الإسلام > القرآن > سور > سورة 69 الحاقة > الآية ٤٠ من سورة الحاقة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 68 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٠ من سورة الحاقة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يعني : محمدا أضافه إليه على معنى التبليغ ; لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل ; ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي : ( إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) وهذا جبريل ، عليه السلام .
ثم قال : ( وما صاحبكم بمجنون ) يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ( ولقد رآه بالأفق المبين ) يعني : أن محمدا رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها ، ( وما هو على الغيب بضنين ) أي : بمتهم ( وما هو بقول شيطان رجيم ) [ التكوير : 19 - 25 ] ، وهكذا قال هاهنا :
وقوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن لقول رسول كريم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم يتلوه عليهم.
" إنه " يعني القرآن لقول رسول كريم يريد جبريل ، قاله الحسن والكلبي ومقاتل .
دليله : إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش .
وقال الكلبي أيضا والقتبي : الرسول ها هنا محمد صلى الله عليه وسلم ; لقوله : وما هو بقول شاعر وليس القرآن قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، إنما هو من قول الله عز وجل .
ونسب القول إلى الرسول لأنه تاليه ومبلغه والعامل به ، كقولنا : هذا قول مالك .
أقسم تعالى بما يبصر الخلق من جميع الأشياء وما لا يبصرونه، فدخل في ذلك كل الخلق بل يدخل في ذلك نفسه المقدسة، على صدق الرسول بما جاء به من هذا القرآن الكريم، وأن الرسول الكريم بلغه عن الله تعالى.
"إنه"، يعني القرآن، "لقول رسول كريم"، أي تلاوة رسول كريم، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم.
«إنه» أي القرآن «لقول رسول كريم» أي قاله رسالة عن الله تعالى.
فلا أقسم بما تبصرون من المرئيات، وما لا تبصرون مما غاب عنكم، إن القرآن لَكَلام الله، يتلوه رسول عظيم الشرف والفضل، وليس بقول شاعر كما تزعمون، قليلا ما تؤمنون، وليس بسجع كسجع الكهان، قليلا ما يكون منكم تذكُّر وتأمُّل للفرق بينهما، ولكنه كلام رب العالمين الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التأكيد تأكيدات أخرى فقال : ( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ .
وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ )والشاعر : هو من يقول الشعر .
والكاهن : هو من يتعاطى الكهانة عن طريق الزعم بأنه يعلم الغيب .وانتصب " قليلا " فى الموضعين على أنه صفة لمصدر محذوف ، و " ما " مزيدة لتأكيد القلة .والمراد بالقلة فى الموضعين انتفاء الإِيمان منهم أصلا أو أن المراد بالقلة : إيمانهم اليسير ، كإيمانهم بأن الله هو الذى خلقهم ، مع إشراكهم معه آلهة أخرى فى العبادة .أى : ليس القرآن الكريم بقول الشاعر ، ولا بقول كاهن ، وإنما هو تنزيل من رب العالمين ، على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لكى يبلغه إليكم ، ولكى يخركم بواسطته من ظلمات الكفر ، إلى نور الإيمان .ولكنكم - أيها الكافرون - لا إيمان عندكم أصلا ، أو قليلا ما تؤمنون بالحق ، وقليلا ما تتذكرونه وتتعظون به .ففى الآيتين رد على الجاحدين الذين وصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر أو كاهن .وخص هذين الوصفين بالذكر هنا لأن وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه ( رَسُولٍ كَرِيمٍ ) كاف لنفى الجنون أو الكذب عنه صلى الله عليه وسلم أما وصفه بالشعر والكهانة فلا ينافى عندهم وصفة بأنه كريم ، لأن العشر والكهانة كان معدودين عندهم من صفات الشرف ، لذا نفى - سبحانه - عنه صلى الله عليه وسلم أنه شاعر أو كاهن ، وأثبت له أنه رسول كريم .
واعلم أنه تعالى ذكر في سورة ﴿ إِذَا الشمس كُوّرَتْ ﴾ مثل هذا الكلام، والأكثرون هناك على أن المراد منه جبريل عليه السلام، والأكثرون هاهنا على أن المراد منه محمد صلى الله عليه وسلم، واحتجوا على الفرق بأن هاهنا لما قال: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر، ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبريل عليه السلام بالشعر والكهانة، بل كانوا يصفون محمداً بهذين الوصفين.
وأما في سورة: ﴿ إِذَا الشمس كُوّرَتْ ﴾ لما قال: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ ثم قال بعده: ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شيطان رَّجِيمٍ ﴾ كان المعنى: إنه قول ملك كريم، لا قول شيطان رجيم، فصح أن المراد من الرسول الكريم هاهنا هو محمد صلى الله عليه وسلم، وفي تلك السورة هو جبريل عليه السلام، وعند هذا يتوجه السؤال: أن الأمة مجمعة على أن القرآن كلام الله تعالى، وحينئذ يلزم أن يكون الكلام الواحد كلاماً لله تعالى، ولجبريل ولمحمد، وهذا غير معقول والجواب: أنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فهو كلام الله تعالى، بمعنى أنه تعالى هو الذي أظهره في اللوح المحفوظ، وهو الذي رتبه ونظمه، وهو كلام جبريل عليه السلام، بمعنى أنه هو الذي أنزله من السموات إلى الأرض، وهو كلام محمد، بمعنى أنه هو الذي أظهره للخلق، ودعا الناس إلى الإيمان به، وجعله حجة لنبوته.
<div class="verse-tafsir"
هو إقسام بالأشياء كلها على الشمول والإحاطة، لأنها لا تخرج من قسمين: مبصر وغير مبصر.
وقيل: الدنيا والآخرة، والأجسام والأرواح، والإنس والجنّ، والخلق والخالق، والنعم الظاهرة والباطنة، إن هذا القرآن ﴿ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ أي يقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند اللَّه ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ﴾ ولا كاهن كما تدعون والقلة في معنى العدم.
أي: لا تؤمنون ولا تذكرون ألبتة.
والمعنى: ما أكفركم وما أغفلكم ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ أي: هو تنزيل.
بياناً لأنه قول رسول نزل عليه ﴿ مِن رَّبِّ العالمين ﴾ وقرأ أبو السمال: تنزيلاً، أي نزل تنزيلاً.
وقيل الرسول الكريم جبريل عليه السلام.
وقوله: ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ﴾ دليل على أنه محمد صلى الله عليه وسلم: لأنّ المعنى على إثبات أنه رسول، لا شاعر ولا كاهن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ لِظُهُورِ الأمْرِ واسْتِغْنائِهِ عَنِ التَّحْقِيقِ بِالقَسَمِ، أوْ فِ أُقْسِمُ ولا مَزِيدَةٌ أوْ فَلا رَدَّ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ وأُقْسِمُ مُسْتَأْنَفٌ.
﴿ بِما تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَما لا تُبْصِرُونَ ﴾ بِالمُشاهَداتِ والمُغَيَّباتِ وذَلِكَ يَتَناوَلُ الخالِقَ والمَخْلُوقاتِ بِأسْرِها.
﴿ إنَّهُ ﴾ إنَّ القُرْآنَ.
﴿ لَقَوْلُ رَسُولٍ ﴾ يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ.
﴿ كَرِيمٍ ﴾ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو مُحَمَّدٌ أوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
<div class="verse-tafsir"
{إِنَّهُ} أي إن القرآن {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} أى محمد صلى الله عليه وسلم أو جبريل عليه السلام أي بقوله ويتكلم به على وجه الرسالة من عند الله
﴿ إنَّهُ ﴾ أيِ القُرْآنَ ﴿ لَقَوْلُ رَسُولٍ ﴾ يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الرَّسُولَ لا يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ ﴿ كَرِيمٍ ﴾ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وهو النَّبِيُّ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ.
وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ ﴾ إلَخِ قِيلَ دَلِيلٌ لِما قالَهُ الأكْثَرُونَ لِأنَّ المَعْنى عَلى إثْباتِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولٌ لا شاعِرٌ ولا كاهِنٌ كَما يِشْعِرُ بِذَلِكَ سَبَبُ النُّزُولِ وتَوْضِيحُ ذَلِكَ أنَّهم ما كانُوا يَقُولُونَ في جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كَذا وكَذا وإنَّما كانُوا يَقُولُونَهُ في النَّبِيِّ فَلَوْ أُرِيدَ بِرَسُولِ كَرِيمٍ جِبْرِيلٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَفاتَ التَّقابُلُ ولَمْ يَحْسُنِ العَطْفُ كَما تَقُولُ إنَّهُ لِقَوْلُ عالِمٍ وما هو بِقَوْلِ جاهِلٍ ولَوْ قُلْتَ وما هو بِقَوْلِ شُجاعٍ نَسْبْتَ إلى ما تَكْرَهُ وتَعَقَّبَهُ بَعْضُ الأئِمَّةِ بِأنَّ هَذا صَحِيحٌ إنْ سَلِمَ أنَّ المَعْنى عَلى إثْباتِ رَسُولٍ لا شاعِرٍ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ ﴾ لا قَوْلُ شاعِرٍ إثْباتًا لِلرِّسالَةِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ أمّا إذا جُعِلَ المَقْصُودُ مِنَ السِّياقِ إثْباتَ حَقِيَةِ المَنزِلِ وأنَّهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِهَؤُلاءِ وحَسْرَةٌ لِمُقابِلِيهِمْ وهو في نَفْسِهِ صِدْقٌ ويَقِينٌ لا يَحُومُ حَوْلَهُ شَكٌّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ.
فَلِلْقَوْلِ الثّانِي أيْضًا مَوْقِعٌ حَسَنٌ وكَأنَّهُ قِيلَ إنَّ هَذا القُرْآنَ لَقَوْلُ جِبْرِيلَ الرَّسُولِ الكَرِيمِ وما هو مِن تِلْقاءِ مُحَمَّدٍ كَما تَزْعُمُونَ وتَدَّعُونَ أنَّهُ شاعِرٌ وكاهِنٌ ويَكُونُ قَدْ نَفى عَنْهُ الشِّعْرَ والكِهانَةَ عَلى سَبِيلِ الإدْماجِ انْتَهى وهو تَحَقُّقٌ حَسَنٌ.
﴿ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ تُصَدِّقُونَ تَصْدِيقًا قَلِيلًا عَلى أنَّ ﴿ قَلِيلا ﴾ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِتُؤْمِنُونَ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والقِلَّةُ بِمَعْناها الظّاهِرِ لِأنَّهم لِظُهُورِ صِدْقِهِ لَزِمَ تَصْدِيقُهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجُمْلَةِ وإنْ أظْهَرُوا خِلافَهُ عِنادًا وأبَوْهُ تَمَرُّدًا بِألْسِنَتِهِمْ وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ القِلَّةَ عَلى العَدَمِ والنَّفْيِ أيْ لا تُؤْمِنُونَ البَتَّةَ ولا كَلامَ فِيهِ سِوى أنَّهُ دُونَ الأوَّلِ في الظُّهُورِ.
وقالَ أبُو حَيّانٍ: لا يُرادُ بِقَلِيلًا هُنا النَّفْيُ المَحْضُ كَما زَعَمَ فَذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في أقَلِّ نَحْوَ أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ كَذا إلّا زِيدٌ وفي قَلَّ نَحْوَ قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ كَذا إلّا زِيدٌ وقَدْ يَكُونُ في قَلِيلٍ وقَلِيلَةٍ إذا كانا مَرْفُوعَيْنِ نَحْوَ ما جَوَّزُوا في قَوْلِهِ: أُنِيخَتْ فَألْقَتْ بَلْدَةٌ فَوْقَ بَلْدَةٍ قَلِيلٌ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها أمّا إذا كانَ مَنصُوبًا نَحْوَ قَلِيلًا ضَرَبْتُ أوْ قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَإنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّهُ في قَلِيلًا ضَرَبْتُ مَنصُوبٌ بِضَرَبْتُ ولَمْ تَسْتَعْمِلِ العَرَبُ قَلِيلًا إذا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ نَفْيًا بَلْ مُقابِلًا لِلْكَثِيرِ وأمّا في قَلِيلًا ما ضَرَبْتُ عَلى أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً فَيَحْتاجُ إلى رَفْعِ قَلِيلٍ لِأنَّ ما المَصْدَرِيَّةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ اهـ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُسْمَعُ عَلى مِثْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ ما قالَ ما قالَ إلّا عَنْ وُقُوفٍ وهو فارِسُ مَيْدانِ العَرَبِيَّةِ وجَوَّزَ كَوْنَهُ صِفَةً لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ زَمانًا قَلِيلًا تُؤَمِّنُونَ وذَلِكَ عَلى ما قِيلَ إذا سُئِلُوا مَن خَلَقَهم أوْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَإنَّهم يَقُولُونَ حِينَئِذٍ اللَّهُ تَعالى.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نُصِبَ ﴿ قَلِيلا ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهم البَتَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وما يَتَّصِفُ بِالقِلَّةِ هو الإيمانُ اللُّغَوِيُّ وقَدْ صَدَقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا كَكَوْنِ الصِّلَةِ والعَفافِ اللَّذَيْنِ كانا يَأْمُرُ بِهِما عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقًّا وصَوابًا اهـ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ نَصْبُ ﴿ قَلِيلا ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دالٍّ عَلَيْهِ ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ لِأنَّهُ إمّا أنْ تَكُونَ ما المُقَدِّرَةُ مَعَهُ نافِيَةً فالفِعْلُ المَنفِيُّ بِما لا يَجُوزُ حَذْفُهُ وكَذا حَذْفُ ما فَلا يَجُوزُ زَيْدًا ما أضْرِبُهُ عَلى تَقْدِيرِ ما أضْرِبُ زَيْدًا ما أضْرِبُهُ وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً كانَتْ إمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِقَلِيلًا أيْ قَلِيلًا إيمانُكم ويُرَدُّ عَلَيْهِ لُزُومُ عَمَلِهِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ما يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ونَصْبُهُ لا ناصِبَ لَهُ وإمّا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ ويُرَدُّ عَلَيْهِ لُزُومُ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً بِلا خَبَرٍ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مَنصُوبٌ لا مَرْفُوعٌ فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُما والحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ «يُؤْمِنُونَ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ يعني: أقسم بما تبصرون من شيء ومن الخلق.
وَما لاَ تُبْصِرُونَ من الخلق.
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ يعني: هذا القرآن قول رسول كريم على الله تعالى يعني: جبريل، وهذا قول مقاتل.
ويقال: قول رسول كريم، يعني: قول رسول الله يعني: محمدا .
قال أبو العالية: إنه يعني: القرآن، لقول: رسول كريم يقرأ عليك يا محمد.
ويقال: معناه إن الذي ينزل على محمد بالقرآن، ويقرؤه عليه جبريل الكريم على الله تعالى، ليس الشياطين كما يقولون وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ يعني: القرآن ليس هو بقول شاعر.
قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ يعني: قليلاً ما تؤمنون.
«وما» صلة.
قرأ ابن كثير، وابن عامر في رواية هشام قَلِيلاً ما يؤمنون بالياء وقليلا ما يَذَّكَّرُونَ بالياء، والباقون بالتاء على معنى المخاطبة.
ثم قال: وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ يعني: ليس بقول كاهن، ليس بقول شيطان أي: عراف كاذب.
قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ يعني: قليلاً ما تتعظون.
ثم قال عز وجل: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني القرآن هو كلام رب العالمين أنزل على محمد ثم قال: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ يعني: أن محمد لو قال من ذات نفسه، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ يعني: لعاقبناه.
فأعلم الله تعالى أنه لا محاباة لأحد، إذا عصاه بالقرآن، وإن كان النبيّ .
ومعنى قوله: بِالْيَمِينِ يعني: بالقوة.
وقال القتبي: إنما قام اليمين مقام القوة، لأن قوة كل شيء في يمينه.
ولأهل اللغة في هذا مذاهب أخر، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة أحد، فيقولون: خذ بيده، وافعل به كذا وكذا.
قَالَ الله تَعَالى: لَوْ كذب علينا لأمرنا بالأخذ بيده ثم عاقبناه.
ويقال: لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ معناه: لو زاد حرفاً واحداً على ما أوحيته إليه أو نقص، لعاقبته.
وكان هو أكرم الناس عليَّ.
وفي الآية تنبيه لغيره، لكيلا يغيروا شيئاً من كتاب الله تعالى، ولا يتقولوا فيه شيئاً من ذات أنفسهم.
ويقال: بِالْيَمِينِ يعني: بالحق.
ويقال: بالحجة.
ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ وهو عرق يتعلق به القلب، إذا انقطع مات صاحبه، يعني: لأهلكناه.
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ يعني: ليس أحد منكم يمنعنا من عذابه.
وَإِنَّهُ يعني: القرآن لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ يعني: عظة لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشرك والفواحش.
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ يعني: وإنا لنعلم أن منكم أيها المؤمنون مكذبون بالقرآن، يعني: المنافقين.
ثم قال عز وجل: وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ يعني: أن هذا القرآن ندامة على الكافرين يوم القيامة، لأنه يقال لهم: ألم يقرأ عليكم القرآن؟
فيكون لهم حسرة وندامة بترك الإيمان.
وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ يعني: إن تلك الندامة لحق اليقين.
ويقال: إن القرآن من الله تعالى حقاً يقيناً.
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ يعني: صل لله تعالى.
ويقال: سبحه باللسان والله تعالى أعلم والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
والخاطئ الذي يفعل ضدّ الصواب.
وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ قيل: «لا» زائدةٌ وقيل: «لا» رَدٌّ لما تَقَدَّمَ من أَقوالِ الكفار، والبَدْأَة: أقْسِمُ.
وقوله: بِما تُبْصِرُونَ وَما لاَ تُبْصِرُونَ قَال قتادة: أرادَ اللَّه تعالى أن يَعُمَّ بهذا القسمِ جميعَ مخلوقاتهِ «١» ، والرسولُ الكريمُ قيل: هو جبريلٌ، وقيل: هو نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤)
وقوله تعالى: وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ نَفى سبحانه أن يكونَ القرآن من قولِ شاعرٍ كما زعمت قريش، وقَلِيلًا نَصْبٌ بفعلِ مَضْمَر يدل عليه تُؤْمِنُونَ و «ما» يحتملُ أنْ تكونَ نافيةً فينتفي إيمَانُهم أَلْبَتَّةَ، ويحتملُ أَن تكونَ مصدريةً فيتَّصِفُ إيمانهم بالقلةِ، ويكونُ إيماناً لُغَوِيًّا لأنهم قَدْ صَدَّقُوا بأشياءَ يسيرةٍ لاَ تُغْنِي عَنْهم شيئاً، ثم أخبر سبحانه أن محمّدا ع لَوْ تَقَوَّلَ عليه لعَاقَبَه بما ذكر، - ص-: الأَقَاويلُ جمع أقوالٍ، وأقْوَالٌ جَمْعُ قَوْلٍ، فهو جمع الجمع، انتهى.
لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)
وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)
وقوله سبحانه: لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ قال ابن عباس: المعنى لأَخَذْنا منه بالقوةِ، أي لَنِلْنَا منه عقَابَه بقوةٍ/ منا «٢» ، وقيل: معناه لأَخَذْنَا بيدهِ اليمنى على جهةِ الهَوانِ، كما يقال لِمَنْ يسجنُ أو يقامُ لعقوبةٍ: خُذُوا بيدِه أو بيمينه، والوَتِينُ نِيَاطُ القلبِ قاله ابن عباس، وهُو عِرْقٌ غَلِيظٌ تصادفُه شفرةُ الناحِرِ «٣» ، فمعنى الآيةِ: لأَذْهَبْنَا حياتَه معجَّلاً، والحاجِزُ:
المانِعُ والضمير في قوله: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ عائدٌ على القرآن، وقيل: على النبي صلّى الله عليه وسلّم،
- ص-: وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ: ضمير (إنه) يعودُ على التكذيبِ المفهومِ من مُكَذِّبِينَ، انتهى، وقال الفخر «١» : الضميرُ في قوله: وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ فيه وجهانِ: أحدهما أنه يعودُ على القرآن، أي: هو على الكافرينَ حَسْرَةً، إمَّا يوم القيامةِ إذَا رَأَوا ثَوَابَ المصدِّقينَ به، أو في الدنيا إذا رأوا دَوْلَةَ المؤمنِين، والثاني: قال مقاتلٌ: وإنَّ تكذيبَهم بالقرآن لَحَسْرَةٌ عليهم يَدلُّ عَلَيْه قوله: أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ، انتهى، ثم أمَرَ تعالى نبيه بالتسبيحِ باسْمِه العظيم، ولمّا نَزَلت قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اجعلوها في ركوعكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ "لا" رَدٌّ لِكَلامِ المُشْرِكِينَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُ المُشْرِكُونَ ﴿ أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَما لا تُبْصِرُونَ ﴾ وقالَ قَوْمٌ: "لا" زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.
والمَعْنى: أُقْسِمُ بِما تَرَوْنَ، وما لا تَرَوْنَ، فَأرادَ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ.
وقِيلَ: الأجْسامَ والأرْواحَ "إنَّهُ" يَعْنِي: القُرْآنَ "لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ" فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مُحَمَّدٌ ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: جِبْرِيلُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ يُرِدْ أنَّهُ قَوْلُ الرَّسُولِ، وإنَّما أرادَ أنَّهُ قَوْلُ الرَّسُولِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وفي الرَّسُولِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فاكْتَفى بِهِ مِن أنْ يَقُولَ عَنِ اللَّهِ ﴿ وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ ﴾ وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يُؤْمِنُونَ" "وَيَذَّكَّرُونَ" بِالياءِ فِيهِما.
قالَ الزَّجّاجُ: "ما" مُؤَكِّدَةٌ، وهي لَغْوٌ في بابِ الإعْرابِ.
والمَعْنى: قَلِيلًا تُؤْمِنُونَ.
وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ نَفْيَ إيمانِهِمْ أصْلًا.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى "الكاهِنِ" في [الطُّورِ: ٢٩] قالَ الزَّجّاجُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "تَنْزِيلٌ" .
﴾ مَرْفُوعٌ بِـ "هُوَ" مُضْمَرَةً يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ ﴾ هو تَنْزِيلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ ﴿ ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ ﴿ ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ ﴾ ﴿ إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ ﴿ فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ ﴾ ﴿ وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ ﴾ ﴿ لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ ﴾ ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَما لا تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ المَعْنى يَقُولُ اللهُ تَعالى، أوِ المَلِكُ بِأمْرِهِ- لِلزَّبانِيَةِ: "خُذُوهُ فَغَلُّوهُ" أيِ: اجْعَلُوا عَلى عُنُقِهِ غِلًّا، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.
و"ذَرْعُها" مَعْناهُ: مَبْلَغُ كَيْلِها، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى السَبْعَمِائَةَ والسَبْعِينَ، والسَبْعَةَ، مَواقِفَ ونِهاياتٍ لِأشْياءَ عِظامٍ، فَذَلِكَ مَشْيُ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ عَلى أنْ يَجْعَلُوها نِهاياتٍ، وهَذِهِ السِلْسِلَةُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي جَعَلَ اللهُ تَعالى فِيها السَبْعِينَ نِهايَةً، وقَرَأ السُدِّيُّ: "ذَرْعُها سَبْعِينَ" بِالياءِ، وهَذا عَلى حَذْفِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ هَذا الذِراعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، وابنُ جُرَيْجٍ: هو بِذِراعِ المَلِكِ وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ وغَيْرُهُ: في الذِراعِ سَبْعُونَ باعًا في كُلِّ باعٍ كَما بَيْنَ الكُوفَةِ ومَكَّةَ.
وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ.
وقالَ حُذّاقٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي بِالذِراعِ المَعْرُوفَةِ مِنّا، وإنَّما خُوطِبْنا بِما نَعْرِفُهُ ونُحَصِّلُهُ، وقالَ الحَسَنُ: اللهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هِيَ، وقالَ سُوِيدُ بْنُ نَجِيحٍ -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النارِ في تِلْكَ السِلْسِلَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَوْ وضَعَ حَلْقَةً مِنها عَلى جَبَلٍ لَذابَ كالرَصاصِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فاسْلُكُوهُ" مَعْناهُ: فادْخُلُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ يَصِفُ حُمُرَ وحْشٍ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مِسْكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ وَرُوِيَ أنَّ هَذِهِ السِلْسِلَةَ تَدْخُلُ في فَمِ الكافِرِ وتَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، فَهي في الحَقِيقَةِ الَّتِي تَسْلُكُ فِيهِ، لَكِنَّ الكَلامَ جَرى مَجْرى قَوْلِهِمْ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وفَمِي فى الحَجَرِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ السِلْسِلَةَ تُلْوى حَوْلَ الكافِرِ حَتّى تَغُمُّهُ وتَضْغَطُهُ، فالكَلامُ -عَلى هَذا- عَلى وجْهِهِ، وهو المَسْلُوكُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ ﴾ المُرادُ بِهِ: عَلى إطْعامِ طَعامِ المِسْكِينِ، وإضْافَةُ الطَعامِ إلى المِسْكِينِ مِن حَيْثُ لَهُ إلَيْهِ نِسْبَةٌ ما، وخُصَّتْ هَذِهِ الخُلَّةُ مِن خِلالِ الكافِرِ بِالذِكْرِ لِأنَّها مِن أضَرَّ الخِلالِ في البَشَرِ، إذا كَثُرَتْ في قَوْمٍ هَلَكَ مَساكِينُهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "حَمِيمٌ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو الصَدِيقُ اللَطِيفُ المَوَدَّةِ، فَنَفى اللهُ تَعالى أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِ هُنالِكَ مَن يُوالِيهِ، ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُسْتَنِيرِ: الحَمِيمُ الماءُ الحارُّ، فَكَأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ الكافِرَ لَيْسَ لَهُ ماءٌ ولا شَيْءَ مائِعٌ ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينَ، وهو -فِيما قالَ اللُغَوِيُّونَ- ما يَجْرِي مِنَ الجِراحِ إذا غُسِلَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو صَدِيدُ أهْلِ النارِ، وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: الغِسْلِينُ والزَقُّومُ أخْبَثُ شَيْءٍ وأبْشَعُهُ، وقالَ الضَحّاكُ، والرَبِيعُ هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النارِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو شَيْءٌ يُجْرى مِن ضَرِيعٍ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ، وفي أُخْرى إلّا مِن غِسْلِينَ، فَهُما شَيْءٌ واحِدٌ أوِ اثْنانِ مُتَداخِلانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ هُنا عن طائِفَةٍ وهُناكَ عن طائِفَةٍ ويَكُونُ الغِسْلِينُ والضَرِيعُ مُتَبايِنَيْنِ عَلى ما يُفْهَمُ في لِسانِ العَرَبِ.
وخَبَرُ "لَيْسَ" في "لَهُ"، وقالَ المَهْدَوِيُّ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "هاهُنا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ يَصِحُّ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وَ"الخاطِئُ": الَّذِي يَفْعَلُ ضِدَّ الصَوابِ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ، و"المُخْطِئُ" الَّذِي يَفْعَلُهُ غَيْرُ مُتَعَمَّدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والزَهْرِيُّ: "الخاطِيونَ" بِالياءِ دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُ-: "الخاطُّونَ" بِضَمِّ الطاءِ دُونَ هَمْزٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، قالَ بَعْضُ النُحاةِ "لا" زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأقْسَمَ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: "لا" رَدَّ لِما تَقَدَّمَ مِن أقْوالِ الكُفّارِ، والبِدايَةُ "أُقْسِمُ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "فَلَأُقْسِمُ" لِأنَّ لامَ القَسَمِ مَعَها ألِفُ أُقْسِمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ وَما لا تُبْصِرُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُعَمِّمَ القَسَمَ جَمِيعَ مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ الأجْسادَ والأرْواحَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ عامٌّ.
وقالَ قَوْلٌ حَسَنٌ عامٌّ.
وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ وما لا تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: "وَما لا تُبْصِرُونَ" المَلائِكَةَ.
و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في تَأْوِيلِ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، ومُحَمَّدٌ في قَوْلِ آخَرِينَ، وأُضِيفَ القَوْلُ إلَيْهِ لِأنَّهُ هو الَّذِي مَن تَلاهُ وبَلَّغَهُ.
<div class="verse-tafsir"
الفاء هنا لتفريع إثبات أن القرآن منزل من عند الله ونفي ما نسبه المشركون إليه، تفريعاً على ما اقتضاه تكذيبهم بالبعث من التعريض بتكذيب القرآن الذي أخبَر بوقوعه، وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم القائل إنه موحى به إليه من الله تعالى.
وابتدئ الكلام بالقَسَم تحقيقاً لمضمونه على طريقة الأقسام الواردة في القرآن، وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ والصافات صفاً ﴾ [الصافات: 1].
وضمير ﴿ أُقسم ﴾ عائد إلى الله تعالى.
* جمع الله في هذا القَسَم كل ما الشأن أن يُقسَم به من الأمور العظيمة من صفات الله تعالى ومن مخلوقاته الدالة على عظيم قدرته إذ يجمع ذلك كله الصِلَتان ﴿ بما تبصرون وما لا تبصرون ﴾ ، فمما يبصرون: الأرض والجبال والبحار والنفوس البشرية والسماوات والكواكب، وما لا يبصرون: الأرواح والملائكة وأمور الآخرة.
و ﴿ لا أقسم ﴾ صيغة تحقيققِ قَسَم، وأصلها أنها امتناع من القسَم امتناع تحرّج من أن يحلف بالمُقْسممِ به خشية الحنث، فشاع استعمال ذلك في كل قسم يراد تحقيقه، واعتبر حرف (لا) كالمزيد كما تقدم عند قوله: ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ في سورة الواقعة (75)، ومن المفسرين من جعل حرف (لا) في هذا القسم إبطالاً لكلام سابق وأنّ فعل أُقْسِم } بعدها مستأنف، ونُقض هذا النوع بوقوع مثله في أوائل السور مثل: ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ [القيامة: 1] و ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ [البلد: 1].
وضمير ﴿ إنه ﴾ عائد إلى القرآن المفهوم من ذكر الحشر والبعث، فإن ذلك مما جاء به القرآن ومجيئه بذلك من أكبر أسباب تكذيبهم به، على أن إرادة القرآن من ضمائر الغيبة التي لا معاد لها قد تكرر غير مرة فيه.
وتأكيد الخبر بحرف (إنَّ) واللاممِ للرد على الذين كذبوا أن يكون القرآن من كلام الله ونسبوه إلى غير ذلك.
والمراد بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كما يقتضيه عطف قوله: ﴿ ولو تَقَول علينا بعض الأقاويل ﴾ [الحاقة: 44]، وهذا كما وصف موسى ب ﴿ ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءَهم رسول كريم ﴾ [الدخان: 17] وإضافة ﴿ قول ﴾ إلى ﴿ رسول ﴾ لأنه الذي بلّغه فهو قائله، والإِضافة لأدنى ملابسة وإلاّ فالقرآن جَعَله الله تعالى وأجَراه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم كما صدر من جبريل بإيحائه بواسطته قال تعالى: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك ﴾ [مريم: 97].
رَوي مقاتل أن سبب نزولها: أن أبا جهل قال: إن محمداً شاعر، وأن عقبة بن أَبي مُعيط قال: هو كاهن، فقال الله تعالى: ﴿ إنه لقول رسول كريم ﴾ الآية.
ويجوز أن يراد ب ﴿ رسول كريم ﴾ جبريل عليه السلام كما أريد به في سورة التكوير إذ الظاهر أن المراد به هنالك جبريل كما يأتي.
وفي لفظ ﴿ رسول ﴾ إيذان بأن القول قول مُرسله، أي الله تعالى، وقد أكد هذا المعنى بقوله عقبه ووصف الرسول ب كريم } لأنه الكريم في صنفه، أي النفيس الأفضل مثل قوله: ﴿ إني أُلقي إليّ كتاب كريم ﴾ في سورة النمل (29).
وقد أثبت للرسول الفضل على غيره من الرسل بوصف كريم}، ونفي أن يكون شاعراً أو كاهناً بطريق الكناية عند قصد رد أقوالهم.
وعطف ﴿ ولا بقول كاهن ﴾ على جملة الخبر في قوله: ﴿ بقول شاعر، ﴾ و ﴿ لا ﴾ النافية تأكيد لنفي ﴿ ما ﴾ .
وكني بنفي أن يكون قولَ شاعر، أو قول كاهن عن تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يكون شاعراً أو كاهناً، رد لقولهم: هو شاعر أو هو كاهن.
وإنما خص هذان بالذكر دون قولهم: افتراه، أو هو مجنون، لأن الوصف بكريم كاف في نفي أن يكون مجنوناً أو كاذباً إذ ليس المجنون ولا الكاذب بكريم، فأما الشاعر والكاهن فقد كانا معدودين عندهم من أهل الشرف.
والمعنى: ما هو قول شاعر ولا قول كاهن تلقاه من أحدهما ونسبَه إلى الله تعالى.
و ﴿ قليلاً ﴾ في قوله: ﴿ قليلاً ما تؤمنون قليلاً ما تذكَّرون ﴾ مراد به انتفاء ذلك من أصله على طريقة التمليح القريب من التهكم كقوله: ﴿ فلا يؤمنون إلاّ قليلاً ﴾ [النساء: 46]، وهو أسلوب عربي، قال ذو الرمة: أُنيحَتْ ألْقَتْ بَلْدَةً فوق بَلْدةٍ *** قَلِيللٍ بها الأصواتُ إلاّ بُغَامُها فإن استثناء بُغام راحلته دل على أنه أراد من (قليل) عدم الأصوات.
والمعنى: لا تؤمنون ولا تذكرون، أي عندما تقولون هو شاعر وهو مجنون، ولا نظر إلى إيمان من آمن منهم من بعدُ.
وقد تقدم في سورة البقرة (88) قوله: ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ وانتصب قليلاً في الموضعين على الصفة لمصدر محذوف يدل عليه ﴿ تؤمنون ﴾ و ﴿ تذكَّرون ﴾ أي تؤمنون إيماناً قليلاً، وتذكَّرون تذكراً قليلاً.
و ﴿ ما ﴾ مزيدة للتأكيد كقول حاتم الطائي: قليلاً به ما يَحْمَدَنَّك وَارث *** إذَا نال مما كنتَ تَجمع مَغْنَمَا وجملتَا ﴿ قليلاً ما تؤمنون قليلاً ما تذَّكَّرون ﴾ معترضتان، أي انتفى أن يكون قول شاعر، وانتفى أن يكون قول كاهن، وهذا الانتفاء لا يحصِّل إيمانكم ولا تذكركم لأنكم أهل عناد.
وقرأ الجمهور ﴿ ما تؤمنون، وما تذكرون ﴾ كليهما بالمثناة الفوقية، وقرأهما ابن كثير وهشام عن ابن عامر (واختلف الرواة عن ابن ذكوان عن ابن عامر) ويعقوبُ بالياء التحتية على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وحسَّن ذلك كونُهما معترضتين.
وأوثر نفي الإِيمان عنهم في جانب انتفاء أن يكون قول شاعر، ونفي التذكُّر في جانب انتفاء أن يكون قول كاهن، لأن نفي كون القرآن قول شاعر بديهي إذ ليس فيه ما يشبه الشعر من اتزان أجزائه في المتحرك والساكن والتقفية المتماثلة في جميع أواخرِ الأجزاء، فادعاؤهم أنه قول شاعر بهتان متعمَّد ينادي على أنهم لا يُرجى إيمانهم، وأما انتفاء كون القرآن قولَ كاهن فمحتاج إلى أدنى تأمل إذ قد يشبَّه في بادئ الرأي على السامع من حيث إنه كلام منثور مؤلف على فواصل ويؤلف كلام الكهان على أسجاع مثناة متماثلة زوجين زوجين، فإذا تأمل السامع فيه بأدنى تفكر في نظمه ومعانيه عَلم أنه ليس بقول كاهن، فنظمُه مخالف لنظم كلام الكهان إذ ليست فقراته قصيرة ولا فواصله مزدوجة ملتزم فيها السجع، ومعانيه ليست من معاني الكهانة الرامية إلى الإِخبار عما يحدث لبعض الناس من أحداث، أو ما يلم بقوم من مصائب متوقعة ليحذروها، فلذلك كان المخاطبون بالآية منتفياً عنهم التذكر والتدبر، وإذا بطل هذا وذاك بطل مدعاهم فحق أنه تنزيل من رب العالمين كما ادعاه الرسول الكريم عليه الصلاة والتسليم.
وقوله: ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ خبر ثان عن اسم (إنّ) وهو تصريح بعد الكناية.
ولك أن تجعل ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ خبر مبتدأ محذوف جرى حذفه على النوع الذي سماه السكاكي بمتابعة الاستعمال في أمثاله وهو كثير في الكلام البليغ، وتجعلَ الجملة استئنافاً بيانياً لأن القرآن لمَّا وصف بأنه ﴿ قول رسول كريم ﴾ ونفي عنه أن يكون قول شاعر أو قول كاهن، ترقَّب السامع معرفة كنهه، فبُين بأنه منزل من رب العالمين على الرسول الكريم ليقوله للناس ويتلوه عليهم.
و ﴿ تنزيل ﴾ وصف بالمصدر للمبالغة.
والمعنى: إنه منزل من رب العالمين على الرسول الكريم.
وعبر عن الجلالة بوصف ﴿ ربّ العالمين ﴾ دون اسمِه العلَم للتنبيه على أنه رب المخاطَبين وربُ الشعراءِ والكهاننِ الذين كانوا بمحل التعظيم والإِعجاب عندهم نظير قول موسى لفرعون ﴿ ربُّكم وربُّ آبائكم الأولين ﴾ [الشعراء: 26].
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ ذَلِكَ أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا ساحِرٌ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّهُ شاعِرٌ، وقالَ عَقَبَةُ بْنُ مَعِيطٍ: إنَّهُ كاهِنٌ فَقالَ اللَّهُ تَعالى قَسَمًا عَلى كَذِبِهِمْ ( ﴿ فَلا أُقْسِمُ ﴾ ) أيْ أُقْسِمُ، و(لا) صِلَةٌ زائِدَةٌ.
﴿ وَما لا تُبْصِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما تُبْصِرُونَ مِنَ الخَلْقِ وما لا تُبْصِرُونَ مِنَ الخَلْقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ رَدٌّ لِكَلامٍ سَبَقَ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: بِما تَعْلَمُونَ وما لا تَعْلَمُونَ، مُبالَغَةً في عُمُومِ القَسَمِ.
﴿ إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جِبْرِيلُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
الثّانِي: رَسُولُ اللَّهِ ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ولَيْسَ القُرْآنُ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ، إنَّما هو مِن قَوْلِ اللَّهِ وإبْلاغِ الرَّسُولِ، فاكْتَفى بِفَحْوى الكَلامِ عَنْ ذِكْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو القاسم الزجاجي النحوي في أماليه من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: ما أدري ما الغسلين ولكني أظنه الزقوم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الغسلين الدم والماء الذي يسيل من لحومهم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الغسلين صديد أهل النار.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن دلواً من غسلين يراق في الدنيا لأنتن بأهل الدنيا» .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال: الغسلين اسم طعام من أطعمه النار.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: غسلين شجرة في النار.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن صعصعة بن صوحان قال: جاء أعرابي إلى عليّ بن أبي طالب فقال: كيف هذا الحرف لا يأكله ألا الخاطون كل والله يخطو فتبسم عليّ وقال: يا أعرابي ﴿ لا يأكله إلا الخاطئون ﴾ قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين ما كان الله ليسلم عبده، ثم التفت عليّ إلى أبي الأسود فقال: إن الأعاجم قد دخلت في الدين كافة فضع للناس شيئاً يستدلون به على صلاح ألسنتهم، فرسم له الرفع والنصب والخفض.
وأخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه من طريق أبي الدهقان عن عبد الله أنه قرأ ﴿ لا يأكله إلا الخاطئون ﴾ مهموزة.
وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿ لا يأكله إلا الخاطون ﴾ لا يهمز.
وأخرج الحاكم وصححه من طريق أبي الأسود الدؤلي ويحيى بن يعمر عن ابن عباس قال: ما الخاطون؟
إنما هو الخاطئون، ما الصابون؟
إنما هو الصابئون.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون ﴾ يقول: بما ترون وما لا ترون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما هو بقول شاعر ﴾ قال: طهره الله وعصمه ﴿ ولا بقول كاهن ﴾ قال: طهره من الكهانة وعصمه منها.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن يزيد بن عامر السوائي أنهم بينما هم يطوفون بالطاغية إذ سمعوا متكلماً وهو يقول: ﴿ ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ ففزعنا لذلك وقلنا ما هذا الكلام الذي لا نعرفه، فنظرنا فإذا النبي صلى الله عليه وسلم منطلق.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ قال: بقدرة.
وأخرج عبد بن حميد عن الحكم في قوله: ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ قال: بالحق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: الوتين عرق القلب.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ قال: هو حبل القلب الذي في الظهر.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ قال: كنا نحدث أنه حبل القلب.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: الوتين الحبل الذي في الظهر.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: الوتين نياط القلب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن حصين بن عبد الرحمن قال: قال ابن عباس: إذا احتضر الإِنسان أتاه ملك الموت فغمز وتينه، فإذا انقطع الوتين خرج روحه فهناك حين يشخص بصره ويتبعه روحه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: إذا انقطع الوتين لا إن جاع عرق، ولا إن شبع عرق.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وإنه لتذكرة ﴾ لك ﴿ وإنه لحسرة ﴾ ﴿ وإنه لحق اليقين ﴾ قال: القرآن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين ﴾ قال: يعني هذا القرآن وفي قوله: ﴿ وإنه لحسرة على الكافرين ﴾ قال: ذاكم يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ لا زائدة غير نافية ﴿ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ يعني جميع الأشياء لأنها تنقسم إلى ما يبصر وما لا يبصر، كالدنيا والآخرة والإنس والجن والأجسام والأرواح وغير ذلك ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ هذا جواب القسم، والضمير للقرآن، والرسول الكريم جبريل، وقيل: لمحمد عليه الصلاة والسلام ﴿ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ ﴾ قال ابن عطية: يحتمل أن تكون ما نافية، فنفى إيمانهم بالجملة أو تكون مصدرية فوصف إيمانهم بالقلة، وقال الزمخشري: القلة هنا بمعنى العدم، أي لا تؤمنون ولا تذكرون البتة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وما أدراك ﴾ بالإمالة حيث كان: حمزة وخلف والخراز عن هبيرة، وأبو عمرو والنجاري عن ورش، وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ فهل ترى ﴾ كما في الملك ﴿ ومن قبله ﴾ بكسر القاف وفتح الباء: أبو عمرو وسهل ويعقوب الآخرون: بفتح القاف وسكون الباء ﴿ وتعيها ﴾ بسكون العين تشبيهاً بخاء " فخذ ": القواس عن حمزة عن خلف وخلف لنفسه والهاشمي عن قنبل والخزاعي عن ابن فليح وأبو ربيعة عن أصحابه ﴿ فهي يومئذ ﴾ بالإدغام: شجاع أبو شعيب ﴿ لا يخفى ﴾ على التذكير: حمزة وعلي وخلف ﴿ كتابي ﴾ ﴿ وحسابي ﴾ بغير هاء السكت في الوصل: سهل ويعقوب ﴿ مالي ﴾ و ﴿ سلطاني ﴾ بدون الهاء في الوصل: حمزة وسهل ويعقوب ﴿ يؤمنون ﴾ و ﴿ يذكرون ﴾ على الغيبة: ابن كثير وسهل ويعقوب وابن عامر.
الوقوف: ﴿ الحاقة ﴾ ه لا لأن ما بعده خبرها ﴿ ما الحاقة ﴾ ه لا لاحتمال الواو بعده الحال والاسئناف ﴿ الحاقة ﴾ ه م ﴿ القارعة ﴾ ه ﴿ بالطاغية ﴾ ه ط ﴿ عاتية ﴾ ط ﴿ أيام ﴾ لا لأن ﴿ حسوماً ﴾ صفة الثمانية ﴿ صرعى ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ خاوية ﴾ ه ج للاستفهام مع الفاء ﴿ باقية ﴾ ط ﴿ بالخاطئة ﴾ ه ﴿ رابية ﴾ ه ﴿ الجارية ﴾ ه ج ﴿ واعية ﴾ ه ﴿ واحدة ﴾ ه لا ﴿ واحدة ﴾ ه ط ﴿ الواقعة ﴾ ه لا للعطف ﴿ واهية ﴾ ه لا لذلك ﴿ رجائها ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ ثمانية ﴾ ط ﴿ خافية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ راضية ﴾ ه لا ﴿ عالية ﴾ ه لا ﴿ دانية ﴾ ه ﴿ الخالية ﴾ ه ﴿ كتابيه ﴾ ه ج ﴿ حسابيه ﴾ ه ج ﴿ القاضية ﴾ ه ج ﴿ ماليه ﴾ ه كلها جائزات وتفصيلاً بين الندامات مع اتحاد المقولات ﴿ سلطانية ﴾ ه ﴿ فغلوه ﴾ ط للعطف ﴿ صلوه ﴾ ه لا لذلك ﴿ فاسلكوه ﴾ ه ط ﴿ العظيم ﴾ ه لا ﴿ المسكين ﴾ ه ط ﴿ حميم ﴾ ه لا ﴿ غسلين ﴾ ه لا ﴿ الخاطئون ﴾ ه ﴿ تبصرون ﴾ ه لا ﴿ وما لا تبصرون ﴾ ه لا ﴿ كريم ﴾ ه لا ﴿ شاعر ﴾ ط ﴿ تؤمنون ﴾ ه ﴿ كاهن ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه أي هو تنزيل ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ باليمين ﴾ ه لا ﴿ الوتين ﴾ ه والوصل أجوز لدخول الفاء واتحاد الكلام ﴿ حاجزين ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ مكذبين ﴾ ه لا ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ اليقين ﴾ ه ﴿ العظيم ﴾ ه.
التفسير: ﴿ الحاقة ﴾ وهي القيامة بالاتفاق إلا أنهم اختلفوا في سبب التسمية فقال أبو مسلم: هي الفاعلة من حقت كلمة ربك أي الساعة واجبة الوقوع لا ريب في مجيئها، وقريب منه قول الليث أنها النازلة التي حقت فلا كاذبة لها.
وقيل: إنها التي تحق فيها الأمور أي تعرف على الحقيقة من قولك لا أحق هذا أي لا أعرف حقيقته، جعل الفعل لها وهو لأهلها، وقيل: هي التي يوجد فيها حواق الأمور وهي الواجبة الحصول من الثواب والعقاب وغيرهما من أحوال القيامة.
وهذا الوجه والذي تقدمه يشتركان في الإسناد المجازي إلا أن الفاعل في الأول بمعنى المفعول والثاني على أصله، وقريب منه قول الزجاج أنها تحق أي يكون فيها جميع آثار أعمال المكلفين ويخرج عن حد الانتظار.
قال الأزهري: سميت بذلك أنها تحق كل محاق في دين الله بالباطل أي تخاصم كل مخاصم وتغلبه.
وأورد في التفسير الكبير وجوهاً أخر إلى تمام العشرة فهي في التحقيق مكررة فلذلك حذفناها.
قوله ﴿ ما الحاقة ﴾ مبتدأ وخبره والمجموع خبر الحاقة.
والأصل ما هي يعني وأي شيء هي؟
وفي هذا الاستفهام تعظيم وتفخيم لشأنها، وفي وضع الظاهر موضع المضمر تهويل فوق تهويل وفي قوله ﴿ وما أدراك ما الحاقة ﴾ مبالغة أخرى والمعنى أي شيء أعلمك ما الحاقة؟
وفيه أن مدى عظمها بحيث لا يبلغه وصف واصف ولا نعت مخبر.
قال جار الله: ما يعني في ما الحاقة الثانية في موضع الرفع على الابتداء.
﴿ وأدراك ﴾ معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام.
قلت: ولولا ذلك لنصب الجزأين على أنهما مفعول ثان وثالث كقولك " أعلمتك زيداً فاضلاً ".
وحين ذكر الحاقة على أبلغ وجوه التعظيم أتبعها ذكر من كذب بها وما حل بهم بسبب التكذيب تخويفاً لأهل مكة فقال ﴿ كذبت ثمود وعاد بالقارعة ﴾ والأصل بها أي بالحاقة إلا أنه وضع القارعة موضع الضمير ليدل بذلك على معنى الروع في الحاقة زيادة في وصف شدتها.
ولا ريب أنها تفزع الناس بالأفزاع والأهوال، والسماء بالانشقاق، والأرض بالدك، والنجوم بالطمس إلى غير ذلك.
وكانت عادة القرآن جارية بتقديم قصة عاد على ثمود إلا أنه قلب ههنا لأن قصة ثمود بنيت على غاية الاختصار ومن عادتهم تقديم ما هو أخصر.
قوله ﴿ بالطاغية ﴾ أي بالواقعة المجاوزة للحد وهي الرجفة أو الصاعقة أو الصحية، وقيل: الطاغية مصدر أي بسبب طغيانهم.
واعترض بأنه لا يطابق قصة عاد فأهلكوا بريح.
ويمكن أن يجاب بأن السبب الفاعلي والسبب الآلي كلاهما يشتركان في مطلق السببية، وهذا القدر من المناسبة كافٍ في الطباق وعلى هذا القول يحتمل أن تكون الطاغية صفة موصوف أي بشؤم الفرقة الطاغية التي تواطأت على عقر الناقة.
ويجوز أن يراد بها عاقر الناقة وحده والتاء للمبالغة.
الصرصر الشديد الصوت أو الكثير سميت عاتية بشدة عصوفها.
قال جار الله: العتو استعارة قلت: لأنه مستعمل في مجاوزة الإنسان حد الطاعة والانقياد.
قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن الريح عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة من استتار ببيت واستناد إلى جبل، فإنها كانت تزعجهم من مكانهم.
قال الكلبي: عتت على خزانها كما جاء في الحديث " ما أرسل الله من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من مطر إلا بمكيال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان والريح يوم عاد عتت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل " وقيل: العاتية من عتا النبت أي بلغ منتهاه وجف قال ﴿ وقد بلغت من الكبر عتياً ﴾ أي ريح بالغة منتهاها في الشدة والقوة ﴿ سخرها ﴾ أي سلطها بدليل ﴿ عليهم ﴾ وقال الزجاج: أقامها وقيل: أرسلها.
قوله ﴿ حسوماً ﴾ جمع حاسم كشهود جمع شاهد.
والتركيب يدور على القطع والاستئصال ومنه الحسام لأنه يحسم العدو عما يريد من بلوغ أمله، وذلك أن تلك الريح حسمت كل خير واستأصلت كل بركة.
وقيل: إنها تتابعت من غير فتور ولا انقطاع حتى أتت عليهم، فمثل تتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء مرة بعد أخرى إلى أن ينحسم.
ويجوز أن يكون ﴿ حسوماً ﴾ مصدراً كالدخول والخروج وعلى هذا انتصب بفعل مضمر أي يستأصل استئصالاً، أو يكون وصفاً بالمصدر أي ذات حسوم، أو مفعولاً له، وقيل: هي أيام العجوز وذلك أن عجوزاً من عاد توارت في سرب فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها.
والصحيح أنها أيام العجز وهي آخر الشتاء وأساميها.
الصن والصنبر والوبر والآمر والمؤتمر والمعلل ومطفىء الجمر.
وقيل: ومكفىء الظعن.
والضمير في ﴿ فيها ﴾ للجهات أو الليالي والأيام الخاوية الساقطة.
وقيل: الخاوية لأن الريح كانت تدخل أجوافهم فتصرعهم، وعلى هذا يحتمل أن تكون الخاوية بمعنى البالية لأن النخل إذا بليت خلت أجوافها والباقية مصدر.
وقيل: من نفس باقية: قال ابن جريج: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله، فلما كان اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر فذلك قوله ﴿ فهل ترى لهم من باقية ﴾ وقوله { ﴿ فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ﴾ ومن قرأ ﴿ ومن قبله ﴾ بالفتح والسكون فظاهر أي ومن تقدمه من رؤساء الكفر والضلال كنمرود ونحوه.
ومن قرأ بالسكر والفتح أراد ومن عنده من أتباعه وجنوده.
والخاطئة مصدر أي بالخطأ أو صفة أي بالفعلة أو الأفعال ذوات الخطأ العظيم ﴿ رابية ﴾ من ربا الشيء يربو إذا زاد أي زائدة في الشدة كما كانت فعلاتهم زائدة في القبح.
وقيل: معنى الزيادة اتصال عذابهم في الدنيا بعذاب الآخرة.
﴿ أغرقوا فأدخلوا ناراً ﴾ .
ولاريب أن عذاب الآخرة أشد وكان عقابهم ينمو ويزيد إلى حد ليس فوقه عذاب.
قال الوحدي: الوجه في قوله ﴿ رسول ربهم ﴾ أن يكون رسول الأمم الماضية كلهم أعني موسى ولوطاً وغيرهما من رسل من تقدم فرعون كقوله ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ولو جعل عبارة عن موسى لزم التخصيص من غير مخصص.
ثم ذكر قصة بعض من تقدم فرعون فقال ﴿ إنا لما طغى الماء ﴾ وطغيان الماء كعتو الريح وقد سبق في عدة سور.
ومعنى ﴿ حملناكم ﴾ حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم ﴿ في الجارية ﴾ في السفينة وهي سفينة نوح ﴿ لنجعلها ﴾ قال الفراء: أي الجارية لأنها المذكور.
والأظهر عودة إلى الواقعة والحالة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين فإنها هي التذكرة والعبرة ولقوله ﴿ وتعيها أذن واعية ﴾ من شأنها حفظ كل ما تسمع لتعمل به.
قال أهل اللغة: كل ما حفظته في نفسك فقد وعيته وما تعيه في غير نفسك فقد أوعيته.
يقال: أوعيت المتاع في البيت.
والشر أخبث ما أوعيت من زاد *** قال جار الله: إنما قيل ﴿ أذن واعية ﴾ على التوحيد والتنكير للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، للدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت فهي عند الله بمكان وما سواها لا يلتفت إليه وإن ملأ العالم.
عن النبي أنه قال لعلي عند نزول هذه الآية: سألت الله يجعلها أذنك يا علي.
قال علي : فما نسيت شيئاً بعد ذلك وما كان لي أن أنسى.
وحين فرغ من بيان القدرة والحكمة عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو حديث الحاقة، والنفخة الواحدة عن ابن عباس أنها الأولى التي عندها خراب العالم، وفي رواية عنه أنها الثانية لقوله بعد ذلك ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ والعرض عند الثانية.
ولناصر الرواية الأولى أن يقول: اليوم اسم للحين الواسع الذي يقع فيه النفخات والصعقة والنشور والوقوف والحساب كما تقول " جئته عام كذا " وإنما جئت في وقت واحد من أوقاتها.
قوله ﴿ واحدة ﴾ صفة مؤكدة قوله ﴿ وحملت ﴾ أي رفعت من جهاتها بريح شديدة أو بملك أو بقدرة الله من غير واسطة.
والضمير في ﴿ دكتا ﴾ لجماعتي الأرض والجبال والمراد أن هاتين الجملتين يضرب بعضها ببعض حتى يندك ويرجع كثيباً مهيلاً منثوراً.
والدك أبلغ من الدق.
وقيل: فبسطتا بسطة واحدة فصارتا قاعاً صفصفاً من قولك " اندك السنام " إذا انقرش " وبعير أدك" " وناقة دكاء " قوله ﴿ فيومئذ ﴾ جواب ﴿ فإذا نفخ ﴾ والواقعة النازلة وهي القيامة ﴿ واهية ﴾ مسترخية بعد أن كانت مستمسكة ﴿ والملك ﴾ جنس ولهذا كان أعم من الملائكة لشموله الواحد والاثنين دونها.
والأرجاء الجوانب جمع رجا مقصوراً.
والمعنى أن السماء إذا انشقت عدلت الملائكة عن مواضع الشق إلى جوانب السماء.
سؤال: الملائكة يموتون في الصعقة الأولى فكيف يقفون على أرجاء السماء؟
الجواب أنهم يقفون لحظة ثم يموتون أو هم المستثنون بقوله إلا ما شاء الله، والضمير في ﴿ فوقهم ﴾ عائد إلى الملك على المعنى لأن التقدير الخلق الذي يقال له الملك، والمقصود التمييز بينهم وبين الملائكة الذين هم حملة العرش، وقال مقاتل: الضمير للحملة أي فوق رؤسهم والإضمار قبل الذكر جائز لأنه بعده حكماً كقوله " في بيته يؤتى الحكم " وعن الحسن: لا أدري ثمانية أشخاص أو ثمانية آلاف أو ثمانية صفوف.
وعن الضحاك: ثمانية صفوف ولا يعلم عددهم إلا الله.
قال المفسرون: الحمل على الأشخاص أولى لأن هذا أقل ما يصدق اللفظ عليه والزائد لا دليل له، وكيف لا والمقام مقام تهويل وتعظيم؟
فلو كان المراد ثمانية آلاف لوجب ذكره ليزداد التعظيم والتهويل ويؤيده ما روي عن رسول الله " "اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى" وروي " "ثمانية أملاك أرجلهم في تخوم الأرض السابعة والعرش فوق رؤسهم وهم مطرقون يسبحون " وقيل: بعضهم على صورة الإنسان، وبعضهم على صورة الأسد، وبعضهم على صورة الثور، وبعضهم على صورة النسر، وروي " "ثمانية أملاك في خلق الأوعال ما بين أظلافها إلى ركبها مسيرة سبعين عاماً" وعن شهر بن حوشب: أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.
وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك.
ولولا هذه الروايات لجاز أن يكون الثمانية من الروح أو من خلق آخر.
قالت المشبهة: لو لم يكن الله على العرش لم يكن لحمله فائدة وأكدوا شبهتهم بقوله ﴿ يومئذ تعرضون ﴾ للمحاسبة والمساءلة فلو لم يكن الإله حاضراً لم يكن للعرض معنى.
وأجيب بأن الدليل على أن حمل الإله محال ثابت فلا بد من التأويل وهو أنه خاطبهم بما يتعارفونه فخلق نفسه بيتاً يزورونه ليس ليسكن فيه، وجعل في ذلك البيت حجراً هو يمينه في الأرض إذ كان من شأنهم أن يعظموا رؤساءهم بتقبيل أيمانهم، وجعل على العباد حفظة لا لأن النسيان يجوز عليه بل لأنه المتعارف.
فكذلك لما كان من شأن الملك إذا أراد محاسبة عماله أن يجلس لهم على سرير ويقف الأعوان حواليه صور الله تلك الصورة المهيبة لا لأنّه يقعد على السرير.
روي أن في القيامة ثلاث عرضات.
فأما عرضتان فاعتذار واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها تنشر الكتب.
قوله ﴿ لا تخفى منكم خافية ﴾ أي تعرضون على من لا يخفى عليه شيء أصلاً وقيل: أراد لا يخفى منكم يوم القيامة ما كان مخفياً في الدنيا على غير الله وذلك ليتكامل سرور المؤمنين ويعظم توبيخ المذنبين.
ثم أخذ في تفصيل عرض الكتب.
" وهاء " صوت بصوت به فيفهم منه " خذ " وله لغات واستعمالات مذكورة في اللغة منها ما ورد به الكتاب الكريم وهو " هاء " مثل باع للواحد المذكور " وهاؤما " بضم الهمزة وإلحاق الميم بعدها ألف للتثنية ﴿ هاؤم ﴾ بضم الهمة بعده ميم ساكنة لجمع المذكر.
" هاء " بالكسر للمؤنثة " هاؤن" لجمعها ﴿ كتابيه ﴾ مفعول ﴿ هاؤم ﴾ عند الكوفيين و ﴿ اقرؤا ﴾ عند البصريين لأنه أقرب أصله هاؤم كتابي اقرأوا كتابي فحذف لدلالة الثاني عليه.
قال البصريون: ولو كان العامل الأول لقيل اقرأه إذ المختار إضمار المفعول ليكون دليلاً على المحذوف.
وأجاب الكوفيون بأن الظاهر قد أغنى عن الضمير كما في قوله ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات ﴾ والهاء في ﴿ كتابيه ﴾ وغيره هاء السكت ومن ههنا تثبت في الوقف وتسقط في الوصل لكنه استحب التلفظ بها في الوصل عند جماعة اتباعاً لوجودها في المصحف، وإنما قال ﴿ من أوتي كتابه ﴾ ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه ﴾ ابتهاجاً وفرحاً.
وقيل: يقول ذلك لأهل بيته وقرابته.
وفي قوله ﴿ إني ظننت ﴾ وجوه كما مر في قوله ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ﴾ ومما يختص بالمقام قول بعضهم أنه أراد الظن في الدنيا لأن أهل الدنيا لا يوقنون بنيل الدرجات، وفي هذا الوجه نظر لأنهم كانوا غير قاطعين بالجنة إلا أنهم يجب أن يقطعوا بالحساب الجزاء.
وعن أبي هريرة أنه قال " إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى بكتابه فتكتب حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن فيقال له: اقلب كفك فيرى حسناته فيفرح ثم يقول ﴿ هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت ﴾ " عند النظر الأولى ﴿ أني ملاق حسابيه ﴾ على سبيل الشدة، وأما الآن فقد فرج الله عني ذلك الغم، وأما في حق الأشقياء فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا.
ثم بين عاقبة أمره قائلاً ﴿ فهو في عيشة ﴾ فعلة من العيش للنوع ﴿ راضية ﴾ منسوبة إلى الرضا كالدارع والنابل للمنسوب إلى الدرع والنبل، وهذا من النسبة بالصيغة كما أن قولك " بصري" أو " هاشمي " من النسبة بالحروف، ويجوز أن يكون من الإسناد المجازي كقولك " نهاره صائم " جعل الصوم للنهار وهو لصاحبه كذلك ههنا جعل الرضا للعيشة وهو لصاحبها ﴿ في جنة عالية ﴾ درجاتها لأنها فوق السموات على تفاوت الطبقات أو في جنة رفعية المباني والقصور والأشجار ﴿ قطوفها دانية ﴾ ثمارها قريبة التناول.
والقطوف جمع قطف بالكسر وهو المقطوف كالطحن بمعنى المطحون.
يروى أن ثمارها يقرب تناولها للقائم والجالس والمضطجع وإن أحب أن تدنو دنت ﴿ كلوا ﴾ على إرادة القول و ﴿ هنيئاً ﴾ مصدر أو صفة كما مر في " الطور" جمع الخطاب في ﴿ كلوا ﴾ مع أنه وحد الضمير في قوله ﴿ أوتي ﴾ وغيره حملاً على لفظ من ثم على معناه.
والغرض من هذا الأمر التوقير والعرض لا التكليف.
ومن قال بالإباحة ليس بتكليف فلا إشكال.
وقوله ﴿ بما أسلفتم ﴾ كقوله في " الطور " ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ والإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالافتراض ومنه يقال " أسلف في كذا " إذا قدم فيه ماله.
والمعنى بسبب ما عملتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا الماضية.
وعن مجاهد والكلبي: هي أيام الصيام فيكون الأكل والشرب في الجنة بدل الإمساك عنهما في الدنيا.
ثم أخذ في قصة الأشقياء.
وإنما تمنى أنه لم يدر أي شيء حسابه لأنه عليه لا يعود منه إليه سوى الضر.
والضمير في ﴿ يا ليتها ﴾ عائد إلى الموتة الأولى يدل عليها سياق الكلام.
ولعل في قوله ﴿ ولم أدر ﴾ إشارة إليها لأنها حالة العدم المستلزمة لعدم الإدراك أي الموتة التي متها يا ليتها ﴿ كانت القاضية ﴾ لأمري أو للحياة فلم أبعث بعدها.
وقيل: هاء الضمير للحال أي ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت عليّ.
قال القفال: تمنى الموت حين رأى من الخجل وسوى المنقلب ما هو أشد وأشنع من الموت.
قوله ﴿ ما أغني ﴾ نفي.
ويجوز أن يكون استفهاماً على سبيل الإنكار ومعناه أي شيء أغنى ﴿ عني ﴾ ما كان لي من اليسار فإنه لم يبق منه إلا الوبال ﴿ هلك عني ﴾ تسلطي على الناس وزال عني ما كنت أتصوره حجة وبرهاناً.قال ابن عباس: ضلت عني حجتي التي كنت أحتج بها على محمد في الدنيا.
وقال مقاتل: إنما يقول هذا حين شهدت عليه الجوارح بالشرك.
يحكى عن عضد الدولة أنه قال قصيدة مطلعها هذا البيت: ليس شرب الكاس إلا في المطر *** وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى *** ناعمات في تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها *** ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها *** ملك الأملاك غلاب القدر يروى بضم القاف جمع القدرة وبفتحها وهو ما قدر الله على عباده وقضى.
ولا ريب أن المصراع الأخير فيه سوء الأدب والجراءة على الله من وجهين: أحدهما أنه سمى نفسه ملك الأملاك ولا يصلح هذا الاسم إلا لله ولهذا جاء في الحديث " أفظع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" ويقال لها بالفارسية شاهنشاه والثاني أنه زعم الغلبة على القدر وهذا أيضاً من أوصاف الله جل وعلا لا يصلح لغيره.
وإن زعم أنه قال ذلك بالنسبة إلى ملوك دونه فذلك قيد لا يدل عليه الإطلاق فسوء الأدب باقٍ فمن ههنا روي أن الله ابتلاه عقيب ذلك بالجهل وفساد الذهن وخور القوى، وكان لا ينطلق لسانه إلا بتلاوة ﴿ ما أغني عني ماليه هلك عني سلطانيه ﴾ ﴿ خذوه ﴾ على إرادة القول أي يقال لهم خذوه أيها الخزنة يروى أنهم مائة ألف ملك تجمع يده إلى عنقه.
والتصلية في الجحيم وفي النار العظمى، إشارة إلى أنه كان سلطاناً يتعظم على الناس.
والسلسلة حق منتظمة كل حلقة منها في حلقة.
وكل شيء مستمر بعد شيء على الولاء والنظام فهو مسلسل.
والذرع في اللغة التقدير بالذراع من اليد.
وقوله ﴿ سبعون ذراعاً ﴾ يجوز أن يكون محمولاً على الظاهر وأن يراد المبالغة على عادة العرب.
وتقديم الجحيم على التصلية والسلسلة على السلك للحصر أي لا تصلوه إلا في الجحيم ولا تسلكوه إلا في هذه السلسلة الطويلة لأنها إذا طالت كانت الكلفة أشد.
قالوا: كل ذراع سبعون باعاً أبعد مما بين مكة والكوفة.
قال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو قال ابن عباس: تدخل السلسة في دبره وتخرج من حلقه ثم يجمع بين ناصيته وقدميه قال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ يجعل في عنقه سلوكها.
عن بعضهم أن جمعاً من الكفار يقرن في هذه السلسلة الطويلة ليكون العذاب عليهم أشد وإنما لم يقل فاسلكوا السلسلة فيه لأنه أراد أن السلسلة تكون ملتفة على جسده بحيث لا يقدر على حركة.
وقيل: هو كقولهم " أدخلت القلنسوة في رأسي " او " الخاتم في أصبعي".
ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة.
ثم ذكر سبب هذا الوعيد الشديد وهو عدم الإيمان بالله العظيم وعدم بذل المال للمساكين ولعل الأول إشارة إلى فساد القوة النظرية، والثاني إلى فساد القوة العملية.
قال جار الله: وعطف حرمان المساكين على الكفر تغليظ، وفي ذكر الحض دون الفعل تغليظ دون تغليظ ليعلم أن ترك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل؟
وعن أبي الدرداء أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان فلا نخلع نصفها الآخر إلا بالإطعام.
والطعام اسم بمعنى الإطعام كالعطاء اسم بمعنى الإعطاء.
وفي الآية دلالة على أن الكفار مخطابون بالفروع.
والحميم القريب النافع وقوله ﴿ ههنا ﴾ إشارة إلى مكان عذابهم أو إلى مقام الوصول إلى هذا الحد من العذاب.
يروى أن ابن عباس سئل عن الغسلين فقال: لا أدري.
وقال الكلبي: هو ما يسال من أهل النار.
فغسلين من الغسالة والطعام ما يهيأ للأكل.
ويجوز أن يكون إطلاق الطعام عليه من باب التهكم أو مثل عقابك السيف.
قال ابن عباس: الخاطئون في الآية هم المشركون.
ثم عظم شأن القرآن بالإقسام بكل الأشياء لأنها إما مصبر أو غير مبصر.
وقيل: الدنيا والآخرة والأجسام والأرواح والإنس والجن والخلق والخالق والنعم الظاهرة والباطنة.
والأكثرون على أن الرسول الكريم ههنا هو محمد لأنه ذكر بعده أنه ليس بقول شاعر ولا كاهن، والقوم ما كانوا يصفون جبرائيل بالعشر والكهانة وإنما يصفون محمداً وأما في سورة التكوير فالأكثرون على أنه جبرائيل لأن الأوصاف التي بعده تناسبه كما يجيء.
وفي ذكر الرسول إشارة إلى أن هذا القرآن ليس قوله من تلقاء نفسه وإنما هو قول المؤدي عن الله بطريق الرسالة، وهكذا لو كان المراد جبرائيل.
وفي وصفه بالكرم إشارة إلى أمانته وأنه ليس ممن يغير الرسالة طمعاً في أغراض الدنيا الخسيسة.
وأيضاً من كرمه أنه أتى بأفضل أنواع المزايا والعطايا وهو المعرفة والإرشاد والهداية.
وإنما قال عند نفي الشعر عنه ﴿ قليلاً ما تؤمنون ﴾ وعند نفي الكهانة ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ لأن انتفاء الشعرية عن القرآن أمر كالبين المحسوس.
أما من حيث اللفظ فظاهر لأن الشعر كلام موزون مقفى وألفاظ القرآن ليست كذلك إلا ما هو في غاية الندرة بطريق الاتفاق من غير تعمد، وأما من جهة التخيل فلأن القرآن فيه أصول كل المعارف والحقائق البراهين والدلائل المفيدة للتصديق إذا كان المكلف ممن يصدق ولا يعاند.
وانتفاء الكهانة عنه أمر يفتقر إلى أدنى تأمل يوقف.
على أن كلام الكهان أسجاع لا معاني تحتها وأوضاع تنبو الطباع عنها.
وأيضاً في القرآن سب الشياطين وذم سيرتهم والكهان إخوان الشياطين فكيف رضوا بإظهار قبائحهم.
ثم صرح بالمقصود فقال ﴿ تنزيل من رب العالمين ﴾ أي هو تنزيل ثم بين أن المفتري لا يفلح وإن فرض أنه نبي فقال ﴿ ولو تقول ﴾ وهو تكلف القول من غير أن يكون له حقيقة و ﴿ الأقاويل ﴾ جمع أقوال.
وقال جار الله: في اللفظ تصغير وتحقير كالأعاجيب والأضاحيك كأنه جمع " أفعولة " من القول.
ومعنى الآية لو نسب إلينا قولاً لم نقله لقتلناه أشنع قتل وهو أن يؤخذ بيمينه وتضرب رقبته وهو ينظر إلى السيف، وهذه فائدة تخصيص اليمين لأن القتال إذا أخذ بيسار المقتول وقع الضرب في قفاه.
ومعنى ﴿ لأخذنا منه باليمين ﴾ لأخذنا بيمينه، وكذا قوله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ لقطعنا وتينه وهذا تفسير منقول عن الحسن البصري.
والوتين العرق المتصل من القلب بالرأس فإذا انقطع مات الحيوان: قال ابن قتيبة: لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه كما يفعل الملوك فكان كمن أخذ بيمينه فقطع وتينه ونظيره " ما زالت أكلة خبير تعاودني، فهذا أوان اقطع أبهري ".
والأبهر عرق متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه فكأنه قال: هذا أوان يقتلني السم.
وعن الفراء والمبرد والزجاج أن اليمين القوة وقوة كل شيء في ميامنه والباء زائدة ومعنى الأخذ السلب أي سلبنا عنه القدرة على التكلم بذلك القول وهذا كالواجب في حكمة الله كيلا يشتبه الصادق بالكاذب وقال مقاتل: اليمين الحق كقوله ﴿ إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ أي من قبل الحق.
والمعنى منعناه بواسطة إقامة الحجة وقضينا له من يعارضه فيه فيظهر للناس كذبه ﴿ فما منكم من أحد عنه ﴾ أي عن الرسول أو عن القتل، والخطاب للناس وأحد في معنى الجمع لأنه في سياق النفي فلذلك قال ﴿ حاجزين ﴾ أي مانعين.
وحين بين أن القرآن تنزيل من عند الله بواسطة جبرائيل على محمد الذي صفته أنه ليس بشاعر ولا كذاب، بين أن القرآن ما هو وإلى أي صنف يعود نفعه فقال ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين ﴾ ثم أوعد على التكذيب.
قائلاً ﴿ وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ﴾ ثم بين أن تكذيب القرآن سبب حسرة الكافرين في القيامة إذا رأوا ثواب المصدقين أو في الدنيا إذا رأوا دولة المؤمنين، لأن القرآن حق اليقين أي حق يقين لا ريب فيه، فأضيف أحد الوصفين إلى الآخر للتأكيد كقوله " هو حق العالم".
ثم أمر بالتسبيح شكراً له على الإيحاء إليه، أو على أن عصمه من الافتراء عليه.
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ : قد وصفنا أن تأويل قوله: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ أي: فلا أقسم بما تبصرون من خلق السماوات والأرضين وأنفسكم، وما لا تبصرون في أنفسكم من الأسماع، والأبصار، والقلوب، والعقول.
أو ما تبصرون من الخلائق ممن حضركم، وما لا تبصرون من الخلائق ممن غاب عنكم، فيكون القسم بما نبصر وما لا نبصر قسم بالخلائق أجمع؛ لأن جملة الخلائق على هذين الوجهين، فصنف منهم يرى، وصنف لا يرى، وقد ذكرنا أن القسم من الله - عز وجل - لتأكيد ما يقصد إليه مما يعرف بالتدبّر والتأمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ أي: الذي تسمعونه منه تسمعون من رسول كريم، ثم ذكر - هاهنا - أنه قول رسول كريم، وقال في موضع آخر: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ فذكر - هاهنا -: كلام الله، وذكر في الآية [الأولى]: أنه قول رسول كريم، فأما ما أضيف إلى الرسول فهو من حيث بلوغنا إليه من جهة الرسول، لا بأمر غيره وصلنا إليه، وأضيف إلى الله - - لأن مجيئه وبدأه من عنده، وأضيف إلى الرسول؛ لأن ظهوره في حقنا كان به، وهذا كما أضيف ما وعاه القلب إلى الأذن بقوله: ﴿ وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ ؛ لأنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن؛ فعلى ذلك أضيف القول إلى الرسول من حيث كان سماع الخلق من جهة الرسول، .
ثم الأصل أن [الكلام والقول] لا يسمعان، وإنما المسموع منهما الصوت الذي يعرف الكلام والقول به، ويدل عليه، لا أن يكون كلامه في الحقيقة صوته، فينسب أيضاً هذا القرآن إلى كلام الله - - لما يدل على كلامه، لا أن يكون المسموع - في الحقيقة - هو كلامه [وجائز أن يكون تأويل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ ، أي: إن الذي سمعتموه] من النبي أتاكم به لقول تلقاه من عند الله الرسولُ الكريم، فيذكرهم هذا ليؤمنهم من تخليط يقع فيه من الشياطين وغيرهم من الأعداء.
ثم جائز أن يكون الرسول الكريم هو جبريل - - كما قال - - في سورة: (إذا الشمس كورت): ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾ .
ويحتمل أن يكون الرسول الكريم هو محمداً ، والأشبه أن يكون هو المراد؛ لأنهم كانوا ينكرون رسالته، ولم يكونوا يقولون في جبريل - - شيئاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ أي: إن هذا القرآن لقول رسول كريم، ليس بقول شاعر، ولا بقول كاهن.
ثم قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ ﴾ يحتمل أن يكون تأويله: فبقليل ما تؤمنون، وبقليل ما تذكرون مما جاءكم به الرسول، فالقليل الذي آمنوا به وتذكروا فيه هو الذي كان راجعاً إلى منافعهم، فأما الذي كان عليهم فهم لم يؤمنوا به ولا تذكروا فيه، وإذا كان تأويله ما ذكرنا، فانتصاب القليل؛ لانتزاع حرف الخافض، وفي الحقيقة انتصابه [لكونه] مصدراً، وهو المفعول المطلق.
وجائز أن يكون أضاف القليل إلى قول: الكاهن والساحر، وتأويله: أن الأمور لو كانت على ما تزعمون بأنه قول كاهن و [قول] ساحر، فما بالكم لا تصدقون بالقليل منه، وقد تعلمون أن الساحر وإن كان الغالب عليه الكذب فيما يأتي، فقد يصدق في القليل منه، وكذلك الكاهن، فما لكم لا تصدقون بالقليل منه، وأنتم تعلمون أنه صادق، فإن كان على هذا فهو في موضع إيجاب الحق عليهم أن يصدقوه.
وإن كان على التأويل الأول، ففيه إضمار أنهم لا يؤمنون إلا بالقليل منه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، فالتنزيل في الحقيقة لا يحتمل أن يسمع؛ لأنه إخبار عن فعله، وإنما الذي يسمع منه هو المنزل على رسول الله ، ثم أضاف إلى نفسه التنزيل؛ ليعلم أن هذه الأخبار، وهي قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ خرجت على المجاز، ليس على التحقيق؛ لأن التنزيل هو إنزاله، فسمي: تنزيلاً؛ لأنه هو الذي كلفه الإنزال، لا أن يكون هو الذي تولى الإنزال، وإن كان هو خالقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ ﴾ ، فهذا عطف على ما تقدم من قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ﴾ ، وعليه وقوع القسم، وهو موضعه؛ فكأنه يقول: إن الذي تلقاه من عند رسول كريم، وما هو بقول تلقاه من كاهن أو ساحر، ولا بقول تقوله علينا، ولو تقول، لأخذنا منه باليمين.
ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن الذي يسمعون منه رسول كريم، وليس بشاعر، ولا كاهن، ولا متقول؛ لأنهم كانوا مرة ينسبونه إلى الكهانة، ومرة إلى السحر، ومرة أنه تقوله على الله، ولو تقول ﴿ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ﴾ يبين أن عذاب الله بأخص عباده أسرع وقوعاً إذا هم خالفوا ، وزلوا - منه بأعدائه؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ﴾ فبين أنّه لو وجد منه شيء مما قالوا فيه، لأخذه على المكان؛ ألا ترى إلى آدم - - وما حل به عندما ابتلي بالزلة والخلاف، وكذلك يونس - - وما عوتب على أثر الزلة؛ وهذا لأن عذاب الأولياء يخرج مخرج التنبيه، والتذكير، والاستدعاء إلى ما كانوا عليه من الطاعة، والانقياد قبل ارتكابهم الزلة، ولا كذلك عذاب الأعداء، فأخر عذابهم إلى اليوم الذي يدوم عليهم فيه العذاب.
وفيه وجه آخر: وهو أن الذي سمعتم منه لو كان سحراً أو شعراً أو كهانة أو تقوله، لكان لا يمهله الله - - بل يؤاخذه على المكان من غير أن حجزوا، كما قال: ﴿ فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ ، فإمهاله دل على أن الأمر ليس كما قالوا، بل هو تنزيل من رب العالمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ﴾ فأخذ الله - -: عذابه وعقوبته؛ كقوله - -: ﴿ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾ .
وقوله: ﴿ بِٱلْيَمِينِ ﴾ أي: بالقوة؛ أي: لا يعجزنا عنه شيء، ولا يفوتنا عذابه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ ، و [هو] كقوله - -: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ ، أي: لا يعجزنا ما عنده من الشرف والقوة من أن نؤاخذه، وننزل عليه النقمة.
وجائز أن يكون اليمين صلة القول، لا على تحقيق اليد، فذكر اليمين؛ لأن التأديب في الشاهد والأخذ يقع بها، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ ، فأضاف التقديم إلى اليد، لا على تحقيق اليد؛ إذ يجوز ألا يكون ليديه بما قدم صنع، لكن لما كان التقديم في الشاهد يقع بالأيدي، فذكرت اليدان على ذلك، لا على تحقيق الفعل بهما، فكذلك يجوز أن تكون اليمين ذكرت؛ لما بها يقع الأخذ والتأديب في الشاهد، وإن لم يكن هناك يمين، والله أعلم.
واليمين: القوة، وسمّيت اليمين: يميناً؛ لأن قدرة الرجل تكون فيها، وسمي ملك الرقاب: ملك يمين؛ لأن ملك اليمين يكتسب بالقهر والغلبة، وإنما يصل المرء إلى القهر والغلبة بالقوة؛ فسمي: ملك يمين لهذا، لا أن يراد بذكر اليمين تحقيق اليمين؛ إذ اليد لا تملك شيئاً حتى يضاف إليها، فكذلك فيما أضيف من اليمين إلى الله - - فالمراد منه القوة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ ﴾ قيل: الوتين: عرق في القلب.
وقيل: حبل في القلب.
وقيل: هو العرق الذي إذا قطع مات صاحبه، وهو عرق متصل بالظهر، فكأنه قال: نعذبه عذاباً لا بقاء له مع ذلك العذاب، وهذا من أعظم آيات الرسالة في أنهم متى زلوا أخذوا على المكان، ويكون فيه أمان الخلق عن إحداث التغيير والتبديل من الرسل؛ لأنهم لو غيّروا لعذبوا.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ﴾ فجائز أن يكون قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ زيادة في الكلام، وحقه الإسقاط، ويكون معناه: لأخذناه باليمين.
وجائز أن يكون معناه: لأخذنا من تقوله وسحره وكهانته باليمين، فإن كان على هذا فحقه الإثبات، وليس بصلة زائدة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ ، ففي هذا يأس منه لأولئك الكفرة؛ لأنهم كانوا يطمعون من رسول الله اتباعهم وموافقتهم على ملتهم؛ فأخبر أنه لو أجابهم لقطع منه وتينه، وأخذه أخذاً لا يملكون منع ذلك عنه، ولا دفعه، ولم يكن أحد ينصره عند ذلك أو يحجزه عنا، وهو كقوله - -: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ ، فالمتقون: الموحّدون، فسمّاهم مرة: متقين، ومرة: صابرين شاكرين؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ وهو تذكرة؛ لأنه يذكرهم الوعد والوعيد، وما يتقى وما يؤتى، وغير ذلك، فهو تذكرة، يعني: القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ ﴾ أي: بآياتي ورسلي، ثم نمهلكم، فهو صلة قوله: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ ﴾ فبيّن أنه مع كذبهم بآياته ورسله يمهلهم، ولا يعجل عليهم بالعقوبة، ولو وجد التقول من الرسول، لكان يستأصله، ويقطع وتينه، فهو على ما ذكرنا: أن عذابه على خواص عباده أسرع وقوعاً إذا خالفوا منه بأعدائه.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ ﴾ هم المنافقون؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله بألسنتهم، ويخالفونه ويكذبونه بقلوبهم؛ فيكون هذا التأويل راجعاً إلى أهل النفاق، والتأويل الأول إلى أهل الكفر الذين أظهروا التكذيب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، أي: العذاب حسرة عليهم يوم القيامة؛ لأنه شافع مشفع لمن اتبعه وعمل بما فيه، وما حل، مصدق لمن نبذه وراء ظهره ولم يعمل به، فهو حسرة عليهم؛ لأنه يخاصمهم، فيخصمهم ويشهد عليهم، فيصدق في شهادته.
أو يذكرون يوم القيامة معاملتهم بالقرآن، فيندمون عليه، ويزيدهم حسرة؛ لأنهم كانوا إذا تلي عليهم القرآن في الدنيا ازدادوا عند تلاوته ضلالاً وكفراً، وازدادوا به رجساً إلى رجسهم، كما قال [الله ]: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ ، وهو ليس بسبب لازدياد الرجس، ولكنهم كانوا يحدثون زيادة تكذيب وضلال عند التلاوة؛ فأضيفت الزيادة إلى القرآن؛ إذ كان القرآن هو الذي يحملهم على زيادة التكذيب؛ فهذه المعاملة تزيدهم حسرة يوم القيامة؛ فأضيفت إلى القرآن؛ إذ كان القرآن هو الذي عنده وقعوا فيه، كما أضيف الرجس إليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ ، والأصل: أن الحق اسم لما يحمد عليه، فحقه أن ينظر فيما تستعمل هذه اللفظة، فيصرفها إلى أحمد الوجوه، فإذا استعملت في الإخبار أريد بها الصدق؛ نحو أن يقال: "هذا خبر حق"؛ أي: صدق، وإذا استعملت في الحكم أريد بها: العدل، وإذا استعملت في الأقوال والأفعال، أريد بها: الإصابة؛ فقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ أي: صدق ويقين أنه من رب العالمين، فهو صلة قوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ﴾ قيل: صلِّ.
وقيل: اذكره بالاسم الذي إذا سميت كان تسبيحاً، أي تنزيهاً عن كل ما قالت فيه الملاحدة، وما نسبت إليه مما لا يليق به، والله الهادي [وعليه التكلان].
إن القرآن لكلام الله، يتلوه على الناس رسوله الكريم.
<div class="verse-tafsir" id="91.QzWNM"