الإسلام > القرآن > سور > سورة 63 المنافقون > الآية ٩ من سورة المنافقون
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 46 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩ من سورة المنافقون: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى آمرا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره وناهيا لهم عن أن تشغلهم الأموال ، والأولاد عن ذلك ، ومخبرا لهم بأنه من التهى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره ، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم ، وأهليهم يوم القيامة
يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله (لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ ) يقول: لا توجب لكم أموالكم (وَلا أَوْلادُكُمْ ) اللهو (عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) وهو من ألهيته عن كذا وكذا، فلها هو يلهو لهوًا؛ ومنه قول امرئ القيس: وَمِثْلـكِ حُـبْلَى قـد طَـرَقَتُ وَمُرْضِعٍ فألْهَيْتُهَــا عَــنْ ذِي تَمَـائمَ مُحْـوِلِ (2) وقيل: عُنِي بذكر الله جلّ ثناؤه في هذا الموضع: الصلوات الخمس.
* ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أَبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) قال: الصلوات الخمس.
وقوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ) يقول: ومن يلهه ماله وأولاده عن ذكر الله (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) يقول: هم المغبونون حظوظهم من كرامة الله ورحمته تبارك وتعالى.
------------------------ الهوامش: (2) البيت لامرئ القيس.
وقد سبق استشهاد المؤلف به في الجزء (17 : 114) وشرحنا هناك شرحا مفصلا، فراجعه.
وموضع الشاهد فيه هنا قوله "فألهيتها" وأصله من اللهو، وهو ما لهوت به ولعبت به وشغلك.
من هوى وطرب ونحوهما، يقال: لهوت بالشيء ألهو به لهوا، وتلهيت به إذا لعبت وتشاغلت، وغفلت به عن غيره.
وتقول: ألهاني فلان عن كذا: أي شغلني وأنساني، وكأن الهمزة فيه للسلب.
قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون حذر المؤمنين أخلاق المنافقين ; أي لا تشتغلوا بأموالكم كما فعل المنافقون إذ قالوا - للشح بأموالهم - : لا تنفقوا على من عند رسول الله .
عن ذكر الله ؛ أي عن الحج والزكاة .
وقيل : عن قراءة القرآن .
وقيل : عن إدامة الذكر .
وقيل : عن الصلوات الخمس ; قاله الضحاك .
وقال الحسن : جميع الفرائض ; كأنه قال عن طاعة الله .
وقيل : هو خطاب للمنافقين ; أي آمنتم بالقول فآمنوا بالقلب .
ومن يفعل ذلك أي من يشتغل بالمال والولد عن طاعة ربه فأولئك هم الخاسرون .
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره، فإن في ذلك الربح والفلاح، والخيرات الكثيرة، وينهاهم أن تشغلهم أموالهم وأولادهم عن ذكره، فإن محبة المال والأولاد مجبولة عليها أكثر النفوس، فتقدمها على محبة الله، وفي ذلك الخسارة العظيمة، ولهذا قال تعالى: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } أي: يلهه ماله وولده، عن ذكر الله { فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } للسعادة الأبدية، والنعيم المقيم، لأنهم آثروا ما يفنى على ما يبقى، قال تعالى: { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } .
قوله - عز وجل - : ( ياأيها الذين آمنوا لا تلهكم ) ، لا تشغلكم ( أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) ، قال المفسرون يعني الصلوات الخمس ، نظيره قوله : " لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " ( النور - 37 ( ومن يفعل ذلك ) ، أي من شغله ماله وولده عن ذكر الله ( فأولئك هم الخاسرون ) .
«يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم» تشغلكم «أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله» الصلوات الخمس «ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون».
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تَشْغَلْكم أموالكم ولا أولادكم عن عبادة الله وطاعته، ومن تشغَله أمواله وأولاده عن ذلك، فأولئك هم المغبونون حظوظهم من كرامة الله ورحمته.
ثم تختتم السورة الكريمة بنداء توجهه إلى المؤمنين ، تأمرهم فيه بالمواظبة على طاعة الله - تعالى - وتنهاهم عن أن يشغلهم عن ذلك شاغل ، وتحضهم على الإنفاق فى سبيل إعلاء كلمته - سبحانه - ، وعلى تقديم العمل الصالح الذى ينفعهم قبل فوات الأوان ، قال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ .
.
.
) .المقصود من هذه الآيات الكريمة نهى المؤمنين عن التشبه بالمنافقين الذين سبق الحديث عنهم بصورة مفصلة ، وحضهم على الاستجابة لما كلفهم الله - تعالى - به .
أى : يامن آمنتم بالله - تعالى - إيمانا حقا ، ( لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الله ) أى : لا تشغلكم أموالكم التى تهتمون بجمعها وتحصيلها .
.
.
ولا أولادكم الذين هم أشهى ثمرات حياتكم .
.
.
لا يشغلكم ذلك عن أداء ما كلفكم - سبحانه - بأدائه من طاعات ، فالمراد بذرك الله ، ما يشمل جميع التكاليف من صلاة وزكاة وصيام وحج ، وغير ذلك من الطاعات التى أمر الله - تعالى - بها .وخص الأموال والأولاد بتوجيه النهى عن الاشتغال بهما اشتغالا يلهى عن ذكر الله ، لأنهما أكثر الأشياء التى تلهى عن طاعة الله - تعالى .
.
.
فمن أجل الاشتغال بجمع المال ، يق ضى الإنسان معظم حياته ، وكثير من الناس من أجل جمع المال ، يضحون بما يفرضه عليهم دينهم من واجبات ، ومن أخلاق ، ومن سلوك وآداب .
.
.ومن أجل راحة الأولاد قد يضحى الآباء براحتهم ، وبما تقضى به المروءة ، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول : " الولد مجبنة مبخلة " .والتعبير بقوله - تعالى - : ( لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الله ) يشعر بأن المسلم إذا اشتغل بجمع المال .
وبرعاية الأولاد ، دون أن يصرفه ذلك عن طاعة الله ، أو عن أداء حق من حقوقه - تعالى - ، فإن هذا الاشتغال لا يكون مذموما ، بل يكون مرضيا عنه من الله - تعالى - .واسم الإشارة فى قوله - تعالى - : ( وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فأولئك هُمُ الخاسرون ) يعود إلى ما سبق ذكره من اللهو عن ذكر الله ، بسبب الأموال والأولاد .أى : ومن يشغله حبه لماله وأولاده عن ذكر الله ، وعن أداء ما كلفه - سبحانه - به ، فأولئك هم البالغون أقصى درجات الخسرات والغفلة ، لأنهم خالفوا ما أمرهم به ربهم ، وآثروا ما ينفعهم فى عاجلتهم الفانية ، على ما ينفعهم فى آجلتهم الباقية .
﴿ لاَ تُلْهِكُمْ ﴾ لا تشغلكم كما شغلت المنافقين، وقد اختلف المفسرون منهم من قال: نزلت في حق المنافقين، ومنهم من قال في حق المؤمنين، وقوله: ﴿ عَن ذِكْرِ الله ﴾ عن فرائض الله تعالى نحو الصلاة والزكاة والحج أو عن طاعة الله تعالى وقال الضحاك: الصلوات الخمس، وعند مقاتل: هذه الآية وما بعدها خطاب للمنافقين الذين أفروا بالإيمان ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ أي ألهاه ماله وولده عن ذكر الله ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ أي في تجارتهم حيث باعوا الشريف الباقي بالخسيس الفاني وقيل: هم الخاسرون في إنكار ما قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد والبعث.
وقال الكلبي: الجهاد، وقيل: هو القرآن وقيل: هو النظر في القرآن والتفكر والتأمل فيه ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم ﴾ قال ابن عباس يريد زكاة المال ومن للتبعيض، وقيل: المراد هو الإنفاق الواجب ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت ﴾ أي دلائل الموت وعلاماته فيسأل الرجعة إلى الدنيا وهو قوله: ﴿ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وقيل حضهم على إدامة الذكر، وأن لا يضنوا بالأموال، أي هلا أمهلتني وأخرت أجلي إلى زمان قليل، وهو الزيادة في أجله حتى يتصدق ويتزكى وهو قوله تعالى: ﴿ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين ﴾ قال ابن عباس هذا دليل على أن القوم لم يكونوا مؤمنين إذ المؤمن لا يسأل الرجعة.
وقال الضحاك: لا ينزل بأحد لم يحج ولم يؤد الزكاة الموت إلا وسأل الرجعة وقرأ هذه الآية، وقال صاحب الكشاف: من قبل أن يعاين ما ييأس معه من الإمهال ويضيق به الخناق ويتعذر عليه الإنفاق، ويفوت وقت القبول فيتحسر على المنع ويعض أنامله على فقد ما كان متمكناً منه، وعن ابن عباس تصدقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت فلا تقبل توبة ولا ينفع عمل وقوله: ﴿ وَأَكُن مِّنَ الصالحين ﴾ قال ابن عباس: أحج وقرئ فأكون وهو على لفظ فأصدق وأكون، قال المبرد: وأكون على ما قبله لأن قوله: ﴿ فَأَصَّدَّقَ ﴾ جواب للاستفهام الذي فيه التمني والجزم على موضع الفاء، وقرأ أبي فأتصدق على الأصل وأكن عطفاً على موضع فأصدق: وأنشد سيبويه أبياتاً كثيرة في الحمل على الموضع منها: (معاوى إننا بشر فأسجح) *** فلسنا بالجبال ولا الحديدا فنصب الحديد عطفاً على المحل والباء في قوله: بالجبال، للتأكيد لا لمعنى مستقبل يجوز حذفه وعكسه قول ابن أبي سلمى: بدا لي أني لست مدرك ماضي *** ولا سابق شيئاً إذا كان جاثياً توهم أنه قال بمدرك فعطف عليه قوله سابق، عطفاً على المفهوم، وأما قراءة أبي عمرو ﴿ وأكون ﴾ فإنه حمله على اللفظ دون المعنى، ثم أخبر تعالى أنه لا يؤخر من انقضت مدته وحضر أجله فقال: ﴿ وَلَن يُؤَخّرَ الله نَفْساً ﴾ يعني عن الموت إذا جاء أجلها، قال في الكشاف: هذا نفي للتأخير على وجه التأكيد الذي معناه منافاة المنفي، وبالجملة فقوله: ﴿ لاَ تُلْهِكُمْ أموالكم وَلاَ أولادكم ﴾ تنبيه على الذكر قبل الموت: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم ﴾ تنبيه على الشكر لذلك وقوله تعالى: ﴿ والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ أي لو رد إلى الدنيا ما زكى ولا حج، ويكون هذا كقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ والمفسرون على أن هذا خطاب جامع لكل عمل خيراً أو شراً وقرأ عاصم يعملون بالياء على قوله: ﴿ وَلَن يُؤَخّرَ الله نَفْساً ﴾ لأن النفس وإن كان واحداً في اللفظ، فالمراد به الكثير فحمل على المعنى والله أعلم وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
﴿ لاَ تُلْهِكُمْ ﴾ لا تشغلكم ﴿ أموالكم ﴾ والتصرف فيها: والسعي في تدبير أمرها: والتهالك على طلب النماء فيها بالتجارة والاغتلال، وابتغاء النتاج والتلذذ بها؛ والاستمتاع بمنافعها ﴿ وَلاَ أولادكم ﴾ وسروركم بهم، وشفقتكم عليهم، والقيام بمؤنهم، وتسوية ما يصلحهم من معايشهم في حياتكم وبعد مماتكم، وقد عرفتم قدر منفعة الأموال والأولاد، وأنه أهون شيء وأدونه في جنب ما عند الله ﴿ عَن ذِكْرِ الله ﴾ وإيثاره عليها ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك ﴾ يريد الشغل بالدنيا عن الدين ﴿ فأولائك هُمُ الخاسرون ﴾ في تجارتهم حيث باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني.
وقيل: ذكر الله الصلوات الخمس.
وعن الحسن: جميع الفرائض، كأنه قال: عن طاعة الله.
وقيل: القرآن.
وعن الكلبي: الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ لا يَشْغَلُكم تَدْبِيرُها والِاهْتِمامُ بِها عَنْ ذِكْرِهِ كالصَّلَواتِ وسائِرِ العِباداتِ المُذَكِّرَةِ لِلْمَعْبُودِ، والمُرادُ نَهْيُهم عَنِ اللَّهْوِ بِها.
وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلَيْها لِلْمُبالَغَةِ ولِذا قالَ: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أيِ اللَّهْوَ بِها وهو الشُّغْلُ.
﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ لِأنَّهم باعُوا العَظِيمَ الباقِيَ بِالحَقِيرِ الفانِي.
﴿ وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ ﴾ بَعْضَ أمْوالِكُمُ ادِّخارًا لِلْآخِرَةِ.
﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ أيْ يَرى دَلائِلَهُ ﴿ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي ﴾ هَلّا أمْهَلْتَنِي.
﴿ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ أمَدٍ غَيْرِ بَعِيدٍ.
﴿ فَأصَّدَّقَ ﴾ فَأتَصَدَّقَ.
﴿ وَأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ بِالتَّدارُكِ، وجَزْمُ أكُنْ لِلْعَطْفِ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ وما بَعْدَهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «وَأكُونَ» مَنصُوبًا عَطْفًا عَلى «فَأصَّدَّقَ»، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى وأنا أكُونُ فَيَكُونُ عِدَةً بِالصَّلاحِ.
﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا ﴾ ولَنْ يُمْهِلَها.
﴿ إذا جاءَ أجَلُها ﴾ آخِرُ عُمْرِها.
﴿ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ فَمُجازٍ عَلَيْهِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ بِالياءِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ في الغَيْبَةِ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ المُنافِقِينَ بَرِئَ مِنَ النِّفاقِ».»
{يا أيها الذين آمنوا لاَ تُلْهِكُمْ} لا تشغلكم {أموالكم} والتصرف فيها والسعي في تدبير امرها بالنماء وطلب التاج {وَلاَ أولادكم} وسروركم بهم وشفقتكم عليهم والقيام بمؤنهم {عَن ذِكْرِ الله} أي عن الصلوات الخمس أو عن القرآن {وَمَن يَفْعَلْ ذلك}
يريد الشغل بالدنيا عن الدين وقيل من يشتغل بثمير أمواله عن تدبير أحواله وبمرضاة أولاده عن إصلاح معاده {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون} في تجارتهم حيث باعوا الباقي بالفاني
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا يَشْغَلُكُمُ الِاهْتِمامُ بِتَدْبِيرِ أُمُورِها والِاعْتِناءِ بِمَصالِحِها والتَّمَتُّعِ بِها عَنِ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الصَّلاةِ وسائِرِ العِباداتِ المَذْكُورَةِ لِلْمَعْبُودِ الحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ فَذِكْرُ اللَّهُ تَعالى مَجازٌ عَنْ مُطْلَقِ العِبادَةِ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ، والعَلاقَةُ السَّبَبِيَّةُ لِأنَّ العِبادَةَ سَبَبٌ لِذِكْرِهِ سُبْحانَهُ وهو المَقْصُودُ في الحَقِيقَةِ مِنها.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِهِ جَمِيعُ الفَرائِضِ، وقالَ الضَّحّاكُ وعَطاءٌ: الذِّكْرُ هُنا الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الجِهادُ مَعَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: القُرْآنُ، والعُمُومُ أوْلى، ويُفْهَمُ كَلامُ الكَشّافِ أنَّ المُرادَ بِالأمْوالِ والأوْلادِ الدُّنْيا، وعَبَّرَ بِهِما عَنْها لِكَوْنِهِما أرْغَبَ الأشْياءِ مِنها قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فَإذا أُرِيدَ بِذِكْرِ اللَّهِ العُمُومُ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى لا تَشْغَلَنَّكُمُ الدُّنْيا عَنِ الدِّينِ والمُرادُ بِنَهْيِ الأمْوالِ وما بَعْدَها نَهْيُ المَخاطَبِينَ وإنَّما وُجِّهَ إلَيْها لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّها لِقُوَّةِ تَسَبُّبِها لِلَّهْوِ وشِدَّةِ مَدْخَلِيَّتِها فِيهِ جُعِلَتْ كَأنَّها لاهِيَةٌ، وقَدْ نَهَيْتُ عَنِ اللَّهْوِ فالأصْلُ لا تَلْهُوا بِأمْوالِكم إلَخْ، فالتَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، وقِيلَ: إنَّهُ تَجَوُّزٌ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ ﴾ أيْ لا تَكُونُوا بِحَيْثُ تُلْهِيكم أمْوالُكم إلَخْ.
﴿ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أيِ اللَّهْوَ بِها وهو الشَّغْلُ، وهَذا أبْلَغُ مِمّا لَوْ قِيلَ: ومَن تُلْهِهِ تِلْكَ ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ حَيْثُ باعُوا العَظِيمَ الباقِيَ بِالحَقِيرِ الفانِي، وفي التَّعْرِيفِ بِالإشارَةِ والحَصْرِ لِلْخُسْرانِ فِيهِمْ، وفي تَكْرِيرِ الإسْنادِ وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، وكَأنَّهُ لَمّا نُهِيَ المُنافِقُونَ عَنِ الإنْفاقِ عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وأُرِيدَ الحَثُّ عَلى الإنْفاقِ جُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ تَمْهِيدًا وتَوْطِئَةً لِلْأمْرِ بِالإنْفاقِ لَكِنْ عَلى وجْهِ العُمُومِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
ثم قال: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا يعني: يتفرقوا.
وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا في غزوة، فكسح رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري يا للأنْصارِ وقال: المهاجري: يا للمهاجرين.
فسمع النبيّ ، فقال: «مَا بَالُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، دَعُوهَا فَإنَّهَا فِتْنَةٌ» .
فقال عبد الله بن أبي: والله لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة، لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل.
فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب رأس هذا المنافق فقال النبيّ : «دَعْهُ لا يَتَحَدَّث النَّاسُ أنَّ مُحَمَّداً يَقْتُلُ أصْحَابَهُ» .
وروى معمر، عن قتادة أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله، فإنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا.
قال: فاقتتل رجلان، أحدهما من جهينة، والآخر من غفار وكانت جهينة حليف الأنصار، فظهر عليهم الغفاري، فقال رجل منهم عظيم النفاق يعني: عبد الله بن أبي: عليكم صاحبكم حليفكم، فو الله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمِّن كلبك يأكلك.
أما والله لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى المدينة.
لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذلّ.
وروى معمر، عن الحسن: أن غلاماً جاء إلى النبيّ ، فقال: يا نبي الله، إني سمعت أن عبد الله بن أبي يقول كذا.
فقال: فلعلك غضبت عليه.
فقال: أما والله يا نبي الله، فلقد سمعته يقول، فقال: فلعله أخطأ سمعك.
فقال: لا والله يا نبي الله، لقد سمعته يقول.
فأنزل الله تعالى تصديقاً للغلام لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ.
فأخذ النبيّ بأذن الغلام، وقال: «وَعَتْ أُذُنُكَ يَا غُلامُ» ، فنزل قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا قال الله تعالى: وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: مفاتيح السموات وهي المطر والرزق، ومفاتيح الأرض وهي النبات.
وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لاَّ يَفْقَهُونَ أمر الله تعالى.
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ يعني: القوي مِنْهَا يعني: من المدينة الذليل يعني: محمداً وأصحابه.
قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ يعني: المقدرة والمنعة لله ولرسوله.
وَلِلْمُؤْمِنِينَ، حيث قواهم الله تعالى ونصرهم وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يصدقون في السر.
ويقال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ يعني: القدرة، ويقال: نفاذ الأمر وَلِرَسُولِهِ، وهو عزة النبوة والرسالة وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وهو عز الإيمان والإسلام، أعزهم الله فِى الدنيا والآخرة.
ولكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ.
ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ يعني: لا تشغلكم أموالكم وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يعني: عن طاعة الله تعالى.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يعني: من لم يعمل بطاعته ولم يؤمن بوحدانيته، فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ يعني: المغبونين بذهاب الدنيا وحرمان الآخرة.
ثم قال عز وجل: وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ يعني: تصدقوا مما رزقناكم، أي: مما رزقكم الله من الأموال.
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يعني: يقول: يا سيدي ردني إلى الدنيا، فَأَصَّدَّقَ يعني: فأتصدق، ويقال: أصدق بالله.
وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ يعني: أفعل كما فعل المؤمنون.
وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: مَنْ كَانَ له مال يجب فيه الزكاة فلم يزكه، أو مال يبلغه بيت الله فلم يحج، سأل عند الموت الرجعة قال: فقال رجل: اتق الله يا ابن عباس، سألت الكفار الرجعة.
قال: إني أقرأ عليك بهذا القرآن.
ثم قرأ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى قَولِه: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ فقال رجل: يا ابن عباس، وما يوجب الزكاة؟
قال: مائتان فصاعداً.
قال: فما يوجب الحج؟
قال: الزاد والراحلة.
قرأ أبو عمرو، فَأَصَّدَّقَ وأكون بالواو وفتح النون، والباقون وَأَكُنْ بحذف الواو بالجزم.
فمن قرأ وأكون، فإنه عطفه على موضع فَأَصَّدَّقَ، لأنه على معنى إن أخرتني أصدق وأكن، ولم يعطفه على اللفظ.
قال أبو عبيدة: قرأت في مصحف عثمان هكذا بغير واو.
ثم قال: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها يعني: إذ جاء وقتها.
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر، فيجازيكم.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر يَعْلَمُونَ بالياء على معنى الخبر عنهم، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة والله أعلم.
فَخَزِيَ عِنْدَ ذَلِكَ عبدُ اللَّه بن أُبَيٍّ ومَقَتَه الناسُ ولاَمه المؤْمِنونَ من قومِه، وقال له بعضهم:
امض إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واعْتَرِفْ بذنبكَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فلوى رَأْسَهُ إنْكَاراً لهذا الرَّأْيِ، وقال لهم: لقد أشَرْتُمْ علي بالإيمان فآمنتُ، وأَشَرْتُمْ علي بأنْ أعطِيَ زَكَاةَ مالِي فَفَعَلتُ، وَلَمْ يَبْقَ لكم إلا أن تأمروني بالسجود لِمحمَّدٍ، فهذا قَصَصُ هذه السورة مُوجَزاً، وقَرأَ نافعٌ والمفضَّل عن عاصم: «لَوَوْا» - بتخفيف الواوِ- وقرأ الباقون بتشديدِها.
وقوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ...
الآية، رويَ أنه لما نزلتْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لأَزِيدَنَّ على السبعينَ، وفي حديثٍ آخَرَ: لَوْ عَلِمْتُ أنِّي لَوْ زِدْتُ على السبعينَ لَغَفَرَ لَهُمْ لَزِدْتُ، وفي هذا الحديثِ دليلٌ عَلَى رَفْضِ دليلِ الخطابِ، فَلَمَّا فعل ابْنُ أُبَيٍّ وأصحابهُ مَا فَعَلُوا شَدَّدَ اللَّه عليهم في هذه الآيةِ، وأَعْلَم أَنَّه لَنْ يَغْفِرَ لهم دون حدّ في الاستغفار.
وقوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ إشارةٌ إلى ابن أُبَيٍّ ومَنْ قَالَ بقوله، ثم سفه تعالى أحلامَهم في أن ظَنُّوا أنَّ إنْفَاقَهم هو سَبَبُ رزقِ المهاجرينَ، ونَسَوا أن جَرَيَانِ الرزقِ بِيَدِ اللَّهِ تعالى إذَا انْسَدَّ بابٌ انْفَتَحَ غَيْرُه ثم أعْلَمَ تعالى أنَّ العزةَ لِلَّهِ ولرسولهِ وللمؤمنِين، وفي ذلكَ وعيدٌ وَرُوِي/ أن عبدَ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن أُبَيٍّ وكَانَ رَجُلاً صَالِحاً لَمَّا سَمِعَ الآيةَ، جَاءَ إلى أبيه فَقَالَ له: أنْتَ واللَّهِ يا أبَتِ الذليلُ، ورَسُولُ اللَّهِ العزيزُ، وَوَقَفَ عَلَى بَابِ السِّكَّةِ التي يَسْلُكُها أبوه، وجَرَّدَ السَّيْفَ وَمَنَعَهُ الدُّخُولَ، وقال: واللَّهِ لاَ دَخَلْتَ إلى مَنْزِلِكَ إلاَّ أنْ يأْذَنَ في ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في أذَلِّ حال، وبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فَبَعَثَ إلَيْهِ أنْ خَلِّهِ يَمْضِي إلى مَنْزِلِهِ، فقال: أمّا الآن، فنعم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ...
الآية، الإلهاءُ: الاشْتِغَالُ بِمَلَذ وَشَهْوَةٍ، وذكرُ اللَّه هنا عامٌّ في الصلوات، والتوحيدِ،
والدعاء، وغيرِ ذلكَ مِنْ مَفْرُوضٍ، ومنْدُوبٍ، وكذلك قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَّا رَزَقْناكُمْ عامٌّ من المفرُوضِ والمندوبِ قاله جماعة من المفسرينَ، قال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب «عيوب النفس» : وَمِنْ عيوبِها تضييعُ أوقاتِها بالاشْتِغَالِ بما لا يَعْنِي مِنْ أُمورِ الدُّنْيا، والخَوْضِ فيها مَعَ أهلِها، ومُدَاوَاتُها أنْ يَعْلَمَ أنَّ وَقْتَه أعزُّ الأشياءِ فَيَشْغَلَه بِأَعَزّ الأَشْيَاءِ، وهو ذِكْرُ اللَّهِ، والمُدَاوَمَةُ على الطاعةِ ومطالبةُ الإخْلاَصِ من نفسهِ فإنَّه رُوِيَ عنِ النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يَعْنِيهِ» «١» وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورٍ: عَلَيْكَ بنفسِكَ فَإنْ لَمْ تَشْغَلْها شَغَلَتْكَ، انتهى.
وقولهُ: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمهَالِ، وسَمَّاه قَرِيباً لأنّه آتٍ، وأيْضاً فإنَّما يتمنى ذلك لِيقْضِيَ فيه العملَ الصالحَ فَقَطْ/ وليس يتّسع الأمل حينئذ لطلب العيش ونظرته.
وقوله: وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ظاهرَه العمُومُ، وقال ابن عباس: هو الحج «٢» وَرَوَى الترمذيُّ عنه أنَّه قال: مَا مِنْ رَجُلٍ لاَ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ وَلاَ يَحُجُّ إلاَّ طَلَبَ الْكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ «٣» ، قَال الثعلبيُّ: قَال ابن عباس: إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يريدُ مِثْلَ آجالِنَا في الدنيا «٤» ، انتهى، وقرأ أبو عمرو «٥» : «وَأَكُونَ» ، وفي قوله تعالى: وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها حَضٌّ عَلَى المُبَادَرَةِ ومُسَابَقَةِ الأَجَلِ بالعملِ الصالح.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُلْهِكُمْ ﴾ أيْ: لا تَشْغَلْكم.
وفي المُرادِ بِذِكْرِ اللَّهِ ها هُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: طاعَةُ اللَّهِ في الجِهادِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: الفَرائِضُ مِنَ الصَّلاةِ، وغَيْرِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ عَلى إطْلاقِهِ.
قالَ الزَّجّاجُ: حَضَّهم بِهَذا عَلى إدامَةِ الذِّكْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ ﴾ في هَذِهِ النَّفَقَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ زَكاةُ الأمْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها النَّفَقَةُ في الحُقُوقِ الواجِبَةِ بِالمالِ، كالزَّكاةِ والحَجِّ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ الأمْرُ نَدْبًا، وعَلى ما قَبْلَهُ يَكُونُ أمْرَ وُجُوبٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُعايِنَ ما يَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ مَيِّتٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنِي ﴾ أيْ: هَلّا أخَّرَتْنِي ﴿ إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ الِاسْتِزادَةَ في أجْلِهِ لِيَتَصَدَّقَ ويُزَكِّيَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصَّدَّقَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ﴿ فَأصَّدَّقَ ﴾ نُصِبَ، لِأنَّ كُلَّ جَوابٍ بِالفاءِ لِلِاسْتِفْهامِ مَنصُوبٌ.
تَقُولُ: مَن عِنْدَكَ فَآتِيَكَ.
هَلّا فَعَلْتَ كَذا، فَأفْعَلَ كَذا، ثُمَّ تَبِعَتْها ﴿ وَأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ بِغَيْرِ واوٍ.
وقالَ أبُو عَمْرٍو: إنَّما هِيَ، وأكُونَ، فَذَهَبَتِ الواوُ مِنَ الخَطِّ.
كَما يُكْتَبُ أبُو جادٍ أبْجَدٍ هِجاءً، وهَكَذا يَقْرَؤُها أبُو عَمْرٍو "وَأكُونَ" بِالواوِ، ونَصْبِ النُّونِ.
والباقُونَ يَقْرَؤُونَ "وَأكُنْ" بِغَيْرِ واوٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "وَأكُونَ" فَهو عَلى لَفْظِ فَأصَّدَّقَ.
ومَن جَزَمَ "أكُنْ" فَهو عَلى مَوْضِعِ "فَأصَّدَّقَ" لِأنَّ المَعْنى: إنْ أخَّرَتْنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ فَأصَّدَّقَ ﴾ أيْ: أُزَكِّي مالِي ﴿ وَأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ أيْ: أحُجُّ مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ والمَعْنى: بِما تَعْمَلُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالصَّدَقَةِ.
قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: المُنافِقِينَ.
ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ما مِن أحَدٍ يَمُوتُ، وقَدْ كانَ لَهُ مالٌ لَمْ يُزَكِّهِ، وأطاقَ الحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ، إلّا سَألَ اللَّهَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ، فَقالُوا لَهُ: إنَّما يَسْألُ الرَّجْعَةَ الكُفّارُ، فَقالَ: أنا أتْلُو عَلَيْكم بِهِ قُرْآنًا، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أولادُكم عن ذِكْرِ اللهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِن الصالِحِينَ ﴾ ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ الإلْهاءُ: الِاشْتِغالُ بِشَهْوَةٍ ولَذَّةٍ، و"ذِكْرُ اللهِ" هُنا عامٌّ في التَوْحِيدِ والصَلاةِ والدُعاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فَرْضٍ ومَندُوبٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الضَحّاكُ، وعَطاءٌ وأصْحابُهُ: المُرادُ بِالذِكْرِ الصَلاةُ المَكْتُوبَةُ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ ﴾ قالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ الزَكاةُ، وقالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ عامٌّ في مَفْرُوضٍ ومَندُوبٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ أيْ: عَلاماتُهُ وأوائِلُ أمْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ طَلَبٌ لِلْكَرَّةِ والإمْهالِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أخَّرْتَنِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وسَمّاهُ قَرِيبًا لِأنَّهُ آتٍ، وأيْضًا فَإنَّما يَتَمَنّى ذَلِكَ لِيَقْضِيَ فِيهِ العَمَلَ الصالِحَ فَقَطْ، ولَيْسَ يَتَّسِعُ الأمَلُ حِينَئِذٍ لِطَلَبِ العَيْشِ وتَصَرُّفِهِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "فَأتَصَدَّقُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الحَجُّ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ في مَجْلِسِهِ يَوْمًا: "ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي الزَكاةَ والحَجَّ إلّا طَلَبَ الكَرَّةَ عِنْدَ مَوْتِهِ"، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أما تَتَّقِي اللهَ؟
أمُؤْمِنٌ يَطْلُبُ الكَرَّةَ؟
فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَعَمْ وقَرَأ الآيَةَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسُ: "وَأكُنْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: إنْ تُؤَخِّرْنِي أصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصالِحِينَ، هَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، فَأمّا ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ فَهو غَيْرُ هَذا، وهو أنَّهُ جَزَمَ عَلى تَوَهُّمِ الشَرْطِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ التَمَنِّي، ولا مَوْضِعَ هُنا لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِظاهِرٍ، وإنَّما يُعْطَفُ عَلى الوَضْعِ حَيْثُ يَظْهَرُ الشَرْطُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهُمْ ﴾ ، فَمَن قَرَأ بِالجَزْمِ عَطَفَ عَلى مَوْضِع "فَلا هادِيَ لَهُ" لِأنَّهُ وقَعَ هُناكَ فِعْلٌ كانَ مَجْزُومًا، وكَذَلِكَ مَن قَرَأ: "وَيَكْفُرْ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَوْضِع ( فَهو خَيْرٌ لَكم )، وقَرَأها أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُبَيْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ العنبَرِيُّ: "وَأكُونَ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "فَأصَّدَّقَ"، وقالَ أبُو حاتِمٍ في كَتْبِها في المُصْحَفِ بِغَيْرِ واوٍ: إنَّهم حَذَفُوا الواوَ كَما حَذَفُوها مِنِ "اتَّخَذَ" وغَيْرِهِ، ورَجَّحَها أبُو عَلِيٍّ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَأتَصَدَّقُ وأكُنْ" وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها ﴾ حَضٌّ عَلى المُبادَرَةِ ومُسابَقَةِ الأجَلِ بِالعَمَلِ الصالِحِ، وقَرَأ السَبْعَةُ والجُمْهُورُ: "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِجَمِيعِ الناسِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ عَلى تَخْصِيصِ الكَفّارِ بِالوَعِيدِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ المُنافِقُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
انتقال من كشف أحوال المنافقين المسوق للحذر منهم والتحذير من صفاتهم، إلى الإِقبال على خطاب المؤمنين بنهيهم عما شأنُه أن يشغل عن التذكر لما أمر الله ونهى، ثم الأمر بالإِنفاق في سبل الخير في سبيل الله ومصالح المسلمين وجماعتهم وإسعاف آحادهم، لئلا يستهويهم قول المنافقين ﴿ لا تنفقوا على من عند رسول الله ﴾ [المنافقين: 7] والمبادرة إلى ذلك قبل إتيان الموت الذي لا يُدْرى وقت حلوله حين تمنى أن يكون قد تأخر أجله ليزيد من العمل الصالح فلا ينفعه التمني وهو تمهيد لقوله بعده ﴿ وأنفقوا من ما رزقناكم ﴾ [المنافقون: 10]، فالمناسبة لهذا الانتقال هو حكاية مقال المنافقين ولذلك قدم ذكر الأموال على ذكر الأولاد لأنها أهم بحسب السياق.
ونودي المخاطبون بطريق الموصول لما تؤذن به الصلة من التهمم لامتثال النهي.
وخص الأموال والأولاد بتوجه النهي عن الاشتغال بها اشتغالاً يلهي عن ذكر الله لأن الأموال مما يكثر إقبال الناس على إنمائها والتفكير في اكتسابها بحيث تكون أوقات الشغل بها أكثر من أوقات الشغل بالأولاد.
ولأنها كما تشغل عن ذكر الله بصرف الوقت في كسبها ونمائها، تشغل عن ذكره أيضاً بالتذكير لكنزها بحيث ينسى ذكر ما دعا الله إليه من إنفاقها.
وأما ذِكر الأولاد فهو إدماج لأن الاشتغال بالأولاد والشفقة عليهم وتدبير شؤونهم وقضاء الأوقات في التأنس بهم من شأنه أن ينسي عن تذكر أمر الله ونهيه في أوقات كثيرة فالشغل بهذين أكثر من الشغل بغيرهما.
وصيغ الكلام في قالب توجيه النهي عن الإِلهاء عن الذكر، إلى الأموال والأولاد والمراد نهي أصحابها، وهو استعمال معروف وقرينته هنا قوله: ﴿ ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ﴾ .
وأصله مجاز عقلي مبالغة في نهي أصحابها عن الاشتغال بسببها عن ذكر الله، فنُزّل سبب الإِلهاء منزلة اللاَّهي للملابسة بينهما وهو كثير في القرآن وغيره كقوله: ﴿ يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان ﴾ [الأعراف: 27] وقولهم لا أعرفنك تفعل كذا.
و ﴿ لا ﴾ في قوله: ﴿ ولا أولادكم ﴾ نافية عاطفة ﴿ أولادكم ﴾ على ﴿ أموالكم ﴾ ، والمعطوف عليه مدخول ﴿ لا ﴾ الناهية لأن النهي يتضمن النفي إذ هو طلب عدم الفعل ف ﴿ لا ﴾ الناهية أصلها ﴿ لا ﴾ النافية أشربت معنى النهي عند قصد النهي فجزمت الفعل حملاً على مضادة معنى لام الأمر فأكد النهي عن الاشتغال بالأولاد بحرف النفي ليكون للاشتغال بالأولاد حظ مثل حظ الأموال.
و ﴿ ذكر الله ﴾ مستعمل في معنييه الحقيقي والمجازي.
فيشمل الذكر باللسان كالصلاة وتلاوةِ القرآن، والتذكر بالعقل كالتدبر في صفاته واستحْضار امتثاله قال عمر بن الخطاب: «أفضل من ذكر الله باللسان ذِكر الله عند أمره ونهيه».
وفيه أن الاشتغال بالأموال والأولاد الذي لا يُلهي عن ذكر الله ليس بمذموم وله مراتب.
وقوله: ﴿ ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ﴾ ، دليل على قول علماء أصول الفقه «النهيُ اقتضاءُ كفَ عن فعل».
والإِشارة ب ﴿ ذلك ﴾ إلى اللهو عن ذكر الله بسبب الأموال والأولاد، أي ومن يُلْهِ عن ذكر الله، أي يترك ذكر الله الذي أوجبه مثل الصلاة في الوقت ويترك تذكر الله، أي مراعاة أوامره ونواهيه.
ومتى كان اللهو عن ذكر الله بالاشتغال بغير الأموال وغير الأولاد كان أولى بحكم النهي والوعيد عليه.
وأفاد ضمير الفصل في قوله: ﴿ فأولئك هم الخاسرون ﴾ قصرَ صفة الخاسر على الذين يفعلون الذي نُهوا عنه، وهو قصر ادعائي للمبالغة في اتصافهم بالخسران كأن خسران غيرهم لا يعد خسراناً بالنسبة إلى خسرانهم.
والإِشارة إليهم ب ﴿ أولئك ﴾ للتنبيه على أنهم استحقوا ما بعد اسم الإِشارة بسبب ما ذكر قبل اسم الإِشارة، أعني اللهو عن ذكر الله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِذِكْرِ اللَّهِ [اَلصَّلاةَ] المَكْتُوبَةَ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّهُ أرادَ فَرائِضَ اللَّهِ الَّتِي فَرَضَها مِن صَلاةٍ وغَيْرِها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ طاعَةُ اللَّهِ في الجِهادِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ.
﴿ وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ مِنَ المالِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ ورِفْدُ المُحْتاجِ ومَعُونَةُ المُضْطَرِّ.
﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَنْ يُؤَخِّرَها عَنِ المَوْتِ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ، وهو أظْهَرُهُما.
الثّانِي: لَنْ يُؤَخِّرَها بَعْدَ المَوْتِ وإنَّما يُعَجِّلُ لَها في القَبْرِ.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ﴾ قال: هم عباد من أمتي الصالحون منهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وعن الصلاة المفروضة الخمس» .
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه الزكاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت.
فقال له رجل: يا ابن عباس اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: سأتلو عليكم بذلك قرآناً ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ﴾ إلى آخر السورة» .
وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ﴾ الآية قال: هو الرجل المؤمن إذا نزل به الموت وله مال لم يزكه، ولم يحج منه، ولم يعط حق الله منه يسأل الرجعة عند الموت ليتصدق من ماله ويزكي، قال الله: ﴿ ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ﴾ قال: عن الصلوات الخمس وفي قوله: ﴿ وانفقوا مما رزقناكم ﴾ قال: يعني الزكاة والنفقة في الحج.
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء في قوله: ﴿ لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ﴾ قال: الصلاة المفروضة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فأصدق ﴾ قال: أزكي ﴿ وأكون من الصالحين ﴾ قال: أحج.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن عن عاصم أنه قرأ ﴿ فأصدق وأكون من الصالحين ﴾ قال: أحج.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن عن عاصم أنه قرأ ﴿ فاصدق وأكون من الصالحن ﴾ بالواو.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن ثابت قال: القراءة سنة من السنن فاقرؤوا القرآن كما اقرئتموه ﴿ إن هذان لساحران ﴾ [ طه: 63] ﴿ فأصدق وأكن من الصالحين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ الله ﴾ أي لا تشغلكم.
وذِكْرُ الله هنا على العموم في الصلاة والدعاء والعبادة، وقيل: يعني الصلاة المكتوبة والعموم أولى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ خشب ﴾ بالسكون: أبو عمرو وعلي وابن مجاهد ﴿ لووا ﴾ بالتخفيف: نافع وقالون ﴿ تعملون ﴾ على الغيبة: يحي وحماد.
الوقوف: ﴿ لرسول الله ﴾ ط م لئلا يوهم أن قوله ﴿ والله يعلم ﴾ من مقول المنافقين ﴿ لرسوله ﴾ ط ﴿ لكاذبون ﴾ ه لا لأن ما بعده يصلح صفة واستئنافاً ﴿ عن سبيل الله ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ لا يفقهون ﴾ ط ﴿ أجسامهم ﴾ ط ﴿ لقولهم ﴾ ط ﴿ مسندة ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ فاحذرهم ﴾ ط ﴿ قاتلهم الله ﴾ ط ز لابتداء الاستفهاهم مع اتصال المعنى ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ مستكبرون ﴾ ه ﴿ تستغفر لهم ﴾ ط ﴿ لن يغفر الله لهم ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ ينفضوا ﴾ ط ﴿ لا يفقهون ﴾ ه ﴿ الأذل ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ عن ذكر الله ﴾ ط للشرط مع الواو ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ج ه لتعلق الجواب ﴿ الصالحين ﴾ ه ز ﴿ أجلها ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه.
التفسير: قال علماء المعاني: أرادوا بقولهم نشهد إنك لرسول الله شهادة واطأت فيها قلوبهم ألسنتهم كما ينبىء عنه " إن واللام " وكون الجملة اسمية مع تصديرها بما يجري مجرى القسم وهو الشهادة، فكذبهم الله لأجل علمه بعدم المواطأة.
أو يراد والله يشهد إنهم لكاذبون عند أنفسهم لأنهم كانوا يعتقدون أن قولهم إنك لرسول الله كذب وخبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه.
قلت: هذا مذهب الجاحظ وأنه خلاف ما عليه الجمهور وهو أن مرجع كون الخبر صدقاً أو كذباً إلى طباق الحكم للواقع أو لإطباقه ولهذا أوّلوا الآية بما أوّلوا، وهو أن التكذيب توجه إلى ادّعائهم أن قولهم قول عن صميم القلب، ومما يدل على أن مرجع كون الخبر صدقاً إلى ما قلنا لا إلى طباقه اعتقاد المخبر أو ظنه ولا إلى عدم طباقه لذلك الاعتقاد والظن تكذيبنا اليهودي إذا قال: الإسلام باطل مع أنه مطابق لاعتقاده، وتصديقنا له إذا قال: الإسلام حق مع أنه غير مطابق لاعتقاده.
وفائدة إقحام قوله ﴿ والله يعلم إنك لرسوله ﴾ التنصيص على التأويل المذكور وإلا أمكن ذهاب الوهم إلى أن نفس قولهم ﴿ إنك لرسول الله ﴾ كذب.
ثم أخبر عن استثباتهم بالايمان الكاذبة كما مر في " المجادلة ".
وجوز في الكشاف أن تكون اليمين الكاذبة ههنا إشارة إلى قولهم ﴿ نشهد ﴾ لأن الشهادة تجري في إفادة التأكيد مجرى الحلف وبه استدل أبو حنيفة على أن أشهد يمين.
﴿ ذلك ﴾ الذي مر من أوصافهم وأخلاقهم أو من التسجيل عليهم أنهم مقول في حقهم ساء ما كانوا يعملون ﴿ بـ ﴾ سبب ﴿ أنهم آمنوا ﴾ باللسان ﴿ ثم كفروا ﴾ بظهور نفاقهم أو نطقوا بالإسلام عند المؤمنين ثم نطقوا بكلمة الكفر إذا خلوا إلى شياطينهم، ويجوز أن يراد أهل الردة منهم وكان عبد الله بن أبيّ رجلاً جسيماً فصيحاً وكذا أضرابه من رؤساء النفاق يحضرون مجلس رسول الله فيستندون، فيه وكان النبي والحاضرون يعجبون بهياكلهم ويستمعون إلى كلامهم فنزلت ﴿ وإذا رأيتهم ﴾ أيها الرسول أو يا من له أهلية الخطاب.
ثم شبهوا في استنادهم وما هم إلا أجرام فارغة عن الإيمان والخير بالخشب المستندة إلى الحائط.
ويجوز أن تكون الخشب أصناماً منحوتة شبهوا بها في حسن صورهم وقلة جدواهم.
قال في الكشاف: ويجوز أن يكون وجه التشبيه مجرد عدم الانتفاع لأن الخشب المنتفع بها هي التي تكون في سقف أو جدار أو غيرهما، فأما المسندة الفارعة المتروكة فلا نفع فيها.
قلت: فعلى هذا لا يكون لتخصيص الخشب بالذكر فائدة لاشتراكها في هذا الباب مع الحجر والمدر المتروكين وغيرهما، والخشب جمع خشبة كثمرة وثمر، ومحل الجملة رفع على " هم كأنهم خشب " أو هو كلام مستأنف فلا محل له.
قوله ﴿ عليهم ﴾ ثاني مفعولي ﴿ يحسبون ﴾ أي يحسبونها واقعة عليهم صادرة لهم لجبنهم والصيحة كنداء المنادي في العسكر ونحو ذلك، أو هي أنهم كانوا على وجل من أن ينزل الله فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم.
ثم أخبر عنهم بأنهم ﴿ هم العدو ﴾ أي هم الكاملون في العداوة لأن أعدى الأعداء هو العدوّ المداجي المكاشر تظنه جاراً مكاشراً وتحت ضلوعه داء لا دواء له.
ويقال: ما ذم الناس مذمة أبلغ من قولهم " فلان لا صديق له في السر ولا عدوّ له في العلانية " وذلك أن هذه من آيات النفاق ﴿ فاحذرهم ﴾ ولا تغتر بظاهرهم، وجوز أن يكون ﴿ هم العدو ﴾ المفعول الثاني و ﴿ عليهم ﴾ لغو.
وإنما لم يقل" هي العدو " نظراً إلى الخبر أو بتأويل كل أهل صيحة ﴿ قاتلهم الله ﴾ دعاء عليهم باللعن والإخزاء أي أحلهم الله محل من قاتله عدو قاهر.
ويجوز أن يكون تعليماً للمؤمنين أي ادعوا عليهم بهذا.
يروى أن رسول الله لما لقي بني المصطلق على المريسيع وهو ماء لهم وهزمهم ازدحم على الماء جمع من المهاجرين والأنصار واقتتلا، فلطم أحد فقراء المهاجرين شاباً حليفاً لعبد الله بن أبيّ، فبلغ ذلك عبدالله فقال: ما صحبنا محمداً إلا لنلطم والله ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل " سمن كلبك يأكلك "، أما والله ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ﴾ عنى بالأعز نفسه وبالأذل أصحاب النبي ، ثم قال لقومه: لو أمسكتم عن هؤلاء الفقراء فضل طعامكم لم يركبوا رقابكم ولا نفضوا من حول محمد، فسمع بذلك زيد بن أرقم وهو حدث فقال: أنت والله الذليل القليل.
فقال عبد الله: اسكت فإنما كنت ألعب.
فأخبر زيد رسول الله فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق.
فقال: إذن ترعد أنف كثيرة بيثرب.
قال: فإن كرهت أن يقتله مهاجريّ فأمر به أنصارياً فقال: فكيف إذا تحدث الناس أن محمداً قتل أصحابه.
ولما أنزل الله تصديق قول زيد وبان نفاق عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فنزلت ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا ﴾ ولم يلبث إلا أياماً قلائل حتى اشتكى ومات وقد تقدم قصة هذا المنافق في سورة " براءة " بأكثر من هذا، وقد نفى عن المنافقين الفقه أولاً وهو معرفة غوامض الأشياء، ثم نفى عنهم العلم رأساً كأنه قال: لا فقه لهم بل لا علم.
أو نقول: إن معرفة كون الخزائن لله مما يحتاج إلى تدبر وتفقه لمكان الأسباب والوسائط والروابط المفتقرة في رفعها من البين إلى مزيد توجه وكمال نظر، فأما كون الغلبة والقوة لدين الإسلام فذلك بظهور الإمارات وسطوع الدلائل بلغ مبلغاً لم يبق في وقوعه شك لمن به أدنى مسكة وقليل علم، فلا جرم أورد في خاتمة كل آية ما يليق بها.
وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر بعده.
وعن الحسن بن علي أن رجلاً قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً فقال: ليس بتيه ولكنه عزة وتلا الآية.
وحينئذ عير المنافقين بما عير.
وحث المؤمنين على ذكر الله في كل حال بحيث لا يشغلهم عنه التصرف في الأموال والسرور بالأولاد وكل ما سوى الله حقير في جنب ما عند الله، فإن من تصرف في شيء ما المال أو صرف زمانه في طرف من أمر الأولاد فلله وبالله وفي الله.
وقال الكلبي: ذكر الله الجهاد مع رسول الله .
وعن الحسن: جميع الفرائض.
وقيل: القرآن.
وقيل: الصلوات الخمس ﴿ يفعل ذلك ﴾ أي ومن أشغلته الدنيا عن الدين.
ثم حثهم على الإنفاق إما على الإطلاق وإما في طريق الجهاد.
وإتيان الموت إتيان سلطانه وأماراته حين لا يقبل توبته ولا ينفع عمل فيسأل الله التأخير في الأجل لتدارك ما فات ومن له بذلك كما قال ﴿ ولن يؤخر الله نفساً ﴾ والمعنى هلا أخرت موتي إلى زمان قليل ﴿ فأصدّق وأكون ﴾ من قرأ بالنصب فظاهر، ومن قرأ بالجزم فعلى وهم أن الأول مجزوم كأنه قال: إن أخرتني أصدق وأكن.
وقيل: هذا الوعيد لمانع الزكاة.
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، واختلف فيه: فمنهم من قال: هذه الآية في المنافقين.
ومنهم من قال: في المؤمنين.
فإن كانت في المنافقين، فكأنه يقول: يا أيها الذين أظهرتم بلسانكم الإيمان، لا تلهكم أموالكم [ولا أولادكم] عن ذكر الله.
وإن كان في المؤمنين، فكأنه قال: يا أيها الذين حققوا الإيمان، لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله.
ثم اختلفوا في معنى ذكر الله: فمنهم من قال: معناه القرآن على مثال قوله: ﴿ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ...
﴾ يعني: قرآنا ورسولا.
ومنهم من قال: معنى الذكر التوحيد.
فإن كان تأويله القرآن، فهو يتوجه إلى المنافقين والمؤمنين جميعاً، فإن كان في المنافقين فكأنه قال: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن النظر والتأمل في القرآن؛ لأن الله بين [في القرآن] أموراً تطهر سرائرهم وما يظهر عندهم أن الرسول لا يختلقه من تلقاء نفسه، وأنه إنما يقوله بالوحي، فكأنه يقول: إذا تأملتم النظر في القرآن، حملكم ذلك على التحقيق في الإيمان، فلا يحملكم حب المال والولد على ترك التأمل في القرآن؛ لأنكم إذا نظرتم فيه، وتأملتم، حصلتم منه على تحقيق الإيمان، والله أعلم.
وإن كان في المؤمنين، فمعناه: ألا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن النظر في القرآن؛ فإنكم إذا نظرتم فيه، صرتم من أهله، وجل قدركم.
وإن كان المراد من الذكر التوحيد، فهو راجع إلى الناس كافة: فأما المؤمنون، فكأنه حذرهم عن حب المال والولد أن يحملهم غاية حبهما على أن ينسوا وحدانية الله والإيمان بالرسل والبعث، فكأنه يقول: لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم كما ألهى الكفرة، فيحذرهم عن أن يقعوا في الهلاك من حبه كما قال: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ يعني: اتقوا السبب الذي يفضي بكم إلى النار المعدة للكافرين، فكذلك الأول.
وإن كان في المنافقين فكأنه قال: لا يحملكم حب المال والولد أن تتركوا حقيقة الإيمان به والتوحيد له والطاعة لرسوله، .
وقوله : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ .
فعلى ما ذكرنا من التأويلين في إنكار البعث والتوحيد ظاهر، وإن كان في المؤمنين فمعنى الخسار: هو الخوف من أن يقع به الوعيد.
وقوله - -: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .
يجوز أن يكون صلة قوله: ﴿ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ فيمنعكم ذلك عن الإنفاق؛ فإنكم إذا امتنعتم عن الإنفاق ازداد حبكم، فتنسون وحدانية الله وطاعة رسوله، .
وقوله - -: ﴿ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ .
قال بعضهم: تمنى الرجعة؛ لما رأى من الهلاك والعذاب حيث ترك الحقوق.
وروي عن ابن عباس - - أنه قال: "لو كان ثمة خير لما تمنى الكرَّة".
ولكن المعنى في ذلك عندنا - والله أعلم - أنه يتمنى الرجوع؛ ليتصدق ليس الإنفاق خاصة، ولكن ليتصدق، وليكون من الصالحين، أي: من الموحدين، وذلك مستقيم أن يقال إذا ترك التوحيد فنزل به الموت: إنه يتمنى الرجوع؛ لما يرى من الهلاك والعقوبة.
ويجوز أن يكون المعنى في هذا إن كانت الآية في المؤمنين الموحدين: أنهم يتمنون الرجوع؛ حياء من ربهم؛ لما ارتكبوا من الزلات وتركوا ما يستوجبون به الحسنات، وقصروا فيما فرض الله عليهم من العبادات، وحق على كل مؤمن أن يستحي من ربه إذا لقيه بما ترك من حقوقه التي ألزمها عليه والأسباب الواجبة.
وقوله: ﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ...
﴾ الآية.
ليس يحتمل تأخير الله أجله إذا جاء؛ لأنه لو أخره، دل على أنه بدا له في أجله، ومن بدا له في أمر فذلك دليل الجهل بالعواقب، ولا يوصف [رب] العالمين بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم: سركم وعلانيتكم، والله أعلم [بحقيقة ما أراد، والحمد لله رب العالمين].
يا أيها الذين آمنوا بالله وعملوا بما شرعه لهم، لا تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن الصلاة أو غيرها من فرائض الإسلام، ومن شغلته أمواله وأولاده عما أوجبه الله عليه من الصلاة وغيرها، فأولئك هم الخاسرون حقًّا الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir" id="91.13kdW"