الإسلام > القرآن > سور > سورة 65 الطلاق > الآية ١ من سورة الطلاق
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 267 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة الطلاق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
تفسير سورة الطلاق وهي مدنية .
خوطب النبي - صلى الله عليه وسلم - أولا تشريفا وتكريما ، ثم خاطب الأمة تبعا فقال : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن ثواب بن سعيد الهباري ، حدثنا أسباط بن محمد ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أنس قال : طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حفصة فأتت أهلها ، فأنزل الله ، عز وجل : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) فقيل له : راجعها فإنها صوامة قوامة ، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة .
ورواه ابن جرير ، عن ابن بشار ، عن عبد الأعلى ، عن سعيد ، عن قتادة .
.
.
فذكره مرسلا ، وقد ورد من غير وجه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلق حفصة ثم راجعها .
وقال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، وعقيل ، عن ابن شهاب ، أخبرني ، سالم : أن عبد الله بن عمر أخبره : أنه طلق امرأة له وهي حائض ، فذكر عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتغيظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : " ليراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها ، فتلك العدة التي أمر الله ، عز وجل " هكذا رواه البخاري ها هنا وقد رواه في مواضع من كتابه ومسلم ولفظه : " فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " ورواه أصحاب الكتب والمسانيد من طرق متعددة وألفاظ كثيرة ، ومواضع استقصائها كتب الأحكام .
وأمس لفظ يورد ها هنا ما رواه مسلم في صحيحه ، من طريق ابن جريج : أخبرني أبو الزبير : أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن - مولى عزة يسأل ابن عمر - وأبو الزبير يسمع ذلك : كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا ؟
فقال : طلق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ليراجعها " فردها ، وقال : " إذا طهرت فليطلق أو يمسك " .
قال ابن عمر : وقرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) .
وقال الأعمش ، عن مالك بن الحارث ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله في قوله : ( فطلقوهن لعدتهن ) قال : الطهر من غير جماع وروي عن ابن عمر ، وعطاء ، ومجاهد ، والحسن ، ، وابن سيرين ، وقتادة ، وميمون بن مهران ، ومقاتل بن حيان مثل ذلك ، وهو رواية عن عكرمة ، والضحاك .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( فطلقوهن لعدتهن ) قال : لا يطلقها وهي حائض ولا في طهر قد جامعها فيه ، ولكن : تتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة .
وقال عكرمة : ( فطلقوهن لعدتهن ) العدة : الطهر ، والقرء الحيضة ، أن يطلقها حبلى مستبينا حملها ، ولا يطلقها وقد طاف عليها ، ولا يدري حبلى هي أم لا .
ومن ها هنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق وقسموه إلى طلاق سنة وطلاق بدعة ، فطلاق السنة : أن يطلقها طاهرا من غير جماع ، أو حاملا قد استبان حملها .
والبدعي : هو أن يطلقها في حال الحيض ، أو في طهر قد جامعها فيه ، ولا يدري أحملت أم لا ؟
وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة ، وهو طلاق الصغيرة والآيسة ، وغير المدخول بها ، وتحرير الكلام في ذلك وما يتعلق به مستقصى في كتب الفروع ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
وقوله ( وأحصوا العدة ) أي : احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها ; لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج .
( واتقوا الله ربكم ) أي : في ذلك .
وقوله : ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ) أي : في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه ، فليس للرجل أن يخرجها ، ولا يجوز لها أيضا الخروج لأنها معتقلة لحق الزوج أيضا .
وقوله : ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) أي : لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة ، فتخرج من المنزل ، والفاحشة المبينة تشمل الزنا ، كما قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، والشعبي ، والحسن ، وابن سيرين ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وأبو قلابة ، وأبو صالح ، والضحاك ، وزيد بن أسلم ، وعطاء الخراساني ، والسدي ، وسعيد بن أبي هلال ، وغيرهم ، وتشمل ما إذا نشزت المرأة أو بذت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال ، كما قاله أبي بن كعب ، وابن عباس ، وعكرمة ، وغيرهم .
وقوله : ( وتلك حدود الله ) أي : شرائعه ومحارمه ( ومن يتعد حدود الله ) أي : يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها ( فقد ظلم نفسه ) أي : بفعل ذلك .
وقوله : ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) أي : إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة ، لعل الزوج يندم على طلاقها ويخلق الله في قلبه رجعتها ، فيكون ذلك أيسر وأسهل .
قال الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن فاطمة بنت قيس في قوله : ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) قال : هي الرجعة .
وكذا قال الشعبي ، وعطاء ، وقتادة ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، والثوري .
ومن ها هنا ذهب من ذهب من السلف ، ومن تابعهم كالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى إلى أنه لا تجب السكنى للمبتوتة ، وكذا المتوفى عنها زوجها ، واعتمدوا أيضا على حديث فاطمة بنت قيس الفهرية حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات ، وكان غائبا عنها باليمن فأرسل إليها بذلك ، فأرسل إليها وكيله بشعير - يعني نفقة - فتسخطته فقال : والله ليس لك علينا نفقة .
فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " ليس لك عليه نفقة " .
ولمسلم : ولا سكنى ، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال : " تلك امرأة يغشاها أصحابي ، اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك " الحديث وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر ، فقال : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا مجالد ، حدثنا عامر ، قال : قدمت المدينة فأتيت فاطمة بنت قيس ، فحدثتني أن زوجها طلقها على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سرية .
قالت : فقال لي أخوه : اخرجي من الدار .
فقلت : إن لي نفقة وسكنى حتى يحل الأجل .
قال : لا .
قالت : فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : إن فلانا طلقني ، وإن أخاه أخرجني ومنعني السكنى والنفقة ، فأرسل إليه فقال : " ما لك ولابنة آل قيس " ، قال : يا رسول الله ، إن أخي طلقها ثلاثا جميعا .
قالت : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " انظري يا بنت آل قيس ، إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كان له عليها رجعة ، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى .
اخرجي فانزلي على فلانة " .
ثم قال : " إنه يتحدث إليها ، انزلي على ابن أم مكتوم فإنه أعمى لا يراك " وذكر تمام الحديث وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا أحمد بن عبد الله البزار التستري ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف ، حدثنا بكر بن بكار ، حدثنا سعيد بن يزيد البجلي ، حدثنا عامر الشعبي : أنه دخل على فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس القرشي وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي فقالت : إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي وهو منطلق في جيش إلى اليمن بطلاقي ، فسألت أولياءه النفقة علي والسكنى ، فقالوا : ما أرسل إلينا في ذلك شيئا ، ولا أوصانا به .
فانطلقت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي بطلاقي ، فطلبت السكنى والنفقة علي ، فقال : أولياؤه : لم يرسل إلينا في ذلك بشيء .
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة ، فإذا كانت لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فلا نفقة لها ولا سكنى " .
وكذا رواه النسائي ، عن أحمد بن يحيى الصوفي ، عن أبي نعيم الفضل بن دكين ، عن سعيد بن يزيد ، وهو الأحمسي البجلي الكوفي .
قال أبو حاتم الرازي : وهو شيخ ، يروي عنه
يعني تعالى ذكره بقوله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) يقول: إذا طلقتم نساءكم فطلقوهنّ لطهرهنّ الذي يحصينه من عدتهنّ، طاهرًا من غير جماع، ولا تطلقوهنّ بحيضهنّ الذي لا يعتددن به من قرئهنّ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: الطلاق للعدّة طاهرًا من غير جماع.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قال: بالطهر في غير جماع.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله ( إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) يقول: إذا طلقتم قال: الطهر في غير جماع.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قال: طاهرًا من غير جماع.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يرى طلاق السنة طاهرًا من غير جماع، وفي كلّ طهر، وهي العدة التي أمر الله بها.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، أن رجلا سأل ابن عباس فقال: إنه طلق امرأته مئة، فقال: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، ولم تتق الله فيجعل لك مخرجًا، وقرأ هذه الآية: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) ، وقال: ( يا أَيُّهَا الْنَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ الْنِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهنَّ ) .
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس بنحوه.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا أيوب، عن &; 23-433 &; عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثًا، فسكت حتى ظننا أنه رادّها عليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس يا ابن عباس، وإن الله عزّ وجلّ قال: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، قال الله: (يا أَيُّهَا الْنَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ الْنِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهنَّ ) .
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت مجاهدًا يحدّث عن ابن عباس في هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قال ابن عباس: في قبل عدتهنّ.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن أُمية، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، أنه قرأ (فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهنَّ ) .
حدثنا العباس بن عبد العظيم، قال: ثنا جعفر بن عون، قال: أخبرنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قال: طاهرًا في غير جماع.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، في قوله: ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قال: طاهرًا من غير حيض، أو حاملا قد استبان حملها.
قال ثنا هارون، عن عيسى بن يزيد بن دأب، عن عمرو، عن الحسن وابن سيرين، فيمن أراد أن يطلق ثلاث تطليقات جميعًا في كلمة واحدة، أنه لا بأس به بعد أن يطلقها في قبل عدتها، كما أمره الله؛ وكان يكرهان أن يطلق الرجل امرأته تطليقة، أو تطليقتين، أو ثلاثًا، إذا كان بغير العدّة التي ذكرها الله.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عون، عن ابن سيرين أنه قال في قوله: ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قالَ: يطلقها وهي طاهر من غير جماع، أو حَبَل يستبين حملها.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ: ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قال: لطهرهن.
حدثنا عليّ بن عبد الأعلى المحاربيّ، قال: ثنا المحاربيّ، عن جويبر، عن الضحاك، في قول الله ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قال: العدّة: القرْء، والقرء: الحيض.
والطاهر: الطاهر من غير جماع، ثم تستقبل ثلاث حِيَض.
حدثنا بشر، قال ثنا يزيد، قال بشر، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) والعدة: أن يطلقها طاهرًا من غير جماع تطليقة واحدة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قال: إذا طهرت من الحيض في غير جماع، قلت: كيف؟
قال: إذا طهرت فطلقها من قبل أن تمسها، فإن بدا لك أن تطلقها أخرى تركتها حتى تحيض حيضة أخرى، ثم طلقها إذا طهرت الثانية، فإذا أردت طلاقها الثالثة أمهلتها حتى تحيض، فإذا طهرت طلقها الثالثة، ثم تعتدّ حيضة واحدة، ثم تَنكِح إن شاءت.
قال ثنا ابن ثور، عن معمر، قال: وقال ابن طاوس: إذا أردت الطلاق فطلقها حين تطهر، قبل أن تمسها تطليقة واحدة، لا ينبغي لك أن تزيد عليها، حتى تخلو ثلاثة قروء، فإن واحدة تبينها.
حُدثت عن الحسين، فال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) يقول: طلَّقها طاهرًا من غير جماع.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( فطلقوهن لعدتهن ) قال: إذا طلقتها للعدّة كان مِلْكُها بيدك، من طلق للعدة جعل الله له في ذلك فسحة، وجعل له مِلْكًا إن أراد أن يرتجع قبل أن تنقضي العدة ارتجع.
حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ( إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قال: طاهرًا في غير جماع، فإن كانت لا تحيض، فعند غرّةِّ كل هلال.
حدثني أَبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: طلَّقت امرأتي وهي حائض؛ قال: فأتى عمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يخبره بذلك، فقال: " مُرْه فَلْيُرَاجِعهَا حَتَى تَطْهُر، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا، وإنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، فَإنَها العِدَّةُ التي قال اللُه عَزَّ وَجَلَّ".
قال ثنا ابن إدريس، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر بنحوه، عن النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن مهدي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر " أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عُمر النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال: " مُرْه فَلْيُرَاجِعهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ".
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر " أنه طلق امرأته حائضًا، فأتى عمر النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فذكر ذلك له، فأمره أن يراجعها، ثم يتركها حتى إذا طهرت ثم حاضت طلقها، قال النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " فَهِيَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" ويقول: حين يطهرن.
حدثنا عليّ، قال: ثنا أَبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس في قوله: ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) يقول: لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض، وإن كانت لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها.
حدثنا ابن البرقيّ، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عبد العزيز، سُئل عن قول الله ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) قال: طلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته وهي في قبل عدتها، وهي طاهر من غير جماع واحدة، ثم يدعها، فإن شاء راجعها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة، وإن أراد أن يطلقها ثلاثًا طلقها واحدة في قبل عدتها، وهي طاهر من غير جماع، ثم يدعها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم يدعها، حتى إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، ثم لا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره.
وذُكر أن هذه الآية أنـزلت على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في سبب طلاقه حَفْصة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: " طلق رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم حفصة بنت عمر تطليقة، فأنـزلت هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) فقيل: راجعها فإنها صوّامة قوّامة، وإنها من نسائك في الجنة ".
وقوله: ( وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) يقول: وأحصُوا هذه العدّة وأقراءَها فاحفظوها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السدي، قوله: ( وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) قال: احفظوا العدّة.
وقوله: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ) يقول: وخافوا الله أيها الناس ربكم فاحذروا معصيته أن تتعدّوا حده، لا تخرجوا من طلقتم من نسائكم لعدتهنّ من بيوتهنّ التي كنتم أسكنتموهنّ فيها قبل الطلاق حتى تنقضي عدتهنّ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قوله: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ) حتى تنقضي عدتهنّ.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، قال: قال عطاء: إن أذن لها أن تعتدّ في غير بيته، فتعتدّ في بيت أهلها، فقد شاركها إذن في الإثم.
ثم تلا( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قال: قلت هذه الآية في هذه؟
قال: نعم.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا حيوة بن شريح، عن محمد بن عجلان، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول في هذه الآية ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قال: خروجها قبل انقضاء العدّة.
قال ابن عجلان عن زيد بن أسلم: إذا أتت بفاحشة أخرجت.
وحدثنا عليّ بن عبد الأعلى المحاربيّ، قال: ثنا المحاربيّ، عبد الرحمن بن محمد، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قال: ليس لها أن تخرج إلا بإذنه، وليس للزوج أن يخرجها ما كانت في العدّة، فإن خرجت فلا سُكْنى لها ولا نفقة.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ ) قال: هي المطلقة لا تخرج من بيتها، ما دام لزوجها عليها رجعة، وكانت في عدّة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ ) وذلك إذا طلقها واحدة أو ثنتين لها ما لم يطلقها ثلاثًا.
وقوله: ( وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) يقول جلّ ثناؤه: لا تخرجوهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أنها فاحشة لمن عاينها أو علمها.
واختلف أهل التأويل في معنى الفاحشة التي ذكرت في هذا الموضع، والمعنى الذي من أجله أذن الله بإخراجهنّ حالة كونهنّ في العدّة من بيوتهنّ، فقال بعضهم: الفاحشة التي ذكرها في الموضع هي الزنى، والإخراج الذي أباح الله هو الإخراج لإقامة الحدّ.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، في قوله: ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قال: الزنى، قال فتُخْرَج ليُقام عليها الحدّ.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، مثله.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال ثنا ابن عُلَية، عن صالح بن مسلم، قال: سألت عامرًا قلت رجل طلق امرأته تطليقة أيخرجها من بيتها؟
قال: إن كانت زانية.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال ثنا الحسن، قال ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قال: إلا أن يزنين.
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قول الله عزّ وجلّ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قال: قال الله جلّ ثناؤه وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ قال: هؤلاء المحصنات، فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ .
..
الآية.
قال: فجعل الله سبيلهنّ الرجم، فهي لا ينبغي لها أن تخرج من بيتها إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، فإذا أتت بفاحشة مبينة أخرجت إلى الحدّ فرجمت، وكان قبل هذا للمحصنة الحبس تحبس في البيوت لا تترك تنكح، وكان للبكرين الأذى قال الله جلّ ثناؤه: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا يا زان، يا زانية، فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا قال: ثم نُسخ هذا كله، فجعل الرجم للمحصنة والمحصن، وجعل جلد مئة للبِكْرَين، قال: ونسخ هذا.
وقال آخرون: الفاحشة التي عناها الله في هذا الموضع: البَذَاء على أحمائها.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن إبراهيم، عن ابن عباس قال الله: ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قال: الفاحشة المبينة أن تبذُو على أهلها.
وقال آخرون: بل هي كل معصية لله.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) والفاحشة: هي المعصية.
وقال آخرون: بل ذلك نشوزها على زوجها، فيطلقها على النشوز، فيكون لها التحوّل حينئذ من بيتها.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قال قتادة: إلا أن يطلقها على نشوز، فلها أن تحوّل من بيت زوجها.
وقال آخرون: الفاحشة المبينة التي ذكر الله عزّ وجلّ في هذا الموضع خروجها من بيتها.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن مفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ( وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قال: خروجها من بيتها فاحشة.
قال بعضهم: خروجها إذا أتت بفاحشة أن تخرج فيقام عليها الحدّ.
حدثني ابن عبد الرحيم البرقيّ، قال: ثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب قال: ثني محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، في قوله: ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) قال: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة.
* والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: عنى بالفاحشة في هذا الموضع: المعصية، وذلك أن الفاحشة هي كلّ أمر قبيح تعدّى فيه حدّه، فالزنى من ذلك، والسرق والبذاء على الأحماء، وخروجها متحوّلة عن منـزلها الذي يلزمها أن تعتدّ فيه منه، فأي ذلك فعلت وهي في عدتها، فلزوجها إخراجها من بيتها ذلك، لإتيانها بالفاحشة التي ركبتها.
وقوله: ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) يقول تعالى ذكره: وهذه الأمور التي بينتها لكم من الطلاق للعدّة، وإحصاء العدّة، والأمر باتقاء الله، وأن لا تخرج المطلقة من بيتها، إلا أن تأتي بفاحشة مبينة حدود الله التي حدّها لكم أيها الناس فلا تعتدوها( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) يقول تعالى ذكره: ومن يتجاوز حدود الله التي حدّها لخلقه فقد ظلم نفسه: يقول: فقد أكسب نفسه وزرًا، فصار بذلك لها ظالما، وعليها متعدّيا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا عليّ بن عبد الأعلى، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ، عن جويبر، عن الضحاك في قول الله ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) يقول: تلك طاعة الله فلا تعتدوها، قال: يقول: من كان على غير هذه فقد ظلم نفسه.
وقوله: ( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) يقول جلّ ثناؤه: لا تدري ما الذي يحدث؟
لعل الله يحدث بعد طلاقكم إياهنّ رجعة.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، أن فاطمة بنت قيس كانت تحت أَبي حفص المخزومي، وكان النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أمَّر عليًا على بعض اليمن، فخرج معه، فبعث إليها بتطليقة كانت لها، وأمر عياش بن أبي ربيعة المخزومي، والحارث بن هشام أن ينفقا عليها، فقالا لا والله ما لها علينا نفقة، إلا أن تكون حاملا فأتت النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فذكرت ذلك له، فلم يجعل لها نفقة إلا أن تكون حاملا واستأذنته في الانتقال، فقالت: أين انتقل يا رسول الله؟
قال: " عِنْدَ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ"، وكان أعمى، تضع ثيابها عنده، ولا يبصرها؛ فلم تزل هنالك حتى أنكحها النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أُسامة بن زيد حين مضت عدتها، فأرسل إليها مروان بن الحكم يسألها عن هذا الحديث، فأخبرته، فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، وسنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة: بيني وبينكم الكتاب، قال الله جلّ ثناؤه: ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) حتى بلغ ( لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) قالت: فأي أمر يحدث بعد الثلاث، وإنما هو في مراجعة الرجل امرأته، وكيف تحبس امرأة بغير نفقة؟
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) قال: هذا في مراجعة الرجل امرأته.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) : أي مراجعة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) قال: يراجعها في بيتها هذا في الواحدة والثنتين، هو أبعد من الزنى.
قال سعيد، وقال الحسن: هذا في الواحدة والثنتين، وما يحدث الله بعد الثلاث.
حدثنا يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا أيوب، قال: سمعت الحسن وعكرمة يقولان: المطلقة ثلاثًا، والمتوفى عنها لا سكنى لها ولا نفقة؛ قال: فقال عكرمة ( لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) فقال: ما يحدث بعد الثلاث.
حدثنا عليّ بن عبد الأعلى المحاربيّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ( لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) يقول: لعلّ الرجل يراجعها في عدتها.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) هذا ما كان له عليها رجعة.
حدثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) قال: الرجعة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: ( لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) قال: لعلّ الله يحدث في قلبك تراجع زوجتك؛ قال: قال: ومن طلق للعدّة جعل الله له في ذلك فسحة، وجعل له ملكًا إن أراد أن يرتجع قبل أن تنقضي العدّة ارتجع.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان ( لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) قال: لعله يراجعها.
سورة الطلاقمدنية في قول الجميعوهي إحدى عشرة آية ، أو اثنتا عشرة آيةبسم الله الرحمن الرحيمياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرافيه أربع عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، خوطب بلفظ الجماعة تعظيما وتفخيما .
وفي سنن ابن ماجه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة رضي الله عنها ثم راجعها .
وروى قتادة عن أنس قال : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة رضي الله عنها فأتت أهلها ، فأنزل الله تعالى عليه : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن .
وقيل له : " راجعها فإنها قوامة صوامة ، وهي من أزواجك في الجنة " .
ذكره الماوردي والقشيري والثعلبي .
زاد القشيري : ونزل في [ ص: 138 ] خروجها إلى أهلها قوله تعالى : لا تخرجوهن من بيوتهن .
وقال الكلبي : سبب نزول هذه الآية غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفصة ، لما أسر إليها حديثا فأظهرته لعائشة فطلقها تطليقة ، فنزلت الآية .
وقال السدي : نزلت في عبد الله بن عمر ، طلق امرأته حائضا تطليقة واحدة فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر وتحيض ثم تطهر ، فإذا أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها .
فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء .
وقد قيل : إن رجالا فعلوا مثل ما فعل عبد الله بن عمر ، منهم عبد الله بن عمرو بن العاص ، وعمرو بن سعيد بن العاص ، وعتبة بن غزوان ، فنزلت الآية فيهم .
قال ابن العربي : وهذا كله وإن لم يكن صحيحا فالقول الأول أمثل .
والأصح فيه أنه بيان لشرع مبتدأ .
وقد قيل : إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته .
وغاير بين اللفظين من حاضر وغائب وذلك لغة فصيحة ، كما قال : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة .
تقديره : يا أيها النبي قل لهم إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن .
وهذا هو قولهم : إن الخطاب له وحده والمعنى له وللمؤمنين .
وإذا أراد الله بالخطاب المؤمنين لاطفه بقوله : " يا أيها النبي " .
فإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعا له قال : يا أيها الرسول .قلت : ويدل على صحة هذا القول نزول العدة في أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية .
ففي كتاب أبي داود عنها أنها طلقت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن للمطلقة عدة ، فأنزل الله تعالى حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق ، فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق .
وقيل : المراد به نداء النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما ، ثم ابتدأ فقال : إذا طلقتم النساء ; كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام الآية .
فذكر المؤمنين على [ ص: 139 ] معنى تقديمهم وتكريمهم ; ثم افتتح فقال : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام الآية .الثانية : روى الثعلبي من حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق " .
وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تزوجوا ولا تطلقوا ؛ فإن الطلاق يهتز منه العرش " .
وعن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تطلقوا النساء إلا من ريبة ؛ فإن الله عز وجل لا يحب الذواقين ولا الذواقات " .
وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق " .
أسند جميعه الثعلبي رحمه الله في كتابه .
وروى الدارقطني قال : حدثنا أبو العباس محمد بن موسى بن علي الدولابي ويعقوب بن إبراهيم قالا : حدثنا الحسن بن عرفة قال : حدثنا إسماعيل بن عياش عن حميد بن مالك اللخمي عن مكحول عن معاذ بن جبل قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا معاذ ، ما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق ، ولا خلق الله شيئا على وجه الأرض أبغض من الطلاق .
فإذا قال الرجل لمملوكه : أنت حر إن شاء الله ، فهو حر ولا استثناء له .
وإذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه " .
حدثنا محمد بن موسى بن علي قال : حدثنا حميد بن الربيع قال : حدثنا يزيد بن هارون حدثنا إسماعيل بن [ ص: 140 ] عياش بإسناده نحوه .
قال حميد : قال لي يزيد بن هارون : وأي حديث لو كان حميد بن مالك معروفا ؟
قلت : هو جدي .
قال يزيد : سررتني سررتني !
الآن صار حديثا .
حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن سنين حدثنا عمر بن إبراهيم بن خالد حدثنا حميد بن مالك اللخمي حدثنا مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق ، فمن طلق واستثنى فله ثنياه " .
قال ابن المنذر : اختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق ; فقالت طائفة : ذلك جائز .
وروينا هذا القول عن طاوس .
وبه قال حماد الكوفي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي .
ولا يجوز الاستثناء في الطلاق في قول مالك والأوزاعي .
وهذا قول قتادة في الطلاق خاصة .
قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول .الثالثة : روى الدارقطني من حديث عبد الرزاق أخبرني عمي وهب بن نافع قال : سمعت عكرمة يحدث عن ابن عباس يقول : الطلاق على أربعة وجوه : وجهان حلالان ووجهان حرامان ; فأما الحلال فأن يطلقها طاهرا عن غير جماع وأن يطلقها حاملا مستبينا حملها .
وأما الحرام فأن يطلقها وهي حائض ، أو يطلقها حين يجامعها ، لا تدري اشتمل الرحم على ولد أم لا .الرابعة : قوله تعالى : فطلقوهن لعدتهن في كتاب أبي داود عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية أنها طلقت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن للمطلقة عدة ، فأنزل الله سبحانه حين طلقت أسماء بالعدة للطلاق ; فكانت أول من أنزل فيها العدة للطلاق .
وقد تقدم .الخامسة : قوله تعالى : " لعدتهن " يقتضي أنهن اللاتي دخل بهن من الأزواج ; لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها .السادسة : من طلق في طهر لم يجامع فيه نفذ طلاقه وأصاب السنة .
وإن طلقها حائضا [ ص: 141 ] نفذ طلاقه وأخطأ السنة .
وقال سعيد بن المسيب في أخرى : لا يقع الطلاق في الحيض لأنه خلاف السنة .
وإليه ذهبت الشيعة .
وفي الصحيحين - واللفظ للدارقطني - عن عبد الله بن عمر قال : طلقت امرأتي وهي حائض ; فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ; فتغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا من حيضتها قبل أن يمسها ، فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله " .
وكان عبد الله بن عمر طلقها تطليقة ، فحسبت من طلاقها وراجعها عبد الله بن عمر كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم .
في رواية عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هي واحدة .
وهذا نص .
وهو يرد على الشيعة قولهم .السابعة : عن عبد الله بن مسعود قال : طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر تطليقة ; فإذا كان آخر ذلك فتلك العدة التي أمر الله تعالى بها .
رواه الدارقطني عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله .
قال علماؤنا : طلاق السنة ما جمع شروطا سبعة : وهو أن يطلقها واحدة ، وهي ممن تحيض ، طاهرا ، لم يمسها في ذلك الطهر ، ولا تقدمه طلاق في حيض ، ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه ، وخلا عن العوض .
وهذه الشروط السبعة من حديث ابن عمر المتقدم .
وقال الشافعي : طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر خاصة ، ولو طلقها ثلاثا في طهر لم يكن بدعة .
وقال أبو حنيفة : طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر طلقة .
وقال الشعبي : يجوز أن يطلقها في طهر جامعها فيه .
فعلماؤنا قالوا : يطلقها واحدة في طهر لم يمس فيه ، ولا تبعه طلاق في عدة ، ولا يكون الطهر تاليا لحيض وقع فيه الطلاق ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق .
فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " .
وتعلق الإمام الشافعي بظاهر قوله تعالى : فطلقوهن لعدتهن وهذا عام في كل طلاق كان واحدة أو اثنتين أو أكثر .
وإنما راعى الله سبحانه الزمان [ ص: 142 ] في هذه الآية ولم يعتبر العدد .
وكذلك حديث ابن عمر لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الوقت لا العدد .
قال ابن العربي : وهذه غفلة عن الحديث الصحيح ; فإنه قال : " مره فليراجعها " وهذا يدفع الثلاث .
وفي الحديث أنه قال : " أرأيت لو طلقها ثلاثا ؟
قال : حرمت عليك وبانت منك بمعصية " .
وقال أبو حنيفة : ظاهر الآية يدل على أن الطلاق الثلاث والواحدة سواء .
وهو مذهب الشافعي لولا قوله بعد ذلك : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا .
وهذا يبطل دخول الثلاث تحت الآية .
وكذلك قال أكثر العلماء ; وهو بديع لهم .
وأما مالك فلم يخف عليه إطلاق الآية كما قالوا ، ولكن الحديث فسرها كما قلنا .
وأما قول الشعبي : إنه يجوز طلاق في طهر جامعها فيه ، فيرده حديث ابن عمر بنصه ومعناه .
أما نصه فقد قدمناه ، وأما معناه فلأنه إذا منع من طلاق الحائض لعدم الاعتداد به ، فالطهر المجامع فيه أولى بالمنع ; لأنه يسقط الاعتداد به مخافة شغل الرحم وبالحيض التالي له .قلت : وقد احتج الشافعي في طلاق الثلاث بكلمة واحدة بما رواه الدارقطني عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية وهي أم أبي سلمة ثلاث تطليقات في كلمة واحدة ; فلم يبلغنا أن أحدا من أصحابه عاب ذلك .
قال : وحدثنا سلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن حفص بن المغيرة طلق امرأته فاطمة بنت قيس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث تطليقات في كلمة ; فأبانها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عاب ذلك عليه .
واحتج أيضا بحديث عويمر العجلاني لما لاعن قال : يا رسول الله ، هي طالق ثلاث .
فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد انفصل علماؤنا عن هذا أحسن انفصال .
بيانه في غير هذا الموضع .
وقد ذكرناه في كتاب ( المقتبس من شرح موطأ مالك بن أنس ) .
وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين أن من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلاث لم يقع ; فشبهوه بمن وكل بطلاق السنة فخالف .الثامنة : قال الجرجاني : اللام في قوله تعالى : " لعدتهن " بمعنى في ; كقوله تعالى : هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر .
أي في أول الحشر .
فقوله : لعدتهن أي في عدتهن ; أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن .
وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع وفي الطهر مأذون فيه .
ففيه دليل على أن القرء هو [ ص: 143 ] الطهر .
وقد مضى القول فيه في " البقرة " فإن قيل : معنى فطلقوهن لعدتهن أي في قبل عدتهن ، أو لقبل عدتهن .
وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ; كما قال ابن عمر في صحيح مسلم وغيره .
فقبل العدة آخر الطهر حتى يكون القرء الحيض ، قيل له : هذا هو الدليل الواضح لمالك ومن قال بقوله ; على أن الأقراء هي الأطهار .
ولو كان كما قال الحنفي ومن تبعه لوجب أن يقال : إن من طلق في أول الطهر لا يكون مطلقا لقبل الحيض ; لأن الحيض لم يقبل بعد .
وأيضا إقبال الحيض يكون بدخول الحيض ، وبانقضاء الطهر لا يتحقق إقبال الحيض .
ولو كان إقبال الشيء إدبار ضده لكان الصائم مفطرا قبل مغيب الشمس ; إذ الليل يكون مقبلا في إدبار النهار قبل انقضاء النهار .
ثم إذا طلق في آخر الطهر فبقية الطهر قرء ، ولأن بعض القرء يسمى قرءا لقوله تعالى : الحج أشهر معلومات يعني شوالا وذا القعدة وبعض ذي الحجة ; لقوله تعالى : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه وهو ينفر في بعض اليوم الثاني .
وقد مضى هذا كله في " البقرة " مستوفى .التاسعة : قوله تعالى : " وأحصوا العدة " يعني في المدخول بها ; لأن غير المدخول بها لا عدة عليها ، وله أن يراجعها فيما دون الثلاث قبل انقضاء العدة ، ويكون بعدها كأحد الخطاب .
ولا تحل له في الثلاث إلا بعد زوج .العاشرة : قوله تعالى : وأحصوا العدة معناه احفظوها ; أي احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق ، حتى إذا انفصل المشروط منه وهو الثلاثة قروء في قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء حلت للأزواج .
وهذا يدل على أن العدة هي الأطهار وليست بالحيض .
ويؤكده ويفسره قراءة النبي صلى الله عليه وسلم " لقبل عدتهن " وقبل الشيء بعضه لغة وحقيقة ، بخلاف استقباله فإنه يكون غيره .[ ص: 144 ] الحادية عشرة : من المخاطب بأمر الإحصاء ؟
وفيه ثلاث أقوال : أحدها : أنهم الأزواج .
الثاني : أنهم الزوجات .
الثالث : أنهم المسلمون .
ابن العربي : والصحيح أن المخاطب بهذا اللفظ الأزواج ; لأن الضمائر كلها من " طلقتم " و " أحصوا " و " لا تخرجوهن " على نظام واحد يرجع إلى الأزواج ، ولكن الزوجات داخلة فيه بالإلحاق بالزوج ; لأن الزوج يحصي ليراجع ، وينفق أو يقطع ، وليسكن أو يخرج وليلحق نسبه أو يقطع .
وهذه كلها أمور مشتركة بينه وبين المرأة ، وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك .
وكذلك الحاكم يفتقر إلى الإحصاء للعدة للفتوى عليها ، وفصل الخصومة عند المنازعة فيها .
وهذه فوائد الإحصاء المأمور به .الثانية عشرة : قوله تعالى : واتقوا الله ربكم أي لا تعصوه .لا تخرجوهن من بيوتهن أي ليس للزوج أن يخرجها من مسكن النكاح ما دامت في العدة ، ولا يجوز لها الخروج أيضا لحق الزوج إلا لضرورة ظاهرة ، فإن خرجت أثمت ولا تنقطع العدة .
والرجعية والمبتوتة في هذا سواء .
وهذا لصيانة ماء الرجل .
وهذا معنى إضافة البيوت إليهن ; كقوله تعالى : واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة ، وقوله تعالى : وقرن في بيوتكن فهو إضافة إسكان وليس إضافة تمليك .
وقوله : لا تخرجوهن يقتضي أن يكون حقا في الأزواج .
ويقتضي قوله : " ولا يخرجن " أنه حق على الزوجات .
وفي صحيح الحديث عن جابر بن عبد الله قال : طلقت خالتي فأرادت أن تجد نخلها فزجرها رجل أن تخرج ; فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " بلى فجدي نخلك ، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا " .
خرجه مسلم .
ففي هذا الحديث دليل لمالك والشافعي وابن حنبل والليث على قولهم : إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها ، وإنما تلزم منزلها بالليل .
وسواء عند مالك كانت رجعية أو بائنة .
وقال الشافعي في الرجعية : لا تخرج ليلا ولا نهارا ، وإنما تخرج نهارا المبتوتة .
وقال أبو حنيفة : ذلك في المتوفى عنها زوجها ، وأما المطلقة فلا تخرج لا ليلا ولا نهارا .
والحديث يرد عليه .
وفي الصحيحين أن أبا حفص بن عمرو خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن ، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها ، وأمر لها الحارث بن هشام [ ص: 145 ] وعياش بن أبي ربيعة بنفقة ; فقالا لها : والله ما لك من نفقة إلا أن تكوني حاملا .
فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له قولهما .
فقال : " لا نفقة لك " فاستأذنته في الانتقال فأذن لها ; فقالت : أين يا رسول الله ؟
فقال : " إلى ابن أم مكتوم " ، وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها .
فلما مضت عدتها أنكحها النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد .
فأرسل إليها مروان قبيصة بن ذؤيب يسألها عن الحديث ، فحدثته .
فقال مروان : لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة ، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها .
فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان : فبيني وبينكم القرآن ، قال الله عز وجل : لا تخرجوهن من بيوتهن الآية ، قالت : هذا لمن كانت له رجعة ; فأي أمر يحدث بعد الثلاث ؟
فكيف تقولون : لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا ، فعلام تحبسونها ؟
لفظ مسلم .
فبين أن الآية في تحريم الإخراج والخروج إنما هو في الرجعية .
وكذلك استدلت فاطمة بأن الآية التي تليها إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية ; لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها ما دامت في عدتها ; فكأنها تحت تصرف الزوج في كل وقت .
وأما البائن فليس له شيء من ذلك ; فيجوز لها أن تخرج إذا دعتها إلى ذلك حاجة ، أو خافت عورة منزلها ; كما أباح لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .
وفي مسلم : قالت فاطمة : يا رسول الله ، زوجي طلقني ثلاثا وأخاف أن يقتحم علي .
قال : فأمرها فتحولت .
وفي البخاري عن عائشة أنها كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها ; فلذلك أرخص النبي صلى الله عليه وسلم لها .
وهذا كله يرد على الكوفي قوله .
وفي حديث فاطمة : أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها ; فهو حجة لمالك وحجة على الشافعي .
وهو أصح من حديث سلمة بن أبي سلمة عن أبيه أن حفص بن المغيرة طلق امرأته ثلاث تطليقات في كلمة ; على ما تقدم .الثالثة عشرة : قوله تعالى : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة قال ابن عباس وابن عمر والحسن والشعبي ومجاهد : هو الزنى ; فتخرج ويقام عليها الحد .
وعن ابن عباس أيضا والشافعي : أنه البذاء على أحمائها ; فيحل لهم إخراجها .
وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال في فاطمة : [ ص: 146 ] تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها فأمرها عليه السلام أن تنتقل .
وفي كتاب أبي داود قال سعيد : تلك امرأة فتنت الناس ، إنها كانت لسنة فوضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى .
قال عكرمة : في مصحف أبي " إلا أن يفحشن عليكم " .
ويقوي هذا أن محمد بن إبراهيم بن الحارث روى أن عائشة قالت لفاطمة بنت قيس : اتقي الله فإنك تعلمين لم أخرجت ؟
وعن ابن عباس أيضا : الفاحشة كل معصية كالزنى والسرقة والبذاء على الأهل .
وهو اختيار الطبري .
وعن ابن عمر أيضا والسدي : الفاحشة خروجها من بيتها في العدة .
وتقدير الآية : إلا أن يأتين بفاحشة مبينة بخروجهن من بيوتهن بغير حق ; أي لو خرجت كانت عاصية .
وقال قتادة : الفاحشة النشوز ، وذلك أن يطلقها على النشوز فتتحول عن بيته .
قال ابن العربي : أما من قال : إنه الخروج للزنى ; فلا وجه له ; لأن ذلك الخروج هو خروج القتل والإعدام : وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام .
وأما من قال : إنه البذاء ; فهو مفسر في حديث فاطمة بنت قيس .
وأما من قال : إنه كل معصية ; فوهم لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح الإخراج ولا الخروج .
وأما من قال : إنه الخروج بغير حق ; فهو صحيح .
وتقدير الكلام : لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن شرعا إلا أن يخرجن تعديا .الرابعة عشرة : قوله تعالى : وتلك حدود الله أي هذه الأحكام التي بينها أحكام الله على العباد ، وقد منع التجاوز عنها ، فمن تجاوز فقد ظلم نفسه وأوردها مورد الهلاك .لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا الأمر الذي يحدثه الله أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها ، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها ، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه ; فيراجعها .
وقال جميع المفسرين : أراد بالأمر هنا الرغبة في الرجعة .
ومعنى القول : التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث ; فإنه إذا طلق أضر بنفسه عند الندم على الفراق والرغبة في الارتجاع ، فلا يجد عند الرجعة سبيلا .
وقال مقاتل : بعد ذلك أي بعد طلقة أو طلقتين أمرا أي المراجعة من غير خلاف .
يقول تعالى مخاطبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين:{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ } أي: أردتم طلاقهن { فـ } التمسوا لطلاقهن الأمر المشروع، ولا تبادروا بالطلاق من حين يوجد سببه، من غير مراعاة لأمر الله.بل { طَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أي: لأجل عدتهن، بأن يطلقها زوجها وهي طاهر، في طهر لم يجامعها فيه، فهذا الطلاق هو الذي تكون العدة فيه واضحة بينة، بخلاف ما لو طلقها وهي حائض، فإنها لا تحتسب تلك الحيضة، التي وقع فيها الطلاق، وتطول عليها العدة بسبب ذلك، وكذلك لو طلقها في طهر وطئ فيه، فإنه لا يؤمن حملها، فلا يتبين و [لا] يتضح بأي عدة تعتد، وأمر تعالى بإحصاء العدة، أي: ضبطها بالحيض إن كانت تحيض، أو بالأشهر إن لم تكن تحيض، وليست حاملاً، فإن في إحصائها أداء لحق الله، وحق الزوج المطلق، وحق من سيتزوجها بعد، [وحقها في النفقة ونحوها] فإذا ضبطت عدتها، علمت حالها على بصيرة، وعلم ما يترتب عليها من الحقوق، وما لها منها، وهذا الأمر بإحصاء العدة، يتوجه [للزوج] وللمرأة، إن كانت مكلفة، وإلا فلوليها، وقوله: { وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ } أي: في جميع أموركم، وخافوه في حق الزوجات المطلقات، فـ { لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ } مدة العدة، بل يلزمن بيوتهن الذي طلقها زوجها وهي فيها.{ وَلَا يَخْرُجْنَ } أي: لا يجوز لهن الخروج منها، أما النهي عن إخراجها، فلأن المسكن، يجب على الزوج للزوجة ، لتكمل فيه عدتها التي هي حق من حقوقه.وأما النهي عن خروجها، فلما في خروجها، من إضاعة حق الزوج وعدم صونه.ويستمر هذا النهي عن الخروج من البيوت، والإخراج إلى تمام العدة.{ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } أي: بأمر قبيح واضح، موجب لإخراجها، بحيث يدخل على أهل البيت الضرر من عدم إخراجها، كالأذى بالأقوال والأفعال الفاحشة، ففي هذه الحال يجوز لهم إخراجها، لأنها هي التي تسببت لإخراج نفسها، والإسكان فيه جبر لخاطرها، ورفق بها، فهي التي أدخلت الضرر على نفسها ، وهذا في المعتدة الرجعية، وأما البائن، فليس لها سكنى واجبة، لأن السكن تبع للنفقة، والنفقة تجب للرجعية دون البائن، { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } [أي:] التي حددها لعباده وشرعها لهم، وأمرهم بلزومها، والوقوف معها، { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ } بأن لم يقف معها، بل تجاوزها، أو قصر عنها، { فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } أي: بخسها حظها، وأضاع نصيبه من اتباع حدود الله التي هي الصلاح في الدنيا والآخرة.
{ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } أي: شرع الله العدة، وحدد الطلاق بها، لحكم عظيمة: فمنها: أنه لعل الله يحدث في قلب المطلق الرحمة والمودة، فيراجع من طلقها، ويستأنف عشرتها، فيتمكن من ذلك مدة العدة، أولعله يطلقها لسبب منها، فيزول ذلك السبب في مدة العدة، فيراجعها لانتفاء سبب الطلاق.ومن الحكم: أنها مدة التربص، يعلم براءة رحمها من زوجها.
مدنية ( ياأيها النبي إذا طلقتم النساء ) نادى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم خاطب أمته لأنه السيد المقدم ، فخطاب الجميع معه .
وقيل : مجازه : يا أيها النبي قل لأمتك " إذا طلقتم النساء " إذا أردتم تطليقهن ، كقوله - عز وجل - : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " ( النحل - 98 ) أي : إذا أردت القراءة .
( فطلقوهن لعدتهن ) أي لطهرهن بالذي يحصينه من عدتهن .
وكان ابن عباس وابن عمر يقرآن : " فطلقوهن في قبل عدتهن " نزلت هذه الآية في عبد الله [ بن عمر ] كان قد طلق امرأته في حال الحيض .
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه ، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك [ عن نافع ] عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل عمر بن الخطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ، فقال : مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض [ ثم تطهر ] ثم إن شاء أمسك بعد ، وإن شاء طلق قبل أن يمس ، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء .
ورواه سالم عن ابن عمر قال : " مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا " .
ورواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر ، ولم يقولا : ( ثم تحيض ثم تطهر ) .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا مسلم وسعيد بن سالم ، عن ابن جريج قال : أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل عبد الله بن عمر - وأبو الزبير يسمع - فقال : كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضا ؟
فقال ابن عمر : طلق عبد الله بن عمر امرأته حائضا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك " قال ابن عمر : وقال الله - عز وجل - : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن أو لقبل عدتهن " الشافعي يشك .
ورواه حجاج بن محمد عن ابن جريج ، وقال : قال ابن عمر : وقرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن .
اعلم أن الطلاق في حال الحيض والنفاس بدعة ، وكذلك في الطهر الذي جامعها فيه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " وإن شاء طلق قبل أن يمس " .
والطلاق السني : أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه .
وهذا في حق امرأة تلزمها العدة بالأقراء .
فأما إذا طلق غير المدخول بها في حال الحيض أو طلق الصغيرة التي لم تحض قط أو الآيسة بعد ما جامعها أو طلق الحامل بعد ما جامعها أو في حال رؤية الدم لا يكون بدعيا .
ولا سنة ولا بدعة في طلاق هؤلاء لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا " .
والخلع في حال الحيض أو في طهر جامعها [ فيه ] لا يكون بدعيا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته من غير أن يعرف حالها ولولا جوازه في جميع الأحوال لأشبه أن يتعرف الحال .
ولو طلق امرأته في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه قصدا يعصي الله تعالى ولكن يقع الطلاق لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ابن عمر بالمراجعة فلولا وقوع الطلاق لكان لا يأمر بالمراجعة ، وإذا راجعها في حال الحيض يجوز أن يطلقها في الطهر الذي يعقب تلك الحيضة قبل المسيس كما رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر .
وما رواه نافع عن ابن عمر : " ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر " فاستحباب .
استحب تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني حتى لا يكون مراجعته إياها للطلاق كما يكره النكاح للطلاق .
ولا بدعة في الجمع بين الطلقات الثلاث ، عند بعض أهل العلم حتى لو طلق امرأته في حال الطهر ثلاثا لا يكون بدعيا ، وهو قول الشافعي وأحمد .
وذهب بعضهم إلى أنه بدعة ، وهو قول مالك وأصحاب الرأي .
قوله - عز وجل - : ( وأحصوا العدة ) أي عدد أقرائها احفظوها قيل : أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثا .
وقيل : للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى .
( واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ) أراد به إذا كان المسكن الذي طلقها فيه للزوج لا يجوز له أن يخرجها منه ( ولا يخرجن ) ولا يجوز لها أن تخرج ما لم تنقض عدتها فإن خرجت لغير ضرورة أو حاجة أثمت فإن وقعت ضرورة - وإن خافت هدما أو غرقا - لها أن تخرج إلى منزل آخر ، وكذلك إن كان لها حاجة من بيع غزل أو شراء قطن فيجوز لها الخروج نهارا ولا يجوز ليلا فإن رجالا استشهدوا بأحد فقالت نساؤهم : نستوحش في بيوتنا فأذن لهن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتحدثن عند إحداهن ، فإذا كان وقت النوم تأوي كل امرأة إلى بيتها وأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - لخالة جابر طلقها زوجها أن تخرج لجذاذ نخلها .
وإذا لزمتها العدة في السفر تعتد ذاهبة وجائية والبدوية [ تتبوأ ] حيث يتبوأ أهلها في العدة لأن الانتقال في حقهم كالإقامة في حق المقيم .
قوله : ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) قال ابن عباس : " الفاحشة المبينة " أن تبذو على أهل زوجها فيحل إخراجها .
وقال جماعة : أراد بالفاحشة : أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها ثم ترد إلى منزلها يروى ذلك عن ابن مسعود .
وقال قتادة : معناه إلا أن يطلقها على نشوزها فلها أن تتحول من بيت زوجها والفاحشة : النشوز .
وقال ابن عمر والسدي : خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة .
( وتلك حدود الله ) يعني : ما ذكر من سنة الطلاق وما بعدها ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) يوقع في قلب الزوج مراجعتها بعد الطلقة والطلقتين .
وهذا يدل على أن المستحب أن يفرق الطلقات ، ولا يوقع الثلاث دفعة واحدة ، حتى إذا ندم أمكنه المراجعة .
«يا أيها النبي» المراد أمته بقرينه ما بعده أو قل لهم «إذا طلقتم النساء» أي أردتم الطلاق «فطلقوهن لعدتهن» لأولها بأن يكون الطلاق في طهر لم تمس فيه لتفسيره صلي الله عليه وسلم بذلك، رواه الشيخان «وأحصوا العدة» أحفظوها لتراجعوا قبل فراغها «واتقوا الله ربكم» أطيعوه في أمره ونهيه «لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن» منها حتى تنقضي عدتهن «إلا إن يأتين بفاحشة» زنا «مبيَّنة» بفتح الياء وكسرها، بينت أو بينة فيخرجن لإقامة الحد عليهن «وتلك» المذكورات «حدود الله ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك» الطلاق «أمراً» مراجعة فيما إذا كان واحدة أو اثنتين.
يا أيها النبي إذا أردتم- أنت والمؤمنون- أن تطلِّقوا نساءكم فطلقوهن مستقبلات لعدتهن -أي في طهر لم يقع فيه جماع، أو في حَمْل ظاهر- واحفظوا العدة؛ لتعلموا وقت الرجعة إن أردتم أن تراجعوهن، وخافوا الله ربكم، لا تخرجوا المطلقات من البيوت التي يسكنَّ فيها إلى أن تنقضي عدتهن، وهي ثلاث حيضات لغير الصغيرة والآيسة والحامل، ولا يجوز لهن الخروج منها بأنفسهن، إلا إذا فعلن فعلة منكرة ظاهرة كالزنى، وتلك أحكام الله التي شرعها لعباده، ومن يتجاوز أحكام الله فقد ظلم نفسه، وأوردها مورد الهلاك.
لا تدري- أيها المطلِّق-: لعل الله يحدث بعد ذلك الطلاق أمرًا لا تتوقعه فتراجعها.
افتتح الله - تعالى - السورة الكريمة بتوجيه النداء إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ العدة ) .وأحكام الطلاق التى وردت فى هذه الآية ، تشمل النبى - صلى الله عليه وسلم - كما تشمل جميع المكلفين من أمته - صلى الله عليه وسلم - .وإنما كان النداء له - صلى الله عليه وسلم - وكان الخطاب بالحكم عاما له ولأمته ، تشريفا وتكريما له - صلى الله عليه وسلم - لأنه هو المبلغ للناس ، وهو إمامهم وقدوتهم لأحكام الله - تعالى - فيهم .قال صاحب الكشاف : خُصَّ النبى - صلى الله عليه وسلم - بالنداء ، وعُمًّ بالخطاب ، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - إمام أمته وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان : افعلوا كيت وكيت ، وإظهارا لتقدمه ، واعتبارا لترؤسه ، وأنه مِدْرة قومه ولسانهم - والمدرة : القرية .أى : أنه بمنزلة القرية لقومه ، وأنه الذى يصدرون عن رأيه ، ولا يستبدون بأمر دونه ، فكان هو وحده فى حكم كلهم ، وساد مسد جميعهم .وهذا التفسير الذى اقتصر عليه صاحب الكشاف ، هو المعول عليه ، وهو الذى يناسب بلاغة القرآن وفصاحته ، ويناسب مقام النبى - صلى الله عليه وسلم - .وقيل : الخطاب له ولأمته : والتقدير : يأيها النبى وأمته إذا طلقتم ، فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه .وقيل : هو خطاب لأمته فقط ، بعد ندائه - عليه السلام - وهو من تلوين الخطاب ، خاطب أمته بعد أن خاطبه .وقيل : إن الكلام على إضمار قول ، أى : يأيها النبى قل لأمتك إذا طلقتم .والحق أن الذى يتدبر القرآن الكريم ، يرى أن الخطاب والأحكام المترتبة عليه ، تارة تكون خاصة به - صلى الله عليه وسلم - كما فى قوله - تعالى - : ( ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) وتارة يكون شاملا له - صلى الله عليه وسلم - ولأمته كما فى هذه الآية التى معنا ، وكما فى قوله - تعالى - : ( ياأيها النبي جَاهِدِ الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ ) وتارة يكون - صلى الله عليه وسلم - خارجا عنه كما فى قوله - تعالى - : ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ) فصيغة الخطاب هنا وإن كانت موجهة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - إلا إنه ليس داخلا فيها ، لأن والديه لم يكونا موجودين عند نزول هاتين الآيتين .والمراد بقوله : ( إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء ) أى : إذا أردتم تطليقهن ، لأن طلاق المطلقة من باب تحصيل الحاصل .وهذا الأسلوب يرد كثيرا فى القرآن الكريم ، ومنه قوله - تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ .
.
) أى : إذا أردتم القيام للصلاة فاغسلوا .والمراد بالنساء هنا : الزوجات المدخول بهن ، لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) واللام فى قوله - سبحانه - : فطلقوهن لعدتهن ، هى التى تسمى بلام التوقيت ، وهى بمعنى عند ، أو بمعنى فى ، كما يقول القائل : كتبت هذا الكتاب لعشر مضين من شهر كذا .ومنه قوله - تعالى - : ( أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس .
.
) أى عند أو فى وقت دلوكها .وقوله : ( وَأَحْصُواْ العدة ) من الإحصاء بمعنى العد والضبط ، وهو مشتق من الحصى ، وهى من صغار الحجارة ، لأن العرب كانوا إذا كثر عدد الشىء ، جعلوا لكل واحد من المعدود حصاة ، ثم عدوا مجموع ذلك الحصى .والمراد به هنا : شدة الضبط ، والعناية بشأن العد ، حتى لا يحصل خطأ فى وقت العدة .
والمعنى : يأيها النبى ، أخبر المؤمنين ومرهم ، إذا أرادوا تطليق نسائهم المدخول بهن ، من المعتدات بالحيض ، فعليهم أن يطلقوهن فى وقت عدتهن .وعليهم كذلك أن يضبطوا أيام العدة ضبطا تاما حتى لا يقع فى شأنها خطأ أو لبس .قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : خوطب النبى - صلى الله عليه وسلم - أولا تشريفا وتكريما ، ثم خاطب الأمة تبعا ، فقال : ( ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ العدة .
.
) .روى ابن أبى حاتم عن أنس قال : طلق النبى - صلى الله عليه وسلم - حفصة ، فأتت أهلها ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .
وقيل له : راجعها فإنها صوامة قوامة ، وهى من أزواجك فى الجنة .وروى البخارى أن عبد الله بن عمر ، طلق امرأة له وهى حائض ، فذكر عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، فتغيظ - صلى الله عليه وسلم - ثم قال : فليراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها ، فتلك العدى التى أمر الله - تعالى - .ثم قال - رحمه الله - : ومن ها هنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق ، وقسموه إلى طلاق سنة ، وطلاق بدعة .فطلاق السنة : أن يطلقها طاهرا من غير جماع ، أو حاملا قد استبان حملها .والبدعى : هو أن يطلقها فى حال الحيض ، - وما يشبهه كالنفاس - ، أو فى طهر قد جامعها فيه ، ولا يدرى أحملت أم لا؟
.وتعليق ( طَلَّقْتُمُ ) بإذا الشرطية ، يشعر بأن الطلاق خلاف الأصل ، إذ الأصل فى الحياة الزوجية أن تقوم على المودة والرحمة ، وعلى الدوام والاستقرار .قال - تعالى - : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً .
.
.
) قال القرطبى : روى الثعلبى من حديث ابن عمر قال : قال رسول - صلى الله عليه وسلم - " إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق " .وعن أبى موسى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله - عز وجل - لا يحب الذواقين ولا الذواقات " .وعن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما حلف بالطلاق ، ولا استحلف به إلا منافق " .والمراد بالأمر فى قوله - تعالى - : ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) إرشاد المؤمنين إلى ما يجب عليهم اتباعه إذا ما أرادوا مفارقة أزواجهم ، ونهيهم عن إيقاع الطلاق فى حال الحيض أو ما يشبهها كالنفاس ، لأن ذلك يكون طلاقا بديعا محرما ، إذ يؤدى إلى تطويل عدة المرأة لأن بقية أيام الحيض لا تحسب من العدة ، ويؤدى - أيضا - إلى عدم الوفاء لها ، حيث طلقها فى وقت رغبته فيها فاترة .ولكن الطلاق مع ذلك يعتبر واقعا ونافذا عند جمهور العلماء .قال القرطبى : من طلق فى طهر لم يجامع فيه ، نفذ طلاقه وأصاب السنة ، وإن طلقها وهى حائض نفذ طلاقه وأخطأ السنة .وقال سعيد بن المسبب : لا يقع الطلاق فى الحيض لأنه خلاف السنة ، وإليه ذهبت الشيعة .وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال : " طلقت امرأتى وهى حائض ، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتغيظ وقال : فليراجعها ثم فليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التى طلقها فيها " .وكان عبد الله بن عمر قد طلقها تطليقة ، فحسبت من طلاقها ، وراجعها عبد الله بن عمر كما أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .وفى رواية أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال له : " هى واحدة " وهذا نص .
وهو يرد على الشيعة قولهم .وقد بسط الفقهاء وبعض المفسرين الكلام فى هذه المسألة فليرجع إليها من شاء .والمخاطب بقوله ( وَأَحْصُواْ العدة ) الأزواج على سبيل الأصالة ، لأنهم هم المخاطبون بقوله ( طَلَّقْتُمُ ) وبقوله ( فَطَلِّقُوهُنَّ ) ، ويدخل معهم الزوجات على سبيل التبع ، وكذلك كل من له صلة بهذا الحكم ، وهو إحصاء العدة .ثم أمر - سبحانه - بتقواه فقال : ( واتقوا الله رَبَّكُمْ ) أى ، واتقوا الله ربكم ، بأن تصونوا أنفسم عن معصيته ، التى من مظاهرها إلحاق الضرر بأزواجكم ، بتطليقهن فى وقت حيضهن .
أو فى غير ذلك من الأوقات المنهى عن وقوع الطلاق فيها .فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : التحذير من التساهل فى أحكام الطلاق والعدة ، كما كان أهل الجاهلية يفعلون .وجمع - سبحانه - بين لفظ الجلالة ، وبين الوصف بربكم ، لتأكيد الأمر بالتقوى ، وللمبالغة فى وجوب المحافظة على هذه الأحكام .ثم بين - سبحانه - حكما آخر يتعلق بالأزواج والزوجات فقال : ( لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ) .والجملة الكريمة مستأنفة ، أو حال من ضمير ( وَأَحْصُواْ العدة ) أى : حالة كون العدة فى بيوتهن ، والخطاب للأزواج ، والزوجات ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والأساليب .والفاحشة : الفعلة البالغة الغاية فى القبح والسوء ، وأكثر إطلاقها على الزنا .وقوله : ( مُّبَيِّنَةٍ ) صفة للفاحشة ، وقراءة الجمهور - بكسر الياء - أى : بفاحشة توضح لمن تبلغه أنها فاحشة لشدة قبحها .وقرأ ابن كثير ( مُّبَيَّنَةٍ ) بفتح الياء - أى : بفاحشة قامت الحجة على مرتكيبيها قياما لا مجال معه للمناقشة أو المجادلة .أى : واتقوا الله ربكم - أيها المؤمنون - فيما تأتون وتذرون ، ومن مظاهر هذه التقوى ، أنكم لا تخرجون زوجاتكم المطلقات من مساكنهن إلى أن تنقضى عدتهن ، وهن - أيضا - لا يخرجن منها بأنفسهن فى حال من الأحوال ، إلا فى حال إتيانهن بفاحشة عظيمة ثبتت عليهن ثبوتا واضحا .فالمقصود بالجملة الكريمة نهى الأزواج عن إخراج المطلقات المعتدات من مساكنهن عند الطلاق إلى أن تنتهى عدتهن ، ونهى المعتدات عن الخروج منها إلا عند اتركابهن الفاحشة الشديدة القبح .وأضاف - سبحانه - البيوت إلى ضمير النساء فقال : ( لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ) للإشعار بأن استحقاقهن للمكث فى بيوت أزواجهن مدة عدتهن كاستحقاق المالك لما يملكه ، ولتأكيد النهى عن الإخراج والخروج .وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن المطلقة لا يصح إخراجها أو خروجها من بيت الزوجية ما دامت فى عدتها ، إلا لأمر ضرورى .قال الألوسى ما ملخصه : وقوله : ( لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ) أى : من مساكنهن عند الطلاق إلى أن تنقضى عدتهن .
.
.
وعدم العطف للإيذان باستقلاله بالطلب اعتناء به ، والنهى عن الإخراج يتناول بمنطوقة عدم إخراجهن غضبا عليهن ، أو كراهة لمساكنتهن .
.
.
ويتناول بإشارته عدم الإذن لهن بالخروج ، لأن خروجهن محرم ، لقوله - تعالى - : ( وَلاَ يَخْرُجْنَ ) فكأنه قيل : لا تخرجوهن ، ولا تأذنوا لهن فى الخروج إذا طلبن ذلك ، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ، فهناك دلالة على أن سكونهن فى البيوت حق للشرع مؤكد ، فلا يسقط بالإذن .
.
.
وهذا رأى الأحناف .ومذهب الشافعية أنهما لو اتفقا على الانتقال جاز .
إذ الحق لا يعدوهما ، فيكون المعنى : لا تخرجوهن ولا يخرجن باستبدادهن .والاستثناء فى قوله : ( إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ) يرى بعضهم أنه راجع إلى ( وَلاَ يَخْرُجْنَ ) فتكون الفاحشة المبينة هى نفس الخروج قبل انقضاء العدة ، أى : لا يطلق لهن فى الخروج ، إلا فى الخروج الذى هو فاحشة ، ومن المعلوم أنه لا يطلق لهن فيه ، فيكون ذلك منعا من الخروج على أبلغ وجه ..
.
كما يقال لا تزن إلا أن تكون فاسقا .
.
.وقال بعض العلماء : والذى تخلص لى أن حكمة السكنى للمطلقة ، أنها حفظ للأعراض ، فإن المطلقة يكثر التفات العيون لها ، وقد يتسرب سوء الظن إليها ، فيكثر الاختلاف عليها ، ولا تجد ذا عصمة يذب عنها ، فلذلك شرعت لها السكنى ، فلا تخرج إلا لحاجياتها الضرورية .
.
.ومن الحكم - أيضا - فى ذلك أن المطلقة قد لا تجد مسكنا ، لأن غالب النساء لم تكن لهن أموال ، وإنما هن عيال على الرجال .ويزاد فى المطلقة الرجعية ، قصد استبقاء الصلة بينها وبين مطلقها ، لعله يثوب إليه رشده فيراجعها .فهذا مجموع علل ، فإذا تخلفت واحدة منها لم يتخلف الحكم ، لأن الحكم المعلل بعلتين فأكثر لا يبطله سقوط بعضها .واسم الإشارة فى قوله : ( وَتِلْكَ حُدُودُ الله ) يعود إلى الأحكام التى سبق الحديث عنها ، والحدود : جمع حد ، وهو مالا يصح تجاوزه أو الخروج عنه .أى : وتلك الأحكام التى بيناها لكم ، هى حدود الله - تعالى - التى لا يصح لم تعديها أو تجاوزها ، وإنما يجب عليكم الوقوف عندها ، وتنفيذ ما اشتملت عليه من آداب وهدايات .ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يتجاوز حدوده فقال : ( وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) أى : ومن يتجاوز حدود الله التى حدها لعباده ، بأن أخل بشىء منها ، فقد حمل نفسه وزرا ، وأكسبها إثما ، وعرضها للعقوبة والعذاب .وقوله - تعالى - : ( لاَ تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ) ترغيب فى امتثال الأحكام السابقة ، بعد أن سلك فى شأنها مسلك الترهيب من مخالفتها ، ودعوة إلى فتح باب المصالحة بين الرجل وزوجه ، وعدم السير فى طريق المفارقة حتى النهاية .
.والخطاب لكل من يصلح له ، أو هو للمتعدى بطريق الالتفات ، والجملة الكريمة مستأنفة ، مسوقة لتعليل مضمون ما قبلها ، وتفصيل لأحواله .أى : اسلك - أيها المسلم - الطريق الذى أرشدناك إليه فى حياتك الزوجية ، وامتثل ما أمرناك به ، فلا تطلق امرأتك وهى حائض ، ولا تخرجها من بيتها قبل تمام عدتها .
.
.
ولا تقفل باب المصالحة بينك وبينها ، بل اجعل باب المصالح مفتوحا ، فإنك لا تدرى لعل الله - تعالى - يحدث بعد ذلك النزاع الذى نشب بينك وبين زوجك أمرا نافعا لك ولها ، بأن يحول البغض إلى حب ، والخصام إلى وفاق ، والغضب إلى رضا .
.
.فالجملة الكريمة قد اشتملت على أسمى ألوان الإرشاد لحمل النفوس المتجهة نحو الطلاق .
.
.
إلى التريث والتعقل ، وفتح باب المواصلة بعد المقاطعة والتقارب بعد التباعد ، لأن تقليب القلوب بيد الله - عز وجل - وليس بعيدا عن قدرته - تعالى - تحويل القلوب إلى الحب بعد البغض .قال القرطبى : الأمر الذى يحدثه الله أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها ، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها ، ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه ، فيراجعها .وقال جميع المفسرين : أراد بالأمر هنا الرغبة فى الرجعة .
.
﴿ يأيُّهَا النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ العدة ﴾ .
أما التعلق بما قبلها فذلك أنه تعالى قال في أول تلك السورة: ﴿ لَهُ الملك وَلَهُ الحمد وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ والملك يفتقر إلى التصرف على وجه يحصل منه نظام الملك، والحمد يفتقر إلى أن ذلك التصرف بطريق العدل والإحسان في حق المتصرف فيه وبالقدرة على من يمنعه عن التصرف وتقرير الأحكام في هذه السورة متضمن لهذه الأمور المفتقرة إليها تضمناً لا يفتقر إلى التأمل فيه، فيكون لهذه السورة نسبة إلى تلك السورة، وأما الأول بالآخر فلأنه تعالى أشار في آخر تلك السورة إلى كمال علمه بقوله: ﴿ عالم الغيب ﴾ وفي أول هذه السورة إلى كمال علمه بمصالح النساء وبالأحكام المخصوصة بطلاقهن، فكأنه بين ذلك الكلي بهذه الجزئيات، وقوله: ﴿ يأيُّهَا النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء ﴾ عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصة فأتت إلى أهلها فنزلت، وقيل: راجعها فإنها صوامة قوامة وعلى هذا إنما نزلت الآية بسبب خروجها إلى أهلها لما طلقها النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله في هذه الآية: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ وقال الكلبي: إنه عليه السلام غضب على حفصة لما أسر إليها حديثاً فأظهرته لعائشة فطلقها تطليقة فنزلت، وقال السدي: نزلت في عبد الله بن عمر لما طلق امرأته حائضاً والقصة في ذلك مشهورة وقال مقاتل: إن رجالاً فعلوا مثل ما فعل ابن عمر، وهم عمرو بن سعيد بن العاص وعتبة بن غزوان فنزلت فيهم، وفي قوله تعالى: ﴿ يأيُّهَا النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء ﴾ وجهان: أحدهما: أنه نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثم خاطب أمته لما أنه سيدهم وقدوتهم، فإذا خوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب.
قال أبو إسحاق: هذا خطاب النبي عليه السلام، والمؤمنون داخلون معه في الخطاب وثانيهما: أن المعنى يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم النساء فأضمر القول، وقال الفراء: خاطبه وجعل الحكم للجميع، كما تقول للرجل: ويحك أما تتقون الله أما تستحيون، تذهب إليه وإلى أهل بيته و ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ ﴾ أي إذا أردتم التطليق، كقوله: ﴿ إِذَا قمتم إلى الصلاة ﴾ أي إذا أردتم الصلاة، وقد مر الكلام فيه، وقوله تعالى: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ قال عبد الله: إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته، فيطلقها طاهراً من غير جماع، وهذا قول مجاهد وعكرمة ومقاتل والحسن، قالوا: أمر الله تعالى الزوج بتطليق امرأته إذا شاء الطلاق في طهر لم يجامعها فيه، وهو قوله تعالى: ﴿ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أي لزمان عدتهن، وهو الطهر بإجماع الأمة، وقيل: لإظهار عدتهن، وجماعة من المفسرين قالوا: الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرة من غير جماع، وبالجملة، فالطلاق في حال الطهر لازم، وإلا لا يكون الطلاق سنياً، والطلاق في السنة إنما يتصور في البالغة المدخول بها غير الآيسة والحامل، إذ لا سنة في الصغير وغير المدخول بها، والآيسة والحامل، ولا بدعة أيضاً لعدم العدة بالأقراء، وليس في عدد الطلاق سنة وبدعة، على مذهب الشافعي حتى لو طلقها ثلاثاً في طهر صحيح لم يكن هذا بدعياً بخلاف ما ذهب إليه أهل العراق، فإنهم قالوا: السنة في عدد الطلاق أن يطلق كل طلقة في طهر صحيح.
وقال صاحب النظم: ﴿ فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ صفة للطلاق كيف يكون، وهذه اللام تجيء لمعان مختلفة للإضافة وهي أصلها، ولبيان السبب والعلة كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله ﴾ وبمنزلة عند مثل قوله: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس ﴾ أي عنده، وبمنزلة في مثل قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ديارهم لأَوَّلِ الحشر ﴾ وفي هذه الآية بهذا المعنى، لأن المعنى فطلقوهن في عدتهن، أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن فقال صاحب الكشاف: فطلقوهن مستقبلات لعدتهن كقوله: أتيته لليلة بقيت من المحرم أي مستقبلاً لها، وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: (من قبل عدتهن) فإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأول من أقرائها فقد طلقت مستقبلة العدة، المراد أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه، يخلين إلى أن تنقضي عدتهن، وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعده من الندم ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاث تطليقات، وقال مالك بن أنس: لا أعرف طلاقاً إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة، وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحدة في طهر واحد، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض: «ما هكذا أمرك الله تعالى إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً وتطلقها لكل قرء تطليقة» وعند الشافعي لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح فمالك يراعى في طلاق السنة الواحدة والوقت، وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت، والشافعي يراعي الوقت وحده، وقوله تعالى: ﴿ وَأَحْصُواْ العدة ﴾ أي أقراءها فاحتفظوا لها واحفظوا الحقوق والأحكام التي تجب في العدة واحفظوا نفس ما تعتدون به وهو عدد الحيض، ثم جعل الإحصاء إلى الأزواج يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم هم الذين يلزمهم الحقوق والمؤن وثانيهما: ليقع تحصين الأولاد في العدة، ثم في الآية مباحث: الأول: ما الحكمة في إطلاق السنة وإطلاق البدعة؟
نقول: إنما سمي بدعة لأنها إذا كانت حائضاً لم تعتد بأيام حيضها عن عدتها بل تزيد على ثلاثة أقراء فتطول العدة عليها حتى تصير كأنها أربعة أقراء وهي في الحيض الذي طلقت فيه في صورة المعلقة التي لا هي معتدة ولا ذات بعل والعقول تستقبح الإضرار، وإذا كانت طاهرة مجامعة لم يؤمن أن قد علقت من ذلك الجمع بولد ولو علم الزوج لم يطلقها، وذلك أن الرجل قد يرغب في طلاق امرأته إذا لم يكن بينهما ولد ولا يرغب في ذلك إذا كانت حاملاً منه بولد، فإذا طلقها وهي مجامعة وعنده أنها حائل في ظاهر الحال ثم ظهر بها حمل ندم على طلاقها ففي طلاقه إياها في الحيض سوء نظر للمرأة، وفي الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه وقد حملت فيه سوء نظر للزوج، فإذا طلقت وهي طاهر غير مجامعة أمن هذان الأمران، لأنها تعتد عقب طلاقه إياها، فتجري في الثلاثة قروء، والرجل أيضاً في الظاهر على أمان من اشتمالها على ولد منه.
الثاني: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟
نقول: نعم، وهو آثم لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً بين يديه، فقال له: «أو تلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم».
الثالث: كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو كبر أو غير ذلك؟
نقول: الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبي حنيفة وأبي يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر، وقال محمد وزفر: لا يطلق للسنة إلا واحدة.
وأما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة، ولا يراعى الوقت.
الرابع: هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة؟
نقول: اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا، والظاهر الكراهة.
الخامس: ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء ﴾ عام يتناول المدخول بهن، وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء، والآيسات والصغار والحوامل، فكيف يصح تخصيصه بذوات الأقراء والمدخول بهن؟
نقول: لا عموم ثمة ولا خصوص أيضاً، لكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن، وفي بعضهن، فجاز أن يراد بالنساء هذا وذاك فلما قيل: ﴿ فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ علم أنه أطلق على بعضهن، وهن المدخول بهن من المعتدات بالحيض، كذا ذكره في الكشاف.
ثم قال تعالى: ﴿ واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ .
قوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ قال مقاتل: اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم و ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ أي لا تخرجوا المعتدات من المساكن التي كنتم تساكنونهن فيها قبل الطلاق، فإن كانت المساكن عارية فارتجعت كان على الأزواج أن يعينوا مساكن أخرى بطريق الشراء، أو بطريق الكراء، أو بغير ذلك، وعلى الزوجات أيضاً أن لا يخرجن حقاً لله تعالى إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت ليلاً أو نهاراً كان ذلك الخروج حراماً، ولا تنقطع العدة.
وقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ قال ابن عباس: هو أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن، قال الضحاك الأكثرون: فالفاحشة على هذا القول هي الزنا، وقال ابن عمر: الفاحشة خروجهن قبل انقضاء العدة، قال السدي والباقون: الفاحشة المبينة هي العصيان المبين، وهو النشوز، وعن ابن عباس: إلا أن يبذون فيحل إخراجهن لبذائهن وسوء خلقهن، فيحل للأزواج إخراجهن من بيوتهن، وفي الآية مباحث: البحث الأول: هل للزوجين التراضي على إسقاطها؟
نقول: السكنى الواجبة في حال قيام الزوجية حق للمرأة وحدها فلها إبطالها، ووجه هذا أن الزوجين ما داما ثابتين على النكاح فإنما مقصودهما المعاشرة والاستمتاع، ثم لابد في تمام ذلك من أن تكون المرأة مستعدة له لأوقات حاجته إليها، وهذا لا يكون إلا بأنه يكفيها في نفقتها، كطعامها وشرابها وأدمها ولباسها وسكناها، وهذه كلها داخلة في إحصاء الأسباب التي بها يتم كل ما ذكرنا من الاستمتاع، ثم ما وراء ذلك من حق صيانة الماء ونحوها، فإن وقعت الفرقة زال الأصل الذي هو الانتفاع وزواله بزوال الأسباب الموصلة إليه من النفقة عليها، واحتيج إلى صيانة الماء فصارت السكنى في هذه الحالة بوجوبها الإحصاء لأسبابها، لأن أصلها السكنى، لأن بها تحصينها، فصارت السكنى في هذه الحالة لا اختصاص لها بالزوج، وصيانة الماء من حقوق الله، ومما لا يجوز التراضي من الزوجين على إسقاطه، فلم يكن لها الخروج، وإن رضي الزوج، ولا إخراجها، وإن رضيت إلا عن ضرورة مثل انهدام المنزل، وإخراج غاصب إياها أو نقلة من دار بكراء قد انقضت إجارتها أو خوف فتنة أو سيل أو حريق، أو غير ذلك من طريق الخوف على النفس، فإذا انقضى ما أخرجت له رجعت إلى موضعها حيث كان الثاني: قال: ﴿ واتقوا الله رَبَّكُمْ ﴾ ولم يقل: واتقوا الله مقصوراً عليه فنقول: فيه من المبالغة ما ليس في ذلك فإن لفظ الرب ينبههم على أن التربية التي هي الإنعام والإكرام بوجوه متعددة غاية التعداد فيبالغون في التقوى حينئذ خوفاً من فوت تلك التربية الثاني: ما معنى الجمع بين إخراجهم وخروجهن؟
نقول: معنى الإخراج أن لا يخرجهن البعولة غضباً عليهن وكراهة لمساكنتهن أو لحاجة لهم إلى المساكن وأن لا يأذنوا لهن في الخروج إذا طلبن ذلك، إيذاناً بأن إذنهم لا أثر له في رفع الحظر، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك.
الثالث: قرئ: ﴿ بفاحشة مُّبَيّنَةٍ ﴾ و ﴿ مُّبَيّنَةٍ ﴾ فمن قرأ مبينة بالخفض فمعناه: أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها تبين أنها فاحشة، ومن قرأ ﴿ مُّبَيّنَةٍ ﴾ بالفتح فمعناه أنها مبرهنة بالبراهين، ومبينة بالحجج، وقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ والحدود هي الموانع عن المجاوزة نحو النواهي، والحد في الحقيقة هي النهاية التي ينتهي إليها الشيء، قال مقاتل: يعود ما ذكر من طلاق السنة وما بعده من الأحكام ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله ﴾ وهذا تشديد فيمن يتعدى طلاق السنة، ومن يطلق لغير العدة ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ أي ضر نفسه، ولا يبعد أن يكون المعنى ومن يتجاوز الحد الذي جعله الله تعالى فقد وضع نفسه موضعاً لم يضعه فيه ربه، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وقوله تعالى: ﴿ لا تَدْرِي لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ قال ابن عباس: يريد الندم على طلاقها والمحبة لرجعتها في العدة وهو دليل على أن المستحب في التطليق أن يوقع متفرقاً، قال أبو إسحاق: إذا طلقها ثلاثاً في وقت واحد فلا معنى في قوله: ﴿ لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب؛ لأنّ النبي إمام أمّته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهاراً لتقدّمه واعتباراً لترؤسه، وأنه مدرهُ قومه ولسانهم، والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادّاً مسدّ جميعهم.
ومعنى ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء ﴾ إذا أردتم تطليقهنّ وهممتم به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه: كقوله عليه السلام: «من قتل قتيلاً فله سلبه» ومنه كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ فطلقوهن مستقبلات لعدتهن، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم، أي: مستقبلاً لها.
وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: في قُبلِ عدتهنّ، وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأوّل من أقرائها، فقد طلقت مستقبلة لعدتها.
والمراد: أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه، ثم يخلين حتى تنقضى عدّتهن.
وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعده من الندم، ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدّة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثاً في ثلاثة أطهار.
وقال مالك بن أنس رضي الله عنه: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحد في طهر واحد، فأما مفرقاً في الأطهار فلا؛ لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض: «ما هكذا أمرك الله، إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً، وتطلقها لكل قرء تطليقة» وروى أنه قال لعمر: «مر ابنك فليراجعها، ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء؛ فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» .
وعند الشافعي رضي الله عنه: لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح.
فما لك تراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت؛ وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت؛ والشافعي يراعي الوقت وحده.
فإن قلت: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟
قلت: نعم، وهو آثم؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنّ رجلاً طلق امرأته ثلاثاً بين يديه، فقال لا «أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم» وفي حديث ابن عمر أنه قال: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثاً، فقال له: «إذن عصيت وبانت منك امرأتك» وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثاً إلا أوجعه ضرباً.
وأجاز ذلك عليه.
وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين: أنّ من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلث لم يقع، وشبهوه بمن وكل غيره بطلاق السنة فخالف.
فإن قلت: كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو كبر أو حمل وغير المدخول بها؟
قلت: الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبي حنيفة وأبي يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر، وخالفما محمد وزفر في الحامل فقالا: لا تطلق للسنة إلا واحدة.
وأما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة، ولا يراعي الوقت.
فإن قلت: هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة؟
قلت: اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا.
والظاهر الكراهة.
فإن قلت: قوله إذا طلقتم النساء عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء والآيسات والصغائر والحوامل، فكيف صحّ تخصيصه بذوات الأقراء المدخول بهن؟
قلت: لا عموم ثم ولا خصوص، ولكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن وفي بعضهن، فجاز أن يراد بالنساء هذاوذاك، فلما قيل: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ علم أنه أطلق على بعضهنّ وهنّ المدخول بهن من المعتدات بالحيض ﴿ وَأَحْصُواْ العدة ﴾ واضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن، ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ حتى تنقضي عدتهنّ ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ من مساكنهنّ التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج؛ وأضيفت إليهنّ لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين إخراجهم أو خروجهن؟
قلت: معنى الإخراج: أن لا يخرجهن البعولة غضباً عليهن وكراهة لمساكنتهن، أو لحاجة لهم إلى المساكن، وأن لا يأذنوا لهنّ في الخروج إذا طلبن ذلك، إيذاناً بأنّ إذنهم لا أثر له في رفع الحظر، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ قرئ: بفتح للياء وكسرها.
قيل: هي الزنا، يعني إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن وقيل: إلا أن يطلقن على النشوز، والنشوز يسقط حقهن في السكنى.
وقيل: إلا أن يبذون فيحل إخراجهنّ لبذائهنّ؛ وتؤكده قراءة أبي ﴿ إلا أن يفحش عليكم ﴾ وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه.
الأمر الذي يحدثه الله: أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها.
ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها.
والمعنى: فطلقوهنّ لعدتهن وأحصوا العدة، لعلكم ترغبون وتندمون فتراجعون ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ وهو آخر العدة وشارفته، فأنتم بالخيار: إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلاً للعدة عليها وتعذيباً لها ﴿ وَأَشْهِدُواْ ﴾ يعني عند الرجعة والفرقة جميعاً.
وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله: ﴿ وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ [البقرة: 282] وعند الشافعي: هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة.
وقيل: فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث ﴿ مِّنكُمْ ﴾ قال الحسن: من المسلمين.
وعن قتادة: من أحراركم ﴿ لِلَّهِ ﴾ لوجهه خالصاً، وذلك أن تقيموها لا للشهود له ولا للمشهود عليه، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الظلم، كقوله تعالى: ﴿ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾ [النساء: 135] أي: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ولأجل القيام بالقسط، ﴿ يُوعَظُ بِهِ...
وَمَن يَتَّقِ الله ﴾ يجوز أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة، وطريقه الأحسن والأبعد من الندم، ويكون المعنى: ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد ﴿ يَجْعَلْ ﴾ الله ﴿ لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق، ويفرج عنه وينفس ويعطه الخلاص ﴿ وَيَرْزُقْهُ ﴾ من وجه لا يخطره بباله ولا يحتسبه إن أوفى المهر وأدى الحقوق والنفقات وقل ماله.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه سئل عمن طلق ثلاثاً أو ألفاً، هل له من مخرج؟
فتلاها» وعن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال: لم تتق الله فلم يجعل لك مخرجا، بانت منك بثلاث والزيادة إثم في عنقك.
ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله: ﴿ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ ﴾ يعني: ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ومخلصاً من غموم الدنيا والآخرة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأها فقال: «مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة» وقال عليه السلام: «إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله ﴾ فما زال يقرؤها ويعيدها» وروى: أنّ عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً.
فأتى رسول الله فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة؛ فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ففعل فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها، فنزلت هذه الآية ﴿ بالغ أَمْرِهِ ﴾ أي يبلغ ما يريد لا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب.
وقرئ: ﴿ بالغ أمره ﴾ بالإضافة ﴿ وبالغ أمره ﴾ بالرفع، أيّ: نافذ أمره وقرأ المفضل: ﴿ بالغاً أمره ﴾ ، على أنّ قوله: ﴿ قَدْ جَعَلَ الله ﴾ خبر إن، وبالغاً حال ﴿ قَدْراً ﴾ تقديراً وتوقيتاً.
وهذا بيان لوجوب التوكل على الله، وتفويض الأمر إليه؛ لأنه إذا علم أنّ كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته: لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الطَّلاقِ مَدَنِيَّةٌ وآيُها اثْنَتا عَشْرَةَ أوْ إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ خَصَّ النِّداءَ وعَمَّ الخِطابِ بِالحُكْمِ لِأنَّهُ أمامَ أُمَّتِهِ فَنِداؤُهُ كَنِدائِهِمْ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ مَعَهُ والحُكْمَ يَعُمُّهم.
والمَعْنى إذا أرَدْتُمْ تَطْلِيقَهُنَّ عَلى تَنْزِيلِ المَشارِفِ لَهُ مَنزِلَةَ الشّارِعِ فِيهِ.
﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أيْ في وقْتِها وهو الطُّهْرُ، فَإنَّ اللّامَ في الأزْمانِ وما يُشْبِهُها لِلتَّأْقِيتِ، ومِن عِدَّةِ العُدَّةِ بِالحَيْضِ عَلَّقَ اللّامَ بِمَحْذُوفٍ مِثْلَ مُسْتَقْبِلاتٍ، وظاهِرُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ العِدَّةَ بِالأطْهارِ وأنَّ طَلاقَ المُعْتَدَّةِ بِالأقْراءِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في الطُّهْرِ، وأنَّهُ يَحْرُمُ في الحَيْضِ مِن حَيْثُ إنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ ولا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ، إذِ النَّهْيُ لا يَسْتَلْزِمُ الفَسادَ، كَيْفَ وقَدْ صَحَّ «أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَمّا طَلَّقَ امْرَأتَهُ حائِضًا أمَرَهُ النَّبِيُّ بِالرَّجْعَةِ» وهو سَبَبُ نُزُولِهِ.
﴿ وَأحْصُوا العِدَّةَ ﴾ واضْبُطُوها وأكْمِلُوها ثَلاثَةَ أقْراءٍ.
﴿ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ﴾ في تَطْوِيلِ العِدَّةِ والإضْرارِ بِهِنَّ.
﴿ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ مِن مَساكِنِهِنَّ وقْتَ الفِراقِ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ.
﴿ وَلا يَخْرُجْنَ ﴾ بِاسْتِبْدادِهِنَّ أمّا لَوِ اتَّفَقا عَلى الِانْتِقالِ جازَ إذِ الحَقُّ لا يَعْدُوهُما، وفي الجَمْعِ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِحْقاقِها السُّكْنى ولُزُومِها مُلازَمَةَ مَسْكَنِ الفِراقِ وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ مُسْتَثْنًى مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى إلّا أنْ تَبْذُوَ عَلى الزَّوْجِ فَإنَّهُ كالنُّشُوزِ في إسْقاطِ حَقِّها، أوْ إلّا أنْ تَزْنِيَ فَتَخْرُجَ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْها، أوْ مِنَ الثّانِي لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ خُرُوجَها فاحِشَةٌ.
﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ الإشارَةُ إلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ.
﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ بِأنْ عَرَّضَها لِلْعِقابِ.
﴿ لا تَدْرِي ﴾ أيِ النَّفْسُ أوْ أنْتَ أيُّها النَّبِيُّ أوِ المُطَلِّقُ.
﴿ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ وهو الرَّغْبَةُ في المُطَلَّقَةِ بِرَجْعَةٍ أوِ اسْتِئْنافٍ.
<div class="verse-tafsir"
{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} قاربن آخر العدة {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}
أي فأنتم بالخيار ان شئنم فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار وهوان يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلاً للعد علهيا وتعذيباً لها {وَأَشْهِدُواْ} يعني عند الرجعة والفرقة جميعاً وهذا الإشهاد مندوب إليه لئلا يقع بينهما التجاحد {ذَوَى عَدْلٍ مّنكُمْ} من المسلمين {وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ} لوجهه خالصاً وذلك أن يقيموها لا للمشهود له ولا للمشهود عليه ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الضرر {ذلكم} الحث على إقامة
الشهادة لوجه الله ولأجل القيام بالقسط {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر} أي إنما ينتفع به هؤلاء {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} هذه جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة والمعنى ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتط فأشده يَجْعَلِ الله لَهُ مَخْرَجاً مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق ويفرج عنه ويعطه الخلاص
سُورَةُ الطَّلاقِ وتُسَمّى سُورَةَ -النِّساءِ القُصْرى - كَذا سَمّاها ابْنُ مَسْعُودٍ كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، وأنْكَرَهُ الدّاوُدِيُّ، فَقالَ: لا أرى القُصْرى مَحْفُوظًا ولا يُقالُ لِشَيْءٍ مِن سُورَةِ القُرْآنِ: قُصْرى ولا صُغْرى، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِأنَّهُ رَدٌّ لِلْأخْبارِ الثّابِتَةِ بِلا مُسْتَنَدٍ والقِصَرُ والطُّولُ أمْرٌ نِسْبِيٌّ، وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: طُولى الطُّولَيَيْنِ، وأرادَ بِذَلِكَ سُورَةَ الأعْرافِ -وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
.
واخْتُلِفَ في عَدَدِ آياتِها فَفي البَصْرِيِّ إحْدى عَشْرَةَ آيَةً، وفِيما عَداهُ اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ ﴿ إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ وكانَتِ العَداوَةُ قَدْ تُفْضِي إلى الطَّلاقِ ذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ هُنا الطَّلاقَ وأرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى الِانْفِصالِ مِنهُنَّ عَلى الوَجْهِ الجَمِيلِ، وذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا ما يَتَعَلَّقُ بِالأوْلادِ في الجُمْلَةِ، فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ خَصَّ النِّداءَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَمَّ الخِطابَ بِالحُكْمِ لِأنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إمامُ أُمَّتِهِ كَما يُقالُ لِرَئِيسِ القَوْمِ وكَبِيرِهِمْ: يا فُلانُ افْعَلُوا كَيْتَ وكَيْتَ إظْهارًا لِتَقَدُّمِهِ واعْتِبارًا لِتَرَؤُّسِهِ، وأنَّهُ المُتَكَلِّمُ عَنْهم والَّذِي يُصْدِرُونَ عَنْ رَأْيِهِ ولا يَسْتَبِدُّونَ بِأمْرٍ دُونَهُ فَكانَ هو وحْدَهُ في حُكْمِهِمْ كُلِّهِمْ وسادًّا مَسَدَّ جَمِيعِهِمْ، وفي ذَلِكَ مِن إظْهارِ جَلالَةِ مَنصِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما فِيهِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ لَفْظَ ”النَّبِيُّ“ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: الخِطابُ كالنِّداءِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا أنَّهُ اخْتِيرَ ضَمِيرُ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ نَظِيرَ ما في قَوْلِهِ: ألا فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ وقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَ ما خاطَبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنِّداءِ صَرَفَ سُبْحانَهُ الخِطابَ عَنْهُ لِأُمَّتِهِ تَكْرِيمًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما في الطَّلاقِ مِنَ الكَراهَةِ فَلَمْ يُخاطَبْ بِهِ تَعْظِيمًا، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى هَذا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ قُلْ لِأُمَّتِكَ: ﴿ إذا طَلَّقْتُمُ ﴾ ، وقِيلَ: حُذِفَ نِداءُ الأُمَّةِ، والتَّقْدِيرُ يا أيُّها النَّبِيُّ وأُمَّةَ النَّبِيِّ إذا طَلَّقْتُمْ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى إذا أرَدْتُمْ تَطْلِيقَهُنَّ عَلى تَنْزِيلِ المُشارِفِ لِلْفِعْلِ مَنزِلَةَ الشّارِعِ فِيهِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَوْلا هَذا التَّجَوُّزُ لَمْ يَسْتَقِمِ الكَلامُ لِما فِيهِ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ، أوْ كَوْنُ المَعْنى إذا طَلَّقْتُمْ فَطَلِّقُوهُنَّ مَرَّةً أُخْرى وهو غَيْرُ مُرادٍ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لَكَ أنْ تَقُولَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ بَلْ هو مِن تَعْلِيقِ الخاصِّ بِالعامِّ وهو أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى اللُّزُومِ كَما يُقالُ: إنْ ضَرَبْتَ زَيْدًا فاضْرِبْهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا لِأنَّ المَعْنى إنْ يَصْدُرْ مِنكَ ضَرْبٌ فَلْيُكُنْ ضَرْبًا شَدِيدًا، وهو أحْسَنُ مِن تَأْوِيلِهِ بِالإرادَةِ فَتَدَبَّرِ.
انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادَرَ فِيما ذَكَرَهُ كَوْنُهُ عَلى مَعْنى الإرادَةِ أيْضًا ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أيْ لِاسْتِقْبالِ عِدَّتِهِنَّ، واللّامُ لِلتَّوْقِيتِ نَحْوَ كَتَبْتُهُ لِأرْبَعِ لَيالٍ بَقِينَ مِن جُمادى الأُولى، أوْ مُسْتَقْبِلاتٍ لَها عَلى ما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِما فِيهِ نَظَرُ واعْتِبارُ الِاسْتِقْبالِ - رَأْيُ مَن يَرى أنَّ العِدَّةَ بِالحَيْضِ وهي القُرُوءُ في آيَةِ البَقَرَةِ - كالإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - لِيَكُونَ الطَّلاقُ في الطُّهْرِ وهو الطَّلاقُ المَأْمُورُ بِهِ، والمُرادُ بِالأمْرِ بِإيقاعِهِ في ذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ إيقاعِهِ في الحَيْضِ.
وقَدْ صَرَّحُوا جَمِيعًا بِأنَّ ذَلِكَ الطَّلاقَ بِدْعِيٌّ حَرامٌ، وقُيِّدَ الطُّهْرُ بِكَوْنِهِ لَمْ يُجامَعْنَ فِيهِ، واسْتُدِلَّ لِذَلِكَ، ولِاعْتِبارِ الِاسْتِقْبالِ بِما أخْرَجَهُ الإمامانِ: مالِكٌ والشّافِعِيُّ والشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وآخِرُونَ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: لِيُراجِعْها ثُمَّ يُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ فَإنْ بَدا لَهُ أنْ يُطَلِّقَها فَلْيُطَلِّقْها طاهِرًا قَبْلَ أنْ يَمَسَّها فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُطَلَّقَ لَها النِّساءُ.
وقَرَأ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ -» وكانَ ابْنُ عُمَرَ كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ يَقْرَأُ كَذَلِكَ، وكَذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُما أنَّهُما قَرَآ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ومَن يَرى أنَّ العِدَّةَ بِالِأطْهارِ -وهِيَ القُرُوءُ - في تِلْكَ الآيَةِ كالإمامِ الشّافِعِيِّ يُعَلِّقُ لامَ التَّوْقِيتِ بِالفِعْلِ ولا يَعْتَبِرُ الِاسْتِقْبالَ، واعْتُرِضَ عَلى التَّأْوِيلِ بِمُسْتَقْبِلاتٍ لِعِدَّتِهِنَّ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ التَّلَبُّسُ بِأوَّلِها فَهو الشّافِعِيُّ، ومَن يَرى رَأْيَهُ لا عَلَيْهِ وعَلى المُخالِفِ لا لَهُ، وإنْ أُرِيدَ المُشارَفَةُ عادَةً فَخِلافُ مُقْتَضى اللَّفْظِ لِأنَّ اللّامَ إذا دَخَلَتِ الوَقْتَ أفادَتْ مَعْنى التَّأْقِيتِ والِاخْتِصاصِ بِذَلِكَ الوَقْتِ لا اسْتِقْبالَ الوَقْتِ، وعَلى الِاسْتِدْلالِ بِقِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَسْبَما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ السّابِقُ بِأنَّ قُبُلَ الشَّيْءِ أوَّلُهُ نَقِيضُ دُبُرِهِ فَهي مُؤَكِّدَةٌ لِمَذْهَبِ الشّافِعِيِّ لا دافِعَةٌ لَهُ، ويَشْهَدُ لِكَوْنِ العِدَّةِ بِالأطْهارِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - لِقُبُلِ طُهْرِهِنَّ - ومِنهم مَن قالَ: التَّقْدِيرُ لِأطْهارِ عِدَّتِهِنَّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ جُعِلَتِ الإضافَةُ بِمَعْنى - مِن - دَلَّ عَلى أنَّ القُرْءَ هو الحَيْضُ والطُّهْرُ مَعًا، وإنْ جُعِلَتْ بِمَعْنى اللّامَ فَيَكْفِي ما في قَوْلِكَ لِأطْهارِ الحَيْضِ مِنَ التَّنافُرِ رَدًّا مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإضْمارِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
وفِي الكَشّافِ المُرادُ - أيْ مِنَ الآيَةِ - أنْ يُطَلَّقْنَ في طُهْرٍ لَمْ يُجامَعْنَ فِيهِ، ثُمَّ يُخَلَّيْنَ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ وهو أحْسَنُ الطَّلاقِ وأدْخَلُهُ في السُّنَّةِ وأبْعَدُ مِنَ النَّدَمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ لا يُطَلِّقَها لِلسُّنَّةِ إلّا واحِدَةً ثُمَّ لا يُطْلِقُوا غَيْرَ ذَلِكَ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، وكانَ أحْسَنُ عِنْدِهِمْ مِن أنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ ثَلاثًا في ثَلاثَةِ أطْهارٍ، وقالَ مالِكٌ: لا أعْرِفُ طَلاقَ السُّنَّةِ إلّا واحِدَةً وكانَ يَكْرَهُ الثَّلاثَ مَجْمُوعَةً كانَتْ أوْ مَفْرُوقَةً، وأمّا أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ فَإنَّما كَرِهُوا ما زادَ عَلى الواحِدَةِ في طُهْرٍ واحِدٍ فَأما مَفْرُوقًا في الأطْهارِ فَلا لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أنَّهُ قالَ لِابْنِ عُمَرَ حِينَ طَلَّقَ امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ: «ما هَكَذا أمَرَكَ اللَّهُ إنَّما السُّنَّةُ أنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبالًا وتُطَلِّقَها لِكُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً»» ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِعُمَرَ: ««مَرِ ابْنَكَ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لِيَدَعْها حَتّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ لِيُطْلِقْها إنْ شاءَ»» .
وعِنْدَ الشّافِعِيِّ لا بَأْسَ بِإرْسالِ الثَّلاثِ، وقالَ: لا أعْرِفُ في عَدَدِ الطَّلاقِ سُنَّةً ولا بِدْعَةً وهو مُباحٌ، فَمالِكٌ يُراعِي في طَلاقِ السُّنَّةِ الواحِدَةَ والوَقْتَ، وأبُو حَنِيفَةَ يُراعِي التَّفْرِيقَ والوَقْتَ، والشّافِعِيُّ يُراعِي الوَقْتَ.
انْتَهى.
وفِي فَتْحِ القَدِيرِ في الِاحْتِجاجِ عَلى عَدَمِ كَراهَةِ التَّفْرِيقِ عَلى الأطْهارِ وكَوْنِهِ مِنَ الطَّلاقِ السُّنِّيِّ رِوايَةٌ غَيْرَ ما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا، وقَدْ قالَ فِيها ما قالَ إلّا أنَّهُ في الآخِرَةِ رَجَّحَ قَبُولَها، والمُرادُ بِإرْسالِ الثَّلاثِ دُفْعَةً ما يَعُمُّ كَوْنَها بِألْفاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَأنْ يُقالَ: أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ، أوْ بِلَفْظٍ واحِدٍ كَأنْ يُقالَ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، وفي وُقُوعِ هَذا ثَلاثًا خِلافٌ، وكَذا في وُقُوعِ الطَّلاقِ مُطْلَقًا في الحَيْضِ، فَعِنْدَ الإمامِيَّةِ لا يَقَعُ الطَّلاقُ بِلَفْظِ الثَّلاثِ.
ولا في حالَةِ الحَيْضِ لِأنَّهُ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «: «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمَرُنا فَهو رَدٌّ»»، ونَقَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمْ- فِيما قِيلَ - طاوُسٌ وعِكْرِمَةُ: الطَّلاقُ الثَّلاثُ بِفَمٍ واحِدٍ يَقَعُ بِهِ واحِدَةٌ، ورَوى هَذِهِ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - وهو اخْتِيارُ ابْنِ تَيْمِيَةَ مِنَ الحَنابِلَةِ - وفي الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ أبا الصَّهْباءِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ الثَّلاثَ كانَتْ تُجْعَلُ واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرٍ مِن خِلافَةِ عُمَرَ قالَ: نَعَمْ»، وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ «أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الطَّلاقُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبِي بَكْرٍ وسَنَتَيْنِ مِن خِلافَةِ عُمَرَ طَلاقَ الثَّلاثِ واحِدَةً، فَقالَ عُمَرُ: إنَّ النّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أمْرٍ كانَ لَهم فِيهِ أناةٌ فَلَوْ أمْضَيْناهُ عَلَيْهِمْ فَأمْضاهُ عَلَيْهِمْ»، ومِنهم مَن قالَ في المَدْخُولِ بِها: يَقَعُ ثَلاثٌ، وفي الغَيْرِ واحِدَةٌ لِما في مُسْلِمٍ وأبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ «أنَّ أبا الصَّهْباءِ كانَ كَثِيرَ السُّؤالِ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ الرَّجُلَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوها واحِدَةً ؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها جَعَلُوا ذَلِكَ واحِدَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأبِي بَكْرٍ وصَدْرٍ مِن خِلافَةِ عُمَرَ» الحَدِيثَ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، ومَن بَعْدَهم مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ - ومِنهُمُ الأئِمَّةُ الأرْبَعَةُ - وُقُوعُ الثَّلاثِ بِفَمٍ واحِدٍ بَلْ ذَكَرَ الإمامُ ابْنُ الهُمامِ وُقُوعَ الإجْماعِ السُّكُوتِيِّ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى الوُقُوعِ.
ونُقِلَ عَنْ أكْثَرِ مُجْتَهَدِيهِمْ كَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي هُرَيْرَةَ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ الإفْتاءُ الصَّرِيحُ بِذَلِكَ، وذُكِرَ أيْضًا أنَّ إمْضاءَ عُمَرَ الثَّلاثَ عَلَيْهِمْ مَعَ عَدَمِ مُخالَفَتِهِ الصَّحابَةَ لَهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّها كانَتْ واحِدَةً لا يُمْكِنُ إلّا لِأنَّهم قَدِ اطَّلَعُوا في الزَّمانِ المُتَأخِّرِ عَلى وُجُودِ ناسِخٍ، أوْ لِعِلْمِهِمْ بِانْتِهاءِ الحُكْمِ لِعِلْمِهِمْ بِإناطَتِهِ بِمَعانٍ عَلِمُوا انْتِهاءَها في الزَّمانِ المُتَأخِّرِ، واسْتَحْسَنَ ابْنُ حَجَرٍ في التُّحْفَةِ الجَوابَ بِالِاطِّلاعِ عَلى ناسِخٍ بَعْدَ نَقْلِهِ جَوابَيْنِ سِواهُ وتَزْيِيفِهِ لَهُما، وسَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَعْضُ أخْبارٍ مَرْفُوعَةٍ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى وُقُوعِ الثَّلاثِ، لَكِنْ قِيلَ: إنَّ الثَّلاثَ فِيها يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِألْفاظٍ ثَلاثَةٍ كَأنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ أنْتِ طالِقٌ، ولَعَلَّهُ هو الظّاهِرُ لا بِلَفْظٍ واحِدٍ كَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، وحِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلى مَن لَمْ يُوقِعِ الثَّلاثَ بِهَذا اللَّفْظِ لَكِنْ إذا صَحَّ الإجْماعُ ولَوْ سُكُوتِيًّا عَلى الوُقُوعِ لا يَنْبَغِي إلّا المُوافَقَةُ والسُّكُوتُ، وتَأْوِيلُ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، ولِذا قالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: لَوْ حَكَمَ قاضٍ بِأنَّ الثَّلاثَ بِفَمٍ واحِدٍ واحِدَةٌ لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمُهُ لِأنَّهُ لا يَسُوغُ الِاجْتِهادُ فِيهِ لِإجْماعِ الأئِمَّةِ المُعْتَبَرِينَ عَلَيْهِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في مَعْصِيَةِ مَن يُوقِعُهُ كَذَلِكَ، ومَن قالَ: بِمَعْصِيَتِهِ اسْتَدَلَّ بِما رَوى النَّسائِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: ««أخْبَرْنا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا جَمِيعًا فَقامَ غَضْبانَ فَقالَ: أيُلْعَبُ بِكِتابِ اللَّهِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟
!
حَتّى قامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا أقْتُلُهُ»» وبِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ «عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ أباهُ طَلَّقَ امْرَأةً لَهُ ألْفَ تَطْلِيقَةٍ فانْطَلَقَ عُبادَةُ فَسَألَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «بانَتْ بِثَلاثٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ وبَقِيَ تِسْعُمِائَةٍ وسَبْعَةٌ وتِسْعُونَ عُدْوانٌ وظُلْمٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ»» ويُفْهَمُ مِن هَذا حُرْمَةُ إيقاعِ الزّائِدِ أيْضًا وهو ظاهِرُ كَلامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ، ومُقْتَضى قَوْلِ الرُّويانِيِّ - واعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
وغَيْرُهُ -أنَّهُ يُعَزَّرُ فاعِلُهُ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ تَعاطى نَحْوَ عَقْدٍ فاسِدٍ وهو حَرامٌ، ونُوزِعَ في ذَلِكَ بِما فِيهِ نَظَرٌ، وبِما في سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاثًا فَقالَ لَهُ: عَصَيْتَ رَبَّكَ وبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
ومَن قالَ بِعَدَمِها اسْتَدَلَّ بِما رَواهُ الشَّيْخانِ مِن أنَّ عُوَيْمِرًا العَجْلانِيَّ لَمّا لاعَنَ امْرَأتَهُ طَلَّقَها ثَلاثًا قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحُرْمَتِها عَلَيْهِ، وقالَ: إنَّهُ لَوْ كانَ مَعْصِيَةً لَنَهاهُ عَنْهُ لِأنَّهُ أوْقَعَهُ مُعْتَقِدًا بَقاءَ الزَّوْجِيَّةِ، ومَعَ اعْتِقادِها يَحْرُمُ الجَمْعُ عِنْدَ المُخالِفِ، ومَعَ الحُرْمَةِ يَجِبُ الإنْكارُ عَلى العالِمِ وتَعْلِيمُ الجاهِلِ ولَمْ يُوجَدا، فَدَلَّ عَلى أنْ لا حُرْمَةَ وبِأنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ مِنهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ تُماضِرَ ثَلاثًا في مَوْضِعِهِ والحَسَنُ ابْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما طَلَقَّ زَوْجَتَهُ شَهْبانُوا ثَلاثًا لَمّا هَنَتْهُ بِالخِلافَةِ بَعْدَ وفاةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقالَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ في ذَلِكَ: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم قالُوا: ثَلاثًا لِلسُّنَّةِ، وهو أبْعَدُ مِن قَوْلِ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ فِيما رُوِيَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى العِصْيانِ فِيهِ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ كانَ في الحَيْضِ فالمَعْصِيَةُ فِيهِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ.
واسْتُدِلَّ عَلى كَوْنِهِ مَعْصِيَةً إذا كانَ في الحَيْضِ بِما هو أظْهَرُ مِن ذَلِكَ كالرِّوايَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ فِيما نُقِلَ عَنِ الكَشّافِ، وفي الِاسْتِدْلالِ بِهِما عَلى حُرْمَةِ إرْسالِ الثَّلاثِ بَحْثٌ، ورُبَّما يُسْتَدَلُّ بِالثّانِيَةِ عَلى وُجُوبِ الرَّجْعَةِ لَكِنْ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أجِلَّةِ الشّافِعِيَّةِ أنَّها لا تَجِبُ بَلْ تَنْدُبُ في الطَّلاقِ البِدْعِيِّ، وإنَّما لَمْ تَجِبْ لِأنَّ الأمْرَ بِالأمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، ولَيْسَ في - فَلْيُراجِعْها - أمْرٌ لِابْنِ عُمَرَ لِأنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلى أمْرِ عُمَرَ، فالمَعْنى فَلْيُراجِعْها لِأجْلِ أمْرِكَ لِكَوْنِكَ والِدَهُ، واسْتِفادَةُ النَّدْبِ مِنهُ حِينَئِذٍ إنَّما هي مِنَ القَرِينَةِ، وإذا راجَعَ ارْتَفَعَ الإثْمُ المُتَعَلِّقُ بِحَقِّ الزَّوْجَةِ لا في الرَّجْعَةِ قاطِعَةٌ لِلضَّرَرِ مِن أصْلِهِ فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّوْبَةِ تَرْفَعُ أصْلَ المَعْصِيَةِ، وبِهِ فارِقُ دَفْنِ البُصاقِ في المَسْجِدِ فَإنَّهُ قاطِعٌ لِدَوامِ ضَرَرِهِ لا لِأصْلِهِ لِأنَّ تَلْوِيثَ المَسْجِدِ بِهِ قَدْ حَصَلَ، ويَنْدَفِعُ بِما ذُكِرَ ما قِيلَ: رَفْعُ الرَّجْعَةِ لِلتَّحْرِيمِ كالتَّوْبَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِها إذْ كَوْنُ الشَّيْءِ بِمَنزِلَةِ الواجِبِ في خُصُوصِيَّةٍ مِن خُصُوصِيّاتِهِ لا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، ولا يُسْتَدَلُّ بِما اقْتَضَتْهُ الآيَةُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ إيقاعِ الطَّلاقِ في الحَيْضِ عَلى فَسادِ الطَّلاقِ فِيهِ إذِ النَّهْيُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ لا يَسْتَلْزِمُ الفَسادَ مُطْلَقًا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلى الفَسادِ في العِباداتِ وفي المُعامَلاتِ إذا رَجَعَ إلى نَفْسِ العَقْدِ أوْ إلى أمْرٍ داخِلٍ فِيهِ أوْ لازِمٍ لَهُ فَإنْ رَجَعَ إلى أمْرٍ مُقارَنٍ كالبَيْعِ وقْتَ النِّداءِ فَلا، وما نَحْنُ فِيهِ لِأمْرٍ مُقارَنٍ وهو زَمانُ الحَيْضِ فَهو عِنْدَهُ لا يَسْتَلْزِمُ الفَسادَ هُنا أيْضًا، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأمْرِ ابْنِ عُمَرَ بِالرَّجْعَةِ إذْ لَوْ لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ لَمْ يُؤْمَرْ بِها قِيلَ: وما كانَ مِنهُ مِنَ التَّطْلِيقِ في الحَيْضِ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والَّذِي رَواهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ وحُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: بَلَغَنا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ ﴾ الآيَةَ نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ وطُفَيْلِ بْنِ الحارِثِ وعَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العاصِ، وقالَ بَعْضُهم: فَعَلَهُ ناسٌ مِنهُمُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ.
وعُتْبَةُ بْنُ غَزَوانَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أنَّها نَزَلَتْ في حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ طَلَّقَها رَسُولُ اللَّهِ واحِدَةً فَنَزَلَتْ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ فَراجَعَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَواهُ قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ، وقالَ القُرْطُبِيُّ نَقْلًا عَنْ عُلَماءِ الحَدِيثِ: إنَّ الأصَحَّ أنَّها نَزَلَتِ ابْتِداءً لِبَيانِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن أسْبابِ النُّزُولِ لَها لَمْ يَصِحَّ، وحَكى أبُو حَيّانَ نَحْوَهُ عَنِ الحافِظِ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ، وظاهِرُها أنَّ نَفْسَ الطَّلاقِ مُباحٌ، واسْتَدَلَّ لَهُ أيْضًا بِما رَواهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: ««إنَّ مِن أبْغَضِ المُباحاتِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الطَّلاقَ»» وفي لَفْظٍ ««أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ»» لِوَصْفِهِ بِالإباحَةِ والحِلِّ لِأنَّ أفْعَلَ بَعْضُ ما يُضافُ إلَيْهِ، والمُرادُ مِن كَوْنِهِ مَبْغُوضًا التَّنْفِيرُ عَنْهُ أوْ كَوْنُهُ كَذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُؤَدِّي إلى قَطْعِ الوَصْلَةِ وحَلِّ قَيْدِ العِصْمَةِ لا مِن حَيْثُ حَقِيقَتُهُ في نَفْسِهِ.
وقالَ البَيْهَقِيُّ: البُغْضُ عَلى إيقاعِهِ كُلَّ وقْتٍ مِن غَيْرِ رِعايَةٍ لِوَقْتِهِ المَسْنُونِ، وبِطَلاقِهِ حَفْصَةَ ثُمَّ أمْرِهِ تَعالى إيّاهُ أنْ يُراجِعَها فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو مَحْظُورٌ لِما فِيهِ مِن كُفْرانِ نِعْمَةِ النِّكاحِ، ولِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لَعَنَ اللَّهُ كُلَّ مِذْواقٍ مِطْلاقٍ»» وإنَّما أُبِيحَ لِلْحاجَةِ، قالَ ابْنُ الهُمامِ: وهَذا هو الأصَحُّ فَيُكْرَهُ إذا لَمْ يَكُنْ حاجَةً، ويُحْمَلُ لَفْظُ المُباحِ عَلى ما أُبِيحَ في بَعْضِ الأوْقاتِ أعْنِي أوْقاتَ تَحَقُّقِ الحاجَةِ المُبِيحَةِ وهو ظاهِرٌ في رِوايَةٍ لِأبِي داوُدَ - ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا أبْغَضَ إلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ - فَإنَّ الفِعْلَ لا عُمُومَ لَهُ في الأزْمانِ، ومِنَ الحاجَةِ الكِبَرُ وعَدَمُ اشْتِهائِهِ جِماعَها بِحَيْثُ يَعْجَزُ أوْ يَتَضَرَّرُ بِإكْراهِهِ نَفْسَهُ عَلَيْهِ وهي لا تَرْضى بِتَرْكِ ذَلِكَ، وما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - وكانَ قِيلَ لَهُ في كَثْرَةِ تَزَوُّجِهِ وطَلاقِهِ مِن قَوْلِهِ: أُحِبُّ الغِنى - قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ ﴾ فَهو رَأْيٌ مِنهُ إنْ كانَ عَلى ظاهِرِهِ، وكُلُّ ما نُقِلَ مِن طَلاقِ الصَّحابَةِ - كَطَلاقِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الزَّوْجاتِ الأرْبَعَ دُفْعَةً - فَقَدْ قالَ لَهُنَّ: أنْتُنَّ حَسَناتُ الأخْلاقِ ناعِماتُ الأطْواقِ طَوِيلاتُ الأعْناقِ اذْهَبْنَ فَأنْتُنَّ طَلاقٌ فَمَحْمَلُهُ وُجُودُ الحاجَةِ، وإنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِها، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ: هو إمّا واجِبٌ كَطَلاقِ مُوَلٍّ لَمْ يُرِدِ الوَطْءَ وحَكَمَيْنِ رَأياهُ، أوْ مَندُوبٌ كَأنْ يَعْجَزَ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِها ولَوْ لِعَدَمِ المَيْلِ إلَيْها، أوْ تَكُونُ غَيْرَ عَفِيفَةٍ ما لَمْ يَخْشَ الفُجُورَ بِها، ومِن ثَمَّ أمَرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَن قالَ: ««إنَّ زَوْجَتِي لا تَرُدُّ يَدَ لامِسٍ»» أيْ لا تَمْنَعُ مَن يُرِيدُ الفُجُورَ بِها عَلى أحَدِ أقْوالٍ مِن مَعْناهُ بِإمْساكِها خَشْيَةً مِن ذَلِكَ، ويَلْحَقُ بِخَشْيَةِ الفُجُورِ بِها حُصُولُ مَشَقَّةٍ لَهُ بِفِراقِها تُؤَدِّي إلى مُبِيحِ تَيَمُّمٍ، وكَوْنُ مَقامِها عِنْدَهُ أمْنَعُ لِفُجُورِها فِيما يَظْهَرُ فِيهِما، أوْ سَيِّئَةُ الخُلُقِ أيْ بِحَيْثُ لا يَصْبِرُ عَلى عِشْرَتِها عادَةً فِيما يَظْهَرُ، وإلّا فَغَيْرُ سَيِّئَةِ الخُلُقِ كالغُرابِ الأعْصَمِ أوْ يَأْمُرُهُ بِهِ أحَدُ والِدَيْهِ أيْ مِن غَيْرِ تَعَنُّتٍ كَما هو شَأْنُ الحَمْقى مِنَ الآباءِ والأُمَّهاتِ، ومَعَ عَدَمِ خَوْفِ فِتْنَةٍ أوْ مَشَقَّةٍ بِطَلاقِها فِيما يَظْهَرُ، أوْ حَرامٌ كالبِدْعِيِّ، أوْ مَكْرُوهٌ بِأنْ سَلِمَ الحالُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ ««لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الحَلالِ أبْغَضُ إلى اللَّهِ مِنَ الطَّلاقِ»» ولِدَلالَتِهِ عَلى زِيادَةِ التَّنْفِيرِ عَنْهُ قالُوا: لَيْسَ فِيهِ مُباحٌ لَكِنْ صَوَّرَهُ الإمامُ بِما إذا لَمْ يَشْتَهِها أيْ شَهْوَةً كامِلَةً ولا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِمُؤْنَتِها مِن غَيْرِ تَمَتُّعٍ.
اهَـ.
والآيَةُ عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِن حُرْمَتِهِ في الحَيْضِ، والمُرادُ بِالنِّساءِ فِيها المَدْخُولُ بِهِنَّ مِنَ المُعْتَدّاتِ بِالحَيْضِ عَلى ما في الكَشّافِ، وغَيْرِهِ لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ .
﴿ وأحْصُوا العِدَّةَ ﴾ واضْبُطُوها وأكْمِلُوها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ كَوامِلَ، وأصْلُ مَعْنى الإحْصاءِ العَدُّ بِالحَصى كَما كانَ مُعْتادًا قَدِيمًا ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً فِيما ذُكِرَ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ﴾ في تَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْهِنَّ والإضْرارِ بِهِنَّ، وفي وصْفِهِ تَعالى بِرُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ لَهم تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ ومُبالَغَةٌ في إيجابِ الِاتِّقاءِ ﴿ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ مِن مَساكِنِهِنَّ عِنْدَ الطَّلاقِ إلى أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ، وإضافَتُها إلَيْهِنَّ وهي لِأزْواجِهِنَّ لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ بِبَيانِ كَمالِ اسْتِحْقاقِهِنَّ لِسُكْناها كَأنَّها أمْلاكُهُنَّ، وعَدَمُ العَطْفِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِهِ بِالطَّلَبِ اعْتِناءً بِهِ، والنَّهْيُ عَنِ الإخْراجِ يَتَناوَلُ عَدَمَ إخْراجِهِنَّ غَضَبًا عَلَيْهِنَّ أوْ كَراهَةً لِمُساكَنَتِهِنَّ أوْ لِحاجَةٍ لَهم إلى المَساكِنِ أوْ مَحْضُ سَفَهٍ بِمَنطُوقِهِ، ويَتَناوَلُ عَدَمَ الإذْنِ لَهُنَّ في الخُرُوجِ بِإشارَتِهِ لِأنَّ خُرُوجَهُنَّ مُحَرَّمٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَخْرُجْنَ ﴾ أمّا إذا كانَتْ لا ناهِيَةً كالَّتِي قَبْلَها فَظاهِرٌ، وأمّا إذا كانَتْ نافِيَةً فَلِأنَّ المُرادَ بِهِ النَّهْيُ، وهو أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ كَما لا يَخْفى، والإذْنُ في فِعْلِ المُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُخْرِجُوهُنَّ ولا تَأْذَنُوا لَهُنَّ في الخُرُوجِ إذا طَلَبْنَ ذَلِكَ ولا يَخْرُجْنَ بِأنْفُسِهِنَّ إنْ أرَدْنَ فَهُناكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ سُكُونَهُنَّ في البُيُوتِ حَقٌّ لِلشَّرْعِ مُؤَكَّدٌ فَلا يَسْقُطُ بِالإذْنِ، وهَذا عَلى ما ذَكَرَهُ الجَلَبِيُّ مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيَّةِ أنَّهُما لَوِ اتَّفَقا عَلى الِانْتِقالِ جازَ إذِ الحَقُّ لا يَعْدُوهُما، فالمَعْنى لا تُخْرِجُوهُنَّ ولا يَخْرُجْنَ بِاسْتِبْدادِهِنَّ وتَعَقَّبَ الشِّهابُ كَوْنَ ذَلِكَ مَذْهَبَ الحَنَفِيَّةِ بِقَوْلِهِ: فِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ ذَكَرَ الرّازِيُّ في الأحْكامِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ وأنَّ السُّكْنى كالنَّفَقَةِ تَسْقُطُ بِالإسْقاطِ.
انْتَهى.
والَّذِي يَظْهَرُ مِن كَلامِهِمْ ما ذَكَرَهُ الجَلَبِيُّ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الحَصْكَفِيُّ في الدُّرِّ المُخْتارِ، وعَلَّلَهُ بِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى فَلا يَسْقُطُ بِالإذْنِ، وفي الفَتْحِ لَوِ اخْتَلَعَتْ عَلى أنْ لا سُكْنى لَها تَبْطُلُ مُؤْنَةُ السُّكْنى عَنِ الزَّوْجِ ويَلْزَمُها أنْ تَكْتَرِيَ بَيْتَهُ، وأمّا أنْ يَحِلَّ لَها الخُرُوجُ فَلا ﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ أيْ ظاهِرَةٍ هي نَفْسُ الخُرُوجِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ السّائِبِ والنَّخَعِيِّ - وبِهِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ - والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ راجِعٌ إلى ”لا يَخْرُجْنَ“ والمَعْنى لا يُطْلَقُ لَهُنَّ في الخُرُوجِ إلّا في الخُرُوجِ الَّذِي هو فاحِشَةٌ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يُطْلَقُ لَهُنَّ فِيهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَنعًا عَنِ الخُرُوجِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وقالَ الإمامُ ابْنُ الهُمامِ: هَذا كَما يُقالُ في الخَطّابِيَّةِ: لا تَزْنِ إلّا أنْ تَكُونَ فاسِقًا ولا تَشْتُمْ أُمَّكَ إلّا أنْ تَكُونَ قاطِعَ رَحِمٍ، ونَحْوَ ذَلِكَ وهو بَدِيعٌ وبَلِيغٌ جِدًّا، والزِّنا عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ وحَمّادٍ واللَّيْثِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وبِهِ أخَذَ أبُو يُوسُفَ، والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ راجِعٌ إلى لا تُخْرِجُوهُنَّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ جَمْعٍ أيْ لا تُخْرِجُوهُنَّ إلّا إنْ زَنَيْنَ فَأخْرِجُوهُنَّ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِنَّ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: هو راجِعٌ إلى الكُلِّ وما يُوجِبُ حَدًّا مِن زِنًا أوْ سَرِقَةٍ أوْ غَيْرِهِما - كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ - واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، والبَذاءُ عَلى الأحْماءِ أيْ أوْ عَلى الزَّوْجِ - كَما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - والِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى الأوَّلِ أيْ لا تُخْرِجُوهُنَّ إلّا إذا طالَتْ ألْسِنَتُهُنَّ وتَكَلَّمْنَ بِالكَلامِ الفاحِشِ القَبِيحِ عَلى أزْواجِهِنَّ أوْ أحْمائِهِنَّ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أُبَيٍّ «إلّا أنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكم» بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الحاءِ، وفي مُوَضَّحِ الأهْوازِيِّ «يُفْحِشْنَ» مِن أفْحَشَ، قالَ الجَوْهَرِيُّ: أفْحَشَ عَلَيْهِ في النُّطْقِ أيْ أتى بِالفُحْشِ، وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - إلّا أنْ يَفْحُشْنَ - بِدُونِ عَلَيْكم والنُّشُوزُ، والمُرادُ إلّا أنْ يُطَلَّقْنَ عَلى النُّشُوزِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا، والِاسْتِثْناءُ عَلَيْهِ قِيلَ: راجِعٌ إلى الأوَّلِ أيْضًا، وفي الكَشْفِ هو راجِعٌ إلى الكُلِّ لِأنَّهُ إذا سَقَطَ حَقُّها في السُّكْنى حَلَّ الإخْراجُ والخُرُوجُ أيْضًا، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الآيَةِ حَصْرُ المُبِيحِ لِفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِالإتْيانِ بِالفاحِشَةِ، وقَدْ بُيِّنَتِ المُبِيحاتُ في كُتُبِ الفُرُوعِ فَلْيُراجِعْها مَن أرادَ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ «مُبَيَّنَةٍ» بِالفَتْحِ ﴿ وتِلْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ أيْ تِلْكَ الأحْكامُ الجَلِيلَةُ الشَّأْنِ ﴿ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ الَّتِي عَيَّنَها لِعِبادِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ﴾ أيْ حُدُودَهُ تَعالى المَذْكُورَةَ بِأنْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِنها عَلى أنَّ الإظْهارَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ التَّعَدِّي والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ أيْ أضَرَّ بِها كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ، ونَقَلَ عَنْ بَعْضِ تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ الأمْرَ الَّذِي يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُقَلِّبَ قَلْبَهُ عَمّا فَعَلَهُ بِالتَّعَدِّي إلى خِلافِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ عَنْ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ ولا يُمْكِنُهُ تَدارُكُهُ، أوْ عَنْ مُطْلَقِ الضَّرَرِ الشّامِلِ لِلدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، وخُصَّ التَّعْلِيلُ بِالدُّنْيَوِيِّ لِكَوْنِ احْتِرازِ أكْثَرِ النّاسِ مِنهُ أشَدَّ واهْتِمامِهِمْ بِدَفْعِهِ أقْوى.
ورُدَّ بِأنَّ الضَّرَرَ الدُّنْيَوِيَّ غَيْرُ مُحَقَّقٍ فَلا يَنْبَغِي تَفْسِيرُ الظُّلْمِ ها هُنا بِهِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا تَدْرِي ﴾ إلَخْ لَيْسَ تَعْلِيلًا لِما ذُكِرَ بَلْ هو تَرْغِيبٌ لِلْمُحافَظَةِ عَلى الحُدُودِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ، وفِيهِ أنَّهُ بِالتَّرْهِيبِ أشْبَهُ مِنهُ بِالتَّرْغِيبِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِن أضَرَّ بِها عَرَّضَها لِلضَّرَرِ، فالظُّلْمُ هو ذَلِكَ التَّعْرِيضُ ولا مَحْذُورَ في تَفْسِيرِهِ بِهِ فِيما يَظْهَرُ، وجُمْلَةُ التَّرَجِّي في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِـ ﴿ لا تَدْرِي ﴾ ، وعْدَّ أبُو حَيّانَ ﴿ لَعَلَّ ﴾ مِنَ المُعَلِّقاتِ، والخِطابُ في ﴿ لا تَدْرِي ﴾ لِلْمُتَعَدِّي بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالزَّجْرِ عَنِ التَّعَدِّي لا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما قِيلَ، فالمَعْنى مَن يَتَعَدّى حُدُودَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرَرِ فَإنَّكَ لا تَدْرِي أيُّها المُتَعَدِّي عاقِبَةَ الأمْرِ ﴿ لَعَلَّ اللَّهَ ﴾ تَعالى يُحْدِثُ في قَلْبِكَ ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي فَعَلْتَ مِنَ التَّعَدِّي ﴿ أمْرًا ﴾ يَقْتَضِي خِلافَ ما فَعَلْتَهُ فَيَكُونُ بَدَلُ بُغْضِها مَحَبَّةً وبَدَلُ الإعْراضِ عَنْها إقْبالًا إلَيْها، ولا يَتَسَنّى تَلافِيهِ بِرَجْعَةٍ أوِ اسْتِئْنافِ <div class="verse-tafsir"
وهي اثنتا عشرة آية مدنية قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ، فالخطاب للنبي والمراد به هو وأمته، بدليل قوله: إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ، فذكر بلفظ الجماعة، فكأنه قال: يا أيها النبي ومن آمن بك، إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ يعني: أنت وأمتك.
إذا أردتم أن تطلقوا النساء.
وقال الكلبي: نزلت في النبي ، حين غضب على حفصة بنت عمر، فقال: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ.
وقال: طاهرات، من غير جماع.
وروى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ طاهرات من غير جماع.
روى سفيان، عن عمرو بن دينار: أن ابن عباس- ما- قرأ فطلقوهن قبل عدتهن وروي عن علي بن أبي طالب- - قال: لو أن الناس أصابوا حد الطلاق، لما ندم رجل على امرأته يطلقها، وهي طاهرة لم يجامعها.
فإن بدا أن يمسكها أمسكها، وإن بدا له أن يخلي سبيلها خلى.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام.
فأما الحلال، بأن يطلقها من غير جماع، أو يطلقها حاملاً.
وأما الحرام، بأن يطلقها حائضاً، أو يطلقها حين جامعها.
وقال الحسن: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال: إذا طهرن من الحيض من غير جماع.
وقال الزهري، وقتادة: يطلقها لقبيل عدتها.
وروى ابن طاوس، عن أبيه قال: حد الطلاق أن يطلقها قبل عدتها.
قلت: وما قبل عدتها؟
قال: طاهرة من غير جماع.
ثم قال: وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ يعني: واحفظوا العدة.
فأمر الرجل بحفظ العدة، لأن في النساء غفلة، فربما لا تحفظ عدتها.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ يعني: واخشوا الله ربكم، فأطيعوه فيما أمركم ولا تطلقوا النساء في غير طهورهن.
فلو طلقها في الحيض، فقد أساء.
والطلاق واقع عليها في قول عامة الفقهاء.
ثم قال: لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ يعني: اتقوا الله في إخراجهن من بيوتهن لأن سكناها على الزوج ما لم تنقض عدتها ثم قال: وَلا يَخْرُجْنَ يعني: ليس لهن أن يخرجن من البيوت.
ثم قال: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يعني: إلا أن تزني فتخرج لأجل إقامة الحد عليها، وهو قول ابن مسعود.
وقال الشعبي، وقتادة: خروجها في العدة فاحشة.
وإخراج الزوج لها في العدة معصية وهكذا روي، عن ابن عمرو، وإبراهيم النخعي.
وقال ابن عباس: الفاحشة أن تبذو على زوجها فتخرج.
ثم قال: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني: الطلاق بالسنة، وإحصاء العدة من أحكام الله تعالى.
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ يعني: يترك حكم الله فيما أمر من أمر الطلاق.
فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ يعني: أضر بنفسه.
ثم قال: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً يعني: لا تطلقها ثلاثاً، فلعله يحدث من الحب أو الولد خير، فيريد أن يراجعها فلا يمكنه مراجعتها.
وإن طلقها واحدة، يمكنه أن يراجعها.
ثم قال: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يعني: إذا بلغن وقت انقضاء عدتهن، وهو مضي ثلاث حيض ولم تغتسل من الحيضة الثالثة، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ يعني: راجعوهن بإحسان، يعني: أن تمسكوهن بغير إضرار.
أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ يعني: اتركوهن بإحسان.
ويقال: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يعني: انقضت عدتهن، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ يعني: بنكاح جديد إذا طلقها واحدة أو اثنتين.
ثم قال عز وجل: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ يعني: أشهدوا على الطلاق والمراجعة فهو على الاستحباب.
ويقال: على النكاح المستقبل، فإن أراد به الإشهاد على الطلاق والمراجعة، فهو على الاستحباب.
ولو ترك الإشهاد بالمراجعة، جاز الطلاق والمراجعة.
فإن أراد به الإشهاد على النكاح، فهو واجب، لأنه لا نكاح إلاَّ بشهود.
ثم قال: وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ يعني: يا معشر الشهود، أدوا الشهادة عند الحاكم بالعدل على وجهها لحق الله تعالى ولسبب أمر الله تعالى.
ثم قال: ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ يعني: هذا الذي يؤمر به.
مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي: لا يكتم الشهادة.
ثم قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً يعني: يخشى الله ويطلق امرأته للسنة، يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً يعني: المراجعة.
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ يعني: في شأن المراجعة.
ويقال: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً يعني: ينجو من ظلمات يوم القيامة ويرزقه الجنة.
ووجه آخر: أن من اتقى الله عند الشدة وصبر، يجعل له مخرجاً من الشدة وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ يعني: يوسع عليه من الرزق.
وقال مسروق: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً قال: مخرجه أن يعلم أن الله هو يرزقه، وهو يمنحه ويعطيه، لأنه هو الرازق وهو المعطي وهو المانع.
كما قال الله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ [فاطر: 3] الآية.
ثم قال عز وجل: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ يعني: من يثق بالله في الرزق فَهُوَ حَسْبُهُ يعني: الله كافيه.
وروى سالم بن أبي الجعد: أن رجلاً من أشجع أسره العدو، فجاء أبوه إلى النبي ، فشكا إليه، فقال: اصبر.
فأصاب ابنه غنيمة، فجاء بهما جبريل- - وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً الآية.
وعن عبد الله بن عباس- - قال: جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله ، فقال: يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت الأم، فما تأمرني؟
فقال: آمرك وإياها أن تستكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فرجع إلى منزله، فقالت له: بماذا أمرك رسول الله ؟
فقال: بكذا.
فقالت: نعم ما أمرك به.
فجعلا يقولان ذلك، فخرج ابنه بغنيمة كثيرة، فنزل قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ يعني: من يتق بالله في الشدة، يجعل له مخرجاً من الشدة.
ويقال: المخرج على وجهين: أحدهما أن يخرجه من تلك الشدة، والثاني أن يكرمه فيها بالرضا والصبر.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ يعني: قاضياً أمره.
قرأ عاصم في رواية حفص بالِغُ أَمْرِهِ بغير تنوين، بكسر الراء على الإضافة، والباقون بالتنوين أَمْرِهِ بالنصب، نصبه بالفعل بمعنى يمضي أمره في الشدة والرخاء أجلاً ووقتاً.
ثم قال: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً يعني: جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلاً ووقتاً، لا يتقدم ولا يتأخر.
قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ.
قال ابن عباس- ما-: لما نزل قوله: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: 228] قال معاذ بن جبل: يا رسول الله، لو كانت المرأة آيسة لا تحيض، كيف تعتد؟
فنزل: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ والآية.
أن تبلغ ستين سنة، ويقال خمسين.
إِنِ ارْتَبْتُمْ، إن شككتم في عدتهن، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ، فقام رجل آخر، فقال: لو كانت صغيرة، كيف عدتها؟
وقام آخر وقال: لو كانت حاملاً، كيف عدتها؟
فنزل: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ يعني: المرأة التي لم تحض، فعدتها ثلاثة أشهر مثل عدة الآيسة.
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ يعني: عدتهن أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وقال عمر: لو وضعت ما في بطنها وزوجها على سريره، قبل أن يدفن في حفرته، لا نقضت عدتها وحلت للأزواج.
وروى الزهري، عن عبد الله، عن أبيه: أن سبيعة بنت الحارث قد وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين يوماً، فمر بها السنابل بن بعكك، فقال لها: أَتُرِيدِينَ أنْ نتزوج؟
فقالت: نعم.
قال: لا حتى يأتي عليك أربعة أشهر وعشر.
فأتت النبيّ ، فقال لها قد حللت للزواج يعني: انقضت عدتك.
ثم قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يعني: يصبر على طاعة الله تعالى، يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً يعني: ييسر عليه أمره، ويوفقه ليعمل على طاعة الله تعالى، ويعصمه عن معاصيه.
ثم قال: ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: هذا الذي ذكره حكم الله وفريضته.
أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ يعني: أنزله في القرآن على نبيكم.
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ويعمل بأحكامه وفريضته، يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ في الدنيا، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً يعني: ثواباً في الجنة.
قرأ نافع، وابن عامر نَّكْفُرَ عَنْهُ بالنون، والباقون بالياء، ومعناهما: يرجع إلى شيء واحد.
ثم رجع إلى ذِكْرِ المطلقات.
<div class="verse-tafsir"
الله ما يقدّر يكن وما ترزق يأتك «١» ، وعنه صلّى الله عليه وسلّم «اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بالصَّدَقَة» «٢» ، انتهى من كتابه المسمى ب «بهجة المَجَالسِ وأنس المجالس» .
وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ هذهِ الآياتُ كلُّها عِظةٌ لجميعِ الناسِ، ومعنى حَسْبُهُ: كَافِيهِ.
وقال ابن مسعود: هذه أكْثَرَ الآيات حَضًّا على التفويضِ للَّه «٣» .
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ بَيَانٌ، وَحَضٌّ عَلى التوكلِ، أي: لا بُدَّ مِنْ نفوذِ أمرِ اللَّهِ توكلتَ أيُّهَا المرءُ أوْ لَمْ تَتَوَكَّلْ قاله مسروق فإنْ توكلتَ على اللَّهِ كَفَاكَ وَتَعَجَّلَتِ الراحةُ والبَرَكةُ، وإن لم تتوكَّلْ وَكَلَكَ إلى عَجْزِكَ وَتَسَخَّطَكَ، وأمرُه سبحانَه في الوجهين نَافِذٌ.
وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦)
وقوله سبحانه: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ ...
الآية، «اللائي» جمعُ «التي» واليائساتُ من المحيض على مراتبَ مَحَلُّ بَسْطِها كُتُبُ الفِقْهِ، وروى إسماعيلُ بْنُ خالدٍ أنَّ قَوْماً منهم أُبَيُّ بن كعبٍ وخَلاَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ، لما سمعوا قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] قالوا: يا رسول الله
سُورَةُ الطَّلاقِ وَتُسَمّى سُورَةَ النِّساءِ القُصْرى، وهي مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ .
والمُؤْمِنُونَ داخِلُونَ مَعَهُ فِيهِ.
ومَعْناهُ: إذا أرَدْتُمْ طَلاقَ النِّساءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ حِينَ «طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ حَفْصَةَ، وقِيلَ لَهُ: راجِعْها، فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ، وهي مِن إحْدى زَوْجاتِكَ في الجَنَّةِ،» قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وذَلِكَ «أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ حائِضًا، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ أنْ يُراجِعَها، ثُمَّ يُمْسِكُها حَتّى تَطْهُرَ،» قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أيْ: لِزَمانِ عِدَّتِهِنَّ، وهو الطُّهْرُ.
وهَذا لِلْمَدْخُولِ بِها، لِأنَّ غَيْرَ المَدْخُولِ بِها لا عِدَّةَ عَلَيْها.
والطَّلاقُ عَلى ضَرْبَيْنِ: سُنِّيٌّ، وبِدْعِيٌّ.
فالسُّنِّيُّ: أنْ يُطَلِّقَها في طُهْرٍ لَمْ يُجامِعْها فِيهِ، وذَلِكَ هو الطَّلاقُ لِلْعِدَّةِ، لِأنَّها تَعْتَدُّ بِذَلِكَ الطُّهْرِ مِن عِدَّةٍ وتَقَعُ في العِدَّةِ عُقَيْبَ الطَّلاقِ، فَلا يَطُولُ عَلَيْها زَمانُ العِدَّةِ.
والطَّلاقُ البِدْعِيُّ: أنْ يَقَعَ في حالِ الحَيْضِ، أوْ في طُهْرٍ قَدْ جامَعَها فِيهِ، فَهو واقِعٌ، وصاحِبُهُ آثِمٌ.
وإنْ جَمَعَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ في طُهْرٍ واحِدٍ، فالمَنصُورُ مِن مَذْهَبِنا أنَّهُ بِدْعَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأحْصُوا العِدَّةَ ﴾ أيْ: زَمانَ العِدَّةِ.
وفي إحْصائِها فَوائِدُ.
مِنها: مُراعاةُ زَمانِ الرَّجْعَةِ، وأوانِ النَّفَقَةِ، والسُّكْنى، وتَوْزِيعِ الطَّلاقِ عَلى الإقْرارِ إذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا، ولِيَعْلَمَ أنَّها قَدْ بانَتْ، فَيَتَزَوَّجَ بِأُخْتِها، وأرْبَعٍ سِواها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ﴾ أيْ: فَلا تَعْصُوهُ فِيما أمَرَكم بِهِ.
و ﴿ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ السُّكْنى.
ونَسَبِ البُيُوتِ إلَيْهِنَّ، لِسُكْناهُنَّ قَبْلَ الطَّلاقِ فِيهِنَّ، ولا يَجُوزُ لَها أنْ تَخْرُجَ في عِدَّتِها إلّا لِضَرُورَةِ ظاهِرَةٍ.
فَإنْ خَرَجَتْ أثِمَتْ ﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: المَعْنى: إلّا أنْ يَخْرُجْنَ قَبْلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ فَخُرُوجُهُنَّ هو الفاحِشَةُ المُبَيِّنَةُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ السّائِبِ.
والثّانِي: أنَّ الفاحِشَةَ: الزِّنا، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: إلّا أنْ يَزْنِينَ فَيَخْرُجْنَ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِنَّ.
والثّالِثُ: الفاحِشَةُ: أنْ تَبْذُؤَ عَلى أهْلِها، فَيَحِلُّ لَهم إخْراجُها، رَواهُ مُحَمَّدُ ابْنُ إبْراهِيمَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّها إصابَةُ حَدٍّ، فَتَخْرُجُ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْها، قالَهُ سَعِيدُ ابْنُ المُسَيَّبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي: ما ذَكَرَ مِنَ الأحْكامِ ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ﴾ الَّتِي بَيَّنَها، وأمَرَ بِها ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ أيْ: أثِمَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى ﴿ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ أيْ: يُوقِعُ في قَلْبِ الزَّوْجِ المَحَبَّةَ لَرَجَعْتِها بَعْدَ الطَّلْقَةِ والطَّلْقَتَيْنِ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسْتَحَبَّ في الطَّلاقِ تَفْرِيقُهُ، وأنْ لا يَجْمَعَ الثَّلاثَ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطَلاقِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِ أهْلِ التَفْسِيرِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللهَ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودُ اللهَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَهادَةَ لِلَّهِ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللهِ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهِ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ الطَلاقُ عَلى الجُمْلَةِ مَكْرُوهٌ، لِأنَّهُ تَبْدِيدٌ شَمْلٍ في الإسْلامِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "لا تُطَلِّقُوا النِساءَ إلّا مِن رِيبَةٍ، فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الذَوّاقِينَ ولا الذَوّاقاتِ"،» ورَوى أنَسٌ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "ما حَلَفَ بِالطَلاقِ ولا اسْتُحْلِفَ بِهِ إلّا مُنافِقٌ"».
واخْتُلِفَ في البِدايَةِ بِالنَبِيِّ ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ "طَلَّقْتُمْ"، فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ -حَكاهُ الزَهْراوِيُّ -:ذَلِكَ خُرُوجٌ مِن مُخاطَبَةِ أفْرادٍ إلى مُخاطَبَةِ جَماعَةٍ، وهَذا مَوْجُودٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: إنَّ في نِداءِ النَبِيِّ أُرِيدَتْ أُمَّتُهُ مَعَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "طَلَّقْتُمُ"، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: إنَّ المَعْنى: يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لَهم إذا طَلَّقْتُمْ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مِن حَيْثُ يَقُولُ الرَجُلُ العَظِيمُ: "فَعَلْنا وصَنَعْنا"، خُوطِبَ النَبِيُّ في هَذِهِ بِـ "طَلَّقْتُمْ" إظْهارًا لِتَعْظِيمِهِ، وهَذا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى في عَبْدِ اللهِ بْن أُبَيٍّ: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ﴾ إذا كانَ قَوْلُهُ مِمّا يَقُولُهُ جَماعَةٌ، فَكَذَلِكَ النَبِيُّ في هَذِهِ ما يُخاطِبُ بِهِ فَهو خِطابُ لِجَماعَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي في هَذا أنَّهُما خِطابانِ مُفْتَرِقانِ، خُوطِبَ النَبِيُّ عَلى مَعْنى تَنْبِيهٍ لِسَماعِ القَوْلِ وتَلَقِّي الأمْرَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ﴿ إذا طَلَّقْتُمُ ﴾ ، أيْ: أنْتَ وأُمَّتُكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "إذا طَلَّقْتُمُ" ابْتِداءُ كَلامٍ كَما لَوْ ابْتَدَأ السُورَةَ بِهِ، وطَلاقُ النِساءِ حَلُّ عِصْمَتِهِنَّ، وصُورَةُ ذَلِكَ وتَنْوِيعُهُ مِمّا لا يَخْتَصُّ بِالتَفْسِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ ، أيْ: لِاسْتِقْبالِها وقِوامِها وتَقْرِيبِها عَلَيْهِنَّ، وقَرَأ عُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ومُجاهِدٌ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ"، أيْ: لِاسْتِقْبالِها، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ القِراءَتَيْنِ عَنِ النَبِيِّ ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِقُبُلِ طُهْرِهِنَّ".
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُطَلِّقَ أحَدٌ امْرَأتَهُ إلّا في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّها فِيهِ، هَذا عَلى مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرِهِ مِمَّنْ قالَ: إنَّ "الأقْراءَ": الأطْهارُ، فَيُطَلِّقُ عِنْدَهُمُ المُطَلِّقُ في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ، وتُعْتَدُّ بِهِ المَرْأةُ ثُمَّ تَحِيضُ حَيْضَتَيْنِ تَعْتَدُّ بِالطُهْرِ الَّذِي بَيْنَهُما، ثُمَّ تُقِيمُ في الطُهْرِ الثالِثِ مُعْتَدَّةً بِهِ، فَإذا رَأتْ أوَّلَ لِحَيْضَةِ الثالِثَةِ حَلَّتْ، ومَن قالَ: بِأنَّ "الأقْراءَ": الحَيْضُ -وَهُمُ العِراقِيُّونَ- قالَ: "لِعِدَّتِهِنَّ"، مَعْناهُ أنْ تُطَلَّقَ طاهِرًا، فَتَسْتَقْبِلُ ثَلاثَ حِيَضٍ كَوامِلَ، فَإذا رَأتِ الطُهْرَ بَعْدَ الثالِثَةِ حَلَّتْ، ويَخِفُّ عِنْدَ هَؤُلاءِ مَسٌّ في طُهْرِ الطَلاقِ أو لَمْ يَمَسَّ، وكَذَلِكَ مالِكٌ يَقُولُ: "إنْ طَلَّقَ في طُهْرٍ قَدْ مَسَّ فِيهِ مَضى الطَلاقُ"، ولا يَجُوزُ طَلاقُ الحائِضِ لِأنَّها تَطُولُ العِدَّةُ عَلَيْها، وقِيلَ: بَلْ تَعْتَدُّ، ولَوْ عَلَّلَ بِالتَطْوِيلِ لا يَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ ولَوْ رَضِيَتْهُ، والأصْلُ في ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ: «طَلَّقْتُ امْرَأتِي وهي حائِضٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ فَقالَ لِعُمَرَ: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لِيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ يُطَلِّقُها إنْ شاءَ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللهُ تَعالى بِها أنْ يُطَلَّقَ لَها النِساءُ"،» ورَوى حُذَيْفَةُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "طَلِّقُوا المَرْأةَ في قُبُلِ طُهْرِها".» ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِإحْصاءِ العِدَّةِ لِما يَلْحَقُ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الرَجْعَةِ والسُكْنى والمِيراثِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُنَّ أحَقُّ بِسُكْنى بُيُوتِهِنَّ الَّتِي طُلِّقْنَ فِيها، فَنَهى عن إخْراجِهِنَّ وعن خُرُوجِهِنَّ، وسُنَّةُ ذَلِكَ ألّا تَبِيتَ المَرْأةُ المُطَلَّقَةُ "بَعِيدَةً" عن بَيْتِها ولا تَغِيبَ عنهُ نَهارًا إلّا في ضَرُورَةٍ وما لا خَطْبَ لَهُ مِن جائِزِ التَصَرُّفِ، وذَلِكَ لِحِفْظِ النَسَبِ والتَحَرُّزِ بِالنِساءِ، فَإنْ كانَ البَيْتُ مِلْكًا لِلزَّوْجِ أو بِكِراءٍ مِنهُ فَهَذا حُكْمُهُ، فَإنْ كانَ لَها فَعَلَيْهِ الكِراءُ، فَإنْ كانَ قَدْ أمْتَعَتْهُ مُدَّةَ الزَوْجِيَّةِ فَفي لُزُومِ خُرُوج العِدَّةِ لَهُ قَوْلانِ في المَذْهَبِ: اللَزْمُ رِعايَةً لِانْفِصالِ مُكارَمَةِ النِكاحِ، والسُقُوطُ مِن أجْلِ أنَّ العِدَّةَ مِن سَبَبِ النِكاحِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ ، فَقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: ذَلِكَ الزِنا، فَيَخْرُجْنَ لِلْحَدِّ، وهَذا قَوْلُ الشَعْبِيِّ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وحَمّادٍ، واللَيْثِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ذَلِكَ البِذاءُ عَلى الأحْماءِ، فَتَخْرُجُ ويُسْقِطُ حَقُّها مِنَ السُكْنى، وتَلْزَمُ الإقامَةُ في مَسْكَنٍ تَتَّخِذُهُ حِفْظًا لِلنَّسَبِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلّا أنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكُمْ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الفاحِشَةُ جَمِيعُ المَعاصِي، فَمَتى سَرَقَتْ أو زَنَتْ أو أرْبَتْ في تِجارَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ حَقُّها في السُكْنى، وقالَ ابْنُ عُمَرَ والسُدِّيُّ: الفاحِشَةُ الخُرُوجُ عَنِ البَيْتِ خُرُوجُ انْتِقالٍ، فَمَتى فَعَلَتْ ذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ حَقُّها في السُكْنى، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: المَعْنى: أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ في نُشُوزٍ عَنِ الزَوْجِ فَيُطْلِّقُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ عَلَيْهِ سُكْنى، وقالَ بَعْضُ الناسِ: الفاحِشَةُ مَتى ورَدَتْ مَعْرِفَةً فَهي الزِنا، ومَتى جاءَتْ مُنَكَّرَةً فَهي المَعاصِي، فَمَرَّةً يُرادُ بِها سُوءُ عِشْرَةِ الزَوْجِ ومَرَّةً غَيْرَ ذَلِكَ.
وقَرَأ عاصِمٌ: "مُبَيَّنَةً" بِفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ، تَقُولُ: بانَ الأمْرُ وبَيَّنْتُهُ أنا عَلى تَضْعِيفِ التَعْدِيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِكَسْرِها، تَقُولُ بانَ الأمْرُ وبَيَّنَ بِمَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ التَضْعِيفَ لِلْمُبالَغَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: قَدْ بَيَّنَ الصُبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ أوامِرِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ ، قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: يُرِيدُ بِهِ الرَجْعَةَ، أيْ: أحْصُوا العِدَّةَ، وامْتَثِلُوا هَذِهِ الأوامِرَ المُتَّفِقَةَ لِنِسائِكُمْ، الحافِظَةَ لِأنْسابِكُمْ، وطَلِّقُوا عَلى السُنَّةِ، تَجِدُوا المَخْلَصَ إنْ نَدِمْتُمْ، فَإنَّكم لا تَدْرُنَ لَعَلَّ الرَجْعَةَ تَكُونُ بَعْدُ، والإحْداثُ هُنا بَيِّنُ التَوَجُّهِ، عِبارَةٌ عَمّا يُوجَدُ مِنَ التَراجُعِ، وجَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أمْرًا مِنَ النُسَخِ، وفي ذَلِكَ بُعْدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ يُرِيدُ بِهِ آخِرَ القُرْءِ، و"الإمْساكُ بِالمَعْرُوفِ" هو حُسْنُ العِشْرَةِ في الإنْفاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"المُفارَقَةُ بِالمَعْرُوفِ" هو أداءُ المَهْرِ والمُتَعَةُ ودَفْعُ جَمِيعِ الحُقُوقِ والوَفاءُ بِالشُرُوطِ وغَيْرُ ذَلِكَ حَسَبَ نازِلَةٍ نازِلَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ يُرِيدُ: عَلى الرَجْعَةِ، وذَلِكَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الرَجْعَةِ، وَلِلْمَرْأةِ مَنعُ الزَوْجِ مِن نَفْسِها حَتّى يَشْهَدَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُرادُ: عَلى الرَجْعَةِ وعَلى الطَلاقِ؛ لِأنَّ الإشْهادَ يَرْفَعُ مِنَ النَوازِلِ إشْكالاتٍ كَثِيرَةً، وتَقْيِيدُ تارِيخِ الإشْهادِ مِنَ الإشْهادِ، وقالَ النَخْعِيُّ: العَدْلُ مَن لَمْ تَظْهَرْ مِنهُ رِيبَةٌ، وهَذا قَوْلُ الفُقَهاءِ، والعَدْلُ حَقِيقَةُ الَّذِي لا يَخافُ إلّا اللهَ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأقِيمُوا الشَهادَةَ لِلَّهِ ﴾ أمْرٌ لِلشُّهُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى إقامَةِ الشَهادَةِ، وذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ فُصُولِ الأحْكامِ والأُمُورِ فَإنَّما تَدُورُ عَلى إقامَةِ الشَهادَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ ، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو في مَعْنى الطَلاقِ، أيْ: ومَن لا يَتَعَدّى في طَلاقِ السُنَّةِ إلى طَلاقِ الثَلاثِ وغَيْرِ ذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ لَهُ مَخْرَجًا إنْ نَدِمَ بِالرَجْعَةِ، المُباحَةِ ويَرْزُقُهُ ما يُطْعِمُ أهْلُهُ، ويُوَسِّعُ عَلَيْهِ، ومَن لا يَتَّقِ اللهَ فَرُبَّما طَلَّقَ وبَتَّ ونَدِمَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ، وزالَ عَلَيْهِ رِزْقُ زَوْجَتِهِ، وقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما نَحْوَ هَذا، فَقالَ لِلْمُطَلِّقِ ثَلاثًا: أنْتَ لَمْ تَتَّقِ اللهَ تَعالى، فَبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ ولا أرى لَكَ مَخْرَجًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: مَعْنى "يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا "يُخَلِّصُهُ مِن كُرَبِ الدُنْيا والآخِرَةِ، واخْتَلَفَ في ألْفاظِ رِوايَةِ هَذِهِ القِصَّةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، لَكِنَّ هَذا هو المَعْنى.
وقالَ بَعْضُ رُواةِ الآثارِ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ أُسِرَ ولَدُهُ، وقُدِّرَ عَلَيْهِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللهِ ، فَأمَرَ بِالتَقْوى، فَقِيلَ: لَمْ يَلْبَثْ أنْ تَفَلَّتَ ولَدُهُ، وأخَذَ قَطِيعَ غَنَمٍ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أسَرُوهُ، وجاءَ أباهُ، فَسَألَ عَوْفٌ رَسُولَ اللهِ : أتَطِيبُ لَهُ تِلْكَ الغَنَمُ؟
فَقالَ رَسُولُ اللهِ : نَعَمْ،» ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ فَهو حَسْبُهُ ﴾ الآيَةُ كُلُّها لِجَمِيعِ الناسِ، و"الحَسْبُ": الكافِي المَرَضِيُّ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذِهِ أكْثَرُ الآياتِ حَضًّا عَلى التَفْوِيضِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ولِّنِي مِمّا ولّاكَ اللهُ تَعالى، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: أتُقْرَأُ القُرْآنَ؟
قالَ: لا، قالَ عُمَرُ: فَإنّى لا أُولِي مَن لا يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَتَعَلَّمَ الرَجُلُ رَجاءَ الوِلايَةِ، فَلَمّا حَفِظَ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ تَخَلَّفَ عن عُمَرَ، ثُمَّ لَقِيَهُ يَوْمًا فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أبْطَأ بِكَ؟
قالَ: تَعَلَّمْتُ القُرْآنَ فَأغْنانِي اللهُ عن عُمَرَ وعن بابِهِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآياتِ مِن هَذِهِ السُورَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ بالِغُ أمْرِهِ ﴾ بَيانٌ وحَضٌّ عَلى التَوَكُّلِ، أيْ: لا بُدَّ مِن نُفُوذِ أمْرِ اللهِ تَعالى تَوَكَّلْتَ أيُّها المَرْءُ أمْ لَمْ تَتَوَكَّلْ قالَهُ مَسْرُوقٌ، فَإنْ تَوَكَّلْتَ كَفاكَ وتَعَجَّلْتَ الراحَةَ والبَرَكَةَ، وإنْ لَمْ تَتَوَكَّلْ وكَلَكَ إلى عَجْزِكَ وتَسَخُّطِكَ، وأمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ في الوَجْهَيْنِ نافِذٌ.
وقَرَأ داوُدُ بْنُ هِنْدَ -وَرُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو - "بالِغُ أمْرُهُ" بِرَفْعِ الأمْرِ، وحُذِفَ مَفْعُولٌ تَقْدِيرُهُ: بالِغٌ أمْرَهُ ما شاءَ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: "بالِغُ أمْرَهُ" بِنَصْبِ الأمْرِ، وقَرَأ حَفْصٌ والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "بالِغُ أمْرِهِ"" عَلى الإضافَةِ وتَرْكِ التَنْوِينَ فِي: "بالِغُ"، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، والأعْمَشِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قَدْرًا" بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "قَدَرًا" فَتْحُ الدالِ وهَذا كُلُّهُ حَضٌّ عَلى التَوَكُّلِ.
<div class="verse-tafsir"
توجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أسلوب من أساليب آيات التشريع المهتم به فلا يقتضي ذلك تخصيص ما يذكر بعده النبي صلى الله عليه وسلم مثل ﴿ يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال ﴾ [الأنفال: 65] لأن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يتولى تنفيذ الشريعة في أمته وتبيين أحوالها.
فإن كان التشريع الوارد يشمله ويشمل الأمة جاء الخطاب مشتملاً على ما يفيد ذلك مثل صيغة الجمع في قوله هنا ﴿ إذا طلقتم النساء ﴾ وإن كان التشريع خاصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم جاءت بما يقتضي ذلك نحو ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ﴾ [المائدة: 67].
قال أبو بكر بن العربي: «وهذا قولهم أن الخطاب له لفظاً.
والمعنى له وللمؤمنين، وإذا أراد الله الخطاب للمؤمنين لاطفه بقوله: ﴿ يا أيها النبي ﴾ ، وإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعاً له قال: ﴿ يا أيها الرسول ﴾ [المائدة: 67] اه.
ووجه الاهتمام بأحكام الطلاق والمراجعة والعِدّة سنذكره عند قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله ربكم ﴾ .
فالأحكام المذكورة في هذه السورة عامة للمسلمين فضمير الجمع في قوله: ﴿ إذا طلقتم النساء ﴾ وما بعده من الضمائر مثلِه مراد بها هو وأمته.
وتوجيه الخطاب إليه لأنه المبلغ للناس وإمام أمته وقدوَتهم والمنفذ لأحكام الله فيهم فيما بينهم من المعاملات فالتقدير إذا طلقتم أيها المسلمون.
وظاهر كلمة ﴿ إذا ﴾ أنها للمستقبل وهذا يؤيد ما قاله أبو بكر بن العربي من أنها شرع مبتدأ قالوا: إنه يجوز أن يكون المراد إذا طلقتم في المستقبل فلا تعودوا إلى مثل ما فعلتم ولكن طلقوهن لعدتهن، أي في أطْهارهن كما سيأتي.
وتكرير فعل ﴿ فطلقوهن ﴾ لمزيد الاهتمام به فلم يقل إذا طلقتم النساء فلِطهرهن وقد تقدم نظير ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وإذا بطشتم بطشتم جبارين ﴾ في سورة [الشعراء: 130]، وقوله: ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراماً ﴾ في سورة [الفرقان: 72].
واللام في لعدتهن } لام التوقيت وهي بمعنى عند مثل كُتب ليوممِ كذا من شهر كذا.
ومنه قوله تعالى: ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ [الإسراء: 78] لا تحتمل هذه اللام غير ذلك من المعاني التي تأتي لها اللام.
ولما كان مدخول اللام هنا غير زمان عُلم أن المراد الوقت المضاف إلى عدتهن أي وقت الطهر.
ومعنى التركيب أن عدة النساء جعلت وقتاً لإيقاع طلاقهن فكني بالعدة عن الطهر لأن المطلقة تعتد بالأطهار.
وفائدة ذلك أن يكون إيماء إلى حكمة هذا التشريع وهي أن يكون الطلاق عند ابتداء العِدة وإنما تُبتدأ العدة بأول طُهر من أطْهار ثلاثة لدفع المضرة عن المطلقة بإطالة انتظار تزويجها لأن ما بين حيضها إذا طلقت فيه وبين طهرها أيام غير محسوبة في عدتها فكان أكثر المطلقين يقصدون بذلك إطالة مدة العدة ليوسعوا على أنفسهم زمن الارتياء للمراجعة قبل أن يَبنَّ منهم.
وفعل ﴿ طلقتم ﴾ مستعمل في معنى أردتم الطلاق وهو استعمال وارد ومنه قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ [المائدة: 6] الآية والقرينة ظاهرة.
والآية تدل على إباحة التطليق بدلالة الإشارة لأن القرآن لا يقدِّر حصول فعل محرَّم من دون أن يبيّن منعه.
والطلاق مباح لأنه قد يَكون حاجيّاً لبعض الأزواج فإن الزوجين شخصان اعتشرا اعتشاراً حديثاً في الغالب لم تكن بينهما قبله صلة من نسب ولا جوار ولا تخلق بخلق متقارب أو متماثل فيكثر أن يحدث بينهما بعد التزوج تخالف في بعض نواحي المعاشرة قد يكون شديداً ويعسر تذليله، فيمل أحدهما ولا يوجد سبيل إلى إراحتهما من ذلك إلا التفرقة بينهما فأحله الله لأنه حاجيّ ولكنه ما أحله إلا لدفع الضر فلا ينبغي أن يجعل الإِذن فيه ذريعة للنكاية من أحَد الزوجين بالآخر.
أو من ذوي قرابتهما، أو لقصد تبديل المذاق.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
وتعليق ﴿ طلقتم ﴾ بإذا الشرطية مشعر بأن الطلاق خلاف الأصل في علاقة الزوجين التي قال الله فيها: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ﴾ [الروم: 21].
واختلف العلماء في أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق وجزم به الخطابي في «شرح سنن أبي داود»: ولم يثْبُتْ تطليق النبي صلى الله عليه وسلم بحديث صحيح والمروي في ذلك خبراننِ، أولهما ما رواه ابن ماجة عن سويد بن سعيد وعبد الله بن عامر بن زرارة ومسروق بن المرزبان بسندهم إلى ابن عباس عن عُمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق حفصَة ثم راجعها.
وفي هذا السند ضعف لأن سُوَيد بن سعيد ضعيف نسبه ابن معين إلى الكذب وضعفه ابن المديني والنسائي وابن عدي.
وقَبله أحمد بن حنبل وأبو حاتم.
وكذلك مسروق بن المرزبان يضعف أيضاً.
وبقي عبد الله بن عامر بن زرارة لا متكلم فيه فيكون الحديث صحيحاً لكنه غريب وهو لا يُقبل فيما تتوفر الدواعي على روايته كهذا.
وهذا الحديث غريب في مبدئه ومنتهاه لانفراد سعيد بن جبير بروايته عن ابن عباس، وانفراد ابن عباس بروايته عن عمر بن الخطاب مع عدم إخراج أهل الصحيح إياه فالأشبه أنه لم يقع طلاق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ولكن كانت قضيةُ الإيلاء بسبب حفصة.
والمعروف في «الصحيح» عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آلى من نسائه فقال الناس طلق رسول الله نساءه.
قال عمر: «فقلت يا رسول الله أطلقتَ نساءك؟، قال: «لا آليت منهن شهراً».
فلعل أحد رواة الحديث عن ابن عباس عبر عن الإيلاء بلفظ التطليق وعن الفَيْئة بلفظ راجع على أن ابن ماجه يضعف عند أهل النقد.
وثانيهما: حديث الجونية أسماءَ أو أميمة بنت شُراحيل الكندية في «الصحيح»: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وأنه لما دخل يبني بها قالت له: «أعوذ بالله منك، فقال: قد عذت بمعاذ ألحقي بأهلك» وأمَرَ أبا أُسيد الساعدي أن يكسوها ثوبين وأن يلحقها بأهلها، ولعلها أرادت إظهار شرفها والتظاهر بأنها لا ترغب في الرجال وهو خُلق شائع في النساء.
والأشبه أن هذا طلاق وأنه كان على سبب سؤالها فهو مثل التخيير الذي قال الله تعالى فيه: ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ﴾ في سورة [الأحزاب: 28].
فلا يعارض ذلك قوله: أبغض الحلال إلى الله الطلاق.
إذ يكون قوله ذلك مخصوصاً بالطلاق الذي يأتيه الزوج بداع من تلقاء نفسه لأن علة الكراهية هي ما يخلفه الطلاق من بغضاء المطلقة من يطلقها فلا يصدر من النبي ابتداء تجنباً من أن تبغضه المطلقة فيكون ذلك وَبَالاً عليها، فأما إذا سألته فقد انتفت الذريعة التي يجب سدها.
وعُلم من قوله تعالى: لعدتهن} أنهن النساء المدخول بهن لأن غير المدخول بهن لا عدة لهن إجماعاً بنص آية الأحزاب.
وهذه الآية حجة لمالك والشافعي والجمهور أن العدة بالأطهار لا بالحِيَض فإن الآية دلت على أن يكون إيقاع الطلاق عند مبدإ الاعتداد فلو كان مبدأ الاعتداد هو الحيض لكانت الآية أمراً بإيقاع الطلاق في الحيض ولا خلاف في أن ذلك منهي عنه لحديث عمر في قضية طلاق ابنه عبد الله بن عمر زوجه وهي حائض.
واتفق أهل العلم على الأخذ به فكيف يخالف مخالف في معنى القرء خلافاً يفضي إلى إبطال حكم القضية في ابن عمر وقد كانت العدة مشروعة من قبل بآية سورة البقرة وآيات الأحزاب فلذلك كان نوط إيقاع الطلاق بالحال التي تكون بها العدة إحالة على أمر معلوم لهم.
وحكمة العدة تقدم بيانها.
﴿ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ ﴾ .
الإِحصاء: معرفة العدِّ وضبطه.
وهو مشتق من الحصى وهي صغار الحجارة لأنهم كانوا إذا كثرت أعداد شيء جعلوا لكل معدود حصاةً ثم عدوا ذلك الحصى، قال تعالى: ﴿ وأحصى كل شيء عدداً ﴾ [الجن: 28].
والمعنى: الأمر بضبط أيام العدة والإتيان على جميعها وعدم التساهل فيها لأن التساهل فيها ذريعة إلى أحد أمرين؛ إما التزويج قبل انتهائها فربّما اختلط النسب، وإما تطويل المدة على المطلقة في أيام منعها من التزوج لأنها في مدة العدة لا تخلو من حاجة إلى من يقوم بها.
وأما فوات أمد المراجعة إذا كان المطلق قد ثاب إلى مراجعة امرأته.
والتعريف في العدة للعهد فإن الاعتداد مشروع من قبل كما علمته آنفاً والكلام على تقدير مضاف لأن المحصَى أيام العدة.
والمخاطب بضمير ﴿ أحصوا ﴾ هم المخاطبون بضمير ﴿ إذا طلقتم ﴾ فيأخذ كل من يتعلق به هذا الحكم حَظه من المطلق والمطلقة ومن يطلع على مخالفة ذلك من المسلمين وخاصة ولاة الأمور من الحكام وأهل الحسبة فإنهم الأولى بإقامة شرائع الله في الأمة وبخاصة إذا رأوا تفشي الاستخفاف بما قصدته الشريعة.
وقد بيّنا ذلك في باب مقاصد القضاء من كتابي «مقاصد الشريعة».
ففي العدة مصالح كثيرة وتحتها حقوق مختلفة اقتضتها تلك المصالح الكثيرة وأكثر تلك الحقوق للمطلِّق والمطلَّقة وهي تستتبع حقوقاً للمسلمين وولاةِ أمورهم في المحافظة على تلك الحقوق وخاصة عند التحاكم.
﴿ العدة واتقوا الله ﴾ .
اعتراض بين جملة ﴿ وأحصوا العدة ﴾ وجملة ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ﴾ والواو اعتراضية.
وحذف متعلّق ﴿ اتقوا الله ﴾ ليعم جميع ما يتقى الله فيه فيكون هذا من قبيل الاعتراض التذييلي وأول ما يقصد بأن يتقى الله فيه ما سيق الكلام لأجله.
فقوله: ﴿ واتقوا الله ربكم ﴾ تحذير من التساهل في أحكام الطلاق والعدة.
ذلك أن أهل الجاهلية لم يكونوا يقيمون للنساء وزناً وكان قرابة المطلقات قلما يدافعن عنهن فتناسى الناس تلك الحقوق وغمصوها فلذلك كانت هذه الآيات شديدة اللهجة في التحدّي، وعبر عن تلك الحقوق بالتقوى وبحدود الله ولزيادة الحرص على التقوى أتبع اسم الجلالة بوصف ﴿ ربّكم ﴾ للتذكير بأنه حقيق بأن يتقى غضبه.
﴿ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بفاحشة ﴾ .
استئناف أو حال من ضمير ﴿ أحصوا العدة ﴾ ، أي حالة كون العدة في بيوتهن، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من مضمون جملة ﴿ أحصوا العدة ﴾ لأن مكثهن في بيوتهن في مدة العدة يحقق معنى إحصاء العدة.
ولكلا الوجهين جردت الجملة عن الاقتران بالواو جوازاً أو وجوباً.
وفي إضافة البيوت إلى ضمير النساء إيماء إلى أنهن مستحقات المكث في البيوت مدة العدة بمنزلة مالك الشيء وهذا ما يسمى في الفقه مِلْك الانتفاع دون العين ولأن بقاء المطلقات في البيوت اللاّتي كنّ فيها أزواجاً استصحاب لحال الزوجية إذ الزوجة هي المتصرفة في بيت زوجها ولذلك يدعوها العرب «ربّة البيت» وللمطلقة حكم الزوجة ما دامت في العدة إلا في استمتاع المطلق.
وهذا الحكم سببُه مركب من قصد المكارمة بين المطلّق والمطلقة.
وقصد الانضباط في علة الاعتداد تكميلاً لتحقق لحاق ما يظهر من حمل بأبيه المطلّق حتى يبرأ النسب من كل شك.
وجملة ﴿ ولا يخرجن ﴾ عطف على جملة ﴿ لا تخرجوهن ﴾ وهو نهي لهن عن الخروج فإن المطلق قد يُخرجها فترْغب المطلقة في الخروج لأنها تستثقل البقاء في بيت زالت عنه سيادتها فنهاهن الله عن الخروج.
فَإذا كان البيت مكترى سكنتْه المطلقة وكراؤه على المطلق وإذا انتهى أمد كرائه فعلى المطلق تجديده إلى انتهاء عدة المطلقة.
وهذا الترتب بين الجملتين يشعر بالسببية وأن لكل امرأة معتدة حق السكنى في بيت زوجها مدة العدة لأنها معتدة لأجله أي لأجل حفظ نسبه وعِرضه فهذا مقتضى الآية.
ولذلك قال مالك وجمهور العلماء بوجوب السكنى للمطلقة المدخول بها سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً وقال ابن أبي ليلى: لا سكنى إلا للمطلقة الرجعية، وعلل وجوب الإسكان للمطلقة المدخول بها بعدة أمور: حفظ النسب، وجبر خاطر المطلقة وحفظ عرضها.
وسيجيء في هذه السورة قوله تعالى: ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم ﴾ [الطلاق: 6] الآية.
وتَعلم أن ذلك تأكيداً لما في هذه الآية من وجوب الإِسكان في العدة أعيد ليبين عليه قوله: ﴿ من وجدكم ﴾ [الطلاق: 6] وما عطف عليه.
والاستثناء في قوله: ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ يحتمل أن يرجع إلى الجملتين اللتين قبله كما هو الشأن فيه إذا ورد بعد جمل على أصح الأقوال لعلماء الأصول.
ويحتمل أن يرجع إلى الأخيرة منهما وهو مقتضى كونه موافقاً لضميرها إذ كان الضمير في كلتيهما ضمير النسوة.
وهو استثناء من عموم الأحوال التي اقتضاها عموم الذوات في قوله: ﴿ لا تخرجوهن ﴾ ﴿ ولا يخرجن ﴾ .
فالمعنى: إلا أن يأتين بفاحشة فأخرجوهن أو ليخرجْن، أي يباح لكم إخراجهن وليس لهن الامتناع من الخروج وكذلك عكسه.
والفاحشة: الفِعلة الشديدة السوء بهذا غلب إطلاقها في عرف اللغة فتشمل الزنا كما في قوله تعالى: ﴿ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ﴾ الآية في سورة [النساء:] 15.
وشَمل غيره من الأعمال ذات الفساد كما في قوله: ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ﴾ [الأعراف: 28].
وقوله تعالى: ﴿ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ﴾ في سورة [الأعراف: 33].
قال ابن عطية: قال بعض الناس: الفاحشة متى وردت في القرآن معرَّفة فهي الزنا (يريد أو ما يشبهه) كما في قوله: ﴿ أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين ﴾ [الأعراف: 80] ومتى وردت منكرة فهي المعاصي.
وقرأ الجمهور ﴿ مبينة ﴾ بكسر الياء التحتية، أي هي تُبيِّن لمن تبلغه أنها فاحشة عظيمة فإسناد التبيين إليها مجاز باستعارة التبيين للوضوح أو تبيين لولاة الأمور صدورَها من المرأة فيكون إسناد التبيين إلى الفاحشة مجازاً عقلياً وإنما المبيِّن ملابسها وهو الإقرار والشهادة فيحمل في كل حالة على ما يناسب معنى التبيين.
وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم ﴿ مبيَّنة ﴾ بفتح التحتية، أي كانت فاحشة بَينتْها الحجة أو بينَها الخارج ومحمل القراءتين واحد.
ووصفها ب ﴿ مبينة ﴾ إما أن يراد به أنها واضحة في جنس الفواحش، أي هي فاحشة عظيمة وهذا المقام يشعر بأن عظمها هو عظم ما يأتيه النساء من أمثالها عرفاً.
وإما أن يراد به مبينة الثبوت للمدة التي تخرج.
وقد اختلفوا في المراد من الفاحشة هنا وفي معنى الخروج لأجلها فعن ابن مسعود وابن عباس والشعبي والحسن وزيد بن أسلم والضحاك وعكرمة وحماد والليث بن سعْدود أبي يوسف: أن الفاحشة الزنا، قالوا: ومعاد الاستثناء الإِذن في إخراجهن، أي ليقام عليهن الحد.
وفسرت الفاحشة بالبَذَاء على الجيران والأحماء أو على الزوج بحيث أن بقاء أمثالهن في جوار أهل البيت يفضي إلى تكرر الخصام فيكون إخراجها من ارتكاب أخف الضررين ونسب هذا إلى أبي بن كعب لأنه قرأ «إلا أن يفحشن عليكم» (بفتح التحتية وضم الحاء المهملة أي الاعتداء بكلام فاحش) وروي عن ابن عباس أيضاً واختاره الشافعي.
وفسرت الفاحشة بالمعصية من سرقة أو سب أو خروج من البيت فإن العدة بَلْه الزنا ونسب إلى ابن عباس أيضاً وابن عُمر وقاله السدي وأبو حنيفة.
وعن قتادة الفاحشة: النشوز، أي إذا طلقها لأجللِ النشوز فلا سكنى لها.
وعن ابن عمر والسدي إرجاع الاستثناء إلى الجملة التي هو موال لها وهي جملة ﴿ ولا يخرجن ﴾ أي هن منهيات عن الخروج إلا أن يردن أن يأتين بفاحشة، ومعنى ذلك إرادة تفظيع خروجهن، أي إن أردن أن يأتين بفاحشة يخرجن وهذا بما يسمى تأكيد الشيء بما يشبه ضده كذا سماه السكاكي تسمية عند الأقدمين تأكيد المادح بما يشبه الذم ومنه قول النابغة: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب فجعلت الآية خروجهن ريبة لهن وحذرت النساء منه بأسلوب خطابي (بفتح الخاء) فيكون هذا الاستثناء منعاً لهن من الخروج على طريقة المبالغة في النهي.
ومحمل فعل ﴿ يأتين ﴾ على هذا الوجه أنه من يردن أن يأتين مثل ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ﴾ [المائدة: 6].
وقد ورد في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتته فاطمة بنت قيس الفهرية فأخبرته أن زوجها أبا عمرو بن حفص أو أبا حفص بن عَمرو (وكان وجهه النبي صلى الله عليه وسلم مع عليّ إلى اليمن) فأرسل إليها من اليمن بتطليقة صادفت آخر الثلاث فبانت منه، وأنه أرسل إلى بعض ذويه بأن ينفقوا عليها مدة العدة فقالوا لها: ما لكِ نفقة إلا أن تكوني حاملاً، وأنها رفعت أمرها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا نفقة لك فاستأذنته في الانتقال فأذن لها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم.
وفي رواية أنها قالت: أخاف أن يُقْتَحَم عليَّ (بالبناء للمجهول)، وفي رواية أنها كانت في مكان وحْش مخيف على ناحيتها فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالانتقال.
واختلف العلماء في انتقالها فقال جماعة: هو رُخصة لفاطمة بنت قيس لا تتجاوزها وكانت عائشة أم المؤمنين ترى ذلك، روَى البخاري أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق امرأته عَمرة بنت عبد الرحمان بن الحكم وكان عمُّها مروان بن الحكم أميرَ المدينة يومئذٍ فانتقلها أبوها إليه فبلغ ذلك عائشةَ أم المؤمنين فأرسلت إلى مروان أن اتَّققِ الله وأرددها إلى بيتها فقال مروان: أو ما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟
قالت عائشة: لا يضركَ أن لا تذكر حديثَ فاطمة، فقال مروان: إن كان بككِ الشَّرَّ فحسبككِ ما بين هذين من الشَّر، (ولعل عائشة اقتنعت بذلك إذ لم يرد أنها ردت عليه).
وفي «الصحيح» عن عمر بن الخطاب أنه قال: لا ندع كتاب الله وسنةَ نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت.
وقالت عائشة: ليس لفاطمة بنت قيس خبر في ذكر هذا الحديث وعابت عليها أشدَّ العيب.
وقالت إن فاطمة كانت في مكان وحش مُخيف على ناحيتها فرخص لها النبي صلى الله عليه وسلم بالانتقال.
ويظهر من هذا أنه اختلاف في حقيقة العذر المسوغ للانتقال.
قال مالك: وليس للمرأة أن تنتقل من موضع عدتها بغير عذر رواه الباجي في «المنتقى».
وقال ابن العربي: إن الخروج للحدث والبَذاء والحاجة إلى المعايش وخوففِ العودة من المسكن جائز بالسنة.
ومن العلماء من جوز الانتقال للضرورة وجعلوا ذلك محمل حديث فاطمة بنت قيس فإنها خيف عليها في مكان وحش وحدث بينها وبين أهل زوجها شر وبَذاء قال سعيد بن المسيب: تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها أنها كانت لَسِنَة فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنتقل وهذا الاختلاف قريب من أن يكون اختلافاً لفظياً لاتفاق الجميع عدا عمر بن الخطاب على أن انتقالها كان لعذر قَبله النبي صلى الله عليه وسلم فتكون تلك القضية مخصصة للآية ويجري القياس عليها إذا تحققت علة القياس.
أما قول عمر بن الخطاب: لا نَدع كتابَ الله وسنةَ نبينا لقول امرأة أحفظتْ أم نسيت.
فهو دحض لرواية فاطمة ابنة قيس بشكَ له فيه فلا تكون معارضة لآية حتى يصار إلى الجمع بالتخصيص والترخيص.
وقال ابن العربي: قيل إن عمر لم يخصص القرآن بخبر الواحد.
وأما تحديد منع خروج المعتدة من بيتها فلا خلاف في أن مبيتها في غير بيتها حرام.
وأما خروجها نهاراً لقضاء شؤون نفسها فجوزه مالك والليث بن سعد وأحمد للمعتدة مطلقاً.
وقال الشافعي: المطلقة الرجعية لا تخرج ليلاً ولا نهاراً والمبتوتة تخرج نهاراً.
وقال أبو حنيفة: تخرج المعتدة عدة الوفاة نهاراً ولا تخرج غيرها، لا ليلاً ولا نهاراً.
وفي «صحيح مسلم» أن مروان بن الحكم أرسل إلى فاطمة بنت قيس يسألها عن حديثها فلما أبلغ إليه قال: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعِصمة التي وجدنا عليها الناس.
فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: «فبَيني وبينكم القرآن قال الله عز وجل: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ .
هذا لمن كان له رجعة فأيّ أمر يحدث بعد الثلاث فكيف تقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً فعَلام تحبسُونها فظنت أن ملازمة بيتها لاستبقاء الصلة بينها وبين مفارقها وأنها ملزمة بذلك لأجْل الإنفاق.
والذي تخلص لي أن حكمة السكنى للمطلقة أنها حفظ الإعراض فإن المطلقة يكثر إلتفات العيون لها وقد يتسرب سوء الظن إليها فيكثر الاختلاف عليها ولا تجد ذا عصمة يذب عنها فلذلك شرعت لها السكنى ولا تخرج إلا لحاجياتها فهذه حكمة من قبيل المَظنة فإذا طرأ على الأحوال ما أوقعها في المشقة أو أوقع الناس في مشقة من جرائها أخرجت من ذلك المسكن وجرَى على مكثها في المسكن الذي تنتقل إليه ما يجري عليها في مسكن مطلقها لأن المظِنة قد عارضتها مَئِنَّة.
ومن الحكم أيضاً في ذلك أن المطلقة قد لا تجد مسكناً لأن غالب النساء لم تكن لهن أموال وإنما هن عيال على الرجال فلما كانت المعتدة ممنوعة من التزوج كان إسكانها حقاً على مفارقها استصحاباً للحال حتى تحل للتزوج فتصير سكناها على من يتزوجها.
ويزاد في المطلقة الرجعية قصد استبقاء الصلة بينها وبين مطلقها لعلهُ أن يثوب إليه رشده فيراجعها فلا يحتاج في مراجعتها إلى إعادة التذاكر بينه وبينها أو بينه وبين أهلها.
فهذا مجموع علل فإذا تخلفت واحدة منها لم يتخلف الحكم لأن الحكم المعلل بعلتين فأكثر لا يبطله سقوط بعضها بخلاف العلة المركبة إذا تخلف جزء منها.
﴿ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ ﴾ .
الواو اعتراضية والجملة معترضة بين جملة ﴿ ولا يخرجن ﴾ ، وجملة ﴿ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ أريد بهذا الاعتراض المبادرة بالتنبيه إلى إقامة الأحكام المذكورة من أول السورة إقامةً لا تقصير فيها ولا خيرة لأحد في التسامح بها، وخاصة المطلَّقة والمطلِّق أن يحسبا أن ذلك من حقهما انفراداً أو اشتراكاً.
والإشارة إلى الجمل المتقدمة باعتبار معانيها بتأويل القضايا.
والحدودُ: جمع حد وهو ما يَحُد، أي يمنع من الاجتياز إلى ما ورائه للأماكن التي لا يحبون الاقتحام فيها إما مطلقاً مِثل حدود الحِمى وإما لوجوب تغيير الحالة مثل حدود الحَرم لمنع الصيد وحدود المواقيت للإحرام بالحج والعمرة.
والمعنى: أن هذه الأحكام مشابهة الحدود في المحافظة على ما تقتضيه في هذا.
ووجه الشبه إنما يراعى بما يسمح به عرف الكلام مثل قولهم: «النحو في الكلام كالملح في الطعام» فإن وجه التشبيه أنه لا يصلح الكلام بدونه وليس ذلك بمقتض أن يكون الكثير من النحو في الكلام مفسداً ككثرة الملح في الطعام.
ووقوع ﴿ حدود الله ﴾ خبراً عن اسم الإشارة الذي أشير به إلى أشياء معينة يجعل إضافة حدود إلى اسم الجلالة مراداً منها تشريف المضاف وتعظيمه.
والمعنى: وتلك مما حدّ الله فلا تفيد تعريف الجمع بالإضافة عموماً لصرف القرينة عن إفادة ذلك لظهور أن تلك الأشياء المعينة ليست جميع حدود الله.
﴿ الله وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ ﴾ .
عطف على جملة، ﴿ وتلك حدود الله ﴾ .
فهو تتميم وهو المقصود من التذييل وإذ قد كان حدود الله جمعاً معرفاً بالإضافة كان مفيداً للعموم إذ لا صارف عن إرادة العموم بخلاف إضافة حدود الله السابق.
والمعنى: من يتعد شيئاً من حدود الله فقد ظلم نفسه، وبهذا تعلم أن ليس في قوله: ﴿ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ﴾ إظهار في مقام الإضمار لاختلاف هذين المركبين بالعموم والخصوص وجيء بهذا الإطناب لتهويل أمر هذا التعدي.
وأُخبر عن متعديها بأنه ظلم نفسه للتخويف تحذيراً من تعدي هذه الحدود فإن ظلم النفس هو الجريرة عليها بما يعود بالإضرار وذلك منه ظلم لها في الدنيا بتعريض النفس لعواقب سيئة تنجر من مخالفة أحكام الدين لأن أحكامه صلاح للناس فمن فرط فيها فاتته المصالح المنطوية هي عليها.
قال: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطَهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ﴾ [المائدة: 6].
ومنه ظلم للنفس في الآخرة بتعريضها للعقاب المتوعد به على الإخلال بأحكام الدّين قال تعالى: ﴿ أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنتُ لمن الساخرين أو تقولَ لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾ [الزمر: 56 58] فإن للمؤمنين حظاً من هذا الوعيد بمقدار تفاوت ما بين الكفر ومجرد العصيان وجيء في هذا التحذير بمَن الشرطية لإفادة عموم كل من تعدى حدود الله فيدخل في ذلك الذين يتعدون أحكام الطلاق وأحكام العدة في هذا العموم.
﴿ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ .
هذه الجملة تعليل لجملة ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ وما ألحق بها مما هو إيضاح لها وتفصيل لأحوالها.
ولذلك جاءت مفصولة عن الجمل التي قبلها.
ويجوز كونها بَدلاً من جملة ﴿ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ﴾ بدل اشتمال لأن ظلم النفس بعضه حاصل في الدنيا وهو مشتمل على إضاعة مصالح النفس عنها.
وقد سلك في هذه الآية مسلك الترغيب في امتثال الأحكام المتقدمة بعد أن سلك في شأنها مسلك الترهيب من مخالفتها.
فمن مصالح الاعتداد ما في مدة الاعتداد من التوسيع على الزوجين في مهلة النظر في مصير شأنهما بعد الطلاق، فقد يتضح لهما أو لأحدهما متاعب وأضرار من انفصام عروة المعاشرة بينهما فَيعُّدّ ما أضجرهما من بعض خُلقهما شيئاً تافهاً بالنسبة لما لحقهما من أضرار الطلاق فيندم كلاهما أو أحدهما فيجدا من المدة ما يسع للسعي بينهما في إصلاح ذات بينهما.
والمقصود الإشارة إلى أهم ما في العدة من المصالح وهو ما يُحدثه الله من أمر بعد الطلاق وتنكير أمر للتنويع.
أي أمراً موصوفاً بصفة محذوفة، أي أمراً نافعاً لهما.
وهذا الأمر هو تقليب القلوب من بغض إلى محبة، ومن غضب إلى رضى، ومن إيثار تحمل المخالفة في الأخلاق مع المعاشرة على تحمل آلام الفراق وخاصة إذا كان بين المتفارقين أبناء، أو من ظهور حمل بالمطلقة بعد أن لم يكن لها أولاد فيلزُّ ظهوره أباه إلى مراجعة أمه المطلقة.
على أن في الاعتداد والإسكان مصالح أخرى كما علمته آنفاً.
والخطاب في قوله: ﴿ لا تدري ﴾ لغير معين جار على طريقة القصد بالخطاب إلى كل من يصلح للخطاب ويهمه أمر الشيء المخاطب به من كل من قَصر بصره إلى حالة الكراهية التي نشأ عليها الطلاق ولم يتدبر في عواقب الأمور ولا أحاط فِكرُه بصور الأحوال المختلفة المتقلبة كما قال تعالى: ﴿ فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ﴾ [النساء: 19].
ولعل كلمة ﴿ لا تدري ﴾ تجري مجرى المثل فلا يراد مما فيها من علامة الخطاب ولا من صيغة الإفراد إلا الجري على الغالب في الخطاب وهو مبني على توجيه الخطاب لغير معين.
و ﴿ لعل ﴾ ومعمولاها سادّة معلقة فعل ﴿ تدري ﴾ عن العمل.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الطَّلاقِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ الآيَةَ.
هَذا وإنْ كانَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ [فَهُوَ شامِلٌ لِأُمَّتِهِ فَرَوى قَتادَةُ عَنْ أنَسٍ قالَ: « (طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأتَتْ أهْلَها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ وقِيلَ لَهُ راجِعْها فَإنَّها قَوّامَةٌ صَوّامَةٌ، وهي مِن أزْواجِكَ في الجَنَّةِ)]» .
﴿ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ يَعْنِي في طُهْرٍ مِن غَيْرِ جِماعٍ، وهو طَلاقُ السُّنَّةِ.
وَفي اعْتِبارِ العَدَدِ في طَلاقِ السُّنَّةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُعْتَبَرٌ وأنَّ مِنَ السُّنَّةِ أنْ يُطَلِّقَ في كُلِّ قُرْءٍ واحِدَةً، فَإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا مَعًا في قُرْءٍ كانَ طَلاقَ بِدْعَةٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ ومالِكٍ رَحِمَهُما اللَّهُ.
الثّانِي: أنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وأنَّ السُّنَّةَ في زَمانِ الطَّلاقِ لا في عَدَدِهِ، فَإنْ طَلَّقَها ثَلاثًا في قُرْءٍ كانَ غَيْرَ بِدْعَةٍ، قالَهُ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ كانَ يَقْرَأُ: فَطَلِّقُوهُنَّ لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ» .
وإنْ طَلَّقَها حائِضًا أوْ طُهْرَ جِماعٍ كانَ بِدَعَةً، وهو واقِعٌ، وزَعَمَ طائِفَةٌ أنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ لِخِلافِ المَأْذُونِ فِيهِ فَأمّا طَلاقُ الحامِلِ وغَيْرِ المَدْخُولِ بِها والصَّغِيرَةِ واليائِسَةِ والمُخْتَلِعَةِ فَلا سُنَّةَ فِيهِ ولا بِدْعَةَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَأحْصُوا العِدَّةَ ﴾ يَعْنِي في المَدْخُولِ بِها، لِأنَّ غَيْرَ المَدْخُولِ بِها لا عِدَّةَ عَلَيْها ولَهُ أنْ يُراجِعَها فِيما دُونَ الثَّلاثِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، ويَكُونُ بَعْدَها كَأحَدِ الخُطّابِ، ولا تَحِلُّ لَهُ في الثَّلاثِ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ.
﴿ واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ﴾ يَعْنِي في نِسائِكُمُ المُطَلَّقاتِ.
﴿ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ ﴾ يَعْنِي في زَمانِ عِدَّتِهِنَّ، لِوُجُودِ السُّكْنى لَهُنَّ.
﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الفاحِشَةَ يَعْنِي الزِّنا، والإخْراجُ هو إخْراجُها لِإقامَةِ الحَدِّ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ البَذاءُ عَلى أحْمائِها، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ والشّافِعِيِّ.
الثّالِثُ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
الرّابِعُ: أنَّ الفاحِشَةَ خُرُوجُهُنَّ، ويَكُونُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ بِخُرُوجِهِنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي وهَذِهِ حُدُودُ اللَّهِ، وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي طاعَةَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: سُنَّةُ اللَّهِ وأمْرُهُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: شُرُوطُ اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَن لَمْ يَرْضَ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: مَن خالَفَها، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ في عَدَمِ الرِّضا، بِاكْتِسابِ المَأْثَمِ.
الثّانِي: في وُقُوعِ الطَّلاقِ في غَيْرِ الطُّهْرِ لِلشُّهُورِ لِتَطْوِيلِ هَذِهِ العِدَّةِ والإضْرارِ بِالزَّوْجَةِ.
﴿ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ يَعْنِي رَجْعَةً، في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ إنْ طَلَّقَ دُونَ الثَّلاثِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ فقيل له: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها من أزواجك في الجنة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين في قوله: ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ قال: في حفصة بنت عمر طلقها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة فنزلت ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ إلى قوله: ﴿ يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ قال: فراجعها.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: «طلق عبد بن يزيد أبو ركانة أم ركانة ثم نكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ما يغني عني إلا ما تغني هذه الشعرة- لشعرة أخذتها من رأسها- فأخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم حمية عند ذلك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: أترون كذا من كذا؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد: طلقها ففعل، فقال لأبي ركانة: ارتجعها فقال: يا رسول الله إني طلقتها.
قال: قد علمت ذلك فارتجعها» ، فنزلت ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: الذهبي إسناده واهٍ، والخبر خطأ، فإن عبد يزيد لم يدرك الإِسلام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: بلغنا في قوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ إنها نزلت في عبد الله بن عمرو بن العاص وطفيل بن الحارث وعمرو بن سعيد بن العاص.
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الزبير «عن ابن عمر أنه طلق امرأته، وهي حائض، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق عمر، فذكر ذلك له فقال: مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم يطلقها إن بدا له» ، فأنزل الله عند ذلك «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن» قال أبو الزبير: هكذا سمعت ابن عمر يقرأها.
وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق في المصنف وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في سننه «عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فطلقوهن في قبل عدتهن ﴾ .
وأخرج ابن الأنباري عن ابن عمر أنه قرأ ﴿ فطلقوهن لقبل عدتهن ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿ فطلقوهن لقبل عدتهن ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: طاهراً من غير جماع.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: في الطهر في غير جماع.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: الطهر في غير جماع.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي وابن مردويه عن ابن مسعود قال: من أراد أن يطلق للسنة كما أمره الله فليطلقها طاهراً في غير جماع.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: طاهراً من غير جماع.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي موسى رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقل أحدكم لامرأته قد طلقتك، قد راجعتك، ليس هذا بطلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل طهرها» .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: طهرهن، وفي لفظ قال: طاهراً في غير جماع.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: العدة أن يطلقها طاهراً من غير جماع، فأما الرجل يخالط امرأته، حتى إذا أقلع عنها طلقها عند ذلك فلا يدري أحاملاً هي أم غير حامل، فإن ذلك لا يصلح.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن مجاهد رضي الله عنه قال: سأل ابن عباس يوماً رجل فقال: يا أبا عباس إني طلقت امرأتي ثلاثاً، فقال ابن عباس: عصيت ربك وحرمت عليك امرأتك ولم تتق الله ليجعل لك مخرجاً، يطلق أحدكم، ثم يقول: يا أبا عباس، قال الله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن ﴾ وهكذا كان ابن عباس يقرأ هذا الحرف.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض، وإن كانت لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، وإذا أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد على ذلك رجلين، كما قال الله: ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ عند الطلاق وعند المراجعة، فإن راجعها فهي عنده على تطليقتين، وإن لم يراجعها فإذا انقضت عدتها فقد بانت منه واحدة وهي أملك بنفسها، ثم تتزوّج من شاءت هو أو غيره.
وأخرج عبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: طلاق العدة أن يطلق الرجل امرأته وهي طاهر، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، أو يراجعها إن شاء.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي وابن مردويه عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة قال: عصيت ربك، من يتق الله يجعل له مخرجاً ثم تلا ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ وأحصوا العدة ﴾ .
أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ وأحصوا العدة ﴾ قال: الطلاق طاهراً في غير جماع.
أخرج عبد بن حميد عن الشعبي رضي الله عنه أن شريحاً طلق امرأته واحدة، ثم سكت عنها حتى انقضت العدة، ثم أتاها فاستأذن، ففزعت فدخل، فقال: «إني أردت أن يطاع الله ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ﴾ ولا يخرجن» .
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه أن شريحاً، طلق امرأته وأشهد، وقال للشاهدين: اكتما عليَّ فكتما عليه حتى انقضت العدة ثم أخبرها، فنقلت متاعها، فقال شريح: إني كرهت أن تأثم.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنه قال: المطلقة والمتوفى عنها زوجها يخرجان بالنهار ولا يبيتان ليلة تامة عن بيوتهما.
وأخرج عبد بن حميد عن عامر رضي الله عنه قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثاً فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها، فاعتدّت عند عمها عمرو ابن أم مكتوم.
وأخرج عبد بن حميد عن سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث تطليقات، فزعمت أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروجها من بيتها، فأمرها أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم؛ الأعمى، فأبى مروان أن يصدق فاطمة في خروج المطلقة من بيتها، وقال عروة: إن عائشة رضي الله عنها أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس.
وأخرج ابن مردويه عن أبي إسحاق قال: كنت جالساً مع الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي فحدث بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود كفاً من حصى فحصبه ثم قال: ويلك تحدث بمثل هذا؟
قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت له السكنى والنفقة، قال الله: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة «أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع عليّ إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت مع طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فاستقلتها فقالا لها: والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملاً، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت له أمرها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لا نفقة لك فاستأذنيه في الانتقال: فأذن لها، فأرسل إليها مروان يسألها عن ذلك فحدثته فقال مروان: لم أسمع بهذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله عز وجل: ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ حتى بلغ ﴿ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث، فكيف يقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً، فعلام تحبسونها، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض، وإن كانت لا تحيض، فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، وإن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد على ذلك رجلين كما قال الله: ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ عند الطلاق وعند المراجعة فإن راجعها فهي عنده على طلقتين أو إن لم يراجعها فإذا انقضت عدتها فقد بانت عدتها منه بواحدة، وهي أملك لنفسها، ثم تتزوّج من شاءت هو أو غيره» .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الطلاق على أربعة منازل: منزلان حلال، ومنزلان حرام، فأما الحرام فأن يطلقها حين يجامعها ولا يدري اشتمل الرحم على شيء أو لا، وأن يطلقها وهي حائض، وأما الحلال فأن يطلقها لأقرائها طاهراً عن غير جماع وأن يطلقها مستبيناً حملها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: خروجها قبل انقضاء العدة من بيتها الفاحشة المبينة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: الزنا.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن والشعبي مثله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: إلا أن يزنين.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: كان ذلك قبل أن تنزل الحدود، وكانت المرأة إذا أتت بفاحشة أخرجت.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: إلا أن تصيب حداً فتخرج، فيقام عليها.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: الفاحشة المبينة أن تبذو المرأة على أهل الرجل، فإذا بذت عليهم بلسانها فقد حل لهم إخراجها.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد رضي الله عنه ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: لو كان الزنا كما تقولون أخرجت فرجمت، كان ابن عباس يقول: ﴿ إلا أن يفحشن ﴾ قال: وهو النشوز.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: الفاحشة المبينة السوء في الخلق.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: يفحش لو زنت رجمت.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ بفاحشة مبينة ﴾ قال: هو النشوز، وفي حرف ابن مسعود ﴿ إلا أن يفحشن ﴾ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ بفاحشة مبينة ﴾ قال: هو النشوز.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ قال: إن بدا له أن يُراجعها راجعها في بيتها هو أبعد من قذر الأخلاق وأطوع لله أن تلزم بيتها.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون أن يطلقها واحدة ثم يدعها حتى يحل أجلها، وكانوا يقولون: ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ لعله أن يرغب فيها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها في قوله: ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ قالت: هي الرجعة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون أن يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، لأنه لا يدري لعله ينكحها، قال: وكانوا يتأولون هذه الآية ﴿ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ لعله يرغب فيها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن فاطمة بنت قيس في قوله: ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ لعله يرغب في رجعتها.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك والشعبي رضي الله عنه مثله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء قال: النكاح بالشهود والطلاق بالشهود والمراجعة بالشهود.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين رضي الله عنه أن رجلاً سأل عمران ابن حصين عن رجل طلق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد، قال: بئسما صنع، طلع في بدعة، وارتجع في غير سنة، فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته، وليستغفر الله.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن منصور وعبد بن حميد عن إبراهيم النخعي قال: العدل في المسلمين من لم تظهر منه ريبة.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ وأقيموا الشهادة لله ﴾ قال: إذا أشهدتم على شيء فأقيموه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال: «لا تشهد إلا على مثل الشمس أو دع» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشهد على شهادة حتى تكون عندك أضوأ من الشمس» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من كانت عنده شهادة لا يعلمها فتعجلها قبل أن يسألها» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ قال: مخرجه أن يعلم أنه قبل أمر الله، وأن الله هو الذي يعطيه وهو يمنعه، وهو يبتليه، وهو يعافيه، وهو يدفع عنه، وفي قوله: ﴿ ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ قال: يقول: من حيث لا يدري.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان عن مسروق مثله.
وأخرج عبد بن حميد وأبو نعيم في الحلية عن قتادة ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ قال: من شبهات الدنيا والكرب عند الموت وإفزاع يوم القيامة، فالزموا تقوى الله فإن منها الرزق من الله في الدنيا والثواب في الآخرة، قال الله: ﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ﴾ [ إبراهيم: 7] وقال: هاهنا ﴿ ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ قال: من حيث لا يؤمل ولا يرجو.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ قال: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة.
وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم والديلمي من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ومن يتق الله يجعله له مخرجاً ﴾ قال: من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة» .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر «عن عبادة بن الصامت قال: طلق بعض آبائي امرأته ألفاً فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله: إن أبانا طلق أمنا ألفاً فهل له من مخرج؟
فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجاً، بانت منه بثلاث على غير السنة والباقي أثم في عنقه» .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر قال: «نزلت هذه الآية ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ في رجل من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد كثير العيال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: اتق الله واصبر فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء ابن له يقال له أبو نعيم كان العدو أصابوه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله غيره وأخبره خبرها فنزلت ﴿ ومن يتق الله ﴾ الآية» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سالم بن أبي الجعد قال: «نزلت هذه الآية ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ في رجل من أشجع أصابه جهد وبلاء وكان العدو أسروا ابنه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اتق الله واصبرفرجع ابن له كان أسيراً قد فكه الله، فأتاهم وقد أصاب أعنزاً، فجاء فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي لك» .
وأخرج الخطيب في تاريخه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: « ﴿ ومن يتق الله يجعل له ﴾ الآية، قال: نزلت هذه الآية في ابن لعوف بن مالك الأشجعي، وكان المشركون أسروه وأوثقوه وأجاعوه، فكتب إلى أبيه أن ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلمه ما أنا فيه من الضيق والشدة، فلما أخبر رسول صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب إليه وأخبره ومره بالتقوى والتوكل على الله، وأن يقول عند صباحه ومسائه ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ [ التوبة: 128] ﴿ فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ﴾ [ التوبة: 129] فلما ورد عليه الكتاب قرأه فأطلق الله وثاقه، فمر بواديهم التي ترعى فيه إبلهم وغنمهم فاستاقها فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله: إني اغتلتهم بعد ما أطلق الله وثاقي فحلال هي أم حرام؟
قال: بل هي حلال إذا شئنا خمسنا» ، فأنزل الله: ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب من يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء ﴾ من الشدة والرخاء ﴿ قدراً ﴾ يعني أجلاً.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من قرأ هذه الآية عند سلطان يخاف غشمه، أو عند موج يخاف الغرق، أوعند سبع لم يضره شيء من ذلك.
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: «جاء عوف بن مالك الأشجعي فقال يا رسول الله: إن ابني أسره العدوّ وجزعت أمه فما تأمرني؟
قال: آمرك وإياها أن تستكثر من لا حول ولا قوة إلا بال فقالت المرأة: نعم ما أمرك، فجعلا يكثران منها فتغفل عنه العدو فاستاق غنمهم فجاء بها إلى أبيه، فنزلت ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ الآية» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق مولى أبي قيس بن مخرمة قال: «جاء مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أسر ابن عوف، فقال له: ارسل إليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه، فخرج فإذا هو بناقتة لهم، فركبها فأقبل، فإذا بسرح للقوم الذين كانوا أسروه، فصاح بها فأتبع آخرها أولها فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فأتى أبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فنزلت ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ الآية» .
وأخرج عبد بن حميد والحاكم وابن مردويه عن أبي عيينة والبيهقي في الدلائل عنه عن ابن مسعود قال: «أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه عوف بن مالك فقال: يا رسول الله إن بني فلان أغاروا عليّ فذهبوا بابني، وبكى فقال: اسأل الله، فرجع إلى امرأته، فقالت له: ما رد عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فأخبرها، فلم يلبث الرجل أن رد الله إبله وابنه أوفر ما كان، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وأمرهم بمسئلة الله والرغبة له، وقرأ عليهم ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في قوله: ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ قال: يكفيه غم الدنيا وهمها.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال: «جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ فجعل يرددها حتى نعست، ثم قال: يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس اتخذوا تقوى الله تجارة يأتكم الرزق بلا بضاعة ولا تجارة، ثم قرأ ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ » .
وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجة عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا لدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» وأخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال: قال رسول الله: «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب» .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والخطيب عن عمران بن بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها» .
وأخرج البخاري في تاريخه عن إسماعيل البجي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لئن انتهيتم عندما تؤمرون لتأكلن غير زارعين» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن بالمنذر عن الربيع بن خيثم رضي الله عنه ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ قال: من كل شيء ضاق على الناس.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ قال: نجاة.
وأخرج أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله قال له: «أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن ولا تسألن أحداً شيئاً، ولا تقبض أمانة، ولا تقض بين اثنين» .
وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإِسلام، وعليك بذكر الله، وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض» .
وأخرج ابن سعد وأحمد عن ضرغام بن عليبة بن حرملة العنبري عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله: أوصني قال: اتق الله، وإذا كنت في مجلس فقمت منه فسمعتهم يقولون ما يعجبك فائته، فإذا سمعتهم يقولون ما تكره فاتركه» .
وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: وجدت في كتاب من كتب الله المنزلة أن الله عز وجل يقول: إني مع عبدي المؤمن حين يطيعني أعطيه قبل أن يسألني، واستجيب له قبل أن يدعوني، وما ترددت في شيء ترددي عن قبض عبدي المؤمن إنه يكره ذلك ويسوءه وأنا أكره أن أسوءه، وليس له منه بد، وما عندي خير له، إن عبدي إذا أطاعني واتبع أمري فلو أجلبت عليه السموات السبع ومن فيهن والأرضون السبع بمن فيهن جعلت له من بين ذلك المخرج، وإنه إذا عصاني ولم يتبع أمري قطعت يديه من أسباب السماء وخسفت به الأرض من تحت قدميه، وتركته في الأهواء لا ينتصر من شيء، إن سلطان الأرض موضوع خامد عندي كما يضع أحدكم سلاحه عنه، لا يقطع سيف إلا بيد، ولا يضرب سوط إلا بيد، لا يصل من ذلك إلى شيء إلا بإذني.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: كتب زياد إلى الحكم بن عمرو الغفاري وهو على خراسان أن أمير المؤمنين كتب إليّ أن يصطفى له الصفراء والبيضاء، فلا يقسم بين الناس ذهب ولا فضة، فكتب إليه: بلغني كتابك وإني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو أن السموات والأرض كانتا رتقاً على عبده ثم اتقى الله جعل له مخرجاً والسلام عليك، ثم قال: أيها الناس اغدوا على مالكم، فقسمه بينهم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة أن عائشة رضي الله عنها كتبت إلى معاوية: أوصيك بتقوى الله، فإنك إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئاً.
وأخرج ابن حبان في الضعفاء والبيهقي في شعب الإِيمان والعسكري في الأمثال عن عليّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما تكون الصنيعة إلى ذي دين أو حسب، وجهاد الضعفاء الحج، وجهاد المرأة حسن التبعل لزوجها، والتودد نصف الإِيمان، وما عال امرؤ على اقتصاد، واستنزلوا الرزق بالصدقة، وأبى الله أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين إلا من حيث لا يحتسبون» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قي قوله: ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ قال: ليس المتوكل الذي يقول تقضي حاجتي، وليس كل من توكل على الله كفاه ما أهمه، ودفع عنه ما يكره، وقضى حاجته، ولكن الله جعل فضل من توكل على من لم يتوكل أن يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً، وفي قوله: ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدراً ﴾ قال: يعني أجلاً ومنتهى ينتهي إليه.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً» .
وأخرج ابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رضي وقنع وتوكل كفي الطلب» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله» .
وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاع أو احتاج فكتمه الناس وأفضى به إلى الله كان حقاً على الله أن يفتح له قوت سنة من حلال» .
وأخرج أحمد في الزهد عن وهب رضي الله عنه قال: يقول الله تبارك وتعالى: إذا توكل عليّ عبدي لو كادته السموات والأرض جعلت له من بين ذلك المخرج.
وأخرج عبد الله ابنه في زوائد الزهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوحى الله إلى عيسى اجعلني من نفسك لهمك، واجعلني ذخراً لمعادك، وتوكل عليَّ أكفك، ولا تول غيري فأخذذلك.
وأخرج أحمد في الزهد عن عمار بن ياسر قال: كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلاً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ الآية.
روى قتادة عن أنس أن رسول الله - - طلق حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله هذه الآية.
وقيل له راجعها فإنها صوامة قوامة (١) وعلى هذا إنما نزلت بسبب خروجها إلى أهلها لما طلقها النبي - - فأنزل الله في هذه الآية: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ﴾ ، ونحو هذا ذكر الكلبي في سبب نزول هذه الآية، قال: غضب رسول الله - - على حفصة لما أسر إليها حديثًا فأظهرته (٢) (٣) قال السدي: نزلت في عبد الله بن عمر لما طلق امرأته حائضًا (٤) والقصة في ذلك مشهورة (٥) (٦) (٧) (٨) وفي قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ﴾ وجهان: أحدهما: أنه نادى النبي - - ثم خاطب أمته؛ لأنه السيد المقدم، فإذا نودي وخوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب.
قال أبو إسحاق: هذا خطاب النبي - -، والمؤمنون داخلون معه في الخطاب (٩) الوجه الثاني: أن المعنى يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم النساء.
فأضمر القول (١٠) وقوله: ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ ﴾ معناه: إذا أردتم التطليق، كقوله: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ و ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ﴾ ، وقد مر.
قوله تعالى: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ قال عبد الله: إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فليطلقها طاهرًا من غير جماع (١١) (١٢) (١٣) ﴿ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أي: لزمان عدتهن وهو الطهر بإجماع من الأمة (١٤) (١٥) قال لعمر: "مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا من غير جماع" (١٦) وذكرنا أيضًا عن جماعة المفسرين أنهم قالوا: الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع.
وروي عن الشعبي أنه قال: إذا طلقها وهي طاهرة فقد طلقها للسنة، وإن كان قد جامعها (١٧) (١٨) والمعنى فيه أنه إذا جامعها لم يؤمن أن تكون قد حملت من هذا الجماع، فإذا طلقها وبانت حاملًا ربما يندم الزوج على الطلاق لمكان الولد.
وهذا كله إنما يتصور في البالغة المدخول بها غير الآيسة ولا الحامل، فأما الصغيرة، وغير (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وروي عن علي- - أنه قال: "لا يطلق رجل طلاق السنة فيندم" (٢٤) -، حتى أنه لو (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ وهذا اللفظ للأمر (٢٨) قال صاحب النظم: قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ صفة للطلاق كيف يكون، وهذه اللام تجيء لمعانٍ مختلفة: للإضافة وهي أصلها، ولبيان السبب والعلة كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ ﴾ ، وكقوله: قمت لأضرب زيدًا.
ثبتت اللام بسبب الإطعام والضرب.
وإذا كانت اللام بهذا المعنى سميت لام أجل.
وتكون بمنزلة عند مثل قوله: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ أي: عنده، وتكون بمنزلة في مثل قوله: ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ﴾ أي: في أول الحشر.
وهي في هذه الآية بهذا المعنى؛ لأن المعنى ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ (٢٩) (٣٠) (٣١) وهم كتموني سرهم حين أزمعوا ...
وقالوا أتعدنا للرواح وبكروا والمعنى: أتعدنا للسير في الرواح، قال: وفي قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ وفي إجماع الناس في (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ معناه لقُبُل عدتهن وهي (٣٥) - وابن عباس (٣٦) وقبل عدتهن آخر الطهر، إقبال الحيض الذي هو زمان العدة، قيل: هذا لا يصح؛ لأنه لو كان الأمر على هذا لزم أن يقال: إن من طلق في أول الطهر لا يكون مطلقًا للعدة ولا لقبل العدة؛ لأن الحيض لم يقبل بعد لإقبال الطهر في هذا الوقت، ويستحيل أن يكون الطهر والحيض مقبلين معًا في وقت واحد؛ لأن الشيء إذا كان له إقبال وإدبار وإذا انقضى إقباله ودخل إدباره لا يكون ضده مقبلًا في إدباره إلا بعد إنقضاء آخر إدباره، ولو جاز أن يكون إقبال شيء في إدبار غيره الذي هو ضده لكان الصائم مفطرًا قبل مغيب الشمس، إذ الليل عنده مقبل في إدبار النهار وقبل انقضاء إدبار النهار.
وهذا ما لا يقوله أحد، وقوله- -: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا ..
" (٣٧) -: "صوموا لرؤيته ..
" (٣٨) فإن قيل: إذا طلق في آخره (٣٩) ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ يعني شوالًا وذا القعدة وبعض ذي الحجة، وكذلك قوله: ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ ﴾ وهو ينفر في بعض اليوم (٤٠) (٤١) قوله تعالى ﴿ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ﴾ ، قال أصحابنا إنما أمرنا بإحصاء العدة لفوائد منها: أن يوزع الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثًا وهو أحسن من جمعها في قرء واحد؛ لأنه ربما يندم، وإذا فرق أمكنه المراجعة قبل إيقاع الثلاث، ومنها أيضًا مراعاة النفقة والسكنى والعلم ببقاء زمان المراجعة وانقضائه وغير ذلك.
قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ ﴾ .
قال مقاتل: اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم (٤٢) قوله تعالى: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ﴾ لا يجوز للزوج أن يخرج المطلقة المعتدة من مسكنه الذي يساكنها فيه قبل الطلاق، إن كان ملكًا له أو بكراء في يديه، وإن كان عارية فارتجعت كان على الزوج أن يكتري لها منزلاً، وعلى المرأة حق لله ألا تخرج (٤٣) (٤٤) قوله: ﴿ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: هو أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها (٤٥) (٤٦) وقال ابن عمر: الفاحشة خروجها قبل انقضاء العدة (٤٧) (٤٨) وقال مقاتل: الفاحشة المبينة هي العصيان البين، وهو النشوز (٤٩) (٥٠) (٥١) وقال مقسم: أي إذا عصتك أو آذتك، فهي إذا زنت أو نشزت أو خرجت في عدتها كان للزوج إخراجها من البيت وانقطعت سكناها (٥٢) قوله: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ ﴾ يعني ما ذكر من طلاق السنة وما بعده من الأحكام (٥٣) قال مقاتل والضحاك: وتلك طاعة الله وسنته وأمره (٥٤) ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ ﴾ قال أبو إسحاق: هذا تشديد فيمن تعدى طلاق السنة (٥٥) (٥٦) ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ .
قال ابن عباس: أثم (٥٧) وقوله: ﴿ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ قال ابن عباس: يريد الندم على طلاقها والمحبة لرجعتها (٥٨) وقال مقاتل: ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعد التطليقة والتطليقتين (٥٩) ﴿ أَمْرًا ﴾ يعني: المراجعة.
وقال الشعبي: لا تدري لعلك تندم فيكون لك سبيل إلى المراجعة (٦٠) وقال الضحاك: لعله أن يراجعها في العدة (٦١) ﴿ لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ وهو الندم على الطلاق، وإرادة المراجعة، وذلك إنما ينفع إذا لم يجمع الطلقات.
قال أبو إسحاق: وإذا طلقها ثلاثًا (٦٢) ﴿ لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ (٦٣) (١) أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، انظر: "جامع البيان" 28/ 85، و"أسباب النزول" للواحدي ص 501، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 377، وفي "مجمع الزوائد" 9/ 245، قال: أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٢) في (س): (فأظهرت).
(٣) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 29.
(٤) انظر: "الكشف والبيان" 12/ 138 ب، و"أسباب النزول" للواحدي ص 501.
(٥) قصة تطليق ابن عمر ما لامرأته وهي حائض مشهورة، رواها البخاري في "صحيحه"، كتاب: الطلاق 7/ 52، ومسلم في كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها 2/ 1093، وأبو داود في "سننه"، كتاب: الطلاق، باب: في طلاق السنة 2/ 411، وغيرهم.
(٦) عمرو بن سعيد بن العاص، المعروف بالأشدق، تابعي، ولى إمرة المدينة لمعاوية، ولابنه، قتله عبد الملك سنة سبعين صبرًا.
انظر: "العبر" 1/ 57، و"تقريب التهذيب" 2/ 70، و"طبقات ابن سعد" 5/ 237، و"تاريخ الإسلام" 4/ 202، و"سير أعلام النبلاء" 3/ 449.
(٧) عتبة بن غزوان المازني، أحد السابقين الأولين، يقال أسلم سابع سبعة، وهو الذي اختط البصرة، توفي سنة سبع عشرة في طريقه إلى البصرة، وهو ابن سبع وخمسين .
انظر: "صفة الصفوة" 1/ 387، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 304، و"طبقات ابن سعد" 3/ 98، و"الإصابة" 6/ 379، و"تاريخ الإسلام" 2/ 152.
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 29، و"روح المعاني" 28/ 132.
قال ابن العربي: والأصح فيه أنه بيان لشرع مبتدأ.
انظر: "أحكام القرآن" 4/ 1811، و"البحر المحيط" 8/ 281.
وقال القرطبي: إن الأصح أنها نزلت ابتداء لبيان حكم شرعي، وكل ما ذكر من أسباب النزول لها لم يصح، و"الجامع" 18/ 148.
(٩) انظر: "معاني القرآن" 5/ 183.
(١٠) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 29، و"فتح الباري" 9/ 346.
(١١) أخرجه ابن جرير في "جامعه" 28/ 83، والنسائي في "سننه" كتاب: الطلاق، باب: طلاق السنة 2/ 715، وابن ماجه في الطلاق، باب طلاق السنة 1/ 651.
(١٢) (س): قوله (والضحاك) و (ابن سيرين، ومقاتل، والجميع) زيادة.
(١٣) انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"جامع البيان" 28/ 84، و"تفسير ابن كثير" 4/ 378.
(١٤) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 452، و"المغني" 10/ 325، حيث قال: ولا خلاف في أنه إذا طلقها في طهر لم يصبها فيه، ثم تركها حتى تنقي عدتها أنه مصيب للسنة.
(١٥) قوله: (فالآية دلت على إيقاع الطلاق) في (س) بدلاً منها (دلت على ذلك الآيتين) والصواب ما أثبته.
(١٦) أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة الطلاق 6/ 193، ومسلم في كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض 2/ 1095، وأبو داود في باب: طلاق السنة 2/ 410، وأحمد في "المسند" 2/ 46، 58.
(١٧) قال الجصاص: وهذا القول خلاف السنة الثابتة عن النبي - - وخلاف إجماع الأمة، إلا أنه قد روي عنه ما يدل على أنه أراد الحامل، وهو ما رواه يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح عن بيان عن الشعبي قال: إذا طلقها حاملًا فقد طلقها للسنة، وإن كان قد جامعها، فيشبه أن يكون هذا أصل الحديث، وأغفل بعض الرواة ذكر الحامل.
"أحكام القرآن" 3/ 452.
(١٨) انظر: "المغني" 10/ 326، و"الحاوي الكبير" 10/ 114.
(١٩) (غير) ساقطة من (ك).
(٢٠) قوله: (ولا الحامل، فأما الصغيرة وغير المدخول بها والآيسة والحامل فلا سنة في) ساقطة من (س) وذكر بدلاً منها قوله: (والآيسة كالصغيرة وغير المدخول بها، والآيسة وغيرها في ذلك).
(٢١) انظر: "المغني" 11/ 194، و"المحلى" 10/ 256، و"مجموع الفتاوى" 33/ 7، و"المجموع شرح المهذب" 17/ 154، 156.
(٢٢) في (ك): (فهو أربع).
(٢٣) وهو قول عامة أهل العلم.
قال ابن المنذر، وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال.
"المغني" 10/ 327.
قلت: وما ذكراه وهم منهما رحمهما الله، فقد خالف في ذلك طاوس، وعكرمة، وخلاس وعمر، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطأة، وأهل الظاهر، كداود، وأصحابه، وطائفة من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد.
وهو المرجح عند ابن تيمية.
انظر: "مجموع الفتاوى" 33/ 72، 101، و"المحلى" 10/ 161.
(٢٤) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" كتاب الخلع والطلاق، باب ما جاء في طلاق السنة وطلاق البدعة 7/ 323، وابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب: الطلاق، باب: ما قالوا في طلاق السنة ومتى يطلق 5/ 2.
(٢٥) في (س): قوله (لو) زيادة.
(٢٦) في (س): (ابدع)، وانظر: "الأم" 5/ 162، و"الحاوي الكبير" 10/ 117، و"المغني" 10/ 330.
(٢٧) انظر: "شرح فتح القدير" 3/ 466 - 467، و"الحاوي الكبير" 10/ 118، و"المغني" 11/ 336.
(٢٨) في (س): (للأمر) زيادة.
(٢٩) في (س): (في عدتهن).
(٣٠) انظر: "التفسير الكبير" 30/ 30.
(٣١) لم أجده.
(٣٢) قال ابن قدامة: (أجمع العلماء في جميع الأمصار وكل الأعصار على تحريمه، ويسمى طلاق الدعة ...) "المغني" 10/ 324.
(٣٣) في قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ .
(٣٤) وهو قول أهل الحجاز، وعائشة، وابن عمر، زيد بن ثابت، والزهري، والشافعي، وقال أهل الكوفة وعمر، وعلي، وابن مسعود وغيرهم، الأقراء: الحيض.
انظر: "المغني" 11/ 199 - 200، و"أحكام القرآن" للجصاص 1/ 364، و"أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 184، و"الجامع لأحكام القرآن" 3/ 113.
(٣٥) في (س): (وهو).
(٣٦) ذكر هذه القراءة ابن جرير، وعبد الرزاق، ونسبت لابن عباس، ونسبها الزمخشري للنبي- - ونسبها أبو حيان لجماعة من الصحابة والتابعين.
انظر: "تقسير عبد الرزاق" 2/ 336، و"جامع البيان" 28/ 84، و"الكشاف" 4/ 107، و"البحر المحيط" 8/ 281، وقال أبو حيان: هو على سبيل التفسير لا على أنه قرآن، لخلافه لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون شرقًا وغربًا.
وقال النووي: هذه قراءة ابن عباس، وابن عمر.
وهي شاذة لا تثبت قرآنًا بالإجماع ولا يكون لها حكم خبر الواحد عندنا، وعند محققي الأصوليين، والله أعلم.
"شرح النووي على صحيح مسلم" 10/ 69.
قلت: ونسبة هذه القراءة للنبي- - كما ذكر المؤلف والزمخشري تجاوز وعدم تحقيق، إذ القراءات جميعها لا تثبت إلا عن طريقه - - فنسبتها إليه يخرج غيرها وهذا مخالف للعقل والنقل، فنسبتها إلى غيره من الصحابة والتابعين هو الصواب، ثم ينظر في ثبوتها من عدمه، والله أعلم.
وقال ابن حزم: وهذا مما قرئ ثم رفعت لفظة (في قُبُلِ) وأنزل الله تعالى: ﴿ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ وهكذا رويناه من طريق الدبري ...
وهذا إسناد في غاية الصحة لا يحتمل التوجيهات.
"المحلى" 10/ 166.
(٣٧) حديث متفق عليه، رواه البخاري في كتاب: الصوم، باب: يفطر بما تيسر من الماء أو غيره 3/ 47 ومسلم في كتاب: الصيام، باب: وقت انقضاء الصوم وخروج النهار 2/ 772.
(٣٨) متفق عليه، رواه البخاري في كتاب: الصوم، باب: قول النبي - -: "إذا رأيتم الهلال فصوموا" 3/ 34، ومسلم في كتاب: الصوم، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال 2/ 759، وأخرجه الترمذي في أبواب الصوم، باب ما جاء: لا تقدموا الشهر بصوم 3/ 68، والنسائي في كتاب: الصيام، باب: ذكر الاختلاف على الزهري في هذا الحديث 2/ 459.
(٣٩) في (س): (آخر النهار) والصواب ما أثبته.
(٤٠) في (س): (اليوم) زيادة.
(٤١) انتهى كلام الجرجاني، ولم أجد من ذكره بكامله عنه غير المؤلف وهو كلام نفيس ظاهر الدلالة والمعنى.
انظر: "التفسير الكبير" 30/ 30.
(٤٢) انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 32.
(٤٣) قوله: (المرأة حق الله ألا تخرج) في (س): (المرأة أيضًا لحق الله أن لا تخرج).
(٤٤) انظر: "المجموع" 18/ 175.
(٤٥) أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن عطاء الخراساني قال: كان ذلك قبل أن تنزل الحدود، وكانت المرأة إذا أتت بفاحشة أخرجت ولم يذكرا ابن عباس في هذا الأثر.
انظر: "الدر" 6/ 231.
(٤٦) في (س): (وعكرمة والشعبي ومجاهد) زيادة.
وانظر: "الكشف والبيان" 12/ 139 ب، و"زاد المسير" 8/ 289، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 378.
(٤٧) انظر: "جامع البيان" 28/ 87، و"الكشف والبيان" 12/ 139 ب، و"المستدرك " 2/ 491.
(٤٨) في (س): (وروى ذلك عن الشعبي) زيادة.
وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 357، و"زاد المسير" 8/ 289، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا.
والمراد بأهلها، أي: أهل زوجها؛ لأنها أصبحت منهم.
وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 88.
(٤٩) انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 32.
(٥٠) انظر: "جامع البيان" 28/ 86، و"الكشف والبيان" 12/ 140 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 357.
قال ابن قدامة: وهي أن تطيل لسانها على أحمائها وتؤذيهم بالسب ونحوه.
روى ذلك عن ابن عباس، وهو قول الأكثرين.
قلت: نسب الثعلبي والواحدي القول بأن الفاحشة المبينة هي الزنا للأكثرين، ونسب ابن قدامة القول بأنها إيذاء القرابة بـ"اللسان" للأكثرين أيضًا، ونسب القول الأول لابن مسعود، والحسن، قم قال: ولنا أن الآية تقتضي الإخراج عن السكنى، وهذا لا يتحقق فيما قالاه.
انظر: "المغني" 11/ 293.
قلت: ولعل مراده بالأكثرين من الفقهاء، ومراد غيره الأكثرين من المفسرين، والله أعلم.
وذكر ابن كثير: شمول الآية للمعنيين، وهو الظاهر، إلا أن خروجها للزنا الذي صدر عنها إنما هو إخراج لإقامة الحد، ولا تنقضي به العدة فحسب، بل تنقضي به الحياة.
انظر: "تفسير ابن كثير" 4/ 378.
(٥١) لم أجده، وهو داخل في الأقوال السابقة.
(٥٢) لم أجده، ولعله لا يخرج عن الأقوال السابقة.
(٥٣) وهو اختيار ابن جرير والجصاص وغيرهما.
انظر: "جامع البيان" 28/ 87، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 454.
(٥٤) انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"جامع البيان" 28/ 87.
(٥٥) انظر: "معاني القرآن" 5/ 184.
(٥٦) انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 33.
(٥٧) والذي ذكر عنه قوله (ضر نفسه).
انظر: "تنوير المقباس" 6/ 89، و"التفسير الكبير" 30/ 33.
(٥٨) انظر: "تنوير المقباس" 6/ 89، و"معالم التنزيل" 4/ 357.
(٥٩) انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 357.
(٦٠) انظر: "الدر" 6/ 232، وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد عن الضحاك والشعبي.
(٦١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 498، و"جامع البيان" 28/ 87، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 378، وهو المروي عن عطاء، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والثوري.
(٦٢) في (س): (ثلاثًا) زيادة.
(٦٣) انظر: "معاني القرآن" 5/ 183.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء ﴾ إن قيل: لم نودي النبي صلى الله عليه وسلم وحده ثم جاء بعد ذلك خطاب الجماعة؟
فالجواب: أنه لما كان حكم الطلاق يشترك فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، قيل: إن طلقتم خطاباً له ولهم، وخُصَّ هو عليه الصلاة والسلام بالنداء تعظيماً له، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا، أي: افعل أنت وقومك، ولأنه عليه الصلاة والسلام هو المبلغ لأمته، فكأنه قال: يا أيها النبي إذا طلقت أنت وأمتك.
وقيل: تقديره يا أيها النبي قل لأمتك إذ قطلتم.
وهذا ضعيف لأنه يقتضي أن هذا الحكم مختص بأمته دونه، وقيل: إنه خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بطلقتم تعظيماً له، كما تقول للرجل المعظم: أنتم فعلتم، وهذا أيضاً ضعيف، لأنه يقتضي اختصاصه عليه الصلاة السلام بالحكم دون أمته، ومعنى إذا طلقتم هنا: إذا أردتم الطلاق.
واختلف في الطلاق هل هو مباح أو مكروه؟
فأما إذا كان على غير وجه السنة فهو ممنوع.
ولكن يلزم، وأما اليمين بالطلاق فممنوع ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ تقديره: طلقوهن مستقبلات لعدتهن، ولذلك قرأ عثمان وابن عباس وأبيّ بن كعب: فطلقوهن في قبل عدتهن، وقرأ ابن عمر: لقبل عدتهن، ورويت القرءاتان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومعنى ذلك كله: لا يطلقها وهي حائض، فهو منهي عنه بإجماع، لأنه إذا فعل ذلك لم يقع طلاقه في الحال التي أمر الله بها وهو استقبال العدة، واختلف في النهي عن الطلاق في الحيض هل هو معلل بتطويل العدة، أو هو تعبد؟
والصحيح أنه معلل بذلك، وينبني على هذا الخلاف فروع منها: هل يجوز إذا رضيت به المراة أم لا؟
ومنها: هل يجوز طلاقها وهي حامل أم لا؟
ومنها: هل يجوز طلاقها قبل الدخول وهي حائض أم لا؟
فالتعليل بتطويل العدّة يقتضي جواز هذه الفروع، والتعبد يقتضي المنع، ومن طلق في الحيض لزمه الطلاق، ثم يؤمر بالرجعة على وجه الإجبار عند مالك، وبدون إجبار عند الشافعي حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، حسبما ورد في حديث ابن عمر، «حين طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له: مرة فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر؛ ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك» واشترط مالك أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، ليعتد بذلك الطهر، فإنه إن طلقها في طهر بعد أن جامعها فيهن فلا تدري هل تعتد بالوضع أو بالأقراء، فليس طلاقاً لعدتها كما أمر الله ﴿ وَأَحْصُواْ العدة ﴾ أمر بذلك لما ينبني عليها من الأحكام، في الرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك.
﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ نهى الله سبحانه وتعالى أن يخرج الرجل المراة المطلقة من المسكن الذي طلقها فيه، ونهاها هي أن تخرج باختيارها، فلا يجوز لها المبيت خارجاً عن بيتها ولا أن تغيب عنه نهاراً إلا لضرورة التصرف، وذلك لحفظ النسب وصيانة المرأة، فإن كان المسكن ملكاً للزوج، أو مكترى عنده، لزمه إسكانها فيه، وإن كان المسكن لها فعليه كراؤه مدة العدة، وإن كانت قد أمتعته فيه مدة الزوجية؛ ففي لزوم خورج العدة له قولان في المذهب والصحيح لزومه؛ لأن الامتناع قد انقطع بالطلاق ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ اختلف في هذه الفاحشة التي أباحت خروج المعتدة ما هي؟
على خمسة أقوال: الأول أنها الزنا فتخرج لإقامة الحدّ، قاله الليث بن سعد والشعبي.
الثاني أنه سوء الكلام مع الأصهار فتخرج ويسقط حقها من السكنى، ويلزمها الإقامة في مسكن تتخذه حفظاً للنسب، قاله ابن عباس ويؤيده قراءة أبي بن كعب، إلا أن يفحشن عليكم.
الثالث أنه جميع المعاصي من القذف والزنا والسرقة وغير ذلك، فمتى فعلت شيئاً من ذلك سقط حقها في السكنى، قاله ابن عباس أيضاً وإليه مال الطبري الرابع: أنه الخروج عن بيتها خروج انتقال فمتى فعلت ذلك سقطت حقها في السكنى قاله ابن الفرس، وإلى هذا ذهب مالك في المرأة إذا نشزت في العدة، الخامس: أنه النشوز قبل الطلاق، فإذا طلقها بسبب نشوزها فلا يكون عليه سكنى، قاله قتادة.
﴿ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ المراد به الرجعة عند الجمهور، أي أحصوا العدة وامتثلوا ما أمرتم به، لعل الله يحدث الرجعة لنسائكم، وقيل: إن سبب الرجعة المذكورة في الآية تطليق النبي صلى الله عليه وسلم لحفصة بن عمر فأمره الله بمراجتها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ بالغ أمره ﴾ بالإضافة: حفص.
الآخرون: بالتنوين والنصب ﴿ وجدكم ﴾ بكسر الواو: روح.
﴿ ندخله ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.
الوقوف: ﴿ العدة ﴾ ج تعظيماً لأمر الاتقاء ﴿ ربكم ﴾ ط لاتصال المعنى مع عدم العاطف ﴿ مبينة ﴾ ج ﴿ وتلك حدود الله ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ مخرجاً ﴾ لا ﴿ لا يحتسب ﴾ ط ﴿ حسبه ﴾ ط ﴿ أمره ﴾ ط ﴿ قدراً ﴾ ه ﴿ أشهر ﴾ لا للعطف أي واللائي لم يحضن كلذلك ﴿ لم يحضن ﴾ ط ﴿ حملهن ﴾ ط ﴿ يسراً ﴾ ه ط ﴿ إليكم ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ط ﴿ حملهن ﴾ ط ﴿ أجورهن ﴾ ط ﴿ بمعروف ﴾ ك ﴿ أخرى ﴾ ه ط ﴿ من سعته ﴾ ط ﴿ آتاه الله ﴾ ط ﴿ يسراً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ خسراً ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ز والوصل ههنا والوقف على ﴿ آمنوا ﴾ أجوز من العكس ﴿ ذكراً ﴾ ه لأن ما بعده بدل أو غيره كما يجيء ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ رزقاً ﴾ ه ﴿ مثلهن ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه.
التفسير: لما نبه في آخر السورة المتقدمة على معاداة بعض الأزواج والمعاداة كثيراً ما تفضي إلى الفراق بالطلاق أرشد في هذه السورة إلى الطلاق السني الذي لا يحرم إيقاعه وإلى أحكام أخر معتبرة في فراق الزوجين.
وقبل الخوض في تقرير أقسام الطلاق نقول: إنه يورد ههنا سؤال وهو أنه كيف نادى نبيه وحده ثم قال ﴿ إذا طلقتم ﴾ على الجمع؟
والجواب أنه كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمه وأن من سواه من قومه تبع له في الخطاب.
وقيل: الجمع للتعظيم والمراد بالخطاب النبيّ أيضاً.
وقيل: أراد يا أيها النبي والمؤمنون فحذف للدلالة.
وقيل: يا أيها النبي قل للمؤمنين.
ومعنى ﴿ إذا طلقتم ﴾ إذا أردتم تطليقهن كقوله ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ﴾ واللام في قوله ﴿ لعدتهنّ ﴾ بمعنى الوقت أي للوقت الذي يمكنهنّ الشروع في العدّة وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه.
وقال جار الله: فطلقوهن مستقبلات لعدّتهن كقولك " أتيته لليلة بقيت من شهر كذا" أي مستقبلاً لها.
قال الفقهاء: السنيّ طلاق المدخول بها التي ليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة في غير حالة البدعة، والبدعيّ طلاق المدخول بها في حيض أو نفاس أو طهر جامعها فيه ولم يظهر حملها.
فلتحريم الطلاق سببان: أحدهما وقوعه في حال الحيض إذا كانت المرأة ممسوسة وكانت ممن تعتدّ بالإقراء لقوله ﴿ فطلقوهن لعدّتهن ﴾ وطلق ابن عمر امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي عن ذلك فقال: مرة ليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم يطلقها إن شاء.
فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.
والمعنى فيه أن بقية الحيضة لا تحسب من العدة فتطول عليها مدة التربص.
وثانيهما إذا جامع امرأته في طهرها وهي ممن تحبل ولم يظهر حملها حرم عليه أن يطلقها في ذلك الطهر لقوله في قصة ابن عمر " ثم إن شاء طلقها قبل أن يمسها" " ولأنه ربما يندم على الطلاق لظهور الحمل.
هذا تقرير السنة والبدعة من جهة الوقت.
أما السنة والبدعة من جهة العدد فقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث مجموعة أو مفرقة على الأطهار.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يكره ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما متفرقاً في الأطهار فلا لما روي في قصة ابن عمر: إنما السنة أن يستقبل الطهر استقبالاً، ويطلق لكل قرء تطليقة.
وقال الشافعي: لا بأس بإرسال الثلاث وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة.
وقد يستدل بما روي في حديث اللعان أن اللاعن قال: هي طالق ثلاثاً.
ولم ينكر عليه النبي .
وقالت الشيعة: إذا طلقها ثلاثاً يقع واحدة.
ومنهم من قال: لا يقع شيء وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين.
والأصح عند أكثر المجتهدين أن الطلاق البدعي واقع وإن كان صاحبه آثماً وعاصياً وهذا مبنيّ على أن النهي لا يوجب فساد المنهي عنه.
"وفي قصة ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟
فقال له: إذن عصيت وبانت منك امرأتك" .
قالت العلماء: المحرم هو الطلاق بغير عوض فأما إذا خلع الحائض أو طلقها على مال فلا لإطلاق قوله ﴿ فلا جناح عليهما فيما أفتدت به ﴾ ولأن المنع كان رعاية لجانبها وبدل المال دليل على شدة الحاجة إلى الخلاص بالمفارقة.
قال جار الله: اللام في قوله ﴿ النساء ﴾ للجنس وقد علم بقوله ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ أنه مطلق على البعض وهنّ ذوات الأقراء المدخول بهن فلا عموم ولا خصوص.
قلت: ما ضره لو جعله عاماً لأنه إذا روعي الشرط المذكور في هذا البعض لزم أن يكون طلاق كل النساء من الصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخول بها والمدخول بها بحيث يمكنهن أن يشرعن الطلاق في العدة.
قوله ﴿ وأحصوا العدة ﴾ أي اضبطوها واحفظوا عدد أيامها ثلاثة أقراء كوامل لا أزيد ولا أنقص ﴿ لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ ﴾ يعني من مساكن الفراق وهي بيوت الأزواج أضيفت إليهن لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى إلى انقضاء العدة، وكما أن البعولة لا ينبغي أن يخرجوهنّ غضباً عليهنّ أو لحاجة لهم إلى المساكن كذلك لا ينبغي لهنّ أن يخرجن بأنفسهنّ.
وقوله ﴿ إلا أن يأتين ﴾ استثناء من الجمة الأولى أي إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهنّ، أو إلا أن يطلقهن على النشوز فإن النشوز يسقط حقهنّ في السكنى، أو إلا أن يبذون فيحل إخراجهنّ لبذائهن ويؤيده قراءة أبيّ ﴿ إلا أن يفحشن عليكم ﴾ وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه.
والمعنى إن خرجت فقد أتت بفاحشة مبينة وعلى هذا يكون الاستثناء من الجملة الثانية.
قوله ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ أي أحصوا العدة وألزموهن مساكنكم فلعلكم تندمون بقلب الله البغضة محبة والمقت مقة والطلاق رجعة.
والخطاب في ﴿ لا تدري ﴾ للنبي على نسق أول السورة أو لكل مكلف ﴿ فإذا بلغن أجلهنّ ﴾ أي شافن انقضاء عدتهن فأنتم بالخيار إن شئتم فالإمساك بالرجعة لا على وجه الضرار بل بالشرع والعرف، وإن شئتم فالفراق بالمعروف كما مر في " البقرة " ﴿ وأشهدوا ﴾ على الرجعة أو الفرقة و ﴿ ذوى عدل منكم ﴾ أي من جنسكم من المسلمين قاله الحسن.
وعن قتادة: من أحراركم.
وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، وعند الشافعي واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة.
وفائدة الإشهاد أن لا يقع التجاحد وأن لا يتهم في إمساكها أو يموت أحدهما فيدعي الآخر ثبوت الزوجية لأجل الميراث.
ثم حث الشهود على أن لا يشهدوا إلا لوجه الله من غير شائبة غرض أخروي أو عرض دنيوي ﴿ ذلكم ﴾ الحث على أداء الشهادة لله ﴿ يوعظ به من ﴾ هو من أهل الإيمان بالله والمعاد لأن غيره لا ينتفع به، ويجوز أن تكون الإشارة بذلكم إلى ما مر من الإمساك أو الفراق بالمعروف لا على وجه الضرار فيكون موافقاً لما مر في " البقرة " إلا أنه وحد كاف الخطاب هنالك لأنه أكد الكلام بزيادة منكم، وههنا جمع فلم يحتج إلى لفظ منكم والله أعلم بأسرار كلامه.
ثم حض على التقوى في كل باب ولا سيما فيما سبق من أمر الطلاق وكأنه قال ﴿ ومن يتق الله ﴾ فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد ﴿ يجعل له مخرجاً ﴾ ومخلصاً من غموم الدنيا والآخرة ومن جملة ذلك تأيم الأزواج ﴿ ويرزقه ﴾ من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه بدل ما أدى وبذل من المهر والحقوق.
عن النبي " إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم" ﴿ ومن يتق الله ﴾ فما زال يقرؤها ويعيدها.
"وروي أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً، فأتى رسول الله فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة.
فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله.
ففعل" ، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدوّ فاستاقها فنزلت هذه الآية.
قلت: قد جربت الآية في محن ومهالك فوجدت مفرجة منفسة.
ومن أسرار القرآن ولطائفه أنه حث على التقوى في هذه السورة ثلاث مرات: بقوله ﴿ ومن يتق الله ﴾ وذلك على عدد الطلقات الثلاث، ووعد في كل مرة نوعاً من الجزاء: الأول أنه يخرجه مما دخل فيه وهو كاره ويتيح له خيراً ممن طلقها.
الثاني اليسر في الأمور والموالاة في المقاصد ما دام حياً.
الثالث أفضل الجزاء وهو ما يكون في الآخرة من النعماء.
ثم حث في التوكل بثلاث جمل متقاربة الخطى: الأولى ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ لأن المعبود الحقيقي القادر على كل شيء الغنيّ عن كل شيء الجواد بكل شيء إذا فوض عبده الضعيف أمره إليه لا يهمله البتة.
الثاني ﴿ إن الله بالغ أمره ﴾ أي يبلغ كل أمر يريده ولا يفوته المطلوب.
الثالثة ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدراً ﴾ أي وقتاً ومقداراً.
وهاتان الجملتان كل منهما بيان لوجوب التوكل عليه لأنه إذا علم كونه قادراً على كل شيء وعلم أنه قد بيّن وعيّن لكل شيء حداً ومقدراً لم يبقَ إلا التسليم والتفويض.
قال جار الله: قال المفسرون: إن ناساً قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللواتي لم يحضن فنزلت ﴿ واللائي يئسن ﴾ فمعنى إن ارتبتم إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن.
قلت: في حصة هذه الرواية نظر فإن السورة ليس فيها بيان عدة ذوات الأقراء وإحالتها على ما في " البقرة "، والمطلقات يتربصن لا يجوز لأن هذه مكية وتلك مدنية.
نعم لو ثبت أن هذه متأخرة النزول كان له وجه كما روي عن عبد الله بن مسعود: من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة.
والجمهور أن المراد أن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضت ﴿ فعدّتهن ثلاثة أشهر ﴾ وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب أولى.
وسن اليأس مقدر بخمس وخمسين وبستين.
والمشهور عند أكثر أصحاب الشافعي النظر إلى نساء عشيرتها من الأبوين، فإذا بلغت السن التي ينقطع فيها حيضهن فقد بلغت سن اليأس.
﴿ واللائي لم يحضن ﴾ هن الصغائر والتقدير فعدتهن أيضاً ثلاثة أشهر حذف لدلالة ما قبله عليه.
قوله ﴿ وأولات الأحمال ﴾ أي النساء الحوامل ﴿ أجلهن ﴾ بعد الطلاق أو بعد وفاة الزوج أي انقضاء عدتهن ﴿ أن يضعن حملهن ﴾ هذا قول أكثر الأئمة والصحابة وإما تنقضي العدة بوضع الحمل بتمامه.
فلو كانت حاملاً بتوأمين لم تنقض العدة حتى ينفصل الثاني بتمامه، وإنما يكون الولدان توأمين إذا ولدا على التعاقب وبينهما دون ستة أشهر وإلا فالثاني حمل آخر.وعن علي وابن عباس أن عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد الأجلين من بقية الحمل ومن أربعة أشهر وعشر، ووضع الحمل لا يتفاوت بكونه حياً أو ميتاً أو سقطاً أو مضغة لا صورة فيها، وصدقت المرأة بيمينها لأنهنّ مؤتمنات على أرحامهنّ.
وحين كرر شرط التقوى كان لسائل أن يسأل: كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟
فقيل ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم ﴾ أي بعض مكان سكناكم الذي تطيقونه.
والوجد.
الوسع والطاقة.
قال قتادة: فإن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه.
قال أبو حنيفة: السكنى والنفقة واجبتان لكل مطلقة.
وعند الشافعي ومالك: ليس للمبتوتة إلا السكنى.
وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى لما في حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها فقال لها رسول الله : لا سكنى لك ولا نفقة.
وضعف بقول عمر: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة نسيت أو شبه لها سمعت النبي يقول لها السكنى والنفقة ﴿ ولا تضاروهن ﴾ بإنزال مسكن لا يوافقهن أو بغير ذلك من أنواع المضار حتى تضطروهن إلى الخروج وقيل: هو أن يراجعها كلما قرب انقضاء عدتها ليضيق أمرها وقد يلجئها إلى أن تفتدي منه.
قوله ﴿ وإن كن أولات حمل ﴾ تخصيص للحامل بالنفقة لأجل الحمل وإن كانت بائنة.
هذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة ففائدته أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل فنفى ذلك الوهم، وأما الحامل المتوفى عنها فالأكثرون على أنه لا نفقة لها لوقوع الإجماع على من أجبر الرجل على إنفاقه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته فكذلك الحامل.
وعن علي وعبد الله وجماعة ومنهم الشافعي أنهم أوجبوا نفقتها.
ثم بين أمر الطفل قائلاً ﴿ فإن أرضعن ﴾ أي هؤلاء المطلقات ﴿ لكم ﴾ أي لأجلكم ولداً منهن أو من غيرهن بعد انفصام عرى الزوجية.
وهذه الإجارة لا تجوز عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان الولد منهن ما لم تحصل البينونة.
وجوز الشافعي مطلقاً كلما صار.
ثم خاطب الآباء والأمهات جميعاً بقوله ﴿ وأتمروا ﴾ قال أهل اللغة: الائتمار بمعنى التآمر كالاشتوار بمعنى التشاور أي ليأمر بعضكم بعضاً بالجميل وهو المسامحة وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما معاً ﴿ وإن تعاسرتم ﴾ أي أظهرتم من أنفسكم العسر والشدة في أم مؤنة الإرضاع ﴿ فسترضع ﴾ أي الطفل ﴿ له ﴾ أي للأب مرضعة ﴿ أخرى ﴾ وفيه طرف من معاتبة الأم على التعاسر كما تقول لمن تطلب منه حاجة وهو يتأنى في قضائها: سيقضيها قاضٍ.
يريد لا تبقى غير مقضية وأنت ملوم.
ثم بين أن ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات هو بمقدار الوسع والطاقة كما في " البقرة " على الموسر قدره وعلى المقتر قدره إلى أن يفتح الله أبواب الرزق عليهم.
ثم هدد من خالف الأحكام المذكورة بأحوال الأمم السابقة.
والحساب الشديد أي بالاستقصاء والمناقشة، والعذاب النكر أي المنكر الفظيع.
يحتمل أن يراد بهما حساب الدنيا وعذابها وهو إحصاء صغائرهم وكبائرهم في ديوان الحفظة وما أصاب كل قوم من الصيحة ونحوها عاجلاً، وأن يراد عذاب الآخرة وحسابها.
ولفظ الماضي لتحقق الوقوع مثل ﴿ وسيق ﴾ ﴿ ونادى ﴾ وعلى هذا يكون قوله ﴿ أعد الله ﴾ تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فاحذروا مثله ﴿ يا أولى الألباب ﴾ وجوز جار الله أن يكون ﴿ عتت ﴾ وما عطف عليه صفة للقرية و ﴿ أعد الله ﴾ عاملاً في ﴿ كأين ﴾ .
قوله ﴿ رسولاً ﴾ قال جار الله: هو جبرائيل أبدل من ﴿ ذكراً ﴾ لأنه وصف بتلاوة آيات الله وكان إنزاله في معنى إنزال الذكر فصح إبداله منه، أو أريد بالذكر الشرف كقوله ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ فأبدل منه كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، أو جعل لكثرة ذكره الله وعبادته كأنه ذكر، أو أريد ذا ذكر ملكاً مذكوراً في السموات وفي الأمم كلها، أو دل قوله ﴿ قد أنزل الله ﴾ على أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولاً أو أعمل ﴿ ذكراً ﴾ في ﴿ رسولاً ﴾ إعمال المصدر في المفاعيل أي أنزل الله أن ذكر رسولاً أو ذكره رسولاً.
قلت: لم يبعد على هذه الوجوه أن يكون المراد بالرسول هو محمد .
ثم ذكر غاية الإنزال أو التلاوة بقوله ﴿ ليخرج ﴾ والمعنى ليخرج الله أو الرسول ﴿ الذين ﴾ عرف منهم أنهم سيؤمنون من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو ليوفقهم بعد الإيمان والعمل الصالح لمزيد البيان والعيان الذي ينجيلي به ظلم الشكوك والحسبان.
قوله ﴿ قد أحسن الله له رزقاً ﴾ فيه معنى التعجب والتعظيم.
ثم ختم السورة بالتوحيد الذي هو أجل المطالب وتفسيره ظاهر مما سلف مراراً إلا أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض متعددة وأنها سبع كالسموات فذهب بعضهم إلى أن قوله ﴿ مثلهن ﴾ أي في الخلق لا في العدد.
وقيل: هن الأقاليم السبعة، والدعوة شاملة لجميعها.
وقيل: إنها سبع أرضين متصل بعضها ببعض وقد حال بينهم بحار لا يمكن قطعها والدعوة لا تصل إليهم.
وقيل: إنها سبع طبقات بعضها فوق بعض لا فرجة بينها وهذا يشبه قول الحكماء: منها طبقة هي أرض صرفة تجاوز المركز، ومنها طبقة طينية تخالط سطح الماء من جانب التقعير، ومنها طبقة معدنية يتولد منها المعادن، ومنها طبقة تركبت بغيرها وقد انكشف بعضها، ومنها طبقة الأدخنة والأبخرة على اختلاف أحوالها أي طبقة الزمهرير، وقد تعدّ هذه الطبقة من الهواء.
وقيل: إنها سبع أرضين بين كل واحدة منها إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام كما جاء في ذكر السماء وفي كل أرض منها خلق حتى قالوا: في كل منها آدم وحواء ونوح وإبراهيم وهم يشاهدون السماء من جانب أرضهم ويستمدون الضياء منها أو جعل لهم نوراً يستضيئون به.
وذكر النقاش في تفسيره فصلاً في خلائق السموات والأرضين وأشكالهم وأسمائهم أضربنا عن إيرادها لعد الوثوق بمثل تلك الروايات.
ومعنى ﴿ تنزل الأمر بينهن ﴾ أن حكم الله وأمره يجري فيما بين السموات والأرضين أو فيما يتركب منهما ولا يعلم تلك الأجرام ولا تلك الأحكام ولا كيفية تنفيذها فيهن إلا علام الغيوب وتقدس.
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ : فإنه يخرج على الإضمار - والله أعلم - كأنه يقول: ياأيها النبي قل لأمتك: إذا أردتم أن تطلقوا نساءكم فطلقوهن لعدتهن؛ والدليل على أنه هكذا؛ فإنه يخرج الخطاب بعده كله للجماعة؛ حيث قال: ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أو خاطب به النبي [والمراد أمته] وذلك كثير في القرآن.
ثم قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أمر بالطلاق للعدة، ولم يبين أن الطلاق للعدة كيف يكون؟
وذكر في بعض القراءات ﴿ فطلقوهن لِقُبُلِ عدتهن ﴾ ، ثم ترك بيان ذلك لا يخلو: إما أن يكون الرسول - - قد بين ذلك لهم، فعرفوا ذلك؛ فلم يبين لهم ذلك في الآية، أو جعل معرفة بيان ذلك إليهم؛ ليعرفوا بالاجتهاد.
ثم قوله: ﴿ لقبل عدتهن ﴾ يحتمل أول عدتهن، ويحتمل ما يقابل عدتهن وهو الحيض من المقابلة فمن يقول: الاعتداد بالأطهار يجعل القبل كناية عن أو الطهر، ومن يقولها بالحيض يجعل القبل ما يقابل العدة وهو الحيض، ثم لنا أن ننظر أي التأويلين أقرب؟
وقد أجمعوا أن له أن يطلقها في آخر الطهر إذا لم يجامعها فيه، دل أن تأويل القبل بما يقابل العدة أحق وهو الحيض، [والاعتداد به] أولى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: احفظوا الحقوق والأحكام التي تجب في العدة؛ فأدوها.
والثاني: احفظوا نفس ما تعتدون به، وهو عدد الحيض الذي بها تعتدون؛ لئلا تزاد ولا تنقص.
ثم جعل الإحصاء إلى الأزواج، يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم هم الذين تلزمهم الحقوق والمؤن.
والثاني: أنه بهم يقع تحصين الأولاد في العدة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ .
دل قوله: ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ على صحة مسألة لأصحابنا - رحمهم الله - فيمن حلف ألا يدخل بيت فلان، فدخل بيتا هو فيه بإعارة [أو إجارة] أنه يحنث.
ووجه ذلك: أن الله أضاف البيوت إليهن وإن كان حقيقة الملك للأزواج فيها، ألا ترى إلى قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ ، ثم قال: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ؛ فدل قوله ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ : أنه أراد به البيوت التي أسكنهن الأزواج فيها، وإذا صحت هذه الإضافة؛ دل على صحة المذهب.
وقال الشافعي فيمن حلف لا يدخل مسكن فلان، فدخل مسكنا هو فيه بإعارة: إنه يحنث، وقال فيمن حلف لا يدخل بيت فلان: إنه لا يحنث، واحتج في المسكن: أنه إنما يحنث؛ لأنه وجد حقيقة السكنى من المحلوف عليه، فإن كان هذا هو الدليل على الحنث، فالواجب عليه أن يحنثه في البيت؛ لوجود البيتوتة على ما حنثته في المسكن، لوجود السكنى.
وبعد: فإن الحنث أقرب في البيت؛ لأن الله أضاف البيوت إليهن في كتابه وإن كن هن فيها بإعارة ولم يوجد في السكنى ذلك، والله أعلم.
وقوله -عز وجل-: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ .
و ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ قرئا جميعاً: فمنهم من حمل الاستثناء [بقوله: ﴿ إِلاَّ ﴾ ] على قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ، وصرفه إليه.
ومنهم من صرفه إلى قوله: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ ولكل من ذلك وجهان: فأما من حمله على قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ فإنه جعله استثناء، وللاستثناء وجهان: أحدهما: لا تخرجوهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أي: بزنى يزنين، فتخرجوهن؛ لإقامة الحد عليهن.
أو لا تخرجوهن إلا أن يظهر منهن بذاءة اللسان على أهل أزواجهن فتخرجوهن؛ لمكان البذاءة التي في لسانهن.
ومن حمله على قوله: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ ؛ فإنه يجعل معنى قوله: ﴿ إِلاَّ ﴾ على معنى: لكن؛ كما قيل في قوله : ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ ، أي: لا يسمعون فيها لغوا، ولكن سلاما، إذ لا يحتمل استثناء السلام من اللغو؛ لما ليس في جملة اللغو سلام؛ فيستثنى منه فكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ فكأنه قال: لا يخرجن، ولكن إذا خرجن فخروجهن فاحشة، ويدل هذا على أن النهي لنفس الخروج، لا للانتقال.
ووجه آخر في ذلك، وهو: ألا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة، فإنهن إذا خرجن، خشي عليهن أن يأتين بفاحشة مبينة كما روي عن النبي أنه قال: "أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر" ، وكان المعنى من ذلك: أنه إذا تزوج فوطئ فهو عاهر، ولكن نهي عن النكاح؛ لأنه يخشى عليه في النكاح أن يطأها فيصير عاهرا، لا أن يكون نفس التزوج منه زنى، فكذلك ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ فيكون النهي لا عن نفس الخروج، ولكن لكونه سببا للفاحشة في الجملة، وطريقا إليها.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ .
فمن قرأ ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ بالخفض فمعناه: أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها المرء، ونظر تبين له: أنها فاحشة.
ومن قرأ ﴿ مبيَّنة ﴾ بالفتح، عني به: أنها مبينة بالبراهين والحجج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ .
الحدود: الموانع والنواهي، لا يحل مجاوزتها، ومن ذلك سمي الحداد: حداداً؛ لأنه يمنع تحديده كل أنواع أمتعته أن تجاوز حدها الذي جعل لها، والحد في الحقيقة هو: النهاية التي يُنتهى إليها فلا يجاوز، وإذا كان كذلك كان الخيار إلى صاحب التأويل: فإن شاء حمله على الحد بين الطاعة والمعصية [أو بين] الحلال والحرام؛ حيث ذكر في هذه الآية أنواعا من النهي؛ فسمي ذلك كله: حدوداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ .
أي: ضر نفسه، ويجوز أن يكون المعنى منه، أي: إن جاوز هذا الحد الذي جعل لله ، فقد وضع نفسه مكانا لم يضعه فيه ربه، والظلم في الحقيقة وضع الشيء في غير موضعه.
والتأويل الآخر: أن من جاوز موانع الله ونواهيه، فقد ظلم نفسه؛ دل هذا على أن منافع هذه النواهي ومضارها لا ترجع إلى الله، بل ترجع نفس الممتحنين.
وقوله -عز وجل-: ﴿ لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرا ﴾ .
أي: لا يطلق؛ فإنه إذا طلق لا يدري لعل الله يحدث بعد ذلك ندامة على ما سبق من فعله أو رغبة فيها؛ فيكون فيه دلالة النهي عن نفس الطلاق، وقد بينا كراهة نفس الطلاق في الحكمة في أنه ليس من نوع ما يتقرب به؛ فيكون فيه [الزيادة في القربة] ولا مما يستمتع به فيكون فيه زيادة في الاستمتاع، بل المقصود منه التأديب والمَخْلَصُ، وفي الواحدة كفاية عما زاد عليها؛ فكان في هذه الآية دلالة النهي عن نفس الطلاق، وعن الزيادة على الواحدة والله أعلم.
قال: فإن كان تأويل قوله - عز وجل - ﴿ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ هو الرغبة فيها أو الندامة على ما سبق منه؛ فإنه دلالة على إبطال قول المعتزلة؛ لأن الرغبة والندامة جميعاً من فعل العباد، والله قد أضاف ذلك إلى نفسه بقوله: ﴿ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ ، وإذا كان كذلك، ثبت أن لله في إحداث أفعال العباد صنعا وتدبيرا، والله أعلم.
وقال أصحاب الشافعي: إن قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ يدل على تعليم الوقت في الطلاق دون العدد، فله أن يطلقها في الوقت أي عدد كان، ولا يستقيم ذلك؛ لأن التأويل إنما يستقيم على أحد وجهين: إما [على ما] جرى به التفاهم في العادات بين العباد، وإما على ما جرى به التفاهم في حق الحكمة، وليس يفهم من قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ العدد الثلاث على واحد من الوجهين اللذين وصفناهما؛ ألا ترى أن من قال لآخر: طلق امرأتي، لم يجز أن يطلقها ثلاثا إلا أن يكون نوى ثلاثاً؛ فثبت أنه لا يفهم به في [عبارته لفظ] الثلاث.
وأما وجه الحكمة؛ فلما ذكرنا: أن الطلاق ليس مما يتقرب به رغبة في الاستكثار منه زيادة في القربة، ولا مما يستمتع فيستكثر منه زيادة في الانتفاع، وإنما المراد منه التأديب والمخلص، وما كان مخرجه هذا المخرج، كان في حد الرخصة وما خرج مخرج الرخص، لم يعتد به عما وقعت به الرخصة، وإذا ثبت ما وصفنا، ثبت أنه لا يجوز الفهم من قوله : ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ الثلاث، والتعليم في العدد أليق به من الوقت؛ لأنه لا ضرر يلحقه في تعديه عن الوقت المجعول له فيه الطلاق، ولا شك أنه يلحقه الضرر في تعديه في العدد والزيادة منه، والله أعلم.
ومما يدل على أن المراد من قوله ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ ليس عدد الثلاث قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ولا شك أنه إذا أوقع عليها ثلاثا، لم يملك إمساكها، ومعلوم أن قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ الطلاق المتقدم من قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ ، ولو كان المراد عدد الثلاث، لم يكن لقوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ ﴾ معنى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، فيه فوائد شتى، وأدلة متفرقة من الفقه والأحكام: أحدها: أن الله قال: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ والمعروف إليها في المتعارف من نوع الفعل أظهر من نوع القول؛ لأنه إنما يحسن إليها، استمتاعا وإنفاقا ونحو ذلك، فذلك نوعه نوع الفعل؛ فثبت أن حقيقة الإمساك بالمعروف في الأفعال؛ فلذلك قلنا: إنه إذا راجعها بالفعل يكون مراجعاً؛ فإن قيل: أليس قال الله : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ والإشهاد على الفعل غير صحيح؟
فجوابه أن يقال: إن الله قال: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ﴾ ، ومعلوم أن هذا لو كان بحضرة الشهود، لم يكن للإشهاد معنى، بل إذا سمعوا ذلك، [صاروا شهداء] أشهدوا أو لم يشهدوا، وإذا كان كذلك، ثبت أن المعنى من هذا الإشهاد على الإمساك المتقدم، وذلك في الأفعال مستقيم، والله أعلم.
ووجه آخر: وهو أن كل عقد استقام بغير شهود جرى فيه الأمر بالإشهاد نحو قوله: ﴿ وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ ، وكل ما جعل الشهود فيه شرطا لقوام العقد، جرى الذكر فيه "لا...
إلا" بشهود، نحو قوله: "لا نكاح إلا بشهود" ، فلما جرى الذكر في هذه الآية بالأمر بالإشهاد بقوله : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ ، ثبت أنه يستقيم من غير شهود، والله أعلم.
ثم في قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ دليل على أن المراد من الأقراء هو الحيض؛ فإنه ذكر نوع هذا في كتاب الله في مواضع؛ قال الله في موضع: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ ، وقال في هذا الموضع: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ومعلوم أن معاني هذه الألفاظ مختلفة وإن اتفقت مخارجها، واختلافها: أن يكون المراد ببلوغ الأجل في أحد النوعين على التمام وانقضاء الأجل، والثاني على الإشراف عليه، وأحق ما يكون في حق الإشراف على البلوغ هو ما يرجع إلى الأزواج؛ لأنه قد كان لهم حق الإمساك قبل انقضاء الأجل، وهم أحق بهن ما لم [يتم بلوغ الأجل] لا بعده، وإذا ثبت أن المعنى من قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ في هذا الموضع هو الإشراف على البلوغ والقرب من انقضاء الأجل دون التمام، ثبت أن الأقراء: هي الحيض؛ لأنه لو كان المراد منها الأطهار لم يعرف إشراف الأجل على البلوغ؛ لأنه لا نهاية لأكثر الطهر، وأما الحيض فإنه له غاية معلومة؛ لأن أيامها لا تخلو إما أن تكون عشرا أو دون العشر، فإن كان عشرا فيعرف بالعد، وإن كان دون العشر فإن دمها إذا انقطع راجعها قبل أن تغتسل، وذلك وقت إشراف أجلها على البلوغ، والأطهار ليس يتحقق فيها المعنى الذي وصفنا، والله أعلم.
ثم قال هاهنا: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ؛ فدل الأمر بالإمساك في الظاهر أنها ما دامت في العدة، فهي على ملكه، وقال في موضع آخر: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ ؛ فدل على أنه قد وقع شيء من الزوال حتى أمره بردها؛ فيكون حجة للشافعي في أن الطلاق الرجعي يحرم الوطء، ولكن المعنى عندنا في هذا -والله أعلم-: أنا قد عرفنا بقوله: ﴿ أَوْ فَارِقُوهُنَّ ﴾ بعد وجود الطلاق المتقدم: أنه لم يرد به الفرقة للحال، ولكن معناه: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فتفارقوهن؛ فثبت أنه قد وقع شيء من شبهة الفراق بالطلاق، وهو أن صار الفراق مستحقّاً لازما حال انقضاء العدة؛ فيكون له عَرَض الوجود للحال، فقال: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ ﴾ على إبقائهن على أصل الملك، وقال: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ في ذلك؛ لرفع تلك الشبهة الواقعة بالطلاق؛ وهذا على سبيل ما قال : ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
وكان الفيء هو الرجوع، ومعلوم أنه لم يقع بالإيلاء شيء من الفرقة، ولكن لما كان الإيلاء موجبا للبينونة في العقد، أوجب في الحال شبهة الفرقة، وهو استحقاق الزوال، فذكر الفيء؛ لرفع تلك الشبهة؛ وكان تركها منه لا يفيء إليها عزم منه على الطلاق، فكذلك الأول والله أعلم.
والمعروف إذا صنع إليك إنسان صنيعة، فعرفتها واستحسنتها، فهو معروف، وما دفعته وأنكرته، فليس بمعروف.
أو هو الذي عَرَّفَنا اللهُ -تعالى- من المراجعة والمفارقة.
ثم المعروف في الحقيقة ما تطمئن إليه القلوب وتسكن عنده الأنفس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ .
دل قوله - -: ﴿ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ أن قد يكون منا فساق، وأن الفسق لا يخرجه من الإيمان، وكذلك قوله: ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ ﴾ فثبت أن قد يكون منا من لا يرضى، وأن خروجه ممن يرضى لا يخرجه من الإيمان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾ .
حيث أضافها إلى نفسه هو أنه لا بد في الشهادة من نفع يقع لأحد الخصمين، وضرر يرجع إلى الآخر، فكأنه قال: لا ينظر بعضكم إلى رضا من تنفعه الشهادة وإلى سخط من تضره، ولكن اجعلوها لله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .
الموعظة وإن كانت لمن يؤمن ولمن لا يؤمن، فالمعنى في هذا: ذلكم يتعظ بما يوعظ [به] من كان يؤمن بالله واليوم الآخر كما كان المعنى من قوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ أي: إنما ينتفع بالإنذار من يتبع الذكر، وكما كان في قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ، أي: ينتفعون بتلاوته فكذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يُوعَظُ بِهِ ﴾ .
أي: بما أمر فيما تقدم من الآيات من الطلاق للعدة، والنهي عن إخراجهن من البيوت والإنفاق عليهن، ونحوه إنما يوعظ به - أي: يأخذ بما أمر به، ونهي عنه في هذه الآيات - من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ .
قد بينا أن التقوى إذا ذكر مفرداً انتظم الأوامر والنواهي، وإذا ذكر معه البر والإحسان، صرف التقوى إلى معنى، والبر إلى معنى، وذكر في هذا الموضع مفردا؛ فجاز أن ينتظم الأوامر والنواهي، ثم جاز أن يكون المعنى من قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ فيما بين له من الحدود، فلم يضيعه، ﴿ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ فيما لم يبين له، وفيما اشتبه من الحد.
أو يجوز أن يكون المعنى من قوله ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: يجاهد فيما أمره ونهاه، يجعل له مخرجا في أن يهديه، ويبين له السبيل؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ .
قال: ويجوز أن ينال من يلزم التقوى خير الدنيا والآخرة؛ لأن الله ذكر التقوى، وما يليه بألفاظ مختلفة، فقال في موضع: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ وقال: في موضع آخر ﴿ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ ، وفي موضع آخر ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾ وفي موضع آخر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ ، أي: إن الله مع الذين اتقوا في النصرة والمعونة أو التوفيق والعصمة، ومن نصره الله - - فلا يغلبه أحد، ومن يعصمه الله فلا يضله أحد، وإذا نال هاتين الخصلتين، فقد نال خير الدنيا والآخرة.
أو يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ يعني: يتقي عقابه، يجعل له مخرجا من الشدة في الدنيا وعن سكرات الموت وغمراته وعن شدائد الآخرة وأهوالها.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ في مكاسبه، يجعل له مخرجا من الشبه والحرمات فيسلم منها.
أو يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ فيما بين له من الحدود في هذه الآيات المتقدمة، فحفظها من صحبة النساء على ما أمر به، ﴿ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ مما أهمه من ناحيتهن، ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ يجوز أن يكون هذا فيما بين له من الحدود إذا حفظها أن يزرقه ما وصفنا من المرأة والمال.
ويجوز أن يكون هذا في جميع الأمور من المكاسب والتجارات؛ لأن التجار يظنون أنهم إنما يرزقون الفضل والربح؛ لما يدخلون فيها من الشبه والحرمات، وأنها إذا نُفِيَتْ من تجاراتهم لا يرزقون مثل ذلك؛ فأخبر -جل ثناؤه- أنهم إذا اتقوا في تجاراتهم تلك الشبه والحرمات، رزقهم من حيث لم يحتسبوا.
أو يجوز أن يكون هذا خطابا للكفرة؛ وذلك أنهم كانوا يخافون أنهم إذا آمنوا [برسول الله ] حرموا من الرزق، وابتلوا بالضيق، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ...
﴾ الآية [القصص: 57] فكأن الله -تعالى- أمنهم عما يخافون بسبب الإسلام، وأخبرهم أنهم إذا وحدوا الله وآمنوا برسوله، رزقهم من حيث لم يحتسبوا، ووسع عليهم الرزق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ .
يجوز أن يكون معناه: أي: من يعتمده في كل نائبة، ويفوض إليه كل نازلة.
والوكيل: هو الموكول إليه الأمور.
وقيل الوكيل: هو الحافظ؛ فكأنه قال: ومن يعتمد على الله فيما نابه كفى به وكيلا موكولا إليه أمره، وكفى به حافظا وناصرا ومعينا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾ .
أي: فيما أخبر من حكمه ووعده ووعيده: أن ينزل بهم.
ويجوز أن يكون ﴿ بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾ ، أي: مبلغ ما أمر رسوله بتبليغه إلى آخر عصابة [تكون من أمته] في تسخيرهم؛ ليصيروا كأن الرسول بلغهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾ .
قال الحسن: [جعل] لكل شيء من أعمال العباد قدراً وثواباً في الآخرة.
والوجه عندنا: قد جعل الله لكل شيء مما كان ويكون إلى يوم القيامة من حسن وقبيح في الحكمة قدرا؛ ألا ترى إلى أفعال العباد أنها كيف تخرج عن تدبيرهم من زمان إلى زمان ومكان ونحو ذلك؛ ليعلم أن الله -تعالى- هو الذي قدر ذلك المكان والزمان والفعل، حتى خرج فعل هذا العبد عن تقديره الذي قدره، والله أعلم.
وفي قوله - -: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ وجه آخر، وهو أنه لو جعل جميع الرزق من حيث لا يحتسب، جاز؛ لأن الرزق في الحقيقة هو الذي يتقوى به الإنسان ويتغذى به، وليس ذلك في عين الأكل والشرب، ولكن فيما يتفرق من قوة الطعام والشراب في الأعضاء، وذلك باللطف من الله ، فثبت أن قوة الأكل والشرب إنما تصل إلى الأعضاء من حيث لا يحتسب الإنسان، والله أعلم.
ثم ليس في قوله - -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ تخصيص أن من لا يتقيه لا يرزقه من حيث لا يحتسب؛ لأنا قد نرى في الشاهد من يرزق من حيث لا يحتسب اتقاه أو لم يتقه؛ فثبت أن فائدة التخصيص ليس نفي غير المذكور، ولكن فائدة تخصيص المتقي بالذكر هو أنه يرزقه من حيث يطيب له، ولا يلام عليه، وليس ذلك في غير المتقي، والله المستعان.
ثم ليس في قوله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ ما يدل على ترك الأسباب، ولكن لما رأى الناس يفزع بعضهم إلى بعض ويستغيث بعضهم ببعض، أمرهم أن يجعلوا المقصد والمفزع إلى الله ، وأن يصيروا هذه الأسباب كلها محنة عليهم، لا أن يروا أرزاقهم معصومة متعلقة بها، ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ كيف أمر بإدراك فضله من تلك التجارة؛ فثبت أن هذه المكاسب كلها أسباب للخلق، بها يتوصلون إلى فضل الله ، وأن المقصد والمفزع فيها إلى الله ، والله أعلم.
ثم اختلفوا في العدة: فمنهم من قال: هي استبراء الرحم.
ومنهم من قال: هي عبادة تتبع النكاح الذي استوفي فيه المقصود بالنكاح، وهذا القول عندنا أصوب؛ لأوجه: أحدها: أن الاستبراء واجب في حق السنة والأدب قبل الطلاق؛ فإن من أراد أن يطلق امرأته فالواجب عليه أن يستبرئها بحيضة ثم يطلقها، وأما العدة فإنها لا تجب إلا بعد الطلاق، فثبت أنها على ما ذكرنا من العبادة التي تتبع النكاح الذي استوفي فيه المقصود، والله أعلم.
ومعنى آخر: وهو أن العدة لو كانت استبراء، لكانت تكتفى بالحيضة الواحدة، فلما قرنت بالعدد، وفي الواحدة مندوحة عما سواها في حق الاستبراء، ثبت أنها على الوجه الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ .
هذا يدل على أن المراد من الأقراء الحيض؛ وذلك لأن الأصل عندنا في الأصول [أن الشيء] متى ذكر باسم مشترك، ثم جرى البيان له عند ذكر البدل باسم خاص؛ دل على أن المراد من الاسم المشترك هذا الاسم الخاص المذكور عند البدل؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ وكان اسم الغسل مشتركا يتناول الماء وكل مائع، فلما قال عند ذكر البدل: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ ﴾ ، تبين أن المراد من ذلك الاسم المشترك هو هذا الاسم الخاص المذكور عند البدل، فكذلك الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ ﴾ .
اختلفوا في قوله: ﴿ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ : أنه أريد به: إن ارتبتم في حيضهن أو في عدتهن؟
وعندنا الارتياب في عدتهن؛ لأنه لو كان المراد منه الارتياب في حيضهن، لكان من حق الكلام أن يقول: "إن ارتبتن" أو يقول: "واللائي ارتبن" ليكون منسوقا على قوله: ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ ﴾ فلما قال: ﴿ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ ثبت أن المراد: إن ارتبتم في عدة الآيسات والصغائر، فهي ثلاثة أشهر، والله أعلم.
أو لأن المرتابة إذا رأت الحيض ارتفع ريبها، وصار عدتها بالحيض، وخرجت من العدة بالشهور، وأما الآيسة والصغيرة؛ فإنه لا يتوهم عليهما ارتفاع الإياس والصغر؛ فيكون عدتهما بالأشهر؛ فلذلك قلنا: إن هذا الارتياب في عدة الآيسات والصغائر.
ثم من قول أصحابنا: إن الرجل إذا طلق امرأته الآيسة أو الصغيرة أو الحامل للسنة يطلقها متى شاء، وليس له وقت معين في طلاقها للسنة، وإنما كان كذلك؛ لأنا قد وصفنا في قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ : أن المراد منه: لقبل عدتهن، ومعلوم أن عدة التي ترى الحيض أحد شيئين: إما الدم ولم يعتبر ما يقابله وهو الطهر من العدة، وكذلك من جعل عدتها بالأطهار لم يعتبر ما يقابلها وهو الحيض من العدة، وإذا كان كذلك لم يكن بد من أن يكون هاهنا شيء يقابل عدتها؛ فثبت فيه معنى قبل عدتها؛ فجعل ذلك الطهر، وأما الآيسة والصغيرة والحامل فجميع أيامها من عدتها، وهي ثلاثة أشهر، وليس في أيامها شيء يقابل عدتها، فلذلك قلنا: إن له أن يطلقها في أي وقت شاء، وكذلك له أن يطلق الحامل التي من ذوات الأقراء؛ وذلك لأنه إنما نهي -عندنا- عن الطلاق على أثر الجماع في التي تحيض؛ لتوهم أن يكون الجماع أحبلها، فإذا طلقها [ثم أراد] نفي الحبل في العدة، لم يتهيأ له ذلك، وأما الآيسة والصغيرة والحامل، فليس فيهن هذا التوهم، والله أعلم.
ثم إن هذه العدة وإن ذكرها في هذه السورة على أثر الطلاق الواحد؛ فكأنها في التطليقات الثلاث؛ لأن هذه العدة مكان العدة التي ذكر الله في سورة البقرة من قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ؛ لأنه ذكر هاهنا: ﴿ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ على الإجمال وذكرها ثَمَّ على التفسير؛ فإذا التحق التفسير بالمجمل يصير في المعنى والحكم كأنه واحد، ومعلوم أن تلك في الواحدة والثلاث؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ وقوله: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ هي التطليقة الثالثة.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا، ثبت أن للمرء أن يطلق امرأته الحامل للسنة ثلاثا، والله أعلم.
قال - رحمه الله -: في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ أوجه من الفقه: أحدها: أنه لما قال: ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ دل أنه ألزمهن السكون في بيوتهن التي كن فيها في حالة قيام النكاح؛ فيكون دليلا [لقول] أصحابنا: إنه ليس للزوج أن يسكنها معه في بيته الذي هو فيه، بل يتركها في ذلك المسكن، وينتقل هو بنفسه إن كان يريد الانتقال؛ يصحح هذا قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ فلما أدخل حرف (من) في هذه الآية دل أن الواجب على الزوج أن يسكنها في بيت من بيوته، ولا يدخل عليها في ذلك البيت إلى أن تنقضي عدتها، والله أعلم.
ثم المعنى عندنا في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ؛ ليَحْصِنَّ ماءكم، ولا يخرجن؛ خوفا من وطء غير الأزواج واشتباه النسب لو حبلن، وإذا كان النهي عن إخراجها من البيت لهذا المعنى، لم يكن بد من إيجاب النفقة عليه؛ لأنها إنما تكتسب نفقتها بالخروج، فإذا نهيت عن الخروج؛ لتحصن ماءه، لم يحتمل أن تكون النفقة على غيره، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ .
روي عن [ابن] مسعود - - أنه قال: من شاء باهلته أن قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ نزل بعد قوله في سورة البقرة: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ ، وجعل عدة الحامل بوضع الحمل، ولا يعتبر أبعد الأجلين، لكن إن كان ابن مسعود - - يباهل، فعلي - - لا يباهل، ويقول بأن قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ﴾ لا يجوز أن يدخل في قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ ؛ وذلك لأن قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ إنما ذكر في عدة الطلاق، وعدة الطلاق لا تتضمن عدة الوفاة إذا كانت بالحيض، لم تدخل عدة الطلاق في عدة الوفاة؛ ألا ترى أن من طلق امرأته وهي حائل ممن تحيض، ثم مات عنها زوجها قبل انقضاء عدتها، لم تدخل عدة الوفاة في الحيض الثلاث، بل الحِيَضُ [هي التي تدخل] في عدة الوفاة [في الحيض، وتؤمر: أن] تعتد بأبعد الأجلين، فكذلك أمر الحامل، وإذا اشتبه الحال أمرت فيه بالاحتياط أن تعتد بأبعد الأجلين، ولأن عدة الوفاة لم تلزم لوطء متقدم؛ ألا ترى أنها قد تلزم من لم يكن زوجها من أهل الوطء، وأما عدة الحبل والحيض، إنما لزمت لوطء متقدم، وإذا لم تكن عدة الوفاة من جنس العدة بالحبل، لم تدخل في عدة الحبل فلا نوجب فيها الاحتياط، وذلك في الاعتداد بأبعد الأجلين.
ثم التخصيص بذكر الإنفاق على الحوامل يحتمل أن يكون بمعنى أنها في الحقيقة لا تدخل في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ ؛ لأنا قد وصفنا أنها إنما نهيت؛ لتحصين ماء الزوج، وإذا مضت تسعة أشهر، فقد خرجت عن التحصين، فكان الواجب أن تسقط النفقة بعد التسعة، لكن الله حث على الإنفاق في جميع المدة؛ لأنها لا محالة إنما بقيت في هذه المدة؛ لوطئه المتقدم؛ فلذلك حث الله في الإنفاق على الحوامل فيما يقع عندنا، والله أعلم.
وأما ابن مسعود - - فإنه يجوز أن يكون قوله - -: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ عنده مبتدأَ خطابٌ، ليس بمعطوف على قوله: ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ ؛ لأنا نعلم أنه لا يجوز أن يقع الارتياب فيمن تحتمل القروء؛ وذلك لأن الأشهر في الآيسات إنما أقيمت مقام الأقراء في ذوات الحيض، وإذا كانت الحامل ممن تحتمل القروء لم يجز أن يقع لهم شك في عدتها؛ ليسألوا عن عدتها.
وإذا كان كذلك، ثبت أنه خطاب مبتدأ، وإذا كان خطابا مبتدأ تناول العِدد كلها، ومما يدل على أنه مبتدأ خطاب ما روي في خبر سبيعة بنت الحارث الأسلمية: أنها وضعت بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة، فأمرها رسول الله أن تتزوج؛ فدل إباحته النكاح قبل مضي أربعة أشهر وعشر على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في جميع الأحوال.
وقال الحسن: إن الحامل إذا وضعت أحد الولدين، انقضت عدتها، واحتج بقوله: ﴿ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ، ولم يقل: "أحمالهن"؛ ولكن لا يستقيم ما قاله؛ لوجهين أحدهما: أنه قرأ في بعض القراءات ﴿ أن يضعن أحمالهن ﴾ .
والثاني: أنه قال: ﴿ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ، ولم يقل: "يلدن"، بل علق بوضع حملهن، والحمل اسم لجميع ما في بطنهن، ولو كان كما قاله، لكان عدتهن بوضع بعض حملهن، والله جعل أجلهن أن يضعن حملهن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ .
فقد وصفنا أن التقوى إذا ذكر مطلقاً مفرداً، تناول الأوامر والنواهي، فكأنه قال: ومن يتق الله في أوامره أن يضيعها أو في نواهيه أن يرتكبها، يجعل له من أمره يسراً.
[ثم قوله: ﴿ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ .
له وجهان: أحدهما: له من أمره يسراً] في نفس التقوى أن نيسره عليه، كما قال في قوله: [ ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ \[الحاقة؟: 19\]، وفي قوله]: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ يعني: ييسر عليه فعل التقوى والطاعة، فكذلك الأول.
ويحتمل أن يكون في جميع الأمور في المكاسب والتجارات وغيرها: أن من اتقى الله من الحرام ييسر الله عليه الحلال، ومن اتقى الله من الشبه يسر عليه في المباح، ومن يتق الله في تجارته، رزقه ما يرجو من الربح ويأمله، وكذلك جميع الأمور على هذا السبيل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معنى قوله: ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك التقوى أمر الله أنزله إليكم.
ويحتمل أن يكون أراد بقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ما تقدم من الآيات في المراجعة والإشهاد والطلاق والعدة وغير ذلك: أنها وإن خرجت في الظاهر مخرج الخبر، فإنها كلها أمر الله ، أنزله إليكم؛ فاتبعوها وخذوا بأمره فيها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ﴾ .
هذا يدل على ما وصفنا: أن التقوى إذا ذكر مفردا انتظم الأمر والنهي جميعاً، ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ ، وقال هاهنا: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾ .
فجعل التقوى تكفر السيئات، فلولا أن في التقوى أعظم الحسنات، لم يكن لقوله: ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾ معنى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، وفي قراءة عبد الله بن مسعود : ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم ﴾ ويجوز أن تكون قراءة عمر - - أيضاً؛ ألا ترى [أنه قال]: (لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة؛ لا ندري أصدقت أم كذبت)، فالكتاب هذا، والسنة يجوز أن يكون سمعها من رسول الله في ذلك.
أو يجوز أن يكون عند عمر - - في هذا تلاوة قد رفع عينها وبقي حكمها؛ لذلك قال: (لا ندع كتاب ربنا) ألا ترى إلى ما قاله عمر - - في أمر الزنى: "سيأتي على الناس زمان يقولون: لا نجد الرجم في كتاب الله، وإنا كنا نتلو من قبل في سورة الأحزاب: الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما ألبتة؛ نكالا من الله، والله العزيز الحكيم" فقد رفعت التلاوة، وبقي حكمها؛ فكذلك في أمر النفقة يجوز أن تكون التلاوة مرفوعة وحكمها باقٍ؛ والله أعلم، وقوله: (لا ندع كتاب ربنا) في الخبر دلالة أن الكتاب قد ينسخ بالسنة؛ لأن عمر - - إنما احتج في امتناعه عن ترك [كتاب الله] بقول امرأة لم ندر أصدقت أم كذبت؟
ولولا أن الكتاب قد ينسخ بالسنة، وإلا لم يكن احتجاجه بقوله: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة) معنى، بل كان يقول: (لا ندع كتاب ربنا بالسنة)، فلما قال: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة؛ لا ندري أصدقت أم كذبت)؟
دل أن السنة قد تنسخ الكتاب، والله أعلم.
وروى أبو بكر الأصم أن فاطمة بنت قيس لما أنكر عليها عمر - - حديثها تركت روايتها إلى زمن مروان، فلما استخلف مروان جعلت تروي حديثها، فأخبر بذلك مروان، فدعاها فروت هذا الحديث، فقال لها مروان على ما كان يقول لها عمر - - فقالت له: أين كتاب ربنا؟
فتلا عليها قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، فقالت: كيف يحتمل أن يكون هذا في المطلقة ثلاثا، والله يقول في هذه ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ؟
ومعنى الإمساك في المطلقة ثلاثاً معدوم؛ فأفحم مروان، ولو فهم مروان ما فهمه عمر لم يفحم؛ وذلك أن هذه العدة المذكورة في هذه الآيات إنما هي مكان قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ، ولا فرق هناك بين المطلقة الواحدة والثلاث، وإذا كان المذكور في هذه العدة مكان تلك، فالمذكور في النفقة في هذه كالمذكور في تلك، وليس في تلك الآية ذكر الفرق بين الثلاث والواحدة؛ فلذلك قلنا: في كتاب الله دلالة إيجاب النفقة للمبتوتة والمطلقة ثلاثاً، والله أعلم؛ فيكون حجة على الشافعي؛ ومما يدل عليه هو أنه لما استدل بذكر الإنفاق في قوله: ﴿ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ على وجوب الإسكان والنهي عن الإخراج مع توهم الإنفاق دون الإسكان، فلأن يستدل بذكر الإسكان على الإنفاق ولا يكون الإسكان، إلا بالإنفاق؛ لاتصاله به -أحرى، فصار قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ ﴾ دليلاً على وجوب الإنفاق، وإنما قلنا: إن الإنفاق متصل بالإسكان؛ لأنه إذ نهي عن إخراجها عن بيته وأمر بإسكانها فلا يحتمل أن يؤمر بالإنفاق؛ لأن في ذلك تضييقاً عليها وتعسراً؛ ألا ترى: أنها إنما تكتسب النفقة بالخروج، فإذا نهى الزوج عن إخراجها، ونهيت هي عن الخروج، لم تصل إلى نفقتها إلا بالزوج ضرورة، والله أعلم.
ولأجل أنا نظرنا: أن النفقة في الحامل للحمل أو العدة، فوجدنا أنها لو كانت واجبة للحمل، لم تجب إذا كان حملها بحيث لو وضعته، لم يلزم نفقته عليه، وقد وجدنا هذا الحكم، نحو: حر يتزوج أمة رجل بإذن سيدها فولدت ولدا: أن نفقة الولد على السيد، وكان يجب عليه ما دام في بطن أمه، فلما استقام وجوب النفقة على الزوج ما دامت حاملا، وإن كان الحبل بحيث لو وضعته لم يلزمه نفقته -ثبت أن النفقة في الحامل؛ لمكان العدة لا للحبل، [والعدة] في الحائل والحامل واحدة؛ فكذلك كان حكمهما واحداً، والله أعلم.
ثم الأصل عندنا ما وصفنا: أن النفقة إنما وجبت؛ لاستمتاعه المتقدم، [فما دامت] محبوسة؛ لاستمتاعه السابق أوجبت النفقة عليه، وإذا كانت محبوسة لا بهذا الحق لم يكن عليه النفقة، والله أعلم.
ولأن في قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، إضمار النفقة، كأنه يقول: أسكنوهن من حيث سكنتم، وأنفقوا عليهن من وجدكم؛ لأنه لولا هذا الإضمار، لم يكن لقوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ على الظاهر معنى؛ لأنه لما قال: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ ﴾ ، علم أنه جعل الإسكان عليهم، ومن كان عليه الإسكان، فإنما يكون من وجده، فلم يكن في قوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ إلا إعلام ما قد علمناه، وإذا كان كذلك ثبت أن في قوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ إضماراً يستقيم عليه المعنى في قوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، وليس بين القراءتين اختلاف، ولكن إحداهما خرجت على الإجمال، والثانية على التفسير [على ما قرئ في قوله: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ و: ﴿ أَيْمَانَهُمَا ﴾ ، ولم يحمل ذلك على الاختلاف، بل حملت إحداهما على الإجمال والثانية على التفسير] فكذلك الأول، والله أعلم.
مع أنه لم يثبت اللفظ في قراءة ابن مسعود - - فأقله أن يكون من خبر الآحاد، ومعلوم أن خبر ابن مسعود وإن كان من خبر الآحاد فما يسنده إلى رسول الله مقبول، ولما وجب قبول خبر أبي هريرة - - مع ما قيل فيه من الضعف، فلأن يقبل خبر ابن مسعود - - مع فضله وروعه وكثرة صحبته [مع النبي] ، وتبحره في الفقه أولى، ومن هجر قراءة ابن مسعود - - خيف عليه الزلة، ألا ترى [إلى ما] روي عن ابن عباس - ما - أنه سأل أصحاب النبي ، فقال: ما تعدون آخر القراءة؟
قالوا: قراءة زيد بن ثابت - - فقال: كلا، كان يعرض القرآن على رسول الله كل عام مرة، وعرض عليه في العام الذي قبض فيه رسول الله مرتين، وقد شهدهما جميعا ابن مسعود - - فإذا كان ابن مسعود قراءته آخر القراءات، وهو الذي شهد قراءة القرآن على رسول الله آخر مرة لم ينبغ أن نعرض عن قراءته، ونهجره، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ دلالة أنه إنما يسكنها في جزء من أجزاء مسكنه، لا في الموضع الذي يسكنه هو؛ لأن حرف (من) للتجزئة والتبعيض.
وقوله: ﴿ وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ ﴾ .
يحتمل وجهين: [من التأويل]: أحدهما: أي: لا تضاروهن في الإنفاق عليهن فتضيقوا عليهن النفقة، فيخرجن، أو لا تضاروهن في المسكن، فتدخلوا عليهن من غير استئذان؛ فيضيق عليهن المسكن؛ فيخرجن، والله أعلم.
وقوله -عز وجل-: ﴿ وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ .
دل الأمر بالإنفاق على النهي عن الإخراج، كما دل النهي عن الإخراج على وجوب الإنفاق.
ثم التخصيص بذكر الإنفاق على الحامل يحتمل أن يكون لمعنى: أنها في الحقيقة، لم تدخل في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ ؛ لأنا قد وصفنا أنها نهيت [عن الخروج] لتحصين ماء الزوج، وإذا مضت تسعة أشهر فقد خرجت عن التحصين؛ فكان الواجب أن تسقط النفقة بعد التسعة، وقد ذكرنا هذا المعنى فيما تقدم.
ويحتمل أن يكون الفائدة في [تخصيص الحوامل] بالإنفاق عندنا - والله أعلم - [أنه لولا] هذه الآية، لكانت الحوامل يخرجن عن قوله - -: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ، ومن قوله: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ ؛ لأن الأزواج لهم أن يحتجوا عليهن بأن حرمة النكاح في ذوات الأحمال ليس لحق الأزواج، ولكن لحق ما في بطنها من الولد؛ ألا ترى أنه يحرم عليها النكاح وإن كان الولد من غيره، وقد قلنا: إن النفقة إنما وجبت في غير الحوامل؛ لأنهن يحبسن عن نكاح الأجانب بحق الأزواج، فإذا كان الحبس في الحوامل لا لحق الأزواج، جاز أن يكون هذا حجة لهم في إسقاط النفقة عنهم، وإذا كان كذلك، حث الله لهم في الإنفاق على الحوامل ما لم يضعن حملهن؛ لأن ذلك الحمل من أثر استمتاعهم المتقدم؛ ففائدة تخصيص ذكر الحوامل هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .
هذا يتضمن أوجهاً من أدلة الفقه: أحدها: أنه قال: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، ثبت أن الإرضاع كان بإجارة، وأنه إذا استأجرها ليرضع ولده منها بعد المفارقة، جازت الإجازة وحل لها أخذ الأجر، وأنه إذا استأجر امرأته في صلب النكاح على إرضاع ولده منها لم يجز، ولم يكن لها أخذ الأجر؛ لأن الله - - ذكر بدل الرضاع في صلب النكاح بلفظ: (الرزق) بقوله: ﴿ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، فإذا سمى ما ذكره الله رزقاً: أجراً، لم يكن أجراً وكان بحق الرزق والكسوة؛ فلذلك لم تجز الإجارة في صلب النكاح، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .
دليل على أن اللبن وإن خلق لمكان الولد فهو ملك لها، ولو ذلك، لم يكن لها أن تأخذ الأجر على لبن ليس لها فيها ملك، وفيه دليل على أن حق الإرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والحضانة والكفالة على الزوجات، ولولا ذلك لكان لها بعض الأجر دون الكل، فلما أمر بإيتاء كل الأجر، ثبت أن حق الإرضاع على الأزواج وعلى الزوجات الكفالة والإمساك، والله أعلم.
ولأجل أنا لو جعلنا اللبن ملكاً للولد مخلوقاً له، وجعلنا النفقة على الأم من مال نفسها، لكانت نفقتها تفنى ولا يتهيأ لها كسب النفقة؛ لاشتغالها بالإرضاع؛ فتجوع وتهلك ويذهب لبنها؛ فيبطل الإرضاع؛ فإذا كان إيجاب الإرضاع عليها يسقط من حيث يراد جعل النفقة، فأسقطنا عنها، وجعلنا ملك اللبن [لها] لتأخذ الأجر عليه، والله أعلم.
وفي هذه الآية دلالة على أن الأجر إنما يجب بعد استيفاء المنافع، فإنه قال: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ إنما أوجب الإيتاء بعد الإرضاع.
وفي قوله: ﴿ أُجُورَهُنَّ ﴾ دلالة على أن الإرضاع إنما هو بإجارة قد سبقت؛ لذلك قال أصحابنا: إن الأجرة إنما تجب عند استيفاء العمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، له وجهان: أحدهما: أن يقول: ﴿ وَأْتَمِرُواْ ﴾ يعني: تشاوروا في إرضاعه إذا تعاسرت هي.
والثاني: ﴿ وَأْتَمِرُواْ ﴾ أي: اعملوا بأمر من جعل الله إليه الأمر بالمعروف، وهو الحاكم، إذا أمركم في أمر الولد بالمعروف.
وقوله: ﴿ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ ﴾ .
يعني: إذا تنازعتم في الرضاع، وأبت الأم أن ترضعه، فاطلبوا أخرى ترضعه عندها.
وقوله: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾ .
أي: من وسع الله عليه في الرزق، فلينفق نفقة واسعة، ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ ﴾ ، يعني: ضيق عليه و ﴿ قُدِرَ ﴾ هاهنا بمعنى: ضيق [عليه]، وهو كما قال: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: فظن أن لم نضيق عليه، وكذلك قوله: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾ ، يعني: ويضيق عليه، أي: من ضيق عليه، فلينفق نفقة ضيقة؛ فلذلك قوله: ﴿ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا ﴾ .
فهو يدل على أن العباد ما اكتسبوا من الأموال، فهي كلها مما آتاهم الله ، وأن لله - - في أفعال العباد وفيما يكتسبونه من الأموال صنعا وتدبيراً؛ لأنه لولا ذلك، لكان يجوز أن يكلفه الله وإن لم يؤتها لهم، إذا كان في قدرته أن يكتسب ما لم يؤته الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ .
هذا دليل على أنه إذا عجز عن نفقة امرأته، لم نفرق بينها وبينه؛ لأنه إذا فرق بينهما، لم نصل إلى زوج ينفق عليها للحال، بل نحتاج فيه إلى انقضاء العدة، وقد يتوهم في خلال ذلك أن يوسر الزوج؛ لأن إنجاز وعد الله في اليسار بعد العسر أقرب من قدرتها على زوج ينفق عليها، وليس هذه كالأمة؛ لأنه إذا باع الأمة دخلت في ملك آخر ينفق عليها، والله أعلم.
ثم يجوز أن يكون قوله: ﴿ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ وعداً لجميع الأمة أن من ابتلي بالعسر يتبعه اليسر.
ويجوز أن يكون خطابا لأصحاب رسول الله حين كانوا في عسر وضيق عيش، فوعدهم الله - - بعد ذلك العسر الذي كانوا فيه يسراً، وقد أنجز ذلك الوعد حيث فتح لهم الفتوح، ونصرهم على أعدائهم؛ فغنموا أموالهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها النبي، إذا أردت أنت أو أراد أحد من أمتك طلاق زوجته فليطلقها لأول عِدَّتها؛ بأن يكون الطلاق في طُهْر لم يجامعها فيه، واحفظوا العِدَّة، لتتمكنوا من مراجعة زوجاتكم فيها إن أردتم مراجعتهنّ، واتقوا الله ربكم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، تُخْرِجوا مطلقاتكم من البيوت التي يسكنّ فيها، ولا يخرجن بأنفسهنّ، حتَّى تنقضي عدتهنّ؛ إلا أن يأتين بفاحشة ظاهرة مثل الزنى، وتلك الأحكام هي حدود الله التي حدّ لعباده، ومن يتجاوز حدود الله فقد ظلم نفسه حيث أوردها موارد الهلاك بسبب عصيانه لربه، لا تعلم -أيها المطلّق- لعلّ الله يحدث بعد ذلك الرغبة في قلب الزوج فيراجع زوجته.
<div class="verse-tafsir" id="91.e3qgw"