الآية ٦ من سورة الحشر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 59 الحشر > الآية ٦ من سورة الحشر

وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍۢ وَلَا رِكَابٍۢ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 134 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة الحشر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة الحشر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مبينا لمال الفيء وما صفته ؟

وما حكمه ؟

فالفيء : كل مال أخذ من الكفار بغير قتال ولا إيجاف خيل ، ولا ركاب ، كأموال بني النضير هذه ، فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ، ولا ركاب ، أي : لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة ، بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفاءه الله على رسوله ; ولهذا تصرف فيه كما شاء ، فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله ، عز وجل ، في هذه الآيات ، فقال : ( وما أفاء الله على رسوله منهم ) أي : من بني النضير ( فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ) يعني : الإبل ، ( ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير ) أي : هو قدير لا يغالب ولا يمانع ، بل هو القاهر لكل شيء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) يقول تعالى ذكره: والذي ردّه الله على رسوله منهم، يعني من أموال بني النضير.

يقال منه: فاء الشيء على فلان: إذا رجع إليه، و أفأته أنا عليه: إذا رددته عليه.

وقد قيل: إنه عنى بذلك أموال قُرَيظة ( فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ) يقول: فما أوضعتم فيه من خيل ولا في إبل وهي الركاب.

وإنما وصف جلّ ثناؤه الذي أفاءه على رسوله منهم بأنه لم يوجف عليه بخيل من أجل أن المسلمين لم يلقوا في ذلك حربًا، ولا كلفوا فيه مئونة، وإنما كان القوم معهم، وفي بلدهم، فلم يكن فيه إيجاف خيل ولا ركاب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ) ...

الآية، يقول: ما قطعتم إليها واديًا، ولا سرتم إليها سيرًا، وإنما كان حوائط لبني النضير طعمة أطعمها الله رسوله، ذُكر لنا أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يقول: " أيُّمَا قَرْيَةٍ أَعْطَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَهِيَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَأيُّمَا قَرْيَةٍ فَتَحَهَا المُسْلِمُونَ عَنْوَةً فَإنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِرَسُولِهِ وَمَا بَقِيَ غَنِيمَةٌ لِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا ".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، في قوله: ( فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ) قال: صالح النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أهل فدك وقرى قد سماها لا أحفظها، وهو محاصر قومًا آخرين، فأرسلوا إليه بالصلح، قال: ( فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ) يقول: بغير قتال.

قال الزهريّ: فكانت بنو النضير للنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خالصة لم يفتحوها عنوة، بل على صلح، فقسمها النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بين المهاجرين لم يعط الأنصار منها شيئًا، إلا رجلين كانت بهما حاجة.

حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان ( وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ )، يعني: بني النضير ( فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ( فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ) قال: يذكر ربهم أنه نصرهم، وكفاهم بغير كراع، ولا عدة في قريظة وخيبر، ما أفاء الله على رسوله من قريظة، جعلها لمهاجرة قريش.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أَبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أَبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) قال: أمر الله عزّ وجلّ نبيه بالسير إلى قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، فجعل ما أصاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيل ولا ركاب يوجف بها.

قال: والإيجاف: أن يوضعوا السير، وهي لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فكان من ذلك خيبر وَفَدَك وَقُرًى عَرَبَيةً، وأمر الله رسوله أن يعد لينبع، فأتاها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فاحتواها كلها، فقال ناس: هلا قسَّمها، فأنـزل الله عزّ وجلّ عذره، فقال: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ثم قال: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ...

الآية.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله: ( فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ) يعني: يوم قريظة.

وقوله: ( وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ) أعلمك أنه كما سلَّط محمدًا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على بني النضير، يخبر بذلك جلّ ثناؤه أن ما أفاء الله عليه من أموال لم يُوجف المسلمون بالخيل والركاب، من الأعداء مما صالحوه عليه له خاصة يعمل فيه بما يرى.

يقول: فمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إنما صار إليه أموال بني النضير بالصلح لا عنوة، فتقع فيها القسمة.( وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) يقول: والله على كلّ شيء أراده ذو قدرة لا يُعجزه شيء، وبقُدرته على ما يشاء سلَّط نبيه محمدًا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم على ما سلط عليه من أموال بني النضير، فحازه عليهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما أفاء الله يعني ما رده الله تعالى على رسوله من أموال بني النضير .

فما أوجفتم عليه : أوضعتم عليه .

والإيجاف : الإيضاع في السير وهو الإسراع ; يقال : وجف الفرس إذا أسرع ، وأوجفته أنا أي حركته وأتعبته ; ومنه قول تميم بن مقبل :مذاويد بالبيض الحديث صقالها عن الركب أحيانا إذا الركب أوجفواوالركاب الإبل ، واحدها راحلة .

يقول : لم تقطعوا إليها شقة ولا لقيتم بها حربا ولا مشقة ; وإنما كانت من المدينة على ميلين ; قاله الفراء .

فمشوا إليها مشيا ولم يركبوا خيلا ولا إبلا ; إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ركب جملا وقيل : حمارا مخطوما بليف ، فافتتحها صلحا وأجلاهم وأخذ أموالهم .

فسأل المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم لهم فنزلت : وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه الآية .

فجعل أموال بني النضير للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث شاء ; فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين .

قال الواقدي : ورواه ابن وهب عن مالك ; ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر محتاجين ; منهم أبو دجانة سماك بن خرشة ، وسهل بن حنيف ، والحارث بن الصمة .

وقيل : إنما أعطى رجلين ، سهلا وأبا دجانة .

ويقال : أعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق ، وكان سيفا له ذكر عندهم .

ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان : سفيان بن عمير ، وسعد بن وهب ; أسلما على أموالهما فأحرزاها .وفي صحيح مسلم عن عمر قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ، وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، فكان ينفق على أهله نفقة سنة ، وما بقي يجعله في الكراع [ ص: 13 ] والسلاح عدة في سبيل الله تعالى .

وقال العباس لعمر - رضي الله عنهما - : اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن - يعني عليا رضي الله عنه - فيما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير .

فقال عمر : أتعلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا نورث ، ما تركناه صدقة " قالا : نعم .

قال عمر : إن الله عز وجل كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة ولم يخصص بها أحدا غيره .

قال : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا ، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النضير ، فوالله ما استأثرها عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال ; فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة ، ثم يجعل ما بقي أسوة المال .

.

.

الحديث بطوله ، خرجه مسلم .

وقيل : لما ترك بنو النضير ديارهم وأموالهم طلب المسلمون أن يكون لهم فيها حظ كالغنائم ; فبين الله تعالى أنها فيء ، وكان جرى ثم بعض القتال ; لأنهم حوصروا أياما وقاتلوا وقتلوا ، ثم صالحوا على الجلاء .

ولم يكن قتال على التحقيق ; بل جرى مبادئ القتال وجرى الحصار ، وخص الله تلك الأموال برسوله صلى الله عليه وسلم .

وقال مجاهد : أعلمهم الله تعالى وذكرهم أنه إنما نصر رسوله صلى الله عليه وسلم ونصرهم بغير كراع ولا عدة .ولكن الله يسلط رسله على من يشاء أي من أعدائه .

وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون أصحابه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر من انتقلت إليه أموالهم وأمتعتهم، فقال: { وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ } أي: من أهل هذه القرية، وهم بنو النضير.{ فـ } إنكم يا معشر المسلمين { ما أَوْجَفْتُمْ } أي: ما أجلبتم وأسرعتم وحشدتم، { عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } أي: لم تتعبوا بتحصيلها، لا بأنفسكم ولا بمواشيكم، بل قذف الله في قلوبهم الرعب، فأتتكم صفوا عفوا، ولهذا.

قال: { وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } من تمام قدرته أنه لا يمتنع منه ممتنع، ولا يتعزز من دونه قوي.

وتعريف الفيء في اصطلاح الفقهاء: هو ما أخذ من مال الكفار بحق، من غير قتال، كهذا المال الذي فروا وتركوه خوفا من المسلمين، وسمي فيئا، لأنه رجع من الكفار الذين هم غير مستحقين له، إلى المسلمين الذين لهم الحق الأوفر فيه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما أفاء الله على رسوله ) أي رده على رسوله .

يقال : أفاء يفيء أي رجع وأفاء الله ( منهم ) أي من يهود بني النضير ( فما أوجفتم ) أوضعتم ( عليه من خيل ولا ركاب ) يقال : وجف الفرس والبعير يجف وجيفا وهو سرعة السير ، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير .

وأراد بالركاب الإبل التي تحمل القوم .

وذلك أن بني النضير لما تركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقسمها بينهم كما فعل بغنائم خيبر فبين الله تعالى في هذه الآية أنها فيء لم يوجف المسلمون عليها خيلا ولا ركابا ولم يقطعوا إليها شقة ولا نالوا مشقة ولم يلقوا حربا ( ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير ) فجعل أموال بني النضير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة يضعها حيث يشاء فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النضري أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ فقال : هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون ؟

قال : نعم .

فأدخلهم فلبث يرفأ قليلا ثم جاء فقال : هل لك في عباس وعلي يستأذنان ؟

قال : نعم .

فلما دخلا قال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا - وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله من بني النضير - فقال الرهط : يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر .

قال : اتئدوا أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا نورث ما تركنا صدقة ؟

يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه ، قالوا : قد قال ذلك فأقبل عمر على علي وعباس فقال : أنشدكما بالله هل تعلمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك ؟

قالا : نعم .

قال : فإني أحدثكم عن هذا الأمر إن الله كان خص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره فقال : " وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب " إلى قوله : " قدير " وكانت هذه خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله فعمل بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حياته ثم توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو بكر : أنا ولي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقبضها أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - فعمل بها بما عمل به فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنتم حينئذ جميع وأقبل على علي وعباس : تذكران أن أبا بكر فعل فيه كما تقولان والله يعلم إنه فيها صادق بار راشد تابع للحق ، ثم توفى الله أبا بكر فقلت : أنا ولي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر والله يعلم إني فيه صادق بار راشد تابع للحق ثم جئتماني كلاكما وكلمتكما واحدة وأمركما جميع فقلت لكما : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا نورث ما تركنا صدقة .

فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت : إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وبما عملت به فيها منذ وليتها وإلا فلا تكلماني فيها فقلتما : ادفعها إلينا بذلك ، فدفعتها إليكما أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك ؟

فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي فإني أكفيكما .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما أفاء» رد «الله على رسوله منهم فما أوجفتم» أسرعتم يا مسلمون «عليه من» زائدة «خيل ولا ركاب» إبل، أي لم تقاسوا فيه مشقة «ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيءٍ قدير» فلا حق لكم فيه ويختص به النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذكر معه في الآية الثانية من الأصناف الأربعة على ما كان يقسمه من أن لكل منهم خمس الخمس وله صلى الله عليه وسلم الباقي يفعل فيه ما يشاء فأعطى منه المهاجرين وثلاثة من الأنصار لفقرهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما أفاءه الله على رسوله من أموال يهود بني النضير، فلم تركبوا لتحصيله خيلا ولا إبلا ولكن الله يسلِّط رسله على مَن يشاء مِن أعدائه، فيستسلمون لهم بلا قتال، والفيء ما أُخذ من أموال الكفار بحق من غير قتال.

والله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حكم الفىء الذى أفاءه على المسلمين فى غزوة بنى النضير وفيما يشبهها من غزوات ، وأمر المؤمنين بأن يطيعوا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فى أمره ونهيه ، وأثنى - سبحانه - على المهاجرين والأنصار لقوة إيمانهم ، ولنقاء قلوبهم وسخاء نفوسهم .

.

.

فقال - تعالى - : ( وَمَآ أَفَآءَ .

.

.

.

) .قوله : ( وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ .

.

) معطوف على قوله - تعالى - : ( مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ .

.

.

) لبيان نعمة أخرى من النعم التى أنعم بها - سبحانه - على المؤمنين ، فى غزوة بنى النضير .و ( أَفَآءَ ) من الفىء بمعنى الرجوع ، يقال : فاء عليه ، إذا رجع ، ومنه قوله - تعالى - فى شأن الإيلاء : ( فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) والمراد به هنا معناه الشرعى : وهو ما حصل عليه المؤمنون من أموال أعدائهم بدون قتال ، كأن يكون هذا المال عن طريق الصلح ، كما فعل بنو النضير ، فقد صالحوا المؤمنين على الخروج من المدينة ، على أن يكون لكل ثلاثة منهم حمل بعير - سوى السلاح - وأن يتركوا بقية أموالهم للمسلمين .والضمير فى قوله ( مِنْهُمْ ) يعود إلى بنى النضير ، الذى عبر - سبحانه - عنهم بقوله : ( هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب .

.

) وقوله : ( فَمَآ أَوْجَفْتُمْ .

.

) من الإيجاف بمعنى الإسراع فى السير يقال : وجَفَ الفرس يجِف وجَفا ووجيفا ، إذا أسرع فى سيره .

والجملة خبر " ما " الموصولة فى قوله : ( وَمَآ أَفَآءَ .

.

) و ( مَآ ) فى قوله ( فَمَآ أَوْجَفْتُمْ ) نافية .والركاب : اسم جمع للإبل التى تركب ، وفى الكلام حذف أغنى عنه قوله - سبحانه - : ( فَمَآ أَوْجَفْتُمْ .

.

) .والمعنى : أعلموا - أيها المؤمنون - أن ما أعطاء الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - من أموال بنى النضير التى صالحوه عليها ، فلا حق لكم فيها لأنكم لم تنالوها بقتالكم لهم على الخيل أو الإبل ، وإنما تفضل بها - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - بلا قتلا يذكر ، فقد كانت ديار بنى النضير على بعد ميلين من المدينة ، فذهب إليها المسلمون راجلين ، وحاصروها حتى تم استسلام بنى النضير لهم .

.قال الآلوسى : روى أن بنى النضير لما أجلوا عن أوطانهم ، وتركوا ربعاعهم وأموالهم .

طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر ، فأنزل الله - تعالى - : ( وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ .

.

.

) فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة .فقد أخرج البخارى ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذى ، والنسائى ، وغيرهم عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال : كانت أموال بنى النضير ، مما أفاء الله - تعالى - : على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، وكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ، فكان ينفق عل أهله منها نفقة سنة ، ثم يجعل ما بقى فى السلاح والكراع عدة فى سبيل الله - تعالى - .وقال الضحاك : كانت أموال بنى النضير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ، فآثر بها المهاجرين .

وقسمها عليهم ، ولم يعط الأنصار منها شيئا ، إلا ثلاثة منهم أعطاهم لفقرهم .

.وقوله - سبحانه - : ( ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَآءُ .

.

.

) استدراك على النفى فى قوله - تعالى - : ( فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ .

.

) .أى : ليس لكم الحق - أيها المؤمنون - فى أموال بنى النضير ، لأنكم لم تظفروا بها عن طريق قتال منكم لهم ، ولكن الله - تعالى - سلط رسوله - صلى الله عليه وسلم - عليهم وعلى ما فى أيديهم ، كما كان يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم ، والله - تعالى - قدير على كل شىء .

.

.وما دام الأمر كذلك ، فاتركوا رسولكم - صلى الله عليه وسلم - يتصرف فى أموال بنى النضير بالطريقة التى يريدها ويختارها بإلهام من الله - عز وجل - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال المبرد: يقال فاء يفيء إذا رجع، وأفاءه الله إذا رده، وقال الأزهري: الفيء ما رده الله على أهل دينه، من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال، إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، أو يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم، كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لكل ثلاثة منهم حمل بعير مما شاءوا سوى السلاح، ويتركوا الباقي، فهذا المال هو الفيء، وهو ما أفاء الله على المسلمين، أي رده من الكفار إلى المسلمين، وقوله: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ أي من يهود بني النضير، قوله: ﴿ فَمَا أَوْجَفْتُمْ ﴾ يقال: وجف الفرس والبعير يجف وجفاً ووجيفاً، وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه، إذا حمله على السير السريع، وقوله: ﴿ عَلَيْهِ ﴾ أي على ما أفاء الله، وقوله: ﴿ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ الركاب ما يركب من الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من لفظها، والعرب لا يطلقون لفظ الراكب إلا على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارساً، ومعنى الآية أن الصحابة طلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة بينهم، فذكر الله الفرق بين الأمرين، وهو أن الغنيمة ما أتعبتم أنفسكم في تحصيلها وأوجفتم عليها الخيل والركاب بخلاف الفيء فإنكم ما تحملتم في تحصيله تعباً، فكان الأمر فيه مفوضاً إلى الرسول يضعه حيث يشاء.

ثم هاهنا سؤال: وهو أن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً، وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من جملة الغنيمة لا من جملة الفيء، ولأجل هذا السؤال ذكر المفسرون هاهنا وجهين: الأول: أن هذه الآية ما نزلت في قرى بني النضير لأنهم أوجفوا عليهم بالخيل والركاب وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون بل هو في فدك، وذلك لأن أهل فدك انجلوا عنه فصارت تلك القرى والأموال في يد الرسول عليه السلام من غير حرب فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ من غلة فدك نفقته ونفقة من يعوله، ويجعل الباقي في السلاح والكراع، فلما مات ادعت فاطمة عليها السلام أنه كان ينحلها فدكا، فقال أبو بكر: أنت أعز الناس علي فقراً، وأحبهم إلي غنى، لكني لا أعرف صحة قولك، ولا يجوز أن أحكم بذلك، فشهد لها أم أيمن ومولى للرسول عليه السلام، فطلب منها أبو بكر الشاهد الذي يجوز قبول شهادته في الشرع فلم يكن، فأجرى أبو بكر ذلك على ما كان يجريه الرسول صلى الله عليه وسلم ينفق منه على من كان ينفق عليه الرسول، ويجعل ما يبقى في السلاح والكراع، وكذلك عمر جعله في يد علي ليجريه على هذا المجرى، ورد ذلك في آخر عهد عمر إلى عمر، وقال: إن بنا غنى وبالمسلمين حاجة إليه، وكان عثمان رضي الله عنه يجريه كذلك، ثم صار إلى علي فكان يجريه هذا المجرى فالأئمة الأربعة اتفقوا على ذلك والقول الثاني: أن هذه الآية نزلت في بني النضير وقراهم، وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا إليها مشياً، ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان راكب جمل، فلما كانت المقاتلة قليلة والخيل والركب غير حاصل، أجراه الله تعالى مجرى مالم يحصل فيه المقاتلة أصلاً فخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الأموال، ثم روى أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن الصمة.

ثم إنه تعالى ذكر حكم الفيء فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَفَاء الله على رَسُولِهِ ﴾ جعله له فيئاً خاصة.

والإيجاف من الوجيف.

وهو السير السريع.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في الإفاضة من عرفات: «ليس البرّ بإيجاف الخيل ولا إيضاع الإبل على هينتكم» ومعنى ﴿ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ فما أوجفتم على تحصيله وتغنمه خيلاً ولا ركاباً، ولا تعبتم في القتال عليه، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم.

والمعنى: أنّ ما خوّل الله رسوله من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوّض إليه يضعه حيث يشاء، يعني: أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهراً، وذلك أنهم طلبوا القسمة فنزلت.

لم يدخل العاطف على هذه الجملة، لأنها بيان للأولى، فهي منها غير أجنبية عنها.

بين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصنع بما أفاء الله عليه، وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم مقسوماً على الأقسام الخمسة ﴿ والدولة والدولة ﴾ - بالفتح والضم- وقد قرئ: بهما ما يدول للإنسان، أي يدور من الجد.

يقال: دالت له الدولة.

وأديل لفلان.

ومعنى قوله تعالى: ﴿ كي لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ ﴾ كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها جداً بين الأغنياء يتكاثرون به.

أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم.

ومعنى الدولة الجاهلية: أن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة لأنهم أهل الرياسة والدولة والغلبة، وكانوا يقولون من عزّ بزّ.

والمعنى: كيلا يكون أخذه غلبة وأثرة جاهلية.

ومنه قول الحسن: اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولاً، يريد: من غلب منهم أخذه واستأثر به.

وقيل: ﴿ الدولة ﴾ ما يتداول، كالغرفة: اسم ما يغترف، يعني: كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه، فلا يصيب الفقراء، والدولة- بالفتح-: بمعنى التداول، أي: كيلا يكون ذا تداول بينهم.

أو كيلا يكون إمساكه تداولاً بينهم لا يخرجونه إلى الفقراء، وقرئ: ﴿ دولة ﴾ بالرفع على (كان) التامة كقوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ [البقرة: 280] يعني كيلا يقع دولة جاهلية ولينقطع أثرها أو كيلا يكون تداول له بينهم.

أو كيلا يكون شيء متعاور بينهم غير مخرج إلى الفقراء ﴿ وَمَا ءاتاكم الرسول ﴾ من قسمة غنيمة أو فيء ﴿ فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم ﴾ عن أخذه منها ﴿ فانتهوا ﴾ عنه ولا تتبعه أنفسكم ﴿ واتقوا الله ﴾ أن تخالفوه وتتهاونوا بأوامره ونواهيه ﴿ إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ﴾ لمن خالف رسوله، والأجود أن يكون عاماً في كل ما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه، وأمر الفيء داخل في عمومه.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه لقي رجلاً محرماً وعليه ثيابه فقال له: انزع عنك هذا فقال الرجل: اقرأ عليّ في هذا آية من كتاب الله.

قال: نعم، فقرأها عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ وما أعادَهُ عَلَيْهِ بِمَعْنى صَيَّرَهُ لَهُ أوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يَكُونَ لَهُ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ النّاسَ لِعِبادَتِهِ وخَلَقَ ما خَلَقَ لَهم لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى طاعَتِهِ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ لِلْمُطِيعِينَ.

﴿ مِنهُمْ ﴾ مِن بَنِي النَّضِيرِ أوْ مِنَ الكَفَرَةِ.

﴿ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ فَما أجْرَيْتُمْ عَلى تَحْصِيلِهِ مِنَ الوَجِيفِ وهو سُرْعَةُ السَّيْرِ.

﴿ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ﴾ ما يُرْكَبُ مِنَ الإبِلِ غُلِبَ فِيهِ كَما غُلِبَ الرّاكِبُ عَلى راكِبِهِ، وذَلِكَ إنْ كانَ المُرادُ فَيْءَ بَنِيِ النَّضِيرِ، فَلِأنَّ قُراهم كانَتْ عَلى مِيلَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ فَمَشَوْا إلَيْها رِجالًا غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ  فَإنَّهُ رَكِبَ جَمَلًا أوْ حِمارًا، ولَمْ يَجْرِ مَزِيدُ قِتالٍ ولِذَلِكَ لَمْ يُعْطَ الأنْصارُ مِنهُ شَيْئًا إلّا ثَلاثَةً كانَتْ بِهِمْ حاجَةٌ.

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ بِقَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ.

﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَفْعَلُ ما يُرِيدُ تارَةً بِالوَسائِطِ الظّاهِرَةِ وتارَةً بِغَيْرِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وما أفاء الله على رسوله} جعله فيأ له خاصة {مِنْهُمْ} من بني النضير

{فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} فلم يكن ذلك بإيجاف خيل أو ركاب منكم على ذلك والركاب الإبل والمعنى فما أوجفتم على تحصيله وتغنيمه خيلاً ولا ركاباً ولا تعبتم في القتال عليه وإنما مشيتم إليه على أرجالكم لأنه على ميلين من المدينة وكان صلى الله عليه وسلم على حمار فحسب {ولكن الله يُسَلّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَاء} يعني أن ما خوّل الله رسوله من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء ولا يقسمه قسمة الغنائم التي قوتل عليها واخذت عنة وقهراً فقسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة منهم لفقرهم {والله على كُلّ شيء قدير}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ ما أُخِذَ مِن أمْوالِهِمْ بَعْدَ بَيانِ ما حَلَّ بِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ العاجِلِ والآجِلِ وما فُعِلَ بِدِيارِهِمْ ونَخِيلِهِمْ مِنَ التَّخْرِيبِ والقَطْعِ أيْ ما أعادَهُ اللَّهُ تَعالى إلى رَسُولِهِ  مِن أُولَئِكَ الكَفَرَةِ - وهم بَنُو النَّضِيرِ - وما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، والجُمْلَةُ المُقْتَرِنَةُ بِالفاءِ بَعْدُخَبَرٌ، ويَجُوزُ كَوْنُها شَرْطِيَّةً، والجُمْلَةُ بَعْدُ جَوابٌ، والمُرادُ بِما أفاءَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنهم أمْوالُهُمُ الَّتِي بَقِيَتْ بَعْدَ جَلائِهِمْ، والمُرادُ بِإعادَتِها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحْوِيلُها إلَيْهِ، وهو إنْ لَمْ يَقْتَضِ سَبْقَ حُصُولِها لَهُ  نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا“ [الأعْرافَ: 88، إبْراهِيمَ: 13] ظاهِرٌ وإنِ اقْتَضى سَبْقَ الحُصُولِ كانَ فِيما ذُكِرَ مَجازًا، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّها كانَتْ حَرِيَّةً بِأنْ تَكُونَ لَهُ  وإنَّما وقَعَتْفِي أيْدِيهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَأرْجَعَها اللَّهُ تَعالى إلى مُسْتَحِقِّها، وكَذا شَأْنُ جَمِيعِ أمْوالِ الكَفَرَةِ الَّتِي تَكُونُ فَيْئًا لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ النّاسَ لِعِبادَتِهِ وخَلَقَ ما خَلَقَ مِنَ الأمْوالِ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى طاعَتِهِ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ لِلْمُطِيعِينَ، ولِذا قِيلَ لِلْغَنِيمَةِ الَّتِي لا تَلْحَقُ فِيها مَشَقَّةٌ: فَيْءٌ مَعَ أنَّهُ مِن فاءَ الظِّلُّ إذا رَجَعَ، ونَقَلَ الرّاغِبُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالفَيْءِ الَّذِي هو الظِّلُّ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ أشْرَفَ أعْراضِ الدُّنْيا يَجْرِي مَجْرى ظِلٍّ زائِلٍ، و”أفاءَ“ عَلى ما في البَحْرِ بِمَعْنى المُضارِعِ أمّا إذا كانَتْ ما شَرْطِيَّةً فَظاهِرٌ، وأمّا إذا كانَتْ مَوْصُولَةً فَلِأنَّها إذا كانَتِ الفاءُ في خَبَرِها تَكُونُ مُشَبَّهَةً بِاسْمِالشَّرْطِ فَإنْ كانَتِ الآيَةُ نازِلَةً قَبْلَ جَلائِهِمْ كانَتْ مُخْبِرَةً بِغَيْبٍ، وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَ جَلائِهِمْ وحُصُولِ أمْوالِهِمْ في يَدِ الرَّسُولِ  كانَتْ بَيانًا لِما يُسْتَقْبَلُ، وحُكْمُ الماضِي حُكْمُهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدُ، رُوِيَ أنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا أُجْلُوا عَنْ أوْطانِهِمْ وتَرَكُوا رِباعَهم وأمْوالَهم طَلَبَ المُسْلِمُونَ تَخْمِيسَها كَغَنائِمِ بَدْرٍ فَنَزَلَ ﴿ وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ إلَخْ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ  خاصَّةً، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: كانَتْ أمْوالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمّا أفاءَ اللَّهُ تَعالى عَلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِمّا لَمْ يُوجِفِ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ وكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ  خاصَّةً فَكانَ يُنْفِقُ عَلى أهْلِهِ مِنها نَفَقَةَ سَنَةٍ ثُمَّ يَجْعَلُ ما بَقِيَ في السِّلاحِ والكُراعِ عُدَّةً في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

وقالَ الضَّحّاكُ: كانَتْ لَهُ  خاصَّةً فَآثَرَ بِها المُهاجِرِينَ وقَسَّمَها عَلَيْهِمْ ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنها شَيْئًا إلّا أبا دُجانَةَ سِماكَ بْنَ خُرَشَةَ وسَهْلَ بْنَ حَنِيفٍ والحارِثَ بْنَ الصِّمَّةِ أعْطاهم لِفَقْرِهِمْ، وذَكَرَ نَحْوَهُ ابْنُ هِشامٍ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ الأوَّلَيْنِ ولَمْ يَذْكُرِ الحارِثَ، وكَذا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ سَيِّدِ النّاسِ، وذَكَرَ أنَّهُ أعْطى سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ سَيْفًا لِابْنِ أبِي الحَقِيقِ كانَ لَهُ ذِكْرٌ عِنْدَهم، ومَعْنى ما ﴿ أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ ما أجْرَيْتُمْ عَلى تَحْصِيلِهِ مِنَ الوَجِيفِ وهو سُرْعَةُ السَّيْرِ، وأنْشَدَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ قَوْلَ نُصَيِّبٍ: ألا رُبَّ رَكْبٍ قَدْ قَطَعْتَ وجِيفَهم إلَيْكَ ولَوْلا أنْتَ لَمْ تُوجَفِ الرَّكْبُ وقالَ ابْنُ هِشامٍ: «أوْجَفْتُمْ» حَرَّكْتُمْ وأتْعَبْتُمْ في السَّيْرِ، وأنْشَدَ قَوْلَ تَمِيمِ بْنِ مُقْبِلٍ: مَذاوِيدُ بِالبَيْضِ الحَدِيثِ صِقالُها ∗∗∗ عَنِ الرَّكْبِ أحْيانًا إذا الرَّكْبُ أوَجَفُوا والمَآلُ واحِدٌ، و”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن خَيْلٍ ﴾ زائِدَةٌ في المَفْعُولِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الِاسْتِغْراقِ كَأنَّهُ قِيلَ - فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ - فَرْدًا مِن أفْرادِ الخَيْلِ أصْلًا ﴿ ولا رِكابٍ ﴾ ولا ما يُرْكَبُ مِنَ الإبِلِ غُلِّبَ فِيهِ كَما غُلِّبَ الرّاكِبُ عَلى راكِبِهِ فَلا يُقالُ في الأكْثَرِ الفَصِيحِ: راكِبٌ لِمَن كانَ عَلى فَرَسٍ أوْ حِمارٍ ونَحْوِهِ بَلْ يُقالُ: فارِسٌ ونَحْوُهُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ عامًّا لِغَيْرِهِ وضْعًا، وإنَّما لَمْ يُعْمِلُوا الخَيْلَ ولا الرِّكابَ بَلْ مَشَوْا إلى حُصُونِ بَنِي النَّضِيرِ رِجالًا إلّا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ كانَ عَلى الحِمارِ.

أوْ عَلى جَمَلٍ - كَما تَقَدَّمَ - لِأنَّها قَرِيبَةٌ عَلى نَحْوِ مِيلَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ فَهي قَرِيبَةٌ جِدًّا مِنها، وكانَ المُرادُ أنَّ ما حَصَلَ لَمْ يَحْصُلْ بِمَشَقَّةٍ عَلَيْكم وقِتالٍ يُعْتَدُّبِهِ مِنكم، ولِهَذا لَمْ يُعْطِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الأنْصارَ إلّا مَن سَمِعْتَ، وأمّا إعْطاؤُهُ المُهاجِرِينَ فَلَعَلَّهُ لِكَوْنِهِمْ غُرَباءَ فَنَزَلَتْ غُرْبَتُهم مَنزِلَةَ السَّفَرِ والجِهادِ، ولَمّا أُشِيرَ إلى نَفْيِ كَوْنِ حُصُولِ ذَلِكَ بِعَمَلِهِمْ أُشِيرَ إلى عِلَّةِ حُصُولِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ أيْ ولَكِنَّ سُنَّتَهُ عَزَّ وجَلَّ جارِيَةٌ عَلى أنْ يُسَلِّطَ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ مِن أعْدائِهِمْ تَسْلِيطًا خاصًّا، وقَدْ سَلَّطَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى هَؤُلاءِ تَسْلِيطًا غَيْرَ مُعْتادٍ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتَحِمُوا مَضايِقَ الخُطُوبِ وتُقاسُوا شَدائِدَ الحُرُوبِ فَلا حَقَّ لَكم في أمْوالِهِمْ، ويَكُونُ أمْرُها مُفَوَّضًا إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ تارَةً عَلى الوُجُوهِ المَعْهُودَةِ، وأُخْرى عَلى غَيْرِها، وقِيلَ: الآيَةُ في فَدَكٍ لِأنَّ بَنِي النَّضِيرِ حُوصِرُوا وقُوتِلُوا دُونَ أهْلِ فَدَكٍ وهو خِلافُ ما صَحَّتْ بِهِ الأخْبارُ، والواقِعُ مِنَ القِتالِ شَيْءٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، يعني: ما أعطى الله ورسوله من بني النضير وذلك أنهم طلبوا من النبي  أن يقسم أموالهم بين جميع المسلمين كما قسم أموال بدر، فلم يفعل النبيّ  ، وقسم بين فقراء المهاجرين، فنزل وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ يعني: ما أعطى الله ورسوله من أموال بني النضير فَما أَوْجَفْتُمْ يعني: ما أجريتم عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، يعني: لا على خيل ولا على إبل أتيتم، بل إنكم مشيتم مشيا حتى فتحتموها.

ويقال: أوجف الفرس والبعير، إذا أسرعا يعني: لم يكن عن غزوة أوجفتم خيلا ولا ركابا.

وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ يعني: محمدا  عَلى مَنْ يَشاءُ من بني النضير.

وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من النصرة والغنيمة.

ثم بين لمن يعطي تلك الغنائم، فقال: مَّآ أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى، يعني: من بني النضير وفدك ويقال: بني قريظة والنضير وخيبر.

فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، يعني: لله أن يأمركم فيه بما أحب.

وروى عبد الرازق، عن معمر، عن الزهري قال: كانت بنو النضير للنبي  خالصا، لم يفتحوها عنوة ولكن افتتحوها على صلح، فقسمها بين المهاجرين.

ثم قال: وَلِذِي الْقُرْبى، يعني: قرابة الرسول  .

وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.

وروى مالك بن أنس، عن عمر قال: كانت للنبي  ثلث صفايا بني النضير وخيبر وفدك.

فأما بنو النضير، فكانت حبسا لنوائبه.

وأما فدك، فكانت لابن السبيل.

وأما خيبر، فجزأها ثلاثة أجزاء، فقسم جزأين بين المسلمين، وحبس جزءا للنفقة.

فما فضل عن أهله، رده إلى فقراء المسلمين.

ثم قال: كَيْ لا يَكُونَ، المال.

دُولَةً.

قرأ أبو جعفر المدني دُولَةً بالضم وجعله اسم يكون وقراءة العامة بالنصب، يعني: لكي لا يكون دولة.

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي دُولَةً بنصب الدال، والباقون بالضم.

فمن قرأ بالضم، فهو اسم المال الذي يتداول، فيكون مرة لهذا ومرة لهذا.

وأما النصب، فهو النقل والانتقال من حال إلى حال.

بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، يعني: لكيلا يغلب الأغنياء على الفقراء، ليقسمونه بينهم.

ثم قال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، يعني: ما أعطاكم النبيّ  من الغنيمة فخذوه، وما أمركم الرسول فاعملوا به، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا يعني: فامتنعوا عنه.

وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن عصاه.

ثم ذكر أن الفيء للمهاجرين، فقال تعالى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ، يعني: الغنائم للفقراء المهاجرين، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ، يعني: تركوا أموالهم وديارهم في بلادهم، وهاجروا إلى النبيّ  .

ويقال: هذا ابتداء ومعناه عليكم بالفقراء المهاجرين، يعني: اعرفوا حقهم وصلوهم، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني: أخرجهم أهل مكة من ديارهم وأموالهم.

يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً، يعني: يطلبون رزقا في الجنة ورضوان الله تعالى، وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، يعني: يطيعون الله فيما أمرهم بطاعته.

أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يعني: الصادقين في إيمانهم فطابت أنفس الأنصار بذلك، فقالوا: هذا كله لهم وأموالنا أيضا لهم.

فأثنى الله تعالى على الأنصار، فقال عز وجل: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: استوطنوا الدار يعني: دار المدينة من قبل هجرتهم، يعني: نزلوا دار الهجرة في المدينة والإيمان، يعني: تبوءوا الإيمان، أي كانوا مؤمنين من قبل أن هاجر إليهم النبي  وأصحابه.

قال الله تعالى: يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ.

يعني: يحبون من يقدم إليهم من المؤمنين، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، يعني: لا يكون في قلوبهم حسدا مما أعطوا، يعني: المهاجرين.

ويقال: حاجة يعني: حزازة، وهو الحزن ويقال: ولا يجدون في صدورهم بخلا وكراهة بما أعطوا.

وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ في القسمة يعني: الغنيمة، يعني: تركوها للمهاجرين.

وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ يعني: حاجة.

وروى وكيع، عن فضيل بن عمران، عن أبي هريرة-  - إن رجلا من الأنصار نزل به ضيف، فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية وأطفئي السراج، وقربي إلى الضيف ما عندك، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

ويقال: إن رجلا من الأنصار أهدي له برا من مشوي، فقال: لعل جاري أحوج مني، فبعث إليه.

ثم إن جاره بعثه إلى آخر، فطاف سبعة أبيات، ثم عاد إلى الأول، فنزل وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ قال الله تعالى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ يعني: ومن يمنع بخل نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يعني: الناجين.

وروى وكيع بإسناده، عن النبيّ  أنه قال «بريء من الشح من أدى الزكاة وأقرى الضيف وأعطى في النائبة» .

وقد أثنى الله تعالى على المهاجرين وعلى الأنصار، ثم أثنى على الذين من بعدهم على طريقتهم، فقال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: التابعين، ويقال: يعني: الذين هاجروا من بعد الأولين.

يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ يعني: أظهروا الإيمان قبلنا، يعني: المهاجرين والأنصار.

وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا يعني: غشا وحسدا وعداوة لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ يعني: رحيم بعبادك المؤمنين.

وفي الآية دليل: أن من ترحم على الصحابة واستغفر لهم، ولم يكن في قلبه غل لهم، فله حظ في المسلمين، وله أجر مثل أجر الصحابة.

ومن شتم أو لم يترحم عليهم، أو كان في قلبه غل لهم، ليس له حظ في المسلمين، لأنه ذكر للمهاجرين فيه حظ، ثم ذكر الأنصار، ثم ذكر الذين جاءوا من بعدهم، وقد وصفهم الله بصفة الأولين، إذ دعا لهم وفي الآية دليل: أن الواجب على المؤمنين أن يستغفروا لإخوانهم الماضين، وينبغي للمؤمنين أن يستغفروا لآبائهم ولمعلميهم الذين علموهم أمور الدين.

ثم نزل في شأن المنافقين: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الحشر، وهو الشام وذلك أَنَّ أكثرهم جاء إلى الشام، وقد رُوِيَ أَنَّ حشرَ القيامة هو إلى بلاد الشام.

وقوله سبحانه: مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا: يريد لمنعتهم وكثرة عددهم.

وقوله تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ أي: كُلَّما هدم المسلمون من تحصينهم في القتال هدموا هم من البيوت ليجبروا الحصن.

ت: والحاصل أَنَّهم يخربون بيوتهم حِسًّا ومعنى أَمَّا حِسًّا فواضح، وأَمَّا معنى فبسوء رأيهم وعاقبة ما أضمروا من خيانتهم وغدرهم، وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ: من الوطن لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا: بالسبي والقتل، قال البخاريُّ: والجلاء:

الإخراج من أرض إلى أرض، انتهى.

ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)

وقوله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ...

الآيةُ سببُهَا قولُ اليهود: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد؟!

فَرَدَّ اللَّهُ عليهم بهذِهِ الآية، قال ابن عباس وجماعة من اللغويين «١» : اللِّينَةُ من النخيل: ما لم يكن عجوةً، وقيل غير هذا.

- ص-: أصل «لِينَة» : لونة، فقلبوا الواوَ ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها، وجمعه لِينٌ كَتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ، قال الأخفش: واللينة كأنَّها لونٌ من النخل، أي: ضرب منه، انتهى.

وقوله عز وجل: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ...

الآية، إعلام بأَنَّ ما أخذ لبني النضير ومن فدك، هو خاصّ بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها بل على حكم خُمُسِ الغنائم وذلك أَنَّ بني النضير لم يُوجَفْ عليها ولا قوتلت كبير قتال، فأخذ منها صلّى الله عليه وسلّم قُوتَ عيالِهِ، وقَسَمَ سائرها في المهاجرين، وأدخل معهم أبا دُجَانَةَ وسَهْلَ بن حنيف/ من الأنصار لأَنَّهما شكيا فقراً، والإيجاف: سرعة السير، والوجيف دون التقريب يقال: وَجَفَ الفرسُ وأوجفه الراكب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴾ أيْ: ما رَدَّ عَلَيْهِمْ ﴿ مِنهُمْ ﴾ يَعْنِي: مَن بَنِي النَّضِيرِ ﴿ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإيجافُ.

الإيضاعُ، والرِّكابُ: الإبِلُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: وجَفَ الفَرَسُ والبَعِيرُ، وأوْجَفْتُهُ، ومِثْلُهُ: الإيضاعُ، وهو الإسْراعُ في السَّيْرِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لا شَيْءَ لَكم في هَذا، إنَّما هو لِرَسُولِ اللَّهِ  خاصَّةً.

قالَ المُفَسِّرُونَ: طَلَبَ المُسْلِمُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ  أنْ يُخَمِّسَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا أُجْلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ أنَّها فَيْءٌ لَمْ تَحْصُلْ لَهم بِمُحارَبَتِهِمْ، وإنَّما هو بِتَسْلِيطِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَهو لَهُ خاصَّةٌ، يَفْعَلُ فِيهِ ما يَشاءُ، فَقَسَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ  بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ مِنهُ شَيْئًا، إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ كانَتْ بِهِمْ حاجَةٌ، وهُمْ: أبُو دُجانَةَ، وسَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ، والحارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ الفَيْءِ فَقالَ تَعالى: ﴿ ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى ﴾ أيْ: مِن أمْوالِ كُفّارِ أهْلِ القُرى ﴿ فَلِلَّهِ ﴾ أيْ: يَأْمُرُكم فِيهِ بِما أحَبَّ، ﴿ وَلِرَسُولِهِ ﴾ بِتَحْلِيلِ اللَّهِ إيّاهُ.

وقَدْ ذَكَرْنا ﴿ ذَوِي القُرْبى واليَتامى ﴾ في [الأنْفالِ: ٤١] وذَكَرْنا هُناكَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ: أنَّ المُرادَ بِالفَيْءِ ها هُنا: الغَنِيمَةُ الَّتِي يَأْخُذُها المُسْلِمُونَ مِن أمْوالِ الكافِرِينَ عَنْوَةً، وكانَتْ في بُدُوِّ الإسْلامِ لِلَّذِينِ سَمّاهُمُ اللَّهُ ها هُنا دُونَ الغالِبِينَ المُوجِفِينَ عَلَيْها، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في [الأنْفالِ: ٤١] ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ.

.

.

﴾ الآيَةُ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ ويَزِيدَ بْنِ رُومانَ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا الفَيْءَ: ما أُخِذَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ ما لَمْ يُوجَفْ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، كالصُّلْحِ، والجِزْيَةِ، والعُشُورِ، ومالِ مَن ماتَ مِنهم في دارِ الإسْلامِ ولا وارِثَ لَهُ، فَهَذا كانَ يُقَسَّمُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ  خَمْسَةَ أخْماسٍ، فَأرْبَعَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَفْعَلُ بِها ما يَشاءُ، والخُمُسُ الباقِي لِلْمَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيما يُصْنَعُ بِسَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ  بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى ما بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٤١] فَعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُثْبِتَةً لِحُكْمِ الفَيْءِ والَّتِي في [الأنْفالِ: ٤١] مُثْبِتَةً لِحُكْمِ الغَنِيمَةِ فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْ لا يَكُونَ ﴾ يَعْنِي: الفَيْءُ "دُولَةً" وهو اسْمٌ لِلشَّيْءِ يَتَداوَلُهُ القَوْمُ.

والمَعْنى: لِئَلّا يَتَداوَلَهُ الأغْنِياءُ بَيْنَهم فَيَغْلِبُوا الفُقَراءَ عَلَيْهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الدُّولَةُ: اسْمُ الشَّيْءِ يُتَداوَلُ.

والدَّوْلَةُ، بِالفَتْحِ: الفِعْلُ والِانْتِقالُ مِن حالٍ إلى حالٍ ﴿ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ ﴾ مِنَ الفَيْءِ ﴿ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ ﴾ عَنْ أخْذِهِ ﴿ فانْتَهُوا ﴾ وهَذا نَزَلَ في أمْرِ الفَيْءِ، وهو عامٌّ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ، ونَهى عَنْهُ.

قالَ الزَّجّاجُ: ثُمَّ بَيَّنَ مَنِ المَساكِينُ الَّذِينَ لَهُمُ الحَقُّ؟، فَقالَ تَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِهِمُ المُهاجِرِينَ ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ: رِزْقًا يَأْتِيهِمْ ﴿ وَرِضْوانًا ﴾ رِضى رَبِّهِمْ حِينَ خَرَجُوا إلى دارِ الهِجْرَةِ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ﴾ في إيمانِهِمْ.

ثُمَّ مَدَحَ الأنْصارَ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم عَنِ الفَيْءِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ ﴾ يَعْنِي: دارَ الهِجْرَةِ، وهي المَدِينَةُ ﴿ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ فِيها تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدّارَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ: مِن قَبْلِ المُهاجِرِينَ، والإيمانُ عُطِفَ عَلى "الدّارِ" في الظّاهِرِ، لا في المَعْنى، لِأنَّ "الإيمانَ" لَيْسَ بِمَكانٍ يُتَبَوَّأُ، وإنَّما تَقْدِيرُهُ: وآثَرُوا الإيمانَ، وإسْلامُ المُهاجِرِينَ قَبْلَ الأنْصارِ، وسُكْنى الأنْصارِ المَدِينَةَ قَبْلَ المُهاجِرِينَ.

وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، والمَعْنى: تَبَوَّؤُوا الدّارَ والإيمانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ ﴿ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم شارَكُوهم في مَنازِلِهِمْ، وأمْوالِهِمْ ﴿ وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً ﴾ أيْ: حَسَدًا وغَيْظًا مِمّا أُوتِيَ المُهاجِرُونَ.

وَفِيما أُوتُوهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مالُ الفَيْءِ، قالَهُ الحَسَنُ.

وقَدْ ذَكَرْنا آنِفًا أنَّ النَّبِيَّ  قَسَّمَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ بَيْنَ المُهاجِرِينَ، ولَمْ يُعْطِ مِنَ الأنْصارِ غَيْرَ ثَلاثَةِ نَفَرٍ.

والثّانِي: الفَضْلُ والتَّقَدُّمُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ بِأمْوالِهِمْ ومَنازِلِهِمْ ﴿ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ﴾ أيْ: فَقْرٌ وحاجَةٌ، فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ إيثارَهم لَمْ يَكُنْ عَنْ غِنًى.

وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذا الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ  ، وقَدْ أصابَهُ الجَهْدُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي جائِعٌ فَأطْعِمْنِي، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى أزْواجِهِ: هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ؟

فَكُلُّهُنَّ قُلْنَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما عِنْدَنا إلّا الماءُ، فَقالَ: ما عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ما يُطْعِمُكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ.

ثُمَّ قالَ: "مَن يَضِيفُ هَذا هَذِهِ اللَّيْلَةَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ؟" فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأتى بِهِ مَنزِلَهُ، فَقالَ لِأهْلِهِ: هَذا ضَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَأكْرِمِيهِ ولا تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئًا، فَقالَتْ: ما عِنْدَنا إلّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، فَقالَ: قُومِي فَعَلِّلِيهم عَنْ قُوتِهِمْ حَتّى يَنامُوا ولا يَطْعَمُوا شَيْئًا، ثُمَّ أصْبِحِي سِراجَكِ، فَإذا أخَذَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ، فَقَوْمِي كَأنَّكَ تُصْلِحِينَ السِّراجَ، فَأطْفِئِيهِ، وتَعالَيْ نَمْضُغُ ألْسِنَتَنا لِأجْلِ ضَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ  حَتّى يَشْبَعَ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، وظَنَّ الضَّيْفُ أنَّهُما يَأْكُلانِ مَعَهُ، فَشَبِعَ هُوَ، وباتا طاوِيَيْنِ، فَلَمّا أصْبَحا غَدَوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِما تَبَسَّمَ، ثُمَّ قالَ: ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أوْ عَجِبَ مِن فَعالِكُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.

.

.

﴾ الآيَةُ.» أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وفي بَعْضِ الألْفاظِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ الضَّيْفَ كانَ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ، والمُضِيفَ كانَ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « "لَقَدْ عَجِبَ مِن فِعالِكُما أهْلُ السَّماءِ" .» والثّانِي: أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  أُهْدِيَ لَهُ رَأْسُ شاةٍ، فَقالَ: إنَّ أخِي فُلانًا وعِيالَهُ أحْوَجُ إلى هَذا مِنّا، فَبَعَثَ بِهِ إلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ بِهِ واحِدٌ إلى واحِدٍ حَتّى تَداوَلَها سَبْعَةُ أهْلِ أبْياتٍ، حَتّى رَجَعَتْ إلى أُولَئِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

ورُوِيَ نَحْوُ هَذِهِ القِصَّةِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: أُهْدِيَ لِبَعْضِ الصَّحابَةِ رَأْسُ شاةٍ مَشْوِيٌّ، وكانَ مَجْهُودًا، فَوَجَّهَ بِهِ إلى جارٍ لَهُ فَتَناوَلَهُ تِسْعَةُ أنْفُسٍ، ثُمَّ عادَ إلى الأوَّلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو رَجاءٍ ﴿ وَمَن يُوقَ ﴾ بِتَشْدِيدِ القافِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هو أنْ لا يَأْخُذَ شَيْئًا مِمّا نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولا يَمْنَعُ شَيْئًا أمَرَهُ اللَّهُ بِأدائِهِ.

والمَعْنى: أنَّ الأنْصارَ مِمَّنْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ حِينَ طابَتْ أنْفُسُهم بِتَرْكِ الفَيْءِ لِلْمُهاجِرِينَ.

* فَصْلٌ وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الشُّحِّ والبُخْلِ، هَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ، أمْ لا؟

فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الشُّحُّ في كَلامِ العَرَبِ: هو مَنعُ الفَضْلِ مِنَ المالِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: الشُّحُّ أبْلَغُ في المَنعِ مِنَ البُخْلِ، وإنَّما الشُّحُّ بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ، والبُخْلُ بِمَنزِلَةِ النَّوْعِ، وأكْثَرُ ما يُقالُ في البُخْلِ: إنَّما هو في أفْرادِ الأُمُورِ وخَواصِّ الأشْياءِ، والشُّحُّ عامٌّ، فَهو كالوَصْفِ اللّازِمِ لِلْإنْسانِ مِن قِبَلِ الطَّبْعِ والجِبِلَّةِ.

وحَكى الخَطّابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: البُخْلُ: أنْ يَضِنَّ بِمالِهِ، والشُّحُّ: أنْ يَبْخَلَ بِمالِهِ ومَعْرُوفِهِ.

وقَدْ رَوى أبُو الشَّعْثاءِ أنَّ رَجُلًا أتى ابْنَ مَسْعُودٍ فَقالَ: إنِّي أخافُ أنْ أكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قالَ: وما ذاكَ؟

قالَ: أسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ وأنا رَجُلٌ شَحِيحٌ لا يَكادُ يَخْرُجُ مِن يَدَيَّ شَيْءٌ، فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ، الشُّحُّ: أنْ تَأْكُلَ مالَ أخِيكَ ظُلْمًا، إنَّما ذَلِكَ البُخْلُ، وبِئْسَ الشَّيْءُ البُخْلُ ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ  قالَ: « "بَرِئَ مِنَ الشُّحِّ مَن أدّى الزَّكاةَ، وقَرى الضَّيْفَ، وأعْطى في النّائِبَةِ" .» قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يَعْنِي التّابِعِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِهَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ، ولِلَّذِينِ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ما أقامُوا عَلى مَحَبَّةِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، ودَلِيلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيِ: الَّذِينَ جاؤُوا في حالِ قَوْلِهِمْ: ﴿ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا ﴾ فَمَن تَرَحَّمَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ولَمْ يَكُنْ في قَلْبِهِ غِلٌّ لَهُمْ، فَلَهُ حَظٌّ مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ومَن شَتَمَهم ولَمْ يَتَرَحَّمْ عَلَيْهِمْ، وكانَ في قَلْبِهِ غِلٌّ لَهُمْ، فَما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ حَقًّا في شَيْءٍ مِن فَيْءِ المُسْلِمِينَ بِنَصِّ الكِتابِ.

وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مَن تَنَقَّصَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  ، أوْ كانَ في قَلْبِهِ عَلَيْهِمْ غِلٌّ، فَلَيْسَ لَهُ حَقٌّ في فَيْءِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآياتِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النارِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللهَ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أو تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ وَما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مِن يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ جَلاءً، وكانَتْ بَنُو النَضِيرِ مِمَّنْ حَلَّ بِالحِجازِ عِنْدَ مَوْتِ مُوسى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِيَسِيرٍ؛ لِأنَّهم كانُوا مِنَ الجَيْشِ الَّذِي رَجَعَ وقَدْ عَصَوْا في أنْ لَمْ يَقْتُلُوا الغُلامَ ابْنَ مَلَكِ العَمالِيقِ لِجِمالِهِ وعَقْلِهِ، وقَدْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُمْ: لا تَسْتَحْيُوا أحَدًا، فَلَمّا رَجَعَ ذَلِكَ الجَيْشُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالشامِ وجَدُوا مُوسى مَيِّتًا، وقالَ لَهم بَنُو إسْرائِيلَ أنْتُمْ عُصاةٌ واللهِ لا دَخَلْتُمْ عَلَيْنا بِلادَنا، فَقالَ أهْلُ ذَلِكَ الجَيْشِ إلى بَنُو إسْرائِيلَ: لَيْسَ لَنا أحَبُّ مِنَ البِلادِ الَّتِي غَلَبْنا أهْلَها، فانْصَرَفُوا إلى الحِجازِ فَكانُوا فِيهِ، فَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمُ الجَلاءُ الَّذِي أجْراهُ بُخْتِنَصَّرُ عَلى أهْلِ الشامِ، وقَدْ كانَ اللهُ تَعالى كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ جَلاءً فَنالَهم هَذا الجَلاءَ عَلى يَدِي مُحَمَّدٍ  ، ولَوْلا ذَلِكَ لَعَذَّبَهُمُ اللهُ في الدُنْيا بِالسَيْفِ والقَتْلِ كَأهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ، ويُقالُ: جَلا الرَجُلُ، وأجْلاهُ غَيْرُهُ، وقَدْ يُقالُ: أجْلى الرَجُلُ نَفْسَهُ، بِمَعْنى: جَلا.

و"المُشاقَّةُ": كَوْنُ الإنْسانِ في شِقٍّ ومُخالِفِهِ في شَقٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ ﴾ سَبَبُها أنَّ بَعْضَ أصْحابِ النَبِيِّ  وضَعُوا أيْدِيَهم في نَخْلِ بَنِي النَضِيرِ يَقْطَعُونَ ويَحْرِقُونَ، فَقالَ بَنُو النَضِيرِ: ما هَذا الإفْسادُ يا مُحَمَّدُ وأنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ؟

فَكَفَّ عن ذَلِكَ بَعْضُ الصَحابَةِ، وذَلِكَ في صَدْرِ الحَرْبِ مَعَهُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً أنَّ جَمِيعَ ما جَرى مِن قَطْعٍ أو إمْساكٍ فَبِإذْنِ اللهِ تَعالى، ورَدَّتِ الآيَةُ عَلى قَوْلِ بَنِي النَضِيرِ إنَّْ مُحَمَّدًا يَنْهى عَنِ الفَسادِ وها هو ذا يُفْسِدُ، فَأعْلَمَ اللهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ بِإذْنِهِ ولِيُجْزِيَ بِهِ الفاسِقِينَ مِن بَنِي النَضِيرِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "اللِينَةُ" فَقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اللِينَةُ: النَخْلَةُ، اسْمانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وجَمْعُها لِينٌ ولِيانٌ، وقالَ الشاعِرُ: وسالِفَةٌ كَسُحُوقِ اللِيانِ أضْرَمَ فِيها الغَوِيُّ السُعُرْ وَقالَ الآخَرُ: طِراقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ ∗∗∗ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: اللِينَةُ مِنَ النَخْلِ ما لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً، وقالَ سُفْيانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَوْرِيُّ: اللِينَةُ: الكَرِيمَةُ مِنَ النَخْلِ، وقالَ أبُو -عُبَيْدَةَ فِيما رُوِيَ عنهُ- وسُفْيانُ: اللِينَةُ: ما تَمْرُها لَوِنٌ، وهو نَوْعٌ مِنَ التَمْرِ يُقالُ لَهُ: اللَوْنُ، قالَ سُفْيانُ: هو شَدِيدُ الصُفْرَةِ يَشِفُّ عن نَواةٍ فَيُرى مِن خارِجٍ، وأصْلُها "لِوْنَةٌ" فَأُبْدِلَتْ لِمُوافَقَةِ الكَسْرَةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا اللِينُ: ألْوانُ النَخْلِ المُخْتَلِطَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيها عَجْوَةٌ ولا نَوًى.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ: "أو تَرَكْتُمُوها قُوَّمًا عَلى أُصُولِها"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ ﴾ الآيَةُ...إعْلامٌ أنَّ ما أُخِذَ مِن بَنِي النَضِيرِ ومِن فَدَكٍ فَهو خاصٌّ لِلنَّبِيِّ  ولَيْسَ عَلى حُكْمِ الغَنِيمَةِ الَّتِي يُوجِفُ عَلَيْها ويُقاتِلُ فِيها، بَلْ عَلى حُكْمِ خُمْسِ الغَنائِمِ، وذَلِكَ أنْ بَنِي النَضِيرِ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْها ولا قُوتِلَتْ كَبِيرَ قِتالٍ، فَأخَذَ مِنها رَسُولُ اللهِ  لِنَفْسِهِ قُوتَ عِيالِهِ، وقَسَّمَ سائِرَها في المُهاجِرِينَ ولَمْ يُعْطَ الأنْصارُ شَيْئًا غَيْرَ أنَّ أبا دُجانَةَ سَمّاكَ بْنَ خَرَشَةَ وسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ شَكَيا فاقَةً عَظِيمَةً فَأعْطاهُما، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وفي ذَلِكَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «كانَتْ أمْوالُ بَنِي النَضِيرِ مِمّا أفاءَ اللهُ تَعالى عَلى رَسُولِ اللهِ  مِمّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ  يُنْفِقُ مِنها عَلى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وما بَقِيَ مِنها جَعَلَهُ في السِلاحِ والكُراعِ عِدَّةً في سَبِيلِ اللهِ تَعالى،» قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وكَذَلِكَ كَلُّ ما فَتَحَ عَلى الأئِمَّةِ مِمّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ فَهو لَهم خاصَّةً، والوَجِيفُ دُونَ التَضْرِيبِ، يُقالُ وجَفَ الفُرْسُ وأوجَفَهُ الراكِبُ، والإيجافُ: سُرْعَةُ السَيْرِ والِاجْتِهادِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون عطفاً على جملة ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ [الحشر: 5] الآية فتكون امتناناً وتكملة لمصارف أموال بني النضير.

ويجوز أن تكون عطفاً على مجموع ما تقدم عطفَ القصة على القصة والغرض على الغرض للانتقال إلى التعريف بمصير أموال بني النضير لئلا يختلف رجال المسلمين في قسمته.

ولبيان أن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة أموال بني النضير هو عدلٌ إن كانت الآية نزلت بعد القسمة وَمَا صْدَقُ ﴿ ما أفاء الله ﴾ هو ما تركوه من الأرض والنخل والنقض والحطب.

والفَيء معروف في اصطلاح الغزاة، ففعل أفاء أعطَى الفيء، فالفيء في الحروب والغارات ما يظفر به الجيْشُ من متاع عدوّهم وهو أعم من الغنيمة ولم يتحقق أيمة اللغة في أصل اشتقاقه فيكون الفيء بقتال ويكون بدون قتال، وأما الغنيمة فهي ما أخذ بقتال.

وضمير ﴿ منهم ﴾ عائد إلى ﴿ الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ [الحشر: 2] الواقع في أول السورة وهم بنو النضير.

وقيل: أريد به الكفار، وأنه نزَّلَ في فيء فدك فهذا بعيد ومخالف للآثار.

وقوله: ﴿ فما أوجفتم عليه ﴾ خبر عن (ما) الموصولة قرن بالفاء لأن الموصول كالشرط لتضمنه معنى التسبب كما تقدم آنفاً في قوله: ﴿ فبإذن الله ﴾ [الحشر: 5].

وهو بصريحه امتنان على المسلمين بأن الله ساق لهم أموال بني النضير دون قتال، مثل قوله تعالى: ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ [الأحزاب: 25]، ويفيد مع ذلك كناية بأن يقصد بالإِخبار عنه بأنهم لم يُوجفوا عليه لازمُ الخبر وهو أنه ليس لهم سبب حقَ فيه.

والمعنى: فما هو من حقّكم، أو لا تسألوا قسمته لأنكم لم تنالوه بقتالكم ولكن الله أعطاه رسوله صلى الله عليه وسلم نعمة منه بلا مشقة ولا نصَب.

والإِيجاف: نوع من سَير الخيل.

وهو سَير سريع بإِيقاع وأريد به الركض للإِغارة لأنه يكون سريعاً.

والركابُ: اسم جمع للإِبل التي تُرْكبُ.

والمعنى: ما أغرتم عليه بخيل ولا إبل.

وحرف (على) في قوله تعالى: ﴿ فما أوجفتم عليه ﴾ للتعليل، وليس لتعدية ﴿ أوجفتم ﴾ لأن معنى الإِيجاف لا يتعدى إلى الفيء بحرف الجر، أو متعلقٌ بمحذوف هو مصدر ﴿ أوجفتم ﴾ ، أي إيجافاً لأجله.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ من خيل ﴾ زائدة داخلة على النكرة في سياق النفي ومدخول ﴿ مِن ﴾ في معنى المفعول به ل ﴿ أوجفتم ﴾ أي ما سقتم خيلاً ولا ركاباً.

وقوله: ﴿ ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ﴾ استدراك على النفي الذي في قوله تعالى: ﴿ فما أوجفتم عليه ﴾ لرفع توهم أنه لا حقّ فيه لأحد.

والمراد: أن الله سلط عليه رسوله صلى الله عليه وسلم فالرسول أحق به.

وهذا التركيب يفيد قصراً معنوياً كأنه قيل: فما سلطكم الله عليهم ولكن سلط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم وفي قوله تعالى: ﴿ ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ﴾ إيجاز حذف لأن التقدير: ولكن الله سلط عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم والله يسلط رُسله على من يشاء وكان هذا بمنزلة التذييل لعمومه وهو دال على المقدر.

وعموم ﴿ من يشاء ﴾ لشمول أنه يسلط رسله على مقاتلين ويسلطهم على غير المقاتلين.

والمعنى: وما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم إنما هو بتسليط الله رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم والله يسلط رسله على من يشاء.

فأغنى التذييل عن المحذوف، أي فلا حقّ لكم فيه فيكون من مال الله يتصرّف فيه رسوله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور من بعده.

فتكون الآية تبييناً لما وقع في قسمة فيء بني النضير.

ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسمه على جميع الغُزاة ولكن قسمه على المهاجرين سواء كانوا مِمَّن غزوا معهُ أم لم يغزوا إذ لم يكن للمهاجرين أموالٌ.

فأراد أن يكفيهم ويكفي الأنصار ما مَنحوه المهاجرين من النخيل.

ولم يعط منه الأنصار إلا ثلاثة لشدة حاجتهم وهم أبو دَجانة (سِماك بن خزينة)، وسَهلُ بن حنيف، والحارث بن الصِّمَّة.

وأعطى سعد بنَ معاذ سيفَ أبي الحُقيق، وكل ذلك تصرّف باجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله جعل تلك الأموال له.

فإن كانت الآية نزلت بعد أن قسمت أموال النضير كانت بياناً بأن ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم حقٌّ، أمره الله به، أو جعله إليه، وإن كانت نزلت قبل القسمة، إذ روي أن سبب نزولها أن الجيش سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تخميس أموال بني النضير مثل غنائم بدر فنزلت هذه الآية، كانت الآية تشريعاً لاستحقاق هذه الأموال.

قال أبو بكر ابن العربي: «لا خلاف بين العلماء أن الآية الأولى خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي هذه الآية الأولى من الآيتين المذكورتين في هذه السورة خاصة بأموال بني النضير، وعلى أنها خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء.

وبذلك قال عمر بن الخطاب بمحضر عثمان، وعبد الرحمان بن عوف، والزبير، وسعد، وهو قول مالك فيما روَى عنه ابن القاسم وابن وهب.

قال: كانت أموال بني النضير صافية لرسول الله صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخمسها.

واختُلف في القياس عليها كل مال لم يوجف عليه.

قال ابن عطية: قال بعض العلماء وكذلك كل ما فتح الله على الأيمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة ا ه.

وسيأتي تفسير ذلك في الآية بعدها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ﴾ والإيجافُ الإيضاعُ في السَّيْرِ وهو الإسْراعُ، والرِّكابُ: الإبِلُ، وفِيهِما يَقُولُ نُصَيْبٌ ألا رُبَّ رَكْبٍ قَدْ قَطَعْتُ وجِيفَهم إلَيْكَ ولَوْلا أنْتَ لَمْ تَوْجَفِ الرَّكْبُ ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ ذَلِكَ أنَّ مالَ الفَيْءِ هو المَأْخُوذُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِغَيْرِ قِتالٍ ولا إيجافِ خَيْلٍ ولا رِكابٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أنْ يَضَعَهُ حَيْثُ يَشاءُ لِأنَّهُ واصِلٌ بِتَسْلِيطِ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ لا بِمُحارَبَتِهِمْ وقَهْرِهِمْ.

فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ طُعْمَةً لِرَسُولِهِ خالِصًا دُونَ النّاسِ، فَقَسَّمَهُ في المُهاجِرِينَ إلّا سَهْلَ بْنَ حَنِيفٌ وأبا دُجانَةَ فَإنَّهُما ذَكَرا فَقْرًا فَأعْطاهُما.

﴿ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ ﴾ يُقالُ دُولَةٌ بِالضَّمِّ وبِالفَتْحِ وقُرِئَ بِهِما، وفِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما واحِدٌ، قالَهُ يُونُسٌ، والأصْمَعِيُّ.

الثّانِي: أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا، وفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِالفَتْحِ الظَّفَرُ في الحَرْبِ، وبِالضَّمِّ الغِنى عَنْ فَقْرٍ، قالَهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ.

الثّانِي: أنَّهُ بِالفَتْحِ في الأيّامِ، وبِالضَّمِّ في الأمْوالِ، قالَهُ عُبَيْدَةُ.

الثّالِثُ: أنَّ بِالفَتْحِ ما كانَ كالمُسْتَقِرِّ، وبِالضَّمِّ ما كانَ كالمُسْتَعارِ، حَكاهُ ابْنُ كامِلٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ بِالفَتْحِ الطَّعْنُ في الحَرْبِ، وبِالضَّمِّ أيّامُ المُلْكِ وأيّامُ السِّنِينَ الَّتِي تَتَغَيَّرُ، قالَهُ الفَرّاءُ، قالَ حَسّانٌ ولَقَدْ نِلْتُمْ ونِلْنا مِنكم ∗∗∗ وكَذاكَ الحَرْبُ أحْيانًا دُوَلٌ ﴿ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي ما أعْطاكم مِن مالِ الفَيْءِ فاقْبَلُوهُ، وما مَنَعَكم مِنهُ فَلا تَطْلُبُوهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: ما آتاكُمُ اللَّهُ مِن مالِ الغَنِيمَةِ فَخُذُوهُ، وما نَهاكم عَنْهُ مِنَ الغُلُوِّ فَلا تَفْعَلُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: وما آتاكم مِن طاعَتِي فافْعَلُوهُ، وما نَهاكم عَنْهُ مِن مَعْصِيَتِي فاجْتَنِبُوهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى العُمُومِ في جَمِيعِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِصَلاحٍ ولا يَنْهى إلّا عَنْ فَسادٍ.

وَحَكى الكَلْبِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في رُؤَساءِ المُسْلِمِينَ قالُوا فِيما ظَهَرَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ  مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ، يا رَسُولَ اللَّهِ صَفِيكَ والرُّبُعُ ودَعْنا والباقِي فَهَكَذا كُنّا نَفْعَلُ في الجاهِلِيَّةِ وأنْشَدُوهُ لَكَ المِرْباعُ مِنها والصَّفايا ∗∗∗ وحُكْمُكَ والنَّشِيطَةُ والفَضُولُ.

فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم في ناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإِبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة يعني السلاح فأنزل الله فيهم ﴿ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا ﴾ فقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى صالحهم على الجلاء وأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب ذلك عليهم، ولولا ذلك لعذبهم الله في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله: ﴿ لأول الحشر ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام.

وأخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن عروة مرسلاً قال البيهقي: وهو المحفوظ.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: «لم أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير قال: هذا أوّل الحشر وأنا على الأثر» .

وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث «عن ابن عباس قال: من شك أن المحشر بالشام فليقرا هذه الآية ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ﴾ قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: اخرجوا، قالوا: إلى أين؟

قال: إلى أرض المحشر» .

وأخرج أحمد في الزهد عن قيس قال: قال جرير لقومه فيما يعظهم: والله إني لوددت أني لم أكن بنيت فيها لبنة ما أنتم إلا كالنعامة استترت، وإن أرضكم هذه خراب يسراها ثم يتبعها يمناها، وإن المحشر ههنا، وأشار إلى الشام.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ لأول الحشر ﴾ قال: فتح الله على نبيه في أول حشر حشر عليهم في أول ما قاتلهم، وفي قوله: ﴿ ما ظننتم ﴾ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يخرجوا من حصونهم أبداً.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال: «أمر الله رسوله بإجلاء بني النضير، وإخراجهم من ديارهم، وقد كان النفاق كثيراً بالمدينة فقالوا: أين تخرجنا؟

قال: أخرجكم إلى المحشر، فلما سمع المنافقون ما يراد بإخوانهم وأوليائهم من أهل الكتاب أرسلوا إليهم فقالوا: إنا معكم محيانا ومماتنا، إن قوتلتم فلكم علينا النصر، وإن أخرجتم لا نتخلف عنكم، ومناهم الشيطان الظهور فنادوا النبي صلى الله عليه وسلم: إنا والله لا نخرج، ولئن قاتلتنا لنقاتلنك، فمضى النبي صلى الله عليه وسلم فيهم لأمر الله وأمر أصحابه، فأخذوا السلاح ثم مضى إليهم، وتحصنت اليهود في دورهم وحصونهم، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أزقتهم أمر بالأدنى من دورهم أن يهدم، وبالنخل أن يحرق ويقطع، وكفّ الله أيديهم وأيدي المنافقين فلم ينصروهم وألقى الله في قلوب الفريقين الرعب، ثم جعلت اليهود كلما خلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من هدم ما يلي مدينتهم ألقى الله في قلوبهم الرعب فهدموا الدور التي هم فيها من أدبارها ولم يستطيعوا أن يخرجوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كادوا أن يبلغوا آخر دورهم وهم ينتظرون المنافقين وما كانوا منوهم، فلما يئسوا مما عندهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان عرض عليهم قبل ذلك، فقاضاهم على أن يجليهم ولهم أن يتحملوا بما استقلت به الإِبل، من الذي كان لهم إلا ما كان من حلقة السلاح، فذهبوا كل مذهب، وكانوا قد عيروا المسلمين حين هدموا الدور وقطعوا النخل، فقالوا: ما ذنب شجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون، فأنزل الله: ﴿ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ ثم جعلها نفلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل منها سهماً لأحد غيره، فقال: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم ﴾ إلى قوله: ﴿ قدير ﴾ فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أراه الله من المهاجرين الأوّلين» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق العوفي عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاء.

وأخرج البغوي في معجمه عن محمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثاً.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير، والجلاء، إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة ولها يقول حسان بن ثابت: فهان على سراة بني لؤيّ ** حريق بالبويرة مستطير فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ .

وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قول الله: ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها ﴾ قال: اللينة النخلة ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ قال: استنزلوهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل، فحاك في صدورهم فقال المسلمون: قد قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً فلنسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لنا فيما قطعنا من أجر وهل علينا فيما تركنا من وزر، فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ الآية.

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن جابر قال: رخص لهم في قطع النخل، ثم شدد عليهم فقالوا: يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا أو فيما تركنا من وزر، فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ الآية.

وأخرج ابن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني النضير تحصنوا منه في الحصون فأمر بقطع النخل والتحريق فيها فنادوه يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه فما بال قطع النخل وتحريقها؟

فنزلت ﴿ ما قطعتم من لينة....

﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي من مغانم المسلمين، وقال الذين قطعوا: بل هي غيظ للعدوّ فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإِثم، فقال: إنما قطعه وتركه بإذن الله.

وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس أن سورة الحشر نزلت في النضير، وذكر الله فيها الذي أصابهم من النعمة وتسليط رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم حتى عمل بهم الذي عمل بإذنه، وذكر المنافقين الذين كانوا يراسلونهم ويعدونهم النصر فقال: ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأوّل الحشر ﴾ إلى قوله: ﴿ وأيدي المؤمنين ﴾ من هدمهم بيوتهم من تحت الأبواب ثم ذكر قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل وقول اليهود له يا محمد قد كنت تنهىعن الفساد فما بال قطع النخل؟

فقال: ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ يخبرهم أنها نعمة منه، ثم ذكر مغانم بني النضير فقال: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم ﴾ إلى قوله: ﴿ قدير ﴾ أعلمهم أنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء، ثم ذكر مغانم المسلمين مما يوجف عليه الخيل والركاب ويفتح بالحرب فقال: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله واللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ فذا مما يوجف عليه الخيل والركاب، ثم ذكر المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول ومالكاً وداعساً ومن كان على مثل رأيهم فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أُخْرِجْتُمْ لنخرجن معكم ﴾ إلى ﴿ كمثل الذين من قبلهم قريباً ﴾ يعني بني قينقاع الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ﴾ قبل الشام وهم بنو النضير حي من اليهود أجلاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى خيبر مرجعه من أحد.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ﴾ قال: النضير إلى قوله: ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ قال: ذلك ما بين ذلك كله.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: من شك أن المحشر إلى بيت القدس فليقرأ هذه الآية ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ﴾ فقد حشر الناس مرة وذلك حين ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة أجلى اليهود.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن كان يعبد الأوثان معه من الأوس والخزرج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر يقولون: إنكم قد آويتم صاحبنا وإنكم أكثر أهل المدينة عدداً، وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنخرجنه ولنستعدين عليكم العرب، ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم وأبناءكم.، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا واجتمعوا وأجمعوا لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم في جماعة من أصحابه، فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم.

فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة بدر بعد ذلك فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء، وهي الخلاخيل.

فلما بلغ كتابهم اليهود اجتمعت بنو النضير بالغد وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك وليخرج إليك منا ثلاثون حبراً حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينك، ويسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا.

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبراً من اليهود حتى إذا برزوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله؟

فأرسلوا: كيف نفهم ونحن ستون رجلاً؟

أخرج في ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنا كلنا وصدقناك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته خبر ما أراد بنو النضر من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أخوها سريعاً حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فسارّه بخبرهم قبل أن يصل إليهم، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحصرهم فقال لهم: إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدونني عليه، فأبوا أن يعطوه عهداً، فقاتلهم يومه ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالكتائب وترك بني النضير ودعاهم إلى أن يعاهدوه فعاهدوه فانصرف عنهم إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإِبل إلا الحلقة، والحلقة السلاح، فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلت الإِبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها، وكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها فيحتملون ما وافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام، وكان بنو النضير من سبط من أسباط بني إسرائيل لم يصبهم جلاء منذ كتب الله الجلاء على بني إسرائيل، فلذلك أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلولا ما كتب الله عليهم من الجلاء لعذبهم في الدنيا كما عذبت بنو قريظة، فأنزل الله: ﴿ سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ حتى بلغ ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ فكان نخيل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، فأعطاه الله إياها وخصّه بها، فقال: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ يقول: بغير قتال فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أكثرها المهاجرين، وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي في أيدي بني فاطمة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك أن قريظة والنضير قبيلتين من اليهود كانوا حلفاء لقبيلتين من الأنصار، الأوس والخزرج في الجاهلية، «فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأسلمت الأنصار وأبت اليهود أن يسلموا سار المسلمون إلى بني النضير وهم في حصونهم، فجعل المسلمون يهدمون ما يليهم من حصونهم ويهدم الآخرون ما يليهم سقط أن يقع عليهم حتى أفضوا إليهم فنزلت ﴿ هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم ﴾ إلى قوله: ﴿ شديد العقاب ﴾ فلما أفضوا إليهم نزلوا على عهد بينهم وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم على أن يجلوهم وأهليهم ويأخذوا أموالهم وأرضهم، فأجلوا ونزلوا خيبر، وكان المسلمون يقطعون النخل، فحدثني رجال من أهل المدينة أنها نخل أصفر كهيئة الدقل تدعى اللينة.، فاستنكر ذلك المشركون، فأنزل الله عذر المسلمين ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ فأما قول الله: ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: لم يسيروا إليهم على خيل ولا ركاب إنما كانوا في ناحية المدينة، وبقيت قريظة بعدهم عاماً أو عامين على عهد بينهم وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء المشركون يوم الأحزاب أرسل المشركون إليهم أن اخرجوا معنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إليهم اليهود أن ارسلوا إلينا بخمسين من رهنكم، فجاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المسلمين فحدثهم، وكان نعيم يأمن في المسلمين والمشركين، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قد أرسلوا إلى المشكرين يسألونهم خمسين من رهنهم ليخرجوا معهم فأبوا أن يبعثوا إليهم بالرهن فصاروا حرباً للمسلمين والمشركين فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وخوات بن جبير، فلما أتياهم قال عظيمهم كعب بن الأشرف: إنه قد كان لي جناحان فقطعتم أحدهما فإما أن تردوا عليّ جناحي، وإما أن أتخذ عليكم جناحاً، فقال خوات بن جبير: إني لأهم أن أطعنه بحربتي.

فقال له سعد: إذن يسبق القوم ويأخذون، فمنعه فرجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثاه بالذي كان من أمرهما وأذن الله فيهم، ورجع الأحزاب ووضع النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه فأتاه جبريل، فقال: والذي أنزل عليك الكتاب ما نزلت عن ظهرها منذ نزل بك المشركون حتى هزمهم الله، فسر فإن الله قد أذن لك في قريظة فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه فقال لهم: يا إخوة القردة والخنازير، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فحاشاً فنزلوا على حكم سعد بن معاذ وكان من القبيلة الذين هم حلفاؤهم فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتقسم غنائمهم وأموالهم ويذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حكم بحكم الله فضرب أعناقهم وقسم غنائمهم وأموالهم» .

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن سعيد قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير في حاجة فهموا به فأطلعه الله على ذلك فندب الناس إليهم فصالحهم على أن لهم الصفراء والبيضاء وما أقلت الإِبل، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم النخل والأرض والحلقة قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين، ولم يعط أحداً من الأنصار منها شيئاً إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا يوماً إلى النضير ليسألهم كيف الدية فيهم، فلما لم يروا مع رسول الله كثير أحد أبرموا بينهم على أن يقتلوه ويأخذوا أصحابه أسارى ليذهبوا بهم إلى مكة ويبيعوهم من قريش.

فبينما هم على ذلك إذ جاء من اليهود من المدينة فلما رأى أصحابه يأتمرون بأمر النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: ما تريدون؟

قالوا: نريد أن نقتل محمداً ونأخذ أصحابه، فقال لهم: وأين محمد؟

قالوا: هذا محمد قريب.

فقال لهم صاحبهم: والله لقد تركت محمداً داخل المدينة فأسقط بأيديهم وقالوا: قد أخبر أنه انقطع ما بيننا وبينه من العهد، فانطلق منهم ستون حبراً ومنهم حيي بن أخطب والعاصي بن وائل حتى دخلوا على كعب، وقالوا: يا كعب أنت سيد قومك ومدحهم احكم بيننا وبين محمد، فقال لهم كعب: أخبروني ما عندكم قالوا: نعتق الرقاب ونذبح الكوماء، وإن محمداً انبتر من الأهل والمال فشرفهم كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقلبوا فأنزل الله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ [ النساء: 51] إلى ﴿ فلن تجد له نصيراً ﴾ [ المائدة: 11] ونزل عليه لما أرادوا أن يقتلوه ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يكفيني كعباً؟» فقال ناس من أصحابه فيهم محمد بن مسلمة: نحن نكفيك يا رسول الله ونستحل منك شيئاً فجاؤوه فقالوا: يا كعب إن محمداً كلفنا الصدقة فبعنا شيئاً.

قال عكرمة: فهذا الذين استحلوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم كعب: أرهنوني أولادكم فقالوا: إن ذاك عار فينا غداً تبيح أن يقولوا عبد وسق ووسقين وثلاثة، قال كعب: فاللامة.

قال عكرمة: وهي السلاح، فأصلحوا أمرهم على ذلك فقالوا: موعد ما بيننا وبينك القابلة، حتى إذا كانت القابلة راحوا إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المصلى يدعو لهم بالظفر، فلما جاؤوا نادوه يا كعب، وكان عروساً فأجابهم، فقالت امرأته: وهي بنت عمير أين تنزل قد أشم الساعة ريح الدم، فهبط وعليه ملحفة مورسة، وله ناصية، فلما نزل إليهم قال القوم: ما أطيب ريحك ففرح بذلك فقام إليه محمد بن مسلمة فقال قائل المسلمين: أشمونا من ريحه، فوضع يده على ثوب كعب وقال: شموا فشموا، وهو يظن أنهم يعجبون بريحه، ففرح بذلك، فقال محمد بن مسلمة: بقيت أنا أيضاً، فمضى إليه فأخذ بناصيته ثم قال: اجلدوا عنقه، فجلدوا عنقه، ثم إن رسول الله غدا إلى النضير، فقالوا: ذرنا نبك سيدنا، قال: لا، قالوا فحزة على حزة.

قال: نعم حزة على حزة.

فلما رأوا ذلك جعلوا يأخذون من بطون بيوتهم الشيء لينجوا به والمؤمنون يخربون بيوتهم من خارج ليدخلوا عليهم، فلولا أن كتب الله عليهم الجلاء، قال عكرمة: والجلاء يجلون منهم ليقتلهم بأيديهم.

وقال عكرمة: إن ناساً من المسلمين لما دخلوا على بني النضير أخذوا يقطعون النخل، فقال بعضهم لبعض: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها، وقال قائل من المسلمين: لا يقطعون وادياً ولا ينالون من عدوّ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ وهي النخلة ﴿ أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ﴾ قال: ما قطعتم فبإذني وما تركتم فبإذني.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ قال: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ليدخلوا عليهم، ويخربها اليهود من داخلها.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن مقاتل بن حيان في قول الله عز وجل: ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتلهم، فإذا ظهر على درب أو دار هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال، وكانت اليهود إذا غلبوا على درب أو دار نقبوها من أدبارها ثم حصنوها ودربوها فيقول الله عز وجل: ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ وقوله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ إلى قوله: ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ يعني باللينة النخل، وهي أعجب إلى اليهود من الوصف، يقال لثمرها اللون، فقالت اليهود عند قطع النبي صلى الله عليه وسلم نخلهم وعقر شجرهم: يا محمد زعمت أنك تريد الإِصلاح، أفمن الإِصلاح عقر الشجر وقطع النخل والفساد؟

فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ووجد المسلمون من قولهم في أنفسهم من قطعهم النخل خشية أن يكون فساداً، فقال بعضهم لبعض: لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا، فقال الذين يقطعونها: نغيظهم بقطعها، فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ يعني النخل فبإذن الله وما تركتم قائمة على أصولها فبإذن الله فطابت نفس النبي صلى الله عليه وسلم وأنفس المؤمنين ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ يعني يهود أهل النضير.

وكان قطع النخل وعقر الشجر خزياً لهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري في قوله: ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم ﴾ قال: ما صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم كانوا لا يعجبهم خشبة إلا أخذوها فكان ذلك تخريبها.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ يخربون بيوتهم ﴾ من داخل الدار لا يقدرون على قليل ولا كثير ينفعهم إلا خربوه وأفسدوه لئلا يدعوا شيئاً ينفعهم إذا رحلوا، وفي قوله: ﴿ وأيدي المؤمنين ﴾ ويخرب المؤمنون ديارهم من خارجها كيما يخلصوا إليهم، وفي قوله: ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ قال: لسلط عليهم فضربت أعناقهم وسبيت ذراريهم، ولكن سبق في كتابه الجلاء لهم ثم أجلوا إلى أذرعات وأريحا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ﴾ قال: كانت بيوتهم مزخرفة فحسدوا المسلمين أن يسكنوها، وكانوا يخربونها من داخل، والمسلمون من خارج.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: الجلاء خروج الناس من البلد إلى البلد.

وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ قال: هي النخلة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن عطية وعكرمة ومجاهد وعمرو ابن ميمون مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ من لينة ﴾ قال: نوع من النخل.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: اللينة ما دون العجوة من النخل.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الزهري قال: اللينة ألوان النخل كلها إلا العجوة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ قال: نخلة أو شجرة.

وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قواماً على أصولها ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن شهاب قال: يلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرق بعض أموال بني النضير فقال قائل: فهان على سراة بني لؤيّ ** حريق بالبويرة مستطير وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: قطع المسلمون يومئذ النخل، وأمسك أناس كراهية أن يكون فساداً فقالت اليهود: الله أذن لكم في الفساد؟

فقال الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ قال: واللينة ما خلا العجوة من النخل إلى قوله: ﴿ وليخزي الفاسقين ﴾ قال: لتغيظوهم ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: ما قطعتم إليها وادياً ولا سيرتم إليها دابة ولا بعيراً إنما كانت حوائط لبني النضير أطعمها الله رسوله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم بين قريش والمهاجرين، النضير فأنزل الله: ﴿ ما قطعتم من لينة ﴾ قال: ما هي العجوة والفنيق والنخيل، وكانا مع نوح في السفينة، وهما أصل التمر، ولم يعط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار أحداً إلا رجلين أبا دجانة وسهل بن حنيف.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الأوزاعي قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم يهودي فسأله عن المشيئة قال: المشيئة لله، قال: فإني أشاء أن أقوم، قال: قد شاء الله أن تقوم، قال: فإني أشاء أن أقعد، قال: فقد شاء الله أن تقعد، قال: فإني أشاء أن أقطع هذه النخلة، قال: فقد شاء الله أن تقطعها، قال: فإني أشاء أن أتركها، قال: فقد شاء الله أن تتركها، قال: فأتاه جبريل عليه السلام فقال: قد لقنت حجتك كما لقنها إبراهيم عليه السلام، قال: ونزل القرآن ﴿ ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي وابن المنذر عن الزهري في قوله: ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل فدك وقرى سماها وهو محاصر قوماً آخرين، فأرسلوا بالصلح فأفاءها الله عليهم من غير قتال، ولم يوجفوا عليه خيلاً ولا ركاباً فقال الله: ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ يقول: بغير قتال.

وقد كانت أموال بني النضير للنبي صلى الله عليه وسلم خالصاً لم يفتتحوها عنوة إنما فتحوها على صلح، فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا رجلين كانت بهما حاجة أبو دجانة وسهل بن حنيف.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فكان ينفق على أهله منها نفقة سنتهم، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: يذكرهم ربهم أنه نصرهم وكفاهم بغير كراع ولا عدة في قريظة وخيبر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ﴾ قال: أمر الله رسوله بالسير إلى قريظة والنضير، وليس للمؤمنين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم فيه ما أراد، ولم يكن يومئذ خيل ولا ركاب يوجف بها.

قال: والايجاف أن يوضعوا السير وهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من ذلك خيبر وفدك وقرى عربية، وأمر الله رسوله أن يعد لينبع، فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتواها كلها، فقال أناس: هلا قسمها فأنزل الله عذره فقال: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ﴾ إلى قوله: ﴿ شديد العقاب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ قال: من قريظة جعله الله لمهاجرة قريش خصوا به.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري في قوله: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ قال: بلغني أنها الجزية والخراج.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان ما أفاء الله على رسوله من خيبر نصف لله ورسوله، والنصف الآخر للمسلمين فكان الذي لله ورسوله من ذلك الكتيبة والوطيخ وسلالة ووجدة، وكان الذي للمسلمين الشق والشق ثلاثة عشر سهماً ونطاه خمسة أسهم، ولم يقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر لأحد من المسلمين إلا لمن شهد الحديبية، ولم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد تخلف عنه عند مخرجه الحديبية أن يشهد معه خيبر إلا جابر بن عبدالله بن عمرو بن حزام الأنصاري.

وأخرج أبو داود وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفايا بني النضير وخيبر وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك فكانت لابن السبيل، وأما خيبر فجزأها ثلاثة أجزاء فقسم منها جزأين بين المسلمين، وحبس جزءاً لنفسه ولنفقة أهله، فما فضل عن نفقة أهله رده على فقراء المهاجرين.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن الأعمش قال: ليس بين مصحف عبدالله وزيد بن ثابت خلاف في حلال وحرام إلا في حرفين في سورة الأنفال ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ [ الأنفال: 41] وفي سورة الحشر ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والمهاجرين في سبيل الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ قال: كان الفيء بين هؤلاء، فنسختها الآية التي: في الأنفال فقال: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ﴾ [ الأنفال: 41] فنسخت هذه الآية ما كان قبلها في سورة الحشر فجعل الخمس لمن كان له الفيء وصار ما بقي من الغنيمة لسائر الناس لمن قاتل عليها.

وأخرج أبو عبيد في كتاب الأموال وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن مردويه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: بعث إليّ عمر بن الخطاب في الهاجرة، فجئته فدخلت عليه فإذا هو جالس على سرير ليس بينه وبين رمل السرير فراش، متكئ على وسادة من آدم، فقال: يا مالك إنه قدم علينا أهل أبيات من قومك، وإني قد أمرت فيهم برضخ فخذه فأقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين إنهم قومي وأنا أكره أن أدخل بهذا عليهم فمر به غيري فإني لأراجعه في ذلك إذ جاءه يرفا غلامه فقال: هذا عثمان بن عفان وطلحة بن عبيدالله والزبير وعبد الرحمن بن عوف، فأذن لهم فدخلوا، ثم جاءه يرفا فقال: هذا علي وعباس قال: ائذن لهما في الدخول فدخلا، فقال عباس: ألا تعديني على هذا فقال القوم: يا أمير المؤمنين اقض بين هذين وأرح كل واحد منهما من صاحبه، فإن في ذلك راحة لك ولهما.

فجلس عمر ثم قال: اتئدوا.

وحسر عن ذراعيه ثم قال: أنشدكم بالله أيها الرهط هل سمعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «انا لا نورث ما تركنا صدقة إن الأنبياء لا تورث» فقال القوم: نعم قد سمعنا ذاك.

ثم أقبل على علي وعباس فقال: أنشدكما بالله هل سمعتما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذاك؟

قالا: نعم، فقال عمر: ألا أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله خص نبيه من هذا الفيء بشيء لم يعطه غيره يريد أموال بني النضير كانت نقلاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لأحد فيها حق معه، فوالله ما احتواها دونكم ولا استأثر بها عليكم، لقد قسمها فيكم حتى كان منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخر منه قوت أهله لسنتهم، ويجعل ما بقي في سبيل المال حتى توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر، فقال: أنا وليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمل بما كان يعمل وأسير بسيرته في حياته، فكان يدخر من هذا المال قنية أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم لسنتهم، ويجعل ما بقي في سبل المال كما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوليها أبو بكر حياته حتى توفي أبو بكر، قلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبي بكر أعمل بما كانا يعملان به في هذا المال فقبضتها، فلما أقبلتما عليّ وأدبرتما وبدا لي أن أدفعها إليكما أخذت عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به فيها وأبو بكر وأنا، حتى دفعتها إليكما أنشدكم الله أيها الرهط هل دفعتها إليهما بذلك؟

قالوا: اللهم نعم، ثم أقبل عليهما فقال: أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك؟

قالا: نعم، قال: فقضاء غير ذلك تلتمسان مني، فلا والله لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن كنتما عجزتما عنها فأدياها إليّ ثم قال عمر: إن الله قال: ﴿ وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ﴾ إلى آخر الآية ﴿ واتقوا الله إن الله شديد العقاب ﴾ ثم قال: والله ما أعطاها هؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ﴾ ثم والله ما جعلها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿ والذين تبوَّءو الدار والإِيمان ﴾ إلى ﴿ المفلحون ﴾ ثم والله ما أعطاها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ﴾ إلى قوله: ﴿ رحيم ﴾ فقسمها هذا القسم على هؤلاء الذين ذكر.

قال عمر: لئن بقيت ليأتين الرويعي بصنعاء حقه ودمه في وجهه.

وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيدة وابن زنجويه معاً في الأموال وعبد بن حميد وأبو داود وفي ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴾ حتى بلغ ﴿ عليم حكيم ﴾ ثم قال: هذه لهؤلاء ثم قرأ ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ﴾ حتى بلغ ﴿ للفقراء المهاجرين ﴾ إلى آخر الآية فقال: هذه للمهاجرين، ثم تلا ﴿ والذين تبوّءو الدار والإِيمان من قبلهم ﴾ إلى آخر الآية فقال: هذه للأنصار، ثم قرأ ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم ﴾ إلى آخر الآية ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامة وليس أحد إلا له في هذا المال حق، ألا ما تملكون من وصيتكم ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو يسير حمره نصيه منها لم يعرق فيه جبينه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: اجتمعوا لهذا المال فأنظروا لمن ترونه، ثم قال لهم: إني أمرتكم أن تجتمعوا لهذا المال فتنظروا لمن ترونه، وإني قرأت آيات من كتاب الله فكفتني، سمعت الله يقول: ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ والله ما هو لهؤلاء وحدهم ﴿ والذين تبوّءُو الدار والإِيمان ﴾ إلى قوله: ﴿ المفلحون ﴾ والله ما هو لهؤلاء وحدهم ﴿ والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ﴾ إلى قوله: ﴿ رحيم ﴾ والله ما أحد من المسلمين إلا له حق في هذا المال أعطي منه أو منع عنه حتى راع بعدن.

وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وابن زنجويه في الأموال وعبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما على وجه الأرض مسلم إلا وله في هذا المال حق إلا ما ملكت أيمانكم.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: قسم عمر ذات يوم قسماً من المال، فجعلوا يثنون عليه، فقال: ما أحمقكم لو كان لي ما أعطيتكم منه درهماً.

وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال: المال ثلاثة: مغنم، أو فيء، أو صدقة.

فليس منه درهم إلا بيّن الله موضعه.

وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يملأ الله أيديكم من العجم ثم يجعلهم أسداً لا يفرون فيقتلون مقاتلتكم ويأكلون فيئكم» .

وأخرج ابن سعد عن السائب بن يزيد سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: والذي لا إله إلا هو ثلاثاً ما من الناس أحد إلا له حق في هذا المال أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد إلى عبد مملوك، وما أنا فيه إلا كأحدكم، ولكنا على منازلنا من كتاب الله وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرجل وبلاؤه في الإِسلام، والرجل وقدمه في الإِسلام، والرجل وغناه في الإِسلام، والرجل وحاجته في الإِسلام، والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه.

وأخرج ابن سعد عن الحسن رضي الله عنه قال: كتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم، فكتب إليه إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير، فكتب إليه عمر: إن فيأهم الذي أفاء الله عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر اقسمه بينهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: وجدت المال قسم بين هذه الثلاثة الأصناف: المهاجرين والأنصار والذين جاؤوا من بعدهم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه مثل ذلك.

قوله تعالى: ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه ﴾ الآية.

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ قال: كان يؤتيهم الغنائم وينهاهم عن الغلول.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه ﴾ قال: من الفيء ﴿ وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ قال: من الفيء.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي اله عنه ﴿ وما آتاكم الرسول ﴾ من طاعتي وأمري ﴿ فخذوه وما نهاكم عنه ﴾ من معصيتي فانتهوا.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ألم يقل الله ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ قالوا: بلى، قال: ألم يقل الله: ﴿ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ [ الأحزاب: 36] الآية قال: فإني أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه سمع ابن عمر وابن عباس يشهدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن المنذر وابن مردويه عن علقمة رضي الله عنه قال: قال عبدالله بن مسعود: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله.

فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت إليه فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، قال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله.

قالت: لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه شيئاً من هذا قال: لئن كنت قرأته لقد وجدته أما قرأت ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ قال المبرد: يقال فاء يفيء إذا رجع، وأفاءه الله إذا رده (١) وقال الأزهري: الفيء ما رد الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال، إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، وإما أن يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم (٢)  - على أن لكل ثلاثة منهم ما وسق (٣) فهذا المال هو الفيء، وهذا مما أفاء الله على المسلمين، أي: رده ورجعه من الكفار على المسلمين.

وقوله: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ أي من يهود بني النضير.

قوله: ﴿ فَمَا أَوْجَفْتُمْ ﴾ يقال وجف الفرس والبعير يجف وجفًا ووجيفًا ووجفانًا (٤) ناج طواه الأين مما وجفا (٥) وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع، وهما مثال الإيضاع (٦) وقوله: ﴿ عَلَيْهِ ﴾ أي على ما أفاء الله.

قوله: ﴿ وَلَا رِكَابٍ ﴾ الركاب الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها في لفظها (٧) قال الفراء: الركاب الإبل التي تحمل القوم، وهي ركاب القوم إذا حملت وأريد العمل عليها، وهو اسم جماعة لا يفرد (٨) قال المفسرون: إن بني النضير لما جلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وأموالهم طلب المسلمون من رسول الله أن يخمسها كما فعل بغنائم بدر، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها (٩)  - كان راكب جمل (١٠) (١١) (١٢) فإن قيل: أموال النضير أخذت بعد القتال، لأنهم حوصروا أيامًا وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء، قيل: إن الله تعالى خص نبيه بفيء بني النضير وجعل أموالهم له فيئًا فهو مخصوص بهذا (١٣) قال صاحب النظم: قوله: ﴿ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ﴾ ليس بعلة لصرف الفيئ عنهم، وإنما هو تعزية لهم عما صرف عنهم لئلا يأسفوا عليه بما أعلمهم أنهم لم ينفقوا فيه شيئًا، ولا لزمهم نصب ولا تعب كما يكون في الوقائع.

ثم وكد ذلك بقول ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ﴾ فكان في ذلك زيادة شرح لإحراز جميع الفيئ لرسوله دون أصحابه (١٤) قال المفسرون: فجعل الله أموال بني النضير لرسوله -  - خاصة يفعل فيها ما يشاء، فقسمها رسول الله -  - بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١) انظر: "التفسير الكبير" 29/ 284.

(٢) انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 578 (فاء).

(٣) الأصل في الوسق: الحمل، وكل شيء وسقته فقد حملته.

"اللسان" 3/ 926 (وسق).

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 213.

(٥) انظر: "ملحقات ديوان العجاج" ص 84، و"الكتاب مع شواهده" للأعلم 1/ 180، و"تهذيب اللغة" 4/ 78.

(٦) انظر: "اللسان" 3/ 882، و"تفسير غريب القرآن" ص 460.

(٧) "اللسان" 1/ 1213 (ركب).

(٨) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 144، و"تهذيب اللغة" 10/ 219 (ركب)، ونسبه لليث.

(٩) انظر: "جامع البيان" 28/ 24، و"الكشف والبيان" 12/ 89 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 316، و"زاد المسير" 8/ 209 (١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 147 ب، و"جامع البيان" 28/ 24.

(١١) في (ك): (وكان).

(١٢) انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 149 (غنم)، 15/ 578 (فاء)، و"المغني" 9/ 283.

(١٣) قال السهيلي: ولم يختلفوا في أن أموال بني النضير كانت خاصة برسول الله -  - وأن المسلمين لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب، وأنه لم يقع بينهم قتال أصلاً.

"فتح الباري" 7/ 33.

قلت: وتخصيص الرسول -  - بأموال بني النضير هو الثابت عن عمر ابن الخطاب؟

وعمن حضر مجلسه من كبار الصحابة رضوان الله عليهم.

انظر: "صحيح البخاري"، كتاب: المغازي، باب: حديث بني النضير 5/ 113، و"فتح الباري" 4/ 337 - 335، و"صحيح مسلم بشرح النووي" 12/ 71، والحديث مخرج في الكتب الستة، وغيرها.

(١٤) لم أقف عليه.

(١٥) أبو دجانة سماك بن أوس، بن خرشة الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا، وأحدًا، واليمامة وقتل بها.

وهو قاتل مسيلمة الكذاب مع وحشي بن حرب  ما.

انظر: "المعارف" ص 271، و"البداية والنهاية" 6/ 337.

(١٦) سهل بن حنيف الأوسي، حضر المشاهد كلها مع رسول الله -  - وشهد مع علي بن أبي طالب مشاهده كلها غير الجمل، فإنه كان قد استخلفه على المدينة، توفي سنة (38 هـ) بالكوفة، وصلى عليه علي  ما.

انظر: "المعارف" ص 291، و"البداية والنهاية" 7/ 318.

(١٧) الحارث بن الصمة، أبو سعد: آخى رسول الله -  - بينه وبين صهيب بن سنان، شهد أحدًا وثبت مع الرسول -  - وشهد يوم بئر معونه، وقتل يومئذ شهيدًا في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة.

انظر: "طبقات ابن سعد" 3/ 508.

(١٨) انظر: "الكشف والبيان" 13/ 89 ب، ذكره بغير سند، و"معالم التنزيل" 4/ 316، و"زاد المسير" 8/ 209.

وهو المنقول عن السهيلي، واقتصر ابن إسحاق، وابن هشام، وابن سيد الناس، == وغيرهم على ذكر أبي دجانة، وسهيل بن حنيف.

انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 283، عن الزهري، وأهمل اسم الرجلين، و"تاريخ الأمم والملوك" 2/ 81، 85، و"البداية والنهاية" 4/ 76، و"روح المعاني" 28/ 45.

ومن هذا ما رواه الحاكم في الإكليل، من حديث أم العلاء، قالت: قال النبي -  - للأنصار لما فتح النضير: "إن أحببتم قسمت بينكم ما أفاء الله علي، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم وإن أحببتم أعيكتهم وفرجوا عنكم"، فاختاروا الثاني.

"فتح الباري" 7/ 333.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ معنى أفاء الله: جعله فيئاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوجفتم من الوجيف وهو سرعة السير، والركاب هي الإبل، والمعنى أن ما أعطى الله رسوله من أموال بني النضير لم يمش المسلمون إليه بخيل ولا إبل ولا تعبوا فيه ولا حصلوه بقتال، ولكن حصل بتسليط رسوله صلى الله عليه وسلم على بني النضير، فأعلم الله من هذه الآية أن ما أخذه من بني النضير وما أخذه من فدك: فهو فيء خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم يفعل فيه ما يشاء، لأنه لم يوجف عليها، ولا قوتلت كبير قتال.

فهما بخلاف الغنيمة التي تؤخذ بالقتال فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه من أموال بني النضير قوت عياله، وقسم سائرها في المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئاً، غير أن أبا دُحانة وسهلَ بن حنيف شكْوا فاقة فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منها سهماً، هذا قول جماعة، وقال عمر بن الخطاب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منها على أهله نفقة سنة وما بقي جعله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله.

وقال قوم من العلماء: وكذلك كل ما فتح الأئمة مما لم يوجف عليه فهو لهم خاصة يأخذون منه حاجتهم ويصرفون باقيه في مصالح المسلمين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد: أبوعمرو.

والباقون: بالتخفيف من الإخراب ﴿ تكون ﴾ بالتاء الفوقانية ﴿ دولة ﴾ بالرفع على " كان " التامة: يزيد.

والآخرون: على التذكير والنصب ﴿ جدار ﴾ بالألف على التوحيد: ابن كثير وأبو عمرو.

والآخرون: بضمتين من غير ألف.

﴿ إني أخاف ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

و ﴿ الباري ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو طريق ابن عبدوس.

الوقوف ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الحشر ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ط ﴿ في الدنيا ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ه ﴿ ورسوله ﴾ ج بناء على أن الشرط من جملة المذكور ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ فانتهوا ﴾ ج لابتداء من بعد جزاء الشرط مع اتفاق النظم ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه لئلا يوهم أن قوله ﴿ للفقراء ﴾ يتعلق بـ ﴿ شديد ﴾ ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الصادقون ﴾ ه ج بناء على أن ما بعده مستأنف أو معطوف ويجيء وجه كل منهما في التفسير.

﴿ خصاصة ﴾ قف قيل: وقفة والأحسن الوصل لأن الاعتراض مؤكد لما قبله ﴿ المفلحون ﴾ ه لمثل المذكور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ لا لأن ما بعده من تمام القول ﴿ لننصركم ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه ﴿ معهم ﴾ ج ﴿ لا ينصرونهم ﴾ ط للعطف فيهما مع الابتداء بالقسم ﴿ لا ينصرون ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ جدر ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ج لتعلق الكاف بـ ﴿ لا يعقلون ﴾ أو بمحذوف أو مثلهم كمثل ﴿ أمرهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين ﴿ أليم ﴾ ه ج لما قلنا ﴿ اكفر ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ لغد ﴾ ج لاعتراض خصوص بين العمومين أي لم يتق الله كل واحد منكم فلتنظر لغدها نفس واحد منكم ﴿ واتقوا الله ﴾ ه ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أنفسهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ الأولى ط ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ من خشية الله ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده خبر مبتدأ محذوف ﴿ والشهادة ﴾ ج لاحتمال كون الضمير بدلاً من عالم أو مبتدأ ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ط لما قلنا ﴿ المتكبر ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: قال المفسرون: صالح بنو النضر رسول الله  على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما غلب الكفار يوم بدر قالوا: هوالنبي الذي نعته في التوراة لا ترد له رأيه، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبين إلى مكة فعاهدوا قريشاً عند الكعبة، فأمر النبي  محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان اخا كعب من الرضاعة ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف فقال لهم: اخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك.

فتنادوا بالحرب.

وقيل: استمهلوا رسول الله  عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولئن خرجتم لنخرجن معكم فدرّبوا على الأزقة وحصنوها، فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة.

فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من نصرة المنافقين طلبوا الصلح فأبى عليهم إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤا من متاعهم، فذهبوا إلى اريحاء وأذرعات من الشأم إلا أهل بيتين منهم ابن أبي الحقيق وحُيَيّ بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.

واللام في قوله ﴿ لأول الحشر ﴾ بمعنى الوقت كقولك " جئت ليوم كذا ".

وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.

فمعنى الحشر إخراج الجميع من مكان، ومعنى الأولية أنه لم يصبهم قبل ذلك مثل هذا الذل لأنهم كانوا أهل منعة هذا قول ابن عباس والأكثرين.

وقيل: هذا أول حشرهم، وآخره حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام كما جاء في الحديث " نار تخرج من المشرق وتسوق الناس إلى المغرب" قاله قتادة.

وقيل: آخر حشرهم إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام.

وقيل: معناه لأول ما حشر بقتالهم لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله  .

قال في الكشاف: الفرق بين النظم الذي جاء عليه وبين قول القائل " وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم " هو أن في تقديم الخبر على المبتدأ دليلاً على فرط وثوقهم بحصانتها، وفي نصب ضميرهم اسماً لأن إسناد الجملة إليه دليل على أنهم اعتقدوا عزة أنفسهم ومنعتها بحيث لا يمكن لأحد أن يتعرض لهم.

قلت: حاصل كلامه  الحصر.

ومعنى إتيان الله إتيان أمره وهو النصر إن عاد إلى اليهود وهذا أظهر ليناسب قوله  ﴿ في قلوبهم ﴾ ولاستعمال القرآن نظيره في مواضع أخر في معرض التهديد ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك  ﴾ ومعنى ﴿ لم يحتسبوا ﴾ أنه لم يخطر ببالهم قتل كعب غيلة على يد أخيه.

وقذف الرعب في قلوبهم وهذا من خواص نبينا  كما مر في آل عمران ﴿ سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب  ﴾ وفي لفظ القذف زيادة تأكيد ولهذا قالوا في صفة الأسد " مقذف " فكأنما قذف باللحم قذفاً لاكتنازه وتداخل أجزائه.

قال الفراء ﴿ يخربون ﴾ بالتشديد يهدمون، وبالتخفيف يخرجون منها ويتركونها.

وكان أبو عمرو ويقول: الإخراب أن يترك الشيء خراباً، والتخريب الهدم، وبنو النضير خربوا وما أخربوا.

وزعم سيبويه أنهما يتعاقبان في بعض الأحكام نحو " فرحته " و " أفرحته " و " حسنة الله " و " أحسنه ".

قال المفسرون: إنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا المسلمين أن يسكنوا منازلهم فجعلوا يخربونها من داخل والمسلمون من خارج.

قلت: ويحتمل أن يكون بعض التخريب لسدّ أفواه الأزقة بالخشب والحجارة أو لنقل ما أرادوا حمله من جيد الخشب والساج.

وأما المؤمنون فداعيهم إلى ذلك إزالة تحصنهم أو أن يتسع لهم في الحرب مجال، ومعنى تخريبهم بأيدي المؤمنين أنهم كانوا السبب فيه وأنهم عرضوا المؤمنين لذلك.

ثم أمر أهل الابصار الباطنة بالاعتبار وهو العبور والمجاوزة من شيء إلى شيء، ومنه العبرة لأنها تنتقل من العين إلى الخد، والتعبير لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، والعبارة لأنها تنقل المعاني من لسان القائل إلى فهم المستمع، والسعيد من اعتبر بغيره لأنه ينتقل عقله من حال ذلك الغير إلى حال نفسه، أو القائس يعبر عن المقيس عليه إلى المقيس.

ومعنى الاعتبار في الآية أنهم اعتمدوا على حصونهم وعدّتهم فأمر الله تعالى أرباب العقول بأن ينظروا في حالهم ولا يعتمدوا على شيء غير الله، أو المراد أن يعرف الإنسان عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوّة فإن أولئك اليهود وقعوا بشؤم الغدر والكفر في البلاء والجلاء.

واعترض بأن رب شخص وكفر وما عذب في الدنيا، ورب ممتحن مبتلى هو نبي أو ولي.

وأجيب بأن حاصل القياس والاعتبار يرجع إلى أن الغادر الكافر معذب أعم من أن يكون بالتخريب أو بالقتل أو في الدنيا أو في الآخرة والعكس لا يلزم.

وقيل: معنى الاعتبار أن رسول الله  وعدهم أن يورثهم أرضهم وأموالهم بغير قتال فكان كما وقع فدل على صحة نبوّته.

والجلاء أن لم يبق لهم بالمدينة دار ولا فيها منهم ديار وهذا عندهم أشدّ من الموت فلهذا قال ﴿ ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ﴾ بالقتل ﴿ ولهم في الآخرة ﴾ بعدما عاينوا في الدنيا ﴿ عذاب النار ذلك ﴾ التخريب أو الجلاء أو العذاب بسبب مخالفتهم وعصيانهم الله ورسوله.

قالت الفقهاء: فيه دليل على أن تخصيص العلة المنصوصة لا يقدح في صحتها فليس أينما حصلت هذه المشاقة حصل التخريب.

يروى أنه  حين أمر أن يقطع نخلهم ويحرق قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها؟

فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى ﴿ ما قطعتم ﴾ محله نصب و ﴿ من لينة ﴾ بيان له كأنه قيل: أي شيء قطعتم من لينة وهي النخلة من الألوان ما خلا العجوة والبرنية وهما أجود النخل.

وياؤها واو في الأصل كالديمة.

وقيل: هي النخلة الكريمة من اللين فتكون الياء أصلية، فبين الله  أن ذلك جائز غيظاً لقلوب الكفرة.

واحتج الفقهاء بها على جواز هدم حصون الكفار وقلع أشجارهم.

وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعاً للقتال.

وروي أن رجلين كان يقطع أحدهما العجوة والآخر يترك فسألهما رسول الله  فقال هذا: تركتها لرسول الله  وقال هذا: قطعتها غيظاً للكفار.

وقد يستدل بهذا على جواز الاجتهاد ولو بحضرة النبي  وعلى أن كل مجتهد مصيب.

قوله ﴿ وما أفاء الله ﴾ أدخل العاطف ههنا دون الأخرى لأن تلك بيان لهذه فهي غير أجنبية عنها والأولى معطوفة على ما قبلها.

ومعنى أفاء جعله فيئاً من فاء إذا رجع وذلك لرجوعه من ملك الكفار إلى ملك المسلمين.

والإيجاف من الوجيف وهو السير السريع.

وقوله ﴿ عليه ﴾ أي على ما أفاء.

والركاب ما يركب من الإبل واحدتها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وقلما تطلق العرب الراكب إلا على راكب البعير، بين الله  الفرق بين الغنيمة والفيء حين طلب الصحابة أن يقسم أموال أولئك اليهود بينهم اعترض بعضهم بأن أموال بني النضير أخذت بعد القتال لأنهم حوصروا أياماً وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء فوجب أن تكون تلك الأموال من الغنيمة لا من الفيء.

وأجاب المفسرون من وجهين: الأول أنها لم تنزل في بني النضير وإنما نزلت في فدك ولهذا كان رسول الله  ينفق على نفسه وعلى عياله من غلة فدك ويجعل الباقي في السلاح والكراع.

الثاني تسليم أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول الله  وكان راكب جمل، فلما كان المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه الله مجرى ما لم يكن قتال ثمة.

ثم روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة قال الواحدي: كان الفيء مقسوماً في زمان رسول الله  خمسة أسهم: أربعة منها لرسول الله  خاصة وكذا خمس الباقي، والسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب، واليتامى والمساكين وابن السبيل.

وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان: أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول الله  في رباط الثغور.

والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم.

هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال.

ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال ﴿ كيلا يكون دولة ﴾ قال المبرد: هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف.

والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم.

قال جار الله: هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت الدولة.

فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئاً يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء، وعلى قول جار الله: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جداً بين الأغنياء يتكاثرون به، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرياسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عز بر ومنه قول الحسن " اتخذوا عباد الله خولاً ومال الله دولاً " يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به.

ومن قرأ على " كان " التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاوراً بينهم غير مخرج إلى الفقراء، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها.

قوله ﴿ وما آتاكم ﴾ الآية.

قيل: يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول  منها، والأولى عند المحققين العموم.

قوله ﴿ للفقراء ﴾ بدل من قوله ﴿ ولذي القربى ﴾ إلى آخر الأصناف الأربعة.

ولا يجوز أيضاً أن يكون ابتدال البدل من قوله ﴿ فلله ﴾ لأنه يخل بتعظيم قولهم ﴿ وللرسول ﴾ لأنه  أخرجه عن الفقراء بقوله ﴿ وينصرون الله ورسوله ﴾ ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير.

ولئن صح أنه  قال " "الفقر فخري" فذاك معنى آخر وهو غنى القلب وانقطاع التعلق عما سوى الله وجعل الهموم هماً واحداً وهو الافتقار بالكلية إلى الله.

إستدل بعض العلماء بقوله ﴿ أولئك هم الصادقون ﴾ على إمامة أبي بكر لأن هؤلاء المهاجرين كانوا يقولون له يا خليفة رسول الله  .

فلو لم تكن خلافته حقه لزم كذبهم وهو خلاف الآية.

وقال في الكشاف: أراد صدقهم في إيمانهم وجهادهم.

قوله ﴿ والذين تبوّؤا الدار ﴾ معطوف على المهاجرين وكذا قوله ﴿ والذين جاءوا ﴾ وذلك عند من يجعل الغنائم حلاً للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان أو التابعين لهم إلى يوم القيامة وعلى هذا يكون قوله ﴿ يحبون ﴾ و ﴿ يقولون ﴾ حالين أي الغنائم لهم محببن قائلين.

ومن جعل المراد بيان غنائم بني النضير وقف على ﴿ هم الصادقون ﴾ و ﴿ المفلحون ﴾ وجعل الفعلين خبرين.

وعلى هذا يكون الآيتان ثناء على الأنصار على الإيثار، وللتابعين على الدعاء.

قال مقاتل: أثنى على الأنصار حين طالبت أنفسهم عن الفيء إذ جعل للمهاجرين دونهم.

وههنا سؤالان أحدهما: أنه لا يقال تبوؤا الإيمان.

الثاني بتقدير التسليم أن الأنصار ما تبوؤا الإيمان قبل المهاجرين.

والجواب من الأول أن المراد تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان كقوله: "علفتها تبناً وماء بارداً" *** أو هو مجاز من تمكنهم واستقامتهم على الإيمان كأنهم جعلوه مستقراً لهم كالمدينة أو هو مجاز بالنقصان.

والمعنى تبوّؤا دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في الدار مقام المضاف إليه وحذف المضاف من الثاني، أو سمى المدينة بالإيمان لأنها مكان ظهور الإيمان وهذا يؤل بالحقيقة إلى الوجه الذي تقدمه.

وعن الثاني أن المراد من قبل هجرتهم أو هو من تمام تبوء الدار، ولا شك أن الأنصار سبقوهم في ذلك وإن لم يسبقوهم في الإيمان ﴿ ولا يجدون في صدورهم حاجة ﴾ أي حسداً وغيظاً مما أوتى المهاجرون من الفيء وغيره.

وإطلاق لفظ الحاجة على الحسد والغيظ والحزازة من إطلاق اسم اللازم على الملزوم لأن هذه الأشياء لا تنفك عن الحاجة.

وقال جار الله: المحتاج إليه يسمى حاجة يعني أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا ولم تطح إلى شيء منه يحتاج إليه ﴿ ولو كان بهم خصاصة ﴾ أي خلة فهي من خصاص البيت أي فرجه، وكل خرق في منخل أو باب أو سحاب أو برقع فهي خصاص الواحد خصاصة.

وفعول ﴿ يؤثرون ﴾ محذوف أي يؤثرونهم ويخصونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.

عن ابن عباس أن النبي  قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم وقسمت لكم من الفيء كما قسمت لهم، وإن شئتم كان لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم.

فقالوا: لا بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا نؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها فنزلت.

والشح المنع الذاتي الذي تقتضيه الحالة النفسانية ولهذا أضيف إلى النفس، والبخل المنع المطلق من غير اعتبار صيرورته غريزة وملكة.

قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئاً نهاه الله عن أخذه ولم يمنع شيئاً أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه.

وذكر المفسرون أنواعاً من إيثار الأنصار الضيف بالطعام وتعللهم عنه حتى شبع الضيف.

والظاهر أنها نزلت في الفيء كما مر ويدخل فيه غيره.

قوله ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ أي هاجروا بعد المهاجرين الأوّلين.

وقيل: هم التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فتشمل الآيات الثلاث جميع المؤمنين.

ثم عجب من أحوال أهل النفاق من أهل المدينة كعبد الله بن أبيّ وعبد الله بن نفيل ورفاعة بن زيد، كانوا في الظاهر من الأنصار ولكنهم يوالون اليهود في السر فصاروا إخوانهم في الكفر وقالوا له ملا نطيع في قتالكم أو خذلانكم أحداً.

ثم شهد إجمالاً عليهم بأنهم كاذبون، ثم فصل ذلك قائلاً ﴿ لئن أخرجوا ﴾ إلى قوله ﴿ ولئن نصروهم ﴾ وهذا على سبيل الفرض لأنه  كما يعلم ما يكون فهو يعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون.

والمعنى لو فرض نصر المنافقين اليهود ليهزمن المنافقون ﴿ ثم لا ينصرون ﴾ بعد ذلك أي لا يمنعهم من عذاب الله مانع لظهور كفرهم.

وقيل: ليهزمن اليهود ثم لا تنفعهم نصرة المنافقين.

وعلى هذا يكون " ثم " لترتيب الأخبار كقوله ﴿ ثم اهتدى  ﴾ ثم بيّن الحكمة في الغزو فقال ﴿ لأنتم أشد رهبة ﴾ قال في الكشاف: أي مرهوبية هي مصدر رهب المبني للمفعول.

وقوله ﴿ في صدورهم ﴾ دلالة على نفاقهم يعني أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله خوفاً شديداً ورهبتهم في السر منكم أشد من ذلك لأنهم لا يفقهون عظمة الله فلا يخشونه حق خشيته.

وجوز أن يكون المراد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله وكانوا يتشجعون للمسلمين مع إضمار الخيفة في صدورهم.

قلت: الأظهر أن المراد أنتم فيه أكثر مكانة من مواعظ الله أو لثمرة جهادكم معهم أوفر من ثمرة ترهبهم بعقاب الله ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ من سر التكاليف وتبعة الكفر والنفاق في الآخرة فلا يرتدعون إلا خوفاً من العقوبة العاجلة.

ومن هذا أخذ عمر فقال: ما ينزع السلطان أي يمنع أكثر مما ينزع القرآن.

وقال الشاعر: السيف أصدق إنباء من الكتب *** وقيل: العبد لا يردعه إلا العصا.

ثم شجع المسلمين بقوله ﴿ لا يقاتلونكم ﴾ أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين ﴿ إلا في قرى محصنة ﴾ غاية التحصين ﴿ أو من وراء جدر ﴾ لا مبارزين مكشوفين في الأراضي المستوية ﴿ بأسهم بينهم شديد ﴾ لا بينكم لأنكم منصورون بنصرة الله مؤيدون بتأييده، أو لأنهم يحسبون في أنفسهم وفيما بينهم أموراً يعلم الله أنها لا تقع في الخارج على وفق حسبانهم وعن ابن عباس: معناه بعضهم لبعض عدوّ يؤيده قوله ﴿ تحسبهم جميعاً ﴾ مجتمعين ذوي تآلف ومحبة ﴿ وقلوبهم شتى ﴾ متفرقة وهو فعلى من الشت.

وإنما قال ههنا ﴿ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ وفي الأوّل ﴿ لا يفقهون ﴾ لأن الفقه معرفة ظاهر الشيء وغامضه فنفي عنهم ذلك كما قلنا، وأراد ههنا أنهم لو عقلوا لاجتمعوا على الحق ولم يتفرقوا فتشتتهم دليل عدم عقلهم لأن العقل يحكم بأن الاجتماع معين على المطلوب والتفرق يوهن القوى ولا سيما إذا كانوا مبطلين.

ثم شبه حالهم بحال من قتلوا قبلهم ببدر في زمان قريب.

قال جار الله: انتصب ﴿ قريباً ﴾ بمحذوف أي كوجود مثل أهل بدر قريباً.

قلت: لا يبعد أن يتعلق بصلة الذين.

ثم ضرب مثلاً آخر لإغراء المنافقين اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، والمراد إما عموم دعوة الشيطان للإنسان إلى الكفر وإما خصوص إغراء إبليس قريشاً يوم بدر كما مر في الأنفال في قوله  ﴿ وإذ زين لهم الشيطان  ﴾ إلى قوله ﴿ إني برىء منكم  ﴾ قال مقاتل: وكان عاقبة اليهود والمنافقين مثل عاقبة الشيطان والإنسان حتى صار إلى النار.

قال جار الله: كرر الأمر بالتقوى تأكيداً أو لأن الأول في أداء الواجبات لأنه قرن بما هو عمل والثاني في ترك المعاصي لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.

وسمى القيامة بالغد تقريباً لمجيئها.

عن الحسن: لم يزل بقربه حتى جعله كالغد.

وقيل: جعل مجموع زمان الدنيا كنهار عند الآخرة.

قال أهل المعاني: تنكير ﴿ نفس ﴾ للتقليل كما مر في الوقوف وتنكير ﴿ غد ﴾ للتعظيم والتهويل.

قال مقاتل: ونسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم حتى لم يشعروا لها بما ينفعها، أو فأراهم يوم القيامة من الأحوال ما نسوا فيه أنفسهم.

قلت: يجوز أن يراد نسوا ذكر الله فأورثهم القسوة وفساد الاستعداد بالكلية.

وحين نهى المؤمنين عن كونهم مثل الناسين الغافلين ذكرهم بأنه لا استواء بين الفريقين ففيه شبه قرع العصا كأنهم غفلوا عن هذا الواضح البين كما تقول لمن يعصي أباه " هو أبوك ".

استدل أصحاب الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي وإلا استويا، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالقهر وإلا استويا.

واحتج بعض المعتزلة بها على أن صاحب الكبيرة لو دخل الجنة وهو من أهل النار لزم خلاف الآية.

والجواب ظاهر لأنه على تقدير إمكان العفو لا يحكم أنه من أهل النار.

ثم عظم أمر القرآن الذي يعلم منه هذا البيان.

قال الكشاف: هو مثل وتخييل بدليل قوله ﴿ وتلك الأمثال ﴾ يعني هذا وغيره من أمثال التنزيل.

وقال غيره: المعنى إشارة إلى قوله ﴿ كمثل الذين ﴾ ﴿ كمثل الشيطان ﴾ ولما وصف القرآن بما وصف عظم شأنه بوجه آخر وهو التنبيه على أوصاف منزله، وقد سبق شرح أكثر هذه الأسماء في هذا الكتاب ولا سيما في البسملة.

والقدّوس مبالغة القدس وهو التبليغ في الطهارة والبراءة عما يشين هذا بالنسبة إلى زمان الماضي والحال.

والسلام إشارة إلى كونه سالماً عن الآفات والعاهات والنقائص في زمان الاستقبال، ويجوز أن يراد أنه المعطي للسلامة.

المؤمن الواهب الأمن والمصدق لأنبيائه بالمعجزات.

وقد مر معنى المهيمن وأصل اشتقاقه في المائدة في قوله ﴿ ومهيمناً عليه  ﴾ وأن معناه الرقيب الحافظ لكل شيء.

ولمكان تعداد هذه الأوصاف كرر قوله ﴿ يسبح له ﴾ إلى آخر السورة.

فمن عزته كان منزهاً عن النقائص أهلاً للتسبيح، ومن حكمته أمر المكلفين في السموات والأرضين بأن يسبحوا له ليربحوا لا ليربح هو عليهم وهو تعالى أعلم بمراده وبالله التوفيق للخير وإليه المآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ .

قد سبق تأويل التسبيح وبيان وجوهه.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

العزيز: هو الغالب القاهر، وقيل: هو العزيز؛ حيث جعل في كل شيء من خلقه أثر الذل والحاجة، وقوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ له أحد معنيين: معنى الإحكام ومعنى الحكمة: فأما معنى الإحكام فهو أنه أحكم الأشياء على اختلافها وتضادها؛ حيث تشهد له بالوحدانية فهو حكيم؛ حيث وضع الأشياء مواضعها، وخلق الأشياء مواضع.

ثم الأصول التي يتولد منها هذه الأشياء والأفعال ثلاثة: الكيانات والطبائع والعقول: أما الكيانات: فنحو النطفة أنها بحيث تصلح أن يكون منها البشر إذا اتصلت بها موادها، ونحو الماء فإنه بحيث يحيا به كل شيء، وبحيث يصلح به كل شيء.

والطبائع: حيث خلق في البشر، وهي ما يميلون بها إلى المحاسن والمنافع ويحترزون من المساوي والمضار.

والعقول: ليدركوا بها العواقب، ثم إنه علمهم الوجوه التي تتولد من هذه الأشياء؛ فهو حكيم حيث خلق الأصول التي وصفنا، وعلم عباده الأسباب التي بها يولدون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ﴾ هم بنو قريظة، وقال غيره من المفسرين: هم بنو النضير وهو أقرب.

ثم المعنى في إضافة الإخراج إليه يخرج على وجهين: أحطهما: أنه اضطرهم إلى الخروج فنسب الإخراج إليه؛ كما قال الله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [التوبة: 40].

والثاني: أنه خلق الخروج من ديارهم منهم؛ فأضيف إليه بحكم الخلق، ثم الأصل في إضافة الفعل إلى الله  أنه يجوز أن يضاف إليه على التحقيق وعلى التسبيب، وأما الخلق قلما يضاف الفعل إليهم على جهة التسبيب لا على التمكين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ﴾ .

اختلفوا فيه: قال بعضهم: أول الحشر الجلاء إلى الشارم، والحشر الثاني: حشر القيامة.

وقال بعضهم: أو الحشر حشر أهل الكتاب وجلاؤهم من جزيرة العرب، والحشر الثاني: حين أجلاهم عمر -  - إلى الشام.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ ﴾ أي: ما ظننتم أيها المؤمنون أن تنتصروا منهم، فضلا عن أن يخرجوا من ديارهم، ولكن ذلك من لطف الله ومنته عليكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .

لا يحتمل أن يتوهم أحدا هذا، والمعنى في ذلك عندنا وجهان - والله أعلم -: أحدهما: أنهم ظنوا أن الله -  - حيث آتاهم القوة والحصون لا يبلغ بهم حكمه المبلغ الذي يخرجون من ديارهم؛ لأنهم كانوا أهل كتاب وكانوا يزعمون أنهم أولى بالله من غيرهم كقوله: ﴿ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ  ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، اي: بالله وبأمره؛ كقوله -  -: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، أي: بأمر الله؛ فعلى ذلك، الأول.

والثاني: أي: ظنوا أن حصونهم وقوتهم تمنعهم من أولياء الله أن يظهروا عليهم، أو من دين الله أن يظهر فيهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ﴾ .

يعني: أنه قذف في قلوبهم الرعب من حيث لم يحتسب المؤمن ولا الكافر؛ لأن المسلمين لم يظنوا أن يقهرهم ويغلبوهم؛ مع قلة عددهم وكثرة عدد أولئك، وكذا لم يحتسب الكفرة أنهم مع قوتهم وقوة حصونهم يقهرون ويغلبون، حتى منّ الله -  - على المؤمنين بأن قذف الرعب في قلوب الكفرة، ذلك لطف عظيم من الله -  - إلى المؤمنين، والله أعلم.

ثم الأصل فيما خرج هذه المخرج من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ  ﴾ ، ومن نحو قوله  : ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً  ﴾ ، ومن نحو قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ  ﴾ ، وما يشاكله أن نحمله على أحد معان ثلاث: أحدها: أن نقول: المراد إتيان آثار فعل الله -  - ويجوز أن يضاف إليه سبيل إضافة حقيقة العمل؛ كما يقال: الصلاة أمر الله، ونحن نعلم أنها ليست بعين أمر الله؛ لكنها أثر أمر الله -  - وكذلك يقال: المطر رحمة الله -  - يعني: أثر رحمته؛ فكذلك إذا نزل بهم آثار حكم الله -  - وتدبيره وفعله: وهو العذاب جاز أن يضاف إليه إضافة حقيقة الفعل، والله أعلم.

والثاني: أن يقال بأن ما كان من هذه الأفعال موصولا بصلة فإنه يجوز أن يراد منه تلك الصلة، وإما نتكلم بإضافة هذا الفعل إليه مجازا؛ على ما اعتاد الناس من أفعالهم إذا أرادوها أن يأتوها بأنفسهم، وشرح ذلك وبيانه أنه قال: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، فكان المقصود من هذا تلك الصلة، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ  ﴾ ، وكذلك قوله -  -: ﴿ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ﴾ ، وكذلك ما أشبهه من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً  ﴾ ، ومن قوله -  -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ، أي: استوى تدبيره من حيث صل منافع الأرض بمنافع السماء، وكذلك ما أشبه، هذا، والله أعلم.

والثالث: نقول بأن هذه أسماء مشتركة المعنى، وما كان سبيله هذا السبيل جاز أن يضاف إلى الله -  - على معنى ليس يقع فيه الاشتراك بالمخلوقين؛ ألا ترى أنه يقال: جاء الليل وذهب النهار، ونحو ذلك على معنى الظهور ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

هذا يدل على أن المالك للمسلمين في أموال أهل الحرب ليس يقع بمجرد الغلبة ما لم يكن ثم أسر؛ لأنه أخبر أن المؤمنين كانوا يخربون بيوتهم: أضاف الملك إلى الكفرة، مع أن الغلبة للمسلمين؛ فإنكم إذا اعتبرتم علمتم أن الله -  - من عليكم؛ حيث أخرج الكفار من ديارهم؛ فإنه لم يكن ذلك بقوتكم.

ويحتمل أن يكون المعنى فيه: فاعتبروا يا أولي الأبصار من أهل الكفار؛ فإن ذلك يدلكم ويعرفكم أن اتفاقكم على النصرة على النبي  لا يغنيكم، كما لم يغن هؤلاء الذين خرجوا إلى مكة واتفقوا مع المشركين، ثم لم يغنهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .

يعني: لولا أن كتب اله عليهم الجلاء في اللوح المحفوظ، لعذبهم في الدنيا بالقتل.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ﴾ .

قال هذا في قوم علم أنهم يموتون على الكفر، وما روي أن أحداً منهم مات على الإسلام؛ فيكون فيه دلالة أن رسول الله  كان يخبر ذلك بالوحي والتنزيل، لا من تلقاء نفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .

يحتمل أوجهاً ثلاثة: أحدها: أن يقول: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، يعني: ذلك العذاب في الآخرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، ثم المشاقة والمعاداة والمحادة والمضادة بمنزلة واحدة، وذلك كله: بمعنى المعاداة.

وقوله: ﴿ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

يحتمل أن يكون علم التقديم والتأخير؛ ووجهه أن يقول: إن الله شديد العقاب لمن يشاقق الله ورسوله، أو يكن فيه إضمار كأنه يقول: إن عقوبته لمن يشاق الله ورسوله شديدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

وما ذكر أن اليهود نادوا المسلمين: إنكم تزعمون أن الله لا يحب الفساد، وأنتم تفسدون بقطع النخيل لا يحتمل هذا؛ قال الله -  -: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، فإذا كانت أنفسهم تسخو بتخريب البيوت؛ فما بالهم لا تسخو بقطع الاشجار؟!

ومعلوم أنه لا يؤمل في البيوت منفعة بعد تخريبها، وقد يؤمل في النخيل منافع بعد قطعها، ولكن إن كان يصح ذلك الخبر فتأويله عندنا أنه يجوز أن يكون المسلمون خوفوهم بالقتل؛ فقالوا على أثر ذلك: إنكم إذا قتلتمونا صارت هذه النخيل لكم؛ فيكف تفسدون أملاككم؟!

ثم في إذن الله بقطع النخيل أوجه من التأويل: أحدها: أن يكون فيه بيان أن مقاتلة المسلمين إياهم لم تكن لرغبة في أموالهم؛ بل ليستسلموا لله ولرسولله، ويخضعوا لدينه.

والوجه الثاني: أن حرمة هذه الأموال إنما هي لحرمة أربابها، وأبيح قتلهم وإتلافهم؛ فما ظنك بأموالهم؟!

والوجه الثالث: أن الله - عز وجل - كتب عليهم الجلاء، ومعلوم أن أنفسهم بالجلاء إذا خربت بيوتهم وقطعت أشجارهم أسخى منه إذا بقيت ليقطع طمع من أجلي عن المقام؛ فأذن الله -  - في قطع النخيل إتماماً لما كتب علهيم من الجلاء، والله أعلم.

والرابع: أن هؤلاء كانوا أئمة اليهود، والتحريف والتبديل للتوراة إنما وقع منهم؛ رغبة في الدنيا وسعها؛ فأذن الله -  - في قطع النخيل عقوب له، وحزناً من الوجه الذي وقع له التبديل منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

إن كان المراد منه العلم فوجهه أن الله -  - علم منهم ذلك، ولو كان فسادا فيه لنهاهم عن ذلك.

وإن كان المراد منه الأمر فهو أن الله -  - أمر بالقطع والترك جميعاً.

وإن كان المراد منه المشيئة فهو أن الله -  - قد شاء الأمرين جميعاً، والله أعلم.

واللينة: اللون من النخيل؛ كما تقول: فوت وفيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

أي: ليكون كبتاً وغيظاً للفاسقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ .

قال: حق هذه الآية أن تكون مؤخرة، وأن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ  ﴾ متقدمة؛ لوجهين: أحدهما: أنه ذكر فيه الواو، والواو لا يبتدأ بها إلا في القسم.

والثاني: أن قوله: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ حرف كناية، والكناية لا بد لها من معرفة تعطف عليها فترجع إليها؛ فلذلك قلنا: إن حقه التأخير وحق الثانية التقديم، وعلى ذلك قراءة عبد الله بن مسعود -  - وإذا كان كذلك فوجهه: أن الذي وجب صرف إلى الأصناف التي ذكرنا إنما هو الخمس، وأوجب - هاهنا - من كل الغنيمة، فأبان بقوله: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ أنه إنما يصرف هذا الأربعة الأخماس إلى النبي  دونهم؛ لهذا المعنى: أنهم لم يوجفوا عليه من خيل ولا ركاب، أشار إلى أن استحقاقهم الأربعة الأخماس بسبب إيجاف الخيل والركاب، والله أعلم.

وإن كانت القراءة على ما يتلى للحال، ليس على التقديم والتأخير، فإنه يحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ صلة قوله: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ....

وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ ، وإذا كان بناؤه على ذلك، استقام أن يذكر بحرف الواو وحرف الكناية.

قال -  -: إن المنافقين وأهل الضعف من المؤمنين الذي آمنوا بالتقليد يظنون في هذا الموضع أن كيف خص هذه الغنيمة قرابته والمهاجرين الذين هاجروا إليه، وكيف آثر بها نفسه؟

والجواب عن هذا: أن هؤلاء الأصناف قوم عامة المسلمين تحمل مؤنتهم لولا هذه الغنيمة، ومعلوم أن أنفس المسلمين يبذل ما عليهم من تلك الأمانة أسخى منه لو صرف إلى كل واحد منهم على الإشارة إليه من ملكه الخاص، وعلى هذه العبارة تجري مسائل لنا: أحدها: ما روي عن عمر -  - أنه جعل العقل على أهل الديوان؛ لأن ذلك يخرج مخرج المعونة، ومعلوم أن المعونة على عامتهم؛ فبذل ما رجع من هذا الحق إلى تلك العامة أسهل عليهم لو صرف إلى خاصتهم، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ  ﴾ ومعلوم أن منع تلك الزوجة عن أن تذهب إلى دار الحرب بشيء مال زوجها كان واجباً على العامة، وكذلك المسلمون إذا أصابوا غنيمة وفيها مال مسلم قد غلب عليه المشركون: أنه ما دام الملك للعامة ولم يقسم يرد عليه من غير بدل، وإذا قسموا، واختص كل واحد بملكه لم يأخذه إلا ببدل؛ فكذلك الأول، والله أعلم.

قال الفقيه - رحمه الله -: والذي يجب أن من جهة العرف والشريعة: أن يكون تحمل مؤنة رسول الله  على أمته: أما من جهة العرف فهو أن من عمل لغيره كان مؤنته على ذلك القول له، وكذلك من جهة الشريعة، ومعلوم أن رسول الله  كان يقوم بأمور أمته في أمور دنياهم وآخرتهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا كان أولى ما يجعل لرسول الله  هو مال العامة، وذلك هو الفيء، هذا لو اختصه النبي  لنفسه؛ فكيف وقد قسمه بين الفقراء وأهل الحاجة، ولم يأخذه لنفسه؟!

ووجه آخر في هذا: ما وري عن رسول الله  أنه قال: "أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي" ، وقال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، فلو اختص ذلك رسول الله  لنفسه، فجاز له بما قال، ولكن الله جعل الفيء له بين من كان تحمل مؤمنتهم على المسلمين لولا هذا الفيء؛ كي يكون منة له على أمته ولئلا يكون لأحد من أمته عنده - عليه الصلاة والسلام - يد ولا صنيعة، والله أعلم.

ووجه آخر: أنه لما لم يؤذن لرسول الله  في كسب شيء من الدنيا وفضولها؛ حتى يصطنع من فضولها بالمعروف، فجعل الله له الفيء ليكتسب به الفضائل والمعروف، والله أعلم.

وفي قوله: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" : دلالة أن ما أفاء الله على رسوله وأعطاه فهو له خاصة، يصنع به ما شاء، ويفرقه فيمن شاء، والقول عند أصحابنا في الإمام إذا أعطاه أهل الحرب فيئاً يشترك فيه قومه؛ لأن هبة الأئمة إنما هي لقومهم، وكان هبة رسول الله  بما نصر بالرعب؛ فجا أن يختص بها قومه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذي ردّه الله على رسوله من أموال بني النَّضِير فما أسرعتم في طلبه مما تركبونه خيلًا ولا إبلًا، ولا أصابتكم فيه مشقة، ولكنّ الله يسلِّط رسله على من يشاء، وقد سلَّط رسوله على بني النَّضِير ففتح بلادهم بغير قتال، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.gVj0p"

مزيد من التفاسير لسورة الحشر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده