الإسلام > القرآن > سور > سورة 65 الطلاق > الآية ٣ من سورة الطلاق
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 165 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣ من سورة الطلاق: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) قال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا ليث ، حدثنا قيس بن الحجاج ، عن حنش الصنعاني ، عن عبد الله بن عباس : أنه حدثه أنه ركب خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا غلام ، إني معلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك ، لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام ، وجفت الصحف " .
وقد رواه الترمذي من حديث الليث بن سعد ، وابن لهيعة به ، وقال : حسن صحيح .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا بشير بن سلمان ، عن سيار أبي الحكم ، عن طارق بن شهاب ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من نزل به حاجة ، فأنزلها بالناس كان قمنا أن لا تسهل حاجته ، ومن أنزلها بالله أتاه الله برزق عاجل ، أو بموت آجل " .
ثم رواه عن عبد الرزاق ، عن سفيان ، عن بشير ، عن سيار أبي حمزة ، ثم قال : وهو الصواب ، وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق وقوله : ( إن الله بالغ أمره ) أي : منفذ قضاياه ، وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه ( قد جعل الله لكل شيء قدرا ) كقوله : ( وكل شيء عنده بمقدار ) [ الرعد : 8 ]
وقوله: ( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) يقول: ويسبب له أسباب الرزق من حيث لا يشعر، ولا يعلم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وذكر بعضهم أن هده الآية نـزلت بسبب عوف بن مالك الأشجعيّ.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أَبو كُرَيب، قال: ثنا ابن صَلْت، عن قيس، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق عن عبد الله، في قوله: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) قال: يعلم أنه من عند الله، وأن الله هو الذي يعطي ويمنع.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أَبي الضحى، عن مسروق ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) قال: المخرج أن يعلم أن الله تبارك وتعالى لو شاء أعطاه وإن شاء منعه، ( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) قال: من حيث لا يدري.
حدثني أَبو السائب، قال: ثنا أَبو معاوية، عن الأعمش، عن أَبي الضحى، عن مسروق، مثله.
حدثني عليّ، قال: ثنا أَبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) يقول: نجاته من كل كرب في الدنيا والآخرة، ( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) .
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، عن الربيع بن خثيم ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) قال: من كلّ شيء ضاق على الناس.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) قال: من طلق كما أمره الله يجعل له مخرجًا.
حدثني عليّ بن عبد الأعلى المحاربيّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) ومن يتق الله يجعل له من أمره يُسرًا، قال: يعني بالمخرج واليُسر إذا طلق واحدة ثم سكت عنها، فإن شاء راجعها بشهادة رجلين عدلين، فذلك اليُسر الذي قال الله، وإن مضت عدتها ولم يراجعها، كان خاطبًا من الخطاب، وهذا الذي أمر الله به، وهكذا طلاق السنة فأما من طلق عند كلّ حيضة فقد أخطأ السنة، وعصى الربّ، وأخذ بالعسر.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) قال: يطلق للسُّنة، ويراجع للسُّنة؛ زعم أن رجلا من أصحاب النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقال له عوف الأشجعيّ، كان له ابن، وأن المشركين أسروه، فكان فيهم، فكان أبوه يأتي النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فيشكوا إليه مكان ابنه، وحالته التي هو بها وحاجته، فكان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يأمره بالصبر ويقول له: إن الله سيجعل له مخرجا، فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرًا إذا انفلت ابنه من أيدي العدوّ، فمرّ بغنم من أغنام العدوّ فاستاقها، فجاء بها إلى أبيه، وجاء معه بغنًى قد أصابه من الغنم، فنـزلت هذه الآية: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) .
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن عمار بن أبي معاوية الدهنّي، عن سالم بن أبي الجعد ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) قال: نـزلت في رجل من أشجع جاء إلى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وهو مجهود، فسأله فقال له النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " اتَّقِ اللهَ وَاصْبِرْ"، قال: قد فعلت، فأتى قومه، فقالوا: ماذا قال لك؟
قال: قال: " اتق الله واصبر "، فقلت: قد فعلت حتى قال ذلك ثلاثًا، فرجع فإذا هو بابنه كان أسيرًا في بني فلان من العرب، فجاء معه بأعنـز فرجع إلى النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: إن ابني كان أسيرًا في بني فلان، وإنه جاء بأعنـز فطابت لنا؟
قال: " نعم ".
قال: ثنا حكام، قال: ثنا عمرو، عن عمار الدهنّي، عن سالم بن أَبي الجعد في قوله: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) قال: نـزلت في رجل من أشجع أصابه الجهد، فأتى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم فقال له: " اتَّقِ اللهَ وَاصْبِرْ"، فرجع فوجد ابنًا له كان أسيرًا، قد فكه الله من أيديهم، وأصاب أعنـزا، فجاء، فذكر ذلك لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فقال: هل تطيبُ لي يا رسول الله؟
قال: " نَعَم ".
قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن المنذر الثوريّ، عن أبيه، عن الربيع بن خثيم ( يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) قال: من كلّ شيء ضاق على الناس.
قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن أَبي الضحى، عن مسروق ( يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) قال: يعلم أن الله إن شاء منعه، وإن شاء أعطاه ( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) يقول: من حيث لا يدري.
قال: ثنا مهران، عن سعيد بن أَبي عَروبة، عن قتادة ( يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) قال: من شُبُهَات الأمور، والكرب عند الموت ( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) : من حيث لا يرجو ولا يؤمل.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) لا يأمل ولا يرجو.
وقوله: ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) يقول تعالى ذكره: ومن يتق الله في أموره، ويفوّضها إليه فهو كافيه.
وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ) منقطع عن قوله: ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) .
ومعنى ذلك: إن الله بالغ أمره بكل حال توكل عليه العبد أو لم يتوكل عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أَبي الضحى، عن مسروق ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ) توكل عليه أو لم يتوكل عليه، غير أن المتوكل يُكَفِّرْ عنه سيئاته، ويُعظِم له أجرًا.
حدثنا أَبو السائب، قال: ثنا أَبو معاوية، عن الأعمش، عن أَبي الضحى، عن مسروق بنحوه.
حدثنا أَبو كريب، قال: ثنا ابن صلت عن قيس، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) قال: ليس بمتوكل الذي قد قُضيت حاجته، وجعل فضل من توكل عليه على من لم يتوكل أن يكفرَ عنه سيئاته، ويُعظم له أجرًا.
قال: ثنا جرير، عن منصور، عن الشعبيّ، قال: تجالس شُتير بن شكل ومسروق، فقال شُتير: إما أن تحدّث ما سمعت من ابن مسعود فأصدّقك، وإما أن أحدث فتصدّقني؟
قال مسروق: لا بل حدّث فأصدّقك، فقال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أكبر آية في القرآن تفوّضًا (2) : ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) قال مسروق: صدقت.
وقوله: ( قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) يقول تعالى ذكره: قد جعل الله لكلّ شيء من الطلاق والعدّة وغير ذلك حدًا وأجلا وقدرًا يُنتهى إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثني أَبو السائب، قال: ثنا أَبو معاوية، عن الأعمش، عن أَبي الضحى، عن مسروق ( قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) قال: أجلا.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق ( قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) قال: منتهى.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن أَبي الضحى، عن مسروق مثله.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ( قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) قال: الحيض في الأجل والعدّة.
------------------------ الهوامش: (2) كذا في الأصل، ولم أجد في المعاجم هذا المصدر ولا فعله، ولعله محرف عن "التفويض"، وهو رد الأمر كله إلى الله، وهو المفهوم من معنى حديث ابن مسعود هذا.
من حيث لا يحتسب أي يبارك له فيما آتاه .
وقال سهل بن عبد الله : ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل له مخرجا من عقوبة أهل البدع ، ويرزقه الجنة من حيث لا يحتسب .
وقيل : ومن يتق الله في الرزق بقطع العلائق يجعل له مخرجا بالكفاية .
وقال عمر بن عثمان الصدفي : ومن يتق الله فيقف عند حدوده ويجتنب معاصيه يخرجه من الحرام إلى الحلال ، ومن الضيق إلى السعة ، ومن النار إلى الجنة .
ويرزقه من حيث لا يحتسب من حيث لا يرجو .
وقال ابن عيينة : هو البركة في الرزق .
وقال أبو سعيد الخدري : ومن يبرأ من حوله وقوته بالرجوع إلى الله يجعل له مخرجا مما كلفه بالمعونة له .
وتأول ابن مسعود ومسروق الآية على العموم .
وقال أبو ذر : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إني لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم " ثم تلا ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب .
فما زال يكررها ويعيدها .
وقال ابن عباس : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ومن يتق الله يجعل له مخرجا .
ويرزقه من حيث لا يحتسب قال : [ ص: 150 ] " مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة " .
وقال أكثر المفسرين فيما ذكر الثعلبي : إنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي .
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن ابني أسره العدو وجزعت الأم .
وعن جابر بن عبد الله : نزلت في عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنا له يسمى سالما ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفاقة وقال : إن العدو أسر ابني وجزعت الأم ، فما تأمرني ؟
فقال عليه السلام : " اتق الله واصبر ، وآمرك وإياها أن تستكثرا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله " .
فعاد إلى بيته وقال لامرأته : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله .
فقالت : نعم ما أمرنا به .
فجعلا يقولان ; فغفل العدو عن ابنه ، فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه ; وهي أربعة آلاف شاة .
فنزلت الآية ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأغنام له .
في رواية : أنه جاء وقد أصاب إبلا من العدو وكان فقيرا .
قال الكلبي : أصاب خمسين بعيرا .
وفي رواية : فأفلت ابنه من الأسر وركب ناقة للقوم ، ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه .
وقال مقاتل : أصاب غنما ومتاعا فسأل النبي صلى الله عليه وسلم : أيحل لي أن آكل مما أتى به ابني ؟
قال : " نعم " .
ونزلت : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب .
فروى الحسن عن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من انقطع إلى الله كفاه الله كل مئونة ، ورزقه من حيث لا يحتسب .
ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها " .
وقال الزجاج : أي إذا اتقى وآثر الحلال والتصبر على أهله ، فتح الله عليه إن كان ذا ضيقة ورزقه من حيث لا يحتسب .
وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب " .[ ص: 151 ] قوله تعالى : ومن يتوكل على الله فهو حسبه أي من فوض إليه أمره كفاه ما أهمه .
وقيل : أي من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه ، فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية .
ولم يرد الدنيا ; لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل .إن الله بالغ أمره قال مسروق : أي قاض أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه ; إلا أن من توكل عليه فيكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا .
وقراءة العامة " بالغ " منونا .
" أمره " نصبا .
وقرأ عاصم " بالغ أمره " بالإضافة وحذف التنوين استخفافا .
وقرأ المفضل " بالغا أمره " على أن قوله : " قد جعل الله " خبر إن و " بالغا " حال .
وقرأ داود بن أبي هند " بالغ أمره " بالتنوين ورفع الراء .
قال الفراء : أي أمره بالغ .
وقيل : " أمره " مرتفع ب " بالغ " والمفعول محذوف ; والتقدير : بالغ أمره ما أراد .قد جعل الله لكل شيء قدرا أي لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ينتهي إليه .
وقيل تقديرا .
وقال السدي : هو قدر الحيض في الأجل والعدة .
وقال عبد الله بن رافع : لما نزل قوله تعالى : ومن يتوكل على الله فهو حسبه قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فنحن إذا توكلنا عليه نرسل ما كان لنا ولا نحفظه ; فنزلت : إن الله بالغ أمره فيكم وعليكم .
وقال الربيع بن خيثم : إن الله تعالى قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه ومن آمن به هداه ، ومن أقرضه جازاه ، ومن وثق به نجاه ، ومن دعاه أجاب له .
وتصديق ذلك في كتاب الله : ومن يؤمن بالله يهد قلبه .
ومن يتوكل على الله فهو حسبه .
إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم .
ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم .
وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان .
{ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } أي: يسوق الله الرزق للمتقي، من وجه لا يحتسبه ولا يشعر به.{ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } أي: في أمر دينه ودنياه، بأن يعتمد على الله في جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، ويثق به في تسهيل ذلك { فَهُوَ حَسْبُهُ } أي: كافيه الأمر الذي توكل عليه به، وإذا كان الأمر في كفالة الغني القوي [العزيز] الرحيم، فهو أقرب إلى العبد من كل شيء، ولكن ربما أن الحكمة الإلهية اقتضت تأخيره إلى الوقت المناسب له؛ فلهذا قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ } أي: لا بد من نفوذ قضائه وقدره، ولكنه { قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } أي: وقتًا ومقدارًا، لا يتعداه ولا يقصر عنه.
( ويرزقه من حيث لا يحتسب ) ما ساق من الغنم .
وقال مقاتل : أصاب غنما ومتاعا ثم رجع إلى أبيه ، فانطلق أبوه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره الخبر ، وسأله : أيحل له أن يأكل ما أتى به ابنه ؟
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : نعم ، وأنزل الله هذه الآية .
قال ابن مسعود : " ومن يتق الله يجعل له مخرجا " هو أن يعلم أنه من قبل الله وأن الله رازقه .
وقال الربيع بن خثيم : " يجعل له مخرجا " من كل شيء ضاق على الناس .
وقال أبو العالية : " مخرجا " من كل شدة .
وقال الحسن : " مخرجا " عما نهاه عنه .
( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) يتق الله فيما نابه كفاه ما أهمه .
وروينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " .
( إن الله بالغ أمره ) قرأ طلحة بن مصرف ، وحفص عن عاصم : " بالغ أمره " بالإضافة ، وقرأ الآخرون " بالغ " [ بالتنوين ] " أمره " نصب أي منفذ أمره ممض في خلقه قضاءه .
( قد جعل الله لكل شيء قدرا ) أي جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ينتهي إليه .
قال مسروق : في هذه الآية " إن الله بالغ أمره " توكل عليه أو لم يتوكل ، غير أن المتوكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا .
«ويرزقه من حيث لا يحتسب» يخطر بباله «ومن يتوكل على الله» في أموره «فهو حسبه» كافية «إن الله بالغٌ أمرَه» مراده وفي قراءة بالإضافة «قد جعل الله لكل شيء» كرخاء وشدة «قدرا» ميقاتا.
فإذا قاربت المطلقات نهاية عدتهن فراجعوهن مع حسن المعاشرة، والإنفاق عليهن، أو فارقوهن مع إيفاء حقهن، دون المضارَّة لهن، وأشهدوا على الرجعة أو المفارقة رجلين عدلين منكم، وأدُّوا- أيها الشهود- الشهادة خالصة لله لا لشيء آخر، ذلك الذي أمركم الله به يوعظ به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر.
ومن يخف الله فيعمل بما أمره به، ويجتنب ما نهاه عنه، يجعل له مخرجًا من كل ضيق، وييسِّر له أسباب الرزق من حيث لا يخطر على باله، ولا يكون في حسبانه.
ومن يتوكل على الله فهو كافيه ما أهمَّه في جميع أموره.
إن الله بالغ أمره، لا يفوته شيء، ولا يعجزه مطلوب، قد جعل الله لكل شيء أجلا ينتهي إليه، وتقديرًا لا يجاوزه.
ثم بشر - سبحانه - عباده الذين يتقونه ويراقبونه ببشارات متعددة فقال : ( وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ) .والجملة الكريمة اعتراض بين قوله - تعالى - : ( وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ ) وبين قوله - سبحانه - بعد ذلك : ( واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض ) وجىء بهذا الاعتراض بين هذه الأحكام لحمل النفوس على تقبل تشريعاته - تعالى - وآدابه ، ولحض الزوجين على مراقبته - سبحانه - وتقواه .أى : ومن يتق الله - تعالى - فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته .
يجعل له - سبحانه - مخرجا من هموم الدنيا وضوائقها ومتاعبها ، ومن شدائد الموت وغمراته ، ومن أهوال الآخرة وعذابها ، ويزرقه الفوز بخير الدارين ، من طرق لا تخطر له على بال ، ولا ترد له على خاطر ، فإن أبواب رزقه - سبحانه - لا يعلمها أحد إلا هو - عز وجل - .وفى هذه الجملة الكريمة ما فيها من البشارة للمؤمن ، حتى يثبت فؤاده ، ويستقيم قلبه ، ويحرص على طاعة الله - تعالى - فى كل أحواله .قال القرطبى : قال أبو ذر ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنى لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ، ثم تلا : ( وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ) .وعن جابر بن عبد الله قال : نزلت هذه الآية فى عوف بن مالك الأشجعى ، أسر المشركون ابنا له ، فأتى النبى - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بذلك .
فقال له - صلى الله عليه وسلم - : " اتق الله واصبر ، وآمرك وزوجك أن تستكثرا من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله " .فعاد إلى بيته وقال لامرأته : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنى وإياك أن نستكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا بالله .
فقالت : نعم ما أمرنا ، فجعلا يقولان ذلك ، فغفل العدو عن ابنه ، فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه عوف ، فنزلت الآية .
.ثم قال - تعالى - : ( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) .ولفظ ( حَسْبُ ) بمعنى كاف وأصله اسم مصدر أو مصدر ، ومعنى ( بَالِغُ أَمْرِهِ ) بإضافة الوصف إلى مفعوله ، أى : يبلغ ما يريده - سبحانه - ، وقرأ الجمهور ( بَالِغُ أَمْرِهِ ) بتنوين الوصف ونصب أمره على المفعولية ، والمراد بأمره ، شأنه ومراده .وهذه الجملة تعليل لما قبلها .أى : ومن يفوض أمره إلى الله - تعالى - ويتوكل عليه وحده ، فهو - سبحانه - كافيه فى جميع أموره ، لأنه - سبحانه - يبلغ ما يريده ، ولا يفوته مراد ، ولا يعجزه شىء ، ولا يحول دون أمره حائل .
.
.
ومن مظاهر حكمه فى خلقه ، أنه عز وجل - قد جعل لكل شىء تقديرا قبل وجوده ، وعلم علما تاما مقاديرها وأوقاتها وأحوالها .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) وقوله - سبحانه - : ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) وقوله - عز وجل - : ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ) قال بعض العلماء ما ملخصه : ولهذه الجملة ، وهى قوله - تعالى - : ( قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) موقع تتجلى فيه صورة من صور إعجاز القرآن ، فى ترتيب مواقع الجمل بعضها بعد بعض .
.
.
فهذه الجملة لها موقع الاستئناف البيانى الناشىء عما اشتملت عليه جمل : ( وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً .
.
) إلى قوله : ( إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ ) لأن استعداد السامعين لليقين بما تضمنته تلك الجمل متفاوت ، فقد يستبعد بعض السامعين تحقق الوعد لأمثاله ، فيقول : أين أنا من تحصيل هذا الشىء .
.
.
ويتملكه اليأس .
.
.
فيقول الله - تعالى - له : ( قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) أى : فلا تيأس أيها الإنسان .ولها موقع التعليل الجملة ( وَأَحْصُواْ العدة ) فإن العدة من الأشياء التى تعد ، فلما أمر الله بإحصائها علل ذلك فقال : ( قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) .ولها موقع التذبيل لجملة ( وَتِلْكَ حُدُودُ الله وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) أى : الذى وضع تلك الحدود ، قد جعل الله لكل شىء قدرا لا يعدوه ، كما جعل الحدود .ولها موقع التعليل لجملة : ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) ، لأن المعنى إذا بلغن القدر الذى جعله الله لمدة العدة ، فقد حصل المقصد الشرعى ، الذى أشار إليه بقوله - تعالى - : ( لاَ تَدْرِى لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ) .ولها موقع التعليل لجملة : ( وَأَقِيمُواْ الشهادة ) فإن الله - تعالى - جعل الشهادة قدرا لرفع النزاع .فهذه الجملة جزء آية ، وهى تحتوى على حقائق من الحكمة .
.
.
﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ أي قاربن انقضاء أجل العدة لا انقضاء أجلهن، والمراد من بلوغ الأجل هنا مقاربة البلوغ، وقد مر تفسيره.
قال صاحب الكشاف: هو آخر العدة وشارفته، فأنتم بالخيار إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة، وإتقاء الضرار وهو أن يراجعها في آخر العدة، ثم يطلقها تطويلاً للعدة وتعذيباً لها.
وقوله تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوى عَدْلٍ مّنْكُمْ ﴾ أي أمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة ذوي عدل، وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كما في قوله: ﴿ وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ وعند الشافعي هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة، وقيل: فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم في إمساكها ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث، وقيل: الإشهاد إنما أمروا به للاحتياط مخافة أن تنكر المرأة المراجعة فتنقضي العدة فتنكح زوجاً.
ثم خاطب الشهداء فقال: ﴿ وَأَقِيمُواْ الشهادة ﴾ وهذا أيضاً مر تفسيره، وقوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ قال الشعبي: من يطلق للعدة يجعل الله له سبيلاً إلى الرجعة، وقال غيره: مخرجاً من كل أمر ضاق على الناس، قال الكلبي: ومن يصبر على المصيبة يجعل الله له مخرجاً من النار إلى الجنة، وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة،» وقال أكثر أهل التفسير: أنزل هذا وما بعده في عوف بن مالك الأشجعي أسر العدو ابناً له فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر له ذلك وشكا إليه الفاقة فقال له: «اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله» ففعل الرجل ذلك فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه، وقد غفل عنه العدو، فأصاب إبلاً وجاء بها إلى أبيه، وقال صاحب الكشاف: فبينا هو في بيته، إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل غفل عنها العدو فاستاقها، فذلك قوله: ويرزقه من حيث لا يحتسب ويجوز أنه إن اتقى الله وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيق ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ وقال في الكشاف: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله ﴾ جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة كما مر.
وقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ أي من وثق به فيما ناله كفاه الله ما أهمه، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله» وقرئ: ﴿ إِنَّ الله بالغ أَمْرِهِ ﴾ بالإضافة ﴿ وبالغ أمره ﴾ أي نافذ أمره، وقرأ المفضل ﴿ بالغاً أمره ﴾ ، على أن قوله: ﴿ قَدْ جَعَلَ ﴾ خبر ﴿ إن ﴾ ، و ﴿ بالغاً ﴾ حال.
قال ابن عباس يريد في جميع خلقه والمعنى سيبلغ الله أمره فيما يريد منكم و ﴿ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾ أي تقديراً وتوقيتاً، وهذا بيان لوجوب التوكل على الله تعالى وتفويض الأمر إليه، قال الكلبي ومقاتل: لكل شيء من الشدة والرخاء أجل ينتهي إليه قدر الله تعالى ذلك كله لا يقدم ولا يؤخر.
وقال ابن عباس: يريد قدرت ما خلقت بمشيئتي، وقوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ إلى قوله: ﴿ مَخْرَجاً ﴾ آية ومنه إلى قوله: ﴿ قَدْراً ﴾ آية أخرى عند الأكثر، وعند الكوفي والمدني المجموع آية واحدة ثم في هذه الآية لطيفة: وهي أن التقوي في رعاية أحوال النساء مفتقرة إلى المال، فقال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ وقريب من هذا قوله: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ فإن قيل: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ يدل على عدم الاحتياج للكسب في طلب الرزق، وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله ﴾ يدل على الاحتياج فكيف هو؟
نقول: لا يدل على الاحتياج، لأن قوله: ﴿ فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله ﴾ للإباحة كما مر والإباحة مما ينافي الاحتياج إلى الكسب لما أن الاحتياج مناف للتخيير.
<div class="verse-tafsir"
خص النبي صلى الله عليه وسلم بالنداء وعم بالخطاب؛ لأنّ النبي إمام أمّته وقدوتهم، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا كيت وكيت، إظهاراً لتقدّمه واعتباراً لترؤسه، وأنه مدرهُ قومه ولسانهم، والذي يصدرون عن رأيه ولا يستبدون بأمر دونه، فكان هو وحده في حكم كلهم، وسادّاً مسدّ جميعهم.
ومعنى ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء ﴾ إذا أردتم تطليقهنّ وهممتم به على تنزيل المقبل على الأمر المشارف له منزلة الشارع فيه: كقوله عليه السلام: «من قتل قتيلاً فله سلبه» ومنه كان الماشي إلى الصلاة والمنتظر لها في حكم المصلي ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ فطلقوهن مستقبلات لعدتهن، كقولك: أتيته لليلة بقيت من المحرم، أي: مستقبلاً لها.
وفي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: في قُبلِ عدتهنّ، وإذا طلقت المرأة في الطهر المتقدم للقرء الأوّل من أقرائها، فقد طلقت مستقبلة لعدتها.
والمراد: أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه، ثم يخلين حتى تنقضى عدّتهن.
وهذا أحسن الطلاق وأدخله في السنة وأبعده من الندم، ويدل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي أنّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستحبون أن لا يطلقوا أزواجهم للسنة إلا واحدة، ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدّة، وكان أحسن عندهم من أن يطلق الرجل ثلاثاً في ثلاثة أطهار.
وقال مالك بن أنس رضي الله عنه: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة، وكان يكره الثلاث مجموعة كانت أو متفرقة.
وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنما كرهوا ما زاد على الواحد في طهر واحد، فأما مفرقاً في الأطهار فلا؛ لما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن عمر حين طلق امرأته وهي حائض: «ما هكذا أمرك الله، إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً، وتطلقها لكل قرء تطليقة» وروى أنه قال لعمر: «مر ابنك فليراجعها، ثم ليدعها حتى تحيض ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء؛ فتلك العدّة التي أمر الله أن تطلق لها النساء» .
وعند الشافعي رضي الله عنه: لا بأس بإرسال الثلاث، وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة وهو مباح.
فما لك تراعي في طلاق السنة الواحدة والوقت؛ وأبو حنيفة يراعي التفريق والوقت؛ والشافعي يراعي الوقت وحده.
فإن قلت: هل يقع الطلاق المخالف للسنة؟
قلت: نعم، وهو آثم؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنّ رجلاً طلق امرأته ثلاثاً بين يديه، فقال لا «أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم» وفي حديث ابن عمر أنه قال: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثاً، فقال له: «إذن عصيت وبانت منك امرأتك» وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثاً إلا أوجعه ضرباً.
وأجاز ذلك عليه.
وعن سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين: أنّ من خالف السنة في الطلاق فأوقعه في حيض أو ثلث لم يقع، وشبهوه بمن وكل غيره بطلاق السنة فخالف.
فإن قلت: كيف تطلق للسنة التي لا تحيض لصغر أو كبر أو حمل وغير المدخول بها؟
قلت: الصغيرة والآيسة والحامل كلهن عند أبي حنيفة وأبي يوسف يفرق عليهن الثلاث في الأشهر، وخالفما محمد وزفر في الحامل فقالا: لا تطلق للسنة إلا واحدة.
وأما غير المدخول بها فلا تطلق للسنة إلا واحدة، ولا يراعي الوقت.
فإن قلت: هل يكره أن تطلق المدخول بها واحدة بائنة؟
قلت: اختلفت الرواية فيه عن أصحابنا.
والظاهر الكراهة.
فإن قلت: قوله إذا طلقتم النساء عام يتناول المدخول بهن وغير المدخول بهن من ذوات الأقراء والآيسات والصغائر والحوامل، فكيف صحّ تخصيصه بذوات الأقراء المدخول بهن؟
قلت: لا عموم ثم ولا خصوص، ولكن النساء اسم جنس للإناث من الإنس، وهذه الجنسية معنى قائم في كلهن وفي بعضهن، فجاز أن يراد بالنساء هذاوذاك، فلما قيل: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ علم أنه أطلق على بعضهنّ وهنّ المدخول بهن من المعتدات بالحيض ﴿ وَأَحْصُواْ العدة ﴾ واضبطوها بالحفظ وأكملوها ثلاثة أقراء مستقبلات كوامل لا نقصان فيهن، ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ حتى تنقضي عدتهنّ ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ من مساكنهنّ التي يسكنها قبل العدة، وهي بيوت الأزواج؛ وأضيفت إليهنّ لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى.
فإن قلت: ما معنى الجمع بين إخراجهم أو خروجهن؟
قلت: معنى الإخراج: أن لا يخرجهن البعولة غضباً عليهن وكراهة لمساكنتهن، أو لحاجة لهم إلى المساكن، وأن لا يأذنوا لهنّ في الخروج إذا طلبن ذلك، إيذاناً بأنّ إذنهم لا أثر له في رفع الحظر، ولا يخرجن بأنفسهن إن أردن ذلك ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ قرئ: بفتح للياء وكسرها.
قيل: هي الزنا، يعني إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن وقيل: إلا أن يطلقن على النشوز، والنشوز يسقط حقهن في السكنى.
وقيل: إلا أن يبذون فيحل إخراجهنّ لبذائهنّ؛ وتؤكده قراءة أبي ﴿ إلا أن يفحش عليكم ﴾ وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه.
الأمر الذي يحدثه الله: أن يقلب قلبه من بغضها إلى محبتها، ومن الرغبة عنها إلى الرغبة فيها.
ومن عزيمة الطلاق إلى الندم عليه فيراجعها.
والمعنى: فطلقوهنّ لعدتهن وأحصوا العدة، لعلكم ترغبون وتندمون فتراجعون ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ وهو آخر العدة وشارفته، فأنتم بالخيار: إن شئتم فالرجعة والإمساك بالمعروف والإحسان، وإن شئتم فترك الرجعة والمفارقة واتقاء الضرار وهو أن يراجعها في آخر عدتها ثم يطلقها تطويلاً للعدة عليها وتعذيباً لها ﴿ وَأَشْهِدُواْ ﴾ يعني عند الرجعة والفرقة جميعاً.
وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله: ﴿ وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ [البقرة: 282] وعند الشافعي: هو واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة.
وقيل: فائدة الإشهاد أن لا يقع بينهما التجاحد، وأن لا يتهم في إمساكها، ولئلا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث ﴿ مِّنكُمْ ﴾ قال الحسن: من المسلمين.
وعن قتادة: من أحراركم ﴿ لِلَّهِ ﴾ لوجهه خالصاً، وذلك أن تقيموها لا للشهود له ولا للمشهود عليه، ولا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق ودفع الظلم، كقوله تعالى: ﴿ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾ [النساء: 135] أي: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ الحث على إقامة الشهادة لوجه الله ولأجل القيام بالقسط، ﴿ يُوعَظُ بِهِ...
وَمَن يَتَّقِ الله ﴾ يجوز أن تكون جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق من إجراء أمر الطلاق على السنة، وطريقه الأحسن والأبعد من الندم، ويكون المعنى: ومن يتق الله فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد ﴿ يَجْعَلْ ﴾ الله ﴿ لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ مما في شأن الأزواج من الغموم والوقوع في المضايق، ويفرج عنه وينفس ويعطه الخلاص ﴿ وَيَرْزُقْهُ ﴾ من وجه لا يخطره بباله ولا يحتسبه إن أوفى المهر وأدى الحقوق والنفقات وقل ماله.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه سئل عمن طلق ثلاثاً أو ألفاً، هل له من مخرج؟
فتلاها» وعن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال: لم تتق الله فلم يجعل لك مخرجا، بانت منك بثلاث والزيادة إثم في عنقك.
ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله: ﴿ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ ﴾ يعني: ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ومخلصاً من غموم الدنيا والآخرة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأها فقال: «مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة» وقال عليه السلام: «إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله ﴾ فما زال يقرؤها ويعيدها» وروى: أنّ عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً.
فأتى رسول الله فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة؛ فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، ففعل فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها، فنزلت هذه الآية ﴿ بالغ أَمْرِهِ ﴾ أي يبلغ ما يريد لا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب.
وقرئ: ﴿ بالغ أمره ﴾ بالإضافة ﴿ وبالغ أمره ﴾ بالرفع، أيّ: نافذ أمره وقرأ المفضل: ﴿ بالغاً أمره ﴾ ، على أنّ قوله: ﴿ قَدْ جَعَلَ الله ﴾ خبر إن، وبالغاً حال ﴿ قَدْراً ﴾ تقديراً وتوقيتاً.
وهذا بيان لوجوب التوكل على الله، وتفويض الأمر إليه؛ لأنه إذا علم أنّ كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون إلا بتقديره وتوقيته: لم يبق إلا التسليم للقدر والتوكل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما سَبَقَ بِالوَعْدِ عَلى الِاتِّقاءِ عَمّا نَهى عَنْهُ صَرِيحًا أوْ ضِمْنًا مِنَ الطَّلاقِ في الحَيْضِ، والإضْرارِ بِالمُعْتَدَّةِ وإخْراجِها مِنَ المَسْكَنِ، وتَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ وكِتْمانِ الشَّهادَةِ وتَوَقُّعِ جُعْلٍ عَلى إقامَتِها بِأنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِمّا في شَأْنِ الأزْواجِ مِنَ المَضايِقِ والغُمُومِ، ويَرْزُقَهُ فَرَجًا وخَلَفًا مِن وجْهٍ لَمْ يَخْطِرْ بِبالِهِ.
أوْ بِالوَعْدِ لِعامَّةِ المُتَّقِينَ بِالخَلاصِ عَنْ مَضارِّ الدّارَيْنِ والفَوْزِ بِخَيْرِهِما مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ.
أوْ كَلامٌ جِيءَ بِهِ لِلِاسْتِطْرادِ عِنْدَ ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ.
وَعَنْهُ : «إنِّي لَأعْلَمُ آيَةً لَوْ أخَذَ النّاسُ بِها لَكَفَتْهُمْ» .
﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ فَما زالَ يَقْرَؤُها ويُعِيدُها».
وَرُوِيَ «أنَّ سالِمَ بْنَ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أسَرَهُ العَدُوُّ، فَشَكا أبُوهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ لَهُ: «اتَّقِ اللَّهَ وأكْثِرْ قَوْلَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.
فَفَعَلَ فَبَيْنَما هو في بَيْتِهِ إذْ قَرَعَ ابْنُهُ البابَ ومَعَهُ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ غَفَلَ عَنْها العَدُوُّ فاسْتاقَها».
وَفِي رِوايَةٍ «رَجَعَ ومَعَهُ غُنَيْماتٌ ومَتاعٌ».» ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ ﴾ كافِيهِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ ﴾ يَبْلُغُ ما يُرِيدُهُ ولا يَفُوتُهُ مُرادٌ، وقَرَأ حَفْصٌ بِالإضافَةِ، وقُرِئَ «بالِغٌ أمْرُهُ» أيْ نافِذٌ و «بالِغًا» عَلى أنَّهُ حالٌ والخَبَرُ: ﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ تَقْدِيرًا أوْ مُقَدَّرًا، أوْ أجَلًا لا يَتَأتّى تَغْيِيرُهُ، وهو بَيانٌ لِوُجُوبِ التَّوَكُّلِ وتَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن تَأْقِيتِ الطَّلاقِ بِزَمانِ العِدَّةِ والأمْرِ بِإحْصائِها، وتَمْهِيدٌ لِما سَيَأْتِي مِن مَقادِيرِها.
<div class="verse-tafsir"
{وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه ويجوز أن يجاء بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله ذلك يُوعَظُ بِهِ أي ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ومخلصاً من غموم الدنيا والآخرة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها فقال مخرجاً من شبهات الدنيا ومن غمرات المت ومن شدائد يوم القيامة وقال صلى الله عليه وسلم إني لأعلم آية لو اخذ الناس بهم لكفتهم ومن يتق الله فما زال يقرؤها ويعيدها وروى أن عرف بن مالك أسر المشركون ابناً له فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أسر ابني وشكا إليه الفاقة فقال ما أمسى عند آل محمد الامد فاتق الله واصبرو وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فعاد إلى بيته وقال لامرأته ان رسول الله أمرنيوايكاان نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فقالت نعم ما أمرنا به فجعلا يقولان ذلك فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدو فاستاقها فنزلت هذه الآية {وَمَن يَتَوَكَّلْ على الله} يكل أمره إليه عن طمع غيره وتدبير نفسه {فهو حسبه} كافيه من الدارين {إِنَّ الله بالغ أَمْرِهِ} حفص أي منفذ أمره غيره بالغٌ أمرَه أي يبلغ ما يريد لا يفوته مراد
ولا يعجزه مطلوب {قَدْ جَعَلَ الله لِكُلّ شَىْء قَدْراً} تقديراً وتوقيتاً وهذا بيان لوجوب التوكل على الله وتفويض الأمر إليه لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق ونحوه لا يكون الا بتقديره وتوقيته ولم يتق إلا التسليم للقدر والتوكل
﴿ ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ فَإنَّهُ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ ما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ بِالوَعْدِ عَلى اتِّقاءِ اللَّهِ تَعالى فِيها، فالمَعْنى ومَن يَتَّقِ اللَّهَ تَعالى فَطَلَّقَ لِلسُّنَّةِ، ولَمْ يُضارَّ المُعْتَدَّةَ، ولَمْ يُخْرِجْها مِن مَسْكَنِها واحْتاطَ فَأشْهَدَ يَجْعَلْ لَهُ سُبْحانَهُ مَخْرَجًا مِمّا عَسى أنْ يَقَعَ في شَأْنِ الأزْواجِ مِنَ الغُمُومِ والوُقُوعِ في المَضايِقِ ويُفَرِّجْ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ الكُرُوبِ، ويَرْزُقْهُ مِن وجْهٍ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ ولا يَحْتَسِبُهُ، وفي الأخْبارِ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ - كَعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ - ما يُؤَيِّدُ بِظاهِرِهِ هَذا الوَجْهَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا جِيءَ بِهِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ ﴾ إلَخْ، فالمَعْنى ومَن يَتَّقِ اللَّهَ تَعالى في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِن غُمُومِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهو أوْلى لِعُمُومِ الفائِدَةِ، وتَناوُلِهِ لِما نَحْنُ فِيهِ تَناوُلًا أوَّلِيًّا، ولِاقْتِضاءِ أخْبارٍ في سَبَبِ النُّزُولِ وغَيْرِهِ لَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ومَن يَتَّقِ ﴾ إلَخْ فَقالَ: مَخْرَجًا مِن شُبُهاتِ الدُّنْيا ومِن غَمَراتِ المَوْتِ ومِن شَدائِدِ يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ - في المَعْرِفَةِ - والبَيْهَقِيُّ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ ﴿ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ ﴿ ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ فَجَعَلَ يُرَدِّدُها حَتّى نَعَسْتُ ثُمَّ قالَ: يا أبا ذَرٍّ لَوْ أنَّ النّاسَ كُلَّهم أخَذُوا بِها لَكَفَتْهم»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««جاءَ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ الأشْجَعِيُّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنِيَ أسَرَهُ العَدُوُّ وجَزِعَتْ أُمُّهُ فَما تَأْمُرُنِي ؟
قالَ: آمُرُكَ وإيّاها أنْ تَسْتَكْثِرا مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ فَقالَتِ المَرْأةُ: نِعْمَ ما أمَرَكَ فَجَعَلا يُكْثِرانِ مِنها فَتَغَفَّلَ العَدُوَّ فاسْتاقَ غَنَمَهم فَجاءَ بِها إلى أبِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ »» الآيَةَ.
وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ مَوْلى آلِ قَيْسٍ قالَ: ««جاءَ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ الأشْجَعِيُّ إلى النَّبِيِّ فَقالَ لَهُ: أُسِرَ ابْنُ عَوْفٍ فَقالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أرْسِلْ إلَيْهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَأْمُرُكَ أنْ تُكْثِرَ مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ وكانُوا قَدْ شَدُّوهُ بِالقَدِّ فَسَقَطَ القَدُّ عَنْهُ فَخَرَجَ فَإذا هو بِناقَةٍ لَهم فَرَكِبَها فَإذا سَرْحٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ كانُوا شَدَّدُوهُ فَصاحَ بِها فاتَّبَعَ آخِرُها أوَّلَها فَلَمْ يَفْجَأْ أبَوَيْهِ إلّا وهو يُنادِي بِالبابِ فَأتى أبُوهُ رَسُولَ اللَّهِ فَأخْبَرَهُ فَنَزَلَتْ ﴿ ومَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ » إلَخْ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ أصابَهُ جُهْدٌ وبَلاءٌ فَشَكا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ««اتَّقِ اللَّهَ واصْبِرْ فَرَجَعَ ابْنُهُ وقَدْ أصابَ أعَنُزًا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتْ فَقالَ: هي لَكَ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مُضْطَرِبٌ عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وعَلى القَوْلِ بِالِاسْتِطْرادِ قِيلَ: المَعْنى مَن يَتَّقِ الحَرامَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إلى الحَلالِ، وقِيلَ: مَخْرَجًا مِنَ الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ، وقِيلَ: مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ.
وقِيلَ: مَخْرَجًا مِنَ العُقُوبَةِ ﴿ ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ مِنَ الثَّوابِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ”مَن يَتَّقِ اللَّهَ“ عِنْدَ المُصِيبَةِ ﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ إلى الجَنَّةِ، والكُلُّ كَما تَرى، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ العُمُومُ الَّذِي سَمِعْتَهُ، وفي الكَشْفِ إنَّ تَنْوِيعَ الوَعْدِ لِلْمُتَّقِي وتَكْرِيرَ الحَثِّ عَلَيْهِ بَعْدَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّقْوى مِلاكُ الأمْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ناطَ بِهِ سُبْحانَهُ سَعادَةَ الدّارَيْنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ الطَّلاقِ والعِدَّةَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَقْوى لِأنَّهُ أبْغَضُ المُباحِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِما يَتَضَمَّنُ مِنَ الإيحاشِ وقَطْعِ الأُلْفَةِ المُمَهِّدَةِ، ثُمَّ الِاحْتِياطُ في أمْرِ النَّسَبِ الَّذِي هو مِن جُلَّةِ المَقاصِدِ يُؤْذِنُ بِالتَّشْدِيدِ في أمْرِ العِدَّةِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْوى لِيَقَعَ الطَّلاقُ عَلى وجْهٍ يُحْمَدُ عَلَيْهِ، ويُحْتاطُ في العِدَّةِ ما يَجِبُ فَهُنالِكَ يَحْصُلُ لِلزَّوْجَيْنِ المَخْرَجُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وعَلَيْهِ فالزَّوْجَةُ داخِلَةٌ في العُمُومِ كالزَّوْجِ ﴿ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ ﴾ أيْ كافِيهِ عَزَّ وجَلَّ في جَمِيعِ أُمُورِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ وهْبٍ قالَ: ««يَقُولُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: إذا تَوَكَّلَ عَلَيَّ عَبْدِي لَوْ كادَتْهُ السَّماواتُ والأرْضُ جَعَلْتُ لَهُ مِن بَيْنِ ذَلِكَ المَخْرَجَ»» ﴿ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ ﴾ بِإضافَةِ الوَصْفِ إلى مَفْعُولِهِ والأصْلُ بالِغٌ أمْرَهُ بِالنَّصْبِ - كَما قَرَأ بِهِ الأكْثَرُونَ - أيْ يَبْلُغُ ما يُرِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ ولا يَفُوتُهُ مُرادٌ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ في رِوايَةٍ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «بالِغٌ» بِالرَّفْعِ مُنَوَّنًا «أمْرُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلُ - بالِغٌ -الخَبَرُ - لِأنَّ- أوْ مُبْتَدَأٌ، وبالِغٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ أيْ نافِذٌ أمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ المُفَضَّلُ في رِوايَةٍ أيْضًا بالِغًا بِالنَّصْبِ «أمْرُهُ» بِالرَّفْعِ، وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّ بالِغًا حالٌ مِن فاعِلِ ”جَعَلَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ لا مِنَ المُبْتَدَأِ لِأنَّهم لا يَرْتَضُونَ مَجِيءَ الحالِ مِنهُ، وجُمْلَةُ ﴿ قَدْ جَعَلَ ﴾ إلَخْ خَبَرُ ”إنَّ“، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بالِغًا هو الخَبَرُ عَلى لُغَةِ مَن يَنْصِبُ الجُزْأيْنِ - بِإنَّ - كَما في قَوْلِهِ: إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ خُطاكَ خِفافًا إنَّ حُرّاسَنا أُسْدا وتُعُقِّبَ بِأنَّها لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ومَعْنى ﴿ قَدْرًا ﴾ تَقْدِيرًا، والمُرادُ تَقْدِيرُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ، أوْ مِقْدارًا مِنَ الزَّمانِ، وهَذا بَيانٌ لِوُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ إذا عُلِمَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ لا يَكُونُ إلّا بِتَقْدِيرِهِ تَعالى لا يَبْقى إلّا التَّسْلِيمُ لِلْقَدَرِ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ مِن تَأْقِيتِ الطَّلاقِ والأمْرِ بِإحْصاءِ العِدَّةِ، وتَمْهِيدٍ لِما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن مَقادِيرِها.
وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «قَدَرًا» بِفَتْحِ الدّالِ <div class="verse-tafsir"
وهي اثنتا عشرة آية مدنية قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ، فالخطاب للنبي والمراد به هو وأمته، بدليل قوله: إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ، فذكر بلفظ الجماعة، فكأنه قال: يا أيها النبي ومن آمن بك، إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ يعني: أنت وأمتك.
إذا أردتم أن تطلقوا النساء.
وقال الكلبي: نزلت في النبي ، حين غضب على حفصة بنت عمر، فقال: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ.
وقال: طاهرات، من غير جماع.
وروى أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ طاهرات من غير جماع.
روى سفيان، عن عمرو بن دينار: أن ابن عباس- ما- قرأ فطلقوهن قبل عدتهن وروي عن علي بن أبي طالب- - قال: لو أن الناس أصابوا حد الطلاق، لما ندم رجل على امرأته يطلقها، وهي طاهرة لم يجامعها.
فإن بدا أن يمسكها أمسكها، وإن بدا له أن يخلي سبيلها خلى.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: الطلاق على أربعة أوجه: وجهان حلال، ووجهان حرام.
فأما الحلال، بأن يطلقها من غير جماع، أو يطلقها حاملاً.
وأما الحرام، بأن يطلقها حائضاً، أو يطلقها حين جامعها.
وقال الحسن: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قال: إذا طهرن من الحيض من غير جماع.
وقال الزهري، وقتادة: يطلقها لقبيل عدتها.
وروى ابن طاوس، عن أبيه قال: حد الطلاق أن يطلقها قبل عدتها.
قلت: وما قبل عدتها؟
قال: طاهرة من غير جماع.
ثم قال: وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ يعني: واحفظوا العدة.
فأمر الرجل بحفظ العدة، لأن في النساء غفلة، فربما لا تحفظ عدتها.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ يعني: واخشوا الله ربكم، فأطيعوه فيما أمركم ولا تطلقوا النساء في غير طهورهن.
فلو طلقها في الحيض، فقد أساء.
والطلاق واقع عليها في قول عامة الفقهاء.
ثم قال: لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ يعني: اتقوا الله في إخراجهن من بيوتهن لأن سكناها على الزوج ما لم تنقض عدتها ثم قال: وَلا يَخْرُجْنَ يعني: ليس لهن أن يخرجن من البيوت.
ثم قال: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يعني: إلا أن تزني فتخرج لأجل إقامة الحد عليها، وهو قول ابن مسعود.
وقال الشعبي، وقتادة: خروجها في العدة فاحشة.
وإخراج الزوج لها في العدة معصية وهكذا روي، عن ابن عمرو، وإبراهيم النخعي.
وقال ابن عباس: الفاحشة أن تبذو على زوجها فتخرج.
ثم قال: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يعني: الطلاق بالسنة، وإحصاء العدة من أحكام الله تعالى.
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ يعني: يترك حكم الله فيما أمر من أمر الطلاق.
فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ يعني: أضر بنفسه.
ثم قال: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً يعني: لا تطلقها ثلاثاً، فلعله يحدث من الحب أو الولد خير، فيريد أن يراجعها فلا يمكنه مراجعتها.
وإن طلقها واحدة، يمكنه أن يراجعها.
ثم قال: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يعني: إذا بلغن وقت انقضاء عدتهن، وهو مضي ثلاث حيض ولم تغتسل من الحيضة الثالثة، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ يعني: راجعوهن بإحسان، يعني: أن تمسكوهن بغير إضرار.
أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ يعني: اتركوهن بإحسان.
ويقال: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يعني: انقضت عدتهن، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ يعني: بنكاح جديد إذا طلقها واحدة أو اثنتين.
ثم قال عز وجل: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ يعني: أشهدوا على الطلاق والمراجعة فهو على الاستحباب.
ويقال: على النكاح المستقبل، فإن أراد به الإشهاد على الطلاق والمراجعة، فهو على الاستحباب.
ولو ترك الإشهاد بالمراجعة، جاز الطلاق والمراجعة.
فإن أراد به الإشهاد على النكاح، فهو واجب، لأنه لا نكاح إلاَّ بشهود.
ثم قال: وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ يعني: يا معشر الشهود، أدوا الشهادة عند الحاكم بالعدل على وجهها لحق الله تعالى ولسبب أمر الله تعالى.
ثم قال: ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ يعني: هذا الذي يؤمر به.
مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي: لا يكتم الشهادة.
ثم قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً يعني: يخشى الله ويطلق امرأته للسنة، يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً يعني: المراجعة.
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ يعني: في شأن المراجعة.
ويقال: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً يعني: ينجو من ظلمات يوم القيامة ويرزقه الجنة.
ووجه آخر: أن من اتقى الله عند الشدة وصبر، يجعل له مخرجاً من الشدة وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ يعني: يوسع عليه من الرزق.
وقال مسروق: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً قال: مخرجه أن يعلم أن الله هو يرزقه، وهو يمنحه ويعطيه، لأنه هو الرازق وهو المعطي وهو المانع.
كما قال الله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ [فاطر: 3] الآية.
ثم قال عز وجل: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ يعني: من يثق بالله في الرزق فَهُوَ حَسْبُهُ يعني: الله كافيه.
وروى سالم بن أبي الجعد: أن رجلاً من أشجع أسره العدو، فجاء أبوه إلى النبي ، فشكا إليه، فقال: اصبر.
فأصاب ابنه غنيمة، فجاء بهما جبريل- - وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً الآية.
وعن عبد الله بن عباس- - قال: جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى رسول الله ، فقال: يا رسول الله إن ابني أسره العدو وجزعت الأم، فما تأمرني؟
فقال: آمرك وإياها أن تستكثرا من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فرجع إلى منزله، فقالت له: بماذا أمرك رسول الله ؟
فقال: بكذا.
فقالت: نعم ما أمرك به.
فجعلا يقولان ذلك، فخرج ابنه بغنيمة كثيرة، فنزل قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ يعني: من يتق بالله في الشدة، يجعل له مخرجاً من الشدة.
ويقال: المخرج على وجهين: أحدهما أن يخرجه من تلك الشدة، والثاني أن يكرمه فيها بالرضا والصبر.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ يعني: قاضياً أمره.
قرأ عاصم في رواية حفص بالِغُ أَمْرِهِ بغير تنوين، بكسر الراء على الإضافة، والباقون بالتنوين أَمْرِهِ بالنصب، نصبه بالفعل بمعنى يمضي أمره في الشدة والرخاء أجلاً ووقتاً.
ثم قال: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً يعني: جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلاً ووقتاً، لا يتقدم ولا يتأخر.
قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ.
قال ابن عباس- ما-: لما نزل قوله: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: 228] قال معاذ بن جبل: يا رسول الله، لو كانت المرأة آيسة لا تحيض، كيف تعتد؟
فنزل: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ والآية.
أن تبلغ ستين سنة، ويقال خمسين.
إِنِ ارْتَبْتُمْ، إن شككتم في عدتهن، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ، فقام رجل آخر، فقال: لو كانت صغيرة، كيف عدتها؟
وقام آخر وقال: لو كانت حاملاً، كيف عدتها؟
فنزل: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ يعني: المرأة التي لم تحض، فعدتها ثلاثة أشهر مثل عدة الآيسة.
وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ يعني: عدتهن أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وقال عمر: لو وضعت ما في بطنها وزوجها على سريره، قبل أن يدفن في حفرته، لا نقضت عدتها وحلت للأزواج.
وروى الزهري، عن عبد الله، عن أبيه: أن سبيعة بنت الحارث قد وضعت بعد وفاة زوجها بعشرين يوماً، فمر بها السنابل بن بعكك، فقال لها: أَتُرِيدِينَ أنْ نتزوج؟
فقالت: نعم.
قال: لا حتى يأتي عليك أربعة أشهر وعشر.
فأتت النبيّ ، فقال لها قد حللت للزواج يعني: انقضت عدتك.
ثم قال: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يعني: يصبر على طاعة الله تعالى، يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً يعني: ييسر عليه أمره، ويوفقه ليعمل على طاعة الله تعالى، ويعصمه عن معاصيه.
ثم قال: ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: هذا الذي ذكره حكم الله وفريضته.
أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ يعني: أنزله في القرآن على نبيكم.
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ويعمل بأحكامه وفريضته، يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ في الدنيا، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً يعني: ثواباً في الجنة.
قرأ نافع، وابن عامر نَّكْفُرَ عَنْهُ بالنون، والباقون بالياء، ومعناهما: يرجع إلى شيء واحد.
ثم رجع إلى ذِكْرِ المطلقات.
<div class="verse-tafsir"
الله ما يقدّر يكن وما ترزق يأتك «١» ، وعنه صلّى الله عليه وسلّم «اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بالصَّدَقَة» «٢» ، انتهى من كتابه المسمى ب «بهجة المَجَالسِ وأنس المجالس» .
وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ هذهِ الآياتُ كلُّها عِظةٌ لجميعِ الناسِ، ومعنى حَسْبُهُ: كَافِيهِ.
وقال ابن مسعود: هذه أكْثَرَ الآيات حَضًّا على التفويضِ للَّه «٣» .
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ بَيَانٌ، وَحَضٌّ عَلى التوكلِ، أي: لا بُدَّ مِنْ نفوذِ أمرِ اللَّهِ توكلتَ أيُّهَا المرءُ أوْ لَمْ تَتَوَكَّلْ قاله مسروق فإنْ توكلتَ على اللَّهِ كَفَاكَ وَتَعَجَّلَتِ الراحةُ والبَرَكةُ، وإن لم تتوكَّلْ وَكَلَكَ إلى عَجْزِكَ وَتَسَخَّطَكَ، وأمرُه سبحانَه في الوجهين نَافِذٌ.
وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦)
وقوله سبحانه: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ ...
الآية، «اللائي» جمعُ «التي» واليائساتُ من المحيض على مراتبَ مَحَلُّ بَسْطِها كُتُبُ الفِقْهِ، وروى إسماعيلُ بْنُ خالدٍ أنَّ قَوْماً منهم أُبَيُّ بن كعبٍ وخَلاَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ، لما سمعوا قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] قالوا: يا رسول الله
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ أيْ: قارَبْنَ انْقِضاءَ العِدَّةِ "فَأمْسَكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ" وهَذا مُبَيَّنٌ في [البَقَرَةِ: ٢٣١] "وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ" قالَ المُفَسِّرُونَ: أشْهِدُوا عَلى الطَّلاقِ، أوِ المُراجَعَةِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلِ الإشْهادُ عَلى المُراجَعَةِ واجِبٌ، أمْ مُسْتَحَبٌّ؟
وفِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ قَوْلانِ ثُمَّ قالَ لِلشُّهَداءِ: "وَأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ" أيِ: اشْهَدُوا بِالحَقِّ، وأدُّوها عَلى الصِّحَّةِ، طَلَبًا لِمَرْضاةِ اللَّهِ، وقِيامًا بِوَصِيَّتِهِ.
وما بَعْدَهُ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [البَقَرَةِ: ٢٣٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ فَذَكَرَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّها نَزَلَتْ في «عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، أسَرَ العَدُوُّ ابْنًا لَهُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ، وشَكا إلَيْهِ الفاقَةَ، فَقالَ: اتَّقِ اللَّهَ، واصْبِرْ، وأكْثِرْ مِن قَوْلِ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ، فَغَفَلَ العَدُوُّ عَنِ ابْنِهِ، فَساقَ غَنَمَهُمْ، وجاءَ بِها إلى أبِيهِ، وهي أرْبَعَةُ آلافِ شاةٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وَفِي مَعْناها لِلْمُفَسِّرِينَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يُنْجِهِ مِن كُلِّ كَرْبٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: بِأنَّ مَخْرَجَهُ: عِلْمُهُ بِأنَّ ما أصابَهُ مِن عَطاءٍ أوْ مَنعٍ، مِن قِبَلِ اللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ، فَيُطَلِّقْ لِلسُّنَّةِ، ويُراجِعْ لِلسَّنَةِ، يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والرّابِعُ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ المُصِيبَةِ، يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ الحَرامِ إلى الحَلالِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والصَّحِيحُ أنَّ هَذا عامٌّ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ لِلتَّقِيِّ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما يُضَيَّقُ عَلَيْهِ.
ومَن لا يَتَّقِي، يَقَعُ في كُلِّ شِدَّةٍ.
قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما يُضَيَّقُ عَلى النّاسِ "وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ" أيْ: مِن حَيْثُ لا يَأْمُلُ، ولا يَرْجُو.
قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: إذا اتَّقى اللَّهَ في طَلاقِهِ، وجَرى في ذَلِكَ عَلى السُّنَّةِ، رَزَقَهُ اللَّهُ أهْلًا بَدَلَ أهْلِهِ "وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ" أيْ: مَن وثِقَ بِهِ فِيما نابَهُ، كَفاهُ اللَّهُ ما أهَمَّهُ "إنَّ اللَّهَ بالِغٌ أمْرَهُ " ورَوى حَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ ﴿ بالِغُ أمْرِهِ ﴾ مُضافٌ.
والمَعْنى: يَقْضِي ما يُرِيدُ ﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ أيْ: أجَلًا ومُنْتَهًى يَنْتَهِي إلَيْهِ، قَدَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَلا يُقَدَّمُ ولا يُؤَخَّرُ.
قالَ مُقاتِلٌ: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ قَدْرًا، فَقَدَّرَ مَتى يَكُونُ هَذا الغَنِيُّ فَقِيرًا، وهَذا الفَقِيرُ غَنِيًّا.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الطَلاقِ وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِ أهْلِ التَفْسِيرِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها النَبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا اللهَ رَبَّكم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ولا يَخْرُجْنَ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وتِلْكَ حُدُودُ اللهَ ومَن يَتَعَدَّ حُدُودُ اللهَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَهادَةَ لِلَّهِ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ فَهو حَسْبُهُ إنَّ اللهِ بالِغُ أمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهِ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ الطَلاقُ عَلى الجُمْلَةِ مَكْرُوهٌ، لِأنَّهُ تَبْدِيدٌ شَمْلٍ في الإسْلامِ، ورَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "لا تُطَلِّقُوا النِساءَ إلّا مِن رِيبَةٍ، فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الذَوّاقِينَ ولا الذَوّاقاتِ"،» ورَوى أنَسٌ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "ما حَلَفَ بِالطَلاقِ ولا اسْتُحْلِفَ بِهِ إلّا مُنافِقٌ"».
واخْتُلِفَ في البِدايَةِ بِالنَبِيِّ ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ "طَلَّقْتُمْ"، فَقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ -حَكاهُ الزَهْراوِيُّ -:ذَلِكَ خُرُوجٌ مِن مُخاطَبَةِ أفْرادٍ إلى مُخاطَبَةِ جَماعَةٍ، وهَذا مَوْجُودٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: إنَّ في نِداءِ النَبِيِّ أُرِيدَتْ أُمَّتُهُ مَعَهُ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "طَلَّقْتُمُ"، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: إنَّ المَعْنى: يا أيُّها النَبِيُّ قُلْ لَهم إذا طَلَّقْتُمْ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مِن حَيْثُ يَقُولُ الرَجُلُ العَظِيمُ: "فَعَلْنا وصَنَعْنا"، خُوطِبَ النَبِيُّ في هَذِهِ بِـ "طَلَّقْتُمْ" إظْهارًا لِتَعْظِيمِهِ، وهَذا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى في عَبْدِ اللهِ بْن أُبَيٍّ: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ﴾ إذا كانَ قَوْلُهُ مِمّا يَقُولُهُ جَماعَةٌ، فَكَذَلِكَ النَبِيُّ في هَذِهِ ما يُخاطِبُ بِهِ فَهو خِطابُ لِجَماعَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي في هَذا أنَّهُما خِطابانِ مُفْتَرِقانِ، خُوطِبَ النَبِيُّ عَلى مَعْنى تَنْبِيهٍ لِسَماعِ القَوْلِ وتَلَقِّي الأمْرَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: ﴿ إذا طَلَّقْتُمُ ﴾ ، أيْ: أنْتَ وأُمَّتُكَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "إذا طَلَّقْتُمُ" ابْتِداءُ كَلامٍ كَما لَوْ ابْتَدَأ السُورَةَ بِهِ، وطَلاقُ النِساءِ حَلُّ عِصْمَتِهِنَّ، وصُورَةُ ذَلِكَ وتَنْوِيعُهُ مِمّا لا يَخْتَصُّ بِالتَفْسِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ ، أيْ: لِاسْتِقْبالِها وقِوامِها وتَقْرِيبِها عَلَيْهِنَّ، وقَرَأ عُثْمانُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ومُجاهِدٌ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ"، أيْ: لِاسْتِقْبالِها، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ القِراءَتَيْنِ عَنِ النَبِيِّ ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِقُبُلِ طُهْرِهِنَّ".
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُطَلِّقَ أحَدٌ امْرَأتَهُ إلّا في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّها فِيهِ، هَذا عَلى مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرِهِ مِمَّنْ قالَ: إنَّ "الأقْراءَ": الأطْهارُ، فَيُطَلِّقُ عِنْدَهُمُ المُطَلِّقُ في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ، وتُعْتَدُّ بِهِ المَرْأةُ ثُمَّ تَحِيضُ حَيْضَتَيْنِ تَعْتَدُّ بِالطُهْرِ الَّذِي بَيْنَهُما، ثُمَّ تُقِيمُ في الطُهْرِ الثالِثِ مُعْتَدَّةً بِهِ، فَإذا رَأتْ أوَّلَ لِحَيْضَةِ الثالِثَةِ حَلَّتْ، ومَن قالَ: بِأنَّ "الأقْراءَ": الحَيْضُ -وَهُمُ العِراقِيُّونَ- قالَ: "لِعِدَّتِهِنَّ"، مَعْناهُ أنْ تُطَلَّقَ طاهِرًا، فَتَسْتَقْبِلُ ثَلاثَ حِيَضٍ كَوامِلَ، فَإذا رَأتِ الطُهْرَ بَعْدَ الثالِثَةِ حَلَّتْ، ويَخِفُّ عِنْدَ هَؤُلاءِ مَسٌّ في طُهْرِ الطَلاقِ أو لَمْ يَمَسَّ، وكَذَلِكَ مالِكٌ يَقُولُ: "إنْ طَلَّقَ في طُهْرٍ قَدْ مَسَّ فِيهِ مَضى الطَلاقُ"، ولا يَجُوزُ طَلاقُ الحائِضِ لِأنَّها تَطُولُ العِدَّةُ عَلَيْها، وقِيلَ: بَلْ تَعْتَدُّ، ولَوْ عَلَّلَ بِالتَطْوِيلِ لا يَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ ولَوْ رَضِيَتْهُ، والأصْلُ في ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، قالَ: «طَلَّقْتُ امْرَأتِي وهي حائِضٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ فَقالَ لِعُمَرَ: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لِيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ يُطَلِّقُها إنْ شاءَ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللهُ تَعالى بِها أنْ يُطَلَّقَ لَها النِساءُ"،» ورَوى حُذَيْفَةُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "طَلِّقُوا المَرْأةَ في قُبُلِ طُهْرِها".» ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِإحْصاءِ العِدَّةِ لِما يَلْحَقُ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الرَجْعَةِ والسُكْنى والمِيراثِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُنَّ أحَقُّ بِسُكْنى بُيُوتِهِنَّ الَّتِي طُلِّقْنَ فِيها، فَنَهى عن إخْراجِهِنَّ وعن خُرُوجِهِنَّ، وسُنَّةُ ذَلِكَ ألّا تَبِيتَ المَرْأةُ المُطَلَّقَةُ "بَعِيدَةً" عن بَيْتِها ولا تَغِيبَ عنهُ نَهارًا إلّا في ضَرُورَةٍ وما لا خَطْبَ لَهُ مِن جائِزِ التَصَرُّفِ، وذَلِكَ لِحِفْظِ النَسَبِ والتَحَرُّزِ بِالنِساءِ، فَإنْ كانَ البَيْتُ مِلْكًا لِلزَّوْجِ أو بِكِراءٍ مِنهُ فَهَذا حُكْمُهُ، فَإنْ كانَ لَها فَعَلَيْهِ الكِراءُ، فَإنْ كانَ قَدْ أمْتَعَتْهُ مُدَّةَ الزَوْجِيَّةِ فَفي لُزُومِ خُرُوج العِدَّةِ لَهُ قَوْلانِ في المَذْهَبِ: اللَزْمُ رِعايَةً لِانْفِصالِ مُكارَمَةِ النِكاحِ، والسُقُوطُ مِن أجْلِ أنَّ العِدَّةَ مِن سَبَبِ النِكاحِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ ، فَقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: ذَلِكَ الزِنا، فَيَخْرُجْنَ لِلْحَدِّ، وهَذا قَوْلُ الشَعْبِيِّ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وحَمّادٍ، واللَيْثِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ذَلِكَ البِذاءُ عَلى الأحْماءِ، فَتَخْرُجُ ويُسْقِطُ حَقُّها مِنَ السُكْنى، وتَلْزَمُ الإقامَةُ في مَسْكَنٍ تَتَّخِذُهُ حِفْظًا لِلنَّسَبِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إلّا أنْ يَفْحُشْنَ عَلَيْكُمْ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الفاحِشَةُ جَمِيعُ المَعاصِي، فَمَتى سَرَقَتْ أو زَنَتْ أو أرْبَتْ في تِجارَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ حَقُّها في السُكْنى، وقالَ ابْنُ عُمَرَ والسُدِّيُّ: الفاحِشَةُ الخُرُوجُ عَنِ البَيْتِ خُرُوجُ انْتِقالٍ، فَمَتى فَعَلَتْ ذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَ حَقُّها في السُكْنى، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: المَعْنى: أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ في نُشُوزٍ عَنِ الزَوْجِ فَيُطْلِّقُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ عَلَيْهِ سُكْنى، وقالَ بَعْضُ الناسِ: الفاحِشَةُ مَتى ورَدَتْ مَعْرِفَةً فَهي الزِنا، ومَتى جاءَتْ مُنَكَّرَةً فَهي المَعاصِي، فَمَرَّةً يُرادُ بِها سُوءُ عِشْرَةِ الزَوْجِ ومَرَّةً غَيْرَ ذَلِكَ.
وقَرَأ عاصِمٌ: "مُبَيَّنَةً" بِفَتْحِ الياءِ المُشَدَّدَةِ، تَقُولُ: بانَ الأمْرُ وبَيَّنْتُهُ أنا عَلى تَضْعِيفِ التَعْدِيَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِكَسْرِها، تَقُولُ بانَ الأمْرُ وبَيَّنَ بِمَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ التَضْعِيفَ لِلْمُبالَغَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: قَدْ بَيَّنَ الصُبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ أوامِرِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا ﴾ ، قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: يُرِيدُ بِهِ الرَجْعَةَ، أيْ: أحْصُوا العِدَّةَ، وامْتَثِلُوا هَذِهِ الأوامِرَ المُتَّفِقَةَ لِنِسائِكُمْ، الحافِظَةَ لِأنْسابِكُمْ، وطَلِّقُوا عَلى السُنَّةِ، تَجِدُوا المَخْلَصَ إنْ نَدِمْتُمْ، فَإنَّكم لا تَدْرُنَ لَعَلَّ الرَجْعَةَ تَكُونُ بَعْدُ، والإحْداثُ هُنا بَيِّنُ التَوَجُّهِ، عِبارَةٌ عَمّا يُوجَدُ مِنَ التَراجُعِ، وجَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أمْرًا مِنَ النُسَخِ، وفي ذَلِكَ بُعْدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ يُرِيدُ بِهِ آخِرَ القُرْءِ، و"الإمْساكُ بِالمَعْرُوفِ" هو حُسْنُ العِشْرَةِ في الإنْفاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"المُفارَقَةُ بِالمَعْرُوفِ" هو أداءُ المَهْرِ والمُتَعَةُ ودَفْعُ جَمِيعِ الحُقُوقِ والوَفاءُ بِالشُرُوطِ وغَيْرُ ذَلِكَ حَسَبَ نازِلَةٍ نازِلَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ يُرِيدُ: عَلى الرَجْعَةِ، وذَلِكَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الرَجْعَةِ، وَلِلْمَرْأةِ مَنعُ الزَوْجِ مِن نَفْسِها حَتّى يَشْهَدَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُرادُ: عَلى الرَجْعَةِ وعَلى الطَلاقِ؛ لِأنَّ الإشْهادَ يَرْفَعُ مِنَ النَوازِلِ إشْكالاتٍ كَثِيرَةً، وتَقْيِيدُ تارِيخِ الإشْهادِ مِنَ الإشْهادِ، وقالَ النَخْعِيُّ: العَدْلُ مَن لَمْ تَظْهَرْ مِنهُ رِيبَةٌ، وهَذا قَوْلُ الفُقَهاءِ، والعَدْلُ حَقِيقَةُ الَّذِي لا يَخافُ إلّا اللهَ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأقِيمُوا الشَهادَةَ لِلَّهِ ﴾ أمْرٌ لِلشُّهُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى إقامَةِ الشَهادَةِ، وذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ فُصُولِ الأحْكامِ والأُمُورِ فَإنَّما تَدُورُ عَلى إقامَةِ الشَهادَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ﴾ ، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وكَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو في مَعْنى الطَلاقِ، أيْ: ومَن لا يَتَعَدّى في طَلاقِ السُنَّةِ إلى طَلاقِ الثَلاثِ وغَيْرِ ذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ لَهُ مَخْرَجًا إنْ نَدِمَ بِالرَجْعَةِ، المُباحَةِ ويَرْزُقُهُ ما يُطْعِمُ أهْلُهُ، ويُوَسِّعُ عَلَيْهِ، ومَن لا يَتَّقِ اللهَ فَرُبَّما طَلَّقَ وبَتَّ ونَدِمَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ، وزالَ عَلَيْهِ رِزْقُ زَوْجَتِهِ، وقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما نَحْوَ هَذا، فَقالَ لِلْمُطَلِّقِ ثَلاثًا: أنْتَ لَمْ تَتَّقِ اللهَ تَعالى، فَبانَتْ مِنكَ امْرَأتُكَ ولا أرى لَكَ مَخْرَجًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: مَعْنى "يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا "يُخَلِّصُهُ مِن كُرَبِ الدُنْيا والآخِرَةِ، واخْتَلَفَ في ألْفاظِ رِوايَةِ هَذِهِ القِصَّةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، لَكِنَّ هَذا هو المَعْنى.
وقالَ بَعْضُ رُواةِ الآثارِ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ أُسِرَ ولَدُهُ، وقُدِّرَ عَلَيْهِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللهِ ، فَأمَرَ بِالتَقْوى، فَقِيلَ: لَمْ يَلْبَثْ أنْ تَفَلَّتَ ولَدُهُ، وأخَذَ قَطِيعَ غَنَمٍ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ أسَرُوهُ، وجاءَ أباهُ، فَسَألَ عَوْفٌ رَسُولَ اللهِ : أتَطِيبُ لَهُ تِلْكَ الغَنَمُ؟
فَقالَ رَسُولُ اللهِ : نَعَمْ،» ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ فَهو حَسْبُهُ ﴾ الآيَةُ كُلُّها لِجَمِيعِ الناسِ، و"الحَسْبُ": الكافِي المَرَضِيُّ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هَذِهِ أكْثَرُ الآياتِ حَضًّا عَلى التَفْوِيضِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ولِّنِي مِمّا ولّاكَ اللهُ تَعالى، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: أتُقْرَأُ القُرْآنَ؟
قالَ: لا، قالَ عُمَرُ: فَإنّى لا أُولِي مَن لا يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَتَعَلَّمَ الرَجُلُ رَجاءَ الوِلايَةِ، فَلَمّا حَفِظَ كَثِيرًا مِنَ القُرْآنِ تَخَلَّفَ عن عُمَرَ، ثُمَّ لَقِيَهُ يَوْمًا فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أبْطَأ بِكَ؟
قالَ: تَعَلَّمْتُ القُرْآنَ فَأغْنانِي اللهُ عن عُمَرَ وعن بابِهِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآياتِ مِن هَذِهِ السُورَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ بالِغُ أمْرِهِ ﴾ بَيانٌ وحَضٌّ عَلى التَوَكُّلِ، أيْ: لا بُدَّ مِن نُفُوذِ أمْرِ اللهِ تَعالى تَوَكَّلْتَ أيُّها المَرْءُ أمْ لَمْ تَتَوَكَّلْ قالَهُ مَسْرُوقٌ، فَإنْ تَوَكَّلْتَ كَفاكَ وتَعَجَّلْتَ الراحَةَ والبَرَكَةَ، وإنْ لَمْ تَتَوَكَّلْ وكَلَكَ إلى عَجْزِكَ وتَسَخُّطِكَ، وأمْرُهُ عَزَّ وجَلَّ في الوَجْهَيْنِ نافِذٌ.
وقَرَأ داوُدُ بْنُ هِنْدَ -وَرُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو - "بالِغُ أمْرُهُ" بِرَفْعِ الأمْرِ، وحُذِفَ مَفْعُولٌ تَقْدِيرُهُ: بالِغٌ أمْرَهُ ما شاءَ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: "بالِغُ أمْرَهُ" بِنَصْبِ الأمْرِ، وقَرَأ حَفْصٌ والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "بالِغُ أمْرِهِ"" عَلى الإضافَةِ وتَرْكِ التَنْوِينَ فِي: "بالِغُ"، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، والأعْمَشِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قَدْرًا" بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "قَدَرًا" فَتْحُ الدالِ وهَذا كُلُّهُ حَضٌّ عَلى التَوَكُّلِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ .
تفريع على جميع ما تقدم من أحكام العدة معطوف على جملة ﴿ وأحصوا العدة ﴾ [الطلاق: 1] لأن إحصاءها بحفظ مدتها واستيعاب أيامها فإذا انتهت المدة فقد أعذر الله لهما والزيادة عليها إضرار بأحدهما أو بكليهما وفائدة الآجال الوقوف عند انتهائها.
وبلوغ الأجل أصله انتهاء المُدة المقدرة له كما يؤذن به معنى البلوغ الذي هو الوصول إلى المطلوب على تشبيه الأجل المعين بالمكان المسير إليه وشاع ذلك في الاستعمال فالمجاز في لفظ الأجل وتبعه المجاز في البلوغ وقد استعمل البلوغ في هذه الآية في مقاربة ذلك الإِنتهاء مبالغة في عدم التسامح فيه وهذا الاستعمال مجاز آخر لمشابهة مقاربة الشيء بالحصول فيه والتلبس به.
وقرينة المجاز هنا هو لفظ الأجل لأنه لا تتصور المراجعة بعد بلوغ الأجل لأن في ذلك رفع معنى التأجيل.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ﴾ في سورة [البقرة: 231].
والإمساك: اعتزام المراجعة عبر عنه بالإمساك للإيماء إلى أن المطلقة الرجعية لها حكم الزوجة فيما عدا الاستمتاع فكأنه لما راجعها قد أمسكها أن لا تفارقه فكأنه لم يفارقها لأن الإِمساك هو الضن بالشيء وعدم التفريط فيه ومنه قوله تعالى: ﴿ أمسك عليك زوجك ﴾ [الأحزاب: 37] وأنه إذا لم يراجعها فكأنه قد أعاد فراقها وقسا قلبه.
ومن أجل هذه النكتة جعل عدم الإمساك فراقاً جديداً في قوله: ﴿ أو فارقوهن بمعروف ﴾ .
والأمر في ﴿ فأمسكوهن ﴾ ﴿ أو فارقوهن ﴾ للإِباحة، و ﴿ أو ﴾ فيه للتخيير.
والباء في ﴿ بمعروف ﴾ للملابسة أي ملابسة كل من الإِمساك والفراق للمعروف.
والمعروف: هو ما تعارفه الأزواج من حسن المعاملة في المعاشرة وفي الفراق.
فالمعروف في الإِمساك: حسن اللقاء والاعتذارُ لها عما فرط والعودُ إلى حسن المعاشرة.
والمعروف في الفراق: كف اللسان عن غِيبتها وإظهارِ الاستراحة منها.
والمعروف في الحالين من عمل الرَّجل لأنه هو المخاطب بالإِمساك أو الفراق.
وأما المعروف الذي هو من عمل المرأة فمقرر من أدلة أخرى كقوله تعالى: ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ﴾ [البقرة: 228].
وتقديم الإِمساك أعني المراجعة على إمضاء المفارقة، إيماء إلى أنه أرضى لله تعالى وأَوفَقُ بمقاصد الشريعة مع ما تقدم من التعبير عن المراجعة بالإمساك، ففهم أن المراجعة مندوب إليها لأن أبْغض الحلال إلى الله الطلاق.
ولمَّا قيد أمر الإباحة من قوله: ﴿ فأمسكوهن ﴾ ﴿ أو فارقوهن ﴾ ، بقيد بالمعروف، فُهم منه أنّه إن كان إمساك دون المعروف فهو غير مأذون فيه وهو الإمساك الذي كان يفعله أهل الجاهلية أن يطلق الرجل امرأته فإذا قاربت انتهاء عدتها راجعها أياماً ثم طلقها يفعل ذلك ثلاثاً ليطيل عليها من العدة فلا تتزوج عدة أشهر إضراراً بها.
وقد تقدم هذا عند قوله تعالى: ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن، إلى قوله: ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ﴾ في سورة [البقرة: 231].
﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ .
ظاهر وقوع هذا الأمر بعد ذكر الإِمساك أو الفراق، أنه راجع إلى كليهما لأن الإِشهاد جُعل تتمة للمأمور به في معنى الشرط للإِمساك أو الفراق لأن هذا العطف يشبه القيد وإن لم يكن قيداً وشأن الشروط الواردةِ بعد جمل أن تعود إلى جميعها.
وظاهر صيغة الأمر الدلالة على الوجوب فيتركب من هذين أن يكون الإِشهاد على المراجعة وعلى بتّ الطلاق واجباً على الأزواج لأن الإِشهاد يرفع أشكالاً من النوازل وهو قول ابن عباس وأخذ به يحيى بن بُكير من المالكية والشافعي في أحد قوليه وابن حنبل في أحد قوليه وروي عن عمران بن حصين وطَاوس وإبراهيم وأبي قلابة وعطاء.
وقال الجمهور: الإِشهاد المأمور به الإِشهاد على المراجعة دون بتّ الطلاق.
أما مقتضى صيغة الأمر في قوله تعالى: ﴿ وأشهدوا ذوي عدل ﴾ فقيل هو مستحب وهو قول أبي حنيفة والمشهورُ عن مالك فيما حكاه ابن القصار ولعل مستند هذا القول عدمُ جريان العمل بالتزامه بين المسلمين في عصر الصحابة وعصور أهل العلم، وقياسه على الإِشهاد بالبيع فإنهم اتفقوا على عدم وجوبه وكلا هذين مدخول لأن دعوى العمل بترك الإِشهاد دونها مَنع، ولأن قياس الطلاق والرجعة على البيع قد يقدح فيه بوجود فارق معتبر وهو خطر الطلاق والمراجعة وأهمية ما يترتب عليهما من الخصومات بين الأنساب، وما في البيوعات مما يغني عن الإِشهاد وهو التقايض في الأعواض.
وقيل الأمر للوجوب المراجعة دون الفرقة وهو أحد قولي الشافعي وأحمد ونسبه إسماعيل بن حماد من فقهاء المالكية ببغداد إلى مالك وهو ظاهر مذهب ابنِ بكير.
واتفق الجميع على أن هذا الإِشهاد ليس شرطاً في صحة المراجعة أو المفارقة لأنه إنما شرع احتياطاً لحقهما وتجنباً لنوازل الخصومات خوفاً من أن يموت فتدعي أنها زوجة لم تطلق، أو أن تموت هي فيدعي هو ذلك، وكأنهم بنوه على أن الأمر لا يقتضي الفور، على أن جعل الشيء شرطاً لغيره يحتاج إلى دليل خاص غير دليل الوجوب لأنه قد يتحقق الإثم بتركه ولا يبطل بتركه ما أمر بإيقاعه معه مثل الصلاة في الأرض المغصوبة، وبالثوب المغصوب.
قال الموجبون للإِشهاد: لو راجع ولم يشهد أو بتّ الفراق ولم يشهد صحت مراجعته ومفارقته وعليه أن يشهد بعد ذلك.
قال يحيى بن بكير: معنى الإشهاد على المراجعة والمفارقة أن يشهد عند مراجعتها إنْ راجعها، وعند انقضاء عدتها إن لم يراجعها أنه قد كان طلقها وأن عدتها قد انقضت.
ولفقهاء الأمصار في صفة ما تقع المراجعة من صيغة بالقول ومن فعل ما هو من أفعال الأزواج، تفاصيل محلها كتب الفروع ولا يتعلق بالآية إلا ما جعله أهل العلم دليلاً على المراجعة عند من جعله كذلك.
﴿ مِّنكُمْ وَأَقِيمُواْ الشهادة ﴾ .
عطف على ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ .
والخطاب موجه لكل من تتعلق به الشهادة من المشهود عليهم والشهود كلٌ يأخذ بما هو حظه من هذين الخطابين.
وليس هو من قبيل ﴿ يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبكِ ﴾ [يوسف: 29] لظهور التوزيع هناك باللفظ دون ما هنا فإنه بالمعنى فالكل مأمورون بإقامة الشهادة.
فتعريف الشهادة للاستغراق، أي كل شهادة وهو استغراق عرفي لأن المأمور به الشهادة الشرعية.
ومعنى إقامة الشهادة: إيقاعها مستقيمة لا عوج فيها فالإقامة مستعارة لإيقاع الشهادة على مستوفيها ما يجب فيها شرعاً مما دلت عليه أدلة الشريعة وهذه استعارة شائعة وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وأقوم للشهادة ﴾ في سورة [البقرة: 282].
وقوله: ﴿ لله ﴾ ، أي لأجل الله وامتثال أمره لا لأجل المشهود له ولا لأجل المشهود عليه ولا لأجل منفعة الشاهد والإبقاء على راحته.
وتقدم بعض هذا عند قوله تعالى: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ في سورة [البقرة: 282].
﴿ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ .
الإِشارة إلى جميع ما تقدم من الأحكام التي فيها موعظة للمسلمين من قوله: ﴿ وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم ﴾ [الطلاق: 1]، إلى قوله: ﴿ وأقيموا الشهادة لله ﴾ .
والوعظ: التحذير مما يضر والتذكير المليّن للقلوب وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله ﴾ في سورة [البقرة: 232] وعند قوله تعالى: ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله ﴾ في سورة [النور: 17].
الاخر وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ } ﴿ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بالغ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَئ قَدْراً ﴾ .
اعتراض بين جملة ﴿ وأقيموا الشهادة ﴾ وجملة ﴿ واللائي يئسن من المحيض ﴾ [الطلاق: 4] الآية، فإن تلك الأحكام لما اعتبرت موعظة بقوله: ﴿ ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ أعقب ذلك بقضيّة عامة، وهي أن تلك من تقوى الله تعالى وبما لتقوى الله من خير في الدنيا والآخرة على عادة القرآن من تعقيب الموعظة والترهيب بالبشارة والترغيب.
ولمّا كان أمر الطلاق غير خال من حرج وغم يعرض للزوجين وأمر المراجعة لا يخلو في بعض أحواله من تحمل أحدهما لبعض الكره من الأحوال التي سببت الطلاق، أعلمهما الله بأنه وعد المتقين الواقفين عند حدوده بأن يجعل لهم مخرجاً من الضائقات، شبه ما هم فيه من الحرج بالمكان المغلق على الحالّ فيه وشبه ما يمنحهم الله به من اللطف وإجراء الأمور على ما يلائم أحوالهم بجعللِ منفذ في المكان المغلق يتخلص منه المتضائق فيه.
ففي الكلام استعارة أن إحداهما ضمنية مطوية والأخرى صريحة وشمل المَخْرَج ما يحف من اللطف بالمتقين في الآخرة أيضاً بتخليصهم من أهوال الحساب والانتظار فالمخرج لهم في الآخرة هو الإِسراع بهم إلى النعيم.
ولما كان من دواعي الفراق والخلاف بين الزوجين ما هو من التقتير في الإِنفاق لضيق ذات اليد فكان الإحجام عن المراجعة عارضاً كثيراً للناس بعد التطليق، أُتبع الوعد بجعل المخرَج للمتقين بالوعد بمخرج خاص وهو مخرج التوسعة في الرزق.
وقوله: ﴿ من حيث لا يحتسب ﴾ احتراس لئلا يتوهَّم أحد أن طرق الرزق معطلة عليه فيستبعد ذلك فيمسك عن مراجعة المطلقة لأنه لا يستقبل مالاً ينفق منه، فأعلمه الله أن هذا الرزق لطف من الله والله أعلم كيف يهيئ له أسباباً غير مرتقبة.
فمعنى ﴿ من حيث لا يحتسب ﴾ : من مكان لا يحتسب منه الرزق أي لا يظن أنه يرزق منه.
و ﴿ حيثُ ﴾ مستعملة مجازاً في الأحوال والوجوه تشبيهاً للأحوال بالجهات لأنها لما جعلت مقارنة للرزق أشبهت المكان الذي يَرِد منه الوارد ولذلك كانت ﴿ مِن ﴾ هنا للابتداء المجازي تبعاً لاستعارة ﴿ حيث ﴾ .
ففي حرف ﴿ مِن ﴾ استعارة تبعية.
وذكر الواحدي في «أسباب النزول» أنها نزلت في شأن عوف بن مالك الأشجعي إذْ أسَرَ المشركون ابنه سالماً فأتى عوف النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه ذلك وأن أمه جزعت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «اتق الله واصبر» وأمره وزوجَه أن يكثرا قولاً: لا حول ولا قوة إلا بالله فغفل المشركون عن الابن فَسَاقَ عنزاً كثيرة من عنز المشركين وجاء بها المدينة فنزلت الآية، فيجوز أن يكون نزولها في أثناء نزول هذه السورة فصادفت الغرضين، ويكون ذلك من قبيل معجزات القرآن.
﴿ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بالغ ﴾ .
تكملة للتي قبلها فإن تقوى الله سبب تفريج الكُرَب والخَلاص من المضائق، وملاحظةُ المسلم ذلك ويقينُه بأن الله يدفع عنه ما يخطر بباله من الخواطر الشيطانية التي تثبطه عن التقوى يحقق وعد الله إياه بأن يجعل له مخرجاً ويرزقَه من حيث لا يحتسب.
وَحَسْب: وصف بمعنى كاففٍ.
وأصله اسم مصدر أو مصدر.
وجملة ﴿ إن الله بالغ أمره ﴾ في موضع العلة لجملة ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ ، أي لا تستبعدوا وقوع ما وعدكم الله حين ترون أسباب ذلك مفقودة فإن الله إذا وعد وعداً فقد أراده وإذا أراد الله أمراً يسَّر أسبابه.
ولعل قوله: ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدراً ﴾ إشارة إلى هذا المعنى، أي علم الله أن يكفي من يتوكل عليه مهمّة فقدّر لذلك أسبابه كما قدّر أسباب الأشياء كلها فلا تشُكّوا في إنجاز وَعده فإنه إذا أراد أمراً يسّر أسبابه من حيث لا يحتسب الناس وتصاريف الله تعالى خفية عجيبة.
ومعنى ﴿ بالغ أمره ﴾ : واصلٌ إلى مراده.
والبلوغ مجاز مشهور في الحصول على المراد.
والأمر هنا بمعنى الشأن.
وعن عبد الله بن رافع لما نزل قوله تعالى: ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (أي بعضهم): فنحن إذا توكلنا نرسل ما كان لنا ولا نحفظه فنزلت ﴿ إن الله بالغ أمره ﴾ ، أي فيكم وعليكم اه.
وقرأ الجمهور ﴿ بالغٌ ﴾ بالتنوين و ﴿ أمرَه ﴾ بالنصب.
وقرأه حفص عن عاصم ﴿ بالغُ أمرهِ ﴾ بإضافة ﴿ بالغ ﴾ إلى ﴿ أمره ﴾ .
﴿ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَئ ﴾ .
لهذه الجملة موقع تتجلى فيه صورة من صور إعجاز القرآن في ترتيب مواقع الجمل بعضها بعد بعض كما نبهت عليه في مواقع سلفت.
فهذه الجملة لها موْقع الاستئناف البياني ناشئ عما اشتملت عليه جمل ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ ، إلى قوله: ﴿ إن الله بالغ أمره ﴾ لأن استعداد السامعين لليقين بما تضمنته تلك الجمل متفاوت فقد يستبعد بعض السامعين تحقق الوعد لأمثاله بما تضمنته تلك الجمل بعرضها على ارتباك أحْواله، أو يتردد يقينه فيقول: أين أنا من تحصيل هذا، حين يُتبع نظره فيرى بَوْنا عن حصول الموعود بسبب انعدام وسائله لديه فيتملكه اليأس.
فهذا الاستئناف البياني وقع عقب الوعد تذكيراً بأن الله علم مواعيده وهيأ لها مقادير حصولها لأنه جعل لكل شيء قدراً.
ولها موقع التعليل لجملة ﴿ وأحصوا العدة ﴾ [الطلاق: 1] فإن العِدة من الأشياء فلما أمر الله بإحصاء أمرها عَلّل ذلك بأن تقدير مدة العدة جعله الله، فلا يسوغ التهاون فيه.
ولهذا موقع التذييل لجملة ﴿ وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ﴾ [الطلاق: 1]، أي الذي وضع تلك الحدود قد جعل لكل شيء قدراً لا يعدوه كما جعل الحدود.
ولها موقع التعليل لجملة ﴿ فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ﴾ ، لأن المعنى إذا بلغن القَدْر الذي جعله الله لمدة العدة فقد حصل المقصد الشرعي الذي أشار إليه قوله تعالى: ﴿ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ [الطلاق: 1] فالمعنى: فإن لم يُحدث الله أمر المراجعة فقد رفق بكم وحطّ عنكم امتداد العدة.
ولها موقع التعليل لجملة ﴿ وأقيموا الشهادة لله ﴾ فإن الله جعل الشهادة قدراً لرفع النزاع.
فهذه الجملة جُزء آية وهي تحتوي على حقائق من الحكمة.
ومعنى ﴿ لكل شيء ﴾ لكل موجود، أي لكل حادث فالشيء الموجود سواء كان ذاتاً أو معنى من المعاني قال تعالى: ﴿ وكل شيء فعلوه في الزبر ﴾ [القمر: 52].
فعموم قوله: ﴿ لكل شيء ﴾ صريح في أن ما وعد الله به يَجعل له حين تكوينه قَدْراً.
قال الراغب في «مفرداته»: وذلك أن فعل الله ضربان: ضرب أوجده بالفعل، ومعنى إيجاده بالفعل أنه أبدعه كاملاً دفعة لا تعتريه الزيادة والنقصان إلى أن يشاء أن يغنيه أو يبدله كالسماوات وما فيها.
ومنها ما جعل أصوله موجودة بالفعل وأجزاءَه بالصلاحية وقدَّره على وجه لا يتأتى منه غير ما قدره فيه كتقديره في النواة أن ينبت منها النخل دون أن ينبت منها تفاح أو زيتون.
وتقديره نطفة الإِنسان لأن يكون منها إنسان دون حيوان آخر.
فتقدير الله على وجهين: أحدهما بالحُكم منه أن يَكون كذا أو لا يكون، كذا إما على سبيل الوجوب وإما على سبيل الإِمكان.
وعلى ذلك قوله: ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدراً ﴾ .
والثاني بإعطاء القدرة عليه، وعلى ذلك قوله: ﴿ فقدرنا فنعم القادرون ﴾ [المرسلات: 23] أو يكون من قبيل قوله: ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدراً ﴾ اه.
والقَدْر: مصدر قَدَره المتعدي إلى مفعول بتخفيف الدال الذي معناه وَضع فيه بمقدار كمية ذاتيةً أو معنوية تُجعل على حسب ما يتحمله المفعول.
فقَدر كلّ مفعولٍ لفعل قَدَرَ ما تتحمله طاقته واستطاعتُه من أعمال، أو تتحمله مساحته من أشياء أو يتحمله وَعْيه لما يَكُدُّ به ذهنه من مدارك وأفهام.
ومن فروع هذا المعنى ما في قوله تعالى: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ في سورة [البقرة: 286].
وقوله هنا: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ﴾ [الطلاق: 7].
ومن جزئيات معنى القَدْر ما يسمى التقدير: مصدر قَدَّر المضاعف إذا جَعَل شيئاً أو أشياء على مقدار معين مناسب لما جُعل لأجله كقوله تعالى: ﴿ وقدر في السرد ﴾ في سورة [سبأ: 11] <div class="verse-tafsir"
﴿ فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ يَعْنِي قارَبْنَ انْقِضاءَ عِدَّتِهِنَّ.
﴿ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ يَعْنِي بِالإمْساكِ الرَّجْعَةَ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ بِمَعْرُوفٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِطاعَةِ اللَّهِ في الشَّهادَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنْ لا يَقْصِدَ الإضْرارَ بِها في المُراجَعَةِ تَطْوِيلًا لِعِدَّتِها.
﴿ أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ وهَذا بِأنْ لا يُراجِعَها في العِدَّةِ حَتّى تَنْقَضِيَ في مَنزِلِها.
﴿ وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي عَلى الرَّجْعَةِ في العِدَّةِ، فَإنْ راجَعَ مِن غَيْرِ شَهادَةٍ فَفي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ قَوْلانِ لِلْفُقَهاءِ.
﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أيْ يُنْجِيهِ مِن كُلِّ كَرْبٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّ المَخْرَجَ عِلْمُهُ بِأنَّهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُعْطِي ويَمْنَعُ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
الثّالِثُ: أنَّ المَخْرَجَ هو أنْ يُقْنِعَهُ اللَّهُ بِما رَزَقَهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ صالِحٍ.
الرّابِعُ: مَخْرَجًا مِنَ الباطِلِ إلى الحَقِّ، ومِنَ الضِّيقِ إلى السِّعَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الخامِسُ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ بِالطَّلاقِ يَكُنْ لَهُ مَخْرَجٌ في الرَّجْعَةِ في العِدَّةِ، وأنْ يَكُونَ كَأحَدِ الخُطّابِ بَعْدَ العِدَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والسّادِسُ: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ المُصِيبَةِ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِنَ النّارِ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
السّابِعُ: «أنَّ عَوْفَ بْنَ مالِكٍ الأشْجَعِيَّ أُسِرَ ابْنُهُ عَوْفٌ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ فَشَكا إلَيْهِ ذَلِكَ مَعَ ضُرٍّ أصابَهُ، فَأمَرَهُ أنْ يُكْثِرَ مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاَللَّهِ، فَأفْلَتَ ابْنُهُ مِنَ الأسْرِ ورَكِبَ ناقَةً لِلْقَوْمِ ومَرَّ في طَرِيقِهِ بِسَرْحٍ لَهم فاسْتاقَهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَوْفٌ فَوَقَفَ عَلى أبِيهِ يُنادِيهِ وقَدْ مَلَأ الأقْبالَ إبِلًا، فَلَمّا رَآهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ فَأخْبَرَهُ وسَألَهُ عَنِ الإبِلِ فَقالَ: اصْنَعْ بِها ما أحْبَبْتَ وما كُنْتَ صانِعًا بِمالِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ الآيَةَ»، فَرَوى الحَسَنُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (مَنِ انْقَطَعَ إلى اللَّهِ كَفاهُ اللَّهُ كُلَّ مُؤُونَةٍ ورَزَقَهُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، ومَنِ انْقَطَعَ إلى الدُّنْيا وكَلَهُ اللَّهُ إلَيْها)» .
﴿ إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ ﴾ قالَ مَسْرُوقٌ: إنَّ اللَّهَ قاضٍ أمْرَهُ فِيمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وفِيمَن لَمْ يَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، إلّا أنَّ مَن تَوَكَّلَ يُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمُ لَهُ أجْرًا.
﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: يَعْنِي وقْتًا وأجَلًا، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
الثّانِي: مُنْتَهى وغايَةً، قالَهُ قُطْرُبٌ والأخْفَشُ.
الثّالِثُ: مِقْدارًا واحِدًا، فَإنْ كانَ مِن أفْعالِ العِبادِ كانَ مِقْدَرًا بِأوامِرِ اللَّهِ، وإنْ كانَ مِن أفْعالِ اللَّهِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمَشِيئَتِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ مُقَدَّرٌ بِمَصْلَحَةِ عِبادِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ فقيل له: راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها من أزواجك في الجنة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين في قوله: ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ قال: في حفصة بنت عمر طلقها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة فنزلت ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾ إلى قوله: ﴿ يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ قال: فراجعها.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: «طلق عبد بن يزيد أبو ركانة أم ركانة ثم نكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ما يغني عني إلا ما تغني هذه الشعرة- لشعرة أخذتها من رأسها- فأخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم حمية عند ذلك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: أترون كذا من كذا؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد: طلقها ففعل، فقال لأبي ركانة: ارتجعها فقال: يا رسول الله إني طلقتها.
قال: قد علمت ذلك فارتجعها» ، فنزلت ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: الذهبي إسناده واهٍ، والخبر خطأ، فإن عبد يزيد لم يدرك الإِسلام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: بلغنا في قوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ إنها نزلت في عبد الله بن عمرو بن العاص وطفيل بن الحارث وعمرو بن سعيد بن العاص.
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الزبير «عن ابن عمر أنه طلق امرأته، وهي حائض، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق عمر، فذكر ذلك له فقال: مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم يطلقها إن بدا له» ، فأنزل الله عند ذلك «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن» قال أبو الزبير: هكذا سمعت ابن عمر يقرأها.
وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق في المصنف وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في سننه «عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فطلقوهن في قبل عدتهن ﴾ .
وأخرج ابن الأنباري عن ابن عمر أنه قرأ ﴿ فطلقوهن لقبل عدتهن ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿ فطلقوهن لقبل عدتهن ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: طاهراً من غير جماع.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: في الطهر في غير جماع.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: الطهر في غير جماع.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي وابن مردويه عن ابن مسعود قال: من أراد أن يطلق للسنة كما أمره الله فليطلقها طاهراً في غير جماع.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: طاهراً من غير جماع.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي موسى رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقل أحدكم لامرأته قد طلقتك، قد راجعتك، ليس هذا بطلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قبل طهرها» .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: طهرهن، وفي لفظ قال: طاهراً في غير جماع.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: العدة أن يطلقها طاهراً من غير جماع، فأما الرجل يخالط امرأته، حتى إذا أقلع عنها طلقها عند ذلك فلا يدري أحاملاً هي أم غير حامل، فإن ذلك لا يصلح.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن مجاهد رضي الله عنه قال: سأل ابن عباس يوماً رجل فقال: يا أبا عباس إني طلقت امرأتي ثلاثاً، فقال ابن عباس: عصيت ربك وحرمت عليك امرأتك ولم تتق الله ليجعل لك مخرجاً، يطلق أحدكم، ثم يقول: يا أبا عباس، قال الله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن ﴾ وهكذا كان ابن عباس يقرأ هذا الحرف.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض، وإن كانت لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، وإذا أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد على ذلك رجلين، كما قال الله: ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ عند الطلاق وعند المراجعة، فإن راجعها فهي عنده على تطليقتين، وإن لم يراجعها فإذا انقضت عدتها فقد بانت منه واحدة وهي أملك بنفسها، ثم تتزوّج من شاءت هو أو غيره.
وأخرج عبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ﴾ قال: طلاق العدة أن يطلق الرجل امرأته وهي طاهر، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، أو يراجعها إن شاء.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي وابن مردويه عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة قال: عصيت ربك، من يتق الله يجعل له مخرجاً ثم تلا ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن ﴾ .
قوله تعالى: ﴿ وأحصوا العدة ﴾ .
أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ وأحصوا العدة ﴾ قال: الطلاق طاهراً في غير جماع.
أخرج عبد بن حميد عن الشعبي رضي الله عنه أن شريحاً طلق امرأته واحدة، ثم سكت عنها حتى انقضت العدة، ثم أتاها فاستأذن، ففزعت فدخل، فقال: «إني أردت أن يطاع الله ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ﴾ ولا يخرجن» .
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه أن شريحاً، طلق امرأته وأشهد، وقال للشاهدين: اكتما عليَّ فكتما عليه حتى انقضت العدة ثم أخبرها، فنقلت متاعها، فقال شريح: إني كرهت أن تأثم.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنه قال: المطلقة والمتوفى عنها زوجها يخرجان بالنهار ولا يبيتان ليلة تامة عن بيوتهما.
وأخرج عبد بن حميد عن عامر رضي الله عنه قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثاً فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها، فاعتدّت عند عمها عمرو ابن أم مكتوم.
وأخرج عبد بن حميد عن سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث تطليقات، فزعمت أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروجها من بيتها، فأمرها أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم؛ الأعمى، فأبى مروان أن يصدق فاطمة في خروج المطلقة من بيتها، وقال عروة: إن عائشة رضي الله عنها أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس.
وأخرج ابن مردويه عن أبي إسحاق قال: كنت جالساً مع الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي فحدث بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود كفاً من حصى فحصبه ثم قال: ويلك تحدث بمثل هذا؟
قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت له السكنى والنفقة، قال الله: ﴿ لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة «أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع عليّ إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت مع طلاقها، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فاستقلتها فقالا لها: والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملاً، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت له أمرها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لا نفقة لك فاستأذنيه في الانتقال: فأذن لها، فأرسل إليها مروان يسألها عن ذلك فحدثته فقال مروان: لم أسمع بهذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله عز وجل: ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ حتى بلغ ﴿ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث، فكيف يقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً، فعلام تحبسونها، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض، وإن كانت لا تحيض، فعدتها ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها، وإن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد على ذلك رجلين كما قال الله: ﴿ وأشهدوا ذوي عدل منكم ﴾ عند الطلاق وعند المراجعة فإن راجعها فهي عنده على طلقتين أو إن لم يراجعها فإذا انقضت عدتها فقد بانت عدتها منه بواحدة، وهي أملك لنفسها، ثم تتزوّج من شاءت هو أو غيره» .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الطلاق على أربعة منازل: منزلان حلال، ومنزلان حرام، فأما الحرام فأن يطلقها حين يجامعها ولا يدري اشتمل الرحم على شيء أو لا، وأن يطلقها وهي حائض، وأما الحلال فأن يطلقها لأقرائها طاهراً عن غير جماع وأن يطلقها مستبيناً حملها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: خروجها قبل انقضاء العدة من بيتها الفاحشة المبينة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: الزنا.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن والشعبي مثله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: إلا أن يزنين.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: كان ذلك قبل أن تنزل الحدود، وكانت المرأة إذا أتت بفاحشة أخرجت.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: إلا أن تصيب حداً فتخرج، فيقام عليها.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: الفاحشة المبينة أن تبذو المرأة على أهل الرجل، فإذا بذت عليهم بلسانها فقد حل لهم إخراجها.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد رضي الله عنه ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: لو كان الزنا كما تقولون أخرجت فرجمت، كان ابن عباس يقول: ﴿ إلا أن يفحشن ﴾ قال: وهو النشوز.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: الفاحشة المبينة السوء في الخلق.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ﴾ قال: يفحش لو زنت رجمت.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ بفاحشة مبينة ﴾ قال: هو النشوز، وفي حرف ابن مسعود ﴿ إلا أن يفحشن ﴾ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ بفاحشة مبينة ﴾ قال: هو النشوز.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ قال: إن بدا له أن يُراجعها راجعها في بيتها هو أبعد من قذر الأخلاق وأطوع لله أن تلزم بيتها.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون أن يطلقها واحدة ثم يدعها حتى يحل أجلها، وكانوا يقولون: ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ لعله أن يرغب فيها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها في قوله: ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ قالت: هي الرجعة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون أن يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، لأنه لا يدري لعله ينكحها، قال: وكانوا يتأولون هذه الآية ﴿ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ لعله يرغب فيها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن فاطمة بنت قيس في قوله: ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ لعله يرغب في رجعتها.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك والشعبي رضي الله عنه مثله.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء قال: النكاح بالشهود والطلاق بالشهود والمراجعة بالشهود.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين رضي الله عنه أن رجلاً سأل عمران ابن حصين عن رجل طلق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد، قال: بئسما صنع، طلع في بدعة، وارتجع في غير سنة، فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته، وليستغفر الله.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن منصور وعبد بن حميد عن إبراهيم النخعي قال: العدل في المسلمين من لم تظهر منه ريبة.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ وأقيموا الشهادة لله ﴾ قال: إذا أشهدتم على شيء فأقيموه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال: «لا تشهد إلا على مثل الشمس أو دع» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشهد على شهادة حتى تكون عندك أضوأ من الشمس» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خيركم من كانت عنده شهادة لا يعلمها فتعجلها قبل أن يسألها» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ قال: مخرجه أن يعلم أنه قبل أمر الله، وأن الله هو الذي يعطيه وهو يمنعه، وهو يبتليه، وهو يعافيه، وهو يدفع عنه، وفي قوله: ﴿ ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ قال: يقول: من حيث لا يدري.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان عن مسروق مثله.
وأخرج عبد بن حميد وأبو نعيم في الحلية عن قتادة ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ قال: من شبهات الدنيا والكرب عند الموت وإفزاع يوم القيامة، فالزموا تقوى الله فإن منها الرزق من الله في الدنيا والثواب في الآخرة، قال الله: ﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ﴾ [ إبراهيم: 7] وقال: هاهنا ﴿ ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ قال: من حيث لا يؤمل ولا يرجو.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ قال: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة.
وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم والديلمي من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ومن يتق الله يجعله له مخرجاً ﴾ قال: من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة» .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر «عن عبادة بن الصامت قال: طلق بعض آبائي امرأته ألفاً فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله: إن أبانا طلق أمنا ألفاً فهل له من مخرج؟
فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجاً، بانت منه بثلاث على غير السنة والباقي أثم في عنقه» .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر قال: «نزلت هذه الآية ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ في رجل من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد كثير العيال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: اتق الله واصبر فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء ابن له يقال له أبو نعيم كان العدو أصابوه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله غيره وأخبره خبرها فنزلت ﴿ ومن يتق الله ﴾ الآية» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سالم بن أبي الجعد قال: «نزلت هذه الآية ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ في رجل من أشجع أصابه جهد وبلاء وكان العدو أسروا ابنه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اتق الله واصبرفرجع ابن له كان أسيراً قد فكه الله، فأتاهم وقد أصاب أعنزاً، فجاء فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي لك» .
وأخرج الخطيب في تاريخه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: « ﴿ ومن يتق الله يجعل له ﴾ الآية، قال: نزلت هذه الآية في ابن لعوف بن مالك الأشجعي، وكان المشركون أسروه وأوثقوه وأجاعوه، فكتب إلى أبيه أن ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلمه ما أنا فيه من الضيق والشدة، فلما أخبر رسول صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب إليه وأخبره ومره بالتقوى والتوكل على الله، وأن يقول عند صباحه ومسائه ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ﴾ [ التوبة: 128] ﴿ فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ﴾ [ التوبة: 129] فلما ورد عليه الكتاب قرأه فأطلق الله وثاقه، فمر بواديهم التي ترعى فيه إبلهم وغنمهم فاستاقها فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله: إني اغتلتهم بعد ما أطلق الله وثاقي فحلال هي أم حرام؟
قال: بل هي حلال إذا شئنا خمسنا» ، فأنزل الله: ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب من يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء ﴾ من الشدة والرخاء ﴿ قدراً ﴾ يعني أجلاً.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من قرأ هذه الآية عند سلطان يخاف غشمه، أو عند موج يخاف الغرق، أوعند سبع لم يضره شيء من ذلك.
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: «جاء عوف بن مالك الأشجعي فقال يا رسول الله: إن ابني أسره العدوّ وجزعت أمه فما تأمرني؟
قال: آمرك وإياها أن تستكثر من لا حول ولا قوة إلا بال فقالت المرأة: نعم ما أمرك، فجعلا يكثران منها فتغفل عنه العدو فاستاق غنمهم فجاء بها إلى أبيه، فنزلت ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ الآية» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق مولى أبي قيس بن مخرمة قال: «جاء مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أسر ابن عوف، فقال له: ارسل إليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه، فخرج فإذا هو بناقتة لهم، فركبها فأقبل، فإذا بسرح للقوم الذين كانوا أسروه، فصاح بها فأتبع آخرها أولها فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فأتى أبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره، فنزلت ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ الآية» .
وأخرج عبد بن حميد والحاكم وابن مردويه عن أبي عيينة والبيهقي في الدلائل عنه عن ابن مسعود قال: «أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه عوف بن مالك فقال: يا رسول الله إن بني فلان أغاروا عليّ فذهبوا بابني، وبكى فقال: اسأل الله، فرجع إلى امرأته، فقالت له: ما رد عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فأخبرها، فلم يلبث الرجل أن رد الله إبله وابنه أوفر ما كان، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وأمرهم بمسئلة الله والرغبة له، وقرأ عليهم ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في قوله: ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ قال: يكفيه غم الدنيا وهمها.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال: «جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ فجعل يرددها حتى نعست، ثم قال: يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس اتخذوا تقوى الله تجارة يأتكم الرزق بلا بضاعة ولا تجارة، ثم قرأ ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ » .
وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجة عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا لدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» وأخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال: قال رسول الله: «من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب» .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والخطيب عن عمران بن بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها» .
وأخرج البخاري في تاريخه عن إسماعيل البجي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لئن انتهيتم عندما تؤمرون لتأكلن غير زارعين» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن بالمنذر عن الربيع بن خيثم رضي الله عنه ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ قال: من كل شيء ضاق على الناس.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ قال: نجاة.
وأخرج أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله قال له: «أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته، وإذا أسأت فأحسن ولا تسألن أحداً شيئاً، ولا تقبض أمانة، ولا تقض بين اثنين» .
وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الإِسلام، وعليك بذكر الله، وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض» .
وأخرج ابن سعد وأحمد عن ضرغام بن عليبة بن حرملة العنبري عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله: أوصني قال: اتق الله، وإذا كنت في مجلس فقمت منه فسمعتهم يقولون ما يعجبك فائته، فإذا سمعتهم يقولون ما تكره فاتركه» .
وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: وجدت في كتاب من كتب الله المنزلة أن الله عز وجل يقول: إني مع عبدي المؤمن حين يطيعني أعطيه قبل أن يسألني، واستجيب له قبل أن يدعوني، وما ترددت في شيء ترددي عن قبض عبدي المؤمن إنه يكره ذلك ويسوءه وأنا أكره أن أسوءه، وليس له منه بد، وما عندي خير له، إن عبدي إذا أطاعني واتبع أمري فلو أجلبت عليه السموات السبع ومن فيهن والأرضون السبع بمن فيهن جعلت له من بين ذلك المخرج، وإنه إذا عصاني ولم يتبع أمري قطعت يديه من أسباب السماء وخسفت به الأرض من تحت قدميه، وتركته في الأهواء لا ينتصر من شيء، إن سلطان الأرض موضوع خامد عندي كما يضع أحدكم سلاحه عنه، لا يقطع سيف إلا بيد، ولا يضرب سوط إلا بيد، لا يصل من ذلك إلى شيء إلا بإذني.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: كتب زياد إلى الحكم بن عمرو الغفاري وهو على خراسان أن أمير المؤمنين كتب إليّ أن يصطفى له الصفراء والبيضاء، فلا يقسم بين الناس ذهب ولا فضة، فكتب إليه: بلغني كتابك وإني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو أن السموات والأرض كانتا رتقاً على عبده ثم اتقى الله جعل له مخرجاً والسلام عليك، ثم قال: أيها الناس اغدوا على مالكم، فقسمه بينهم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة أن عائشة رضي الله عنها كتبت إلى معاوية: أوصيك بتقوى الله، فإنك إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئاً.
وأخرج ابن حبان في الضعفاء والبيهقي في شعب الإِيمان والعسكري في الأمثال عن عليّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما تكون الصنيعة إلى ذي دين أو حسب، وجهاد الضعفاء الحج، وجهاد المرأة حسن التبعل لزوجها، والتودد نصف الإِيمان، وما عال امرؤ على اقتصاد، واستنزلوا الرزق بالصدقة، وأبى الله أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين إلا من حيث لا يحتسبون» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قي قوله: ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ قال: ليس المتوكل الذي يقول تقضي حاجتي، وليس كل من توكل على الله كفاه ما أهمه، ودفع عنه ما يكره، وقضى حاجته، ولكن الله جعل فضل من توكل على من لم يتوكل أن يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجراً، وفي قوله: ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدراً ﴾ قال: يعني أجلاً ومنتهى ينتهي إليه.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً» .
وأخرج ابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رضي وقنع وتوكل كفي الطلب» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله» .
وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاع أو احتاج فكتمه الناس وأفضى به إلى الله كان حقاً على الله أن يفتح له قوت سنة من حلال» .
وأخرج أحمد في الزهد عن وهب رضي الله عنه قال: يقول الله تبارك وتعالى: إذا توكل عليّ عبدي لو كادته السموات والأرض جعلت له من بين ذلك المخرج.
وأخرج عبد الله ابنه في زوائد الزهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوحى الله إلى عيسى اجعلني من نفسك لهمك، واجعلني ذخراً لمعادك، وتوكل عليَّ أكفك، ولا تول غيري فأخذذلك.
وأخرج أحمد في الزهد عن عمار بن ياسر قال: كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلاً.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ يريد آخر العدة، والإمساك بمعروف هو: تحسين العشرة وتوفية النفقة، والفراق بالمعروف هو: أداء الصداق والإمتاع حين الطلاق والوفاء بالشروط ونحو ذلك ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ هذا خطاب للأزواج، والمأمور به هو الإشهاد على الرجعة عند الجمهور، وقد اختلف فيه هل هو واجب أو مستحب؟
على قولين في المذهب.
وقال ابن عباس: هو الشهادة على الطلاق وعلى الرجعة، وهذا أظهر لأن الإشهاد به يرفع الإشكال والنزاع، ولا فرق في هذا بين الرجعة والطلاق، وقد ذكرنا العدالة في البقرة وقوله: ﴿ ذَوَىْ عَدْلٍ ﴾ يدل على إنه إنما يشهد في الطلاق والنكاح الرجال دون النساء، وهو مذهب مالك.
خلافاً لمن أجاز شهادة النساء في ذلك.
وقوله: ﴿ مِّنكُمْ ﴾ يريد من المسلمين، وقيل: من الأحرار فيؤخذ من ذلك ردّ شهادة العبيد، وهو مذهب مالك ﴿ وَأَقِيمُواْ الشهادة لِلَّهِ ﴾ هذا خطاب للشهود، وإقامة الشهادة يحتمل أن يريد بها القيام، فإذا استشهد وجب عليه أن يشهد وهو فرض كفاية، وإلى هذا المعنى أشار ابن الفرس ويحتمل أن يريد إقامتها بالحق دون ميل ولا غرض، وبهذا فسره الزمخشري وهو أظهر لقوله: لله وهو كقوله: ﴿ كُونُواْ قوامين بالقسط ﴾ شهداء لله [النساء: 135] ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارة إلى ما تقدم من الأحكام.
﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ قيل إنها في الطلاق، ومعناها: من يتق الله فيطلق طلقة واحدة، حسبما تقتضيه السنة يجعل له مخرجاً بجواز الرجعة متى ندم على الطلاق، وفي هذا المعنى روي عن ابن عباس أنه قال لمن طلق ثلاثاً: إنك لم تتق الله فبانَتْ منك امرأتُك، ولا أرى لك مخرجاً أي لا رجعة لك.
وقيل: إنها على العموم أي من يتق الله في أقواله وأفعاله يجعل له مخرجاً، من كرب الدنيا والآخرة، وقد روي هذا أيضاً عن ابن عباس، وهذا أرجح لخمسة أوجه: أحدها حمل اللفظ على عمومه فيدخل في ذلك الطلاق وغيره، الثاني أنه روي أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنه أسر ولده وضيق عليه رزقه، فشكى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالتقوى، فلم يلبث إلا يسيراً وانطلق ولده ووسع الله رزقه، والثالث أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأها فقال: مخرجاً من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة والرابع روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾ الآية: فما زال يقرؤها ويعيدها الخامس قوله: ويرزقه من حيث لا يحتسب، فإن هذا لا يناسب الطلاق وإنما يناسب التقوى على العموم.
قال بعض العلماء: الرزق على نوعين؛ رزق مضمون لكل حي طول عمره، وهو الغذاء الذي تقوم به الحياة وإليه الإشارة بقوله: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ورزق موعود للمتقين خاصة، وهو المذكور في هذه الآية: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ أي كافية بحيث لا يحتاج معه إلى غيره، وقد تكلمنا على التوكل في آل عمران.
﴿ إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾ أين يبلغ ما يريد ولا يعجزه شيء، هذا حض على التوكل وتأكيد له، لأن العبد إذا تحقق أن الأمور كلها بيد الله توكل عليه وحده ولم يعوّل على سواه ﴿ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾ أي مقداراً معلوماً ووقتاً محدوداً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ بالغ أمره ﴾ بالإضافة: حفص.
الآخرون: بالتنوين والنصب ﴿ وجدكم ﴾ بكسر الواو: روح.
﴿ ندخله ﴾ بالنون: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.
الوقوف: ﴿ العدة ﴾ ج تعظيماً لأمر الاتقاء ﴿ ربكم ﴾ ط لاتصال المعنى مع عدم العاطف ﴿ مبينة ﴾ ج ﴿ وتلك حدود الله ﴾ ط ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ه ﴿ لله ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ مخرجاً ﴾ لا ﴿ لا يحتسب ﴾ ط ﴿ حسبه ﴾ ط ﴿ أمره ﴾ ط ﴿ قدراً ﴾ ه ﴿ أشهر ﴾ لا للعطف أي واللائي لم يحضن كلذلك ﴿ لم يحضن ﴾ ط ﴿ حملهن ﴾ ط ﴿ يسراً ﴾ ه ط ﴿ إليكم ﴾ ط ﴿ أجراً ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ط ﴿ حملهن ﴾ ط ﴿ أجورهن ﴾ ط ﴿ بمعروف ﴾ ك ﴿ أخرى ﴾ ه ط ﴿ من سعته ﴾ ط ﴿ آتاه الله ﴾ ط ﴿ يسراً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ خسراً ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه ز والوصل ههنا والوقف على ﴿ آمنوا ﴾ أجوز من العكس ﴿ ذكراً ﴾ ه لأن ما بعده بدل أو غيره كما يجيء ﴿ إلى النور ﴾ ط ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ رزقاً ﴾ ه ﴿ مثلهن ﴾ ط ﴿ علماً ﴾ ه.
التفسير: لما نبه في آخر السورة المتقدمة على معاداة بعض الأزواج والمعاداة كثيراً ما تفضي إلى الفراق بالطلاق أرشد في هذه السورة إلى الطلاق السني الذي لا يحرم إيقاعه وإلى أحكام أخر معتبرة في فراق الزوجين.
وقبل الخوض في تقرير أقسام الطلاق نقول: إنه يورد ههنا سؤال وهو أنه كيف نادى نبيه وحده ثم قال ﴿ إذا طلقتم ﴾ على الجمع؟
والجواب أنه كما يقال لرئيس القوم يا فلان افعلوا كيت وكيت إظهاراً لتقدمه وأن من سواه من قومه تبع له في الخطاب.
وقيل: الجمع للتعظيم والمراد بالخطاب النبيّ أيضاً.
وقيل: أراد يا أيها النبي والمؤمنون فحذف للدلالة.
وقيل: يا أيها النبي قل للمؤمنين.
ومعنى ﴿ إذا طلقتم ﴾ إذا أردتم تطليقهن كقوله ﴿ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ﴾ واللام في قوله ﴿ لعدتهنّ ﴾ بمعنى الوقت أي للوقت الذي يمكنهنّ الشروع في العدّة وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه.
وقال جار الله: فطلقوهن مستقبلات لعدّتهن كقولك " أتيته لليلة بقيت من شهر كذا" أي مستقبلاً لها.
قال الفقهاء: السنيّ طلاق المدخول بها التي ليست بحامل ولا صغيرة ولا آيسة في غير حالة البدعة، والبدعيّ طلاق المدخول بها في حيض أو نفاس أو طهر جامعها فيه ولم يظهر حملها.
فلتحريم الطلاق سببان: أحدهما وقوعه في حال الحيض إذا كانت المرأة ممسوسة وكانت ممن تعتدّ بالإقراء لقوله ﴿ فطلقوهن لعدّتهن ﴾ وطلق ابن عمر امرأته وهي حائض فسأل عمر النبي عن ذلك فقال: مرة ليراجعها ثم ليدعها حتى تحيض ثم يطلقها إن شاء.
فتلك العدّة التي أمر الله أن يطلق لها النساء.
والمعنى فيه أن بقية الحيضة لا تحسب من العدة فتطول عليها مدة التربص.
وثانيهما إذا جامع امرأته في طهرها وهي ممن تحبل ولم يظهر حملها حرم عليه أن يطلقها في ذلك الطهر لقوله في قصة ابن عمر " ثم إن شاء طلقها قبل أن يمسها" " ولأنه ربما يندم على الطلاق لظهور الحمل.
هذا تقرير السنة والبدعة من جهة الوقت.
أما السنة والبدعة من جهة العدد فقال مالك: لا أعرف طلاق السنة إلا واحدة وكان يكره الثلاث مجموعة أو مفرقة على الأطهار.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يكره ما زاد على الواحدة في طهر واحد، فأما متفرقاً في الأطهار فلا لما روي في قصة ابن عمر: إنما السنة أن يستقبل الطهر استقبالاً، ويطلق لكل قرء تطليقة.
وقال الشافعي: لا بأس بإرسال الثلاث وقال: لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة.
وقد يستدل بما روي في حديث اللعان أن اللاعن قال: هي طالق ثلاثاً.
ولم ينكر عليه النبي .
وقالت الشيعة: إذا طلقها ثلاثاً يقع واحدة.
ومنهم من قال: لا يقع شيء وهو قول سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين.
والأصح عند أكثر المجتهدين أن الطلاق البدعي واقع وإن كان صاحبه آثماً وعاصياً وهذا مبنيّ على أن النهي لا يوجب فساد المنهي عنه.
"وفي قصة ابن عمر أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟
فقال له: إذن عصيت وبانت منك امرأتك" .
قالت العلماء: المحرم هو الطلاق بغير عوض فأما إذا خلع الحائض أو طلقها على مال فلا لإطلاق قوله ﴿ فلا جناح عليهما فيما أفتدت به ﴾ ولأن المنع كان رعاية لجانبها وبدل المال دليل على شدة الحاجة إلى الخلاص بالمفارقة.
قال جار الله: اللام في قوله ﴿ النساء ﴾ للجنس وقد علم بقوله ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ أنه مطلق على البعض وهنّ ذوات الأقراء المدخول بهن فلا عموم ولا خصوص.
قلت: ما ضره لو جعله عاماً لأنه إذا روعي الشرط المذكور في هذا البعض لزم أن يكون طلاق كل النساء من الصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخول بها والمدخول بها بحيث يمكنهن أن يشرعن الطلاق في العدة.
قوله ﴿ وأحصوا العدة ﴾ أي اضبطوها واحفظوا عدد أيامها ثلاثة أقراء كوامل لا أزيد ولا أنقص ﴿ لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ ﴾ يعني من مساكن الفراق وهي بيوت الأزواج أضيفت إليهن لاختصاصها بهنّ من حيث السكنى إلى انقضاء العدة، وكما أن البعولة لا ينبغي أن يخرجوهنّ غضباً عليهنّ أو لحاجة لهم إلى المساكن كذلك لا ينبغي لهنّ أن يخرجن بأنفسهنّ.
وقوله ﴿ إلا أن يأتين ﴾ استثناء من الجمة الأولى أي إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهنّ، أو إلا أن يطلقهن على النشوز فإن النشوز يسقط حقهنّ في السكنى، أو إلا أن يبذون فيحل إخراجهنّ لبذائهن ويؤيده قراءة أبيّ ﴿ إلا أن يفحشن عليكم ﴾ وقيل: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة في نفسه.
والمعنى إن خرجت فقد أتت بفاحشة مبينة وعلى هذا يكون الاستثناء من الجملة الثانية.
قوله ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ أي أحصوا العدة وألزموهن مساكنكم فلعلكم تندمون بقلب الله البغضة محبة والمقت مقة والطلاق رجعة.
والخطاب في ﴿ لا تدري ﴾ للنبي على نسق أول السورة أو لكل مكلف ﴿ فإذا بلغن أجلهنّ ﴾ أي شافن انقضاء عدتهن فأنتم بالخيار إن شئتم فالإمساك بالرجعة لا على وجه الضرار بل بالشرع والعرف، وإن شئتم فالفراق بالمعروف كما مر في " البقرة " ﴿ وأشهدوا ﴾ على الرجعة أو الفرقة و ﴿ ذوى عدل منكم ﴾ أي من جنسكم من المسلمين قاله الحسن.
وعن قتادة: من أحراركم.
وهذا الإشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة، وعند الشافعي واجب في الرجعة مندوب إليه في الفرقة.
وفائدة الإشهاد أن لا يقع التجاحد وأن لا يتهم في إمساكها أو يموت أحدهما فيدعي الآخر ثبوت الزوجية لأجل الميراث.
ثم حث الشهود على أن لا يشهدوا إلا لوجه الله من غير شائبة غرض أخروي أو عرض دنيوي ﴿ ذلكم ﴾ الحث على أداء الشهادة لله ﴿ يوعظ به من ﴾ هو من أهل الإيمان بالله والمعاد لأن غيره لا ينتفع به، ويجوز أن تكون الإشارة بذلكم إلى ما مر من الإمساك أو الفراق بالمعروف لا على وجه الضرار فيكون موافقاً لما مر في " البقرة " إلا أنه وحد كاف الخطاب هنالك لأنه أكد الكلام بزيادة منكم، وههنا جمع فلم يحتج إلى لفظ منكم والله أعلم بأسرار كلامه.
ثم حض على التقوى في كل باب ولا سيما فيما سبق من أمر الطلاق وكأنه قال ﴿ ومن يتق الله ﴾ فطلق للسنة ولم يضار المعتدة ولم يخرجها من مسكنها واحتاط فأشهد ﴿ يجعل له مخرجاً ﴾ ومخلصاً من غموم الدنيا والآخرة ومن جملة ذلك تأيم الأزواج ﴿ ويرزقه ﴾ من وجه لا يخطر بباله ولا يحتسبه بدل ما أدى وبذل من المهر والحقوق.
عن النبي " إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم" ﴿ ومن يتق الله ﴾ فما زال يقرؤها ويعيدها.
"وروي أن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابناً له يسمى سالماً، فأتى رسول الله فقال: أسر ابني وشكا إليه الفاقة.
فقال: ما أمسى عند آل محمد إلا مدّ فاتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله.
ففعل" ، فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإبل تغفل عنها العدوّ فاستاقها فنزلت هذه الآية.
قلت: قد جربت الآية في محن ومهالك فوجدت مفرجة منفسة.
ومن أسرار القرآن ولطائفه أنه حث على التقوى في هذه السورة ثلاث مرات: بقوله ﴿ ومن يتق الله ﴾ وذلك على عدد الطلقات الثلاث، ووعد في كل مرة نوعاً من الجزاء: الأول أنه يخرجه مما دخل فيه وهو كاره ويتيح له خيراً ممن طلقها.
الثاني اليسر في الأمور والموالاة في المقاصد ما دام حياً.
الثالث أفضل الجزاء وهو ما يكون في الآخرة من النعماء.
ثم حث في التوكل بثلاث جمل متقاربة الخطى: الأولى ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ لأن المعبود الحقيقي القادر على كل شيء الغنيّ عن كل شيء الجواد بكل شيء إذا فوض عبده الضعيف أمره إليه لا يهمله البتة.
الثاني ﴿ إن الله بالغ أمره ﴾ أي يبلغ كل أمر يريده ولا يفوته المطلوب.
الثالثة ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدراً ﴾ أي وقتاً ومقداراً.
وهاتان الجملتان كل منهما بيان لوجوب التوكل عليه لأنه إذا علم كونه قادراً على كل شيء وعلم أنه قد بيّن وعيّن لكل شيء حداً ومقدراً لم يبقَ إلا التسليم والتفويض.
قال جار الله: قال المفسرون: إن ناساً قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللواتي لم يحضن فنزلت ﴿ واللائي يئسن ﴾ فمعنى إن ارتبتم إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن.
قلت: في حصة هذه الرواية نظر فإن السورة ليس فيها بيان عدة ذوات الأقراء وإحالتها على ما في " البقرة "، والمطلقات يتربصن لا يجوز لأن هذه مكية وتلك مدنية.
نعم لو ثبت أن هذه متأخرة النزول كان له وجه كما روي عن عبد الله بن مسعود: من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة.
والجمهور أن المراد أن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضت ﴿ فعدّتهن ثلاثة أشهر ﴾ وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب أولى.
وسن اليأس مقدر بخمس وخمسين وبستين.
والمشهور عند أكثر أصحاب الشافعي النظر إلى نساء عشيرتها من الأبوين، فإذا بلغت السن التي ينقطع فيها حيضهن فقد بلغت سن اليأس.
﴿ واللائي لم يحضن ﴾ هن الصغائر والتقدير فعدتهن أيضاً ثلاثة أشهر حذف لدلالة ما قبله عليه.
قوله ﴿ وأولات الأحمال ﴾ أي النساء الحوامل ﴿ أجلهن ﴾ بعد الطلاق أو بعد وفاة الزوج أي انقضاء عدتهن ﴿ أن يضعن حملهن ﴾ هذا قول أكثر الأئمة والصحابة وإما تنقضي العدة بوضع الحمل بتمامه.
فلو كانت حاملاً بتوأمين لم تنقض العدة حتى ينفصل الثاني بتمامه، وإنما يكون الولدان توأمين إذا ولدا على التعاقب وبينهما دون ستة أشهر وإلا فالثاني حمل آخر.وعن علي وابن عباس أن عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد الأجلين من بقية الحمل ومن أربعة أشهر وعشر، ووضع الحمل لا يتفاوت بكونه حياً أو ميتاً أو سقطاً أو مضغة لا صورة فيها، وصدقت المرأة بيمينها لأنهنّ مؤتمنات على أرحامهنّ.
وحين كرر شرط التقوى كان لسائل أن يسأل: كيف يعمل بالتقوى في شأن المعتدات؟
فقيل ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم ﴾ أي بعض مكان سكناكم الذي تطيقونه.
والوجد.
الوسع والطاقة.
قال قتادة: فإن لم يكن إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه.
قال أبو حنيفة: السكنى والنفقة واجبتان لكل مطلقة.
وعند الشافعي ومالك: ليس للمبتوتة إلا السكنى.
وعن الحسن وحماد: لا نفقة لها ولا سكنى لما في حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها فقال لها رسول الله : لا سكنى لك ولا نفقة.
وضعف بقول عمر: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة نسيت أو شبه لها سمعت النبي يقول لها السكنى والنفقة ﴿ ولا تضاروهن ﴾ بإنزال مسكن لا يوافقهن أو بغير ذلك من أنواع المضار حتى تضطروهن إلى الخروج وقيل: هو أن يراجعها كلما قرب انقضاء عدتها ليضيق أمرها وقد يلجئها إلى أن تفتدي منه.
قوله ﴿ وإن كن أولات حمل ﴾ تخصيص للحامل بالنفقة لأجل الحمل وإن كانت بائنة.
هذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة ففائدته أن مدة الحمل ربما تطول فيظن ظان أن النفقة تسقط إذا مضى مقدار عدة الحامل فنفى ذلك الوهم، وأما الحامل المتوفى عنها فالأكثرون على أنه لا نفقة لها لوقوع الإجماع على من أجبر الرجل على إنفاقه من امرأة أو ولد صغير لا يجب أن ينفق عليه من ماله بعد موته فكذلك الحامل.
وعن علي وعبد الله وجماعة ومنهم الشافعي أنهم أوجبوا نفقتها.
ثم بين أمر الطفل قائلاً ﴿ فإن أرضعن ﴾ أي هؤلاء المطلقات ﴿ لكم ﴾ أي لأجلكم ولداً منهن أو من غيرهن بعد انفصام عرى الزوجية.
وهذه الإجارة لا تجوز عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان الولد منهن ما لم تحصل البينونة.
وجوز الشافعي مطلقاً كلما صار.
ثم خاطب الآباء والأمهات جميعاً بقوله ﴿ وأتمروا ﴾ قال أهل اللغة: الائتمار بمعنى التآمر كالاشتوار بمعنى التشاور أي ليأمر بعضكم بعضاً بالجميل وهو المسامحة وأن لا يماكس الأب ولا تعاسر الأم لأنه ولدهما معاً ﴿ وإن تعاسرتم ﴾ أي أظهرتم من أنفسكم العسر والشدة في أم مؤنة الإرضاع ﴿ فسترضع ﴾ أي الطفل ﴿ له ﴾ أي للأب مرضعة ﴿ أخرى ﴾ وفيه طرف من معاتبة الأم على التعاسر كما تقول لمن تطلب منه حاجة وهو يتأنى في قضائها: سيقضيها قاضٍ.
يريد لا تبقى غير مقضية وأنت ملوم.
ثم بين أن ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات هو بمقدار الوسع والطاقة كما في " البقرة " على الموسر قدره وعلى المقتر قدره إلى أن يفتح الله أبواب الرزق عليهم.
ثم هدد من خالف الأحكام المذكورة بأحوال الأمم السابقة.
والحساب الشديد أي بالاستقصاء والمناقشة، والعذاب النكر أي المنكر الفظيع.
يحتمل أن يراد بهما حساب الدنيا وعذابها وهو إحصاء صغائرهم وكبائرهم في ديوان الحفظة وما أصاب كل قوم من الصيحة ونحوها عاجلاً، وأن يراد عذاب الآخرة وحسابها.
ولفظ الماضي لتحقق الوقوع مثل ﴿ وسيق ﴾ ﴿ ونادى ﴾ وعلى هذا يكون قوله ﴿ أعد الله ﴾ تكريراً للوعيد وبياناً لكونه مترقباً كأنه قال: أعد الله لهم هذا العذاب فاحذروا مثله ﴿ يا أولى الألباب ﴾ وجوز جار الله أن يكون ﴿ عتت ﴾ وما عطف عليه صفة للقرية و ﴿ أعد الله ﴾ عاملاً في ﴿ كأين ﴾ .
قوله ﴿ رسولاً ﴾ قال جار الله: هو جبرائيل أبدل من ﴿ ذكراً ﴾ لأنه وصف بتلاوة آيات الله وكان إنزاله في معنى إنزال الذكر فصح إبداله منه، أو أريد بالذكر الشرف كقوله ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ فأبدل منه كأنه في نفسه شرف إما لأنه شرف للمنزل عليه وإما لأنه ذو مجد وشرف عند الله، أو جعل لكثرة ذكره الله وعبادته كأنه ذكر، أو أريد ذا ذكر ملكاً مذكوراً في السموات وفي الأمم كلها، أو دل قوله ﴿ قد أنزل الله ﴾ على أرسل فكأنه قيل: أرسل رسولاً أو أعمل ﴿ ذكراً ﴾ في ﴿ رسولاً ﴾ إعمال المصدر في المفاعيل أي أنزل الله أن ذكر رسولاً أو ذكره رسولاً.
قلت: لم يبعد على هذه الوجوه أن يكون المراد بالرسول هو محمد .
ثم ذكر غاية الإنزال أو التلاوة بقوله ﴿ ليخرج ﴾ والمعنى ليخرج الله أو الرسول ﴿ الذين ﴾ عرف منهم أنهم سيؤمنون من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو ليوفقهم بعد الإيمان والعمل الصالح لمزيد البيان والعيان الذي ينجيلي به ظلم الشكوك والحسبان.
قوله ﴿ قد أحسن الله له رزقاً ﴾ فيه معنى التعجب والتعظيم.
ثم ختم السورة بالتوحيد الذي هو أجل المطالب وتفسيره ظاهر مما سلف مراراً إلا أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الأرض متعددة وأنها سبع كالسموات فذهب بعضهم إلى أن قوله ﴿ مثلهن ﴾ أي في الخلق لا في العدد.
وقيل: هن الأقاليم السبعة، والدعوة شاملة لجميعها.
وقيل: إنها سبع أرضين متصل بعضها ببعض وقد حال بينهم بحار لا يمكن قطعها والدعوة لا تصل إليهم.
وقيل: إنها سبع طبقات بعضها فوق بعض لا فرجة بينها وهذا يشبه قول الحكماء: منها طبقة هي أرض صرفة تجاوز المركز، ومنها طبقة طينية تخالط سطح الماء من جانب التقعير، ومنها طبقة معدنية يتولد منها المعادن، ومنها طبقة تركبت بغيرها وقد انكشف بعضها، ومنها طبقة الأدخنة والأبخرة على اختلاف أحوالها أي طبقة الزمهرير، وقد تعدّ هذه الطبقة من الهواء.
وقيل: إنها سبع أرضين بين كل واحدة منها إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام كما جاء في ذكر السماء وفي كل أرض منها خلق حتى قالوا: في كل منها آدم وحواء ونوح وإبراهيم وهم يشاهدون السماء من جانب أرضهم ويستمدون الضياء منها أو جعل لهم نوراً يستضيئون به.
وذكر النقاش في تفسيره فصلاً في خلائق السموات والأرضين وأشكالهم وأسمائهم أضربنا عن إيرادها لعد الوثوق بمثل تلك الروايات.
ومعنى ﴿ تنزل الأمر بينهن ﴾ أن حكم الله وأمره يجري فيما بين السموات والأرضين أو فيما يتركب منهما ولا يعلم تلك الأجرام ولا تلك الأحكام ولا كيفية تنفيذها فيهن إلا علام الغيوب وتقدس.
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ : فإنه يخرج على الإضمار - والله أعلم - كأنه يقول: ياأيها النبي قل لأمتك: إذا أردتم أن تطلقوا نساءكم فطلقوهن لعدتهن؛ والدليل على أنه هكذا؛ فإنه يخرج الخطاب بعده كله للجماعة؛ حيث قال: ﴿ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أو خاطب به النبي [والمراد أمته] وذلك كثير في القرآن.
ثم قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أمر بالطلاق للعدة، ولم يبين أن الطلاق للعدة كيف يكون؟
وذكر في بعض القراءات ﴿ فطلقوهن لِقُبُلِ عدتهن ﴾ ، ثم ترك بيان ذلك لا يخلو: إما أن يكون الرسول - - قد بين ذلك لهم، فعرفوا ذلك؛ فلم يبين لهم ذلك في الآية، أو جعل معرفة بيان ذلك إليهم؛ ليعرفوا بالاجتهاد.
ثم قوله: ﴿ لقبل عدتهن ﴾ يحتمل أول عدتهن، ويحتمل ما يقابل عدتهن وهو الحيض من المقابلة فمن يقول: الاعتداد بالأطهار يجعل القبل كناية عن أو الطهر، ومن يقولها بالحيض يجعل القبل ما يقابل العدة وهو الحيض، ثم لنا أن ننظر أي التأويلين أقرب؟
وقد أجمعوا أن له أن يطلقها في آخر الطهر إذا لم يجامعها فيه، دل أن تأويل القبل بما يقابل العدة أحق وهو الحيض، [والاعتداد به] أولى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ .
يخرج على وجهين: أحدهما: احفظوا الحقوق والأحكام التي تجب في العدة؛ فأدوها.
والثاني: احفظوا نفس ما تعتدون به، وهو عدد الحيض الذي بها تعتدون؛ لئلا تزاد ولا تنقص.
ثم جعل الإحصاء إلى الأزواج، يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم هم الذين تلزمهم الحقوق والمؤن.
والثاني: أنه بهم يقع تحصين الأولاد في العدة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ .
دل قوله: ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ على صحة مسألة لأصحابنا - رحمهم الله - فيمن حلف ألا يدخل بيت فلان، فدخل بيتا هو فيه بإعارة [أو إجارة] أنه يحنث.
ووجه ذلك: أن الله أضاف البيوت إليهن وإن كان حقيقة الملك للأزواج فيها، ألا ترى إلى قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ ، ثم قال: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ؛ فدل قوله ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ : أنه أراد به البيوت التي أسكنهن الأزواج فيها، وإذا صحت هذه الإضافة؛ دل على صحة المذهب.
وقال الشافعي فيمن حلف لا يدخل مسكن فلان، فدخل مسكنا هو فيه بإعارة: إنه يحنث، وقال فيمن حلف لا يدخل بيت فلان: إنه لا يحنث، واحتج في المسكن: أنه إنما يحنث؛ لأنه وجد حقيقة السكنى من المحلوف عليه، فإن كان هذا هو الدليل على الحنث، فالواجب عليه أن يحنثه في البيت؛ لوجود البيتوتة على ما حنثته في المسكن، لوجود السكنى.
وبعد: فإن الحنث أقرب في البيت؛ لأن الله أضاف البيوت إليهن في كتابه وإن كن هن فيها بإعارة ولم يوجد في السكنى ذلك، والله أعلم.
وقوله -عز وجل-: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ .
و ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ قرئا جميعاً: فمنهم من حمل الاستثناء [بقوله: ﴿ إِلاَّ ﴾ ] على قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ، وصرفه إليه.
ومنهم من صرفه إلى قوله: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ ولكل من ذلك وجهان: فأما من حمله على قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ فإنه جعله استثناء، وللاستثناء وجهان: أحدهما: لا تخرجوهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أي: بزنى يزنين، فتخرجوهن؛ لإقامة الحد عليهن.
أو لا تخرجوهن إلا أن يظهر منهن بذاءة اللسان على أهل أزواجهن فتخرجوهن؛ لمكان البذاءة التي في لسانهن.
ومن حمله على قوله: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ ؛ فإنه يجعل معنى قوله: ﴿ إِلاَّ ﴾ على معنى: لكن؛ كما قيل في قوله : ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً ﴾ ، أي: لا يسمعون فيها لغوا، ولكن سلاما، إذ لا يحتمل استثناء السلام من اللغو؛ لما ليس في جملة اللغو سلام؛ فيستثنى منه فكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ فكأنه قال: لا يخرجن، ولكن إذا خرجن فخروجهن فاحشة، ويدل هذا على أن النهي لنفس الخروج، لا للانتقال.
ووجه آخر في ذلك، وهو: ألا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة، فإنهن إذا خرجن، خشي عليهن أن يأتين بفاحشة مبينة كما روي عن النبي أنه قال: "أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر" ، وكان المعنى من ذلك: أنه إذا تزوج فوطئ فهو عاهر، ولكن نهي عن النكاح؛ لأنه يخشى عليه في النكاح أن يطأها فيصير عاهرا، لا أن يكون نفس التزوج منه زنى، فكذلك ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ﴾ فيكون النهي لا عن نفس الخروج، ولكن لكونه سببا للفاحشة في الجملة، وطريقا إليها.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ .
فمن قرأ ﴿ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ بالخفض فمعناه: أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها المرء، ونظر تبين له: أنها فاحشة.
ومن قرأ ﴿ مبيَّنة ﴾ بالفتح، عني به: أنها مبينة بالبراهين والحجج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ .
الحدود: الموانع والنواهي، لا يحل مجاوزتها، ومن ذلك سمي الحداد: حداداً؛ لأنه يمنع تحديده كل أنواع أمتعته أن تجاوز حدها الذي جعل لها، والحد في الحقيقة هو: النهاية التي يُنتهى إليها فلا يجاوز، وإذا كان كذلك كان الخيار إلى صاحب التأويل: فإن شاء حمله على الحد بين الطاعة والمعصية [أو بين] الحلال والحرام؛ حيث ذكر في هذه الآية أنواعا من النهي؛ فسمي ذلك كله: حدوداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ .
أي: ضر نفسه، ويجوز أن يكون المعنى منه، أي: إن جاوز هذا الحد الذي جعل لله ، فقد وضع نفسه مكانا لم يضعه فيه ربه، والظلم في الحقيقة وضع الشيء في غير موضعه.
والتأويل الآخر: أن من جاوز موانع الله ونواهيه، فقد ظلم نفسه؛ دل هذا على أن منافع هذه النواهي ومضارها لا ترجع إلى الله، بل ترجع نفس الممتحنين.
وقوله -عز وجل-: ﴿ لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرا ﴾ .
أي: لا يطلق؛ فإنه إذا طلق لا يدري لعل الله يحدث بعد ذلك ندامة على ما سبق من فعله أو رغبة فيها؛ فيكون فيه دلالة النهي عن نفس الطلاق، وقد بينا كراهة نفس الطلاق في الحكمة في أنه ليس من نوع ما يتقرب به؛ فيكون فيه [الزيادة في القربة] ولا مما يستمتع به فيكون فيه زيادة في الاستمتاع، بل المقصود منه التأديب والمَخْلَصُ، وفي الواحدة كفاية عما زاد عليها؛ فكان في هذه الآية دلالة النهي عن نفس الطلاق، وعن الزيادة على الواحدة والله أعلم.
قال: فإن كان تأويل قوله - عز وجل - ﴿ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ هو الرغبة فيها أو الندامة على ما سبق منه؛ فإنه دلالة على إبطال قول المعتزلة؛ لأن الرغبة والندامة جميعاً من فعل العباد، والله قد أضاف ذلك إلى نفسه بقوله: ﴿ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ ، وإذا كان كذلك، ثبت أن لله في إحداث أفعال العباد صنعا وتدبيرا، والله أعلم.
وقال أصحاب الشافعي: إن قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ يدل على تعليم الوقت في الطلاق دون العدد، فله أن يطلقها في الوقت أي عدد كان، ولا يستقيم ذلك؛ لأن التأويل إنما يستقيم على أحد وجهين: إما [على ما] جرى به التفاهم في العادات بين العباد، وإما على ما جرى به التفاهم في حق الحكمة، وليس يفهم من قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ العدد الثلاث على واحد من الوجهين اللذين وصفناهما؛ ألا ترى أن من قال لآخر: طلق امرأتي، لم يجز أن يطلقها ثلاثا إلا أن يكون نوى ثلاثاً؛ فثبت أنه لا يفهم به في [عبارته لفظ] الثلاث.
وأما وجه الحكمة؛ فلما ذكرنا: أن الطلاق ليس مما يتقرب به رغبة في الاستكثار منه زيادة في القربة، ولا مما يستمتع فيستكثر منه زيادة في الانتفاع، وإنما المراد منه التأديب والمخلص، وما كان مخرجه هذا المخرج، كان في حد الرخصة وما خرج مخرج الرخص، لم يعتد به عما وقعت به الرخصة، وإذا ثبت ما وصفنا، ثبت أنه لا يجوز الفهم من قوله : ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ الثلاث، والتعليم في العدد أليق به من الوقت؛ لأنه لا ضرر يلحقه في تعديه عن الوقت المجعول له فيه الطلاق، ولا شك أنه يلحقه الضرر في تعديه في العدد والزيادة منه، والله أعلم.
ومما يدل على أن المراد من قوله ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ ليس عدد الثلاث قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ولا شك أنه إذا أوقع عليها ثلاثا، لم يملك إمساكها، ومعلوم أن قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ الطلاق المتقدم من قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ ﴾ ، ولو كان المراد عدد الثلاث، لم يكن لقوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ ﴾ معنى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، فيه فوائد شتى، وأدلة متفرقة من الفقه والأحكام: أحدها: أن الله قال: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ والمعروف إليها في المتعارف من نوع الفعل أظهر من نوع القول؛ لأنه إنما يحسن إليها، استمتاعا وإنفاقا ونحو ذلك، فذلك نوعه نوع الفعل؛ فثبت أن حقيقة الإمساك بالمعروف في الأفعال؛ فلذلك قلنا: إنه إذا راجعها بالفعل يكون مراجعاً؛ فإن قيل: أليس قال الله : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ والإشهاد على الفعل غير صحيح؟
فجوابه أن يقال: إن الله قال: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ﴾ ، ومعلوم أن هذا لو كان بحضرة الشهود، لم يكن للإشهاد معنى، بل إذا سمعوا ذلك، [صاروا شهداء] أشهدوا أو لم يشهدوا، وإذا كان كذلك، ثبت أن المعنى من هذا الإشهاد على الإمساك المتقدم، وذلك في الأفعال مستقيم، والله أعلم.
ووجه آخر: وهو أن كل عقد استقام بغير شهود جرى فيه الأمر بالإشهاد نحو قوله: ﴿ وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ ، وكل ما جعل الشهود فيه شرطا لقوام العقد، جرى الذكر فيه "لا...
إلا" بشهود، نحو قوله: "لا نكاح إلا بشهود" ، فلما جرى الذكر في هذه الآية بالأمر بالإشهاد بقوله : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ ، ثبت أنه يستقيم من غير شهود، والله أعلم.
ثم في قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ دليل على أن المراد من الأقراء هو الحيض؛ فإنه ذكر نوع هذا في كتاب الله في مواضع؛ قال الله في موضع: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ ، وقال في هذا الموضع: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ومعلوم أن معاني هذه الألفاظ مختلفة وإن اتفقت مخارجها، واختلافها: أن يكون المراد ببلوغ الأجل في أحد النوعين على التمام وانقضاء الأجل، والثاني على الإشراف عليه، وأحق ما يكون في حق الإشراف على البلوغ هو ما يرجع إلى الأزواج؛ لأنه قد كان لهم حق الإمساك قبل انقضاء الأجل، وهم أحق بهن ما لم [يتم بلوغ الأجل] لا بعده، وإذا ثبت أن المعنى من قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ في هذا الموضع هو الإشراف على البلوغ والقرب من انقضاء الأجل دون التمام، ثبت أن الأقراء: هي الحيض؛ لأنه لو كان المراد منها الأطهار لم يعرف إشراف الأجل على البلوغ؛ لأنه لا نهاية لأكثر الطهر، وأما الحيض فإنه له غاية معلومة؛ لأن أيامها لا تخلو إما أن تكون عشرا أو دون العشر، فإن كان عشرا فيعرف بالعد، وإن كان دون العشر فإن دمها إذا انقطع راجعها قبل أن تغتسل، وذلك وقت إشراف أجلها على البلوغ، والأطهار ليس يتحقق فيها المعنى الذي وصفنا، والله أعلم.
ثم قال هاهنا: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ؛ فدل الأمر بالإمساك في الظاهر أنها ما دامت في العدة، فهي على ملكه، وقال في موضع آخر: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ ؛ فدل على أنه قد وقع شيء من الزوال حتى أمره بردها؛ فيكون حجة للشافعي في أن الطلاق الرجعي يحرم الوطء، ولكن المعنى عندنا في هذا -والله أعلم-: أنا قد عرفنا بقوله: ﴿ أَوْ فَارِقُوهُنَّ ﴾ بعد وجود الطلاق المتقدم: أنه لم يرد به الفرقة للحال، ولكن معناه: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فتفارقوهن؛ فثبت أنه قد وقع شيء من شبهة الفراق بالطلاق، وهو أن صار الفراق مستحقّاً لازما حال انقضاء العدة؛ فيكون له عَرَض الوجود للحال، فقال: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ ﴾ على إبقائهن على أصل الملك، وقال: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ في ذلك؛ لرفع تلك الشبهة الواقعة بالطلاق؛ وهذا على سبيل ما قال : ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
وكان الفيء هو الرجوع، ومعلوم أنه لم يقع بالإيلاء شيء من الفرقة، ولكن لما كان الإيلاء موجبا للبينونة في العقد، أوجب في الحال شبهة الفرقة، وهو استحقاق الزوال، فذكر الفيء؛ لرفع تلك الشبهة؛ وكان تركها منه لا يفيء إليها عزم منه على الطلاق، فكذلك الأول والله أعلم.
والمعروف إذا صنع إليك إنسان صنيعة، فعرفتها واستحسنتها، فهو معروف، وما دفعته وأنكرته، فليس بمعروف.
أو هو الذي عَرَّفَنا اللهُ -تعالى- من المراجعة والمفارقة.
ثم المعروف في الحقيقة ما تطمئن إليه القلوب وتسكن عنده الأنفس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ .
دل قوله - -: ﴿ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ﴾ أن قد يكون منا فساق، وأن الفسق لا يخرجه من الإيمان، وكذلك قوله: ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ ﴾ فثبت أن قد يكون منا من لا يرضى، وأن خروجه ممن يرضى لا يخرجه من الإيمان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾ .
حيث أضافها إلى نفسه هو أنه لا بد في الشهادة من نفع يقع لأحد الخصمين، وضرر يرجع إلى الآخر، فكأنه قال: لا ينظر بعضكم إلى رضا من تنفعه الشهادة وإلى سخط من تضره، ولكن اجعلوها لله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .
الموعظة وإن كانت لمن يؤمن ولمن لا يؤمن، فالمعنى في هذا: ذلكم يتعظ بما يوعظ [به] من كان يؤمن بالله واليوم الآخر كما كان المعنى من قوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ أي: إنما ينتفع بالإنذار من يتبع الذكر، وكما كان في قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ ، أي: ينتفعون بتلاوته فكذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يُوعَظُ بِهِ ﴾ .
أي: بما أمر فيما تقدم من الآيات من الطلاق للعدة، والنهي عن إخراجهن من البيوت والإنفاق عليهن، ونحوه إنما يوعظ به - أي: يأخذ بما أمر به، ونهي عنه في هذه الآيات - من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ .
قد بينا أن التقوى إذا ذكر مفرداً انتظم الأوامر والنواهي، وإذا ذكر معه البر والإحسان، صرف التقوى إلى معنى، والبر إلى معنى، وذكر في هذا الموضع مفردا؛ فجاز أن ينتظم الأوامر والنواهي، ثم جاز أن يكون المعنى من قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ فيما بين له من الحدود، فلم يضيعه، ﴿ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ فيما لم يبين له، وفيما اشتبه من الحد.
أو يجوز أن يكون المعنى من قوله ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: يجاهد فيما أمره ونهاه، يجعل له مخرجا في أن يهديه، ويبين له السبيل؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ .
قال: ويجوز أن ينال من يلزم التقوى خير الدنيا والآخرة؛ لأن الله ذكر التقوى، وما يليه بألفاظ مختلفة، فقال في موضع: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ وقال: في موضع آخر ﴿ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ ، وفي موضع آخر ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾ وفي موضع آخر ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ ، أي: إن الله مع الذين اتقوا في النصرة والمعونة أو التوفيق والعصمة، ومن نصره الله - - فلا يغلبه أحد، ومن يعصمه الله فلا يضله أحد، وإذا نال هاتين الخصلتين، فقد نال خير الدنيا والآخرة.
أو يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ يعني: يتقي عقابه، يجعل له مخرجا من الشدة في الدنيا وعن سكرات الموت وغمراته وعن شدائد الآخرة وأهوالها.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ في مكاسبه، يجعل له مخرجا من الشبه والحرمات فيسلم منها.
أو يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ ﴾ فيما بين له من الحدود في هذه الآيات المتقدمة، فحفظها من صحبة النساء على ما أمر به، ﴿ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ مما أهمه من ناحيتهن، ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ يجوز أن يكون هذا فيما بين له من الحدود إذا حفظها أن يزرقه ما وصفنا من المرأة والمال.
ويجوز أن يكون هذا في جميع الأمور من المكاسب والتجارات؛ لأن التجار يظنون أنهم إنما يرزقون الفضل والربح؛ لما يدخلون فيها من الشبه والحرمات، وأنها إذا نُفِيَتْ من تجاراتهم لا يرزقون مثل ذلك؛ فأخبر -جل ثناؤه- أنهم إذا اتقوا في تجاراتهم تلك الشبه والحرمات، رزقهم من حيث لم يحتسبوا.
أو يجوز أن يكون هذا خطابا للكفرة؛ وذلك أنهم كانوا يخافون أنهم إذا آمنوا [برسول الله ] حرموا من الرزق، وابتلوا بالضيق، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ...
﴾ الآية [القصص: 57] فكأن الله -تعالى- أمنهم عما يخافون بسبب الإسلام، وأخبرهم أنهم إذا وحدوا الله وآمنوا برسوله، رزقهم من حيث لم يحتسبوا، ووسع عليهم الرزق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ .
يجوز أن يكون معناه: أي: من يعتمده في كل نائبة، ويفوض إليه كل نازلة.
والوكيل: هو الموكول إليه الأمور.
وقيل الوكيل: هو الحافظ؛ فكأنه قال: ومن يعتمد على الله فيما نابه كفى به وكيلا موكولا إليه أمره، وكفى به حافظا وناصرا ومعينا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾ .
أي: فيما أخبر من حكمه ووعده ووعيده: أن ينزل بهم.
ويجوز أن يكون ﴿ بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾ ، أي: مبلغ ما أمر رسوله بتبليغه إلى آخر عصابة [تكون من أمته] في تسخيرهم؛ ليصيروا كأن الرسول بلغهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾ .
قال الحسن: [جعل] لكل شيء من أعمال العباد قدراً وثواباً في الآخرة.
والوجه عندنا: قد جعل الله لكل شيء مما كان ويكون إلى يوم القيامة من حسن وقبيح في الحكمة قدرا؛ ألا ترى إلى أفعال العباد أنها كيف تخرج عن تدبيرهم من زمان إلى زمان ومكان ونحو ذلك؛ ليعلم أن الله -تعالى- هو الذي قدر ذلك المكان والزمان والفعل، حتى خرج فعل هذا العبد عن تقديره الذي قدره، والله أعلم.
وفي قوله - -: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ وجه آخر، وهو أنه لو جعل جميع الرزق من حيث لا يحتسب، جاز؛ لأن الرزق في الحقيقة هو الذي يتقوى به الإنسان ويتغذى به، وليس ذلك في عين الأكل والشرب، ولكن فيما يتفرق من قوة الطعام والشراب في الأعضاء، وذلك باللطف من الله ، فثبت أن قوة الأكل والشرب إنما تصل إلى الأعضاء من حيث لا يحتسب الإنسان، والله أعلم.
ثم ليس في قوله - -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ تخصيص أن من لا يتقيه لا يرزقه من حيث لا يحتسب؛ لأنا قد نرى في الشاهد من يرزق من حيث لا يحتسب اتقاه أو لم يتقه؛ فثبت أن فائدة التخصيص ليس نفي غير المذكور، ولكن فائدة تخصيص المتقي بالذكر هو أنه يرزقه من حيث يطيب له، ولا يلام عليه، وليس ذلك في غير المتقي، والله المستعان.
ثم ليس في قوله: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ ما يدل على ترك الأسباب، ولكن لما رأى الناس يفزع بعضهم إلى بعض ويستغيث بعضهم ببعض، أمرهم أن يجعلوا المقصد والمفزع إلى الله ، وأن يصيروا هذه الأسباب كلها محنة عليهم، لا أن يروا أرزاقهم معصومة متعلقة بها، ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ كيف أمر بإدراك فضله من تلك التجارة؛ فثبت أن هذه المكاسب كلها أسباب للخلق، بها يتوصلون إلى فضل الله ، وأن المقصد والمفزع فيها إلى الله ، والله أعلم.
ثم اختلفوا في العدة: فمنهم من قال: هي استبراء الرحم.
ومنهم من قال: هي عبادة تتبع النكاح الذي استوفي فيه المقصود بالنكاح، وهذا القول عندنا أصوب؛ لأوجه: أحدها: أن الاستبراء واجب في حق السنة والأدب قبل الطلاق؛ فإن من أراد أن يطلق امرأته فالواجب عليه أن يستبرئها بحيضة ثم يطلقها، وأما العدة فإنها لا تجب إلا بعد الطلاق، فثبت أنها على ما ذكرنا من العبادة التي تتبع النكاح الذي استوفي فيه المقصود، والله أعلم.
ومعنى آخر: وهو أن العدة لو كانت استبراء، لكانت تكتفى بالحيضة الواحدة، فلما قرنت بالعدد، وفي الواحدة مندوحة عما سواها في حق الاستبراء، ثبت أنها على الوجه الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ .
هذا يدل على أن المراد من الأقراء الحيض؛ وذلك لأن الأصل عندنا في الأصول [أن الشيء] متى ذكر باسم مشترك، ثم جرى البيان له عند ذكر البدل باسم خاص؛ دل على أن المراد من الاسم المشترك هذا الاسم الخاص المذكور عند البدل؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ وكان اسم الغسل مشتركا يتناول الماء وكل مائع، فلما قال عند ذكر البدل: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ ﴾ ، تبين أن المراد من ذلك الاسم المشترك هو هذا الاسم الخاص المذكور عند البدل، فكذلك الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ ﴾ .
اختلفوا في قوله: ﴿ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ : أنه أريد به: إن ارتبتم في حيضهن أو في عدتهن؟
وعندنا الارتياب في عدتهن؛ لأنه لو كان المراد منه الارتياب في حيضهن، لكان من حق الكلام أن يقول: "إن ارتبتن" أو يقول: "واللائي ارتبن" ليكون منسوقا على قوله: ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ ﴾ فلما قال: ﴿ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ ثبت أن المراد: إن ارتبتم في عدة الآيسات والصغائر، فهي ثلاثة أشهر، والله أعلم.
أو لأن المرتابة إذا رأت الحيض ارتفع ريبها، وصار عدتها بالحيض، وخرجت من العدة بالشهور، وأما الآيسة والصغيرة؛ فإنه لا يتوهم عليهما ارتفاع الإياس والصغر؛ فيكون عدتهما بالأشهر؛ فلذلك قلنا: إن هذا الارتياب في عدة الآيسات والصغائر.
ثم من قول أصحابنا: إن الرجل إذا طلق امرأته الآيسة أو الصغيرة أو الحامل للسنة يطلقها متى شاء، وليس له وقت معين في طلاقها للسنة، وإنما كان كذلك؛ لأنا قد وصفنا في قوله: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ : أن المراد منه: لقبل عدتهن، ومعلوم أن عدة التي ترى الحيض أحد شيئين: إما الدم ولم يعتبر ما يقابله وهو الطهر من العدة، وكذلك من جعل عدتها بالأطهار لم يعتبر ما يقابلها وهو الحيض من العدة، وإذا كان كذلك لم يكن بد من أن يكون هاهنا شيء يقابل عدتها؛ فثبت فيه معنى قبل عدتها؛ فجعل ذلك الطهر، وأما الآيسة والصغيرة والحامل فجميع أيامها من عدتها، وهي ثلاثة أشهر، وليس في أيامها شيء يقابل عدتها، فلذلك قلنا: إن له أن يطلقها في أي وقت شاء، وكذلك له أن يطلق الحامل التي من ذوات الأقراء؛ وذلك لأنه إنما نهي -عندنا- عن الطلاق على أثر الجماع في التي تحيض؛ لتوهم أن يكون الجماع أحبلها، فإذا طلقها [ثم أراد] نفي الحبل في العدة، لم يتهيأ له ذلك، وأما الآيسة والصغيرة والحامل، فليس فيهن هذا التوهم، والله أعلم.
ثم إن هذه العدة وإن ذكرها في هذه السورة على أثر الطلاق الواحد؛ فكأنها في التطليقات الثلاث؛ لأن هذه العدة مكان العدة التي ذكر الله في سورة البقرة من قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ؛ لأنه ذكر هاهنا: ﴿ وَأَحْصُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ على الإجمال وذكرها ثَمَّ على التفسير؛ فإذا التحق التفسير بالمجمل يصير في المعنى والحكم كأنه واحد، ومعلوم أن تلك في الواحدة والثلاث؛ ألا ترى إلى قوله : ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ وقوله: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ هي التطليقة الثالثة.
وإذا كان الأمر على ما وصفنا، ثبت أن للمرء أن يطلق امرأته الحامل للسنة ثلاثا، والله أعلم.
قال - رحمه الله -: في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ أوجه من الفقه: أحدها: أنه لما قال: ﴿ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ دل أنه ألزمهن السكون في بيوتهن التي كن فيها في حالة قيام النكاح؛ فيكون دليلا [لقول] أصحابنا: إنه ليس للزوج أن يسكنها معه في بيته الذي هو فيه، بل يتركها في ذلك المسكن، وينتقل هو بنفسه إن كان يريد الانتقال؛ يصحح هذا قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ فلما أدخل حرف (من) في هذه الآية دل أن الواجب على الزوج أن يسكنها في بيت من بيوته، ولا يدخل عليها في ذلك البيت إلى أن تنقضي عدتها، والله أعلم.
ثم المعنى عندنا في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ؛ ليَحْصِنَّ ماءكم، ولا يخرجن؛ خوفا من وطء غير الأزواج واشتباه النسب لو حبلن، وإذا كان النهي عن إخراجها من البيت لهذا المعنى، لم يكن بد من إيجاب النفقة عليه؛ لأنها إنما تكتسب نفقتها بالخروج، فإذا نهيت عن الخروج؛ لتحصن ماءه، لم يحتمل أن تكون النفقة على غيره، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ .
روي عن [ابن] مسعود - - أنه قال: من شاء باهلته أن قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ نزل بعد قوله في سورة البقرة: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ﴾ ، وجعل عدة الحامل بوضع الحمل، ولا يعتبر أبعد الأجلين، لكن إن كان ابن مسعود - - يباهل، فعلي - - لا يباهل، ويقول بأن قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ﴾ لا يجوز أن يدخل في قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ ؛ وذلك لأن قوله: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ إنما ذكر في عدة الطلاق، وعدة الطلاق لا تتضمن عدة الوفاة إذا كانت بالحيض، لم تدخل عدة الطلاق في عدة الوفاة؛ ألا ترى أن من طلق امرأته وهي حائل ممن تحيض، ثم مات عنها زوجها قبل انقضاء عدتها، لم تدخل عدة الوفاة في الحيض الثلاث، بل الحِيَضُ [هي التي تدخل] في عدة الوفاة [في الحيض، وتؤمر: أن] تعتد بأبعد الأجلين، فكذلك أمر الحامل، وإذا اشتبه الحال أمرت فيه بالاحتياط أن تعتد بأبعد الأجلين، ولأن عدة الوفاة لم تلزم لوطء متقدم؛ ألا ترى أنها قد تلزم من لم يكن زوجها من أهل الوطء، وأما عدة الحبل والحيض، إنما لزمت لوطء متقدم، وإذا لم تكن عدة الوفاة من جنس العدة بالحبل، لم تدخل في عدة الحبل فلا نوجب فيها الاحتياط، وذلك في الاعتداد بأبعد الأجلين.
ثم التخصيص بذكر الإنفاق على الحوامل يحتمل أن يكون بمعنى أنها في الحقيقة لا تدخل في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ ؛ لأنا قد وصفنا أنها إنما نهيت؛ لتحصين ماء الزوج، وإذا مضت تسعة أشهر، فقد خرجت عن التحصين، فكان الواجب أن تسقط النفقة بعد التسعة، لكن الله حث على الإنفاق في جميع المدة؛ لأنها لا محالة إنما بقيت في هذه المدة؛ لوطئه المتقدم؛ فلذلك حث الله في الإنفاق على الحوامل فيما يقع عندنا، والله أعلم.
وأما ابن مسعود - - فإنه يجوز أن يكون قوله - -: ﴿ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ ﴾ عنده مبتدأَ خطابٌ، ليس بمعطوف على قوله: ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ ﴾ ؛ لأنا نعلم أنه لا يجوز أن يقع الارتياب فيمن تحتمل القروء؛ وذلك لأن الأشهر في الآيسات إنما أقيمت مقام الأقراء في ذوات الحيض، وإذا كانت الحامل ممن تحتمل القروء لم يجز أن يقع لهم شك في عدتها؛ ليسألوا عن عدتها.
وإذا كان كذلك، ثبت أنه خطاب مبتدأ، وإذا كان خطابا مبتدأ تناول العِدد كلها، ومما يدل على أنه مبتدأ خطاب ما روي في خبر سبيعة بنت الحارث الأسلمية: أنها وضعت بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة، فأمرها رسول الله أن تتزوج؛ فدل إباحته النكاح قبل مضي أربعة أشهر وعشر على أن عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل في جميع الأحوال.
وقال الحسن: إن الحامل إذا وضعت أحد الولدين، انقضت عدتها، واحتج بقوله: ﴿ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ، ولم يقل: "أحمالهن"؛ ولكن لا يستقيم ما قاله؛ لوجهين أحدهما: أنه قرأ في بعض القراءات ﴿ أن يضعن أحمالهن ﴾ .
والثاني: أنه قال: ﴿ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ ، ولم يقل: "يلدن"، بل علق بوضع حملهن، والحمل اسم لجميع ما في بطنهن، ولو كان كما قاله، لكان عدتهن بوضع بعض حملهن، والله جعل أجلهن أن يضعن حملهن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ .
فقد وصفنا أن التقوى إذا ذكر مطلقاً مفرداً، تناول الأوامر والنواهي، فكأنه قال: ومن يتق الله في أوامره أن يضيعها أو في نواهيه أن يرتكبها، يجعل له من أمره يسراً.
[ثم قوله: ﴿ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾ .
له وجهان: أحدهما: له من أمره يسراً] في نفس التقوى أن نيسره عليه، كما قال في قوله: [ ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ \[الحاقة؟: 19\]، وفي قوله]: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ يعني: ييسر عليه فعل التقوى والطاعة، فكذلك الأول.
ويحتمل أن يكون في جميع الأمور في المكاسب والتجارات وغيرها: أن من اتقى الله من الحرام ييسر الله عليه الحلال، ومن اتقى الله من الشبه يسر عليه في المباح، ومن يتق الله في تجارته، رزقه ما يرجو من الربح ويأمله، وكذلك جميع الأمور على هذا السبيل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معنى قوله: ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك التقوى أمر الله أنزله إليكم.
ويحتمل أن يكون أراد بقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ما تقدم من الآيات في المراجعة والإشهاد والطلاق والعدة وغير ذلك: أنها وإن خرجت في الظاهر مخرج الخبر، فإنها كلها أمر الله ، أنزله إليكم؛ فاتبعوها وخذوا بأمره فيها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ﴾ .
هذا يدل على ما وصفنا: أن التقوى إذا ذكر مفردا انتظم الأمر والنهي جميعاً، ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ ، وقال هاهنا: ﴿ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾ .
فجعل التقوى تكفر السيئات، فلولا أن في التقوى أعظم الحسنات، لم يكن لقوله: ﴿ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ ﴾ معنى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، وفي قراءة عبد الله بن مسعود : ﴿ أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم ﴾ ويجوز أن تكون قراءة عمر - - أيضاً؛ ألا ترى [أنه قال]: (لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة؛ لا ندري أصدقت أم كذبت)، فالكتاب هذا، والسنة يجوز أن يكون سمعها من رسول الله في ذلك.
أو يجوز أن يكون عند عمر - - في هذا تلاوة قد رفع عينها وبقي حكمها؛ لذلك قال: (لا ندع كتاب ربنا) ألا ترى إلى ما قاله عمر - - في أمر الزنى: "سيأتي على الناس زمان يقولون: لا نجد الرجم في كتاب الله، وإنا كنا نتلو من قبل في سورة الأحزاب: الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما ألبتة؛ نكالا من الله، والله العزيز الحكيم" فقد رفعت التلاوة، وبقي حكمها؛ فكذلك في أمر النفقة يجوز أن تكون التلاوة مرفوعة وحكمها باقٍ؛ والله أعلم، وقوله: (لا ندع كتاب ربنا) في الخبر دلالة أن الكتاب قد ينسخ بالسنة؛ لأن عمر - - إنما احتج في امتناعه عن ترك [كتاب الله] بقول امرأة لم ندر أصدقت أم كذبت؟
ولولا أن الكتاب قد ينسخ بالسنة، وإلا لم يكن احتجاجه بقوله: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة) معنى، بل كان يقول: (لا ندع كتاب ربنا بالسنة)، فلما قال: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة؛ لا ندري أصدقت أم كذبت)؟
دل أن السنة قد تنسخ الكتاب، والله أعلم.
وروى أبو بكر الأصم أن فاطمة بنت قيس لما أنكر عليها عمر - - حديثها تركت روايتها إلى زمن مروان، فلما استخلف مروان جعلت تروي حديثها، فأخبر بذلك مروان، فدعاها فروت هذا الحديث، فقال لها مروان على ما كان يقول لها عمر - - فقالت له: أين كتاب ربنا؟
فتلا عليها قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، فقالت: كيف يحتمل أن يكون هذا في المطلقة ثلاثا، والله يقول في هذه ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ؟
ومعنى الإمساك في المطلقة ثلاثاً معدوم؛ فأفحم مروان، ولو فهم مروان ما فهمه عمر لم يفحم؛ وذلك أن هذه العدة المذكورة في هذه الآيات إنما هي مكان قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ، ولا فرق هناك بين المطلقة الواحدة والثلاث، وإذا كان المذكور في هذه العدة مكان تلك، فالمذكور في النفقة في هذه كالمذكور في تلك، وليس في تلك الآية ذكر الفرق بين الثلاث والواحدة؛ فلذلك قلنا: في كتاب الله دلالة إيجاب النفقة للمبتوتة والمطلقة ثلاثاً، والله أعلم؛ فيكون حجة على الشافعي؛ ومما يدل عليه هو أنه لما استدل بذكر الإنفاق في قوله: ﴿ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ على وجوب الإسكان والنهي عن الإخراج مع توهم الإنفاق دون الإسكان، فلأن يستدل بذكر الإسكان على الإنفاق ولا يكون الإسكان، إلا بالإنفاق؛ لاتصاله به -أحرى، فصار قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ ﴾ دليلاً على وجوب الإنفاق، وإنما قلنا: إن الإنفاق متصل بالإسكان؛ لأنه إذ نهي عن إخراجها عن بيته وأمر بإسكانها فلا يحتمل أن يؤمر بالإنفاق؛ لأن في ذلك تضييقاً عليها وتعسراً؛ ألا ترى: أنها إنما تكتسب النفقة بالخروج، فإذا نهى الزوج عن إخراجها، ونهيت هي عن الخروج، لم تصل إلى نفقتها إلا بالزوج ضرورة، والله أعلم.
ولأجل أنا نظرنا: أن النفقة في الحامل للحمل أو العدة، فوجدنا أنها لو كانت واجبة للحمل، لم تجب إذا كان حملها بحيث لو وضعته، لم يلزم نفقته عليه، وقد وجدنا هذا الحكم، نحو: حر يتزوج أمة رجل بإذن سيدها فولدت ولدا: أن نفقة الولد على السيد، وكان يجب عليه ما دام في بطن أمه، فلما استقام وجوب النفقة على الزوج ما دامت حاملا، وإن كان الحبل بحيث لو وضعته لم يلزمه نفقته -ثبت أن النفقة في الحامل؛ لمكان العدة لا للحبل، [والعدة] في الحائل والحامل واحدة؛ فكذلك كان حكمهما واحداً، والله أعلم.
ثم الأصل عندنا ما وصفنا: أن النفقة إنما وجبت؛ لاستمتاعه المتقدم، [فما دامت] محبوسة؛ لاستمتاعه السابق أوجبت النفقة عليه، وإذا كانت محبوسة لا بهذا الحق لم يكن عليه النفقة، والله أعلم.
ولأن في قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، إضمار النفقة، كأنه يقول: أسكنوهن من حيث سكنتم، وأنفقوا عليهن من وجدكم؛ لأنه لولا هذا الإضمار، لم يكن لقوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ على الظاهر معنى؛ لأنه لما قال: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ ﴾ ، علم أنه جعل الإسكان عليهم، ومن كان عليه الإسكان، فإنما يكون من وجده، فلم يكن في قوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ إلا إعلام ما قد علمناه، وإذا كان كذلك ثبت أن في قوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ إضماراً يستقيم عليه المعنى في قوله: ﴿ مِّن وُجْدِكُمْ ﴾ ، وليس بين القراءتين اختلاف، ولكن إحداهما خرجت على الإجمال، والثانية على التفسير [على ما قرئ في قوله: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ و: ﴿ أَيْمَانَهُمَا ﴾ ، ولم يحمل ذلك على الاختلاف، بل حملت إحداهما على الإجمال والثانية على التفسير] فكذلك الأول، والله أعلم.
مع أنه لم يثبت اللفظ في قراءة ابن مسعود - - فأقله أن يكون من خبر الآحاد، ومعلوم أن خبر ابن مسعود وإن كان من خبر الآحاد فما يسنده إلى رسول الله مقبول، ولما وجب قبول خبر أبي هريرة - - مع ما قيل فيه من الضعف، فلأن يقبل خبر ابن مسعود - - مع فضله وروعه وكثرة صحبته [مع النبي] ، وتبحره في الفقه أولى، ومن هجر قراءة ابن مسعود - - خيف عليه الزلة، ألا ترى [إلى ما] روي عن ابن عباس - ما - أنه سأل أصحاب النبي ، فقال: ما تعدون آخر القراءة؟
قالوا: قراءة زيد بن ثابت - - فقال: كلا، كان يعرض القرآن على رسول الله كل عام مرة، وعرض عليه في العام الذي قبض فيه رسول الله مرتين، وقد شهدهما جميعا ابن مسعود - - فإذا كان ابن مسعود قراءته آخر القراءات، وهو الذي شهد قراءة القرآن على رسول الله آخر مرة لم ينبغ أن نعرض عن قراءته، ونهجره، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم ﴾ دلالة أنه إنما يسكنها في جزء من أجزاء مسكنه، لا في الموضع الذي يسكنه هو؛ لأن حرف (من) للتجزئة والتبعيض.
وقوله: ﴿ وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ ﴾ .
يحتمل وجهين: [من التأويل]: أحدهما: أي: لا تضاروهن في الإنفاق عليهن فتضيقوا عليهن النفقة، فيخرجن، أو لا تضاروهن في المسكن، فتدخلوا عليهن من غير استئذان؛ فيضيق عليهن المسكن؛ فيخرجن، والله أعلم.
وقوله -عز وجل-: ﴿ وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ .
دل الأمر بالإنفاق على النهي عن الإخراج، كما دل النهي عن الإخراج على وجوب الإنفاق.
ثم التخصيص بذكر الإنفاق على الحامل يحتمل أن يكون لمعنى: أنها في الحقيقة، لم تدخل في قوله: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ ﴾ ؛ لأنا قد وصفنا أنها نهيت [عن الخروج] لتحصين ماء الزوج، وإذا مضت تسعة أشهر فقد خرجت عن التحصين؛ فكان الواجب أن تسقط النفقة بعد التسعة، وقد ذكرنا هذا المعنى فيما تقدم.
ويحتمل أن يكون الفائدة في [تخصيص الحوامل] بالإنفاق عندنا - والله أعلم - [أنه لولا] هذه الآية، لكانت الحوامل يخرجن عن قوله - -: ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ ﴾ ، ومن قوله: ﴿ وَلاَ يَخْرُجْنَ ﴾ ؛ لأن الأزواج لهم أن يحتجوا عليهن بأن حرمة النكاح في ذوات الأحمال ليس لحق الأزواج، ولكن لحق ما في بطنها من الولد؛ ألا ترى أنه يحرم عليها النكاح وإن كان الولد من غيره، وقد قلنا: إن النفقة إنما وجبت في غير الحوامل؛ لأنهن يحبسن عن نكاح الأجانب بحق الأزواج، فإذا كان الحبس في الحوامل لا لحق الأزواج، جاز أن يكون هذا حجة لهم في إسقاط النفقة عنهم، وإذا كان كذلك، حث الله لهم في الإنفاق على الحوامل ما لم يضعن حملهن؛ لأن ذلك الحمل من أثر استمتاعهم المتقدم؛ ففائدة تخصيص ذكر الحوامل هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .
هذا يتضمن أوجهاً من أدلة الفقه: أحدها: أنه قال: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ، ثبت أن الإرضاع كان بإجارة، وأنه إذا استأجرها ليرضع ولده منها بعد المفارقة، جازت الإجازة وحل لها أخذ الأجر، وأنه إذا استأجر امرأته في صلب النكاح على إرضاع ولده منها لم يجز، ولم يكن لها أخذ الأجر؛ لأن الله - - ذكر بدل الرضاع في صلب النكاح بلفظ: (الرزق) بقوله: ﴿ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، فإذا سمى ما ذكره الله رزقاً: أجراً، لم يكن أجراً وكان بحق الرزق والكسوة؛ فلذلك لم تجز الإجارة في صلب النكاح، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ .
دليل على أن اللبن وإن خلق لمكان الولد فهو ملك لها، ولو ذلك، لم يكن لها أن تأخذ الأجر على لبن ليس لها فيها ملك، وفيه دليل على أن حق الإرضاع والنفقة على الأزواج في حق الأولاد وحق الإمساك والحضانة والكفالة على الزوجات، ولولا ذلك لكان لها بعض الأجر دون الكل، فلما أمر بإيتاء كل الأجر، ثبت أن حق الإرضاع على الأزواج وعلى الزوجات الكفالة والإمساك، والله أعلم.
ولأجل أنا لو جعلنا اللبن ملكاً للولد مخلوقاً له، وجعلنا النفقة على الأم من مال نفسها، لكانت نفقتها تفنى ولا يتهيأ لها كسب النفقة؛ لاشتغالها بالإرضاع؛ فتجوع وتهلك ويذهب لبنها؛ فيبطل الإرضاع؛ فإذا كان إيجاب الإرضاع عليها يسقط من حيث يراد جعل النفقة، فأسقطنا عنها، وجعلنا ملك اللبن [لها] لتأخذ الأجر عليه، والله أعلم.
وفي هذه الآية دلالة على أن الأجر إنما يجب بعد استيفاء المنافع، فإنه قال: ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ إنما أوجب الإيتاء بعد الإرضاع.
وفي قوله: ﴿ أُجُورَهُنَّ ﴾ دلالة على أن الإرضاع إنما هو بإجارة قد سبقت؛ لذلك قال أصحابنا: إن الأجرة إنما تجب عند استيفاء العمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، له وجهان: أحدهما: أن يقول: ﴿ وَأْتَمِرُواْ ﴾ يعني: تشاوروا في إرضاعه إذا تعاسرت هي.
والثاني: ﴿ وَأْتَمِرُواْ ﴾ أي: اعملوا بأمر من جعل الله إليه الأمر بالمعروف، وهو الحاكم، إذا أمركم في أمر الولد بالمعروف.
وقوله: ﴿ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ ﴾ .
يعني: إذا تنازعتم في الرضاع، وأبت الأم أن ترضعه، فاطلبوا أخرى ترضعه عندها.
وقوله: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾ .
أي: من وسع الله عليه في الرزق، فلينفق نفقة واسعة، ﴿ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ ﴾ ، يعني: ضيق عليه و ﴿ قُدِرَ ﴾ هاهنا بمعنى: ضيق [عليه]، وهو كما قال: ﴿ فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: فظن أن لم نضيق عليه، وكذلك قوله: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾ ، يعني: ويضيق عليه، أي: من ضيق عليه، فلينفق نفقة ضيقة؛ فلذلك قوله: ﴿ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا ﴾ .
فهو يدل على أن العباد ما اكتسبوا من الأموال، فهي كلها مما آتاهم الله ، وأن لله - - في أفعال العباد وفيما يكتسبونه من الأموال صنعا وتدبيراً؛ لأنه لولا ذلك، لكان يجوز أن يكلفه الله وإن لم يؤتها لهم، إذا كان في قدرته أن يكتسب ما لم يؤته الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ .
هذا دليل على أنه إذا عجز عن نفقة امرأته، لم نفرق بينها وبينه؛ لأنه إذا فرق بينهما، لم نصل إلى زوج ينفق عليها للحال، بل نحتاج فيه إلى انقضاء العدة، وقد يتوهم في خلال ذلك أن يوسر الزوج؛ لأن إنجاز وعد الله في اليسار بعد العسر أقرب من قدرتها على زوج ينفق عليها، وليس هذه كالأمة؛ لأنه إذا باع الأمة دخلت في ملك آخر ينفق عليها، والله أعلم.
ثم يجوز أن يكون قوله: ﴿ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ وعداً لجميع الأمة أن من ابتلي بالعسر يتبعه اليسر.
ويجوز أن يكون خطابا لأصحاب رسول الله حين كانوا في عسر وضيق عيش، فوعدهم الله - - بعد ذلك العسر الذي كانوا فيه يسراً، وقد أنجز ذلك الوعد حيث فتح لهم الفتوح، ونصرهم على أعدائهم؛ فغنموا أموالهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ويرزقه من حيث لا يخطر له على بال، ولا يكون في حسبانه، ومن يعتمد على الله في أموره فهو كافيه، إن الله منفذ أمره، لا يعجز عن شيء، ولا يفوته شيء، قد جعل الله لكل شيء قدرًا ينتهي إليه، فللشدة قدر، وللرخاء قدر، فلا يدوم أحدهما على الإنسان.
<div class="verse-tafsir" id="91.ePQnD"