الآية ١٨ من سورة الحاقة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 69 الحاقة > الآية ١٨ من سورة الحاقة

يَوْمَئِذٍۢ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌۭ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة الحاقة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة الحاقة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : أي تعرضون على عالم السر والنجوى الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم ، بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر ; ولهذا قال : ( لا تخفى منكم خافية ) وقد قال ابن أبي الدنيا : أخبرنا إسحاق بن إسماعيل ، أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن جعفر بن برقان ، عن ثابت بن الحجاج قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم ، وتزينوا للعرض الأكبر : ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا علي بن علي بن رفاعة ، عن الحسن ، عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير ، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي ، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله " .

ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع به ، وقد رواه الترمذي ، عن أبي كريب ، عن وكيع ، عن علي بن علي ، عن الحسن ، عن أبي هريرة‌ به .

وقد روى ابن جرير ، عن مجاهد بن موسى ، عن يزيد ، عن سليمان بن حيان ، عن مروان الأصغر ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات : عرضتان ، معاذير وخصومات ، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي .

ورواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة مرسلا مثله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله : ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ) يقول تعالى ذكره: يومئذ أيها الناس تعرضون على ربكم، وقيل: تعرضون ثلاث عرضات.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن قزعة الباهليّ، قال: ثنا وكيع بن الجراح، قال: ثنا عليّ بن عليّ الرفاعي، عن الحسن، عن أبي موسي الأشعري، قال: " تُعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير.

وأما الثالثة، فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله ".

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سليمان بن حيان، عن مروان الأصغر، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطيرّ الصحف في الأيدي".

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ) ذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " يُعرضُ الناس ثلاث عرضات يوم القيامة، فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير وجدال، وأما العرضة الثالثة فتطيرّ الصحف في الأيدي".

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، بنحوه.

وقوله: ( لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ) يقول جلّ ثناؤه: لا تخفى على الله منكم خافية، لأنه عالم بجميعكم، محيط بكلكم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافيةقوله تعالى : " يومئذ تعرضون " أي على الله ; دليله : وعرضوا على ربك صفا وليس ذلك عرضا يعلم به ما لم يكن عالما به ، بل معناه الحساب وتقرير الأعمال عليهم للمجازاة .

وروى الحسن عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير ، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله " .

خرجه الترمذي قال : ولا يصح من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة .لا تخفى منكم خافية أي هو عالم بكل شيء من أعمالكم .

فخافية على هذا بمعنى خفية ، كانوا يخفونها من أعمالهم ; قاله ابن شجرة .

وقيل : لا يخفى عليه إنسان ; أي لا يبقى إنسان لا يحاسب .

وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : لا يخفى المؤمن من الكافر ولا البر من الفاجر .

وقيل : لا تستتر منكم عورة ; كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يحشر الناس حفاة عراة " .

وقرأ الكوفيون إلا عاصما : " لا يخفى " بالياء ; لأن تأنيث الخافية غير حقيقي ; نحو قوله تعالى : وأخذ الذين ظلموا الصيحة واختاره أبو عبيد ; لأنه قد حال بين الفعل وبين الاسم المؤنث الجار والمجرور .

الباقون بالتاء .

واختاره أبو حاتم لتأنيث الخافية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ } على الله { لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ } لا من أجسامكم وأجسادكم ولا من أعمالكم [وصفاتكم]، فإن الله تعالى عالم الغيب والشهادة.

ويحشر العباد حفاة عراة غرلا، في أرض مستوية، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، فحينئذ يجازيهم بما عملوا، ولهذا ذكر كيفية الجزاء، فقال:

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

يومئذ تعرضون ) على الله ( لا تخفى ) قرأ حمزة والكسائي : " لا يخفى " بالياء ، وقرأ الآخرون بالتاء ( منكم خافية ) أي فعلة خافية .

قال الكلبي : لا يخفى على الله منكم شيء .

قال أبو موسى : يعرض الناس ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة فعندها تطاير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يومئذ تعرضون» للحساب «لا تخفى» بالتاء والياء «منكم خافية» من السرائر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإذا نفخ المَلَك في "القرن" نفخة واحدة، وهي النفخة الأولى التي يكون عندها هلاك العالم، ورُفعت الأرض والجبال عن أماكنها فكُسِّرتا، ودُقَّتا دقة واحدة.

ففي ذلك الحين قامت القيامة، وانصدعت السماء، فهي يومئذ ضعيفة مسترخية، لا تماسُك فيها ولا صلابة، والملائكة على جوانبها وأطرافها، ويحمل عرش ربك فوقهم يوم القيامة ثمانية من الملائكة العظام.

في ذلك اليوم تُعرضون على الله- أيها الناس- للحساب والجزاء، لا يخفى عليه شيء من أسراركم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ .

.

) لتفصيل ما يترتب على العرض والحساب من جزاء .والمراد بكتابة : ما سجلته الملائكة عليه من أعمال فى الدنيا ، والمراد بيمينه : يده اليمنى ، لأن من يعطى كتابه بيده اليمنى ، يكون هذا الإعطاء دليلا على فوزه ونجاته من العذاب .والعرب يذكرون التناول باليمين ، على أنه كناية عن الاهتمام بالشئ المأخوذ ، وعن الاعتزاز به ، ومنه قول الشاعر :إذا ما راية رفعت لمجد ...

تلقاها عرابة باليمينوجملة ( فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ ) جواب " أما " - ولفظ " هاؤم " هنا :اسم فعل أمر .

بمعنى : خذوا ، والهاء فى قوله " كتابية وحسابيهْ " وما ماثلهما للسكت ، والأصل كتابى وحسابى فأدخلت عليهما هاء السكت لكى تظهر فتحة الياء .والمعنى فى هذا اليوم يعرض كل إنسان للحساب والجزاء ، ويؤتى كل فرد كتاب أعماله ، فأما من أعطى كتاب أعماله بيمينه ، على سبيل التبشير والتكريم ، ( فَيَقُولُ ) على سبيل البهجة والسرور لكل من يهمه أن يقول له : ( هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ ) أى : هذا هو كتابى فخذوه واقرءوه فإنكم ستجدونه مشتملا على الإِكرام لى ، وتبشيرى بالفوز الذى هو نهاية آمالى ، ومحط رجائى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ العرض عبارة عن المحاسبة والمساءلة، شبه ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرف أحواله، ونظيره قوله: ﴿ وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا  ﴾ وروى: أن في القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنثر الكتب فيأخذ السعيد كتابه بيمينه والهالك كتابه بشماله.

ثم قال: ﴿ لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية وجهان الأول: تقرير الآية: تعرضون لا يخفى أمركم فإنه عالم بكل شيء، ولا يخفى عليه منكم خافية، ونظيره قوله: ﴿ لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَيء  ﴾ فيكون الغرض منه المبالغة في التهديد، يعني تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلاً الوجه الثاني: المراد لا يخفى يوم القيامة ما كان مخفياً منكم في الدنيا، فإنه تظهر أحوال المؤمنين فيتكامل بذلك سرورهم، وتظهر أحوال أهل العذاب فيظهر بذلك حزنهم وفضيحتهم، وهو المراد من قوله: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ  فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ  ﴾ وفي هذا أعظم الزجر والوعيد وهو خوف الفضيحة.

المسألة الثانية: قراءة العامة ﴿ لاَ تخفى ﴾ بالتاء المنقطة من فوقها، واختار أبو عبيدة الياء وهي قراءة حمزة، والكسائي قال: لأن الياء تجوز للذكر والأنثى والتاء لا تجوز إلا للأنثى، وهاهنا يجوز إسناد الفعل إلى المذكر وهو أن يكون المراد بالخافية شيء ذو خفاء.

وأيضاً فقد وقع الفصل هاهنا بين الاسم والفعل بقوله: منكم.

واعلم أنه تعالى لما ذكر ما ينتهي هذا العرض إليه قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أسند الفعل إلى المصدر، وحسن تذكيره للفصل.

وقرأ أبو السمال ﴿ نفخة واحدة ﴾ بالنصب مسنداً للفعل إلى الجار والمجرور.

فإن قلت: هما نفختان، فلم قيل: واحدة؟

قلت معناه أنها لا تثني في وقتها.

فإن قلت: فأي النفختين هي؟

قلت الأولى لأن عندها فساد العالم، وهكذا الرواية عن ابن عباس.

وقد روى عنه أنها الثانية.

فإن قلت: أما قال بعد، ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ والعرض إنما هو عند النفخة الثانية؟

قلت: جعل اليوم إسماً للحين الواسع الذي تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والوقوف والحساب، فلذلك قيل: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ كما تقول: جئته عام كذا؛ وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته ﴿ وَحُمِلَتِ ﴾ ورفعت من جهاتها بريح بلغت من قوّة عصفها أنها تحمل الأرض والجبال.

أو بخلق من الملائكة.

أو بقدرة اللَّه من غير سبب.

وقرئ: ﴿ وحملت ﴾ بحذف المحمل وهو أحد الثلاثة ﴿ فَدُكَّتَا ﴾ فدكت الجملتان: جملة الأرضين وجملة الجبال، فضرب بعضها ببعض حتى تندقّ وترجع كثيباً مهيلا وهباء منبثاً والدك أبلغ من الدق.

وقيل: فبسطتا بسطة واحدة، فصارتا أرضاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا، من قولك: اندكّ السنام إذا انفرش وبعير أدك وناقة دكاء.

ومنه: الدكان ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة (15) ﴾ فحينئذٍ نزلت النازلة وهي القيامة ﴿ وَاهِيَةٌ ﴾ مسترخية ساقطة القوّة جدّا بعد ما كانت محكمة مستمسكة.

يريد: والخلق الذي يقال له الملك، وردّ إليه الضمير مجموعاً في قوله: ﴿ فَوْقَهُمُ ﴾ على المعنى: فإن قلت: ما الفرق بين قوله: ﴿ والملك ﴾ ، وبين أن يقال (والملائكة)؟

قلت: الملك أعمّ من الملائكة، ألا ترى أن قولك: ما من ملك إلا وهو شاهد، أعم من قولك: ما من ملائكة ﴿ على أَرْجَآئِهَا ﴾ على جوانبها: الواحد رجا مقصور، يعني: أنها تنشق، وهي مسكن الملائكة، فينضوون إلى أطرافها وما حولها من حافاتها ﴿ ثمانية ﴾ أي: ثمانية منهم.

وعن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فيكونون ثمانية» وروي: ثمانية أملاك: أرجلهم في تخوم الأرض السابعة، والعرش فوق رؤوسهم، وهم مطرقون مسبحون.

وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر.

وروي: ثمانية أملاك في خلق الأوعال، ما بين أظلافها إلى ركبها: مسيرة سبعين عاماً.

وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك؛ وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك وعن الحسن: الله أعلم كم هم، أثمانية أم ثمانية آلاف؟

وعن الضحاك: ثمانية صفوف لا يعلم عددهم إلا الله.

ويجوز أن تكون الثمانية من الروح، أو من خلق آخر، فهو القادر على كل خلق، ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ﴾ [يس: 36] .

العرض: عبارة عن المحاسبة والمساءلة.

شبه ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرف أحواله.

وروى أنّ في يوم القيامة ثلاثة عرضات.

فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك كتابه بشماله ﴿ خَافِيَةٌ ﴾ سريرة وحال كانت تخفي في الدنيا بستر اللَّه عليكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ تَشْبِيهًا لِلْمُحاسَبَةِ بِعَرْضِ السُّلْطانِ العَسْكَرَ لِتَعَرُّفِ أحْوالِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لَكِنْ لَمّا كانَ اليَوْمُ اسْمًا لِزَمانٍ مُتَّسِعٍ تَقَعُ فِيهِ النَّفْخَتانِ والصَّعْقَةُ والنُّشُورُ والحِسابُ وإدْخالُ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلِ النّارِ النّارَ صَحَّ جَعْلُهُ ظَرْفًا لِلْكُلِّ.

﴿ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ ﴾ سَرِيرَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى حَتّى يَكُونَ العَرَضُ لِلِاطِّلاعِ عَلَيْها، وإنَّما المُرادُ مِنهُ إفْشاءُ الحالِ والمُبالَغَةُ في العَدْلِ، أوْ عَلى النّاسِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ لِلْفَصْلِ.

﴿ فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْعَرْضِ.

﴿ فَيَقُولُ ﴾ تَبَجُّحًا.

﴿ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ ﴾ هاءٌ اسْمٌ لِخُذْ، وفِيهِ لُغاتٌ أجْوَدُها هاءٌ يا رَجُلُ وهاءٌ يا امْرَأةُ وهاؤُما يا رَجُلانِ أوِ امْرَأتانِ، وهاؤُمُ يا رِجالٌ وهاؤُنَ يا نِسْوَةُ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ وكِتابِيَهْ مَفْعُولُ اقْرَءُوا لِأنَّهُ أقْرَبُ العامِلَيْنِ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ مَفْعُولُ هاؤُمُ لَقِيلَ اقْرَءُوهُ إذِ الأوْلى إضْمارُهُ حَيْثُ أمْكَنَ، والهاءُ فِيهِ وفي حِسابِيَهْ ومالِيَهْ وسُلْطانِيَهْ لِلسَّكْتِ تَثْبُتُ في الوَقْفِ وتَسْقُطُ في الوَصْلِ واسْتُحِبَّ الوَقْفُ لِثَباتِها في الإمامِ ولِذَلِكَ قُرِئَ بِإثْباتِها في الوَصْلِ.

﴿ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ﴾ أيْ عَلِمْتُ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالظَّنِّ إشْعارًا بِأنَّهُ لا يَقْدَحُ في الِاعْتِقادِ ما يَهْجِسُ في النَّفْسِ مِنَ الخَطَراتِ الَّتِي لا تَنْفَكُّ عَنْها العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ غالِبًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ} للحساب والسؤال شبه ذلك بعرض السلطان العسكر لتعرّف أحواله {لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} سريرة وحال كانت تخفى في الدنيا وبالياء كوفي غير عاصم وفي الحديث يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما الثالثة فعندها تطير

الصحف فيأخذ الفائز كتابه بيمينه والهالك كتابه بشماله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ مَجازًا عَنِ الحِسابِ والمُرادُ يَوْمَئِذٍ تُحاسَبُونَ لَكِنَّهُ شَبَّهَ ذَلِكَ بِعَرْضِ السُّلْطانِ العَسْكَرَ لِيُعَرِّفَ أحْوالَهم فَعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ.

وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرْضاتٍ فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ وأمّا الثّالِثُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطايَرُ الصُّحُفُ في الأيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وآخِذٌ بِشِمالِهِ»» .

والجُمْلَةُ المُعَوِّضُ عَنْها التَّنْوِينُ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُهم ﴿ نُفِخَ في الصُّورِ ﴾ وجُعِلَ ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ بَدَلًا مِن ﴿ فَيَوْمَئِذٍ ﴾ إلَخِ وقَدْ سَمِعْتَ أنَّ الزَّمانَ مُتَّسِعٌ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ وغَيْرِهِ وقَوْلُهُ تَعالى لا ﴿ تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ ﴾ حالٌ مِن مَرْفُوعٍ ﴿ تُعْرَضُونَ ﴾ أيْ تُعْرَضُونَ غَيْرَ خافٍ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ سِرٌّ مِن أسْرارِكم قَبْلَ ذَلِكَ أيْضًا وإنَّما العَرْضُ لِإفْشاءِ الحالِ وإقامَةِ الحُجَّةِ والمُبالَغَةِ في العَدْلِ أوْ غَيْرُ خافٍ يَوْمَئِذٍ عَلى النّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ  ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وابْنُ مِقْسَمٍ عَنْ عاصِمٍ وغَيْرُهم «لا يَخْفى» بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ أي: تساقون إلى الحساب والقصاص وقراءة الكتب ويقال: تُعْرَضُونَ على الله تعالى، كقوله: عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا [الكهف: 48] ثم قال: لاَ تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ يعني: لا يخفى على الله منكم ولا من أعمالكم شيء.

قرأ حمزة، والكسائي لاَ يخفى، والباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأن لفظ خافية مؤنث.

ومن قرأ بالياء، انصرف إلى المعنى يعني: لا يخفى منكم خاف، والهاء ألحقت للمبالغة.

ثم قال عز وجل: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ يعني: كتابه الذي عمله، فرأى فيه الحسنات فسر بذلك، فَيَقُولُ لأصحابه: هاؤُمُ يعني: تعالوا اقْرَؤُا كِتابِيَهْ.

قال القتبي: هاؤُمُ في اللغة بمنزلة خذ وتناول ويقال للاثنين: هاؤما، وللجماعة هاؤموا.

والأصل هاكم، فحذفوا الكاف وأبدلوها همزة.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: بلغني أنهم يعرضون ثلاث عرضات.

فأما عرضتان، فهما الخصومات والمعاذير.

وأما الثالثة، فتطاير الصحف في الأيدي.

وروى عبد الله بن مسعود نحو هذا.

ثم قال: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ يعني: أيقنت وعلمت أني أحاسب.

قال الله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ يعني: في عيش مرضي، فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ يعني: مرتفعة.

قُطُوفُها دانِيَةٌ يعني: اجتناء ثمارها قريب، يعني: شجرها قريب يتناوله القائم والقاعد، فيقال لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً يعني: كلوا من ثمار الجنة واشربوا من شرابها هنيئا يعني: طيباً بلا داء، ويقال: حلال لا إثم فيه.

بِما أَسْلَفْتُمْ يعني: بما عملتم وقدمتم فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ يعني: في الدنيا.

ويقال: بما عملتم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية، يعني: في الدنيا.

وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ روي عن ابن عباس أنه قال: الآية الأولى نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد، وهذه الآية في الأسود بن عبد الأسد، ويقال: في جميع المؤمنين وفي جميع الكفار.

فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ يعني: لم أعط كتابيه، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ يعني: لم أعلم ما حسابي.

قوله تعالى: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ، يا ليتني تركت على الموتة الأولى بين النفختين، ويقال: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ يعني: المنية.

قال مقاتل: يتمنى الموت.

مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ يعني: ما أرى ينفعني مالي الذي جمعت في الدنيا.

هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ يعني: بطل عني عذرِي وحجتي.

يقول الله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ يعني: بالأغلال الثّقال.

ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ يعني: أدخلوه.

ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ يعني: أدخلوه في تلك السلسلة.

إِنَّهُ كانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ يعني: لا يصدق بالله العظيم.

وَلا يَحُضُّ يعني: لا يحث نفسه ولا غيره عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ يعني: لا يطعم المسكين في الدنيا.

فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ يعني: قريب يمنع منه شيئاً، يعني: أحداً يمنع من العذاب.

وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ يعني: ليس له فيها طعام إلا من غسلين.

وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: لا أدري ما الغسلين.

وروي عنه أنه قال: الغسلين: ما يسقط عن عروقهم، وذاب من أجسادهم.

وقال القتبي: هو فعلين من غسلت فكأنه غسالة.

لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ يعني: المشركين.

وروى عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلاً قرأ عنده: لاَّ يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ وقال ابن عباس: كلنا نخطئ، ولكن لاَّ يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ يعني: العاصين الكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حَفِظْتَه، انتهى، ثم/ ذَكَّر تعالى بأمر القيامةِ، وقرأ الجمهور «١» : «وَحُمِلَتْ» بتخفيفِ الميمِ بمعنى: حَمَلَتْهَا الريح أو القدرة، وفَدُكَّتا معناه سُوِّيَ جميعُها، وانشقاقُ السماءِ هو تَفَطُّرُهَا وتميُّزُ بعضِها من بعضٍ، وذلك هو الوَهْيُ الذي ينالُها، كما يقال في الجدرات الباليةِ المتشققةِ واهيةٌ، والملَكُ اسْمُ الجنسِ يريدُ به الملائكةَ، وقال جمهور من المفسرين:

الضميرُ في أَرْجائِها عائدٌ على السَّمَاءِ أي: الملائِكَة على نواحيها، والرجاء الجَانِبُ مِنْ البئر أو الحائط ونحوه، وقال الضحاكُ وابنُ جبير وغيرهما: الضميرُ في: أَرْجائِها عائدٌ عَلى الأرْضِ «٢» ، وإنْ كان لم يتقدم لها ذكرٌ قريبٌ لأنَّ القصةَ واللفظَ يَقْتَضِي إفهَام ذلك، وفَسَّرُوا هذه الآيةَ بما رُوِيَ من أن اللَّه تعالى يأمر ملائِكَةَ سَمَاءِ الدنيا، فيقفونَ صَفًّا على حَافَّاتِ الأرضِ، ثم يأمرُ ملائكة السماءِ الثانية فَيَصُفُّونَ خلفَهم، ثم كذلك ملائكةُ كُلّ سماءٍ، فكلما نَدَّ أحدٌ من الجنِ أو الإنسِ، وَجَدَ الأرضَ قد أُحِيطَ بها، قالوا: فهذا تفسير هذه الآية وهو أيضاً معنى قوله: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] وهو تفسير: «يَوْمَ التناد يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ» [غافر: ٣٢- ٣٣] على قراءةِ من شَدَّدَ الدال، وهو تفسيرُ قوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ...

[الرحمن: ٣٣] الآية، واختلفَ الناسُ في الثمانيةِ الحاملينَ للعرشِ، فقال ابن عباس: هي ثمانيةُ صفوفٍ مِنَ الملائكة لا يَعْلَم أَحَدٌ عِدَّتَهم «٣» ، وقال ابن زيدِ: هُمْ ثمانيةُ أمْلاَكٍ على هيئةِ الوُعُولِ «٤» ، وقال جماعة من المفسرين: هم على هيئة الناسِ أرجلُهم تَحْتَ الأرْضِ السابعةِ، ورؤوسهم وكواهلهم فَوْقَ السماءِ السابعةِ، قال الغَزَّالِيُّ في «الدرة الفاخرة» : هم ثمانيةُ أمْلاَكٍ قَدَمُ المَلَكِ منهم مسيرةُ عشرينَ ألْفَ سنةٍ، انتهى، والضميرُ في قوله: فَوْقَهُمْ قيل: هو للملائكَةِ/ الحَمَلَةِ، وقيل: للعالم كلّه.

يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢)

وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ خطابٌ لجميعِ العَالَمِ، وفي الحديثِ الصحيحِ:

«يُعْرَضُ النَّاسُ ثَلاَثَ عَرْضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ، فَعِنْدَهَا تَتَطَايَرُ الصُّحُفُ في الأَيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمَالِهِ» «١» ، قال الغَزَّالِيُّ: يَجِبُ على كُلِّ مُسْلِمٍ البِدَارُ، إلى مُحَاسَبَةِ نفسِه كما قال عمرُ- رضي اللَّه عنه-: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا «٢» ، وإنَّمَا حِسَابُهُ لِنَفْسِهِ، أَنْ يَتُوبَ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ قَبْلَ المَوْتِ تَوْبَةً نَصُوحاً، وَيَتَدَارَكَ مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ تَقْصِيرٍ في فَرَائِضِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- ويردَّ المظالمَ حَبَّةً حَبَّةً، ويستحلَّ كلَّ مَنْ تَعَرَّضَ له بلسانِه ويدِه، وسوء ظِنّه بقلبِه، ويُطَيِّبَ قلوبَهم حتى يموتَ، ولم يَبْقَ عليه فريضة ولا مظلمة، فهذا يدخل بغيرِ حِسَابٍ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى، انتهى من آخِر «الإحياء» ، ونَقَلَ القرطبيُّ في «تذكرَتِه» هذه الألفاظَ بعينها.

وقوله: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ معناه تَعَالُوا، وقَوْله: اقْرَؤُا كِتابِيَهْ هُو استبشارٌ وسرورٌ- ص-: هاؤُمُ «ها» بمعنَى خُذْ، قَالَ الكسائي: والعربُ تقول: هَاءِ يَا رَجُلُ، وللاثنين رجلين أو امرأتين: هَاؤُمَا، وللرجال: هَاؤُمْ، وللمرأَةِ: هَاءِ بهمزة مكسورة من غير ياء، وللنساء: هَاؤُنَّ، وزعم القُتَبِيُّ أَنَّ الهمزةَ بَدَلٌ من الكافِ، وهو ضعيفٌ، إلا أنْ يعني أنها تحلُّ محلَّها في لغةِ مَنْ قال: هَاكَ وهَاكِ، وهَاكُمَا وهَاكُمْ وَهَاكُنَّ، فذلكَ مُمْكِنٌ، لا أَنَّه بَدَلٌ صناعيٌّ لأَنّ الكافَ/ لاَ تُبْدَلُ من الهمزةِ ولا الهمزةُ منها.

انتهى.

وقوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ عبارةٌ عن إيمانه بالبعث وغيره، وظَنَنْتُ هنا واقَعةٌ موقع: تَيَقَّنْتُ، وهي في مُتَيَقَّنٍ لم يقعْ بَعْدُ ولا خرج إلى الحسِّ، وهذا هُو باب الظنِّ الذي يوقع موقعَ اليقين، وراضِيَةٍ بمعنى مَرْضِيَّة، والقُطُوفُ: جمع قَطْفٍ وهو ما يُجْتَنَى من الثمارِ، ويقطفُ، ودنوُّها هُوَ أَنهَا تأتي طوع التّمنّي فيأكلها القائم والقاعد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: الأخِيرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

﴿ وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ ﴾ أيْ: حُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ وما فِيها ﴿ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ﴾ أيْ: كُسِرَتا، ودُقَّتا دَقَّةً واحِدَةً، لا يُثَنّى عَلَيْها حَتّى تَسْتَوِيَ بِما عَلَيْها مِن شَيْءٍ، فَتَصِيرَ كالأدِيمِ المَمْدُودِ.

وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الأعْرافِ] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا  ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: فَدُكَّتا، ولَمْ يَقُلْ: فَدُكِكْنَ، لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كالشَّيْءِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا  ﴾ ، وأنْشَدُوا: هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا أنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ: إذا ولَدَتْ، أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ ﴿ وانْشَقَّتِ السَّماءُ ﴾ لِنُزُولِ مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ وهْيَها: ضَعْفُها وتَمَزُّقُها مِنَ الخَوْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ تَشَقُّقُها، قالَهُ الفَرّاءُ ﴿ والمَلَكُ ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ، فَهو اسْمُ جِنْسٍ ﴿ عَلى أرْجائِها ﴾ أيْ: عَلى جَوانِبِها.

قالَ الزَّجّاجُ: ورَجاءُ كُلِّ شَيْءٍ: ناحِيَتُهُ، مَقْصُورٌ.

والتَّثْنِيَةُ: رَجَوانِ، والجَمْعُ: أرْجاءٌ.

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْها السَّماءُ.

قالَ الضَّحّاكُ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ كانَتِ المَلائِكَةُ عَلى حافَّتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، فَيُحِيطُونَ بِها، ومَن عَلَيْها.

ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: عَلى أرْجاءِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، أيِ: العَرْشُ عَلى رُؤُوسِ الحَمَلَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: فَوْقَ الَّذِينَ عَلى أرْجائِها، أيْ: أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها.

والثّالِثُ: أنَّهم فَوْقَ أهْلِ القِيامَةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ "يَوْمَئِذٍ" أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ "ثَمانِيَةٌ" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ.

وجاءَ في الحَدِيثِ «أنَّهُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمُدَّهُمُ اللَّهُ بِأرْبَعَةِ أمْلاكٍ آخَرِينَ،» هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِنَ الكَرُوبِيِّينَ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في "سُنَنِهِ" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ، أنَّ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عامٍ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ عَلى اللَّهِ لِحِسابِكم (لا تَخْفى) عَلَيْهِ.

قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَخْفى" بِالياءِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ.

والمَعْنى: لا يَخْفى عَلَيْهِ (مِنكم خافِيَةٌ) أيْ: نَفْسٌ خافِيَةٌ، أوْ فَعْلَةٌ خافِيَةٌ.

وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ « "يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ، ومَعاذِيرُ وأمّا الثّالِثَةُ، فَعِنْدَها تَتَطايَرُ الصُّحُفُ في الأيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمالِهِ،» وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ: حاسِبُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا، وزِنُوها قَبْلَ أنْ تُوزَنُوا، وتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأكْبَرِ، يَوْمَئِذٍ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ.

﴿ فَيَقُولُ هاؤُمُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "هاؤُمُ" أمْرٌ مِنَ الجَماعَةِ.

بِمَنزِلَةِ هاكم.

تَقُولُ لِلْواحِدِ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ: هاؤُما يا رَجُلانِ.

ولِلثَّلاثَةِ: هاؤُمُ يا رِجالٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما يَقُولُ هَذا ثِقَةً بِسَلامَتِهِ وسُرُورًا بِنَجاتِهِ.

وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ ﴾ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا "أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ" أيْ: أُبْعَثُ، وأُحاسَبُ في الآخِرَةِ ﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ ﴾ أيْ: حالَةٍ مِنَ العَيْشِ ﴿ راضِيَةٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: فِيها الرِّضى.

وَقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ رِضًى يَرْضاها مَن يَعِيشُ فِيها.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها مَجازُ مَرَضِيَّةٍ ﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ أيْ: عالِيَةِ المَنازِلِ ﴿ قُطُوفُها ﴾ أيْ: ثِمارُها ﴿ دانِيَةٌ ﴾ أيْ: قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلُها، وهي جَمْعُ قِطْفٍ.

والقِطْفُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ.

قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: يَتَناوَلُ الثَّمَرَةَ وهو نائِمٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُوا ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿ واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ ﴾ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في ﴿ الأيّامِ الخالِيَةِ ﴾ الماضِيَةِ، وهي أيّامُ الدُّنْيا.

﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بِبَدْرٍ، وهو أخُو أبِي سَلَمَةَ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ﴾ وذَلِكَ لِما يَرى فِيهِ مِنَ القَبائِحِ ﴿ وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ لِأنَّهُ لا حاصِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، إنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ.

وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ، يَحْذِفُونَ الهاءَ مِن "كِتابِيَهْ" و"حِسابِيَهْ" في الوَصْلِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والوَجْهُ أنْ يُوقَفَ عَلى هَذِهِ الهاآتِ، ولا تُوصَلَ، لِأنَّها أُدْخِلَتْ لِلْوَقْفِ.

وقَدْ حَذَفَها قَوْمٌ في الوَصْلِ، ولا أُحِبُّ مُخالَفَةَ المُصْحَفِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَها ﴾ يَعْنِي: المَوْتَةَ الَّتِي ماتَها في الدُّنْيا ﴿ كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ أيِ: القاطِعَةَ لِلْحَياةِ، فَكَأنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ، وأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ لِلْحِسابِ ﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: زالَ عَنِّي مُلْكِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ ﴾ أيْ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ أيِ: اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ ﴿ ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ النّارَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اجْعَلُوهُ يَصْلى النّارَ ﴿ ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ﴾ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ ﴿ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِذِراعِ المَلِكِ.

وقالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، الباعُ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ.

وقالَ سُفْيانُ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ ذِراعًا.

وقالَ مُقاتِلٌ: ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا بِالذِّراعِ الأوَّلِ.

ويُقالُ: إنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْلُكُوهُ ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ.

قالَ الفَرّاءُ: وذُكِرَ أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِ الكافِرِ فَتَخْرُجُ مِن رَأْسِهِ، فَذَلِكَ سَلْكُهُ فِيها.

والمَعْنى: ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ، وأدْخَلْتُها في رَأْسِي.

ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في يَدِي، وإنَّما اليَدُ تَدْخُلُ في الخاتَمِ، وإنَّما اسْتَجازُوا ذَلِكَ، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْرُوفٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُ بِوَحْدانِيَّتِهِ وعَظَمَتِهِ ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ أيْ: لا يُطْعِمُهُ، ولا يَأْمُرُ بِإطْعامِهِ ﴿ فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ، أيْ: يَشْفَعُ لَهُ ﴿ وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: إذا سالَ القَيْحُ، والدَّمُ بادَرُوا أكْلَهُ قَبْلَ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ.

والثّانِي: شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: .

والثّالِثُ: أنَّهُ غُسالَةُ أجْوافِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو "فِعْلِينٌ" مِن "غَسَلْتُ" كَأنَّهُ غُسالَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الخاطِئُونَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ ﴾ ﴿ فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ ﴾ ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ﴾ ﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ ﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ ﴿ قُطُوفُها دانِيَةٌ ﴾ ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ ﴾ ﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ﴾ ﴿ وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ ﴿ يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ ﴿ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ ﴾ ﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾ الخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى:"تُعْرَضُونَ" لِجَمِيعِ العالِمِ، ورُوِيَ عن أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ في القِيامَةِ عُرْضَتَيْنِ، فِيهِما مَعاذِيرُ، وتَوْقِيفٌ، وخُصُوماتٌ، وجِدالٌ، ثُمَّ تَكُونُ عُرْضَةً ثالِثَةً تَتَطايَرُ فِيها الصُحُفُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لا يَخْفى" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةِ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ عَلى مُراعاةِ تَأْنِيثِ "خافِيَةٌ"، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "خافِيَةٌ" مَعْناهُ: ضَمِيرٌ ولا مُعْتَقَدٌ.

"والَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ" هُمُ المُخَلَّدُونَ في الجَنَّةِ أهْلِ الإيمانِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العَقْلِ والعِلْمِ في الفِرْقَةِ الَّتِي يَنْفُذُ فِيها الوَعِيدُ مِن أهْلِ المَعاصِي، مَتى تَأْخُذُ كُتُبَها؟

فَقالَ بَعْضُهُمْ: الأظْهَرُ أنَّها تَأْخُذُها مَعَ الناسِ، وذَلِكَ يُؤْنِسُها مُدَّةَ العَذابِ، قالَ الحَسَنُ: فَإذا أُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ لَمْ يَقْرَأْهُ حَتّى يَأْذَنَ اللهُ لَهُ، فَإذا أذِنَ لَهُ قالَ: ﴿ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ ﴾ ، وقالَ آخَرُونَ: الأظْهَرُ أنَّهُ إذا أُخْرِجُوا مِنَ النارِ، والإيمانُ يُؤْنِسُهم فى وقْتِ العَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ مَن يَسِيرُ إلى النارِ كَيْفَ يَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ؟

وأمّا "هاؤُمُ" فَقالَ قَوْمٌ: أصْلُهُ "هاؤُمُوا" ثُمَّ نَقَلَهُ التَخْفِيفُ والِاسْتِعْمالُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ المِيمُ ضَمِيرُ الجَماعَةِ.

وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، والمَعْنى عَلى كُلِّ وجْهٍ: تَعالَوْا، فَهو اسْتِدْعاءٌ لِلْفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وقَوْلُهُ: "اقْرَءُوا كِتابِيَهْ" هو اسْتِبْشارٌ وسُرُورٌ.

وقَوْلُهُ: "إنّى ظَنَنْتُ" الآيَةُ، عِبارَةٌ عن إيمانِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: ظَنَّ هَذا ظَنًّا يَقِينًا فَنَفَعَهُ، وقَوْمٌ ظَنُّوا ظَنَّ شَكِّ فَشَقُّوا بِهِ، و"ظَنَنْتُ" هُنا واقِعَةٌ مَوْقِعَ "تَيَقَّنْتُ"، وهي في مُتَيَقِّنٍ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ ولا خَرَجَ إلى الحِسِّ، وهَذا هو بابُ الظَنِّ الَّذِي يُوقِعُ مَوْقِعَ اليَقِينِ، وَقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "كِتابِيَهْ" و"حِسابِيَهْ" و"مالِيَهْ" و"سُلْطانِيَهْ" بِالهاءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ اقْتِداءً بِخَطِّ المُصْحَفِ، وهي في الوَصْلِ بِنِيَّةِ الوُقُوفِ لِأنَّها هاءُ السَكْتِ فَلا مَعْنى لَها في الوَصْلِ، وطَرَحَ الهاءاتِ في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَتُنا إثْباتُ الهاءاتِ في الوَقْفِ وطَرْحُها في الوَصْلِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي مُحَيْصِنٍ، وسَلامٌ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: إثْباتُ الهاءِ في الوَصْلِ لَحْنٌ لا يَجُوزُ عنهُ أحَدٌ عَلِمْتُهُ.

و"راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، فَهو بِمَعْنى مَرَضِيَّةٍ، ولَيْسَتْ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، و"عالِيَةٍ" مَعْناهُ: في المَكانِ والقَدَرِ وجَمِيعِ وُجُوهِ العُلُوِّ.

و"القُطُوفُ" جَمْعُ قَطْفٍ، وهو ما يُجْتَنى مِنَ الثِمارِ ويُقْطَفُ، ودُنُوُّها هو أنَّها تَأْتِي طَوْعَ التَمَنِّي فَيَأْكُلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ بِفِيهِ مِن شَجَرَتِها.

و"أسْلَفْتُمْ" مَعْناهُ: قَدَّمْتُمْ، و"الأيّامُ الخالِيَةُ" هي أيّامُ الدُنْيا لِأنَّها في الآخِرَةِ قَدْ خَلَتْ وذَهَبَتْ، وقالَ وكِيعٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رَفِيعٍ: المُرادُ: بِما أسْلَفْتُمْ مِنَ الصَوْمِ.

وعُمُومُها في كُلِّ الأعْمالِ أولى وأحْسَنُ.

و"الَّذِينَ يُؤْتُونَ كِتابَهم بِشَمائِلِهِمْ" هُمُ المُخَلَّدُونَ في النارِ أهْلُ الكُفْرِ، فَيَتَمَنَّوْنَ أنْ لَوْ كانُوا مَعْدُومِينَ لا يَجْرِي عَلَيْهِمْ شَيْءٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَوْتَةِ الدُنْيا، أيْ لَيْتَها لَمْ يَكُنْ بَعْدَها رُجُوعٌ ولا حَياةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الِاسْتِفْهامَ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ لِنَفْسِهِ والتَوْبِيخِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ النَفْيَ المَحْضَ، و"السُلْطانُ" في الآيَةِ: الحُجَّةُ، عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ، قالَ بَعْضُهم -وَنَحا إلَيْهِ ابْنُ زَيْدٍ -: تنْطِقُ بِذَلِكَ مُلُوكُ الدُنْيا الكَفَرَةُ.

والظاهِرَةُ عِنْدِي أنَّ سُلْطانَ كُلِّ أحَدٍ حالُهُ في الدُنْيا مِن عَدَدٍ وعُدَدٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا يُؤَمَّنُ الرَجُلُ في سُلْطانِهِ، ولا يَجْلِسُ عَلى تَكْرِمَتِهِ إلّا بِإذْنِهِ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء لتفريع ما بعدها على التهويل الذي صُدرت به السورة من قوله: ﴿ الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقّة ﴾ [الحاقة: 13] فعلم أنه تهويل لأمر العذاب الذي هُدد به المشركون من أمثال ما نال أمثالهم في الدنيا.

ومن عذاب الآخرة الذي ينتظرهم، فلما أتم تهديدهم بعذاب الدنيا فرع عليه إنذارهم بعذاب الآخرة الذي يحل عند القارعة التي كذبوا بها كما كذبت بها ثمود وعاد، فحصل من هذا بيان للقارعة بأنها ساعة البعثثِ وهي الواقعة.

و ﴿ الصور ﴾ : قرن ثَوْر يقعر ويجعل في داخله سِداد يسُد بعض فراغه حتى إذا نفَخ فيه نافخ انضغط الهواء فصوَّت صوتاً قوياً، وكانت الجنود تتخذه لنداء بعضهم بعضاً عند إرادة النفير أو الهجوم، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وله المُلْك يوم ينفخ في الصور ﴾ في سورة الأنعام (73).

والنفخ في الصور: عبارة عن أمر التكوين بإحياء الأجساد للبعث مُثِّل الإِحياء بنداء طائفة الجند المكلفة بالأبواق لنداء بقية الجيش حيث لا يتأخر جندي عن الحضور إلى موضع المناداة، وقد يكون للملك الموكَّل موجود يصوّت صوتاً مؤثّراً.

و ﴿ نفخة: ﴾ مصدر نفخ مقترن بهاء دالة على المرة، أي الوحدة فهو في الأصل مفعول مطلق، أو تقع على النيابة عن الفاعل للعلم بأن فاعل النفخ الملك الموكّل بالنفخ في الصور وهو إسرافيل.

ووصفت ﴿ نفخة ب واحدة ﴾ تأكيد لإِفادة الوحدة من صيغة الفعلة تنصيصاً على الوحدة المفادة من التاء.

والتنصيص على هذا للتنبيه على التعجيب من تأثر جميع الأجساد البشرية بنفخة واحدة دون تكرير تعجيباً عن عظيم قدرة الله ونفوذ أمره لأن سياق الكلام من مبدأ السورة تهويل يوم القيامة فَتعداد أهواله مقصود، ولأجل القصد إليه هنا لم يذكر وصف واحد في قوله تعالى: ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دَعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ في سورة الروم (25).

فحصل من ذكر نفحة واحدة تأكيد معنى النفخ وتأكيد معنى الوحدة، وهذا يبين ما روي عن صاحب «الكشاف» في تقريره بلفظٍ مجمل نقله الطيبي، فليس المراد بوصفها ب ﴿ واحدة ﴾ أنها غير مُتَبعة بثانية فقد جاء في آيات أخرى أنهما نفختان، بل المراد أنها غير محتاج حصولُ المراد منها إلى تكررها كناية عن سرعة وقوع الواقعة، أي يوم الواقعة.

وأما ذكر كلمة ﴿ نفخة ﴾ فليتأتى إجراء وصف الوحدة عليها فذِكر ﴿ نفخة ﴾ تبعٌ غير مسوق له الكلام فتكون هذه النفخة هي الأولى وهي المؤذنة بانقراض الدنيا ثم تقع النفخة الثانية التي تكون عند بعث الأموات.

وجملة ﴿ وحُملت الأرض والجبال ﴾ الخ في موضع الحال لأن دَكّ الأرضضِ والجبال قد يحصل قبل النفخ في الصور لأن به فناء الدنيا.

ومعنى ﴿ حُملت: ﴾ أنها أُزيلت من أماكنها بأن أُبعدت الأرض بجبالها عن مدارها المعتاد فارتطمت بأجرام أُخرى في الفضاء ﴿ فدكَّتا ﴾ ، فشبهت هذه الحالة بحمل الحامل شيئاً ليلقيه على الأرض، مثل حمل الكرة بين اللاعبين، ويجوز أن يكون تصرف الملائكة الموكلين بنقض نظام العالم في الكرة الأرضية بإبعادها عن مدارها مشبهاً بالحمل وذلك كله عند اختلال الجاذبية التي جعلها الله لحفظ نظام العالم إلى أمد معلوم لله تعالى.

والدك: دَقّ شديد يكسر الشيء المدقوق، أي فإذا فرقت أجزاء الأرض وأجزاء جبالها.

وبنيت أفعال ﴿ نفخ، وحُملت، ودُكّتا ﴾ للمجهول لأن الغرض متعلق ببيان المفعول لا الفاعل وفاعل تلك الأفعال إما الملائكة أو ما أودعه الله من أسباب تلك الأفعال، والكل بإذن الله وقدرته.

وجملة ﴿ فيومئذٍ وقعت الواقعة ﴾ مشتملة على جواب (إذَا)، أعني قولَه ﴿ وقعت الواقعة، ﴾ وأما قوله: ﴿ فيومئذٍ ﴾ فهو تأكيد لمعنى ﴿ فإذا نُفخ في الصور ﴾ إلخ لأن تنوين (يومئذٍ) عوض عن جملة تدل عليها جملة ﴿ نُفخ في الصور ﴾ إلى قوله ﴿ دَكّة واحدة، ﴾ أي فيوم إذ نفخ في الصور إلى آخره وقعت الواقعة وهو تأكيد لفظي بمرادف المؤكَّد، فإن المراد ب (يوم) من قوله ﴿ فيومئذٍ وقَعت الواقعة، ﴾ مطلقُ الزمان كما هو الغالب في وقوعه مُضافاً إلى (إذا).

ومعنى ﴿ وقعت الواقعة ﴾ تحقق ما كان متوقَّعاً وقوعُه لأنهم كانوا يُتَوعَّدون بواقعة عظيمة فيومئذٍ يتحقق ما كانوا يُتوعدون به.

فعبر عنه بفعل المضي تنبيهاً على تحقيق حصوله.

والمعنى: فحينئذٍ تقع الواقعة.

و ﴿ الواقعة ﴾ : مرادفة للحاقة والقارعة، فذكرها إظهار في مقام الإِضمار لزيادة التهويل وإفادة ما تحتوي عليه من الأحوال التي تنبئ عنها موارد اشتقاق أوصاف الحاقة والقارعة والواقعة.

و ﴿ الواقعة ﴾ صار علماً بالغلبة في اصطلاح القرآن يوم البعث قال تعالى: ﴿ إذا وقَعت الواقعة ليس لوقْعَتِها كاذبة ﴾ [الواقعة: 12].

وفعل ﴿ انشقت السماء ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على جملة ﴿ نفخ في الصور ﴾ فيكون ملحقاً بشرط (إذا)، وتأخيرُ عطفه لأجل ما اتصل بهذا الانشقاق من وصف الملائكة المحيطين بها، ومن ذكر العرش الذي يحيط بالسماوات وذكر حملته.

ويجوز أن يكون جملة في موضع الحال بتقدير: وقد انشقت السماء.

وانشقاق السماء: مطاوعتها لِفعل الشق، والشقُّ: فتح منافذ في محيطها، قال تعالى: ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزّل الملائكة تنزيلاً المُلكُ يومئذٍ الحقُ للرحمان وكان يوماً على الكافرين عسيراً ﴾ [الفرقان: 25، 26].

ثم يحتمل أنه غير الذي في قوله تعالى: ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴾ [الرحمن: 37] ويحتمل أنه عينه.

وحقيقة ﴿ واهية ﴾ ضعيفة ومتفرقة، ويستعار الوهي للسهولة وعدم الممانعة، يقال: وهَى عزمه، إذا تسامح وتساهل، وفي المثل «أوهى من بيت العنكبوت» يضرب لعدم نهوض الحجة.

وتقييده ب ﴿ يومئذٍ ﴾ أن الوهي طرا عليها بعد أن كانت صلبة بتماسك أجزائها وهو المعبر عنه في القرآن بالرتق كما عبر عن الشق بالفتق، أي فهي يومئذٍ مطروقة مسلوكة.

والوهي: قريب من الوهن، والأكثر أن الوهْي يوصف به الأشياء غير العاقلة، والوهن يوصف به الناس.

والمعنى: أن الملائكة يترددون إليها صعوداً ونزولاً خلافاً لحالها مِن قبلُ قال تعالى: ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴾ [الرحمن: 37].

وجملة ﴿ والمَلَك على أرجائها، ﴾ حال من ضمير ﴿ فهي ﴾ ، أي ويومئذٍ الملك على أرجائها.

و ﴿ المَلك ﴾ : أصله الواحد من الملائكة، وتعريفه هنا تعريف الجنس وهو في معنى الجمع، أي جنس المَلَك، أي جماعة من الملائكة أو جميع الملائكة إذا أريد الاستغراق، واستغراق المفرد أصرح في الدلالة على الشمول، ولذلك قال ابن عباس: الكتابُ أكْثَرُ من الكُتب، ومنه ﴿ ربّ إني وهَن العظمُ منّي ﴾ [مريم: 4].

والأرجاء: النواحي بلُغة هذيل، واحدُها رجَا مقصوراً وألفه منقلبة عن الواو.

وضمير ﴿ أرجائها ﴾ عائد إلى والمعنى: أن الملائكة يعملون في نواحي السماء ينفّذون إنزال أهل الجنة بالجنة وسَوق أهل النار إلى النار.

وعرش الرب: اسم لما يحيط بالسماوات وهو أعظم من السماوات.

والمراد بالثمانية الذين يحملون العرش: ثمانيةٌ من الملائكة، فقيل: ثمانية شخوص، وقيل: ثمانية صُفوف، وقيل ثمانية أعشار، أي نحو ثمانين من مجموع عدد الملائكة، وقيل غير ذلك، وهذا من أحوال الغيب التي لا يتعلق الغرض بتفصيلها، إذ المقصود من الآية تمثيل عظمة الله تعالى وتقريب ذلك إلى الأفهام كما قال في غير آية.

ولعل المقصود بالإِشارة إلى ما زاد على الموعظة، هو تعليم الله نبيئه شيئاً من تلك الأحوال بطريقة رمزية يفتح عليه بفهم تفصيلها ولم يُرد تشغيلنا بعلمها.

وكأنَّ الدَّاعي إلى ذكرهم إجمالاً هو الانتقال إلى الأخبار عن عرش الله لئلا يكون ذكره اقتضاباً بعد ذكر الملائكة.

وروى الترمذي عن العباس بن عبد المطلب عن النبي حديثاً ذكر فيه أبْعَادَ ما بين السماوات، وفي ذكر حملة العرش رموز ساقها الترمذي مساق التفسير لهذه الآية، وأحد رواتِه عبد الله بن عُميرة عن الأحْنف بن قيس قال البخاري: لا نعلم له سماعاً عن الأحنف.

وهنالك أخبار غير حديث العباس لا يعبأ بها، وقال ابن العربي فيها: إنها متلفقات من أهل الكتاب أو من شعر لأمية بن أبي الصلت، ولم يصح أن النبي أنشد بين يديه فصدّقه.

اه.

وضمير فوقهم } يعود إلى ﴿ المَلك ﴾ .

ويتعلق ﴿ فوقَهم ﴾ ب ﴿ يحمل عرش ربّك ﴾ وهو تأكيد لما دّل عليه يحمل من كون العرش عالياً فهو بمنزلة القيدين في قوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ﴾ [الأنعام: 38].

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وإضافة عرش إلى الله إضافة تشريف مثل إضافة الكعبة إليه في قوله: ﴿ وطهر بيتي للطائفين ﴾ الآية [الحج: 26]، والله منزه عن الجلوس على العرش وعن السكنى في بيت.

والخطاب في قوله: ﴿ تُعرضون ﴾ لجميع الناس بقرينة المقام وما بعد ذلك من التفصيل.

والعرض: أصله إمْرار الأشياء على من يريد التأمل منها مثل عرض السلعة على المشتري وعرض الجيش على أميره، وأطلق هنا كناية عن لازمه وهو المحاسبة معَ جواز إرادة المعنى الصريح.

ومعنى ﴿ لا تخفى منكم خافية: ﴾ لا تخفى على الله ولا على ملائكته.

وتأنيث ﴿ خافية ﴾ لأنه وصف لموصوف مؤنث يقدر بالفَعلة من أفعال العباد، أو يقدر بنفْس، أي لا تختبئ من الحساب نفس أي أحد، ولا يلتبس كافر بمؤمن، ولا بارٌّ بفاجر.

وجملة ﴿ يومئذٍ تعرضون ﴾ مستأنفة، أو هي بيان لجملة ﴿ فيومئذٍ وقعت الواقعة، ﴾ أو بدل اشتمال منها.

و ﴿ منكم ﴾ صفة ل ﴿ خافية ﴾ قدمت عليه فتكون حالاً.

وتكرير ﴿ يومئذٍ ﴾ أربعَ مرات لتهويل ذلك اليوم الذي مبدؤه النفخ في الصور ثم يعقبه ما بعده مما ذكر في الجُمل بعده، فقد جرى ذكر ذلك اليوم خمس مرات لأن ﴿ فيومئذٍ وقَعَتْ الواقعة ﴾ تكرير ل (إذا) من قوله: ﴿ فإذا نفخ في الصور ﴾ إذ تقدير المضاف إليه في ﴿ يومئذٍ ﴾ هو مدلول جملة ﴿ فإذا نفخ في الصور، ﴾ فقد ذكر زمان النفخ أولاً وتكرر ذكره بعد ذلك أربع مرات.

وقرأ الجمهور ﴿ لا تخفى ﴾ بمثناة فوقية.

وقرأه حمزة والكسائي وخلف بالتحتية لأن تأنيث ﴿ خافية ﴾ غير حقيقي، مع وقوع الفصل بين الفعل وفاعله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القِيامَةُ.

الثّانِي: الصَّيْحَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها السّاعَةُ الَّتِي يَفْنى فِيها الخَلْقُ.

﴿ وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ﴾ في انْشِقاقِها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها فَتَحَتْ أبْوابَها، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّها تَنْشَقُّ مِنَ المَجَرَّةِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَفي قَوْلِهِ ( ﴿ واهِيَةٌ ﴾ ) وجْهانِ: أحَدُهُما: مُتَخَرِّقَةٌ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ وهى السِّقاءُ إذا انْخَرَقَ، ومِن أمْثالِهِمْ خَلِّ سَبِيلَ مَن وهى سِقاؤُهُ ومَن هُرِيقَ بِالفَلاةِ ماؤُهُ ايْ مَن كانَ ضَعِيفَ العَقْلِ لا يَحْفَظُ نَفْسَهُ.

الثّانِي: ضَعِيفَةٌ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

﴿ والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى أرْجاءِ السَّماءِ، ولَعَلَّهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

الثّانِي: عَلى أرْجاءِ الدُّنْيا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَفي ( ﴿ أرْجائِها ﴾ ) أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى جَوانِبِها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: عَلى نَواحِيها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أبْوابُها، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: ما اسْتَدَقَّ مِنها، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وَوُقُوفُ المَلائِكَةِ عَلى أرْجائِها لِما يُؤْمَرُونَ بِهِ فِيهِمْ مِن جَنَّةٍ أوْ نارٍ.

﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ ﴾ يَعْنِي أنَّ العَرْشَ فَوْقَ الثَّمانِيَةِ وفِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

الثّانِي: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِن تِسْعَةٍ، وهُمُ الكَرُّوبِيُّونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ( «يَحْمِلُهُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، وهم يَوْمُ القِيامَةِ ثَمانِيَةٌ» ) .

وفي قَوْلِهِ ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم يَحْمِلُونَ العَرْشَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ.

الثّانِي: أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عَلى أرْجائِها.

الثّالِثُ: أنَّهم فَوْقَ أهْلِ القِيامَةِ.

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، رَوى الحَسَنُ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ النَّبِيُّ  : ( «يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرْضاتٍ، أمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ ومَعاذِيرُ، وأمّا الثّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ مِنَ الأيْدِي فَآخُذٌ بِيَمِينِهِ وآخُذٌ بِشِمالِهِ» ) ﴿ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا يَخْفى المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، ولا البَرُّ مِنَ الفاجِرِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ.

الثّانِي: لا تَسْتَتِرُ مِنكم عَوْرَةٌ، كَما قالَ النَّبِيُّ  : ( «يُحْشَرُ النّاسُ حُفاةً عُراةً» ) الثّالِثُ: أنَّ خافِيَةً بِمَعْنى خَفِيَّةٍ كانُوا يُخْفُونَها مِن أعْمالِهِمْ حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن أبيّ بن كعب في قوله: ﴿ وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ﴾ قال: يصيران غبرة على وجوه الكفار لا على وجوه المؤمنين، وذلك قوله: ﴿ ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ﴾ [ عبس: 40] .

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ فدكتا دكة واحدة ﴾ قال: زلزلة شديدة عند النفحة الآخرة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول: ملك ينفق الخزائن والذمـ ** ـة قد دكها وكادت تبور وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري في قوله: ﴿ فدكتا دكة واحدة ﴾ قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: لمن الملك أين ملوك الأرض» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذرعن ابن جريج في قوله: ﴿ وانشقت السماء ﴾ قال: ذلك قوله: ﴿ وفتحت السماء فكانت أبواباً ﴾ [ النبأ: 19] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فهي يومئذ واهية ﴾ قال: متخرقة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ والملك على أرجائها ﴾ قال: الملائكة على أطرافها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ والملك على أرجائها ﴾ قال: الملائكة على شقها ينظرون إلى أهل الأرض، وما أتاهم من الفزع.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير والضحاك في قوله: ﴿ والملك على أرجائها ﴾ قال: على ما لم ينشق منها.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير في قوله: ﴿ والملك على أرجائها ﴾ قالوا: على حافات السماء.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والملك على أرجائها ﴾ قال: على حافاتها على ما لم يه منها.

وأخرج عبد بن حميد وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية وأبو يعلى وابن المنذر وابن خزيمة وابن مردويه والحاكم وصححه والخطيب في تالي التلخيص عن العباس بن عبد المطلب في قوله: ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ قال: ثمانية أملاك على صورة الأوعال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ قال: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ قال: يقال ثمانية صفوف لا يعلم عدتهم إلا الله، يقال ثمانية أملاك رؤوسهم عند العرش في السماء السابعة وأقدامهم في الأرض السفلى، ولهم قرون كقرون الوعلة ما بين أصل قرن أحدهم إلى منتهاه مسيرة خمسمائة عام.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ قال: ثمانية من الملائكة.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: لم يسم من حملة العرش إلا إسرافيل قال: وميكائيل ليس من حملة العرش.

وأخرج ابن أبي حاتم وتمام الرازي في فوائده وابن عساكر عن أبي الزاهرية قال: أنبئت أن لبنان أحد حملة العرش الثمانية يوم القيامة.

وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: لبنان أحد الثمانية تحمل العرش يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ميسرة في قوله: ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ قال: أرجلهم في التخوم ورؤوسهم عند العرش، لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه قال: أربعة أملاك يحملون العرش على أكتافهم لكل واحد منهم أربعة وجوه: وجه ثور، ووجه أسد، ووجه نسر، ووجه إنسان، لكل واحد منهم أربعة أجنحة: أما جناحان فعلى وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وأما جناحان فيصفق بهما، وفي لفظ: فيطير بهما أقدامهم في الثرى.

والعرش على أكتافهم ليس لهم كلام إلا أن يقولوا: قدسوا الله القوي، ملأت عظمته السموات والأرض.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ قال: تعرضون ثلاث عرضات، فأما عرضتان ففيهما الخصومات والمعاذير، وأما الثالثة، فتطاير الصحف في الأيدي.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «تعرض الناس ثلاث عرضات يوم القيامة، فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير وجدال، وأما العرضة الثالثة فتطير الصحف في الأيدي، اللهم اجعلنا ممن تؤتيه كتابه بيمينه» قال: وكان بعض أهل العلم يقول: إني وجدت أكيس الناس من قال: ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابية ﴾ قال: ظن ظناً يقيناً فنفعه الله بظنه.

قال: وذكر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من استطاع أن يموت وهو يحسن الظن بالله فليفعل» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف في أيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» .

وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن أبي موسى قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: في قوله: ﴿ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ﴾ قال: «عرضتان فيهما الخصومة والجدال، والعرضة الثالثة تطير الصحف في أيدي الرجال» .

وأخرج ابن جرير والبيهقي في البعث عن ابن مسعد قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فتطاير الكتب بالأيمان والشمائل.

وأخرج ابن المبارك عن عمر قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فإنه أيسر لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتجهزوا للعرض الأكبر ﴿ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: إن الله يقف عبده يوم القيامة فيبدي سيئاته في ظهر صحيفته، فيقول له: أنت عملت هذا؟

فيقول: نعم أي رب، فيقول عند ذلك ﴿ هاؤم اقرءُوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه ﴾ حين نجا من فضيحته يوم القيامة.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر والخطيب عن أبي عثمان النهدي قال: إن المؤمن ليعطى كتابه في ستر من الله فيقرأ سيئاته فيتغير لونه، ثم يقرأ حسناته فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات، فعند ذلك يقول: ﴿ هاؤم اقرءُوا كتابية ﴾ .

وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه فأنظر إلى بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك، فقال رجل: يا رسول الله: كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟

قال: هم غر محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم يسعى نورهم بين أيديهم ذريتهم» .

وأخرج جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إني ظننت ﴾ قال: أيقنت.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب في قوله: ﴿ قطوفها دانية ﴾ قال: قريبة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ قطوفها دانية ﴾ قال: دنت فلا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن البراء في قوله: ﴿ قطوفها دانية ﴾ قال: دنت فلا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن البراء في قوله: ﴿ قطوفها دانية ﴾ قال: يتناول الرجل منها من فواكهها وهو قائم.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ قطوفها ﴾ قال: ثمرها.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن سلمان الفارسي: لا يدخل الجنة أحد إلا بجوار بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان ابن فلان أدخلوه جنة عالية ﴿ قطوفها دانية ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية ﴾ قال: أيامكم هذه أيام خالية فانية تؤدي إلى أيام باقية فاعملوا في هذه الأيام وقدموا خيراً إن استطعتم ولا قوّة إلا بالله.

وأخرج ابن المنذر عن يوسف بن يعقوب الحنفي قال: بلغني أنه إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى: يا أوليائي طال ما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة وغارت عينكم وجفت بطونكم، كونوا اليوم في نعيمكم وكلوا واشربوا ﴿ هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن رفيع في قوله: ﴿ بما أسلفتم في الأيام الخالية ﴾ قال: الصوم.

وأخرج البيهقي عن نافع قال: خرج ابن عمر في بعض نواحي المدينة ومعه أصحاب له ووضعوا سفرة لهم فمر بهم راعي غنم، فسلم فقال ابن عمر: هلم يا راعي، هلم فأصب من هذه السفرة، فقال له: إني صائم، فقال ابن عمر: أتصوم في مثل هذا اليوم الحار الشديد سمومه وأنت في هذه الجبال ترعى هذه الغنم؟

فقال له: إني والله أبادر أيامي الخالية، فقال له ابن عمر، وهو يريد أن يختبر ورعه: فهل لك أن تبيعنا شاة من غنمك هذه فنعطيك ثمنها ونعطيك من لحمها فتفطر عليه؟

فقال: إنها ليست لي بغنم، إنها غنم سيدي.

فقال له ابن عمر: فما عسى سيدك فاعلاً إذا فقدها فقلت أكلها الذئب؟

فولى الراعي عنه، وهو رافع إصبعه إلى السماء، وهو يقول: فأين الله؟

قال: فجعل ابن عمر يردد قول الراعي، وهو يقول: قال الراعي: فأين الله؟

فلما قدم المدينة بعث إلى مولاه فاشترى منه الغنم والراعي، فأعتق الراعي ووهب منه الغنم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ قال مقاتل: تعرضون على الله لحسابكم، فلا يخفى منكم خافية (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقراءة العامة: ﴿ لَا تَخفَى ﴾ بالتاء (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) ﴿ مِنكُمْ ﴾ .

قال المفسرون (١٤) (١٥) (١) "تفسير مقاتل" 207/ أ.

(٢) ما بين المعقوين زيادة يقتضيها السياق لاستقامة المعنى.

(٣) في (أ): يعني.

(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٥) "معالم التنزيل" 4/ 388.

(٦) لم أعثر على مصدر هذه الزيادة من قول الكلبي.

(٧) بياض في (ع).

والطالح هو: من الطلاح نقيض الصلاح، والفعل: طَلِحَ يَطْلَح طلاحًا، ويقال: رجل طالِحٌ، أي: فاسد الدين لا خير فيه.

"تهذيب اللغة" 4/ 384.

(٨) "تفسير مقاتل" 207/ أ.

(٩) قرأ بذلك: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب.

وقرأ بذلك أيضًا: ابن محيصن، والحسن.

انظر كتاب "السبعة" 648، و"الحجة": 6/ 315، و"الكشف عن وجوه القراءات السبعة" 2/ 333، كتاب: "التبصرة" لمكي بن أبي طالب: 707، و"حجة القراءات" لابن زنجلة: 718، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري 389، و"إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر" للبنا: 422، و"البدور الزاهرة" لعبد الفتاح القاضي 324.

(١٠) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١١) وقرأ بذلك أيضًا: خلف، ووافقهم الأعمش.

انظر المراجع السابقة.

(١٢) أي: أبو عبيد، ولم أعثر على مصدر لقوله.

(١٣) بياض في (ع).

(١٤) قال بذلك: عبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وقتادة.

انظر: "تفسير" عبد الرزاق 2/ 314 عن قتادة، و"جامع البيان" 29/ 59، و"بحر العلوم" 3/ 399، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 442، و"الدر المنثور" 8/ 270 - 271 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وعبد الرزاق، والبيهقي في البعث، وابن جرير.

وروي هذا القول مرفوعًا إلى رسول الله -  -.

انظر: "سنن ابن ماجه" 2/ 444: ح: == 4331، و"أبواب الزهد" 33، ذكر البعث؛ من طريق الحسن عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا.

والترمذي 4/ 617 ح 2425، في صفة القيامة، باب ما جاء في العرض؛ من طريق الحسن عن أبي هريرة مرفوعًا، والإمام أحمد 4/ 414، من طريق الحسن عن أبي موسى مرفوعًا.

وقال أبو عيسى: ولا يصح هذا الحديث من قِبَل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، وقد رواه بعضهم عن علي الرفاعي، عن الحسن، عن أبي موسى، عن النبي -  -، قال أبو عيسى: ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي موسى.

قال البوصيري في "الزوائد": هذا إسناد رجاله ثقات؛ إلا أنه منقطع، الحسن لم يسمع من أبي موسى.

ورواه ابن أبي شيبة في مسنده.

قاله الأعظمي.

انظر: "سنن ابن ماجه" (2/ 444) حاشية رقم 4331.

وانظر: تضعيف الألباني للحديث في "ضعيف سنن ابن ماجه" 349 ح 932، و"ضعيف سنن الترمذي" 273 - 274 ح: 426، وقد ذكر تعليق الترمذي على الحديث.

وضعفه أيضًا عند تعليقه على "مشكاة المصابيح" 3/ 1542؛ حاشية 4، قال: وهو ضعيف من هذا الوجه لعنعنة الحسن البصري.

(١٥) معاذير: جمع معذرة، والعُذر: الحجة التي يُعْتذر بها، والجمع: أعذار، يقال: اعتذر فلان اعتذارًا، وعِذرة، ومَعْذِرة، ولي في هذا الأمر عُذر، وعُذري، ومعذرة، أي: خروج من الذنب.

"لسان العرب" 4/ 545، مادة: (عذر).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ خطاب لجميع العالم، والعرض: البعث أو الحساب ﴿ خَافِيَةٌ ﴾ أي حال خافية من الأَمال والسرائر، ويحتمل المعنى لا يخفى من أجسادهم لأنهم يحشرون حفاة عراة ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ الكتاب هنا صحائف الأعمال ﴿ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ ﴾ هاؤم أسم فعل، قال ابن عطية: معناه تعالوا وقال الزمخشري: هو صوت يفهم منه معنى خذ، وكتابيه مفعول يطلبه هاؤم واقرؤوا من ضمير المعنى، تقديره هاؤم كتاب اقرؤا كتابي ثم حذف لدلالة الآخر عليه وعمل فيه العامل، الثاني: وهو اقرأوا عند البصريين، والعامل الأول هو هاؤم عند الكوفيين، والدليل على صحة قول البصريين أنه لو عمل الأول لقال اقرؤوه، والهاء على كتابيه للوقف، وكذلك في حسابية وماليه وسلطانية، وكان الأصل أن تسقط في الوصل لكنها ثبتت فيه مراعاة لخط المصحف وقد أسقطها في الوصف حمزة، ومعنى الآية: أن العبد الذي يعطى كتابه بيمينه يقول للناس: اقرأوا كتابيه على وجه الاستبشار والسرور بكتابه ﴿ إِنِّي ظَنَنتُ ﴾ الظن هنا بمعنى اليقين ﴿ رَّاضِيَةٍ ﴾ أي ذات رضا كقولهم: تامر لصاحب التمر.

قال ابن عطية: ليست بياء اسم فاعل، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون اسم فاعل نسب الفعل إليها مجازاً وهو لصاحبها حقيقة ﴿ قُطُوفُهَا ﴾ جمع قطف وهو ما يجتنى من الثمار ويقطف كالعنقود ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ أي قريبة، وروي أن العبد يأخذها بفمه من شجرها، على أي حال كان من قيام أو جلوس أو اضطجاع ﴿ أَسْلَفْتُمْ ﴾ أي قدمتم من الأعمال الصالحة ﴿ فِي الأيام الخالية ﴾ أي الماضية يعني أيام الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وما أدراك ﴾ بالإمالة حيث كان: حمزة وخلف والخراز عن هبيرة، وأبو عمرو والنجاري عن ورش، وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ فهل ترى ﴾ كما في الملك ﴿ ومن قبله ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون: بفتح القاف وسكون الباء ﴿ وتعيها ﴾ بسكون العين تشبيهاً بخاء " فخذ ": القواس عن حمزة عن خلف وخلف لنفسه والهاشمي عن قنبل والخزاعي عن ابن فليح وأبو ربيعة عن أصحابه ﴿ فهي يومئذ ﴾ بالإدغام: شجاع أبو شعيب ﴿ لا يخفى ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف ﴿ كتابي ﴾ ﴿ وحسابي ﴾ بغير هاء السكت في الوصل: سهل ويعقوب ﴿ مالي ﴾ و ﴿ سلطاني ﴾ بدون الهاء في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب ﴿ يؤمنون ﴾ و ﴿ يذكرون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وسهل ويعقوب وابن عامر.

الوقوف: ﴿ الحاقة ﴾ ه لا لأن ما بعده خبرها ﴿ ما الحاقة ﴾ ه لا لاحتمال الواو بعده الحال والاسئناف ﴿ الحاقة ﴾ ه م ﴿ القارعة ﴾ ه ﴿ بالطاغية ﴾ ه ط ﴿ عاتية ﴾ ط ﴿ أيام ﴾ لا لأن ﴿ حسوماً ﴾ صفة الثمانية ﴿ صرعى ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ خاوية ﴾ ه ج للاستفهام مع الفاء ﴿ باقية ﴾ ط ﴿ بالخاطئة ﴾ ه ﴿ رابية ﴾ ه ﴿ الجارية ﴾ ه ج ﴿ واعية ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ه لا ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ الواقعة ﴾ ه لا للعطف ﴿ واهية ﴾ ه لا لذلك ﴿ رجائها ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ ثمانية ﴾ ط ﴿ خافية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ راضية ﴾ ه لا ﴿ عالية ﴾ ه لا ﴿ دانية ﴾ ه ﴿ الخالية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ القاضية ﴾ ه ج ﴿ ماليه ﴾ ه كلها جائزات وتفصيلاً بين الندامات مع اتحاد المقولات ﴿ سلطانية ﴾ ه ﴿ فغلوه ﴾ ط للعطف ﴿ صلوه ﴾ ه لا لذلك ﴿ فاسلكوه ﴾ ه ط ﴿ العظيم ﴾ ه لا ﴿ المسكين ﴾ ه ط ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ غسلين ﴾ ه لا ﴿ الخاطئون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه لا ﴿ وما لا تبصرون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ شاعر ﴾ ط ﴿ تؤمنون ﴾ ه ﴿ كاهن ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه أي هو تنزيل ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه لا ﴿ الوتين ﴾ ه والوصل أجوز لدخول الفاء واتحاد الكلام ﴿ حاجزين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مكذبين ﴾ ه لا ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه.

التفسير: ﴿ الحاقة ﴾ وهي القيامة بالاتفاق إلا أنهم اختلفوا في سبب التسمية فقال أبو مسلم: هي الفاعلة من حقت كلمة ربك أي الساعة واجبة الوقوع لا ريب في مجيئها، وقريب منه قول الليث أنها النازلة التي حقت فلا كاذبة لها.

وقيل: إنها التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا أي لا أعرف حقيقته، جعل الفعل لها وهو لأهلها، وقيل: هي التي يوجد فيها حواق الأمور وهي الواجبة الحصول من الثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة.

وهذا الوجه والذي تقدمه يشتركان في الإسناد المجازي إلا أن الفاعل في الأول بمعنى المفعول والثاني على أصله، وقريب منه قول الزجاج أنها تحق أي يكون فيها جميع آثار أعمال المكلفين ويخرج عن حد الانتظار.

قال الأزهري: سميت بذلك أنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل أي تخاصم كل مخاصم وتغلبه.

وأورد في التفسير الكبير وجوهاً أخر إلى تمام العشرة فهي في التحقيق مكررة فلذلك حذفناها.

قوله ﴿ ما الحاقة ﴾ مبتدأ وخبره والمجموع خبر الحاقة.

والأصل ما هي يعني وأي شيء هي؟

وفي هذا الاستفهام تعظيم وتفخيم لشأنها، وفي وضع الظاهر موضع المضمر تهويل فوق تهويل وفي قوله ﴿ وما أدراك ما الحاقة ﴾ مبالغة أخرى والمعنى أي شيء أعلمك ما الحاقة؟

وفيه أن مدى عظمها بحيث لا يبلغه وصف واصف ولا نعت مخبر.

قال جار الله: ما يعني في ما الحاقة الثانية في موضع الرفع على الابتداء.

﴿ وأدراك ﴾ معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام.

قلت: ولولا ذلك لنصب الجزأين على أنهما مفعول ثان وثالث كقولك " أعلمتك زيداً فاضلاً ".

وحين ذكر الحاقة على أبلغ وجوه التعظيم أتبعها ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تخويفاً لأهل مكة فقال ﴿ كذبت ثمود وعاد بالقارعة ﴾ والأصل بها أي بالحاقة إلا أنه وضع القارعة موضع الضمير ليدل بذلك على معنى الروع في الحاقة زيادة في وصف شدتها.

ولا ريب أنها تفزع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض بالدك، والنجوم بالطمس إلى غير ذلك.

وكانت عادة القرآن جارية بتقديم قصة عاد على ثمود إلا أنه قلب ههنا لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر.

قوله ﴿ بالطاغية ﴾ أي بالواقعة المجاوزة للحد وهي الرجفة أو الصاعقة أو الصحية، وقيل: الطاغية مصدر أي بسبب طغيانهم.

واعترض بأنه لا يطابق قصة عاد فأهلكوا بريح.

ويمكن أن يجاب بأن السبب الفاعلي والسبب الآلي كلاهما يشتركان في مطلق السببية، وهذا القدر من المناسبة كافٍ في الطباق وعلى هذا القول يحتمل أن تكون الطاغية صفة موصوف أي بشؤم الفرقة الطاغية التي تواطأت على عقر الناقة.

ويجوز أن يراد بها عاقر الناقة وحده والتاء للمبالغة.

الصرصر الشديد الصوت أو الكثير سميت عاتية بشدة عصوفها.

قال جار الله: العتو استعارة قلت: لأنه مستعمل في مجاوزة الإنسان حد الطاعة والانقياد.

قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الريح عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة من استتار ببيت واستناد إلى جبل، فإنها كانت تزعجهم من مكانهم.

قال الكلبي: عتت على خزانها كما جاء في الحديث " ما أرسل الله من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان والريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل " وقيل: العاتية من عتا النبت أي بلغ منتهاه وجف قال  ﴿ وقد بلغت من الكبر عتياً  ﴾ أي ريح بالغة منتهاها في الشدة والقوة ﴿ سخرها ﴾ أي سلطها بدليل ﴿ عليهم ﴾ وقال الزجاج: أقامها وقيل: أرسلها.

قوله ﴿ حسوماً ﴾ جمع حاسم كشهود جمع شاهد.

والتركيب يدور على القطع والاستئصال ومنه الحسام لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ أمله، وذلك أن تلك الريح حسمت كل خير واستأصلت كل بركة.

وقيل: إنها تتابعت من غير فتور ولا انقطاع حتى أتت عليهم، فمثل تتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء مرة بعد أخرى إلى أن ينحسم.

ويجوز أن يكون ﴿ حسوماً ﴾ مصدراً كالدخول والخروج وعلى هذا انتصب بفعل مضمر أي يستأصل استئصالاً، أو يكون وصفاً بالمصدر أي ذات حسوم، أو مفعولاً له، وقيل: هي أيام العجوز وذلك أن عجوزاً من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها.

والصحيح أنها أيام العجز وهي آخر الشتاء وأساميها.

الصن والصنبر والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفىء الجمر.

وقيل: ومكفىء الظعن.

والضمير في ﴿ فيها ﴾ للجهات أو الليالي والأيام الخاوية الساقطة.

وقيل: الخاوية لأن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم، وعلى هذا يحتمل أن تكون الخاوية بمعنى البالية لأن النخل إذا بليت خلت أجوافها والباقية مصدر.

وقيل: من نفس باقية: قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله، فلما كان اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر فذلك قوله ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ وقوله { ﴿ فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم  ﴾ ومن قرأ ﴿ ومن قبله ﴾ بالفتح والسكون فظاهر أي ومن تقدمه من رؤساء الكفر والضلال كنمرود ونحوه.

ومن قرأ بالسكر والفتح أراد ومن عنده من أتباعه وجنوده.

والخاطئة مصدر أي بالخطأ أو صفة أي بالفعلة أو الأفعال ذوات الخطأ العظيم ﴿ رابية ﴾ من ربا الشيء يربو إذا زاد أي زائدة في الشدة كما كانت فعلاتهم زائدة في القبح.

وقيل: معنى الزيادة اتصال عذابهم في الدنيا بعذاب الآخرة.

﴿ أغرقوا فأدخلوا ناراً ﴾ .

ولاريب أن عذاب الآخرة أشد وكان عقابهم ينمو ويزيد إلى حد ليس فوقه عذاب.

قال الوحدي: الوجه في قوله ﴿ رسول ربهم ﴾ أن يكون رسول الأمم الماضية كلهم أعني موسى ولوطاً وغيرهما من رسل من تقدم فرعون كقوله ﴿ إنا رسول رب العالمين  ﴾ ولو جعل عبارة عن موسى  لزم التخصيص من غير مخصص.

ثم ذكر قصة بعض من تقدم فرعون فقال ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ وطغيان الماء كعتو الريح وقد سبق في عدة سور.

ومعنى ﴿ حملناكم ﴾ حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم ﴿ في الجارية ﴾ في السفينة وهي سفينة نوح ﴿ لنجعلها ﴾ قال الفراء: أي الجارية لأنها المذكور.

والأظهر عودة إلى الواقعة والحالة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين فإنها هي التذكرة والعبرة ولقوله ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ من شأنها حفظ كل ما تسمع لتعمل به.

قال أهل اللغة: كل ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما تعيه في غير نفسك فقد أوعيته.

يقال: أوعيت المتاع في البيت.

والشر أخبث ما أوعيت من زاد *** قال جار الله: إنما قيل ﴿ أذن واعية ﴾ على التوحيد والتنكير للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، للدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت فهي عند الله بمكان وما سواها لا يلتفت إليه وإن ملأ العالم.

عن النبي  أنه قال لعلي  عند نزول هذه الآية: سألت الله يجعلها أذنك يا علي.

قال علي  : فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أن أنسى.

وحين فرغ من بيان القدرة والحكمة عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث الحاقة، والنفخة الواحدة عن ابن عباس أنها الأولى التي عندها خراب العالم، وفي رواية عنه أنها الثانية لقوله بعد ذلك ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ والعرض عند الثانية.

ولناصر الرواية الأولى أن يقول: اليوم اسم للحين الواسع الذي يقع فيه النفخات والصعقة والنشور والوقوف والحساب كما تقول " جئته عام كذا " وإنما جئت في وقت واحد من أوقاتها.

قوله ﴿ واحدة ﴾ صفة مؤكدة قوله ﴿ وحملت ﴾ أي رفعت من جهاتها بريح شديدة أو بملك أو بقدرة الله من غير واسطة.

والضمير في ﴿ دكتا ﴾ لجماعتي الأرض والجبال والمراد أن هاتين الجملتين يضرب بعضها ببعض حتى يندك ويرجع كثيباً مهيلاً منثوراً.

والدك أبلغ من الدق.

وقيل: فبسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعاً صفصفاً من قولك " اندك السنام " إذا انقرش " وبعير أدك" " وناقة دكاء " قوله ﴿ فيومئذ ﴾ جواب ﴿ فإذا نفخ ﴾ والواقعة النازلة وهي القيامة ﴿ واهية ﴾ مسترخية بعد أن كانت مستمسكة ﴿ والملك ﴾ جنس ولهذا كان أعم من الملائكة لشموله الواحد والاثنين دونها.

والأرجاء الجوانب جمع رجا مقصوراً.

والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء.

سؤال: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى فكيف يقفون على أرجاء السماء؟

الجواب أنهم يقفون لحظة ثم يموتون أو هم المستثنون بقوله إلا ما شاء الله، والضمير في ﴿ فوقهم ﴾ عائد إلى الملك على المعنى لأن التقدير الخلق الذي يقال له الملك، والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش، وقال مقاتل: الضمير للحملة أي فوق رؤسهم والإضمار قبل الذكر جائز لأنه بعده حكماً كقوله " في بيته يؤتى الحكم " وعن الحسن: لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف.

وعن الضحاك: ثمانية صفوف ولا يعلم عددهم إلا الله.

قال المفسرون: الحمل على الأشخاص أولى لأن هذا أقل ما يصدق اللفظ عليه والزائد لا دليل له، وكيف لا والمقام مقام تهويل وتعظيم؟

فلو كان المراد ثمانية آلاف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ويؤيده ما روي عن رسول الله  " "اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى" وروي " "ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤسهم وهم مطرقون يسبحون " وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر، وروي " "ثمانية أملاك في خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاماً" وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.

وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك.

ولولا هذه الروايات لجاز أن يكون الثمانية من الروح أو من خلق آخر.

قالت المشبهة: لو لم يكن الله على العرش لم يكن لحمله فائدة وأكدوا شبهتهم بقوله ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ للمحاسبة والمساءلة فلو لم يكن الإله حاضراً لم يكن للعرض معنى.

وأجيب بأن الدليل على أن حمل الإله محال ثابت فلا بد من التأويل وهو أنه  خاطبهم بما يتعارفونه فخلق نفسه بيتاً يزورونه ليس ليسكن فيه، وجعل في ذلك البيت حجراً هو يمينه في الأرض إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة لا لأن النسيان يجوز عليه بل لأنه المتعارف.

فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله أن يجلس لهم على سرير ويقف الأعوان حواليه صور الله  تلك الصورة المهيبة لا لأنّه يقعد على السرير.

روي أن في القيامة ثلاث عرضات.

فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب.

قوله ﴿ لا تخفى منكم خافية ﴾ أي تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلاً وقيل: أراد لا يخفى منكم يوم القيامة ما كان مخفياً في الدنيا على غير الله وذلك ليتكامل سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين.

ثم أخذ في تفصيل عرض الكتب.

" وهاء " صوت بصوت به فيفهم منه " خذ " وله لغات واستعمالات مذكورة في اللغة منها ما ورد به الكتاب الكريم وهو " هاء " مثل باع للواحد المذكور " وهاؤما " بضم الهمزة وإلحاق الميم بعدها ألف للتثنية ﴿ هاؤم ﴾ بضم الهمة بعده ميم ساكنة لجمع المذكر.

" هاء " بالكسر للمؤنثة " هاؤن" لجمعها ﴿ كتابيه ﴾ مفعول ﴿ هاؤم ﴾ عند الكوفيين و ﴿ اقرؤا ﴾ عند البصريين لأنه أقرب أصله هاؤم كتابي اقرأوا كتابي فحذف لدلالة الثاني عليه.

قال البصريون: ولو كان العامل الأول لقيل اقرأه إذ المختار إضمار المفعول ليكون دليلاً على المحذوف.

وأجاب الكوفيون بأن الظاهر قد أغنى عن الضمير كما في قوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات  ﴾ والهاء في ﴿ كتابيه ﴾ وغيره هاء السكت ومن ههنا تثبت في الوقف وتسقط في الوصل لكنه استحب التلفظ بها في الوصل عند جماعة اتباعاً لوجودها في المصحف، وإنما قال ﴿ من أوتي كتابه ﴾ ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه ﴾ ابتهاجاً وفرحاً.

وقيل: يقول ذلك لأهل بيته وقرابته.

وفي قوله ﴿ إني ظننت ﴾ وجوه كما مر في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم  ﴾ ومما يختص بالمقام قول بعضهم أنه أراد الظن في الدنيا لأن أهل الدنيا لا يوقنون بنيل الدرجات، وفي هذا الوجه نظر لأنهم كانوا غير قاطعين بالجنة إلا أنهم يجب أن يقطعوا بالحساب الجزاء.

وعن أبي هريرة أنه  قال " إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى بكتابه فتكتب حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن فيقال له: اقلب كفك فيرى حسناته فيفرح ثم يقول ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت ﴾ " عند النظر الأولى ﴿ أني ملاق حسابيه ﴾ على سبيل الشدة، وأما الآن فقد فرج الله عني ذلك الغم، وأما في حق الأشقياء فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا.

ثم بين عاقبة أمره قائلاً ﴿ فهو في عيشة ﴾ فعلة من العيش للنوع ﴿ راضية ﴾ منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل للمنسوب إلى الدرع والنبل، وهذا من النسبة بالصيغة كما أن قولك " بصري" أو " هاشمي " من النسبة بالحروف، ويجوز أن يكون من الإسناد المجازي كقولك " نهاره صائم " جعل الصوم للنهار وهو لصاحبه كذلك ههنا جعل الرضا للعيشة وهو لصاحبها ﴿ في جنة عالية ﴾ درجاتها لأنها فوق السموات على تفاوت الطبقات أو في جنة رفعية المباني والقصور والأشجار ﴿ قطوفها دانية ﴾ ثمارها قريبة التناول.

والقطوف جمع قطف بالكسر وهو المقطوف كالطحن بمعنى المطحون.

يروى أن ثمارها يقرب تناولها للقائم والجالس والمضطجع وإن أحب أن تدنو دنت ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول و ﴿ هنيئاً ﴾ مصدر أو صفة كما مر في " الطور" جمع الخطاب في ﴿ كلوا ﴾ مع أنه وحد الضمير في قوله ﴿ أوتي ﴾ وغيره حملاً على لفظ من ثم على معناه.

والغرض من هذا الأمر التوقير والعرض لا التكليف.

ومن قال بالإباحة ليس بتكليف فلا إشكال.

وقوله ﴿ بما أسلفتم ﴾ كقوله في " الطور " ﴿ بما كنتم تعملون  ﴾ والإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالافتراض ومنه يقال " أسلف في كذا " إذا قدم فيه ماله.

والمعنى بسبب ما عملتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية.

وعن مجاهد والكلبي: هي أيام الصيام فيكون الأكل والشرب في الجنة بدل الإمساك عنهما في الدنيا.

ثم أخذ في قصة الأشقياء.

وإنما تمنى أنه لم يدر أي شيء حسابه لأنه عليه لا يعود منه إليه سوى الضر.

والضمير في ﴿ يا ليتها ﴾ عائد إلى الموتة الأولى يدل عليها سياق الكلام.

ولعل في قوله ﴿ ولم أدر ﴾ إشارة إليها لأنها حالة العدم المستلزمة لعدم الإدراك أي الموتة التي متها يا ليتها ﴿ كانت القاضية ﴾ لأمري أو للحياة فلم أبعث بعدها.

وقيل: هاء الضمير للحال أي ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليّ.

قال القفال: تمنى الموت حين رأى من الخجل وسوى المنقلب ما هو أشد وأشنع من الموت.

قوله ﴿ ما أغني ﴾ نفي.

ويجوز أن يكون استفهاماً على سبيل الإنكار ومعناه أي شيء أغنى ﴿ عني ﴾ ما كان لي من اليسار فإنه لم يبق منه إلا الوبال ﴿ هلك عني ﴾ تسلطي على الناس وزال عني ما كنت أتصوره حجة وبرهاناً.قال ابن عباس: ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد في الدنيا.

وقال مقاتل: إنما يقول هذا حين شهدت عليه الجوارح بالشرك.

يحكى عن عضد الدولة أنه قال قصيدة مطلعها هذا البيت: ليس شرب الكاس إلا في المطر *** وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى *** ناعمات في تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها *** ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها *** ملك الأملاك غلاب القدر يروى بضم القاف جمع القدرة وبفتحها وهو ما قدر الله على عباده وقضى.

ولا ريب أن المصراع الأخير فيه سوء الأدب والجراءة على الله من وجهين: أحدهما أنه سمى نفسه ملك الأملاك ولا يصلح هذا الاسم إلا لله  ولهذا جاء في الحديث " أفظع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" ويقال لها بالفارسية شاهنشاه والثاني أنه زعم الغلبة على القدر وهذا أيضاً من أوصاف الله جل وعلا لا يصلح لغيره.

وإن زعم أنه قال ذلك بالنسبة إلى ملوك دونه فذلك قيد لا يدل عليه الإطلاق فسوء الأدب باقٍ فمن ههنا روي أن الله  ابتلاه عقيب ذلك بالجهل وفساد الذهن وخور القوى، وكان لا ينطلق لسانه إلا بتلاوة ﴿ ما أغني عني ماليه هلك عني سلطانيه ﴾ ﴿ خذوه ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم خذوه أيها الخزنة يروى أنهم مائة ألف ملك تجمع يده إلى عنقه.

والتصلية في الجحيم وفي النار العظمى، إشارة إلى أنه كان سلطاناً يتعظم على الناس.

والسلسلة حق منتظمة كل حلقة منها في حلقة.

وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل.

والذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد.

وقوله ﴿ سبعون ذراعاً ﴾ يجوز أن يكون محمولاً على الظاهر وأن يراد المبالغة على عادة العرب.

وتقديم الجحيم على التصلية والسلسلة على السلك للحصر أي لا تصلوه إلا في الجحيم ولا تسلكوه إلا في هذه السلسلة الطويلة لأنها إذا طالت كانت الكلفة أشد.

قالوا: كل ذراع سبعون باعاً أبعد مما بين مكة والكوفة.

قال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو قال ابن عباس: تدخل السلسة في دبره وتخرج من حلقه ثم يجمع بين ناصيته وقدميه قال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ يجعل في عنقه سلوكها.

عن بعضهم أن جمعاً من الكفار يقرن في هذه السلسلة الطويلة ليكون العذاب عليهم أشد وإنما لم يقل فاسلكوا السلسلة فيه لأنه أراد أن السلسلة تكون ملتفة على جسده بحيث لا يقدر على حركة.

وقيل: هو كقولهم " أدخلت القلنسوة في رأسي " او " الخاتم في أصبعي".

ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة.

ثم ذكر سبب هذا الوعيد الشديد وهو عدم الإيمان بالله العظيم وعدم بذل المال للمساكين ولعل الأول إشارة إلى فساد القوة النظرية، والثاني إلى فساد القوة العملية.

قال جار الله: وعطف حرمان المساكين على الكفر تغليظ، وفي ذكر الحض دون الفعل تغليظ دون تغليظ ليعلم أن ترك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟

وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان فلا نخلع نصفها الآخر إلا بالإطعام.

والطعام اسم بمعنى الإطعام كالعطاء اسم بمعنى الإعطاء.

وفي الآية دلالة على أن الكفار مخطابون بالفروع.

والحميم القريب النافع وقوله ﴿ ههنا ﴾ إشارة إلى مكان عذابهم أو إلى مقام الوصول إلى هذا الحد من العذاب.

يروى أن ابن عباس سئل عن الغسلين فقال: لا أدري.

وقال الكلبي: هو ما يسال من أهل النار.

فغسلين من الغسالة والطعام ما يهيأ للأكل.

ويجوز أن يكون إطلاق الطعام عليه من باب التهكم أو مثل عقابك السيف.

قال ابن عباس: الخاطئون في الآية هم المشركون.

ثم عظم شأن القرآن بالإقسام بكل الأشياء لأنها إما مصبر أو غير مبصر.

وقيل: الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح والإنس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة.

والأكثرون على أن الرسول الكريم ههنا هو محمد  لأنه ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالعشر والكهانة وإنما يصفون محمداً  وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه جبرائيل  لأن الأوصاف التي بعده تناسبه كما يجيء.

وفي ذكر الرسول إشارة إلى أن هذا القرآن ليس قوله من تلقاء نفسه وإنما هو قول المؤدي عن الله بطريق الرسالة، وهكذا لو كان المراد جبرائيل.

وفي وصفه بالكرم إشارة إلى أمانته وأنه ليس ممن يغير الرسالة طمعاً في أغراض الدنيا الخسيسة.

وأيضاً من كرمه أنه أتى بأفضل أنواع المزايا والعطايا وهو المعرفة والإرشاد والهداية.

وإنما قال عند نفي الشعر عنه ﴿ قليلاً ما تؤمنون ﴾ وعند نفي الكهانة ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبين المحسوس.

أما من حيث اللفظ فظاهر لأن الشعر كلام موزون مقفى وألفاظ القرآن ليست كذلك إلا ما هو في غاية الندرة بطريق الاتفاق من غير تعمد، وأما من جهة التخيل فلأن القرآن فيه أصول كل المعارف والحقائق البراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان المكلف ممن يصدق ولا يعاند.

وانتفاء الكهانة عنه أمر يفتقر إلى أدنى تأمل يوقف.

على أن كلام الكهان أسجاع لا معاني تحتها وأوضاع تنبو الطباع عنها.

وأيضاً في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم والكهان إخوان الشياطين فكيف رضوا بإظهار قبائحهم.

ثم صرح بالمقصود فقال ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ أي هو تنزيل ثم بين أن المفتري لا يفلح وإن فرض أنه نبي فقال ﴿ ولو تقول ﴾ وهو تكلف القول من غير أن يكون له حقيقة و ﴿ الأقاويل ﴾ جمع أقوال.

وقال جار الله: في اللفظ تصغير وتحقير كالأعاجيب والأضاحيك كأنه جمع " أفعولة " من القول.

ومعنى الآية لو نسب إلينا قولاً لم نقله لقتلناه أشنع قتل وهو أن يؤخذ بيمينه وتضرب رقبته وهو ينظر إلى السيف، وهذه فائدة تخصيص اليمين لأن القتال إذا أخذ بيسار المقتول وقع الضرب في قفاه.

ومعنى ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ لأخذنا بيمينه، وكذا قوله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ لقطعنا وتينه وهذا تفسير منقول عن الحسن البصري.

والوتين العرق المتصل من القلب بالرأس فإذا انقطع مات الحيوان: قال ابن قتيبة: لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه كما يفعل الملوك فكان كمن أخذ بيمينه فقطع وتينه ونظيره " ما زالت أكلة خبير تعاودني، فهذا أوان اقطع أبهري ".

والأبهر عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال: هذا أوان يقتلني السم.

وعن الفراء والمبرد والزجاج أن اليمين القوة وقوة كل شيء في ميامنه والباء زائدة ومعنى الأخذ السلب أي سلبنا عنه القدرة على التكلم بذلك القول وهذا كالواجب في حكمة الله  كيلا يشتبه الصادق بالكاذب وقال مقاتل: اليمين الحق كقوله ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين  ﴾ أي من قبل الحق.

والمعنى منعناه بواسطة إقامة الحجة وقضينا له من يعارضه فيه فيظهر للناس كذبه ﴿ فما منكم من أحد عنه ﴾ أي عن الرسول أو عن القتل، والخطاب للناس وأحد في معنى الجمع لأنه في سياق النفي فلذلك قال ﴿ حاجزين ﴾ أي مانعين.

وحين بين أن القرآن تنزيل من عند الله بواسطة جبرائيل على محمد الذي صفته أنه ليس بشاعر ولا كذاب، بين أن القرآن ما هو وإلى أي صنف يعود نفعه فقال ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين ﴾ ثم أوعد على التكذيب.

قائلاً ﴿ وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ﴾ ثم بين أن تكذيب القرآن سبب حسرة الكافرين في القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين أو في الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين، لأن القرآن حق اليقين أي حق يقين لا ريب فيه، فأضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد كقوله " هو حق العالم".

ثم أمر بالتسبيح شكراً له على الإيحاء إليه، أو على أن عصمه من الافتراء عليه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ فكأنهم سألوا: متى تكون الواقعة والحاقة والقارعة؟

فأخبر عن ذلك بقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ * وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ ، فجوابهم في قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ \[ثم\] قد بيّنا أن الأسئلة كلها خرجت [على بيان الوقت، والله -  - لم يبين لهم وقت كونه، وإنما أجاب] عن الأحوال التي تكون في ذلك الوقت؛ لما لا فائدة لهم في تبيين وقته، ولا حاجة إلى معرفته، وإنما الفائدة في تبيين أحواله؛ لما يقع بها الترغيب والترهيب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ فجائز أن يكون على حقيقة النفخ.

واحتمل أن يكون على قدر نفخة واحدة؛ فتكون فائدته ذكر سهولة أمر البعث على الله -  - لأنه قدر النفخة مما يسهل على المرء في الشاهد، ولا يتعذر.

وجائز أن يكون ذكر النفخ؛ لما أن الروح تدخل في أجسادهم، وتنتشر فيها، وذلك عمل النفخ؛ لأن الريح إذا نفخت في وعاء سرت فيه وانتشرت، فكنى عن دخول الروح في الجسد بالنفخ؛ إذ ذلك عمله، وكنى بالنفخ عن خروج الروح من الأجساد لهذا، وعلى هذا تأويل قوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ ليس على حقيقة النفخ؛ ولكن عمل الروح فيها عمل النفخ، فقيل ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلصُّورِ ﴾ قيل: الصور: هو القرن ينفخ فيه النفخة الأولى؛ فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ [فيه] مرة فإذا هم قيام ينظرون.

ومنهم من يقول: أي: نفخ الروح في صور الخلق؛ لكن جمع الصورة: الصور، بنصب الواو؛ فلا يحتمل أن يكون المراد منه: جمع الصورة، لكنه يجوز أن يكون الله -  - جعل نفخ الصور سبباً لإفنائهم وإحيائهم، لا أنه يعجزه شيء عن الإفناء والإحياء ما لم ينفخ في الصور، لكنه جعله سبباً لنوع الحكمة والمصلحة أو لمحنة ذلك الملك والابتلاء؛ على ما عرف من أنواع المحن في الملائكة من إنزال المطر، وتسيير السحاب، وجعلهم الموكلين على أعمال بني آدم، وغير ذلك.

وقوله: ﴿ وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ﴾ كسرتا كسرة واحدة.

وقيل: هدمتا هدمة واحدة.

وقال بعضهم: زلزلتا زلزلة واحدة؛ فكأنه يقول - والله أعلم -: تتزلزل الأرض، فتقذف ما في بطنها من الفضول، وتخرج ما فيها من الجواهر التي ليست منها بتلك الدكة، وتخرج أصول الجبال منها، ثم يجعله الله -  - كثيباً مهيلاً مثل الرمل، ثم يُعْمِل عليه الريح فيجعله هباء منثوراً، وتراه من لينه كالعهن المنفوش، ثم يسير مثل السحاب، فيقع في شعاب الأرض والأودية والأماكن المختلفة؛ فتصير الأرض كما قال -  -: ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً  لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً  ﴾ ، وهكذا الريح إذا عملت على شيء وتقع عليه، تفرقه في النواحي، وتسوي به الشقوق، وتبسطه على وجه الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ ليس أنها تحمل من مكان إلى مكان، ولكن تدخل هذه في هذه، وتضرب هذه على هذه بالدكة؛ فتصير كأنها حملت لذلك، وإذا كان كذلك، فقد وقعت الواقعة يومئذ، وهذا على اختلاف الأوقات؛ ليكون معنى الآيات التي جاءت في الجبال على السواء، والله أعلم.

وقيل: في آيات أخر بيان آخر: بيان تقديم فناء الجبال قبل الأرض بقوله: ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  فَيَذَرُهَا  ﴾ ، أي: يذر الأرض ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً  ﴾ وغيرها من الآيات؛ مما يدل على تقديم فناء الجبال قبلها، فإما أن يكون معنى تبديل الأرض تغييرها عن الحالة التي هي عليها اليوم من انهدام البنيان، واستواء الأودية، وإزالة الجبال؛ على ما جاء في الأخبار، فسمي لذلك: تبديلاً؛ كما يقال لمن تغير عن الحالة الحسنة إلى غيرها: تبدلت، يراد: [أي: تغيرت عن حالتك]؛ فعلى ذلك معنى الآية؛ أي: تكسر الجبال، وتتغير حالة الأرض في دفعة واحدة.

أو يكون في الآية إخبار عن شدة الفزع في ذلك اليوم أن [يدكه دكة] واحدة؛ تفني الجبال والأرض، وإن كان إفناء الجبال قبل إفناء الأرض، ليس أنهما يفنيان جميعاً بدفعة واحدة، لكن بالدكة الواحدة تهلك الجبال والأرض؛ فيكون المراد بيان شدة اليوم وهوله؛ لا بيان ترتيب فناء البعض على البعض، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ وهو الحساب والجزاء؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌ  ﴾ وأدخلت الهاء في أسماء القيامة تعظيماً لشأنها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ قال بعضهم: تفرقت، وهكذا الشيء إذا انشق تفرق وتباين، وبه يظهر الشق.

ويحتمل أن يكون الشق كناية عن اللين؛ أي: لين بعد صعوبتها، دليله: قوله - عز وجل -: ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ أي: ضعيفة بعدما كانت تنسب إلى الصلابة، ويدل على ذلك قوله: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ  ﴾ وإنما يطوي الشيء في الشاهد بعدما يلين في نفسه.

وجائز أن تنشق السماء لنزول أهلها، فلا يبقى فيها إلا الملائكة الذين على أطرافها، ثم تنضم [فتبين] للطي، والله أعلم.

وجائز أن يكون ذكر [انفطارها وانشقاقها وانفتاحها؛ تهويلاً للخلق من الوجه الذي ذكرنا فيما قبل.

وجائز أن تكون للسماوات أبوابٌ، فتفتح أبوابها؛ فيكون] انشقاقها وانفطارها فتح أبوابها.

وجائز أن يكون الشق ليس فتح الأبواب؛ لأنه ذكر هذا في موضع التهويل، وليس في فتح أبوابها كثير تهويل.

وقوله: ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ أي: ضعيفة مسترخية.

وقيل: الوهي: الخرق، وهو يحتمل؛ لأنها إذا انشقت انخرقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ ﴾ الأرجاء: النواحي والأطراف، وهي أطراف السماوات ونواحيها، وواحد الأرجاء: رجا، مقصور.

والملك أريد به الملائكة، أخبر أنهم على أطراف السماوات ونواحيها، فيحتمل أنهم وكلوا وامتحنوا بها وبحفظها بعد الشق؛ لئلا تسقط على أهل الأرض.

وجائز أن يجعل أطرافها وجوانبها لبعض الملائكة، فتفتح أبواب السماء فتنزل الملائكة الذين كان مسكنهم عندها إلى الأرض، كما قال -  -: ﴿ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً  ﴾ ويبقى الملائكة الذين كان مسكنهم في أرجائها ينتظرون أمر ربهم.

ثم الملك ليس يحتاج إلى مكان يقر فيه وإن جعلت السماء مسكناً لهم؛ لأن الملائكة ينزلون من السماء إلى الأرض، ويقرون على الهواء من غير أن يكون [في الهواء مقر].

والثالث: يبين أنها لا تتفرق كل التفرق، ولكن وسطها ينشق لما ذكرنا، والباقي بحاله.

ويحتمل: ﴿ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ ﴾ على ما يمرّ به في السماء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ فيحتمل أن يكون الملائكة في النفخة الأولى يصعقون إلا الثمانية الذين يحملون العرش كما قال: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ ، فيكون هؤلاء الثمانية من الذين استثنوا؛ فلا يصعقون؛ فهم يحملون العرش؛ فتكون أمكنتهم على أرجاء السماوات، وهو قوله: ﴿ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَمَانِيَةٌ ﴾ جائز أن يكون أراد به ثمانية أملاك.

وجائز أن [يكون أراد به] ثمانية أصناف من الملائكة، كما ذكر في التفسير.

وجائز أن يكون هؤلاء الثمانية يهلكون ثم يحيون قبل أن يحيا سائر الخلق، فيحملون عرش ربنا على أكتافهم، فإذا بعث الله -  - الخلائق رأوا العرش على أكتافهم، والعرش هو سرير الملك.

وجائز أن يكون ذلك من نور، كما ذكر في الخبر: "أن عين الشمس إذا أرادت أن تطلع فإن جبريل -  - يأتي العرش، فيأخذ كفّاً من ضيائه، ثم يلبس الشمس كما يلبس أحدكم قميصه، وإذا أراد القمر أن يطلع أخذ جبريل -  - كفّاً من نور العرش، فيلبس القمر كما يلبس أحدكم قميصه"، فجائز أن يكون العرش من الضياء والنور.

ثم أجل الأشياء وأعظمها في أعين الخلق الضياء والنور، وإليهما ينتهي الرغب؛ فيكون في ذكر العرش ذكر عظيم عرش الرب وملكه  .

ثم إن كل ملك في الشاهد يتخذ لنفسه عرشاً، يتفاوت ذلك على مقدار ملكهم وسلطانهم لا ليجعل ذلك مسكناً لنفسه، فإذا لم يتوهم من الخلق أنهم يتخذون ذلك لمقاعدهم ومجالسهم فلأن لا يتوهم ذلك من الله أولى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ \[أي: تعرضون على أعمالكم فلا تخفى عليكم خافية\]، أي: يظهر لكم في ذلك اليوم، ويصير بارزاً في ذلك اليوم، كما قال -  -: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ  ﴾ أي: تظهر لهم سرائرهم حتى يعرفوها، ولا يخفى عليهم شيء منها.

وجائز أن [يكون قوله]: ﴿ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ أي: على الله -  - ولكن كل من ادعى إخفاء شيء من أمره على الله -  - وظن أن الله -  - لا يطلع عليه، فسيعلم في ذلك اليوم أنه لا تخفى عليه خافية، وهو كقوله -  - ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ ليس فيه أن الملك كان لغيره، ولكن بعض الناس كانوا يدعون الإشراك في الملك في الدنيا، فيتركون في ذلك اليوم دعواهم، ويتيقنون أنه هو المنفرد بالملك، وعلى ذلك قوله -  - ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ ولم يكونوا بمختفين عنه قبل ذلك؛ بل كانوا له في [كل] وقت بارزين، ولكن من أنكر ادعاء الإخفاء في الدنيا يدع في ذلك اليوم، ويقر بالبروز، والله المستعان.

ثم روي في الخبر "أن العرضات ثلاث: عرضتان فيهما خصومات ومعاذير" ؛ أي: يختصمون ويتنازعون، فإذا ظهر ذلك جعلوا يعتذرون، ويسألون ربهم العفو والصفح عن ذنوبهم وخصومهم، و "العرضة الثالثة عند تطاير الصحف".

ومعنى قوله: ﴿ تُعْرَضُونَ ﴾ أي: يعرض الخلق بعضهم على بعض حتى لا يخفى على أحد خصمه.

أو تعرض أعمالهم حتى يذكر كل أحد صنيعه، وكل خصم خصومته؛ فكأنهم قد نسوا ذلك من كثرة الفزع وشدة الأهوال، لكن الله -  - يطلعهم على ذلك حتى يذكروا ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

في ذلك اليوم تُعْرَضون -أيها الناس- على الله، لا تخفى على الله منكم خافية أيًّا كانت، بل الله عليم بها مطّلع عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.1Jvdp"

مزيد من التفاسير لسورة الحاقة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله