الإسلام > القرآن > سور > سورة 69 الحاقة > الآية ٣٧ من سورة الحاقة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 78 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٧ من سورة الحاقة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون ) أي : ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله ، لا حميم - وهو القريب - ولا شفيع يطاع ، ولا طعام له ها هنا إلا من غسلين .
قال قتادة : هو شر طعام أهل النار .
وقال الربيع والضحاك : هو شجرة في جهنم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا منصور بن مزاحم ، حدثنا أبو سعيد المؤدب ، عن خصيف ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : ما أدري ما الغسلين ، ولكني أظنه الزقوم .
وقال شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الغسلين : الدم والماء يسيل من لحومهم .
وقال علي بن أبي طلحة عنه : الغسلين : صديد أهل النار .
وقوله: (لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ ) يقول: لا يأكل الطعام الذي من غسلين إلا الخاطئون، وهم المذنبون الذين ذنوبهم كفر بالله.
لا يأكله إلا الخاطئون أي المذنبون .
وقال ابن عباس : يعني المشركين .
وقرئ " الخاطيون " بإبدال الهمزة ياء ، و " الخاطون " بطرحها .
وعن ابن عباس : ما الخاطون كلنا نخطو .
وروى أبو الأسود الدؤلي : ما الخاطون ؟
إنما هو الخاطئون .
ما الصابون إنما هو الصابئون .
ويجوز أن يراد الذي يتخطون الحق إلى الباطل ويتعدون حدود الله عز وجل .
وقبح الطعم ومرارته لا يأكل هذا الطعام الذميم { إِلَّا الْخَاطِئُونَ } الذين أخطأوا الصراط المستقيم وسلكوا سبل الجحيم فلذلك استحقوا العذاب الأليم.
"لا يأكله إلا الخاطئون"، أي: الكافرون.
«لا يأكله إلا الخاطئون» الكافرون.
فليس لهذا الكافر يوم القيامة قريب يدفع عنه العذاب، وليس له طعام إلا مِن صديد أهل النار، لا يأكله إلا المذنبون المصرُّون على الكفر بالله.
وبعد هذا العرض - الذى بلغ الذروة فى قوة التأثير - لأهوال يوم القيامة ، ولبيان حسن عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة المكذبين .
.
بعد كل ذلك أخذت السورة فى أواخرها ، فى تقرير حقيقة هذا الدين ، وفى تأكيد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وفى بيان أن هذا القرآن من عنده - تعالى - وحده .
.
فقال - سبحانه - :( فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا .
.
.
) .الفاء فى قوله : ( فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ .
وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ ) للتفريع على ما فهم مما تقدم ، منإنكار المشركين ليوم القيامة ، ولكون القرآن من عند الله .و ( لا ) فى مثل هذا التركيب يرى بعضهم أنها مزيدة ، فيكون المعنى : أقسم بما تبصرون من مخلوقاتنا كالسماء والأرض والجبال والبحار .
.
الآثمون أصحاب الخطايا وخطئ الرجل إذا تعمد الذنب وهم المشركون، وقرئ الخاطيون بإبدال الهمزة ياء والخاطون بطرحها، وعن ابن عباس أنه طعن في هذه القراءة، وقال ما الخاطيون كلنا نخطو إنما هو الخاطئون، ما الصابون، إنما هو الصابئون، ويجوز أن يجاب عنه بأن المراد الذين يتخطون الحق إلى الباطل ويتعدون حدود الله.
واعلم أنه تعالى لما أقام الدلالة على إمكان القيامة، ثم على وقوعها، ثم ذكر أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، ختم الكلام بتعظيم القرآن فقال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ (31) ﴾ ثم لا تصلوه إلا الجحيم، وهي النار العظمى، لأنه كان سلطاناً يتعظم على الناس.
يقال: صلى النار وصلاه النار.
سلكه في السلسلة: أن تلوى على جسده حتى تلتف عليه أثناؤها؛ وهو فيما بينها مرهق مضيق عليه لا يقدر على حركة؛ وجعلها سبعين ذراعاً إرادة الوصف بالطول.
كما قال: ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة ﴾ [التوبة: 80] ، يريد: مرات كثيرة، لأنها إذا طالت كان الإرهاق أشد.
والمعنى في تقديم السلسلة على السلك: مثله في تقديم الجحيم على التصلية.
أي: لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة، كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم.
ومعنى ﴿ ثُمَّ ﴾ الدلالة على تفاوت ما بين الغل والتصلية بالجحيم، وما بينها وبين السلك في السلسلة، لا على تراخي المدة (إنه) تعليل على طريق الاستئناف، وهو أبلغ؛ كأنه قيل: ما له يعذب هذا العذاب الشديد؟
فأجيب بذلك.
وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين (34) ﴾ دليلان قويان على عظم الجرم في حرمان المسكين، أحدهما: عطفه على الكفر، وجعله قرينة له.
والثاني: ذكر الحض دون الفعل، ليعلم أنّ تارك الحض بهذه المنزلة، فكيف بتارك الفعل، وما أحسن قول القائل: إذَا نَزَلَ الأضْيَافُ كَانَ عَذَوَّرا ** عَلَى الْحَىِّ حَتَّى تَسْتَقِلَّ مَرَاجِلُهْ يريد حضهم على القرى واستعجلهم وتشاكس عليهم.
وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان، أفلا نخلع نصفها الآخر؟
وقيل: هو منع الكفار.
وقولهم: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء الله أَطْعَمَهُ ﴾ [يس: 47] والمعنى على بذل طعام المسكين ﴿ حَمِيمٌ ﴾ قريب يدفع عنه ويحزن عليه، لأنهم يتحامونه ويفرون منه، كقوله: ﴿ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ﴾ [المعارج: 10] ، والغسلين: غسالة أهل النار وما يسيل من أبدانهم من الصديد والدم؛ فعلين من الغسل ﴿ الخاطئون ﴾ الآثمون أصحاب الخطايا.
وخطئ الرجل: إذا تعمد الذنب، وهم المشركون: عن ابن عباس: وقرئ: (الخاطيون) بإبدال الهمزة ياء، والخاطون بطرحها.
وعن ابن عباس: ما الخاطون؟
كلنا نخطو، وروى عنه أبو الأسود الدؤلي: ما الخاطون؟
إنما هو الخاطئون؛ ما الصابون؟
إنما هو الصابئون: ويجوز أن يراد: الذين يتخطون الحق إلى الباطل، ويتعدوّن حدود اللَّه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ ﴾ تَعْلِيلٌ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ لِلْمُبالَغَةِ، وذِكْرُ العَظِيمِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعَظَمَةِ فَمَن تَعَظَّمَ فِيها اسْتَوْجَبَ ذَلِكَ.
﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ ولا يَحُثُّ عَلى بَذْلِ طَعامِهِ أوْ عَلى إطْعامِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَبْذُلَ مِن مالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الحَضِّ لِلْإشْعارِ بِأنَّ تارِكَ الحَضِّ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ فَكَيْفَ بِتارِكِ الفِعْلِ.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَكْلِيفِ الكُفّارِ بِالفُرُوعِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ الأمْرَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ أقْبَحَ العَقائِدِ الكُفْرُ بِاللَّهِ تَعالى وأشْنَعَ الرَّذائِلِ البُخْلُ وقَسْوَةُ القَلْبِ.
﴿ فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ ﴾ قَرِيبٌ يَحْمِيهِ.
﴿ وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ ﴾ غُسالَةِ أهْلِ النّارِ وصَدِيدِهِمْ فِعْلِينٌ مِنَ الغَسْلِ.
﴿ لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ ﴾ أصْحابُ الخَطايا مِن خَطِئَ الرَّجُلُ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ لا مِنَ الخَطَأِ المُضادِّ لِلصَّوابِ، وقُرِئَ «الخاطِيُونَ» بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً و «الخاطُونَ» بِطَرْحِها.
<div class="verse-tafsir"
{لا يأكله إلا الخاطئون} للكافرون أصحاب الخطايا وخطىء الرجل إذا تعمد الذنب
﴿ لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ ﴾ أصْحابُ الخَطايا مِن خَطِئَ الرَّجُلُ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ لا مِنَ الخَطَأِ المُقابِلِ لِلصَّوابِ دُونَ المُقابِلِ لِلْعَمْدِ والمُرادُ بِهِمْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُشْرِكُونَ.
وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ والعَتَكِيُّ وطَلْحَةُ في رِوايَةِ «الخاطِيُونَ» بِياءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلًا مِنَ الهَمْزَةِ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ في رِوايَةٍ أُخْرى ونافِعٌ بِخِلافٍ عَنْهُ «الخاطُونَ» بِطَرْحِ الهَمْزَةِ بَعْدَ إبْدالِها تَخْفِيفًا عَلى أنَّهُ مِن خَطِئَ كَقِراءَةِ مَن هَمَزَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُشْعِرُ بِإنْكارِ ذَلِكَ.
أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طَرِيقِ أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما الخاطُونَ إنَّما هو الخاطِئُونَ ما الصّابُونَ إنَّما هو الصّابِئُونَ وفي رِوايَةٍ ما الخاطُونَ كُلُّنا نَخْطُو كَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ التَّخْفِيفَ هَكَذا لَيْسَ قِياسًا وهو مُلْبِسٌ مَعَ ذَلِكَ فَلا يَرْتَكِبُ وقِيلَ هو مِن خَطا يَخْطُو فالمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ مِنَ الطّاعَةِ إلى العِصْيانِ ومِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ المُذْنِبِينَ أيْضًا هَذا وظَواهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ المُؤْمِنَ الطّائِعَ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ والكافِرَ يُؤْتى كِتابَهُ بِشَمالِهِ ولَمْ يُعْلَمْ مِنها حالُ الفاسِقِ الَّذِي ماتَ عَلى فِسْقِهِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ بَلْ قِيلَ لَيْسَ في القُرْآنِ بَيانُ حالِهِ صَرِيحًا وقَدِ اخْتُلِفَ في أمْرِهِ فَجَزَمَ الماوَرْدِيُّ بِأنَّ المَشْهُورَ أنَّهُ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ حَكى قَوْلًا بِالوَقْفِ وقالَ لا قائِلَ بِأنَّهُ يُؤْتاهُ بِشَمالِهِ وقالَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ اخْتُلِفَ في عُصاةِ المُؤْمِنِينَ فَقِيلَ يَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ وقِيلَ بِشِمالِهِمْ، واخْتَلَفَ الأوَّلُونَ فَقِيلَ: يَأْخُذُونَها قَبْلَ الدُّخُولِ في النّارِ ويَكُونُ ذَلِكَ عَلامَةً عَلى عَدَمِ خُلُودِهِمْ فِيها.
وقِيلَ يَأْخُذُونَها بَعْدَ الخُرُوجِ مِنها ومِن أهْلِ العِلْمِ مَن تَوَقَّفَ لِتَعارُضِ النُّصُوصِ ومَن حَفِظَ حُجَّةً عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ في هَذِهِ الآياتِ تَصْرِيحٌ بِقِراءَةِ العَبْدِ كِتابَهُ والوارِدُ في ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ والَّذِي يَجْمَعُ الآياتِ والأحادِيثَ عَلى ما قالَ اللَّقانِيُّ أنَّ مِنَ الآخِذِينَ مَن لَمْ يَقْرَأْ كِتابَهُ لِاشْتِمالِهِ عَلى المَخازِي والقَبائِحِ والجَرائِمِ والفَضائِحِ فَيَأْخُذُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الدَّهَشُ والرُّعْبُ حَتّى لا يَمِيزَ شَيْئًا كالكافِرِ ومِنهم مَن يَقْرَؤُهُ بِنَفْسِهِ ومِنهم مَن يَدْعُو أهْلَ حاضِرِهِ لِقِراءَتِهِ إعْجابًا بِما فِيهِ وظَواهِرُ النُّصُوصِ أنَّ القِراءَةَ حَقِيقِيَّةٌ وقِيلَ مَجازِيَّةٌ عَبَّرَ بِها عَنِ العِلْمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
ولَفْظُ الحَسَنِ يَقْرَأُ كُلُّ إنْسانٍ كِتابَهُ أُمِّيًّا كانَ أوْ غَيْرَ أُمِّيٍّ وظَواهِرُ الآثارِ أنَّ الحَسَناتِ تُكْتَبُ مُتَمَيِّزَةً مِنَ السَّيِّئاتِ فَقِيلَ إنَّ سَيِّئاتِ المُؤْمِنِ أوَّلُ كِتابِهِ وآخِرُهُ هَذِهِ ذُنُوبُكَ قَدْ سَتَرْتُها وغَفَرْتُها وإنَّ حَسَناتِ الكافِرِ أوَّلُ كِتابِهِ وآخِرُهُ هَذِهِ حَسَناتُكَ قَدْ رَدَدْتُها عَلَيْكَ وما قَبِلْتُها.
وقِيلَ يَقْرَأُ المُؤْمِنُ سَيِّئاتِ نَفْسِهِ ويَقْرَأُ النّاسُ حَسَناتِهِ حَتّى يَقُولُوا ما لِهَذا العَبْدِ سَيِّئَةٌ ويَقُولَ ما لِي حَسَنَةٌ.
وقِيلَ كُلٌّ يَقْرَأُ حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ وأوَّلُ سَطْرٍ مِن كِتابِ المُؤْمِنِ أبْيَضُ فَإذا قَرَأهُ ابْيَضَّ وجْهُهُ والكافِرُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ وظَواهِرُ الآياتِ والأحادِيثِ عَدَمُ اخْتِصاصِ إيتاءِ الكُتُبِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وإنْ تَرَدَّدَ فِيهِ بَعْضُ العُلَماءِ لِما في بَعْضِها مِمّا يُشْعِرُ بِالِاخْتِصاصِ فَفِي حَدِيثٍ رَواهُ أحْمَدُ «عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ وقَدْ قالَ لَهُ رَجُلٌ: كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِن بَيْنِ الأُمَمِ فِيما بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أُمَّتِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ: «هم غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِن أثَرِ الوُضُوءِ لَيْسَ أحَدٌ كَذَلِكَ غَيْرُهم وأعْرِفُهم أنَّهم يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ»» الحَدِيثُ وقَدْ تَقَدَّمَ فَتَذَكَّرْ والحَقُّ أنَّ الجِنَّ في هَذِهِ الأُمُورِ حُكْمُهم حُكْمُ الإنْسِ عَلى ما بَحَثَهُ القُرْطُبِيُّ وصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ نَعَمُ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَأْخُذُونَ كِتابًا بَلْ إنَّ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ ومِنهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَأْخُذُونَ أيْضًا كِتابًا وأوَّلُ مَن يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَلَهُ شُعاعٌ كَشُعاعِ الشَّمْسِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَما في الحَدِيثِ وبَعْدَهُ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ وأوَّلُ مَن يَأْخُذُ كِتابَهُ بِشَمالِهِ أخُوهُ الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ غَيْرَ بَعِيدٍ والآثارُ في كَيْفِيَّةِ وُصُولِ الكُتُبِ إلى أيْدِي أصْحابِها مُخْتَلِفَةٌ فَقَدْ ورَدَ أنَّ الرِّيحَ تُطِيرُها مِن خِزانَةٍ تَحْتَ العَرْشِ فَلا تُخْطِئُ صَحِيفَةٌ عُنُقَ صاحِبِها ووَرَدَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُدْعى فَيُعْطى كِتابَهُ وجَمْعٌ بِأخْذِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إيّاها مِن أعْناقِهِمْ ووَضْعِهِمْ لَها في أيْدِيهِمْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ وتَمامُ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ أي: تساقون إلى الحساب والقصاص وقراءة الكتب ويقال: تُعْرَضُونَ على الله تعالى، كقوله: عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا [الكهف: 48] ثم قال: لاَ تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ يعني: لا يخفى على الله منكم ولا من أعمالكم شيء.
قرأ حمزة، والكسائي لاَ يخفى، والباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأن لفظ خافية مؤنث.
ومن قرأ بالياء، انصرف إلى المعنى يعني: لا يخفى منكم خاف، والهاء ألحقت للمبالغة.
ثم قال عز وجل: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ يعني: كتابه الذي عمله، فرأى فيه الحسنات فسر بذلك، فَيَقُولُ لأصحابه: هاؤُمُ يعني: تعالوا اقْرَؤُا كِتابِيَهْ.
قال القتبي: هاؤُمُ في اللغة بمنزلة خذ وتناول ويقال للاثنين: هاؤما، وللجماعة هاؤموا.
والأصل هاكم، فحذفوا الكاف وأبدلوها همزة.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: بلغني أنهم يعرضون ثلاث عرضات.
فأما عرضتان، فهما الخصومات والمعاذير.
وأما الثالثة، فتطاير الصحف في الأيدي.
وروى عبد الله بن مسعود نحو هذا.
ثم قال: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ يعني: أيقنت وعلمت أني أحاسب.
قال الله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ يعني: في عيش مرضي، فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ يعني: مرتفعة.
قُطُوفُها دانِيَةٌ يعني: اجتناء ثمارها قريب، يعني: شجرها قريب يتناوله القائم والقاعد، فيقال لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً يعني: كلوا من ثمار الجنة واشربوا من شرابها هنيئا يعني: طيباً بلا داء، ويقال: حلال لا إثم فيه.
بِما أَسْلَفْتُمْ يعني: بما عملتم وقدمتم فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ يعني: في الدنيا.
ويقال: بما عملتم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية، يعني: في الدنيا.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ روي عن ابن عباس أنه قال: الآية الأولى نزلت في أبي سلمة بن عبد الأسد، وهذه الآية في الأسود بن عبد الأسد، ويقال: في جميع المؤمنين وفي جميع الكفار.
فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ يعني: لم أعط كتابيه، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ يعني: لم أعلم ما حسابي.
قوله تعالى: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ، يا ليتني تركت على الموتة الأولى بين النفختين، ويقال: يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ يعني: المنية.
قال مقاتل: يتمنى الموت.
مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ يعني: ما أرى ينفعني مالي الذي جمعت في الدنيا.
هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ يعني: بطل عني عذرِي وحجتي.
يقول الله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ يعني: بالأغلال الثّقال.
ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ يعني: أدخلوه.
ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ يعني: أدخلوه في تلك السلسلة.
إِنَّهُ كانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ يعني: لا يصدق بالله العظيم.
وَلا يَحُضُّ يعني: لا يحث نفسه ولا غيره عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ يعني: لا يطعم المسكين في الدنيا.
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ يعني: قريب يمنع منه شيئاً، يعني: أحداً يمنع من العذاب.
وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ يعني: ليس له فيها طعام إلا من غسلين.
وروى عكرمة، عن ابن عباس قال: لا أدري ما الغسلين.
وروي عنه أنه قال: الغسلين: ما يسقط عن عروقهم، وذاب من أجسادهم.
وقال القتبي: هو فعلين من غسلت فكأنه غسالة.
لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ يعني: المشركين.
وروى عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلاً قرأ عنده: لاَّ يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ وقال ابن عباس: كلنا نخطئ، ولكن لاَّ يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ يعني: العاصين الكافرين.
<div class="verse-tafsir"
للزبانيةِ: خذوه واجْعَلُوا في عنقه غلاًّ، قال ابن جُرَيْجٍ: نزلَتْ في أبي جَهْلٍ «١» .
وقوله تعالى: فَاسْلُكُوهُ معناه: أدْخِلوه، ورُوِيَ أن هذه السلسلةَ تدخلُ في فَمِ الكافرِ وتخرجُ من دُبُرِه، فهي في الحقيقةِ التي تَسْلُكُ فيه، لكنَّ الكلامَ جَرَى مَجْرَى:
أدْخَلْتُ القَلَنْسُوةَ في رَأْسِي، ورُوي أن هذه السلسلةَ تلوى حَوْلَ الكافرِ حتى تعمَّه وتَضْغَطَه، فالكلامُ على هذا على وجهه وهو المسلوك.
وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)
وقوله تعالى: وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ خُصَّتْ هذه الخلةُ بالذكرِ، لأنَّها من أضَرِّ الخِلاَلِ بالبشر إذا كثُرَتْ في قوم هَلَكَ مساكينُهم، ت: ونَقَلَ الفخرُ «٢» عن بعض الناس أنه قال في قوله تعالى: وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ: دليلانِ قويَّانِ على عِظَمِ الجرْمِ في حِرْمَانِ المساكين، أحدهما: عَطْفُه على الكفرِ وجَعْلُه قريناً له، والثاني: ذِكْرُ الحضِّ دُونَ الفِعْلِ ليعلمَ أنَّه إذا كانَ تاركَ الحضِّ بهذه المنزلةِ، فكيفَ بمن ترك الفِعْل، قال الفخر «٣» : ودلتِ الآية على أنَّ الكفارَ يُعَاقَبُونَ على ترك الصلاةِ والزكاةِ، وهو المرادُ من قولنا: إنهم مخاطَبُون بفروعِ الشريعة/ وعن أبي الدَّرْدَاءِ أنه: كانَ يَحُضُّ امرأتَه على تكثيرِ المَرَقِ لأجْلِ المساكينِ، ويقول: خَلَعْنَا نصفَ السلسلةِ بالإيمَانِ، أَفَلاَ نَخْلَعُ النصفَ الثاني «٤» ، انتهى.
وقوله: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ أي صَدِيقٌ لطيفُ المودةِ قاله الجمهور، وقيلَ: الحميمُ الماءُ السُّخْنُ، فكأنه تعالى أخبرَ أنَّ الكافرَ ليس له ماءٌ ولا شيءٌ مائعٌ ولا طَعَامٌ إلا مِنْ غِسْلينٍ، وهو ما يَجْرِي من الجَرَاحِ، إذا غَسِلَتْ، وقال ابن عباس: الغسلينُ هو صَدِيدُ أهْلِ النار «٥» ، وقال قَوم: الغسلينُ: شيءٌ يجري من ضَرِيع النارِ، - ص-:
إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ أبو البقاء: النونُ في (غسلين) زائدةٌ: لأنه غُسَالَةُ أهلِ النار، انتهى،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّانِي: الأخِيرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
﴿ وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ ﴾ أيْ: حُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ وما فِيها ﴿ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ﴾ أيْ: كُسِرَتا، ودُقَّتا دَقَّةً واحِدَةً، لا يُثَنّى عَلَيْها حَتّى تَسْتَوِيَ بِما عَلَيْها مِن شَيْءٍ، فَتَصِيرَ كالأدِيمِ المَمْدُودِ.
وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الأعْرافِ] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: فَدُكَّتا، ولَمْ يَقُلْ: فَدُكِكْنَ، لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كالشَّيْءِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا ﴾ ، وأنْشَدُوا: هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا أنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ: إذا ولَدَتْ، أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ ﴿ وانْشَقَّتِ السَّماءُ ﴾ لِنُزُولِ مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ وهْيَها: ضَعْفُها وتَمَزُّقُها مِنَ الخَوْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ تَشَقُّقُها، قالَهُ الفَرّاءُ ﴿ والمَلَكُ ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ، فَهو اسْمُ جِنْسٍ ﴿ عَلى أرْجائِها ﴾ أيْ: عَلى جَوانِبِها.
قالَ الزَّجّاجُ: ورَجاءُ كُلِّ شَيْءٍ: ناحِيَتُهُ، مَقْصُورٌ.
والتَّثْنِيَةُ: رَجَوانِ، والجَمْعُ: أرْجاءٌ.
وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْها السَّماءُ.
قالَ الضَّحّاكُ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ كانَتِ المَلائِكَةُ عَلى حافَّتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، فَيُحِيطُونَ بِها، ومَن عَلَيْها.
ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: عَلى أرْجاءِ الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، أيِ: العَرْشُ عَلى رُؤُوسِ الحَمَلَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: فَوْقَ الَّذِينَ عَلى أرْجائِها، أيْ: أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها.
والثّالِثُ: أنَّهم فَوْقَ أهْلِ القِيامَةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ "يَوْمَئِذٍ" أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ "ثَمانِيَةٌ" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ.
وجاءَ في الحَدِيثِ «أنَّهُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمُدَّهُمُ اللَّهُ بِأرْبَعَةِ أمْلاكٍ آخَرِينَ،» هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
والثّانِي: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِنَ الكَرُوبِيِّينَ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في "سُنَنِهِ" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ، أنَّ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عامٍ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ﴾ عَلى اللَّهِ لِحِسابِكم (لا تَخْفى) عَلَيْهِ.
قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَخْفى" بِالياءِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ.
والمَعْنى: لا يَخْفى عَلَيْهِ (مِنكم خافِيَةٌ) أيْ: نَفْسٌ خافِيَةٌ، أوْ فَعْلَةٌ خافِيَةٌ.
وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ « "يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ، ومَعاذِيرُ وأمّا الثّالِثَةُ، فَعِنْدَها تَتَطايَرُ الصُّحُفُ في الأيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمالِهِ،» وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ: حاسِبُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا، وزِنُوها قَبْلَ أنْ تُوزَنُوا، وتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأكْبَرِ، يَوْمَئِذٍ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ.
﴿ فَيَقُولُ هاؤُمُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "هاؤُمُ" أمْرٌ مِنَ الجَماعَةِ.
بِمَنزِلَةِ هاكم.
تَقُولُ لِلْواحِدِ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ: هاؤُما يا رَجُلانِ.
ولِلثَّلاثَةِ: هاؤُمُ يا رِجالٌ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما يَقُولُ هَذا ثِقَةً بِسَلامَتِهِ وسُرُورًا بِنَجاتِهِ.
وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ ﴾ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا "أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ" أيْ: أُبْعَثُ، وأُحاسَبُ في الآخِرَةِ ﴿ فَهُوَ في عِيشَةٍ ﴾ أيْ: حالَةٍ مِنَ العَيْشِ ﴿ راضِيَةٍ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: فِيها الرِّضى.
وَقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ رِضًى يَرْضاها مَن يَعِيشُ فِيها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها مَجازُ مَرَضِيَّةٍ ﴿ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ﴾ أيْ: عالِيَةِ المَنازِلِ ﴿ قُطُوفُها ﴾ أيْ: ثِمارُها ﴿ دانِيَةٌ ﴾ أيْ: قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلُها، وهي جَمْعُ قِطْفٍ.
والقِطْفُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ.
قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: يَتَناوَلُ الثَّمَرَةَ وهو نائِمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُوا ﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ﴿ واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ ﴾ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في ﴿ الأيّامِ الخالِيَةِ ﴾ الماضِيَةِ، وهي أيّامُ الدُّنْيا.
﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بِبَدْرٍ، وهو أخُو أبِي سَلَمَةَ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ﴾ وذَلِكَ لِما يَرى فِيهِ مِنَ القَبائِحِ ﴿ وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ لِأنَّهُ لا حاصِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، إنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ.
وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ، يَحْذِفُونَ الهاءَ مِن "كِتابِيَهْ" و"حِسابِيَهْ" في الوَصْلِ.
قالَ الزَّجّاجُ: والوَجْهُ أنْ يُوقَفَ عَلى هَذِهِ الهاآتِ، ولا تُوصَلَ، لِأنَّها أُدْخِلَتْ لِلْوَقْفِ.
وقَدْ حَذَفَها قَوْمٌ في الوَصْلِ، ولا أُحِبُّ مُخالَفَةَ المُصْحَفِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما هِيَهْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَها ﴾ يَعْنِي: المَوْتَةَ الَّتِي ماتَها في الدُّنْيا ﴿ كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ أيِ: القاطِعَةَ لِلْحَياةِ، فَكَأنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ، وأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ لِلْحِسابِ ﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: زالَ عَنِّي مُلْكِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ ﴾ أيْ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ أيِ: اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ ﴿ ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ النّارَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: اجْعَلُوهُ يَصْلى النّارَ ﴿ ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ﴾ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ ﴿ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِذِراعِ المَلِكِ.
وقالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، الباعُ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ.
وقالَ سُفْيانُ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ ذِراعًا.
وقالَ مُقاتِلٌ: ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا بِالذِّراعِ الأوَّلِ.
ويُقالُ: إنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاسْلُكُوهُ ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ.
قالَ الفَرّاءُ: وذُكِرَ أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِ الكافِرِ فَتَخْرُجُ مِن رَأْسِهِ، فَذَلِكَ سَلْكُهُ فِيها.
والمَعْنى: ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ، وأدْخَلْتُها في رَأْسِي.
ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في يَدِي، وإنَّما اليَدُ تَدْخُلُ في الخاتَمِ، وإنَّما اسْتَجازُوا ذَلِكَ، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْرُوفٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُ بِوَحْدانِيَّتِهِ وعَظَمَتِهِ ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ أيْ: لا يُطْعِمُهُ، ولا يَأْمُرُ بِإطْعامِهِ ﴿ فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ، أيْ: يَشْفَعُ لَهُ ﴿ وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ مُقاتِلٌ: إذا سالَ القَيْحُ، والدَّمُ بادَرُوا أكْلَهُ قَبْلَ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ.
والثّانِي: شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: .
والثّالِثُ: أنَّهُ غُسالَةُ أجْوافِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو "فِعْلِينٌ" مِن "غَسَلْتُ" كَأنَّهُ غُسالَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الخاطِئُونَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ ﴿ ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ ﴿ ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ ﴾ ﴿ إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ ﴿ فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ ﴾ ﴿ وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ ﴾ ﴿ لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ ﴾ ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَما لا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ المَعْنى يَقُولُ اللهُ تَعالى، أوِ المَلِكُ بِأمْرِهِ- لِلزَّبانِيَةِ: "خُذُوهُ فَغَلُّوهُ" أيِ: اجْعَلُوا عَلى عُنُقِهِ غِلًّا، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
و"ذَرْعُها" مَعْناهُ: مَبْلَغُ كَيْلِها، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى السَبْعَمِائَةَ والسَبْعِينَ، والسَبْعَةَ، مَواقِفَ ونِهاياتٍ لِأشْياءَ عِظامٍ، فَذَلِكَ مَشْيُ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ عَلى أنْ يَجْعَلُوها نِهاياتٍ، وهَذِهِ السِلْسِلَةُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي جَعَلَ اللهُ تَعالى فِيها السَبْعِينَ نِهايَةً، وقَرَأ السُدِّيُّ: "ذَرْعُها سَبْعِينَ" بِالياءِ، وهَذا عَلى حَذْفِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ هَذا الذِراعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، وابنُ جُرَيْجٍ: هو بِذِراعِ المَلِكِ وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ وغَيْرُهُ: في الذِراعِ سَبْعُونَ باعًا في كُلِّ باعٍ كَما بَيْنَ الكُوفَةِ ومَكَّةَ.
وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ.
وقالَ حُذّاقٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي بِالذِراعِ المَعْرُوفَةِ مِنّا، وإنَّما خُوطِبْنا بِما نَعْرِفُهُ ونُحَصِّلُهُ، وقالَ الحَسَنُ: اللهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هِيَ، وقالَ سُوِيدُ بْنُ نَجِيحٍ -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النارِ في تِلْكَ السِلْسِلَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَوْ وضَعَ حَلْقَةً مِنها عَلى جَبَلٍ لَذابَ كالرَصاصِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فاسْلُكُوهُ" مَعْناهُ: فادْخُلُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ يَصِفُ حُمُرَ وحْشٍ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مِسْكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ وَرُوِيَ أنَّ هَذِهِ السِلْسِلَةَ تَدْخُلُ في فَمِ الكافِرِ وتَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، فَهي في الحَقِيقَةِ الَّتِي تَسْلُكُ فِيهِ، لَكِنَّ الكَلامَ جَرى مَجْرى قَوْلِهِمْ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وفَمِي فى الحَجَرِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ السِلْسِلَةَ تُلْوى حَوْلَ الكافِرِ حَتّى تَغُمُّهُ وتَضْغَطُهُ، فالكَلامُ -عَلى هَذا- عَلى وجْهِهِ، وهو المَسْلُوكُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ المُرادُ بِهِ: عَلى إطْعامِ طَعامِ المِسْكِينِ، وإضْافَةُ الطَعامِ إلى المِسْكِينِ مِن حَيْثُ لَهُ إلَيْهِ نِسْبَةٌ ما، وخُصَّتْ هَذِهِ الخُلَّةُ مِن خِلالِ الكافِرِ بِالذِكْرِ لِأنَّها مِن أضَرَّ الخِلالِ في البَشَرِ، إذا كَثُرَتْ في قَوْمٍ هَلَكَ مَساكِينُهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "حَمِيمٌ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو الصَدِيقُ اللَطِيفُ المَوَدَّةِ، فَنَفى اللهُ تَعالى أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِ هُنالِكَ مَن يُوالِيهِ، ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُسْتَنِيرِ: الحَمِيمُ الماءُ الحارُّ، فَكَأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ الكافِرَ لَيْسَ لَهُ ماءٌ ولا شَيْءَ مائِعٌ ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينَ، وهو -فِيما قالَ اللُغَوِيُّونَ- ما يَجْرِي مِنَ الجِراحِ إذا غُسِلَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو صَدِيدُ أهْلِ النارِ، وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: الغِسْلِينُ والزَقُّومُ أخْبَثُ شَيْءٍ وأبْشَعُهُ، وقالَ الضَحّاكُ، والرَبِيعُ هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النارِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو شَيْءٌ يُجْرى مِن ضَرِيعٍ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ، وفي أُخْرى إلّا مِن غِسْلِينَ، فَهُما شَيْءٌ واحِدٌ أوِ اثْنانِ مُتَداخِلانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ هُنا عن طائِفَةٍ وهُناكَ عن طائِفَةٍ ويَكُونُ الغِسْلِينُ والضَرِيعُ مُتَبايِنَيْنِ عَلى ما يُفْهَمُ في لِسانِ العَرَبِ.
وخَبَرُ "لَيْسَ" في "لَهُ"، وقالَ المَهْدَوِيُّ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "هاهُنا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يَصِحُّ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وَ"الخاطِئُ": الَّذِي يَفْعَلُ ضِدَّ الصَوابِ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ، و"المُخْطِئُ" الَّذِي يَفْعَلُهُ غَيْرُ مُتَعَمَّدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والزَهْرِيُّ: "الخاطِيونَ" بِالياءِ دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُ-: "الخاطُّونَ" بِضَمِّ الطاءِ دُونَ هَمْزٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، قالَ بَعْضُ النُحاةِ "لا" زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأقْسَمَ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: "لا" رَدَّ لِما تَقَدَّمَ مِن أقْوالِ الكُفّارِ، والبِدايَةُ "أُقْسِمُ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "فَلَأُقْسِمُ" لِأنَّ لامَ القَسَمِ مَعَها ألِفُ أُقْسِمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَما لا تُبْصِرُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُعَمِّمَ القَسَمَ جَمِيعَ مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ الأجْسادَ والأرْواحَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ عامٌّ.
وقالَ قَوْلٌ حَسَنٌ عامٌّ.
وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ وما لا تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: "وَما لا تُبْصِرُونَ" المَلائِكَةَ.
و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في تَأْوِيلِ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، ومُحَمَّدٌ في قَوْلِ آخَرِينَ، وأُضِيفَ القَوْلُ إلَيْهِ لِأنَّهُ هو الَّذِي مَن تَلاهُ وبَلَّغَهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خذوه ﴾ مقول لقول محذوف موقعه في موقع الحال من ضمير ﴿ فيقول يا ليتني لم أَوْت كتابيه ﴾ [الحاقة: 25]، والتقدير: يُقال: خذوه.
ومعلوم من المقام أن المأمورين بأن يأخذوه هم الملائكة الموكلون بسَوق أهللِ الحساب إلى ما أُعد لهم.
والأخذ: الإِمساك باليد.
وغُلُّوه: أمر من غلّه إذا وضعه في الغُل وهو القيد الذي يجعل في عنق الجاني أو الأسير فهو فعل مشتق من اسم جامد، ولم يسمع إلاّ ثلاثياً ولعل قياسه أن يقال: غَلَّله بلامين لأن الغُل مضاعف اللام، فحقه أن يكون مثل عَمَّم، إذا جعل له عمامة، وأزَّر، إذا ألبسه إزاراً، ودرَّع الجاريةَ، إذا ألبسها الدِرع، فلعلهم قالوا: غَلَّه تخفيفاً.
وعطف بفاء التعقيب لإِفادة الإِسراع بوضعه في الأغلال عقب أخذه.
و ﴿ ثم ﴾ في قوله: ﴿ ثم الجحيم صلُّوه ﴾ للتراخي الرتبي لأن مضمون الجملة المعطوفة بها أشد في العقاب من أخذه ووضعه في الأغلال.
وصلَّى: مضاعف تضعيف تعدية لأن صَلِي النار معناه أصابه حرقها أو تدفَأ بها، فإذا عدّي قيل: أصلاه ناراً، وصلاَّه ناراً.
و ﴿ ثم ﴾ من قوله: ﴿ ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه ﴾ للتراخي الرتبي بالنسبة لمضمون الجملتين قبلها لأن مضمون ﴿ في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً ﴾ أعظم من مضمون ومضمون فاسلكوه} دل على إدخاله الجحيم فكان إسلاكه في تلك السلسلة أعظم من مطلق إسلاكه الجحيم.
ومعنى ﴿ اسلكوه: ﴾ اجعلوه سالِكاً، أي داخلاً في السلسلة وذلك بأن تَلف عليه السلسلة فيكون في وسطها، ويقال: سلَكه، إذا أدخله في شيء، أي اجعلوه في الجحيم مكبَّلاً في أغلاله.
وتقديم ﴿ الجحيمَ ﴾ على عامله لتعجيل المساءة مع الرعاية على الفاصلة وكذلك تقديم ﴿ في سلسلة ﴾ على عامله.
واقتران فعل ﴿ اسلكوه ﴾ بالفاء إمَّا لتأكيد الفاء التي اقترنت بفعل ﴿ فَغلّوه، ﴾ وإما للايذان بأن الفعل منزل منزلة جزاء شرط محذوف، وهذا الحذف يشعر به تقديم المعمول غالباً كأنه قيل: مهما فعلتم به شيئاً فاسلكوه في سلسلة، أو مهما يكن شيء فاسلكوه.
والمقصود تأكيد وقوع ذلك والحثُّ على عدم التفريط في الفعل وأنه لا يرجى له تخفيف، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وربَّك فكبّر وثِيابَك فطهّر والرِّجز فاهجر ﴾ [المدثر: 35]، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ﴾ في سورة [يونس: 58].
والسلسلة: اسم لمجموع حَلَققٍ من حديد داخللٍ بعضُ تلك الحَلَق في بعض تجعل لِوثاق شخص كي لا يزول من مكانه، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ في سورة غافر (71).
وجملة ذرعها سبعون ذراعاً } صفة ﴿ سِلْسلة ﴾ وهذه الصفة وقعت معترضة بين المجرور ومتعلَّقِهِ للتهويل على المشركين المكذبين بالقارعة، وليست الجملة مما خوطب الملائكة الموكلون بسوْق المجرمين إلى العذاب، ولذلك فعَدَدُ السبعين مستعمل في معنى الكثرة على طريقة الكناية مثل قوله تعالى: ﴿ إِنْ تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ﴾ [التوبة: 80].
والذَّرع: كيلُ طوللِ الجسم بالذراع وهو مقدار من الطول مقدر بذراع الإِنسان، وكانوا يقدرون بمقادير الأعضاء مثل الذراع، والأصبَع، والأنملة، والقَدم، وبالأبعاد التي بين الأعضاء مثل الشِبْر، والفِتْر، والرتب (بفتح الراء والتاء)، والعَتَب، والبُصْم، والخُطوة.
وجملة ﴿ إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحضّ على طعام المسكين ﴾ في موضع العلة للأمر بأخذه وإصلائه الجحيم.
ووصف الله بالعظيم هنا إيماء إلى مناسبة عظم العذاب للذنب إذ كان الذنب كفراناً بعظيم فكان جزاء وفاقاً.
والحض على الشيء: أن يَطْلُبَ من أحد فعلَ شيء ويُلِحّ في ذلك الطلب.
ونفي حضه على طعام المسكين يقتضي بطريق الفحوى أنه لا يُطعم المسكين من ماله لأنه إذا كان لا يأمر غيره بإطعام المسكين فهو لا يطعمه من ماله، فالمعنى لا يطعم المسكين ولا يأمر بإطعامه، وقد كان أهل الجاهلية يطعمون في الولائم، والميسر، والأضيَاف، والتحابُب، رياء وسُمعة.
ولا يطعمون الفقير إلاّ قليلاً منهم، وقد جُعل عدم الحض على طعام المسكين مبالغة في شح هذا الشخص عن المساكين بمال غيره وكناية عن الشحّ عنهم بماله، كما جُعل الحرص على إطعام الضيف كناية عن الكرم في قول زينب بنت الطَّثَرِيَّةِ ترثي أخاها يزيدَ: إذا نَزل الأضياف كان عَذَوَّراً *** على الحَي حتى تَستقل مَراجِلُه تريد أنه يحضر الحي ويستعجلهم على نصف القدور للأضياف حتى توضع قدور الحي على الأثافي ويَشرعوا في الطبخ، والعَذوَّر بعين مهملة وذال معجمة كعملَّس: الشكِس الخُلق.
إلاّ أن كناية ما في الآية عن البخل أقوى من كناية ما في البيت عن الكرم لأن الملازمة في الآية حاصلة بطريق الأولوية بخلاف البيت.
وإذ قد جُعل عدم حضه على طعام المسكين جزء علة لشدة عذابه، علمنا من ذلك موعظة للمؤمنين زاجرة عن منع المساكين حقهم في الأموال وهو الحق المعروف في الزكاة والكفارات وغيرها.
وقوله: ﴿ فليس له اليوم ههنا حميم ﴾ من تمام الكلام الذي ابتدئ بقوله ﴿ خذوه، ﴾ وتفريع عليه.
والمقصود منه أن يسمعه من أوتي كتابه بشماله فييأس من أن يجد مدافعاً يدفع عنه بشفاعة، وتنديمٌ له على ما أضاعه في حياته من التزلف إلى الأصنام وسدنتها وتمويههم عليه أنه يجدهم عند الشدائد وإلمام المصائب.
وهذا وجه تقييد نفي الحميم ب ﴿ اليوم ﴾ تعريضاً بأن أحِمَّاءهم في الدنيا لا ينفعونهم اليوم كما قال تعالى: ﴿ ثم نقول للذين أشركوا أيْن شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ﴾ [الأنعام: 22] وقوله عنهم ﴿ فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ﴾ [الأعراف: 53] وغير ذلك مما تفوق في آي القرآن.
فقوله ﴿ له ﴾ هو خبر ﴿ ليس ﴾ لأن المجرور بلام الاختصاص هو محط الأخبار دون ظرف المكان.
وقوله: ﴿ ههنا ﴾ ظرف متعلق بالكون المنوي في الخبر بحرف الجر.
وهذا أولى من جعل ﴿ ههنا ﴾ خبراً عن ﴿ ليس ﴾ وجعل ﴿ له ﴾ صفةً ل ﴿ حميم ﴾ إذ لا حاجة لهذا الوصف.
والحَميم: القريب، وهو هنا كناية عن النصير إذ المتعارف عند العرب أن أنصار المرء هم عشيرته وقبيلته.
﴿ ولا طعام ﴾ عطف على والغِسلين: بكسر الغين ما يدخل في أفواه أهل النار من المواد السائلة من الأجساد وماء النار ونحو ذلك مما يعلمه الله فهو عَلَم على ذلك مثل سِجين، وسرقين، وعِرنين، فقيل إنه فِعْلِين من الغَسل لأنه سَالَ من الأبدان فكأنه غُسل عنها.
ولا مِوجب لبيان اشتقاقه.
والخاطئون:} أصحاب الخطايا يقال: خطِئ إذا أذنب.
والمعنى: لا يأكله إلاّ هو وأمثاله من الخاطئين.
وتعريف ﴿ الخاطئون ﴾ للدلالة على الكمال في الوصف، أي المرتكبون أشدّ الخِطأ وهو الإِشراك.
وقرأ الجمهور ﴿ الخاطئون ﴾ بإظهار الهمزة، وقرأ أبو جعفر ﴿ الخاطُون ﴾ بضم الطاء بعدها واو على حذف الهمزة تخفيفاً بعد إبدالها ياء تخفيفاً.
وقال الطيبي: قرأ حمزة عند الوقف الخاطيُون بإبدال الهمزة ياء ولم يذكره عنه غير الطيبي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ راجِيًا.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ مَسْتُورًا فافْتَضَحَ، ومِن عادَةِ العَرَبِ أنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ القَبُولِ والرَّدِّ وبَيْنَ الكَرامَةِ والهَوانِ، بِاليَمِينِ والشِّمالِ، فَتَجْعَلُ اليَمِينَ بَشِيرًا بِالقَبُولِ والكَرامَةِ، وتَجْعَلُ الشِّمالَ نَذِيرًا بِالرَّدِّ والهَوانِ.
﴿ وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِما شاهَدَ مِن كَثْرَةِ سَيِّئاتِهِ وكانَ يَظُنُّها قَلِيلَةً، لِأنَّهُ أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ.
الثّانِي: لِما رَأى فِيهِ مِن عَظِيمِ عَذابِهِ وألِيمِ عِقابِهِ.
﴿ يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مَوْتًا لا حَياةَ فِيهِ بَعْدَها، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّهُ تَمَنّى أنْ يَمُوتَ في الحالِ، ولَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا أكْرَهُ إلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كَثْرَةَ مالِهِ في الدُّنْيا لَمْ يَمْنَعْ عَنْهُ في الآخِرَةِ.
الثّانِي: لِأنَّ رَغْبَتَهُ في زِينَةِ الدُّنْيا وكَثْرَةِ المالِ هو الَّذِي ألْهاهُ عَنِ الآخِرَةِ.
﴿ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ ضَلَلْتُ عَنْ حُجَّتِي، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ.
الثّانِي: سُلْطانُهُ الَّذِي تَسَلَّطَ بِهِ عَلى بَدَنِهِ حَتّى أقْدَمَ بِهِ عَلى مَعْصِيَتِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ في الدُّنْيا مُطاعًا في أتْباعِهِ، عَزِيزًا في امْتِناعِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.
وَحُكِيَ أنَّ هَذا في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَكَرَ الضَّحّاكُ أنَّها نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ.
﴿ فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ ﴾ الحَمِيمُ: القَرِيبُ، ومَعْناهُ لَيْسَ لَهُ قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ ويَدْفَعُ عَنْهُ كَما كانَ يَفْعَلُ مَعَهُ في الدُّنْيا.
﴿ وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ غَسّالَةُ أطْرافِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، قالَ الأخْفَشُ: هو فِعْلِينُ مِنَ الغَسْلِ.
الثّانِي: أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ شَجَرَةٌ في النّارِ هي أخْبَثُ طَعامِهِمْ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الحارُّ الَّذِي قَدِ اشْتَدَّ نُضْجُهُ، بِلُغَةِ أزْدِ شَنُوءَةَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو القاسم الزجاجي النحوي في أماليه من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: ما أدري ما الغسلين ولكني أظنه الزقوم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الغسلين الدم والماء الذي يسيل من لحومهم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الغسلين صديد أهل النار.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن دلواً من غسلين يراق في الدنيا لأنتن بأهل الدنيا» .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال: الغسلين اسم طعام من أطعمه النار.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: غسلين شجرة في النار.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن صعصعة بن صوحان قال: جاء أعرابي إلى عليّ بن أبي طالب فقال: كيف هذا الحرف لا يأكله ألا الخاطون كل والله يخطو فتبسم عليّ وقال: يا أعرابي ﴿ لا يأكله إلا الخاطئون ﴾ قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين ما كان الله ليسلم عبده، ثم التفت عليّ إلى أبي الأسود فقال: إن الأعاجم قد دخلت في الدين كافة فضع للناس شيئاً يستدلون به على صلاح ألسنتهم، فرسم له الرفع والنصب والخفض.
وأخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه من طريق أبي الدهقان عن عبد الله أنه قرأ ﴿ لا يأكله إلا الخاطئون ﴾ مهموزة.
وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿ لا يأكله إلا الخاطون ﴾ لا يهمز.
وأخرج الحاكم وصححه من طريق أبي الأسود الدؤلي ويحيى بن يعمر عن ابن عباس قال: ما الخاطون؟
إنما هو الخاطئون، ما الصابون؟
إنما هو الصابئون.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ﴾ يقول: بما ترون وما لا ترون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما هو بقول شاعر ﴾ قال: طهره الله وعصمه ﴿ ولا بقول كاهن ﴾ قال: طهره من الكهانة وعصمه منها.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن يزيد بن عامر السوائي أنهم بينما هم يطوفون بالطاغية إذ سمعوا متكلماً وهو يقول: ﴿ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ ففزعنا لذلك وقلنا ما هذا الكلام الذي لا نعرفه، فنظرنا فإذا النبي صلى الله عليه وسلم منطلق.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ قال: بقدرة.
وأخرج عبد بن حميد عن الحكم في قوله: ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ قال: بالحق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: الوتين عرق القلب.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ قال: هو حبل القلب الذي في الظهر.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ قال: كنا نحدث أنه حبل القلب.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الوتين الحبل الذي في الظهر.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: الوتين نياط القلب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن حصين بن عبد الرحمن قال: قال ابن عباس: إذا احتضر الإِنسان أتاه ملك الموت فغمز وتينه، فإذا انقطع الوتين خرج روحه فهناك حين يشخص بصره ويتبعه روحه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: إذا انقطع الوتين لا إن جاع عرق، ولا إن شبع عرق.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وإنه لتذكرة ﴾ لك ﴿ وإنه لحسرة ﴾ ﴿ وإنه لحق اليقين ﴾ قال: القرآن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين ﴾ قال: يعني هذا القرآن وفي قوله: ﴿ وإنه لحسرة على الكافرين ﴾ قال: ذاكم يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ خطاب للزبانية يقوله لهم الله تعالى أو الملائكة بأمر الله ﴿ فَغُلُّوهُ ﴾ أي اجعلوا غلاً في عنقه؛ وروي أنها نزلت في أبي جهل ﴿ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً ﴾ معنى ذرعها أي طولها، واختلف في هذا الذراع فقيل: إنه الذراع المعروف، وقيل: بذراع الملك، وقيل: في الذراع سبعون باعاً، كل باع ما بين مكة والكوفة، ولله در الحسن البصري في قوله: الله أعلم بأي ذراع هي، وجعلها سبعين ذراعاً لإرادة وصفها بالطول، فإن السبعين من الأعداد التي تقصد بها العرب التكثير، ويحتمل أن تكون هذه السلسلة لكل واحد من أهل النار، أو تكون بين جميعهم وقد حكى الثعلبي ذلك ﴿ فَاسْلُكُوهُ ﴾ أي أدخلوه، روي أنها تلتوي عليه حتى تعمه وتضغطه، فالكلام على هذا على وجهه وهو المسلوك فيها، وإنما قدم قوله: في سلسلة، على اسلكوه، لإرادة الحصر، أي لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة وكذلك قدّم الحميم، على صلّوه، لإرادة الحصر أيضاً ﴿ طَعَامِ المسكين ﴾ يحتمل أنه أراد إطعام مسكين، فوضع الاسم موضع المضمر، أو يقدر: لا يحض على بذل طعام المسكين، وأضاف الطعام إلى المسكين؛ لأن له إليه نسبة، ووصفه بأنه لا يحض على طعام المسكين يدل على أنه لا يطعمه من باب أولى، وهذه الآية تدل على عظم الصدقة وفضلها، لأنه قرن من طعام المسكين بالكفر بالله ﴿ فَلَيْسَ لَهُ اليوم هَا هُنَا حَمِيمٌ ﴾ فيه قولان: أحدهما ليس له صديق، والآخر: ليس له شراب ﴿ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ فإن الحميم الماء الحار، والغسلين صديد أهل النار عند ابن عباس.
وقيل: شجر يأكله أهل النار، وقال اللغويون: هو ما يجري من الجراح إذا غسلت وهو فِعْلين من الغسل ﴿ الخاطئون ﴾ جمع خاطئ وهو الذي يفعل ضد الصواب متعمّداً، والمخطئ الذي يفعله بغير تعمد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وما أدراك ﴾ بالإمالة حيث كان: حمزة وخلف والخراز عن هبيرة، وأبو عمرو والنجاري عن ورش، وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ فهل ترى ﴾ كما في الملك ﴿ ومن قبله ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون: بفتح القاف وسكون الباء ﴿ وتعيها ﴾ بسكون العين تشبيهاً بخاء " فخذ ": القواس عن حمزة عن خلف وخلف لنفسه والهاشمي عن قنبل والخزاعي عن ابن فليح وأبو ربيعة عن أصحابه ﴿ فهي يومئذ ﴾ بالإدغام: شجاع أبو شعيب ﴿ لا يخفى ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف ﴿ كتابي ﴾ ﴿ وحسابي ﴾ بغير هاء السكت في الوصل: سهل ويعقوب ﴿ مالي ﴾ و ﴿ سلطاني ﴾ بدون الهاء في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب ﴿ يؤمنون ﴾ و ﴿ يذكرون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وسهل ويعقوب وابن عامر.
الوقوف: ﴿ الحاقة ﴾ ه لا لأن ما بعده خبرها ﴿ ما الحاقة ﴾ ه لا لاحتمال الواو بعده الحال والاسئناف ﴿ الحاقة ﴾ ه م ﴿ القارعة ﴾ ه ﴿ بالطاغية ﴾ ه ط ﴿ عاتية ﴾ ط ﴿ أيام ﴾ لا لأن ﴿ حسوماً ﴾ صفة الثمانية ﴿ صرعى ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ خاوية ﴾ ه ج للاستفهام مع الفاء ﴿ باقية ﴾ ط ﴿ بالخاطئة ﴾ ه ﴿ رابية ﴾ ه ﴿ الجارية ﴾ ه ج ﴿ واعية ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ه لا ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ الواقعة ﴾ ه لا للعطف ﴿ واهية ﴾ ه لا لذلك ﴿ رجائها ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ ثمانية ﴾ ط ﴿ خافية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ راضية ﴾ ه لا ﴿ عالية ﴾ ه لا ﴿ دانية ﴾ ه ﴿ الخالية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ القاضية ﴾ ه ج ﴿ ماليه ﴾ ه كلها جائزات وتفصيلاً بين الندامات مع اتحاد المقولات ﴿ سلطانية ﴾ ه ﴿ فغلوه ﴾ ط للعطف ﴿ صلوه ﴾ ه لا لذلك ﴿ فاسلكوه ﴾ ه ط ﴿ العظيم ﴾ ه لا ﴿ المسكين ﴾ ه ط ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ غسلين ﴾ ه لا ﴿ الخاطئون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه لا ﴿ وما لا تبصرون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ شاعر ﴾ ط ﴿ تؤمنون ﴾ ه ﴿ كاهن ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه أي هو تنزيل ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه لا ﴿ الوتين ﴾ ه والوصل أجوز لدخول الفاء واتحاد الكلام ﴿ حاجزين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مكذبين ﴾ ه لا ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه.
التفسير: ﴿ الحاقة ﴾ وهي القيامة بالاتفاق إلا أنهم اختلفوا في سبب التسمية فقال أبو مسلم: هي الفاعلة من حقت كلمة ربك أي الساعة واجبة الوقوع لا ريب في مجيئها، وقريب منه قول الليث أنها النازلة التي حقت فلا كاذبة لها.
وقيل: إنها التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا أي لا أعرف حقيقته، جعل الفعل لها وهو لأهلها، وقيل: هي التي يوجد فيها حواق الأمور وهي الواجبة الحصول من الثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة.
وهذا الوجه والذي تقدمه يشتركان في الإسناد المجازي إلا أن الفاعل في الأول بمعنى المفعول والثاني على أصله، وقريب منه قول الزجاج أنها تحق أي يكون فيها جميع آثار أعمال المكلفين ويخرج عن حد الانتظار.
قال الأزهري: سميت بذلك أنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل أي تخاصم كل مخاصم وتغلبه.
وأورد في التفسير الكبير وجوهاً أخر إلى تمام العشرة فهي في التحقيق مكررة فلذلك حذفناها.
قوله ﴿ ما الحاقة ﴾ مبتدأ وخبره والمجموع خبر الحاقة.
والأصل ما هي يعني وأي شيء هي؟
وفي هذا الاستفهام تعظيم وتفخيم لشأنها، وفي وضع الظاهر موضع المضمر تهويل فوق تهويل وفي قوله ﴿ وما أدراك ما الحاقة ﴾ مبالغة أخرى والمعنى أي شيء أعلمك ما الحاقة؟
وفيه أن مدى عظمها بحيث لا يبلغه وصف واصف ولا نعت مخبر.
قال جار الله: ما يعني في ما الحاقة الثانية في موضع الرفع على الابتداء.
﴿ وأدراك ﴾ معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام.
قلت: ولولا ذلك لنصب الجزأين على أنهما مفعول ثان وثالث كقولك " أعلمتك زيداً فاضلاً ".
وحين ذكر الحاقة على أبلغ وجوه التعظيم أتبعها ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تخويفاً لأهل مكة فقال ﴿ كذبت ثمود وعاد بالقارعة ﴾ والأصل بها أي بالحاقة إلا أنه وضع القارعة موضع الضمير ليدل بذلك على معنى الروع في الحاقة زيادة في وصف شدتها.
ولا ريب أنها تفزع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض بالدك، والنجوم بالطمس إلى غير ذلك.
وكانت عادة القرآن جارية بتقديم قصة عاد على ثمود إلا أنه قلب ههنا لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر.
قوله ﴿ بالطاغية ﴾ أي بالواقعة المجاوزة للحد وهي الرجفة أو الصاعقة أو الصحية، وقيل: الطاغية مصدر أي بسبب طغيانهم.
واعترض بأنه لا يطابق قصة عاد فأهلكوا بريح.
ويمكن أن يجاب بأن السبب الفاعلي والسبب الآلي كلاهما يشتركان في مطلق السببية، وهذا القدر من المناسبة كافٍ في الطباق وعلى هذا القول يحتمل أن تكون الطاغية صفة موصوف أي بشؤم الفرقة الطاغية التي تواطأت على عقر الناقة.
ويجوز أن يراد بها عاقر الناقة وحده والتاء للمبالغة.
الصرصر الشديد الصوت أو الكثير سميت عاتية بشدة عصوفها.
قال جار الله: العتو استعارة قلت: لأنه مستعمل في مجاوزة الإنسان حد الطاعة والانقياد.
قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الريح عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة من استتار ببيت واستناد إلى جبل، فإنها كانت تزعجهم من مكانهم.
قال الكلبي: عتت على خزانها كما جاء في الحديث " ما أرسل الله من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان والريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل " وقيل: العاتية من عتا النبت أي بلغ منتهاه وجف قال ﴿ وقد بلغت من الكبر عتياً ﴾ أي ريح بالغة منتهاها في الشدة والقوة ﴿ سخرها ﴾ أي سلطها بدليل ﴿ عليهم ﴾ وقال الزجاج: أقامها وقيل: أرسلها.
قوله ﴿ حسوماً ﴾ جمع حاسم كشهود جمع شاهد.
والتركيب يدور على القطع والاستئصال ومنه الحسام لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ أمله، وذلك أن تلك الريح حسمت كل خير واستأصلت كل بركة.
وقيل: إنها تتابعت من غير فتور ولا انقطاع حتى أتت عليهم، فمثل تتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء مرة بعد أخرى إلى أن ينحسم.
ويجوز أن يكون ﴿ حسوماً ﴾ مصدراً كالدخول والخروج وعلى هذا انتصب بفعل مضمر أي يستأصل استئصالاً، أو يكون وصفاً بالمصدر أي ذات حسوم، أو مفعولاً له، وقيل: هي أيام العجوز وذلك أن عجوزاً من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها.
والصحيح أنها أيام العجز وهي آخر الشتاء وأساميها.
الصن والصنبر والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفىء الجمر.
وقيل: ومكفىء الظعن.
والضمير في ﴿ فيها ﴾ للجهات أو الليالي والأيام الخاوية الساقطة.
وقيل: الخاوية لأن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم، وعلى هذا يحتمل أن تكون الخاوية بمعنى البالية لأن النخل إذا بليت خلت أجوافها والباقية مصدر.
وقيل: من نفس باقية: قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله، فلما كان اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر فذلك قوله ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ وقوله { ﴿ فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ﴾ ومن قرأ ﴿ ومن قبله ﴾ بالفتح والسكون فظاهر أي ومن تقدمه من رؤساء الكفر والضلال كنمرود ونحوه.
ومن قرأ بالسكر والفتح أراد ومن عنده من أتباعه وجنوده.
والخاطئة مصدر أي بالخطأ أو صفة أي بالفعلة أو الأفعال ذوات الخطأ العظيم ﴿ رابية ﴾ من ربا الشيء يربو إذا زاد أي زائدة في الشدة كما كانت فعلاتهم زائدة في القبح.
وقيل: معنى الزيادة اتصال عذابهم في الدنيا بعذاب الآخرة.
﴿ أغرقوا فأدخلوا ناراً ﴾ .
ولاريب أن عذاب الآخرة أشد وكان عقابهم ينمو ويزيد إلى حد ليس فوقه عذاب.
قال الوحدي: الوجه في قوله ﴿ رسول ربهم ﴾ أن يكون رسول الأمم الماضية كلهم أعني موسى ولوطاً وغيرهما من رسل من تقدم فرعون كقوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ولو جعل عبارة عن موسى لزم التخصيص من غير مخصص.
ثم ذكر قصة بعض من تقدم فرعون فقال ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ وطغيان الماء كعتو الريح وقد سبق في عدة سور.
ومعنى ﴿ حملناكم ﴾ حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم ﴿ في الجارية ﴾ في السفينة وهي سفينة نوح ﴿ لنجعلها ﴾ قال الفراء: أي الجارية لأنها المذكور.
والأظهر عودة إلى الواقعة والحالة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين فإنها هي التذكرة والعبرة ولقوله ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ من شأنها حفظ كل ما تسمع لتعمل به.
قال أهل اللغة: كل ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما تعيه في غير نفسك فقد أوعيته.
يقال: أوعيت المتاع في البيت.
والشر أخبث ما أوعيت من زاد *** قال جار الله: إنما قيل ﴿ أذن واعية ﴾ على التوحيد والتنكير للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، للدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت فهي عند الله بمكان وما سواها لا يلتفت إليه وإن ملأ العالم.
عن النبي أنه قال لعلي عند نزول هذه الآية: سألت الله يجعلها أذنك يا علي.
قال علي : فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أن أنسى.
وحين فرغ من بيان القدرة والحكمة عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث الحاقة، والنفخة الواحدة عن ابن عباس أنها الأولى التي عندها خراب العالم، وفي رواية عنه أنها الثانية لقوله بعد ذلك ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ والعرض عند الثانية.
ولناصر الرواية الأولى أن يقول: اليوم اسم للحين الواسع الذي يقع فيه النفخات والصعقة والنشور والوقوف والحساب كما تقول " جئته عام كذا " وإنما جئت في وقت واحد من أوقاتها.
قوله ﴿ واحدة ﴾ صفة مؤكدة قوله ﴿ وحملت ﴾ أي رفعت من جهاتها بريح شديدة أو بملك أو بقدرة الله من غير واسطة.
والضمير في ﴿ دكتا ﴾ لجماعتي الأرض والجبال والمراد أن هاتين الجملتين يضرب بعضها ببعض حتى يندك ويرجع كثيباً مهيلاً منثوراً.
والدك أبلغ من الدق.
وقيل: فبسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعاً صفصفاً من قولك " اندك السنام " إذا انقرش " وبعير أدك" " وناقة دكاء " قوله ﴿ فيومئذ ﴾ جواب ﴿ فإذا نفخ ﴾ والواقعة النازلة وهي القيامة ﴿ واهية ﴾ مسترخية بعد أن كانت مستمسكة ﴿ والملك ﴾ جنس ولهذا كان أعم من الملائكة لشموله الواحد والاثنين دونها.
والأرجاء الجوانب جمع رجا مقصوراً.
والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء.
سؤال: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى فكيف يقفون على أرجاء السماء؟
الجواب أنهم يقفون لحظة ثم يموتون أو هم المستثنون بقوله إلا ما شاء الله، والضمير في ﴿ فوقهم ﴾ عائد إلى الملك على المعنى لأن التقدير الخلق الذي يقال له الملك، والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش، وقال مقاتل: الضمير للحملة أي فوق رؤسهم والإضمار قبل الذكر جائز لأنه بعده حكماً كقوله " في بيته يؤتى الحكم " وعن الحسن: لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف.
وعن الضحاك: ثمانية صفوف ولا يعلم عددهم إلا الله.
قال المفسرون: الحمل على الأشخاص أولى لأن هذا أقل ما يصدق اللفظ عليه والزائد لا دليل له، وكيف لا والمقام مقام تهويل وتعظيم؟
فلو كان المراد ثمانية آلاف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ويؤيده ما روي عن رسول الله " "اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى" وروي " "ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤسهم وهم مطرقون يسبحون " وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر، وروي " "ثمانية أملاك في خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاماً" وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.
وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك.
ولولا هذه الروايات لجاز أن يكون الثمانية من الروح أو من خلق آخر.
قالت المشبهة: لو لم يكن الله على العرش لم يكن لحمله فائدة وأكدوا شبهتهم بقوله ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ للمحاسبة والمساءلة فلو لم يكن الإله حاضراً لم يكن للعرض معنى.
وأجيب بأن الدليل على أن حمل الإله محال ثابت فلا بد من التأويل وهو أنه خاطبهم بما يتعارفونه فخلق نفسه بيتاً يزورونه ليس ليسكن فيه، وجعل في ذلك البيت حجراً هو يمينه في الأرض إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة لا لأن النسيان يجوز عليه بل لأنه المتعارف.
فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله أن يجلس لهم على سرير ويقف الأعوان حواليه صور الله تلك الصورة المهيبة لا لأنّه يقعد على السرير.
روي أن في القيامة ثلاث عرضات.
فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب.
قوله ﴿ لا تخفى منكم خافية ﴾ أي تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلاً وقيل: أراد لا يخفى منكم يوم القيامة ما كان مخفياً في الدنيا على غير الله وذلك ليتكامل سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين.
ثم أخذ في تفصيل عرض الكتب.
" وهاء " صوت بصوت به فيفهم منه " خذ " وله لغات واستعمالات مذكورة في اللغة منها ما ورد به الكتاب الكريم وهو " هاء " مثل باع للواحد المذكور " وهاؤما " بضم الهمزة وإلحاق الميم بعدها ألف للتثنية ﴿ هاؤم ﴾ بضم الهمة بعده ميم ساكنة لجمع المذكر.
" هاء " بالكسر للمؤنثة " هاؤن" لجمعها ﴿ كتابيه ﴾ مفعول ﴿ هاؤم ﴾ عند الكوفيين و ﴿ اقرؤا ﴾ عند البصريين لأنه أقرب أصله هاؤم كتابي اقرأوا كتابي فحذف لدلالة الثاني عليه.
قال البصريون: ولو كان العامل الأول لقيل اقرأه إذ المختار إضمار المفعول ليكون دليلاً على المحذوف.
وأجاب الكوفيون بأن الظاهر قد أغنى عن الضمير كما في قوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات ﴾ والهاء في ﴿ كتابيه ﴾ وغيره هاء السكت ومن ههنا تثبت في الوقف وتسقط في الوصل لكنه استحب التلفظ بها في الوصل عند جماعة اتباعاً لوجودها في المصحف، وإنما قال ﴿ من أوتي كتابه ﴾ ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه ﴾ ابتهاجاً وفرحاً.
وقيل: يقول ذلك لأهل بيته وقرابته.
وفي قوله ﴿ إني ظننت ﴾ وجوه كما مر في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ﴾ ومما يختص بالمقام قول بعضهم أنه أراد الظن في الدنيا لأن أهل الدنيا لا يوقنون بنيل الدرجات، وفي هذا الوجه نظر لأنهم كانوا غير قاطعين بالجنة إلا أنهم يجب أن يقطعوا بالحساب الجزاء.
وعن أبي هريرة أنه قال " إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى بكتابه فتكتب حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن فيقال له: اقلب كفك فيرى حسناته فيفرح ثم يقول ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت ﴾ " عند النظر الأولى ﴿ أني ملاق حسابيه ﴾ على سبيل الشدة، وأما الآن فقد فرج الله عني ذلك الغم، وأما في حق الأشقياء فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا.
ثم بين عاقبة أمره قائلاً ﴿ فهو في عيشة ﴾ فعلة من العيش للنوع ﴿ راضية ﴾ منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل للمنسوب إلى الدرع والنبل، وهذا من النسبة بالصيغة كما أن قولك " بصري" أو " هاشمي " من النسبة بالحروف، ويجوز أن يكون من الإسناد المجازي كقولك " نهاره صائم " جعل الصوم للنهار وهو لصاحبه كذلك ههنا جعل الرضا للعيشة وهو لصاحبها ﴿ في جنة عالية ﴾ درجاتها لأنها فوق السموات على تفاوت الطبقات أو في جنة رفعية المباني والقصور والأشجار ﴿ قطوفها دانية ﴾ ثمارها قريبة التناول.
والقطوف جمع قطف بالكسر وهو المقطوف كالطحن بمعنى المطحون.
يروى أن ثمارها يقرب تناولها للقائم والجالس والمضطجع وإن أحب أن تدنو دنت ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول و ﴿ هنيئاً ﴾ مصدر أو صفة كما مر في " الطور" جمع الخطاب في ﴿ كلوا ﴾ مع أنه وحد الضمير في قوله ﴿ أوتي ﴾ وغيره حملاً على لفظ من ثم على معناه.
والغرض من هذا الأمر التوقير والعرض لا التكليف.
ومن قال بالإباحة ليس بتكليف فلا إشكال.
وقوله ﴿ بما أسلفتم ﴾ كقوله في " الطور " ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ والإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالافتراض ومنه يقال " أسلف في كذا " إذا قدم فيه ماله.
والمعنى بسبب ما عملتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية.
وعن مجاهد والكلبي: هي أيام الصيام فيكون الأكل والشرب في الجنة بدل الإمساك عنهما في الدنيا.
ثم أخذ في قصة الأشقياء.
وإنما تمنى أنه لم يدر أي شيء حسابه لأنه عليه لا يعود منه إليه سوى الضر.
والضمير في ﴿ يا ليتها ﴾ عائد إلى الموتة الأولى يدل عليها سياق الكلام.
ولعل في قوله ﴿ ولم أدر ﴾ إشارة إليها لأنها حالة العدم المستلزمة لعدم الإدراك أي الموتة التي متها يا ليتها ﴿ كانت القاضية ﴾ لأمري أو للحياة فلم أبعث بعدها.
وقيل: هاء الضمير للحال أي ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليّ.
قال القفال: تمنى الموت حين رأى من الخجل وسوى المنقلب ما هو أشد وأشنع من الموت.
قوله ﴿ ما أغني ﴾ نفي.
ويجوز أن يكون استفهاماً على سبيل الإنكار ومعناه أي شيء أغنى ﴿ عني ﴾ ما كان لي من اليسار فإنه لم يبق منه إلا الوبال ﴿ هلك عني ﴾ تسلطي على الناس وزال عني ما كنت أتصوره حجة وبرهاناً.قال ابن عباس: ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد في الدنيا.
وقال مقاتل: إنما يقول هذا حين شهدت عليه الجوارح بالشرك.
يحكى عن عضد الدولة أنه قال قصيدة مطلعها هذا البيت: ليس شرب الكاس إلا في المطر *** وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى *** ناعمات في تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها *** ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها *** ملك الأملاك غلاب القدر يروى بضم القاف جمع القدرة وبفتحها وهو ما قدر الله على عباده وقضى.
ولا ريب أن المصراع الأخير فيه سوء الأدب والجراءة على الله من وجهين: أحدهما أنه سمى نفسه ملك الأملاك ولا يصلح هذا الاسم إلا لله ولهذا جاء في الحديث " أفظع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" ويقال لها بالفارسية شاهنشاه والثاني أنه زعم الغلبة على القدر وهذا أيضاً من أوصاف الله جل وعلا لا يصلح لغيره.
وإن زعم أنه قال ذلك بالنسبة إلى ملوك دونه فذلك قيد لا يدل عليه الإطلاق فسوء الأدب باقٍ فمن ههنا روي أن الله ابتلاه عقيب ذلك بالجهل وفساد الذهن وخور القوى، وكان لا ينطلق لسانه إلا بتلاوة ﴿ ما أغني عني ماليه هلك عني سلطانيه ﴾ ﴿ خذوه ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم خذوه أيها الخزنة يروى أنهم مائة ألف ملك تجمع يده إلى عنقه.
والتصلية في الجحيم وفي النار العظمى، إشارة إلى أنه كان سلطاناً يتعظم على الناس.
والسلسلة حق منتظمة كل حلقة منها في حلقة.
وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل.
والذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد.
وقوله ﴿ سبعون ذراعاً ﴾ يجوز أن يكون محمولاً على الظاهر وأن يراد المبالغة على عادة العرب.
وتقديم الجحيم على التصلية والسلسلة على السلك للحصر أي لا تصلوه إلا في الجحيم ولا تسلكوه إلا في هذه السلسلة الطويلة لأنها إذا طالت كانت الكلفة أشد.
قالوا: كل ذراع سبعون باعاً أبعد مما بين مكة والكوفة.
قال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو قال ابن عباس: تدخل السلسة في دبره وتخرج من حلقه ثم يجمع بين ناصيته وقدميه قال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ يجعل في عنقه سلوكها.
عن بعضهم أن جمعاً من الكفار يقرن في هذه السلسلة الطويلة ليكون العذاب عليهم أشد وإنما لم يقل فاسلكوا السلسلة فيه لأنه أراد أن السلسلة تكون ملتفة على جسده بحيث لا يقدر على حركة.
وقيل: هو كقولهم " أدخلت القلنسوة في رأسي " او " الخاتم في أصبعي".
ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة.
ثم ذكر سبب هذا الوعيد الشديد وهو عدم الإيمان بالله العظيم وعدم بذل المال للمساكين ولعل الأول إشارة إلى فساد القوة النظرية، والثاني إلى فساد القوة العملية.
قال جار الله: وعطف حرمان المساكين على الكفر تغليظ، وفي ذكر الحض دون الفعل تغليظ دون تغليظ ليعلم أن ترك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟
وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان فلا نخلع نصفها الآخر إلا بالإطعام.
والطعام اسم بمعنى الإطعام كالعطاء اسم بمعنى الإعطاء.
وفي الآية دلالة على أن الكفار مخطابون بالفروع.
والحميم القريب النافع وقوله ﴿ ههنا ﴾ إشارة إلى مكان عذابهم أو إلى مقام الوصول إلى هذا الحد من العذاب.
يروى أن ابن عباس سئل عن الغسلين فقال: لا أدري.
وقال الكلبي: هو ما يسال من أهل النار.
فغسلين من الغسالة والطعام ما يهيأ للأكل.
ويجوز أن يكون إطلاق الطعام عليه من باب التهكم أو مثل عقابك السيف.
قال ابن عباس: الخاطئون في الآية هم المشركون.
ثم عظم شأن القرآن بالإقسام بكل الأشياء لأنها إما مصبر أو غير مبصر.
وقيل: الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح والإنس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة.
والأكثرون على أن الرسول الكريم ههنا هو محمد لأنه ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالعشر والكهانة وإنما يصفون محمداً وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه جبرائيل لأن الأوصاف التي بعده تناسبه كما يجيء.
وفي ذكر الرسول إشارة إلى أن هذا القرآن ليس قوله من تلقاء نفسه وإنما هو قول المؤدي عن الله بطريق الرسالة، وهكذا لو كان المراد جبرائيل.
وفي وصفه بالكرم إشارة إلى أمانته وأنه ليس ممن يغير الرسالة طمعاً في أغراض الدنيا الخسيسة.
وأيضاً من كرمه أنه أتى بأفضل أنواع المزايا والعطايا وهو المعرفة والإرشاد والهداية.
وإنما قال عند نفي الشعر عنه ﴿ قليلاً ما تؤمنون ﴾ وعند نفي الكهانة ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبين المحسوس.
أما من حيث اللفظ فظاهر لأن الشعر كلام موزون مقفى وألفاظ القرآن ليست كذلك إلا ما هو في غاية الندرة بطريق الاتفاق من غير تعمد، وأما من جهة التخيل فلأن القرآن فيه أصول كل المعارف والحقائق البراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان المكلف ممن يصدق ولا يعاند.
وانتفاء الكهانة عنه أمر يفتقر إلى أدنى تأمل يوقف.
على أن كلام الكهان أسجاع لا معاني تحتها وأوضاع تنبو الطباع عنها.
وأيضاً في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم والكهان إخوان الشياطين فكيف رضوا بإظهار قبائحهم.
ثم صرح بالمقصود فقال ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ أي هو تنزيل ثم بين أن المفتري لا يفلح وإن فرض أنه نبي فقال ﴿ ولو تقول ﴾ وهو تكلف القول من غير أن يكون له حقيقة و ﴿ الأقاويل ﴾ جمع أقوال.
وقال جار الله: في اللفظ تصغير وتحقير كالأعاجيب والأضاحيك كأنه جمع " أفعولة " من القول.
ومعنى الآية لو نسب إلينا قولاً لم نقله لقتلناه أشنع قتل وهو أن يؤخذ بيمينه وتضرب رقبته وهو ينظر إلى السيف، وهذه فائدة تخصيص اليمين لأن القتال إذا أخذ بيسار المقتول وقع الضرب في قفاه.
ومعنى ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ لأخذنا بيمينه، وكذا قوله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ لقطعنا وتينه وهذا تفسير منقول عن الحسن البصري.
والوتين العرق المتصل من القلب بالرأس فإذا انقطع مات الحيوان: قال ابن قتيبة: لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه كما يفعل الملوك فكان كمن أخذ بيمينه فقطع وتينه ونظيره " ما زالت أكلة خبير تعاودني، فهذا أوان اقطع أبهري ".
والأبهر عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال: هذا أوان يقتلني السم.
وعن الفراء والمبرد والزجاج أن اليمين القوة وقوة كل شيء في ميامنه والباء زائدة ومعنى الأخذ السلب أي سلبنا عنه القدرة على التكلم بذلك القول وهذا كالواجب في حكمة الله كيلا يشتبه الصادق بالكاذب وقال مقاتل: اليمين الحق كقوله ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ أي من قبل الحق.
والمعنى منعناه بواسطة إقامة الحجة وقضينا له من يعارضه فيه فيظهر للناس كذبه ﴿ فما منكم من أحد عنه ﴾ أي عن الرسول أو عن القتل، والخطاب للناس وأحد في معنى الجمع لأنه في سياق النفي فلذلك قال ﴿ حاجزين ﴾ أي مانعين.
وحين بين أن القرآن تنزيل من عند الله بواسطة جبرائيل على محمد الذي صفته أنه ليس بشاعر ولا كذاب، بين أن القرآن ما هو وإلى أي صنف يعود نفعه فقال ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين ﴾ ثم أوعد على التكذيب.
قائلاً ﴿ وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ﴾ ثم بين أن تكذيب القرآن سبب حسرة الكافرين في القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين أو في الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين، لأن القرآن حق اليقين أي حق يقين لا ريب فيه، فأضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد كقوله " هو حق العالم".
ثم أمر بالتسبيح شكراً له على الإيحاء إليه، أو على أن عصمه من الافتراء عليه.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ ﴾ والإيتاء بالشمال أحد أعلام الشقاء، فتمنى ألا يؤتى بما فيه علم شقائه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ﴾ يقول هذا في الوقت الذي قرأ ورأى فيه خلاف ما كان يظن في الدنيا ويحسب؛ لأنه كان يحسب أنه في الدنيا أحسن صنعاً من الذين آمنوا، وأقرب منزلة إلى الله - - كما قال: ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾ فظهر [له بقراءته] الكتاب أنه لم يكن على ما حسب؛ بل قد أساء صنيعه؛ فود عند ذلك ألا يعرف ما حسابه؛ لئلا تظهر مساوئه.
ويحتمل أنه يتمنى أنه ترك ميتاً ولم يُحي حتى كان لا يرى الحساب ولا يعرفه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ ﴾ أي: ياليت الميتة الأولى ﴿ كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ ﴾ ، أي: يا ليت الميتة الأولى كانت دائمة علي.
وقال بعض أهل التأويل: يا ليت النفخة الآخرة كانت تقضي بالموت والهلاك، لم تكن محيية باعثة، والله أعلم.
وقال قتادة: تمنّوا الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليهم منه، ثم الموت عليهم مقضي، وليس بقاضٍ، فحقه أن يقول: يا ليتها [كانت مقضية]؛ ولكن هذه اللفظة [يذكرها الناس في كل مكروه] من الأمور؛ ألا ترى أن الناس يدعون الله - - بأن يصرف عنهم قضاء السوء، وليس بقضاء الله؛ بل هو مقضيِهِ؛ فخرج القول على ما تعارفوا، وهذا كما يقال: (الصلاة أمر الله)، وليست هي بأمره، ولكن تأويله: أنها بأمره ما تقام، فسمي أيضاً قضاء الله، وهو في الحقيقة مقضيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ﴾ فالأصل أن الكفرة كانوا يفتخرون بكثرة أموالهم، فيقولون: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ فيزعمون أن الله - - بما آتاهم من الأموال يدفعون عن أنفسهم العذاب بأموالهم إن حل بهم، فيتبين لهم في ذلك الوقت أنها لا تغني عنهم شيئاً، فيقول كل واحد منهم: ﴿ مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ﴾ .
وقوله - -: ﴿ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ ذكر عن ابن عباس - ما - أنه قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة، فالأصل: أن الكافر كان يحتج في الدنيا لنفسه بحجج باطلة، فمرة يقول: ﴿ مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ ، ويقول مرة: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ ، ومرة يقول: هذا سحر، ومرة يقول: هو مجنون، وغير ذلك، فيعبر بقوله: ﴿ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ أي: هلكت تلك الحجج التي [كنا] نتشبث بها، واضمحلت، وظننا أنها حجج.
ومنهم من يقول: السلطان: هو القدر والشرف؛ أي: ذهب ذلك كله.
وقيل: أي: هلك عني تكبّري وسلطاني على الأنبياء - عليهم السلام - في الدنيا وترك الاكتراث إليهم.
وجائز أن يكون أراد به: أن السلطان الذي كان لي على نفسي في الدنيا قد انقطع؛ لأنه كان يملك استعمالها في مرضاة الله - - فيقول: قد انقطع ذلك السلطان؛ لأني لا أملك استعمالها فيما أستوجب به مرضاة الله؛ لأنه يسلم فلا يقبل منه إسلامه.
ثم يجوز أن تكون الهاءات في هذه الخطابات على معنى الإشارات إلى الأنفس، أو على تأكيد الأمر والمبالغة: كالنسابة، أو كأنهم ينادون أنفسهم بذلك، وقد تدخل الهاء في النداء؛ كقوله يا ربّاه، ويا سيّداه.
وجائز أن يكون الوقف وإجمام الكلام، وأهل النحو يسمّونه: هاء الاستراحة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ ، وقال في موضع آخر ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ ﴾ وهو السوق على العنف، وقال في موضع آخر: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً ﴾ ، فكأنهم - والله أعلم - يغلون، وبدأ بالأمر بالإغلال؛ لأن الناس في الدنيا يجتهدون كل الجهد في منع العذاب بأيديهم، فأخبر أن أيديهم تغل في الآخرة؛ فلا يتهيأ لهم دفع ما يحل بهم من العذاب؛ فيكون ذلك أشد في العذاب عليهم، ويكون حالهم كما قال الله - -: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ فتغل يداه؛ كي يتقي النار بوجهه، ثم يدخلون في السلاسل فيجرون ويسحبون ويساقون على وجوههم على اختلاف أحوال القيامة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ أي: أدخلوه، يقال: لحم مصلي: أي مشوي؛ فجائز أن يؤمر بأن يشوى في الجحيم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ﴾ فذكر أولاً: أنهم يغلون، ثم يصلون الجحيم، ثم يسلسلون إذ ذاك، وحق مثله أن يسلسل، ثم يمد إلى الجهنم، ولكنّه يشبه أن يكونوا أولاً يحشرون، ثم يساقون إلى نار جهنم بقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾ وإذا وردوها هموا أن يفروا منها، فيسلسلون إذ ذاك، ويسحبون في النار حينئذ؛ فلا يتهيأ لهم الهرب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ ففيه بيان السبب الذي لأجله استوجبوا هذا العقاب، وهو أنهم كانوا لا يؤمنون بالله العظيم.
ثم قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ﴾ جائز أن يكون لا يؤمن [بوحدانية الله]، أو لا يؤمن بإرسال الرسل، أو كان لا يؤمن بالبعث، وإلا فهم يؤمنون بالله، ولكن من لم [يكن مؤمناً] بالرسل والبعث فهو غير مؤمن في الحقيقة؛ لأن الإله الحق هو الذي أرسل الرسل، ويقدر على البعث، والكافر لا يثبت له قدرة البعث، ولا يراه أرسل الرسل، فصار لا يؤمن بالله العظيم في الحقيقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ ، إخبار أنه كان لا يؤمن بالبعث؛ لأن الناس ليسوا يطلبون من [المساكين الجزاء] لما يطعمونهم، وإنما يطعمونهم لوجه الله ، ورجاء الثواب في الآخرة، والكافر غير مؤمن بالجزاء؛ ليحمله ذلك على الإطعام، وليس هو بكسب يرغب فيه من مكاسب الدنيا؛ فكأنه يقول: إن الذي أفضى به إلى النار تركه الإيمان بالله - - أو بالبعث.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ إثبات السخرية من الذي ترك الحض على أهله بالإطعام؛ كقوله: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ ﴾ يقول: كيف أطعمه ومن بيده خزائن السماوات والأرض لا يطعمه؟!
فلو كان أهلاً للإطعام لكان الأولى من يطعمه هو الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ ﴾ أي: قريب يرجو منه، وهو كقوله: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\] فليس له قريب يرجوه، أو ينفعه ذلك الحميم، وقد كان له في الدنيا حميم ينتفع به ويرجو منه.
وقوله: ﴿ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ ﴾ والزقوم غير الضريع؛ فهذا - والله أعلم - يدل أن في جهنم دركات، فأهل دركة منها لا يجدون غير الغسلين، وأهل دركة منها [يجدون غير ذلك، وأهل دركة منها] طعامهم الزقوم، ليس لهم غيره، وإلا لو لم يحمل الأمر على هذا، أوجب ما ذكرناه [اختلافاً، فيخرج أن يكون من عند الله بقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ ].
ثم يجوز أن يكون قدر لأهل كل دركة ما توجبه الحكمة أن يكون ذلك طعامهم؛ فعلى ما كانوا يفتخرون في هذه الدنيا بالأطعمة على من دونهم، ويهينون من لم يكن عنده ذلك الطعام، جعل الله - - لهم من ذلك الوجه طعاماً في الجحيم يهانون به.
وقال الحسن: إن القرآن كله كسورة واحدة، والسورة كأنها آية واحدة، فكأنه جمع بين هذه الأشياء كلها في آية واحدة فقال: ﴿ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ ، ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ ﴾ ، و ﴿ مِّن زَقُّومٍ ﴾ ، وإذا حمل على ما ذكر ارتفع توهم التناقض، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ فجائز أن يكون هذا اسماً لشيء من الأشياء التي يعذب بها أهل النار، لم يطلع الله - - الخلق على علم ذلك ومعرفته في الدنيا، وقد ذكر أسامي في الآخرة ليس للخلق بمعرفتها عهد؛ ألا ترى أن الزقوم ليس باسم لشيء يستقبح ويستفظع في الدنيا، ثم جعله الله - - اسماً للشيء المستبشع الكريه في الآخرة، وقال ﴿ عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً ﴾ ، والسلسبيل غير معروف فيما بين أهل اللسان.
وقال بعضهم: الغسلين: ما يسيل من جلود أهل النار إذا عذبوا، وذلك هو الصديد والقيح.
وجائز أن يكون إذا اشتد حرهم استغاثوا إلى الله - - وطلبوا منه ما يرجون أن يرفع عنهم الحر، فيصب عليهم ما يزيد في عذابهم؛ فيسمى ما يزول عنهم: غسلينا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ ﴾ ، فهم الذين قال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ .
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً ﴾ لا يجوز أن تكون السلسلة تفضل عن أبدانهم فتأخذ فضل مكان من جهنم؛ لأنه - - وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولو كانت تلك السلسلة آخذة فضل مكان، لكان لا يقع الامتلاء بالجنة والناس أجمعين فقط، فيؤدي إلى خلف الوعد، والله - عز وجل - لا يخلف الميعاد، ولكن إن كانت تلك السلسلة أطول من أبدانهم فهي تدار على أهلها؛ ليقع لهم بها فضل تضييق وغم، فأمّا أن تفضل عن أبدانهم فلا يحتمل.
وذكر عن عمر بن الخطاب - - أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا؛ فإنه أهون - أو قال: أيسر - عليكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر يوم القيامة؛ ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ ".
وعن الحسن أنه قال: "إن المؤمن قوام نفسه، يحاسب نفسه لله - - وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة؛ لأن المؤمن يفجؤه الشيء فيقول: والله إني لأستهينك وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما لي من صلة إليك، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء؛ فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت هذا، ما لي ولهذا، والله ما أعذر، والله لا أعود لهذا إن شاء الله - - إن المؤمنين قوم أوثقهم العذاب، وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسِير في الدنيا يسعى في فكاك نفسه، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه كلها.
فمحاسبة النفس: أن ينظر في كل فعل يريد أن يقدم عليه إلى عاقبته، فإن كان رشداً أمضاه وأنفذه، وإن كان غيّاً انتهى عنه، كما قال [النبي] - -: "إذا أردت أمراً فدبّر عاقبته، فإن كان رشداً فأمضه، وإن كان غيّاً فانته عنه" وقال في خبر آخر: "إن المؤمن وقّاف وزان" ، ووزنه: ما ذكر في الخبر الأول من النظر في العواقب، فإذا نظر في العاقبة، ورأى الرشد في إنفاذه، فقد وزنه، وإذا رأى خلاف الرشد، انتهى عنه، ولم يقدم عليه، فذلك وقفه، فهذا الذي ذكرنا محاسبة المرء نفسه فيما يروم من الأمور.
ومحاسبة نفسه في الأفعال التي ارتكبها وأمضاها أن ينظر: فإن كان ارتكب محرماً، تاب عنه، واستغفر لله - - لعله بفضله يمن عليه بالمغفرة، وإن كان ذلك فعلاً مرضياً حمد الله - - وسأله التوفيق بمثله؛ فهذه هي [محاسبة العبد لنفسه فيما ارتكب] من الأفعال.
<div class="verse-tafsir"
لا يأكل ذلك الطعام إلا أصحاب الذنوب والمعاصي.
<div class="verse-tafsir" id="91.1VRWM"