله تعالى في المعاندين للحق، المتبعين لأهوائهم، الذين لم تنفعهم عزتهم، ولا منعتهم قوتهم، ولا حصنتهم حصونهم، حين جاءهم أمر الله، ووصل إليهم النكال بذنوبهم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن هذه الآية تدل على الأمر بالاعتبار، وهو اعتبار النظير بنظيره، وقياس الشيء على مثله، والتفكر فيما تضمنته الأحكام من المعاني والحكم التي هي محل العقل والفكرة، وبذلك يزداد العقل، وتتنور البصيرة ويزداد الإيمان، ويحصل الفهم الحقيقي، ثم أخبر تعالى أن هؤلاء اليهود لم يصبهم جميع ما يستحقون من العقوبة، وأن الله خفف عنهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ) يعني بني النضير ( من ديارهم ) التي كانت بيثرب قال ابن إسحاق : كان إجلاء بني النضير بعد مرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحد ، وفتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان .

( لأول الحشر ) قال الزهري : كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى وكان الله - عز وجل - قد كتب عليهم الجلاء ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا .

قال ابن عباس : من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية فكان هذا أول حشر إلى الشام قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : اخرجوا قالوا ، إلى أين ؟

قال : إلى أرض المحشر ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام .

وقال الكلبي : إنما قال : " لأول الحشر " لأنهم كانوا أول من أجلي من أهل الكتاب من جزيرة العرب ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

قال مرة الهمداني : كان أول الحشر من المدينة والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحاء من الشام في أيام عمر .

وقال قتادة : كان هذا أول الحشر والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا .

( ما ظننتم ) أيها المؤمنون ( أن يخرجوا ) من المدينة لعزتهم ومنعتهم وذلك أنهم كانوا أهل حصون وعقار ونخيل كثيرة .

( وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ) أي : وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله ( فأتاهم الله ) أي أمر الله وعذابه ( من حيث لم يحتسبوا ) أنه أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك ( وقذف في قلوبهم الرعب ) بقتل سيدهم كعب بن الأشرف .

( يخربون ) قرأ أبو عمرو : بالتشديد والآخرون بالتخفيف ومعناهما واحد ( بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ) قال الزهري : وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صالحهم على أن لهم ما أقلت الإبل كانوا ينظرون إلى الخشب في منازلهم فيهدمونها وينزعون منها ما يستحسنونه فيحملونه على إبلهم ويخرب المؤمنون باقيها .

قالابن زيد : كانوا يقلعون العمد وينقضون السقوف وينقبون الجدران ويقلعون الخشب حتى الأوتاد يخربونها لئلا يسكنها المؤمنون حسدا منهم وبغضا .

قال قتادة : كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ويخربها اليهود من داخلها .

قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها لتتسع لهم المقاتل وجعل أعداء الله ينقبون دورهم في أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويكسرون ما يليهم ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذلك قوله - عز وجل - : ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا ) فاتعظوا وانظروا فيما نزل بهم ( يا أولي الأبصار ) يا ذوي العقول والبصائر .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب» هم بنو النضير من اليهود «من ديارهم» مساكنهم بالمدينة «لأول الحشر» هو حشرهم إلى الشام وآخره أن أجلاهم عمر في خلافته إلى خيبر «ما ظننتم» أيها المؤمنون «أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم» خبر أن «حصونهم» فاعله تم به الخبر «من الله» من عذابه «فأتاهم الله» أمره وعذابه «من حيث لم يحتسبوا» لم يخطر ببالهم من جهة المؤمنين «وقذف» ألقى «في قلوبهم الرعب» بسكون العين وضمها، الخوف بقتل سيدهم كعب بن الأشرف «يخرِّبون» بالتشديد والتخفيف من أخرب «بيوتهم» لينقلوا ما أستحسنوه منها من خشب وغيره «بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هو- سبحانه- الذي أخرج الذين جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، من أهل الكتاب، وهم يهود بني النضير، من مساكنهم التي جاوروا بها المسلمين حول "المدينة"، وذلك أول إخراج لهم من "جزيرة العرب" إلى "الشام"، ما ظننتم- أيها المسلمون - أن يخرجوا من ديارهم بهذا الذل والهوان؛ لشدة بأسهم وقوة منعتهم، وظن اليهود أن حصونهم تدفع عنهم بأس الله ولا يقدر عليها أحد، فأتاهم الله من حيث لم يخطر لهم ببال، وألقى في قلوبهم الخوف والفزع الشديد، يُخْربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاتعظوا يا أصحاب البصائر السليمة والعقول الراجحة بما جرى لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين ، حيث نصرهم على أعدائهم ، فقال : ( هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر .

.

) .والمراد بالذين كفروا من أهل الكتاب هنا : يهود بنى النضير ، وقصتهم معروفة فى كتب السنة والسيرة ، وملخصها : أن هؤلاء اليهود كانوا يسكنون فى ضواحى المدينة فذهب إليهم النبى - صلى الله عليه وسلم - ليستعين بهم فى دفع دية لقتيلين قتلهما بعض المسلمين خطأ ، فاستقبلوه استقبالا حسنا ، وأظهروا له - صلى الله عليه وسلم - استعدادهم للمساعدة فيما يطلبه خطأ ، فاستقبلوه استقبالا حسنا ، وأظهروا له - صلى الله عليه وسلم - استعدادهم للمساعدة فيما يطلبه منهم ، ثم خلا بعضهم ببعض وقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ، فمن منكم يصعد إلى أعلى هذا البيت الذى يجلس تحته محمد - صلى الله عليه وسلم - فيلقى عليه حجرا فيريحنا منه .فتعهد واحد منهم بذلك ، وقبل أن يتم فعله ، نزل جبريل - عليه السلام - على النبى - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بما أضمره اليهود من غدر وخيانة فرجع - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة - وأخبر أصحابه بما أضمره له يهود بنى النضير ، ونزل قوله - تعالى - : ( يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ واتقوا الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ) ثم أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يستعدوا لحصار بنى النضير ، وتأديبهم على غدرهم .

.

.

فحاصرهم المؤمنون بضعا وعشرين ليلة ، وانتهى الأمر بإجلائهم ، عن المدينة ، فمنهم من ذهب إلى خبير ، ومنهم من ذهب إلى غيرها .واللام فى قوله - تعالى - : ( لأَوَّلِ الحشر ) متعلقة بأخرج ، والحشر : الجمع ، يقال : حشر القائد جنده إذا جمعهم ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ ) أى : هو - سبحانه - الذى أخرج - بقدرته - الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ، وهم يهود بنى النضير عند مبدا الحشر المقدر لهم فى علمه ، بأن مكنكم - أيها المؤمنون - من محاصرتهم وجمعهم فى مكان واحد ، ثم طردهم من المدينة المنورة إلى أماكن أخرى ، بسبب غدرهم وسوء صنيعهم .قال صاحب الكشاف : اللام فى قوله : ( لأَوَّلِ الحشر ) تتعلق بأخرج ، وهى مثل اللام فى قوله : ( ياليتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) وفى قولك : جئته لوقت كذا .

.

.والمعنى : أخرج الذين كفروا عند أول الحشر .

ومعنى أول الحشر : أن هذا أول حشرهم إلى الشام ، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط .

.

.

أو المعنى : هذا أول حشرهم ، وآخر حشرهم : إجلاء عمر - رضى الله عنه - لهم من خيبر إلى الشام .وقيل معناه : أخرجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم ، لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .وقصر - سبحانه - إخراجهم عليه فقال : هو الذى أخرج الذين كفروا ، مع أن المسلمين قد اشتركوا فى إخراجهم عن طريق محاصرتهم؛ للإشعار بأن السبب الحقيقى فى إخراجهم من ديارهم ، هو ما قذفه الله - تعالى - فى قلوبهم من الرعب .

.

.

أما محاصرة المؤمنين لهم فهى أسباب فرعية ، قد تؤدى إلى أخراجهم ، وقد لا تؤدى ، وللإشعار - أيضا - بأن كل شىء إنما هو بقضاء الله وقدره .ووصفهم - سبحانه - بالكفر وبأنهم من أهل الكتاب ، للتشنيع عليهم وزيادة مذمتهم ، حيث إنهم جمعوا بين رذيلتين : رذيلة الكفر بالحق ، ورذيلة عدم العلم بكتابهم الذى أمر باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل ، والذى يأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر .و " من " فى قوله - تعالى - : ( مِنْ أَهْلِ الكتاب ) للبيان ، حتى لا يظن بأن المراد بالذين كفروا هنا ، مشركو قريش ، وإن كان الجميع يشتركون فى الكفر والفسوق والعصيان .وقوله - تعالى - : ( مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ .

.

.

) تذكير للمؤمنين بنعم الله - تعالى - عليهم .أى : ما ظننتم - أيها المؤمنون - أن يهود بنى النضير سيخرجون من ديارهم بتلك السهولة ، وذلك لتملكهم لألوان من القوة ، كقوة السلاح ، وكثرة العدد ، ووجود من يحميهم ممن يسكنون معكم فى المدينة ، وهم حلفاؤهم من بنى قومهم ، كبنى قريظة وغيرهم ، ومن غير بنى قومهم كالمنافقين الذين وعدوهم ومنوهم .وقوله : ( وظنوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ الله ) معطوف على ما قبله .أى : أنتم - أيها المؤمنون - ظننتم أن اليهود لن يخرجوا من ديارهم لما معهم من قوة ، وهم - أيضا - ظنوا أن حصونهم ستمنع بأس الله عنهم ، وأنها ستحول بينهم وبين خروجهم منها ، ونَصْرِكم عليهم .وقوله - سبحانه - : ( فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب .

.

) متفرع عن الظن السابق ، الذى ظنه المؤمنون ، والذى ظنه أعداؤهم وهم بنو النضير .أى : أنتم ظننتم أنهم لن يخرجوا من ديارهم ، وهم ظنوا - أيضا - أن حصونهم ستمنعهم من نصركم عليهم ، فكانت النتيجة أن أتاهم بأس الله وعقابه من حيث لم يحتسبوا ومن حيث لم يخطر ببال ، بأن قذف فى قلوبهم الرعب والفزع فخرجوا من حصونهم التى تمنعوا بها ، ومن ديارهم التى سكنوها زمنا طويلا صاغرين أذلاء .والتعبير بقوله : ( مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ) إشارة إلى أن ما نزل بهم من هزيمة ، لم يكونوا يتوقعونها أصلا ، إذ الاحتساب مبالغة فى الحسبان ، أى : أتاهم عقاب الله - تعالى - من المكان الذى كانوا يعتقدون أمانهم فيه ، وفى زمان لم يكونوا أصلا يتوقعون حلول هزيمتهم عنده .وعبر - بحانه - بالقذف ، لأنه كناية عن الرمى بقوة وعنف وسرعة .

والرعب : شدة الخوف والفزع ، وأصله : الامتلاء .

تقول : رعبت الحوض إذا ملأته .أى : وقذف - سبحانه - فى قلوبهم الرعب الذى ملأها بالجزع والفزع فاستسلموا بسبب ذلك لما حكم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهم .ثم ين - سبحانه - ما حدث منهم خلال جلائهم فقال : ( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المؤمنين فاعتبروا ياأولي الأبصار ) والتخريب : إسقاط البناء وهدمه أو إفساده .أى : أن هؤلاء اليهود ، بلغ من سوء نيتهم ، ومن اضطراب أمرهم ، أنهم عندما أجمعوا أمرهم على الرحيل عن المدينة ، أخذوا يخربون بيوتهم بأيديهم ، عن طريق إسقاط بنائها ، وهدم السليم منها ، وإزالة ما اشتملت عليه من أبواب وغيرها .

.

.

حتى لا ينتفع المسلمون بها من بعدهم .

.وأخذوا يخربونها - أيضا - بأيدى المؤمنين ، أى : بسبب أن المؤمنين كانوا يزيلون من طريقهم كل عقبة حتى يقتحموا عليهم ديارهم ، فترتب على ذلك أن هدموا بعض بيوت بنى النضير من الخارج ، ليستطيعوا التمكن منهم .قال صاحب الكشاف : ما معنى تخريبهم لها بأيدى المؤمنين؟

قلت : لما عرَّضوهم لذلك ، وكانوا السبب فيه .

فكأنهم أمروهم به ، وكلفوهم إياه .

.أى : أن يهود بنى النضير بسبب تحصنهم فى ديارهم ، ومحاولتهم عدم النزول على حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - حملوا المؤمنين على تخريب هذه الحصون من الخارج ، ليدخلوا عليهم .

.

.والخطاب فى قوله - تعالى - : ( فاعتبروا ياأولي الأبصار ) لكل من يصلح له .قال الجمل فى حاشيته : والاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شىء إلى شىء ، ولهذا سميت العبرة عبرة ، لأنها تنتقل من العين إلى الخد .

وسمى علم التعبير بذلك ، لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول ، وسميت الألفاظ عبارات ، لأنها تنقل المعانى من لسان القائل إلى عقل المستمع ، ويقال : السعيد من اعتبر بغيره ، لأنه ينتقل بواسطه عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه .ولهذا قال القشيرى : الاعتبار هو النظر فى حقائق الأشياء ، وجهات دلالتها ، ليعرف بالنظر فيها شىء آخر .أى : إذا كان الأمر كان بينا لكم - أيها الناس - ، فاعتبروا واتعظوا يا أصحاب العقول السليمة ، والعيون الناظرة ، بما جرى لهؤلاء اليهود ، حيث دبر الله - تعالى - أمر إخراجهم من ديارهم تدبيرا حكيما ، ونصر المؤمنين عليهم بأيسر طريق ، وجعل ديارهم من بعدهم ، خير عبرة وعظة لكل ذى بصر ، فقد خلفوها من بعدهم شاهد صدق على أن الغدر نهايته الخسران .

.

.

وعلى أن النصر إنما هو لمن اتبع الصدق والوفاء بالعهد .

.

.قال الآلوسى : واشتهر الاستدلال بهذه الجملة ، على مشروعية العمل بالقياس الشرعى ، قالوا : لأنه - تعالى - أمر فيها بالاعتبار ، وهو العبور والانتقال من الشىء إلى غيره ، وذلك متحقق فى القياس ، إذ فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم * هو الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ديارهم لأَوَّلِ الحشر ﴾ صالح بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي المنعوت في التوراة بالنصر، فلما هزم المسلمون يوم أحد تابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة وحالفوا أبا سفيان عند الكعبة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة الأنصاري، فقتل كعباً غيلة، وكان أخاه من الرضاعة، ثم صحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف، فقال لهم: أخرجوا من المدينة، فقالوا: الموت أحب إلينا من ذلك فتنادوا بالحرب، وقيل: استمهلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فبعث إليهم عبد الله بن أبي وقال: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن خرجتم لنخرجن معكم، فحصنوا الأزقة فحاصرهم إحدى وعشرون ليلة، فلما قذف الله في قلوبهم الرعب، وآيسوا من نصر المنافقين طلبوا الصلح، فأبى إلا الجلاء، على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من متاعهم، فجلوا إلى الشأم إلى أريحاء وأزرعات إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق، وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة.

وهاهنا سؤالات.

السؤال الأول: ما معنى هذه اللام في قوله: ﴿ لأَوَّلِ الحشر ﴾ الجواب: إنها هي اللام في قولك: جئت لوقت كذا، والمعنى: أخرج الذين كفروا عند أول الحشر.

السؤال الثاني: ما معنى أول الحشر؟

الجواب: أن الحشر هو إخراج الجمع من مكان إلى مكان، وإما أنه لم سمي هذا الحشر بأول الحشر فبيانه من وجوه: أحدها: وهو قول ابن عباس والأكثرين إن هذا أول حشر أهل الكتاب، أي أول مرة حشروا وأخرجوا من جزيرة العرب لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك، لأنهم كانوا أهل منعة وعز.

وثانيها: أنه تعالى جعل إخراجهم من المدينة حشراً، وجعله أول الحشر من حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام، ثم تدركهم الساعة هناك.

وثالثها: أن هذا أول حشرهم، وأما آخر حشرهم فهو إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.

ورابعها: معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما يحشرهم لقتالهم، لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله.

وخامسها: قال قتادة هذا أول الحشر، والحشر الثاني نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وذكروا أن تلك النار ترى بالليل ولا ترى بالنهار.

قوله تعالى: ﴿ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ ﴾ .

قال ابن عباس: إن المسلمين ظنوا أنهم لعزتهم وقوتهم لا يحتاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم، وإنما ذكر الله تعالى ذلك تعظيماً لهذه النعمة، فإن النعمة إذا وردت على المرء والظن بخلافه تكون أعظم، فالمسلمون ما ظنوا أنهم يصلون إلى مرادهم في خروج هؤلاء اليهود، فيتخلصون من ضرر مكايدهم، فلما تيسر لهم ذلك كان توقع هذه النعمة أعظم.

قوله تعالى: ﴿ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ الله ﴾ .

قالوا كانت حصونهم منيعة فظنوا أنها تمنعهم من رسول الله، وفي الآية تشريف عظيم لرسول الله، فإنها تدل على أن معاملتهم مع رسول الله هي بعينها نفس المعاملة مع الله، فإن قيل: ما الفرق بين قولك: ظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم وبين النظم الذي جاء عليه، قلنا: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم، وفي تصيير ضميرهم إسماً، وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالون بأحد يطمع في منازعتهم، وهذه المعاني لا تحصل في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم.

قوله تعالى: ﴿ فأتاهم الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية وجهان الأول: أن يكون الضمير في قوله: ﴿ فأتاهم ﴾ عائد إلى اليهود، أي فأتاهم عذاب الله وأخذهم من حيث لم يحتسبوا والثاني: أن يكون عائداً إلى المؤمنين أي فأتاهم نصر الله وتقويته من حيث لم يحتسبوا، ومعنى: لم يحتسبوا، أي لم يظنوا ولم يخطر ببالهم، وذلك بسبب أمرين أحدهما: قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد أخيه غيلة، وذلك مما أضعف قوتهم، وفتت عضدهم، وقل من شوكتهم والثاني: بما قذف في قلوبهم من الرعب.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فأتاهم الله ﴾ لا يمكن إجراؤه على ظاهره باتفاق جمهور العقلاء، فدل على أن باب التأويل مفتوح، وأن صرف الآيات عن ظواهرها بمقتضى الدلائل العقلية جائز.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ فأتاهم الله ﴾ أي فآتاهم الهلاك، واعلم أن هذه القراءة لا تدفع ما بيناه من وجوه التأويل، لأن هذه القراءة لا تدفع القراءة الأولى، فإنها ثابتة بالتواتر، ومتى كانت ثابتة بالتواتر لا يمكن دفعها، بل لابد فيها من التأويل.

قوله تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب ﴾ قال أهل اللغة: الرعب، الخوف الذي يستوعب الصدر، أي يملؤه، وقذفه إثباته فيه، وفيه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه، واعلم أن هذه الآية تدل على قولنا من أن الأمور كلها لله، وذلك لأن الآية دلت على أن وقوع ذلك الرعب في قلوبهم كان من الله ودلت على أن ذلك الرعب صار سبباً في إقدامهم على بعض الأفعال، وبالجملة فالفعل لا يحصل إلا عند حصول داعية متأكدة في القلب، وحصول تلك الداعية لا يكون إلا من الله، فكانت الأفعال بأسرها مسندة إلى الله بهذا الطريق.

قوله تعالى: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المؤمنين ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو علي: قرأ أبو عمرو وحده: ﴿ يُخْرِبُونَ ﴾ مشددة، وقرأ الباقون: ﴿ يُخْرِبُونَ ﴾ خفيفة، وكان أبو عمرو يقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا قال المبرد: ولا أعلم لهذا وجهاً، ويخربون هو الأصل خرب المنزل، فإنما هو تكثير، لأنه ذكر بيوتاً تصلح للقليل والكثير، وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في الكلام، فيجري كل واحد مجرى الآخر، نحو فرحته وأفرحته، وحسنه الله وأحسنه، وقال الأعمش: وأخربت من أرض قوم دياراً *** وقال الفراء: ﴿ يُخْرِبُونَ ﴾ بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخربون منها ويتركونها.

المسألة الثانية: ذكر المفسرون في بيان أنهم كيف كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين وجوهاً أحدها: أنهم لما أيقنوا بالجلاء، حسدوا المسلمين أن يسكنوا مساكنهم ومنازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج.

وثانيها: قال مقاتل: إن المنافقين دسوا إليهم أن لا يخرجوا، ودربوا على الأزقة وحصنوها، فنقضوا بيوتهم وجعلوها كالحصون على أبواب الأزقة، وكان المسلمون يخربون سائر الجوانب.

وثالثها: أن المسلمين إذا ظهروا على درب من دروبهم خربوه، وكان اليهود يتأخرون إلى ما وراء بيوتهم، وينقبونها من أدبارها.

ورابعها: أن المسلمين كانوا يخربون ظواهر البلد، واليهود لما أيقنوا بالجلاء، وكانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم مما يستحسنونه أو الباب فيهدمون بيوتهم، وينزعونها ويحملونها على الإبل، فإن قيل: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين؟

قلنا قال الزجاج: لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوه إياهم.

قوله تعالى: ﴿ فاعتبروا ياأولي الأبصار ﴾ .

اعلم أنا قد تمسكنا بهذه الآية في كتاب المحصول من أصول الفقه على أن القياس حجة فلا نذكره هاهنا، إلا أنه لابد هاهنا من بيان الوجه الذي أمر الله فيه بالاعتبار، وفيه احتمالات أحدها: أنهم اعتمدوا على حصونهم، وعلى قوتهم وشوكتهم، فأباد الله شوكتهم وأزال قوتهم، ثم قال: ﴿ فاعتبروا ياأولي الأبصار ﴾ ولا تعتمدوا على شيء غير الله، فليس للزاهد أن يتعمد على زهده، فإن زهده لا يكون أكثر من زهد بلعام، وليس للعالم أن يعتمد على علمه، أنظر إلى ابن الراوندي مع كثرة ممارسته كيف صار، بل لا اعتماد لأحد في شيء إلا على فضل الله ورحمته.

وثانيها: قال القاضي: المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الغدر والكفر والطعن في النبوة، فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر، والكفر في البلاء والجلاء، والمؤمنين أيضاً يعتبرون به فيعدلون عن المعاصي.

فإن قيل: هذا الاعتبار إنما يصح لو قلنا: إنهم غدروا وكفروا فعذبوا، وكان السبب في ذلك العذاب هو الكفر والغدر، إلا أن هذا القول فاسد طرداً وعكساً أما الطرد فلأنه رب شخص غدر وكفر، وما عذب في الدنيا وأما العكس فلأن أمثال هذه المحن، بل أشد منها وقعت للرسول عليه السلام ولأصحابه، ولم يدل ذلك على سوء أديانهم وأفعالهم، وإذا فسدت هذه العلة فقد بطل هذا الاعتبار، وأيضاً فالحكم الثالث في الأصل هو أنهم: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين ﴾ وإذا عللنا ذلك بالكفر والغدر يلزم في كل من غدر وكفر أن يخرب بيته بيده وبأيدي المسلمين، ومعلوم أن هذا لا يصلح، فعلمنا أن هذا الاعتبار غير صحيح والجواب: أن الحكم الثابت في الأصل له ثلاث مراتب أولها: كونه تخريباً للبيت بأيديهم وأيدي المؤمنين.

وثانيها: وهو أعم من الأول، كونه عذاباً في الدنيا.

وثالثها: وهو أعم من الثاني، كونه مطلق العذاب، والغدر والكفر إنما يناسبان العذاب من حيث هو عذاب، فأما خصوص كونه تخريباً أو قتلاً في الدنيا أو في الآخرة فذاك عديم الأثر، فيرجع حاصل القياس إلى أن الذين غدروا وكفروا وكذبوا عذبوا من غير اعتبار أن ذلك العذاب كان في الدنيا أو في الآخرة، والغدر والكفر يناسبان العذاب، فعلمنا أن الكفر والغدر هما السببان في العذاب، فأينما حصلا حصل العذاب من غير بيان أن ذلك العذاب في الدنيا أو في الآخرة، ومتى قررنا القياس والاعتبار على هذا الوجه زالت المطاعن والنقوض وتم القياس على الوجه الصحيح.

المسألة الثانية: الاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ولهذا سميت العبرة عبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، وسمي المعبر معبراً لأن به تحصل المجاوزة، وسمي العلم المخصوص بالتعبير، لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، وسميت الألفاظ عبارات، لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى عقل المستمع، ويقال: السعيد من اعتبر بغيره، لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، ولهذا قال المفسرون: الاعتبار هو النظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنظر فيها شيء آخر من جنسها، وفي قوله: ﴿ يا أولي الأبصار ﴾ وجهان الأول: قال ابن عباس: يريد يا أهل اللب والعقل والبصائر والثاني: قال الفراء: ﴿ يا أولي الأبصار ﴾ يا من عاين تلك الواقعة المذكورة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

صالح بنو النضير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة فحالفوا عليه قريشاً عند الكعبة فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان أخاه من الرضاعة، ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: أخرجوا من المدينة، فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك، فتنادوا بالحرب.

وقيل: استمهلوا رسول الله عشرة أيام ليتجهزوا للخروج، فدس عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه إليهم: لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن خرجتم لنخرجنّ معكم، فدربوا على الأزقة وحصنوها فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصر المنافقين: طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء؛ على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم فجلوا إلى الشام إلى أريحا وأذرعات، إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب، فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.

اللام في ﴿ لأَوَّلِ الحشر ﴾ تتعلق بأخرج، وهي اللام في قوله تعالى: ﴿ يَقُولُ ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ﴾ [الفجر: 24] وقولك: جئته لوقت كذا.

والمعنى: أخرج الذين كفروا عند أوّل الحشر.

ومعنى أوّل الحشر: أن هذا أوّل حشرهم إلى الشأم، وكانوامن سبط لم يصبهم جلاء قط، وهم أوّل من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.

أو هذا أوّل حشرهم؛ وآخر حشرهم: إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.

وقيل: آخر حشرهم حشر يوم القيامة؛ لأنّ المحشر يكون بالشام.

وعن عكرمة: من شك أنّ المحشر ههنا- يعني الشام- فليقرأ هذه الآية.

وقيل: معناه أخرجهم من ديارهم لأوّل ما حشر لقتالهم: لأنه أوّل قتال قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ ﴾ لشدة بأسهم ومنعتهم، ووثاقة حصونهم، وكثرة عددهم وعدتهم، وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم من بأس الله ﴿ فأتاهم ﴾ أمر الله ﴿ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ﴾ من حيث لم يظنوا ولم يخطر ببالهم: وهو قتل رئيسهم كعب ابن الأشرف غرّة على يد أخيه، وذلك مما أضعف قوتهم وفل من شوكتهم، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب، وألهمهم أن يوافقوا المؤمنين في تخريب بيوتهم ويعينوا على أنفسهم، وثبط المنافقين الذين كانوا يتولونهم عن مظاهرتهم.

وهذا كله لم يكن في حسبانهم.

ومنه أتاهم الهلاك.

فإن قلت: أي فرق بين قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه؟

قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم؛ وفي تصيير ضميرهم إسماً لأن وإسناد الجملة إليه: دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعه لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم؛ وليس ذلك في قولك: وظنوا أنّ حصونهم تمنعهم.

وقرئ: ﴿ فآتاهم الله ﴾ أي: فآتاهم الهلاك.

والرعب: الخوف الذي يرعب الصدر، أي يملؤه؛ وقذفه: إثباته وركزه.

ومنه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.

وقرئ: ﴿ يخرّبون ويخربون ﴾ ، مثقلاً ومخففاً.

والتخريب والإخراب: الإفساد بالنقض والهدم.

والخربة: الفساد، كانوا يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها: لما أراد الله من استئصال شأفتهم وأن لا يبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديار، والذي دعاهم إلى التخريب: حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدّوا بها أفواه الأزقة.

وأن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جد الخشب والساج المليح.

وأما المؤمنون فداعيهم إزالة متحصنهم ومتمنعهم.

وأن يتسع لهم مجال الحرب.

فإن قلت: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمينن؟

قلت: لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه ﴿ فاعتبروا ﴾ بما دبر الله ويسر من أمر إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال.

وقيل: وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير قتال، فكان كما قال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ ﴾ أيْ في أوَّلِ حَشْرِهِمْ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ إذْ لَمْ يُصِبْهم هَذا الذُّلُّ قَبْلَ ذَلِكَ، أوْ في أوَّلِ حَشْرِهِمْ لِلْقِتالِ أوِ الجَلاءِ إلى الشَّأْمِ، وآخِرُ حَشْرِهِمْ إجْلاءُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إيّاهم مِن خَيْبَرَ إلَيْهِ، أوْ في أوَّلِ حَشْرِ النّاسِ إلى الشَّأْمِ وآخِرُ حَشْرِهِمْ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْهِ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ فَيُدْرِكُهم هُناكَ، أوْ أنَّ نارًا تَخْرُجُ مِنَ المَشْرِقِ فَتَحْشُرُهم إلى المَغْرِبِ.

والحَشْرُ إخْراجُ جَمْعٍ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ.

﴿ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ ومَنَعَتِهِمْ.

﴿ وَظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ وتَقْدِيمُ الخَبَرِ وإسْنادُ الجُمْلَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ وُثُوقِهِمْ بِحَصانَتِها واعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ بِسَبَبِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حُصُونُهم فاعِلًا لِ مانِعَتُهم.

﴿ فَأتاهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ عَذابُهُ وهو الرُّعْبُ والِاضْطِرارُ إلى الجَلاءِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِ المُؤْمِنِينَ أيْ فَأتاهم نَصْرُ اللَّهِ، وقُرِئَ «فَأتاهُمُ اللَّهُ» أيِ العَذابُ أوِ النَّصْرُ.

﴿ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ لِقُوَّةِ وُثُوقِهِمْ.

﴿ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ وأثْبَتَ فِيها الخَوْفَ الَّذِي يُرْعِبُها أيْ يَمْلَؤُها.

﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ ﴾ ضَنًّا بِها عَلى المُسْلِمِينَ وإخْراجًا لِما اسْتَحْسَنُوا مِن آلاتِها.

﴿ وَأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ فَإنَّهم أيْضًا كانُوا يُخْرِبُونَ ظَواهِرَها نِكايَةً وتَوْسِيعًا لِمَجالِ القِتالِ.

وعَطْفُها عَلى «أيْدِيهِمْ» مِن حَيْثُ إنَّ تَخْرِيبَ المُؤْمِنِينَ مُسَبَّبٌ عَنْ نَقْضِهِمْ فَكَأنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوهم فِيهِ، والجُمْلَةُ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِ ( الرُّعْبَ ) .

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو يُخَرِّبُونَ بِالتَّشْدِيدِ وهو أبْلَغُ لِما فِيهِ مِنَ التَّكْثِيرِ.

وقِيلَ: الإخْرابُ التَّعْطِيلُ أوْ تَرْكُ الشَّيْءِ خَرابًا والتَّخْرِيبُ الهَدْمُ.

﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ فاتَّعِظُوا بِحالِهِمْ فَلا تَغْدِرُوا ولا تَعْتَمِدُوا عَلى غَيْرِ اللَّهِ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمْرٌ بِالمُجاوَزَةِ مِن حالٍ إلى حالٍ وحَمْلُها عَلَيْها في حُكْمٍ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشارَكَةِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ عَلى ما قَرَّرْناهُ في الكُتُبِ الأُصُولِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)

{هُوَ الذى أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب} يعني يهود بني النضير {مِن ديارهم} بالمدينمة واللام في {لأول الحشر} تتعلق باخرج وهي اللام في

قوله تعالى يا ليتني قدمت لحياتي وقوله جئته لوقت كذا أي أخرج الذين كفروا عند أول الحشر ومعنى أول الحشر أن هذا أول حشرهم إلى الشأم وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشأم أو هذا أول حشرهم وآخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام وآخر حشرهم حشر يوم القيامة قال ابن عباس رضي الله عنهما من شك أن المحشر بالشأم فليقرأ هذه الآية فهم الحشر الأول وسائر الناس الحشر الثاني وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرجوا امضوا فإنكم أول الحشر ونحن على الأثر قتادة إذا كان آخر الزمان جاءتنار من قبل المشرق فحشرت الناس إلى أرض الشأم وبها تقوم عليهم القيامة وقيل معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم لان أول قتال قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} لشدة بأسهم ومنعتهم ووثاقة حصونهم وكثرة عددهم وعدتهم {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ الله} أي ظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله والفرق بين هذا التركيب وبين النظم الذي جاء عليه أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم وفي تصيير ضميرهم اسما لأن وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في مغازلتهم وليس ذلك في قولك وظنوا أن حصونهم تمنعهم {فأتاهم الله} أي أمر الله وعقابه وفي الشواذ فآتاهم الله أي فآتاهم الهلاك {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} من حيث لم يظنوا ولم يخطر ببالهم وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غرة على بد أخيه رضاعاً {وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب} الخوف {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين} يُخْرِبُونَ أبو عمرو والتخريب والإخراب الإفساد بالنقض والهدم والخَرُبة الفساد وكانوا

يخرّبون بواطنها والمسلمون ظواهرها لما أراد الله من استئصال شأنهم وأن لا نبقي لهم بالمدينة دار ولا منهم ديّار والذي دعاهم إلى التخريب حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة وأن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب والساج وأما

المؤمنون فداعيهم إلى التخريب

إزالة متحصنهم وأن يتسع لهم مجال الحرب ومعنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين أنهم لما عرضوهم بنكث العهد لذلك وكانوا السبب فيه فكانهم أمروهم به وكلفوهم إياه {فاعتبروا يا أولي الأبصار} أي فتأملوا فيما نزل بهؤلاء والسبب الذي استحقوا به ذلك فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم فتعاقبوا بمثل عقوبتهم وهذا دليل على جواز القياس

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ آثارِ عِزَّتِهِ تَعالى وأحْكامِ حِكْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ إثْرَ وصْفِهِ تَعالى بِالعِزَّةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ عَلى الإطْلاقِ، والمُرادُ - بِالَّذِينَ كَفَرُوا - بَنُو النَّضِيرِ - بِوَزْنِ الأمِيرِ - وهم قَبِيلَةٌ عَظِيمَةٌ مِن يَهُودِ خَيْبَرَ كَبَنِي قُرَيْظَةَ، ويُقالُ لِلْحَيَّيْنِ: الكاهِنانِ لِأنَّهُما مِن ولَدِ الكاهِنِ بْنِ هارُونَ كَما في البَحْرِ، ويُقالُ: إنَّهم نَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ في فِئَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ انْتِظارًا لِخُرُوجِ الرَّسُولِ  فَكانَ مِن أمْرِهِمْ ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى.

وقِيلَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ أرْسَلَهم إلى قَتْلِ العَمالِيقِ، وقالَ لَهم: لا تَسْتَحْيُوا مِنهم أحَدًا فَذَهَبُوا ولَمْ يَفْعَلُوا وعَصَوْا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا رَجَعُوا إلى الشّامِ وجَدُوهُ قَدْ ماتَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهم بَنُو إسْرائِيلَ: أنْتُمْ عُصاةُ اللَّهِ تَعالى واللَّهِ لا دَخَلْتُمْ عَلَيْنا بِلادَنا فانْصَرَفُوا إلى الحِجازِ إلى أنْ كانَ ما كانَ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهم بَنُو قُرَيْظَةَ وهو وهْمٌ كَما لا يَخْفى، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ أيْ كائِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ، والثّانِي مُتَعَلِّقٌ - بِأخْرَجَ - وصَحَّتْ إضافَةُ الدِّيارِ إلَيْهِمْ لِأنَّهم كانُوا نَزَلُوا بَرِّيَّةَ لا عُمْرانَ فِيها فَبَنَوْا فِيها وسَكَنُوا، وضَمِيرُ ”هو“ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى بِعُنْوانِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ إمّا بِناءً عَلى كَمالِ ظُهُورِ اتِّصافِهِ تَعالى بِهِما مَعَ مُساعَدَةٍ تامَّةٍ مِنَ المَقامِ، أوْ عَلى جَعْلِهِ مُسْتَعارًا لِاسْمِ الإشارَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهُ يَأْتِيكم بِهِ  ﴾ أيْ بِذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ المَنعُوتُ بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ الَّذِي أخْرَجَ إلَخْ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ في الإخْراجِ حِكْمَةً باهِرَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأوَّلِ الحَشْرِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِأخْرَجَ - واللّامُ لامُ التَّوْقِيتِ كالَّتِي في قَوْلِهِمْ: كَتَبْتُهُ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ.

ومَآلُها إلى مَعْنى - في -الظَّرْفِيَّةِ، ولِذا قالُوا هُنا أيْ في أوَّلِ الحَشْرِ لَكِنَّهم لَمْ يَقُولُوا: إنَّها بِمَعْنى - في - إشارَةً إلى أنَّها لَمْ تَخْرُجْ عَنْ أصْلِ مَعْناها وأنَّها لِلِاخْتِصاصِ لِأنَّ ما وقَعَ في وقْتٍ اخْتَصَّ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأوْقاتِ، وقِيلَ: إنَّها لِلتَّعْلِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ، ومَعْنى أوَّلِالحَشْرِ أنَّ هَذا أوَّلُ حَشْرِهِمْ إلى الشّامِ أيْ أوَّلُ ما حُشِرُوا وأُخْرِجُوا، ونَبَّهَ بِالأوَّلِيَّةِ عَلى أنَّهم لَمْ يُصِبْهم جَلاءٌ قَبْلُوَلَمْ يُجْلِهِمْ بُخْتُنَصَّرَ حِينَ أجْلى اليَهُودَ بِناءً عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَعَهم إذْ ذاكَ وإنَّ نَقْلَهم مِن بِلادِ الشّامِ إلى أرْضِ العَرَبِ كانَ بِاخْتِيارِهِمْ، أوْ لَمْ يُصِبْهم ذَلِكَ في الإسْلامِ، أوْ عَلى أنَّهم أوَّلُ مَحْشُورِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ إلى الشّامِ، ولا نَظَرَ في ذَلِكَ إلى مُقابَلَةِ الأوَّلِ بِالآخَرِ، وبَعْضُهم يَعْتَبِرُها فَمَعْنى أوَّل ِالحَشْرِ أنَّ هَذا أوَّلُ حَشْرِهِمْ وآخِرُ حَشْرِهِمْ إجْلاءُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إيّاهم مِن خَيْبَرَ إلى الشّامِ، وقِيلَ: آخِرُ حَشْرِهِمْ حَشْرِهِمْ يَوْمُ القِيامَةِ لِأنَّ المَحْشَرَ يَكُونُ بِالشّامِ.

وعَنْ عِكْرِمَةَ مَن شَكَّ أنَّ المَحْشَرَ ها هُنا يَعْنِي الشّامَ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ، وكَأنَّهُ أخَذَ ذَلِكَ مِن أنَّ المَعْنى الأوَّلَ حَشْرُهم إلى الشّامِ فَيَكُونُ لَهم آخِرَ حَشْرٍ إلَيْهِ أيْضًا لِيَتِمَّ التَّقابُلُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ مِنَ القُبُورِ، ولا يَخْفى أنَّهُ ضَعِيفُ الدَّلالَةِ وفي البَحْرِ عَنْ عِكْرِمَةَ والزُّهْرِيِّ أنَّهُما قالا: المَعْنى لِأوَّلِ مَوْضُوعِ الحَشْرِ وهو الشّامُ، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ  قالَ لَهم: ««اخْرُجُوا قالُوا: إلى أيْنَ ؟

قالَ: إلى أرْضِ المَحْشَرِ»» ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذا المَعْنى أيْضًا، وقِيلَ: آخِرُ حَشْرِهِمْ أنَّ نارًا تَخْرُجُ قَبْلَ السّاعَةِ فَتَحْشُرُهم كَسائِرِ النّاسِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أُرِيدَ حَشْرُ القِيامَةِ أيْ هَذا أوَّلُهُ والقِيامُ مِنَ القُبُورِ آخِرُهُ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: المَعْنى أخْرَجَهم مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ جَمْعٍ حَشَرَهُ النَّبِيُّ  أوْ حَشَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِقِتالِهِمْ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ قَصْدِ قِتالِهِمْ، وفِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ لِوَصْفِ العِزَّةِ ما لا يَخْفى، ولِذا قِيلَ: إنَّهُ الظّاهِرُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ النَّبِيَّ  لَمْ يَكُنْ جَمَعَ المُسْلِمِينَ لِقِتالِهِمْ في هَذِهِ المَرَّةِ أيْضًا ولِذا رَكِبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِمارًا مَخْطُومًا بِلِيفٍ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وفِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: لِأوَّلِ جَمْعِهِمْ لِلْمُقاتَلَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهم لَمْ يَجْتَمِعُوا لَها قَبْلُ، والحَشْرُ إخْراجُ جَمْعٍ سَواءً كانَ مِنَ النّاسِ لِحَرْبٍ أوْ لا، نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُ المَحْشُورِ جَمْعًا مِن ذَوِي الأرْواحِ لا غَيْرَ، ومَشْرُوعِيَّةُ الإجْلاءِ كانَتْ في ابْتِداءِ الإسْلامِ، وأمّا الآنَ فَقَدْ نُسِخَتْ، ولا يَجُوزُ إلّا القَتْلُ أوِ السَّبْيُ أوْ ضَرْبُ الجِزْيَةِ ﴿ ما ظَنَنْتُمْ ﴾ أيُّها المُسْلِمُونَ ﴿ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ ومَنَعَتِهِمْ ووِثاقَةِ حُصُونِهِمْ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعِدَّتِهِمْ.

﴿ وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ ظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم مانِعَتُهم أوْ تَمْنَعُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى - فَحُصُونُهم - مُبْتَدَأٌ و”مانِعَتُهم“ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ”أنَّ“ وكانَ الظّاهِرُ لِمُقابَلَةِ ﴿ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ وظَنُّوا أنْ لا يَخْرُجُوا والعُدُولُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِتَفاوُتِ الظَّنِينِ، وأنَّ ظَنَّهم قارَبَ اليَقِينَ فَناسَبَ أنْ يُؤْتى بِما يَدُلُّ عَلى فَرْطِ وُثُوقِهِمْ بِما هم فِيهِ فَجِيءَ - بِمانِعَتِهِمْ.

وحُصُونُهم - مُقَدِّمًا فِيهِ الخَبَرَ عَلى المُبْتَدَأِ ومَدارُ الدَّلالَةِ التَّقْدِيمُ لِما فِيهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ فَكَأنَّهُ لا حِصْنَ أمْنَعُ مِن حُصُونِهِمْ، وبِما يَدُلُّ عَلى اعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ لا يُبالِي مَعَهُما بِأحَدٍ يَتَعَرَّضُ لَهم أوْ يَطْمَعُ في مَعازَتِهِمْ، فَجِيءَ بِضَمِيرِ - هُمْ- وصُيِّرَ اسْمًا - لِأنَّ- وأُخْبِرَ عَنْهُ بِالجُمْلَةِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّقْوى عَلى ما في الكَشْفِ وشَرْحِالطَّيِّبِيِّ، وفي كَوْنِ ذَلِكَ مِن بابِ التَّقْوى بَحْثٌ، ومَنَعَ بَعْضُهم جَوازَ الإعْرابِ السّابِقِ بِناءً عَلى أنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ المُشْتَقِّ عَلى المُبْتَدَأِ المُحْتَمَلِ لِلْفاعِلِيَّةِ لا يَجُوزُ كَتَقْدِيمِ الخَبَرِ إذا كانَ فِعْلًا، وصَحَّحَ الجَوازَ في المُشْتَقِّ دُونَ الفِعْلِ، نَعَمِ اخْتارَ صاحِبُ الفَرائِدِأنْ يَكُونَ «حُصُونُهم» فاعِلًا - لِمانِعَتِهِمْ - لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ.

وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿ مانِعَتُهُمْ ﴾ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿ حُصُونُهُمْ ﴾ ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ الإخْبارَ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ إنْ كانَتْ إضافَةً مانِعَةً لَفْظِيَّةً، وعَدَمُ كَوْنِ المَعْنى عَلى ذَلِكَ إنْ كانَتْ مَعْنَوِيَّةً بِأنْ قَصَدَ اسْتِمْرارَ المَنعِ فَتَأمَّلْ، وكانَتْ ﴿ حُصُونُهُمْ ﴾ عَلى ما قِيلَ أرْبَعَةً: الكَتِيبَةُ والوَطِيحُ والسَّلالِمُ والنَّطاةُ، وزادَ بَعْضُهُمُ الوَخْدَةُ وبَعْضُهم شِقًّا، والَّذِي في القامُوسِ أنَّهُ مَوْضِعٌ بِخَيْبَرَ أوْ وادٍ بِهِ ﴿ فَأتاهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ أمْرُهُ سُبْحانَهُ، وقَدَرُهُ عَزَّ وجَلَّ المُتاحُ لَهم ﴿ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وأبِي صالِحٍ وابْنِ جُرَيْجٍ قَتْلُ رَئِيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَإنَّهُ مِمّا أضْعَفَ قُوَّتَهم وقَلَّ شَوْكَتَهم وسَلَبَ قُلُوبَهُمُ الأمْنَ والطُّمَأْنِينَةَ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ فَأتاهُمُ ﴾ و ﴿ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ فَأتاهم نَصْرُ اللَّهِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وفِيهِ تَفْكِيكُ الضَّمائِرِ.

وقُرِئَ فَآتاهُمُ اللَّهُ، وهو حِينَئِذٍ مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما مَحْذُوفٌ.

أيْ فَآتاهُمُ اللَّهُ العَذابَأوِ النَّصْرَ ﴿ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ أيِ الخَوْفَ الشَّدِيدَ مِن رَعَبْتُ الحَوْضَ إذْ مَلَأْتُهُ لِأنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِيهِ أنَّهُ مَلَأ القَلْبَ، وأصْلُ القَذْفِ الرَّمْيُ بِقُوَّةٍ أوْ مِن بَعِيدٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا لِلْعُرْفِ إثْباتُ ذَلِكَ ورَكْزُهُ في قُلُوبِهِمْ.

﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ ﴾ لِيَسُدُّوا بِما نَقَضُوا مِنها مِنَ الخَشَبِ والحِجارَةِ أفْواهالأزِقَّةِ، ولِئَلّا تَبْقى صالِحَةً لِسُكْنى المُسْلِمِينَ بَعْدَ جَلائِهِمْ ولِيَنْقُلُوا بَعْضَ آلاتِها المَرْغُوبِ فِيها مِمّا يَقْبَلُ النَّقْلَ كالخَشَبِ والعُمُدِ والأبْوابِ ﴿ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ حَيْثُ كانُوا يُخَرِّبُونَها مِن خارِجٍ لِيَدْخُلُوها عَلَيْهِمْ ولِيُزِيلُوا تَحَصُّنَهم بِها ولِيَتَّسِعَ مَجالُ القِتالِ ولِتَزْدادَ نِكايَتُهم، ولَمّا كانَ تَخْرِيبُ أيْدِي المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ أمْرِ أُولَئِكَ اليَهُودِ كانَ التَّخْرِيبُ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ كَأنَّهُ صادِرٌ عَنْهم، وبِهَذا الِاعْتِبارِ عُطِفَتْ ”أيْدِي المُؤْمِنِينَ“ عَلى - أيْدِيهِمْ - وجُعِلَتْ آلَةً لِتَخْرِيبِهِمْ مَعَ أنَّ الآلَةَ هي أيْدِيهِمْ أنْفُسُهم - فَيُخْرِبُونَ - عَلى هَذا إمّا مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ أوْ مِن عُمُومِ المَجازِ، والجُمْلَةُ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ﴿ قُلُوبِهِمُ ﴾ أوْ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وهي إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ تَقْدِيرُهُ فَما حالُهم بَعْدَ الرُّعْبِ ؟

أوْ مَعَهُ أوْ تَفْسِيرٌ لِلرُّعْبِ بِادِّعاءِ الِاتِّحادِ لِأنَّ ما فَعَلُوهُ يَدُلُّ عَلى رُعْبِهِمْ إذْ لَوْلاهُ ما خَرَّبُوها.

وقَرَأ قَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ ومُجاهِدٌ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى وأبُو عَمْرٍو «يُخَرِّبُونَ» بِالتَّشْدِيدِ وهو لِلتَّكْثِيرِ في الفِعْلِ أوْ في المَفْعُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الفاعِلِ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: خَرَّبَ بِمَعْنى هَدَّمَ وأفْسَدَ، وأخْرَبَ تَرَكَ المَوْضُوعَ خَرابًا وذَهَبَ عَنْهُ، فالإخْرابُ يَكُونُ أثَرَ التَّخْرِيبِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنى عُدِّيَ خَرِبَ اللّازِمُ بِالتَّضْعِيفِ تارَةً وبِالهَمْزَةِ أُخْرى ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ فاتَّعَظُوا بِما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ عَلى وجْهٍ لا تَكادُ تَهْتَدِي إلَيْهِ الأفْكارُ، واتَّقُوا مُباشَرَةَ ما أدّاهم إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، واعْبُرُوا مِن حالِهِمْ في غَدْرِهِمْ واعْتِمادِهِمْ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى -الصّائِرَةِ سَبَبًا لِتَخْرِيبِ بُيُوتِهِمْ بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي أعْدائِهِمْ ومُفارَقَةِ أوْطانِهِمْ مُكْرَهِينَ - إلى حالِ أنْفُسِكم فَلا تُعَوِّلُوا عَلى تَعاضُدِ الأسْبابِ وتَعْتَمِدُوا عَلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ بَلْ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.

واشْتَهَرَ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ العَمَلِ بِالقِياسِ الشَّرْعِيِّ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أمَرَ فِيها بِالِاعْتِبارِ وهو العُبُورُ والِانْتِقالُ مِنَ الشَّيْءِ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ في القِياسِ إذا فِيهِ نُقِلَ الحُكْمُ مِنَ الأصْلِ إلى الفَرْعِ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في الأسْنانِ: اعْتَبَرَ حُكْمَها بِالأصابِعِ في أنَّ دِيَتَها مُتَساوِيَةٌ، والأصْلُ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ وإذْ ثَبَتَ الأمْرُ - وهو ظاهِرٌ في الطَّلَبِ الغَيْرِ الخارِجِ عَنِ اقْتِضاءِ الوُجُوبِ أوِ النَّدْبِ - ثَبَتَتْ مَشْرُوعِيَّةُ العَمَلِ بِالقِياسِ، واعْتُرِضَ بَعْدَ تَسْلِيمِ ظُهُورِ الأمْرِ في الطَّلَبِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الِاعْتِبارَ ما ذُكِرَ بَلْ هو عِبارَةٌ عَنِ الِاتِّعاظِ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ حَيْثُ أُطْلِقَ، ويَقْتَضِيهِ في الآيَةِ تَرْتِيبُهُ بِالفاءِ عَلى ما قَبْلَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ” ﴿ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأبْصارِ ﴾ “ [آلَ عِمْرانَ: 13، النُّورَ: 44] ﴿ وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً  ﴾ ولِأنَّ القائِسَ في الفَرْعِ إذا قَدِمَ عَلى المَعاصِي ولَمْ يَتَفَكَّرْ في أمْرِ آخِرَتِهِ يُقالُ: إنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبِرٍ، ولَوْ كانَ القِياسُ هو الِاعْتِبارُ - لَمْ يَصِحَّ هَذا السَّلْبُ - سَلَّمْنا لَكِنْ لَيْسَ في الآيَةِ صِيغَةُ عُمُومٍ تَقْتَضِي العَمَلَ بِكُلِّ قِياسٍ بَلْ هي مُطْلَقَةٌ - فَيَكْفِي في العَمَلِ بِها العَمَلُ بِالقِياسِ العَقْلِيِّ - سَلَّمْنا لَكِنَّ العامَّ مُخَصَّصٌ بِالِاتِّفاقِ إذْ قُلْتُمْ: إنَّهُ إذا قالَ لِوَكِيلِهِ: أعْتِقْ غانِمًا لِسَوادِهِ لا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ ذَلِكَ إلى سالِمٍ، وإنْ كانَ أسْوَدَ، وهُوَ بَعْدالتَّخْصِيصِ لا يَبْقى حُجَّةً فِيما عَدا مَحَلّالتَّخْصِيصِ سَلَّمْنا غَيْرَ أنَّ الخِطابَ مَعَ المَوْجُودِينَ وقْتَهُ فَيَخْتَصُّ بِهِمْ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ الِاعْتِبارُ بِمَعْنى الِاتِّعاظِ حَيْثُ أُطْلِقَ لَما حَسُنَ قَوْلُهُمُ: اعْتَبَرَ فاتَّعَظَ لِما يَلْزَمُ فِيهِ حِينَئِذٍ مِن تَرَتُّبِالشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ وتَرْتِيبُهُ في الآيَةِ عَلى ما قَبْلَهُ لا يَمْنَعُ كَوْنُهُ بِمَعْنى الِانْتِقالِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ مُتَحَقِّقٌ في الِاتِّعاظِ إذِ المُتَّعِظُ بِغَيْرِهِ مُنْتَقِلٌ مِنَ العِلْمِ بِحالِ ذَلِكَ الغَيْرِ إلى العِلْمِ بِحالِ نَفْسِهِ فَكانَ مَأْمُورًا بِهِ مِن جِهَةِ ما فِيهِ مِنَ الِانْتِقالِ - وهو القِياسُ.

والآيَتانِ عَلى ذَلِكَ - ولا يَصِحَّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في القائِسِ العاصِي نَظَرًا إلى كَوْنِهِ قائِسًا، وإنَّما صَحَّ ذَلِكَ نَظَرا إلى أمْرِ الآخِرَةِ، وأطْلَقَ النَّفْيَ نَظَرًا إلى أنَّهُ أعْظَمُ المَقاصِدِ وقَدْ أخَلَّ بِهِ، والآيَةُ إنْ دَلَّتْ عَلى العُمُومِ فَذاكَ وإنْ دَلَّتْ عَلى الإطْلاقِ وجَبَ الحَمْلُ عَلى القِياسِ الشَّرْعِيِّ لِأنَّ الغالِبَ مِنَ الشّارِعِ مُخاطَبَتُنا بِالأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ غَيْرِها، وقَدْ بَرْهَنَ عَلى أنَّ العامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ، وشُمُولُ حُكْمِ خِطابِ المَوْجُودِينَ لِغَيْرِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلَيْهِ، ولا يَضُرُّ الخِلافُ في شُمُول ِاللَّفْظِ وعَدَمِهِ عَلى أنَّهُ إنْ عَمَّ أوْ لَمْ يَعُمَّ هو حُجَّةٌ عَلى الخُصُومِ في بَعْضِ مَحَلِّ النِّزاعِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الحُكْمِ في الباقِي ضَرُورَةَ أنَّهُ لا يَقُولُ بِالفَرْقِ.

هَذا وقالَ الخَفاجِيُّ في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ: قالُوا: إنّا أُمِرْنا في هَذِهِ الآيَةِ بِالِاعْتِبارِ وهُوَرَدُّ الشَّيْءِ إلى نَظِيرِهِ بِأنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ، وهَذا يَشْمَلُ الِاتِّعاظَ والقِياسَ العَقْلِيَّ والشَّرْعِيَّ، وسَوْقُ الآيَةِ الِاتِّعاظَ فَتَدُلُّ عَلَيْهِ عِبارَةٌ وعَلى القِياسِ إشارَةٌ، وتَمامُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ في الكُتُبِ الأُصُولِيَّةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي أربع وعشرون آية مدنية قوله تبارك وتعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ، يعني: صلى لله، ويقال: خضع لله، ويقال: هو التسبيح بعينه مَا فِي السَّماواتِ من الملائكة.

وَما فِي الْأَرْضِ يعني: من الخلق.

وَهُوَ الْعَزِيزُ في ملكه، الْحَكِيمُ في أمره.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: يهود بني النضير.

مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ.

وكان بدأ أمر بني النضير، أن النبيّ  بعث ثلاثة بعوث، أحد البعوث مرشد بن أبي مرشد الغنوي، وأمره على سبعة نفر إلى بعض النواحي، فساروا حتى جاءوا بطن الرجيع، فنزلوا عند شجرة، فأكلوا من تمر عجوة كانت معهم، فسقطت نوايات بالأرض، وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار، فكمنوا بالجبل.

فجاءت امرأة من هذيل ترعى الغنم، فرأت النوايات التي سقطت في الأرض، فأنكرت صفرهن فعرفت أنها تمر المدينة، فصاحت في قومها: أنتم أتيتم.

فجاؤوا يطلبونها، فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، فقالوا لهم: انزلوا ولكم الأمان.

فقالوا: لا نعطي بأيدينا.

فقاتلوهم، فقتلوا كلهم إلا عبد الله بن طارق، فجرحوه وحسبوا أنه قد مات، فتركوه فنجا من بينهم.

وبقي أخوهم عاصم بن ثابت بن الأفلح، ففرغ جعبته ثم جعل يرميهم ويرتجز، ويقاتلهم حتى فنيت سبله ثم طاعن بالرمح حتى انكسر الرمح وبقي السيف.

ثم قال: اللهم إني قد حميت دينك أول النهار، فاحم جسدي في آخره.

وكانوا يجردون من قتل أصحابه، فلما قتلوا عاصماً، حمته الدبر وهي الذنابير، حتى جاء السيل من الليل، فذهب به الدبر.

وأسروا خبيب بن عدي ورجل آخر اسمه زيد بن الديشة، فأما خبيب فذهبوا به إلى مكة، فاشترته امرأة ومعها أناس من قريش- قتل لهم قتيل يوم بدر- فلما جيء بخبيب أتي به في الشهر الحرام، فحبس حتى انسلخ الشهر الحرام ثم خرجوا به من الحرم ليصلبوه، فقال لهم: اتركوني أصلي ركعتين، فصلاهما.

ثم قال: لولا خشيت أن يقولوا جزع من الموت، لازددت.

فقال: اللهم ليس هاهنا أحد أن يبلغ عني رسولك السلام، فبلغ أنت عني السلام.

ثم التفت إلى وجوههم، وقال: اللهم أحصهم عدداً وأهلكهم بدناً يعني: متفرقين، ولا تبقي منهم أحداً.

ثم صلبوه.

وأما صاحبه، الذي أسر معه، اشتراه صفوان بن أمية.

وأما البعث الثاني، فإنه بعث محمد بن سلمة مع أصحابه، فقتل أصحابه عن نحو طريق العراق، وارتث هو من وسط القتلى فنجا.

وأما البعث الثالث، فإن عمرو بن مالك كتب إلى رسول الله  : أن ابعث إليَّ رجالاً يعلموننا القرآن، ويفقهوننا في الدين، فهم في ذمتي وجواري.

فبعث النبيّ  المنذر بن عمرو الساعدي في أربعة عشر من المهاجرين والأنصار، فساروا نحو بئر معونة.

فلما ساروا ليلة من المدينة، بلغهم أن عمرو بن مالك مات، فكتب المنذر بن عمرو إلى رسول الله  يستمده، فأمده  بأربعة نفر منهم عمرو بن أمية الضمري، والحارث بن الصمة، وسعد بن أبي وقاص، ورجل آخر فساروا حتى بلغوا بئر معونة، وكتبوا إلى ربيعة بن عامر بن مالك: نحن في ذمتك وذمة أبيك، أفنقدم إليك أم لا؟

فقال: أنتم في ذمتي وجواري فأقدموا.

فخرج إليهم عامر بن الطفيل، واستعان برعل وذكوان وعصية فخرجوا إلى المسلمين.

فقاتلوهم، فقتلوا كلهم إلا عمرو بن أمية الضمري، والحارث بن الصمة، وسعد بن أبي وقاص، كانوا تخلفوا.

فنزلوا تحت شجرة إذ وقع على الشجرة طير، فرمى عليهم بعلقة دم، فعرفوا أن الطير قد شرب الدم، فقال بعضهم لبعض: قد قتل أصحابنا.

فصعدوا أعلى الجبل، فنظروا فإذا القوم صرعى، وقد اعتكفت عليهم الطير، فقال الحارث بن الصمة: أنا لا أنتهي حتى أبلغ مصارع أصحابي.

فخرج إليهم فقاتل القوم، فقتل منهم رجلين.

ثم أخذوه فقالوا له: ما تحب أن نصنع بك؟

فقال لهم: ابلغوا بي مصارع قومي.

فلما بلغ مصارع أصحابه، أرسلوه فقاتلهم، فقتل منهم اثنين.

ثم قتل فرجع عمرو بن أمية الضمري، ورجع معه الرجلان الآخران إلى رسول الله  ، فخرج رجلان من عند رسول الله  مستأمنين، قد كساهما وحملهما رسول الله  ، فقال: من أنتما؟

قال: كلابيان.

فقتلهما عمرو بن أمية الضمري، وأخذ سلبهما، ودخل على رسول الله  وأخبره الخبر، فقال: بئس ما صنعت حين قتلتهما.

فلما جاء إلى رسول الله  ، وأخبره خبر هذه البعوث الثلاثة في ليلة واحدة، صلى الصبح في ذلك اليوم، وقال في الركعة الثانية: اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سنين كسني يوسف، اللهم العن رعلان وذكوان وبني لحيان، اللهم غفار، غفر الله لها وسالم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله.

فجاء أناس من بني كلاب يلتمسون من رسول الله  دية الكلابيين، وكان رسول الله  حين قدم المدينة، صالح بني النضير على أن لا يكونوا معه ولا عليه فاستعان النبيّ  في عقل الكلابيين قبائل الأنصار فلما بلغ العالية استعان من بني النضير فقال: أعينوني في عقل أصابني، فقال: هؤلاء حلفائي.

فخرج رسول الله  ، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي-  م- إلى بني النضير، فقال حيي بن أخطب: اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا.

فجلس النبيّ  في صفه، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي-  م- فقال حيي بن أخطب لأصحابه: إنما هو في ثلاثة نفر لا ترونه أقرب من الآن، فاقتلوه لا تروا شراً أبداً.

فنزل جبريل-  - وأخبره، فقام النبيّ  كأنه يريد حاجة، حتى دخل المدينة فجاء إنسان، فسألوه عنه فقال: رأيت النبيّ  دخل أول البيوت.

فقاموا من هناك، فقال حيي بن أخطب: عجل أبو القاسم عليه، فقد أردنا أن نطعمه ونعطيه الذي سأله.

فلما رجع النبي  إلى المدينة، جمع الناس وجاء بالجيش، واختلفوا في قتل كَعْب بن الأشرف، فقال بعضهم لبعض: قد كان قتل قبل ذلك، وقال بعضهم: قتل في هذا الوقت.

فبعث محمد بن سلمة، فخرج محمد بن سلمة، وأبو نائلة، ورجلان آخران، فأتوه بالليل، وقالوا: أتيناك نستقرض منك شيئاً من التمر.

فخرج إليهم فقتلوه، ورجعوا إلى النبيّ  ، فخرج إليهم.

النبيّ  مع الجيش إلى بني النضير، فقال لهم: اخرجوا منها.

فإذا جاء وقت الجذاذ، فجذوا ثماركم.

فقالوا: لا نفعل.

فحاصرهم النبي  فقالوا: يا أبا القاسم، نحن نعطيك الذي سألتنا.

قال: «لاَ ولكن اخْرُجُوا مِنْهَا، وَلَكُمْ مَا حَمَلَتِ الإِبِلُ إلاّ الحَلَقَةُ» ، يعني: السلاح، قالوا: لا.

فحاصرهم رسول الله  خمس عشرة ليلة، وأمر بقطع نخيلهم، ونقب بيوتهم.

فلما رأت اليهود ما يصنعون بهم، فكلما نقب المسلمون بيت فروا إلى بيت، آخر ينتظرون المنافقين.

وقد قال المنافقون لهم: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، وإن قوتلتم لننصرنكم.

فلما رأوا أنه لا يأتيهم أحد من المنافقين ولحقهم من الشر ما لحقهم، قال بعضهم لبعض: ليس لنا مقام بعد النخيل، فنحن نعطيك يا أبا القاسم على أن تعتق رقابنا إلا الحلقة ونخرج، فأجلاهم رسول الله  من المدينة، ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة.

فأخذ أموالهم، فقسمها بين المهاجرين، ولم يعطها أحداً من الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين مثل حاجة المهاجرين، وهما سهل بن حنيف وسماك بن خرشة أبو دجانة، فنزلت هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ يعني: بني النضير لِأَوَّلِ الْحَشْرِ، يعني: أول الإجلاء من المدينة.

وقال عكرمة: من شك بأن الحشر هو الشام، فليقرأ هذه الآية هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ.

فلما قال لهم: اخرجوا من المدينة، قالوا: إلى أين؟

قال: إلى أرض المحشر.

فقال لهم: إنهم أول من يحشر، وأخرج من ديارهم.

ثم قال: مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا، يعني: ما ظننتم أيها المؤمنين أن يخرجوا من ديارهم.

وذلك إن بني النضير كان لهم عز ومنعة، وظن الناس أنهم بعزهم ومنعتم لا يخرجون.

وَظَنُّوا أَنَّهُمْ، يعني: وحسبوا بني النضير أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ يعني: أن حصونهم تمنعهم من عذاب الله.

فَأَتاهُمُ اللَّهُ، يعني: أتاهم أمر الله، ويقال: فَأَتاهُمُ اللَّهُ بما وعد لهم.

مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، يعني: لم يظنوا أنه ينزل بهم، وهو قتل كعب بن الأشرف، ويقال: خروج النبي  مع الجيش إليهم.

وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، يعني: جعل في قلوبهم الخوف.

يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ.

وذلك أنهم حصنوا أزقتهم بالدروب، وكان المسلمون ينقبون بيوتهم، ويدخلونها، وكان اليهود ينقبون بيوتهم من الجانب الآخر ويخرجون منها.

ويقال: كان اليهود ينقبون بيوتهم، ليرموا بها على المسلمين وكان المسلمون يخربون نواحي بيوتهم، ليتمكنوا من الحرب.

ويقال: كان اليهود أنفقوا في بيوتهم، فلما علموا أنهم يخرجون منها، جعلوا يخربونها كيلا يسكنها المسلمون وكان المؤمنون يخربونها، ليدخلوا عليهم.

قرأ أبو عمرو يُخْرِبُونَ بالتشديد.

والباقون بالتخفيف.

قال بعضهم: هما لغتان: خرب وأخرب.

وروي عن الفراء أنه قال: من قرأ بالتشديد، فمعناه يهدمون ومن قرأ بالتخفيف، فمعناه يعطلون.

ثم قال فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ، يعني: من له البصارة في أمر الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الحشر، وهو الشام وذلك أَنَّ أكثرهم جاء إلى الشام، وقد رُوِيَ أَنَّ حشرَ القيامة هو إلى بلاد الشام.

وقوله سبحانه: مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا: يريد لمنعتهم وكثرة عددهم.

وقوله تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ أي: كُلَّما هدم المسلمون من تحصينهم في القتال هدموا هم من البيوت ليجبروا الحصن.

ت: والحاصل أَنَّهم يخربون بيوتهم حِسًّا ومعنى أَمَّا حِسًّا فواضح، وأَمَّا معنى فبسوء رأيهم وعاقبة ما أضمروا من خيانتهم وغدرهم، وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ: من الوطن لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا: بالسبي والقتل، قال البخاريُّ: والجلاء:

الإخراج من أرض إلى أرض، انتهى.

ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)

وقوله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ...

الآيةُ سببُهَا قولُ اليهود: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد؟!

فَرَدَّ اللَّهُ عليهم بهذِهِ الآية، قال ابن عباس وجماعة من اللغويين «١» : اللِّينَةُ من النخيل: ما لم يكن عجوةً، وقيل غير هذا.

- ص-: أصل «لِينَة» : لونة، فقلبوا الواوَ ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها، وجمعه لِينٌ كَتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ، قال الأخفش: واللينة كأنَّها لونٌ من النخل، أي: ضرب منه، انتهى.

وقوله عز وجل: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ...

الآية، إعلام بأَنَّ ما أخذ لبني النضير ومن فدك، هو خاصّ بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها بل على حكم خُمُسِ الغنائم وذلك أَنَّ بني النضير لم يُوجَفْ عليها ولا قوتلت كبير قتال، فأخذ منها صلّى الله عليه وسلّم قُوتَ عيالِهِ، وقَسَمَ سائرها في المهاجرين، وأدخل معهم أبا دُجَانَةَ وسَهْلَ بن حنيف/ من الأنصار لأَنَّهما شكيا فقراً، والإيجاف: سرعة السير، والوجيف دون التقريب يقال: وَجَفَ الفرسُ وأوجفه الراكب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الحَشْرِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ جَمِيعَها أُنْزِلَتْ في بَنِي النَّضِيرِ.

وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُسَمِّي هَذِهِ السُّورَةَ "سُورَةَ بَنِي النَّضِيرِ" وهَذِهِ الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ.

ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ والسِّيَرِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  خَرَجَ إلى مَسْجِدِ قِباءٍ، ومَعَهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ، فَصَلّى فِيهِ، ثُمَّ أتى بَنِي النَّضِيرِ، فَكَلَّمَهم أنْ يُعِينُوهُ في دِيَةِ رَجُلَيْنِ كانَ قَدْ آمَنَهُما، فَقَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضِّمْرِيُّ وهو لا يَعْلَمُ، فَقالُوا: نَفْعَلُ، وهَمُّوا بِالغَدْرِ بِهِ، وقالَ عَمْرُو بْنُ جِحاشٍ: أنا أظْهَرُ عَلى البَيْتِ، فَأطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَقالَ سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ: لا تَفْعَلُوا، واللَّهِ لَيُخْبَرَنَّ بِما هَمَمْتُمْ بِهِ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ  الخَبَرَ، فَنَهَضَ سَرِيعًا، فَتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ، فَلَحِقَهُ أصْحابُهُ، فَقالُوا: قُمْتَ ولَمْ نَشْعُرْ؟!

فَقالَ: هَمَّتْ يَهُودٌ بِالغَدْرِ، فَأخْبَرَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ، فَقُمْتُ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ: أنِ اخْرُجُوا مِن بَلْدَتِي، فَلا تُساكِنُونِي، وقَدْ هَمَمْتُمْ بِما هَمَمْتُمْ بِهِ، وقَدْ أجَّلْتُكم عَشْرًا.

فَمَن رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَمَكَثُوا أيّامًا يَتَجَهَّزُونَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ ابْنُ أُبَيٍّ: لا تَخْرُجُوا، فَإنَّ مَعِي ألْفَيْنِ مِن قَوْمِي وغَيْرِهِمْ، وتَمُدُّكم قُرَيْظَةُ، وحُلَفاؤُكم مِن غَطَفانَ، وطَمِعَ حُيَيٌّ فِيما قالَ ابْنُ أُبَيٍّ، فَأرْسَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  : إنّا لا نَخْرُجُ، فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ  ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ لِتَكْبِيرِهِ، وقالَ: حارَبَتْ يَهُودٌ، ثُمَّ سارَ إلَيْهِمْ في أصْحابِهِ، فَلَمّا رَأوْهُ قامُوا، عَلى حُصُونِهِمْ مَعَهُمُ النَّبْلُ والحِجارَةُ، فاعْتَزَلَتْهم قُرَيْظَةُ، وخَذَلَهُمُ ابْنُ أُبَيٍّ، وحُلَفاؤُهم مِن غَطَفانَ، وكانَ رَئِيسُهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ قَدْ خَرَجَ إلى مَكَّةَ فَعاقَدَ المُشْرِكِينَ عَلى التَّظاهُرِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ، فَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فاغْتَرَّهُ فَقَتَلَهُ، وحاصَرَهم رَسُولُ اللَّهِ، وقَطَعَ نَخْلَهُمْ، فَقالُوا: نَحْنُ نَخْرُجُ عَنْ بِلادِكَ، فَأجْلاهم عَنِ المَدِينَةِ، فَمَضى بَعْضُهم إلى الشّامِ، وبَعْضُهم إلى خَيْبَرَ، وقَبَضَ سِلاحَهم وأمْوالَهُمْ، فَوَجَدَ خَمْسِينَ دِرْعًا، وخَمْسِينَ بَيْضَةً، وثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ سَيْفًا.» فَأمّا التَّفْسِيرُ فَقَدْ ذَكَرْنا فاتِحَةَ هَذِهِ السُّورَةِ في [الحَدِيدِ: ١] أحَدُها: أنَّهم أوَّلُ مَن حُشِرَ وأُخْرِجَ مِن دارِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: هم أوَّلُ مَن نُفِيَ مِن أهْلِ الكِتابِ.

والثّانِي: أنَّ هَذا كانَ أوَّلَ حَشْرِهِمْ، والحَشْرُ الثّانِي: إلى أرْضِ المَحْشَرِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ عِكْرِمَةُ: مَن شَكَّ أنَّ المَحْشَرَ إلى الشّامِ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الآيَةَ، «وَأنَّ النَّبِيَّ  قالَ لَهم يَوْمَئِذٍ: اخْرُجُوا، فَقالُوا: إلى أيْنَ؟

قالَ: إلى أرْضِ المَحْشَرِ.» والثّالِثُ: أنَّ هَذا كانَ أوَّلَ حَشْرِهِمْ.

والحَشْرُ الثّانِي: نارٌ تَحْشُرُهم مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّ هَذا كانَ أوَّلَ حَشْرِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ، والحَشْرُ الثّانِي: مِن خَيْبَرَ، وَجَمِيعِ جَزِيرَةِ العَرَبِ إلى أذَرِعاتٍ، وأرِيحا مِن أرْضِ الشّامِ في أيّامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، قالَهُ مُرَّةُ الهَمَدانِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما ظَنَنْتُمْ ﴾ يُخاطِبُ المُؤْمِنِينَ ﴿ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ مِن دِيارِهِمْ لِعِزِّهِمْ، ومَنعَتِهِمْ، وحُصُونِهِمْ ﴿ وَظَنُّوا ﴾ يَعْنِي: بَنِي النَّضِيرِ أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم مِن سُلْطانِ اللَّهِ ﴿ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَ نَبِيَّهُ بِقِتالِهِمْ وإجْلائِهِمْ، ولَمْ يَكُونُوا يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ، ولا يَحْسَبُونَهُ ﴿ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ لِخَوْفِهِمْ مِن رَسُولِ اللَّهِ  ، وقِيلَ: لِقَتْلِ سَيِّدِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو "يُخَرِّبُونَ" بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ الباقُونَ"يُخْرِبُونَ" .

وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ، أمْ لا؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المُشَدَّدَةَ مَعْناها: النَّقْضُ والهَدْمُ.

والمُخَفَّفَةَ مَعْناها: يَخْرُجُونَ مِنها ويَتْرُكُونَها خَرابًا مُعَطَّلَةً، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قالَ: إنَّما اخْتَرْتُ التَّشْدِيدَ، لِأنَّ بَنِي النَّضِيرِ نَقَضُوا مَنازِلَهُمْ، ولَمْ يَرْتَحِلُوا عَنْها وهي مَعْمُورَةٌ.

والثّانِي: أنَّ القِراءَتَيْنِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

والتَّخْرِيبُ والإخْرابُ لُغَتان ِبِمَعْنًى، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيما فَعَلُوا بِمَنازِلِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ المُسْلِمُونَ كُلَّما ظَهَرُوا عَلى دارٍ مِن دُورِهِمْ هَدَمُوها لِيَتَّسِعَ لَهم مَكانُ القِتالِ، وكانُوا هم يُنَقِّبُونَ دُورَهُمْ، فَيَخْرُجُونَ إلى ما يَلِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ المُسْلِمُونَ كُلَّما هَدَمُوا شَيْئًا مِن حُصُونِهِمْ نَقَضُوا ما يَبْنُونَ بِهِ الَّذِي خَرَّبَهُ المُسْلِمُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَنْظُرُونَ إلى الخَشَبَةِ في مَنازِلِهِمْ، أوِ العَمُودِ، أوِ البابِ، فَيَسْتَحْسِنُونَهُ، فَيَهْدِمُونَ البُيُوتَ، ويَنْزِعُونَ ذَلِكَ مِنها، ويَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ، ويُخَرِّبُ المُؤْمِنُونَ باقِيَها، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهم كانُوا يُخَرِّبُونَها لِئَلّا يَسْكُنُها المُؤْمِنُونَ، حَسَدًا مِنهُمْ، وبَغْيًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ الِاعْتِبارُ: النَّظَرُ في الأُمُورِ، لِيُعْرَفَ بِها شَيْءٌ آخَرُ مِن جِنْسِها، و " الأبْصارِ " العُقُولُ.

والمَعْنى: تَدَبَّرُوا ما نَزَلَ بِهِمْ ﴿ وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ ﴾ أيْ: قَضى ﴿ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ ﴾ وهو خُرُوجُهم مِن أوْطانِهِمْ.

وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ بَيْنَ الإخْراجِ والجَلاءِ فَرْقَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ الجَلاءَ: ما كانَ مَعَ الأهْلِ والوَلَدِ، والإخْراجُ: قَدْ يَكُونُ مَعَ بَقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ.

والثّانِي: أنَّ الجَلاءَ لا يَكُونُ إلّا لِجَماعَةٍ.

والإخْراجُ: قَدْ يَكُونُ لِواحِدٍ ولِجَماعَةٍ.

والمَعْنى: لَوْلا أنَّ اللَّهَ قَضى عَلَيْهِمْ بِالخُرُوجِ ﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، كَما فَعَلَ بِقُرَيْظَةَ ﴿ وَلَهم في الآخِرَةِ ﴾ مَعَ ما حَلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا عَذاب النّارِ، ذَلِكَ الَّذِي أصابَهم ﴿ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ الآيَةِ [الأنْفالِ: ١٣] و[مُحَمَّدٍ: ٣٢] .

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى جَوازِ مُصالَحَةِ أهْلِ الحَرْبِ عَلى الجَلاءِ مِن دِيارِهِمْ مِن غَيْرِ سَبْيٍ ولا اسْتِرْقاقٍ، وَلا جِزْيَةٍ، ولا دُخُولٍ في ذِمَّةٍ، وهَذا حُكْمٌ مَنسُوخٌ إذا كانَ في المُسْلِمِينَ قُوَّةٌ عَلى قِتالِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِقِتالِ الكُفّارِ حَتّى يُسْلِمُوا، أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ.

وإنَّما يَجُوزُ هَذا الحُكْمُ إذا عَجَزَ المُسْلِمُونَ عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى إدْخالِهِمْ في الإسْلامِ أوِ الذِّمَّةِ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ مُصالَحَتُهم عَلى الجَلاءِ مِن بِلادِهِمْ.

وفي هَذِهِ القِصَّةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ مُصالَحَتِهِمْ عَلى مَجْهُولٍ مِنَ المالِ، لِأنَّ النَّبِيَّ  صالَحُهم عَلى أرْضِهِمْ، وعَلى الحَلْقَةِ، وتَرَكَ لَهم ما أقَلَّتِ الإبِلُ، وذَلِكَ مَجْهُولٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  حَرَقَ نَخَلَ بَنِي النَّضِيرِ، وقَطَعَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ بِبَنِي النَّضِيرِ تَحَصَّنُوا في حُصُونِهِمْ، فَأمَرَ بِقَطْعِ نَخِيلِهِمْ، وإحْراقِها، فَجَزِعُوا، وقالُوا: يا مُحَمَّدُ زَعَمْتَ أنَّكَ تُرِيدُ الصَّلاحَ، أفَمِنَ الصَّلاحِ عَقْرُ الشَّجَرِ، وقَطْعُ النَّخْلِ؟

وهَلْ وجَدْتَ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْكَ الفَسادَ في الأرْضِ؟

فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، ووَجَدَ المُسْلِمُونَ في أنْفُسِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ.

واخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَقْطَعُوا، فَإنَّهُ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْنا.

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَغِيظُهم بِقَطْعِهِ،» والثّانِي: أنَّهُ النَّخْلُ والشَّجَرُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ألْوانُ النَّخْلِ كُلِّها إلّا العَجْوَةَ، والبَرْنِيَّةَ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُ المَدِينَةِ يُسَمُّونَ جَمِيعَ النَّخِيلِ: الألْوانَ، ما خَلا البَرْنِيَّ، والعَجْوَةَ.

وأصْلُ "لِينَةٍ" لِوْنَةٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.

والرّابِعُ: أنَّها النَّخْلُ كُلُّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعَطِيَّةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنى الآيَةِ: ما قَطَعْتُمْ مِن ألْوانِ النَّخِيلِ.

والخامِسُ: أنَّها كِرامُ النَّخْلِ، قالَهُ سُفْيانُ.

والسّادِسُ: أنَّها ضَرْبٌ مِنَ النَّخْلِ يُقالُ لِتَمْرِها: اللَّوْنُ، وهي شَدِيدُ الصُّفْرَةِ، تَرى نَواهُ مِن خارِجٍ، وكانَ أعْجَبَ ثَمَرِهِمْ إلَيْهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وفي عَدَدِ ما قَطَعَ المُسْلِمُونَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قَطَعُوا وأحْرَقُوا سِتَّ نَخْلاتٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أحْرَقُوا نَخْلَةً وقَطَعُوا نَخْلَةً قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: قَطَعُوا أرْبَعَ نَخْلاتٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانَ ومُقاتِلٌ: بِأمْرِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.

وخِزْيُهُمْ: أنْ يُرِيَهم أمْوالَهم يَتَحَكَّمُ فِيها المُؤْمِنُونَ كَيْفَ أحَبُّوا.

والمَعْنى: ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ، أذِنَ في ذَلِكَ، ودَلَّ عَلى المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَشْرِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفاقٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وهي سُورَةُ بَنِي النَضِيرِ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ قَدْ عاهَدَ بَنِي النَضِيرِ عَلى سِلْمٍ وهم يَرَوْنَ أنَّهُ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، فَلَمّا جَرَتْ هَزِيمَةُ أُحُدٍ ارْتابُوا وداخَلُوا قُرَيْشًا وغَدَرُوا، فَلَمّا رَجَعَ النَبِيُّ  مِن أُحُدٍ تَبَيَّنَ لَهُ مُعْتَقَدُ بَنِي النَضِيرِ وغَدْرُهم بِعَهْدِهِ ومُوالاتُهم لِلْكُفّارِ، فَجَمَعَ إلَيْهِمْ وحاصَرَهم وعاهَدَهم عَلى أنْ يُجْلِيَهم عن أرْضِهِمْ، فارْتَحَلُوا إلى بِلادٍ مُخْتَلِفَةٍ: خَيْبَرُ والشامُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ البِلادِ، ثُمَّ كانَ أمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ مَرْجِعُهُ مِنَ الأحْزابِ.» قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِن اللهِ فَأتاهُمُ اللهِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَسْبِيحِ الجَماداتِ الَّتِي يَتَناوَلُها عُمُومُ "ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ"، وأنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ مَجازٌ، أيْ: أنَّ آثارَ الصَنْعَةِ فِيها والإيجادِ لَها كالتَسْبِيحِ وداعِيَةٍ إلى التَسْبِيحِ مِمَّنْ لَهُ أنْ يُسَبِّحَ، وقالَ مَكِّيٌّ: "سَبَّحَ" مَعْناهُ: صَلّى وسَجَدَ، فَهَذا كُلُّهُ بِمَعْنى الخُضُوعِ والطَوْعِ، و"العَزِيزُ الحَكِيمُ" صِفَتانِ مُناسِبَتانِ لِما يَأْتِي بَعْدُ مِن قِصَّةِ العَدُوِّ الَّذِينَ أخْرَجَهم مِن دِيارِهِمْ.

و ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ هم بَنُو النَضِيرِ، وكانَتْ قَبِيلَةً عَظِيمَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ مُوازِيَةً في القَدْرِ والمَنزِلَةِ لِبَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَ يُقالُ لِلْقَبِيلَتَيْنِ: الكاهِنانِ لِأنَّهُما مِن ولَدِ الكاهِنِ بْنِ هارُونَ، وكانَتْ أرْضُهم وحُصُونُهم قَرِيبَةً مِنَ المَدِينَةِ، ولَهم نَخْلٌ وَأمْوالٌ عَظِيمَةٌ، «فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ  مِن أُحُدٍ خَرَجَ إلى بَنِي النَضِيرِ فَحاصَرَهم وأجْلاهم عَلى أنْ يَحْمِلُوا مِن أمْوالِهِمْ ما أقَلَّتْهُ الإبِلُ حاشى الحَلْقَةَ -وَهِيَ جَمِيعُ السِلاحِ-: فَخَرَجُوا إلى بِلادٍ مُخْتَلِفَةٍ،» فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِأوَّلِ الحَشْرِ" اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى ذَلِكَ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ "الحَشْرَ" هو الجَمْعُ والتَوْجِيهُ إلى ناحِيَةٍ ما، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ: أرادَ حَشْرَ القِيامَةِ، أيْ: هَذا أوَّلُهُ، والقِيامُ مِنَ القُبُورِ آخِرُهُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَبِيَّ  قالَ لَهُمْ: « "امْضُوا، هَذا أوَّلُ الحَشْرِ وإنّا عَلى الأثَرِ"»، وقالَ عِكْرِمَةُ، والزَهْراوِيُّ، وغَيْرُهُما: المَعْنى: لِأوَّلِ مَوْضِعِ الحَشْرِ وهو الشامُ، وذَلِكَ أنَّ أكْثَرَ بَنِي النَضِيرِ جاءَتْ إلى الشامِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ حَشْرَ القِيامَةِ هو إلى الشامِ وأنَّ النَبِيَّ  «قالَ لِبَنِي النَضِيرِ: "اخْرُجُوا"، قالُوا: إلى أيْنَ يا مُحَمَّدُ؟

قالَ: "إلى أرْضِ المَحْشَرِ"،» وقالَ قَوْمٌ -فِي كِتابِ المَهْدَوِيِّ- المُرادُ الحَشْرُ في الدُنْيا الَّذِي هو الجَلاءُ والإخْراجُ، فَهَذا الَّذِي فَعَلَ رَسُولُ اللهِ  بِبَنِي النَضِيرِ أوَّلُهُ، والَّذِي فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِأهْلِ خَيْبَرَ آخِرُهُ، وأخْبَرَتِ الآيَةُ بِمَغِيبٍ، وقَدْ أخْبَرَ النَبِيُّ  بِجَلاءِ أهْلِ خَيْبَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ آخِرَ الحَشْرِ في قَوْلِ النَبِيِّ  في مَرَضِهِ: « "لا يَبْقَيَنَّ دِينانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ"»، فَإنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إجْلاءَ بَقاياهُمْ، قالَ الخَلِيلُ -فِيما حَكى الزَجّاجُ -: سُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِأنَّهُ أحاطَ بِها بِحْرُ الحَبَشَةِ وبَحْرُ فارِسٍ ودِجْلَةُ والفُراتُ.

وفي هَذِهِ الإحاطَةِ نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ مَعْناهُ: لِمَنعَتِهِمْ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَلَمْ تَكُنْ آمالُكم وظُنُونُكم تَنْتَهِي إلى أنَّهم يَخْرُجُونَ ويَدَّعُونَ أمْوالَهم لَكُمْ، وبِحَسَبِ ذَلِكَ مِنَ المَنعَةِ والعَدَدِ والتَحَصُّنِ ظَنُّوا هم أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ اللهِ" يُرِيدُ: مِن جُنْدِ اللهِ وحِزْبِ اللهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتاهُمُ اللهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ عِبارَةٌ عن إظْهارِ اللهِ تَعالى المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ وإلْقائِهِمْ في حَيِّزِ الهَزْمِ والذُلِّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الرُعْبَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "الرُعُبُ" بِضَمِّ العَيْنِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ فَقالَ الضَحّاكُ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما: كُلَّما هَدَمَ المُسْلِمُونَ مِن تَحْصِينِهِمْ في القِتالِ هَدَمُوا هم مِنَ البُيُوتِ وجَبَرُوا الحِصْنَ دَأْبًا، فَهَذا مَعْنى تَخْرِيبِهِمْ، وقالَ الزَهْرِيُّ وغَيْرُهُ: كانُوا لِما أُبِيحَ لَهم ما تَسْتَقِلُّ بِهِ الإبِلُ لا يَدْعُونَ خَشَبَةً حَسَنَةً ولا نَجافًا ولا سارِيَةً إلّا قَلَعُوها وخَرَّبُوا البُيُوتَ عنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ مِن حَيْثُ فِعْلُهم بِكُفْرِهِمْ داعِيَةٌ إلى تَخْرِيبِ المُؤْمِنِينَ بُيُوتَهُمْ، فَكَأنَّهم قَدْ خَرَّبُوها بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم لَمّا أزْمَعُوا الجَلاءَ شَحُّوا عَلى تَرْكِ البُيُوتِ سَلِيمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَهَدَمُوا وخَرَّبُوا لِمَعْنى الإفْسادِ عَلى مَن يَأْتِي، وقالَ قَتادَةُ: خَرَّبَ المُؤْمِنُونَ مِن خارِجٍ لِيَدْخُلُوا وخَرَّبُوا هم مِن داخِلٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُخْرِبُونَ" بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- وقَتادَةُ، وعِيسى: "يُخَرِّبُونَ" بِفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ الراءِ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ اللُغَوِيِّينَ: القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: "خَرِبَ" مَعْناهُ: هَدَمَ وأفْسَدَ، و"أخْرَبَ" مَعْناهُ: تَرَكَ المَوْضِعَ خَرابًا وذَهَبَ عنهُ.

ثُمَّ نَبِّهْ تَبارَكَ وتَعالى المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهم مِمَّنْ لَهُ أنْ يَنْظُرَ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِهِ  وصُنْعِهِ لَهُ فِيمَن حادَّهُ وناوَأهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ ﴾ أيِ: العُقُولُ والأفْهامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ هُوَ الذى أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ديارهم لاَِوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخرُجُواْ ﴾ .

يجوز أن تجعل جملة ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا ﴾ إلى آخرها استئنافاً ابتدائياً لقصد إجراء هذا التمجيد على اسم الجلالة لما يتضمنه من باهر تقديره، ولِمَا يؤذن به ذلك من التعريض بوجوب شكره على ذلك الإِخراج العجيب.

ويجوز أن تجعل علة لما تضمنه الخبر عن تسبيح ما في السماوات وما في الأرض من التذكير للمؤمنين والتعريض بأهل الكتاب والمنافقين الذين هم فريقان مما في الأرض فإن القصة التي تضمنتها فاتحة السورة من أهل أحوالهما.

ويجوز أن تجعل مبينة لجملة ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ [الحشر: 1] لأن هذا التسخير العظيم من آثار عزّه وحكمته.

وعلى كل الوجوه فهو تذكير بنعمة الله على المسلمين وإيماء إلى أن يشكروا الله على ذلك وتمهيد للمقصود من السورة وهو قسمة أموال بني النضير.

وتعريف جزأي الجملة بالضمير والموصول يفيد قصر صفة إخراج الذين كفروا من ديارهم عليه تعالى وهو قصر ادعائي لعدم الاعتداد بسعي المؤمنين في ذلك الإِخراج ومعالجتهم بعض أسبابه كتخريب ديار بني النضير.

ولذلك فَجملة ﴿ ما ظننتم أن يخرجوا ﴾ تتنزل منزلة التعليل لجملة القصر.

وجملة ﴿ وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ﴾ عطف على العلة، أي وهم ظنوا أن المسلمين لا يغلبونهم.

وإنما لم يقل: وظنوا أن لا يُخرَجوا.

مع أن الكلام على خروجهم، من قوله تعالى: ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا ﴾ فعدل عنه إلى ﴿ وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ﴾ أي مانعتهم من إخراجهم استغناء عن ذكر المظنون بذكر علة الظن.

والتقدير: وظنوا أن لا يخرجوا لأنهم تمنعهم حصونهم، أي ظنوا ظناً قوياً معتمدين على حصونهم.

والمراد ب ﴿ الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ بنو النضير (بوزن أمير) وهم قبيلة من اليهود استوطنوا بلاد العرب هم وبنو عمهم قُريظة، ويهودُ خَيبر، وكلهم من ذرية هَارون عليْه السلام وكان يقال لبني النضير وبني قريظة: الكاهنان لأن كل فريق منهما من ذرية هارون وهو كاهن الملة الإسرائيلية، والكهانة: حفظ أمور الديانة بيده ويد أعقابه.

وقصة استيطانهم بلاد العرب أن موسى عليه السلام كان أرسل طائفة من أسلافهم لقتال العماليق المجاورين للشام وأرض العرب فقصَّروا في قتالهم وتوفي موسى قريباً من ذلك.

فلما علموا بوفاة موسى رجعوا على أعقابهم إلى ديار إسرائيل في أريحَا فقال لهم قومهم: أنتم عصيتم أمر موسى فلا تدخلوا بلادنا، فخرجوا إلى جزيرة العرب وأقاموا لأنفسهم قُرى حول يثرب (المدينة) وبنوا لأنفسهم حصُوناً وقرية سَموها الزَّهرة.

وكانت حصونهم خمسة سيأتي ذكر أسمائها في آخر تفسير الآية، وصاروا أهل زرع وأموال.

وكان فيهم أهل الثراء مثل السموأل بن عَادِيا، وكَعب بن الأشرف، وابن أبي الحُقَيق، وكان بينهم وبين الأوس والخزرج حِلف ومعاملة، فكان من بطون أولئك اليهود بنو النضير وقريظة وخيبر.

ووسموا ب ﴿ الذين كفروا ﴾ لأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم تسجيلاً عليهم بهذا الوصف الذميم وقد وُصفوا ب ﴿ الذين كفروا ﴾ في قوله تعالى: ﴿ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ﴾ [البقرة: 89] إلى قوله: ﴿ عذاب مهين ﴾ في سورة [البقرة: 90].

وعليه فحرف من } في قوله: ﴿ من أهل الكتاب ﴾ بيانية لأن المراد بأهل الكتاب هنا خصوص اليهود أي الذين كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهم أهل الكتاب وأراد بهم اليهود، فوصفوا ب ﴿ من أهل الكتاب ﴾ لئلا يظن أن المراد ب ﴿ الذين كفروا ﴾ المشركون بمكة أو بقية المشركين بالمدينة فيُظنّ أن الكلام وعيد.

وتفصيل القصة التي أشارت إليها الآية على ما ذكره جمهور أهل التفسير.

أن بني النضير لما هاجر المسلمون إلى المدينة جاؤوا فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له، ويقال: إن مصالحتهم كانت عقبَ وقعة بَدر لمَّا غلَب المسلمون المشركين لأنهم توسّموا أنه لا تهزم لهم راية، فلما غُلب المسلمون يوم أُحد نكثوا عهدهم وراموا مصالحة المشركين بمكة، إذ كانوا قد قعدوا عن نصرتهم يوم بدر (كدأب اليهود في موالاة القوي) فخرج كعب بن الأشرف وهو سيد بني النضير في أربعين راكباً إلى مكة فحَالفوا المشركين عند الكعبة على أن يكونوا عوناً لهم على مقاتلة المسلمين، فلما أُوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك أمرَ محمدَ بن مسلمة أن يقتل كعب بن الأشرف فقتله غيلة في حصنه في قصة مذكورة في كتب السنة والسير.

وذكر ابن إسحاق سبباً آخر وهو أنه لما انقضت وقعة بئر معونة في صفر سنة أربع كان عَمرو بن أمية الضَّمْري أسيراً عند المشركين فأطلقه عامر بن الطفيل.

فلما كان راجعاً إلى المدينة أقبل رجلان من بني عامر وكان لقومهما عقد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلا مع عمرو بن أمية، فلما ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يحسب أنه يثأر بهما من بني عامر الذين قتلوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببئر معونة، ولما قدم عمرو بن أمية أخبر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بما فعل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد قتلت قتيلين ولآدِيَنَّهُمَا»، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين إذ كان بين بني النضير وبين بني عامر حِلف، وأضمر بنو النضير الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلعه الله عليه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتهيّؤ لحربهم.

ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالسيْر إليهم في ربيع الأول سنة أربع من الهجرة فسار إليهم هو والمسلمون وأمرهم بأن يَخرجوا من قريتهم فامتنعوا وتنادوا إلى الحرب ودسّ إليهم عبد الله بنُ أُبيّ ابنُ سلول أن لا يخرجوا من قريتهم وقال: إنْ قاتلَكم المسلمون فنحن معكم ولننصُرنَّكم وإن أخرجتم لَنَخُرجَنّ معكم فَدَرِّبُوا على الأزقة (أي سُدُّوا منافذ بعضها لبعض ليكون كلّ درب منها صالحاً للمدافعة) وحصِّنوها، ووعدهم أن معه ألفين من قومه وغيرهم، وأن معهم قريظة وحلفاءهم من غطفان من العرب فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم وانتظروا عبد الله بن أُبيّ ابن سلول وقريظة وغطفان أن يقدموا إليهم ليردوا عنهم جيش المسلمين فلما رأوا أنهم لم ينجدوهم قذف الله في قلوبهم الرعب فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الصلح فأبى إلا الجلاء عن ديارهم وتشارطوا على أن يخرجوا ويَحملَ كلّ ثلاثة أبيات منهم حِمْل بعير مما شاؤوا من متاعهم، فجعلوا يخرّبون بيوتهم ليحملوا معهم ما ينتفعون به من الخشب والأبواب.

فخرجوا فمنهم من لحق بخيبر، وقليل منهم لحقوا ببلاد الشام في مدن (أريحا) وأذرعات من أرض الشام وخرج قليل منهم إلى الحِيرة.

واللام في قوله: ﴿ لأول الحشر ﴾ لام التوقيت وهي التي تدخل على أول الزمان المجعول ظرفاً لعمللٍ مثل قوله تعالى: ﴿ يقول يا ليتني قدمت لحياتي ﴾ [الفجر: 24] أي من وقت حياتي.

وقولهم: كتب ليوم كذا.

وهي بمعنى (عند).

فالمعنى أنه أخرجهم عند مبدأ الحشر المقدر لهم، وهذا إيماء إلى أن الله قَدر أن يخرجوا من جميع ديارهم في بلاد العرب.

وهذا التقدير أمر به النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي.

فالتعريف في ﴿ الحشر ﴾ تعريف العهد.

والحشر: جمع ناس في مكان قال تعالى: ﴿ وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحّار عليم ﴾ [الشعراء: 36- 37].

والمراد به هنا: حشر يهود جزيرة العرب إلى أرض غيرها، أي جمْعهم للخروج، وهو بهذا المعنى يرادف الجلاء إذا كان الجلاء لجماعة عظيمة تُجمع من متفرق ديار البلاد.

وليس المراد به: حشر يوم القيامة إذ لا مناسبة له هنا ولا يلائم ذكر لفظ «أول» لأن أول كل شيء إنما يكون متحد النوع مع ما أضيف هو إليه.

وعن الحسن: أنه حمل الآية على حشر القيامة وركّبوا على ذلك أوهاماً في أن حشر القيامة يكون بأرض الشام وقد سبق أن ابن عباس احترز من هذا حين سمى هذه السورة «سورة بني النضير» وفي جعل هذا الإِخراج وقتاً لأوّل الحشر إيذان بأن حشرهم يتعاقب حتى يكمل إخراج جميع اليهود وذلك ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم قُبيل وفاته إذ قال: «لا يبقى دينان في جزيرة العرب» وقد أنفذه عمر بن الخطاب حين أجلى اليهود من جميع بلاد العرب.

وقيل: وُصف الحشر بالأول لأنه أول جلاء أصاب بني النضير، فإن اليهود أُجْلُوا من فلسطين مرتين مرة في زمن (بختنصر) ومرة في زمن (طيطس) سلطان الروم وسَلِم بنو النضير ومن معهم من الجلاء لأنهم كانوا في بلاد العرب.

فكان أول جلاء أصابهم جلاء بني النضير.

﴿ يَخْرُجُواْ وظنوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ﴾ .

أي كان ظن المسلمين وظن أهل الكتاب متواردين على تعذر إخراج بني النضير من قريتهم بسبب حصانة حصونهم.

وكان اليهود يتخذون حصوناً يأوون إليها عندما يغزوهم العدوّ مثل حصون خيبر.

وكانت لبني النضير ستة حصون أسماؤها: الكُتيبة (بضم الكاف وفتح المثناة الفوقية) والوَطِيح (بفتح الواو وكسر الطاء) والسُّلاَلم (بضم السين) والنَّطَاةُ (بفتح النون وفتح الطاء بعدها ألف وبهاء تأنيث آخرَه) والوَخْدَة (بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة ودال مهملة) وشَقّ (بفتح الشين المعجمة وتشديد القاف).

ونظم جملة ﴿ وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ﴾ على هذا النظم دون أن يقال: وظَنُّوا أن حصونهم مانعتُهم ليكون الابتداء بضميرهم لأنه سيعقبه إسناد ﴿ مانعتهم ﴾ إليه فيكون الابتداء بضميرهم مشيراً إلى اغترارهم بأنفسهم أنهم في عزة ومَنَعة، وأن مَنَعة حصونهم هي من شؤون عزتهم.

وفي تقديم ﴿ مانعتهم ﴾ وهو وصف على ﴿ حصونهم ﴾ وهو اسم والاسم بحسب الظاهر أولى بأن يجعل في مرتبة المبتدأ ويجعل الوصف خبراً عنه، فعدل عن ذلك إشارة إلى أهمية منَعة الحصون عند ظنهم فهي بمحل التقديم في استحضار ظنهم، ولا عبرة بجواز جعل حصونهم فاعلاً باسم الفاعل وهو ﴿ مانعتهم ﴾ بناء على أنه معتمد على مسند إليه لأن محامل الكلام البليغ تجري على وجوه التصرف في دقائق المعاني فيصير الجائز مرجوحاً.

قال المرزوقي في شرح (باب النسب) قول الشاعر وهو منسوب إلى ذي الرمة في غير ديوان الحماسة: فإن لم يكن إلا مُعَرَّج ساعة *** قليلاً فإني نافع لي قليلها يجوز أن يكون (قليلها) مبتدأ و(نافع) خبر مقدم عليه أي لقصد الاهتمام.

والجملة في موضع خبر (إنّ) والتقدير: إني قليلها نافع لي.

﴿ الله فأتاهم الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى المؤمنين فاعتبروا ياأولى ﴾ .

تفريع على مجموع جملتي ﴿ ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ﴾ اللتين هما تعليل للقصر في قوله تعالى: ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ .

وتركيب (أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) تمثيل، مُثِّل شأنُ الله حين يسّر أسباب استسلامهم بعد أن صمموا على الدفاع وكانوا أهل عِدة وعُدة ولم يطل حصارهم بحال من أخذ حذره من عدوّه وأحكم حراسته من جهاته فأتاه عدوه من جهة لم يكن قد أقام حراسة فيها.

وهذا يشبه التمثيل الذي في قوله تعالى: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده ﴾ [النور: 39].

والاحتساب: مبالغة في الحسبان، أي الظنّ أي من مكان لم يظنوه لأنهم قصروا استعدادهم على التحصّن والمنَعة ولم يعلموا أن قوة الله فوق قوتهم.

والقذف: الرمي باليد بقوة.

واستعير للحصول العاجل، أي حصل الرعب في قلوبهم دفعة دون سابق تأمل ولا حصول سبب للرعب ولذلك لم يؤت بفعل القذف في آية [آل عمران: 151] ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ﴾ والمعنى: وجعل الله الرعب في قلوبهم فأسرعوا بالاستسلام.

وقَذْفُ الرعب في قلوبهم هو من أحوال إتيان الله إياهم من حيث لم يحتسبوا فتخصيصه بالذكر للتعجيب من صنع الله، وعطفُه على أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا عطف خاص على عام للاهتمام.

والرعب}: شدة الخوف والفزع.

وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «نصرت بالرعب»، أي برعب أعداء الدين.

وجملة ﴿ يخربون بيوتهم ﴾ حال من الضمير المضاف إليه ﴿ قلوبهم ﴾ لأن المضاف جزء من المضاف إليه فلا يمنع مجيء الحال منه.

والمقصود التعجيب من اختلال أمورهم فإنهم وإن خربوا بيوتهم باختيارهم لكن داعي التخريب قهري.

والإِخراب والتخريب: إسقاط البناء ونقضه.

والخراب: تهدم البناء.

وقرأ الجمهور ﴿ يخربون ﴾ بسكون الخاء وتخفيف الراء المكسورة مضارع: أَخرب.

وقرأه أبو عمرو وحْده بفتح الخاء وتشديد الراء المكسورة مضارع: خَرَّب.

وهما بمعنى واحد.

قال سيبويه: إن أفعلت وفَعَّلت يتعاقبان نحْو أخربته وخَرّبته، وأفرحته وفرّحته.

يريد في أصل المعنى.

وقد تقدم ما ذكر من الفرق بين: أَنزل ونَزّل في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير.

وأشارت الآية إلى ما كان من تخريب بني النضير بيوتهم ليأخذوا منها ما يصلح من أخشاب وأبواب مما يحملونه معهم ليبنوا به منازلهم في مهاجرهم، وما كان من تخريب المؤمنين بقية تلك البيوت كلما حلّوا بقعة تركها بنو النضير.

وقوله: ﴿ بأيديهم ﴾ هو تخريبهم البيوت بأيديهم، حقيقةٌ في الفعل وفي ما تعلق به، وأما تخريبهم بيوتهم بأيدي المؤمنين فهو مجاز عقلي في إسناد التخريب الذي خربه المؤمنون إلى بني النضير باعتبار أنهم سبَّبوا تخريب المؤمنين لما تركه بنو النضير.

فعطف ﴿ أيدي المؤمنين ﴾ على ﴿ بأيديهم ﴾ بحيث يصير متعلّقاً بفعل ﴿ يخربون ﴾ استعمال دقيق لأن تخريب المؤمنين ديار بني النضير لمّا وجدوها خاوية تخريب حقيقي يتعلق المجرور به حقيقة.

فالمعنى: ويسببون خراب بيوتهم بأيدي المؤمنين فوقع إسناد فعل ﴿ يخربون ﴾ على الحقيقة ووقع تعلق وتعليق ﴿ وأيدي المؤمنين ﴾ به على اعتبار المجاز العقلي، فالمجاز في التعليق الثاني.

وأما معنى التخريب فهو حقيقي بالنسبة لكلا المتعلقين فإن المعنى الحقيقي فيهما هو العبرة التي نبه عليها قوله تعالى: ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ ، أي اعتبروا بأن كان تخريب بيوتهم بفعلهم وكانت آلات التخريب من آلاتهم وآلات عدوهم.

والاعتبار: النظر في دلالة الأشياء على لوازمها وعواقبها وأسبابها.

وهو افتعال من العبرة، وهي الموعظة.

وقول «القاموس»: هي العجب قصور.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾ في سورة [يوسف: 111].

والخطاب في قوله: يا أولي الأبصار} موجّه إلى غير معين.

ونودي أولو الأبصار بهذه الصلة ليشير إلى أن العبرة بحال بني النضير واضحة مكشوفة لكل ذي بَصر مما شاهد ذلك، ولكل ذي بصر يرى مواقع ديارهم بعدهم، فتكون له عبرة قدرة الله على إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال.

وفي انتصار الحق على الباطل وانتصار أهل اليقين على المذبذبين.

وقد احتج بهذه الآية بعض علماء الأصول لإِثبات حجّيّة القياس بناء على أنه من الاعتبار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الحَشْرِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ.

﴿ مِن دِيارِهِمْ ﴾ يَعْنِي مِن مَنازِلِهِمْ.

﴿ لأوَّلِ الحَشْرِ ﴾ أجْلاهم رَسُولُ اللَّهِ  بَعْدَ رُجُوعِهِ مِن أُحُدٍ إلى أذْرُعاتِ الشّامِ، وأعْطى كُلَّ ثَلاثَةٍ بِعِيرًا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ ما اسْتَقَلَّ إلّا السِّلاحَ، وكانَ النَّبِيُّ  قَدْ عاهَدَهم حِينَ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أنْ لا يُقاتِلُوا مَعَهُ ولا عَلَيْهِ، فَكَفُّوا يَوْمَ بَدْرٍ لِظُهُورِ المُسْلِمِينَ، وأعانُوا المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ رَأوْا ظُهُورَهم عَلى المُسْلِمِينَ، فَقَتَلَ رَئِيسُهم كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، قَتَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ غِيلَةً.

ثُمَّ سارَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللِّهِ  فَحاصَرَهم ثَلاثًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً مُحارِبًا حَتّى أجْلاهم عَنِ المَدِينَةِ.

فِي قَوْلِهِ ﴿ لأوَّلِ الحَشْرِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّهم أوَّلُ مَن أجْلاهُ النَّبِيُّ  مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ.

الثّانِي: لِأنَّهُ أوَّلُ حَشْرِهِمْ، لِأنَّهم يُحْشَرُونَ بَعْدَها إلى أرْضِ المَحْشَرِ في القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّهُ لَمّا أجْلى بَنِي النَّضِيرِ قالَ لَهُمُ (امْضُوا فَهَذا أوَّلُ الحَشْرِ وأنا عَلى الأثَرِ).» الثّالِثُ: أنَّهُ أوَّلُ حَشْرِهِمْ لِما ذَكَرَهُ قَتادَةُ أنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِن مَشْرِقِ الشَّمْسِ نارٌ تَحْشُرُهم إلى مَغْرِبِها تَبِيتُ مَعَهم إذا باتُوا [وَتَقِيلُ مَعَهم حَيْثُ قالُوا] وتَأْكُلُ مِنهم مَن تَخَلَّفَ.

﴿ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا ﴾ يَعْنِي مِن دِيارِهِمْ لِقُوَّتِهِمْ وامْتِناعِهِمْ.

﴿ وَظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ مِن أمْرِ اللَّهِ.

﴿ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَحْتَسِبُوا بِأمْرِ اللَّهِ.

الثّانِي: قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ: مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا بِقَتْلِ ابْنِ الأشْرَفِ.

﴿ وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِخَوْفِهِمْ مِن رَسُولِ اللَّهِ.

الثّانِي: بِقَتْلِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ.

﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِأيْدِيهِمْ بِنَقْضِ المُوادَعَةِ، وأيْدِي المُؤْمِنِينَ بِالمُقاتَلَةِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الثّانِي: بِأيْدِيهِمْ في تَرْكِها، وأيْدِي المُؤْمِنِينَ في إجْلائِهِمْ عَنْها، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

الثّالِثُ: بِأيْدِيهِمْ في إخْرابِ دَواخِلِها وما فِيها لِئَلّا يَأْخُذَها المُسْلِمُونَ، وبِأيْدِي المُؤْمِنِينَ في إخْرابِ ظَواهِرِها لِيَصِلُوا بِذَلِكَ إلَيْهِمْ.

قالَ عِكْرِمَةُ: كانَتْ مَنازِلُهم مُزَخْرَفَةً فَحَسَدُوا المُسْلِمِينَ أنْ يَسْكُنُوها فَخَرَّبُوها مِن داخِلٍ، وخَرَّبَها المُسْلِمُونَ مِن خارِجٍ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ: أنَّهم كانُوا كُلَّما هَدَمَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ مِن حُصُونِهِمْ شَيْئًا نَقَضُوا مِن بُيُوتِهِمْ ما يَبْنُونَ بِهِ مِن حُصُونِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الخامِسُ: أنَّ تَخْرِيبَهِمْ بُيُوتَهم أنَّهم لَمّا صُولِحُوا عَلى حِمْلٍ ما أقَلَّتْهُ إبِلُهم جَعَلُوا يَنْقُضُونَ ما أعْجَبَهم مِن بُيُوتِهِمْ حَتّى الأوْتارِ لِيَحْمِلُوها عَلى إبِلِهِمْ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وابْنُ زَيْدٍ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ يُخْرِبُونَ ﴾ قِراءَتانِ: بِالتَّخْفِيفِ، وبِالتَّشْدِيدِ، وفِيهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ ولَيْسَ بَيْنَهُما فَرْقٌ.

الثّانِي: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ.

وَفي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ أرادَ إخْرابَها بِأفْعالِهِمْ، ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ أرادَ إخْرابَها بِفِعْلِ غَيْرِهِمْ قالَهُ أبُو عَمْرٍو.

الثّانِي: أنَّ مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ أرادَ إخْرابَها بِهَدْمِهِمْ لَها.

وَبِالتَّخْفِيفِ أرادَ فَراغَها بِخُرُوجِهِمْ عَنْها، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَلِمَن تَعَمَّقَ بِغَوامِضِ المَعانِي في تَأْوِيلِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم أيْ يُبْطِلُونَ أعْمالَهم بِأيْدِيهِمْ، يَعْنِي بِاتِّباعِ البِدَعِ، وأيْدِي المُؤْمِنِينَ في مُخالَفَتِهِمْ.

﴿ وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالجَلاءِ الفَناءَ ﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ بِالسَّبْيِ.

والثّانِي: يَعْنِي بِالجَلاءِ الإخْراجَ عَنْ مَنازِلِهِمْ ﴿ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي بِالقَتْلِ، قالَهُ عُرْوَةُ.

والفَرْقُ بَيْنَ الجَلاءِ والإخْراجِ - وإنْ كانَ مَعْناهُما في الإبْعادِ واحِدٌ - مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَلاءَ ما كانَ مَعَ الأهْلِ والوَلَدِ، والإخْراجَ قَدْ يَكُونُ مَعَ بَقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ.

الثّانِي: أنَّ الجَلاءَ لا يَكُونُ إلّا لِجَماعَةٍ، والإخْراجَ يَكُونُ لِجَماعَةٍ ولِواحِدٍ.

﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ﴾ وذَلِكَ «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا نَزَلَ عَلى حُصُونِ بَنِي النَّضِيرِ وهي البُوَيْرَةُ حِينَ نَقَضُوا العَهْدَ بِمَعُونَةِ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ قَطَعَ المُسْلِمُونَ مِن نَخْلِهِمْ وأحْرَقُوا سِتَّ نَخْلاتٍ»، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّهم قَطَعُوا نَخْلَةً وأحْرَقُوا نَخْلَةً، وكانَ ذَلِكَ عَنْ إقْرارِ رَسُولِ اللَّهِ  أوْ بِأمْرِهِ، إمّا لِإضْعافِهِمْ بِها أوْ لِسَعَةِ المَكانِ بِقَطْعِها، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا وهم يَهُودُ أهْلِ كِتابٍ: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ نَبِيٌّ تُرِيدُ الإصْلاحَ؟

أفَمِنَ الصَّلاحِ حَرْقُ الشَّجَرِ وقَطْعُ النَّخْلِ؟

وقالَ شاعِرُهم سِماكٌ اليَهُودِيُّ ألَسْنا ورِثْنا كِتابَ الحَكِيمِ عَلى عَهْدِ مُوسى ولَمْ نَصْدِفِ ∗∗∗ وأنْتُمْ رِعاءٌ لِشاءٍ عِجافٍ ∗∗∗ بِسَهْلِ تِهامَةَ والأخْيَفِ ∗∗∗ تَرَوْنَ الرِّعايَةَ مَجْدًا لَكم ∗∗∗ لَدى كُلِّ دَهْرٍ لَكم مُجْحِفٌ ∗∗∗ فَيا أيُّها الشّاهِدُونَ انْتَهُوا ∗∗∗ عَنِ الظُّلْمِ والمَنطِقِ المُؤْنِفِ ∗∗∗ لَعَلَّ اللَّيالِي وصَرْفَ الدُّهُورِ ∗∗∗ يُدَلْنَ عَنِ العادِلِ المُنْصِفِ ∗∗∗ بِقَتْلِ النَّضِيرِ وإجْلائِها ∗∗∗ وعَقْرِ النَّخِيلِ ولَمْ تُقْطَفْ فَأجابَهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هم أُوتُوُا الكِتابَ فَضَيَّعُوهُ ∗∗∗ وهم عُمْيٌ عَنِ التَّوْراةِ بُورُ ∗∗∗ كَفَرْتُمْ بِالقُرْآنِ وقَدْ أتَيْتُمْ ∗∗∗ بِتَصْدِيقِ الَّذِي قالَ النَّذِيرُ ∗∗∗ وهانَ عَلى سَراةِ بَنِي لُؤَيٍّ ∗∗∗ حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ ثُمَّ إنَّ المُسْلِمِينَ جَلَّ في صُدُورِهِمْ ما فَعَلُوهُ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هَذا فَسادٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هَذا مِمّا يَجْزِي اللَّهُ بِهِ أعْداءَهُ ويَنْصُرُ أوْلِياءَهُ فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَنا فِيما قَطَعْنا مِن أجْرٍ؟

وهَلْ عَلَيْنا فِيما تَرَكْنا مِن وِزْرٍ؟

فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ  حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ الآيَةَ.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.

وَفِي اللِّينَةِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: النَّخْلَةُ مِن أيِّ الأصْنافِ كانَتْ، قالَهُ ابْنُ حِبّانَ.

الثّانِي: أنَّها كِرامُ النَّخْلِ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: أنَّها العَجْوَةُ خاصَّةً، قالَهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وذَكَرَ أنَّ العَتِيقَ والعَجْوَةَ كانا مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ، والعَتِيقُ الفَحْلُ، وكانَتِ العَجْوَةُ أصْلَ الإناثِ كُلِّها ولِذَلِكَ شَقَّ عَلى اليَهُودِ قَطْعُها.

الرّابِعُ: أنَّ اللِّينَةَ الفَسِيلَةُ لِأنَّها ألْيَنُ مِنَ النَّخْلَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ غَرَسُوا لِينَها بِمَجْرى مَعِينٍ ∗∗∗ ثُمَّ حَفُّوا النَّخِيلَ بِالآجامِ الخامِسُ: أنَّ اللِّينَةَ جَمِيعُ الأشْجارِ لِلِينِها بِالحَياةِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ طِراقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ ∗∗∗ نَدى لَيْلَةٍ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ قالَ الأخْفَشُ: سُمِّيَتْ لِينَةً اشْتِقاقًا مِنَ اللَّوْنِ لا مِنَ اللِّينِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم في ناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإِبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة يعني السلاح فأنزل الله فيهم ﴿ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا ﴾ فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صالحهم على الجلاء وأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب ذلك عليهم، ولولا ذلك لعذبهم الله في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله: ﴿ لأول الحشر ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام.

وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن عروة مرسلاً قال البيهقي: وهو المحفوظ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: «لم أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير قال: هذا أوّل الحشر وأنا على الأثر» .

وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث «عن ابن عباس قال: من شك أن المحشر بالشام فليقرا هذه الآية ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ﴾ قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: اخرجوا، قالوا: إلى أين؟

قال: إلى أرض المحشر» .

وأخرج أحمد في الزهد عن قيس قال: قال جرير لقومه فيما يعظهم: والله إني لوددت أني لم أكن بنيت فيها لبنة ما أنتم إلا كالنعامة استترت، وإن أرضكم هذه خراب يسراها ثم يتبعها يمناها، وإن المحشر ههنا، وأشار إلى الشام.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لأول الحشر ﴾ قال: فتح الله على نبيه في أول حشر حشر عليهم في أول ما قاتلهم، وفي قوله: ﴿ ما ظننتم ﴾ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يخرجوا من حصونهم أبداً.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال: «أمر الله رسوله بإجلاء بني النضير، وإخراجهم من ديارهم، وقد كان النفاق كثيراً بالمدينة فقالوا: أين تخرجنا؟

قال: أخرجكم إلى المحشر، فلما سمع المنافقون ما يراد بإخوانهم وأوليائهم من أهل الكتاب أرسلوا إليهم فقالوا: إنا معكم محيانا ومماتنا، إن قوتلتم فلكم علينا النصر، وإن أخرجتم لا نتخلف عنكم، ومناهم الشيطان الظهور فنادوا النبي صلى الله عليه وسلم: إنا والله لا نخرج، ولئن قاتلتنا لنقاتلنك، فمضى النبي صلى الله عليه وسلم فيهم لأمر الله وأمر أصحابه، فأخذوا السلاح ثم مضى إليهم، وتحصنت اليهود في دورهم وحصونهم، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أزقتهم أمر بالأدنى من دورهم أن يهدم، وبالنخل أن يحرق ويقطع، وكفّ الله أيديهم وأيدي المنافقين فلم ينصروهم وألقى الله في قلوب الفريقين الرعب، ثم جعلت اليهود كلما خلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من هدم ما يلي مدينتهم ألقى الله في قلوبهم الرعب فهدموا الدور التي هم فيها من أدبارها ولم يستطيعوا أن يخرجوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كادوا أن يبلغوا آخر دورهم وهم ينتظرون المنافقين وما كانوا منوهم، فلما يئسوا مما عندهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان عرض عليهم قبل ذلك، فقاضاهم على أن يجليهم ولهم أن يتحملوا بما استقلت به الإِبل، من الذي كان لهم إلا ما كان من حلقة السلاح، فذهبوا كل مذهب، وكانوا قد عيروا المسلمين حين هدموا الدور وقطعوا النخل، فقالوا: ما ذنب شجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون، فأنزل الله: ﴿ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ ثم جعلها نفلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل منها سهماً لأحد غيره، فقال: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم ﴾ إلى قوله: ﴿ قدير ﴾ فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أراه الله من المهاجرين الأوّلين» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق العوفي عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاء.

وأخرج البغوي في معجمه عن محمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثاً.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير، والجلاء، إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة ولها يقول حسان بن ثابت: فهان على سراة بني لؤيّ ** حريق بالبويرة مستطير فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ .

وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قول الله: ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ﴾ قال: اللينة النخلة ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ قال: استنزلوهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل، فحاك في صدورهم فقال المسلمون: قد قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً فلنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لنا فيما قطعنا من أجر وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ الآية.

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن جابر قال: رخص لهم في قطع النخل، ثم شدد عليهم فقالوا: يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا أو فيما تركنا من وزر، فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ الآية.

وأخرج ابن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني النضير تحصنوا منه في الحصون فأمر بقطع النخل والتحريق فيها فنادوه يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه فما بال قطع النخل وتحريقها؟

فنزلت ﴿ ما قطعتم من لينة....

﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي من مغانم المسلمين، وقال الذين قطعوا: بل هي غيظ للعدوّ فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإِثم، فقال: إنما قطعه وتركه بإذن الله.

وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس أن سورة الحشر نزلت في النضير، وذكر الله فيها الذي أصابهم من النعمة وتسليط رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم حتى عمل بهم الذي عمل بإذنه، وذكر المنافقين الذين كانوا يراسلونهم ويعدونهم النصر فقال: ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأوّل الحشر ﴾ إلى قوله: ﴿ وأيدي المؤمنين ﴾ من هدمهم بيوتهم من تحت الأبواب ثم ذكر قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل وقول اليهود له يا محمد قد كنت تنهىعن الفساد فما بال قطع النخل؟

فقال: ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ يخبرهم أنها نعمة منه، ثم ذكر مغانم بني النضير فقال: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم ﴾ إلى قوله: ﴿ قدير ﴾ أعلمهم أنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء، ثم ذكر مغانم المسلمين مما يوجف عليه الخيل والركاب ويفتح بالحرب فقال: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله واللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ فذا مما يوجف عليه الخيل والركاب، ثم ذكر المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول ومالكاً وداعساً ومن كان على مثل رأيهم فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أُخْرِجْتُمْ لنخرجن معكم ﴾ إلى ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ يعني بني قينقاع الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ﴾ قبل الشام وهم بنو النضير حي من اليهود أجلاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر مرجعه من أحد.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ﴾ قال: النضير إلى قوله: ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ قال: ذلك ما بين ذلك كله.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: من شك أن المحشر إلى بيت القدس فليقرأ هذه الآية ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ﴾ فقد حشر الناس مرة وذلك حين ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة أجلى اليهود.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن كان يعبد الأوثان معه من الأوس والخزرج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر يقولون: إنكم قد آويتم صاحبنا وإنكم أكثر أهل المدينة عدداً، وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنخرجنه ولنستعدين عليكم العرب، ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم وأبناءكم.، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا واجتمعوا وأجمعوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم في جماعة من أصحابه، فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم.

فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة بدر بعد ذلك فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء، وهي الخلاخيل.

فلما بلغ كتابهم اليهود اجتمعت بنو النضير بالغد وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك وليخرج إليك منا ثلاثون حبراً حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك، ويسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا.

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله؟

فأرسلوا: كيف نفهم ونحن ستون رجلاً؟

أخرج في ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنا كلنا وصدقناك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته خبر ما أراد بنو النضر من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أخوها سريعاً حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فسارّه بخبرهم قبل أن يصل إليهم، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحصرهم فقال لهم: إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدونني عليه، فأبوا أن يعطوه عهداً، فقاتلهم يومه ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالكتائب وترك بني النضير ودعاهم إلى أن يعاهدوه فعاهدوه فانصرف عنهم إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإِبل إلا الحلقة، والحلقة السلاح، فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإِبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها، وكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها فيحتملون ما وافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام، وكان بنو النضير من سبط من أسباط بني إسرائيل لم يصبهم جلاء منذ كتب الله الجلاء على بني إسرائيل، فلذلك أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلولا ما كتب الله عليهم من الجلاء لعذبهم في الدنيا كما عذبت بنو قريظة، فأنزل الله: ﴿ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ حتى بلغ ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فكان نخيل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، فأعطاه الله إياها وخصّه بها، فقال: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ يقول: بغير قتال فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها المهاجرين، وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي في أيدي بني فاطمة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك أن قريظة والنضير قبيلتين من اليهود كانوا حلفاء لقبيلتين من الأنصار، الأوس والخزرج في الجاهلية، «فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأسلمت الأنصار وأبت اليهود أن يسلموا سار المسلمون إلى بني النضير وهم في حصونهم، فجعل المسلمون يهدمون ما يليهم من حصونهم ويهدم الآخرون ما يليهم سقط أن يقع عليهم حتى أفضوا إليهم فنزلت ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ﴾ إلى قوله: ﴿ شديد العقاب ﴾ فلما أفضوا إليهم نزلوا على عهد بينهم وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم على أن يجلوهم وأهليهم ويأخذوا أموالهم وأرضهم، فأجلوا ونزلوا خيبر، وكان المسلمون يقطعون النخل، فحدثني رجال من أهل المدينة أنها نخل أصفر كهيئة الدقل تدعى اللينة.، فاستنكر ذلك المشركون، فأنزل الله عذر المسلمين ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ فأما قول الله: ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: لم يسيروا إليهم على خيل ولا ركاب إنما كانوا في ناحية المدينة، وبقيت قريظة بعدهم عاماً أو عامين على عهد بينهم وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء المشركون يوم الأحزاب أرسل المشركون إليهم أن اخرجوا معنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليهم اليهود أن ارسلوا إلينا بخمسين من رهنكم، فجاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المسلمين فحدثهم، وكان نعيم يأمن في المسلمين والمشركين، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قد أرسلوا إلى المشكرين يسألونهم خمسين من رهنهم ليخرجوا معهم فأبوا أن يبعثوا إليهم بالرهن فصاروا حرباً للمسلمين والمشركين فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وخوات بن جبير، فلما أتياهم قال عظيمهم كعب بن الأشرف: إنه قد كان لي جناحان فقطعتم أحدهما فإما أن تردوا عليّ جناحي، وإما أن أتخذ عليكم جناحاً، فقال خوات بن جبير: إني لأهم أن أطعنه بحربتي.

فقال له سعد: إذن يسبق القوم ويأخذون، فمنعه فرجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثاه بالذي كان من أمرهما وأذن الله فيهم، ورجع الأحزاب ووضع النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه فأتاه جبريل، فقال: والذي أنزل عليك الكتاب ما نزلت عن ظهرها منذ نزل بك المشركون حتى هزمهم الله، فسر فإن الله قد أذن لك في قريظة فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه فقال لهم: يا إخوة القردة والخنازير، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فحاشاً فنزلوا على حكم سعد بن معاذ وكان من القبيلة الذين هم حلفاؤهم فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتقسم غنائمهم وأموالهم ويذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حكم بحكم الله فضرب أعناقهم وقسم غنائمهم وأموالهم» .

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن سعيد قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير في حاجة فهموا به فأطلعه الله على ذلك فندب الناس إليهم فصالحهم على أن لهم الصفراء والبيضاء وما أقلت الإِبل، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم النخل والأرض والحلقة قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، ولم يعط أحداً من الأنصار منها شيئاً إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا يوماً إلى النضير ليسألهم كيف الدية فيهم، فلما لم يروا مع رسول الله كثير أحد أبرموا بينهم على أن يقتلوه ويأخذوا أصحابه أسارى ليذهبوا بهم إلى مكة ويبيعوهم من قريش.

فبينما هم على ذلك إذ جاء من اليهود من المدينة فلما رأى أصحابه يأتمرون بأمر النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: ما تريدون؟

قالوا: نريد أن نقتل محمداً ونأخذ أصحابه، فقال لهم: وأين محمد؟

قالوا: هذا محمد قريب.

فقال لهم صاحبهم: والله لقد تركت محمداً داخل المدينة فأسقط بأيديهم وقالوا: قد أخبر أنه انقطع ما بيننا وبينه من العهد، فانطلق منهم ستون حبراً ومنهم حيي بن أخطب والعاصي بن وائل حتى دخلوا على كعب، وقالوا: يا كعب أنت سيد قومك ومدحهم احكم بيننا وبين محمد، فقال لهم كعب: أخبروني ما عندكم قالوا: نعتق الرقاب ونذبح الكوماء، وإن محمداً انبتر من الأهل والمال فشرفهم كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقلبوا فأنزل الله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ [ النساء: 51] إلى ﴿ فلن تجد له نصيراً ﴾ [ المائدة: 11] ونزل عليه لما أرادوا أن يقتلوه ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يكفيني كعباً؟» فقال ناس من أصحابه فيهم محمد بن مسلمة: نحن نكفيك يا رسول الله ونستحل منك شيئاً فجاؤوه فقالوا: يا كعب إن محمداً كلفنا الصدقة فبعنا شيئاً.

قال عكرمة: فهذا الذين استحلوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم كعب: أرهنوني أولادكم فقالوا: إن ذاك عار فينا غداً تبيح أن يقولوا عبد وسق ووسقين وثلاثة، قال كعب: فاللامة.

قال عكرمة: وهي السلاح، فأصلحوا أمرهم على ذلك فقالوا: موعد ما بيننا وبينك القابلة، حتى إذا كانت القابلة راحوا إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المصلى يدعو لهم بالظفر، فلما جاؤوا نادوه يا كعب، وكان عروساً فأجابهم، فقالت امرأته: وهي بنت عمير أين تنزل قد أشم الساعة ريح الدم، فهبط وعليه ملحفة مورسة، وله ناصية، فلما نزل إليهم قال القوم: ما أطيب ريحك ففرح بذلك فقام إليه محمد بن مسلمة فقال قائل المسلمين: أشمونا من ريحه، فوضع يده على ثوب كعب وقال: شموا فشموا، وهو يظن أنهم يعجبون بريحه، ففرح بذلك، فقال محمد بن مسلمة: بقيت أنا أيضاً، فمضى إليه فأخذ بناصيته ثم قال: اجلدوا عنقه، فجلدوا عنقه، ثم إن رسول الله غدا إلى النضير، فقالوا: ذرنا نبك سيدنا، قال: لا، قالوا فحزة على حزة.

قال: نعم حزة على حزة.

فلما رأوا ذلك جعلوا يأخذون من بطون بيوتهم الشيء لينجوا به والمؤمنون يخربون بيوتهم من خارج ليدخلوا عليهم، فلولا أن كتب الله عليهم الجلاء، قال عكرمة: والجلاء يجلون منهم ليقتلهم بأيديهم.

وقال عكرمة: إن ناساً من المسلمين لما دخلوا على بني النضير أخذوا يقطعون النخل، فقال بعضهم لبعض: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها، وقال قائل من المسلمين: لا يقطعون وادياً ولا ينالون من عدوّ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ وهي النخلة ﴿ أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ﴾ قال: ما قطعتم فبإذني وما تركتم فبإذني.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ قال: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ليدخلوا عليهم، ويخربها اليهود من داخلها.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن مقاتل بن حيان في قول الله عز وجل: ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتلهم، فإذا ظهر على درب أو دار هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال، وكانت اليهود إذا غلبوا على درب أو دار نقبوها من أدبارها ثم حصنوها ودربوها فيقول الله عز وجل: ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ وقوله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ إلى قوله: ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ يعني باللينة النخل، وهي أعجب إلى اليهود من الوصف، يقال لثمرها اللون، فقالت اليهود عند قطع النبي صلى الله عليه وسلم نخلهم وعقر شجرهم: يا محمد زعمت أنك تريد الإِصلاح، أفمن الإِصلاح عقر الشجر وقطع النخل والفساد؟

فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ووجد المسلمون من قولهم في أنفسهم من قطعهم النخل خشية أن يكون فساداً، فقال بعضهم لبعض: لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا، فقال الذين يقطعونها: نغيظهم بقطعها، فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ يعني النخل فبإذن الله وما تركتم قائمة على أصولها فبإذن الله فطابت نفس النبي صلى الله عليه وسلم وأنفس المؤمنين ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ يعني يهود أهل النضير.

وكان قطع النخل وعقر الشجر خزياً لهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري في قوله: ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم ﴾ قال: ما صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم كانوا لا يعجبهم خشبة إلا أخذوها فكان ذلك تخريبها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ يخربون بيوتهم ﴾ من داخل الدار لا يقدرون على قليل ولا كثير ينفعهم إلا خربوه وأفسدوه لئلا يدعوا شيئاً ينفعهم إذا رحلوا، وفي قوله: ﴿ وأيدي المؤمنين ﴾ ويخرب المؤمنون ديارهم من خارجها كيما يخلصوا إليهم، وفي قوله: ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ قال: لسلط عليهم فضربت أعناقهم وسبيت ذراريهم، ولكن سبق في كتابه الجلاء لهم ثم أجلوا إلى أذرعات وأريحا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ قال: كانت بيوتهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها، وكانوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: الجلاء خروج الناس من البلد إلى البلد.

وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ قال: هي النخلة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية وعكرمة ومجاهد وعمرو ابن ميمون مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ من لينة ﴾ قال: نوع من النخل.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: اللينة ما دون العجوة من النخل.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الزهري قال: اللينة ألوان النخل كلها إلا العجوة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ قال: نخلة أو شجرة.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قواماً على أصولها ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن شهاب قال: يلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرق بعض أموال بني النضير فقال قائل: فهان على سراة بني لؤيّ ** حريق بالبويرة مستطير وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: قطع المسلمون يومئذ النخل، وأمسك أناس كراهية أن يكون فساداً فقالت اليهود: الله أذن لكم في الفساد؟

فقال الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ قال: واللينة ما خلا العجوة من النخل إلى قوله: ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ قال: لتغيظوهم ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: ما قطعتم إليها وادياً ولا سيرتم إليها دابة ولا بعيراً إنما كانت حوائط لبني النضير أطعمها الله رسوله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم بين قريش والمهاجرين، النضير فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ قال: ما هي العجوة والفنيق والنخيل، وكانا مع نوح في السفينة، وهما أصل التمر، ولم يعط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار أحداً إلا رجلين أبا دجانة وسهل بن حنيف.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الأوزاعي قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم يهودي فسأله عن المشيئة قال: المشيئة لله، قال: فإني أشاء أن أقوم، قال: قد شاء الله أن تقوم، قال: فإني أشاء أن أقعد، قال: فقد شاء الله أن تقعد، قال: فإني أشاء أن أقطع هذه النخلة، قال: فقد شاء الله أن تقطعها، قال: فإني أشاء أن أتركها، قال: فقد شاء الله أن تتركها، قال: فأتاه جبريل عليه السلام فقال: قد لقنت حجتك كما لقنها إبراهيم عليه السلام، قال: ونزل القرآن ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي وابن المنذر عن الزهري في قوله: ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل فدك وقرى سماها وهو محاصر قوماً آخرين، فأرسلوا بالصلح فأفاءها الله عليهم من غير قتال، ولم يوجفوا عليه خيلاً ولا ركاباً فقال الله: ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ يقول: بغير قتال.

وقد كانت أموال بني النضير للنبي صلى الله عليه وسلم خالصاً لم يفتتحوها عنوة إنما فتحوها على صلح، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا رجلين كانت بهما حاجة أبو دجانة وسهل بن حنيف.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفق على أهله منها نفقة سنتهم، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: يذكرهم ربهم أنه نصرهم وكفاهم بغير كراع ولا عدة في قريظة وخيبر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: أمر الله رسوله بالسير إلى قريظة والنضير، وليس للمؤمنين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيل ولا ركاب يوجف بها.

قال: والايجاف أن يوضعوا السير وهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من ذلك خيبر وفدك وقرى عربية، وأمر الله رسوله أن يعد لينبع، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتواها كلها، فقال أناس: هلا قسمها فأنزل الله عذره فقال: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ﴾ إلى قوله: ﴿ شديد العقاب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ قال: من قريظة جعله الله لمهاجرة قريش خصوا به.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري في قوله: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ قال: بلغني أنها الجزية والخراج.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان ما أفاء الله على رسوله من خيبر نصف لله ورسوله، والنصف الآخر للمسلمين فكان الذي لله ورسوله من ذلك الكتيبة والوطيخ وسلالة ووجدة، وكان الذي للمسلمين الشق والشق ثلاثة عشر سهماً ونطاه خمسة أسهم، ولم يقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر لأحد من المسلمين إلا لمن شهد الحديبية، ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد تخلف عنه عند مخرجه الحديبية أن يشهد معه خيبر إلا جابر بن عبدالله بن عمرو بن حزام الأنصاري.

وأخرج أبو داود وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفايا بني النضير وخيبر وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك فكانت لابن السبيل، وأما خيبر فجزأها ثلاثة أجزاء فقسم منها جزأين بين المسلمين، وحبس جزءاً لنفسه ولنفقة أهله، فما فضل عن نفقة أهله رده على فقراء المهاجرين.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن الأعمش قال: ليس بين مصحف عبدالله وزيد بن ثابت خلاف في حلال وحرام إلا في حرفين في سورة الأنفال ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ [ الأنفال: 41] وفي سورة الحشر ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمهاجرين في سبيل الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ قال: كان الفيء بين هؤلاء، فنسختها الآية التي: في الأنفال فقال: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ [ الأنفال: 41] فنسخت هذه الآية ما كان قبلها في سورة الحشر فجعل الخمس لمن كان له الفيء وصار ما بقي من الغنيمة لسائر الناس لمن قاتل عليها.

وأخرج أبو عبيد في كتاب الأموال وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن مردويه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: بعث إليّ عمر بن الخطاب في الهاجرة، فجئته فدخلت عليه فإذا هو جالس على سرير ليس بينه وبين رمل السرير فراش، متكئ على وسادة من آدم، فقال: يا مالك إنه قدم علينا أهل أبيات من قومك، وإني قد أمرت فيهم برضخ فخذه فأقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين إنهم قومي وأنا أكره أن أدخل بهذا عليهم فمر به غيري فإني لأراجعه في ذلك إذ جاءه يرفا غلامه فقال: هذا عثمان بن عفان وطلحة بن عبيدالله والزبير وعبد الرحمن بن عوف، فأذن لهم فدخلوا، ثم جاءه يرفا فقال: هذا علي وعباس قال: ائذن لهما في الدخول فدخلا، فقال عباس: ألا تعديني على هذا فقال القوم: يا أمير المؤمنين اقض بين هذين وأرح كل واحد منهما من صاحبه، فإن في ذلك راحة لك ولهما.

فجلس عمر ثم قال: اتئدوا.

وحسر عن ذراعيه ثم قال: أنشدكم بالله أيها الرهط هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «انا لا نورث ما تركنا صدقة إن الأنبياء لا تورث» فقال القوم: نعم قد سمعنا ذاك.

ثم أقبل على علي وعباس فقال: أنشدكما بالله هل سمعتما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذاك؟

قالا: نعم، فقال عمر: ألا أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله خص نبيه من هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره يريد أموال بني النضير كانت نقلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لأحد فيها حق معه، فوالله ما احتواها دونكم ولا استأثر بها عليكم، لقد قسمها فيكم حتى كان منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخر منه قوت أهله لسنتهم، ويجعل ما بقي في سبيل المال حتى توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر، فقال: أنا وليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمل بما كان يعمل وأسير بسيرته في حياته، فكان يدخر من هذا المال قنية أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم لسنتهم، ويجعل ما بقي في سبل المال كما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوليها أبو بكر حياته حتى توفي أبو بكر، قلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبي بكر أعمل بما كانا يعملان به في هذا المال فقبضتها، فلما أقبلتما عليّ وأدبرتما وبدا لي أن أدفعها إليكما أخذت عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به فيها وأبو بكر وأنا، حتى دفعتها إليكما أنشدكم الله أيها الرهط هل دفعتها إليهما بذلك؟

قالوا: اللهم نعم، ثم أقبل عليهما فقال: أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟

قالا: نعم، قال: فقضاء غير ذلك تلتمسان مني، فلا والله لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن كنتما عجزتما عنها فأدياها إليّ ثم قال عمر: إن الله قال: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ﴾ إلى آخر الآية ﴿ واتقوا الله إن الله شديد العقاب ﴾ ثم قال: والله ما أعطاها هؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ﴾ ثم والله ما جعلها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿ والذين تبوَّءو الدار والإِيمان ﴾ إلى ﴿ المفلحون ﴾ ثم والله ما أعطاها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ﴾ إلى قوله: ﴿ رحيم ﴾ فقسمها هذا القسم على هؤلاء الذين ذكر.

قال عمر: لئن بقيت ليأتين الرويعي بصنعاء حقه ودمه في وجهه.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيدة وابن زنجويه معاً في الأموال وعبد بن حميد وأبو داود وفي ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ حتى بلغ ﴿ عليم حكيم ﴾ ثم قال: هذه لهؤلاء ثم قرأ ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ حتى بلغ ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ إلى آخر الآية فقال: هذه للمهاجرين، ثم تلا ﴿ والذين تبوّءو الدار والإِيمان من قبلهم ﴾ إلى آخر الآية فقال: هذه للأنصار، ثم قرأ ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ إلى آخر الآية ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة وليس أحد إلا له في هذا المال حق، ألا ما تملكون من وصيتكم ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو يسير حمره نصيه منها لم يعرق فيه جبينه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: اجتمعوا لهذا المال فأنظروا لمن ترونه، ثم قال لهم: إني أمرتكم أن تجتمعوا لهذا المال فتنظروا لمن ترونه، وإني قرأت آيات من كتاب الله فكفتني، سمعت الله يقول: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ والله ما هو لهؤلاء وحدهم ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان ﴾ إلى قوله: ﴿ المفلحون ﴾ والله ما هو لهؤلاء وحدهم ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ﴾ إلى قوله: ﴿ رحيم ﴾ والله ما أحد من المسلمين إلا له حق في هذا المال أعطي منه أو منع عنه حتى راع بعدن.

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وابن زنجويه في الأموال وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما على وجه الأرض مسلم إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: قسم عمر ذات يوم قسماً من المال، فجعلوا يثنون عليه، فقال: ما أحمقكم لو كان لي ما أعطيتكم منه درهماً.

وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال: المال ثلاثة: مغنم، أو فيء، أو صدقة.

فليس منه درهم إلا بيّن الله موضعه.

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يملأ الله أيديكم من العجم ثم يجعلهم أسداً لا يفرون فيقتلون مقاتلتكم ويأكلون فيئكم» .

وأخرج ابن سعد عن السائب بن يزيد سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: والذي لا إله إلا هو ثلاثاً ما من الناس أحد إلا له حق في هذا المال أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد إلى عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرجل وبلاؤه في الإِسلام، والرجل وقدمه في الإِسلام، والرجل وغناه في الإِسلام، والرجل وحاجته في الإِسلام، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه.

وأخرج ابن سعد عن الحسن رضي الله عنه قال: كتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم، فكتب إليه إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير، فكتب إليه عمر: إن فيأهم الذي أفاء الله عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر اقسمه بينهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: وجدت المال قسم بين هذه الثلاثة الأصناف: المهاجرين والأنصار والذين جاؤوا من بعدهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه مثل ذلك.

قوله تعالى: ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه ﴾ الآية.

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ قال: كان يؤتيهم الغنائم وينهاهم عن الغلول.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه ﴾ قال: من الفيء ﴿ وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ قال: من الفيء.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي اله عنه ﴿ وما آتاكم الرسول ﴾ من طاعتي وأمري ﴿ فخذوه وما نهاكم عنه ﴾ من معصيتي فانتهوا.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ألم يقل الله ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ قالوا: بلى، قال: ألم يقل الله: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ [ الأحزاب: 36] الآية قال: فإني أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه سمع ابن عمر وابن عباس يشهدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن المنذر وابن مردويه عن علقمة رضي الله عنه قال: قال عبدالله بن مسعود: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله.

فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت إليه فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله.

قالت: لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه شيئاً من هذا قال: لئن كنت قرأته لقد وجدته أما قرأت ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ أجمعوا على أن هذا في بني النضير، وهم قوم من اليهود كانوا بالمدينة، غدروا بالنبي -  - بعد أن عاهدوا وصاروا عليه مع المشركين يدًا واحدة، فحاصرهم رسول الله -  - حتى رضوا بالجلاء وذلك بعد وقعة بدر بستة أشهر، قاله الزهري (١) وقال محمد بن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي -  - من أحد (٢) قوله: ﴿ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ﴾ ذكر المفسرون فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن جلاءهم ذلك كان أول حشر في الدنيا إلى الشام، قاله الزهري (٣)  - قال لهم يومئذ: "اخرجوا".

فقالوا: إلى أين؟

قال: "إلى أرض المحشر" (٤) والمعنى على هذا القول: أنهم أجلوا إلى الشام فكان ذلك أول حشر حشروا إلى الشام يوم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام.

القول الثاني: أنهم أول من أجلي من أهل الذمة من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب، وكان ذلك أول حشر من المدينة والحشر الثاني كان من خيبر وجزيرة العرب، وهذا قول المقاتلين، ومرة الهمداني، عن ابن عباس (٥) القول الثالث: ما قال قتادة: كان ذلك أول الحشر، والحشر الثاني نارُ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وهو قول عبد الله بن عمرو (٦) (٧) قوله: ﴿ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ﴾ قال ابن عباس: كان أمرهم في صدور المسلمين عظيمًا (٨) ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ ﴾ .

قال ابن عباس: ظنوا أن حصونهم مانعة من سلطان الله، وكانوا أهل حلقة (٩) (١٠) ﴿ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ﴾ أي: أمر الله وعذابه، وهو أنه أمر النبي -  - بقتالهم ومحاصرتهم، فكانوا لا يظنون أن ذلك يكون ولا يحتسبون ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ قالوا يعني بقتل سيدهم كعب بن الأشرف.

قوله تعالى: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ذكر المفسرون في تخريبهم منازلهم ثلاثة أسباب: أحدها: لما أيقنوا بالجلاء وحسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج، وهذا قول عكرمة، وقتادة (١١) وقال مقاتل (١٢) (١٣) ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أنهم عَرضوا لذلك.

وهذا قول مقاتل عن ابن عباس.

قال: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتسع لهم للقتال، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله -  - (١٤) وقال محمد بن إسحاق: ذلك هدمهم عن نحف (١٥) (١٦) (١٧) وقراءة العامة ﴿ يُخْرِبُونَ ﴾ من الإخراب، وقرأ أبو عمرو مشددًا من التخريب (١٨) (١٩) (٢٠) وأخربت من أرض قومي ديارًا (٢١) وقال الفراء: (يخرِّبون) بالتشديد، يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها، ألا ترى أنهم كانوا ينقبون الدار فيعطلونها، فهذا معنى يخربون (٢٢) قوله تعالى: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ قال ابن عباس: يريد يا أهل اللب والعقل والبصائر (٢٣) (٢٤) قال الفراء: ويقال يا أولي الأبصار: يا من عاين ذلك بعينه (٢٥) ومعنى الاعتبار: النظر في أوائل الأمور وأواخرها وتدبرها ليعرف بالنظر فيها شيئًا آخر من جنسها (٢٦) (٢٧) (١) في (ك): (الأزهري).

وانظر: "صحيح البخاري"، كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير 5/ 112، و"فتح الباري" 7/ 330 - 332، و"أسباب النزول" للواحدي ص 479، و"البداية والنهاية" 3/ 74.

(٢) انظر: "تاريخ الأمم والملوك" 2/ 83، و"البداية والنهاية" 4/ 74، و"جامع البيان" 28/ 19 عن قتادة.

وقال ابن حجر عن قول الزهري السابق: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه -  - أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، فالله اعلم.

"فتح الباري" 7/ 33.

(٣) هذا القول عن الزهري أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير، والحاكم، وأخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن عروة مرسلاً.

قال البيهقي: وهو المحفوظ.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 282، و"جامع البيان" 28/ 20، و"الدر" 6/ 187.

(٤) أخرجه البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن عكرمة، عن ابن عباس، انظر: "الكشف والبيان" 13/ 87 أ، وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 332.

(٥) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 87 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 314، و"زاد المسير" 8/ 205.

(٦) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 282، و"الكشف والبيان" 13/ 87 أ، و"زاد المسير" 8/ 204، و"التفسير الكبير" 29/ 279، ولم أجده عن غير قتادة.

(٧) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 279.

ومراد قتادة رحمه الله بالنار التي تحشر الناس ما أخرجه مسلم في كتاب الفتن، من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري وفيه (..

وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم)، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة (...

وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا).

انظر: "صحيح البخاري" كتاب: الرقاق، باب: الحشر.

انظر: "صحيح مسلم"، كتاب: الجنة، باب: (59)، وعند الحاكم، عن عبد الله بن عمرو رفعه: "تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم وتخلّف، تسوقهم سوق الجمل الكبير".

قال ابن حجر: وقد أشكل الجمع بين هذه الأخبار.

وظهر لي في وجه الجمع أن كونها تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها.

والمراد بقوله: "تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق ..

وأما جعل الغاية إلى المغرب فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق مغرب.

"فتح الباري" 11/ 378 - 379 وهذه الأقوال ذكرها الآلوسي، ثم ضعف ما روي عن عكرمة، وضعف ما روي عن قتادة أيضًا، واختار أن يكون المراد بأول الحشر أن أول حشرهم إلى الشام، أو على أنهم أول محشورين من أهل الكتاب من جزية العرب إلى الشام.

"روح المعاني" 28/ 39.

(٨) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 279.

(٩) قال أبو عبيد: الحلقة: اسم يجمع السلاح والدروع وما أشبهها.

انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 64، و"اللسان" 1/ 701 (حلق) ونسبه لابن سيده.

(١٠) لم أجده عن ابن عباس، ولا عن غيره.

(١١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، و"جامع البيان" 28/ 20 عن قتادة.

(١٢) في (ك): (قتادة).

(١٣) ولعلها (وردموا).

(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 147 أ، و"الكشف والبيان" 13/ 87 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 315، و"التفسير الكبير" 29/ 28.

(١٥) النجف: هو العتبة، وهو الذي يستقبل الباب من أعلى العتبة.

انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 114، و"اللسان" 3/ 588 (نجف).

(١٦) انظر: "جامع البيان" 28/ 21، و"البداية والنهاية" 4/ 8.

(١٧) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 282، و"جامع البيان" 28/ 21، و"معالم التنزيل" 4/ 315.

(١٨) قرأ الجمهور (يُخْربون) بالتخفيف.

وقرأ أبو عمرو (يُخَرِّبون) بالتشديد، ووافقه من غير العشرة الحسن، واليزيدي.

انظر: "النشر" 2/ 386، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 413.

(١٩) انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 283، و"حجة القراءات" ص 705، و"الكشف والبيان" 13/ 87 ب.

(٢٠) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 28.

(٢١) "ديوان الأعشى" ص 84، و"الخزانة" 5/ 72، وصدره: أقللْتَ قوْمًا وأعمرتهم (٢٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 143.

(٢٣) انظر: "التفسير الكبير" 29، 282.

(٢٤) "تفسير مقاتل" 147 أ.

(٢٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 143.

(٢٦) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 282.

(٢٧) انظر: "مفردات الراغب" ص 320، و"اللسان" 2/ 668 (عبر).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني بني النضير ﴿ لأَوَّلِ الحشر ﴾ في معناه أربعة أقوال: أحدها أنه حشر القيامة أي خروجهم من حصونهم أول الحشر والقيام من القبور آخره.

وروي في هذا المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: امضوا هذا أول الحشر، وأنا على الأثر.

الثاني: أن المعنى لأول موضع الحشر هو الشام، وذلك أن أكثر بني النضير خرجوا إلى الشام، وقد جاء في الأثر أن حشر القيامة إلى أرض الشام، وروي في هذا المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبني النضير: اخرجوا.

قالوا: إلى أين؟

قال: إلى أرض المحشر الثالث أن المراد الحشر في الدنيا الذي هو الجلاء والإخراج، فأخرجهم من حصونهم أول الحشر، وإخراج أهل خيبر آخره، الرابع أن معناه إخراجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم؛ لأنه أول قتال قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقال الزمخشري: اللام في قوله لأول بمعنى عند كقولك جئت لوقت كذا ﴿ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ ﴾ يعني لكثرة عدتهم ومنعة حصونهم ﴿ فَأَتَاهُمُ الله ﴾ عبارة عن أخذ الله لهم ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المؤمنين ﴾ أما إخراب المؤمنين فهو هدم أسوار الحصون ليدخلوها، وأسند ذلك إلى الكفار في قوله: ﴿ يُخْرِبُونَ ﴾ لأنه كان بسبب كفرهم وغدرهم، وأما إخراب الكفار لبيوتهم فلثلاثة مقاصد: أحدها حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة ويحصنوا ما خرَّبه المسلمون من الأسوار، والثاني ليحملوا معهم ما أعجبهم من الخشب والسواري وغير ذلك.

الثالث أن لا تبقى مساكنهم مبنية للمسلمين فهدموها شحاً عليهم ﴿ فاعتبروا ياأولي الأبصار ﴾ استدل الذين أثبوا القياس في الفقه بهذه الآية، واستدلالهم بها ضعيف خارج عن معناها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد: أبوعمرو.

والباقون: بالتخفيف من الإخراب ﴿ تكون ﴾ بالتاء الفوقانية ﴿ دولة ﴾ بالرفع على " كان " التامة: يزيد.

والآخرون: على التذكير والنصب ﴿ جدار ﴾ بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون: بضمتين من غير ألف.

﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ الباري ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الحشر ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ط ﴿ في الدنيا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ه ﴿ ورسوله ﴾ ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ فانتهوا ﴾ ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه لئلا يوهم أن قوله ﴿ للفقراء ﴾ يتعلق بـ ﴿ شديد ﴾ ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في التفسير.

﴿ خصاصة ﴾ قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله ﴿ المفلحون ﴾ ه لمثل المذكور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ لا لأن ما بعده من تمام القول ﴿ لننصركم ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ معهم ﴾ ج ﴿ لا ينصرونهم ﴾ ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ جدر ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ج لتعلق الكاف بـ ﴿ لا يعقلون ﴾ أو بمحذوف أو مثلهم كمثل ﴿ أمرهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ أليم ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ اكفر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لغد ﴾ ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم فلتنظر لغدها نفس واحد منكم ﴿ واتقوا الله ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ الأولى ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ من خشية الله ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده خبر مبتدأ محذوف ﴿ والشهادة ﴾ ج لاحتمال كون الضمير بدلاً من عالم أو مبتدأ ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط لما قلنا ﴿ المتكبر ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: قال المفسرون: صالح بنو النضر رسول الله  على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هوالنبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رأيه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشاً عند الكعبة، فأمر النبي  محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان اخا كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك.

فتنادوا بالحرب.

وقيل: استمهلوا رسول الله  عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة.

فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشأم إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحُيَيّ بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.

واللام في قوله ﴿ لأول الحشر ﴾ بمعنى الوقت كقولك " جئت ليوم كذا ".

وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.

فمعنى الحشر إخراج الجميع من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين.

وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام كما جاء في الحديث " نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب" قاله قتادة.

وقيل: آخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.

وقيل: معناه لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله  .

قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل " وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم " هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسماً لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم.

قلت: حاصل كلامه  الحصر.

ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله  ﴿ في قلوبهم ﴾ ولاستعمال القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك  ﴾ ومعنى ﴿ لم يحتسبوا ﴾ أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه.

وقذف الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا  كما مر في آل عمران ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب  ﴾ وفي لفظ القذف زيادة تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد " مقذف " فكأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.

قال الفراء ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها.

وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا.

وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الأحكام نحو " فرحته " و " أفرحته " و " حسنة الله " و " أحسنه ".

قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج.

قلت: ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسدّ أفواه الأزقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما أرادوا حمله من جيد الخشب والساج.

وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك.

ثم أمر أهل الابصار الباطنة بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس.

ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على حصونهم وعدّتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوّة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء.

واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي.

وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في الآخرة والعكس لا يلزم.

وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله  وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة نبوّته.

والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم أشدّ من الموت فلهذا قال ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ بالقتل ﴿ ولهم في الآخرة ﴾ بعدما عاينوا في الدنيا ﴿ عذاب النار ذلك ﴾ التخريب أو الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله.

قالت الفقهاء: فيه دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب.

يروى أنه  حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟

فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى ﴿ ما قطعتم ﴾ محله نصب و ﴿ من لينة ﴾ بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل.

وياؤها واو في الأصل كالديمة.

وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله  أن ذلك جائز غيظاً لقلوب الكفرة.

واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون الكفار وقلع أشجارهم.

وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال.

وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله  فقال هذا: تركتها لرسول الله  وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار.

وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي  وعلى أن كل مجتهد مصيب.

قوله ﴿ وما أفاء الله ﴾ أدخل العاطف ههنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها.

ومعنى أفاء جعله فيئاً من فاء إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين.

والإيجاف من الوجيف وهو السير السريع.

وقوله ﴿ عليه ﴾ أي على ما أفاء.

والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله  الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة لا من الفيء.

وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله  ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع.

الثاني تسليم أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله  وكان راكب جمل، فلما كان المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة.

ثم روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة قال الواحدي: كان الفيء مقسوماً في زمان رسول الله  خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله  خاصة وكذا خمس الباقي، والسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، واليتامى والمساكين وابن السبيل.

وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان: أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله  في رباط الثغور.

والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم.

هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال.

ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال ﴿ كيلا يكون دولة ﴾ قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف.

والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم.

قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت الدولة.

فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جداً بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عز بر ومنه قول الحسن " اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً " يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به.

ومن قرأ على " كان " التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاوراً بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها.

قوله ﴿ وما آتاكم ﴾ الآية.

قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول  منها، والأولى عند المحققين العموم.

قوله ﴿ للفقراء ﴾ بدل من قوله ﴿ ولذي القربى ﴾ إلى آخر الأصناف الأربعة.

ولا يجوز أيضاً أن يكون ابتدال البدل من قوله ﴿ فلله ﴾ لأنه يخل بتعظيم قولهم ﴿ وللرسول ﴾ لأنه  أخرجه عن الفقراء بقوله ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير.

ولئن صح أنه  قال " "الفقر فخري" فذاك معنى آخر وهو غنى القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هماً واحداً وهو الافتقار بالكلية إلى الله.

إستدل بعض العلماء بقوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله  .

فلو لم تكن خلافته حقه لزم كذبهم وهو خلاف الآية.

وقال في الكشاف: أراد صدقهم في إيمانهم وجهادهم.

قوله ﴿ والذين تبوّؤا الدار ﴾ معطوف على المهاجرين وكذا قوله ﴿ والذين جاءوا ﴾ وذلك عند من يجعل الغنائم حلاً للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله ﴿ يحبون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ حالين أي الغنائم لهم محببن قائلين.

ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير وقف على ﴿ هم الصادقون ﴾ و ﴿ المفلحون ﴾ وجعل الفعلين خبرين.

وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على الدعاء.

قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طالبت أنفسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم.

وههنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان.

الثاني بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين.

والجواب من الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: "علفتها تبناً وماء بارداً" *** أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان كأنهم جعلوه مستقراً لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان.

والمعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي تقدمه.

وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في الإيمان ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة ﴾ أي حسداً وغيظاً مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره.

وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة.

وقال جار الله: المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطح إلى شيء منه يحتاج إليه ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة.

وفعول ﴿ يؤثرون ﴾ محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.

عن ابن عباس أن النبي  قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم.

فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا نؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت.

والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة وملكة.

قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه.

وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف.

والظاهر أنها نزلت في الفيء كما مر ويدخل فيه غيره.

قوله ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ أي هاجروا بعد المهاجرين الأوّلين.

وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث جميع المؤمنين.

ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا له ملا نطيع في قتالكم أو خذلانكم أحداً.

ثم شهد إجمالاً عليهم بأنهم كاذبون، ثم فصل ذلك قائلاً ﴿ لئن أخرجوا ﴾ إلى قوله ﴿ ولئن نصروهم ﴾ وهذا على سبيل الفرض لأنه  كما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون.

والمعنى لو فرض نصر المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ بعد ذلك أي لا يمنعهم من عذاب الله مانع لظهور كفرهم.

وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين.

وعلى هذا يكون " ثم " لترتيب الأخبار كقوله ﴿ ثم اهتدى  ﴾ ثم بيّن الحكمة في الغزو فقال ﴿ لأنتم أشد رهبة ﴾ قال في الكشاف: أي مرهوبية هي مصدر رهب المبني للمفعول.

وقوله ﴿ في صدورهم ﴾ دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفاً شديداً ورهبتهم في السر منكم أشد من ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته.

وجوز أن يكون المراد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم.

قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا يرتدعون إلا خوفاً من العقوبة العاجلة.

ومن هذا أخذ عمر فقال: ما ينزع السلطان أي يمنع أكثر مما ينزع القرآن.

وقال الشاعر: السيف أصدق إنباء من الكتب *** وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا.

ثم شجع المسلمين بقوله ﴿ لا يقاتلونكم ﴾ أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين ﴿ إلا في قرى محصنة ﴾ غاية التحصين ﴿ أو من وراء جدر ﴾ لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أموراً يعلم الله أنها لا تقع في الخارج على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدوّ يؤيده قوله ﴿ تحسبهم جميعاً ﴾ مجتمعين ذوي تآلف ومحبة ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ متفرقة وهو فعلى من الشت.

وإنما قال ههنا ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ وفي الأوّل ﴿ لا يفقهون ﴾ لأن الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد ههنا أنهم لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا مبطلين.

ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب.

قال جار الله: انتصب ﴿ قريباً ﴾ بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريباً.

قلت: لا يبعد أن يتعلق بصلة الذين.

ثم ضرب مثلاً آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما خصوص إغراء إبليس قريشاً يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله  ﴿ وإذ زين لهم الشيطان  ﴾ إلى قوله ﴿ إني برىء منكم  ﴾ قال مقاتل: وكان عاقبة اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار.

قال جار الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.

وسمى القيامة بالغد تقريباً لمجيئها.

عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد.

وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة.

قال أهل المعاني: تنكير ﴿ نفس ﴾ للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير ﴿ غد ﴾ للتعظيم والتهويل.

قال مقاتل: ونسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم.

قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية.

وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه " هو أبوك ".

استدل أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.

واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل النار لزم خلاف الآية.

والجواب ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم أنه من أهل النار.

ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان.

قال الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله ﴿ وتلك الأمثال ﴾ يعني هذا وغيره من أمثال التنزيل.

وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله ﴿ كمثل الذين ﴾ ﴿ كمثل الشيطان ﴾ ولما وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة.

والقدّوس مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين هذا بالنسبة إلى زمان الماضي والحال.

والسلام إشارة إلى كونه سالماً عن الآفات والعاهات والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة.

المؤمن الواهب الأمن والمصدق لأنبيائه بالمعجزات.

وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في قوله ﴿ ومهيمناً عليه  ﴾ وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء.

ولمكان تعداد هذه الأوصاف كرر قوله ﴿ يسبح له ﴾ إلى آخر السورة.

فمن عزته كان منزهاً عن النقائص أهلاً للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق للخير وإليه المآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ .

قد سبق تأويل التسبيح وبيان وجوهه.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

العزيز: هو الغالب القاهر، وقيل: هو العزيز؛ حيث جعل في كل شيء من خلقه أثر الذل والحاجة، وقوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ له أحد معنيين: معنى الإحكام ومعنى الحكمة: فأما معنى الإحكام فهو أنه أحكم الأشياء على اختلافها وتضادها؛ حيث تشهد له بالوحدانية فهو حكيم؛ حيث وضع الأشياء مواضعها، وخلق الأشياء مواضع.

ثم الأصول التي يتولد منها هذه الأشياء والأفعال ثلاثة: الكيانات والطبائع والعقول: أما الكيانات: فنحو النطفة أنها بحيث تصلح أن يكون منها البشر إذا اتصلت بها موادها، ونحو الماء فإنه بحيث يحيا به كل شيء، وبحيث يصلح به كل شيء.

والطبائع: حيث خلق في البشر، وهي ما يميلون بها إلى المحاسن والمنافع ويحترزون من المساوي والمضار.

والعقول: ليدركوا بها العواقب، ثم إنه علمهم الوجوه التي تتولد من هذه الأشياء؛ فهو حكيم حيث خلق الأصول التي وصفنا، وعلم عباده الأسباب التي بها يولدون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ﴾ هم بنو قريظة، وقال غيره من المفسرين: هم بنو النضير وهو أقرب.

ثم المعنى في إضافة الإخراج إليه يخرج على وجهين: أحطهما: أنه اضطرهم إلى الخروج فنسب الإخراج إليه؛ كما قال الله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [التوبة: 40].

والثاني: أنه خلق الخروج من ديارهم منهم؛ فأضيف إليه بحكم الخلق، ثم الأصل في إضافة الفعل إلى الله  أنه يجوز أن يضاف إليه على التحقيق وعلى التسبيب، وأما الخلق قلما يضاف الفعل إليهم على جهة التسبيب لا على التمكين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ﴾ .

اختلفوا فيه: قال بعضهم: أول الحشر الجلاء إلى الشارم، والحشر الثاني: حشر القيامة.

وقال بعضهم: أو الحشر حشر أهل الكتاب وجلاؤهم من جزيرة العرب، والحشر الثاني: حين أجلاهم عمر -  - إلى الشام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ ﴾ أي: ما ظننتم أيها المؤمنون أن تنتصروا منهم، فضلا عن أن يخرجوا من ديارهم، ولكن ذلك من لطف الله ومنته عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

لا يحتمل أن يتوهم أحدا هذا، والمعنى في ذلك عندنا وجهان - والله أعلم -: أحدهما: أنهم ظنوا أن الله -  - حيث آتاهم القوة والحصون لا يبلغ بهم حكمه المبلغ الذي يخرجون من ديارهم؛ لأنهم كانوا أهل كتاب وكانوا يزعمون أنهم أولى بالله من غيرهم كقوله: ﴿ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ  ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، اي: بالله وبأمره؛ كقوله -  -: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، أي: بأمر الله؛ فعلى ذلك، الأول.

والثاني: أي: ظنوا أن حصونهم وقوتهم تمنعهم من أولياء الله أن يظهروا عليهم، أو من دين الله أن يظهر فيهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ﴾ .

يعني: أنه قذف في قلوبهم الرعب من حيث لم يحتسب المؤمن ولا الكافر؛ لأن المسلمين لم يظنوا أن يقهرهم ويغلبوهم؛ مع قلة عددهم وكثرة عدد أولئك، وكذا لم يحتسب الكفرة أنهم مع قوتهم وقوة حصونهم يقهرون ويغلبون، حتى منّ الله -  - على المؤمنين بأن قذف الرعب في قلوب الكفرة، ذلك لطف عظيم من الله -  - إلى المؤمنين، والله أعلم.

ثم الأصل فيما خرج هذه المخرج من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ  ﴾ ، ومن نحو قوله  : ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً  ﴾ ، ومن نحو قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ  ﴾ ، وما يشاكله أن نحمله على أحد معان ثلاث: أحدها: أن نقول: المراد إتيان آثار فعل الله -  - ويجوز أن يضاف إليه سبيل إضافة حقيقة العمل؛ كما يقال: الصلاة أمر الله، ونحن نعلم أنها ليست بعين أمر الله؛ لكنها أثر أمر الله -  - وكذلك يقال: المطر رحمة الله -  - يعني: أثر رحمته؛ فكذلك إذا نزل بهم آثار حكم الله -  - وتدبيره وفعله: وهو العذاب جاز أن يضاف إليه إضافة حقيقة الفعل، والله أعلم.

والثاني: أن يقال بأن ما كان من هذه الأفعال موصولا بصلة فإنه يجوز أن يراد منه تلك الصلة، وإما نتكلم بإضافة هذا الفعل إليه مجازا؛ على ما اعتاد الناس من أفعالهم إذا أرادوها أن يأتوها بأنفسهم، وشرح ذلك وبيانه أنه قال: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، فكان المقصود من هذا تلك الصلة، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ﴾ ، وكذلك ما أشبهه من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً  ﴾ ، ومن قوله -  -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ، أي: استوى تدبيره من حيث صل منافع الأرض بمنافع السماء، وكذلك ما أشبه، هذا، والله أعلم.

والثالث: نقول بأن هذه أسماء مشتركة المعنى، وما كان سبيله هذا السبيل جاز أن يضاف إلى الله -  - على معنى ليس يقع فيه الاشتراك بالمخلوقين؛ ألا ترى أنه يقال: جاء الليل وذهب النهار، ونحو ذلك على معنى الظهور ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

هذا يدل على أن المالك للمسلمين في أموال أهل الحرب ليس يقع بمجرد الغلبة ما لم يكن ثم أسر؛ لأنه أخبر أن المؤمنين كانوا يخربون بيوتهم: أضاف الملك إلى الكفرة، مع أن الغلبة للمسلمين؛ فإنكم إذا اعتبرتم علمتم أن الله -  - من عليكم؛ حيث أخرج الكفار من ديارهم؛ فإنه لم يكن ذلك بقوتكم.

ويحتمل أن يكون المعنى فيه: فاعتبروا يا أولي الأبصار من أهل الكفار؛ فإن ذلك يدلكم ويعرفكم أن اتفاقكم على النصرة على النبي  لا يغنيكم، كما لم يغن هؤلاء الذين خرجوا إلى مكة واتفقوا مع المشركين، ثم لم يغنهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .

يعني: لولا أن كتب اله عليهم الجلاء في اللوح المحفوظ، لعذبهم في الدنيا بالقتل.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ﴾ .

قال هذا في قوم علم أنهم يموتون على الكفر، وما روي أن أحداً منهم مات على الإسلام؛ فيكون فيه دلالة أن رسول الله  كان يخبر ذلك بالوحي والتنزيل، لا من تلقاء نفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

يحتمل أوجهاً ثلاثة: أحدها: أن يقول: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، يعني: ذلك العذاب في الآخرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، ثم المشاقة والمعاداة والمحادة والمضادة بمنزلة واحدة، وذلك كله: بمعنى المعاداة.

وقوله: ﴿ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

يحتمل أن يكون علم التقديم والتأخير؛ ووجهه أن يقول: إن الله شديد العقاب لمن يشاقق الله ورسوله، أو يكن فيه إضمار كأنه يقول: إن عقوبته لمن يشاق الله ورسوله شديدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

وما ذكر أن اليهود نادوا المسلمين: إنكم تزعمون أن الله لا يحب الفساد، وأنتم تفسدون بقطع النخيل لا يحتمل هذا؛ قال الله -  -: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، فإذا كانت أنفسهم تسخو بتخريب البيوت؛ فما بالهم لا تسخو بقطع الاشجار؟!

ومعلوم أنه لا يؤمل في البيوت منفعة بعد تخريبها، وقد يؤمل في النخيل منافع بعد قطعها، ولكن إن كان يصح ذلك الخبر فتأويله عندنا أنه يجوز أن يكون المسلمون خوفوهم بالقتل؛ فقالوا على أثر ذلك: إنكم إذا قتلتمونا صارت هذه النخيل لكم؛ فيكف تفسدون أملاككم؟!

ثم في إذن الله بقطع النخيل أوجه من التأويل: أحدها: أن يكون فيه بيان أن مقاتلة المسلمين إياهم لم تكن لرغبة في أموالهم؛ بل ليستسلموا لله ولرسولله، ويخضعوا لدينه.

والوجه الثاني: أن حرمة هذه الأموال إنما هي لحرمة أربابها، وأبيح قتلهم وإتلافهم؛ فما ظنك بأموالهم؟!

والوجه الثالث: أن الله - عز وجل - كتب عليهم الجلاء، ومعلوم أن أنفسهم بالجلاء إذا خربت بيوتهم وقطعت أشجارهم أسخى منه إذا بقيت ليقطع طمع من أجلي عن المقام؛ فأذن الله -  - في قطع النخيل إتماماً لما كتب علهيم من الجلاء، والله أعلم.

والرابع: أن هؤلاء كانوا أئمة اليهود، والتحريف والتبديل للتوراة إنما وقع منهم؛ رغبة في الدنيا وسعها؛ فأذن الله -  - في قطع النخيل عقوب له، وحزناً من الوجه الذي وقع له التبديل منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

إن كان المراد منه العلم فوجهه أن الله -  - علم منهم ذلك، ولو كان فسادا فيه لنهاهم عن ذلك.

وإن كان المراد منه الأمر فهو أن الله -  - أمر بالقطع والترك جميعاً.

وإن كان المراد منه المشيئة فهو أن الله -  - قد شاء الأمرين جميعاً، والله أعلم.

واللينة: اللون من النخيل؛ كما تقول: فوت وفيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

أي: ليكون كبتاً وغيظاً للفاسقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ .

قال: حق هذه الآية أن تكون مؤخرة، وأن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ  ﴾ متقدمة؛ لوجهين: أحدهما: أنه ذكر فيه الواو، والواو لا يبتدأ بها إلا في القسم.

والثاني: أن قوله: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ حرف كناية، والكناية لا بد لها من معرفة تعطف عليها فترجع إليها؛ فلذلك قلنا: إن حقه التأخير وحق الثانية التقديم، وعلى ذلك قراءة عبد الله بن مسعود -  - وإذا كان كذلك فوجهه: أن الذي وجب صرف إلى الأصناف التي ذكرنا إنما هو الخمس، وأوجب - هاهنا - من كل الغنيمة، فأبان بقوله: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ أنه إنما يصرف هذا الأربعة الأخماس إلى النبي  دونهم؛ لهذا المعنى: أنهم لم يوجفوا عليه من خيل ولا ركاب، أشار إلى أن استحقاقهم الأربعة الأخماس بسبب إيجاف الخيل والركاب، والله أعلم.

وإن كانت القراءة على ما يتلى للحال، ليس على التقديم والتأخير، فإنه يحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ صلة قوله: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ....

وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ ، وإذا كان بناؤه على ذلك، استقام أن يذكر بحرف الواو وحرف الكناية.

قال -  -: إن المنافقين وأهل الضعف من المؤمنين الذي آمنوا بالتقليد يظنون في هذا الموضع أن كيف خص هذه الغنيمة قرابته والمهاجرين الذين هاجروا إليه، وكيف آثر بها نفسه؟

والجواب عن هذا: أن هؤلاء الأصناف قوم عامة المسلمين تحمل مؤنتهم لولا هذه الغنيمة، ومعلوم أن أنفس المسلمين يبذل ما عليهم من تلك الأمانة أسخى منه لو صرف إلى كل واحد منهم على الإشارة إليه من ملكه الخاص، وعلى هذه العبارة تجري مسائل لنا: أحدها: ما روي عن عمر -  - أنه جعل العقل على أهل الديوان؛ لأن ذلك يخرج مخرج المعونة، ومعلوم أن المعونة على عامتهم؛ فبذل ما رجع من هذا الحق إلى تلك العامة أسهل عليهم لو صرف إلى خاصتهم، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ  ﴾ ومعلوم أن منع تلك الزوجة عن أن تذهب إلى دار الحرب بشيء مال زوجها كان واجباً على العامة، وكذلك المسلمون إذا أصابوا غنيمة وفيها مال مسلم قد غلب عليه المشركون: أنه ما دام الملك للعامة ولم يقسم يرد عليه من غير بدل، وإذا قسموا، واختص كل واحد بملكه لم يأخذه إلا ببدل؛ فكذلك الأول، والله أعلم.

قال الفقيه - رحمه الله -: والذي يجب أن من جهة العرف والشريعة: أن يكون تحمل مؤنة رسول الله  على أمته: أما من جهة العرف فهو أن من عمل لغيره كان مؤنته على ذلك القول له، وكذلك من جهة الشريعة، ومعلوم أن رسول الله  كان يقوم بأمور أمته في أمور دنياهم وآخرتهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا كان أولى ما يجعل لرسول الله  هو مال العامة، وذلك هو الفيء، هذا لو اختصه النبي  لنفسه؛ فكيف وقد قسمه بين الفقراء وأهل الحاجة، ولم يأخذه لنفسه؟!

ووجه آخر في هذا: ما وري عن رسول الله  أنه قال: "أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي" ، وقال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، فلو اختص ذلك رسول الله  لنفسه، فجاز له بما قال، ولكن الله جعل الفيء له بين من كان تحمل مؤمنتهم على المسلمين لولا هذا الفيء؛ كي يكون منة له على أمته ولئلا يكون لأحد من أمته عنده - عليه الصلاة والسلام - يد ولا صنيعة، والله أعلم.

ووجه آخر: أنه لما لم يؤذن لرسول الله  في كسب شيء من الدنيا وفضولها؛ حتى يصطنع من فضولها بالمعروف، فجعل الله له الفيء ليكتسب به الفضائل والمعروف، والله أعلم.

وفي قوله: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" : دلالة أن ما أفاء الله على رسوله وأعطاه فهو له خاصة، يصنع به ما شاء، ويفرقه فيمن شاء، والقول عند أصحابنا في الإمام إذا أعطاه أهل الحرب فيئاً يشترك فيه قومه؛ لأن هبة الأئمة إنما هي لقومهم، وكان هبة رسول الله  بما نصر بالرعب؛ فجا أن يختص بها قومه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هو الَّذي أخرج بني النَّضِير الذين كفروا بالله، وكذبوا رسوله محمدًا  ، من ديارهم بالمدينة لأول إخراج لهم من المدينة إلى الشام، وهم من اليهود أصحاب التوراة، بعد نقضهم لعهدهم وصيرورتهم مع المشركين عليه؛ أخرجهم إلى أرض الشام، ما ظننتم -أيها المؤمنون- أن يخرجوا من ديارهم لما هم عليه من العزة والمنعة، وظنوا هم أن حصونهم التي شَيَّدوها مانعتهم من بأس الله وعقابه، فجاءهم بأس الله من حيث لم يُقَدِّروا مجيئه حين أمر رسوله بقتالهم وإجلائهم من ديارهم، وأدخل الله في قلوبهم الخوف الشديد، يدمرون بيوتهم بأيديهم من داخلها لئلا ينتفع بها المسلمون، ويدمرها المسلمون من خارجها، فاتعظوا يا أصحاب الأبصار بما حلّ بهم بسبب كفرهم، فلا تكونوا مثلهم، فتنالوا جزاءهم وعقابهم الَّذي عوقبوا به.

<div class="verse-tafsir" id="91.JVDdJ"

مزيد من التفاسير لسورة الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله