الآية ١ من سورة الممتحنة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 60 الممتحنة > الآية ١ من سورة الممتحنة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا۟ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَن تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَـٰدًۭا فِى سَبِيلِى وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِى ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ۚ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 150 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الممتحنة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الممتحنة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة الممتحنة وهي مدنية .

كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة ، وذلك أن حاطبا هذا كان رجلا من المهاجرين ، وكان من أهل بدر أيضا ، وكان له بمكة أولاد ومال ، ولم يكن من قريش أنفسهم ، بل كان حليفا لعثمان .

فلما عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فتح مكة لما نقض أهلها العهد ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين بالتجهيز لغزوهم ، وقال : " اللهم ، عم عليهم خبرنا " .

فعمد حاطب هذا فكتب كتابا ، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة ، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوهم ، ليتخذ بذلك عندهم يدا ، فأطلع الله رسوله على ذلك استجابة لدعائه .

فبعث في أثر المرأة فأخذ الكتاب منها ، وهذا بين في هذا الحديث المتفق على صحته .

قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن عمرو ، أخبرني حسن بن محمد بن علي ، أخبرني عبيد الله بن أبي رافع - وقال مرة : إن عبيد الله بن أبي رافع أخبره : أنه سمع عليا رضي الله عنه ، يقول : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا ، والزبير ، والمقداد فقال : " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب ، فخذوه منها " .

فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة ، قلنا : أخرجي الكتاب .

قالت : ما معي كتاب .

قلنا : لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب .

قال : فأخرجت الكتاب من عقاصها ، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا حاطب ، ما هذا ؟

" .

قال : لا تعجل علي ، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ، ولم أكن من أنفسهم ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي ، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنه صدقكم " .

فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق .

فقال : " إنه قد شهد بدرا ما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " .

وهكذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه ، من غير وجه ، عن سفيان بن عيينة به .

.

وزاد البخاري في كتاب " المغازي " : فأنزل الله السورة : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) .

وقال في كتاب التفسير : قال عمرو : ونزلت فيه : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) قال : " لا أدري الآية في الحديث أو قال عمرو " .

قال البخاري : قال علي - يعني : ابن المديني - : قيل لسفيان في هذا : نزلت ( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) ؟

فقال سفيان : هذا في حديث الناس ، حفظته من عمرو ما تركت منه حرفا ، وما أرى أحدا حفظه غيري .

وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث حصين بن عبد الرحمن ، عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي قال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا مرثد والزبير بن العوام ، وكلنا فارس ، وقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب إلى المشركين : فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا : الكتاب ؟

فقالت : ما معي كتاب .

فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا ، فقلنا : ما كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - !

لتخرجن الكتاب أو لنجردنك .

فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته .

فانطلقنا بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر : يا رسول الله ، قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، فدعني فلأضرب عنقه .

فقال : " ما حملك على ما صنعت ؟

" .

قال : والله ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله ، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي ، وليس أحد من أصحابك إلا له هنالك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله .

فقال : " صدق ، لا تقولوا له إلا خيرا " .

فقال عمر : إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، فدعني فلأضرب عنقه .

فقال : " أليس من أهل بدر ؟

" فقال : " لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة - أو : قد غفرت لكم " .

فدمعت عينا عمر ، وقال : الله ورسوله أعلم .

هذا لفظ البخاري في " المغازي " في غزوة بدر وقد روي من وجه آخر عن علي قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني ، حدثنا عبيد بن يعيش ، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي ، عن أبي سنان - هو سعيد بن سنان ، - عن عمرو بن مرة الجملي ، عن أبي البختري الطائي ، عن الحارث عن علي قال : لما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي مكة أسر إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة ، فيهم حاطب بن أبي بلتعة وأفشى في الناس أنه يريد خيبر .

قال : فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريدكم .

فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فبعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا مرثد ، وليس منا رجل إلا وعنده فرس ، فقال : " ائتوا روضة خاخ فإنكم ستلقون بها امرأة معها كتاب ، فخذوه منها " .

فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فقلنا لها : هات الكتاب .

فقالت : ما معي كتاب .

فوضعنا متاعها وفتشناها فلم نجده في متاعها ، فقال أبو مرثد : لعله ألا يكون معها .

فقلت : ما كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا كذبنا .

فقلنا لها : لتخرجنه أو لنعرينك .

فقالت : أما تتقون الله ؟

!

ألستم مسلمين ؟

فقلنا : لتخرجنه أو لنعرينك .

قال عمرو بن مرة : فأخرجته من حجزتها .

وقال حبيب بن أبي ثابت : أخرجته من قبلها .

فأتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة .

فقام عمر فقال : يا رسول الله ، خان الله ورسوله ، فائذن لي فلأضرب عنقه .

فقال رسول الله : " أليس قد شهد بدرا ؟

" .

قالوا : بلى .

وقال عمر : بلى ، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فلعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم ، إني بما تعملون بصير " .

ففاضت عينا عمر وقال : الله ورسوله أعلم .

فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حاطب فقال : " يا حاطب ، ما حملك على ما صنعت ؟

" .

فقال : يا رسول الله ، إني كنت امرأ ملصقا في قريش ، وكان لي بها مال وأهل ، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله ، فكتبت إليهم بذلك ووالله - يا رسول الله - إني لمؤمن بالله ورسوله .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " صدق حاطب ، فلا تقولوا لحاطب إلا خيرا " .

قال حبيب بن أبي ثابت : فأنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ) الآية .

وهكذا رواه ابن جرير ، عن ابن حميد ، عن مهران ، عن أبي سنان - سعيد بن سنان - بإسناده مثله .

وقد ذكر ذلك أصحاب المغازي والسير ، فقال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة .

حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قال : لما أجمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسير إلى مكة ، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأمر في السير إليهم ، ثم أعطاه امرأة - زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة وزعم غيره أنها : سارة مولاة لبني عبد المطلب - وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا فجعلته في رأسها ، ثم فتلت عليه قرونها ، ثم خرجت به .

وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخبر من السماء بما صنع حاطب ، فبعث علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، فقال : " أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش ، يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم " .

فخرجا حتى أدركاها بالخليفة - خليفة بني أبي أحمد - فاستنزلاها بالخليفة ، فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا ، فقال لها علي بن أبي طالب : إني أحلف بالله ما كذب رسول الله وما كذبنا ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك .

فلما رأت الجد منه قالت : أعرض .

فأعرض ، فحلت قرون رأسها ، فاستخرجت الكتاب منها ، فدفعته إليه .

فأتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا رسول الله حاطبا فقال : " يا حاطب ما حملك على هذا ؟

" .

فقال : يا رسول الله ، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت ولا بدلت ، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة ، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ، دعني فلأضرب عنقه ، فإن الرجل قد نافق .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وما يدريك يا عمر !

لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم " .

فأنزل الله ، عز وجل ، في حاطب : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ) إلى قوله : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ) [ الممتحنة : 4 ] إلى آخر القصة .

وروى معمر ، عن الزهري ، عن عروة نحو ذلك .

وهكذا ذكر مقاتل بن حيان : أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة : أنه بعث سارة مولاة بني هاشم ، وأنه أعطاها عشرة دراهم ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث في أثرها عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، رضي الله عنهما ، فأدركاها بالجحفة .

.

.

وذكر تمام القصة كنحو ما تقدم .

وعن السدي قريبا منه .

وهكذا قال العوفي ، عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وغير واحد : أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة .

فقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ) يعني : المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين ، الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم ، ونهى أن يتخذوا أولياء ، وأصدقاء ، وأخلاء ، كما قال ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) [ المائدة : 51 ] .

وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد ، وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) [ المائدة : 57 ] وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ) [ النساء : 144 ] .

وقال تعالى : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه ) [ آل عمران : 28 ] ; ولهذا قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عذر حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش ، لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد .

ويذكر ها هنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا مصعب بن سلام ، حدثنا الأجلح ، عن قيس بن أبي مسلم ، عن ربعي بن حراش ، سمعت حذيفة يقول : ضرب لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمثالا : واحدا ، وثلاثة ، وخمسة ، وسبعة ، وتسعة ، وأحد عشر - قال : فضرب لنا منها مثلا وترك سائرها ، قال : " إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة ، قاتلهم أهل تجبر وعداء ، فأظهر الله أهل الضعف عليهم ، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم ، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه " .

وقوله : ( يخرجون الرسول وإياكم ) هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم ، لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده ; ولهذا قال : ( أن تؤمنوا بالله ربكم ) أي : لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين ، كقوله : ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) [ البروج : 8 ] ، وكقوله ( الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ) [ الحج : 40 ] .

وقوله : ( إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ) أي : إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء ، إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم فلا توالوا أعدائي وأعداءكم ، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حنقا عليكم وسخطا لدينكم .

وقوله : ( تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ) أي : تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر ( ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي ) من المشركين ( وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) يعنى أنصارا.

وقوله: ( تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) يقول جلّ ثناؤه: تلقون إليهم مودتكم إياهم، ودخول الباء في قوله: ( بِالْمَوَدَّةِ ) وسقوطها سواء، نظير قول القائل: أريد بأن تذهب، وأريد أن تذهبَ سواء، وكقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ والمعنى: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم؛ ومن ذلك قول الشاعر: فَلمَّـا رَجَـتْ بالشُّـرْبِ هَزَّ لَهَا الْعَصَا شَــحِيحٌ لَــهُ عِنْــدَ الإزَاءِ نَهِيـمُ (1) معنى: فلما رجت الشرب.

( وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ) يقول: وقد كفر هؤلاء المشركون الذين نهيتكم أن تتخذوهم أولياء بما جاءكم من عند الله من الحقّ، وذلك كفرهم بالله ورسوله وكتابه الذي أنـزله على رسوله.

وقوله: ( يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: يخرجون رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وإياكم، بمعنى: ويخرجونكم أيضًا من دياركم وأرضكم، وذلك إخراج مشركي قريش رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه من مكة.

وقوله: ( أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: يخرجون الرسول وإياكم من دياركم، لأن آمنتم بالله.

وقوله: ( إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ) من المؤخر الذي معناه التقديم، ووجه الكلام: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي ( يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ) .

ويعني قوله تعالى ذكره: ( إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي ) : إن كنتم خرجتم من دياركم، فهاجرتم منها إلى مهاجرَكم للجهاد في طريقي الذي شرعته لكم، وديني الذي أمرتكم به.

والتماس مرضاتي.

وقوله: ( تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب &; 23-311 &; رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: تسرّون أيها المؤمنون بالمودّة إلى المشركين بالله ( وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ ) يقول: وأنا أعلم منكم بما أخفى بعضكم من بعض، فأسره منه ( وَمَا أَعْلَنْتُمْ ) يقول: وأعلم أيضًا منكم ما أعلنه بعضكم لبعض ( وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) يقول جلّ ثناؤه: ومن يسرُّ منكم إلى المشركين بالمودّة أيها المؤمنون فقد ضلّ: يقول: فقد جار عن قصد السبيل التي جعلها الله طريقًا إلى الجنة ومحجة إليها.

وذُكر أن هذه الآيات من أوّل هذه السورة نـزلت في شأن حاطب بن أبي بَلتعة، وكان كتب إلى قُريش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قد أخفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثار والرواية عن جماعة من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وغيرهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عبيد بن إسماعيل الهباريّ، والفضل بن الصباح قالا ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن حسن بن محمد بن عليّ، أخبرني عبيد الله بن أبي رافع، قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أنا والزُّبير بن العوّام والمقداد، قال الفضل، قال سفيان: نفر من المهاجرين فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن لها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها؛ فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة، فوجدنا امرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ليس معي كتاب، قلنا: لتخرجنّ الكتاب، أو لنلقينّ الثياب، فأخرجته من عقاصها، وأخذنا الكتاب؛ فانطلقنا به إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " يا حاطبُ ما هذا؟" قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ، كنت امرًأ ملصقًا في قريش، ولم يكن لي فيهم قرابة، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات، يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ فيها يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " قَدْ صَدَقَكُمْ" فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: " إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أهْلِ بَدْرٍ فقَال: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" زاد الفضل في حديثه، قال سفيان: ونـزلت فيه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) ...

إلى قوله: حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ .

حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرّة الجملي، عن أَبي البختري الطائي، عن الحارث، عن عليّ رضي الله عنه قال: لما أراد النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يأتي مكة، أسرّ إلى ناس من أصحابه أنه يريد مكة، فيهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يريدكم، قال: فبعثني النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأبا مرثد وليس منا رجل إلا وعنده فرس، فقال: " ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخ، فإنَّكُمْ سَتَلْقَوّنَ بِهَا امْرَأَةً وَمَعَهَا ِكتَاب، فَخُذُوهُ منها "؛ فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقلنا: هاتي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فوضعنا متاعها وفتشنا، فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد: لعله أن لا يكون معها، فقلت: ما كذب النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولا كَذِب، فقلنا: أخرجي الكتاب، وإلا عريناك، قال عمرو بن مرّة، فأخرجته من حجزتها، وقال حبيب: أخرجته من قبلها فأتينا به النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فإذا الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، فقام عمر فقال: خان الله ورسوله، ائذن لي أضرب عنقه، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " أَلَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟" قال: بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك.

فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " فَلَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقاَلَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ"، ففَاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم، فأرسل إلى حاطب، فقال: " ما حملك على ماصنعت؟

" فقال: يا نبيّ الله إني كنت امرأ ملصقًا في قريش، وكان لي بها أهل ومال، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله ماله، فكتبت إليهم بذلك، والله يا نبيّ الله إني لمؤمن بالله وبرسوله، فقال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " صَدَقَ حَاطِبُ بن أبِي بَلْتَعَةَ، فَلا تَقُولُوا لِحَاطِبَ إلا خَيْرًا "، فقال حبيب بن ثابت: فأنـزل الله عزّ وجل ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ ) ...

الآية حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، ثنا عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) ...

إلى آخر الآية، نـزلت في رجل كان مع النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالمدينة من قريش، كتب إلى أهله وعَشِيرَته بمكة، يخبرهم وينذرهم أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم سائر إليهم، فأخبر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بصحيفته، فبعث إليها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فأتاه بها.

حدثنا ابن حُمَيْدِ، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزُّبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا، قالوا: لما أجمع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم السير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة يزعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب وجعل لها جُعْلا على أن تبلغه قريشًا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت، وأتى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليّ بن أبي طالب والزُّبير بن العوّام رضي الله عنهما ، فقال: " أدركا امْرَأةً قَدْ كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبٌ بِكِتَاب إلى قُرَيْش يُحَذرُهُمْ مَا قدِ اجْتَمَعْنَا لَهُ فِي أمْرِهِمْ"، فخرجا حتى أدركاها بالحليفة، حليفة ابن أَبي أحمد فاستنـزلاها فالتمسا في رحلها، فلم يجدا شيئًا، فقال لها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: إني أحلف بالله ما كُذِبَ رَسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولا كُذِبنا، ولتخرِجِنّ إليَّ هذا الكتاب، أو لنكشفنك؛ فلما رأت الجدّ منه، قالت: أعرض عني، فأعرض عنها، فحلَّت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب فدفعته إليه فجاء به إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فدعا رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حاطبًا، فقال: " يا حاطب مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟" فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدّلت، ولكني كنت امرأ في القوم ليس لي أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد، فصانعتهم عليه، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَلَّعَ عَلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم " فأنـزل الله عزّ وجلّ في حاطب ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) ...

إلى قوله: وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا ...

إلى آخر القصة.

حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عروة قال: لما أنـزلت: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) في حاطب بن أبي بلتعة، كتب إلى كفار قريش كتابًا ينصح لهم فيه، فأطلع الله نبيه عليه الصلاة والسلام على ذلك، فأرسل عليًّا والزُّبير، فقال: " اذْهبا فإنَّكُما ستجدان امرأة بِمَكَان كَذَا وَكَذَا، فأتِيَا بِكِتَاب مَعَهَا "، فانطلقا حتى أدركاها، فقالا الكتاب الذي معك، قالت: ليس معي كتاب، فقالا والله لا ندع معك شيئًا إلا فتَّشناه، أو لتخرجينه، قالت: أولستم مسلمين؟

قالا بلى، ولكن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا أن معك كتابًا قد أيقنت أنفسنا أنه معك؟

فلما رأت جدّهما أخرجت كتابًا من بين قرونها، فذهبا به إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى كفار قريش، فدعاه النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: " أنْتَ كَتَبْتَ هَذَا الْكِتَاب؟

" قال: نعم، قال: " ما حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟

" قال: أما والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت، ولكني كنت امرأ غريبًا فيكم أيُّها الحيّ من قريش، وكان لي بمكة مال وبنون، فأردت أن أدفع بذلك عنهم، فقال عمر رضي الله عنه: ائذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " مَهْلا يا ابْن الخطَّاب، ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَ الله قَدِ اطَّلَعَ إلَى أَهْل بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فإنِّي غَافِرٌ لَكُمْ " قال الزهريّ: فيه نـزلت حتى غَفُورٌ رَحِيمٌ حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) ...

إلى قوله: بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة، ومن معه كفار قريش يحذّرهم.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) ...

حتى بلغ (سَوَاءَ السَّبِيلِ) : ذُكِر لنا أن حاطبًا كتب إلى أهل مكة يخبرهم سير النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إليهم زمن الحديبية، فأطلع الله عزّ وجلّ نبيه عليه الصلاة والسلام على ذلك، وذُكر لنا أنهم وجدوا الكتاب مع امرأة في قرن من رأسها، فدعاه نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: " مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ؟" قال: والله ما شَكَكْتُ في أمر الله، ولا ارتددت فيه، ولكن لي هناك أهلا ومالا فأردت مصانعة قريش على أهلي ومالي.

وذُكر لنا أنه كان حليفًا لقريش لم يكن من أنفسهم، فأنـزل الله عزّ وجلّ في ذلك القرآن، فقال: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

مدنية في قول الجميع ، وهي ثلاث عشرة آية .الممتحنة ( بكسر الحاء ) أي المختبرة ، أضيف الفعل إليها مجازا ، كما سميت سورة " التوبة " المبعثرة والفاضحة ; لما كشفت من عيوب المنافقين .

ومن قال في هذه السورة : الممتحنة ( بفتح الحاء ) فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها ، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، قال الله تعالى : فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن الآية .

وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف ، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن .بسم الله الرحمن الرحيميا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيلقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء عدى اتخذ إلى مفعولين وهما عدوكم أولياء .

والعدو فعول من عدا ، كعفو من عفا .

ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجماعة إيقاعه على الواحد .وفي هذه الآية سبع مسائل :[ ص: 46 ] الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم روى الأئمة - واللفظ لمسلم - عن علي رضي الله عنه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال : " ائتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها " ، فانطلقنا تعادى بنا خيلنا ، فإذا نحن بالمرأة ، فقلنا : أخرجي الكتاب ، فقالت : ما معي كتاب .

فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب ، فأخرجته من عقاصها .

فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه : من حاطب بن أبي بلتعة .

.

.

إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا حاطب ، ما هذا ؟

" قال : لا تعجل علي يا رسول الله ، إني كنت امرأ ملصقا في قريش - قال سفيان : كان حليفا لهم ، ولم يكن من أنفسها - وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي ، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " صدق " .

فقال عمر : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق .

فقال : " إنه قد شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " .

فأنزل الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء .

قيل : اسم المرأة سارة من موالي قريش .

وكان في الكتاب : " أما بعد ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل ، وأقسم بالله لو لم يسر إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم ، وأنجز له موعده فيكم ، فإن الله وليه وناصره .

ذكره بعض المفسرين .

وذكر القشيري والثعلبي : أن حاطب بن أبي بلتعة كان رجلا من أهل اليمن ، وكان له حلف بمكة في بني أسد بن عبد العزى رهط الزبير بن العوام .

وقيل : كان حليفا للزبير بن العوام ، فقدمت من مكة سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هشام بن عبد مناف إلى المدينة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة .

وقيل : كان هذا في زمن الحديبية ; فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمهاجرة جئت يا سارة ؟

" .

فقالت : لا .

قال : " أمسلمة جئت ؟

" قالت : لا .

قال : " فما جاء بك ؟

" قالت : كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة ، وقد ذهب الموالي - تعني قتلوا يوم بدر - وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني ; فقال عليه الصلاة والسلام : " فأين أنت عن شباب أهل مكة " وكانت مغنية ، قالت : ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر .

فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها ; فكسوها وأعطوها وحملوها فخرجت إلى مكة ، وأتاها حاطب فقال : أعطيك عشرة دنانير وبردا على أن تبلغي هذا الكتاب إلى أهل مكة .

وكتب في الكتاب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم .

فخرجت سارة ، ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فبعث عليا والزبير وأبا مرثد الغنوي .

وفي رواية : عليا والزبير والمقداد .

وفي رواية : أرسل عليا وعمار بن ياسر .

وفي رواية : عليا وعمارا وعمر والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد - وكانوا كلهم فرسانا - وقال لهم : " انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين ، فخذوه منها وخلوا سبيلها ، فإن لم تدفعه لكم فاضربوا عنقها " فأدركوها في ذلك المكان ، فقالوا لها : أين الكتاب ؟

فحلفت ما معها كتاب ، ففتشوا أمتعتها فلم يجدوا معها كتابا ، فهموا بالرجوع فقال علي : والله ما كذبنا ولا كذبنا !

وسل سيفه وقال : أخرجي الكتاب وإلا والله لأجردنك ولأضربن عنقك ، فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها - وفي رواية من حجزتها - فخلوا سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فأرسل إلى حاطب فقال : " هل تعرف الكتاب ؟

" قال : نعم .

وذكر الحديث بنحو ما تقدم .

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة هي أحدهم .الثانية : السورة أصل في النهي عن موالاة الكفار .

وقد مضى ذلك في غير موضع .

من ذلك قوله تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين .

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم .

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء .

ومثله كثير .

وذكر أن حاطبا لما سمع يا أيها الذين آمنوا غشي عليه من الفرح بخطاب الإيمان .الثالثة : قوله تعالى : تلقون إليهم بالمودة يعني بالظاهر ; لأن قلب حاطب كان سليما ; بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : " أما صاحبكم فقد صدق " وهذا نص في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده .

والباء في بالمودة زائدة ; كما تقول : قرأت السورة وقرأت بالسورة ، ورميت إليه ما في نفسي وبما في نفسي .

ويجوز أن تكون ثابتة على أن مفعول تلقون [ ص: 48 ] محذوف ; معناه تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب المودة التي بينكم وبينهم .

وكذلك : تسرون إليهم بالمودة أي بسبب المودة .

وقال الفراء : تلقون إليهم بالمودة من صلة أولياء ، ودخول الباء في المودة وخروجها سواء .

ويجوز أن تتعلق ب لا تتخذوا حالا من ضميره .

وب أولياء صفة له ، ويجوز أن تكون استئنافا .

ومعنى تلقون إليهم بالمودة تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم ; وقاله الزجاج .الرابعة : من كثر تطلعه على عورات المسلمين وينبه عليهم ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي ، واعتقاده على ذلك سليم ; كما فعل حاطب حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين .الخامسة : إذا قلنا لا يكون بذلك كافرا فهل يقتل بذلك حدا أم لا ؟

اختلف الناس فيه ; فقال مالك وابن القاسم وأشهب : يجتهد في ذلك الإمام .

وقال عبد الملك : إذا كانت عادته تلك قتل لأنه جاسوس ، وقد قال مالك بقتل الجاسوس - وهو صحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض .

ولعل ابن الماجشون إنما اتخذ التكرار في هذا لأن حاطبا أخذ في أول فعله .

والله أعلم .السادسة : فإن كان الجاسوس كافرا ، فقال الأوزاعي : يكون نقضا لعهده .

وقال أصبغ : الجاسوس الحربي يقتل ، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا إن تظاهرا على الإسلام فيقتلان .

وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بعين للمشركين اسمه فرات بن حيان ، فأمر به أن يقتل ; فصاح : يا معشر الأنصار ، أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله !

فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فخلى سبيله .

ثم قال : " إن منكم من أكله إلى إيمانه منهم فرات بن حيان " .

وقوله : " وقد كفروا " حال ، إما من : لا تتخذوا ، وإما من " تلقون " ؛ أي لا تتولوهم أو توادوهم ، وهذه حالهم .

وقرأ الجحدري " لما جاءكم " أي كفروا لأجل ما جاءكم من الحق .السابعة : قوله تعالى : يخرجون الرسول استئناف كلام كالتفسير لكفرهم وعتوهم ، أو حال من كفروا .

وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم تعليل ل يخرجون ؛ المعنى يخرجون الرسول ويخرجونكم من مكة لأن تؤمنوا بالله أي لأجل إيمانكم بالله .

قال [ ص: 49 ] ابن عباس : وكان حاطب ممن أخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم .

وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي .

وقيل : في الكلام حذف ، والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ، فلا تلقوا إليهم بالمودة .قيل : إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي شرط وجوابه مقدم .

والمعنى إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء .

ونصب جهادا وابتغاء ؛ لأنه مفعول .

وقوله : تسرون إليهم بالمودة بدل من تلقون ومبين عنه .

والأفعال تبدل من الأفعال ، كما قال تعالى : ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب .

وأنشد سيبويه :متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأججاوقيل : هو على تقدير أنتم تسرون إليهم بالمودة ، فيكون استئنافا .

وهذا كله معاتبة لحاطب .

وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق إيمانه ، فإن المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيبه .

كما قال :أعاتب ذا المودة من صديق إذا ما رابني منه اجتنابإذا ذهب العتاب فليس ود ويبقى الود ما بقي العتابومعنى بالمودة أي بالنصيحة في الكتاب إليهم .

والباء زائدة كما ذكرنا ، أو ثابتة غير زائدة .قوله تعالى : وأنا أعلم بما أخفيتم : أضمرتم ، وما أعلنتم : أظهرتم .

والباء في بما زائدة ; يقال : علمت كذا ، وعلمت بكذا .

وقيل : وأنا أعلم من كل أحد بما تخفون وما تعلنون ، فحذف من كل أحد .

كما يقال : فلان أعلم وأفضل من غيره .

وقال ابن عباس : وأنا أعلم بما أخفيتم في صدوركم ، وما أظهرتم بألسنتكم من الإقرار والتوحيد .ومن يفعله منكم أي من يسر إليهم ويكاتبهم منكم .فقد ضل سواء السبيل أي أخطأ قصد الطريق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ذكر كثير من المفسرين، [رحمهم الله]، أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حين غزا النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فكتب حاطب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ليتخذ بذلك يدا عندهم لا [شكا و] نفاقا، وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشأنه، فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب.وعاتب حاطبا، فاعتذر رضي الله عنه بعذر قبله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الآيات فيها النهي الشديد عن موالاة الكفار من المشركين وغيرهم، وإلقاء المودة إليهم، وأن ذلك مناف للإيمان، ومخالف لملة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من العدو، الذي لا يبقي من مجهوده في العداوة شيئا، وينتهز الفرصة في إيصال الضرر إلى عدوه، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } اعملوا بمقتضى إيمانكم، من ولاية من قام بالإيمان، ومعاداة من عاداه، فإنه عدو لله، وعدو للمؤمنين.فلا تتخذوا عدو الله { وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } أي: تسارعون في مودتهم وفي السعي بأسبابها، فإن المودة إذا حصلت، تبعتها النصرة والموالاة، فخرج العبد من الإيمان، وصار من جملة أهل الكفران، وانفصل عن أهل الإيمان.وهذا المتخذ للكافر وليا، عادم المروءة أيضا، فإنه كيف يوالي أعدى أعدائه الذي لا يريد له إلا الشر، ويخالف ربه ووليه الذي يريد به الخير، ويأمره به، ويحثه عليه؟!

ومما يدعو المؤمن أيضا إلى معاداة الكفار، أنهم قد كفروا بما جاء المؤمنين من الحق، ولا أعظم من هذه المخالفة والمشاقة، فإنهم قد كفروا بأصل دينكم، وزعموا أنكم ضلال على غير هدى.والحال أنهم كفروا بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، ومن رد الحق فمحال أن يوجد له دليل أو حجة تدل على صحة قوله، بل مجرد العلم بالحق يدل على بطلان قول من رده وفساده.ومن عداوتهم البليغة أنهم { يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ } أيها المؤمنون من دياركم، ويشردونكم من أوطانكم، ولا ذنب لكم في ذلك عندهم، إلا أنكم تؤمنون بالله ربكم الذي يتعين على الخلق كلهم القيام بعبوديته، لأنه رباهم، وأنعم عليهم، بالنعم الظاهرة والباطنة، وهو الله تعالى.فلما أعرضوا عن هذا الأمر، الذي هو أوجب الواجبات، وقمتم به، عادوكم، وأخرجوكم - من أجله - من دياركم، فأي دين، وأي مروءة وعقل، يبقى مع العبد إذا والى الكفار الذين هذا وصفهم في كل زمان أو مكان؟\" ولا يمنعهم منه إلا خوف، أو مانع قوي.{ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي } أي: إن كان خروجكم مقصودكم به الجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، وابتغاء مرضاة الله فاعملوا بمقتضى هذا، من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه، فإن هذا هو الجهاد في سبيله وهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون إلى ربهم ويبتغون به رضاه.{ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ } أي: كيف تسرون المودة للكافرين وتخفونها، مع علمكم أن الله عالم بما تخفون وما تعلنون؟!، فهو وإن خفي على المؤمنين، فلا يخفى على الله تعالى، وسيجازي العباد بما يعلمه منهم من الخير والشر، { وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ } أي: موالاة الكافرين بعد ما حذركم الله منها { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } لأنه سلك مسلكا مخالفا للشرع وللعقل والمروءة الإنسانية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مدنية ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) الآية .

أخبرنا عبد الواحد المليحي حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار أخبرني الحسن بن محمد أنه سمع عبد الله بن أبي رافع يقول سمعت عليا رضي الله عنه يقول : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا والزبير والمقداد فقال : " انطلقوا حتى تأتوا ( روضة خاخ ) فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها " قال : فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا : أخرجي الكتاب فقالت : ما معي كتاب فقلنا : لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب قال : فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا حاطب ما هذا قال : يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش - يقول كنت حليفا ولم أكن من أنفسها - وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت - إذ فاتني ذلك من النسب فيهم - أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أما إنه قد صدقكم فقال عمر : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال : إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على [ من شهد بدرا ] فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فأنزل الله تعالى هذه السورة : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة إلى قوله سواء السبيل قال المفسرون : نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة كما جاء في الحديث وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة من مكة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتجهز لفتح مكة فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أمسلمة جئت ؟

قالت : لا .

قال : أمهاجرة جئت ؟

قالت : لا قال : فما جاء بك ؟

قالت : كنتم الأصل والعشيرة والموالي وقد ذهبت موالي وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني فقال لها : وأين أنت من شبان مكة وكانت مغنية نائحة قالت : ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر فحث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني عبد المطلب وبني المطلب فأعطوها نفقة وكسوها وحملوها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى فكتب معها إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة وكتب في الكتاب : من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريدكم فخذوا حذركم .

فخرجت سارة ونزل جبريل فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما فعل فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليا وعمارا والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مرثد فرسانا فقال لهم : انطلقوا حتى تأتوا " روضة خاخ " فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فخذوا منها وخلوا سبيلها وإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها .

قال : فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا لها : أين الكتاب ؟

فحلفت بالله ما معها كتاب فبحثوها وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا فهموا بالرجوع فقال علي رضي الله عنه : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسل سيفه فقال : أخرجي الكتاب وإلا لأجردنك ولأضربن عنقك .

فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها وكانت قد خبأته في شعرها فخلوا سبيلها ولم يتعرضوا لها ولا لما معها فرجعوا بالكتاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حاطب فأتاه فقال : هل تعرف الكتاب قال : نعم قال : فما حملك على ما صنعت فقال : يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته وكنت غريبا فيهم وكان أهلي بين ظهرانيهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا وقد علمت أن الله ينزل بهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا فصدقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعذره .

فقام عمر بن الخطاب فقال : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فأنزل الله - عز وجل - في شأن حاطب : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء " .

( تلقون إليهم بالمودة ) قيل : أي المودة " والباء " زائدة كقوله : " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم " ( الحج - 25 ) وقال الزجاج : معناه تلقون إليهم أخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - وسره بالمودة التي بينكم وبينهم ( وقد كفروا ) " الواو " للحال أي : وحالهم أنهم كفروا ( بما جاءكم من الحق ) يعني القرآن ( يخرجون الرسول وإياكم ) من مكة ( أن تؤمنوا ) أي لأن آمنتم كأنه قال : يفعلون ذلك لإيمانكم ( بالله ربكم إن كنتم خرجتم ) هذا شرط جوابه متقدم وهو قوله : لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة ) قال مقاتل : بالنصيحة ( وأنا أعلم بما أخفيتم ) من المودة للكفار ( وما أعلنتم ) أظهرتم بألسنتكم ( ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ) أخطأ طريق الهدى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوَّكم» أي كفار مكة «أولياء تلقون» توصلون «إليهم» قصد النبي صلى الله عليه وسلم غزوهم الذي أسرَّوُ إليكم وَوَرَّى بحُنَين «بالمودة» بينكم وبينهم كتب حاطب بن أبي بلتعة إليهم كتابا بذلك لما له عندهم من الأولاد والأهل المشركين فاسترده النبي صلى الله عليه وسلم ممن أرسله معه بإعلام الله تعالى له بذلك وقبل عذر حاطب فيه «وقد كفروا بما جاءكم من الحق» أي دين الإسلام والقرآن «يخرجون الرسول وإياكم» من مكة بتضييقهم عليكم «أن تؤمنوا» أي لأجل أن آمنتم «بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا» للجهاد «في سبيلي وابتغاء مرضاتي» وجواب الشرط دل عليه ما قبله، أي فلا تتخذوهم أولياء «تُسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم» أي إسرار خبر النبي إليهم «فقد ضل سواء السبيل» أخطأ طريق الهدى، والسواء في الأصل الوسط.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تتخذوا عدوي وعدوكم خلصاء وأحباء، تُفْضون إليهم بالمودة، فتخبرونهم بأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، وسائر المسلمين، وهم قد كفروا بما جاءكم من الحق من الإيمان بالله ورسوله وما نزل عليه من القرآن، يخرجون الرسول ويخرجونكم- أيها المؤمنون- من "مكة"؛ لأنكم تصدقون بالله ربكم، وتوحدونه، إن كنتم- أيها المؤمنون- هاجرتم مجاهدين في سبيلي، طالبين مرضاتي عنكم، فلا توالوا أعدائي وأعداءكم، تُفْضون إليهم بالمودة سرًّا، وأنا أعلم بما أخفيتم وما أظهرتم، ومن يفعل ذلك منكم فقد أخطأ طريق الحق والصواب، وضلَّ عن قصد السبيل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتحت سورة " الممتحنة " بهذا النداء للمؤمنين ، وقد تضمن هذا النداء نهيهم عن موالاة أعداء الله وأعدائهم .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ، ما ذكره الإمام الآلوسى فقال : " نزلت فى حاطب بن أبى بلتعة .

.

.

فقد أخرج الإمام أحمد ، والبخارى ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذى ، والنسائى ، وابن حبان ، وجماعة عن على بن أبى طالب - رضى الله عنه - قال : بعثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا والزبير والمقداد فقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ - وهومكان بين مكة والمدينة - فإن بها ظعينة معها كتاب ، فخذوه منها فأتونى به فخرجنا حتى أتينا الروضة ، فإذا نحن بالظعينة فقلنا لها : أخرجى الكتاب .

فقالت : ما معى من كتاب ، فقلنا : أخرجى الكتاب أو لنلقين الثياب ، فأخرجته من عاقصها ، فأتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا فيه : من حاطب بن أبى بلتعة ، إلى أناس من المشركين بمكة ، يخبرهم ببعض أمر النبى - صلى الله عليه وسلم - .فقال - صلى الله عليه وسلم - " ما هذا يا حاطب؟

" فقال حاطب : لا تعجل علىَّ يا رسول الله إنى كنت إنسانا ملصقا فى قريش ، ولم أكن منها ، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهلهم وأموالهم بمكة ، فأحببت إذ فاتنى ذلك من النسب فيها ، أن أصطنع إليهم يدا ، يحمون بها قرابتى ، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن الإسلام .فقال عمر : دعنى يا رسول الله أضرب عنقه ، فقال ، - صلى الله عليه وسلم - : " إنه شهد بدرا ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فنزلت هذه الآيات " .وقد ذكروا أن هذه القصة كانت فى الوقت الذى أعد فيه النبى - صلى الله عليه وسلم - العدة لأجل العمرة ، سنة صلح الحديبية ، وقيل كانت هذه القصة فى الوقت الذى تهيأ النبى - صلى الله عليه وسلم - لفتح مكة ، وكان من بين الذين علموا ذلك حاطب بن أبى بلتعة .والمراد بالعدو هنا : الأعداء عموما ، ويدخل فيهم دخولا أولياء كفار قريش ، الذين أرسل إليهم حاطب بن أبى بلتعة خطابه ، لكى يحذرهم من مهاجمة المسلمين لهم .والمراد بالعداوة : العداوة الدينية التى جعلت المشركين ، يحرصون كل الحرص على أذى المسلمين ، أى : يامن آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا ، احذروا أن تتخذوا أعدائى وأعداءكم أولياء وأصدقاء وحلفاء .

بل جاهدوهم وأغلظوا عليهم ، واقطعوا الصلة التى بينكم وبينهم .وناداهم بصفة الإيمان ، لتحريك حرارة العقيدة الدينية فى قلوبهم ولحضهم على الاستجابة لما نهاهم عنه .وقدم - سبحانه - عداوته للمشركين ، على عداوة المؤمنين لهم ، لأن عداوة هؤلاء المشركين لله - تعالى - أشد وأقبح ، حيث عبدوا غير خالقهم ، وشكروا غير رزاقهم ، وكذبوا رسل ربهم وآذوهم .وفى الحديث القدسى : " إنى والجن والإنس فى نبأ عظيم .

أخلق ويعبد غيرى ، وأرزق ويشكر سواى .

.

خيرى إلى العباد نازل ، وشرهم إلى صاعد ، أتحبب إليهم بالنعم .

ويتبغضون إلى بالمعاصى " .وعبر - سبحانه - بالاتخاذ الذى هو افتعال من الأخذ ، للمبالغة فى نهيهم عن موالاة هؤلاء الأعداء .

إذ الاتخاذ يشعر بشدة الملابسة والملازمة .والمفعول الأول لقوله ( تَتَّخِذُواْ ) قوله : ( عَدُوِّي ) والمفعول الثانى قوله : ( أَوْلِيَآءَ ) .وقوله - سبحانه - : ( تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة ) تفسير وتوضيح لهذه الموالاة التى نهوا عنها أو فى موضع الحال من ضمير ( لاَ تَتَّخِذُواْ ) .وحقيقة الإلقاء : قذف ما فى اليد على الأرض أو فى الفضاء ، والمراد به هنا : إيصال ما يدخل السرور على قلوب أعدائهم .

والباء فى قوله : ( بالمودة ) لتأكيد اتصال الفعل بمفعوله .أى : احذروا أن تعاملوا أعدائى وأعداءكم معاملة الأصدقاء والحلفاء ، بأن تظهروا لهم المودة والمحبة .ويصح أن تكون الباء للسببية فيكون المعنى : تلقون إليهم بأخباركم التى لا يجوز لكم إظهارها لهم ، بسبب مودتكم لهم .وقد ذكروا أن حاطبا أرسل بهذه الرسالة إلى أهل مكة ، عندما تجهز النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه للذهاب إليها لأجل العمرة عام الحديبية ، أو لأجل فتح مكة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ( تُلْقُونَ ) بم يتعلق؟

قلت : يجوز أن يتعلق بقوله : ( لاَ تَتَّخِذُواْ ) حالا من ضميره .

.

ويجوز أن يكون استئنافا .والإلقاء : عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم يقال : ألقى إليه خَراشِىَ صدره - أى أسرار صدره - وأفضى إليه بقشوره .والباء فى ( بالمودة ) إما زائدة مؤكدة للتعدى مثلها فى قوله : ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ) وإما ثابتة على أن مفعول تلقون محذوف ، ومعناه : تلقون إليهم إخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبب المودة التى بينكم وبينهم .ثم ساق - سبحانه - الأسباب التى من شأنها تحمل المؤمنين على عدم موالاة أعداء الله وأعدائهم ، فقال : ( وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الحق ) أى : لا تتخذوا - أيها المؤمنون - هؤلاء الأعداء أولياء ، وتلقون إليهم بالمودة ، والحال أن هؤلاء الأعداء قد كفروا بما جاءكم على لسان رسولكم - صلى الله عليه وسلم - من الحق الذى يتمثل فى القرآن الكريم ، وفى كل ما أوحاه - سبحانه - إلى رسوله .فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ، تصوير هؤلاء الكافرين ، بما ينفر المؤمنين من إلقاء المودة إليهم .وقوله - تعالى - : ( يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بالله رَبِّكُمْ ) بيان لسبب آخر من الأسباب التى تدعو المؤمنين إلى مقاطعة أعدائهم الكافرين .وجملة : ( يُخْرِجُونَ الرسول ) يصح أن تكون مستأنفة لبيان كفرهم ، أو فى محل نصب حال من فاعل ( كَفَرُواْ ) وقوله : ( وَإِيَّاكُمْ ) معطوف على الرسول ، وقدم عليهم على سبيل التشريف لمقامه - صلى الله عليه وسلم - وجملة ( أَن تُؤْمِنُواْ ) فى محل نصب مفعول لأجله .أى : أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بكفرهم بما جاءكم - أيها المؤمنون - من الحق ، بل تجاوزوا ذلك إلى محاولة إخراج رسولكم - صلى الله عليه وسلم - وإخراجكم من مكة ، من أجل إيمانكم بالله ربكم ، وإخلاصكم العبادة له - تعالى - .وأسند - سبحانه - محاولة الإخراج إلى جميع الأعداء ، لأنهم كانوا راضين بهذا الفعل ومتواطئين على تنفيذه؛ بعضهم عن طريق التخطيط له ، وبعضهم عن طريق التنفيذ الفعلى .والمتأمل فى هذه الجملة الكريمة ، يراها قد ساقت أقوى الأسباب وأعظمها ، للتشنيع على مشركى قريش ، ولإلهاب حماس المؤمنين من أجل عدم إلقاء المودة إليهم .وجواب الشرط فى قوله - تعالى - : ( إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وابتغآء مَرْضَاتِي ) محذوف للدلالة ما قبله عليه أى : إن كنتم - أيها المؤمنون - قد خرجتم من مكة من أجل الجهاد فى سبيلى ، ومن أجل طلب مرضاتى ، فاتركوا اتخاذ عدوى وعدوكم أولياء ، واتركوا مودتهم ومصافاتهم .فالمقصود من الجملة الكريمة ، زيادة التهييج للمؤمنين ، حتى لا يبقى فى قلوبهم أى شىء من المودة نحو الكافرين .وقوله - سبحانه - : ( تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة ) بدل من قوله - تعالى - : قبل ذلك : ( تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة ) .

بدل بعض من كل .

لأن إلقاء المودة أعم من أن تكون فى السر أو فى العلن .ويصح أن يكون بدل اشتمال ، لأن الإسرار إليهم بالمودة ، مما اشتمل عليه إلقاء المودة إليهم .وهذه الجملة جىء بها على سبيل العتاب والتعجيب ممن فى قلبه مودة لهؤلاء الكافرين ، بعد أن بين الله - تعالى - له ، ما يوجب قطع كل صلة بهم .ومفعول ( تُسِرُّونَ ) محذوف .

أى : ترسلون إليهم أخبار المسلمين سرا ، بسبب مودتكم لهم؟

وجملة : ( وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ) هى مناط التعجيب ممن يتخذ هؤلاء الأعداء أولياء .

أو من يسر إليهم بالمودة ، وهى حالية من فاعل ( تُلْقُونَ و تُسِرُّونَ ) .أى : تفعلون ما تفعلون من إلقاء المودة إلى عدوى وعدوكم ، ومن إسراركم بها إليهم والحال أنى أعلم منهم ومنكم بما أخفيتموه فى قلوبكم ، وما أعلنتموه ، ومخبر رسولنا - صلى الله عليه وسلم - بذلك .وما دام الأمر كذلك فكيف أباح بعضكم لنفسه ، أن يطلع عدوى وعدوكم على مالا يجوز إطلاعه عليه؟!قال الآلوسى : قوله : ( وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ ) فى موضع الحال و ( أَعْلَمُ ) أفعل تفضيل .

والمفضل عليه محذوف .

أى : منكم .

.

.

و ( مَآ ) موصولة أو مصدرية ، وذكر ( مَآ أَعْلَنتُمْ ) مع الاستغناء عنه ، للإشارة إلى تساوى العلمين فى علمه - عز وجل - .ولذا قدم ( مَآ أَخْفَيْتُمْ ) .

وفى هذه الحال إشارة إلى أنه لا طائل لهم فى إسرار المودة إليهم كأنه قيل : تسرون إليهم بالمودة والحال أنى أعلم ما أخفيتم وما أعلنتم ، ومطلع رسولى على ما تسرون ، فأى فائدة وجدوى لكم فى الإسرار .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان سوء عاقبة من يخالف أمره فقال : ( وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل ) .والضمير فى قوله : ( يَفْعَلْهُ ) يعود إلى الاتخاذ المفهوم من قوله ( لاَ تَتَّخِذُواْ ) .أى ومن يفعل ذلك الاتخاذ لعدوى وعدوكم أولاء .

ويلقى إليهم بالمودة ، فقد أخطأ طريق الحق والصواب .

وضل عن الصراط المستقيم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن من جملة ما يتحقق به التعلق بما قبلها هو أنهما يشتركان في بيان حال الرسول صلى الله عليه وسلم مع الحاضرين في زمانه من اليهود والنصارى وغيرهم، فإن بعضهم أقدموا على الصلح واعترفوا بصدقه، ومن جملتهم بنو النضير، فإنهم قالوا: والله إنه النبي الذي وجدنا نعته وصفته في التوراة، وبعضهم أنكروا ذلك وأقدموا على القتال، إما على التصريح وإما على الإخفاء، فإنهم مع أهل الإسلام في الظاهر، ومع أهل الكفر في الباطن، وأما تعلق الأول بالآخر فظاهر، لما أن آخر تلك السورة يشتمل على الصفات الحميدة لحضرة الله تعالى من الوحدانية وغيرها، وأول هذه السورة مشتمل على حرمة الاختلاط مع من لم يعترف بتلك الصفات.

المسألة الثانية: أما سبب النزول فقد روي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، لما كتب إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز للفتح ويريد أن يغزوكم فخذوا حذركم، ثم أرسل ذلك الكتاب مع امرأة مولاة لبني هاشم، يقال لها سارة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، فقال عليه السلام: «أمسلمة جئت؟» قالت: لا، قال: «أمهاجرة جئت؟» قالت: لا، قال: «فما جاء بك؟» قالت: قد ذهب الموالي يوم بدر أي قتلوا في ذلك اليوم فاحتجت حاجة شديدة فحث عليها بني المطلب فكسوها وحملوها وزودوها، فأتاها حاطب وأعطاها عشرة دنانير وكساها برداً واستحملها ذلك الكتاب إلى أهل مكة، فخرجت سائرة، فأطلع الله الرسول عليه السلام على ذلك، فبعث علياً وعمر وعماراً وطلحة والزبير خلفها وهم فرسان، فأدركوها وسألوها عن ذلك فأنكرت وحلفت، فقال علي عليه السلام: والله ما كذبنا، ولا كذب رسول الله، وسل سيفه، فأخرجته من عقاص شعرها، فجاءوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضه على حاطب فاعترف، وقال: إن لي بمكة أهلاً ومالاً فأردت أن أتقرب منهم، وقد علمت أن الله تعالى ينزل بأسه عليهم، فصدقه وقبل عذره، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما يدريك يا عمر لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، ففاضت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم فنزلت، وأما تفسير الآية فالخطاب في: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ قد مر، وكذلك في الإيمان أنه في نفسه شيء واحد وهو التصديق بالقلب أو أشياء كثيرة وهي الطاعات، كما ذهب إليه المعتزلة، وأما قوله تعالى: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ ﴾ فاتخذ يتعدى إلى مفعولين، وهما عدوي وأولياء، والعدو فعول من عدا، كعفو من عفا، ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد، والعداوة ضد الصداقة، وهما لا يجتمعان في محل واحد، في زمان واحد، من جهة واحدة، لكنهما يرتفعان في مادة الإمكان، وعن الزجاج والكرابيسي ﴿ عَدُوّى ﴾ أي عدو ديني، وقال عليه السلام: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل وقال عليه السلام لأبي ذر: يا أبا ذر أي عرا الإيمان أوثق، فقال الله ورسوله أعلم، فقال الموالاة في الله والحب في الله والبغض في الله وقوله تعالى: ﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: ﴿ تُلْقُونَ ﴾ بماذا يتعلق، نقول: فيه وجوه: الأول: قال صاحب النظم: هو وصف النكرة التي هي أولياء، قاله الفراء والثاني: قال في الكشاف: يجوز أن يتعلق بلا تتخذوا حالاً من ضميره، وأولياء صفة له الثالث: قال ويجوز أن يكون استئنافاً، فلا يكون صلة لأولياء، والباء في المودة كهي في قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ  ﴾ والمعنى: تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، ويدل عليه: ﴿ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة ﴾ .

المسألة الثانية: في الآية مباحث الأول: اتخاذ العدو ولياً كيف يمكن، وقد كانت العداوة منافية للمحبة والمودة، والمحبة المودة من لوازم ذلك الاتخاذ، نقول: لا يبعد أن تكون العداوة بالنسبة إلى أمر، والمحبة والمودة بالنسبة إلى أمر آخر، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مِنْ أزواجكم وأولادكم عَدُوّاً لَّكُمْ  ﴾ والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أولادنا أكبادنا».

الثاني: لما قال: ﴿ عَدُوّى ﴾ فلم لم يكتف به حتى قال: ﴿ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ لأن عدو الله إنما هو عدو المؤمنين؟

نقول: الأمر لازم من هذا التلازم، وإنما لا يلزم من كونه عدواً للمؤمنين أن يكون عدواً لله، كما قال: ﴿ إِنَّ مِنْ أزواجكم وأولادكم عَدُوّاً لَّكُمْ ﴾ .

الثالث: لم قال: ﴿ عَدُوّي وَعَدُوَّكُمْ ﴾ ولم يقل بالعكس؟

فنقول: العداوة بين المؤمن والكافر بسبب محبة الله تعالى ومحبة رسوله، فتكون محبة العبد من أهل الإيمان لحضرة الله تعالى لعلة، ومحبة حضرة الله تعالى للعبد لا لعلة، لما أنه غني على الإطلاق، فلا حاجة به إلى الغير أصلاً، والذي لا لعلة مقدم على الذي لعلة، ولأن الشيء إذا كان له نسبة إلى الطرفين، فالطرف الأعلى مقدم على الطرف الأدنى.

الرابع: قال: ﴿ أَوْلِيَاء ﴾ ولم يقل: ولياً، والعدو والولي بلفظ، فنقول: كما أن المعرف بحرف التعريف يتناول كل فرد، فكذلك المعرف بالإضافة الخامس: منهم من قال: الباء زائدة، وقد مر أن الزيادة في القرآن لا تمكن، والباء مشتملة على الفائدة، فلا تكون زائدة في الحقيقة.

ثم قال تعالى: ﴿ وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ .

﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ ﴾ الواو للحال، أي وحالهم أنهم كفروا: ﴿ بِمَا جَاءكُمْ مّنَ ﴾ الدين ﴿ الحق ﴾ ، وقيل: من القرآن ﴿ يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ ﴾ يعني من مكة إلى المدينة ﴿ أَن تُؤْمِنُواْ ﴾ أي لأن تؤمنوا ﴿ بالله رَبّكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ ﴾ قال الزجاج: هو شرط جوابه متقدم وهو: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، وقوله: ﴿ جِهَاداً فِي سَبِيلِى وابتغاء مَرْضَاتِى ﴾ منصوبان لأنهما مفعولان لهما، ﴿ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة ﴾ عن مقاتل بالنصيحة، ثم ذكر أنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، فقال: ﴿ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ ﴾ من المودة للكفار ﴿ وَمَا أَعْلَنتُمْ ﴾ أي أظهرتم، ولا يبعد أن يكون هذا عاماً في كل ما يخفى ويعلن، قال بعضهم: هو أعلم بسرائر العبد وخفاياه وظاهره وباطنه، من أفعاله وأحواله، وقوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ ﴾ يجوز أن تكون الكناية راجعة إلى الإسرار، وإلى الإلقاء، وإلى اتخاذ الكفار أولياء، لما أن هذه الأفعال مذكورة من قبل، وقوله تعالى: ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل ﴾ فيه وجهان: الأول: عن ابن عباس: أنه عدل عن قصد الإيمان في اعتقاده، وعن مقاتل: قد أخطأ قصد الطريق عن الهدى، ثم في الآية مباحث: الأول: ﴿ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ ﴾ متعلق بلا تتخذوا، يعني لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي، ﴿ وتسرون ﴾ استئناف، معناه: أي طائل لكم في إسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي.

الثاني: لقائل أن يقول: ﴿ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ ﴾ الآية، قضية شرطية، ولو كان كذلك فلا يمكن وجود الشرط، وهو قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ ﴾ بدون ذلك النهي، ومن المعلوم أنه يمكن، فنقول: هذا المجموع شرط لمقتضى ذلك النهي، لا للنهي بصريح اللفظ، ولا يمكن وجود المجموع بدون ذلك لأن ذلك موجود دائماً، فالفائدة في ابتغاء مرضاتي ظاهرة، إذ الخروج قد يكون ابتغاء لمرضاة الله وقد لا يكون.

الثالث: قال تعالى: ﴿ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ ﴾ ولم يقل: بما أسررتم وما أعلنتم، مع أنه أليق بما سبق وهو ﴿ تُسِرُّونَ ﴾ ، فنقول فيه من المبالغة ما ليس في ذلك، فإن الإخفاء أبلغ من الإسرار، دل عليه قوله: ﴿ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى  ﴾ أي أخفى من السر.

الرابع: قال: ﴿ بِمَا أَخْفَيْتُمْ ﴾ قدم العلم بالإخفاء على الإعلان، مع أن ذلك مستلزم لهذا من غير عكس.

فنقول هذا بالنسبة إلى علمنا، لا بالنسبة إلى علمه تعالى، إذ هما سيان في علمه كما مر، ولأن المقصود هو بيان ما هو الأخفى وهو الكفر، فيكون مقدماً.

الخامس: قال تعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ ﴾ ما الفائدة في قوله: ﴿ مّنكُمْ ﴾ ومن المعلوم أن من فعل هذا الفعل ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل ﴾ نقول: إذا كان المراد من ﴿ مّنكُمْ ﴾ من المؤمنين فظاهر، لأن من يفعل ذلك الفعل لا يلزم أن يكون مؤمناً.

ثم إنه أخبر المؤمنين بعداوة كفار أهل مكة فقال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي: أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يتجهز للفتح، فقال لها: أمسلمة جئت؟

قالت: لا.

قال: أفمهاجرة جئت؟

قالت: لا.

قال: فما جاء بك؟

قالت: كنتم الأهل والموالي والعشيرة، وقد ذهبت الموالي، تعني: قتلوا يوم بدر، فاحتجت حاجة شديدة فحث عليها بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزوّدوها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها برداً، واستحملها كتاباً إلى أهل مكة نسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، اعلموا أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم، فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وعماراً وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد- وكانوا فرساناً- وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة، فخذوه منها وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها، فأدركوها فجحدت وحلفت، فهموا بالرجوع فقال علي رضي الله عنه: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله، وسلّ سيفه، وقال: أخرجي الكتاب أو تضعي رأسك، فأخرجته من عقاص شعرها.

وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة: هي أحدهم، فاستحضر رسول الله حاطباً وقال: ما حملك عليه؟

فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم؛ ولكني كنت أمرأ ملصقاً في قريش.

وروى: عزيزاً فيهم، أي: غريباً، ولم أكن من أنفسها، وكل من معكم من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيري، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله تعالى ينزل عليهم بأسه.

وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً، فصدقه وقبل عذره، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق؛ فقال: «وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم، فنزلت، عدّى (اتخذ) إلى مفعوليه، وهما عدوي، وأولياء.

والعدوّ: فعول، من عدا؛ كعفوّ من عفا؛ ولكونه على زنه المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد.

فإن قلت: ﴿ تُلْقُونَ ﴾ بم يتعلق؟

قلت: يجوز أن يتعلق بلا تتخذوا حالاً من ضميره؛ وبأولياء صفة له.

ويجوز أن يكون استئنافاً.

فإن قلت: إذا جعلته صفة لأولياء وقد جرى على غير من هوله، فأين الضمير البارز وهو قولك: تلقون إليهم أنتم بالمودّة؟

قلت: ذلك إنما اشترطوه في الأسماء دون الأفعال، لو قيل: أولياء ملقين إليهم بالمودّة على الوصف.

لما كان بد من الضمير البارز؛ والإلقاء عبارة عن إيصال المودّة والإفضاء بها إليهم: يقال ألقى إليه خراشي صدره، وأفضى إليه بقشوره.

والباء في ﴿ بالمودة ﴾ إما زائدة مؤكدة للتعدي مثلها في ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ [البقرة: 195] وإما ثابتة على أن مفعول تلقون محذوف، معناه: تلقون إليهم أخبار رسول الله بسبب المودّة التي بينكم وبينهم.

وكذلك قوله: ﴿ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة ﴾ أي: تفضون إليهم بمودتكم سراً.

أو تسرّون إليهم إسرار رسول الله بسبب المودّة.

التي بينكم وبينهم فإن قلت: ﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ ﴾ حال مماذا؟

قلت: إما من ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ﴾ وإما من ﴿ تُلْقُونَ ﴾ أي: لا تتولوهم أو توادّونهم وهذه حالهم.

و ﴿ يُخْرِجُونَ ﴾ استئناف كالتفسير لكفرهم وعتوّهم.

أو حال من كفروا.

و ﴿ أَن تُؤْمِنُواْ ﴾ تعليل ليخرجون، أي يخرجونكم لإيمانكم، و ﴿ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ ﴾ متعلق بلا تتخذوا، يعني: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي.

وقول النحويين في مثله: هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه.

و ﴿ تُسِرُّونَ ﴾ استئناف، ومعناه: أيّ طائل لكم في إسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي لا تفاوت بينهما، وأنا مطلع رسولي على ما تسرون ﴿ وَمَن يَفْعَلْهُ ﴾ ومن يفعل هذا الإسرار فقد أخطأ طريق الحق والصواب.

وقرأ الجحدري ﴿ لما جاءكم ﴾ أي: كفروا لأجل ما جاءكم، بمعنى: أن ما كان يجب أن يكون سبب إيمانهم جعلوه سبباً لكفرهم.

﴿ إِن يَثْقَفُوكُمْ ﴾ إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم ﴿ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً ﴾ خالصي العداوة، ولا يكونوا لكم أولياء كما أنتم ﴿ وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء ﴾ بالقتال والشتم، وتمنوا لو ترتدّون عن دينكم، فإذن مودة أمثالهم ومناصحتهم خطأ عظيم منكم ومغالطة لأنفسكم ونحوه قوله تعالى: ﴿ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً ﴾ [آل عمران: 118] فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعاً مثله ثم قال ﴿ وَوَدُّواْ ﴾ بلفظ الماضي؟

قلت: الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب، فإن فيه نكتة، كأنه قيل: وودّوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم، يعني: أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضارّ الدنيا والدين جميعاً: من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، وردّكم كفاراً أسبق المضارّ عندهم وأوّلها؛ لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، لأنكم بذَّالون لها دونه، والعدوّ أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ مَدَنِيَّةٌ وآيُها ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ ﴾ نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، فَإنَّهُ «لَمّا عَلِمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  يَغْزُو أهْلَ مَكَّةَ كَتَبَ إلَيْهِمْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  يُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، وأرْسَلَ كِتابَهُ مَعَ سارَّةَ مُوَلّاةِ بَنِي المُطَّلِبِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأعْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  عَلِيًّا وعَمّارًا وطَلْحَةَ والزُّبَيْرَ والمِقْدادَ وأبا مَرْثَدٍ وقالَ: انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابُ حاطِبٍ إلى أهْلِ مَكَّةَ، فَخُذُوهُ مِنها وخَلُّوها فَإنْ أبَتْ فاضْرِبُوا عُنُقَها، فَأدْرَكُوها ثَمَّةَ فَجَحَدَتْ فَهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَسَلَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ السَّيْفَ فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها، فاسْتَحْضَرَ رَسُولُ اللَّهِ  حاطِبًا وقالَ: ما حَمَلَكَ عَلَيْهِ؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ ولا غَشَشْتُكَ مُنْذُ نَصَحْتُكَ ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ ولَيْسَ لِي فِيهِمْ مَن يَحْمِي أهْلِي، فَأرَدْتُ أنْ آخُذَ عِنْدَهم يَدًا وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ كِتابِي لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ  وعَذَرَهُ.» ﴿ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ تُفْضُونَ إلَيْهِمُ المَوَدَّةَ بِالمُكاتَبَةِ، والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ إخْبارُ رَسُولِ اللَّهِ  بِسَبَبِ المَوَدَّةِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ لا تَتَّخِذُوا أوْ صِفَةٌ لِأوْلِياءَ جَرَتْ عَلى غَيْرِ مَن هي لَهُ، ولا حاجَةَ فِيها إلى إبْرازِ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ مَشْرُوطٌ في الِاسْمِ دُونَ الفِعْلِ.

﴿ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ.

﴿ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ ﴾ أيْ مِن مَكَّةَ وهو حالٌ مِن كَفَرُوا أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِهِ.

﴿ أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ﴾ بِأنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وفِيهِ تَغْلِيبُ المُخاطَبِ والِالتِفاتُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُوجِبُ الإيمانَ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ ﴾ عَنْ أوْطانِكم.

﴿ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي ﴾ عِلَّةً لِلْخُرُوجِ وعُمْدَةً لِلتَّعْلِيقِ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ لا تَتَّخِذُوا.

﴿ تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ بَدَلٌ مِن تُلْقُونَ أوِ اسْتِئْنافٌ مَعْناهُ: أيُّ طائِلٍ لَكم في إسْرارِ المَوَدَّةِ أوِ الإخْبارِ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ.

﴿ وَأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ﴾ أيْ مِنكم.

وقِيلَ أعْلَمُ مُضارِعٌ والباءُ مَزِيدَةٌ و «ما» مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ.

﴿ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ ﴾ أيْ مَن يَفْعَلِ الِاتِّخاذَ.

﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ أخْطَأهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِن يَثْقَفُوكُمْ} إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم {يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاء} خالصي العداوة ولا يكونوا لكم أولياء كما أنتم {وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء} بالقتل والشتم {وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} وتمنوا لو ترتدون عن دينكم فإذاً موادة أمثالهم خطأ عظيم منكم والماضي وإن كان يجري في باب اشرط مجرى المضارع ففيه نكتة كأنه قيل ودّوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض وردكم كفاراً أسبق المضار عندهم وأولها لعلهم أن الذين أعز عليكم من ارواحكم لأنكم بذالون هادونه والعدو أهم شيء عنده انيقصد أهم شيء عند صاحبه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ قالَ ابْنُ حَجَرٍ: المَشْهُورُ في هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أنَّها بِفَتْحِ الحاءِ وقَدْ تُكْسَرُ فَعَلى الأوَّلِ هي صِفَةُ المَرْأةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ بِسَبَبِها، وعَلى الثّانِي صِفَةُ السُّورَةِ كَما قِيلَ لِبَراءَةٍ: الفاضِحَةُ، وفي جَمالِ القُرّاءِ تُسَمّى أيْضًا سُورَةَ الِامْتِحانَ وسُورَةَ المَوَدَّةِ، وأطْلَقَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ القَوْلَ بِمَدَنِيَّتِها، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ أوَّلَها نَزَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَكَوْنُها مَدَنِيَّةً إمّا مِن بابِ التَّغْلِيبِ أوْ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المَدَنِيَّ ما نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وهي ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً بِالِاتِّفاقِ.

ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ ذَكَرَ فِيما قَبْلُ مُوالاةَ الَّذِينَ نافَقُوا لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ، وذَكَرَ في هَذِهِ نَهْيَ المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ الكُفّارِ أوْلِياءَ لِئَلّا يُشابِهُوا المُنافِقِينَ، وبَسَطَ الكَلامَ فِيهِ أتَمَّ بَسْطٍ وقِيلَ في ذَلِكَ أيْضًا: إنَّ فِيما قَبْلُ ذَكَرَ المُعاهَدِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ وفي هَذِهِ ذَكَرَ المُعاهَدِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ لِأنَّ فِيها ما نَزَلَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، ولِشِدَّةِ اتِّصالِها بِالسُّورَةِ قَبْلَها فَصَلَ بِها بَيْنَها وبَيْنَ الصَّفِّ مَعَ تُواخِيهِما في الِافْتِتاحِ - بِسَبِّحْ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ ﴾ نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ عَمْرٍو أبِي بَلْتَعَةَ - وهو مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزّى - أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ وجَماعَةٌ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ  أنا والزُّبَيْرُ والمِقْدادُ فَقالَ: «انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابٌ فَخُذُوهُ مِنها فَأْتُونِي بِهِ فَخَرَجْنا حَتّى أتَيْنا الرَّوْضَةَ فَإذا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنا: أخْرِجِي الكِتابَ قالَتْ: ما مَعِي مِن كِتابٍ قُلْنا: لَتُخْرِجِنَّ الكِتابَ أوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيابَ فَأخْرَجَتْهُ مِن عِقاصِها فَأتَيْنا بِهِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإذا فِيهِ: مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أُناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِبَعْضِ أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما هَذا يا حاطِبُ ؟

!

قالَ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها وكانَ مَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرِينَ لَهم قَراباتٌ يَحْمُونَ بِها أهْلَهم وأمْوالَهم بِمَكَّةَ فَأحْبَبْتُ إذْ فاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أنْ أصْطَنِعَ إلَيْهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِها قَرابَتِي وما فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا ولا ارْتِدادًا عَنْ دِينِي فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبْ عُنُقَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم فَنَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ ﴾ »» إلَخْ.

وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ عُمَرَ وعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في أثَرِ تِلْكَ المَرْأةِ فَلَحِقاها في الطَّرِيقِ فَلَمْ يَقْدِرا عَلى شَيْءٍ مَعَها فَأقْبَلا راجِعَيْنِ ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: واللَّهِ ما كُذِّبْنا ولا كَذَبْنا ارْجِعْ بِنا إلَيْها فَرَجَعا فَسَلّا سَيْفَيْهِما وقالا: واللَّهِ لَنُذِيقَنَّكِ المَوْتَ أوْ لَتَدْفَعِنَّ الكِتابَ فَأنْكَرَتْ ثُمَّ قالَتْ: أدْفَعُهُ إلَيْكُما عَلى أنْ لا تَرُدّانِي إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَبِلا ذَلِكَ فَأخْرَجَتْهُ لَهُما مِن قُرُونِ رَأْسِها»، وفِيهِ -عَلى ما في الدُّرِّ المَنثُورِ - أنَّ المَرْأةَ تُدْعى أُمَّ سارَةَ كانَتْ مَوْلاةً لِقُرَيْشٍ، وفي الكَشّافِ يُقالُ لَها: سارَةُ مَوْلاةٌ لِأبِي عَمْرِو بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ هاشِمٍ، وفي صِحَّةِ خَبَرِ أنَسٍ تَرَدُّدٌ، وما تَضَمَّنَهُ مِن رُجُوعِ الإمامَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِعِيدٌ، وقِيلَ: إنَّ المَبْعُوثِينَ في أثَرِها عُمَرُ وعَلِيٌّ وطِلْحَةُ والزُّبَيْرُ وعَمّارٌ والمِقْدادُ وأبُو مَرْثَدٍ وكانُوا فُرْسانًا، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما قَدَّمْنا، والَّذِينَ كانُوا لَهُ في مَكَّةَ بَنُوهُ وإخْوَتُهُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حاطِبٍ المَذْكُورِ، وفي رِوايَةٍ لِأحْمَدَ عَنْ جابِرٍ أنَّ حاطِبًا قالَ: كانَتْ والِدَتِي مَعَهم فَيُحْتَمَلُ أنَّها مَعَ بَنِيهِ وإخْوَتِهِ.

وصُورَةُ الكِتابِ - عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ -أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَوَجَّهَ إلَيْكم بِجَيْشٍ كاللَّيْلِ يَسِيرُ كالسَّيْلِ، وأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَوْ سارَ إلَيْكم وحْدَهُ لَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْكم فَإنَّهُ مُنْجِزٌ لَهُ ما وعَدَهُ، وفي الخَبَرِ السّابِقِ عَلى ما قِيلَ: دَلِيلٌ عَلى جَوازِ قَتْلِ الجاسُوسِ لِتَعْلِيلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَنعَ عَنْ قَتْلِهِ بِشُهُودِهِ بَدْرًا - وفِيهِ بَحْثٌ - وفي التَّعْبِيرِ عَنِ المُشْرِكِينَ بِالعَدُوِّ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ تَغْلِيظٌ لِأمْرِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ وإشارَةٌ إلى حُلُولِ عِقابِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى مَعْنى قَوْلِهِ: إذا صافى صَدِيقُكَ مَن تُعادِي فَقَدْ عاداكَ وانْقَطَعَ الكَلامُ والعَدُوُّ فَعُولٌ مِن عَدا كَعَفُوٍّ مِن عَفا، ولِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ أوْقَعَ عَلى الجَمْعِ إيقاعَهُ عَلى الواحِدِ، ونُصِبَ ﴿ أوْلِياءَ ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ - لِتَتَّخِذُوا - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمُوالاةِ أوْ لِاتِّخاذِها أوِ اسْتِئْنافٌ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، والباءُ زائِدَةٌ في المَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ  ﴾ وإلْقاءُ المَوَدَّةِ مَجازٌ عَنْ إظْهارِها، وتَفْسِيرُهُ بِالإيصالِ أيْ تُوصِلُونَ إلَيْهِمُ المَوَدَّةَ لا يَقْطَعُ التَّجَوُّزَ.

وقِيلَ: الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ لِكَوْنِ المَعْنى تُفْضُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ، وأفْضى يَتَعَدّى بِالباءِ كَما في الأساسِ، وقِيلَ: هي لِلسَّبَبِيَّةِ والإلْقاءُ مَجازٌ عَنِ الإرْسالِ أيْ تُرْسِلُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِسَبَبِ المَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَكم، وعَنِ البَصْرِيِّينَ أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، وفِيهِ حَذْفُ المَصْدَرِ مَعَ بَقاءِ مَعْمُولِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الجُمْلَةِ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ لا تَتَّخِذُوا ﴾ أوْ صِفَةً - لِأوْلِياءَ - ولَمْ يَقُلْ - تُلْقُونَ إلَيْهِمْ أنْتُمْ - بِناءً عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ مِثْلُ هَذا الضَّمِيرِ مَعَ الصِّفَةِ الجارِيَةِ عَلى غَيْرِ مَن هي لَهُ أوِ الحالِ أوِ الخَبَرِ أوِ الصِّلَةِ سَواءٌ في ذَلِكَ الِاسْمِ والفِعْلِ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِابْنِ مالِكٍ إذا لَمْ يَحْصُلْ إلْباسٌ نَحْوَ زَيْدٌ هِنْدٌ ضارِبُها أوْ يَضْرِبُها بِخِلافِ زَيْدٌ عَمْرٌ و ضارِبُهُ أوْ يَضْرِبُهُ فَإنَّهُ يَجِبُ مَعَهُ هو لِمَكانِ الإلْباسِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الإبْرازَ في الصِّفاتِ الجارِيَةِ عَلى غَيْرِ مَن هي لَهُ إنَّما يُشْتَرَطُ في الِاسْمِ دُونَ الفِعْلِ كَما هُنا ومُنِعَ ذَلِكَ، وتُعُقِّبَ الوَجْهانِ بِأنَّهُما يُوهِمانِ أنَّهُ تَجُوزُ المُوالاةُ عِنْدَ عَدَمِ الإلْقاءِ فَيَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ لا اعْتِبارَ لِلْمَفْهُومِ لِلنَّهْيِ عَنِ المُوالاةِ مُطْلَقًا في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، أوْ يُقالُ: إنَّ الحالَ والصِّفَةَ لازِمَةٌ ولِذا كانَتِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةً وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿ لا تَتَّخِذُوا ﴾ وهي حالٌ مُتَرادِفَةٌ إنْ كانَتْ جُمْلَةً ﴿ تُلْقُونَ ﴾ حالِيَّةٌ أيْضًا أوْ مِن فاعِلِ ﴿ تُلْقُونَ ﴾ وهي مُتَداخِلَةٌ عَلى تَقْدِيرِ حالِيَّتِها، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ وكَوْنُهُ مُسْتَأْنَفًا.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ والمُعَلّى عَنْ عاصِمٍ - لِما - بِاللّامِ أيْ لِأجْلِ ما جاءَكم بِمَعْنى جَعَلَ ما هو سَبَبٌ لِلْإيمانِ سَبَبَ الكُفْرِ ﴿ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ ﴾ أيْ مِن مَكَّةَ ﴿ أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ﴾ أيْ لِإيمانِكم أوْ كَراهَةَ إيمانِكم بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ - بِيَخْرُجُونَ - والجُمْلَةُ قِيلَ: حالٌ مِن فاعِلِ ”كَفَرُوا“ أوِ اسْتِئْنافٌ كالتَّفْسِيرِ لِكُفْرِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كَفَرُوا ؟

وأُجِيبَ بِأنَّهم كَفَرُوا أشَدَّ الكُفْرِ بِإخْراجِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ لِإيمانِهِمْ خاصَّةً لا لِغَرَضٍ آخَرَ، وهَذا أرْجَحُ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ لِطِباقِهِ لِلْمَقامِ وكَثْرَةِ فَوائِدِهِ، والمُضارِعُ لِاسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ لِما فِيها مِن مَزِيدِ الشَّناعَةِ، والِاسْتِمْرارُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَعْنى، وفي ﴿ تُؤْمِنُوا ﴾ قِيلَ: تَغْلِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، والِالتِفاتُ عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بِأنْ يُقالَ: بِي إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِما يُوجِبُ الإيمانَ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَتَّخِذُوا ﴾ إلَخْ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَوَلَّوْا أعْدائِيَ إنْ كُنْتُمْ أوْلِيائِيَ فَجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ لا تَتَّخِذُوا ﴾ ولَمْ يُقَدِّرْ لَهُ جَوابًا أيْ لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّيَ وعَدُوَّكم أوْلِياءَ والحالُ أنَّكم خَرَجْتُمْ لِأجْلِ الجِهادِ وطَلَبِ مَرْضاتِي، واعْتُرِضَ بِأنَّ الشَّرْطَ لا يَقَعُ حالًا بِدُونِ جَوابٍ في غَيْرِ إنَّ الوَصْلِيَّةِ، ولا بُدَّ فِيها مِنَ الواوِ وأنْ تُرَدَّ حَيْثُ يَكُونُ ضِدَّ المَذْكُورِ أوْلى - كَأحْسِنْ إلى زَيْدٍ وإنْ أساءَ إلَيْكَ - وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ.

وأُجِيبَ بِأنَّ ابْنَ جِنِّيٍّ جَوَّزَهُ، وارْتَضاهُ جارُ اللَّهِ هُنا لِأنَّ البَلاغَةَ وسَوْقَ الكَلامِ يَقْتَضِيانِهِ فَيُقالُ لِمَن تَحَقَّقَتْ صَداقَتُهُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّعْلِيقِ والشَّكِّ: لا تَخْذُلْنِي إنْ كُنْتَ صَدِيقِي تَهْيِيجًا لِلْحَمِيَّةِ، وفِيهِ مِنَ الحُسْنِ ما فِيهِ فَلا يَضُرُّ إذا خالَفَ المَشْهُورَ، ونَصْبُ المَصْدَرَيْنِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ عَلى التَّعْلِيلِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُما حالَيْنِ أيْ مُجاهِدِينَ ومُبْتَغِينَ، والمُرادُ بِالخُرُوجِ إمّا الخُرُوجُ لِلْغَزْوِ وإمّا الهِجْرَةُ، فالخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ خاصَّةً لِأنَّ القِصَّةَ صَدَرَتْ مِنهم كَما سَمِعْتَ في سَبَبِ النُّزُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهم لَمّا اسْتَشْعَرُوا العِتابَ مِمّا تَقَدَّمَ سَألُوا ما صَدَرَ عَنّا حَتّى عُوتِبْنا ؟

فَقِيلَ: ﴿ تُسِرُّونَ ﴾ إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿ تُلْقُونَ ﴾ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ إنْ أُرِيدَ بِالإلْقاءِ الإلْقاءُ خِفْيَةً، أوْ بَدَلَ بَعْضٍ إنْ أُرِيدَ الأعَمُّ لِأنَّ مِنهُ السِّرَّ والجَهْرَ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: هو شَبِيهٌ بِبَدَلِ الِاشْتِمالِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أنْتُمْ ﴿ تُسِرُّونَ ﴾ والكَلامُ اسْتِئْنافٌ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِئْنافَ لِذَلِكَ حَسَنٌ لَكِنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى حَذْفٍ والكَلامُ في الباءِ هُنا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِهِمْ كالباءِ فِيما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ﴾ فِي مَوْضُوعِ الحالِ، ”30 وأعْلَمُ“ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ أيْ مِنكم، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَهُ مُضارِعًا، والعِلْمُ قَدْ يَتَعَدّى بِالباءِ أوْ هي زائِدَةٌ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وذَكَرَ ”ما أعْلَنْتُمْ“ مَعَ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ لِلْإشارَةِ إلى تَساوِي العِلْمَيْنِ في عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِذا قَدَّمَ ﴿ بِما أخْفَيْتُمْ ﴾ وفي هَذِهِ الحالِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا طائِلَ لَهم في إسْرارِ المَوَدَّةِ إلَيْهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ والحالُ أنِّي أعْلَمُ ما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ومُطْلِعٌ رَسُولِي عَلى ما تُسِرُّونَ فَأيُّ فائِدَةٍ وجَدْوى لَكم في الإسْرارِ ؟

﴿ ومَن يَفْعَلْهُ ﴾ أيِ الإسْرارُ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وجَمْعٌ: أيِ الِاتِّخاذُ ﴿ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ أيِ الطَّرِيقَ المُسْتَوِيَ والصِّراطَ الحَقَّ فَإضافَةُ ﴿ سَواءَ ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ- لِضَلَّ - وهو يَتَعَدّى كَأضَلَّ، وقِيلَ: لا يَتَعَدّى ﴿ وسَواءٌ ﴾ ظَرْفٌ كَقَوْلِهِ: كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاث عشرة آية مدنية قوله سبحانه وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ، نزلت في حاطب بن أبي بلتعة العبسي ذلك أن النبيّ  كان يجهز الجيش للخروج إلى فتح مكة، وكان النبيّ  إذا أراد أن يخرج إلى الغزو، ورى بغيره يعني: يظهر من نفسه أنه يريد الخروج إلى ناحية أخرى، وكان الناس لا يعلمون إلى أي ناحية يريد الخروج.

فأمر الناس بأن يتجهزوا للخروج إلى الغزو، ولم يعلموا إلى أين يخرج، إلا الخواص من أصحابه.

فبينما الناس يتجهزون، إذ قدمت امرأة من مكة، يقال لها سارة، مولاة بني عمر بن الصيف بن هشام بن عبد مناف، وكانت امرأة من مكة، يقال لها سارة، مولاة بني عمر بن الصيف بن هشام بن عبد مناف، وكانت امرأة مغنية، فقال لها النبيّ  : لماذا جئت؟

فقالت: جئت لتعطيني شيئا.

فقال لها النبيّ  : ما فعلت بحطباتك من شبان قريش؟

فقالت: منذ قتلهم ببدر، لم يصل إلي شيء إلا القليل.

فأمر النبيّ  بأن تعطى شيئا لترجع.

فلما أرادت الخروج، أتاها حاطب بن أبي بلتعة، فقال لها: إني معطيك عشرة دنانير وكساء، على أن تبلغي إلى أهل مكة كتابا.

فأجابته إلى ذلك، فخرجت إلى مكة، فنزل جبريل-  - في أثرها بالخبر، فقال النبيّ  لعلي والزبير والمقداد: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة معها كتاب، فخذوه منها.

فخرجوا حتى أتوا الروضة، فإذا هي سارة هناك، فقالوا لها: أخرجي الكتاب.

فقالت: ما معي كتاب.

فألحوا عليها، فحلفت أنه ليس معها كتاب، فلم يصدقوها حتى نزعت جميع ثيابها، فرمت بها إليهم.

فنظروا إلى ثيابها، فلم يجدوا فيها الكتاب ونظروا في راحلتها وأمتعتها، فلم يجدوا فيها الكتاب.

فقال بعضهم لبعض: تعالوا حتى نرجع.

فقال علي بن أبي طالب-  - إن جبريل نزل على رسول الله  وأخبره بذلك، فقول المرأة أصدق أم قول جبريل؟

فو الله لا أرجع، حتى آخذ منها الكتاب، ولأحملن رأسها إلى رسول الله  .

وسل السيف ليضرب رأسها، فأخرجت الكتاب من عقاصها.

فأتوا به النبيّ  ، فقرأ الكتاب.

فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، وأخبرهم بأن النبيّ  يريد الخروج إليهم، وذكر: أن محمدا يقصدكم، فخذوا حذركم وإنه أراد بالكتاب إليهم مودتهم، فقام إليه عمر-  - وقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبيّ  : ما هذا يا حاطب؟

فقال: لا تعجل علي يا رسول الله.

إني كنت ملصقا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكل من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهاليهم، فأردت أن أتخذ فيهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت هذا كفرا ولا ارتدادا عن ديني، ولا أرضى بالكفر بعد الإسلام.

وقد علمت أن الله تعالى منجز وعده ما وعد، إلا نصر نبيه محمد  .

قال النبيّ  : «دعوه إنه شهد بدرا، وما يذريك يا عمر لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فإني قد غفرت لكم» ، فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فسماهم مؤمنين لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ يعني: في العون والنصرة.

تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ يعني: تكتبون وتبعثون إليهم بالصحيفة والنصيحة ويقال: معناه تخبرونهم كما يخبر الرجل أهل مودته، حيث توجهون إليهم بالكتاب والمودة والنصيحة.

وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يعني: من القرآن والرسول.

يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ يعني: أخرجوكم من مكة.

أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ يعني: لأجل الإيمان بربكم يعني: بوحدانية رَبِّكُمْ.

إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ يعني: لا تلقون إليهم بالمودة إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي وطلب رضاي.

وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ يعني: ما أسررتم وما أظهرتم، يعني: أسررتم من المودة لأهل الكفر وأعلنتم الإقرار بالتوحيد.

وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ يعني: من يفعل منكم بعد هذا، فقد أخطأ قصد الطريق.

ثم قال عز وجل: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ، وهذا إخبار من الله تعالى للمؤمنين بعداوة كفار مكة إياهم، لكيلا يميلوا إليهم، فقال: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يعني: أن يظهروا عليكم ويقال: إن يأخذوكم ويقال: إن يقهروكم ويغلبوكم.

يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً يعني: يتبين لكم أنهم أعداؤكم، فيظهر لكم عداوتهم عند ذلك.

وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل والتعذيب، وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ يعني: بالشتم.

وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ يعني: تمنوا أن ترجعوا إلى دينهم، فإن فعلتم ذلك بسبب قرابتكم.

لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ يعني: قرابتكم، وَلا أَوْلادُكُمْ الذين كانوا بمكة.

يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ يعني: يفرق بينكم وبينهم يوم القيامة.

قرأ عاصم يَفْصِلُ بنصب الياء وكسر الصاد مع التخفيف يعني: يفصل الله بينكم يوم القيامة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ بضم الياء ونصب الصاد مع التخفيف، على معنى فعل ما لم يسم فاعله والمعنى مثل الأول وقرأ حمزة والكسائي: يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ بضم الياء وكسر الصاد مع التشديد يعني: يفصل الله بينكم والتشديد للتكثير وقرأ ابن عامر: يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ بضم الياء ونصب الصاد مع التشديد، على معنى فعل ما لم يسم فاعله والتشديد للتكثير ويقال الفصل هو القضاء، يعني: يقضي بينكم على هذا.

وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يعني: عالم بأعمالكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة الممتحنة]

وهي مدنيّة بإجماع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ ...

الآية:

المراد بالعدو هاهنا: كُفَّارُ قريش، وسبب نزول هذه الآية حَاطِبُ بن أبي بلتعة وذلك أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أرادَ الخروجَ إلى مَكَّةَ عامَ الحديبية.

ت: بل عام فتح مَكَّةَ، فكتب حاطبٌ إلى قوم من كُفَّارِ مَكَّةَ يخبرهم بقصد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يكن ذلك منه ارتداداً، فنزل الوحي مخبرا بما صنع حاطب، فبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم عَلِيًّا والزبيرَ وثالثاً- قيل هو المقداد- وقال: انطلقوا حَتَّى تأتُوا روضة خاخ، فإنَّ بها ظغينةً معها كتابٌ من حاطبٍ إلى المشركين، فخذوه منها، وخَلُّوا سبيلها، فانطلقوا حَتَّى وجدوا المرأة، فقالوا لها: أَخْرِجِي الكتابَ، فقالت: ما معي كتاب!

ففتشوا رحلها فما وجدوا شيئاً فقال عليّ: ما كذب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا كُذِّب، واللَّهِ، لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِينَّ الثِّيَابَ، فقالَتْ: أَعْرِضُوا عَنِّي، فَحَلَّتْهُ مِنْ قُرُونِ رأسها، فجاؤوا به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ لِحَاطِبٍ: مَنْ كَتَبَ هَذَا؟

فَقَالَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ على مَا صَنَعْتَ؟

فَقَالَ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تعجل عليّ فو الله، مَا كَفَرْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَمَا/ فَعَلْتُ ذَلِكَ ارتدادا عَن دِينِي وَلاَ رَغْبَةً عَنْهُ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ إلاَّ وَلَهُ «١» بِمَكَّةَ مَنْ يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، وَكُنْتُ امرأ مُلْصَقاً فِيهِمْ، وَأَهْلِي بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ، فَخَشِيتُ عَلَيْهِمْ فَأَرَدْتُ أن أتّخذ عندهم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُمْتَحِنَةِ وَهِيَ مَدَنَيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ ﴾ ذَكَرَأهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّها نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وذَلِكَ «أنَّ سارَّةَ مَوْلاةَ أبِي عَمْرِو ابْنِ صَيْفِيِّ بْنِ هاشِمٍ أتَتْ رَسُولَ اللَّهِ  مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، ورَسُولُ اللَّهِ  يَتَجَهَّزُ لِفَتْحِ مَكَّةَ، فَقالَ لَها: "أمُسْلِمَةً جِئْتِ؟" قالَتْ: لا، قالَ: "فَما جاءَ بِكِ؟" قالَتْ: أنْتُمُ الأهْلُ والعَشِيرَةُ والمَوالِي، وقَدِ احْتَجْتُ حاجَةً شَدِيدَةً، فَقَدِمْتُ إلَيْكم لِتُعْطُونِي.

قالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ  : "فَأيْنَ أنْتِ مِن شَبابِ أهْلِ مَكَّةَ؟" وكانَتْ مُغَنِّيَةً، فَقالَتْ ما طُلِبَ مِنِّي شَيْءٌ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، فَحَثَّ رَسُولُ اللَّهِ  بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَكَسَوْها، وحَمَلُوها، وأعْطَوْها، فَأتاها حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، فَكَتَبَ مَعَها كِتابًا إلى أهْلِ مَكَّةَ، وأعْطاها عَشْرَةَ دَنانِيرَ عَلى أنْ تُوصِلَ الكِتابَ إلى أهْلِ مَكَّةَ، [وَكَتَبَ في الكِتابِ: مِن حاطِبٍ إلى أهْلِ مَكَّةَ] إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  يُرِيدُكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فَخَرَجَتْ بِهِ سارَّةُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ  بِما فَعَلَ حاطِبٌ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ  عَلِيًّا، وعَمّارًا، والزُّبَيْرَ، وطَلْحَةَ، والمِقْدادَ، وأبا مَرْثَدٍ، وقالَ: "انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا "رَوْضَةَ خاخٍ"، فَإنَّ فِيها ظَعِينَةً مَعَها كِتابٌ مِن حاطِبٍ إلى المُشْرِكِينَ، فَخُذُوهُ مِنها، وخَلُّوا سَبِيلَها، فَإنْ لَمْ تَدْفَعْهُ إلَيْكم فاضْرِبُوا عُنُقَها" فَخَرَجُوا حَتّى أدْرَكُوها، فَقالُوا لَها: أيْنَ الكِتابُ؟

فَحَلَفَتْ بِاللَّهِ ما مَعَها مِن كِتابٍ، فَفَتَّشُوا مَتاعَها فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا فَهَمُّوا بِالرُّجُوعِ، فَقالَ عَلِيٌّ: واللَّهِ ما كَذَبْنا ولا كُذِبْنا، وسَلَّ سَيْفَهُ، وقالَ: أخْرِجِي الكِتابَ، وإلّا ضَرَبْتُ عُنُقَكِ، فَلَمّا رَأتِ الجِدَّ أخْرَجَتْهُ مِن ذُؤابَتِها، فَخَلَّوْا سَبِيلَها، ورَجَعُوا بِالكِتابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَأرْسَلَ إلى حاطِبٍ، فَأتاهُ، فَقالَ لَهُ: "هَلْ تَعْرِفُ الكِتابَ؟" قالَ: نَعَمْ.

قالَ: "فَما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ؟" فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ ما كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، ولا غَشَشْتُكَ مُنْذُ نَصَحْتُكَ، ولا أحْبَبْتُهم مُنْذُ فارَقْتُهُمْ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُهاجِرِينَ إلّا ولَهُ بِمَكَّةَ مَن يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، وكُنْتُ [غَرِيبًا] فِيهِمْ، وكانَ أهْلِي بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، فَخَشِيتُ عَلى أهْلِي، فَأرَدْتُ أنْ أتَّخِذَ عِنْدَهم يَدًا، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ بِهِمْ بِأْسَهُ، وكِتابِي لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ  وعَذَرَهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَنْهى حاطِبًا عَمّا فَعَلَ، وتَنْهى المُؤْمِنِينَ أنْ يَفْعَلُوا كَفِعْلِهِ، فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "وَما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ، فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" .» وقَدْ أُخْرِجَ هَذا الحَدِيثُ في "الصَّحِيحَيْنِ" مُخْتَصَرًا، وفِيهِ ذِكْرُ عَلِيٍّ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وأبِي مَرْثَدٍ فَقَطْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الباءَ زائِدَةٌ، والمَعْنى: تُلْقُونَ إلَيْهِمُ المَوَدَّةَ، ومِثْلُهُ ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ  ﴾ ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، وأبِي عُبَيْدَةَ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والجُمْهُورِ.

والثّانِي: تُلْقُونَ إلَيْهِمْ أخْبارَ النَّبِيِّ  وسِرَّهُ بِالمَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَكم وبَيْنَهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ كَفَرُوا ﴾ الواوُ لِلْحالِ، وحالُهم أنَّهم كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ، وهو القُرْآنُ "يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ" مِن مَكَّةَ ( أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ) "إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ" هَذا شَرْطٌ، جَوابُهُ مُتَقَدِّمٌ، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي فَلا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ الباءُ في "المَوَدَّةِ" حُكْمُها حُكْمُ الأُولى.

قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: تُسِرُّونَ إلَيْهِمُ النَّصِيحَةَ ﴿ وَأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ ﴾ مِنَ المَوَدَّةِ لِلْكُفّارِ ﴿ وَما أعْلَنْتُمْ ﴾ أيْ: أظْهَرْتُمْ بِألْسِنَتِكم.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: كَيْفَ تَسْتَسِرُّونَ بِمَوَدَّتِكم لَهم مِنِّي وأنا أعْلَمُ بِما تُضْمِرُونَ وما تُظْهِرُونَ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي: الإسْرارَ والإلْقاءَ إلَيْهِمْ ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ أيْ: أخْطَأ طَرِيقَ الهُدى.

ثُمَّ أخْبَرَ بِعَداوَةِ الكُفّارِ فَقالَ تَعالى: ﴿ إنْ يَثْقَفُوكُمْ ﴾ أيْ: يَظْفَرُوا بِكم ﴿ يَكُونُوا لَكم أعْداءً ﴾ لا مُوالِينَ ﴿ وَيَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ ﴾ بِالضَّرْبِ والقَتْلِ ﴿ وَألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ﴾ وهُوَ: الشَّتْمُ ﴿ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ فَتَرْجِعُونَ إلى دِينِهِمْ.

والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُكُمُ التَّقَرُّبُ إلَيْهِمْ بِنَقْلِ أخْبارِ رَسُولِ اللَّهِ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكُمْ ﴾ أيْ: قَراباتُكم.

والمَعْنى: ذَوُو أرْحامِكُمْ، أرادَ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الَّذِينَ عَصَيْتُمُ اللَّهَ لِأجْلِهِمْ، ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "يُفْصَلُ" بِرَفْعِ الياءِ، وتَسْكِينِ الفاءِ، ونَصْبِ الصّادِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ" يُفَصَّلُ" بِرَفْعِ الياءِ، والتَّشْدِيدِ، وفَتْحِ الصّادِ، وافَقَهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا الصّادَ.

وقَرَأ عاصِمٌ، غَيْرَ المُفَضَّلِ، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الصّادِ، وتَخْفِيفِها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ: ( نُفَصِّلُ ) بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ، وفَتْحِ الفاءِ، مَكْسُورَةَ الصّادِ مُشَدَّدَةً.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: ( نَفْصِلُ ) بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ، ساكِنَةَ الفاءِ، مَكْسُورَةَ الصّادِ خَفِيفَةً، أيْ: نَفْصِلُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ وإنْ كانَ ولَدَهُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: في هَذِهِ القِصَّةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الخَوْفَ عَلى المالِ والوَلَدِ لا يُبِيحُ التَّقِيَّةَ في إظْهارِ الكُفْرِ، كَما يُبِيحُ في الخَوْفِ عَلى النَّفْسِ، ويَبِينُ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَرَضَ الهِجْرَةَ، ولَمْ يَعْذُرْهم في التَّخَلُّفِ لِأجْلِ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ.

وإنَّما ظَنَّ حاطِبٌ أنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ لِيَدْفَعَ بِهِ عَنْ ولَدِهِ، كَما يَجُوزُ لَهُ أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ التَّقِيَّةِ، وإنَّما [قالَ] عُمَرُ؛ دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ لِأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أولِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَسُولَ وإيّاكم أنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكم إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ ﴾ "العَدُوُّ" اسْمٌ يَقَعُ لِلْجَمْعِ والمُفْرِدِ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا كَفّارُ قُرَيْشٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  أرادَ الخُرُوجَ إلى مَكَّةَ عامَ الفَتْحِ، فَوَرى عن ذَلِكَ بِخَيْبَرَ، فَشاعَ في الناسِ أنَّهُ خارِجٌ إلى خَيْبَرَ، وأخْبَرَ هو جَماعَةً مِن أصْحابِهِ بِقَصْدِهِ إلى مَكِّهَ، مِنهم حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ إلى قَوْمٍ مِن كَفّارِ مَكَّةَ يُخْبِرُهم بِقَصْدِ رَسُولِ اللهِ  إيّاهُمْ، فَجاءَ الخَبَرُ إلى رَسُولِ اللهِ  بِذَلِكَ فَبَعَثَ عَلِيًّا والزُبَيْرَ وثالِثًا، قِيلَ هو المِقْدادُ، وقِيلَ أبُو مِرْثَدٍ، وقالَ: انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خاخٍ، فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابُ مِن حاطِبٍ إلى المُشْرِكِينَ، فانْطَلَقُوا حَتّى وجَدُوا المَرْأةَ، واسْمُها سارَّةٌ، مَوْلاةٌ لِقَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ بَلْ كانَتِ امْرَأةً مِن مُزَيْنَةَ ولَمْ تَكُنْ سارَّةً، فَقالُوا لَها: أخْرِجِي الكِتابَ، فَقالَتْ: ما مَعِي كِتابٌ، فَفَتَّشُوا جَمِيعَ رَحْلِها فَما وجَدُوا شَيْئًا، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ما مَعَها كِتابٌ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كَذَبَ رَسُولُ اللهِ  ولا كُذِّبَ، واللهِ لِتُخْرِجَنَّ الكِتابَ أو لِنُجَرِّدَنَّكِ، فَقالَتْ: أعْرِضُوا عَنِّي، فَحَلَّتْهُ مِن قُرُونِ رَأْسِها، وقِيلَ: أخْرَجَتْهُ مَن حَجْزَتِها، فَجاءُوا بِهِ رَسُولَ اللهِ  ، فَقالَ لِحاطِبٍ: مَن كَتَبَ هَذا؟

فَقالَ أنا يا رَسُولَ اللهِ، ولَكِنْ لا تَعْجَلْ عَلَيَّ، فَواللهِ ما فَعَلْتُ ذَلِكَ ارْتِدادًا عن دِينِي ولا رَغْبَةً عنهُ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها، فَأحْبَبْتُ أنْ تَكُونَ لِي عِنْدَهم يَدٌ يَرْعَوْنَنِي بِها في قَرابَتِي، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ أضْرِبُ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  "صَدَقَ حاطِبٌ، إنَّهُ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، ولا تَقُولُوا لِحاطِبٍ إلّا خَيْرًا"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِهَذا السَبَبِ.» ورُوِيَ أنْ حاطِبًا كَتَبَ: "إنَّ رَسُولَ اللهِ  يُرِيدُ غَزْوَكم في مِثْلِ اللَيْلِ، والسَيْلِ، وأُقْسِمُ بِاللهِ لَوْ غَزاكم وحْدَهُ لَنَصَرَ عَلَيْكم فَكَيْفَ وهو في جَمٍّ كَثِيرٍ".

و"تُلْقُونَ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "أولِياءَ"، و"ألْقَيْتُ" يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ وبِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ، فَدُخُولُ الباءِ وزَوالُها سَواءٌ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي  ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ  ﴾ ، ورَوى المُعَلّى عن عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: وقَدْ "كَفَرُوا لِما" بِلامٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "يُخْرِجُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "كَفَرُوا" والمَعْنى: يُخْرِجُونَ الرَسُولَ ويُخْرِجُونَكُمْ، وهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَلِذَلِكَ ساقَ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلًا والإخْراجُ قَدْ مَرَّ، وتَضْيِيقُ الكُفّارِ عَلى النَبِيِّ  والمُؤْمِنِينَ إخْراجٌ إذْ كانَ مُؤَدِّيًا إلى الإخْراجِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تُؤْمِنُوا"" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: أخْرِجُوكم مِن أجْلِ أنْ آمَنتُمْ بِرَبِّكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كُنْتُمْ" شَرْطٌ جَوابُهُ مُتَقَدِّمٌ في مَعْنى ما قَبْلُهُ، وجازَ ذَلِكَ لِما لَمْ يَظْهَرْ عَمَلُ الشَرْطِ، والتَقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي فَلا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أولِياءَ، و"جِهادًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ "ابْتِغاءَ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، و"المَرْضاةُ" مَصْدَرٌ كالرِضى، و"تُسِرُّونَ" بَدَلٌ مِن "تُلْقُونَ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَبَرٍ ابْتِداءً، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أنْتُمْ تُسِرُّونَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُرْسَلًا ابْتَدَأ بِهِ القَوْلُ، والإلْقاءُ بِالمَوَدَّةِ مَعْنى ما، والإسْرارُ بِها مَعْنًى زائِدٌ عَلى الإلْقاءِ، فَتَرْجِعُ بِهَذا أنَّ "تُسِرُّونَ" فِعْلٌ ابْتُدِئَ بِهِ القَوْلُ، أيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ وأنا أعْلَمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أعْلَمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أفْعَلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا لِأنَّكَ تَقُولُ "عَلِمْتُ بِكَذا" فَتَدْخُلُ الباءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنا أعْلَمُ" الآيَةُ...

جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ: و"أنا" بِإشْباعِ الألِفِ في الإدْراجِ، وقَرَأ غَيْرُهم "وَأنا" بِطَرْحِ الألِفِ في الإدْراجِ.

والضَمِيرُ في "يَفْعَلُهُ" عائِدٌ عَلى الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، و"سَواءٌ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَفْعُولًا بـِ "ضَلَّ"، وذَلِكَ عَلى تَعَدِّي "ضَلَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا عَلى غَيْرِ التَعَدِّي لِأنَّهُ يَجِيءُ بِالوَجْهَيْنِ، والأوَّلُ أحْسَنُ في المَعْنى، و"السَواءُ": الوَسَطُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَتَساوى نِسْبَتُهُ إلى أطْرافِ الشَيْءِ، و"السَبِيلُ" هُنا شَرْعُ اللهِ تَعالى وطَرِيقُ دِينِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

اتفق المفسرون وثبت في «صحيح الأحاديث» أن هذه الآية نزلت في قضية الكتاب الذي كتب به حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العُزّى من قريش.

وكان حاطب من المهاجرين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل بدر.

وحاصل القصة مأخوذة مما في «صحيح الآثار» ومشهور السيرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد تجهّز قاصداً مكة.

قيل لأجل العمرة عام الحديبية، وهو الأصح، وقيل لأجل فتح مكة وهو لا يستقيم، فقدمتْ أيامئذٍ من مكة إلى المدينة امرأة تسمّى سارة مولاةٌ لأبي عَمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف وكانت على دين الشرك فقَالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنتم الأهل والموالي والأصل والعشيرة وقد ذهب الموالي (تعني من قُتل من مواليها يوم بدر).

وقد اشتدت بي الحاجة فقدمتُ عليكم لتعطوني وتكسوني فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب على إعطائها، فكسوها وأعطوها وحملوها، وجاءها حاطب بن أبي بلتعة فأعطاها كتاباً لتبلغه إلى من كتب إليهم من أهل مكة يخبرهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج إليهم، وآجرها على إبلاغه فخرجت، وأوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث عليّاً والزبير والمقدادَ وأبا مرثد الغَنوي، وكانوا فرساناً.

وقال: انطلقوا حتى تأتوا رَوضة خَاخخٍ، فإنّ بها ظعينة ومعها كتاب من حاطب إلى المشركين فخذوه منها وخلّوا سبيلها.

فخرجوا تتعادى بهم خيلهم حتى بلغوا روضة خاخ فإذا هم بالمرأة.

فقالوا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، فقالوا: لتخرجنَّ الكتاب أو لَنُلْقِيّنَ الثّياب (يعنون أنهم يجردونها) فأخرجته من عقاصها، وفي رواية من حُجْزتها.

فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا حاطب ما هذا؟

قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله.

فإني كنت امرأ ملصقاً في قريش وكان لمن كان معك من المهاجرين قرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمُون بها قرابتي (يريد أمه وإخوته)، ولم أفعله كُفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضىً بالكفر بعد الإِسلام.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم صَدقَ.

فقال عمر: دعني يا رسول الله أضربْ عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنه قد شهد بدراً وما يُدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " وقال: لا تقولوا لحاطب إلاّ خيراً فأنزل الله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ الآيات.

والظاهر أن المرأة جاءت متجسسة إذ ورد في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمِّن يوم الفتح أربعةً منهم هذه المرأة لكن هذا يعارضه ما جاء في رواية القصة من قول النبي صلى الله عليه وسلم " خذوا منها الكتاب وخَلُّوا سبيلها " وقد وجه الخطاب بالنهي إلى جميع المؤمنين تحذيراً من إتيان مثل فعل حاطب.

والعدوّ: ذو العداوة، وهو فعول بمعنى فاعل من: عدا يعدو، مثل عفوّ.

وأصله مصدر على وزن فعول مثل قَبول ونحوه من مصادر قليلة.

ولكونه على زنة المصادر عومل معاملة المصدر فاستوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والمثنى والجمع.

قال تعالى: ﴿ فإنهم عدو لي ﴾ [الشعراء: 77]، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم ﴾ في سورة [النساء: 92].

والمعنى: لا تتخذوا أعدائي وأعداءكم أولياء.

والمراد العداوة في الدين فإن المؤمنين لم يبدأوهم بالعداوة وإنما أبدى المشركون عداوة المؤمنين انتصاراً لشركهم فعدُّوا من خرجوا عن الشرك أعداء لهم.

وقد كان مشركو العرب متفاوتين في مناواة المسلمين فإن خزاعة كانوا مشركين وكانوا موالين النبي.

فمعنى إضافة عدوّ إلى ياء التكلم على تقدير: عدوّ ديني، أو رسولي.

والاتخاذ: افتعال من الأخذ صيغ الافتعال للمبالغة في الأخذ المجازي فأطلق على التلبس والملازمة.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ في سورة [النساء: 71].

ولذلك لزمه ذكر حال بعد مفعوله لتدل على تعيين جانب المعاملة من خير أو شر.

فعومل هذا الفعل معاملة صيَّر.

واعتبرت الحال التي بعده بمنزلة المفعول الثاني للزوم ذكرها وهل المفعول الثاني من باب ظن وأخواته إلا حال في المعنى، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ أتتخذ أصناماً إلهة ﴾ في سورة [الأنعام: 74].

وجملة تلقون إليهم بالمودة } في موضع الحال من ضمير ﴿ لا تتخذوا ﴾ ، أو في موضع الصفة ل ﴿ أولياء ﴾ أو بيان لمعنى اتخاذهم أولياء.

ويجوز أن تكون جملة في موضع الحال من ضمير ﴿ لا تتخذوا ﴾ لأن جعلها حالاً يتوصل منه إلى التعجيب من إلقائهم إليهم بالمودة.

والإِلقاء حقيقته رمي ما في اليد على الأرض.

واستعير لإيقاع الشيء بدون تدبر في موقعه، أي تصرفون إليهم مودتكم بغير تأمل.

قال تعالى: ﴿ فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون ﴾ في سورة [النحل: 86].

والباء في بالمودة } لتأكيد اتصال الفعل بمفعوله.

وأصل الكلام: تلقون إليهم المودة، كقوله تعالى: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ [البقرة: 195] وقوله: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6] وذلك تصوير لقوة مودتهم لهم.

وزيد في تصوير هذه الحالة بجملة الحال التي بعدها وهي ﴿ وقد كفروا بما جاءكم من الحق ﴾ وهي حال من ضمير ﴿ إليهم ﴾ أو من ﴿ عدوي ﴾ .

«وما جاءكم من الحق» هو القرآن والدين فذكر بطريق الموصولية ليشمل كل ما أتاهم به الرسول صلى الله عليه وسلم على وجه الإِيجاز مع ما في الصلة من الإِيذان بتشنيع كفرهم بأنه كفر بما ليس من شأنه أن يكفر به طلاب الهدي فإن الحق محبوب مرغوب.

وتعدية جاء إلى ضمير المخاطبين وهم الذين آمنوا لأنهم الذين انتفعوا بذلك الحق وتقبلوه فكأنه جاء إليهم لا إلى غيرهم وإلاّ فإنه جاء لدعوة الذين آمنوا والمشركين فقبله الذين آمنوا ونبذه المشركون.

وفيه إيماء إلى أن كفر الكافرين به ناشئ عن حسدهم الذين آمنوا قبلهم.

وفي ذلك أيضاً إلهاب لقلوب المؤمنين ليحذروا من موالاة المشركين.

وجملة ﴿ يخرجون الرسول وإياكم ﴾ حال من ضمير ﴿ كفروا ﴾ ، أي لم يكتفوا بكفرهم بما جاء من الحق فتلبسوا معه بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم وإخراجكم من بلدكم لأنْ تؤمنوا بالله ربكم، أي هو اعتداء حملهم عليه أنكم آمنتم بالله ربكم.

وأن ذلك لا عذر لهم فيه لأن إيمانكم لا يضيرهم.

ولذلك أجري على اسم الجلالة وصف ربِّكم على حدّ قوله تعالى: ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ [الكافرون: 1 3] ثم قال: ﴿ لكم دينكم ولي دين ﴾ [الكافرون: 6].

وحكيت هذه الحالة بصيغة المضارع لتصوير الحالة لأن الجملة لما وقعت حالاً من ضمير ﴿ وقد كفروا ﴾ كان إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في تلك الحالة عملاً فظيعاً، فأريد استحضار صورة ذلك الإِخراج العظيم فظاعة اعتلالهم له.

والإِخراج أريد به: الحمل على الخروج بإتيان أسباب الخروج من تضييق على المسلمين وأذى لهم.

وأسند الإِخراج إلى ضمير العدوّ كلهم لأن جميعهم كانوا راضين بما يصدر من بعضهم من أذى المسلمين.

وربما أغْرَوا به سفهاءهم، ولذلك فالإِخراج مجاز في أسبابه، وإسناده إلى المشركين إسناد حقيقي.

وهذه الصفات بمجموعها لا تنطبق إلا على المشركين من أهل مكة ومجموعها هو علة النهي عن موادتهم.

وجيء بصيغة المضارع في قوله تعالى: ﴿ أن تؤمنوا ﴾ ، لإِفادة استمرار إيمان المؤمنين وفيه إيماء إلى الثناء على المؤمنين بثباتهم على دينهم، وأنهم لم يصدهم عنه ما سبَّب لهم الخروج من بلادهم.

وقوله: ﴿ إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي ﴾ شرط ذُيّل به النهي من قوله: ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ .

وهذا مقام يستعمل في مثله الشرطُ بمنزلة التتميم لما قبله دون قصد تعليق ما قبله بمضمون فعل الشرط، أي لا يقصد أنه إذا انتفى فعل الشرط انتفى ما عُلق عَليه كما هو الشأن في الشروط بل يقصد تأكيد الكلام الذي قبله بمضمون فعل الشرط فيكون كالتعليل لِما قبله، وإنما يؤتى به في صورة الشرط مع ثقة المتكلم بحصول مضمون فعل الشرط بحيث لا يُتوقع من السامع أن يحصل منه غيرُ مضمون فعل الشرط فتكون صيغة الشرط مراداً بها التحذير بطريق المجاز المرسل في المركَّب لأن معنى الشرط يلزمه التردد غالباً.

ولهذا يؤتى بمثل هذا الشرط إذا كان المتكلم واثقاً بحصول مضمونه متحققاً صحة ما يقوله قبل الشرط.

كما ذكر في «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿ إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا إن كنا أول المؤمنين ﴾ في سورة [الشعراء: 51]، في قراءة من قرأ إن كنا أول المؤمنين بكسر همزة (إنْ) وهي قراءة شاذة فتكون (إن) شرطية مع أنهم متحققون أنهم أول المؤمنين فطمعوا في مغفرة خطاياهم لتحققهم أنهم أول المؤمنين، فيكون الشرط في مثله بمنزلة التعليل وتكون أداة الشرط مثل (إذْ) أو لام التعليل.

وقد يَأتِي بمثل هذا الشرط مَن يُظهر وجوب العمل على مقتضى ما حصل من فعل الشرط وأن لا يخالَف مقتضاه كقوله تعالى: ﴿ واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ﴾ [الأنفال: 41] إلى قوله: ﴿ إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ﴾ [الأنفال: 41]، أي فإيمانكم ويقينكم مما أنزلنا يوجبان أن ترضوا بصرف الغنيمة للأصناف المعيّنة من عند الله.

ومنه كثير في القرآن إذا تتبعتَ مواقعه.

ويغلب أن يكون فعل الشرط في مثله فعل كون إيذاناً بأن الشرط محقق الحصول.

وما وقع في هذه السورة من هذا القبيل فالمقصود استقرار النهي عن اتخاذ عدوّ الله أولياء وعقب بفرض شرطه موثوق بأن الذين نهوا متلبسون بمضمون فعل الشرط بلا ريب، فكان ذكر الشرط مما يزيد تأكيد الانكفاف.

ولذلك يجَاء بمثل هذا الشرط في آخر الكلام إذ هو يشبه التتميم والتذييل، وهذا من دقائق الاستعمال في الكلام البليغ.

قال في «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ﴾ في سورة [الفرقان: 42] و(لولا) في مثل هذا الكلام جارٍ من حيث المعنى لا من حيث الصنعة مَجرى التقييد للحكم المطلق.

وقال هنا إن كنتم خرجتم } متعلق ب ﴿ لا تتخذوا ﴾ وقول النحويين في مثله على أنه شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه.

اه.

يعني أن فرقاً بين كلام النحويين وبين ما اختاره هُو مِنْ جَعْله متعلقاً ب ﴿ لا تتخذوا ﴾ فإنه جعل جواب الشرط غير منوي.

قلت: فينبغي أن يعد كلامه من فروق استعمال الشروط مثل فروق الخبر وفروق الحال المبوب لكليهما في كتاب «دلائل الإِعجاز».

وكلام النحاة جرى على غالب أحوال الشروط التي تتأخر عن جوابها نحو: اقبَل شفاعة فلان إنْ شَفِع عندك، وينبغي أن يتطلب لتقديم ما يدل على الجواب المحذوف إذَا حذف نكتة في غير ما جرى على استعمال الشرط بمنزلة التذييل والتتميم.

وأداة الشرط في مثله تشبه ﴿ إنْ ﴾ الوصلية و(لو) الوصلية، ولذلك قال في «الكشاف» هنا: إن جملة ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ متعلقة ب ﴿ لا تتخذوا ﴾ يعني تعلقَ الحال بعاملها، أي والحال حالُ خروجكم في سبيل الله وابتغائكم مَرضاتَه بناء على أن شرط ﴿ إن ﴾ .

و(لو) الوصليّتين يعتبر حالاً.

ولا يعكر عليه أن شرطهما يقترن بواو الحال لأن ابن جنّي والزمخشري سوّغا خلوَّ الحال في مثله عن الواو والاستعمال يشهد لهما.

والمعنى: لا يقع منكم اتخاذ عدوي وعدوكم أولياء ومودّتهم، مع أنهم كفروا بما جاءكم من الحق، وأخرجوكم لأجل إيمانكم.

إن كنتم خرجتم من بلادكم جهاداً في سبيلي وابتغاءَ مرضاتي، فكيف تُوالون من أخرجوكم وكان إخراجهم إياكم لأجلي وأنا ربكم.

والمراد بالخروج في قوله: ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ الخروج من مكة مهاجَرة إلى المدينة.

فالخطاب خاص بالمهاجرين على طريقة تخصيص العموم في قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ روعي في هذا التخصيص قرينة سبب نزول الآية على حادث حاطب بن أبي بلتعة.

و ﴿ جهاداً ﴾ ، و ﴿ ابتغاءَ مرضاتي ﴾ مصدران منصوبان على المفعول لأجله.

﴿ مَرْضَاتِى تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ ﴾ .

يجوز أن تكون الجملة بياناً لجملة ﴿ تلقون إليهم بالمودة ﴾ ، أو بدل اشتمال منها فإن الإسرار إليهم بالمودة مما اشتمل عليه الإِلقاء إليهم بالمودة.

والخبر مستعمل في التوبيخ والتعجيب، فالتوبيخ مستفاد من إيقاع الخبر عقب النهي المتقدم، والتعجيب مستفاد من تعقيبه بجملة ﴿ وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ﴾ ، أي كيف تظنون أن إسراركم إليهم يخفى علينا ولا نطلع عليه رسولنا.

والإِسرار: التحدث والإِخبار سراً.

ومفعول ﴿ تسرون ﴾ يجوز أن يكون محذوفاً يدل عليه السياق، أي تخبرونهم أحوال المسلمين سراً.

وجيء بصيغة المضارع لتصوير حالة الإِسرار إليه تفظيعاً لها.

والباء في ﴿ بالمودة ﴾ للسببية، أي تخبرونهم سراً بسبب المودة أي بسبب طلب المودة لهم كما هو في قضية كتاب حاطب.

ويجوز أن يكون ﴿ بالمودة ﴾ في محل المفعول لفعل ﴿ تسرون ﴾ والباءُ زائدةً لتأكيد المفعولية كالباء في قوله تعالى: ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6].

وجملةُ ﴿ وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ تسرون ﴾ أو مُعترضةٌ، والواو اعتراضية.

وهذا مناط التعجيب من فعل المعرَّض به وهو حَاطب بن أبي بلتعة.

وتقديم الإِخفاء لأنه المناسب لقوله: ﴿ وأنا أعلم ﴾ .

ولموافقته للقصة.

و ﴿ أعلم ﴾ اسم تفضيل والمفضل عليه معلوم من قوله: ﴿ تسرون إليهم ﴾ فالتقدير: أعلم منهم ومنكم بما أخفيتم وما أعلنتم.

والباء متعلقة باسم التفضيل وهي بمعنى المصاحبة.

﴿ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ﴾ .

عطف على جملة النهي في قوله تعالى: ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ ، عُطف على النهي التوعدُ على عدم الانتهاء بأن من لم ينته عما نُهي عنه هو ضالّ عن الهُدَى.

وضمير الغيبة في ﴿ يفعله ﴾ عائد إلى الاتخاذ المفهوم من فعل ﴿ لا تتخذوا عدوي ﴾ أي ومن يفعل ذلك بعد هذا النهي والتحذير فهو قد ضلّ عن سواء السبيل.

و ﴿ سواء السبيل ﴾ مستعار لأعمال الصلاح والهُدَى لشبهها بالطريق المستوي الذي يَبلُغ من سلكه إلى بغيته ويقع من انحرف عنه في هلكة.

والمراد به هنا ضلّ عن الإِسلام وضلّ عن الرشد.

و ﴿ مَن ﴾ شرطية الفعل بعدها مستقبل وهو وعيد للذين يفعلون مثل ما فعل حاطب بعد أن بلغهم النهي والتحذير والتوبيخ والتفظيع لعمله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا أرادَ التَّوَجُّهَ إلى مَكَّةَ أظْهَرَ أنَّهُ يُرِيدُ خَيْبَرَ، وكَتَبَ حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ إلى أهْلِ مَكَّةَ أنَّ النَّبِيَّ  خارِجٌ إلَيْهِمْ وأرْسَلَ مَعَ امْرَأةٍ ذُكِرَ أنَّها سارَّةُ مَوْلاةٌ لِبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ  بِذَلِكَ، فَأنْفَذَ عَلِيًّا وأبا مِرْثَدٍ، وقِيلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وقِيلَ الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقالَ لَهُما، اذْهَبا إلى رَوْضَةِ خاخَ فَإنَّكم سَتَلْقَوْنَ بِها امْرَأةً مَعَها كِتابٌ فَخُذاهُ وعُودا، فَأتَيا المَوْضِعَ فَوَجَداها والكِتابُ مَعَها، فَأخَذاهُ وعادا، فَإذا هو كِتابُ حاطِبٍ فَقالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ أضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَدْ خانَ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقالَ  قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، فَقالُوا: بَلى ولَكِنَّهُ قَدْ نَكَثَ وظاهَرَ أعْداءَكَ عَلَيْكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  فَلَعَلَّ اللَّهُ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنِّي بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.

فَفاضَتْ عَيْنا عُمَرَ وقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ [ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  لِحاطِبٍ] ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ؟

فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ امْرَأً مُصَلَّقًا مِن قُرَيْشٍ وكانَ لِي بِها مالٌ فَكَتَبْتُ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  صَدَقَ حاطِبٌ فَلا تَقُولُوا لَهُ إلّا خَيْرًا.

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي بَعْدَها.

» وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُعْلِمُونَهم سِرًّا أنَّ بَيْنَكم وبَيْنَهم مَوَدَّةً.

الثّانِي: تُعْلِمُونَهم سِرًّا بِأحْوالِ النَّبِيِّ  بِمَوَدَّةٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والحميدي وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل «عن عليّ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فائتوني به، فخرجنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب.

قالت: ما معي كتاب.

قلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا حاطب؟

قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله، إني كنت امرأ ملصقاً من قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم: قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق، فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه، فقال إنه شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، ونزلت فيه ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ﴾ » .

وأخرج أبو يعلى وابن المنذر من طريق الحارث عن علي قال: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي مكة أسر إلى ناس من أصحابه أنه يريد الدخول إلى مكة منهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، فكتب حاطب إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثني أنا ومن معي فقال: ائتوا روضة خاخ فذكر له ما تقدم فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ الآية.

وأخرج ابن المنذرر من طريق قتادة وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في الآية قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم السيرورة من الحديبية إلى مشركي قريش كتب إليها حاطب بن أبي بلتعة يحذرهم، فأطلع الله نبيه على ذلك، فوجد الكتاب مع امرأة في قرن من رأسها فقال له: ما حملك على الذي صنعت؟

قال: أما والله ما ارتبت في أمر الله، ولا شككت فيه، ولكنه كان لي بها أهل ومال، فأردت مصانعة قريش، وكان حليفاً لهم، ولم يكن منهم، فأنزل الله فيه القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ﴾ الآية، قال: نزلت في رجل كان مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة من قريش كتب إلى أهله وعشيرته بمكة يخبرهم وينذرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سائر إليهم، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحيفته فبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأتاه بها.

وأخرج أبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: «كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين بكتاب فجيء به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا حاطب ما دعاك إلى ما صنعت؟

قال: يا رسول الله كان أهلي فيهم فخشيت أن يصرموا عليهم، فقلت: أكتب كتاباً لا يضر الله ورسوله، فقلت: أضرب عنقه يا رسول الله فقد كفر، فقال: وما يدريك يا ابن الخطاب أن يكون الله أطلع على أهل العصابة من أهل بدر؟

فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» .

وأخرج ابن مردويه من طريق شهاب «عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، وحاطب رجل من أهل اليمن كان حليفاً للزبير بن العوام من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد شهد بدراً، وكان بنوه وإخوته بمكة، فكتب حاطب وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة إلى كفار قريش بكتاب ينتصح لهم فيه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير، فقال لهما انطلقا حتى تدركا امرأة معها كتاب، فخذا الكتاب، فائتياني به، فانطلقا حتى أدركا المرأة بحليفة بني أحمد، وهي من المدينة على قريب من اثني عشر ميلاً، فقالا لها: أعطينا الكتاب الذي معك.

قالت: ليس معي كتاب.

قالا كذبت قد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن معك كتاباً، والله لتعطين الكتاب الذي معك أو لا نترك عليك ثوباً إلا التمسنا فيه.

قالت: أو لستم بناس مسلمين؟

قالا: بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن معك كتاباً حتى إذ ظنت أنهما ملتمسان كل ثوب معها حلت عقاصها، فأخرجت لهما الكتاب من بين قرون رأسها كانت قد اعتقصت عليه، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً، قال: أنت كتبت هذا الكتاب؟

قال: نعم قال: فما حملك على أن تكتب به؟

قال حاطب: أما والله ما ارتبت منذ أسلمت في الله عز وجل، ولكني كنت امرأ غريباً فيكم أيها الحيّ من قريش وكان لي بنون وإخوة بمكة فكتبت إلى كفار قريش بهذا الكتاب لكي أدفع عنهم، فقال عمر: ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه فإنه قد شهد بدراً، وإنك لا تدري لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني غافر لكم ما عملتم فأنزل الله في ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ﴾ حتى بلغ ﴿ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ﴾ » .

أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عروة مرسلاً.

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الفتح إلا أربعة: عبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأم سارة، فذكر الحديث قال: وأما أم سارة فإنها كانت مولاة لقريش فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه الحاجة، فأعطاها شيئاً، ثم أتاها رجل، فبعث معها بكتاب إلى أهل مكة يتقرب بذلك إليها لحفظ عياله، وكان له بها عيال، فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فبعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فلقياها في الطريق، ففتشاها، فلم يقدرا على شيء معها، فأقبلا راجعين، ثم قال أحدهما لصاحبه: والله ما كذبنا ولا كذبنا ارجع بنا إليها، فرجعا إليها، فسلاّ سيفهما، فقالا: والله لنذيقنك الموت أو لتدفعنّ إلينا الكتاب، فأنكرت، ثم قالت: أدفعه إليكما على أن لا ترداني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبلا ذلك منها فحلت عقاص رأسها، فأخرجت الكتاب من قرن من قرونها، فدفعته إليهما، فرجعا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إليه، فدعا الرجل فقال: ما هذا الكتاب؟

فقال: أخبرك يا رسول الله أنه ليس من رجل ممن معك إلا وله بمكة من يحفظ عياله، فكتبت بهذا الكتاب ليكونوا لي في عيالي، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: «كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين كتاباً يذكر فيه مسير النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث به مع امرأة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبها فأخذ الكتاب منها فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا حاطباً فقال: أنت كتبت هذا الكتاب؟

قال: نعم يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله، وما كفرت منذ أسلمت ولا شككت منذ استيقنت، ولكني كنت امرأ لا نسب لي في القوم، إنما كنت حليفهم، وفي أيديهم من أهلي ما قد علمت، فكتبت إليهم بشيء قد علمت أن لن يغني عنهم من الله شيئاً أراده أن أدرأ به عن أهلي ومالي، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله خلّ عني وعن عدوّ الله هذا المنافق فأضرب عنقه، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظراً عرف عمر أنه قد غضب، ثم قال: ويحك يا عمر بن الخطاب وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل موطن من مواطن الخير فقال للملائكة: اشهدوا أني قد غفرت لأعبدي هؤلاء فليعملوا ما شاؤوا؟» قال عمر: الله ورسوله أعلم.

قال: «إنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر إنهم أهل بدر، فاجتنب أهل بدر إنهم أهل بدر فاجتنب أهل بدر» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد «عن جابر أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد غزوهم، فدلّ النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة التي معها الكتاب، فأرسل إليها، فأخذ كتابها من رأسها، فقال: يا حاطب أفعلت؟

قال: نعم أما إني لم أفعل غشاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نفاقاً قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له غير أني كنت غريباً بين ظهرانيهم، وكانت والدتي فأردت أن أخدمها عندهم، فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا؟

قال: أتقتل رجلاً من أهل بدر، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم» .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي «عن جابر أن عبداً لحاطب بن أبي بلعتة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشتكي حاطباً فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدراً والحديبية» .

وأخرج ابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: اسم الذي أنزلت فيه ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ حاطب بن أبي بلتعة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: «ذكر لنا أن حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكة يحذرهم سيرورة رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال له نبي الله: ما حملك على الذي صنعت؟

قال: أما والله ما شككت في أمري، ولا ارتبت فيه، ولكن كان لي هناك مال وأهل، فأردت مصانعة قريش على أهلي ومالي، وذكر لنا أنه كان حليفاً لقريش، ولم يكن من أنفسهم، فأنزل الله القرآن وقال: ﴿ إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴾ إلى قوله: ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ قال: يقول فلا تأسوا في ذلك فإنها كانت موعدة وعدها إياه ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا يقول: لا تظهرهم علينا ففتنوا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا لأنهم أولى بالحق منا» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ إلى قوله: ﴿ بما تعملون بصير ﴾ قال: في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش يحذرونهم.

وفي قوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه ﴾ قال: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفروا للمشركين، وفي قوله: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ قال: لا تعذبنا بأيديهم ولا تعذب من عبدك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا.

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ﴿ لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ﴾ إلى قوله: ﴿ بصير ﴾ في مكاتبة حاطب بن أبي بلتعة ومن معه إلى كفار قريش يحذرونهم، وقوله: ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ نهو أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه، وقوله: ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك، فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة ﴾ قال: في صنع إبراهيم كله إلا في الاستغفار لأبيه لا يستغفر له وهو مشرك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ﴾ يقول: لا تسلطهم علينا فيفتنونا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ قال جماعة أهل التفسير: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى مشركي قريش يخبرهم بمسير النبي -  - إليهم لما قصد فتح مكة، فأنزل الله ينهاه عن موالاة الكفار (١) قوله تعالى: ﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ﴾ قال صاحب النظم: هو وصف للنكرة التي هي أولياء (٢) (٣) (٤) قال الفراء، وأبو عبيدة، والكسائي: الباء في ﴿ بِالْمَوَدَّةِ ﴾ زيادة كهي في قوله: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ﴾ (٥) هُنَّ الحرائرُ لا رَبَّاتُ أَخْمِرَةٍ ...

سُودُ المحاجِر لا يقرَأْنَ بالسَّوَرِ (٦) قال: الباء فصل، والمعنى: لا يقرأن السور.

وقال الكسائي: يقال: رميت إليه بما في قلبي، وما في نفسي وألقيت إليك ما في نفسي وبما في نفسي كلام عربي (٧) وقال أبو إسحاق: المعنى يلقون إليهم أخبار النبي -  - وسره بالمودة التي بينكم وبينهم، ودليل هذا القول قوله: ﴿ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ﴾ (٨) قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ كَفَرُوا ﴾ الواو (٩) (١٠) ﴿ بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ﴾ قال مقاتل: يعني القرآن (١١) ﴿ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ﴾ يعني من مكة ﴿ أَنْ تُؤْمِنُوا ﴾ أي لأن تؤمنوا (١٢) قوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ ﴾ قال الزجاج: هو شرط جوابه متقدم، وهو قوله: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ .

(١٣) قوله: ﴿ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ﴾ منصوبان لأنهما مفعولان لهما (١٤) وقوله: ﴿ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ﴾ قال مقاتل: بالنصيحة (١٥) (١٦) ثم ذكر أنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، فقال: ﴿ وَأَنَا أَعْلَمُ ﴾ أي: من كل أحد ﴿ بِمَا أَخْفَيْتُمْ ﴾ من المودة للكفار ﴿ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ﴾ أي أظهرتم بألسنتكم منها، ويجوز أن يكون عاماً في كل ما يخفى ويعلن.

﴿ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ ﴾ يجوز رجوع الكناية إلى الإسرار وإلى الإلقاء، وإلى اتخاذ الكفار أولياء، لأن هذه الأفعال قد ذكرت وهي تدل على المصادر (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ قال ابن عباس: قصد الإيمان (١٨) (١٩) (١) أخرجه عامة المفسرين وأصحاب كتب السنة.

انظر: "تفسير مقاتل" 150 ب، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 286، و"جامع البيان" 28/ 38، و"أسباب النزول" للواحدي ص 485، و"فتح الباري" 8/ 633 - 634، "صحيح مسلم"، فضائل الصحابة، "سنن الترمذي"، كتاب التفسير، و"الدر" 6/ 302 (٢) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 728، و"التفسير الكبير" 29/ 297.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 149.

(٤) انظر: "الكشاف" 4/ 86، و"التفسير الكبير" 29/ 297.

(٥) من الآية (25) من سورة الحج.

وانظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 147، و"تهذيب اللغة" 4/ 422 (لحد) ونسبه لبعض أهل اللغة.

(٦) والحرائر: جمع حرة، والربات: رَبّة بمعنى الصاحبة.

والأحمرة: جمع حمار، وروى: أخمرة.

وسود المحاجر: الإماء السود، والمحاجر: جمع محجر وهو من الوجه حيث يقع عليه النقاب.

ولم أجد البيت عند أبي عبيدة.

وفي اللسان (لحد) نسبه لحميد الأرقط.

وهو في "ديوان الراعي" ص 110 وانظر: "مجالس ثعلب" ص 365، و"جمهرة اللغة" 3/ 414، ونسبه للقتال الكلابي، وهو في "ديوانه" ص 53، وفي "معجم البلدان" 4/ 237، ونسبه للقتال.

(٧) انظر: "إيضاح الشعر" للفارسي ص 481، و"اللسان" 3/ 42 (قرأ).

(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 155.

(٩) في (ك): (والواو).

(١٠) انظر: "الكشاف" 4/ 86.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 151 أ.

(١٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 149، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 412.

(١٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 156.

(١٤) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 412، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 728.

(١٥) انظر: "تفسير مقاتل" 151 أ، و"التفسير الكبير" 29/ 298.

(١٦) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 461.

(١٧) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 412، و"الكشاف" 4/ 86، و"زاد المسير" 8/ 233، و"التفسير الكبير" 29/ 298.

(١٨) لم أجده بهذا اللفظ، وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 51.

(١٩) انظر: "تفسير مقاتل" 151 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ العدو يطلق على الواحد والجماعة، والمراد به هنا كفار قريش، وهذه الآية نزلت بسبب حاطب بن أبي بلتعة، وذلك «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى مكة عام الحديبية، فورَّى عن ذلك بخيبر.

فشاع في الناس أنه خارج إلى خيبر، وأخبر هو جماعةً من كبار أصحابه بقصده إلى مكة.

منهم حاطب فكتب بذلك حاطب إلى قوم من أهل مكة، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء.

فبعث علي بن أبي طالب والزبير والمقداد وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاب إلى المشركين، فانطلقوا حتى وجدوا المرأة فقالوا لها: أخرجي الكتاب.

فقالت: ما معي كتاب، ففتشقوا جميع رحلها فما وجدوا شيئاً فقال بعضهم: ما معها كتاب.

فقال عليّ بن أبي طالب: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذب الله، والله لتخرجنَّ الكتاب أو لنجردنك.

قالت: أعرضوا عني، فأخرجته من قرون رأسها وضفائرها وقيل: أخرجته من حجزتها فجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لحاطب: من كتب هذا؟

قال: أنا يا رسول الله.

ولكن لا تعجل عليّ، فوالله ما فعلت ذلك ارتداداً عن ديني، ولا رغبة في الكفر، ولكني كنت أمرأ ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسها، فأحببت أن تكون لي عندهم يد يرعونني بها في قرابتي، فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق حاطب إنه من أهل بدر، وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم.

لا تقولوا لحاطب إلا خيراً.

فنزلت الآية» عتاباً لحاطب وزجراً عن أن يفعل أحد مثل فعله، وفيها مع ذلك تشريف له، لأن الله شهد له بالإيمان في قوله يا أيها الذين آمنوا.

﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة ﴾ عبارة عن إيصال المودّة إليهم، وألقى يتعدى بحرف جر وبغير حرف جر كقوله: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ [طه: 39] وهذه الجملة في موضع الحال من الضمير في قوله: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ﴾ أو في موضع الصفة لأولياء أو استئناف ﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ ﴾ حال من الضمير في ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ﴾ أو في تلقون ﴿ يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ ﴾ أي يرخجون الرسول ويخرجونكم: يعني إخراجهم من مكة، فإنهم ضيقوا عليهم وآذوهم حتى خرجوا منها مهارجين إلى المدينة، ومنهم من خرج إلى ارض الحشبة ﴿ أَن تُؤْمِنُواْ ﴾ مفعول من أجله أي يخرجونكم من أجل إيمانكم ﴿ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي ﴾ جواب هذا الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو: لا تتخذوا، والتقدير إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء، وجهاداً مصدر في موضع الحال أو مفعول من أجله وكذلك ابتغاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يفصل ﴾ ثلاثياً معلوماً: عاصم غير المفضل وسهل ويعقوب ﴿ يفصل ﴾ بالتشديد: حمزة وعلي وخلف.

مثله ولكن مجهولاً: ابن ذكوان.

الآخرون: ثلاثياً مجهولاً ﴿ في إبراهام ﴾ كنظائره ﴿ أن تولوهم ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ تمسكوا ﴾ بالتشديد: أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف ﴿ من الحق ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل الحال من ضمير ﴿ كفروا ﴾ والاستئناف ﴿ بالله ربكم ﴾ ط ﴿ أعلنتم ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ تكفرون ﴾ ه ﴿ أولادكم ﴾ ج لاحتمال تعلق الظرف بـ ﴿ لن تنفعكم ﴾ أو يفصل ﴿ يوم القيامة ﴾ ج بناء على المذكور ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ والذين معه ﴾ ج لأن الظرف قد يتعلق باذكر محذوفاً أو أسوة ﴿ من دون الله ﴾ ط لأن ما بعد مستأنف في النظم وإن كان متصلاً في المعنى ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ لنا ربنا ﴾ ه للابتداء بأن مع أن التقدير فإنك ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ مودة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ إليهم ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ تولوهم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ فامتحنوهنّ ﴾ ط ﴿ بإيمانهنّ ﴾ ط ﴿ الكفار ﴾ ط ﴿ لهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ أجورهنّ ﴾ ط ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ حكم الله ﴾ ط ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ز ﴿ ما أنفقوا ﴾ ط ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ لهنّ الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ القبور ﴾ ه.

التفسير: يروى أن مولاة أبي عمرو ابن صيفي بن هاشم يقال لها سارة، أتت رسول الله  بالمدينة وهو متجهز لفتح مكة فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دناينر وكساها برداً واستحملها كتاباً إلى أهل مكة هذه نسخته " من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة.

اعلموا أن رسول الله  يريدكم فخذوا حذركم".

فخرجت سارة ونزل جبريل  بالخبر، فبعث رسول الله  علياً  وعماراً وعمرو فرساناً أخر وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فإن أبت فاضربوا عنقها.

فأدركوها فجحدته وحلفت فهموا بالرجوع فقال علي  : والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله  وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب أن تضعي رأسك فأخرجته من عقاص شعرها.

فقال رسول الله عليه وسلم لحاطب: ما حملك عليه؟

فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ولكني كنت غريباً في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئاً فصدّقه وقبل عذره فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق.

فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم وأنزلت السورة.

و ﴿ تلقون ﴾ مستأنف أو حال من ضمير ﴿ لا تتخذوا ﴾ أو صفة لأولياء، ولا حاجة إلى الضمير البارز وهو أنتم وإن جرى على غير من هو له لأن ذاك في الأسماء دون الأفعال كما لو قلت مثلاً ملقين أنتم والإلقاء عبارة عن الإيصال التام.

والباء في ﴿ بالمودة ﴾ إما زائدة كما في قوله ﴿ ولا تلقوا بأيديكم  ﴾ أو للسببية ومفعول ﴿ تلقون ﴾ محذوف معناه تلقون إليهم أخبار الرسول  بسبب المودة.

و ﴿ أن تؤمنوا ﴾ تعليل لـ ﴿ يخرجون ﴾ أي يخرجونكم لإيمانكم.

و ﴿ إن كنتم خرجتم ﴾ تأكيد متعلق بـ ﴿ لا تتخذوا ﴾ وجوابه مثله.

وانتصب ﴿ جهاداً ﴾ و ﴿ ابتغاء ﴾ على العلة أي إن كنتم خرجتم من أوطانكم لأجل جهاد عدوّى ولابتغاء رضواني فلا تتولوا أعدائي.

وقوله ﴿ تسرون ﴾ مستأنف والمقصود أنه لا فائدة في الإسرار فإن علام الغيوب لا يخفى عليه شيء.

ثم خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أنهم إن يظفروا بهم أخلصوا العداوة ويقصدونهم بكل سوء باللسان والسنان.

قال علماء المعاني: إنما عطف قوله ﴿ وودّوا ﴾ وهو ماضٍ لفظاً على ما تقدمه وهو مضارع تنبيهاً على أن ودادهم كفرهم أسبق شيء عندهم لعلمهم أن الدين أعز على المؤمنين من الأرواح والأموال وأهم شيء عند العدوّ أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.

ثم بين خطأ رأيهم بوجه آخر وهو أن المودة إذا لم تكن في الله لم تنفع في القيامة لانفصال كل اتصال يومئذ كما قال ﴿ يوم يفر المرء من أخيه  ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون الفصل بمعنى القضاء والحكم.

ثم ذكر أن وجوب البغض في الله وإن كان أخاه أو أباه أسوة في إبراهيم  والذين آمنوا معه حيث جاهروا قومهم بالعداوة وقشروا لهم العصا وصرحوا بأن سبب العدوة ليس إلا الكفر بالله، فإذا آمنوا انقلبت العداوة موالاة والمناوأة مصافاة والمقت محبة.

ثم استثنى ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ من قوله أسوة كأنه قال حق عليكم أن تأتسوا بأقواله إلا هذا القول الذي هو الاستغفار لقوله ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين  ﴾ أما قوله ﴿ وما أملك لك من الله من شيء ﴾ فليس بداخل في حكم الاستثناء لأنه قول حق، وإنما أورده إتماماً لقصة إبراهيم مع أبيه.

وقال في الكشاف: هو مبني على الاستغفار وتابع له كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار.

ثم أكد أمر المؤمنين بأن يقولوا ﴿ ربنا عليك توكلنا ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون من تتمة قول إبراهيم ومن معه وفيه مزيد توجيه.

ثم أكد أمر الائتساء بقوله ﴿ لقد كان ﴾ فأدخل لام الابتداء وأبدل من قوله ﴿ لكم ﴾ قوله ﴿ لمن كان يرجو ﴾ وختم الآية بنوع من الوعيد.

ثم أطمع المؤمنين فيما تمنوا من عداوة أقاربهم بالمودة ﴿ والله قدير ﴾ على تقليب القلوبوتصريف الأحوال ﴿ والله غفور رحيم ﴾ لمن وادهم قبل النهي أو لمن أسلم من المشركين، فحين يسر الله فتح مكة أسلم كثير منهم ولم يبق بينهم إلا التحاب والتصافي.

ولما نزلت هذه الآيات تشدّد المؤمنون في عداوة أقاربهم وعشائرهم فنزل ﴿ لا ينهاكم الله ﴾ وقوله ﴿ أن تبروهم ﴾ بدل من ﴿ الذين لم يقاتلوكم ﴾ وكذا قوله ﴿ أن تولوهم ﴾ من ﴿ الذين قاتلوكم ﴾ والمعنى لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء.

ومعنى ﴿ تقسطوا إليهم ﴾ تعطوهم مما تملكون من طعام وغيره قسطاً.

وعدّي بـ " إلى " لتضمنه معنى الإحسان وقال في الكشاف: تقضوا إليهم بالقسط أي العدل ولا تظلموهم.

وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله  على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه.

وعن مجاهد: الذين آمنوا بمكة.

وقيل: هم النساء والصبيان.

وعن قتادة: نسختها آية القتال.

قال المفسرون: إن صلح الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم ومن أتى مكة منهم لم يرد إليكم وكتبوا بذلك كتاباً وختموه.

فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة والنبي  بالحديبية، فأقبل زوجها مسافراً المخزومي.

وقيل: صيفي بن الراهب فقال: يا محمد اردد إليّ امرأتي فإنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف فأنزل الله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ﴾ الآية.

فكانت بياناً لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء.

وعن الضحاك: كان بين رسول الله  وبين المشركين عهد أن تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها.

وللنبي  من الشرط مثل ذلك فأتت امرأة فاستحلفها رسول الله  لقوله  ﴿ فامتحنوهن ﴾ فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوّجها عمر.

وفائدة قوله ﴿ الله أعلم بأيمانهنّ ﴾ أنه لا سبيل لكم إلى ما تسكن إليه النفس من اليقين الكامل لأنكم تختبرونهن بالحلف والنظر في سائر الأمارات التي لا تفيد إلا الظن، وأما الإحاطة بحقيقة إيمانهن فإن ذلك مما تفرد به علام الغيوب ﴿ فإن علمتموهن مؤمنات ﴾ العلم الذي يليق بحالكم وهو الظن الغالب ﴿ فلا ترجعون إلى ﴾ أزواجهن ﴿ الكفار ﴾ لأنه لا حلّ بين المؤمنة والمشرك وآتوا أزواجهن ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ مثل ما دفعوا إليهن من المهور.

ثم نفى عنهم الحرج في تزوّج هؤلاء المهاجرات إذا أعطوهن مهورهن.

قال العلماء: إما أن يريد بهذا الأجر ما كان يدفع إليهن ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزوّجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد بيان أن ذلك المدفوع لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق.

احتج أبو حنيفة بالآية على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلماً أو بذمة وبقي الآخر حربياً وقعت الفرقة بينهما ولا يرى العدة على المهاجرة ويصح نكاحها إلا أن تكون حاملاً ﴿ ولا تمسكوا بعصم الكوافر ﴾ وهو ما يعتصم به من عقد وسبب قال ابن عباس: أراد من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعدّها من نسائه لأن اختلاف الدين قطع عصمتها وحل عقدتها.

وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر.

وقال مجاهد: هذا أمر بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن ﴿ واسئلوا ما أنفقتم ﴾ من مهور أزواجكم الملحقات بالكفار ﴿ وليسئلوا ما أنفقوا ﴾ من مهور نسائهم المهاجرات.

أمر المؤمنين بالإيتاء ثم أمر الكافرين بالسؤال وهذه غاية العدل ونهاية الإنصاف.

ثم أكد ما ذكر من الأحكام بأنها حكم الله.

قال جار الله: ﴿ يحكم بينكم ﴾ كلام مستأنف أو حال من حكم الله على حذف العائد أي يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة.

يروى أن بعض المشركين أبوا أن يؤدّوا شيئاً من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين فأنزل الله  ﴿ وإن فاتكم ﴾ أي سبقكم وانفلت منكم ﴿ شيء من أزواجكم ﴾ أحد منهن قال أهل المعاني: فائدة إيقاع شيء في هذا التركيب التغليظ في الحكم والتشديد فيه أي لا ينبغي أن يترك شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر غير معوّض عنه.

ويجوز أن يراد وإن فاتكم شيء من مهور أزواجكم.

ومعنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فجاءت عقبتكم من أداء المهر والعقبة النوبة شبه أداء كل طائفة من المسلمين والكافرين المهر إلى صاحبتها بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره ﴿ فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ﴾ إلى الكفار ﴿ مثل ما أنفقوا ﴾ أي مثل مهرها من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر.

وقال الزجاج: معنى ﴿ فعاقبتم ﴾ فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، فالذي ذهبت زوجته كان يعطي من الغنيمة المهر.

قال بعض المفسرين: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ست نسوة: أم الحكم ينت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شدّاد الفهرى، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نصلة وزوجها عمرو بن عبد ودّ، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر.

أعطاهم رسول الله  مهور نسائهم من الغنيمة.

وفي قوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ندب إلى سيرة التقوى ورعاية العدل ولو مع الكفرة.

ثم نبّه نبيه  على شرائط المبالغة وهي المعاهدة على كل ما يقع عليه اتفاق كالإسلام والإمارة والإمامة، والمراد ههنا المعاقدة على الإسلام وإعطاء العهود به وبشرائطه وعدم قتل الأولاد ووأد البنات، وكانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها هو ولدي منك فكني عنه بالهتان المفترى بين يديها ورجليها لأن بطنها الذي تحمله فيه هو بين اليدين وفرجها الذي تلد به بين الرجلين.

وقيل: البهتان في الآية الكذب والتهمة والمشي بالسعاية مختلفة من تلقاء أنفسهنّ.

وقيل: قذف المحصنين.

قال ابن عباس: في قوله ﴿ ولا يعصينك في معروف ﴾ إنما هو شرط شرطه الله  على النساء، والمعروف كل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات.

واختلف في كيفية مبايعته إياهنّ فقيل: دعا بقدح من ماء وغمس يده فيه ثم غمسن أيديهنّ.

وقيل: صافحهنّ وكان على يده ثوب.

وقيل: كان عمر يصافحهنّ ما مست يد رسول الله  يد امرأة يملكها إنما كان كلاماً.

وعن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله  في نسوة من الأنصار نبايعه على الإسلام فأخذ علينا يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهنّ وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف.

قال رسول الله  : فيما استطعن وأطقتن.

قلنا؛ الله وسوله أرحم بنا منا بأنفسنا هلمّ نصافحك يا رسول الله.

قال: إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة.

يروى أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود طمعاً في ثمارهم فنزلت ﴿ لا تتلوا قوماً ﴾ الآية.

وسبب يأسهم من الآخرة تكذيبهم بصحة نبوّة الرسول ثم عنادهم كما يئس الكفار من موتاهم أن يرجعوا أحياء.

وقيل: من أصحاب القبور بيان للكفار لأنهم أيسوا من خير الآخرة ومعرفة المعبود الحق فكأنهم أولى.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ ﴾ .

هذه الآية وما أشبهها من قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ ، وفي كل ما ذكر ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ دلالة واضحة أن الإيمان ذو حد في نفسه، وأنه ليس كما قالت الحشوية وأصحاب الحديث: إن الطاعات كلها إيمان، ووجه ذلك أن كلا في نفسه قد فهم من هذا الآية أنه محتمل لهذا الخطاب وأنه له؛ فثبت أنه ذو حد في نفسه وهو التصديق بالقلب، وغيره من الطاعات شرائعه، والله أعلم.

وفيما ذرك من قوله: ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ  ﴾ وما أشبهها من الآي دلالة على أن الإنسان ما يشاهد، وليس كما قال النظام: إن الإنسان إنما هو جسم آخر سوى هذال الإنسان، ولا كما قال الناشئ: إن الإنسان إنما هو جوهر بسيط في هذا الإنسان.

ووجه ذلك: أنه ليس كل أحد يعلم كونه جوهراً بسيطاً أو جسماً آخر فيه لطيفاً، وقد فهم الكل من هذه الآيات أنه محتمل للخطاب بها؛ فثبت بما وصفنا أن الإنسان هو ما نشاهده والله [أعلم].

وفيه دلالة أن ما يفهم من هذه الآيات من عموم أو خصوص ليس يفهم بظاهر الخطاب؛ ولكن بما توجبه الحكمة، فإن أوجبت عمومها أجورها على عمومها، وإن أوجبت تخصيصها أجروءا على ذلك، والذي يدل على ما وصفنا أنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ ، وهذا مخرجه في الظاهر على العموم، ولكنه لما قال: ﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ ﴾ ، ومعلوم أن الذي كان يلقي بالمودة خاصة لا كل المؤمنين، فكان يجب أن يكون مجراها على الخصوص؛ لما بين في سياق هذه الآية، ولكن الحكمة توجب تعميم هذه الآية؛ لأنه لو قال لواحد: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ كان هذا الخطاب لازماً للكل بما توجبه الحكمة، أنه إذا علم من أحد عداوته ألا يتخذه ولياً وكذلك قوله: ﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ﴾ .

خرج مخرج العمو في الظاهر، ولكن الذين أخرجوه إنما كانوا أهل مكة خاصة دون سائر الكفرة، فهذا يبين أن ما أجرى مجرى العموم لم يجر لظاهر اللفظ، ولكن لما يوجب الحكمة والدليل.

وكذلك قوله -  -: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الجمعة: 9]: ليس أن السعي إنما فرض يوم الجمعة لتخصيصه بالذكر؛ ولكن لما أن النداء في يوم الجمعة إلى ذكرين، وفي غيره من الأيام إلى ذكر واحد؛ ولأجل أن النداء المضيق في يوم الجمعة هو النداء الأول، وفي غيره من الأيام هو النداء الثاني، فإذا جاز أن يكون فرض السعي في وم الجمعة إنما هو لهذين المعنيين - ثبت أن التخصيص ليس لظاهر اللفظ، والله أعلم.

وفي هذه الآية دلالة رسالته  وذلك أن قوله: ﴿ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ ﴾ أن ذلك الرجل لم يطلع على سره أحداً، وقد أطلع الله -  - نبيه؛ حيث أخبرهم بالكتاب؛ فثبت أنه علمه بالوحي، والله أعلم.

ثم اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؟

فقال الحسن: إنها نزلت في أهل النفاق.

وقال غيره من عامة المفسرين: إنها نزلت في حاطب بن [أبي] بلتعة، وهذا أشبه التآويل بالصواب، وأقرب إلى الحق؛ وذلك أن الله -  - [قال]: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ ﴾ : فقد أخبر أن الكفرة عدو لهم، ولو كانت الآية في أهل النفاق لم يكن الكفرة عدوّاً لهم؛ بل كانوا أولياء، فثبت أن المراد منه: المؤمنون، والله أعلم.

وفي هذه الآية دلالة أن ذلك الذنب الذي ارتكبه ذلك الرجل لم يخرجه من الولاية؛ لأنه قال: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ ﴾ ، ولو كان ذلك الذنب بكفره ويخرجه عن الإيمان لم يكن ذلك الكافر عدوّاً له؛ بل يكون وليّاً له بقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ ، ولأجل أنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ : سماه: مؤمناً، والدليل على أن ذلك الذنب كان كبيرة أنه أخبرهم بأن رسول الله  جهزهم للقتال، وفيما أخبر: أمر بأن يستعدوا لقتال النبي  وحربه، ولا يشكل أن من أمر بقتال رسول الله  كان مرتكب كبيكرة، وإذا كان كذلك، وقد أحله الله -  - في جملة المؤمنين بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي ﴾ وبما وصفناه من الدليل - ثبت أن الكبيرة لا تكفره، ولا تغير اسم الإيمان عنه، والله الموفق.

ثم فيما نهانا أن نتخذ عدونا وعدوه أولياء دلالة أن ليس في الحكمة اتخاذ الولاية مع الأعداء.

ثم من قال المعتزلة: إن الله -  - أراد من جميع عباده أن يؤمنوا، وإذا أراد أن يؤمنوا فقد أراد أن يواليهم مع علمه أنهم يختارون عداوته؛ فكأنهم وصفوا الله -  - بما يخرجه من الحكمة ويدخل في السفه والجهل بالعواقب، وذلك كله منفي عن الله -  وتعالى - والمعتزلة فيما وصفوا فجرة فسقه، ويخشى أن يكونوا كفرة، والله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ ﴾ ، أي: بما كتب في الكتاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ ٱلْحَقِّ يُخْرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِي ﴾ .

يحتمل أ ن يكون ذلك فيمن هاجر من مكة إلى المدينة، وهو أقرب التأويلين؛ لأن حاطباً إنما كان هاجر من مكة إلى المدينة وفيه نزلت الآية.

ويحتمل أن يكون ذلك حين أرادوا الجهاد إلى مكة، والله أعلم أي ذلك كان.

وقوله - عز جل -: ﴿ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ﴾ .

أي: هو ﴿ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ ﴾ من كتابة الكمتاب إلى أهل مكة، ﴿ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ﴾ : بما أظهرتم من العذر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ ﴾ ، أي: من اتخاذ الولاية مع أعدائه، ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ ، في الاعتقاد: إن اعتقد ذلك، وفي الفعل: إن لم يعتقده، والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِٱلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ ﴾ .

التزام مراقبة الله -  - في السر والعلانية، وتحذير لهم؛ ليجمعوا بين السر والعلانية وتخويف لهم عن أن يطلع رسوله - عليه الصلاة والسلام - على سرائرهم كما أطلعه على أمر الكتاب إلى أهل مكة.

ثم في هذه الآية ما أعظم شيء في زجرهم ونهيهم عن المعاصي، وذلك أنه لما أطلعه على جميع ما يتعاطونه من الذنوب سرّاً وعلانية؛ فإذا علموا أن الرسول  يعلم من سرهم ما يعلم من علانيتهم بما يطلعه الله عليه؛ يحملهم ذلك على الانتهاء عن المعاصي في السر والعلانية، وعلى الإجابة إلى ما يدعوهم إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ﴾ .

فوجه ذلك وتأويله عندنا - والله أعلم -: أنه لما رآهم رغبوا في أموالهم ومودتهم رغبة منهم في الكفرة أن يحفظوا أولادهم وأموالهم، أخبرهم أن كيف يرغبون في حفظهم ذلك، وهم لو قدروا عليكم وظفروا بكم قتلوكم وآذوكم بألسنتهم؟!

فكأنه يقول: كيف توالونهم من حيث تسرون إليهم بالمودة، وهم لو ظفروا بكم قتلوكم، وكانوا لكم أعداء؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾ .

يعني: أنهم يودون أن يكفروا، ومع ما يودون أن يكفروا: لو قدروا عليكم قتلوكم، فمن كانت حالهم معكم مثل هذا: فكيف تطمعون أن يحفظوا أولادكم وأموالكم؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ ، له وجهان: أحدهما: أن كيف توالون الكفرة؛ لمكان أولادكم وأرحامكم، وهم لا ينفعونكم يوم القيامة؟!

والثاني: أن أرحامكم لا تنفعكم ولا تشفع لكم يوم القيامة.

وقوله: ﴿ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ﴾ [يحتمل - أيضاً - وجهين: أحدهما:] أي: بينكم وبين أرحامكم؛ لقوله -  -: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ  وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ  ﴾ .

والثاني: أي: يفصل بينكم وبين أرحامكم؛ لاختلاف أعمالكم؛ فينزل كل واحد منكم منزل عمله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تتخذوا أعدائي وأعداءكم أولياء توالونهم وتوادّونهم، وقد كفروا بما جاءكم على يد رسولكم من الدين، يُخْرِجون الرسول من داره، ويخرجونكم أنتم كذلك من دياركم بمكة، لا يراعون فيكم قرابة ولا رحمًا، لا لشيء إلا أنكم آمنتم بالله ربكم، لا تفعلوا ذلك إن كنتم خرجتم لأجل الجهاد في سبيلي، ومن أجل طلب مرضاتي، تُسِرُّون إليهم بأخبار المسلمين مودة لهم، وأنا أعلم بما أخفيتم من ذلك وما أعلنتم، لا يخفى عليَّ شيء من ذلك ولا من غيره، ومن يفعل تلك الموالاة والموادة للكفار فقد انحرف عن وسط الطريق، وضلّ عن الحق، وجانَبَ الصواب.

<div class="verse-tafsir" id="91.qpYZx"

مزيد من التفاسير لسورة الممتحنة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده