الآية ٢٢ من سورة القيامة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 75 القيامة > الآية ٢٢ من سورة القيامة

وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۢ نَّاضِرَةٌ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 102 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة القيامة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة القيامة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

من النضارة أي حسنة بهية مشرقة مسرورة.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ ) اختار أكثر الناس العاجلة، إلا من رحم الله وعصم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة الأول من النضرة التي هي الحسن والنعمة .

والثاني من النظر أي وجوه المؤمنين مشرقة حسنة ناعمة ; يقال : نضرهم الله ينضرهم نضرة ونضارة وهو الإشراق والعيش والغنى ; ومنه الحديث نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر ما يدعو إلى إيثار الآخرة، ببيان حال أهلها وتفاوتهم فيها، فقال في جزاء المؤثرين للآخرة على الدنيا: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ } أي: حسنة بهية، لها رونق ونور، مما هم فيه من نعيم القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وجوه يومئذ ) يعني يوم القيامة ( ناضرة ) قال ابن عباس : حسنة ، وقال مجاهد : مسرورة .

وقال ابن زيد : ناعمة .

وقال مقاتل : بيض يعلوها النور .

وقال السدي : مضيئة .

وقال يمان : مسفرة .

وقال الفراء : مشرقة بالنعيم يقال : نضر الله وجهه ينضر نضرا ، ونضره الله وأنضره ونضر وجهه ينضر نضرة ونضارة .

قال الله تعالى : " تعرف في وجوههم نضرة النعيم " ( المطففين - 24 )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وجوه يومئذ» أي في يوم القيامة «ناضرة» حسنة مضيئة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجوه أهل السعادة يوم القيامة مشرقة حسنة ناعمة، ترى خالقها ومالك أمرها، فتتمتع بذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ .

إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ .

وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ .

تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) .وقوله : ( ناضرة ) اسم فاعل من النَّضْرة - بفتح النون المشددة وسكون الضاد - وهى الجمال والحسن .

تقول : وجه نضير ، إذا كان حسنا جميلا .وقوله : ( باسرة ) من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس ، ومنه قوله - تعالى - ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) يقال : بسَر فلان يبسُر بسُورا ، إذا قبض ما بين عينيه كراهية للشئ الذى يراه .والفاقرة : الداهية العظمية التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر .

يقال : فلان فقرته الفاقرة ، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة ، وأصل الفَقْر : الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلُصَ إلى العظم أو ما يقرب منه .والمراد بقوله : ( يومئذ ) : يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة أكثر من مرة .والجملة المقدرة المضاف إليها " إذ " والمعوض عنها بالتنووين تقديرها يوم إذ برق البصر .والمعنى : يوم القيامة ، الذى يبرق فيه البصر ، ويخسف القمر .

.

تصير وجوه حسنة مشرقة ، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين .

.وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور ، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته ، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلا كيفية ، ولا جهة ، ولا ثبوت مسافة .وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس ، وهى وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم ، وهذه الوجوه ( تَظُنُّ ) أى : تعتقد أو تتوقع ، أن يفعل بها فعلا يهلكها ، ويقصم ظهورها لشدته وقسوته .وجاء لفظ " وجوه " فى الموضعين منكرا ، للتنويع والتقسيم ، كما فى قوله - تعالى - ( فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ) وكما فى قول الشاعر :فيوم علينا ويوم لنا ...

ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَروقد أخذ العلماء من قوله - تعالى - : ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم ، فيربهم ذاته بالكيفية التى يريدها - سبحانه - .ومنهم من فسر ( نَّاضِرَةٌ ) بمعنى منتظرة ، أى : منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها .قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات : وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة ، فى الأحاديث الصحاح ، من طرق متواترة عند أئمة الحديث ، لا يمكن دفعها ولا منعها .

لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - " أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة؟

فقال : " هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب " قالوا : لا ، قال : " فإنكم ترون ربكم كذلك " " .وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : " نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال : " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر " " .ثم قال ابن كثير - رحمه الله - : وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة .

كما هو متفق عليه بين أئمة الإِسلام ، وهداة الأنام .ومن تأول ( إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) فقال : تنتظر الثواب من ربها .

.

فقد أبعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيما ذهب إليه .

وأين هو من قوله - تعالى - ( كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ) قال الشافعى : ما حجَب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال الليث: نضر اللون والشجر والورق ينضر نضرة، والنضرة النعمة، والناضر الناعم، والنضر الحسن من كل شيء، ومنه يقال للون إذا كان مشرقاً: ناضر، فيقال: أخضر ناضر، وكذلك في جميع الألوان، ومعناه الذي يكون له برق، وكذلك يقال: شجر ناضر، وروض ناضر.

ومنه قوله عليه السلام: «نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها» الحديث.

أكثر الرواة رواه بالتخفيف، وروى عكرمة عن الأصمعي فيه التشديد، وألفاظ المفسرين مختلفة في تفسير الناضر، ومعناها واحد قالوا: مسرورة، ناعمة، مضيئة، مسفرة، مشرقة بهجة.

وقال الزجاج: نضرت بنعيم الجنة، كما قال: ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الضمير في ﴿ بِهِ ﴾ للقرآن.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقن الوحي نازع جبريل القراءة، ولم يصبر إلى أن يتمها، مسارعة إلى الحفظ وخوفاً من أن يتفلت منه، فأمر بأن يستنصت له ملقياً إليه بقلبه وسمعه، حتى يقضى إليه وحيه، ثم يقفيه بالدراسة إلى أن يرسخ فيه.

والمعنى: لا تحرّك لسانك بقراءة الوحي ما دام جبريل صلوات الله عليه يقرأ ﴿ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ لتأخذه على عجلة، ولئلا يتفلت منك.

ثم علل النهي عن العجلة بقوله ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ﴾ في صدرك وإثبات قراءته في لسانك ﴿ فَإِذَا قرأناه ﴾ جعل قراءة جبريل قراءته: والقرآن القراءة ﴿ فاتبع قُرْءَانَهُ ﴾ فكن مقفياً له فيه ولا تراسله، وطأمن نفسك أنه لا يبقى غير محفوظ، فنحن في ضمان تحفيظه ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ إذا أشكل عليك شيء من معانيه، كأنه كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى جميعاً، كما ترى بعض الحراص على العلم؛ ونحوه ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ [طه: 114] ، ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن عادة العجلة وإنكار لها عليه، وحثّ على الأناة والتؤدة، وقد بالغ في ذلك بإتباعه قوله: ﴿ بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة ﴾ كأنه قال: بل أنتم يا بني آدم لأنكم خلقتم من عجل وطبعتم عليه تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون العاجلة ﴿ وَتَذَرُونَ الأخرة ﴾ وقرئ بالياء وهو أبلغ فإن قلت: كيف اتصل قوله ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ إلى آخره، بذكر القيامة؟

قلت: اتصاله به من جهة هذا للتخلص منه، إلى التوبيخ بحب العاجلة، وترك الأهتمام بالآخرة.

الوجه: عبارة عن الجملة والناضرة من نضرة النعيم ﴿ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، ألا ترى إلى قوله: ﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر (12) ﴾ [القيامة: 12] ، ﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق (30) ﴾ ، ﴿ إِلَى الله تَصِيرُ الامور ﴾ [الشورى: 53] ، ﴿ وإلى الله المصير ﴾ [آل عمران: 28] ، ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245] ، ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88] ، كيف دلّ فيها التقديم على معنى الاختصاص، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ولا تدخل تحت العدد في محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم، فإنّ المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظوراً إليه: محال، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص، والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، تريد معنى التوقع والرجاء.

ومنه قول القائل: وَإذَا نَطَرْتُ إلَيْكَ مِنْ ملك ** وَالْبَحْرُ دُونَكَ زِدْتَني نِعَمَا وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقائلهم، تقول: عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه، والباسر: الشديد العبوس، والباسل: أشد منه، ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحه ﴿ تَظُنُّ ﴾ تتوقع أن يفعل بها فعل هو في شدّته وفظاعته ﴿ فَاقِرَةٌ ﴾ داهية تقصم فقار الظهر، كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لِلرَّسُولِ عَنْ عادَةِ العَجَلَةِ أوْ لِلْإنْسانِ عَنِ الِاغْتِرارِ بِالعاجِلِ.

﴿ بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ تَعْمِيمٌ لِلْخِطابِ إشْعارًا بِأنَّ بَنِي آدَمَ مَطْبُوعُونَ عَلى الِاسْتِعْجالِ وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْإنْسانِ، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ فَجَمَعَ الضَّمِيرَ لِلْمَعْنى ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ والبَصْرِيَّيْنِ بِالياءِ فِيهِما.

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ بَهِيَّةٌ مُتَهَلِّلَةٌ.

﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ تَراهُ مُسْتَغْرِقَةً في مُطالَعَةِ جَمالِهِ بِحَيْثُ تَغْفُلُ عَمّا سِواهُ ولِذَلِكَ قَدَّمَ المَفْعُولَ، ولَيْسَ هَذا في كُلِّ الأحْوالِ حَتّى يُنافِيَهُ نَظَرُها إلى غَيْرِهِ، وقِيلَ: مُنْتَظِرَةٌ إنْعامَهُ ورُدَّ بِأنَّ الِانْتِظارَ لا يُسْنَدُ إلى الوَجْهِ وتَفْسِيرُهُ بِالجُمْلَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وأنَّ المُسْتَعْمَلَ بِمَعْناهُ لا يَتَعَدّى بِإلى وقَوْلُ الشّاعِرِ: وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ مِن مَلِكٍ ∗∗∗ والبَحْرُ دُونَكَ زِدْتَنِي نِعَمًا بِمَعْنى السُّؤالِ فَإنَّ الِانْتِظارَ لا يَسْتَعْقِبُ العَطاءَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وُجُوهٌ} هي وجوه المؤمنين {يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ} حسنة ناعمة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ولَمّا رَدَعَ سُبْحانَهُ عَنْ حُبِّ العاجِلَةِ وتَرْكِ الآخِرَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يَتَضَمَّنُ تَأْكِيدَ هَذا الرَّدْعِ مِمّا يُشِيرُ إلى حُسْنِ عاقِبَةِ حُبِّ الآخِرَةِ وسُوءِ مَغَبَّةِ العاجِلَةِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ أيْ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ وهي وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ يَوْمَ إذْ تَقُومُ القِيامَةُ بَهِيَّةً مُتَهَلِّلَةً مِن عَظِيمِ المَسَرَّةِ يُشاهَدُ عَلَيْها نَضْرَةُ النَّعِيمِ عَلى أنَّ وُجُوهٌ مُبْتَدَأٌ وناضِرَةٌ خَبَرُهُ ويَوْمَئِذٍ مَنصُوبٌ بِناضِرَةٌ وناظِرَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ أوْ نَعْتٌ لِناضِرَةٌ وإلى رَبِّها مُتَعَلِّقٌ بِناظِرَةٌ وصَحَّ وُقُوعُ النَّكِرَةِ مُبْتَدَأً لِأنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ كَما في قَوْلِهِ: فَيَوْمٌ لَنا ويَوْمٌ عَلَيْنا ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرُّ لا عَلى أنَّ النَّكِرَةَ تَخَصَّصَتْ بِيَوْمَئِذٍ كَما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةً لِلْجُثَثِ ولا عَلى أنْ ناضِرَةٌ صِفَةٌ لَها والخَبَرُ ناظِرَةٌ كَما قِيلَ لِما أنَّ المَشْهُورَ الغالِبَ كَوْنُ الصِّفَةِ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ وثُبُوتُ النَّظْرَةِ لِلْوُجُوهِ لَيْسَ كَذَلِكَ فَحَقُّهُ أنْ يُخْبِرَ بِهِ نَعَمْ ذَكَرَ هَذا غَيْرُ واحِدٍ احْتِمالًا في الآيَةِ وقالَ فِيهِ أبُو حَيّانٍ هو قَوْلٌ سائِغٌ.

ومَعْنى كَوْنِها ناظِرَةً إلى رَبِّها أنَّها تَراهُ تَعالى مُسْتَغْرِقَةً في مُطالَعَةِ جَمالِهِ بِحَيْثُ تَغْفُلُ عَمّا سِواهُ وتُشاهِدُهُ تَعالى عَلى ما يَلِيقُ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ ولا حَجْرَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولَهُ جَلَّ وعَلا التَّنَزُّهُ الذّاتِيُّ التّامُّ فِي جَمِيعِ تَجَلِّياتِهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ يَعْنِي ﴿ إلى رَبِّها ﴾ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ كَما في نَظائِرِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها وهو لا يَتَأتّى لَوْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى النَّظَرِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ ضَرُورَةَ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى غَيْرِهِ تَعالى.

وحَيْثُ كانَ الِاخْتِصاصُ ثابِتًا كانَ الحَمْلُ عَلى ذَلِكَ باطِلًا وفِيهِ أنَّ التَّقْدِيمَ لا يَتَمَخَّضُ لِلِاخْتِصاصِ كَيْفَ والمُوجِبُ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ والِاهْتِمامِ قائِمٌ ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ فَهو باقٍ بِمَعْنى أنَّ النَّظَرَ إلى غَيْرِهِ تَعالى في جَنْبِ النَّظَرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا يُعَدُّ نَظَرًا كَما قِيلَ في نَحْوِ ذَلِكَ الكِتابِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في جَمِيعِ الأحْوالِ بَلْ في بَعْضِها وفي ذَلِكَ لِالتِفاتٍ إلى ما سِواهُ جَلَّ جَلالُهُ فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى تُرِيدُونَ شَيْئًا أزِيدُكم فَيَقُولُونَ ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ وتُنْجِنا مِنَ النّارِ قالَ فَيَكْشِفُ اللَّهُ تَعالى الحِجابَ فَما أُعْطُوا شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ» .

وفِي حَدِيثِ جابِرٍ وقَدْ رَواهُ ابْنُ ماجَةَ: «فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ حَتّى يَحْتَجِبَ عَنْهم».

ومِن هُنا قِيلَ: فَيَنْسَوْنَ النَّعِيمَ إذا رَأوْهُ ∗∗∗ فَيا خُسْرانَ أهْلِ الِاعْتِزالِ وكَثِيرًا ما يَحْصُلُ نَحْوُ ذَلِكَ لِلْعارِفِينَ في هَذِهِ النَّشْأةِ فَيَسْتَغْرِقُونَ في بِحارِ الحُبِّ وتَسْتَوْلِي عَلى قُلُوبِهِمْ أنْوارُ الكَشْفِ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِن جَمِيعِ الكَوْنِ: فَلَمّا اسْتَبانَ الصُّبْحُ أدْرَجَ ضَوْءُهُ ∗∗∗ بِإسْفارِهِ أنْوارَ ضَوْءِ الكَواكِبِ وقِيلَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ إلى مُلْكِ أوْ رَحْمَةِ أوْ ثَوابِ رَبِّها ناظِرَةٌ والنَّظَرُ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والنَّظَرُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ فَقَدْ جاءَ لُغَةً بِهَذا المَعْنى أيْ إلى أنْعامِ رَبِّها مُنْتَظَرَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ الحَذْفَ خِلافُ الظّاهِرِ وما زَعَمُوا مِنَ الدّاعِي مَرْدُودٌ في مَحَلِّهِ وبِأنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ لا يَتَعَدّى بِإلى بَلْ بِنَفْسِهِ وبِأنَّهُ لا يُسْنَدُ إلى الوَجْهِ فَلا يُقالُ وجْهُ زَيْدٍ مُنْتَظَرٌ، والمُتَبادِرُ مِنَ الإسْنادِ إسْنادُ النَّظَرِ إلى الوُجُوهِ الحَقِيقِيَّةِ وهو يَأْبى إرادَةَ الذّاتِ مِنَ الوَجْهِ وتَفَصّى الشَّرِيفُ المُرْتَضى في الدُّرَرِ عَنْ بَعْضِ هَذا بِأنَّ إلى اسْمٌ بِمَعْنى النِّعْمَةِ واحِدُ الآلاءِ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِناظِرَةٌ بِمَعْنى مُنْتَظَرَةٌ فَيَكُونُ الِانْتِظارُ قَدْ تَعَدّى بِنَفْسِهِ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ والزَّمَخْشَرِيُّ إذا تَحَقَّقْتَ كَلامَهُ رَأيْتَهُ لَمْ يَدَّعِ أنَّ النَّظَرَ بِمَعْنى الِانْتِظارِ لِيُتَعَقَّبَ عَلَيْهِ بِما تُعُقِّبَ، بَلْ أرادَ أنَّ النَّظَرَ بِالمَعْنى المُتَعارَفِ كِنايَةٌ عَنِ التَّوَقُّعِ والرَّجاءِ، فالمَعْنى عِنْدَهُ أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ النِّعْمَةَ والكَرامَةَ إلّا مِن رَبِّهِمْ كَما كانُوا في الدُّنْيا لا يَخْشَوْنَ ولا يَرْجُونَ إلّا إيّاهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَرْجِعُ إلى إدارَةِ الِانْتِظارِ لَكِنْ كِنايَةً والِانْتِظارُ لا يُساعِدُهُ المَقامُ إذْ لا نِعْمَةَ فِيهِ وفي مِثْلِهِ قِيلَ الِانْتِظارُ مَوْتٌ أحْمَرُ والَّذِي يَقْطَعُ الشَّغَبَ ويَدُقُّ في فَرْوَةٍ مَن أخَسَّ الطَّلَبَ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «إنَّ أدْنى أهْلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً لَمَن يُنْظَرُ إلى جِنانِهِ وأزْواجِهِ ونَعِيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ وأكْرَمَهم عَلى اللَّهِ مَن يَنْظُرُ إلى وجْهِهِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ » .

فَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ أعْلَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لا سِيَّما بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ ومِثْلُ هَذا فِيما ذُكِرَ ما أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ «عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ  أقْرَأهُ ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ فَقالَ: واللَّهِ ما نَسَخَها مُنْذُ أنْزَلَها يَزُورُونَ رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى فَيُطْعَمُونَ ويُسْقَوْنَ ويَطِيبُونَ ويَحِلُّونَ ويَرْفَعُ الحِجابَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَنْظُرُ إلَيْهِمْ عَزَّ وجَلَّ» .

وهَذا الحِجابُ عَلى ما قالَ السّادَةُ مِن قِبَلِهِمْ لا مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنْشَدُوا: وكُنّا حَسِبْنا أنَّ لَيْلى تَبَرْقَعَتْ ∗∗∗ وأنَّ حِجابًا دُونَها يَمْنَعُ اللَّثْما فَلاحَتْ فَلا واللَّهِ ما ثَمَّ حاجِبٌ ∗∗∗ سِوى أنْ طَرَفِي كانَ عَنْ حُسْنِها أعْمى ثُمَّ إنَّ أجْهَلَ الخَلْقِ عِنْدَهُمُ المُعْتَزِلَةُ وأشَدَّهم عَمًى وأدْناهم مَنزِلَةً حَيْثُ أنْكَرُوا صِحَّةَ رُؤْيَةِ مَن لا ظاهِرَ سِواهُ بَلْ لا مَوْجُودَ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا إيّاهُ وأدِلَّةُ إنْكارِهِمْ صِحَّةَ رُؤْيَتِهِ تَعالى مَذْكُورَةٌ مَعَ رُدُودِها في كُتُبِ الكَلامِ وكَذا أدِلَّةُ القُدُومِ عَلى الصِّحَّةِ وكَأنِّي بِكَ بَعْدَ الإحاطَةِ وتَدْقِيقِ النَّظَرِ تَمِيلُ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُرى لَكِنْ لا مِن حَيْثُ ذاتُهُ سُبْحانَهُ البَحْتُ ولا مِن حَيْثُ كُلُّ تَجَلٍّ حَتّى تَجَلِّيهِ بِنُورِهِ الشَّعْشَعانِيِّ الَّذِي لا يُطاقُ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَضِرَةٌ» بِغَيْرِ ألْفٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ يعني: يسأل متى يوم القيامة، تكذيباً بالبعث.

فكأنه قال: بل يريد الإنسان أن يكذب بيوم القيامة، وهو أمامه، وهو يسأل متى يكون.

فبين الله تعالى في أي يوم يكون فقال: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ يعني: شخص البصر، وتحير.

قرأ نافع فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ بنصب الراء، والباقون بالكسر.

فمن قرأ بالنصب، فهو من برق يبرق بريقاً، ومعناه: شخص فلا يطرق من شدة الفزع.

ومن قرأ بالكسر، يعني: فزع وتحير.

وأصله: أن الرجل إذا رأى البرق تحير، وإذا رأى من أعاجيب يوم القيامة، تحير ودهش.

وَخَسَفَ الْقَمَرُ يعني: ذهب ضوؤه وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يعني: كالثورين المقرنين.

ويقال: برق البصر، وخسف القمر.

قال كوكب العين ذهب ضوؤه.

وروى علي بن أبي طالب، -  - أنه قال: يجعلان في نور الحجاب.

ويقال: جمع الشمس والقمر، يعني: سوى بينهما في ذهاب نورهما، وإنما قال: وجمع الشمس والقمر، ولم يقل وجمعت، لأن المؤنث والمذكر إذا اجتمعا، فالغلبة للمذكر.

يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ يقول: أين الملجأ من النار؟

قرئ في الشاذ، أين المفر بالكسر للفاء، على معنى: أين مكان الفرار.

وقراءة العامة بالنصب، يعني: أين الفرار.

ثم قال: كَلَّا لاَ وَزَرَ يعني: حقاً لا جبل يلجئون إليه، فيمنعهم من النار، ولا شجر يواريهم.

والوزر في كلام العرب، الجبل الذي يلتجئ إليه، والوزر والستر هنا، الشيء الذي يستترون به.

وقال عكرمة: ولا وزر.

يعني: منعه.

وقال الضحاك: يعني: لا حصن لهم يوم القيامة.

ثم قال عز وجل: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يعني: المرجع يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ يعني: يسأل ويبين له، ويجازى بما قدم من الأعمال وأخر، من سنة صالحة أو سيئة.

قوله عز وجل: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ يعني: جوارح العبد شاهدة عليه.

ومعناه على الإنسان من نفسه شاهد، يشهد عليه كل عضو بما فعل.

ويقال يعني: جوارح، العبد شاهدة عليه، ومعناه رقيب بعضها على بعض.

والبصيرة أدخلت فيها الهاء للمبالغة، كما يقال: رجل علامة.

وقال الحسن: على نفسه بصيرة، يعني: بعيوب غيره، الجاهل بعيوب نفسه وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ يعني: ولو تكلم بعذر لم يقبل منه.

ويقال: ولو أرخى ستوره، يعني: أنه شاهد على نفسه، وإن أذنب في الستور.

قوله تعالى: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ يعني: لا تعجل بقراءة القرآن، من قبل أن يفرغ جبريل-  - من قراءته وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، -  ما- قال: كان رسول الله  ، إذا نزل عليه القرآن، تعجل به للحفظ فنزل: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ يعني: حفظه في قلبك وَقُرْآنَهُ يعني: يقرأ عليك جبريل، حتى تحفظه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يعني: إذا قرأ عليك جبريل فاقرأ أنت بعد قراءته وفراغه وقال محمد بن كعب: فاتبع قراءته، يعني: فاتبع حلاله وحرامه.

وقال الأخفش: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ يعني: تأليفه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يعني: تأليفه ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ يعني: بيان أحكامه وحدوده.

ويقال: علينا بيانه، يعني: شرحه.

ويقال: بيان فرائضه، كما بين على لسان النبيّ  .

ثم نزل بعد هذه الأحكام، قوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني: تحبون العمل للدنيا وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ يعني: تتركون العمل للآخرة.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بل يحبون بالياء، على معنى الخبر عنهم.

والباقون بالتاء، على معنى المخاطبة.

ثم بين حال ذلك اليوم فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أي: حسنة مشرقة مضيئة، كما قال في آية أخرى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) [المطففين: 24] إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يعني: ناظرين يومئذ إلى الله تبارك وتعالى.

وقال مجاهد: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يعني: تنتظر الثواب من ربها.

وهذا القول لا يصح، لأنه مقيد بالوجوه، موصول بإلى، ومثل هذا، لا يستعمل في الانتظار.

ثم قال عز وجل: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ يعني: عابسة.

ويقال: كريهة.

ويقال: كاسفة ومسودة تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ يعني: تعلم أنه قد نزل بها العذاب والشدة.

يعني: تعلم هذه الأنفس.

ويقال: الفاقرة الداهية، ويقال: قد أيقنت أن العذاب نازل بها.

ثم قال عز وجل: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ يعني: حقاً إذا بلغت النفس إلى الحلقوم.

يعني: خروج الروح وَقِيلَ مَنْ راقٍ يعني: يقول من حضر عند الموت، هل من طبيب حاذق يداويه؟

ويقال: من راق، يعني: من يشفي من هذا الحال.

ويقال: من راق، يعني: من يقدر أن يرقي من الموت.

يعني: لا يقدر أحد أن يرقي من الموت.

والعرب تقول: من الرقية، رقى يرقي رقيةً، ومن الرقيّ وهو الصعود، رقي يرقى رقياً، فهو راق منهما.

وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ يعني: استيقن أنه ميت، وأنه يفارق الروح من الجسد.

ويقال: وقيل من راق، أن الملائكة الذين حضروا لقبض روحه يقول: بعضهم لبعض، من راق يعني من يصعد منا بروحه إلى السماء، فأيقن عند ذلك أنه الفراق وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ قال ابن عباس: يعني: التفت شدتان أخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من الآخرة.

وروى وكيع، عن بشير بن المهاجر قال: سمعت الحسن يقول: والتفت الساق بالساق، قال: هما ساقان إذا التفتا في الكفن، إلى ربك يومئذٍ المساق يعني: يساق العبد إلى ربه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ أي: الدنيا وشهواتِها قال الغزاليُّ في «الإحياء» : اعلم أَنَّ رأس الخطايا المهلكة هو حُبُّ الدنيا، ورأسَ أسبابِ النجاة هو التجافي بالقلب عن دار الغرور، وقال رحمه اللَّه: اعلم أَنَّهُ لا وصولَ إلى سعادة لقاء اللَّه سبحانه في الآخرة إلاَّ بتحصيل محبته والأُنْسِ به في الدنيا، ولا تحصلُ المحبة إلاَّ بالمعرفة، ولا تحصل المعرفةُ إلاَّ بدوام الفكر، ولا يحصل الأُنْسُ إلاَّ بالمحبة ودوام الذكر، ولا تتيسر المواظبة على الذكر والفكر إلاَّ بانقلاع حُبِّ الدنيا من القلب، ولا ينقلع ذلك إلاَّ بترك لَذَّاتِ الدنيا وشهواتها، ولا يمكن تركُ المشتهيات إلاَّ بقمع الشهوات، ولا تَنْقَمِعُ الشهواتُ بشيء كما تنقمعُ بنار الخوف المُحْرِقَة لِلشهوات، انتهى.

وقرأ ابن كثير «١» وغيره: «يُحِبُّونَ» و «يَذَرُونَ» بالياء على ذكر الغائب، ولما ذكر سبحانه الآخرة، أخبر بشيء من حال أهلها فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أي: ناعمة، والنُّضْرَةُ: النعمة وجمال البشرة قال الحسن: وحُقَّ لها أن تُنَضَّر وهي تنظر إلى خالقها «٢» .

وقوله تعالى: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ حمل جميع أهل السُّنَّةِ هذه الآية على أَنَّها متضمنة رؤية المؤمنين لله عز وجل بلا تكييف ولا تحديد/ كما هو معلوم موجود، لا يشبه الموجودات، كذلك هو سبحانه مَرْئِيٌّ لا يشبه المَرْئِيَّاتِ في شيء فإِنَّه ليس كمثله شيء لا إله إلاَّ هو، وقد تقدم استيعاب الكلام على هذه المسألة، وما في ذلك من صحيح الأحاديث، والباسرة: العابسة المغمومة النفوس، والبسور: أشد العُبُوسِ، وإنَّما ذكر تعالى الوجوه لأَنَّهُ فيها يظهر ما في النفس من سرور أو غَمٍّ، والمراد أصحاب الوجوه، والفاقرة: المصيبة التي تكسر فَقَارِ الظهر وقال أبو عبيدة: هي من فَقَرْتُ [البعير] إذا وسمت أنفه بالنار «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ﴾ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ  يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وكانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ حَفْظُهُ، وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ وشَفَتَيْهِ قَبْلَ فَراغِ جِبْرِيلَ مِن قِراءَةِ الوَحْيِ، مَخافَةَ أنْ لا يَحْفَظَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.» ومَعْناها: لا تُحَرِّكْ بِالقُرْآنِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِأخْذِهِ ﴿ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: ضَمَّهُ وجَمْعَهُ في صَدْرِكَ ﴿ فَإذا قَرَأْناهُ ﴾ أيْ: جَمَعْناهُ ﴿ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ أيْ: جَمْعَهُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي: اقْرَأْ إذا فَرَغَ جِبْرِيلُ مِن قِراءَتِهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ ، أيِ: اعْمَلْ بِهِ.

وقالَ قَتادَةُ: فاتَّبِعْ حَلالَهُ وحَرامَهُ ﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: نُبَيِّنُهُ بِلِسانِكَ، فَتَقْرَؤُهُ كَما أقْرَأكَ جِبْرِيلُ.

وكانَ إذا أتاهُ جِبْرِيلُ أطْرَقَ، فَإذا ذَهَبَ، قَرَأهُ كَما وعَدَهُ اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: إنَّ عَلَيْنا أنْ نَجْزِيَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِما فِيهِ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: إنَّ عَلَيْنا بَيانَ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، والحَلالِ، والحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: عَلَيْنا أنْ نُنْزِلَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، فِيهِ بَيانٌ لِلنّاسِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ قالَ عَطاءٌ: أيْ: لا يُؤْمِنُ أبُو جَهْلٍ بِالقُرْآنِ وبَيانِهِ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ مِن أنَّكم لا تُبْعَثُونَ، ولَكِنْ دَعاكم إلى قِيلِ ذَلِكَ مَحَبَّتُكم لِلْعاجِلَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "بَلْ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذْرُونَ" بِالياءِ فِيهِما.

وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ فِيهِما.

والمُرادُ: كُفّارُ مَكَّةَ، يُحِبُّونَها ويَعْمَلُونَ لَها "وَيَذْرُونَ الآخِرَةَ" أيْ: يَتْرُكُونَ العَمَلَ لَها إيثارًا لِلدُّنْيا عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ أيْ: مُشْرِقَةٌ بِالنَّعِيمِ ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إلى اللَّهِ ناظِرَةٌ.

قالَ الحَسَنُ: حُقَّ لَها أنْ تُنَضَّرَ وهي تَنْظُرُ إلى الخالِقِ، وهَذا مَذْهَبُ عِكْرِمَةَ.

ورُؤْيَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَقٌّ لا شَكَّ فِيها.

والأحادِيثُ فِيها صِحاحٌ، قَدْ ذَكَرْتُ جُمْلَةً مِنها في "المُغْنِي" و"الحَدائِقِ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: عابِسَةٌ مُقَطِّبَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَظُنُّ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: تَعْلَمُ، و"الفاقِرَةُ" الدّاهِيَةُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهُ مِن فَقارَةِ الظَّهْرِ، كَأنَّها تَكْسِرُهُ، يُقالُ: فَقَرْتُ الرَّجُلَ: إذا كَسَرْتَ فَقارَهُ، كَما يُقالُ: رَأسْتُهُ: إذا ضَرَبْتَ رَأسَهُ، وبَطَنْتَهُ: إذا ضَرَبْتَ بَطْنَهُ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: والفاقِرَةُ: دُخُولُ النّارِ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: هي أنْ تُحْجَبَ عَنْ رَبِّها، فَلا تَنْظُرُ إلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ ﴿ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ ﴾ ﴿ فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ ﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ﴾ ﴿ كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ ﴿ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ ﴾ ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ﴾ ﴿ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ﴾ ﴿ كَلا إذا بَلَغَتِ التَراقِيَ ﴾ ﴿ وَقِيلَ مَن راقٍ ﴾ ﴿ وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ ﴾ ﴿ والتَفَّتِ الساقُ بِالساقِ ﴾ ﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ ﴾ الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى كِتابِ اللهِ تَعالى، ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ ولَكِنَّ القَرائِنَ تُبَيِّنُهُ، فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا إذا بَلَغَتِ"، يَعْنِي النَفْسَ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السَبَبِ المُوجِبِ أنْ يُؤْمَرَ رَسُولُ اللهِ  الأمْرَ، فَقالَ الشَعْبِيُّ: كانَ رَسُولُ اللهِ  لِحِرْصِهِ عَلى أداءِ الرِسالَةِ والِاجْتِهادِ في ذاتِ اللهِ تَعالى، رُبَّما أرادَ النُطْقَ بِبَعْضِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ قَبْلَ كَمالِ أداءِ الوَحْيِ، فَأمَرَ أنْ لا يَجْعَلُ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُفْضى إلَيْهِ وحْيُهُ، وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ في هَذا المَعْنى، وقالَ الضَحّاكُ: كانَ سَبَبُها أنَّ رَسُولَ اللهِ  كانَ يَخافُ أنْ يَنْسى القُرْآنَ فَكانَ يَدْرُسُهُ حَتّى غَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وشُقَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهو في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يُعالِجُ مِنَ التَنْزِيلِ شِدَّةً، وكانَ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَذْهَبَ عنهُ ما يُوحى إلَيْهِ لِحِينِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ يَجْمَعُهُ لَهُ في صَدْرِهِ.» وقَوْلُهُ تَعالى: "وَقُرْآنُهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: وقِراءَتُهُ، أيْ تَقْرَؤُهُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، والقُرْآنُ مَصْدَرٌ كالقِراءَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ضَحُّوا بِأشْمَطَ عُنْوانِ السُجُودِ بِهِ يُقَطَّعُ اللَيْلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنًا ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلَيْنا جَمْعُهُ وتَأْلِيفُهُ في صَدْرِكَ، فَهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: "قَرَأْتُ" أيْ جَمَعْتُ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَرْأةِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ: "ما قَرَأْتُ نَسْلًا قَطُّ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ذِراعِي بَكَرَةُ أدْماءِ بِكْرِ ∗∗∗ هِجانِ اللَوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَرَأْناهُ ﴾ ،أيْ قِراءَةَ المَلِكِ الرَسُولِ عَنّا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فاتَّبِعْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِذِهْنِكَ وفِكْرِكَ، أيْ فاسْتَمِعْ قِراءَتَهُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فاتَّبِعْ في الأوامِرِ والنَواهِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: "وَقَرَتَهُ فَإذا قَرَتَهُ فاتَّبَعَ قِرَتَهُ" بِفَتْحِ القافِ والراءِ والتاءٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا ألِفٍ في الثَلاثَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ﴾ ، قال قَتادَةُ وجَماعَةٌ مَعَهُ: مَعْناهُ: أنَّ نُبَيِّنَهُ لَكَ ونُحَفِّظَكَهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: مَعْناهُ: أنْ تُبَيِّنَهُ أنْتَ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: مَعْناهُ: أنْ نُبَيِّنَهُ حَلالَهُ وحَرامَهُ ومُجْمَلَهُ ومُفَسَّرَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ رُجُوعٌ إلى مُخاطَبَةِ قُرَيْشٍ، يَرُدُّ عَلَيْهِمْ وعَلى أقْوالِهِمْ في رَدِّ الشَرِيعَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا"، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ كَما تَقُولُونَ، وإنَّما أنْتُمْ قَوْمٌ قَدْ غَلَبَتْكُمُ الدُنْيا بِشَهَواتِها، فَأنْتُمْ تُحِبُّونَها حُبًّا تَتْرُكُونَ مَعَهُ الآخِرَةَ والنَظَرَ في أمْرِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ "تُحِبُّونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ: "يُحِبُّونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وكَذَلِكَ "تذْرُوَنَ".

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الآخِرَةَ أخْبَرَ بِشَيْءٍ مِن حالِ أهْلِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: "وُجُوهٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ لِأنَّها تَخَصَّصَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ" و"ناضِرَةٌ" خَبَرُ "وُجُوهٌ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ جُمْلَةٌ هي في مَوْضِعِ خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: "ناضِرَةٌ" نَعْتٌ لِـ "وُجُوهٌ"، و"إلى رَبِّها ناظِرَةٌ" خَبَرٌ عن "وُجُوهٌ"، فَعَلى هَذا كَثُرَ تَخْصِيصُ "الوُجُوهِ" فَحَسُنَ الِابْتِداءُ بِها، و"ناضِرَةٌ" مَعْناهُ.

ناعِمَةٌ، والنَضِرَةُ.

النِعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ، قالَ الحَسَنُ: وحَقَّ لَها أنْ تُنَضَّرَ وهي تَنْظُرُ إلى الخالِقِ جَلَّ وتَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ حَمَلَ هَذِهِ الآيَةَ أهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّها مُتَضَمِّنَةُ رُؤْيَةَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ تَعالى، وهي رُؤْيَةٌ دُونَ مُحاذاةٍ ولا تَكْيِيفٍ ولا تَحْدِيدٍ، كَما هو تَعالى مَعْلُومٌ مَوْجُودٌ لا يُشْبِهُ المَوْجُوداتِ، كَذَلِكَ هو مَرْئِيٌّ لا يُشْبِهُ المَرْئِيّاتِ في شَيْءٍ، فَإنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لا إلَهَ إلّا هو.

ورَوى عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "حَدَّثْتُكم عَنِ الدَجّالِ أنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّ رَبَّكم لَيْسَ بِأعْوَرَ، وإنَّكم لَنْ تَرَوْا رَبَّكم حَتّى تَمُوتُوا"،» وقالَ  : « "إنَّكم تَرَوْنَ رَبَّكم يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ لا تُضامُونَ في رُؤْيَتِهِ"،» وقالَ الحَسَنُ: تَنْظُرُونَ إلى اللهِ تَعالى بِلا إحاطَةٍ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَنْفُونَ رُؤْيَةَ اللهِ تَعالى، فَذَهَبُوا في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ المَعْنى: إلى رَحْمَةِ رَبِّها ناظِرَةٌ، أو إلى ثَوابِهِ أو مُلْكِهِ، فَقَدَّرُوا مُضافًا مَحْذُوفًا، وهَذا وجْهٌ سائِغٌ في العَرَبِيَّةِ، كَما تَقُولُ، "فُلانٌ ناظِرٌ إلَيْكَ في كَذا" أيْ إلى صُنْعِكَ في كَذا، والرِوايَةُ إنَّما يُثْبِتُها بِأدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإذا ثَبَتَتْ حَسُنَ تَأْوِيلُ أهْلِ السُنَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ وقَوِيَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "إلى" لَيْسَتْ بِحَرْفِ الجَرِّ، وإنَّما هي "إلى" واحِدِ الآلاءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: نِعْمَةُ رَبِّها مُنْتَظَرَةٌ أو ناظِرَةٌ، مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، ويُقالُ: "نَظْرَتُكَ" بِمَعْنى "انْتَظَرْتُكَ"، ومِنهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ: وقَدْ نَظَرَتْكم إيناءَ صادِرِهِ ∗∗∗ لِلْخَمْسِ طالَ بِها حَوْزى وتَبْساسِي والتَبْساسُ أنْ يُقالَ لِلنّاقَةِ "بَسَّ بَسَّ" لِتَدِرَّ عَلى الحالِبِ، وفَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ في غَرِيبِهِ هَذا البَيْتَ عَلى رِوايَةٍ أُخْرى وهِيَ: .

.............

∗∗∗ طارَ بِها حُوزِيُّ وتَنْساسِي بِالنُونِ وهو السَيْرُ الشَدِيدُ فَتَأمَّلْهُ.

و"الباسِرَةُ": العابِسَةُ المَغْمُومَةُ النُفُوسِ، والبُسُورُ أشَدُّ العُبُوسِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الوُجُوهَ لِأنَّهُ فِيها يَظْهَرُ ما في النَفْوسِ مِن سُرُورٍ أو غَمٍّ، والمُرادُ أصْحابُ الوُجُوهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "تَظُنُّ" إَنْ جَعَلْناهُ بِمَعْنى "تُوقِنُ" فَهو لَمْ يَقَعْ بَعْدُ عَلى ما بَيَّنّاهُ، وإنْ جَعْلَنا الظَنَّ هُنا عَلى غَلَبَتِهِ فَذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، و"الفاقِرَةُ": المُصِيبَةُ الَّتِي تَكْسِرُ فَقارَ الإنْسانِ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: هي قاصِمَةُ الظَهْرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي مِن "فَقَرْتُ البَعِيرَ" إذا وسَمْتُ أنْفَهُ بِالنارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ لِقُرَيْشٍ وتَوْكِيدٌ لَهم بِمَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ الهَوْلِ وأمْرُ اللهِ تَعالى الَّذِي لا مَحِيدَ لِبَشَرٍ عنهُ، وهي حالَةُ المَوْتِ والمُنازَعَةِ الَّتِي كَتَبَها عَلى كُلِّ حَيَوانٍ، و"بَلَغَتْ" يُرِيدُ النَفْسَ، و"التَراقِيَ" جَمْعُ "تَرْقُوَةٍ" وهي عِظامٌ أعْلى الصَدْرِ، ولِكُلِّ أحَدٍ تُرْقُوَتانِ، لَكِنْ مِن حَيْثُ هَذِهِ الأفْرادُ في كَثِيرِينَ جَمْعٌ؛ إذِ النَفْسُ المُرادَةُ اسْمُ جِنْسٍ، والتَراقِي هي مُوازِيَةٌ لِلْحَلاقِيمِ، فالأمْرُ كُلُّهُ كِنايَةٌ عن حالِ الحَشْرَجَةِ ونِزاعِ المَوْتِ، يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْنا.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "مَن راقَ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وأبُو قُلابَةَ: مَعْناهُ: مَن يَرْقى ويَطِبْ ويَشْفى ونَحْوُ هَذا مِمّا يَتَمَنّاهُ أهْلُ المَرِيضِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وسُلَيْمانُ التَيْمِيُّ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: هَذا القَوْلُ لِلْمَلائِكَةِ، والمَعْنى: مَن يَرْقى بِرُوحِهِ -أيْ: يَصْعَدُ- إلى السَماءِ؟

أمَلائِكَةُ الرَحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ؟

وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالوَقْفِ عَلى "مَن"، ويَبْتَدِئُ "راقٍ"، وأدْغَمَ الجُمْهُورُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا أعْرِفُ وجْهَ قِراءَةِ عاصِمٍ، وكَذَلِكَ قَرَأ "بَلْ رانَ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ ﴾ يُرِيدُ: وتَيَقَّنَ المَرِيضُ أنَّهُ فِراقُ الأحِبَّةِ والأهْلِ والمالِ والحَياةِ، وهَذا يَقِينٌ فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، ولِذَلِكَ اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ لَفْظَةُ الظَنِّ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أيْقَنَ أنَّهُ الفِراقُ، وقالَ في تَفْسِيرِهِ: ذَهَبَ الظَنُّ.

واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والتَفَّتِ الساقُ بِالساقِ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِشِدَّةِ كُرَبِ الدُنْيا في آخِرِ يَوْمٍ مِنها وشَدَّةِ كُرَبِ الآخِرَةِ في أوَّلِ يَوْمٍ مِنها، لِأنَّهُ بَيْنَ الحالَتَيْنِ قَدِ اخْتَلَطا لَهُ، وهَذا كَما يَقُولُونَ: "شَمَّرَتِ الحَرْبُ عن ساقٍ"، وعَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ: هي حَقِيقَةٌ، والمُرادُ ساقا المَيِّتِ عِنْدَ تَكْفِينِهِ، أيْ: لَفَّهُما الكَفَنُ، وقالَ الشَعْبِيُّ: وأبُو مالِكٍ، وقَتادَةُ: هو التِفافُهُما بِشِدَّةِ المَرَضِ لِأنَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ويَرْكَبُ هَذا عَلى هَذا وقالَ الضَحّاكُ: المُرادُ سَوْقُ حاضِرِيهِ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ إلى السَماءِ، وهَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ بَدَنَهُ إلى القَبْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى رَبِّكَ" مَعْناهُ: إلى حُكْمِ رَبِّكَ وعَدْلِهِ، فَإمّا إلى جَنَّةٍ وإمّا إلى نارٍ، و"المَساقُ" مَصْدَرٌ مِنَ السَوْقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

المراد ب ﴿ يومئذٍ ﴾ يوم القيامة الذي تكرر ذكره بمثل هذا ابتداءً من قوله: ﴿ يقول الإِنسان يومئذٍ أين المفر ﴾ [القيامة: 10]، وأعيد مرتين.

والجملة المقدرة المضاف إليها (إذْ)، والمعوَّضُ عنها التنوين تقديرها: يوم إذ بَرَق البصر.

وقد حصل من هذا تخلص إلى إجمال حال الناس يوم القيامة بين أهل سعادة وأهل شقاوة.

فالوجوه الناضرة وجوه أهل السعادة والوجوه الباسرة وجوه أهل الشقاء، وذلك بين من كلتا الجملتين.

وقد علم الناس المعنيَّ بالفريقين مما سبق نزوله من القرآن كقوله في سورة عبس (40 42): ﴿ وَوُجوه يومئذٍ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة ﴾ فعُلم أن أصل أسباب السعادة الإِيمان بالله وحده وتصديق رسُوله والإِيمان بما جاء به الرسول، وأن أصل أسباب الشقاء الإشراك بالله وتكذيب الرسول ونبذ ما جاء به.

وقد تضمن صدر هذه السورة ما ينبئ بذلك كقوله: ﴿ أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ [القيامة: 3] وقوله: ﴿ بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه ﴾ [القيامة: 5].

وتنكير ﴿ وجوه ﴾ للتنويع والتقسيم كقوله تعالى: ﴿ فريقٌ في الجنة وفريق في السعير ﴾ [الشورى: 7] وقول الشاعر وهو من أبيات «كتاب الآداب» ولم يعزُه ولا عَزَاهُ صاحبُ «العُباب» في شرحه: فيومٌ علينا ويومٌ لنا *** ويومٌ نُساء ويوم نُسَر وقول أبي الطيب: فيوماً بخيل تَطْرُد الروم عنهم *** وَيْومٌ بِجُود تَطرد الفَقر والجَدْبا فالوجوه الناضرة الموصوفةُ بالنضْرة (بفتح النون وسكون الضاد) وهي حسن الوجه من أثر النعمة والفرح، وفعله كنصَر وكرُم وفرِح، ولذلك يقال: ناضر ونَضير ونَضِر، وكُني بنضرة الوجوه عن فرح أصحابها ونعيمهم، قال تعالى في أهل السعادة ﴿ تعرف في وجوههم نضرة النعيم ﴾ [المطففين: 24] لأن ما يحصل في النفس من الانفعالات يظهر أثره.

وأخبر عنها خبراً ثانياً بقوله: ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ وظاهر لفظ ﴿ ناظرة ﴾ أنه من نظَر بمعنى: عايَن ببصره إعلاناً بتشريف تلك الوجوه أنها تنظر إلى جانب الله تعالى نظراً خاصاً لا يشاركها فيه من يكون دون رتبهم، فهذا معنى الآية بإجماله ثابت بظاهر القرآن وقد أيدتها الأخبار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة «أن أناساً قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟

قال: هَل تُضَارُّون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحواً؟

قلنا: لا، قال: فإنكم لا تُضَارُّون في رؤية ربكم يومئذٍ إلاّ كما تضارون في رؤيتهما».

وفي رواية «فإنكم ترونه كذلك» وساق الحديث في الشفاعة.

وروى البخاري عن جرير بن عبد الله قال: «كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامُون في رؤيته» وربما قال: «سترون ربكم عياناً».

وروى مسلم عن صهيب بن سنان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ يقول الله تعالى: تُريدون شيئاً أزيدكم؟

فيقولون: ألَم تبيّض وجوهنا ألم تُدْخِلْنا الجنة وتنجِّنا من النار، قال: فيَكْشِف الحجابَ فما يُعطَوْن شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم» فدلالة الآية على أن المؤمنين يرون بأبصارهم رؤية متعلقة بذات الله على الإِجمال دلالة ظنية لاحتِمَالها تأويلات تأوَّلَها المعتزلةُ بأن المقصود رؤية جلاله وبهجة قدسه التي لا تخوِّل رؤيتها لغير أهل السعادة.

ويلحق هذا بمتشابه الصفات وإن كان مقتضاه ليس إثبات صفة، ولكنه يؤول إلى الصفة ويستلزمها لأنه آيل إلى اقتضاء جهة للذات، ومقدارٍ يُحَاطُ بجميعه أو ببعضِه، إذا كانت الرؤية بصرية، فلا جرم أن يُعد الوعد برؤية أهل الجنة ربَّهم تعالى من قبيل المتشابه.

ولعلماء الإِسلام في ذلك أفهام مختلفة، فأما صدر الأمة وسلفها فإنهم جَروا على طريقتهم التي تخلقوا بها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من الإِيمان بما ورد من هذا القبيل على إِجماله، وصرف أنظارهم عن التعمّق في تشخيص حقيقته وإدراجه تحت أحد أقسام الحكم العقلي، فقد سمعوا هذا ونظائره كلَّها أو بعضَها أو قليلاً منها، فيما شغلوا أنفسهم به ولا طلبوا تفصيله، ولكنهم انصرفوا إلى ما هو أحق بالعناية وهو التهمّم بإقامة الشريعة وبثّها وتقرير سلطانها، مع الجزم بتنزيه الله تعالى عن اللوازم العارضة لظواهر تلك الصفات، جاعلين إِمامهم المرجوع إليه في كل هذا قولَه تعالى: ﴿ ليسَ كمثله شيء ﴾ [الشوى: 11]، أو ما يقارب هذا من دلائل التنزيه الخاصة بالتنزيه عن بعض ما ورد الوصف به مثل قوله: ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ [الأنعام: 103] بالنسبة إلى مقامنا هذا، مع اتفاقهم على أنّ عدم العلم بتفصيل ذلك لا يقدح في عقيدة الإِيمان، فلما نبعَ في علماء الإِسلام تطلّب معرفة حقائق الأشياء وألْجأهُم البحثُ العلمي إلى التعمق في معاني القرآن ودقائق عباراته وخصوصيات بلاغته، لم يروا طريقة السلف مقنعة لأَفهام أهل العلم من الخَلف لأن طريقتهم في العلم طريقةُ تمحيص وهي اللائقة بعصرهم، وقارِن ذلك ما حدث في فرق الأمة الإِسلامية من النِحل الاعتقادية، وإلقاء شبه الملاحدة من المنتمين إلى الإسلام وغيرهم، وحَدَا بهم ذلك إلى الغوص والتعمق لإِقامة المعارف على أعمدة لا تقبل التزلزل، ولدفع شبه المتشككين ورد مطاعن الملحدين، فسلكوا مسالك الجمع بين المتعارضات من أقوال ومعان وإقرارِ كلِّ حقيقة في نصابها، وذلك بالتأويل الذي يقتضيه المقتضي ويعضده الدليل.

فسلكت جماعات مسالك التأويل الإِجمالي بأن يعتقدوا تلك المتشابهات على إجمالها ويوقنوا التنزيه عن ظواهرها ولكنهم لا يفصِّلون صَرفها عن ظواهرها بل يُجملون التأويل، وهذه الطائفة تُدعى السلفية لقرب طريقتها من طريقة السلف في المتشابهات، وهذه الجماعات متفاوتة في مقدار تأصيل أصولها تفاوتاً جعلها فرقاً: فمنهم الحنابلة، والظاهرية، الخوارج الأقدمون غير الذين التزموا طريقة المعتزلة.

ومنهم أهل السنة الذين كانوا قبل الأشعري مثل المالكية وأهل الحديث الذين تمسكوا بظواهر ما جاءت به الأخبار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم مع التقييد بأنها مؤوَّلة عن ظواهرها بوجه الإِجمال.

وقد غلا قوم من الآخذين بالظاهر مثل الكَرامية والمشبهة فألحقوا بالصنف الأول.

ومنهم فِرق النُّظَّارين في التوفيق بين قواعد العلوم العقلية وبين ما جاءت به أقوال الكتاب والسنة وهؤلاء هم المعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية.

فأقوالهم في رؤية أهل الجنة ربَّهم ناسجة على هذا المنوال: فالسلف أثبتوها دون بحث، والمعتزلة نفوها وتأولوا الأدلة بنحو المجاز والاشتراك، وتقدير محذوف لمعارضتها الأصول القطعية عندهم فرجحوا ما رأوْه قطعياً وألْغَوْها.

والأشاعرة أثبتوها وراموا الاستدلال لها بأدلة تفيد القطع وتبطل قول المعتزلة ولكنهم لم يبلغوا من ذلك المبلغ المطلوب.

وما جاء به كل فريق من حجاج لم يكن سالماً من اتجاه نقوض ومُنُوع ومعارضات، وكذلك ما أثاره كل فريق على مخالفيه من معارضات لم يكن خالصاً من اتجاه مُنُوع مجردة أو مع المستندات، فطال الْأخذ والرد.

ولم يحصل طائل ولا انتهى إلى حد.

ويحسن أن نفوض كيفيتها إلى علم الله تعالى كغيرها من المتشابه الراجع إلى شؤون الخالق تعالى.

وهذا معنى قول سلفنا: إنها رؤية بلا كيف وهي كلمة حق جامعة، وإن اشمأزّ منها المعتزلة.

هذا ما يتعلق بدلالة الآية على رؤية أهل الجنة ربهم، وأمّا ما يتعلق بأصل جواز رؤية الله تعالى فقد مضى القول فيها عند قوله تعالى: ﴿ قال لن تراني ﴾ في سورة الأعراف (143).

وتقديم المجرور من قوله: إلى ربها} على عامله للاهتمام بهذا العطاء العجيب وليس للاختصاص لأنهم ليرون بهجات كثيرة في الجنة.

وبين ﴿ ناضرة ﴾ و ﴿ ناظرة ﴾ جناس محرف قريب من التامّ.

وسوغ الابتداء بالنكرة في قوله: ﴿ وجوهٌ يومئذٍ ناضرة ﴾ أنها أُرِيدَ بها التفصيل والتقسيم لمقابلتِه بقوله: ﴿ ووجوهٌ يومئذٍ باسرة ﴾ ، على حد قول الشاعر: فيوم علينا ويومٌ لنا *** ويومٌ نُساء ويوم نسر وأما الوجوه الباسرة فنوع ثان من وجوه الناس يومئذٍ هي وجوه أهل الشقاء.

وأعيد لفظ ﴿ يومئذٍ ﴾ تأكيداً للاهتمام بالتذكير بذلك اليوم.

و ﴿ باسرة ﴾ : كالحة مِن تيقن العذاب، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ثم عبس وبسر ﴾ في سورة المدثر (22).

فجملة تَظُنّ أن يُفْعَل بها فاقرة} استئناف بياني لبيان سبب بسورها.

و ﴿ فاقرة ﴾ : داهية عظيمة، وهو نائب فاعل ﴿ يُفعل بها ﴾ ولم يقترن الفعل بعلامة التأنيث لأن مرفوعهُ ليس مؤنثاً حقيقياً، مع وقوع الفصل بين الفعل ومرفوعه، وكلا الأمرين يسوغ ترك علامة التأنيث.

وإِفراد ﴿ فاقرة ﴾ إفراد الجنس، أي نوعاً عظيماً من الداهية.

والمعنى: أنهم أيقنوا بأن سيلاقوا دواهي لا يُكتنه كنهها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ النَّبِيَّ  كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ حَرَّكَ بِهِ لِسانَهُ يَسْتَذْكِرُهُ.

مَخافَةَ أنْ يَنْساهُ، وكانَ نالَهُ مِنهُ شِدَّةٌ، فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وقالَ: ﴿ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ يُعَجِّلُ بِذِكْرِهِ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ مِن حُبِّهِ لَهُ وحَلاوَتِهِ في لِسانِهِ، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ حَتّى يَجْتَمِعَ، لِأنَّ بَعْضَهُ مُرْتَبِطٌ بِبَعْضٍ، قالَهُ عامِرٌ الشَّعْبِيُّ.

﴿ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ في قَلْبِكَ لِتَقْرَأهُ بِلِسانِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عَلَيْنا حِفْظُهُ وتَأْلِيفُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: عَلَيْنا أنْ نَجْمَعَهُ لَكَ حَتّى تُثْبِتَهُ في قَلْبِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَإذا بَيَّناهُ فاعْمَلْ بِما فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: فَإذا أنْزَلْناهُ فاسْتَمِعْ قُرْآنَهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

الثّالِثُ: فَإذا تُلِيَ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بَيانُ ما فِيهِ مِن أحْكامٍ وحَلالٍ وحَرامٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عَلَيْنا بَيانُهُ بِلِسانِكَ إذا نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ حَتّى تَقْرَأهُ كَما أقْرَأكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: عَلَيْنا أنْ نَجْزِيَ يَوْمَ القِيامَةِ بِما فِيهِ مِن وعْدٍ أوْ وعِيدٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ ﴾ ﴿ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُحِبُّونَ ثَوابَ الدُّنْيا وتَذْرُوَنَ ثَوابَ الآخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: تُحِبُّونَ عَمَلَ الدُّنْيا وتَذْرُوَنَ عَمَلَ الآخِرَةِ.

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي حَسَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: مُسْتَبْشِرَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: ناعِمَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: مَسْرُورَةٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ إلى رَبِّها ناظِرَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: تَنْظُرُ إلى رَبِّها في القِيامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ وعَطِيَّةُ العُوفِيُّ.

الثّانِي: إلى ثَوابِ رَبِّها، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: تَنْتَظِرُ أمْرَ رَبِّها، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كالِحَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مُتَغَيِّرَةٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الفاقِرَةَ الدّاهِيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: الشَّرُّ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: الهَلاكُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: دُخُولُ النّارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور عن مجاهد أنه كان يقرأ ﴿ كلا بل يحبون العاجلة ويذرون الآخرة ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ كلا بل تحبون العاجلة ﴾ بالتاء ﴿ وتذرون الآخرة ﴾ بالتاء.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ كلا بل يحبون العاجلة ويذرون الآخرة ﴾ قال: اختار أكثر الناس العاجلة إلا من رحم الله وعصم.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن مسعود في قوله: ﴿ كلا بل يحبون العاجلة ﴾ قال: عجلت لهم الدنيا سناها وخيرها وغيبت عنهم الآخرة.

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ قال: ناعمة.

وأخرج ابن المنذر والآجري في الشريعة واللالكائي في السنة والبيهقي في الرؤية عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ قال: يعني حسنها ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ قال: نظرت إلى الخالق.

وأخرج ابن المنذر والآجري عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ قال: نضر الله تلك الوجوه وحسنها للنظر إليه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي عن مجاهد ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ قال: مسرورة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ قال: بهجة لما هي فيه من النعمة.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ قال: النضارة البياض والصفاء ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ قال: ناظرة إلى وجه الله.

وأخرج ابن المنذر والآجري واللالكائي والبيهقي عن عكرمة ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ قال: ناضرة من النعيم ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ قال: تنظر إلى الله نظراً.

وأخرج الدارقطنى والآجري واللالكائي والبيهقي عن الحسن في الآية قال: النضرة الحسن نظرت إلى ربها فنضرت بنوره.

وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ يقول: حسنة ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ قال: تنظر إلى الخالق.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ قال: مسرورة ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ قال: انظر ما أعطى الله عبده من النور في عينيه أن لو جعل نور أعين جميع خلق الله من الإِنس والجن والدواب وكل شيء خلق الله فجعل نور أعينهم في عيني عبد من عباده ثم كشف عن الشمس ستراً واحداً ودونها سبعون ستراً ما قدر على أن ينظر إلى الشمس، والشمس جزء من سبعين جزءاً من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش، والعرش جزء من سبعين جزءاً من نور الستر.

قال عكرمة: انظروا ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه أن نظر إلى وجه الرب الكريم عياناً.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ قال: تنظر إلى وجه ربها.

وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ قال: «ينظرون إلى ربهم بلا كيفية ولا حد محدود ولا صفة معلومة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر والآجري في الشريعة والدارقطني في الرؤية والحاكم وابن مردويه واللالكائي في السنة والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أدنى أهل الجنة منزلاً لمن ينظر إلى جناته وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ قال: البياض والصفاء ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ قال: تنظر كل يوم في وجه الله» .

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي والدارقطني في الرؤية والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: «قال الناس يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟

قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟

قالوا: لا يا رسول الله.

قال: فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه.

ويضرب جسر جهنم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأكون أول من يجيز ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم، وفيه كلاليب مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمتها إلا الله فتخطف الناس بأعمالهم منهم الموبق بعمله، ومنهم المخردل، ثم ينجو حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرجه ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بآثار السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في جميل السيل.

ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، فيقول: يا رب قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فأصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعوا الله فيقول لعلي: إن أعطيتك ذلك تسألني غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره.

فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رب قربني إلى باب الجنة فيقول: أليس قد زعمت لا تسألني غيره؟

ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فلا يزال يدعو فيقول لعلي: إن أعطيتك ذلك تسألني غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره.

فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيقربه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت فيقول: رب أدخلني الجنة.

فيقول: أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك.

فيقول: رب لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك الله عز وجل، فإذا ضحك منه أذن له في الدخول فيها، فإذا دخل فيها قيل له: تمنّ من كذا فيتمنى، ثم يقال له: تمنَّ من كذا فيتمنى حتى تنقطع به الأماني، فيقول: هذا لك ومثله معه.

قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولاً الجنة.

قال: وأبو سعيد الخدري جالس مع أبي هريرة لا يغير عليه شيئاً من حديثه حتى انتهى إلى قوله: هذا لك ومثله معه.

قال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا لك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة: حفظت ومثله معه» .

وأخرج الدارقطني في الرؤية عن أبي هريرة قال: «سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟

قال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحاب؟

قالوا: لا يا رسول الله قال: فهل تضارون في رؤية الشمس عند الظهيرة ليست في سحاب؟

قالوا: لا يا رسول الله.

قال: فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم عز وجل كما لا تضارون في رؤيتهما، فيلقى العبد فيقول: يا عبدي ألم أكرمك؟

ألم أسودك؟

ألم أزوجك؟

ألم أسخر لك الخيل والإِبل، وأتركك ترأس وتربع؟

فيقول: بلى يا رب.

قال: فاليوم أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني فيقول: ألم أسودك؟

ألم أزوجك؟

ألم أسخر لك الخيل والإِبل؟

وأتركك ترأس وتربع؟

فيقول: بلى يا رب.

قال: أفظننت أنك ملاقيّ؟

قال: لا يا رب.

قال: فاليوم أنساك كما نسيتني.

قال: ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنت؟

فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصمت وصليت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقال له: ألا نبعث عليك شاهداً فيفكر في نفسه من الذي يشهد علي؟

قال: فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فينطق فخذه ولحمه وعظمه بما كان يعمل ذلك المنافق وذلك بعذر من نفسه، وذلك الذي يسخط الله عليه، ثم ينادي منادٍ: ألا اتبعت كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع أولياء الشيطان الشيطان، واتبعت اليهود والنصارى أولياءهم إلى جهنم، ثم نبقى أيها المؤمنون فيأتينا ربنا عز وجل، وهو ربنا، فيقول: علام هؤلاء قيام فيقولون: نحن عباد الله المؤمنون عبدناه وهو ربنا وهو آتينا ومثيبنا وهذا مقامنا، فيقول الله عز وجل: أنا ربكم فامضوا فيوضع الجسر وعليه كلاليب من نار تخطف الناس، فعند ذلك حلت الشفاعة أي اللهم سلم، فإذا جاوز الجسر فمن أنفق زوجاً من المال مما يملك في سبيل الله وكل خزنة الجنة يدعوه يا عبد الله يا مسلم هذا خير فتعال.

قال أبو بكر: يا رسول الله إن ذلك العبد لا ترى عليه يدع باباً ويلج من آخر فضرب النبي صلى الله عليه وسلم منكبيه وقال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون منهم» .

وأخرج الدارقطني في الرؤية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة جاء الرب عز وجل إلى المؤمنين، فوقف عليهم والمؤمنون على كوم فيقول: هل تعرفون ربكم عز وجل؟

فيقولون: إن عرفنا نفسه عرفناه.

فيقول لهم الثانية: هل تعرفون ربكم؟

فيقولون: إن عرفنا نفسه عرفناه.

فتجلى لهم عز وجل فيضحك في وجوههم فيخرون له سجداً» .

وأخرج النسائي والدارقطني وصححه عن أبي هريرة قال: «قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا؟

قال: هل ترون الشمس في يوم لا غيم فيه، وترون القمر في ليلة لا غيم فيها،؟

قلنا: نعم قال: فإنكم سترون ربكم عز وجل حتى إن أحدكم ليحاضر ربه محاضرة، فيقول عبدي: هل تعرف ذنب كذا وكذا؟

فيقول: ألم تغفر لي؟

فيقول: بمغفرتي صرت إلى هذا» .

وأخرج الدارقطني عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ترون الله عز وجل يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر أو كما ترون الشمس ليس دونها سحاب» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارقطني عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله ليتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر خاصة» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: «قلنا يا رسول الله: هل نرى ربنا يوم القيامة؟

قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس فيه سحاب؟

قلنا: لا يا رسول الله.

قال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس فيه سحاب؟

قالوا: لا يا رسول الله قال: ما تضارون في رؤيته يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما» .

وأخرج عبد بن حميد والدارقطني وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله الأمم يوم القيامة بصعيد واحد، فإذا أراد الله عز وجل أن يصدع بين خلقه مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فيتبعونهم حتى يقحموهم النار، ثم يأنينا ربنا عز وجل ونحن على مكان رفيع، فيقول: من أنتم؟

فيقولون: نحن المسلمون، فيقول: ما تنتظرون؟

فيقولون: ننتظر ربنا عز وجل.

فيقول: وهل تعرفونه إن رأيتموه؟

فيقولون: نعم، فيقول: كيف تعرفونه ولم تروه؟

فيقولون: نعرفه إنه لا عدل له.

فيتجلى لنا ضاحكاً ثم يقول: أبشروا يا معشر المسلمين فإنه ليس منكم أحد إلا جعلت له مكانه في النار يهودياً أو نصرانياً» .

وأخرج ابن عساكر عن أبي موسى: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا كان يوم القيامة مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون في الدنيا، ويبقى أهل التوحيد، فيقال لهم: ما تنتظرون وقد ذهب الناس؟

فيقولون: إن لنا لرباً كنا نعبده في الدنيا لم نره.

قال: وتعرفونه إذا رأيتموه؟

فيقولون: نعم، فيقال لهم: وكيف تعرفونه ولم تروه؟

قالوا: إنه لا شبيه له.

قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تبارك وتعالى فيخرون له سجداً، ويبقى أقوام في ظهورهم مثل صياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون، فذلك قول الله عز وجل: ﴿ يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ﴾ [ القلم: 42] ويقول الله عز وجل: عبادي ارفعوا رؤوسكم فقد جعلت بدل وفي لفظ فداء كل رجل منكم رجلاً من اليهود أو النصارى في النار» .

وأخرج الدارقطني عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد إلا ويخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر» .

وأخرج الدارقطني عن عبد الله بن عمرو قال: ليخلون الله عز وجل بكم يوم القيامة واحداً واحداً في المسألة حتى تكونوا في القرب منه أقرب من هذا، وأشار إلى شيء قريب.

وأخرج الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوم القيامة أول يوم نظرت فيه عين إلى الله عز وجل» .

وأخرج أحمد ومسلم والدارقطني من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود فقال: نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد، الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول: ما تنتظرون؟

فيقولون: ننتظر ربنا.

فيقول: أنا ربكم.

فيقولون: حتى ننظر إليك، فتجلى لهم يضحك فينطلق بهم ويتبعونه ويعطى كل إنسان منهم نوراً.

وأخرج الدارقطني عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يتجلى لنا ربنا عز وجل ينظرون إلى وجهه فيخرون له سجداً فيقول: ارفعوا رؤوسكم فليس هذا بيوم عبادة» .

وأخرج الدارقطني عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليتجلى للناس عامة ويتجلى لأبي بكر الصديق خاصة» .

وأخرج الدارقطني والخطيب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اقرأه هذه الآية ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ قال: والله ما نسختها منذ أنزلها يزورون ربهم تبارك وتعالى فيطعمون ويسقون ويتطيبون ويحلون ويرفع الحجاب بينه وبينهم فينظرون إليه وينظر إليهم عز وجل، وذلك قوله عز وجل: ﴿ لهم رزقهم فيها بكرة وعشياً ﴾ [ مريم: 62] .

وأخرج الدارقطني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم عز وجل فاحدثم عهداً بالنظر إليه في كل جمعة ويراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر» .

وأخرج الدارقطني عن أنس قال: بينما نحن حول رسول صلى الله عليه وسلم إذ قال: «أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء في وسطها كالنكتة السوداء، قلت يا جبريل: ما هذا؟

قال: هذا يوم الجمعة يعرض عليك ربك ليكون لك عيداً ولأمتك من بعدك.

قلت يا جبريل: فما هذه النكتة السوداء؟

قال: هذه الساعة وهي تقوم في يوم الجمعة، وهو سيد أيام الدنيا، ونحن ندعوه في الجنة يوم المزيد.

قلت يا جبريل: ولم تدعونه يوم المزيد؟

قال: لأن الله عز وجل اتخذ في الجنة وادياً أفيح من مسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة ينزل ربنا على كرسي إلى ذلك الوادي وقد حف العرش بمنابر من ذهب مكللة بالجوهر، وقد حفت تلك المنابر بكراسي من نور، ثم يأذن لأهل الغرفات فيقبلون يخوضون كثائب المسك إلى الركب، عليهم أسورة الذهب والفضة، وثياب السندس والحرير، حتى ينتهوا إلى ذلك الوادي، فإذا اطمأنوا فيه جلوساً بعث الله عز وجل عليهم ريحاً يقال لها المثيرة، فثارت ينابيع المسك الأبيض في وجوههم وثيابهم، وهم يومئذ جرد مكعلون أبناء ثلاث وثلاثين يضرب جمامهم إلى سررهم على صورة آدم يوم خلقه الله عز وجل، فينادي رب العزة تبارك وتعالى رضوان، وهو خازن الجنة، فيقول: يا رضوان ارفع الحجب بيني وبين عبادي وزواري، فإذا رفع الحجب بينه وبينهم فرأوا بهاءه ونوره هبوا له سجوداً فيناديهم عز وجل بصوت: ارفعوا رؤوسكم فإنما كانت العبادة في الدنيا، وأنتم اليوم دار الجزاء، سلوني ما شئتم فأنا ربكم الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي، فهذا محل كرامتي فسلوني ما شئتم.

فيقولون: ربنا وأيّ خير لم تفعله بنا ألست الذي أعنتنا على سكرات الموت، وآنست منا الوحشة في ظلمات القبور، وآمنت روعتنا عند النفخة في الصور؟

ألست أقلتنا عثراتنا، وسترت علينا القبيح من فعلنا، وثبت على جسر جهنم أقدامنا؟

ألست الذي ادنيتنا في جوارك، وأسمعتنا من لذادة منطقك، وتجليت لنا بنورك؟

فأي خير لم تفعله بنا؟

فيعود عز وجل فيناديهم بصوته، فيقول: أنا ربكم الذي صدقتكم وعدي، وأتممت عليكم نعمتي، فسلوني، فيقولون: نسألك رضاك.

فيقول: رضاي عنكم أقلتكم عثراتكم وسترت عليكم القبيح من أموركم، وأدنيت مني جواركم، وأسمعتكم لذاذة منطقي، وتجليت لكم بنوري، فهذا محل كرامتي فسلوني.

فيسألونه حتى تنتهي مسألتهم، ثم يقول عز وجل: سلوني، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم.

ثم يقول عز وجل: سلوني فيقولون: رضينا ربنا وسلمنا، فيزيدهم من مزيد فضلة وكرامته، ويزيد زهرة الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطرت على قلب بشر، ويكون كذلك حتى مقدار متفرقهم من الجمعة.

قال أنس: فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله وما مقدار تفرقهم؟

قال: كقدر الجمعة إلى الجمعة.

قال: يحمل عرش ربنا العليون معهم الملائكة والنبيون، ثم يؤذن لأهل الغرفات، فيعودون إلى غرفهم، وهم غرفتان زمردتان خضروان، وليسوا إلى شيء أشوق منهم إلى ويوم الجمعة لينظروا إلى ربهم، وليزيدهم من مزيد فضله وكرامته» قال أنس: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيني وبينه أحد.

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والحاكم عن لقيط بن عامر أنه خرج وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم، قال: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيبا فقال: «يا أيها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام لأسمعكم، ألا فهل من امرئ بعثه قومه؟

فقالوا اعلم لنا ما يقول رسول الله الاتم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه، أو يلهيه الضلال، ألا إني مسؤول هل بلغت ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا، ألا اجلسوا.

قال: فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلنا يا رسول الله ما عندك من علم الغيب؟

فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أني الفتى، فقال: ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله، وأشار بيده.

قلت وما هن؟

قال: علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه.

وعلم ما في الغد ما أنت طاعم غذاً ولا تعلمه، وعلم يوم الغيم يشرف عليكم إذا قنطتم مشفقين فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قريب.

قال لقيط: قلت لن نعدم من رب يضحك خيراً وعلم يوم الساعة.

قلت يا رسول الله: علمنا ما يعلم الناس وما يعلم صاحبي، فإنا في قبيل لا يصدقون تصديقنا من أحد مذحج التي قربوا علينا، وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحن منها.

قال: تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم، ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعث الصائحة لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك عز وجل، فأصبح ربك عز وجل يطوف في البلاد، وقد خلت عليه البلاد، فأرسل ربك السماء بمهضب من عند العرش، ولعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصدع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت الأرض عنه حتى تجعله من عند رأسه فيستوي جالساً يقول ربك مهيم لما كان فيه.

يقول يا رب أمس اليوم ولعهده بالحياة يحسبه حديثاً بأهله فقلت يا رسول الله: كيف يجمعنا بعد ما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟

قال: أنبئك بمثل ذلك من آلاء الأرض أشرفت عليها وهي مذرة بالية فقلت: لا تحيا أبداً ثم أرسل ربك عليها السماء، فلم تلبث عنك إلا أياماً حتى أشرفت عليها وهي سرية واحدة، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعهم من الماء وعلى أن يجمعهم من نبات الأرض، فيخرجون من الأصواء أو من مصارعهم، فينظرون إليه، وينظر إليهم.

قلت: يا رسول الله: وكيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه؟

قال: أنبئك بمثل ذلك من آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة، وتريانهما لا تضارون في رؤيتهما، ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم، وترونه أو ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما.

قلت يا رسول الله فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟

قال: تعرضون عليه بادية له صفحاتكم، لا تخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك بيده غرفة من ماء، فينضح قبلكم بها، فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحد منه قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الربطة البيضاء، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحميم الأسود.

ألا ثم ينصرف نبيكم صلى الله عليه وسلم ويصرف على أثره الصالحون فيسلكون جسراً من النار فيظل أحدكم يقول: حس، يقول ربك: أو أنه فتطلعون على حوض الرسول على أظمأ والله ناهلة قط رأيتها، ولعمر إلهك ما يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قرح بطهره من الطرف والبول والأذى ويحبس الشمس والقمر ولا ترون منهما واحداً.

قلت يا رسول الله: فيم نبصر؟

قال: بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك قبل طلوع الشمس في يوم أشرقت الأرض.

قلت يا رسول الله: فما يجزي من حسناتنا وسيئاتنا؟

قال: الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يعفو ربك، قلت يا رسول الله: ما الجنة وما النار؟

قال: لعمر إلهك أما للنار فسبعة أبواب ما منهن باب إلا يسير الراكب فيها سبعين عاماً.

قلت يا رسول الله: فعلام نطلع من الجنة؟

قال: على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة.

قلت يا رسول الله: ولنا فيها أزواج؟

قال: الصالحات للصالحين تلذونهم بمثل لذاتكم في الدنيا ويتلذذن بكم غير أن لا توالد.

قال لقيط: فقلت: أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟

قلت يا رسول الله: علام أبايعك؟

فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده، وقال: على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال الشرك، وأن لا تشرك بالله شيئاً غيره.

قلت: وإن لنا ما بين المشرق والمغرب.

فقبض النبيّ صلى الله عليه وسلم يده، وبسط أصابعه وظن أني مشترط شيئاً لا يعطينيه.

قلت: نحل منها حيث شئنا ولا يجني على امرئ إلا نفسه.

فبسط يده وقال: ذلك لك تحلة حيث شئت، ولا يجني عليك إلا نفسك: قال: فانصرفنا وقال لنا: إن هذين لعمر إلهك من أتقى الناس في الدنيا والآخرة.

فقال له كعب: من هم يا رسول الله؟

قال: بنو المنتقف أهل ذلك.

فانصرفنا وأقبلت عليه فقلت يا رسول الله: هل لأحد فيما مضى من خير في جاهليتهم؟

قال: قال رجل من عرض قريش: والله إن أباك المنتقف لفي النار.

قال: فلكأنه وقع من بين جلدي ووجهي مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله.

ثم قلت يا رسول الله: وأهلك؟

قال: وأهلي لعمر الله، ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي مشرك فقل أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك تجر على وجهك وبطنك في النار.

قلت يا رسول الله: ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وقد كانوا يحسبون أنهم مصلحون؟

قال: ذلك بما قال: بأن الله بعث في آخر كل سبع أمم نبياً فمن عصى نبيه كان من الضالين، ومن أطاع نبيه كان من المهتدين» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة عن أبي رزين قال: «قلت يا رسول الله: أكلنا يرى ربه يوم القيامة مخلياً به؟

قال: نعم.

قلت: وما آية ذلك قال: أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخلياً به؟

قالت: بلى.

قال: فالله أعظم» .

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: أول من ينظر إلى الله تبارك وتعالى الأعمى.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن موسى بن صالح بن الصباح رضي الله عنه قال: إذا كان يوم القيامة يؤتى بأهل ولاية الله فيقومون بين يديه ثلاثة أصناف، فيؤتى برجل من الصنف الأول فيقول عبدي لماذا عملت؟

فيقول: يا رب خلقت الجنة وأشجارها وثمارها وأنهارها وحورها ونعيمها وما أعددت لأهل طاعتك فيها، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقاً إليها.

فيقول: عبدي إنما عملت للجنة فادخلها، ومن فضلي عليك أن أعتقك من النار، فيدخلها هو ومن معه.

ثم يؤتى بالصنف الثاني فيقول: عبدي لما عملت؟

فيقول: يا رب خلقت ناراً وخلقت أغلاها وسعيرها وسمومها ويحمومها وما أعددت لأعدائك ولأهل معصيتك فيها، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري خوفاً منها.

فيقول: عبدي إنما عملت خوفاً من النار، فإني أعتقتك من النار ومن فضلي عليك أدخلتك جنتي فيدخل هو ومن معه الجنة، ثم يؤتى برجل من الصنف الثالث فيقول: عبدي لماذا عملت؟

فيقول: ربي حباً لك وشوقاً إليك، وعزتك لقد أسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقاً إليك وحباً لك، فيقول الله: عبدي إنما عملت شوقاً إليّ وحباً لي فيتجلى له الرب، فيقول: ها أنا ذا أنظر إليّ.

ثم يقول: فضلي عليك أن أعتقك من النار، وأبيحك جنتي، وأزيرك ملائكتي، وأسلم عليك بنفسي فيدخل هو ومن معه الجنة.

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي في الأعمال والصفات عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهؤلاء الدعوات: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، اللهم أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحكم في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا يبيد وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.

اللهم زينا بزينة الإِيمان، واجعلنا هداة مهتدين» .

وأخرج البيهقي «عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه دعاء، وأمره أن يتعاهده ويتعاهد به أهل كل يوم، قال: حين تصبح لبيك الله لبيك لبيك وسعديك والخير في يديك ومنك وبك وإليك، الله ما قلت من قول أو حلفت من حلف أو نذرت من نذر فمشيئتك بين يدي ذلك ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بك إنك على كل شيء قدير، اللهم ما صليت من صلاة فعلى من صليت، وما لعنت من لعن فعلى من لعنت.

أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين.

أسألك اللهم الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقاً إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.

أعوذ بك أن أظلم، أو أظلم أو أعتدي أو يعتدى عليّ، أو أكسب خطيئة أو ذنباً لا تغفره.

اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ذا الجلال والإِكرام فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، وأشهدك، وكفى بك شهيداً أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك لك الملك، ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير.

وأشهد أن محمداً عبدك ورسولك، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور، وأشهد أنك أن تكلني إلى نفسي تكلني إلى وهن وعورة وذنب وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك فاغفر لي ذنبي كله، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ قال: حسنة ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ قال: تنتظر الثواب من ربها.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إلى ربها ناظرة ﴾ قال: تنتظر منه الثواب.

أخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ ووجوه يومئذ باسرة ﴾ قال: كالحة قاطبة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت عبيد بن الأزرق وهو يقول: صبحنا تميماً غداة النسا ** ر شهباء ملمومة باسرة وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه: ﴿ ووجوه يومئذ باسرة ﴾ قال: كالحة ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ قال: أن يفعل بها شر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ووجوه يومئذ باسرة ﴾ قال: كاشرة ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ قال: داهية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾ بالضاد أي ناعمة، ومنه ﴿ نَضْرَةَ النعيم ﴾ [المطففين: 24] ﴿ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ هذا من النظر بالعين، وهو نص في نظر المؤمنين إلى الله تعالى في الآخرة، وهو مذهب أهل السنة، وأنكره المعتزلة وتأولوا ناظرة بأن معناه منتظرة، وهذا باطل؛ لأن نظر بمعنى انتظر يتعدى بغير حرف جر، تقول نظرتك أي انتظرتك، وأما المتعدي بإلى فهو من نظر العين، ومنه قوله: ﴿ وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ﴾ [يونس: 43] وقال بعضهم: إلى هنا ليست بحرف جر وإنما هي واحد الآلاء بمعنى النعم، وهذا تكلف في غاية البعد، وتأوله الزمخشري بأن معناه كقول الناس؛ فلان ناظر إلى فلان إذا كان يرتجيه ويتعلق به، وهذا بعيد وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في النظر إلى الله أحاديث صحيحة مستفيضة صريحة المعنى لا تحتمل التأويل فهي تفسير الآية ﴿ بَاسِرَةٌ ﴾ أي عابسة تظهر عليها الكآبة والبسور أشد من العبوس ﴿ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ أي مصيبة قاصمة الظهر، والظن هنا يحتمل أن يكون على أصله أو بمعنى اليقين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: روى الهاشمي وابن ربيعة عن قنبل ﴿ لأقسم ﴾ على أن اللام حرف الابتداء أي لأنا أقسم ولا خلاف في قوله ﴿ ولا أقسم بالنفس اللوامة ﴾ ﴿ برق ﴾ بفتح الراء: أبو جعفر ونافع.

الآخرون: بكسرها ﴿ تحبون ﴾ و ﴿ تذرون ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا صلى ﴾ إلى اخر السورة بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالأمالة الشديدة.

﴿ يمنى ﴾ علىالتذكير: حفص والمفضل وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ورويس.

الباقون: بتاء التأنيث.

الوقوف: ﴿ القيامة ﴾ ه لا ﴿ اللوامة ﴾ ه ﴿ عظامه ﴾ ه ط لاستئناف الجواب أي بلى نجمعها ﴿ بنانه ﴾ ه ﴿ أمامه ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ القيامة ﴾ ه ج ﴿ البصر ﴾ ه لا ﴿ القمر ﴾ ه ك ﴿ المفر ﴾ ه ك لأن كلاً يصلح للردع عن الفرار والأجوز ﴿ لا وزر ﴾ ه ط ﴿ المستقر ﴾ ه ط ﴿ وأخر ﴾ ه ط ﴿ بصيرة ﴾ ه لا ﴿ معاذيره ﴾ ه لا ﴿ لتعجل به ﴾ ه ط ﴿ وقرآنه ﴾ ه ج لاحتمال أن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ بيانه ﴾ ه ط ﴿ العاجلة ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ه ﴿ ناضرة ﴾ ه ج ﴿ ناظرة ﴾ ه ج للفصل بين أهل السعادة والشقاوة ﴿ باسرة ﴾ ه ﴿ فاقرة ﴾ ه ط ﴿ التراقي ﴾ ه لا ﴿ راق ﴾ ه ك ﴿ الفراق ﴾ ه ك ﴿ بالساق ﴾ ه ك ﴿ المساق ﴾ ه ك ﴿ ولا صلى ﴾ ه لا ﴿ وتولى ﴾ ه ك ﴿ يتمطى ﴾ ه ط للعدول إلى الخطاب ﴿ فأولى ﴾ ه لا ﴿ سدى ﴾ ه ط ﴿ يمنى ﴾ ه ﴿ فسوى ﴾ ه ك ﴿ والأنثى ﴾ ه ط ﴿ الموتى ﴾ ه.

التفسير: المشهور أن " لا " في ﴿ لا أقسم ﴾ صلة زائدة كما مر في قوله ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم  ﴾ واعترض عليه بوجوه أحدها: أنه يوجب الطعن في القرآن بحيث أنه لا يبقى الوثوق بنفيه وإثباته قلت: إذا عرف من استعمالات العرب زيادة لا في هذا الفعل المخصوص لم يبق للطاعن مجال على أن الحكم بزيادتها إنما هو بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فلها في التركيب معان: الأول كأنها نفي لكلام قبل القسم وذلك أنهم أنكروا البعث كما أخبر الله في آخر السورة المتقدمة فقيل: ليس الأمر على ما ذكرتم ثم أقسم بكذا وكذا إنه لواقع.

والثاني أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له فكأنه بإدخال حرف القسم يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا اعظام إنه يستأهل فوق ذلك.

الإعتراض الثاني أن هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوّله وأجيب بالمنع، ألا ترى أن أمرأ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته: فلا وأبيك ابنة العامري *** لا يدّعي القوم أني أفرّ وفائدة الزيادة كما تقرر.

وقد يجاب بأن القرآن كله في حكم كلام واحد متصل بعضه ببعض ولا سيما هذه السورة وآخر السورة المتقدمة عليها ولكني أسألك غير مقسم أتحسب أنا لا تجمع عظامك إذا تفرقت بالموت، فإن كنت تحسب ذلك فاعلم أنّا قادرون عليه.

وقيل: المعنى على الاستفهام الإنكاري والتقدير: ألا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة على أن الحشر حق.

وهذا التأويل يعضده قراءة من قرأ ﴿ لأقسم ﴾ على أن اللام للابتداء.

وقال بعضهم: على هذه القراءة إنه أقسم بالقيامة تعظيماً لها ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها لأنها إما كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإما فاسقة مقصرة في العمل.

أما تفسير النفس اللوامة فقد سبق لنا في سورة يوسف في قوله ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء  ﴾ بيان سبب تسمية النفس تارة بالأمارة وأخرى باللوامة ثم بالملهمة ثم بالمطمئنة.

والذي ذكره المفسرون ههنا وجوه منها ما قال ابن عباس: كل نفس فإنها تلوم نفسها يوم القيامة على ترك الازدياد من الطاعة إن كانت محسنة، أو على التفريط إن كانت مسيئة.

وضعف بعضهم هذا النقل بناء على أن أهل الجنة لا يكون لهم مثل هذه الخواطر وإلا لدام حزنهم.

وعن الحسن أن هذا اللوم في الدنيا والمؤمن لا تراه إلا لائماً نفسه وإن الكافر يمضي على سيرته لا يعاتب نفسه.

ومنها أنها النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى.

ولا يخفى وجه المناسبة بين القسمين أعني بين القيامة وبين النفس اللوامة على هذه الوجوه.

وخص النفس اللوامة بعضهم بآدم  وذلك أنه لم يزل يتلوم على فعله الذي خرج به من الجنة.

وقيل: أن الإنسان خلق هلوعاً فأي شيء طلبه إذا وجده مله فيلوم نفسه على أني لم طلبت فلكثرة هذا العمل سميت باللوامة.

والجمهور على أن جواب القسم محذوف وهو لتبعثن دل عليه قوله ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ وفي الأقسام بيوم القيامة على وقوع يوم القيامة مزيد تقرير وتأكيد لوقوعه فإن الإقسام بالمعدوم لا يعقل معناه، وفي ضم النفس الوامة إليه تنبيه على أن الغرض من القيامة وهو إظهار أحوال النفس ومراتبها في السعادة وضدها.

قال جمع من الأصوليين: الإنسان في الآية هو المكذب بالبعث على الإطلاق وقال ابن عباس: هو أبو جهل.

وقال آخرون: إن عدي بن ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان كان رسول الله  يقول فيهما: اللهم اكفني جاري السوء.

قال: يا محمد حدثنا عن يوم القيامة كيف أمره فأخبره النبي  فقال: لو عانيت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أؤمن به، أو يجمع الله العظام؟

فأنزل الله  ﴿ أيحسب الإنسان ﴾ الآية.

قوله ﴿ قادرين ﴾ حال مؤكدة لأنه يستحيل جمع العظام بدون القدرة الكاملة التي نبه عليها بقوله ﴿ أن نسوي بناته ﴾ لأن من قدر على ضم سلاميات الأصبع مع صغرها ولطافتها كما كانت، كان على ضم العظام الكبار أقدر، وإنما خص البنان وهو الأنملة بالذكر لأنه آخر ما يتم به خلقه فذكره يدل على تمام الأصبع يدل على تمام سائر الأعضاء التي هي أطرافها.

وقيل: معنى التسوية جعلها شيئاً واحداً كخف البعير وحافر الحمار بحيث لا يقدر على البطش، والمراد أنه قادر على رد العظام والمفاصل إلى هيأتها الأولى وعلى ضد ذلك قوله ﴿ بل يريد ﴾ إضراب عن قوله والظاهر أنه إيجاب ويجوز أن يكون استفهاماً مقدراً.

ومعنى ﴿ ليفجر أمامه ﴾ ليدوم على فجوره في الأوقات التي بين يديه وهي المستقبلة.

وهذا فحوى قول سعيد بن جبير يقدم الذنب ويؤخر التوبة حتى يأتيه الموت على شر أحواله.

قال أهل النظم: وإن إنكاراً البعث يتولد تارة من الشبهة بأن يستبعد اجتماع الأجزاء بعد تفرقها وتلاشيها، وأخرى من التهور بأن ينكر المعاد باسترسال الطبع والميل إلى الفجور، فأشار إلى الجواب عن الشبهة بقوله ﴿ أيحسب الإنسان ﴾ إلى قوله ﴿ بناته ﴾ وأنكر على الثني بقوله ﴿ بل يريد ﴾ أن يكذب بما أمامه من البعث والحساب لئلا تنتقص عنه اللذات العاجلة ﴿ يسئل ﴾ سؤال تنعت ﴿ أيان يوم القيامة ﴾ ثم ذكر من أمارات الساعة أموراً أولها ﴿ فإذا برق البصر ﴾ أي تحير فزعاً وأصله من برق الرجل بالكسر إذا تأثر ناظره من تأمل البرق، ثم استعمل في كل حيرة.

ومن قرأ بفتح الراء فهو من البريق أي لمع من شدة شخوصه كقوله ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ وثانيها ﴿ وخسف القمر ﴾ أي ذهب ضوءه كما يشاهد في الدنيا وقت خسوفه, أو ذهب بنفسه من قوله ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض  ﴾ وهذا التفسير عندي لا يلائم ما بعده أن الجمع بينه وبين الشمس بعد انعدامه غير معقول ظاهراً.

وثالثها ﴿ وجمع الشمس والقمر ﴾ قيل: أي في اطلاعهما من المغرب.

وقيل: في ذهاب الضوء.

وقيل: يجتمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران كما جاء في الحديث، ولعل ذلك لأنهما عبدا من دون الله، و الثور مثل في الذل والبلادة فإذا كان عقيراً أي جريحاً كان أبلغ في ذلك.

وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى.

طعن الملاحدة في الآية بأن خسوف القمر لا يحصل باجتماع الشمس والقمر.

وأجيب بأنه  قادر على خسف القمر في غير حالة المقابلة وحيلولة الأرض.

والأولى عندي أن يجاب بأن اجتماعهما بمعنى آخر غير ما هو المعهود بين أهل التنجيم كما مر من الأقوال.

ولئن سلمنا أن المراد هو الإجتماع المعهود فالقمر حينئذ في المحق وهو خسفه، أو لعل القمر خسف في وسط الشهر والاجتماع يكون في آخره فإن اتحاد الزمان في هذه الأمور غير مذكور.

ومنهم من جعل هذه الأمور من علامات الموت، أما شخوص البصر تحيره حين الموت فظاهر، وأما خسوف القمر فمعناه ذهاب ضوء البصر بعد الحيرة: يقال: عين خاسفة إذا فقئت فغارت حدقتها في الرأس.

وأما جمع الشمس والقمر فكناية عن اتصال الروح بعالم الآخرة، فالروح كالقمر وعالم الآخرة وهو عالم الأنوار والكشوف كالشمس وكما أن القمر يقبل النور من الشمس فالروح تقبل نور المعارف من ذلك العالم وهذا التفسير بالتأويل أشبه.

قال الفراء: إنما قال ﴿ جمع ﴾ ولم يقل " جمعت " مع أن التأنيث أحسن لأن المراد أنه جمع بينهما في زوال النور.

وقال الكسائي: المعنى جمع النوران والضياآن.

وقال أبو عبيدة: القمر شارك الشمس في الجمع فغلب جانب التذكير ﴿ يقول الإنسان ﴾ المنكر للقيامة ﴿ أين المفر ﴾ والاستفهام على أصله وهو إقرار منه بأنه لا مفر كما إذا أيس من وجدان زيد فيقول: أين زيد ﴿ كلا ﴾ ردع عن طلب مكان الفرار وهذا أصح عند أهل اللغة.

قال الأخفش والزجاج: المصدر من يفعل بكسر العين مفتوح العين، وبالكسر المكان.

وجوز بعضهم أن يكون المفتوح موضعاً.

وأصل الوزر المحل المنيع ثم استعمل لكل ما التجأت إليه وتحصنت به، والمعنى أنه لا شيء يعتصم به وقتئذ من أمر الله إلا الله فلذلك قال ﴿ إلى ربك ﴾ خاصة دون غيره ﴿ يومئذ المستقر ﴾ أي إستقرار العباد ولا بد من تقدير مضاف أي إلى حكم ربك أو إلى جنته أو ناره.

﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم ﴾ من عمل ﴿ وأخر ﴾ فلم يعلمه، أو بما قدم من ماله وتصدق به وما أخر فخلف أو بما قدم من عمل الخير والشر وما أخر من سنة حسنة أو سيئة.

وعن مجاهد بأول عمله وآخره أي بجميع أعماله.

والأظهر أن هذا الإنباء إنما هو في يوم القيامة.

وجوز أن يكون عند الموت حين رأى مقعده من الجنة والنار.

ثم بين أن الإنسان لأعماله بصير وإن لم ينبأ فقال ﴿ بل الإنسان على نفسه بصيرة ﴾ أي حجة بينة.

وقال أبو عبيدة: التاء للمبالغة كعلامة.

قال الأخفش: جعله في نفسه بصيرة كما يقال " فلان جود وكرم " وذلك أنه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة وعصيانه منكر فهو حجة على نفسه بعقله السليم.

قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: إن المراد شهادة جوارحه عليه.

قوله ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فإنها لا تنفعه لأنه لا يخفى شيئاً من أفعاله فإن نفسه وأعضاءه تشهد عليه.

وقال الواحدي والزمخشري: المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر، ولو كان جمعاً لقيل معاذر بغير ياء.

وعن الضحاك والسدي أن المعاذير جمع معذار وهو الستر، والمعنى إنه إن أسبل الستور لن يخفى شيء من عمله قال جار الله: إن صح هذا النقل فالسبب في التسمية أن الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب.

فمدار التركيب على الحجب والمنع ومنه العذران قال الإمام فخر الدين الرازي: زعم قوم من قدماء الشيعة أن هذا القرآن مغير بالزيادة والنقصان، ومن جملة إستدلالاتهم أنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين قوله عقيبها ﴿ لا تحرك به ﴾ أي بالقرآن الذي نتلوه عليك ﴿ لسانك لتعجل به ﴾ أي بأخذه.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي  كان يشتد عليه حفظ التنزيل فكان إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبرائيل مخافة النسيان فنهاه الله  عن ذلك، نظيره ما مر في " طه " ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه  ﴾ وهذا من قبيل ترك الأولى، أو لعل هذا كان مأذوناً فيه أولاً ثم ورد النهي ناسخاً له ﴿ أن علينا ﴾ بحكم الوعد أو بالنظر إلى الحكمة ﴿ جمعه ﴾ في صدرك ﴿ وقرآنه ﴾ سيعيده عليك جبرائيل أو توقيفك لدراسته وحفظ لقوله ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ فالقارىء على الأول جبرائيل، وعلى الثاني محمد  .

وقيل: أراد بالجمع ترتيبه على ما هو عليه في الخارج وبالقرآن جمعه في ذهنه، والتركيب يدل على الضم ومنه القرء ﴿ فإذا قرأناه ﴾ بقراء جبرائيل ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ قال قتادة: أي حلاله وحرامه وضعف بأن هذا ليس موضع الأمر باتباع الحلال والحرام بل المراد أنه لا ينبغي أن تكون قراءتك مقارنة لقراءة جبرائيل  لكن يجب أن تسكت حتى يتم جبرائيل القراءة ثم تأخذ أنت في القراءة.

قال ابن عباس: فكان النبي  بعد ذلك إذا نزل عليه جبرائيل أطرق واستمع فإذا ذهب قرأ.

ثم إنه  كما كان حريصاً على القراءة حتى لا ينسى لفظه كان حريصاً على فهم المعنى، وكان يسأل جبرائيل في أثناء الوحي عن المعاني المشكلة فنهي عن هذا أيضاً بوعد البيان وهو قوله ﴿ إن علينا بيانه ﴾ قال بعضهم: وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز.

إذا عرفت تفسير الآية فاعلم أن العلماء استنبطوا للنظم وجوهاً منها: أن هذا الإستعجال لعله اتفق النبي  عند نزول هذه الآيات فلا جرم نهي عن ذلك في الوقت كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئاً من العلم وأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً فيقول المدرس في أثناء درسه: لا تلتفت يميناً وشمالاً، ثم يعود إلى الدرس مع هذا الكلام في أثنائه اشتبه وجه المناسب على من لم يعرف الواقعة.

ومنها أنه علت كلمته أخبر عن الإنسان أنه يحب السعادة العاجلة فيفجر لذلك أمامه، فبين بين ذلك أن التعجل مذموم مطلقاً ولو في أمور الدين فقال ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ ورتب على ذم الإستعجال قوله ﴿ كلا بل تحبون العاجلة ﴾ ومنها أنه لما قال ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ وكان النبي  يظهر التعجيل في القراءة خوف النسيان قيل له: إنك وإن أتيت بهذه المعذرة لكنك يجب أن تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل واعتمد على هدايتنا، ولا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار، وفيه أن الكافر كان يفر من الله إلى غيره حين قال ﴿ أين المفر ﴾ فعلى المؤمن أن يضاده ويفر من غير الله إلى الله ولا يستعين في كل أموره إلا به.

ومنها أنه  كأنه قال: يا محمد إن غرضك من هذا هو التبليغ لكنه لا حاجة إليه فإن الإنسان على نفسه بصيرة يعرف قبح الكفر مهما رجع إلى نفسه.

وقال القفال: يجوز أن يكون المخاطب بهذا هو الإنسان المذكور في قوله ﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ كأنه حين عرض كتابه يقال له ﴿ إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً  ﴾ فإذا أخذ في القراءة ينبأ بقبح أعماله فيتلجلج لسانه من الفزع ويسرع له القراءة فيقال له ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾ فإنه يجب علينا بحكم الوعد والحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالاعتراف والإقرار، ثم أن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته.

قوله  .

﴿ كلا بل تحبون ﴾ قال بعضهم: هو بمعنى حقاً.

وقال جار الله: هو ردع لرسول الله  عن عادة العجلة وحيث له على الأناة والتؤدة وقد بالغ في ذلك باتباعه قوله ﴿ بل تحبون العاجلة ﴾ كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم خلقتم من عجل تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون الدنيا وتتركون الأخرى.

ثم وصف اليوم الآخر بقوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ ذات نضارة وبهاء.

والوجه عبارة عن الجملة قاله في الكشاف: والأولى عندي تقليلاً للمجاز أن راد بالوجوه العيون فيكون من إطلاق الكل على الجزء لا عكسه ﴿ إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة ﴾ شديدة العبوس ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ فعل هو في شدته وفظاعته فاقرة أي داهية تقصم فقار الظهر كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير.

قال الأصمعي: الفقر أن يحز أنف البعير حتى يخلص إلى العظم أو يقرب منه ثم يجعل فيه خشبة يجر بها البعير، ومنه قيل: عملت به الفاقرة.

وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر إليه.

وأعلم أن أهل السنة استدلوا بالآية على إمكان رؤية الله تعالى في الآخرة بل على وجوبها بحكم الوعد وحاصل كلامهم أن النظر إن كان بمعنى الرؤية فهو المطلوب، وإن كان بمعنى تقليب الحدقة نحو المرئي فهذا في حقه  محال لأنه منزه عن الجهة والمكان فوجب حمله على مسببه وهو الرؤية وهذا مجاز مشهور وأما المعتزلة فزعموا أن النظر المقرون بـ "إلى " إنما يراد به تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً للرؤية فقد تحصل الرؤية وقد لا تحصل كما قال  ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ﴾ ويقال: دور فلان متناظرة أي متقابلة ولا ريب أن تقليب الحدقة نحو الشيء يستدعي جهة لذلك الشيء وهذا في حق الله  محال فوجب حمل النظر على الانتظار أي منتظرة ثواب ربها كقولك: أنا ناظر إلى فلان ما يصنع فيّ.

والانتظار إذا كان في شيء متيقن الوقوع لا يوجب الغم والحزن بل يزيد اللذة والفرح.

واعترض بأن النظر إذا كان بمعنى الانتظار لا يعدّى بـ" إلى " كقوله ﴿ أنظرونا نقتبس من نوركم  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلى تأويله  ﴾ وأجيب بأن ذلك إنما يكون إذا كان منتظراً للشخص، أما إذا كان منتظراً لرفده ومعونته فإنه يستعمل مقروناً بإلى كقول الرجل: إنما نظري إلى الله ثم إليك.

وقد يقول الأعمى: عيني ناظرة إليك.

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون " إلى " واحد الآلاء أي نعمة ربها منتظرة، وتقديم المفعول لأجل الفاصلة أو للاختصاص أي لا ينتظرون إلا إلى نعمة الله ورحمته، قال في الكشاف: وهذا المعنى أعني إفادة الاختصاص أحد الدلائل الدالة، على أن النظر ههنا ليس بمعنى تقليب الحدقة ولا بمعنى الرؤية لأنهم ينظرون إلى أشياء ويرون أشياء لا تدخل تحت الحصر فلا بد من حمل النظر على معنى يصح معه الإختصاص وهو التوقع والرجاء.

وحين وصف القيامة الكبرى أتبعه نعت القيامة الصغرى فروّعهم عن إيثار العاجلة على الآجلة.

وذكرهم حالة الموت التي هي أول منزلة من منازل الآخرة.

والضمير في ﴿ بلغت ﴾ للنفس لدلالة قرينة الحال والمقال كما في قوله ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم  ﴾ والتراقي العظام المكتنفة ثغرة النحر من الجانبين واحدها ترقوة، والمراد زهوق الروح لأن متعلق النفس هو الروح الحيواني الذي منبعه القلب فإذا فارق المنبع لم يبق من آثاره في حواليه إلا قليل كما لو غارت العين لم يبق في نواحيها إلا أثر قليل من النداوة فيزول عن قرب.

قوله ﴿ وقيل من راق ﴾ إن كان من الرقية يقال رقاه يرقيه إذا عوذه بما يشفيه ومنه " بسم الله أرقيك من كل يؤذيك " فالقائل هم بعض أصحاب الميت وأقاربه، والاستفهام إما على أصله لأن العادة جارية على طلب الطبيب والراقي في وقت ما يشتد المرض، وإما بمعنى الإنكار أي من الذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت، وإن كان اشتقاقه من الرقي الصعود ومنه المرقاة قال الله تعالى ﴿ ولن نؤمن لرقيك  ﴾ فالقائل بعض الملائكة يعني أيكم يرقي بروح هذا المحتضر ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب.

وعن ابن عباس: إن الملائكة يكرهون القرب من الكافرين فيقول ملك الموت: من يرقى بروح هذا الكافر؟

وقال الكلبي: يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض أيهم يعرج بروحه إلى السماء ﴿ وظن ﴾ المحتضر أي تيقن ﴿ أنه ﴾ وقت ﴿ الفراق ﴾ عن الدنيا وأوان الفطام عن مألفواتها.

وفي التعبير عن اليقين ههنا بالظن تهكم بالميت وإشارة إلى أن الإنسان لتهالكه على الدنيا وحرصه على الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بحلول الأجل وإن لم يبق منه إلا حشاشة يسيرة، غايته أنه يغلب على ظنه الموت مع رجاء الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بالموت.

واستدل بهذه الآية على أن النفس باقٍ بعد خراب البدن لأن الله سمى الموت فراقاً والفراق والوصال صفة والصفة تستدعي وجود الموصوف.

﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه كناية عن الشدّة كما مر في قوله ﴿ يوم يكشف عن ساق  ﴾ أي اتصلت شدة فراق الدنيا وترك الأهل والولد والجاه وشماتة الأعداء وحزن الأولياء وغير ذلك بشدّة الإقبال على أحوال الآخرة وأهوالها.

الثاني أن الساق هي العضو المخصوص.

قال الشعبي: أما رأيته في النزع كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى؟

قال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه التفتا في أكفانه.

وقيل: التفاف ساقيه وهو أنه إذا مات يبست ساقاه ولصقت إحدهما بالأخرى.

وقريب منه قول قتادة ماتت رجلاه فلا يحملانه وقد كان عليهما جوالاً ﴿ إلى ربك ﴾ أي حكمة خاصة ﴿ يومئذ المساق ﴾ أي السوق.

وقيل: أراد أن سوقه وقتئذ يفوض إلى الله دون غيره، والفرق أن الرب أي حكمه في الأول هو المسوق إليه وهو في الثاني سائق يسوقه إلى الجنة أو إلى النار.

قوله ﴿ فلا صدّق ولا صلى ﴾ الضمير فيه عائد إلى الإنسان المذكور في قوله ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ وقد سبق أن تعينه صنفيّ أو شخصي أخبر الله  عن اختلال حال أعماله فيما يتعلق بأصول الدين وفروعه قائلاً ﴿ فلا صدق ﴾ أي فلا صدّق بالرسول أو بالقرآن أو بالبعث ﴿ ولا صلى ﴾ ﴿ ولكن كذب ﴾ بالحق ﴿ وتولى ﴾ عن الطاعة ﴿ ثم ذهب إلى أهله يتمطى ﴾ متبختراً مفتخراً بذلك وأصله يتمطط أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه، قلبت الطاء الأخيرة ياء كما في " تقضى البازي".

ويحتمل أن يكون من مطا الظهر لأن المتبختر يلوي ظهره.

قال أهل العربية " لا " ههنا بمعنى " لم " وقلما تقع لا الداخلة على الماضي إلا مكررة ومنه الحديث " لا أكل ولا شرب ولا استهل " أما قوله عز من قائل ﴿ فلا أقتحم العقبة  ﴾ فسيجيء قال قتادة والكلبي ومقاتل: أخذ رسول الله  بيد أبي جهل ثم قال له ﴿ أولى لك فأولى ﴾ يوعده ويدعو عليه بالهلاك والبعد عن الخير والقرب من المكاره، وقد مر في قوله ﴿ فأولى لهم  ﴾ وذلك في سورة القتال.

فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني؟

لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا فيّ شيئاً وأني لأعز أهل هذا الوادي ثم سل يده ذاهباً فأنزل الله كما قال الرسول.

قال القفال: هذا محتمل، ويحتمل أن يكون أيضاً وعيداً مبتدأ من الله للكافر على طريقة الإلتفات.

ويحتمل أن يكون أمراً من الله لنبيه بأن يقوله لعدو الله فيكون القول مقدراً أي فقلنا لك يا محمد قل له هذا.

ثم قال دليلين على صحة الخبر الأول ﴿ أيحسب الإنسان أن يترك سدى ﴾ أي هملاً لا يكلف ولا يحاسب بعمله وهذا خلاف الحكمة نظيره ﴿ أفحسبتم أنما خلقنا كم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ \[المؤمنون: 115\] الثاني الاستدلال بالخلق الأول على الإعادة و ﴿ منيّ يمنى ﴾ يراق في الرحم.

من ذكّر فللمني، ومن أنّث فللنطفة.

والنطفة اسم لما ينطف كالقبضة لما يقبض والغرفة لما يغرف إلا أنها غلبت على الماء المخصوص الذي هو للحيوان بمنزلة البذر للنبات.

والمني " فعيل " بمعنى " مفعول " من المني بالسكون وهو الدفق غلب أيضاً على الماء المخصوص فقوله ﴿ من مني ﴾ أي من هذا الجنس كالتأكيد لها.

وقوله ﴿ يمنى ﴾ تأكيد على تأكيد وفيه إشارة إلى حقارة الإنسان في ذاته وأنه لا يليق به التمطي والفخر والإستكبار عن طاعة خالقه فإنه مخلوق من المني الذي جرى على مجرى النجاسة نظيره في عيسى وأمه ﴿ كانا يأكلان الطعام  ﴾ والمراد به قضاء الحاجة.

قوله ﴿ فخلق فسوى ﴾ أي قدّر فعدّل أركانه.

وقيل: خلق فيه الروح فصير أعضاءه متناسبة ﴿ فجعل منه ﴾ أي من الإنسان ﴿ الزوجين ﴾ الصنفين ﴿ الذكر والأنثى ﴾ عن رسول الله  أنه اكن إذا قرأ خاتمة السورة قال عقيبها: سبحانك بلى.

والله الموفق وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ ﴾ .

فقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع ومنع عما سبق منهم.

وفي قوله: ﴿ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ ﴾ إبانة أن الذي حملهم على ما هم فيه من الحسبان: أن العظام لا تجمع، وأن البعث ليس بشيء - حبهم العاجلة، وذلك أنهم أولعوا بالعاجلة، وأحبوها حبا أنساهم عن الإيمان بالآخرة، أو عن النظر في الحجج والبراهين التي لو أمعنوا النظر فيها أدتهم إلى القول بالبعث، وحتى صاروا إلى ألا يرجوا الآخرة كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا...

﴾ الآية [يونس: 7].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ : ففيه بيان ما ينتهي إليه عواقب من التزم طاعة الله  ، وآمن بالبعث والحساب، وبيان ما ينتهي إليه عواقب من تولى عن طاعته؛ فقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾ جائز أن يكون أريد بها نفس الوجوه.

وجائز أن يكون أريد بها الأنفس، وتكون الوجوه كناية عنها، والذي يدل على أنه أريد بها الأنفس لا أعينها قوله: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ ، والوجوه لا تظن ذلك، ولا تعلم به، فثبت أن ذكر الوجوه على الكناية، لا أن أريد بها أعينها، فهذا التأويل أوفق بما يقتضيه ظاهر اللفظ، وإنما صلح أن تكون الوجوه كناية عن الأنفس؛ وذلك أن النفس إذا تلذذت بأمر، ونالت شهوتها، ظهر سرور ذلك في وجهه، وإذا تألمت بأمر فاعتراها الحزن، ظهر أن الحزن في وجهه؛ فيكون في قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾ وصف لهم بما هم عليه من غاية السرور بالكرامات التي أكرموا بها حتى نضرت وجوههم بذلك.

وإذا ثبت أنهم قد نالوا الكرامات، ووصلوا إلى أنواع اللذات، لم يبقى لقوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ موضع، إلا أن يصرف إلى حقيقة النظر؛ فيكون في هذا إثبات القول بالرؤية.

والثاني: أن الملوك الذين من عادتهم الاحتجاب عن الخلق، إذا قربوا إنسانا لم يحتجبوا عنه، ويكون تركهم الاحتجاب آثر إلى ذلك الذي أكرم بالتقريب من سائر ما يكرمه به؛ فجائز أن يكون الله  يكرم أولياءه بالنظر إليه، ويتفضل عليهم بذلك.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ منصرفا إلى انتظار الثواب؛ كما قاله بعض أهل التأويل، فنتنظر ما يأتيها من التحق والكرامات حتى وصفوا بنضارة الوجوه؛ فجائز أن يكون بعد تلك الكرامات [كرامات] وتحف أخر لم تأتهم بعد؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ والبسور من أدنى أحوال التغير، وغاية التغير أن تسود الوجوه وتكلح؛ فإذا لم يحل بهؤلاء بعد غاية ما أوعدوا من العذاب، فجائز أن يكون الذين وعد لهم الكرامات لم ينتهوا بعدُ إلى أقصاها، ولم ينالوا بعد أرفعها؛ وإنما أكرموا ببعضها، وهم منتظرون لما يأتيهم من بعد.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ، أي: نجعل نظرها فيما أكرمت إلى الله  ، ولا ترى ذلك الفضل مستوجبا من جهتها كما قد يرى المرء في الشاهد بعض ما خول من المال بحيله وسعيه، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ، أن ليس كل الكرامات في نفسه خاصة وإلى ما ينتهي إليه نظره؛ بل يكون وراء ذلك كرامات أخر، فينصرف قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ إلى ذلك.

ويحتمل: أي: إلى أمر ربها ناظرة.

وإذا كان قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ محتملا أن يصرف إلى حقيقة النظر، ويصرف إلى الكرامات من الوجوه التي بيناها - لم يكن لأحد أن يجعل الأمر على الكرامات، فينفي عنه حقيقة الرؤية للأبد؛ لا بل ظاهره يُحِيلُ القول بالرؤية؛ فيدفع هذا التأويل بتلك الدلائل.

فأما إذا لم يمكنه إقامة الدلائل على إحالة الرؤية، فليس له قطع هذا التأويل، وصرف التأويل إلى انتظار الكرامات؛ فيكون الآية حجة في جواز الرؤية، [و] إن لم تكن حجة في الوجوب، والخلاف فيهما واحد.

واحتج من نفى صرف التأويل إلى حقيقة الرؤية بأن قوله: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ﴾ هو مقابل قوه: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ مقابل قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ثم لم يكن قوله: ﴿ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ على فقد الرؤية، ولكن على العقاب نفسه؛ فكذلك قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ليس هو على حقيقة الرؤية ووجودها؛ ولكن واقع على الثواب نفسه.

وجواب هذا الفصل من وجهين: أحدهما: أن أهل العقاب بعد لم ينزل بهم جميع ما أوعدوا في هذه الدنيا من العقاب، لما ذكرنا أن نهاية العذاب في تسود الوجوه وتكلحها، ليس في بسورها؛ فلذلك استقام أن يكون قوله: ﴿ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ على نفس العذاب، وأهل الجنة قد وصلوا إلى رفيع الدرجات وعظيم الكرامات بما وصفوا بنضارة الوجوه؛ فاستقام أن يكون قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ منصرفا إلى حقيقة النظر، لا إلى غيره من الكرامات.

ولأن الرؤية من أعلى الكرامات وأرفعها، وأهل العقاب لم ينالوا أدنى الكرامات، فكيف يتوقعون أرفعها؟!

أما أهل الجنة فهم قد نالوا من النعم والكرامات ما لا يحصى؛ فجائز أن يكرموا بالرؤية أيضا.

والأصل أن القول بالرؤية عندنا واجب، والنظر إليه ثابت؛ كما قال - عز وجل - ولما جاء في غيرِ خبرٍ النظرُ إلى الله  ، وقد قال -  -: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته" وأهل التوحيد لم يختلفوا في صحة الأخبار التي جاءت في إثبات الرؤية، ولكن من نفى الرؤية بالبصر صرف الأخبار إلى العلم، وذلك غير مستقيم لوجهين: أحدهما: أن البشارة بالرؤية خص بها أهل الجنة، ولو كان المراد من الرؤية العلم، لارتفع الاختصاص؛ لأن العلم به مما يقع به الاشتراك بين الفريقين.

ولأن كلا يجمع على العلم بالله  في الآخرة، العلم الذي لا يعتريه الوسواس ولا الريب، والعلم الذي لا يعتريه الوسواس والريب هو علم العيان والمشاهدة، لا علم الاستدلال؛ لأن الآيات لا تضطر أهلها إلى العلم الحقيقي؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ...

 ﴾ ، وقال: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، وقال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ  ﴾ ، فإذا ثبت ما ذكرنا، فقد صاروا مثبتين للرؤية من الوجه الذي أرادوا نفيها؛ فتثبت الرؤية على نفي جميع معاني الشبه عن الله  ، ولا نصب الرؤية بالكيفية؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة؛ وهو يُرى بلا كيف، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ جائز أن يكون الظن في موضع العلم هاهنا.

وجائز أن يكون على حقيقة الظن، وذلك أن الظن يتولد من ظواهر الأشياء فالأسباب إذا كثرت، وازدحمت، وقع بها العلم، إذا قلت وخفيت، لم يقع بها علم؛ فجائز أن تكون أسباب الشر أحاطت به من كل حانب حتى وقع له اليأس من النجاة، وأيقن أنه يفعل به الشر.

وجائز أن يكون الأمر بعد لم يبلغ مبلغ الإياس؛ فيتوقع النجامة، ولا يتيقن أن يفعل به فاقرة، بل يكون منه على ظن، والله أعلم.

والفاقرة: قيل: الشر، والمنكر، والداهية.

وقيل: الفقير: هو كسير الظهر، والفقر: الكسر، والفقار: عظم في الظهر يكسر، فكأن عظم الظهر يكسر في الآخرة ويسحب في النار على وجهه.

قال - رحمه الله -: كأن هذه السورة من أولها إلى أخرها إلا آيات منها؛ وهي قوله: ﴿ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ - نزلت في تبيين معاملة واحد من الكفرة على الإشارة إليه مع رسول الله  ، يشترك في حكم من يشاركه في معاملته، فأمر الله  نبيه -  - أن يعامله ويستقبله بالذي يحق على الحكماء معاملة السفهاء، ولم يأمره أن يعامله معاملة مثله من السفهاء، وبين معاملَته في هذه السورة؛ ليعلم أمته ما لقي رسول الله  من الجهد والبلاء في إظهار دين الله  ، فيعلموه قدره ومنزلته، ويعظموا دين الله  بما نالوه سمحا سهلا، وأمره أن يتعامل معه معاملة من يرجع إلى المنعة والشوكة بقوله: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ  ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وجوه أهل الإيمان والسعادة في ذلك اليوم بَهِيَّة لها نور.

<div class="verse-tafsir" id="91.z3EWL"

مزيد من التفاسير لسورة القيامة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله