الآية ٢١ من سورة الحاقة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 69 الحاقة > الآية ٢١ من سورة الحاقة

فَهُوَ فِى عِيشَةٍۢ رَّاضِيَةٍۢ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة الحاقة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة الحاقة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله : ( فهو في عيشة راضية ) أي : مرضية ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) يقول تعالى ذكره: فالذي وصفت أمره، وهو الذي أوتي كتابه بيمينه، في عيشة مرضية، أو عيشة فيها الرضا، فوصفت العيشة بالرضا وهي مرضية، لأن ذلك مدح للعيشة، والعرب تفعل ذلك في المدح والذّم فتقول: هذا ليل نائم، وسرّ كاتم، وماء دافق، فيوجهون الفعل إليه، وهو في الأصل مقول لما يراد من المدح أو الذّم، ومن قال ذلك لم يجز له أن يقول للضارب مضروب، ولا للمضروب ضارب، لأنه لا مدح فيه ولا ذمّ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فهو في عيشة راضية أي في عيش يرضاه لا مكروه فيه .

وقال أبو عبيدة والفراء : راضية أي مرضية ; كقولك : ماء دافق ; أي مدفوق .

وقيل : ذات رضا ; أي يرضى بها صاحبها .

مثل لابن وتامر ; أي صاحب اللبن والتمر .

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنهم يعيشون فلا يموتون أبدا ويصحون فلا يمرضون أبدا ، وينعمون فلا يرون بؤسا أبدا ، ويشبون فلا يهرمون أبدا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } أي: جامعة لما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وقد رضوها ولم يختاروا عليها غيرها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فهو في عيشة ) حالة من العيش ( راضية ) مرضية كقوله : " ماء دافق " ( الطارق - 6 ) يريد : يرضاها بأن لقي الثواب وأمن العقاب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فهو في عيشة راضية» مرضية.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأمَّا من أُعطي كتاب أعماله بيمينه، فيقول ابتهاجًا وسرورًا: خذوا اقرؤوا كتابي، إني أيقنت في الدنيا بأني سألقى جزائي يوم القيامة، فأعددت له العدة من الإيمان والعمل الصالح، فهو في عيشة هنيئة مرضية، في جنة مرتفعة المكان والدرجات، ثمارها قريبة يتناولها القائم والقاعد والمضطجع.

يقال لهم: كلوا أكلا واشربوا شربًا بعيدًا عن كل أذى، سالمين من كل مكروه؛ بسبب ما قدَّمتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) أى : هذا الذى أوتى كتابه بيمينه ، يكون - أيضا - فى جنة مرتفعة على غيرها ، وهذا لون من مزاياها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: وصف العيشة بأنها راضية فيه وجهان الأول: المعنى أنها منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل، والنسبة نسبتان نسبة بالحروف ونسبة بالصيغة والثاني: أنه جعل الرضا للعيشة مجازأ مع أنه صاحب العيشة.

المسألة الثانية: ذكروا في حد الثواب أنه لابد وأن يكون منفعة، ولا بد وأن تكون خالصة عن الشوائب، ولا بد وأن تتكون دائمة ولا بد وأن تكون مقرونة بالتعظيم، فالمعنى إنما يكون مرضياً به من جميع الجهات لو كان مشتملاً على هذه الصفات فقوله: ﴿ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ كلمة حاوية لمجموع هذه الشرائط التي ذكرناها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَأَمَّا ﴾ تفصيل للعرض: ها: صوت يصوّت به فيفهم منه معنى (خذ) كأفّ وحس، وما أشبه ذلك.

و ﴿ كتابيه ﴾ منصوب بهاؤم عند الكوفيين، وعند البصريين باقرؤا، لأنه أقرب العاملين.

وأصله: هاؤم كتابي اقرؤا كتابي، فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه.

ونظيره ﴿ اتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ [الكهف: 96] ، قالوا: ولو كان العامل الأوّل لقيل: اقرؤه وأفرغه، والهاء في ﴿ كتابيه ﴾ للسكت، وكذلك في ﴿ حِسَابِيَهْ ﴾ و ﴿ مَالِيَهْ ﴾ و ﴿ سلطانيه ﴾ وحق هذه الهآت أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، وقد استحب إيثار الوقف إيثاراً لثباتها في المصحف.

وقيل: لا بأس بالوصل والإسقاط.

وقرأ ابن محيصن بإسكان الياء بغير هاء.

وقرأ جماعة بإثبات الهاء في الوصل والوقف جميعاً لاتباع المصحف ﴿ ظَنَنتُ ﴾ علمت.

وإنما أجري الظن مجرى العلم، لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات والأحكام.

ويقال: أظن ظناً كاليقين أنّ الأمر كيت وكيت ﴿ رَّاضِيَةٍ ﴾ منسوبة إلى الرضا؛ كالدارع والنابل.

والنسبة نسبتان: نسبة بالحرف، ونسبة بالصيغة.

أو جعل الفعل لها مجازاً وهو لصاحبها ﴿ عَالِيَةٍ ﴾ مرتفعة المكان في السماء.

أو رفيعة الدرجات.

أو رفيعة المباني والقصور والأشجار ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ ينالها القاعد والنائم.

يقال لهم ﴿ كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً ﴾ أكلا وشرباً هنيئاً.

أو هنيتم هنيئاً على المصدر ﴿ بِمَا أَسْلَفْتُمْ ﴾ بما قدمتم من الأعمال الصالحة ﴿ فِى الأيام الخالية ﴾ الماضية من أيام الدنيا.

وعن مجاهد: أيام الصيام، أي: كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله.

وروى يقول الله عز وجل: يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة؛ وغارت أعينكم، وخمصت بطونكم، فكونوا اليوم في نعيمكم، وكلوا وأشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ ذاتِ رِضًا عَلى النِّسْبَةِ بِالصِّيغَةِ.

أوْ جَعَلَ الفِعْلَ لَها مَجازًا وذَلِكَ لِكَوْنِها صافِيَةً عَنِ الشَّوائِبِ دائِمَةً مَقْرُونَةً بِالتَّعْظِيمِ.

﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ مُرْتَفِعَةِ المَكانِ لِأنَّها في السَّماءِ، أوِ الدَّرَجاتِ أوِ الأبْنِيَةِ والأشْجارِ.

﴿ قُطُوفُها ﴾ جَمْعُ قِطْفٍ وهو ما يُجْتَنى بِسُرْعَةٍ والقَطْفُ بِالفَتْحِ المَصْدَرُ.

﴿ دانِيَةٌ ﴾ يَتَناوَلُها القاعِدُ.

﴿ كُلُوا واشْرَبُوا ﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ وجَمْعِ الضَّمِيرِ لِلْمَعْنى.

﴿ هَنِيئًا ﴾ أكْلًا وشُرْبًا هَنِيئًا أوْ هَنِئْتُمْ هَنِيئًا.

﴿ بِما أسْلَفْتُمْ ﴾ بِما قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

﴿ فِي الأيّامِ الخالِيَةِ ﴾ الماضِيَةِ مِن أيّامِ الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فهو في عيشة راضية} ذات رضا بها صاحبها كلابن

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ أيْ مَرْضِيَّةٍ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ أيْ ذاتِ رِضًى عَلى أنَّهُ مِن بابِ النِّسْبَةِ بِالصِّيغَةِ كَلابِنٍ وتامِرٍ، ومَعْنى ذاتِ رِضًى مُلْتَبِسَةً بِالرِّضا فَيَكُونُ بِمَعْنى مَرَضِيَّةٍ أيْضًا وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ ما أُرِيدَ بِهِ النِّسْبَةُ لا يُؤَنَّثُ كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ وهو هُنا مُؤَنَّثٌ فَلا يَصِحُّ هَذا التَّأْوِيلُ إلّا أنْ يُقالَ التّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ وفِيهِ بَحْثٌ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الحَقُّ أنَّ مُرادَهم أنَّ ما قُصِدَ بِهِ النِّسْبَةُ لا يَلْزَمُ تَأْنِيثُهُ وإنْ جاءَ فِيهِ عَلى خِلافِ الأصْلِ الغالِبِ أحْيانًا والمَشْهُورُ حَمْلُ ما ذُكِرَ عَلى أنَّهُ مَجازٌ في الإسْنادِ والأصْلُ في عِيشَةٍ راضٍ صاحِبُها فَأسْنَدَ الرِّضا إلَيْها لِجَعْلِها لِخُلُوصِها دائِمًا عَنِ الشَّوائِبِ كَأنَّها نَفْسَها راضِيَةٌ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ كَما فُصِّلَ في مُطَوَّلِ كُتُبِ المَعانِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ أي: تساقون إلى الحساب والقصاص وقراءة الكتب ويقال: تُعْرَضُونَ على الله تعالى، كقوله: عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا [الكهف: 48] ثم قال: لاَ تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ يعني: لا يخفى على الله منكم ولا من أعمالكم شيء.

قرأ حمزة، والكسائي لاَ يخفى، والباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأن لفظ خافية مؤنث.

ومن قرأ بالياء، انصرف إلى المعنى يعني: لا يخفى منكم خاف، والهاء ألحقت للمبالغة.

ثم قال عز وجل: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ يعني: كتابه الذي عمله، فرأى فيه الحسنات فسر بذلك، فَيَقُولُ لأصحابه: هاؤُمُ يعني: تعالوا اقْرَؤُا كِتابِيَهْ.

قال القتبي: هاؤُمُ في اللغة بمنزلة خذ وتناول ويقال للاثنين: هاؤما، وللجماعة هاؤموا.

والأصل هاكم، فحذفوا الكاف وأبدلوها همزة.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: بلغني أنهم يعرضون ثلاث عرضات.

فأما عرضتان، فهما الخصومات والمعاذير.

وأما الثالثة، فتطاير الصحف في الأيدي.

وروى عبد الله بن مسعود نحو هذا.

ثم قال: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ يعني: أيقنت وعلمت أني أحاسب.

قال الله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ يعني: في عيش مرضي، فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ يعني: مرتفعة.

قُطُوفُها دانِيَةٌ يعني: اجتناء ثمارها قريب، يعني: شجرها قريب يتناوله القائم والقاعد، فيقال لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً يعني: كلوا من ثمار الجنة واشربوا من شرابها هنيئا يعني: طيباً بلا داء، ويقال: حلال لا إثم فيه.

بِما أَسْلَفْتُمْ يعني: بما عملتم وقدمتم فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ يعني: في الدنيا.

ويقال: بما عملتم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية، يعني: في الدنيا.

وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ روي عن ابن عباس أنه قال: الآية الأولى نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد، وهذه الآية في الأسود بن عبد الأسد، ويقال: في جميع المؤمنين وفي جميع الكفار.

فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ يعني: لم أعط كتابيه، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ يعني: لم أعلم ما حسابي.

قوله تعالى: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ، يا ليتني تركت على الموتة الأولى بين النفختين، ويقال: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ يعني: المنية.

قال مقاتل: يتمنى الموت.

مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ يعني: ما أرى ينفعني مالي الذي جمعت في الدنيا.

هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ يعني: بطل عني عذرِي وحجتي.

يقول الله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ يعني: بالأغلال الثّقال.

ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ يعني: أدخلوه.

ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ يعني: أدخلوه في تلك السلسلة.

إِنَّهُ كانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ يعني: لا يصدق بالله العظيم.

وَلا يَحُضُّ يعني: لا يحث نفسه ولا غيره عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ يعني: لا يطعم المسكين في الدنيا.

فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ يعني: قريب يمنع منه شيئاً، يعني: أحداً يمنع من العذاب.

وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ يعني: ليس له فيها طعام إلا من غسلين.

وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: لا أدري ما الغسلين.

وروي عنه أنه قال: الغسلين: ما يسقط عن عروقهم، وذاب من أجسادهم.

وقال القتبي: هو فعلين من غسلت فكأنه غسالة.

لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ يعني: المشركين.

وروى عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلاً قرأ عنده: لاَّ يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ وقال ابن عباس: كلنا نخطئ، ولكن لاَّ يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ يعني: العاصين الكافرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حَفِظْتَه، انتهى، ثم/ ذَكَّر تعالى بأمر القيامةِ، وقرأ الجمهور «١» : «وَحُمِلَتْ» بتخفيفِ الميمِ بمعنى: حَمَلَتْهَا الريح أو القدرة، وفَدُكَّتا معناه سُوِّيَ جميعُها، وانشقاقُ السماءِ هو تَفَطُّرُهَا وتميُّزُ بعضِها من بعضٍ، وذلك هو الوَهْيُ الذي ينالُها، كما يقال في الجدرات الباليةِ المتشققةِ واهيةٌ، والملَكُ اسْمُ الجنسِ يريدُ به الملائكةَ، وقال جمهور من المفسرين:

الضميرُ في أَرْجائِها عائدٌ على السَّمَاءِ أي: الملائِكَة على نواحيها، والرجاء الجَانِبُ مِنْ البئر أو الحائط ونحوه، وقال الضحاكُ وابنُ جبير وغيرهما: الضميرُ في: أَرْجائِها عائدٌ عَلى الأرْضِ «٢» ، وإنْ كان لم يتقدم لها ذكرٌ قريبٌ لأنَّ القصةَ واللفظَ يَقْتَضِي إفهَام ذلك، وفَسَّرُوا هذه الآيةَ بما رُوِيَ من أن اللَّه تعالى يأمر ملائِكَةَ سَمَاءِ الدنيا، فيقفونَ صَفًّا على حَافَّاتِ الأرضِ، ثم يأمرُ ملائكة السماءِ الثانية فَيَصُفُّونَ خلفَهم، ثم كذلك ملائكةُ كُلّ سماءٍ، فكلما نَدَّ أحدٌ من الجنِ أو الإنسِ، وَجَدَ الأرضَ قد أُحِيطَ بها، قالوا: فهذا تفسير هذه الآية وهو أيضاً معنى قوله: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] وهو تفسير: «يَوْمَ التناد يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ» [غافر: ٣٢- ٣٣] على قراءةِ من شَدَّدَ الدال، وهو تفسيرُ قوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ...

[الرحمن: ٣٣] الآية، واختلفَ الناسُ في الثمانيةِ الحاملينَ للعرشِ، فقال ابن عباس: هي ثمانيةُ صفوفٍ مِنَ الملائكة لا يَعْلَم أَحَدٌ عِدَّتَهم «٣» ، وقال ابن زيدِ: هُمْ ثمانيةُ أمْلاَكٍ على هيئةِ الوُعُولِ «٤» ، وقال جماعة من المفسرين: هم على هيئة الناسِ أرجلُهم تَحْتَ الأرْضِ السابعةِ، ورؤوسهم وكواهلهم فَوْقَ السماءِ السابعةِ، قال الغَزَّالِيُّ في «الدرة الفاخرة» : هم ثمانيةُ أمْلاَكٍ قَدَمُ المَلَكِ منهم مسيرةُ عشرينَ ألْفَ سنةٍ، انتهى، والضميرُ في قوله: فَوْقَهُمْ قيل: هو للملائكَةِ/ الحَمَلَةِ، وقيل: للعالم كلّه.

يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢)

وقوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ خطابٌ لجميعِ العَالَمِ، وفي الحديثِ الصحيحِ:

«يُعْرَضُ النَّاسُ ثَلاَثَ عَرْضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ، فَعِنْدَهَا تَتَطَايَرُ الصُّحُفُ في الأَيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمَالِهِ» «١» ، قال الغَزَّالِيُّ: يَجِبُ على كُلِّ مُسْلِمٍ البِدَارُ، إلى مُحَاسَبَةِ نفسِه كما قال عمرُ- رضي اللَّه عنه-: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا «٢» ، وإنَّمَا حِسَابُهُ لِنَفْسِهِ، أَنْ يَتُوبَ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ قَبْلَ المَوْتِ تَوْبَةً نَصُوحاً، وَيَتَدَارَكَ مَا فَرَّطَ فِيهِ مِنْ تَقْصِيرٍ في فَرَائِضِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- ويردَّ المظالمَ حَبَّةً حَبَّةً، ويستحلَّ كلَّ مَنْ تَعَرَّضَ له بلسانِه ويدِه، وسوء ظِنّه بقلبِه، ويُطَيِّبَ قلوبَهم حتى يموتَ، ولم يَبْقَ عليه فريضة ولا مظلمة، فهذا يدخل بغيرِ حِسَابٍ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى، انتهى من آخِر «الإحياء» ، ونَقَلَ القرطبيُّ في «تذكرَتِه» هذه الألفاظَ بعينها.

وقوله: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ معناه تَعَالُوا، وقَوْله: اقْرَؤُا كِتابِيَهْ هُو استبشارٌ وسرورٌ- ص-: هاؤُمُ «ها» بمعنَى خُذْ، قَالَ الكسائي: والعربُ تقول: هَاءِ يَا رَجُلُ، وللاثنين رجلين أو امرأتين: هَاؤُمَا، وللرجال: هَاؤُمْ، وللمرأَةِ: هَاءِ بهمزة مكسورة من غير ياء، وللنساء: هَاؤُنَّ، وزعم القُتَبِيُّ أَنَّ الهمزةَ بَدَلٌ من الكافِ، وهو ضعيفٌ، إلا أنْ يعني أنها تحلُّ محلَّها في لغةِ مَنْ قال: هَاكَ وهَاكِ، وهَاكُمَا وهَاكُمْ وَهَاكُنَّ، فذلكَ مُمْكِنٌ، لا أَنَّه بَدَلٌ صناعيٌّ لأَنّ الكافَ/ لاَ تُبْدَلُ من الهمزةِ ولا الهمزةُ منها.

انتهى.

وقوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ عبارةٌ عن إيمانه بالبعث وغيره، وظَنَنْتُ هنا واقَعةٌ موقع: تَيَقَّنْتُ، وهي في مُتَيَقَّنٍ لم يقعْ بَعْدُ ولا خرج إلى الحسِّ، وهذا هُو باب الظنِّ الذي يوقع موقعَ اليقين، وراضِيَةٍ بمعنى مَرْضِيَّة، والقُطُوفُ: جمع قَطْفٍ وهو ما يُجْتَنَى من الثمارِ، ويقطفُ، ودنوُّها هُوَ أَنهَا تأتي طوع التّمنّي فيأكلها القائم والقاعد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: الأخِيرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

﴿ وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ ﴾ أيْ: حُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ وما فِيها ﴿ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ﴾ أيْ: كُسِرَتا، ودُقَّتا دَقَّةً واحِدَةً، لا يُثَنّى عَلَيْها حَتّى تَسْتَوِيَ بِما عَلَيْها مِن شَيْءٍ، فَتَصِيرَ كالأدِيمِ المَمْدُودِ.

وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الأعْرافِ] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا  ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: فَدُكَّتا، ولَمْ يَقُلْ: فَدُكِكْنَ، لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كالشَّيْءِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا  ﴾ ، وأنْشَدُوا: هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا أنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ: إذا ولَدَتْ، أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ ﴿ وانْشَقَّتِ السَّماءُ ﴾ لِنُزُولِ مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ وهْيَها: ضَعْفُها وتَمَزُّقُها مِنَ الخَوْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ تَشَقُّقُها، قالَهُ الفَرّاءُ ﴿ والمَلَكُ ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ، فَهو اسْمُ جِنْسٍ ﴿ عَلى أرْجائِها ﴾ أيْ: عَلى جَوانِبِها.

قالَ الزَّجّاجُ: ورَجاءُ كُلِّ شَيْءٍ: ناحِيَتُهُ، مَقْصُورٌ.

والتَّثْنِيَةُ: رَجَوانِ، والجَمْعُ: أرْجاءٌ.

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْها السَّماءُ.

قالَ الضَّحّاكُ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ كانَتِ المَلائِكَةُ عَلى حافَّتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، فَيُحِيطُونَ بِها، ومَن عَلَيْها.

ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: عَلى أرْجاءِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، أيِ: العَرْشُ عَلى رُؤُوسِ الحَمَلَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: فَوْقَ الَّذِينَ عَلى أرْجائِها، أيْ: أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها.

والثّالِثُ: أنَّهم فَوْقَ أهْلِ القِيامَةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ "يَوْمَئِذٍ" أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ "ثَمانِيَةٌ" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ.

وجاءَ في الحَدِيثِ «أنَّهُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمُدَّهُمُ اللَّهُ بِأرْبَعَةِ أمْلاكٍ آخَرِينَ،» هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِنَ الكَرُوبِيِّينَ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في "سُنَنِهِ" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ، أنَّ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عامٍ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ عَلى اللَّهِ لِحِسابِكم (لا تَخْفى) عَلَيْهِ.

قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَخْفى" بِالياءِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ.

والمَعْنى: لا يَخْفى عَلَيْهِ (مِنكم خافِيَةٌ) أيْ: نَفْسٌ خافِيَةٌ، أوْ فَعْلَةٌ خافِيَةٌ.

وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ « "يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ، ومَعاذِيرُ وأمّا الثّالِثَةُ، فَعِنْدَها تَتَطايَرُ الصُّحُفُ في الأيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمالِهِ،» وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ: حاسِبُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا، وزِنُوها قَبْلَ أنْ تُوزَنُوا، وتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأكْبَرِ، يَوْمَئِذٍ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ.

﴿ فَيَقُولُ هاؤُمُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "هاؤُمُ" أمْرٌ مِنَ الجَماعَةِ.

بِمَنزِلَةِ هاكم.

تَقُولُ لِلْواحِدِ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ: هاؤُما يا رَجُلانِ.

ولِلثَّلاثَةِ: هاؤُمُ يا رِجالٌ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما يَقُولُ هَذا ثِقَةً بِسَلامَتِهِ وسُرُورًا بِنَجاتِهِ.

وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ ﴾ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا "أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ" أيْ: أُبْعَثُ، وأُحاسَبُ في الآخِرَةِ ﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ ﴾ أيْ: حالَةٍ مِنَ العَيْشِ ﴿ راضِيَةٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: فِيها الرِّضى.

وَقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ رِضًى يَرْضاها مَن يَعِيشُ فِيها.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها مَجازُ مَرَضِيَّةٍ ﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ أيْ: عالِيَةِ المَنازِلِ ﴿ قُطُوفُها ﴾ أيْ: ثِمارُها ﴿ دانِيَةٌ ﴾ أيْ: قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلُها، وهي جَمْعُ قِطْفٍ.

والقِطْفُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ.

قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: يَتَناوَلُ الثَّمَرَةَ وهو نائِمٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُوا ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿ واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ ﴾ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في ﴿ الأيّامِ الخالِيَةِ ﴾ الماضِيَةِ، وهي أيّامُ الدُّنْيا.

﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بِبَدْرٍ، وهو أخُو أبِي سَلَمَةَ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ﴾ وذَلِكَ لِما يَرى فِيهِ مِنَ القَبائِحِ ﴿ وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ لِأنَّهُ لا حاصِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، إنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ.

وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ، يَحْذِفُونَ الهاءَ مِن "كِتابِيَهْ" و"حِسابِيَهْ" في الوَصْلِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والوَجْهُ أنْ يُوقَفَ عَلى هَذِهِ الهاآتِ، ولا تُوصَلَ، لِأنَّها أُدْخِلَتْ لِلْوَقْفِ.

وقَدْ حَذَفَها قَوْمٌ في الوَصْلِ، ولا أُحِبُّ مُخالَفَةَ المُصْحَفِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَها ﴾ يَعْنِي: المَوْتَةَ الَّتِي ماتَها في الدُّنْيا ﴿ كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ أيِ: القاطِعَةَ لِلْحَياةِ، فَكَأنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ، وأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ لِلْحِسابِ ﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: زالَ عَنِّي مُلْكِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ ﴾ أيْ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ أيِ: اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ ﴿ ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ النّارَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اجْعَلُوهُ يَصْلى النّارَ ﴿ ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ﴾ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ ﴿ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِذِراعِ المَلِكِ.

وقالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، الباعُ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ.

وقالَ سُفْيانُ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ ذِراعًا.

وقالَ مُقاتِلٌ: ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا بِالذِّراعِ الأوَّلِ.

ويُقالُ: إنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْلُكُوهُ ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ.

قالَ الفَرّاءُ: وذُكِرَ أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِ الكافِرِ فَتَخْرُجُ مِن رَأْسِهِ، فَذَلِكَ سَلْكُهُ فِيها.

والمَعْنى: ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ، وأدْخَلْتُها في رَأْسِي.

ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في يَدِي، وإنَّما اليَدُ تَدْخُلُ في الخاتَمِ، وإنَّما اسْتَجازُوا ذَلِكَ، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْرُوفٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُ بِوَحْدانِيَّتِهِ وعَظَمَتِهِ ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ أيْ: لا يُطْعِمُهُ، ولا يَأْمُرُ بِإطْعامِهِ ﴿ فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ، أيْ: يَشْفَعُ لَهُ ﴿ وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: إذا سالَ القَيْحُ، والدَّمُ بادَرُوا أكْلَهُ قَبْلَ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ.

والثّانِي: شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: .

والثّالِثُ: أنَّهُ غُسالَةُ أجْوافِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو "فِعْلِينٌ" مِن "غَسَلْتُ" كَأنَّهُ غُسالَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الخاطِئُونَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ ﴾ ﴿ فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ ﴾ ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ﴾ ﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ ﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ ﴿ قُطُوفُها دانِيَةٌ ﴾ ﴿ كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ ﴾ ﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ﴾ ﴿ وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ ﴿ يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ ﴿ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ ﴾ ﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾ الخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى:"تُعْرَضُونَ" لِجَمِيعِ العالِمِ، ورُوِيَ عن أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ في القِيامَةِ عُرْضَتَيْنِ، فِيهِما مَعاذِيرُ، وتَوْقِيفٌ، وخُصُوماتٌ، وجِدالٌ، ثُمَّ تَكُونُ عُرْضَةً ثالِثَةً تَتَطايَرُ فِيها الصُحُفُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لا يَخْفى" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةِ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ عَلى مُراعاةِ تَأْنِيثِ "خافِيَةٌ"، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "خافِيَةٌ" مَعْناهُ: ضَمِيرٌ ولا مُعْتَقَدٌ.

"والَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ" هُمُ المُخَلَّدُونَ في الجَنَّةِ أهْلِ الإيمانِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العَقْلِ والعِلْمِ في الفِرْقَةِ الَّتِي يَنْفُذُ فِيها الوَعِيدُ مِن أهْلِ المَعاصِي، مَتى تَأْخُذُ كُتُبَها؟

فَقالَ بَعْضُهُمْ: الأظْهَرُ أنَّها تَأْخُذُها مَعَ الناسِ، وذَلِكَ يُؤْنِسُها مُدَّةَ العَذابِ، قالَ الحَسَنُ: فَإذا أُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ لَمْ يَقْرَأْهُ حَتّى يَأْذَنَ اللهُ لَهُ، فَإذا أذِنَ لَهُ قالَ: ﴿ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ ﴾ ، وقالَ آخَرُونَ: الأظْهَرُ أنَّهُ إذا أُخْرِجُوا مِنَ النارِ، والإيمانُ يُؤْنِسُهم فى وقْتِ العَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا هو ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ مَن يَسِيرُ إلى النارِ كَيْفَ يَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ؟

وأمّا "هاؤُمُ" فَقالَ قَوْمٌ: أصْلُهُ "هاؤُمُوا" ثُمَّ نَقَلَهُ التَخْفِيفُ والِاسْتِعْمالُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ المِيمُ ضَمِيرُ الجَماعَةِ.

وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، والمَعْنى عَلى كُلِّ وجْهٍ: تَعالَوْا، فَهو اسْتِدْعاءٌ لِلْفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وقَوْلُهُ: "اقْرَءُوا كِتابِيَهْ" هو اسْتِبْشارٌ وسُرُورٌ.

وقَوْلُهُ: "إنّى ظَنَنْتُ" الآيَةُ، عِبارَةٌ عن إيمانِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: ظَنَّ هَذا ظَنًّا يَقِينًا فَنَفَعَهُ، وقَوْمٌ ظَنُّوا ظَنَّ شَكِّ فَشَقُّوا بِهِ، و"ظَنَنْتُ" هُنا واقِعَةٌ مَوْقِعَ "تَيَقَّنْتُ"، وهي في مُتَيَقِّنٍ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ ولا خَرَجَ إلى الحِسِّ، وهَذا هو بابُ الظَنِّ الَّذِي يُوقِعُ مَوْقِعَ اليَقِينِ، وَقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "كِتابِيَهْ" و"حِسابِيَهْ" و"مالِيَهْ" و"سُلْطانِيَهْ" بِالهاءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ اقْتِداءً بِخَطِّ المُصْحَفِ، وهي في الوَصْلِ بِنِيَّةِ الوُقُوفِ لِأنَّها هاءُ السَكْتِ فَلا مَعْنى لَها في الوَصْلِ، وطَرَحَ الهاءاتِ في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَتُنا إثْباتُ الهاءاتِ في الوَقْفِ وطَرْحُها في الوَصْلِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي مُحَيْصِنٍ، وسَلامٌ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: إثْباتُ الهاءِ في الوَصْلِ لَحْنٌ لا يَجُوزُ عنهُ أحَدٌ عَلِمْتُهُ.

و"راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، فَهو بِمَعْنى مَرَضِيَّةٍ، ولَيْسَتْ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، و"عالِيَةٍ" مَعْناهُ: في المَكانِ والقَدَرِ وجَمِيعِ وُجُوهِ العُلُوِّ.

و"القُطُوفُ" جَمْعُ قَطْفٍ، وهو ما يُجْتَنى مِنَ الثِمارِ ويُقْطَفُ، ودُنُوُّها هو أنَّها تَأْتِي طَوْعَ التَمَنِّي فَيَأْكُلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ بِفِيهِ مِن شَجَرَتِها.

و"أسْلَفْتُمْ" مَعْناهُ: قَدَّمْتُمْ، و"الأيّامُ الخالِيَةُ" هي أيّامُ الدُنْيا لِأنَّها في الآخِرَةِ قَدْ خَلَتْ وذَهَبَتْ، وقالَ وكِيعٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رَفِيعٍ: المُرادُ: بِما أسْلَفْتُمْ مِنَ الصَوْمِ.

وعُمُومُها في كُلِّ الأعْمالِ أولى وأحْسَنُ.

و"الَّذِينَ يُؤْتُونَ كِتابَهم بِشَمائِلِهِمْ" هُمُ المُخَلَّدُونَ في النارِ أهْلُ الكُفْرِ، فَيَتَمَنَّوْنَ أنْ لَوْ كانُوا مَعْدُومِينَ لا يَجْرِي عَلَيْهِمْ شَيْءٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَوْتَةِ الدُنْيا، أيْ لَيْتَها لَمْ يَكُنْ بَعْدَها رُجُوعٌ ولا حَياةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الِاسْتِفْهامَ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ لِنَفْسِهِ والتَوْبِيخِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ النَفْيَ المَحْضَ، و"السُلْطانُ" في الآيَةِ: الحُجَّةُ، عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ، قالَ بَعْضُهم -وَنَحا إلَيْهِ ابْنُ زَيْدٍ -: تنْطِقُ بِذَلِكَ مُلُوكُ الدُنْيا الكَفَرَةُ.

والظاهِرَةُ عِنْدِي أنَّ سُلْطانَ كُلِّ أحَدٍ حالُهُ في الدُنْيا مِن عَدَدٍ وعُدَدٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "لا يُؤَمَّنُ الرَجُلُ في سُلْطانِهِ، ولا يَجْلِسُ عَلى تَكْرِمَتِهِ إلّا بِإذْنِهِ".» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء تفصيل لما يتضمنه ﴿ تُعرضون ﴾ [الحاقة: 18] إذ العرض عرض للحساب والجزاء فإيتاء الكتاب هو إيقاف كل واحد على صحيفة أعمال.

و(أمَّا) حرف تفصيل وشرطٍ وهو يفيد مفاد (مَهْمَا يكن من شيء)، والمعنى: مهما يكن عَرْض ﴿ مَن أوتي كتابه بيمينه...

فهو في عيشة راضية ﴾ ، وشأن الفاء الرَّابطة لجوابها أن يفصل بينها وبين (أما) بجُزء من جملة الجواب أو بشيء من متعلقات الجواب مهتَم به لأنهم لما التزموا حذف فعل الشرط لاندماجه في مدلول (أما) كرهوا اتصال فاء الجواب بأداة الشرط ففصلوا بينهما بفاصل تحسيناً لصورة الكلام، فقوله: ﴿ من أوتي كتابه بيمينه ﴾ أصله صدر جملة الجواب، وهو مبتدأ خبره ﴿ فيَقول هاؤم اقرأوا كتابيه ﴾ كما سيأتي.

ودل قوله: ﴿ فأما من أوتي كتابه بيمينه ﴾ على كلام محذوف للإِيجاز تقديره فيؤتى كلُّ أحد كتابَ أعماله، فأما من أوتي كتابه إلخ على طريقة قوله تعالى: ﴿ أنْ اضربْ بعصاك البحرَ فانفلق ﴾ [الشعراء: 63].

والباء في قوله: ﴿ بيمينه ﴾ للمصاحبة أو بمعنى (في).

وإيتاء الكتاب باليمين علامة على أنه إيتاء كرامة وتبشير، والعرب يذكرون التناول باليمين كناية عن الاهتمام بالمأخوذ والاعتزاز به، قال الشمَّاخ: إذا مَا رايةٌ رُفِعَتْ لمجد *** تلقّاها عَرابة باليمين وقال تعالى: ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود ﴾ الآية [الواقعة: 2728] ثم قال: ﴿ وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم ﴾ الآية [الواقعة: 4142].

وجملة ﴿ فيقول هَاؤُم اقروا كتابِيْه ﴾ جواب شرط (أمَّا) وهو مغن عن خبر المبتدأ، وهذا القوْل قول ذي بهجة وحُبور يبعثان على إطْلاع الناس على ما في كتاب أعماله من جزاء في مقام الاغتباط والفخار، ففيه كناية عن كونه من حبور ونعيم فإن المعنى الكنائي هو الغرض الأهم من ذكر العَرْض.

و ﴿ هاؤم ﴾ مركب من (هاء) ممدوداً ومقصوراً والممدود مبني على فتح الهمزة إذا تجرد عن علامات الخطاب ما عدا الموجَّه إلى امرأة فهو بكسر الهمزة دون ياء.

وإذا خوطب به أكثر من واحد التُزم مدُّه ليتأتى إلحاق علامة خطاب كالعلامة التي تلحق ضمير المخاطب وضمُّوا همزته ضمةً كضمةِ ضمير الخطاب إذ لحقتْه علامة التثنية والجمع، فيقال: هاؤُما، كما يقال: أنتما، وهاؤُمُ كما يقال: أنتم، وهاؤُنَّ كما يقال: أنتن، ومن أهل اللغة من ادعى أن ﴿ هاؤم ﴾ أصله: هَا أُمُّوا مركباً من كلمتين (هَا) وفعللِ أمر للجماعة من فعل أمَّ، إذا قصد، ثم خفف لكثرة الاستعمال، ولا يصح لأنه لم يسمع هاؤمين في خطاب جماعة النساء، وفيه لغات أخرى واستعمالات في اتصال كاف الخطاب به تقصاها الرضي في شرح «الكافية» وابن مكرم في «لسان العرب».

و ﴿ هاؤم ﴾ بتصاريفه معتبر اسم فعل أمر بمعنى: خذ، كما في «الكشاف» وبمعنى تعال، أيضاً كما في «النهاية».

والخطاب في قوله: ﴿ هاؤم اقرأوا ﴾ للصالحين من أهل المحشر.

و ﴿ كتابيَه ﴾ أصله: كتابِيَ بتحريك ياء المتكلم على أحد وجُوه في يَاء المتكلم إذا وقعت مضافاً إليها وهو تحريك أحسب أنه يقصد به إظهار إضافة المضاف إلى تلك الياء للوقوف، محافظة على حركة الياء المقصودِ اجتلابها.

و ﴿ اقرأُوا ﴾ بيان للمقصود من اسم الفعل من قوله وقد تنازع كل من هاؤُم واقرأوا } قوله: ﴿ كتابيه ﴾ .

والتقدير: هاؤم كتابيه اقرأوا كتابيه.

والهاء في كتابيه ونظائرها للسْكتتِ حين الوقف.

وحق هذه الهاء أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل.

وقد أثبتت في هذه الآية في الحالين عند جمهور القراء وكتبت في المصاحف، فعلم أنها للتعبير عن الكلام المحكي بلغة ذلك القائل بما يرادفه في الاستعمال العربي لأن الاستعمال أن يأتي القائل بهذه الهاء بالوقف على كلتا الجملتين.

ولأن هذه الكلمات وقعت فواصل والفواصل مثل الأسجاع تعتبر بحالة الوقف مثل القوافي، فلو قيل: اقرأوا كتابيَ إني ظننت أني ملاققٍ حسابيَ، سقطت فاصلتان وذلك تفريط في محسّنَيْن.

وقرأها يعقوب إذا وصلها بحذف الهاء والقراء يستحبون أن يقف عليها القارئ ليوافق مشهور رسم المصحف ولئلا يذهب حسن السجع.

وأُطلق الظن في قوله: ﴿ إني ظننت أني ملاققٍ حسابيه، ﴾ على معنى اليقين وهو أحد معنييه، وعن الضحاك: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين ومن الكافر فهو شك.

وحقيقة الظن: عِلم لم يتحقق؛ إِما لأن المعلوم به لم يقع بعدُ ولم يخرج إلى عالم الحس، وإِما لأن علم صاحبه مخلوط بشك.

وبهذا يكون إطلاق الظن على المعلوم المتيقن إطلاقاً حقيقياً.

وعلى هذا جرى الأزهري في «التهذيب» وأبو عمرو واقتصر على هذا المعنى ابن عطية.

وكلام «الكشاف» يدل على أن أصْل الظن: علم غير متيقن ولكنه قد يُجرى مُجرى العِلْم لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات والأحكام، وقال: يقال: أظن ظناً كاليقين أن الأمر كَيت وكَيت، فهو عنده إذا أطلق على اليقين كان مجازاً.

وهذا أيضاً رأي الجوهري وابن سيده والفيروزابادي، وأما قوله تعالى: ﴿ إن نظن إلاّ ظناً وما نحن بمستيقنين ﴾ [الجاثية: 32] فلا دلالة فيه لأن تنكير ﴿ وإنا لنظنك من الكاذبين ﴾ في سورة الأعراف (66) وقوله: ﴿ وظنوا أن لا ملجأ من الله إلاّ إليه ﴾ في سورة براءة (118).

والمعنى: إني علمت في الدنيا أني ألقى الحساب، أي آمنت بالبعث.

وهذا الخبر مستعمل كناية عن استعداده للحساب بتقديم الإِيمان والأعمال الصالحة مما كان سبب سعادته.

وجملة إني ظننت أني ملاق حسابيه } في موقع التعليل للفرح والبهجة التي دل عليها قوله: ﴿ هاؤم اقرأُوا كتابيهْ ﴾ وبذلك يكون حرف (إنَّ) لمجرد الاهتمام وإفادة التسبب.

وموقع ﴿ فهو في عيشة راضية ﴾ موقع التفريع على ما تقدم من إيتائه كتابه بيمينه وما كان لذلك من أثر المسرة والكرامة في المحشر، فتكون الفاء لتفريع ذكر هذه الجملة على ذكر ما قبلها.

ولك أن تجعلها بدل اشتمال من جملة ﴿ فيقول هاؤم اقرأُوا كتابيه ﴾ فإن ذلك القول اشتمل على أن قائله في نعيم كما تقدم وإعادة الفاء مع الجملة من إعادة العامل في المبدل منه مع البدل للتأكيد كقوله تعالى: ﴿ تكون لنا عيداً لأوَّلنا وآخرنا ﴾ [المائدة: 114].

والعيشة: حالة العيش وهيئته.

ووصف ﴿ عيشة ب راضية ﴾ مجاز عقلي لِملابسة العيشة حالةَ صاحبها وهو العائش ملابسة الصفةِ لموصوفها.

والراضي: هو صاحب العيشة لا العِيشة، لأن ﴿ راضية ﴾ اسم فاعل رضيَت إذا حصل لها الرضى وهو الفرح والغبطة.

والعيشة ليست راضية ولكنها لحسنها رَضي صاحبها، فوصفُها ب ﴿ راضية ﴾ من إسناد الوصف إلى غير ما هو له وهو من المبالغة لأنه يدل على شدة الرضى بسببها حتى سرى إليها، ولذلك الاعتبار أرجع السكاكي ما يسمى بالمجاز العقلي إلى الاستعارة المكنية كما ذُكر في عالم البيان.

و ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية وهي الملابسة.

وجملة ﴿ في جنة عالية ﴾ بدل اشتمال من جملة والعلوّ: الارتفاع وهو من محاسن الجنّات لأن صاحبها يشرف على جهات من متسع النظر ولأنه يبدو له كثير من محاسن جنته حين ينظر إليها من أعلاها أو وسطها مما لا يَلوح لنظره لو كانت جنته في أرض منبسطة، وذلك من زيادة البهجة والمسرة، لأن جمال المناظر من مسرات النفس ومن النعم، ووقع في شعر زهير: كأن عينيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَة *** من النواضح تسقِي جَنَّة سُحُقاً فقد قال أهل اللغة: يجوز أن يكون سُحُقاً، نعتاً للجنة بدون تقدير كما قالوا: ناقةُ عُلُط وامرأة عُطُل.

ولم يعرجوا على معنى السَّحَق فيها وهو الارتفاع لأن المرتفع بعيد، وقالوا: سَحُقت النخلة ككرم إذا طالت.

وفي القرآن ﴿ كمثَل جنة بربْوة ﴾ [البقرة: 265].

وجوزوا أن يراد أيضاً بالعلو علوّ القدر مثل فلان ذو درجة رفيعة، وبذلك كان للفظ ﴿ عالية ﴾ هنا ما ليس لقوله: ﴿ كمثل جنة بربوة ﴾ لأن المراد هنالك جنة من الدنيا.

والقُطوف: جمع قِطْف بكسر القاف وسكون الطاء، وهو الثمر، سمي بذلك لأنه يُقطف وأصله فِعل بمعنى مَفعول مثل ذِبْح.

ومعنى دُنوها: قربها من أيدي المتناولين لأن ذلك أهنأ إذ لا كلفة فيه، قال تعالى: ﴿ وذُلِّلتْ قطوفُها تذليلاً ﴾ [الإنسان: 14].

وجملة ﴿ كلوا واشربوا ﴾ إلى آخرها مقول قول محذوف وهو ومقوله في موضع صفة ل ﴿ جنة ﴾ إذ التقدير: يقال للفريق الذين يُؤتَون كتبهم بأيمانهم حين يستقرون في الجنة: ﴿ كلوا واشربوا ﴾ الخ.

ويجوز أن تكون الجملة خبراً ثانياً عن الضمير في قوله: {فهو في عيشة راضية.

وإنما أفردت ضمائر الفريق الذي أوتي كتابه بيمينه فيما تقدم ثم جاء الضمير ضمير جمع عند حكاية خطابهم لأن هذه الضمائر السابقة حُكيت معها أفعال مما يتلبس بكل فرد من الفريق عند إتمام حسابه.

وأما ضمير كلوا واشربوا} فهو خطاب لجميع الفريق بعد حلولهم في الجنة، كما يدخل الضيوف إلى المأدبة فيُحيّي كل داخل منهم بكلام يخصه فإذا استقروا أقبل عليهم مضيِّفهم بعبارات الإِكرام.

و ﴿ هنيئاً ﴾ يجوز أن يكون فعيلاً بمعنى فاعل إذا ثبت له الهناء فيكون منصوباً على النيابة عن المفعول المطلق لأنه وصفه وإسناد الهناء للأكل والشرب مجاز عقلي لأنهما متلبسان بالهناء للآكِللِ والشارب.

ويجوز أن يكون اسم فاعل من غير الثلاثي بوزن ما للثلاثي.

والتقدير: مهنّئاً، أي سبب هناء، كما قال عَمرو بن معد يكرب: أمِنْ ريْحَانَةَ الداعي السميع *** أي المسْمع، وكما وصف الله تعالى بالحكيم بمعنى الحُكم المصنوعات، ويجوز أن يكون فَعيلاً بمعنى مفعول، أي مَهْنِيئاً به.

وعلى الاحتمالات كلها فإفراد ﴿ هنيئاً ﴾ في حال أنه وصف لشيئين بناءٌ على أن فَعيلاً بمعنى فاعل لا يطابق موصوفه أو على أنه إذا كان صفة لمصدر فهو نائب عن موصوفه، والوصف بالمصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث.

و ﴿ بما أسلفتم ﴾ في موضع الحال من ضمير والباء للسببية.

ومَا صْدَقُ (ما) الموصولة هو العمل، أي الصالح.

والإِسلاف: جعل الشيء سلفاً، أي سابقاً.

والمراد أنه مقدم سابق لإِبانه لينتفع به عند الحاجة إليه، ومنه اشتق السلَف للقرض، والإِسلاف للإِقراض، والسُّلْفَة للسَّلَم.

والأيام الخالية}: الماضية البعيدة مشتق من الخلو وهو الشغور والبعد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ لِأنَّ إعْطاءَ الكِتابِ بِاليَمِينِ دَلِيلٌ عَلى النَّجاةِ.

﴿ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ ﴾ ثِقَةً بِسَلامَتِهِ وسُرُورًا بِنَجاتِهِ، لِأنَّ اليَمِينَ عِنْدَ العَرَبِ مِن دَلائِلَ الفَرَجِ، والشِّمالَ مِن دَلائِلِ الغَمِّ، قالَ الشّاعِرُ أبِينِي أفِي يُمْنى يَدَيْكِ جَعَلْتِنِي فَأفْرَحَ أمْ صَيَّرْتِنِي مِن شِمالِكِ وَفِي قَوْلِهِ ( ﴿ هاؤُمُ ﴾ ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِمَعْنى هاكُمُ اقْرَؤُوا كِتابِيَهْ فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ مِنَ الكافِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى هَلُمُّوا اقْرَؤُوا كِتابِيَهْ، قالَ الكِسائِيُّ: العَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ هاءً ولِلِاثْنَيْنِ هاؤُما ولِلثَّلاثَةِ هاؤُمُ.

الثّالِثُ: أنَّها كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِإجابَةِ الدّاعِي عِنْدَ النَّشاطِ والفَرَحِ رُوِيَ «أنَّ أعْرابِيًّا نادى رَسُولَ اللَّهِ  بِصَوْتٍ عالٍ فَأجابَهُ هاؤُمُ بِطُولِ صَوْتِهِ» .

والهاءُ مِن ( ﴿ كِتابِيَهْ ﴾ ) ونَظائِرِها مَوْضُوعَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، وذَكَرَ الضَّحّاكُ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ.

﴿ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ عَلِمْتُ، قالَ الضَّحّاكُ: كُلُّ ظَنٍّ في القُرْآنِ مِنَ المُؤْمِنِ فَهو يَقِينٌ، ومِنَ الكافِرِ فَهو شَكٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: ظَنُّ الآخِرَةِ يَقِينٌ، وظَنُّ الدُّنْيا شَكٌّ.

الثّانِي: ما قالَهُ الحَسَنُ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ بِرَبِّهِ الظَّنَّ، فَأحْسَنَ العَمَلَ، وأنَّ المُنافِقَ أساءَ بِرَبِّهِ الظَّنَّ فَأساءَ العَمَلَ.

وَفي الحِسابِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: في البَعْثِ.

الثّانِي: في الجَزاءِ.

﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ يَرْفَعانِهِ: إنَّهم يَعِيشُونَ فَلا يَمُوتُونَ أبَدًا، ويَصِحُّونَ فَلا يَمْرَضُونَ أبَدًا، ويَتَنَعَّمُونَ فَلا يَرَوْنَ بُؤْسًا أبَدًا، ويَشِبُّونَ فَلا يَهْرَمُونَ أبَدًا.

﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: رَفِيعَةُ المَكانِ.

الثّانِي: عَظِيمَةٌ في النُّفُوسِ.

﴿ قُطُوفُها دانِيَةٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: دانِيَةٌ مِنَ الأيْدِي يَتَناوَلُها القائِمُ والقاعِدُ.

الثّانِي: دانِيَةُ الإدْراكِ لا يَتَأخَّرُ حَمْلُها ولا نُضْجُها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن أبيّ بن كعب في قوله: ﴿ وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ﴾ قال: يصيران غبرة على وجوه الكفار لا على وجوه المؤمنين، وذلك قوله: ﴿ ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ﴾ [ عبس: 40] .

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ فدكتا دكة واحدة ﴾ قال: زلزلة شديدة عند النفحة الآخرة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول: ملك ينفق الخزائن والذمـ ** ـة قد دكها وكادت تبور وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري في قوله: ﴿ فدكتا دكة واحدة ﴾ قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: لمن الملك أين ملوك الأرض» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذرعن ابن جريج في قوله: ﴿ وانشقت السماء ﴾ قال: ذلك قوله: ﴿ وفتحت السماء فكانت أبواباً ﴾ [ النبأ: 19] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فهي يومئذ واهية ﴾ قال: متخرقة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ والملك على أرجائها ﴾ قال: الملائكة على أطرافها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ والملك على أرجائها ﴾ قال: الملائكة على شقها ينظرون إلى أهل الأرض، وما أتاهم من الفزع.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير والضحاك في قوله: ﴿ والملك على أرجائها ﴾ قال: على ما لم ينشق منها.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير في قوله: ﴿ والملك على أرجائها ﴾ قالوا: على حافات السماء.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والملك على أرجائها ﴾ قال: على حافاتها على ما لم يه منها.

وأخرج عبد بن حميد وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية وأبو يعلى وابن المنذر وابن خزيمة وابن مردويه والحاكم وصححه والخطيب في تالي التلخيص عن العباس بن عبد المطلب في قوله: ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ قال: ثمانية أملاك على صورة الأوعال.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ قال: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ قال: يقال ثمانية صفوف لا يعلم عدتهم إلا الله، يقال ثمانية أملاك رؤوسهم عند العرش في السماء السابعة وأقدامهم في الأرض السفلى، ولهم قرون كقرون الوعلة ما بين أصل قرن أحدهم إلى منتهاه مسيرة خمسمائة عام.

وأخرج عبد بن حميد عن الربيع ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ قال: ثمانية من الملائكة.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: لم يسم من حملة العرش إلا إسرافيل قال: وميكائيل ليس من حملة العرش.

وأخرج ابن أبي حاتم وتمام الرازي في فوائده وابن عساكر عن أبي الزاهرية قال: أنبئت أن لبنان أحد حملة العرش الثمانية يوم القيامة.

وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: لبنان أحد الثمانية تحمل العرش يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ميسرة في قوله: ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ قال: أرجلهم في التخوم ورؤوسهم عند العرش، لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن وهب بن منبه قال: أربعة أملاك يحملون العرش على أكتافهم لكل واحد منهم أربعة وجوه: وجه ثور، ووجه أسد، ووجه نسر، ووجه إنسان، لكل واحد منهم أربعة أجنحة: أما جناحان فعلى وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وأما جناحان فيصفق بهما، وفي لفظ: فيطير بهما أقدامهم في الثرى.

والعرش على أكتافهم ليس لهم كلام إلا أن يقولوا: قدسوا الله القوي، ملأت عظمته السموات والأرض.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ قال: تعرضون ثلاث عرضات، فأما عرضتان ففيهما الخصومات والمعاذير، وأما الثالثة، فتطاير الصحف في الأيدي.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «تعرض الناس ثلاث عرضات يوم القيامة، فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير وجدال، وأما العرضة الثالثة فتطير الصحف في الأيدي، اللهم اجعلنا ممن تؤتيه كتابه بيمينه» قال: وكان بعض أهل العلم يقول: إني وجدت أكيس الناس من قال: ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابية ﴾ قال: ظن ظناً يقيناً فنفعه الله بظنه.

قال: وذكر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من استطاع أن يموت وهو يحسن الظن بالله فليفعل» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف في أيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» .

وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن أبي موسى قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: في قوله: ﴿ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ﴾ قال: «عرضتان فيهما الخصومة والجدال، والعرضة الثالثة تطير الصحف في أيدي الرجال» .

وأخرج ابن جرير والبيهقي في البعث عن ابن مسعد قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فتطاير الكتب بالأيمان والشمائل.

وأخرج ابن المبارك عن عمر قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فإنه أيسر لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتجهزوا للعرض الأكبر ﴿ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: إن الله يقف عبده يوم القيامة فيبدي سيئاته في ظهر صحيفته، فيقول له: أنت عملت هذا؟

فيقول: نعم أي رب، فيقول عند ذلك ﴿ هاؤم اقرءُوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه ﴾ حين نجا من فضيحته يوم القيامة.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر والخطيب عن أبي عثمان النهدي قال: إن المؤمن ليعطى كتابه في ستر من الله فيقرأ سيئاته فيتغير لونه، ثم يقرأ حسناته فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات، فعند ذلك يقول: ﴿ هاؤم اقرءُوا كتابية ﴾ .

وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه فأنظر إلى بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك، فقال رجل: يا رسول الله: كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟

قال: هم غر محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم يسعى نورهم بين أيديهم ذريتهم» .

وأخرج جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إني ظننت ﴾ قال: أيقنت.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب في قوله: ﴿ قطوفها دانية ﴾ قال: قريبة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ قطوفها دانية ﴾ قال: دنت فلا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن البراء في قوله: ﴿ قطوفها دانية ﴾ قال: دنت فلا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن البراء في قوله: ﴿ قطوفها دانية ﴾ قال: يتناول الرجل منها من فواكهها وهو قائم.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ قطوفها ﴾ قال: ثمرها.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن سلمان الفارسي: لا يدخل الجنة أحد إلا بجوار بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله لفلان ابن فلان أدخلوه جنة عالية ﴿ قطوفها دانية ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية ﴾ قال: أيامكم هذه أيام خالية فانية تؤدي إلى أيام باقية فاعملوا في هذه الأيام وقدموا خيراً إن استطعتم ولا قوّة إلا بالله.

وأخرج ابن المنذر عن يوسف بن يعقوب الحنفي قال: بلغني أنه إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى: يا أوليائي طال ما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة وغارت عينكم وجفت بطونكم، كونوا اليوم في نعيمكم وكلوا واشربوا ﴿ هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن رفيع في قوله: ﴿ بما أسلفتم في الأيام الخالية ﴾ قال: الصوم.

وأخرج البيهقي عن نافع قال: خرج ابن عمر في بعض نواحي المدينة ومعه أصحاب له ووضعوا سفرة لهم فمر بهم راعي غنم، فسلم فقال ابن عمر: هلم يا راعي، هلم فأصب من هذه السفرة، فقال له: إني صائم، فقال ابن عمر: أتصوم في مثل هذا اليوم الحار الشديد سمومه وأنت في هذه الجبال ترعى هذه الغنم؟

فقال له: إني والله أبادر أيامي الخالية، فقال له ابن عمر، وهو يريد أن يختبر ورعه: فهل لك أن تبيعنا شاة من غنمك هذه فنعطيك ثمنها ونعطيك من لحمها فتفطر عليه؟

فقال: إنها ليست لي بغنم، إنها غنم سيدي.

فقال له ابن عمر: فما عسى سيدك فاعلاً إذا فقدها فقلت أكلها الذئب؟

فولى الراعي عنه، وهو رافع إصبعه إلى السماء، وهو يقول: فأين الله؟

قال: فجعل ابن عمر يردد قول الراعي، وهو يقول: قال الراعي: فأين الله؟

فلما قدم المدينة بعث إلى مولاه فاشترى منه الغنم والراعي، فأعتق الراعي ووهب منه الغنم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ خطاب لجميع العالم، والعرض: البعث أو الحساب ﴿ خَافِيَةٌ ﴾ أي حال خافية من الأَمال والسرائر، ويحتمل المعنى لا يخفى من أجسادهم لأنهم يحشرون حفاة عراة ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ الكتاب هنا صحائف الأعمال ﴿ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ ﴾ هاؤم أسم فعل، قال ابن عطية: معناه تعالوا وقال الزمخشري: هو صوت يفهم منه معنى خذ، وكتابيه مفعول يطلبه هاؤم واقرؤوا من ضمير المعنى، تقديره هاؤم كتاب اقرؤا كتابي ثم حذف لدلالة الآخر عليه وعمل فيه العامل، الثاني: وهو اقرأوا عند البصريين، والعامل الأول هو هاؤم عند الكوفيين، والدليل على صحة قول البصريين أنه لو عمل الأول لقال اقرؤوه، والهاء على كتابيه للوقف، وكذلك في حسابية وماليه وسلطانية، وكان الأصل أن تسقط في الوصل لكنها ثبتت فيه مراعاة لخط المصحف وقد أسقطها في الوصف حمزة، ومعنى الآية: أن العبد الذي يعطى كتابه بيمينه يقول للناس: اقرأوا كتابيه على وجه الاستبشار والسرور بكتابه ﴿ إِنِّي ظَنَنتُ ﴾ الظن هنا بمعنى اليقين ﴿ رَّاضِيَةٍ ﴾ أي ذات رضا كقولهم: تامر لصاحب التمر.

قال ابن عطية: ليست بياء اسم فاعل، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون اسم فاعل نسب الفعل إليها مجازاً وهو لصاحبها حقيقة ﴿ قُطُوفُهَا ﴾ جمع قطف وهو ما يجتنى من الثمار ويقطف كالعنقود ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ أي قريبة، وروي أن العبد يأخذها بفمه من شجرها، على أي حال كان من قيام أو جلوس أو اضطجاع ﴿ أَسْلَفْتُمْ ﴾ أي قدمتم من الأعمال الصالحة ﴿ فِي الأيام الخالية ﴾ أي الماضية يعني أيام الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وما أدراك ﴾ بالإمالة حيث كان: حمزة وخلف والخراز عن هبيرة، وأبو عمرو والنجاري عن ورش، وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ فهل ترى ﴾ كما في الملك ﴿ ومن قبله ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون: بفتح القاف وسكون الباء ﴿ وتعيها ﴾ بسكون العين تشبيهاً بخاء " فخذ ": القواس عن حمزة عن خلف وخلف لنفسه والهاشمي عن قنبل والخزاعي عن ابن فليح وأبو ربيعة عن أصحابه ﴿ فهي يومئذ ﴾ بالإدغام: شجاع أبو شعيب ﴿ لا يخفى ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف ﴿ كتابي ﴾ ﴿ وحسابي ﴾ بغير هاء السكت في الوصل: سهل ويعقوب ﴿ مالي ﴾ و ﴿ سلطاني ﴾ بدون الهاء في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب ﴿ يؤمنون ﴾ و ﴿ يذكرون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وسهل ويعقوب وابن عامر.

الوقوف: ﴿ الحاقة ﴾ ه لا لأن ما بعده خبرها ﴿ ما الحاقة ﴾ ه لا لاحتمال الواو بعده الحال والاسئناف ﴿ الحاقة ﴾ ه م ﴿ القارعة ﴾ ه ﴿ بالطاغية ﴾ ه ط ﴿ عاتية ﴾ ط ﴿ أيام ﴾ لا لأن ﴿ حسوماً ﴾ صفة الثمانية ﴿ صرعى ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ خاوية ﴾ ه ج للاستفهام مع الفاء ﴿ باقية ﴾ ط ﴿ بالخاطئة ﴾ ه ﴿ رابية ﴾ ه ﴿ الجارية ﴾ ه ج ﴿ واعية ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ه لا ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ الواقعة ﴾ ه لا للعطف ﴿ واهية ﴾ ه لا لذلك ﴿ رجائها ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ ثمانية ﴾ ط ﴿ خافية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ راضية ﴾ ه لا ﴿ عالية ﴾ ه لا ﴿ دانية ﴾ ه ﴿ الخالية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ القاضية ﴾ ه ج ﴿ ماليه ﴾ ه كلها جائزات وتفصيلاً بين الندامات مع اتحاد المقولات ﴿ سلطانية ﴾ ه ﴿ فغلوه ﴾ ط للعطف ﴿ صلوه ﴾ ه لا لذلك ﴿ فاسلكوه ﴾ ه ط ﴿ العظيم ﴾ ه لا ﴿ المسكين ﴾ ه ط ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ غسلين ﴾ ه لا ﴿ الخاطئون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه لا ﴿ وما لا تبصرون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ شاعر ﴾ ط ﴿ تؤمنون ﴾ ه ﴿ كاهن ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه أي هو تنزيل ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه لا ﴿ الوتين ﴾ ه والوصل أجوز لدخول الفاء واتحاد الكلام ﴿ حاجزين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مكذبين ﴾ ه لا ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه.

التفسير: ﴿ الحاقة ﴾ وهي القيامة بالاتفاق إلا أنهم اختلفوا في سبب التسمية فقال أبو مسلم: هي الفاعلة من حقت كلمة ربك أي الساعة واجبة الوقوع لا ريب في مجيئها، وقريب منه قول الليث أنها النازلة التي حقت فلا كاذبة لها.

وقيل: إنها التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا أي لا أعرف حقيقته، جعل الفعل لها وهو لأهلها، وقيل: هي التي يوجد فيها حواق الأمور وهي الواجبة الحصول من الثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة.

وهذا الوجه والذي تقدمه يشتركان في الإسناد المجازي إلا أن الفاعل في الأول بمعنى المفعول والثاني على أصله، وقريب منه قول الزجاج أنها تحق أي يكون فيها جميع آثار أعمال المكلفين ويخرج عن حد الانتظار.

قال الأزهري: سميت بذلك أنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل أي تخاصم كل مخاصم وتغلبه.

وأورد في التفسير الكبير وجوهاً أخر إلى تمام العشرة فهي في التحقيق مكررة فلذلك حذفناها.

قوله ﴿ ما الحاقة ﴾ مبتدأ وخبره والمجموع خبر الحاقة.

والأصل ما هي يعني وأي شيء هي؟

وفي هذا الاستفهام تعظيم وتفخيم لشأنها، وفي وضع الظاهر موضع المضمر تهويل فوق تهويل وفي قوله ﴿ وما أدراك ما الحاقة ﴾ مبالغة أخرى والمعنى أي شيء أعلمك ما الحاقة؟

وفيه أن مدى عظمها بحيث لا يبلغه وصف واصف ولا نعت مخبر.

قال جار الله: ما يعني في ما الحاقة الثانية في موضع الرفع على الابتداء.

﴿ وأدراك ﴾ معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام.

قلت: ولولا ذلك لنصب الجزأين على أنهما مفعول ثان وثالث كقولك " أعلمتك زيداً فاضلاً ".

وحين ذكر الحاقة على أبلغ وجوه التعظيم أتبعها ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تخويفاً لأهل مكة فقال ﴿ كذبت ثمود وعاد بالقارعة ﴾ والأصل بها أي بالحاقة إلا أنه وضع القارعة موضع الضمير ليدل بذلك على معنى الروع في الحاقة زيادة في وصف شدتها.

ولا ريب أنها تفزع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض بالدك، والنجوم بالطمس إلى غير ذلك.

وكانت عادة القرآن جارية بتقديم قصة عاد على ثمود إلا أنه قلب ههنا لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر.

قوله ﴿ بالطاغية ﴾ أي بالواقعة المجاوزة للحد وهي الرجفة أو الصاعقة أو الصحية، وقيل: الطاغية مصدر أي بسبب طغيانهم.

واعترض بأنه لا يطابق قصة عاد فأهلكوا بريح.

ويمكن أن يجاب بأن السبب الفاعلي والسبب الآلي كلاهما يشتركان في مطلق السببية، وهذا القدر من المناسبة كافٍ في الطباق وعلى هذا القول يحتمل أن تكون الطاغية صفة موصوف أي بشؤم الفرقة الطاغية التي تواطأت على عقر الناقة.

ويجوز أن يراد بها عاقر الناقة وحده والتاء للمبالغة.

الصرصر الشديد الصوت أو الكثير سميت عاتية بشدة عصوفها.

قال جار الله: العتو استعارة قلت: لأنه مستعمل في مجاوزة الإنسان حد الطاعة والانقياد.

قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الريح عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة من استتار ببيت واستناد إلى جبل، فإنها كانت تزعجهم من مكانهم.

قال الكلبي: عتت على خزانها كما جاء في الحديث " ما أرسل الله من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان والريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل " وقيل: العاتية من عتا النبت أي بلغ منتهاه وجف قال  ﴿ وقد بلغت من الكبر عتياً  ﴾ أي ريح بالغة منتهاها في الشدة والقوة ﴿ سخرها ﴾ أي سلطها بدليل ﴿ عليهم ﴾ وقال الزجاج: أقامها وقيل: أرسلها.

قوله ﴿ حسوماً ﴾ جمع حاسم كشهود جمع شاهد.

والتركيب يدور على القطع والاستئصال ومنه الحسام لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ أمله، وذلك أن تلك الريح حسمت كل خير واستأصلت كل بركة.

وقيل: إنها تتابعت من غير فتور ولا انقطاع حتى أتت عليهم، فمثل تتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء مرة بعد أخرى إلى أن ينحسم.

ويجوز أن يكون ﴿ حسوماً ﴾ مصدراً كالدخول والخروج وعلى هذا انتصب بفعل مضمر أي يستأصل استئصالاً، أو يكون وصفاً بالمصدر أي ذات حسوم، أو مفعولاً له، وقيل: هي أيام العجوز وذلك أن عجوزاً من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها.

والصحيح أنها أيام العجز وهي آخر الشتاء وأساميها.

الصن والصنبر والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفىء الجمر.

وقيل: ومكفىء الظعن.

والضمير في ﴿ فيها ﴾ للجهات أو الليالي والأيام الخاوية الساقطة.

وقيل: الخاوية لأن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم، وعلى هذا يحتمل أن تكون الخاوية بمعنى البالية لأن النخل إذا بليت خلت أجوافها والباقية مصدر.

وقيل: من نفس باقية: قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله، فلما كان اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر فذلك قوله ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ وقوله { ﴿ فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم  ﴾ ومن قرأ ﴿ ومن قبله ﴾ بالفتح والسكون فظاهر أي ومن تقدمه من رؤساء الكفر والضلال كنمرود ونحوه.

ومن قرأ بالسكر والفتح أراد ومن عنده من أتباعه وجنوده.

والخاطئة مصدر أي بالخطأ أو صفة أي بالفعلة أو الأفعال ذوات الخطأ العظيم ﴿ رابية ﴾ من ربا الشيء يربو إذا زاد أي زائدة في الشدة كما كانت فعلاتهم زائدة في القبح.

وقيل: معنى الزيادة اتصال عذابهم في الدنيا بعذاب الآخرة.

﴿ أغرقوا فأدخلوا ناراً ﴾ .

ولاريب أن عذاب الآخرة أشد وكان عقابهم ينمو ويزيد إلى حد ليس فوقه عذاب.

قال الوحدي: الوجه في قوله ﴿ رسول ربهم ﴾ أن يكون رسول الأمم الماضية كلهم أعني موسى ولوطاً وغيرهما من رسل من تقدم فرعون كقوله ﴿ إنا رسول رب العالمين  ﴾ ولو جعل عبارة عن موسى  لزم التخصيص من غير مخصص.

ثم ذكر قصة بعض من تقدم فرعون فقال ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ وطغيان الماء كعتو الريح وقد سبق في عدة سور.

ومعنى ﴿ حملناكم ﴾ حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم ﴿ في الجارية ﴾ في السفينة وهي سفينة نوح ﴿ لنجعلها ﴾ قال الفراء: أي الجارية لأنها المذكور.

والأظهر عودة إلى الواقعة والحالة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين فإنها هي التذكرة والعبرة ولقوله ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ من شأنها حفظ كل ما تسمع لتعمل به.

قال أهل اللغة: كل ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما تعيه في غير نفسك فقد أوعيته.

يقال: أوعيت المتاع في البيت.

والشر أخبث ما أوعيت من زاد *** قال جار الله: إنما قيل ﴿ أذن واعية ﴾ على التوحيد والتنكير للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، للدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت فهي عند الله بمكان وما سواها لا يلتفت إليه وإن ملأ العالم.

عن النبي  أنه قال لعلي  عند نزول هذه الآية: سألت الله يجعلها أذنك يا علي.

قال علي  : فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أن أنسى.

وحين فرغ من بيان القدرة والحكمة عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث الحاقة، والنفخة الواحدة عن ابن عباس أنها الأولى التي عندها خراب العالم، وفي رواية عنه أنها الثانية لقوله بعد ذلك ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ والعرض عند الثانية.

ولناصر الرواية الأولى أن يقول: اليوم اسم للحين الواسع الذي يقع فيه النفخات والصعقة والنشور والوقوف والحساب كما تقول " جئته عام كذا " وإنما جئت في وقت واحد من أوقاتها.

قوله ﴿ واحدة ﴾ صفة مؤكدة قوله ﴿ وحملت ﴾ أي رفعت من جهاتها بريح شديدة أو بملك أو بقدرة الله من غير واسطة.

والضمير في ﴿ دكتا ﴾ لجماعتي الأرض والجبال والمراد أن هاتين الجملتين يضرب بعضها ببعض حتى يندك ويرجع كثيباً مهيلاً منثوراً.

والدك أبلغ من الدق.

وقيل: فبسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعاً صفصفاً من قولك " اندك السنام " إذا انقرش " وبعير أدك" " وناقة دكاء " قوله ﴿ فيومئذ ﴾ جواب ﴿ فإذا نفخ ﴾ والواقعة النازلة وهي القيامة ﴿ واهية ﴾ مسترخية بعد أن كانت مستمسكة ﴿ والملك ﴾ جنس ولهذا كان أعم من الملائكة لشموله الواحد والاثنين دونها.

والأرجاء الجوانب جمع رجا مقصوراً.

والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء.

سؤال: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى فكيف يقفون على أرجاء السماء؟

الجواب أنهم يقفون لحظة ثم يموتون أو هم المستثنون بقوله إلا ما شاء الله، والضمير في ﴿ فوقهم ﴾ عائد إلى الملك على المعنى لأن التقدير الخلق الذي يقال له الملك، والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش، وقال مقاتل: الضمير للحملة أي فوق رؤسهم والإضمار قبل الذكر جائز لأنه بعده حكماً كقوله " في بيته يؤتى الحكم " وعن الحسن: لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف.

وعن الضحاك: ثمانية صفوف ولا يعلم عددهم إلا الله.

قال المفسرون: الحمل على الأشخاص أولى لأن هذا أقل ما يصدق اللفظ عليه والزائد لا دليل له، وكيف لا والمقام مقام تهويل وتعظيم؟

فلو كان المراد ثمانية آلاف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ويؤيده ما روي عن رسول الله  " "اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى" وروي " "ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤسهم وهم مطرقون يسبحون " وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر، وروي " "ثمانية أملاك في خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاماً" وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.

وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك.

ولولا هذه الروايات لجاز أن يكون الثمانية من الروح أو من خلق آخر.

قالت المشبهة: لو لم يكن الله على العرش لم يكن لحمله فائدة وأكدوا شبهتهم بقوله ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ للمحاسبة والمساءلة فلو لم يكن الإله حاضراً لم يكن للعرض معنى.

وأجيب بأن الدليل على أن حمل الإله محال ثابت فلا بد من التأويل وهو أنه  خاطبهم بما يتعارفونه فخلق نفسه بيتاً يزورونه ليس ليسكن فيه، وجعل في ذلك البيت حجراً هو يمينه في الأرض إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة لا لأن النسيان يجوز عليه بل لأنه المتعارف.

فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله أن يجلس لهم على سرير ويقف الأعوان حواليه صور الله  تلك الصورة المهيبة لا لأنّه يقعد على السرير.

روي أن في القيامة ثلاث عرضات.

فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب.

قوله ﴿ لا تخفى منكم خافية ﴾ أي تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلاً وقيل: أراد لا يخفى منكم يوم القيامة ما كان مخفياً في الدنيا على غير الله وذلك ليتكامل سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين.

ثم أخذ في تفصيل عرض الكتب.

" وهاء " صوت بصوت به فيفهم منه " خذ " وله لغات واستعمالات مذكورة في اللغة منها ما ورد به الكتاب الكريم وهو " هاء " مثل باع للواحد المذكور " وهاؤما " بضم الهمزة وإلحاق الميم بعدها ألف للتثنية ﴿ هاؤم ﴾ بضم الهمة بعده ميم ساكنة لجمع المذكر.

" هاء " بالكسر للمؤنثة " هاؤن" لجمعها ﴿ كتابيه ﴾ مفعول ﴿ هاؤم ﴾ عند الكوفيين و ﴿ اقرؤا ﴾ عند البصريين لأنه أقرب أصله هاؤم كتابي اقرأوا كتابي فحذف لدلالة الثاني عليه.

قال البصريون: ولو كان العامل الأول لقيل اقرأه إذ المختار إضمار المفعول ليكون دليلاً على المحذوف.

وأجاب الكوفيون بأن الظاهر قد أغنى عن الضمير كما في قوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات  ﴾ والهاء في ﴿ كتابيه ﴾ وغيره هاء السكت ومن ههنا تثبت في الوقف وتسقط في الوصل لكنه استحب التلفظ بها في الوصل عند جماعة اتباعاً لوجودها في المصحف، وإنما قال ﴿ من أوتي كتابه ﴾ ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه ﴾ ابتهاجاً وفرحاً.

وقيل: يقول ذلك لأهل بيته وقرابته.

وفي قوله ﴿ إني ظننت ﴾ وجوه كما مر في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم  ﴾ ومما يختص بالمقام قول بعضهم أنه أراد الظن في الدنيا لأن أهل الدنيا لا يوقنون بنيل الدرجات، وفي هذا الوجه نظر لأنهم كانوا غير قاطعين بالجنة إلا أنهم يجب أن يقطعوا بالحساب الجزاء.

وعن أبي هريرة أنه  قال " إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى بكتابه فتكتب حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن فيقال له: اقلب كفك فيرى حسناته فيفرح ثم يقول ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت ﴾ " عند النظر الأولى ﴿ أني ملاق حسابيه ﴾ على سبيل الشدة، وأما الآن فقد فرج الله عني ذلك الغم، وأما في حق الأشقياء فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا.

ثم بين عاقبة أمره قائلاً ﴿ فهو في عيشة ﴾ فعلة من العيش للنوع ﴿ راضية ﴾ منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل للمنسوب إلى الدرع والنبل، وهذا من النسبة بالصيغة كما أن قولك " بصري" أو " هاشمي " من النسبة بالحروف، ويجوز أن يكون من الإسناد المجازي كقولك " نهاره صائم " جعل الصوم للنهار وهو لصاحبه كذلك ههنا جعل الرضا للعيشة وهو لصاحبها ﴿ في جنة عالية ﴾ درجاتها لأنها فوق السموات على تفاوت الطبقات أو في جنة رفعية المباني والقصور والأشجار ﴿ قطوفها دانية ﴾ ثمارها قريبة التناول.

والقطوف جمع قطف بالكسر وهو المقطوف كالطحن بمعنى المطحون.

يروى أن ثمارها يقرب تناولها للقائم والجالس والمضطجع وإن أحب أن تدنو دنت ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول و ﴿ هنيئاً ﴾ مصدر أو صفة كما مر في " الطور" جمع الخطاب في ﴿ كلوا ﴾ مع أنه وحد الضمير في قوله ﴿ أوتي ﴾ وغيره حملاً على لفظ من ثم على معناه.

والغرض من هذا الأمر التوقير والعرض لا التكليف.

ومن قال بالإباحة ليس بتكليف فلا إشكال.

وقوله ﴿ بما أسلفتم ﴾ كقوله في " الطور " ﴿ بما كنتم تعملون  ﴾ والإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالافتراض ومنه يقال " أسلف في كذا " إذا قدم فيه ماله.

والمعنى بسبب ما عملتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية.

وعن مجاهد والكلبي: هي أيام الصيام فيكون الأكل والشرب في الجنة بدل الإمساك عنهما في الدنيا.

ثم أخذ في قصة الأشقياء.

وإنما تمنى أنه لم يدر أي شيء حسابه لأنه عليه لا يعود منه إليه سوى الضر.

والضمير في ﴿ يا ليتها ﴾ عائد إلى الموتة الأولى يدل عليها سياق الكلام.

ولعل في قوله ﴿ ولم أدر ﴾ إشارة إليها لأنها حالة العدم المستلزمة لعدم الإدراك أي الموتة التي متها يا ليتها ﴿ كانت القاضية ﴾ لأمري أو للحياة فلم أبعث بعدها.

وقيل: هاء الضمير للحال أي ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليّ.

قال القفال: تمنى الموت حين رأى من الخجل وسوى المنقلب ما هو أشد وأشنع من الموت.

قوله ﴿ ما أغني ﴾ نفي.

ويجوز أن يكون استفهاماً على سبيل الإنكار ومعناه أي شيء أغنى ﴿ عني ﴾ ما كان لي من اليسار فإنه لم يبق منه إلا الوبال ﴿ هلك عني ﴾ تسلطي على الناس وزال عني ما كنت أتصوره حجة وبرهاناً.قال ابن عباس: ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد في الدنيا.

وقال مقاتل: إنما يقول هذا حين شهدت عليه الجوارح بالشرك.

يحكى عن عضد الدولة أنه قال قصيدة مطلعها هذا البيت: ليس شرب الكاس إلا في المطر *** وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى *** ناعمات في تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها *** ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها *** ملك الأملاك غلاب القدر يروى بضم القاف جمع القدرة وبفتحها وهو ما قدر الله على عباده وقضى.

ولا ريب أن المصراع الأخير فيه سوء الأدب والجراءة على الله من وجهين: أحدهما أنه سمى نفسه ملك الأملاك ولا يصلح هذا الاسم إلا لله  ولهذا جاء في الحديث " أفظع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" ويقال لها بالفارسية شاهنشاه والثاني أنه زعم الغلبة على القدر وهذا أيضاً من أوصاف الله جل وعلا لا يصلح لغيره.

وإن زعم أنه قال ذلك بالنسبة إلى ملوك دونه فذلك قيد لا يدل عليه الإطلاق فسوء الأدب باقٍ فمن ههنا روي أن الله  ابتلاه عقيب ذلك بالجهل وفساد الذهن وخور القوى، وكان لا ينطلق لسانه إلا بتلاوة ﴿ ما أغني عني ماليه هلك عني سلطانيه ﴾ ﴿ خذوه ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم خذوه أيها الخزنة يروى أنهم مائة ألف ملك تجمع يده إلى عنقه.

والتصلية في الجحيم وفي النار العظمى، إشارة إلى أنه كان سلطاناً يتعظم على الناس.

والسلسلة حق منتظمة كل حلقة منها في حلقة.

وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل.

والذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد.

وقوله ﴿ سبعون ذراعاً ﴾ يجوز أن يكون محمولاً على الظاهر وأن يراد المبالغة على عادة العرب.

وتقديم الجحيم على التصلية والسلسلة على السلك للحصر أي لا تصلوه إلا في الجحيم ولا تسلكوه إلا في هذه السلسلة الطويلة لأنها إذا طالت كانت الكلفة أشد.

قالوا: كل ذراع سبعون باعاً أبعد مما بين مكة والكوفة.

قال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو قال ابن عباس: تدخل السلسة في دبره وتخرج من حلقه ثم يجمع بين ناصيته وقدميه قال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ يجعل في عنقه سلوكها.

عن بعضهم أن جمعاً من الكفار يقرن في هذه السلسلة الطويلة ليكون العذاب عليهم أشد وإنما لم يقل فاسلكوا السلسلة فيه لأنه أراد أن السلسلة تكون ملتفة على جسده بحيث لا يقدر على حركة.

وقيل: هو كقولهم " أدخلت القلنسوة في رأسي " او " الخاتم في أصبعي".

ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة.

ثم ذكر سبب هذا الوعيد الشديد وهو عدم الإيمان بالله العظيم وعدم بذل المال للمساكين ولعل الأول إشارة إلى فساد القوة النظرية، والثاني إلى فساد القوة العملية.

قال جار الله: وعطف حرمان المساكين على الكفر تغليظ، وفي ذكر الحض دون الفعل تغليظ دون تغليظ ليعلم أن ترك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟

وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان فلا نخلع نصفها الآخر إلا بالإطعام.

والطعام اسم بمعنى الإطعام كالعطاء اسم بمعنى الإعطاء.

وفي الآية دلالة على أن الكفار مخطابون بالفروع.

والحميم القريب النافع وقوله ﴿ ههنا ﴾ إشارة إلى مكان عذابهم أو إلى مقام الوصول إلى هذا الحد من العذاب.

يروى أن ابن عباس سئل عن الغسلين فقال: لا أدري.

وقال الكلبي: هو ما يسال من أهل النار.

فغسلين من الغسالة والطعام ما يهيأ للأكل.

ويجوز أن يكون إطلاق الطعام عليه من باب التهكم أو مثل عقابك السيف.

قال ابن عباس: الخاطئون في الآية هم المشركون.

ثم عظم شأن القرآن بالإقسام بكل الأشياء لأنها إما مصبر أو غير مبصر.

وقيل: الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح والإنس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة.

والأكثرون على أن الرسول الكريم ههنا هو محمد  لأنه ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالعشر والكهانة وإنما يصفون محمداً  وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه جبرائيل  لأن الأوصاف التي بعده تناسبه كما يجيء.

وفي ذكر الرسول إشارة إلى أن هذا القرآن ليس قوله من تلقاء نفسه وإنما هو قول المؤدي عن الله بطريق الرسالة، وهكذا لو كان المراد جبرائيل.

وفي وصفه بالكرم إشارة إلى أمانته وأنه ليس ممن يغير الرسالة طمعاً في أغراض الدنيا الخسيسة.

وأيضاً من كرمه أنه أتى بأفضل أنواع المزايا والعطايا وهو المعرفة والإرشاد والهداية.

وإنما قال عند نفي الشعر عنه ﴿ قليلاً ما تؤمنون ﴾ وعند نفي الكهانة ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبين المحسوس.

أما من حيث اللفظ فظاهر لأن الشعر كلام موزون مقفى وألفاظ القرآن ليست كذلك إلا ما هو في غاية الندرة بطريق الاتفاق من غير تعمد، وأما من جهة التخيل فلأن القرآن فيه أصول كل المعارف والحقائق البراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان المكلف ممن يصدق ولا يعاند.

وانتفاء الكهانة عنه أمر يفتقر إلى أدنى تأمل يوقف.

على أن كلام الكهان أسجاع لا معاني تحتها وأوضاع تنبو الطباع عنها.

وأيضاً في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم والكهان إخوان الشياطين فكيف رضوا بإظهار قبائحهم.

ثم صرح بالمقصود فقال ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ أي هو تنزيل ثم بين أن المفتري لا يفلح وإن فرض أنه نبي فقال ﴿ ولو تقول ﴾ وهو تكلف القول من غير أن يكون له حقيقة و ﴿ الأقاويل ﴾ جمع أقوال.

وقال جار الله: في اللفظ تصغير وتحقير كالأعاجيب والأضاحيك كأنه جمع " أفعولة " من القول.

ومعنى الآية لو نسب إلينا قولاً لم نقله لقتلناه أشنع قتل وهو أن يؤخذ بيمينه وتضرب رقبته وهو ينظر إلى السيف، وهذه فائدة تخصيص اليمين لأن القتال إذا أخذ بيسار المقتول وقع الضرب في قفاه.

ومعنى ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ لأخذنا بيمينه، وكذا قوله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ لقطعنا وتينه وهذا تفسير منقول عن الحسن البصري.

والوتين العرق المتصل من القلب بالرأس فإذا انقطع مات الحيوان: قال ابن قتيبة: لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه كما يفعل الملوك فكان كمن أخذ بيمينه فقطع وتينه ونظيره " ما زالت أكلة خبير تعاودني، فهذا أوان اقطع أبهري ".

والأبهر عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال: هذا أوان يقتلني السم.

وعن الفراء والمبرد والزجاج أن اليمين القوة وقوة كل شيء في ميامنه والباء زائدة ومعنى الأخذ السلب أي سلبنا عنه القدرة على التكلم بذلك القول وهذا كالواجب في حكمة الله  كيلا يشتبه الصادق بالكاذب وقال مقاتل: اليمين الحق كقوله ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين  ﴾ أي من قبل الحق.

والمعنى منعناه بواسطة إقامة الحجة وقضينا له من يعارضه فيه فيظهر للناس كذبه ﴿ فما منكم من أحد عنه ﴾ أي عن الرسول أو عن القتل، والخطاب للناس وأحد في معنى الجمع لأنه في سياق النفي فلذلك قال ﴿ حاجزين ﴾ أي مانعين.

وحين بين أن القرآن تنزيل من عند الله بواسطة جبرائيل على محمد الذي صفته أنه ليس بشاعر ولا كذاب، بين أن القرآن ما هو وإلى أي صنف يعود نفعه فقال ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين ﴾ ثم أوعد على التكذيب.

قائلاً ﴿ وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ﴾ ثم بين أن تكذيب القرآن سبب حسرة الكافرين في القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين أو في الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين، لأن القرآن حق اليقين أي حق يقين لا ريب فيه، فأضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد كقوله " هو حق العالم".

ثم أمر بالتسبيح شكراً له على الإيحاء إليه، أو على أن عصمه من الافتراء عليه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ ظاهر ما جرى به الخطاب في القرآن يوجب أن يُرحم المؤمنون جميعاً فلا يعذبون في الآخرة، ويعذب الكافرون ولا يرحمون؛ لأنه قسم الخلق يوم القيامة صنفين: فجعل صنفاً [منهم أهل] اليمين، وصنفاً أهل الشمال، ثم وصف كل واحد من الصنفين بأعلام ثلاثة: فذكر مرة أنه يخف ميزانهم بقوله: ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ \[المؤمنون: 103\]، وذكر مرة أن وجوههم تسود، وذكر مرة أنهم يعطون كتابهم بشمالهم؛ فهذه الأعلام ذكرها في أحد الصنفين، وذكر في الصنف الثاني، ووصفهم بأعلام ثلاثة: ببياض الوجوه، وبثقل الميزان، وبإعطاء الكتاب بأيمانهم.

ثم فيما فيه سواد الوجوه ذكر فيه: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ  ﴾ ، وكذلك حين ذكر خفة الميزان ذكر في آخره ما يبين أن الذين خفت موازينهم هم الكفرة؛ لأنه قال: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 105\]، وذكر فيه إعطاء الكتاب بشماله، وذكر فيه ما يبين أنه من أهل الكفر؛ لأنه قال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ  وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ  ﴾ ؛ فثبت أن الوعيد المطلق ذكر في أهل الكفر، وكذلك قال: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ ولم يقل: أعدت للخلق، وقال: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ ؛ فثبت أن أهل النار هم الكفار، ثم المؤمنون قد تعرض منهم زلات ومآثم في هذه الدنيا، والكفار يوجد منهم المحاسن فيها، ولكن أهل الكفر يجزون جزاء حسناتهم في دنياهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، وإذا لم يؤمنوا بها لم يقع سعيهم لها، وأمكن أن يكون المؤمن يجعل له العقاب بسيئاته في الدنيا فتخلص له الحسنات في الآخرة فيجزى بها.

وجائز أن تكفر سيئاته بالحسنات التي توجد منه؛ لأن المحاسن جعلت سبباً لتكفير المساوى؛ قال الله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ  ﴾ ، وإذا كفرت سيئاته في الدنيا، لم يعذب بها في الآخرة.

وجائز أن يكون الله -  - يعذبهم بقدر ذنوبهم، ثم يعفو عنهم [بحسناتهم التي] سبقت منهم من الإيمان، وغير ذلك، فكل مؤمن - في الحقيقة - [آخره الجنة]، ويثقل ميزانه، ويبيض وجهه، ويعطى كتابه بيمينه.

ثم يجوز أن يكون الذي يعاقب بذنوبه من أهل الإيمان يعاقب به قبل أن يعطى كتابه بيمينه، وقبل أن يبيض وجهه ويثقل ميزانه، وقبل أن يبيض وجهه، لم يكن مسود الوجه، ولكن على ما عليه في الدنيا.

ثم متى عفي عنه؟

في الخبر: "أن الناس يعرضون يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فتطاير الصحف في الأيدي" ، فيجوز أن يكون تعذيبه قبل العرضة الثالثة، ثم يعطى كتابه في العرضة الثالثة بيمينه؛ فتظهر له أعلام السعادة إذ ذاك، [فإذا ثبت] أن الوعيد المطلق إنما جاء في أهل الكفر، لم يلحق أهل الكبائر من أهل الإيمان بهم في الحكم؛ بل وجب الوقف في حالهم؛ كما قال أصحابنا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ ﴾ قال بعضهم: ﴿ هَآؤُمُ ﴾ أي: تعالوا.

وقال بعضهم: "ها" بمعنى: هاكم؛ أي: خذوا، فأبدلت الهمزة مكان الكاف، فظاهر الآية أن المعطى له الكتاب؛ يقول هذا؛ يدعو الخلق إلى نحوه، أو يناولهم الكتاب؛ استبشاراً وحبوراً، فيبشرهم بعفو الله -  - عنه ورحمته عليه.

ولكن أهل التأويل صرفوا التأويل إلى المعطي، فقالوا بأن المعطي هو الذي يقول هذا؛ فكأن الذي كتب الكتاب في الدنيا من الملك هو الذي يعطي الكتاب إلى المكتوب عليه، ويقول: ﴿ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ ﴾ أي: [خذوا اقرءوا] ما كتبت لكم وعليكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ ﴾ فإن حملته على حقيقة الظن، فهو يخرج على ثلاثة أوجه.

أحدها: أي: إني ظننت في الدنيا أني ألاقي ﴿ حِسَابِيَهْ ﴾ ، أي: الحساب الشديد فيما سبق من سيئاتي، وأؤاخذ بها، وأجازى عليها، وظننت الساعة ألا أنجو من ذنوبي؛ لفزع هذا اليوم، فوجدت سيئاتي قد غفرت، وخطاياي كفرت عني؛ فيكون قوله منه هذا شكراً لله -  - وإظهاراً لمنته.

والثاني: أي: إني تركت في دار الدنيا إذا عرضت لي الحوادث من الزلات والهفوات، ظننت أني ألاقي الله -  - بها، فأمسكت عنها، وانزجرت عن إتيانها؛ فيكون إخباراً عن بيان سبب نيل ذلك.

والثالث: أني تفكرت في أمري؛ فظننت أن مثلي لا يترك سدى هملاً؛ فأدى ظني إلى اليقين، فآمنت وصدقت الرسل، فإنما نجوت بأول ظني وفكرتي.

ومنهم من صرف الظن إلى اليقين والعلم، فقال: معنى قوله: ﴿ ظَنَنتُ ﴾ أي: أيقنت، وعلمت.

والأصل: أن كل يقين حدث في الأمور المستترة والعلوم الخفية فإنما يتولد ذلك على ظن يسبق، فيحمله ذلك الظن على النظر فيه والبحث عن حاله حتى يفضي به إلى الوقوف على ما استتر منه، ويصير الخفي له جليّاً، فيكون سبب بلوغه إلى اليقين والإحاطة الذي سبق منه؛ فجائز أن يسمّى ذلك يقيناً مرة على الحقيقة وظنّاً ثانياً على المجاز، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ  ﴾ أن الأذن لا تعي شيئاً، بل تسمع، ولكنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن، فصارت الأذن سبباً للإيصال إلى الوعي، فأضاف الوعي إليها؛ فعلى ذلك ظنونهم في الابتداء إذا بلغتهم إلى اليقين والعلم سمّوا يقينهم وعلمهم ظنّاً مرة، ويقيناً ثانياً؛ ألا [ترى] أن الله -  - قال: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ  ﴾ ، فجعلهم مرة ظانين، ومرة موقنين، فيما كان [طريقته البحث] وإعمال الفكر؛ ولهذا لا يجوز أن يوصف الله -  - بالإيقان في أمر من الأمور؛ لأن الأشياء له بارزة ظاهرة؛ إذ هو منشئها وخالقها؛ فلا يخفى عليه شيء منها فيحتاج إلى البحث عنها والنظر فيها، والله الموفق.

أو نقول بأن الأمور التي سبيل دركها الاجتهاد، لا يخلو شيء منها من اعتراض وساوس وخواطر فيها، فتلك الوساوس والخواطر تفضي بصاحبها إلى الظنون فاستجازوا إطلاق الظن فيها؛ لما لا تخلو عنه، واستجازوا إطلاق اليقين لما غلب عليها دلالات اليقين والإحاطة؛ ألا ترى أن من تهدد بالوعيد الشديد، أو بالقتل على أن يكفر بالله -  - أبيح له أن يجري كلمة الكفر على لسانه، ويجعل كالموقن بإحلال العذاب من المكره، لو امتنع عن الإجابة إلى ما دعاه و [إن] لم يتيقن بأنه يفعل به لا محالة ما أوعد به؛ لأنه يجوز ألا يمكن من ذلك، ويجوز ألا يبقى إلى ذلك الوقت، ثم وسع له فعل ذلك بأكبر الرأي وغلبة الظن، وحل ذلك محل الإحاطة واليقين؛ فعلى ذلك هاهنا لما غلب دلالات اليقين والصدق، جاز إطلاق لفظة اليقين عليه، فأما الأشياء التي تدرك بالحواس والمشاهدات، فلا سبيل إلى تسمية مثله ظنّاً؛ لما لا يحتمل اعتراض الشبه فيها، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ أي: في حياة راضية، [يقال: عاش وحيا بمعنى واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّاضِيَةٍ ﴾ بمعنى: مرضية معناه، أن نفسه في حياة ترضى بها؛ كقوله: ﴿ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ  ﴾ أي: مدفوق، ومثله في الكلام كثير.

ويجوز أن يكون المراد: نفس الجنة قد رضيت بأهلها، وأظهرت رضاها بهم، كما وصفت الجحيم بالسخط والتغيظ على أهلها، فجائز مثله في الجنة رضاء واستبشاراً، أي: على معنى أن الجنة تظهر لهم من أنواع الكرامات والخيرات ما لو كان ذلك من ذي العقل يكون ذلك دليل الرضاء، كما يضاف الغرور إلى الدنيا، وهي أنها تظهر من نفسها ما لو كان ذلك ممن يملك التغرير، يكون ذلك غروراً من نفسها.

وقوله - عز وجل - : ﴿ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴾ قال بعضهم: مرتفعة، على ما يستحب في الدنيا من الجنان في ربوة من الأرض مرتفعة.

وقال بعضهم: الجنة: اسم لروضة ذات أشجار؛ فكأنه يصف أشجارها بالارتفاع والطول والمنظر، وذلك أشهى إلى أربابها، وهذا كما قال: ﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾ من غير ذكر الأشجار؛ لأن ذكر الجنة اقتضى ذكر الأشجار.

والثالث: يكون معنى العالية، أي: عظيمة القدر والخطر مرتفعة، وقد يوصف الشيء الرفيع بالعلو، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾ أي: في القطوف متدانية من أهلها لمن يريد قطفها، وبعيدة لمن لا يريد قطفها.

وقيل: ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ ينالها القاعد كما ينالها القائم.

وقيل: ثمارها دانية، أي: لا يرد أيديهم منها بعد ولا شوك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ ﴾ تأويله أن يقال لهم: ﴿ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ ﴾ إنما جعلتم أيامكم الخالية سلفاً في أيام الآخرة، وسلف الرجل لآخر هو أن يعطيه قرضاً؛ ليأخذ مثله وقت الحاجة إليه، أو يسلم الرجل رأس ماله في الأشياء التي يأمل منها الربح، فكأنه بما يشري نفسه يجعلها سلفاً ورأس مال، ليأخذ ربح ما باع في الآخرة، فذلك هو الإسلاف.

أو يجعل عمله للآخرة رأس ماله، وما رزق من الأموال ينفقها في سبيل الله، ويجعل ذلك رأس ماله.

وذكر عن وكيع أنه قال: بلغنا أن [المراد] الذين أسلفوا الصوم؛ أي: أنهم صاموا في الدنيا وتركوا الطعام والشراب، فأثابهم الله في الآخرة فقال: ﴿ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فهو في عيشة مرضية؛ لما يراه من النعيم الدائم.

<div class="verse-tafsir" id="91.PZXPW"

مزيد من التفاسير لسورة الحاقة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل