الآية ١ من سورة المنافقون

الإسلام > القرآن > سور > سورة 63 المنافقون > الآية ١ من سورة المنافقون

إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا۟ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة المنافقون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة المنافقون عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة المنافقون وهي مدنية يقول تعالى مخبرا عن المنافقين : إنهم إنما يتفوهون بالإسلام إذا جاءوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأما في باطن الأمر فليسوا كذلك ، بل على الضد من ذلك ; ولهذا قال تعالى : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ) أي : إذا حضروا عندك واجهوك بذلك ، وأظهروا لك ذلك ، وليسوا كما يقولون : ولهذا اعترض بجملة مخبرة أنه رسول الله ، فقال الله : ( والله يعلم إنك لرسوله ) ثم قال : ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) أي : فيما أخبروا به ، وإن كان مطابقا للخارج ; لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ولا صدقه ; ولهذا كذبهم بالنسبة إلى اعتقادهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ) يا محمد (قَالُوا ) بألسنتهم (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) قال المنافقون ذلك أو لم يقولوا: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) يقول: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون في إخبارهم عن أنفسهم أنها تشهد إنك لرسول الله، وذلك أنها لا تعتقد ذلك ولا تؤمن به، فهم كاذبون في خبرهم عنها بذلك.

وكان بعض أهل العربية يقول في قوله: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) إنما كذب ضميرهم لأنهم أضمروا النفاق، فكما لم يقبل إيمانهم، وقد أظهروه، فكذلك جعلهم كاذبين، لأنهم أضمروا غير ما أظهروا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

سورة المنافقون .مدنية في قول الجميع ، وهي إحدى عشرة آيةبسم الله الرحمن الرحيمإذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبونقوله تعالى : إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله روى البخاري عن زيد بن أرقم قال : كنت مع عمي فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا .

وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت ذلك لعمي فذكر عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ; فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا ; فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني .

فأصابني هم لم يصبني مثله ، فجلست في بيتي فأنزل الله عز وجل : إذا جاءك المنافقون إلى قوله : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله إلى قوله : ليخرجن الأعز منها الأذل فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : " إن الله قد صدقك " خرجه الترمذي قال : هذا حديث حسن [ ص: 112 ] صحيح .

وفي الترمذي عن زيد بن أرقم قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبدر الماء ، وكان الأعراب يسبقونا إليه فيسبق الأعرابي أصحابه فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ، ويجعل النطع عليه حتى تجيء أصحابه .

قال : فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه ، فانتزع حجرا فغاض الماء ; فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه ، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره - وكان من أصحابه - فغضب عبد الله بن أبي ثم قال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله - يعني الأعراب - وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام ; فقال عبد الله : إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمدا بالطعام ، فليأكل هو ومن عنده .

ثم قال لأصحابه : لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .

قال زيد : وأنا ردف عمي فسمعت عبد الله بن أبي فأخبرت عمي ، فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجحد .

قال : فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني .

قال : فجاء عمي إلي فقال : ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبك والمنافقون .

قال : فوقع علي من جرأتهم ما لم يقع على أحد .

قال : فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قد خففت برأسي من الهم إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي ; فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا .

ثم إن أبا بكر لحقني فقال : ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قلت : ما قال شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي ; فقال : أبشر !

ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر .

فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

وسئل حذيفة بن اليمان عن المنافق ، فقال : الذي يصف الإسلام ولا يعمل به .

وهو اليوم شر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأنهم كانوا يكتمونه وهم اليوم يظهرونه .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان " .

وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا اؤتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " .

أخبر عليه السلام أن من جمع هذه الخصال كان منافقا ، [ ص: 113 ] وخبره صدق .

وروي عن الحسن أنه ذكر له هذا الحديث فقال : إن بني يعقوب حدثوا فكذبوا ، ووعدوا فأخلفوا ، واؤتمنوا فخانوا .

إنما هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الإنذار للمسلمين ، والتحذير لهم أن يعتادوا هذه الخصال ; شفقا أن تقضي بهم إلى النفاق .

وليس المعنى : أن من بدرت منه هذه الخصال من غير اختيار واعتياد أنه منافق .

وقد مضى في سورة " التوبة " القول في هذا مستوفى والحمد لله .وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المؤمن إذا حدث صدق ، وإذا وعد أنجز ، وإذا اؤتمن وفى " .

والمعنى : المؤمن الكامل إذا حدث صدق .

والله أعلم .قوله تعالى : قالوا نشهد إنك لرسول الله قيل : معنى نشهد نحلف .

فعبر عن الحلف بالشهادة ; لأن كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر مغيب ; ومنه قول قيس بن ذريح .وأشهد عند الله أني أحبها فهذا لها عندي فما عندها لياويحتمل أن يكون ذلك محمولا على ظاهره أنهم يشهدون أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم اعترافا بالإيمان ونفيا للنفاق عن أنفسهم ، وهو الأشبه .والله يعلم إنك لرسوله كما قالوه بألسنتهم .والله يشهد إن المنافقين لكاذبون أي فيما أظهروا من شهادتهم وحلفهم بألسنتهم .وقال الفراء : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون بضمائرهم ، فالتكذيب راجع إلى الضمائر .

وهذا يدل على أن الإيمان تصديق القلب ، وعلى أن الكلام الحقيقي كلام القلب .

ومن قال شيئا واعتقد خلافه فهو كاذب .

وقد مضى هذا المعنى في أول " البقرة " مستوفى وقيل : أكذبهم الله في أيمانهم وهو قوله تعالى : يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكثر المسلمون في المدينة واعتز الإسلام بها ، صار أناس من أهلها من الأوس والخزرج، يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ليبقى جاههم، وتحقن دماؤهم، وتسلم أموالهم، فذكر الله من أوصافهم ما به يعرفون، لكي يحذر العباد منهم، ويكونوا منهم على بصيرة، فقال: { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا } على وجه الكذب: { نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ } وهذه الشهادة من المنافقين على وجه الكذب والنفاق، مع أنه لا حاجة لشهادتهم في تأييد رسوله، فإن { اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } في قولهم ودعواهم، وأن ذلك ليس بحقيقة منهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مدنية "إذا جاءك المنافقون"، يعني عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، "قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون"، لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إذا جاءك المنافقون قالوا» بألسنتهم على خلاف ما في قلوبهم «نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد» يعلم «إن المنافقين لكاذبون» فيما أضمروه مخالفا لما قالوه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إذا حضر مجلسك المنافقون -أيها الرسول- قالوا بألسنتهم، نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسول الله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما أظهروه من شهادتهم لك، وحلفوا عليه بألسنتهم، وأضمروا الكفر به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

افتتح الله - تعالى - السورة الكريمة ، بالحديث عن صفة من أبرز الصفات الذميمة للمنافقين ، ألا وهى صفة الكذب والخداع ، فقال - تعالى - ( إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله .

.

.

) .( إِذَا ) هنا ظرف للزمان الماضى ، بقرينة كون جملتيها ماضيتين ، وجواب " إذا " قوله ( قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله .

.

) والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - .و ( المنافقون ) جمع منافق ، وهو من يظهر الإسلام ويخفى الكفر ، أو من يظهر خلاف ما يبطن من أقوال وأفعال .أى : إذا حضر المنافقون إلى مجلسك - أيها الرسول الكريم -قالوا لك على سبيل الكذب والمخادعة والمداهنة .

.

.

نشهد أنك رسول من عند الله - تعالى - ، وأنك صادق فيما تبلغه عن ربك .وعبروا عن التظاهر بتصديقهم له - صلى الله عليه وسلم - بقوله ( نَشْهَدُ ) - المأخوذ من الشهادة التى هى إخبار عن أمر مقطوع به - وأكدوا هذه الشهادة بإن واللام ، للإيهام بأن شهادتهم صادقة ، وأنهم لا يقصدون بها إلا وجه الحق ، وأن ما على ألسنتهم يوافق ما فى قلوبهم .قال الشوكانى : أكدوا شهادتهم بإنّ واللام ، للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم ، مع خلوص نياتهم ، والمراد بالمنافقين ، عبد الله بن أبىّ وأتباعه .ومعنى نشهد : نحلف ، فهو يجرى مجرى القسم ، ولذا يتلقى بما يتلقى به القسم .ومثل نشهد : نعلم ، فإنه يجرى مجرى القسم كما فى قول الشاعر :ولقد علمت لتأتين منيتى ...

إن المنايا لا تطيش سهامهاوقوله : ( والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ ) معطوفة على قوله : ( قَالُواْ نَشْهَدُ ) .أى : إذا حضر المنافقون إليك - أيها الرسول الكريم - قالوا كذبا وخداعا : نشهد إنك لرسول الله ، والله - تعالى - ( يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) حقا سواء شهدوا بذلك أم لم يشهدوا ، فأنت لست فى حاجة إلى هذه الشهادة التى تخالف بواطنهم .( والله ) - تعالى - ( يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ ) فى قولهم : نشهد إنك لرسول الله ، لأن قولهم هذا يباين ما أخفته قلوبهم المريضة ، من كفر ونفاق وعداوة لك وللحق الذى جئت به .والإيمان الحق لا يتم إلا إذا كان ما ينطق به اللسان ، يوافق ويواطىء ، ما أمضره القلب ، وهؤلاء قد قالوا بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم ، فثبت كذبهم فى قولهم : نشهد إنك لرسول الله .

.قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أى : فائدة فى قوله - تعالى - : ( والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) ؟

قلت : لو قال : قالوا نشهد إنك لرسول الله ، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ، لكان يوهم أن قولهم هذا كذب ، فوسط بينهما قوله : ( والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) ليميط هذا الإيهام .وجىء بالفعل ( يَشْهَدُ ) فى الإخبار عن كذبهم فيما قالوه ، للمشاكلة ، حتى يكون إبطال خبرهم مساويا لإخبارهم ولما نطقوا به .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وجه تعلق هذه السورة بما قبلها، هو أن تلك السورة مشتملة على ذكر بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر من كان يكذبه قلباً ولساناً بضرب المثل كما قال: ﴿ مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة  ﴾ وهذه السورة على ذكر من كان يكذبه قلباً دون اللسان ويصدقه لساناً دون القلب، وأما الأول بالآخر، فذلك أن في آخر تلك السورة تنبيهاً لأهل الإيمان على تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ورعاية حقه بعد النداء لصلاة الجمعة وتقديم متابعته في الأداء على غيره وأن ترك التعظيم والمتابعة من شيم المنافقين، والمنافقون هم الكاذبون، كما قال في أول هذه السورة: ﴿ إِذَا جَاءَكَ المنافقون ﴾ يعني عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله ﴾ وتم الخبر عنهم ثم ابتدأ فقال: ﴿ والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾ أي أنه أرسلك فهو يعلم أنك لرسوله ﴿ والله يَشْهَدُ ﴾ أنهم أضمروا غير ما أظهروا، وإنه يدل على أن حقيقة الإيمان بالقلب، وحقيقة كل كلام كذلك، فإن من أخبر عن شيء واعتقد بخلافه فهو كاذب، لما أن الكذب باعتبار المخالفة بين الوجود اللفظي والوجود الذهني، كما أن الجهل باعتبار المخالفة بين الوجود الذهني، والوجود الخارجي، ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم: نشهد إنك لرسول الله، وسماهم الله كاذبين لما أن قولهم: يخالف اعتقادهم، وقال: قوم لم يكذبهم الله تعالى في قولهم: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله ﴾ إنما كذبهم بغير هذا من الأكاذيب الصادرة عنهم في قوله تعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ  ﴾ الآية.

و ﴿ يَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ  ﴾ وجواب إذا ﴿ قَالُواْ نَشْهَدُ ﴾ أي أنهم إذا أتوك شهدوا لك بالرسالة، فهم كاذبون في تلك الشهادة، لما مر أن قولهم يخالف اعتقادهم، وفي الآية مباحث: البحث الأول: أنهم قالوا: نشهد إنك لرسول الله، فلو قالوا: نعلم إنك لرسول الله، أفاد مثل ما أفاد هذا، أم لا؟

نقول: ما أفاد، لأن قولهم: نشهد إنك لرسول الله، صريح في الشهادة على إثبات الرسالة، وقولهم: نعلم ليس بصريح في إثبات العلم، لما أن علمهم في الغيب عند غيرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أرادوا بقولهم: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله ﴾ شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم.

فقال الله عزّ وجلّ: قالوا ذلك ﴿ والله يَعْلَمُ ﴾ أن الأمر كما يدل عليه قولهم: إنك لرسول الله، والله يشهد أنهم لكاذبون في قولهم: نشهد؛ وادعائهم فيه المواطأة.

أو إنهم لكاذبون فيه، لأنه إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة؛ فهم كاذبون في تسميته شهادة.

أو أراد: والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم: لأنهم كانوا يعتقدون أنّ قولهم: ﴿ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله ﴾ كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.

فإن قلت: أي فائدة في قوله تعالى: ﴿ والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾ ؟

قلت: لو قال: قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يشهد إنهم الكاذبون، لكان يوهم أنّ قولهم هذا كذب؛ فوسط بينهما قوله: ﴿ والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾ ؟

ليميط هذا الإيهام ﴿ اتخذوا أيمانهم جُنَّةً ﴾ يجوز أن يراد أنّ قولهم نشهد إنك لرسول الله يمين من أيمانهم الكاذبة، لأنّ الشهادة تجري مجرى الحلف فيما يراد به من التوكيد، يقول الرجل: أشهد وأشهد بالله، وأعزم وأعزم بالله في موضع أقسم وأولى.

وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله على أن (أشهد) يمين.

ويجوز أن يكون وصفاً للمنافقين في استجنانهم بالأيمان.

وقرأ الحسن البصري: إيمانهم، أي: ما أظهروه من الإيمان بألسنتهم.

ويعضده قوله تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ .

﴿ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله.

وفي ﴿ سَآءَ ﴾ معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى قوله: ﴿ سَآء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا (ب) سبب (أنهم آمنوا ثم كفروا) أو إلى ما وصف من حالهم في النفاق والكذب والاستجنان بالأيمان، أي: ذلك كله بسبب أنهم آمنوا ثم كفروا ﴿ فَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ ﴾ فجسروا على كل عظيمة.

فإن قلت: المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، فما معنى قوله: ﴿ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ﴾ ؟

قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: آمنوا، أي: نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم كفروا: ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين بما أطلع عليه من قولهم: إن كان ما يقوله محمد حقاً فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم ﴾ [التوبة: 74] أي: وظهر كفرهم بعد أن أسلموا.

ونحوه قوله تعالى: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم ﴾ [التوبة: 66] والثاني آمنوا: أي نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ ﴾ [البقرة: 14] إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤون ﴾ [البقرة: 14] والثالث: أن يراد أهل الردة منهم.

وقرئ: ﴿ فطبع على قلوبهم ﴾ ، وقرأ زيد بن علي: ﴿ فطبع الله ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ المُنافِقِينَ مَدَنِيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ الشَّهادَةُ إخْبارٌ عَنْ عِلْمٍ مِنَ الشُّهُودِ وهو الحُضُورُ والِاطِّلاعُ، ولِذَلِكَ صَدَّقَ المَشْهُورَ بِهِ وكَذَّبَهم في الشَّهادَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا ذَلِكَ.

﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهُمْ ﴾ حَلِفَهُمُ الكاذِبَ أوْ شَهادَتَهم هَذِهِ، فَإنَّها تَجْرِي مَجْرى الحَلِفِ في التَّوْكِيدِ، وقُرِئَ «إيمانَهُمْ» ﴿ جُنَّةً ﴾ وِقايَةً مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ.

﴿ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ صَدًّا أوْ صُدُودًا.

﴿ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مِن نِفاقِهِمْ وصَدِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{اتخذوا أيمانهم جُنَّةً} وقاية من السبي والقتل وفيه دليل على أن أشهد يمين {فَصَدُّواْ} الناس {عَن سَبِيلِ الله} عن الإسلام بالتنفير وإلقاء الشبه {إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من نفاقهم وصدهم الناس عن سبيل الله وفي ساء معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ المُنافِقُونَ مَدَنِيَّةٌ وعَدَدُ آياتِها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِلا خِلافٍ، ووَجْهُ اتِّصالِها أنَّ سُورَةَ الجُمُعَةِ ذُكِرَ فِيها المُؤْمِنُونَ، وهَذِهِ ذُكِرَ فِيها أضْدادُهم وهُمُ المُنافِقُونَ، ولِهَذا أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ في صَلاةِ الجُمُعَةِ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ فَيُحَرِّضُ بِها المُؤْمِنِينَ.

وفي الثّانِيَةِ بِسُورَةِ المُنافِقِينَ فَيُقَرِّعُ بِها المُنافِقِينَ»، وقالَ أبُو حَيّانَ في ذَلِكَ: إنَّهُ لَمّا كانَ سَبَبُ الِانْفِضاضِ عَنْ سَماعِ الخُطْبَةِ رُبَّما كانَ حاصِلًا عَنِ المُنافِقِينَ واتَّبَعَهم ناسٌ كَثِيرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ لِسُرُورِهِمْ بِالعِيرِ الَّتِي قَدِمَتْ بِالمِيرَةِ إذْ كانَ الوَقْتُ وقْتَ مَجاعَةٍ ذَكَرَ المُنافِقِينَ وما هم عَلَيْهِ مِن كَراهَةِ أهْلِ الإيمانِ وأتْبَعَ بِقَبائِحِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، والأوَّلُ أوْلى.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ ﴾ أيْ حَضَرُوا مَجْلِسَكَ، والمُرادُ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ ﴿ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ التَّأْكِيدُ بِأنَّ واللّامِ لِلازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ وهو عِلْمُهم بِهَذا الخَبَرِ المَشْهُودِ بِهِ فَيُفِيدُ تَأْكِيدَ الشَّهادَةِ، ويَدُلُّ عَلى ادِّعائِهِمْ فِيها المُواطَأةَ وإنْ كانَتْ في نَفْسِها تَقَعُ عَلى الحَقِّ والزُّورِ والتَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ حَقِيقَةً بِشَأْنِ الخَبَرِ، أوْ لَيْسَ إلّا لِيُوافِقَ صَنِيعَهم، وجِيءَ بِالجُمْلَةِ اعْتِراضًا لِإماطَةِ ما عَسى أنْ يُتَوَهَّمَ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ﴾ مِن رُجُوعِ التَّكْذِيبِ إلى نَفْسِ الخَبَرِ المَشْهُودِ بِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ هَذا نَوْعٌ مِنَ التَّتْمِيمِ لَطِيفُ المَسْلَكِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ: وتَحْتَقِرُ الدُّنْيا احْتِقارَ مُجَرِّبٍ تَرى كُلَّ ما فِيها وحاشاكَ فانِيا فالتَّكْذِيبُ راجِعٌ إلى ﴿ نَشْهَدُ ﴾ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ الضِّمْنِيِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ وهو دَعْوى المُواطَأةِ في الشَّهادَةِ أيْ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ فِيما ضَمَّنُوهُ قَوْلَهم: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ مِن دَعْوى المُواطَأةِ وتَوافُقِ اللِّسانِ والقَلْبِ في هَذِهِ الشَّهادَةِ، وقَدْ يُقالُ: الشَّهادَةُ خَبَرٌ خاصٌّ وهو ما وافَقَ فِيهِ اللِّسانُ القَلْبَ، وأمّا شَهادَةُ الزُّورِ فَتَجُوزُ كَإطْلاقِ البَيْعِ عَلى غَيْرِ الصَّحِيحِ فَهم كاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ المُتَفَرِّعِ عَلى تَسْمِيَةِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ شَهادَةً، وهو مُرادُ مَن قالَ: أيْ لَكاذِبُونَ في تَسْمِيَتِهِمْ ذَلِكَ شَهادَةً فَلا تَغْفُلْ.

وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ في تَحَقُّقِ كَذِبِهِمْ إلى ادِّعائِهِمُ المُواطَأةَ ضِمْنًا لِأنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمُواطِئِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ بِاعْتِبارِ لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ وهو بِمَعْنى رُجُوعِهِ إلى الخَبَرِ الضِّمْنِيِّ، وأنْ يَكُونَ راجِعًا إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما عِنْدَهم أيْ لَكاذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ كَذِبٌ وخَبَرٌ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ حالُ المُخْبَرِ عَنْهُ، قِيلَ: وعَلى هَذا الكَذِبِ هو الشَّرْعِيُّ اللّاحِقُ بِهِ الذَّمُّ ألا تَرى أنَّ المُجْتَهِدِينَ لا يُنْسَبُونَ إلى الكَذِبِ وإنْ نُسِبُوا إلى الخَطَأِ.

وجَوَّزَ العَلّامَةُ الثّانِي أنْ يَكُونَ التَّكْذِيبُ راجِعًا إلى حَلِفِ المُنافِقِينَ، وزَعَمُوا أنَّهم لَمْ يَقُولُوا ﴿ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا ﴾ مِن حَوْلِهِ و ﴿ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ  ﴾ لِما ذُكِرَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في غَزاةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ يَقُولُ: لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ ولَوْ رَجَعْنا مِن عِنْدِهِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي فَذَكَرَهُ لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَدَعانِي فَحَدَّثْتُهُ فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ فَحَلَفُوا أنَّهم ما قالُوا: فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ  وصَدَّقَهُ فَأصابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ فَجَلَسْتُ في البَيْتِ فَقالَ لِي عَمِّي: ما أرَدْتُ إلى أنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَقَتَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ ﴾ فَبَعَثَ إلَيَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ صَدَقَكَ يا زَيْدُ»» .

وجَوَّزَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنْ يَكُونَ المَعْنى إنَّ المُنافِقِينَ شَأْنُهُمُ الكَذِبُ وإنْ صَدَقُوا في هَذا الخَبَرِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَتِمُّ لِلنِّظامِ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ صِدْقَ الخَبَرِ مُطابَقَتُهُ لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ خَطَأً وكَذِبُهُ عَدَمَها، وإظْهارُ المُنافِقِينَ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ والكَلامِ في ”إذا“ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ آنِفًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي إحدى عشرة آية مدنية قوله تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ، إذا حرف من حروف التوقيت، وجوابه قوله: فَاحْذَرْهُمْ وهذا إعلام من الله تعالى بنفاقهم وكذبهم وغرورهم.

قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ يعني: يقولون ذلك بلسانهم دون قلوبهم.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ من غير قولهم.

وَاللَّهُ يَشْهَدُ يعني: يبيِّن إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ يعني: إنهم مصدقون في قولهم، ولكنهم كاذبون بأنهم أرادوا به الإيمان.

ثم قال عز وجل: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يعني: حلفهم جُنَّة من القتل، وقرأ بعضهم: اتخذوا إيمانهم بكسر الألف، يعني: اتخذوا إظهارهم الإسلام وتصديقهم ستراً.

لأنفسهم، وقراءة العامة: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ بالنصب يعني: استتروا بالحلف.

وكلما ظهر نفاقهم، حلفوا كاذبين.

ثم قال: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني: صرفوا الناس عن دين الله وهو الإسلام.

إِنَّهُمْ ساءَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: بئس ما كانوا يعملون، حيث أظهروا الإيمان وأسروا الكفر، وصدوا الناس عن الإيمان.

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ يعني: ذلك الحلف وصرف الناس عن الإيمان بأنهم آمَنُوا يعني: أقروا باللسان علانية، ثُمَّ كَفَرُوا يعني: كفروا في السر.

فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بالكفر، فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ الهدى ولا يرغبون فيه.

قوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَهُمْ يعني: المنافقين، تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ يعني: عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق، كان رجلاً جسيماً فصيحاً يعني: يعجبك منظرهم وفصاحتهم.

وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ يعني: تصدقهم فتحسب أنهم محقون.

كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، قال مقاتل: فيها تقديم، يقول: كأن أجسامهم خشب مسندة بعضها على بعض قائماً، وإنها لا تسمع ولا تعقل، ويقال: خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يعني: خشب أسند إلى الحائط، ليس فيها أرواح، فكذلك المنافقون لا يسمعون الإيمان ولا يعقلون.

قرأ الكسائي، وأبو عمرو، وابن كثير في إحدى الروايتين كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ بجزم الشين، والباقون بالضم، ومعناهما واحد، وهو جماعة الخشب.

فوصفهم بتمام الصور، ثم أعلم أنهم في ترك التفهم بمنزلة الخشب.

ثم قال: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، فوصفهم بالجبن أي: كلما صاح صائح، ظنوا أن ذلك لأمر عليهم ويقال: إن كل من خاطب النبيّ  ، كانوا يخافون ويظنون أنه مخاطب يخاطبه في أمرهم، وكشف نفاقهم.

ثم أمر أن يحذرهم، وبيّن أنهم أعداؤه فقال: هُمُ الْعَدُوُّ يعني: هم أعداؤك، فَاحْذَرْهُمْ ولا تأمن من شرهم.

ثم قال: قاتَلَهُمُ اللَّهُ يعني: لعنهم أَنَّى يُؤْفَكُونَ يعني: من أين يكذبون؟

ويقال: من أين يصرفون عن الحق؟.

ثم قال عز وجل: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ يعني: عطفوا رؤوسهم رغبة عن الاستغفار وأعرضوا عنه.

وذلك أن عبد الله بن أبي ابن سلول قيل له: يا أبا الحباب قد أنزل فيك آي: شداد، فاذهب إلى رسول الله  يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن، فقد آمنت.

وامرتموني أن أعطي زكاة مالي، فقد أعطيت.

وما بقي إلا أن أسجد لمحمد  .

قرأ نافع لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ بالتخفيف، والباقون بالتشديد.

ومن قرأ بالتخفيف، فهو من لوى يلوي ومن قرأ بالتشديد، فهو للتكثير.

ثم قال: وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ يعني: يعرضون عن الاستغفار مستكبرين عن الإيمان في السر.

ثم أخبر: أن الاستغفار لا ينفعهم، ما داموا على نفاقهم، فقال: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ، لأنهم منافقون.

إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يعني: لا يرشدهم إلى دينه، لأنهم لا يرغبون فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عبدُ اللَّه بن أُبَيٍّ ومَقَتَه الناسُ ولاَمه المؤْمِنونَ من قومِه، وقال له بعضهم:

امض إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واعْتَرِفْ بذنبكَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فلوى رَأْسَهُ إنْكَاراً لهذا الرَّأْيِ، وقال لهم: لقد أشَرْتُمْ علي بالإيمان فآمنتُ، وأَشَرْتُمْ علي بأنْ أعطِيَ زَكَاةَ مالِي فَفَعَلتُ، وَلَمْ يَبْقَ لكم إلا أن تأمروني بالسجود لِمحمَّدٍ، فهذا قَصَصُ هذه السورة مُوجَزاً، وقَرأَ نافعٌ والمفضَّل عن عاصم: «لَوَوْا» - بتخفيف الواوِ- وقرأ الباقون بتشديدِها.

وقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ...

الآية، رويَ أنه لما نزلتْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لأَزِيدَنَّ على السبعينَ، وفي حديثٍ آخَرَ: لَوْ عَلِمْتُ أنِّي لَوْ زِدْتُ على السبعينَ لَغَفَرَ لَهُمْ لَزِدْتُ، وفي هذا الحديثِ دليلٌ عَلَى رَفْضِ دليلِ الخطابِ، فَلَمَّا فعل ابْنُ أُبَيٍّ وأصحابهُ مَا فَعَلُوا شَدَّدَ اللَّه عليهم في هذه الآيةِ، وأَعْلَم أَنَّه لَنْ يَغْفِرَ لهم دون حدّ في الاستغفار.

وقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ إشارةٌ إلى ابن أُبَيٍّ ومَنْ قَالَ بقوله، ثم سفه تعالى أحلامَهم في أن ظَنُّوا أنَّ إنْفَاقَهم هو سَبَبُ رزقِ المهاجرينَ، ونَسَوا أن جَرَيَانِ الرزقِ بِيَدِ اللَّهِ تعالى إذَا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُه ثم أعْلَمَ تعالى أنَّ العزةَ لِلَّهِ ولرسولهِ وللمؤمنِين، وفي ذلكَ وعيدٌ وَرُوِي/ أن عبدَ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن أُبَيٍّ وكَانَ رَجُلاً صَالِحاً لَمَّا سَمِعَ الآيةَ، جَاءَ إلى أبيه فَقَالَ له: أنْتَ واللَّهِ يا أبَتِ الذليلُ، ورَسُولُ اللَّهِ العزيزُ، وَوَقَفَ عَلَى بَابِ السِّكَّةِ التي يَسْلُكُها أبوه، وجَرَّدَ السَّيْفَ وَمَنَعَهُ الدُّخُولَ، وقال: واللَّهِ لاَ دَخَلْتَ إلى مَنْزِلِكَ إلاَّ أنْ يأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حال، وبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَبَعَثَ إلَيْهِ أنْ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنْزِلِهِ، فقال: أمّا الآن، فنعم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ...

الآية، الإلهاءُ: الاشْتِغَالُ بِمَلَذ وَشَهْوَةٍ، وذكرُ اللَّه هنا عامٌّ في الصلوات، والتوحيدِ،

والدعاء، وغيرِ ذلكَ مِنْ مَفْرُوضٍ، ومنْدُوبٍ، وكذلك قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَّا رَزَقْناكُمْ عامٌّ من المفرُوضِ والمندوبِ قاله جماعة من المفسرينَ، قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب «عيوب النفس» : وَمِنْ عيوبِها تضييعُ أوقاتِها بالاشْتِغَالِ بما لا يَعْنِي مِنْ أُمورِ الدُّنْيا، والخَوْضِ فيها مَعَ أهلِها، ومُدَاوَاتُها أنْ يَعْلَمَ أنَّ وَقْتَه أعزُّ الأشياءِ فَيَشْغَلَه بِأَعَزّ الأَشْيَاءِ، وهو ذِكْرُ اللَّهِ، والمُدَاوَمَةُ على الطاعةِ ومطالبةُ الإخْلاَصِ من نفسهِ فإنَّه رُوِيَ عنِ النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يَعْنِيهِ» «١» وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ: عَلَيْكَ بنفسِكَ فَإنْ لَمْ تَشْغَلْها شَغَلَتْكَ، انتهى.

وقولهُ: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمهَالِ، وسَمَّاه قَرِيباً لأنّه آتٍ، وأيْضاً فإنَّما يتمنى ذلك لِيقْضِيَ فيه العملَ الصالحَ فَقَطْ/ وليس يتّسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونظرته.

وقوله: وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ظاهرَه العمُومُ، وقال ابن عباس: هو الحج «٢» وَرَوَى الترمذيُّ عنه أنَّه قال: مَا مِنْ رَجُلٍ لاَ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَلاَ يَحُجُّ إلاَّ طَلَبَ الْكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ «٣» ، قَال الثعلبيُّ: قَال ابن عباس: إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يريدُ مِثْلَ آجالِنَا في الدنيا «٤» ، انتهى، وقرأ أبو عمرو «٥» : «وَأَكُونَ» ، وفي قوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها حَضٌّ عَلَى المُبَادَرَةِ ومُسَابَقَةِ الأَجَلِ بالعملِ الصالح.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُنافِقُونَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ونُظَرائِهِ.

وكانَ السَّبَبُ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ  في خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ المُنافِقِينَ إلى المُرَيْسِيعِ، وهو ماءٌ لَبَنِي المُصْطَلِقِ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ، لا لِلرَّغْبَةِ في الجِهادِ، لِأنَّ السَّفَرَ قَرِيبٌ.

فَلَمّا قَضى رَسُولُ اللَّهِ  غَزْوَهُ، أقْبَلُ رَجُلٌ مِن جُهَيْنَةَ، يُقالُ لَهُ: سِنانٌ، وهو حَلِيفٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ورَجُلٌ مِن بَنِي غِفارٍ يُقالُ لَهُ: جَهْجاهُ بْنُ سَعِيدٍ، وهو أجِيرٌ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِاسْتِقاءِ الماءِ، فَدارَ بَيْنَهُما كَلامٌ، فَرَفَعَ الغِفارِيُّ يَدَهُ فَلَطَمَ الجُهَنِيَّ، فَأدْماهُ، فَنادى الجُهَنِيُّ: يا آلَ الخَزْرَجِ، فَأقْبَلُوا، ونادى الغِفارِيُّ: يا آلَ قُرَيْشٍ، فَأقْبَلُوا، فَأصْلَحَ الأمْرَ قَوْمٌ مِنَ المُهاجِرِينَ.

فَبَلَغَ الخَبَرُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أُبَيٍّ، فَقالَ وعِنْدَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ: واللَّهِ ما مَثَلُكم ومَثَلُ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ مِن قُرَيْشٍ إلّا مِثْلُ ما قالَ الأوَّلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، ولَكِنَّ هَذا فِعْلُكم بِأنْفُسِكُمْ، آوَيْتُمُوهم في مَنازِلِكُمْ، وأنْفَقْتُمْ عَلَيْهِمْ أمْوالَكُمْ، فَقَوُوا وضَعُفْتُمْ.

وايْمُ اللَّهِ: لَوْ أمْسَكْتُمْ أيْدِيَكم لَتَفَرَّقَتْ عَنْ هَذا جُمُوعُهُ، ولَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ، وكانَ في القَوْمِ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، وهو غُلامٌ يَوْمَئِذٍ لا يَؤُبَهُ لَهُ، فَقالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: أنْتَ واللَّهِ الذَّلِيلُ القَلِيلُ، فَقالَ: إنَّما كُنْتُ ألْعَبُ، فَأقْبَلَ زَيْدٌ بِالخَبَرِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ: دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَهُ.

فَقالَ: إذَنْ تُرْعَدُ لَهُ آنُفٌ كَبِيرَةٌ، قالَ: فَإنْ كَرِهْتَ أنْ يَقْتُلَهُ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، فَمَرَّ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، أوْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، أوْ عَبّادُ بْنُ بِشْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ، فَقالَ: إذَنْ يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأتاهُ، فَقالَ: أنْتَ صاحِبُ هَذا الكَلامِ؟

فَقالَ: والَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ ما قُلْتُ شَيْئًا مِن هَذا، وإنَّ زَيْدًا لَكَذّابٌ، فَقالَ مَن حَضَرَ: لا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ كَلامُ غُلامٍ، عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ وهِمَ، فَعَذَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، وفَشَتِ المَلامَةُ مِنَ الأنْصارِ لِزَيْدٍ، وكَذَّبُوهُ، وقالَ لَهُ عَمُّهُ: ما أرَدْتَ إلّا أنَّ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ  والمُسْلِمُونَ، ومَقَتُوكَ!

فاسْتَحْيا زَيْدٌ، وجَلَسَ في بَيْتِهِ.

فَبَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ما كانَ مِن أمْرِ أبِيهِ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: بَلَغَنِي أنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، لِما بَلَغَكَ عَنْهُ.

فَإنْ كُنْتَ فاعِلًا فَمُرْنِي، فَأنا أحْمِلُ إلَيْكَ رَأْسَهُ، فَإنِّي أخْشى أنْ يَقْتُلَهُ غَيْرِي، فَلا تَدَعُنِي نَفْسِي حَتّى أقْتُلَ قاتِلَهُ، فَأدْخُلُ النّارَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : "بَلْ تُحْسِنُ صُحْبَتَهُ ما بَقِيَ مَعَنا" وأنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ [المُنافِقِينَ] في تَصْدِيقِ زَيْدٍ، وتَكْذِيبِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ  فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ.

ولَمّا أرادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أنْ يَدْخُلَ المَدِينَةَ جاءَ ابْنُهُ، فَقالَ: ما وراءَكَ، قالَ: مالَكَ ويْلَكَ؟

قالَ: واللَّهِ لا تَدْخُلُها أبَدًا إلّا بِإذْنِ رَسُولِ اللَّهِ  لِيُعَلَمَ اليَوْمَ مَنِ الأعَزُّ، ومَنِ الأذَلُّ، فَشَكا عَبْدُ اللَّهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ما صَنَعَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ  أنْ خَلِّ عَنْهُ حَتّى يَدْخُلَ، فَلَمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ وبانَ كَذِبُهُ قِيلَ لَهُ: يا أبا حُبابٍ: إنَّهُ قَدْ نَزَلَتْ فِيكَ آياتٌ شِدادٌ، فاذْهَبْ إلى رَسُولِ اللَّهِ لِيَسْتَغْفِرَ لَكَ، فَلَوى بِهِ رَأْسَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ﴾ » وقِيلَ: الَّذِي قالَ لَهُ هَذا عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ: ذَلِكَ الكَذِبُ ﴿ بِأنَّهم آمَنُوا ﴾ بِاللِّسانِ ﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ في السِّرِّ ﴿ فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ ﴾ الإيمانَ والقُرْآنَ ﴿ وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ ﴾ يَعْنِي: أنَّ لَهم أجْسامًا ومَناظِرَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَسِيمًا فَصِيحًا، ذَلْقَ اللِّسانِ، فَإذا قالَ سَمِعَ النَّبِيُّ  قَوْلَهُ.

وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: تُصْغِي إلى قَوْلِهِمْ، فَتَحْسَبُ أنَّهُ حَقٌّ ﴿ كَأنَّهم خُشُبٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: وحَمْزَةُ: ( خُشُبٌ ) بِضَمِّ الخاءِ، والشِّينِ جَمِيعًا، وهو جَمْعُ خَشَبَةٍ.

مِثْلُ ثَمَرَةٍ، وثُمُرٌ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ: بِضَمِّ الخاءِ، وتَسْكِينِ الشِّينِ، مِثْلُ: بَدَنَةٍ، وبُدْنٍ، وأكَمَةٍ، وأُكْمٍ.

وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، مِثْلُهُ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعُرْوَةُ، وابْنُ سِيرِينَ: "خَشَبٌ" بِفَتْحِ الخاءِ، والشِّينِ جَمِيعًا.

وقَرَأ أبُو نُهَيْكٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ بِفَتْحِ الخاءِ، وتَسْكِينِ الشِّينِ، فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ بِحُسْنِ الصُّورَةِ، وإبانَةِ المَنطِقِ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم في تَرْكِ التَّفَهُّمِ والِاسْتِبْصارِ بِمَنزِلَةِ الخُشُبِ.

والمُسَنَّدَةُ: المُمالَةُ إلى الجِدارِ.

والمُرادُ: أنَّها لَيْسَتْ بِأشْجارٍ تُثْمِرُ وتُنَمِّي، بَلْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ إلى حائِطٍ.

ثُمَّ عابَهم بِالجُبْنِ فَقالَ تَعالى: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: لا يَسْمَعُونَ صَوْتًا إلّا ظَنُّوا أنَّهم قَدْ أُتُوا لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ أنْ يَكْشِفَ اللَّهُ أسْرارَهُمْ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في الجُبْنِ.

وأنْشَدُوا في هَذا المَعْنى: ولَوْ أنَّها عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتَها مُسَوَّمَةً تَدْعُو عُبَيْدًا وأزْنَما أيْ: لَوْ طارَتْ عُصْفُورَةٌ لَحَسِبْتَها مِن جُبْنِكَ خَيْلًا تَدْعُو هاتَيْنِ القَبِيلَتَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ ﴾ أيْ: لا تَأْمَنهم عَلى سِرِّكَ، لِأنَّهم عُيُونٌ لِأعْدائِكَ مِنَ الكُفّارِ ﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ مُفَسَّرٌ في [بَراءَةٍ: ٣٠] <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، وذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ بِسَبَبِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ كانَ مِنهُ في تِلْكَ الغَزْوَةِ أقْوالٌ، وكانَ لَهُ أتْباعٌ يَقُولُونَ قَوْلَهُ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ كُلُّها بِسَبَبِ ذَلِكَ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى فِيها ما تَقَدَّمَ مِنَ المُنافِقِينَ مِن حِلْفِهِمْ وشَهادَتِهِمْ في الظاهِرِ بِالإيمانِ، وأنَّهم كَذَبَةٌ، وذَكْرَ تَعالى فِيها ما تَأخَّرَ مِنهم ووَقَعَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ فَصْلًا فَصْلًا عِنْدَ تَفْسِيرِ الآياتِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ واللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ﴾ ﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللهُ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ فَضَحَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ سَرِيرَةُ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللهِ  : نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ، وهم في إخْبارِهِمْ هَذا كاذِبُونَ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الكَذِبِ أنْ يُخْبِرَ الإنْسانُ بِضِدٍّ ما في قَلْبِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن "إنَّ" في الثَلاثَةِ لِدُخُولِ اللامِ المُؤَكِّدَةِ في الخَبَرِ وذَلِكَ لا يَكُونُ مَعَ المَفْتُوحَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَشْهَدُ" وما جَرى مَجْراها مِن أفْعالِ اليَقِينِ والعِلْمِ تُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهي بِمَنزِلَةِ القَسَمِ.

وقَرَأ الناسُ: "أيْمانَهُمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ-: "إيمانُهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، أيْ: هَذا الَّذِي تَظْهَرُونَ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إظْهارٌ، و"الجَنَّةُ": ما يُتَسَتَّرُ بِهِ في الأجْرامِ والمَعانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَصَدُّوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، تَقُولُ: "صَدَّ زَيْدٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا كَما قالَ: صَدَدْتِ الكَأْسَ عَنّا أُمَّ عَمْرٍو...............

فالمَعْنى: صَدُّوا غَيْرَهم مِمَّنْ كانَ يُرِيدُ الإيمانَ، أو مِنَ المُؤْمِنِينَ في أنْ يُقاتِلُوهم أو يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ، وتِلْكَ سَبِيلُ اللهِ تَعالى فِيهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى فِعْلِ اللهِ تَعالى في فَضِيحَتِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى سُوءِ ما عَمِلُوا، فالمَعْنى: ساءَ عَمَلُهم أنْ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا" إمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: مِنهم مَن كانَ آمَنَ ثُمَّ نافَقَ بَعْدَ صِحَّةٍ مِن إيمانِهِ، وقَدْ كانَ هَذا مَوْجُودًا، وإمّا أنْ يُرِيدَهم كُلَّهُمْ، فالمَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّهم أظْهَرُوا الإيمانَ ثُمَّ كَفَرُوا في باطِنِ أمْرِهِمْ، فَسَمّى ذَلِكَ الإظْهارَ إيمانًا، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَطُبِعَ" بِضَمِّ الطاءِ عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ بِغَيْرِ إدْغامٍ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَطَبَعَ اللهُ"، وعَبَّرَ اللهُ تَعالى بِالطَبْعِ عَمّا خَلَقَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَيْبِ والشَكِّ وخَتَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَصِيرِ إلى النارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ، وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ: لِأنَّهم كانُوا رِجالًا أجْمَلَ شَيْءٍ وأفْصَحَهُ، فَكانَ مَنظَرُهم يَرُوقُ وقَوْلُهم يَخْلُبُ، لَكِنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَهم كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ إذْ لا أفْهامَ لَهم نافِعَةً، ولا نَظَرَ يُصِيبُ، فَذَلِكَ المَنظَرُ لا مُخْبِرَ لَهُ كالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، إنَّما هي أجْرامٌ لا عُقُولَ لَها، مُعْتَمِدَةٌ عَلى غَيْرِها، لا تَثْبُتُ بِنَفْسِها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "تُسانِدُ القَوْمَ" إذا اصْطَفَوْا وتَقابَلُوا لِلْقِتالِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يُشَبِّهَ اصْطِفافَهم في الأنْدِيَةِ بِاصْطِفافِ الخُشُبِ المُسَنَّدَةِ، وخُلُوِّهِمْ مِنَ الأفْهامِ النافِعَةِ بِخُلُوِّ الخُشُبِ مِن ذَلِكَ، وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ سِيرِينَ: رَأيْتُنِي في النَوْمِ مُحْتَضِنًا خَشَبَةً، فَقالَ ابْنُ سِيرِينَ: أظُنُّكَ مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وتَلا: ﴿ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ .

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ: "يَسْمَعُ" بِالياءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ: "خُشُبٌ" بِضَمِّ الخاءِ والشِينِ، وقَرَأ قَنْبَلٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "خُشْبٌ" بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، واخْتِيارُ ابْنِ عُبَيْدٍ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: "خَشَبٌ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، وذَلِكَ كُلُّهُ جَمْعُ "خَشَبَةٍ" بِفَتْحِ الخاءِ والشِينِ، فالقِراءَتانِ أوَّلًا كَما تَقُولُ: بَدَنَةٌ وبُدْنٌ وبُدُنٌ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والأخِيرَةُ عَلى البابِ في ثَمَرَةٍ وثَمَرٍ.

وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ مِن أبْهى المُنافِقِينَ وأطْوَلِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ قَمِيصٌ يَكْسُو العَبّاسَ رَضِيَ اللهُ عنهُ غَيْرَ قَمِيصِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ] تَحْرِيرُ أمْرِ المُنافِقِينَ وكَيْفَ سَتَرَهُمُ الإسْلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ فَضْحٌ أيْضًا لِما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِنَ الخَوْفِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَوَقَّعُونَ أنْ يَأْمُرَ النَبِيُّ  -عَنِ اللهِ- بِقَتْلِهِمْ، وقالَ مُقاتِلٌ: فَكانُوا مَتى سَمِعُوا نُشْدانَ ضالَّةٍ، أو صِياحًا بِأيِّ وجْهٍ كانَ، أو أخْبَرُوا بِنُزُولِ وحْيٍ طارَتْ قُلُوبُهم وطاشَتْ عُقُولُهم حَتّى يَسْكُنَ ذَلِكَ ويَكُونُ في غَيْرِ شَأْنِهِمْ، وجَرى هَذا اللَفْظُ مَثَلًا في الخائِفِ، ونَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: يُرَوِّعُهُ السِرارُ بِكُلِّ أرْضٍ ∗∗∗ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ بِهِ السِرارُ وقَوْلُ جَرِيرٍ: ما زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَهم ∗∗∗ خَيْلًا تَكِرُّ عَلَيْهِمْ ورِجالًا ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم هُمُ العَدُوُّ، وحَذَّرَ مِنهُمْ، و"العَدُوُّ" يَقَعُ لِلْواحِدِ ولِلْجَمْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "قاتَلَهُمُ اللهُ" دُعاءٌ يَتَضَمَّنُ الإقْصاءَ والمُنابَذَةَ، وتَمَنِّي الشَرَّ لَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أنّى يُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: يُصْرَفُونَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ تَعالى: قالَ كَيْفَ يُصْرَفُونَ؟

أو: لِأيِّ سَبَبٍ لا يَرَوْنَ رُشْدَ أنْفُسِهِمْ؟

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنّى" ظَرْفًا لـ "قاتَلَهُمُ" كَأنَّهُ تَعالى قالَ: قاتَلَهُمُ اللهُ كَيْفَ انْصَرَفُوا وصُرِفُوا، فَلا يَكُونُ في القَوْلِ اسْتِفْهامٌ عَلى هَذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان نزول هذه السورة عقب خصومة المهاجري والأنصاري ومقالة عبد الله بن أُبيّ في شأن المهاجرين.

تعيّن أن الغرض من هذه الآية التعريض بكذب عبد الله بن أبيّ وبنفاقه فصيغ الكلام بصيغة تعمّ المنافقين لتجنب التصريح بالمقصود على طريقة قول النبي صلى الله عليه وسلم «مَا بال أقوام يشترطون شُروطاً ليست في كتاب الله» ومراده مولى بَريرة لما أراد أن يبيعها لعائشة أمّ المؤمنين واشترط أن يكون الولاء له، وابتدئ بتكذيب مَنْ أُريد تكذيبه في ادعائه الإِيمان بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن ذلك هو المقصود إشعاراً بأن الله أطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دخَائِلهم، وهو تمهيد لما بعده من قوله: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعلم أن المنافقين قَالوا: نشهد إنك لرسول الله.

فيجوز أن يكون قولهم: ﴿ نشهد إنك لرسول الله ﴾ محكياً بالمعنى لأنهم يقولون عبارات كثيرة تفيد معنى أنهم يشهدون بأنه رسول الله مثل نطقهم بكلمة الشهادة.

ويجوز أن يكونوا تواطؤوا على هذه الكلمة كلما أعلن أحدهم الإِسلام.

وهذا أليق بحكاية كلامهم بكلمة ﴿ قالوا ﴾ دون نحو: زعموا.

و ﴿ إذا ﴾ ظرف للزمان الماضي بقرينة جعل جملتيها ماضيتين، والظرف متعلق بفعل ﴿ قالوا ﴾ وهو جواب ﴿ إذا ﴾ .

فالمعنى: إنك تعلم أنهم يقولون نشهد إنك لرسول الله.

و ﴿ نشهد ﴾ خبر مؤكّد لأن الشهادة الإِخبار عن أمر مقطوع به إذ هي مشتقة من المشاهدة أي المعاينة، والمعاينة أقوى طرق العلم، ولذلك كثر استعمال: أشهد ونحوه من أفعال اليقين في معنى القسم.

وكثر أن يُجاب بمثل ما يجاب به القسم قاله ابن عطية.

ومعنى ذلك: أن قوله: ﴿ نشهد ﴾ ليس إنشاء.

وبعض المفسرين جعله صيغة يمين.

وروي عن أبي حنيفة.

والمقصود من قوله: ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ إعلام النبي صلى الله عليه وسلم وإعلام المسلمين بطائفة مبهمة شأنهم النفاق ليتوسموهم ويختبروا أحوالهم وقد يتلقى النبي صلى الله عليه وسلم بطريق الوحْي تعيينهم أو تعيين بعضهم.

و ﴿ المنافقون ﴾ جمع منافق وهو الذي يظهر الإِيمان ويُسر الكفر وقد مضى القول فيه مفصلاً في سورة آل عمران.

وجملة ﴿ إنك لرسول الله ﴾ بيان لجملة ﴿ نشهد ﴾ .

وجملة ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ معترضة بين الجملتين المتعاطفتين وهذا الاعتراض لدفع إيهام من يسمع جملة ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ أنه تكذيب لجملة ﴿ إنك لرسول الله ﴾ فإن المسلمين كانوا يومئذٍ محفوفين بفئام من المنافقين مبثوثين بينهم هجّيراهم فتنة المسلمين فكان المقام مقتضياً دفع الإِيهام وهذا من الاحتراس.

وعُلق فعل ﴿ يعلم ﴾ عن العمل لوجود (إنّ) في أول الجملة وقد عدوا (إنَّ) التي في خبرها لاَم ابتداء من المعلقات لأفعال القلب عن العَمل بناء على أن لام الابتداء هي في الحقيقة لام جواب القسم وأن حقها أن تقع قبل (إنَّ) ولكنها زُحْلقت في الكلام كراهية اجتماع مؤكَّدين متصلين، وأُخذ ذلك من كلام سيبويه.

وجملة ﴿ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ عطف على جملة ﴿ قالوا نشهد ﴾ .

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوّي الحكم.

وجيء بفعل ﴿ يشهد ﴾ في الإِخبار عن تكذيب الله تعالى إياهم للمشاكلة حتى يكون إبطال خبرهم مساوياً لإِخبارهم.

والكذب: مُخالفة ما يفيدهُ الخبرُ للواقع في الخارج، أي الوُجود فمعنى كون المنافقين كاذبون هنا أنهم كاذبون في إخبارهم عن أنفسهم بأنهم يشهدون بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله لأن خبرهم ذلك مخالف لما في أنفسهم فهم لا يشهدون به ولا يوافق قولُهم ما في نفوسهم.

وبهذا بطل احتجاج النَظَّام بظاهر هذه الآية على رأيه أن الكذب مخالفة الخبر لاعتقاد المخبر لأنه غفل عن قوله تعالى: ﴿ قالوا نشهد ﴾ .

وقد أشار إلى هذا الرد القزويني في «تلخيص المفتاح» وفي «الإِيضاح».

وجملة ﴿ إن المنافقين لكاذبون ﴾ مبنية لجملة ﴿ يشهد ﴾ مثل سَابقتاها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المُنافِقُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ سُئِلَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ عَنِ المُنافِقِ فَقالَ: الَّذِي يَصِفُ الإسْلامَ ولا يَعْمَلُ بِهِ، وهُمُ اليَوْمَ شَرٌّ مِنهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  ، لِأنَّهم كانُوا يَكْتُمُونَهُ وهُمُ اليَوْمَ يُظْهِرُونَهُ.

﴿ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي نَحْلِفُ، فَعَبَّرَ عَنِ الحَلِفِ بِالشَّهادَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الحِلْفِ والشَّهادَةِ إثْباتٌ لِأمْرِ مُغَيَّبٍ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ وأشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أنِّي أُحِبُّها فَهَذا لَها عِنْدِي فَما عِنْدَها لِيا وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلى ظاهِرِهِ أنَّهم يَشْهَدُونَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ اعْتِرافًا بِالإيمانِ ونَفْيًا لِلنِّفاقِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وهو الأشْبَهُ.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى أسْباطٌ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  في غَزاةٍ وفِيها أعْرابٌ يَتَّبِعُونَ النّاسَ، وكانَ ابْنُ أُبَيٍّ يَصْنَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ  في كُلِّ يَوْمٍ طَعامًا، فاسْتَقى أعْرابِيٌّ ماءً في حَوْضٍ عَمِلَهُ مِن أحْجارٍ، فَجاءَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ ابْنِ أُبَيٍّ بِناقَةٍ لِيَسْقِيَها مِن ذَلِكَ الماءِ فَمَنَعَهُ الأعْرابِيُّ واقْتَتَلا فَشَجَّهُ الأعْرابِيُّ، فَأتى الرَّجُلُ إلى عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ أُبَيٍّ] ودَمُهُ يَسِيلُ عَلى وجْهِهِ، فَحَزَنَهُ، فَنافَقَ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: ما لَهم رَدَّ اللَّهُ أمْرَهم إلى تَبالِ، وقالَ لِأصْحابِهِ: لا تَأْتُوا مُحَمَّدًا بِالطَّعامِ حَتّى يَتَفَرَّقَ عَنْهُ الأعْرابُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ وكانَ حَدَثًا، فَأخْبَرَ عَمَّهُ، فَأتى عَمُّهُ رَسُولَ اللَّهِ  فَحَدَّثَهُ، فَبَعَثَ إلى ابْنِ أُبَيٍّ وكانَ مِن أوَسَمِ النّاسِ وأحْسَنِهِمْ مَنطِقًا، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ  فَحَلَفَ: واَلَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما قُلْتُ مِن هَذا شَيْئًا، فَصَدَّقَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» .

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾ أيْ إنْ نافَقَ مَن نافَقَكَ مَن عَلِمَ اللَّهُ بِأنَّكَ رَسُولُهُ فَلا يَضُرُّكَ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: واَللَّهُ يُقْسِمُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ في أيْمانِهِمْ.

الثّانِي: مَعْناهُ واَللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ فِيها.

﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً ﴾ والجُنَّةُ: الغِطاءُ المانِعُ مِنَ الأذى، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى مَيْمُونُ.

( إذا أنْتَ لَمْ تَجْعَلْ لِعِرْضِكَ جُنَّةً ∗∗∗ مِنَ المالِ سارَ الذَّمُّ كُلَّ مَسِيرٍ وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ السَّبْيِ والقَتْلِ لِيَعْصِمُوا بِها دِماءَهم وأمْوالَهم، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مِنَ المَوْتِ ألّا يُصَلّى عَلَيْهِمْ، فَيَظْهَرُ عَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ نِفاقُهم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.

وَيُحْتَمَلُ ثالِثًا: جُنَّةٌ تَدْفَعُ عَنْهم فَضِيحَةَ النِّفاقِ.

﴿ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ الإسْلامِ بِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْهُ.

الثّانِي: عَنِ الجِهادِ بِتَثْبِيطِهِمُ المُسْلِمِينَ وإرْجافِهِمْ بِهِ وتَمَيُّزِهِمْ عَنْهم، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ما أخافُ عَلَيْكم رَجُلَيْنِ: مُؤْمِنًا قَدِ اسْتَبانَ إيمانُهُ وكافِرًا قَدِ اسْتَبانَ كُفْرُهُ، ولَكِنْ أخافُ عَلَيْكم مُنافِقًا يَتَعَوَّذُ بِالإيمانِ ويَعْمَلُ بِغَيْرِهِ.

﴿ وَإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ ﴾ يَعْنِي حُسْنَ مَنظَرِهِمْ وتَمامَ خَلْقِهِمْ.

﴿ وَإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي لِحُسْنِ مَنطِقِهِمْ وفَصاحَةِ كَلامِهِمْ.

وَيُحْتَمَلُ ثانِيًا: لِإظْهارِ الإسْلامِ وذِكْرِ مُوافَقَتِهِمْ.

﴿ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ شَبَهُهم بِالنَّخْلِ القِيامِ لِحُسْنِ مَنظَرِهِمْ.

الثّانِي: [شَبَّهَهُمْ] بِالخُشُبِ النَّخِرَةِ لِسُوءِ مَخْبَرِهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّهُ شَبَهُهم بِالخُشُبِ المُسَنَّدَةِ لِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ الهُدى ولا يَقْبَلُونَهُ، كَما لا تَسْمَعُهُ الخُشُبُ المُسَنَّدَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ مُسَنَّدَةٌ ﴾ لِأنَّهم يَسْتَنِدُونَ إلى الإيمانِ لِحَقْنِ دِمائِهِمْ.

﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم لِوَجَلِهِمْ وخُبْثِهِمْ يَحْسُبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها - حَتّى لَوْ دَعا رَجُلٌ صاحِبَهِ أوْ صاحَ بِناقَتِهِ - أنَّ العَدُوَّ قَدِ اصْطَلَمَ وأنَّ القَتْلَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ كَلامٌ ضَمِيرُهُ فِيهِ ولا يَفْتَقِرُ إلى ما بَعْدَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ أنَّهم قَدْ فُطِنَ بِهِمْ وعُلِمَ فَقالَ: ﴿ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ ﴾ وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.

الثّالِثُ: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ يَسْمَعُونَها في المَسْجِدِ أنَّها عَلَيْهِمْ، وأنَّ النَّبِيَّ  قَدْ أمَرَ فِيها بِقَتْلِهِمْ، فَهم أبَدًا وجِلُونَ ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنْ قالَ: ﴿ هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ ﴾ حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حاتِمٍ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ فاحْذَرْهُمْ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاحْذَرْ أنْ تَثِقَ بِقَوْلِهِمْ وتَمِيلَ إلى كَلامِهِمْ.

الثّانِي: فاحْذَرْ مُمايَلَتَهم لِأعْدائِكَ وتَخْذِيلِهَمْ لِأصْحابِكَ.

﴿ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ.

والثّانِي: أيْ أحَلَّهُمُ اللَّهُ مَحَلَّ مَن قاتَلَهُ عَدُوٌّ قاهِرٌ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قاهِرٌ لِكُلِّ مُعانِدٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أنّى يُؤْفَكُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يَكْذِبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَعْناهُ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ يُصْرَفُونَ عَنِ الرُّشْدِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ كَيْفَ يَضِلُّ عُقُولُهم عَنْ هَذا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن سعد وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصاب الناس شدّة، فقال عبدالله بن أبيّ لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبدالله بن أبيّ فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، فقالوا: كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديقي في ﴿ إذا جاءك المنافقون ﴾ فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم، وهو قوله: ﴿ خشب مسندة ﴾ قال: كانوا رجالاً أجمل شيء.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معنا ناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه، فيسبق الأعرابي أصحابه، فيملأ الحوض، ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، فأتى من الأنصار أعرابياً فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه، فانتزع حجراً فغاض الماء، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبدالله بن أبيّ رأس المنافقين فأخبره، وكان من أصحابه فغضب، وقال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفض من حوله يعني الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام، وقال عبدالله لأصحابه: إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمداً بالطعام فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل، قال زيد: وأنا ردف عمي، فسمعت، وكنا أخواله عبدالله فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه رسول الله، فحلف وجحد فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني، فجاء إلى عمي فقال: ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذبك المسلمون، فوقع عليّ من الهم ما لم يقع على أحد قط، فبينما أنا أسير، وقد خففت برأسي من الهم إذا آتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد أو الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قلت: ما قال لي شيئاً إلا أنه عَرَكَ أذني وضحك في وجهي، فقال: ابشر ثم لحقني عمر، فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ﴾ حتى بلغ ﴿ ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ .

وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: «لما قال عبدالله بن أبيّ ما قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، سمعته فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فلامني ناس من الأنصار، وجاءهم يحلف ما قال ذلك، فرجعت إلى المنزل، فنمت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله صدقك وعذرك» ، فأنزلت هذه الآية ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله ﴾ الآيتين.

وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال: لما قال ابن أبيّ ما قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فجاء فحلف ما قال، فجعل ناس يقولون: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكذب حتى جلست في البيت مخافة إذا رأوني قالوا: هذا الذي يكذب، حتى أنزل الله: ﴿ هم الذين يقولون ﴾ الآية.

وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال: كنت جالساً مع عبدالله بن أبيّ فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه فقال عبدالله بن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت سعد بن عبادة فأخبرته، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبدالله بن أبيّ، فحلف له عبدالله بن أُبيّ بالله ما تكلم بهذا، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة، فقال سعد: يا رسول الله إنما أخبرنيه الغلام زيد بن أرقم، فجاء سعد فأخذ بيدي، فانطلق بي، فقال: هذا حدثني، فانتهرني عبدالله بن أبيّ، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكيت وقلت: أي والذي أنزل النور عليك لقد قاله، وانصرف عنه النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: ﴿ إذا جاءك المنافقون ﴾ إلى آخر السورة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: إنما سماهم الله منافقين لأنهم كتموا الشرك وأظهروا الإِيمان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ اتخذوا أيمانهم جنة ﴾ قال: حلفهم بالله إنهم لمنكم اجنوا بأيمانهم من القتل والحرب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ اتخذوا أيمانهم جنة ﴾ قال: اتخذوا حلفهم جنة ليعصموا بها دماءهم وأموالهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر كان مع كل رجل من أغنياء المؤمنين رجل من الفقراء يحمل له زاده وماءه، فكانوا إذا دنوا من الماء تقدم الفقراء فاستقوا لأصحابهم، فسبقهم أصحاب عبدالله بن أبيّ، فأبوا أن يخلوا عن المؤمنين، فحصرهم المؤمنون، فلما جاء عبدالله بن أبيّ نظر إلى أصحابه فقال: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وقال: امسكوا عنهم البيع لا تبايعوهم.

فسمع زيد بن أرقم قول ابن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة، وقوله: لا تنفقوا على من عند رسول الله، فأخبر عمه النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبيّ وأصحابه، فعجب من صورته وجماله، وهو يمشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: ﴿ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وإن يقولوا تسمع لقولهم، كأنهم خشب مسندة ﴾ فعرفه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبره حلف ما قاله، فذلك قوله: ﴿ اتخذوا أيمانهم جنة وقالوا نشهد إنك لرسول الله ﴾ وذلك قوله: ﴿ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ﴾ وكل شيء أنزله في المنافقين فإنما أراد عبدالله ابن أبيّ.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ﴾ قال: أقروا بلا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وقلوبهم تأبى ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كأنهم خشب مسندة ﴾ قال: نخل قيام.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ﴾ يعني عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ وتم الخبر عنهم، ثم ابتدأ فقال ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾ أي أنه أرسلك فهو يعلم أنك رسوله، ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ (١) قال الفراء: جعلهم كاذبين لأنهم أضمروا غير ما أظهروا (٢) ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ وسماهم الله كاذبين، لأنه قلوبهم كانت تخالف ألسنتهم فيما يقولون.

وقال قوم: لم يكذبهم الله في قوله: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ وإنما أكذبهم بغير هذا مما وجد منهم من الكذب الذي أخبر الله عنهم عنهم في قوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا  ﴾ الآية، وقوله: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ﴾ (٣) وجواب (إذا) قوله: (نشهد) أي أنهم إذا أتوك شهدوا لك بالرسالة وهو كاذبون في تلك الشهادة، لأنهم يقولونها عن غير اعتقاد ومواطأة قلب مع اللسان - وكل قول خالف اللسان فيه القلب فهو كذب، ألا ترى أن شاهدًا لو شهد على حق من غير علم كان كاذبًا، لأنه شهد ولم يعلم، كذلك المنافقون شهدوا ولم تكن شهادتهم مستندة إلى عقيدة وعلم بالقلب فكانوا كاذبين.

قوله تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ مذهب أهل العراق أن (٤) ﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾ فسمى شهاداتهم أيمانًا (٥) (٦) ومعنى ﴿ أَيْمَانَهُمْ ﴾ ما أخبر الله عن حلفهم الباطل في آيات من سورة الحشر (٧) قال الضحاك (أيمانهم) حلفهم إنهم لمنكم (٨) قوله: ﴿ ذلك ﴾ قال مقاتل: ذلك الكذب بأنهم آمنوا باللسان، ثم كفروا في السر، وجحدوا بقلوبهم (٩) ﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: ختم الله على قلوبهم (١٠) وقال مقاتل: طبع على قلوبهم بالكفر (١١) ﴿ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ لا يفهمون الإيمان والقرآن وصدق محمد -  -، والمعنى أن الله جازاهم بصنعهم الطبع على قلوبهم.

(١) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 12.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 158.

(٣) من آية (56) من سورة التوبة.

وهذا هو رأي الزجاج حيث قال: (أكذبهم فيما تعتقده قلوبهم وفي أنهم يحلفون بالله إنهم لمنكم، ويحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر).

"معاني القرآن" للزجاج 5/ 175.

قلت: ولعل هذا هو الصواب لأن حمل الآية على العموم أولى، وشهادتهم تدخل ضمن هذا المعنى، والله أعلم.

(٤) (أن) ساقطة من (ك).

(٥) انظر: "شرح فتح القدير" لابن الهمام 4/ 12.

(٦) انظر: "المجموع" للنووي 18/ 36، و"فتح الباري" 11/ 544، وفي "الأم" 7/ 56 ، قال: وإذا قال: أشهد بالله فإن نوى اليمين فهو يمين، وإن لم ينو يمينا فليس بيمين؛ لأن قوله أشهد بالله يحتمل أشهد بأمر الله، وإذا قال: أشهد، لم يكن يمينا، وإن نوى يمينا فلا شيء عليه.

(٧) وذلك عند قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ الآيات.

(٨) انظر: "جامع البيان" 28/ 69.

(٩) انظر: "تفسير مقاتل" 155 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 13.

(١٠) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 76، و"التفسير الكبير" 30/ 13.

(١١) انظر: "تفسير مقاتل" 155 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 13.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله ﴾ كانوا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فلذلك كذبهم الله بقوله: ﴿ والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين ﴾ أي كذبوا في دعواهم الشهادة بالرسالة، وأما قوله: ﴿ والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ﴾ فليس من كلام المنافقين، وإنما هو من كلام الله تعالى، ولو لم يذكره لكان يوهم أن قوله: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون إبطال للرسالة، فوسطه بين حكاية المنافقين وبين تكذيبهم ليزيل هذا الوهم وليحقق الرسالة، وعلى هذا ينبغي أن يوقف على قوله: لرسول الله ﴿ جُنَّةً ﴾ ذكر في [المجادلة: 16] ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ الإشارة إلى سوء عملهم وفضيحتهم وتوبيخهم، وأما قوله: آمنوا ثم كفروا فيحتمل وجهين: أحدهما أن يكون فيمن آمن منهم إيماناً صحيحاً ثم نافق بعد ذلك، والآخر أن يريد آمنوا في الظاهر كقوله: إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا [البقرة: 14].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ خشب ﴾ بالسكون: أبو عمرو وعلي وابن مجاهد ﴿ لووا ﴾ بالتخفيف: نافع وقالون ﴿ تعملون ﴾ على الغيبة: يحي وحماد.

الوقوف: ﴿ لرسول الله ﴾ ط م لئلا يوهم أن قوله ﴿ والله يعلم ﴾ من مقول المنافقين ﴿ لرسوله ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ لا يفقهون ﴾ ط ﴿ أجسامهم ﴾ ط ﴿ لقولهم ﴾ ط ﴿ مسندة ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ فاحذرهم ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ط ز لابتداء الاستفهاهم مع اتصال المعنى ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ تستغفر لهم ﴾ ط ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ ينفضوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ الأذل ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ عن ذكر الله ﴾ ط للشرط مع الواو ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ج ه لتعلق الجواب ﴿ الصالحين ﴾ ه ز ﴿ أجلها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.

التفسير: قال علماء المعاني: أرادوا بقولهم نشهد إنك لرسول الله شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم كما ينبىء عنه " إن واللام " وكون الجملة اسمية مع تصديرها بما يجري مجرى القسم وهو الشهادة، فكذبهم الله  لأجل علمه بعدم المواطأة.

أو يراد والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم إنك لرسول الله كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.

قلت: هذا مذهب الجاحظ وأنه خلاف ما عليه الجمهور وهو أن مرجع كون الخبر صدقاً أو كذباً إلى طباق الحكم للواقع أو لإطباقه ولهذا أوّلوا الآية بما أوّلوا، وهو أن التكذيب توجه إلى ادّعائهم أن قولهم قول عن صميم القلب، ومما يدل على أن مرجع كون الخبر صدقاً إلى ما قلنا لا إلى طباقه اعتقاد المخبر أو ظنه ولا إلى عدم طباقه لذلك الاعتقاد والظن تكذيبنا اليهودي إذا قال: الإسلام باطل مع أنه مطابق لاعتقاده، وتصديقنا له إذا قال: الإسلام حق مع أنه غير مطابق لاعتقاده.

وفائدة إقحام قوله ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ التنصيص على التأويل المذكور وإلا أمكن ذهاب الوهم إلى أن نفس قولهم ﴿ إنك لرسول الله ﴾ كذب.

ثم أخبر عن استثباتهم بالايمان الكاذبة كما مر في " المجادلة ".

وجوز في الكشاف أن تكون اليمين الكاذبة ههنا إشارة إلى قولهم ﴿ نشهد ﴾ لأن الشهادة تجري في إفادة التأكيد مجرى الحلف وبه استدل أبو حنيفة على أن أشهد يمين.

﴿ ذلك ﴾ الذي مر من أوصافهم وأخلاقهم أو من التسجيل عليهم أنهم مقول في حقهم ساء ما كانوا يعملون ﴿ بـ ﴾ سبب ﴿ أنهم آمنوا ﴾ باللسان ﴿ ثم كفروا ﴾ بظهور نفاقهم أو نطقوا بالإسلام عند المؤمنين ثم نطقوا بكلمة الكفر إذا خلوا إلى شياطينهم، ويجوز أن يراد أهل الردة منهم وكان عبد الله بن أبيّ رجلاً جسيماً فصيحاً وكذا أضرابه من رؤساء النفاق يحضرون مجلس رسول الله  فيستندون، فيه وكان النبي  والحاضرون يعجبون بهياكلهم ويستمعون إلى كلامهم فنزلت ﴿ وإذا رأيتهم ﴾ أيها الرسول أو يا من له أهلية الخطاب.

ثم شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام فارغة عن الإيمان والخير بالخشب المستندة إلى الحائط.

ويجوز أن تكون الخشب أصناماً منحوتة شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون وجه التشبيه مجرد عدم الانتفاع لأن الخشب المنتفع بها هي التي تكون في سقف أو جدار أو غيرهما، فأما المسندة الفارعة المتروكة فلا نفع فيها.

قلت: فعلى هذا لا يكون لتخصيص الخشب بالذكر فائدة لاشتراكها في هذا الباب مع الحجر والمدر المتروكين وغيرهما، والخشب جمع خشبة كثمرة وثمر، ومحل الجملة رفع على " هم كأنهم خشب " أو هو كلام مستأنف فلا محل له.

قوله ﴿ عليهم ﴾ ثاني مفعولي ﴿ يحسبون ﴾ أي يحسبونها واقعة عليهم صادرة لهم لجبنهم والصيحة كنداء المنادي في العسكر ونحو ذلك، أو هي أنهم كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم.

ثم أخبر عنهم بأنهم ﴿ هم العدو ﴾ أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى الأعداء هو العدوّ المداجي المكاشر تظنه جاراً مكاشراً وتحت ضلوعه داء لا دواء له.

ويقال: ما ذم الناس مذمة أبلغ من قولهم " فلان لا صديق له في السر ولا عدوّ له في العلانية " وذلك أن هذه من آيات النفاق ﴿ فاحذرهم ﴾ ولا تغتر بظاهرهم، وجوز أن يكون ﴿ هم العدو ﴾ المفعول الثاني و ﴿ عليهم ﴾ لغو.

وإنما لم يقل" هي العدو " نظراً إلى الخبر أو بتأويل كل أهل صيحة ﴿ قاتلهم الله ﴾ دعاء عليهم باللعن والإخزاء أي أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر.

ويجوز أن يكون تعليماً للمؤمنين أي ادعوا عليهم بهذا.

يروى أن رسول الله  لما لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم ازدحم على الماء جمع من المهاجرين والأنصار واقتتلا، فلطم أحد فقراء المهاجرين شاباً حليفاً لعبد الله بن أبيّ، فبلغ ذلك عبدالله فقال: ما صحبنا محمداً إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل " سمن كلبك يأكلك "، أما والله ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ عنى بالأعز نفسه وبالأذل أصحاب النبي  ، ثم قال لقومه: لو أمسكتم عن هؤلاء الفقراء فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا نفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل القليل.

فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب.

فأخبر زيد رسول الله  فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق.

فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب.

قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجريّ فأمر به أنصارياً فقال: فكيف إذا تحدث الناس أن محمداً قتل أصحابه.

ولما أنزل الله  تصديق قول زيد وبان نفاق عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله  يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزلت ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا ﴾ ولم يلبث إلا أياماً قلائل حتى اشتكى ومات وقد تقدم قصة هذا المنافق في سورة " براءة " بأكثر من هذا، وقد نفى عن المنافقين الفقه أولاً وهو معرفة غوامض الأشياء، ثم نفى عنهم العلم رأساً كأنه قال: لا فقه لهم بل لا علم.

أو نقول: إن معرفة كون الخزائن لله مما يحتاج إلى تدبر وتفقه لمكان الأسباب والوسائط والروابط المفتقرة في رفعها من البين إلى مزيد توجه وكمال نظر، فأما كون الغلبة والقوة لدين الإسلام فذلك بظهور الإمارات وسطوع الدلائل بلغ مبلغاً لم يبق في وقوعه شك لمن به أدنى مسكة وقليل علم، فلا جرم أورد في خاتمة كل آية ما يليق بها.

وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر بعده.

وعن الحسن بن علي  أن رجلاً قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً فقال: ليس بتيه ولكنه عزة وتلا الآية.

وحينئذ عير المنافقين بما عير.

وحث المؤمنين على ذكر الله في كل حال بحيث لا يشغلهم عنه التصرف في الأموال والسرور بالأولاد وكل ما سوى الله حقير في جنب ما عند الله، فإن من تصرف في شيء ما المال أو صرف زمانه في طرف من أمر الأولاد فلله وبالله وفي الله.

وقال الكلبي: ذكر الله الجهاد مع رسول الله  .

وعن الحسن: جميع الفرائض.

وقيل: القرآن.

وقيل: الصلوات الخمس ﴿ يفعل ذلك ﴾ أي ومن أشغلته الدنيا عن الدين.

ثم حثهم على الإنفاق إما على الإطلاق وإما في طريق الجهاد.

وإتيان الموت إتيان سلطانه وأماراته حين لا يقبل توبته ولا ينفع عمل فيسأل الله التأخير في الأجل لتدارك ما فات ومن له بذلك كما قال ﴿ ولن يؤخر الله نفساً ﴾ والمعنى هلا أخرت موتي إلى زمان قليل ﴿ فأصدّق وأكون ﴾ من قرأ بالنصب فظاهر، ومن قرأ بالجزم فعلى وهم أن الأول مجزوم كأنه قال: إن أخرتني أصدق وأكن.

وقيل: هذا الوعيد لمانع الزكاة.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ .

اختلفوا في تأويل قوله  : ﴿ نَشْهَدُ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ بمعنى: نقسم ونحلف.

وقال بعضهم: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ على ابتداء الشهادة.

فمن حمله على القسم قرأه ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ﴾ يعني: حلفهم، ومن حمله على الشهادة ابتداء قرأ: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ ﴾ يعني: تصديقهم، ليس أنها قراءة واحدة فقرئت بلفظين، ولكنهما كانا جميعا فقرئت بالمعنيين جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ .

والإشكال أن كيف قال الله  : ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ ، وهم إنما قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، ومعلوم أن هذا القول منهم صدق، ولكن المعنى من هذا -والله أعلم- أنهم طعنوا فيما أظهروا من الخلاف والتكذيب عند غير رسول الله، فحسبوا أن رسول الله  اطلع على صنيعهم فأتوا رسول الله يعتذرون إليه، ويقولون: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ وأن ما بلغك منا من القول كذب وما قلناه، فأخبر الله  أنهم لكاذبون فيما أخبروا أنهم ما قالوه، ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون معناه: إنا نشهد أن في قلوبنا إنك لرسول الله كما نظهره بألسنتنا، فأخبر الله  أن المنافقين لكاذبون فيما يشهدون بالإيمان في قلوبهم، ويعلم أن يكون المعنى من قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ أي: نعلم برسالتك في قلوبنا، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما أخبروا أنهم يعلمون رسالته في قلوبهم، وقد كان ألزمهم برسالته من جهة الآيات والحجج، ولكن تعاموا عن ذلك العلم استخفافا منهم وتعنتا؛ فصار ذلك العلم كالجهل الحقيقي، ثم أخبروا هم عن أنفسهم وضمائرهم أنهم يعلمون، وأخبر الله أنهم لكاذبون أنهم يعلمون برسالته، والله أعلم.

ثم الواجب أن يعلم ما الذي أحوجهم إلى أن قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، وقد كان كثير من المؤمنين يلقون رسول الله ولا يقولون ذلك، فكيف قال المنافقون ذلك؟!

فمعناه عندنا - والله أعلم -: أنهم حيث اعتادوا مخادعة الله ورسوله امتحنهم الله  بهذه المقالة.

ويحتمل أن يكونوا جروا على عادتهم أنهم إذا لقوا المسلمين قالوا: بمثل ما ءامنتم، وإذا لقوا المشركين قالوا: ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  ﴾ ، فإذا لقوا رسول الله قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ على عادتهم في كل جنس بما يليق به وبمذهبه، والله أعلم.

ويجوز أن يكونوا يخافون أن قد بلغ رسول الله  خلافهم وتكذيبهم؛ فكانوا إذا لقوه قالوا: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ ، اعتذارا عن ذلك الخلاف لو بلغه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ كانوا يحسبون من سوء ما يضمرون في قلوبهم من النفاق أن كل من كلم رسول الله  فإنما كلمه بسببهم، فكذلك الأول، والله أعلم.

ثم قال هاهنا: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ ولم يقل (نشهد بالله)؛ لأن المعنى من هذا الحلفُ، والحلف من المؤمنين في المتعارف إنما يكون بالله  ؛ فلذلك أجزئ بقوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ عن قول: (بالله) فيكون هذا دليلا لقول أصحابنا: إن قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ يكون يمينا حيث ذكر هاهنا بطريق القسم، والمعنى ما أشير إليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: ﴿ فَصَدُّواْ ﴾ أي: أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله والإيمان برسوله.

والثاني: أن صدوا الضعفة عن اتباع رسول الله  ، وعن الإيمان.

وقوله: ﴿ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

أي: بئس ما كانوا يعملون من الإعراض عن الآيات والحجج، وحيث آثروا الكفر على الإيمان.

ويحتمل: بئس ما كانوا يصنعون من صد الضعفة والأتباع عن الإيمان برسول الله،  .

وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: ذلك بأنهم آمنوا بلسانهم ثم كفروا بقلوبهم.

والثاني: على حقيقة الإيمان والكفر، وذلك أنهم لما رأوا قلة المسلمين وضعفهم في أنفسهم يوم بدر، ثم رأوهم مع هذه القلة والضعف غلبوا على الكفار مع كثرتهم - آمنوا برسول الله ورأوا أنهم لا يغلبون أبداً، ثم إن المسلمين لما غلبوا يوم أحد وأصابهم [الكفار]، اضطربوا في إيمانهم وشكوا وكفروا؛ وذلك بمعنى قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ٱطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ ٱنْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ  ﴾ فكذلك تأويل قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ .

وقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى أن السبب الذي تولد منه نفاقهم وحلفهم.

وقولهم: ﴿ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ هو أنهم آمنوا ثم كفروا.

وجائز أنه لم يكن منهم حقيقة إيمان ولا كفر، ولكنهم كانوا أقواما همتهم الدنيا وسعتها، وكانوا يكونون مع من يكون معه الدنيا إن رأوها مع المؤمنين أظهروا من أنفسهم أنهم مؤمنون، وإن رأوها مع الكفار أظهروا أنهم كفار دون أن يكون منهم حقيقة إيمان أو كفر، والله المستعان.

وقوله: ﴿ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ .

الطبع يجوز أن يكون كناية عن ستر وظلمة في قلوبهم؛ فلا يرون بها الحق وحججه.

قال: ويجوز أن يجعل الله  الكفر ظلمة في القلب لا يبصرون به الحجج والآيات.

أو يجوز أن يجعل الكفر كنّاً في قلبه؛ ليضيق؛ فلا يرى من بعد ذلك منافعه ومضاره إلا من ذلك الوجه فيكفر، وأيهما كان فذلك معنى الآية، يعني: أن اشتغالهم بالكفر وكسبهم إياه غطى قلوبهم وسترها عن أن يبصروا الحق وحججه، والله أعلم.

قال الفقيه -  - في قوله: ﴿ إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ﴾ أن المنافقين لم يجيئوا بأجمعهم رسول الله، وإنما جاءه بعضهم، وكذلك في قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ أن المعنى من قوله: ﴿ نَشْهَدُ ﴾ في بعض التأويلات: نقسم، والقسم ليس من فعل الأتباع والسفلة، وإنما ذلك من فعل الأجلة والرؤساء؛ فدل أنه إنما تعاطى هذا الفعل بعض المنافقين، ثم ذكر الله  ذلك البعض بصيغة الكل؛ فعلم أنه ليس كل ما خرج في الظاهر مخرج العموم يتناول كل من دخل تحت ذلك الاسم، ولكنه ينظر في معنى اللفظ وحقيقته، فإن كان الدليل يوجب تعميمه أجري على عمومه، وإن كان يوجب تخصيصه أجري على خصوصه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ .

يحتمل أن يكون معناه، أي: لا يفقهون؛ لأنه طبع على قلوبهم، وإلا لم يعرضوا عن الحق والآيات، وذلك بأنهم كانوا يظنون أنهم كانوا على الحق، فأخبر أنهم لا يفقهون أنه طبع على قلوبهم حتى ظنوا أنهم على الحق، وجعلوا جميع همتهم في المنافع والمضار الدنيوية، وإلا لو فقهوا أن لله دارا أخرى يجازون فيه بأعمالهم، لعلموا أنه لا بد من دين يدينون به، ولم ينظروا إلى منافعهم ومضارهم، والله المستعان.

ويحتمل: أي: لا يفقهون عن الله  ، وأن تعبدهم وأمرهم بطاعة رسوله واتباعه ويحتمل أي: لا يفقهون أنهم يتعبدون، وأن لله دارا أخرى يسألهم عما فعلوا، ويجازيهم على جميع ذلك.

ثم قال هاهنا: ﴿ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ ، ولم يقل: (لا يعلمون)؛ لأن الفقه إنما هو الذي يعرف به الشيء بالشيء، فأخبر أنهم لا يعرفون الآخرة بالدنيا.

وقال ابن الراوندي: الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره.

وعندنا أن الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على غيره كان ذلك نظيرا له أو لم يكن؛ لأن من عرف الخلق بمعناهم دله ذلك على معرفة الصانع، ومن عرف الدنيا دله ذلك على معرفة الآخرة، وليسا بنظيرين.

ثم بين الفقه والعلم فصل من وجه وإن كانا جميعا في الحقيقة يرجعان إلى معنى واحد؛ لأن العلم إنما يجلي الشيء له، وظهوره بنفسه، والفقه يعرف بغيره استدلالا؛ ولذلك جاز أن يقال: الله  عالم؛ لتجلي الأشياء له، ولم يجز أن يقال: إن الله فقيه؛ لأنه لا يعرف الأشياء بالاستدلال، والله الموفق.

والحكمة: وضع الأشياء موضعها، والإيقان: إنما هو يتولد عن ظهور الأسباب؛ ولذلك جاز أن يقال: إن الله  حكيم، ولم يجز أن يقال: إنه موقن، والله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ .

في هذا بيان أن الله  قد كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان، وأنه قد آتاهم العلم؛ لأن حسن البيان لا يكاد يكون إلا عن علم؛ فكأن الله  ذكر نعمه التي آتاهم؛ فإنهم لم يشكروا نعمه وأساءوا صحبتها، فكأنه يقول: كيف ترجو منهم حسن الصحبة لك، وإنهم لم يحسنوا صحبة نعمة رب العالمين؟!

فيكون [له] بعض التسلي؛ لما اهتم رسول الله  من سوء صنيعهم به، وإعراضهم عن اتباعه وطاعته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ .

يعني: وإن يقولوا تحسب قولهم حقّاً؛ فتسمع لقولهم لتقبله.

ويحتمل: تسمع لقولهم لما يعجبك قولهم، أو تسمع لقولهم على ما كانت عادته -  - في كل من كلمه أنه لا يغير عليه ولا يقطع عليه كلامه حتى يفرغ منه، ثم قبله إن كان مما يجب قبوله، وغيره على صاحبه ورده إن كان مستحقّاً للتغيير عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ .

يقول: إنهم فيما يكون من جانبهم وناحيتهم من حسن الصورة والبيان بحيث يعجبك، وفيما يلقى إليهم من الحق والدين والحكمة كأنهم خشب مسندة لا ينجع فيهم الحق ولا يقبلونه كالخشب المسندة.

ويحتمل هذا تمثيلا بالخشب؛ من حيث إن الخشب المسندة في الظاهر هي الخشب اليابسة التي لا أجواف لها فيوضع فيها شيء، فكذلك المنافقون كأنهم لا أجواف لهم يوضع فيها الحكمة والدين والحق، والله أعلم.

وجائز أن يكون معناه: كأنهم خشب مسندة؛ من حيث إن الخشب المسندة، ليس لها أسماع ولا أبصار ولا قلوب، فكذلك المنافقون كأنهم بكم عمي في ناحية الحق وقبوله، والله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: يحسبون كل صيحة سمعوها كلمة تهتك عليهم سرهم [و] تفضحهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم  ﴾ ، فأخبر أنهم كانوا يحسبون فضيحتهم وهتك أستارهم والاطلاع على ما في قلوبهم، فكذلك يحسبون أن من كلم رسول الله  فإنما تكلم بما يهتك عليهم أستارهم ويفضحهم، والله المستعان.

والثاني: يحتمل أن يكون ذلك في الحرب: أنهم كلما سمعوا صيحة في الحرب خافوا أن يكون فيه هلاكهم، وذلك أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكل فريق على حدة، وإذا وافقوا هذا الفريق صاروا حرباً للفريق الآخر، وإذا وافقوا الآخر صاروا حرباً لهؤلاء، فأخبر الله  أنهم يحسبون من كل صيحة سمعوها أن يكون ذلك سبباً لهلاكهم.

ويحتمل أن يكون الله  عاقبهم بالخوف الدائم؛ لتأميلهم الأمن من وجه لم يؤذنوا فيه؛ وذلك لما وصفنا أنهم كانوا يظهرون الموافقة لكلٍّ؛ رجاء أمنهم، وكان جميع مقاصدهم في ذلك تحصيل منافع الدنيا دون الديانة بدين من الأديان، وذلك غير مأذون فيه، فلما آثروا ذلك واختاروه من غير أن يؤذن لهم، عاقبهم بالخوف الدائم إما من الافتضاح والاطلاع على ما في قلوبهم أو من الهلاك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ ﴾ ، له أوجه من التأويل: أحدها: أن يقول: هم العدو، يعني: أنهم أدنى عدوكم؛ فاحذرهم في جميع أحوالهم في المطعم والمشرب وغيره؛ لأن الحذر عمن قرب من الأعداء ودنا أوجب ممن بعد ونأي.

أو احذرهم أن تطلعهم على سر فيما تراه وتضمره من الجهاد والحرب؛ فيحتالون به على هلاكك، أو يطلعون الكفرة على سرك.

أو احذرهم أن تقبل منهم قولا يقولونه عن أصحابك؛ لأنهم يغرون أصحابك عليك، فاحذرهم أن تقبل قولهم على أصحابك.

وقوله: ﴿ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ يعني: لعنهم.

وقوله: ﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ ، له تأويلان: أحدهما: أن يقول: أي سبب يمنعهم عن الإيمان بك وطاعتك، وقد أتيتهم بالآيات والحجج في اطلاعك على سرائرهم، وذلك لا يكون إلا عن الوحي.

أو يقول: ﴿ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ يعني: أنى يكذبون؛ تقليدا لأولئك الكفرة من غير أن يظهر لهم في ذلك آية وحجة، ولا يقلدون البرهان والحجة فيتبعونك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ﴾ .

ظاهر هذه الآية أن هذا القول منه إنما كان لجملة المنافقين، وكذلك قوله  : ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ .

وروى في الخبر أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أُبيٍّ ابن سلول المنافق؛ لأنه روي "أن رسول الله  كان كلما قام يوم الجمعة قام عبد الله بن أُبيٍّ [ابنُ] سلول في ناحية المسجد، وقال: هذا رسول الله، فوقروه، وعظموه، حتى نزلت هذه السورة، فقال بمثل مقالته، فقال له عمر -  -: اجلس يا كافر؛ فإن الله  قد فضحك، قال: فخرج من المسجد قبل أن يصلي الجمعة، فاستقبله بعض القوم فسألوه عن خروجه من المسجد قبل أداء الجمعة، فأخبرهم عن القصة، فقالوا: ارجع إلى رسول الله وسله أن يستغفر لك، فلوى رأسه وقال: ما لي إلى استغفاره حاجة" .

وروي "أنه لما قال: ﴿ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ، ثم أراد دخول المدينة من بعد هذه المقالة، فحبسه ابنه وقال: لا أدعك تدخلها ما لم تقر أنك الأذل وأن رسول [الله] هو الأعز، فبلغ ذلك رسول الله  فأمره أن يخلي عن أبيه، ثم قال له: إنك أولى أن تسمى: عبد الله بن أبيك" ، فسمى من بعد ذلك: عبد الله، وكان يسمى حباباً.

فهذان الخبران يدلان على أن هذه الآية إنما نزلت في واحد منهم، وظاهرها يدل على [أن] ذلك كان في جملة المنافقين.

ولكن الوجه في ذلك عندنا - والله أعلم - أنه يجوز أن يكون اعتقاد جملتهم على ذلك، فذكرهم الله  ؛ لاعتقادهم عليه، وذلك أنهم كانوا أقواماً لا يؤمنون بالآخرة.

والاستغفار إنما هو طلب المغفرة، وذلك إنما يتحقق في الآخرة، فإذا كان على هذا أصل اعتقادهم جملة ذكرهم الله  على ذلك؛ وكذلك قوله: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ كان عندهم أن الله  إنما آتاهم العز والغناء والشرف؛ لفضيلة لهم على محمد  ؛ فكانوا ينكرون عليه من ذلك الوجه، ثم إن الله قد ذكر في هذه الآية أنباء أنه قد كان آتاهم جميع ما به العز والشرف في الدنيا؛ ليمتحنهم بحقوق هذه النعم وتعظيمها وشكرها، وأنهم بلغوا في كل ذلك غاية ما عليه عمل الكفرة في سوء الصحبة بالنعم، وذلك أنه لما قال: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ﴾ ، دل أنه كان آتاهم حسن الصورة وحسن البيان، ولما قال: ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ﴾ ؛ دل أنه قد كان آتاهم الغناء، ولما قال: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ دل أنه قد كان آتاهم العز والشرف، ومعلوم أن هذه الأسباب التي وصفنا هي أسباب العز والشرف في الظاهر، ثم أخبر أنهم تركوا شكر ما أنعم عليهم في تعظيم الحق ولم يؤدوا شكره، وأنهم بلغوا في الباطن في كل شيء من ذلك غايته في سوء الصنع؛ لأنه دل بقوله  : ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ ﴾ على غاية البخل؛ حيث امتنع عن الإنفاق بنفسه، وأمر غيره ألا ينفق أيضاً وذلك في غاية البخل، ولما قال: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ﴾ ، فكأنهم كانوا في الغفلة عن ذكر الله وقبول الموعظة غايته، ولما قال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ ﴾ دل أنهم كانوا في الاستخفاف به - حيث تركوا الإنصاف، وأخذوا سبيل الاعتساف والاستكبار عليه - غايته، ولما قال: ﴿ يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم  ﴾ دل أنهم كانوا في سوء السريرة غايته.

قال: ويجوز أن يقع ذلك منهم لوجهين: أحدهما: أنهم رأوا ذلك حقّاً لهم على الله  .

أو يروا أن الله  آتاهم ذلك؛ تفضيلا لهم على غيرهم، فكانوا يتكبرون ويستعظمون على غيرهم، ويستخفون برسول الله  لذلك الوجه، ولم يتأملوا ولم يتفكروا فيتبين لهم أن الله  آتاهم جميع تلك النعم محنة عليهم، تعبدهم بأداء شكرها وتعظيم حقها، وذلك معنى ﴿ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ أي: لا يستعملون النظر في هذه النعم، وذلك أنه لو لم يكن رسول الله، كان يلزمهم أن يتأملوا فيما أوتوا من النعم وينظروا، فإذا تفكروا في ذلك، ولم يجدوا لهم عند الله صنعا استوجبوا به عنده مكافأة لذلك، ولا لهم فضل يفضلهم الله به على غيرهم؛ فكان يتبين لهم أن الله  إنما أعطاهم هذه النعم محنة؛ ليتعبدهم بأداء شكرها؛ ولذلك وقع الفصل فيما بين العلم والفقه: أن ما كان حقه التأمل والنظر، فحق اللفظ فيه أن يقال: يفقهون، ولا يفقهون، وما كان حق العلم به السماع والخبر، أطلق فيه لفظ (العلم)؛ ولذلك قال عند العزة والغلبة والنصر: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون النصر والغلبة لو لم يكن رسول الله  .

وقوله: ﴿ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾ ، له وجهان: أحدهما: رأيتهم يصدون عن طاعتك واتباعك.

والثاني: يصدون ضعفتهم عن اتباعك.

وقوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ؛ لأنهم لم يعدوا ذلك زلة وذنبا؛ لأنه كان عندهم أنهم على الحق.

والثاني: ما قلنا: إنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة، والمغفرة إنما تطلب من الله، ويتحقق ذلك في الآخرة.

وقوله: ﴿ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ .

على ذلك أيضاً أنه لا يغفر أَستغفرت أم لم تستغفر.

قال - رحمه الله -: ورسول الله -  - كان لا يستغفر للمنافقين بعدما ظهر عنده نفاقهم، ولكنه يجوز أن يكون هذا قبل ظهور نفاقهم، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: لن يغفر الله لهم ما داموا على النفاق، ولم يتوبوا عنه.

والثاني: أن يقول: لن يغفر لهم في قوم علم الله منهم: أنهم لا يؤمنون أبداً، فقال في أولئك: لن يغفر الله لهم؛ وكذلك هذا في قوله: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴾ .

فيه أن الله  يملك هداية وراء هداية البيان؛ لأن من لم يملك شيئاً لم يستقم أن يوصف بالتعظيم أنه لا يفعل؛ لأنه يعلم إذا لم يقدر ولم يملك لا يفعل، وإنما يوصف بهذا من يملك ذلك، ولكن لا يفعل، فلو لم يملك ولم يقدر خلق فعل الاهتداء فيمن أراد، لم يوصف بأنه لا يهدي الفاسقين؛ فدل أنه يملك هداية وراء هداية البيان، وهو خلق الاهتداء فيمن علم منه ذلك، والله الموفق.

وقال أبو بكر: معنى قوله: ﴿ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ﴾ أي: لا يهديهم لفسقهم.

وقالت المعتزلة: أي: لا يسميهم مهتدين إذا فسقوا وضلوا.

وأيهما كان فهو محال؛ لأن من هدى ضالا لضلالته فهو سفيه، فكأنه يقول: لا يسفه: ومن سمى الضال: مهتديا فهو كاذب، فكأنه قال: لا يكذب، وهما جميعا غير مستقيم؛ لأنا نعلم أنه لا يسفه ولا يكذب، فثبت أن في ملكه هداية يهدي من يشاء من عباده سوى هداية البيان، وإذا ثبت ما وصفنا أن في ملكه هداية سوى هداية البيان، ثبت أن له فيها مشيئة؛ لأن من ملك سبباً لم يجز أن يقطع عنه سببه؛ فلذلك قلنا: إن الله  يضل من يشاء من عباده لمن علم أنه يؤثر الضلال ويختاره على الهدى، ويهدي من يشاء لمن علم أنه يؤثر الهدى على الضلالة؛ فيهديه لذلك ويوفقه ويسدده، والله المستعان.

وقوله  : ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ﴾ .

قد وصفنا أن هذا من غاية بخلهم.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْ ﴾ دلالة أنهم أرادوا إطفاء هذا النور وإخفاءه، فأبى الله  إلا إظهاره.

وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

يبسطها على المنافقين؛ ليمتحنهم بالإنفاق على المؤمنين.

أو لله خزائن السماوات والأرض يضيقها على المؤمنين؛ ليمتحنهم بالصبر في حال الضيق.

أو يجوز أن يكون هذا بشارة للمؤمنين بأن الله  يوسع عليهم الدنيا بعدما ضاقت، وقد جعل حيث فتح لهم الفتوح وآتاهم النصر والغلبة على أعدائهم، والله أعلم.

وقوله -تعالى-: ﴿ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ .

الأعز قد يحتمل معاني: أحدها: الأغلب، وإلا فهو على مثال قوله: ﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ  ﴾ ، أي: غلبني في الخصومة.

والثاني: الأقوى والأشد، على مثال قوله -تعالى-: ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ يعني: أقوياء وأشداء.

والثالث: الأعلى الأجل، وكذلك قوله: ﴿ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فإن كان الأعلى والأجل فذلك أن المؤمنين أعلى وأجل؛ لأنهم اتبعوا الحجة بالحجج، والكفار اتبعوا أهواءهم.

وإن كان على الأغلب والأقهر فذلك للمؤمنين بالغلبة والنصرة على أعدائهم.

وإن كان على القوة والشدة، فقد كان ذلك للمؤمنين؛ لأنه لو لم يوجد ذلك للمؤمنين لم يكن أهل النفاق يظهرون الوفاق للمؤمنين، ولكنهم رأوا القوة والشدة للمؤمنين مرة، وللكفار أخرى - أظهروا الموافقة للفريقين جميعاً؛ ولذلك قال ذلك المنافق: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ؛ لأنه لما رأى العزة والشدة للكافرين يوم أحد، توهم أنهم يغلبونهم أبداً؛ فأظهر النفاق، وقال عند ذلك: ﴿ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إذا حضر مجلسك -أيها الرسول- المنافقون الذين يُظْهِرون الإسلام، ويُضْمِرون الكفر، قالوا: نشهد إنك لرسول الله حقًّا، والله يعلم إنك لرسوله حقًّا، والله يشهد أن المنافقين لكاذبون فيما يدّعون أنهم يشهدون من صميم قلوبهم أنك رسوله.

<div class="verse-tafsir" id="91.G0E3V"

مزيد من التفاسير لسورة المنافقون

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله