الآية ٦ من سورة القيامة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 75 القيامة > الآية ٦ من سورة القيامة

يَسْـَٔلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ ٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦ من سورة القيامة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦ من سورة القيامة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يسأل أيان يوم القيامة ) ؟

أي : يقول متى يكون يوم القيامة ؟

وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه ، وتكذيب لوجوده ، كما قال تعالى : ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون ) [ سبأ : 29 ، 30 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قوله: ( يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ) يقول تعالى ذكره: يسأل ابن آدم السائر دائبا في معصية الله قُدُما: متى يوم القيامة؟

تسويفا منه للتوبة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يسأل أيان يوم القيامة أي متى يوم القيامة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وليس إنكاره لقدرة الله تعالى قصورا بالدليل الدال على ذلك، وإنما وقع ذلك منه أن قصده وإرادته أن يكذب بما أمامه من البعث.

والفجور الكذب مع التعمد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"يسأل أيان يوم القيامة"، أي متى يكون ذلك، تكذيباً به.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يَسأَل أَيان» متى «يوم القيامة» سؤال استهزاء وتكذيب.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

بل ينكر الإنسان البعث، يريد أن يبقى على الفجور فيما يستقبل من أيام عمره، يسأل هذا الكافر مستبعدًا قيام الساعة: متى يكون يوم القيامة؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة )أى : أن هذا الإِنسان المنكر للبعث والحساب لا يريد أن يكف عن إنكاره وكفره ، بل يريد أن يستمر على فجوره وتكذيبه لهذا اليوم بكل إصرار وجحود ، فهو يسأل عنه سؤال استهزاء وتهكم فيقول : ( أَيَّانَ يَوْمُ القيامة ) أى : متى يجئ يوم القيامة هذا الذى تتحدثون عنه - أيها المؤمنون - وتخشون ما فيه من حساب وجزاء؟قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ) قال ابن عباس : يعنى الكافر .

يكذب بما أمامه من البعث والحساب .

.

ودليله ( يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة ) .

أى : يسأل متى يكون؟

على وجه التكذيب والإِنكار ، فهو لا يقنع بما هو فيه من التكذيب .

ولكن يأثم لما بين يديه .

ومما يدل أن الفجور : التكذيب ، ما ذكره القتبى وغيره ، من أن أعرابيا قصد عمر بن الخطاب ، وشكى إليه نَقْبَ إبله ودَبَرها - أى : مرضها وجربها - وسأله أن يحمله على غيرها فلم يحمله .

فقال الأعرابى :أقسم بالله أبو حفص عمر ...

ما مسها من نقب ولا دبرفاغفر له اللهم إن كان فجر ...

يعنى : إن كان كذبنى فيما ذكرت .

.وأعيد لفظ الإِنسان فى هذه الآيات أكثر من مرة ، لأن المقام يقتضى توبيخه وتقريعه ، وتسجيل الظلم والجحود عليه .والضمير فى " أمامه " يجوز أن يعود إلى يوم القيامة .

أى : بل يريد الإِنسان ليكذب بيوم القيامة ، الثابت الوقوع فى الوقت الذى يشاؤه الله - عز وجل - .ويجوز أن يعود على الإِنسان ، فيكون المعنى : بل يريد الإِنسان أن يستمر فى فجوره وتكذيبه بيوم القيامة فى الحال وفى المال .

أى : أن المراد بأمامه : مستقبل أيامه .وجئ بلفظ " أيان " الدال على الاستفهام للزمان البعيد ، للإِشعار بشدة تكذيبهم ، وإصرارهم على عدم وقوعه فى أى وقت من الأوقات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي يسأل سؤال مستنعت مستبعد لقيام الساعة، في قوله: أيان يوم القيامة، ونظيره ﴿ يقولون متى هذا الوعد  ﴾ واعلم أن إنكار البعث تارة يتولد من الشبهة وأخرى من الشهوة، أما من الشبهة فهو الذي حكاه الله تعالى بقوله: ﴿ أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ  ﴾ وتقريره أن الإنسان هو هذا البدن فإذا مات تفرقت أجزاء البدن واختلطت تلك الأجزاء بسائر أجزاء التراب وتفرقت في مشارق الأرض ومغاربها فكان تمييزها بعد ذلك عن غيرها محالاً فكان البعث محالاً، واعلم أن هذه الشبهة ساقطة من وجهين: الأول: لا نسلم أن الإنسان هو هذا البدن فلم لا يجوز أن يقال: إنه شيء مدبر لهذا البدن فإذا فسد هذا البدن بقي هو حياً كما كان.

وحينئذ يكون الله تعالى قادراً على أن يرده إلى أي بدن شاء وأراد، وعلى هذا القول يسقط السؤال، وفي الآية إشارة إلى هذا لأنه أقسم بالنفس اللوامة، ثم قال: ﴿ أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ وهو تصريح بالفرق بين النفس والبدن الثاني: إن سلمنا أن الإنسان هو هذا البدن فلم قلتم: إنه بعد تفريق أجزائه لا يمكن جمعه مرة أخرى وذلك لأنه تعالى عالم بجميع الجزئيات فيكون عالماً بالجزء الذي هو بدن عمرو، وهو تعالى قادر على كل الممكنات وذلك التركيب من الممكنات وإلا لما وجد أولاً، فيلزم أن يكون قادراً على تركيبها.

ومتى ثبت كونه تعالى عالماً بجميع الجزئيات قادراً على جميع الممكنات لا يبقى في المسألة إشكال.

وأما القسم الثاني: وهو إنكار من أنكر المعاد بناء على الشهوة فهو الذي حكاه الله تعالى بقوله: ﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ  ﴾ ومعناه أن الإنسان الذي يميل طبعه إلى الاسترسال في الشهوات والاستكثار من اللذات لا يكاد يقر بالحشر والنشر وبعث الأموات لئلا تتنغص عليه اللذات الجسمانية فيكون أبداً منكراً لذلك قائلاً على سبيل الهزؤ والسخرية أيان يوم القيامة.

ثم إنه تعالى ذكر علامات القيامة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

إدخال (لا) النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم قال امرؤ القيس: لاَ وَأَبِيك ابْنَةَ الْعَامِرِيّ ** لاَ يَدَّعِى الْقَوْمُ أَنِّي أفِرّ وقال غوثة بن سلمى: أَلاَ نَادَتْ أُمَامَةُ بِاحْتِمالِ ** لِتَخْزُنَني فَلاَ بِكِ ما أُبَالِي وفائدتها توكيد القسم، وقالوا إنها صلة مثلها في ﴿ لئلا يعلم أهل الكتاب ﴾ [الحديد: 29] وفي قوله: في بئْرِ لاحورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ اعترضوا عليه بأنها إنما تزاد في وسط الكلام لا في أوّله، وأجابوا بأنّ القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض، والاعتراض صحيح؛ لأنها لم تقع مزيدة إلا في وسط الكلام، ولكن الجواب غير سديد.

ألا ترى إلى امرئ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته.

والوجه أن يقال: هي للنفي.

والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له يدلك عليه قوله تعالى: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾ [الواقعة: 75- 76]، فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إنّ إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام؛ يعني أنه يستأهل فوق ذلك.

وقيل إن (لا) نفي لكلام وردّ له قبل القسم، كأنهم أنكروا البعث فقيل: لا، أي ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل: أقسم بيوم القيامة.

فإن قلت: قوله تعالى: ﴿ فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ [النساء: 65] والأبيات التي أنشدتها: المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أنّ (لا) التي قبل القسم زيدت موطئة للنفي بعده ومؤكدة له، وقدّرت المقسم عليه المحذوف هاهنا منفياً، كقوله: ﴿ لآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة (1) ﴾ ، لا تتركون سدى؟

قلت: لو قصر الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقصر.

ألا ترى كيف لقي ﴿ لا أُقْسِمُ بهذا البلد ﴾ [البلد: 1] ، بقوله: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان ﴾ [التين: 4] ، وكذلك ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم ﴾ [الواقعة: 75] ، بقوله: (إنه لقرآن كريم) وقرئ: ﴿ لأقسم ﴾ على أنّ اللام للابتداء.

وأقسم خبر مبتدأ محذوف، معناه: لأنا أقسم.

قالوا: ويعضده أنه في الإمام بغير ألف ﴿ بالنفس اللوامة ﴾ بالنفس المتقية التي تلوم النفوس فيه أي في يوم القيامة على تقصيرهن في التقوى أو بالتي لا تزال تلوم نفسها وإن اجتهدت في الإحسان.

وعن الحسن: إن المؤمن لا تراه إلا لائماً نفسه، وإنّ الكافر يمضي قدما لا يعاتب نفسه.

وقيل: هي التي تتلوّم يومئذ على ترك الازدياد إن كانت محسنة.

وعلى التفريط إن كانت مسيئة.

وقيل: هي نفس آدم، لم تزل تتلوّم على فعلها الذي خرجت به من الجنة.

وجواب القسم ما دل عليه قوله ﴿ أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ وهو لتبعثن.

وقرأ قتادة: ﴿ أن لن تُجمِع عظامه ﴾ ، على البناء للمفعول.

والمعنى: نجمعها بعد تفرّقها ورجوعها رميماً ورفاتا مختلطاً بالتراب، وبعدما سفتها الرياح وطيرتها في أباعد الأرض.

وقيل إن عدّي ابن أبي ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيهما: «اللهم اكفني جاري السوء» قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يا محمد حدثني عن يوم القيامة متى يكون وكيف أمره؟

فأخبره رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أومن به أو يجمع الله العظام، فنزلت ﴿ بلى ﴾ أوجبت ما بعد النفي وهو الجمع، فكأنه قيل ﴿ بلى ﴾ نجمعها و ﴿ قادرين ﴾ حال من الضمير في نجمع، أي: نجمع العظام قادرين على تأليف جميعها وإعادتها إلى التركيب الأوّل إلى أن نسوّي بنانه أي: أصابعه التي هي أطرافه، وآخر ما يتم به خلقه.

أو على أن نسوي بنانه ونضم سلامياته على صغرها ولطافتها بعضها إلى بعض كما كانت أولاً من غير نقصان ولا تفاوت، فكيف بكبار العظام.

وقيل: معناه بلى نجمعها ونحن قادرون على أن نسوي أصابع يديه ورجليه، أي نجعلها مستوية شيئاً واحداً كخف البعير وحافر الحمار لا نفرق بينها، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئاً مما يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من فنون الأعمال، والبسط والقبض، والتأتي لما يريد من الحوائج.

وقرئ ﴿ قادرون ﴾ أي: نحن قادرون، ﴿ بَلْ يُرِيدُ ﴾ عطف على ﴿ أَيَحْسَبُ ﴾ فيجوز أن يكون مثله استفهاماً، وأن يكون إيجاباً على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر.

أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب ﴿ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات وفيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه.

وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: يقدم الذنب ويؤخر التوبة.

يقول: سوف أتوب، سوف أتوب: حتى يأتيه الموت على شرّ أحواله وأسوأ أعماله ﴿ يَسْئَلُ ﴾ سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة في قوله ﴿ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة ﴾ ونحوه: ويقولون متى هذا الوعد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَلى ﴾ نَجْمَعُها.

﴿ قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ﴾ بِجَمْعِ سُلامَياتِهِ وضَمِّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ كَما كانَتْ مَعَ صِغَرِها ولَطافَتِها فَكَيْفَ بِكِبارِ العِظامِ، أوْ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ الَّذِي هو أطْرافُهُ فَكَيْفَ بِغَيْرِها، وهو حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ بَلى، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ أيْ نَحْنُ قادِرُونَ.

﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ ﴾ عَطْفٌ عَلى أيَحْسَبُ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا وأنْ يَكُونَ إيجابًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ الإضْرابُ عَنِ المُسْتَفْهَمِ وعَنِ الِاسْتِفْهامِ.

﴿ لِيَفْجُرَ أمامَهُ ﴾ لِيَدُومَ عَلى فُجُورِهِ فِيما يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الزَّمانِ.

﴿ يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ ﴾ مَتى يَكُونُ يَوْمُ القِيامَةِ اسْتِبْعادًا لَهُ أوِ اسْتِهْزاءً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يسأل أَيَّانَ} متى {يَوْمُ القيامة} سؤال متعنت مستبعد لقيام الساعة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَسْألُ ﴾ سُؤالَ اسْتِهْزاءٍ ﴿ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ ﴾ أيْ مَتى يَكُونُ، والجُمْلَةُ قِيلَ حالٌ وقِيلَ تَفْسِيرٌ ﴿ لِيَفْجُرَ ﴾ وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ.

واخْتارَ المُحَقِّقُونَ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جِيءَ بِهِ تَعْلِيلًا لِإرادَةِ الدَّوامِ عَلى الفُجُورِ إذْ هو في مَعْنى لِأنَّهُ أنْكَرَ البَعْثَ واسْتَهْزَأ بِهِ، وفِيهِ أنَّ مَن أنْكَرَ البَعْثَ لا مَحالَةَ يَرْتَكِبُ أشَدَّ الفُجُورِ وطَرَفٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ﴾ ﴿ إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ يعني: يسأل متى يوم القيامة، تكذيباً بالبعث.

فكأنه قال: بل يريد الإنسان أن يكذب بيوم القيامة، وهو أمامه، وهو يسأل متى يكون.

فبين الله تعالى في أي يوم يكون فقال: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ يعني: شخص البصر، وتحير.

قرأ نافع فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ بنصب الراء، والباقون بالكسر.

فمن قرأ بالنصب، فهو من برق يبرق بريقاً، ومعناه: شخص فلا يطرق من شدة الفزع.

ومن قرأ بالكسر، يعني: فزع وتحير.

وأصله: أن الرجل إذا رأى البرق تحير، وإذا رأى من أعاجيب يوم القيامة، تحير ودهش.

وَخَسَفَ الْقَمَرُ يعني: ذهب ضوؤه وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يعني: كالثورين المقرنين.

ويقال: برق البصر، وخسف القمر.

قال كوكب العين ذهب ضوؤه.

وروى علي بن أبي طالب، -  - أنه قال: يجعلان في نور الحجاب.

ويقال: جمع الشمس والقمر، يعني: سوى بينهما في ذهاب نورهما، وإنما قال: وجمع الشمس والقمر، ولم يقل وجمعت، لأن المؤنث والمذكر إذا اجتمعا، فالغلبة للمذكر.

يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ يقول: أين الملجأ من النار؟

قرئ في الشاذ، أين المفر بالكسر للفاء، على معنى: أين مكان الفرار.

وقراءة العامة بالنصب، يعني: أين الفرار.

ثم قال: كَلَّا لاَ وَزَرَ يعني: حقاً لا جبل يلجئون إليه، فيمنعهم من النار، ولا شجر يواريهم.

والوزر في كلام العرب، الجبل الذي يلتجئ إليه، والوزر والستر هنا، الشيء الذي يستترون به.

وقال عكرمة: ولا وزر.

يعني: منعه.

وقال الضحاك: يعني: لا حصن لهم يوم القيامة.

ثم قال عز وجل: إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يعني: المرجع يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ يعني: يسأل ويبين له، ويجازى بما قدم من الأعمال وأخر، من سنة صالحة أو سيئة.

قوله عز وجل: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ يعني: جوارح العبد شاهدة عليه.

ومعناه على الإنسان من نفسه شاهد، يشهد عليه كل عضو بما فعل.

ويقال يعني: جوارح، العبد شاهدة عليه، ومعناه رقيب بعضها على بعض.

والبصيرة أدخلت فيها الهاء للمبالغة، كما يقال: رجل علامة.

وقال الحسن: على نفسه بصيرة، يعني: بعيوب غيره، الجاهل بعيوب نفسه وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ يعني: ولو تكلم بعذر لم يقبل منه.

ويقال: ولو أرخى ستوره، يعني: أنه شاهد على نفسه، وإن أذنب في الستور.

قوله تعالى: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ يعني: لا تعجل بقراءة القرآن، من قبل أن يفرغ جبريل-  - من قراءته وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، -  ما- قال: كان رسول الله  ، إذا نزل عليه القرآن، تعجل به للحفظ فنزل: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ يعني: حفظه في قلبك وَقُرْآنَهُ يعني: يقرأ عليك جبريل، حتى تحفظه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يعني: إذا قرأ عليك جبريل فاقرأ أنت بعد قراءته وفراغه وقال محمد بن كعب: فاتبع قراءته، يعني: فاتبع حلاله وحرامه.

وقال الأخفش: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ يعني: تأليفه فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يعني: تأليفه ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ يعني: بيان أحكامه وحدوده.

ويقال: علينا بيانه، يعني: شرحه.

ويقال: بيان فرائضه، كما بين على لسان النبيّ  .

ثم نزل بعد هذه الأحكام، قوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني: تحبون العمل للدنيا وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ يعني: تتركون العمل للآخرة.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو بل يحبون بالياء، على معنى الخبر عنهم.

والباقون بالتاء، على معنى المخاطبة.

ثم بين حال ذلك اليوم فقال: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ أي: حسنة مشرقة مضيئة، كما قال في آية أخرى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) [المطففين: 24] إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يعني: ناظرين يومئذ إلى الله تبارك وتعالى.

وقال مجاهد: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يعني: تنتظر الثواب من ربها.

وهذا القول لا يصح، لأنه مقيد بالوجوه، موصول بإلى، ومثل هذا، لا يستعمل في الانتظار.

ثم قال عز وجل: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ يعني: عابسة.

ويقال: كريهة.

ويقال: كاسفة ومسودة تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ يعني: تعلم أنه قد نزل بها العذاب والشدة.

يعني: تعلم هذه الأنفس.

ويقال: الفاقرة الداهية، ويقال: قد أيقنت أن العذاب نازل بها.

ثم قال عز وجل: كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ يعني: حقاً إذا بلغت النفس إلى الحلقوم.

يعني: خروج الروح وَقِيلَ مَنْ راقٍ يعني: يقول من حضر عند الموت، هل من طبيب حاذق يداويه؟

ويقال: من راق، يعني: من يشفي من هذا الحال.

ويقال: من راق، يعني: من يقدر أن يرقي من الموت.

يعني: لا يقدر أحد أن يرقي من الموت.

والعرب تقول: من الرقية، رقى يرقي رقيةً، ومن الرقيّ وهو الصعود، رقي يرقى رقياً، فهو راق منهما.

وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ يعني: استيقن أنه ميت، وأنه يفارق الروح من الجسد.

ويقال: وقيل من راق، أن الملائكة الذين حضروا لقبض روحه يقول: بعضهم لبعض، من راق يعني من يصعد منا بروحه إلى السماء، فأيقن عند ذلك أنه الفراق وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ قال ابن عباس: يعني: التفت شدتان أخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من الآخرة.

وروى وكيع، عن بشير بن المهاجر قال: سمعت الحسن يقول: والتفت الساق بالساق، قال: هما ساقان إذا التفتا في الكفن، إلى ربك يومئذٍ المساق يعني: يساق العبد إلى ربه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة القيامة]

وهي مكّيّة بإجماع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله عز وجل: لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ/ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ هذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير «١» : «لأُقْسِمُ بِيَومِ الْقِيَامَةِ وَلأُقْسِمُ» فقيل: على قراءة الجمهور «لا» زائدة، وقال الفَرَّاءُ: «لا» نفيٌ لكلام الكفار، وزجر لهم، ورَدٌّ عليهم، وجمهور المتأوِّلين على أَنَّ اللَّه تعالى أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة، أقسم سبحانه بيوم القيامة تنبيهاً منه على عِظَمِهِ وهوله قال الحسن: النفس اللَّوَّامَةُ: هي اللوامة لصاحبها في ترك الطاعة ونحو ذلك «٢» ، فهي على هذا ممدوحة ولذلك أقسم اللَّه بها، وقال ابن عباس وقتادة: اللوامة:

هي الفاجرة، اللوامة لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا «٣» وأعراضها، وعلى هذا التأويل يحسن نفي القسم بها، والنفس في الآية اسم جنس.

قال ع «٤» : وكل نفس متوسطة ليست بالمُطْمَئِنَّةِ ولا بالأَمَّارَةِ بالسوء فإنَّها لوَّامة في الطرفين، مرةً تلوم على ترك الطاعة، ومرةً تلوم على فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنَّتْ خلصت وصفت، قال الثعلبيُّ: وجواب القسم محذوف تقديره: لَتُبْعَثُنَّ، دَلَّ عليه قوله:

أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ أي: للإحياء والبعث، والإنسان هنا الكافر المكذّب

بالبعث، انتهى، والبنان: الأصابع، ونُسَوِّيَ بَنانَهُ معناه: نتقنها سَوِيَّةً قاله القتبي، وهذا كله عند البعث، وقال ابن عباس وجمهور المفسرين: المعنى: بل نحن قادرون أنْ نسوي بنانه، أي: نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كَخُفِّ البعير أو كحافر الحمار، لا يمكنه أنْ يعمل بها شيئاً، ففي هذا تَوَعُّدٌ ما، والقول الأول أجرى مع رصف الكلام «١» .

بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ معناه: أنَّ الإنسان إنَّما يريد شهواتِهِ ومعاصِيَه ليمضيَ فيها أبداً راكباً رأسه، ومطيعاً أمله، ومُسَوِّفاً توبته قال البخاريُّ: لِيَفْجُرَ أَمامَهُ يقول: سوف أتوب، سوف أعمل «٢» ، انتهى.

/ قال الفخر «٣» : قوله: لِيَفْجُرَ أَمامَهُ فيه قولان:

الأَوَّل: ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان، لا ينزع عنه فَعَنِ ابن جُبَيْرٍ:

يقدم الذنب، ويُؤَخِّرُ التوبة «٤» ، يقول: سوف أتوب، سوف أتوب حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوإ أعماله.

القول الثاني: لِيَفْجُرَ أَمامَهُ أي: يُكَذِّبُ بما أمامه من البعث والحساب لأَنَّ من كذب حَقًّا كان مفاجراً، والدليل على هذا القول قوله تعالى: يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ أي:

متى يكون ذلك تكذيباً له، انتهى.

وسؤال الكفار أَيَّانَ هو على معنى التكذيب والهزء، وأَيَّانَ بمعنى: متى، وقرأ نافع وعاصم بخلافٍ: «بَرَقَ الْبَصَرُ» - بفتح الراء «٥» - بمعنى: لَمَعَ وصار له بريق، وحار عند الموت، وقرأ أبو عمرو وغيره بكسرها بمعنى: شَخَصَ، والمعنى متقارب، قال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ القِيامَةِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أُقْسِمُ ﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَعْنى "أُقْسِمُ" واخْتَلَفُوا في "لا" فَجَعَلَها بَعْضُهم زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ  ﴾ وجَعَلَها بَعْضُهم رَدًّا عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ.

ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ "أقْسَمَ" عَلى كَوْنِ البَعْثِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زِيدَتْ "لا" عَلى نِيَّةِ الرَّدِّ عَلى المُكَذِّبِينَ، كَما تَقُولُ: لا واللَّهِ ما ذاكَ، ولَوْ حَذَفْتَ جازَ، ولَكِنَّهُ أبْلَغُ في الرَّدِّ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ إلّا ابْنَ فُلَيْحٍ "لَأُقْسِمُ" بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدِ اللّامِ، فَجُعِلَتْ لامًا دَخَلَتْ عَلى "أُقْسِمُ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ "لَأُقْسِمُ" فاللّامُ لامُ القَسَمِ والتَّوْكِيدِ.

وهَذِهِ القِراءَةُ بَعِيدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّ لامَ القَسَمِ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ إلّا مَعَ النُّونِ، تَقُولُ: لَأضْرِبَنَّ زَيْدًا.

ولا يَجُوزُ: لَأضْرِبُ زَيْدًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: أقْسَمَ بِالأوْلى ولَمْ يُقْسِمْ بِالثّانِيَةِ.

وقالَ قَتادَةُ: حُكْمُها حُكْمُ الأُولى.

وَفِي "النَّفْسِ اللَّوّامَةِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها المَذْمُومَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَعَلى هَذا: هي الَّتِي تَلُومُ نَفْسَها حِينَ لا يَنْفَعُها اللَّوْمُ.

والثّانِي: أنَّها النَّفْسُ المُؤْمِنَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ: لا يُرى المُؤْمِنُ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ عَلى كُلِّ حالٍ.

والثّالِثُ: أنَّها جَمِيعُ النُّفُوسِ.

قالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها، إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَ: هَلّا زِدْتِ.

وإنْ كانَتْ عَمِلَتْ سُوءًا، قالَ لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ﴾ المُرادُ بِالإنْسانِ ها هُنا: الكافِرُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ.

وقالَ مُقاتِلٌ: عُدَيُّ بْنُ رَبِيعَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: أيَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ العِظامَ؟

فَقالَ النَّبِيُّ  لَهُ: "نَعَمْ" فاسْتَهْزَأ مِنهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيُّ: وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ: لَتُبْعَثُنَّ، لَتُحاسَبُنَّ، فَدَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ﴾ عَلى الجَوابِ، فَحُذِفَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى ﴾ وقْفٌ حَسَنٌ.

ثُمَّ يُبْتَدَأُ "قادِرِينَ" عَلى مَعْنى: بَلى نَجْمَعُها قادِرِينَ.

ويَصْلُحُ نَصْبُ "قادِرِينَ" عَلى التَّكْرِيرِ: بَلى فَلْيَحْسَبْنا قادِرِينَ ﴿ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنْ نَجْعَلَ أصابِعَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ شَيْئًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ، وحافِرِ الحِمارِ، فَيَعْدَمَ الِارْتِفاقَ بِالأعْمالِ اللَّطِيفَةِ، كالكِتابَةِ والخِياطَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: نَقْدِرُ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ كَما كانَتْ، وإنْ صَغُرَتْ عِظامُها، ومَن قَدَرَ عَلى جَمْعِ صِغارِ العِظامِ، كانَ عَلى جَمْعِ كِبارِها أقْدَرَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.

وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى البَنانِ في [الأنْفالِ: ١٢] قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يُكَذِّبُ بِما أمامَهُ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُقَدِّمُ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرُ التَّوْبَةَ، ويَقُولُ: سَوْفَ أتُوبُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

فَعَلى هَذا: يَكُونُ المُرادُ بِالإنْسانِ: المُسْلِمُ.

وعَلى الأوَّلِ: الكافِرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ ﴾ أيْ: مَتى هُوَ؟

تَكْذِيبًا بِهِ، وهَذا هو الكافِرُ ﴿ فَإذا بَرِقَ البَصَرُ ﴾ قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ "بَرَقَ" بِفَتْحِ الرّاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِها.

قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: بَرِقَ البَصَرُ يَبْرَقُ، وبَرَقَ يَبْرُقُ: إذا رَأى هَوْلًا يَفْزَعُ مِنهُ.

و"بَرِقَ" أكْثَرُ وأجْوَدُ.

قالَ الشّاعِرُ: فَنَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ بِالفَتْحِ.

يَقُولُ: لا تَفْزَعْ مِن هَوْلِ الجِراحِ الَّتِي بِكَ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يَشْخَصُ بَصَرُ الكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَطْرِفُ لِما يَرى مِنَ العَجائِبِ الَّتِي كانَ يُكَذِّبُ بِها في الدُّنْيا.

وقالَ مُجاهِدٌ: بَرِقَ البَصَرُ عِنْدَ المَوْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَسَفَ القَمَرُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كَسَفَ وخَسَفَ بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: ذَهَبَ ضَوْؤُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ ﴾ إنَّما قالَ "جُمِعَ" لِتَذْكِيرِ القَمَرِ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما لَمْ يَقُلْ: جُمِعَتْ، لِأنَّ المَعْنى: جُمِعَ بَيْنَهُما.

وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: جُمِعَ بَيْنَ ذاتَيْهِما.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: جُمِعا كالبَعِيرَيْنِ القَرِينَيْنِ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ ثُمَّ يُقْذَفانِ في البَحْرِ.

وقِيلَ: يُقْذَفانِ في النّارِ.

وقِيلَ يُجْمَعانِ، فَيَطْلُعانِ مِنَ المَغْرِبِ.

والثّانِي: جُمِعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ نُورِهِما، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُ الإنْسانُ ﴾ يَعْنِي: المُكَذِّبَ بِيَوْمِ القِيامَةِ "أيْنَ المَفَرُّ" قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ المِيمِ، والفاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُعاوِيَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِكَسْرِ الفاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن فَتَحَ، فالمَعْنى: أيْنَ الفِرارُ؟

ومَن كَسَرَ، فالمَعْنى: أيْنَ مَكانُ الفِرارِ؟

تَقُولُ: جَلَسْتُ مَجْلَسًا بِالفَتْحِ، يَعْنِي: جُلُوسًا.

فَإذا قُلْتَ: مَجْلِسًا بِالكَسْرِ، فَأنْتَ تُرِيدُ المَكانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا لا وزَرَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا مَلْجَأ.

وأصْلُ الوَزَرِ: الجَبَلُ الَّذِي يُمْتَنَعُ فِيهِ "إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ" أيِ: المُنْتَهى والمَرْجِعُ.

﴿ يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِما قَدَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ، وما سَنَّ مِن شَيْءٍ فَعُمِلَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُنَبَّأُ بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: بِما قَدَّمَ مِنَ الشَّرِّ، وأخَّرَ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ، وأخَّرَ مِن فَرْضٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: بِما قَدَّمَ مِن مَعْصِيَةٍ، وأخَّرَ مِن طاعَةٍ.

والسّادِسُ: بِما قَدَّمَ مِن أمْوالِهِ، وما خَلَّفَ لِلْوَرَثَةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: بَلْ عَلى الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، أيْ: رُقَباءُ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، وهِيَ: الجَوارِحُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَلَمّا كانَتْ جَوارِحُهُ مِنهُ، أقامَها مَقامَهُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جاءَتِ الهاءُ في "بَصِيرَةٍ" في صِفَةِ الذَّكَرِ، كَما جاءَتْ في رَجُلٍ "راوِيَةٍ"، و"طاغِيَةٍ"، وعَلّامَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ ﴾ في المَعاذِيرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ عُذْرٍ، فالمَعْنى: لَوِ اعْتَذَرَ، وجادَلَ عَنْ نَفْسِهِ، فَعَلَيْهِ مَن يُكَذِّبُ عُذْرَهُ، وهِيَ: الجَوارِحُ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ المَعاذِيرَ جَمْعُ مِعْذارٍ، وهُوَ: السِّتْرُ.

والمَعاذِيرُ: السُّتُورُ.

فالمَعْنى: ولَوْ أرْخى سُتُورَهُ، هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، والزَّجّاجِ.

فَيَخْرُجُ في مَعْنى "ألْقى" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قالَ، ومِنهُ "فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ" [النَّحْلِ: ٣٦]، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: أرْخى، وهَذا عَلى القَوْلِ الثّانِي.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ القِيامَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: مَن سَألَ عَنِ القِيامَةِ أو أرادَ أنْ يَعْرِفَ حَقِيقَةَ وُقُوعِها فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ السُورَةَ، وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: يَقُولُ الناسُ: القِيامَةُ القِيامَةُ، وإنَّما قِيامَةُ المَرْءِ مَوْتُهُ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ حَضَرَ جِنازَةَ رَجُلٍ فَقالَ: أمّا هَذا فَقَدَ قامَتْ قِيامَتُهُ، ورُوِي مِثْلُهُ عن عَلْقَمَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِيامَةُ الرَجُلِ في خاصَّتِهِ لَيْسَتْ بِالقِيامَةِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ بَعْدَ البَعْثِ، لَكِنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ كَأنَّهُ قالَ هَذا لِمَن يَسْتَبْعِدُ قِيامَ الآخِرَةِ، ويَظُنُّ طُولَ الأمَدِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، فَتَوَعَّدَهُ بِقِيامِ نَفْسِهِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ ﴿ وَلا أُقْسِمُ بِالنَفْسِ اللَوّامَةِ ﴾ ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ﴾ ﴿ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ﴾ ﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ ﴾ ﴿ يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ ﴾ ﴿ فَإذا بَرِقَ البَصَرُ ﴾ ﴿ وَخَسَفَ القَمَرُ ﴾ ﴿ وَجُمِعَ الشَمْسُ والقَمَرُ ﴾ ﴿ يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ ﴾ ﴿ كَلا لا وزَرَ ﴾ ﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ ﴾ ﴿ يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ ﴿ بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ﴿ وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- والأعْرَجُ: "لِأُقْسِمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولِأُقْسِمَ" فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فاخْتُلِفَ في تَأْوِيلِها، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: "لا" اسْتِفْتاحَ كَلامٍ بِمَنزِلَةِ "ألا"، وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ فَلا وأبِيكَ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يُدْعى القَوْمُ أنِّي أفِرُّ وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ  ﴾ ويُعْتَرَضَ هَذا بِأنَّ هَذِهِ في ابْتِداءِ كَلامٍ، ولا تُزادُ "لا" و"ما" ونَحْوَهُما مِنَ الحُرُوفِ إلّا في تَضاعِيفِ كَلامٍ، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا بِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كالسُورَةِ الواحِدَةِ وهو في مَعْنى الِاتِّصالِ فَجازَ فِيهِ هَذا.

وقالَ الفَرّاءُ: "لا" نَفْيَ لِكَلامِ الكُفّارِ وزَجْرَ لَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَعالى -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَلاثَةِ- قَوْلُهُ تَعالى: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ تَنْبِيهًا مِنهُ لِعَظَمَتِهِ وهَوْلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أُقْسِمُ ﴾ القَوْلُ في "لا" عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.

وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَتَحْتَمِلُ أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ تَكُونَ اللامُ دَخَلَتْ عَلى فِعْلِ الحالِ، والتَقْدِيرُ: لَأنا أُقْسِمُ، فَلا تَلْحَقُ النُونَ إنَّما تَدْخُلُ في الأكْثَرِ لِتُفَرِّقَ بَيْنَ فِعْلِ الحالِ والفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، فَهي تَلْزَمُ المُسْتَقْبَلَ في الأكْثَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفِعْلُ خالِصًا لِلِاسْتِقْبالِ، فَكَأنَّ الوَجْهُ والأكْثَرُ أنْ تَلْحَقَ النُونَ، إمّا الخَفِيفَةَ وإمّا الثَقِيلَةَ، لَكِنْ قَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ النُونَ قَدْ تَسْقُطُ مَعَ إرادَةِ الِاسْتِقْبالِ وتُغْنِي اللامُ عنها، كَما تَسْقُطُ اللامُ وتُغْنِي النُونُ عنها، وذَلِكَ في قَوْلِ الشاعِرِ: وقَتِيلُ مُرَّةَ أثْأرُنَّ فَإنَّهُ ∗∗∗ فَرَغَ، وإنَّ قَتِيلَهم لَمْ يَثْأرِ المُرادُ: لَأثارَنِ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا أُقْسِمُ بِالنَفْسِ اللَوّامَةِ" فَقِيلَ: "لا" نافِيَةٌ، وإنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ونَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَفْسِ اللَوّامَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الحَسَنُ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ قَوْمٌ مِمَّنْ قَرَأ: "لا أُقْسِمُ" وذَلِكَ قَلَقٌ، وهو في القِراءَةِ الثانِيَةِ أمْكَنُ، وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ.

واخْتَلَفَ في "النَفْسِ اللَوّامَةِ"، ما مَعْناهُ؟

فَقالَ الحَسَنُ: هي اللَوّامَةُ لِصاحِبِها في تَرْكِ الطاعَةِ ونَحْوِهِ، فَهي -عَلى هَذا- مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هى الفاجِرَةُ الجَشِعَةُ اللَوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُنْيا وأعْراضِها فَهي -عَلى هَذا- ذَمِيمَةٌ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها، والنَفْسُ في الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ لِنُفُوسِ البَشَرِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ما مَعْناهُ: إنَّ القَسَمَ بِها مِنَ اسْمِ الجِنْسِ لِأنَّها تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَرِّ، وقِيلَ: المُرادُ نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِأنَّها لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِالمُطَمْئِنَةِ ولا بِالأمّارَةِ بِالسُوءِ فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتٍ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلُصَتْ وصَفَتْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ﴾ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، و"الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ، وهَذِهِ أقْوالٌ كانَتْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، فَعَلَيْها الرَدُّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَجْمَعَ عِظامَهُ" بِالنُونِ ونَصْبِ المِيمِ مِنَ العِظامِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتاءِ ورَفَعَ المِيمَ مِنَ العِظامِ، ومَعْنى ذَلِكَ: في القِيامَةِ وبَعْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ العَيْنِ في العَيْنِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: "بَلى"، وهي إيجابُ ما نُفِي، وبابُها أنْ تَأْتِيَ بَعْدَ النَفْيِ، والمَعْنى: بَلْ نَجْمَعُها قادِرِينَ فَنَصَبَ "قادِرِينَ" عَلى الحالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "قادِرُونَ" بِالرَفْعِ.

وقالَ القَتَبِيُّ: "نُسَوِّيَ بَنانَهُ" مَعْناهُ: نُتْقِنُها سَوِيَّةً، والبَنانُ: الأصابِعُ، وكَأنَّ الكُفّارَ لَمّا اسْتَبْعَدُوا جَمْعَ العِظامِ بَعْدَ الفَناءِ، والإرْمامَ قِيلَ لَهُمْ: إنَّها تُجْمَعُ ويُسَوّى أكْثَرُها تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً وهي عِظامُ الأنامِلِ ومَفاصِلُها، وهَذا كُلُّهُ عِنْدَ البَعْثِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ "نُسَوِّيَ بَنانَهُ: نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بِضْعَةً أو عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، فَكَأنَّ المَعْنى: قادِرِينَ الآنَ في الدُنْيا عَلى أنْ نَجْعَلَها دُونَ تَفَرُّقٍ فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِيَدِهِ، فَكَأنَّ التَقْدِيرُ: بَلى نَحْنُ أهْلٌ أنْ نَجْمَعَها، قادِرِينَ عَلى إزالَةِ مَنفَعَتِهِ بِيَدِهِ، فَفي هَذا تَوَعَّدُ ما.

والقَوْلُ الأوَّلُ أجْرى مَعَ رَصْفِ الكَلامِ، ولَكِنْ عَلى هَذا القَوْلِ الآخَرِ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ ﴾ .

قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الضَمِيرُ في "أمامَهُ" عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيَهُ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ ومُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ والسُدِّيُّ، وقالَ السُدِّيُّ: المَعْنى لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: يَرْكَبُ رَأْسَهُ في طَلَبِ الدُنْيا دائِمًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَفْجُرَ" تَقْدِيرُهُ: لَكى يَفْجُرَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ما يَقْتَضِي أنَّ الضَمِيرَ في "أمامَهُ" عائِدٌ عَلى "يَوْمِ القِيامَةِ"، والمَعْنى أنَّ الإنْسانَ هو في زَمَنِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ وبَيْنَ يَدَيْهِ، ويَوْمُ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ قَدْرَ الضَرَرِ الَّذِي هو فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ ﴾ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ: أرَدْتُ لِكَيْما يَعْرِفُ الناسُ أنَّها ∗∗∗ سَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شُهُودُ و"بَلْ" في أوَّلِ الآيَةِ إضْرابٌ عَلى مَعْنى التَرْكِ لا عَلى مَعْنى إبْطالِ الكَلامِ الأوَّلِ، وقَدْ تَجِيءُ "بَلْ" لِإبْطالِ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَها.

وسُؤالُ الكافِرِ "أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ" هو عَلى مَعْنى التَكْذِيبِ والهَزْءِ، كَما تَقُولُ لِمُحَدِّثٍ بِأمْرٍ تُكَذِّبُهُ: مَتى يَكُونُ هَذا؟

و"أيّانَ" لَفْظَةٌ بِمَعْنى "مَتى"، وهي مُبَيِّنَةٌ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَأشْبَهَتِ الحُرُوفُ المُتَضَمَّنَةُ المَعانِيَ، وكانَ حَقُّها أنْ تُبْنى عَلى السُكُونِ، ولَكِنْ فُتِحَتِ النُونُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ: الألِفُ وهي.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "بَرِقَ" بِكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى: شَخَصَ وشَقَّ وحارَ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ- وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: "بَرَقَ" بِفَتْحِ الراءِ بِمَعْنى: لَمَعَ وصارَ لَهُ بَرْقٌ عِنْدَ المَوْتِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ في القِراءَتَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، وقالَ الحَسَنُ: هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَخَسَفَ القَمَرُ" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَخُسِفَ" بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِينِ "القَمَرَ" مَفْعُولٌ لِما يُسَمَّ فاعِلُهُ، يُقالُ خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللهُ، وكَذَلِكَ الشَمْسُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ: ذَهابُ بَعْضِ النُورِ والخُسُوفُ: ذَهابُ جَمِيعِهِ، ورَوى عُرْوَةُ وسُفْيانُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "لا تَقُولُوا كَسَفَتِ الشَمْسُ ولَكِنْ قُولُوا خَسَفَتْ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجُمِعَ الشَمْسُ والقَمَرُ ﴾ ، غُلِبَ التَذْكِيرُ عَلى التَأْنِيثِ وقِيلَ: ذَلِكَ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَمْسِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقِيلَ: المُرادُ: وجَمَعَ بَيْنَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ولِذَلِكَ أسْقَطَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ، وفى مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ "وَجَمَعَ بَيْنَ الشَمْسِ والقَمَرِ".

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الجَمْع بَيْنَهُما، وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُقْذَفانِ في النارِ، وقِيلَ: في البَحْرِ، فَيَصِيرُ نارَ اللهِ العُظْمى، وقِيلَ: يُجْمَعُ الضَوْءانِ فَيَذْهَبُ بِهِما.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "أيْنَ المَفَرُّ" بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ؟

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وأيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ، وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أيْنَ المَفَرُّ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، عَلى مَعْنى: أيْنَ مَوْضِعُ الفِرارِ؟

وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "أيْنَ المَفَرُّ" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، بِمَعْنى: أيْنَ الجَيِّدُ الفِرارِ.

و"كَلّا" زَجْرٌ يُقالُ لِلْإنْسانِ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ يُعْلِنُ أنَّهُ لا وِزْرَ لَهُ، أيْ لا مَلْجَأ ولا مُعِينَ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن "الوِزْرِ" بِالجَبَلِ، قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِخِّيرِ وغَيْرُهُ: "وَهُوَ كانَ وِزْرَ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ" والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ جَبَلًا كانَ أو حِصْنًا أو سِلاحًا أو رَجُلًا أو غَيْرَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ ﴾ مَعْناهُ: إلى حُكْمِ رَبِّكَ ونَحْوِهُ مِنَ التَقْدِيرِ، و"المُسْتَقَرُّ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في المُقَدَّرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ المُتَقَدِّمُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: المُسْتَقِرُّ ثابِتٌ أو كائِنٌ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ، والمُسْتَقَرُّ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ قِسْمَةٌ تَسْتَوِفي كُلَّ عَمَلٍ، أيْ: يَعْلَمُ بِكُلِّ ما فَعَلَ، وَيَجِدُهُ مُحَصِّلًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطاعاتِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلِ" إضْرابٌ بِمَعْنى التَرْكِ، لا عَلى مَعْنى إبْطالِ القَوْلِ الأوَّلِ، و"بَصِيرَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ "الإنْسانِ" ولَحِقَتْهُ هاءُ التَأْنِيثِ كَما لَحِقَتْ "عَلّامَةً، ونَسّابَةً"، والمَعْنى: إنَّهُ فِيهِ وفي عَقْلِهِ وفِطْرَتِهِ حُجَّةٌ وشاهِدٌ مُبْصِرٌ عَلى نَفْسِهِ، ولَوِ اعْتَذَرَ عن قَبِيحِ أفْعالِهِ فَهو يَعْلَمُ قُبْحَها، وكَذَلِكَ لَوِ اسْتَتَرَ بِسُتُورِهِ واخْتَفى بِأفْعالِهِ -عَلى التَأْوِيلَيْنِ في المَعاذِيرِ-: ويُحْتَمَلُ"بَصِيرَةً" أنْ يَكُونَ ابْتِداءً وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى نَفْسِهِ ﴾ والهاءُ لِلتَّأْنِيثِ، ويُرادُ بِالبَصِيرَةِ جَوارِحُهُ، والمَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

و"المَعاذِيرُ" هُنا، قالَ الجُمْهُورُ: هي الأعْذارُ، جَمْعُ "مَعْذِرَةً"، وقالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ: هي السُتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّتْرِ، المِعْذارُ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَلِيَّةٌ ومِحْنَةٌ، كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى البَصِيرَةِ الَّتِي هي طَرِيقَةُ الدَمِ وداعِيَةُ طَلَبِ الثَأْرِ.

وفي هَذا نَظَرٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن تكون هذه الجملة متصلة بالتي قبلها على أنها بدل اشتمال منها لأن إرادته الاسترسال على الفجور يشتمل على التهكم بيوم البعث أو على أنها بدل مطابق على تفسير ﴿ ليفجر أمَامه ﴾ [القيامة: 5] بالتكذيب بيوم البعث.

ويجوز أن تكون مستأنفة للتعجيب من حال سؤالهم عن وقت يوم القيامة وهو سؤال استهزاء لاعتقادهم استحالَة وقوعه.

و ﴿ أيان ﴾ اسم استفهام عن الزمان البعيد لأن أصلها: أن آن كذا، ولذلك جاء في بعض لغات العرب مضموم النون وإنما فتحوا النون في اللغة الفصحى لأنهم جعلوا الكلمة كلها ظرفاً فصارت ﴿ أيان ﴾ بمعنى (متَى).

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ يسألونك عن الساعة أيان مرساها ﴾ في الأعراف (187).

فالمعنى أنهم يسألون تعيين وقت معروف مضبوط بعدِّ السِنين ونحوها، أو بما يتعين به عند السائلين من حدَث يحل معه هذا اليوم.

فهو طلب تعيين أمد لحلول يوم يَقُوم فيه الناس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ القِيامَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ اخْتَلَفُوا في (لا) المُبْتَدَإ بِها في أوَّلِ الكَلامِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها صِلَةٌ دَخَلَتْ مَجازًا ومَعْنى الكَلامِ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو عُبَيْدَةَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ وكادَ ضَمِيرُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ.

الثّانِي: أنَّها دَخَلَتْ تَوْكِيدًا لِلْكَلامِ كَقَوْلِهِ: لا واَللَّهِ، وكَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ ∗∗∗ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ.

قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ.

الثّالِثُ: أنَّها رَدٌّ لِكَلامٍ مَضى مِن كَلامِ المُشْرِكِينَ في إنْكارِ البَعْثِ، ثُمَّ ابْتَدَأ القَسَمَ فَقالَ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَرْقًا بَيْنَ اليَمِينِ المُسْتَأْنِفَةِ وبَيْنَ اليَمِينِ تَكُونُ مُجَدَدًا، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَقَرَأ الحَسَنُ: لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، فَجَعَلَها لامًا دَخَلَتْ عَلى ما أُقْسِمَ إثْباتًا لِلْقَسَمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ.

﴿ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ كَما أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ فَيَكُونانِ قَسَمَيْنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ.

وَفي وصْفِها بِاللَّوّامَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صِفَةُ مَدْحٍ، وهو قَوْلُ مَن جَعَلَها قَسَمًا: الثّانِي: أنَّها صِفَةُ ذَمٍّ، وهو قَوْلُ مَن نَفى أنْ يَكُونَ قَسَمًا.

فَمَن جَعَلَها صِفَةَ مَدْحٍ فَلَهم في تَأْوِيلِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الَّتِي تَلُومُ عَلى ما فاتَ وتَنْدَمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَتَلُومُ نَفْسَها عَلى الشَّرِّ لِمَ فَعَلَتْهُ، وعَلى الخَيْرِ أنْ لَمْ تَسْتَكْثِرْ مِنهُ.

الثّانِي: أنَّها ذاتُ اللَّوْمِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: أنَّها الَّتِي تَلُومُ نَفْسَها بِما تَلُومُ عَلَيْهِ غَيْرَها.

فَعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ تَكُونُ اللَّوّامَةُ بِمَعْنى اللّائِمَةِ.

وَمَن جَعَلَها صِفَةَ ذَمٍّ فَلَهم في تَأْوِيلِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها المَذْمُومَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها الَّتِي تُلامُ عَلى سُوءِ ما فَعَلَتْ.

الثّالِثُ: أنَّها الَّتِي لا صَبْرَ لَها عَلى مِحَنِ الدُّنْيا وشَدائِدِها، فَهي كَثِيرَةُ اللَّوْمِ فِيها، فَعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ تَكُونُ اللَّوّامَةُ بِمَعْنى المَلُومَةِ.

﴿ أيَحْسَبُ الإنْسانُ ﴾ يَعْنِي الكافِرَ.

﴿ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ﴾ فَنُعِيدُها خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ أنْ صارَتْ رُفاتًا.

﴿ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ ﴾ في قَوْلِهِ (بَلى) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَمامُ قَوْلِهِ ﴿ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ﴾ أيْ بَلى نَجْمَعُها، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: أنَّها اسْتِئْنافٌ بَعْدَ تَمامِ الأوَّلِ بِالتَّعَجُّبِ بَلى قادِرِينَ، الآيَةَ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ مَفاصِلَهُ ونُعِيدَها لِلْبَعْثِ خَلْقًا جَدِيدًا، قالَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.

الثّانِي: بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نَجْعَلَ كَفَّهُ الَّتِي يَأْكُلُ بِها ويَعْمَلُ حافِرَ حِمارٍ أوْ خُفَّ بَعِيرٍ، فَلا يَأْكُلُ إلّا بِفِيهِ، ولا يَعْمَلُ بِيَدِهِ شَيْئًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أنْ يُقَدِّمَ الذَّنْبَ ويُؤَخِّرَ التَّوْبَةَ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ الوَلِيدِ.

الثّانِي: يَمْضِي أمامَهُ قُدُمًا لا يَنْزِعُ عَنْ فُجُورٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: بَلْ يُرِيدُ أنْ يَرْتَكِبَ الآثامَ في الدُّنْيا لِقُوَّةِ أمَلِهِ، ولا يَذْكُرُ المَوْتَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: بَلْ يُرِيدُ أنْ يُكَذِّبَ بِالقِيامَةِ ولا يُعاقَبَ بِالنّارِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا خامِسًا: بَلْ يُرِيدُ أنْ يُكَذِّبَ بِما في الآخِرَةِ كَما كَذَّبَ بِما في الدُّنْيا، ثُمَّ وجَدْتُ ابْنَ قُتَيْبَةَ قَدْ ذَكَرَهُ وقالَ إنَّ الفُجُورَ التَّكْذِيبُ واسْتَشْهَدَ بِأنْ أعْرابِيًّا قَصَدَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ وشَكا إلَيْهِ نَقَبَ إبِلِهِ ودَبَرَها، وسَألَهُ أنْ يَحْمِلَهُ عَلى غَيْرِها، فَلَمْ يَحْمِلْهُ، فَقالَ الأعْرابِيُّ أقْسَمَ بِاَللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرْ ∗∗∗ ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرْ فاغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ إنْ كانَ فَجَرْ يَعْنِي إنْ كانَ كَذَّبَنِي بِما ذَكَرْتُ.

﴿ فَإذا بَرِقَ البَصَرُ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِفَتْحِ الرّاءِ، وقَرَأ بِها أبانٌ عَنْ عاصِمٍ، وفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي خَفَتَ وانْكَسَرَ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ.

الثّانِي: شَخَصَ وفَتَحَ عَيْنَهُ عِنْدَ مُعايَنَةِ مَلَكِ المَوْتِ فَزَعًا، وأنْشُدَ الفَرّاءُ: فَنَفْسَكَ فانْعَ ولا تَنْعَنِي ∗∗∗ وداوِ الكُلُومَ ولا تَبْرَقِ.

ايْ ولا تَفْزَعْ مِن هَوْلِ الجِراحِ.

الثّانِيَةُ: بِكَسْرِ الرّاءِ وقَرَأ بِها الباقُونَ، وفي تَأْوِيلِها وجْهانِ: أحَدُهُما: عَشّى عَيْنَيْهِ البَرْقُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ أشْهَبُ العَقِيلِيُّ، قالَ الأعْشى وكُنْتُ أرى في وجْهِ مَيَّةَ لَمْحَةً ∗∗∗ فَأُبْرِقُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ مَكانِيا.

الثّانِي: شَقُّ البَصَرِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأنْشَدَ قَوْلَ الكِلابِيِّ لَمّا أتانِي ابْنُ عُمَيْرٍ راغِبًا ∗∗∗ أعْطَيْتُهُ عِيسًا صِهابًا فَبَرَقَ.

﴿ وَخَسَفَ القَمَرُ ﴾ أيْ ذَهَبَ ضَوْؤُهُ، حَتّى كَأنَّ نُورَهُ ذَهَبَ في خَسْفٍ مِنَ الأرْضِ.

﴿ وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُما في طُلُوعِهِما مِنَ المَغْرِبِ [أسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ] مُظْلِمَيْنِ مُقَرَّنَيْنِ.

الثّانِي: جَمَعَ بَيْنَهُما في ذَهابِ ضَوْئِهِما بِالخُسُوفِ لِتَكامُلِ إظْلامِ الأرْضِ عَلى أهْلِها، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: جَمَعَ بَيْنَهُما في البَحْرِ حَتّى صارا نارَ اللَّهِ الكُبْرى.

﴿ يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ ﴾ أيْ أيْنَ المَهْرَبُ، قالَ الشّاعِرُ أيْنَ أفِرُّ والكِباشُ تَنْتَطِحْ ∗∗∗ وأيُّ كَبْشٍ حادٍّ عَنْها يَفْتَضِحْ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ﴿ أيْنَ المَفَرُّ ﴾ مِنَ اللَّهِ اسْتِحْياءً مِنهُ.

الثّانِي: ﴿ أيْنَ المَفَرُّ ﴾ مِن جَهَنَّمَ حَذَرًا مِنها.

وَيَحْتَمِلُ هَذا القَوْلُ مِنَ الإنْسانِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مِنَ الكافِرِ خاصَّةً مِن عَرْصَةِ القِيامَةِ دُونَ المُؤْمِنِ، ثِقَةَ المُؤْمِنِ بِبُشْرى رَبِّهِ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِ والكافِرِ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ لِهَوْلِ ما شاهَدُوهُ مِنها.

وَيَحْتَمِلُ هَذا القَوْلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِن قَوْلِ اللَّهِ لِلْإنْسانِ إذا قالَهُ ﴿ أيْنَ المَفَرُّ ﴾ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿ كَلا لا وزَرَ ﴾ الثّانِي: مِن قَوْلِ الإنْسانِ إذا عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَفَرٌّ قالَ لِنَفْسِهِ ﴿ كَلا لا وزَرَ ﴾ ﴿ كَلا لا وزَرَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ لا مَلْجَأ مِنَ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا حِصْنَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّالِثُ: لا جَبَلَ، [قالَهُ الحَسَنُ ] .

الرّابِعُ: لا مَحِيصَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُسْتَقَرَّ المُنْتَهى، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ اسْتِقْرارُ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ في النّارِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ وفي ﴿ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما قَدَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ يَعْلَمُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: ما قَدَّمَ مِن مَعْصِيَةٍ، وأخَّرَ مِن طاعَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: بِأوَّلِ عَمَلِهِ وآخِرِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: بِما قَدَّمَ مِنَ الشَّرِّ وأخَّرَ مِنَ الخَيْرِ، قالَ عِكْرِمَةُ.

الخامِسُ: بِما قَدَّمَ مِن فَرْضٍ وأخَّرَ مِن فَرْضٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: ما قَدَّمَ لِدُنْياهُ، وما أخَّرَ لِعُقْباهُ.

﴿ بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِما تُقَدَّمُ بِهِ الحُجَّةُ عَلَيْهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ الثّانِي: أنَّ جَوارِحَهُ شاهِدَةٌ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ الثّالِثُ: مَعْناهُ بَصِيرٌ بِعُيُوبِ النّاسِ غافِلٌ عَنْ عَيْبِ نَفْسِهِ فِيما يَسْتَحِقُّهُ لَها وعَلَيْها مِن ثَوابٍ وعِقابٍ.

والهاءُ في (بَصِيرَةٌ) لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ لَوِ اعْتَذَرَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: يَعْنِي لَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ أيْ لَوْ تَجَرَّدَ مِن ثِيابِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: لَوْ أظْهَرَ حُجَّتَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وقالَ النّابِغَةُ: لَدى إذا ألْقى البَخِيلُ مَعاذِرَهُ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ ولَوْ أرْخى سُتُورَهُ، والسِّتْرُ بِلُغَةِ اليَمَنِ مِعْذارٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، قالَ الشّاعِرُ ولَكِنَّها ضَنَّتْ بِمَنزِلِ ساعَةٍ ∗∗∗ عَلَيْنا وأطَّتْ فَوْقَها بِالمَعاذِرِ وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ لَوْ تَرَكَ الِاعْتِذارَ واسْتَسْلَمَ لَمْ يُتْرَكْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس قال: نزلت سورة القيامة وفي لفظ: نزلت ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الزبير قال: نزلت سورة ﴿ لا أقسم ﴾ بمكة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال: حدثنا أن عمر بن الخطاب قال: من سأل عن يوم القيامة فليقرأ هذه السورة والله أعلم.

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ يقول: أقسم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ قال: يقسم ربك بما شاء من خلقه قلت: ﴿ ولا أقسم بالنفس اللوّامة ﴾ قال: من النفس الملومة.

قلت: ﴿ أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوّي بنانه ﴾ قال: لو شاء لجعله خفاً أو حافراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ لا أقسم بيوم القيامة ﴾ قال: يقسم الله بما شاء من خلقه ﴿ ولا أقسم بالنفس اللوّامة ﴾ الفاجرة قال: يقسم بها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بالنفس اللوّامة ﴾ قال: المذمومة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ بالنفس اللوامة ﴾ قال: التي تلوم على الخير والشر تقول لو فعلت كذا وكذا.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ بالنفس اللوامة ﴾ قال: تندم على ما فات وتلوم عليه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ بالنفس اللوامة ﴾ قال: تندم على ما فات وتلوم عليه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس عن الحسن ﴿ ولا أقسم بالنفس اللوامة ﴾ قال: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه ما أردت بكلمتي ما أردت بأكلتي، ما أردت بحديثي نفسي، ولا أراه إلا يعاتبها، وإن الفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه.

وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس ﴿ بلى قادرين على أن نسوي بنانه ﴾ قال: نجعلها كفاً ليس فيه أصابع.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ بلى قادرين على أن نسوي بنانه ﴾ قال: لو شاء لجعله كخف البعير أو كحافر الحمار، ولكن جعله الله خلقاً سوياً حسناً جميلاً تقبض به وتبسط به يا ابن آدم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ على أن نسوي بنانه ﴾ قال: يجعل رجليه كخف البعير فلا يعمل بها شيئاً.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ على أن نسوي بنانه ﴾ قال: إن شاء رده مثل خف البعير حتى لا ينتفع.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك ﴿ على أن نسوي بنانه ﴾ قال: يجعل رجليه كخف البعير فلا يعمل بهما شيئاً.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ على أن نسوي بنانه ﴾ قال: إن شاء رده مثل خف الجمل حتى لا ينتفع به.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ على أن نسوي بنانه ﴾ قال: على أن نجعل يديه ورجليه مثل خف البعير.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ بلى قادرين على أن نسوي بنانه ﴾ فقال: إن الله أعف مطعم ابن آدم ولم يجعله خفاً ولا حافراً فهو يأكل بيديه فيتقي بها وسائر الدواب إنما يتقي الأرض بفمه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه ﴾ قال: يمضي قدماً.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه ﴾ قال: هو الكافر يكذب بالحساب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه ﴾ يعني الأمل يقول: أعمل ثم أتوب.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الأمل والبيهقي في شعب الإِيمان عن عباس رضي الله عنهما ﴿ بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه ﴾ قال: يقدم الذنب ويؤخر التوبة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه ﴾ قال: يمضي أمامه راكباً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن ﴿ بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه ﴾ قال: يمشي قدماً في معاصي الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه ﴾ قال: لا تلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدماً قدماً إلا من عصم الله وفي قوله: ﴿ يسأل أيان يوم القيامة ﴾ يقول: متى يوم القيامة.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ بل يريد الإِنسان ليفجر أمامه ﴾ قال: يقول سوف أتوب ﴿ يسأل أيان يوم القيامة ﴾ قال: يقول متى يوم القيامة.

قال: فبين له ﴿ فإذا برق البصر ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا برق البصر ﴾ يعني الموت.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فإذا برق البصر ﴾ يعني الموت.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ فإذا برق البصر ﴾ قال: شخص البصر ﴿ وخسف القمر ﴾ يقول: ذهب ضوءه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فإذا برق البصر ﴾ قال: عند الموت ﴿ وخسف القمر وجمع الشمس والقمر ﴾ قال: كورا يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وجمع الشمس والقمر ﴾ قال: كورا يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء بن يسار في قوله: ﴿ وجمع الشمس والقمر ﴾ قال: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى.

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر عن عبدالله بن خالد قال: قرأها ابن عباس ﴿ أين المفر ﴾ بنصب الميم وكسر الفاء.

قال: وقرأها يحيى بن وثاب ﴿ أين المفر ﴾ بنصب الميم والفاء.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا وزر ﴾ قال: لا حصن ولا ملجأ، وفي لفظ لا حرز، وفي لفظ لا جبل.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ لا وزر ﴾ قال: الوزر الملجأ.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت عمرو بن كلثوم وهو يقول: لعمرك ما إن له صخرة ** لعمرك ما إن له من وزر وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الأهوال وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: ﴿ لا وزر ﴾ قال: لا حصن.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وعطية وأبي قلابة مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ كلا لا وزر ﴾ قال: كانت العرب إذا نزل بهم الأمر الشديد قالوا: الوزر الوزير، فلما أن جاء الله بالإِسلام قال: ﴿ كلا لا وزر ﴾ قال: لا جبل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال: كان الرجل يكون في ماشيته فتأتيه الخيل بغتة فيقول له صاحبه: الوزر الوزير أي أقصد الجبل فتحصن به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ لا وزر ﴾ قال: لا جبل.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي قلابة ﴿ لا وزر ﴾ قال: لا غار لا ملجأ.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ لا وزر ﴾ قال: لا جبل محرزة.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ لا وزر ﴾ قال: لا وزر يعني الجبل بلغة حمير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جريرعن مطرف ﴿ لا وزر ﴾ قال: لا جبل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ﴿ لا وزر ﴾ قال: لا جبل ولا حرز ولا ملجأ ولا منجى ﴿ إلى ربك يومئذ المستقر ﴾ قال: المنتهى ﴿ ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم ﴾ قال: من طاعة الله ﴿ وأخر ﴾ قال: وما ضيع من حق الله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وإبراهيم ﴿ ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ قال: بأول عمله وآخره.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: بما قدم من الذنوب والشر والخطايا وما أخر من الخير.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ بما قدم من عمله وما أخر من سنة عمل بها من بعده من خير أو شر.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ قال: بما عمل قبل موته وما يسن فعمل به بعد موته.

وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ قال: قدم من حسنة أو أخر من سنة حسنة عمل بها بعده علماً علمه صدقة أمر بها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ يقول: بما قدم من المعصية وأخر من الطاعة فينبأ بذلك.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين عن الحسن في قوله: ﴿ ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ قال: ينزل ملك الموت عليه مع حفظة فيعرض عليه الخير والشر فإذا رأى حسنة هش وأشرق، وإذا رأى سيئة غض وقطب.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن مجاهد قال: بلغنا أن نفس المؤمن لا تخرج حتى يعرض عليه عمله خيره وشره.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ أُقْسِمُ ﴾ في الموضعين معناه أقسم، ولا زائدة لتأكيد القسم، وقيل: هي استفتاح كلام بمنزلة ألا.

وقيل: هي نفي لكلام الكفار ﴿ بالنفس اللوامة ﴾ هي التي تلوم نفسها على فعل الذنوب، أو التقصير في الطاعات، فإن النفوس على ثلاثة أنواع: فخيرها النفس المطمئنة وشرها النفس الأمارة بالسوء وبينهما النفس اللوامة، وقيل: اللوامة هي المذمومة الفاجرة، وهذا بعيد لأن الله لا يقسم إلا بما يعظم من المخلوقات، ويستقيم إن كان لا أقسم نفياً للقسم ﴿ أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ الإنسان هنا للجنس، أو الإشارة به للكفار المنكرين للبعث، ومعناه أيظن أن لن نجمع عظامه للبعث بعد فنائها في التراب؟

وهذه الجملة هي التي تدل على جواب القسم المتقدم ﴿ بلى ﴾ تقديره نجمعها ﴿ الإنسان ﴾ منصوب على الحال من الضمير في نجمع، والتقدير: نجمعها ونحن قادرون ﴿ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ البنان الأصابع، وفي المعنى قولان: أحدهما أنه إخبار بالقدرة على البعث أي قادرين على أن نسوي أصابعه أي نخلقها بعد فنائها مستوية متقنة، وإنما خص الأصابع دون سائر الأعضاء لدقة عظامها وتفرقها، والآخر أنه تهديد في الدنيا، أي قادرين أن نجعل أصابعه مستوية، ملتصقة كيد الحمار وخف الجمل، فلا يمكنه تصريف يديه في منافعه.

والأول أليق بسياق الكلام ﴿ بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ هذه الجملة معطوفة على أيحسب الإنسان، ويجوز أن يكون استفهاماً مثلها أو تكون خبراً، وليست بل هنا للإضراب عن الكلام الأول بمعنى إبطائه؛ وإنما هي للخروج منه إلى ما بعده، وليفجر: معناه ليفعل أفعال الفجور، وفي معنى أمامه ثلاثة أقوال: أحدها أنه عبارة عما يستقبل من الزمان، أي يفجر بقية عمره، الثاني أنه عبارة عن اتباع أغراضه وشهواته، يقال: مشى فلان قدامه إذا لم يرجع عن شيء يريده، والضمير على هذين القولين يعود على الإنسان، الثالث أن الضمير يعود على يوم القيامة.

والمعنى يريد الإنسان أن يفجر قبل يوم القيامة.

﴿ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة ﴾ أيان معناها متى وهذا السؤال على يوم القيامة هو على وجه الاستخفاف والاستعداد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: روى الهاشمي وابن ربيعة عن قنبل ﴿ لأقسم ﴾ على أن اللام حرف الابتداء أي لأنا أقسم ولا خلاف في قوله ﴿ ولا أقسم بالنفس اللوامة ﴾ ﴿ برق ﴾ بفتح الراء: أبو جعفر ونافع.

الآخرون: بكسرها ﴿ تحبون ﴾ و ﴿ تذرون ﴾ على الخطاب أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ولا صلى ﴾ إلى اخر السورة بالإمالة اللطيفة: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

وقرأ حمزة وعلي وخلف بالأمالة الشديدة.

﴿ يمنى ﴾ علىالتذكير: حفص والمفضل وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ورويس.

الباقون: بتاء التأنيث.

الوقوف: ﴿ القيامة ﴾ ه لا ﴿ اللوامة ﴾ ه ﴿ عظامه ﴾ ه ط لاستئناف الجواب أي بلى نجمعها ﴿ بنانه ﴾ ه ﴿ أمامه ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ القيامة ﴾ ه ج ﴿ البصر ﴾ ه لا ﴿ القمر ﴾ ه ك ﴿ المفر ﴾ ه ك لأن كلاً يصلح للردع عن الفرار والأجوز ﴿ لا وزر ﴾ ه ط ﴿ المستقر ﴾ ه ط ﴿ وأخر ﴾ ه ط ﴿ بصيرة ﴾ ه لا ﴿ معاذيره ﴾ ه لا ﴿ لتعجل به ﴾ ه ط ﴿ وقرآنه ﴾ ه ج لاحتمال أن " ثم " لترتيب الأخبار ﴿ بيانه ﴾ ه ط ﴿ العاجلة ﴾ ه ﴿ الآخرة ﴾ ه ﴿ ناضرة ﴾ ه ج ﴿ ناظرة ﴾ ه ج للفصل بين أهل السعادة والشقاوة ﴿ باسرة ﴾ ه ﴿ فاقرة ﴾ ه ط ﴿ التراقي ﴾ ه لا ﴿ راق ﴾ ه ك ﴿ الفراق ﴾ ه ك ﴿ بالساق ﴾ ه ك ﴿ المساق ﴾ ه ك ﴿ ولا صلى ﴾ ه لا ﴿ وتولى ﴾ ه ك ﴿ يتمطى ﴾ ه ط للعدول إلى الخطاب ﴿ فأولى ﴾ ه لا ﴿ سدى ﴾ ه ط ﴿ يمنى ﴾ ه ﴿ فسوى ﴾ ه ك ﴿ والأنثى ﴾ ه ط ﴿ الموتى ﴾ ه.

التفسير: المشهور أن " لا " في ﴿ لا أقسم ﴾ صلة زائدة كما مر في قوله ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم  ﴾ واعترض عليه بوجوه أحدها: أنه يوجب الطعن في القرآن بحيث أنه لا يبقى الوثوق بنفيه وإثباته قلت: إذا عرف من استعمالات العرب زيادة لا في هذا الفعل المخصوص لم يبق للطاعن مجال على أن الحكم بزيادتها إنما هو بالنظر إلى أصل المعنى وإلا فلها في التركيب معان: الأول كأنها نفي لكلام قبل القسم وذلك أنهم أنكروا البعث كما أخبر الله في آخر السورة المتقدمة فقيل: ليس الأمر على ما ذكرتم ثم أقسم بكذا وكذا إنه لواقع.

والثاني أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له فكأنه بإدخال حرف القسم يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا اعظام إنه يستأهل فوق ذلك.

الإعتراض الثاني أن هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوّله وأجيب بالمنع، ألا ترى أن أمرأ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته: فلا وأبيك ابنة العامري *** لا يدّعي القوم أني أفرّ وفائدة الزيادة كما تقرر.

وقد يجاب بأن القرآن كله في حكم كلام واحد متصل بعضه ببعض ولا سيما هذه السورة وآخر السورة المتقدمة عليها ولكني أسألك غير مقسم أتحسب أنا لا تجمع عظامك إذا تفرقت بالموت، فإن كنت تحسب ذلك فاعلم أنّا قادرون عليه.

وقيل: المعنى على الاستفهام الإنكاري والتقدير: ألا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة على أن الحشر حق.

وهذا التأويل يعضده قراءة من قرأ ﴿ لأقسم ﴾ على أن اللام للابتداء.

وقال بعضهم: على هذه القراءة إنه أقسم بالقيامة تعظيماً لها ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها لأنها إما كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإما فاسقة مقصرة في العمل.

أما تفسير النفس اللوامة فقد سبق لنا في سورة يوسف في قوله ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء  ﴾ بيان سبب تسمية النفس تارة بالأمارة وأخرى باللوامة ثم بالملهمة ثم بالمطمئنة.

والذي ذكره المفسرون ههنا وجوه منها ما قال ابن عباس: كل نفس فإنها تلوم نفسها يوم القيامة على ترك الازدياد من الطاعة إن كانت محسنة، أو على التفريط إن كانت مسيئة.

وضعف بعضهم هذا النقل بناء على أن أهل الجنة لا يكون لهم مثل هذه الخواطر وإلا لدام حزنهم.

وعن الحسن أن هذا اللوم في الدنيا والمؤمن لا تراه إلا لائماً نفسه وإن الكافر يمضي على سيرته لا يعاتب نفسه.

ومنها أنها النفوس المتقية التي تلوم النفس العاصية يوم القيامة بسبب أنها تركت التقوى.

ولا يخفى وجه المناسبة بين القسمين أعني بين القيامة وبين النفس اللوامة على هذه الوجوه.

وخص النفس اللوامة بعضهم بآدم  وذلك أنه لم يزل يتلوم على فعله الذي خرج به من الجنة.

وقيل: أن الإنسان خلق هلوعاً فأي شيء طلبه إذا وجده مله فيلوم نفسه على أني لم طلبت فلكثرة هذا العمل سميت باللوامة.

والجمهور على أن جواب القسم محذوف وهو لتبعثن دل عليه قوله ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ وفي الأقسام بيوم القيامة على وقوع يوم القيامة مزيد تقرير وتأكيد لوقوعه فإن الإقسام بالمعدوم لا يعقل معناه، وفي ضم النفس الوامة إليه تنبيه على أن الغرض من القيامة وهو إظهار أحوال النفس ومراتبها في السعادة وضدها.

قال جمع من الأصوليين: الإنسان في الآية هو المكذب بالبعث على الإطلاق وقال ابن عباس: هو أبو جهل.

وقال آخرون: إن عدي بن ربيعة ختن الأخنس بن شريق وهما اللذان كان رسول الله  يقول فيهما: اللهم اكفني جاري السوء.

قال: يا محمد حدثنا عن يوم القيامة كيف أمره فأخبره النبي  فقال: لو عانيت ذلك اليوم لم أصدقك يا محمد ولم أؤمن به، أو يجمع الله العظام؟

فأنزل الله  ﴿ أيحسب الإنسان ﴾ الآية.

قوله ﴿ قادرين ﴾ حال مؤكدة لأنه يستحيل جمع العظام بدون القدرة الكاملة التي نبه عليها بقوله ﴿ أن نسوي بناته ﴾ لأن من قدر على ضم سلاميات الأصبع مع صغرها ولطافتها كما كانت، كان على ضم العظام الكبار أقدر، وإنما خص البنان وهو الأنملة بالذكر لأنه آخر ما يتم به خلقه فذكره يدل على تمام الأصبع يدل على تمام سائر الأعضاء التي هي أطرافها.

وقيل: معنى التسوية جعلها شيئاً واحداً كخف البعير وحافر الحمار بحيث لا يقدر على البطش، والمراد أنه قادر على رد العظام والمفاصل إلى هيأتها الأولى وعلى ضد ذلك قوله ﴿ بل يريد ﴾ إضراب عن قوله والظاهر أنه إيجاب ويجوز أن يكون استفهاماً مقدراً.

ومعنى ﴿ ليفجر أمامه ﴾ ليدوم على فجوره في الأوقات التي بين يديه وهي المستقبلة.

وهذا فحوى قول سعيد بن جبير يقدم الذنب ويؤخر التوبة حتى يأتيه الموت على شر أحواله.

قال أهل النظم: وإن إنكاراً البعث يتولد تارة من الشبهة بأن يستبعد اجتماع الأجزاء بعد تفرقها وتلاشيها، وأخرى من التهور بأن ينكر المعاد باسترسال الطبع والميل إلى الفجور، فأشار إلى الجواب عن الشبهة بقوله ﴿ أيحسب الإنسان ﴾ إلى قوله ﴿ بناته ﴾ وأنكر على الثني بقوله ﴿ بل يريد ﴾ أن يكذب بما أمامه من البعث والحساب لئلا تنتقص عنه اللذات العاجلة ﴿ يسئل ﴾ سؤال تنعت ﴿ أيان يوم القيامة ﴾ ثم ذكر من أمارات الساعة أموراً أولها ﴿ فإذا برق البصر ﴾ أي تحير فزعاً وأصله من برق الرجل بالكسر إذا تأثر ناظره من تأمل البرق، ثم استعمل في كل حيرة.

ومن قرأ بفتح الراء فهو من البريق أي لمع من شدة شخوصه كقوله ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار  ﴾ وثانيها ﴿ وخسف القمر ﴾ أي ذهب ضوءه كما يشاهد في الدنيا وقت خسوفه, أو ذهب بنفسه من قوله ﴿ فخسفنا به وبداره الأرض  ﴾ وهذا التفسير عندي لا يلائم ما بعده أن الجمع بينه وبين الشمس بعد انعدامه غير معقول ظاهراً.

وثالثها ﴿ وجمع الشمس والقمر ﴾ قيل: أي في اطلاعهما من المغرب.

وقيل: في ذهاب الضوء.

وقيل: يجتمعان أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران كما جاء في الحديث، ولعل ذلك لأنهما عبدا من دون الله، و الثور مثل في الذل والبلادة فإذا كان عقيراً أي جريحاً كان أبلغ في ذلك.

وقيل: يجمعان ثم يقذفان في البحر فيكون نار الله الكبرى.

طعن الملاحدة في الآية بأن خسوف القمر لا يحصل باجتماع الشمس والقمر.

وأجيب بأنه  قادر على خسف القمر في غير حالة المقابلة وحيلولة الأرض.

والأولى عندي أن يجاب بأن اجتماعهما بمعنى آخر غير ما هو المعهود بين أهل التنجيم كما مر من الأقوال.

ولئن سلمنا أن المراد هو الإجتماع المعهود فالقمر حينئذ في المحق وهو خسفه، أو لعل القمر خسف في وسط الشهر والاجتماع يكون في آخره فإن اتحاد الزمان في هذه الأمور غير مذكور.

ومنهم من جعل هذه الأمور من علامات الموت، أما شخوص البصر تحيره حين الموت فظاهر، وأما خسوف القمر فمعناه ذهاب ضوء البصر بعد الحيرة: يقال: عين خاسفة إذا فقئت فغارت حدقتها في الرأس.

وأما جمع الشمس والقمر فكناية عن اتصال الروح بعالم الآخرة، فالروح كالقمر وعالم الآخرة وهو عالم الأنوار والكشوف كالشمس وكما أن القمر يقبل النور من الشمس فالروح تقبل نور المعارف من ذلك العالم وهذا التفسير بالتأويل أشبه.

قال الفراء: إنما قال ﴿ جمع ﴾ ولم يقل " جمعت " مع أن التأنيث أحسن لأن المراد أنه جمع بينهما في زوال النور.

وقال الكسائي: المعنى جمع النوران والضياآن.

وقال أبو عبيدة: القمر شارك الشمس في الجمع فغلب جانب التذكير ﴿ يقول الإنسان ﴾ المنكر للقيامة ﴿ أين المفر ﴾ والاستفهام على أصله وهو إقرار منه بأنه لا مفر كما إذا أيس من وجدان زيد فيقول: أين زيد ﴿ كلا ﴾ ردع عن طلب مكان الفرار وهذا أصح عند أهل اللغة.

قال الأخفش والزجاج: المصدر من يفعل بكسر العين مفتوح العين، وبالكسر المكان.

وجوز بعضهم أن يكون المفتوح موضعاً.

وأصل الوزر المحل المنيع ثم استعمل لكل ما التجأت إليه وتحصنت به، والمعنى أنه لا شيء يعتصم به وقتئذ من أمر الله إلا الله فلذلك قال ﴿ إلى ربك ﴾ خاصة دون غيره ﴿ يومئذ المستقر ﴾ أي إستقرار العباد ولا بد من تقدير مضاف أي إلى حكم ربك أو إلى جنته أو ناره.

﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم ﴾ من عمل ﴿ وأخر ﴾ فلم يعلمه، أو بما قدم من ماله وتصدق به وما أخر فخلف أو بما قدم من عمل الخير والشر وما أخر من سنة حسنة أو سيئة.

وعن مجاهد بأول عمله وآخره أي بجميع أعماله.

والأظهر أن هذا الإنباء إنما هو في يوم القيامة.

وجوز أن يكون عند الموت حين رأى مقعده من الجنة والنار.

ثم بين أن الإنسان لأعماله بصير وإن لم ينبأ فقال ﴿ بل الإنسان على نفسه بصيرة ﴾ أي حجة بينة.

وقال أبو عبيدة: التاء للمبالغة كعلامة.

قال الأخفش: جعله في نفسه بصيرة كما يقال " فلان جود وكرم " وذلك أنه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة وعصيانه منكر فهو حجة على نفسه بعقله السليم.

قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: إن المراد شهادة جوارحه عليه.

قوله ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فإنها لا تنفعه لأنه لا يخفى شيئاً من أفعاله فإن نفسه وأعضاءه تشهد عليه.

وقال الواحدي والزمخشري: المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر، ولو كان جمعاً لقيل معاذر بغير ياء.

وعن الضحاك والسدي أن المعاذير جمع معذار وهو الستر، والمعنى إنه إن أسبل الستور لن يخفى شيء من عمله قال جار الله: إن صح هذا النقل فالسبب في التسمية أن الستر يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب.

فمدار التركيب على الحجب والمنع ومنه العذران قال الإمام فخر الدين الرازي: زعم قوم من قدماء الشيعة أن هذا القرآن مغير بالزيادة والنقصان، ومن جملة إستدلالاتهم أنه لا مناسبة بين هذه الآية وبين قوله عقيبها ﴿ لا تحرك به ﴾ أي بالقرآن الذي نتلوه عليك ﴿ لسانك لتعجل به ﴾ أي بأخذه.

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي  كان يشتد عليه حفظ التنزيل فكان إذا نزل عليه الوحي حرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبرائيل مخافة النسيان فنهاه الله  عن ذلك، نظيره ما مر في " طه " ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه  ﴾ وهذا من قبيل ترك الأولى، أو لعل هذا كان مأذوناً فيه أولاً ثم ورد النهي ناسخاً له ﴿ أن علينا ﴾ بحكم الوعد أو بالنظر إلى الحكمة ﴿ جمعه ﴾ في صدرك ﴿ وقرآنه ﴾ سيعيده عليك جبرائيل أو توقيفك لدراسته وحفظ لقوله ﴿ سنقرئك فلا تنسى  ﴾ فالقارىء على الأول جبرائيل، وعلى الثاني محمد  .

وقيل: أراد بالجمع ترتيبه على ما هو عليه في الخارج وبالقرآن جمعه في ذهنه، والتركيب يدل على الضم ومنه القرء ﴿ فإذا قرأناه ﴾ بقراء جبرائيل ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ قال قتادة: أي حلاله وحرامه وضعف بأن هذا ليس موضع الأمر باتباع الحلال والحرام بل المراد أنه لا ينبغي أن تكون قراءتك مقارنة لقراءة جبرائيل  لكن يجب أن تسكت حتى يتم جبرائيل القراءة ثم تأخذ أنت في القراءة.

قال ابن عباس: فكان النبي  بعد ذلك إذا نزل عليه جبرائيل أطرق واستمع فإذا ذهب قرأ.

ثم إنه  كما كان حريصاً على القراءة حتى لا ينسى لفظه كان حريصاً على فهم المعنى، وكان يسأل جبرائيل في أثناء الوحي عن المعاني المشكلة فنهي عن هذا أيضاً بوعد البيان وهو قوله ﴿ إن علينا بيانه ﴾ قال بعضهم: وفيه دليل على أن تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز.

إذا عرفت تفسير الآية فاعلم أن العلماء استنبطوا للنظم وجوهاً منها: أن هذا الإستعجال لعله اتفق النبي  عند نزول هذه الآيات فلا جرم نهي عن ذلك في الوقت كما أن المدرس إذا كان يلقي على تلميذه شيئاً من العلم وأخذ التلميذ يلتفت يميناً وشمالاً فيقول المدرس في أثناء درسه: لا تلتفت يميناً وشمالاً، ثم يعود إلى الدرس مع هذا الكلام في أثنائه اشتبه وجه المناسب على من لم يعرف الواقعة.

ومنها أنه علت كلمته أخبر عن الإنسان أنه يحب السعادة العاجلة فيفجر لذلك أمامه، فبين بين ذلك أن التعجل مذموم مطلقاً ولو في أمور الدين فقال ﴿ لا تحرك به لسانك ﴾ ورتب على ذم الإستعجال قوله ﴿ كلا بل تحبون العاجلة ﴾ ومنها أنه لما قال ﴿ ولو ألقى معاذيره ﴾ وكان النبي  يظهر التعجيل في القراءة خوف النسيان قيل له: إنك وإن أتيت بهذه المعذرة لكنك يجب أن تعلم أن الحفظ لا يحصل إلا بتوفيق الله وإعانته فاترك هذا التعجيل واعتمد على هدايتنا، ولا تستعن في طلب الحفظ بالتكرار، وفيه أن الكافر كان يفر من الله إلى غيره حين قال ﴿ أين المفر ﴾ فعلى المؤمن أن يضاده ويفر من غير الله إلى الله ولا يستعين في كل أموره إلا به.

ومنها أنه  كأنه قال: يا محمد إن غرضك من هذا هو التبليغ لكنه لا حاجة إليه فإن الإنسان على نفسه بصيرة يعرف قبح الكفر مهما رجع إلى نفسه.

وقال القفال: يجوز أن يكون المخاطب بهذا هو الإنسان المذكور في قوله ﴿ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ﴾ كأنه حين عرض كتابه يقال له ﴿ إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً  ﴾ فإذا أخذ في القراءة ينبأ بقبح أعماله فيتلجلج لسانه من الفزع ويسرع له القراءة فيقال له ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به ﴾ فإنه يجب علينا بحكم الوعد والحكمة أن نجمع أعمالك عليك وأن نقرأها عليك، فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالاعتراف والإقرار، ثم أن علينا بيان أمره وشرح مراتب عقوبته.

قوله  .

﴿ كلا بل تحبون ﴾ قال بعضهم: هو بمعنى حقاً.

وقال جار الله: هو ردع لرسول الله  عن عادة العجلة وحيث له على الأناة والتؤدة وقد بالغ في ذلك باتباعه قوله ﴿ بل تحبون العاجلة ﴾ كأنه قيل: بل أنتم يا بني آدم خلقتم من عجل تعجلون في كل شيء، ومن ثم تحبون الدنيا وتتركون الأخرى.

ثم وصف اليوم الآخر بقوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة ﴾ ذات نضارة وبهاء.

والوجه عبارة عن الجملة قاله في الكشاف: والأولى عندي تقليلاً للمجاز أن راد بالوجوه العيون فيكون من إطلاق الكل على الجزء لا عكسه ﴿ إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة ﴾ شديدة العبوس ﴿ تظن أن يفعل بها فاقرة ﴾ فعل هو في شدته وفظاعته فاقرة أي داهية تقصم فقار الظهر كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير.

قال الأصمعي: الفقر أن يحز أنف البعير حتى يخلص إلى العظم أو يقرب منه ثم يجعل فيه خشبة يجر بها البعير، ومنه قيل: عملت به الفاقرة.

وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر إليه.

وأعلم أن أهل السنة استدلوا بالآية على إمكان رؤية الله تعالى في الآخرة بل على وجوبها بحكم الوعد وحاصل كلامهم أن النظر إن كان بمعنى الرؤية فهو المطلوب، وإن كان بمعنى تقليب الحدقة نحو المرئي فهذا في حقه  محال لأنه منزه عن الجهة والمكان فوجب حمله على مسببه وهو الرؤية وهذا مجاز مشهور وأما المعتزلة فزعموا أن النظر المقرون بـ "إلى " إنما يراد به تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً للرؤية فقد تحصل الرؤية وقد لا تحصل كما قال  ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ﴾ ويقال: دور فلان متناظرة أي متقابلة ولا ريب أن تقليب الحدقة نحو الشيء يستدعي جهة لذلك الشيء وهذا في حق الله  محال فوجب حمل النظر على الانتظار أي منتظرة ثواب ربها كقولك: أنا ناظر إلى فلان ما يصنع فيّ.

والانتظار إذا كان في شيء متيقن الوقوع لا يوجب الغم والحزن بل يزيد اللذة والفرح.

واعترض بأن النظر إذا كان بمعنى الانتظار لا يعدّى بـ" إلى " كقوله ﴿ أنظرونا نقتبس من نوركم  ﴾ ﴿ هل ينظرون إلى تأويله  ﴾ وأجيب بأن ذلك إنما يكون إذا كان منتظراً للشخص، أما إذا كان منتظراً لرفده ومعونته فإنه يستعمل مقروناً بإلى كقول الرجل: إنما نظري إلى الله ثم إليك.

وقد يقول الأعمى: عيني ناظرة إليك.

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون " إلى " واحد الآلاء أي نعمة ربها منتظرة، وتقديم المفعول لأجل الفاصلة أو للاختصاص أي لا ينتظرون إلا إلى نعمة الله ورحمته، قال في الكشاف: وهذا المعنى أعني إفادة الاختصاص أحد الدلائل الدالة، على أن النظر ههنا ليس بمعنى تقليب الحدقة ولا بمعنى الرؤية لأنهم ينظرون إلى أشياء ويرون أشياء لا تدخل تحت الحصر فلا بد من حمل النظر على معنى يصح معه الإختصاص وهو التوقع والرجاء.

وحين وصف القيامة الكبرى أتبعه نعت القيامة الصغرى فروّعهم عن إيثار العاجلة على الآجلة.

وذكرهم حالة الموت التي هي أول منزلة من منازل الآخرة.

والضمير في ﴿ بلغت ﴾ للنفس لدلالة قرينة الحال والمقال كما في قوله ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم  ﴾ والتراقي العظام المكتنفة ثغرة النحر من الجانبين واحدها ترقوة، والمراد زهوق الروح لأن متعلق النفس هو الروح الحيواني الذي منبعه القلب فإذا فارق المنبع لم يبق من آثاره في حواليه إلا قليل كما لو غارت العين لم يبق في نواحيها إلا أثر قليل من النداوة فيزول عن قرب.

قوله ﴿ وقيل من راق ﴾ إن كان من الرقية يقال رقاه يرقيه إذا عوذه بما يشفيه ومنه " بسم الله أرقيك من كل يؤذيك " فالقائل هم بعض أصحاب الميت وأقاربه، والاستفهام إما على أصله لأن العادة جارية على طلب الطبيب والراقي في وقت ما يشتد المرض، وإما بمعنى الإنكار أي من الذي يقدر أن يرقي هذا الإنسان المشرف على الموت، وإن كان اشتقاقه من الرقي الصعود ومنه المرقاة قال الله تعالى ﴿ ولن نؤمن لرقيك  ﴾ فالقائل بعض الملائكة يعني أيكم يرقي بروح هذا المحتضر ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب.

وعن ابن عباس: إن الملائكة يكرهون القرب من الكافرين فيقول ملك الموت: من يرقى بروح هذا الكافر؟

وقال الكلبي: يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض أيهم يعرج بروحه إلى السماء ﴿ وظن ﴾ المحتضر أي تيقن ﴿ أنه ﴾ وقت ﴿ الفراق ﴾ عن الدنيا وأوان الفطام عن مألفواتها.

وفي التعبير عن اليقين ههنا بالظن تهكم بالميت وإشارة إلى أن الإنسان لتهالكه على الدنيا وحرصه على الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بحلول الأجل وإن لم يبق منه إلا حشاشة يسيرة، غايته أنه يغلب على ظنه الموت مع رجاء الحياة العاجلة لا يكاد يقطع بالموت.

واستدل بهذه الآية على أن النفس باقٍ بعد خراب البدن لأن الله سمى الموت فراقاً والفراق والوصال صفة والصفة تستدعي وجود الموصوف.

﴿ والتفت الساق بالساق ﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه كناية عن الشدّة كما مر في قوله ﴿ يوم يكشف عن ساق  ﴾ أي اتصلت شدة فراق الدنيا وترك الأهل والولد والجاه وشماتة الأعداء وحزن الأولياء وغير ذلك بشدّة الإقبال على أحوال الآخرة وأهوالها.

الثاني أن الساق هي العضو المخصوص.

قال الشعبي: أما رأيته في النزع كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى؟

قال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه التفتا في أكفانه.

وقيل: التفاف ساقيه وهو أنه إذا مات يبست ساقاه ولصقت إحدهما بالأخرى.

وقريب منه قول قتادة ماتت رجلاه فلا يحملانه وقد كان عليهما جوالاً ﴿ إلى ربك ﴾ أي حكمة خاصة ﴿ يومئذ المساق ﴾ أي السوق.

وقيل: أراد أن سوقه وقتئذ يفوض إلى الله دون غيره، والفرق أن الرب أي حكمه في الأول هو المسوق إليه وهو في الثاني سائق يسوقه إلى الجنة أو إلى النار.

قوله ﴿ فلا صدّق ولا صلى ﴾ الضمير فيه عائد إلى الإنسان المذكور في قوله ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ﴾ وقد سبق أن تعينه صنفيّ أو شخصي أخبر الله  عن اختلال حال أعماله فيما يتعلق بأصول الدين وفروعه قائلاً ﴿ فلا صدق ﴾ أي فلا صدّق بالرسول أو بالقرآن أو بالبعث ﴿ ولا صلى ﴾ ﴿ ولكن كذب ﴾ بالحق ﴿ وتولى ﴾ عن الطاعة ﴿ ثم ذهب إلى أهله يتمطى ﴾ متبختراً مفتخراً بذلك وأصله يتمطط أي يتمدد لأن المتبختر يمد خطاه، قلبت الطاء الأخيرة ياء كما في " تقضى البازي".

ويحتمل أن يكون من مطا الظهر لأن المتبختر يلوي ظهره.

قال أهل العربية " لا " ههنا بمعنى " لم " وقلما تقع لا الداخلة على الماضي إلا مكررة ومنه الحديث " لا أكل ولا شرب ولا استهل " أما قوله عز من قائل ﴿ فلا أقتحم العقبة  ﴾ فسيجيء قال قتادة والكلبي ومقاتل: أخذ رسول الله  بيد أبي جهل ثم قال له ﴿ أولى لك فأولى ﴾ يوعده ويدعو عليه بالهلاك والبعد عن الخير والقرب من المكاره، وقد مر في قوله ﴿ فأولى لهم  ﴾ وذلك في سورة القتال.

فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني؟

لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا فيّ شيئاً وأني لأعز أهل هذا الوادي ثم سل يده ذاهباً فأنزل الله كما قال الرسول.

قال القفال: هذا محتمل، ويحتمل أن يكون أيضاً وعيداً مبتدأ من الله للكافر على طريقة الإلتفات.

ويحتمل أن يكون أمراً من الله لنبيه بأن يقوله لعدو الله فيكون القول مقدراً أي فقلنا لك يا محمد قل له هذا.

ثم قال دليلين على صحة الخبر الأول ﴿ أيحسب الإنسان أن يترك سدى ﴾ أي هملاً لا يكلف ولا يحاسب بعمله وهذا خلاف الحكمة نظيره ﴿ أفحسبتم أنما خلقنا كم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ \[المؤمنون: 115\] الثاني الاستدلال بالخلق الأول على الإعادة و ﴿ منيّ يمنى ﴾ يراق في الرحم.

من ذكّر فللمني، ومن أنّث فللنطفة.

والنطفة اسم لما ينطف كالقبضة لما يقبض والغرفة لما يغرف إلا أنها غلبت على الماء المخصوص الذي هو للحيوان بمنزلة البذر للنبات.

والمني " فعيل " بمعنى " مفعول " من المني بالسكون وهو الدفق غلب أيضاً على الماء المخصوص فقوله ﴿ من مني ﴾ أي من هذا الجنس كالتأكيد لها.

وقوله ﴿ يمنى ﴾ تأكيد على تأكيد وفيه إشارة إلى حقارة الإنسان في ذاته وأنه لا يليق به التمطي والفخر والإستكبار عن طاعة خالقه فإنه مخلوق من المني الذي جرى على مجرى النجاسة نظيره في عيسى وأمه ﴿ كانا يأكلان الطعام  ﴾ والمراد به قضاء الحاجة.

قوله ﴿ فخلق فسوى ﴾ أي قدّر فعدّل أركانه.

وقيل: خلق فيه الروح فصير أعضاءه متناسبة ﴿ فجعل منه ﴾ أي من الإنسان ﴿ الزوجين ﴾ الصنفين ﴿ الذكر والأنثى ﴾ عن رسول الله  أنه اكن إذا قرأ خاتمة السورة قال عقيبها: سبحانك بلى.

والله الموفق وإليه المصير والمآب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ ﴾ ، اختلف في تأويله: فمنهم من ذكر: أنه أقسم الله  بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة، ذكر ذلك عن الحسن، ويكون معناه: لأقسم بسوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة.

لكن ذكر عنه أنه يقول في قوله  : ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ  وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ  وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ  ﴾ : إن القسم يقع على البلد [ووالد وما ولد، والوالد هو آدم]  ، وما ولد جملة أولاده  ، فإذا كان القسم جائزا بالوالد والمولود جميعا، كانت النفس اللوامة داخلة في جملة المولود فقد أقسم بالنفس اللوامة عنده؛ فلا معنى للرد هاهنا [ثم موقع "لا" في قوله: ﴿ لاَ أُقْسِمُ ﴾ وتأويله - يذكر في قوله: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ﴾ في سورة يذكر فيها الكبد.

ومنهم من ذكر أن القسم وقع بهما جميعا، ولله  أن يقسم بما شاء من خلقه.

ثم صرف بعض أهل التأويل معنى القسم إلى قوله  : ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ ، وجعله موضع القسم، فإن كان على هذا، فالإشكال عليه أن يقول قائل: كيف أكد أمر البعث، وجمع العظام بالقسم بيوم القيامة، وقد جرى من القوم الذين احتج عليهم بهذه الآية الإنكار بيوم القيامة، فكأنه أكد القسم بشيء جرى به الإنكار؟

والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يكون القيم منصرفا إلى الحكمة التي توجب القول بالبعث؛ إذ قد بينا في غير موضع: أنه بالبعث ما خرج خلق هذا العالم مخرج الحكمة، ولولا البعث، لكان خلقه عبثا باطلا، كقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\]، كأنه قال: لا أقسم بحكمته الداعية إلى كون القايمة كذا أن يكون كذا.

وجائز أن يكون القسم في الحقيقة بالدلائل والبراهين التي من تفكر وأمعن النظر فيها، حمله ذلك على القول بالبعث، وإذا كان محتملا صح القسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة؛ لأن التفكر في النفس اللوامة والاعتبار بها يدعو إلى القول بالبعث.

ثم العادة جرت على القسم بالأشياء التي عظم خطرها، وجل قدرها في القلوب؛ وجلالة خطرها يكون بأحد وجهين: إما بما كثرت منافعها؛ فيكون خطرها مشاهدا معروفا.

أو يعظم خطرها بالدلائل الأخبار، فالسماوات والأرضون قد عرف الخلق جلالة أقدارهما بالعيان؛ بما كثرت منافع الخلق بهما.

وعظم يوم القيامة بما جل خطره في القلوب؛ وثبت القول بكونه بالدلالات والبراهين.

ثم قد وصفنا أن الله -  - أقسم بأشياء؛ لتأكيد ما يعرف بيانه ويجب القول به لولا القسم لو أمعن النظر فيه؛ وأعملت فيه الروية؛ لذلك استقام القسم بها، والله أعلم.

واختلف في النفس اللوامة: قال بعضهم: النفس اللوامة هي النفس الكافرة، تلوم ربها في الدنيا أبدا في تضييق العيش عليها، وتشكو ربها من الفقر والإقتار عليها، مع كثرة نعم الله عليها وإحسانه إليها.

ومنهم من صرف التأويل إلى كل نفس مؤمنة كانت أو كافرة، فهي تلوم غيرها؛ لتعاطيها أشياء قد تعاطت نفسه مثلها، وامتحنت بها، والحق على كل أحد ألا يلوم أخاه بما تعاطى فعلا قد أتى هو ذلك الفعل بعينه أو مثله، ولكنها أنشئت كذلك لوامة، كما قال: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً  ﴾ .

ومنهم من ذكر أن هذا يكون في الآخرة، فالكافر إذا أيقن بالعذاب وما حل به من نقمة الله  ندم على ما فرط في جنب الله، وأدركته الحسرة؛ فعند ذلك يلوم نفسه، والمؤمن إذا عاين الثواب يلوم نفسه لما أمسك عن المعصية وتاب، وأطال المقام في المحراب؛ و أبصر للعاملين بالطاعة حسن المآب، وللعاصي نفسه بما شذ منه وغاب، عند كمال القوة وعنفوان الشباب، وقال: كيف لم أزدد في العمل؛ لأزداد في الثواب!

ومنهم من خص الكافر في الآخرة باللوم على نفسه، وهذا أظهر؛ لأن المسلم إذا أكرم بالثواب فشكره لذلك بشغله عن اللوم [على نفسه]؛ فلا يتفرغ له.

ولأن الله -  - يضاعف له من الحسنات، ويعطيه من الدرجات زيادة على ما استوجبه ب عمله؛ فضلا منه وإنعاما، فكيف يلوم انفسه بتقصيرها في العمل، وهو يعل أن ما وصل إليه من الكرامات، لم ينل جملتها بعمله، بل بفضل الله  وبكرمه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ : فقوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ ﴾ وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر فليس هو باستفهام؛ ولكنه تحقيق حسبان من الإنسان؛ فجائز أن يكون [ما] حمله على الحسبان هو أن القدرة لا تنتهي إلى هذا في أن تجمع العظام وتؤلف بعد تفتتها وتلاشيها، فيدفع حسبانه هذا بقوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ فمن تفكر في النشاة الأولى، علم أن القدرة تنتهي إلى جمع العظام بعد أن صارت رميما، وأن الذي قدر على إنشائها لقادر على جمعها بعد تفريقها.

وجائز أن يكون حسب أن العظام لا تجمع بعد تفريقها؛ لأنها لو جمعت بعد التفريقب، لم تكن تفرق بعد أن وجدت مجموعة؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد لا يقصد إلى نقض ما بنى؛ ليعيده مرة أخرى إلى الجهة المقتدمة، ومن فعل ذلك كان عابثا في هدمه، ولم يكن حكيما، فإن كان هذا المعنى هو الذي حمله على الحسبان، فجوابه أن يقال بأن الجمع الأول وقع لمكان المحنة والابتلاء، والجمع بعد التفريق لمكان الجزاء؛ فإذا كان الجمع الثاني لغير الوجه الذي وقع [له] الجمع في الابتداء، كان مستقيما صحيحاً، وإنما يخرج عن حد الحكمة إذا لم تكن الإعادة إلا للوجه الذي وقع الابتداء [له]؛ ألا ترى أن الذي نقض بناءه إذا أعاده لا للوجه الذي كان يني أول مرة، لم ينكر عليه.

وفيما ذكرنا رد قول الباطنية؛ لأنهم زعموا أن هذه الأنفس تتلاشى وتتلف؛ فلا تبعث، وأن البعث يقع على الأنفس الروحانية، ولو كان كما زعموا، لم يكن لقوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ معنى؛ لأن العظام لا تجمع على قولهم بعدما صارت رميمة؛ فيكون الأمر إذن على ما وقع في حسبان هذا الإنسان؛ فلا معنى للرد عليه بقوله: ﴿ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ ؛ ألا ترى أن الذي حمله على الإنكار لجمع العظام بعد تفريقها هو أنه لم ير هذا موجودا في الشاهد، ولو كان الأمر على ما زعمت الباطنية، لكن الإنكار مدفوعا؛ إذ وجد النفس الروحانية مبعوثة في الشاهد بعد توفيها، وقال [الله]  : ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ ، فأخبر أن الأنفس التي أنشئت أول مرة هي التي تحيا، لا غير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ : فمنهم من حمل هذه الآية على الابتداء، وزعم أنه ليس فيها جواب لما يقتضيه قوله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ .

ومنهم من ذكر أن قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ، جواب قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ ﴾ ، فاكتفى بقوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ بما سبق منه من الدلالات والحجج على القول بالبعث؛ فاقتصر على قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ على الوصل بما تقدم من الدلالات.

ومنهم من جعل جوابه في قوله: ﴿ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ ، معنى تسوية البنان: هو الجعل من عظم واحد، مجموعا غير متفرق، مثل خف البعير، وحافر الدواب.

ووجه الاستدلال: أنهم أقروا بأن الله  قادر على [أن يسوي] البنان؛ لما رأوا التسوية موجودة في الدواب، ثم الجمع بعد التفريق أظهر وجودا أيسر فعلا من تسوية البنان؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد قد يقدر على التأليف والجمع بين أشياء متفرقة، ويعجز عن تسوية البنان؛ فإذا كانت التسوية أعسر وجودا من الجمع بعد التفريق، ثم وصفوا الله  بالقدرة على تسوية البنان، فكيف أنكروا قدرته على جمع العظام بعد تفريقها؟

 الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا!!.

ومنهم من يقول بأن الله  لم يسو بين بنان الإنسان، وسوى بين بنان الدواب؛ ليصل إلى الأخذ والإعطاء، وإلى التقديم والتأخير، والقبض والبسط، وأنواع المنافع التي خص بها من نحو ما يملكون بالبنان تسخير الدواب والأنعام؛ فعلم بالتفريق بين الدواب وبينهم أن البشر هم المقصودون بالمحنة، وألا يتركهم سدى، لا بأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يستأديهم شكر ما أنعم الله عليهم؛ وقد ائتمر البعض وعصى البعض؛ فلا بد من دار أخرى للمجازاة؛ فالنظر في هذا يحمله على القول بالبعث والجزاء.

ولأن الاستواء يقع في الابتداء، والجمع بعد التفريق يكون عند الإعادة، والعقول تشهد على أن أمر الإعادة أيسر من أمر الابتداء، فإذا لم يتعذر عليه الاستواء في الابتداء؛ فأنى يعسر عليه إعادة الجمع مع قدرته على الجمع في الابتداء؟

ولأ،هم لما لم يخلقوا مستوية البنان، فليعلموا أن في ترك الاستواء حكمة، ولو كان الأمر على ما قدروا أن لا بعث لكان ذل يخرج عن حد الحكمة؛ فيكون فيما ذكر تثبيت البعث والقول بالقدرة على جمع العظام بعد تفرقها، وتفتتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ : قال أهل التفسير: يؤخر التوبة، ويقدم المعصية، ويقول: "سوف أتوب"، فيأتيه الموت على شر حاله.

وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن يكون ذكر الإرادة لا على تحقيقها؛ ولكن من فعل شيئا فعله على الإرادة والاختيار، فكنى بالإرادة عن الفعل؛ لأنها تقترن بالفعل؛ فيكون في ذكرها ذكر الفعل، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ ولم يظن أحد من الكفرة أن السماء والأرض خلقتا باطلاً، ولكن خلقهما خرج على الحكمة بالبعث والجزاء، ففي تركم القول بالبعث وصف بأن خلقهما للعب والباطل، ويؤدي إلى هذا؛ فيصير كأنهم قالوا ذلك، وظنوا كذلك؛ فعلى هذا يحمل الأمر على الظن، لا أن وجد منهم الظن في الحقيقة؛ فكذلك إذا فعلوا فعل الفجور، وكان فعلهم على الإرادة والاختيار؛ فكأنهم أرادوا أن يفجروا أمامهم، لا أن كانت الإرادة منهم متحققة مقصودا.

وجائز أن يكون ذلك على تحقيق الإرادة، وذلك أن للشر والفجور سبلا من سلكها أفضت به إلى أن يستحق اسم الفجور، وللخير والهدى سبلا من سلكها أفضى به الأمر إلى أن يستحق اسم البر والتقوى، فإنما صار إلى الفجور وإلى أنواع الشرور بسلوكه ذلك السبيل، وصار مريدا من هذه الجهة.

ثم قوله: ﴿ أَمَامَهُ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: فيما بقي من عمره؛ لأنه يترك الاستهداء والاسترشاد، ويمضي على العادة التي عود نفسه على ذلك من الشرور والضلال.

ويحتمل أن يكون الأمام هو يوم القيامة، ثم قال في موضع: ﴿ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً  ﴾ بعد ذكر ذلك اليوم بالأمام والوراء جميعا؛ فيكون قوله: ﴿ وَرَآءَهُمْ ﴾ ، أي: وراء الأوقات التي خلت ومضت؛ فعلى اعتبار الإضافة إلى الأوقات الماضية يكون يوم القيامة وراءها، وعلى اعتبار الإضافة إلى ذلك الفاجر يكون أماما؛ لأنه يكون أمام هذال الفاجر؛ فكذلك استقام الوصف بالأمام والوراء جميعا.

ثم ذكر الفجور، ولم يذكر الكفر وإن كان الإنسان الذي يريد أن يفجر أمامه كافرا؛ لأن في ذكر الفجور تعبيراً وتنشييناً؛ إذ هو اسم للتعيير خاصة، وليس في نفس الكفر تعيير؛ إذ كل أحد - مؤمنا كان أو كفارا - مؤمن بشيء كافر بشيء، فالكافر من حيث اسمه لم يصر قبيحا؛ بل بمعناه ما قبح؛ فكان الفجور أبلغ في التعبير من الكفر؛ فسمي به، والله أعلم.

وقال أبو بكر: معنى قوله: ﴿ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ ، أي: يريد أن يعاين يوم القيامة، ويعلم به أنه متى هو؟

تفسيره على أثره.

قوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، أي: يريد أن يعلمه بسؤاله متى هو؟

فأخبر أنها تقوم إذا ﴿ بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ سؤاله هذا سؤال تعنت واستهزاء؛ لما ذكرنا أنه ليس في تعرف وقت كونه مزجر ولا مرغب، وإنما يقع الزجر والرغبة بتكذير الأحوال التي تكون في ذلك اليوم؛ فلذلك ذكر الأحوال التي تكومن في ذكل اليوم، ولم يوقفهم على ذلك الوقت متى يكون؟

إذ ليس في معرفة وقته كثير حكم، فيجيبهم رسول الله  بجواب الحكماء، لا أن يجيبهم بجواب مثلهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ﴾ : قيل: دهش وتحير، ثم اختلف بعد هذا: فمنهم من صرف هذا إلى حالة الموت.

ومنهم من ذكر أن هذه الأحوال تكون يوم القيامة.

وإلى أي الحالين صرف التأويل، فهو مستقيم؛ لأن المنكر بالبعث إذا جاءه بأس الله  ، ورأى ما حل به من الأهوال - أيقن بالبعث، وعلم به.

ثم إن كان المراد به حالة الموت؛ فقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ * يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ يخرج على التمثيل، ليس على التحقيق؛ لأن بصره إذا دهش وتحير، صار بحيث لا ينتفع ببصر وجهه، ولا ببصر قلبه، لا يرى ضوء القمر؛ فيصير القمر كالمنخسف، وتصير الشمس والقمر كالمجموعين، ولا يرى ضوء الشمس ولا نور القمر؛ فيصير النهار عليه ليلا، والليل نهارا؛ شغلا بما حل به من البلايا والأهوال، وهو كما روي عن النبي  أنه قا ل: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والآخرة جنة المؤمن وسجن الكافر" ، وقال النبي  : "من كره لقاء الله، كره الله لقاءه، ومن أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه" فصرفوا تأويل هذه الخبرين إلى حالة الموت؛ وذلك أن الكافر يعاين في ذلك الوقت ما أوعد من الأهوال والشدائد؛ فكره مفارقة روحه من جسده؛ لئلا يقع في تلك الأهوال والشدائد، وتصير الدنيا له في ذلك الوقت كالجنة، لا يجب مفارقتها.

والمؤمن إذا عاين ما وعد له من البشارات، وأنواع الكرامات، ود الخروج من الدنيا؛ ليصل إلى ما أعد له؛ فتصير الدنيا عليه كالسجن في ذلك الوقت؛ فيكون هذا كله على التمثيل من الوجه الذي ذكرنا.

وإن كان ذلك على يوم القيامة، فهو على تحقيق الخسف، وجمع الشمس والقمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ : يحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ ، أي: ليس لي موضع فرار عما حل بي.

أو يقول: إلى أين المفر؟

وإلى من ألتجئ؛ لأتخلص من العذاب؟

والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ﴾ : قال بعضهم: إذا شخص البصر نحو الداعي يوم القيامة، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ  ﴾ ، فيشخص ببصره إلى الداعي؛ لأنه قد علم أن الذي حل به من بأس الله  هو لامتناعه عن الإجابة للداعي في هذه الدنيا؛ فيسارع يوم القيامة في إشخاص بصره إلى الداعي؛ ابتدارا منه إلى إجابة الداعي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ ﴾ ، أي ذهب ضوءه ونوره؛ ففيه أن العالم في ذلك اليوم يغير ويبدل، كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً  ﴾ ، وقال: ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ﴾ : فيه أن سلطانهما يذهب؛ فلا يعملان عملهما بعد ذلك.

ثم من الناس من زعم أنهما يجمعان يوم القيام كالبعيرين القرينين، أو كالثورين القرينين، فيلقيان في النار، ويعذبان بها.

وذكر عن ابن عباس -  ما - أنه أنكر هذا، وقال: "إنهما خَلقْان لله  ، طائعان له - عز وجل - ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ  ﴾ يدأبان في طاعة الله  ، ومن كان هذا وصفه؛ فلا يجوز أن يعذب".

وعندنا إن إلقاءهما إن ثبت، فهما يلقيان في النار؛ ليعذب بهما غيرهما، وهم الذي عبدوهما من دون الله  ، وذلك كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الآية [الأنبياء: 98]، ومعلوم أن الأصنام التي عبدت من ون الله لا تعذب بالنار، ولكنها تجعل حصبا ونارا يعذب بها من عبدها، وقال [الله]  : ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً  ﴾ ، ولا يجوز أن يكون الملائكة يمسهم أذى النار، بل هم الذين يُعَذِبُون؛ فعلى ذلك الشمس والقمر إن ثبت أنهما يلقيان في النار، فهما يلقيان؛ ليعذب بهما من عبدهما، لا أن يعذبا بأنفسهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ على طلب الحيلة أن كيف أحتال إلى أن أفر؟

وإلى من ألتجئ؛ لأتخلص من بأس الله وعذابه؟!

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ ، أي: ليس لي موضع فرار عما حل بي؛ لإيقانه أن ليس له مفر.

وجائز أن يكون هذا كله عند الموت على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ لاَ وَزَرَ ﴾ .

ذكر أهل التأويل أن الوزر هو الجبل بلغة حمير؟

وذكر عن الحسن قال: كانت العرب يخيف بعضها بعضا، ويغير بعضها على بعض؛ فكان يكون الرجلان في ماشيتهما فلا يشعران حتى يريا نواصي الخيل، فيقول أحدهما لصاحبه: الوزر الوزر، يعني: الجبل؛ فكأنه يقول: ليس لهما إذ ذاك تفريج ولا تسلٍّ من الأحزان كما يتسلى من يأوي إلى الجبل في الدنيا عن بعض ما يحل به من الأفزاع.

وقيلأ: الوزر: الملجأ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ ، فتأويله: أنه ينبأ من أول ما عمل إلى آخر ما انتهى إليه عمله؛ كقوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: بما قدم من أنواع الطاعة، وما أخر من حق الله  من اللوازم التي كانت عليه.

وقال بعضهم: بما أعلن، وأسر.

وقال بعضهم: بما قدم في حياته من أعمال، وما أخر، أي: ما سن من سنة، فاستن [بها] بعد موته.

وقد ذكرنا أنه باللطف من الله  ما يعلم بالذي قدم من الأعمال وأخرها، فيتذكر بذلك حتى يصير ما كتب في الكتاب حجة عليه؛ وإلا فالمرء في هذه الدنيا إذا كتب كتابا، ثم أتت عليه مدة، لم يتذكر جميع ما كتب فيه، ولا وقف على علم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴾ : هذا يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن يكون أراد بهذا في الدنيا: أن الإنسان بصير بعمل نفسه، وإن جادل عنها: أنه لم يفعل ذلك، وأسر ذلك عن الناس، ﴿ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴾ ، أي: أرخى الستور بما كسبت نفسه، والمعذار هو الستر.

والوجه الثاني: أن يكون في الآخرة، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن الإنسان وإن كان يعتذر يوم القيامة بقوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، وقال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ  ﴾ ، فيقدمون على الحلف؛ اعتذارا منهم على العلم منهم أنهم مبطلون في جدالهم.

والثاني: أن يكون معنى البصيرة: الشاهد، أي: أن الإنسان على نفسه شاهد يوم القيامة بسوء أفعاله، ﴿ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴾ ، أي: وإن ستر على نفسه، شهدت عليه جوارحه، وذلك نحو قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20].

فإن قيل: إن الإنسان مذكر، كيف وصف بالبصر بلفظه التأنيث بقوله: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ، ولم يقل "بصير"؟

فجوابه من أوجه: أحدها: ما قيل: إن الإنسان تسمية جنسٍ فيه الجماعة، لا أن يكون تسمية للشخص الواحد فقط؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَٱلْعَصْرِ  إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ  إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ ، استثنى الذين آمنوا من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ ، ولا يستثنى الجماعة من الواحد، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ  ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ  إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ  ﴾ ، فاستثنى الذين آمنوا من الإنسان؛ فثبت أن الإنسان تسمية جنس، والجنس جماعة، وتكون الجماعة مضمرة فيه؛ كأنه قال: إن جماعة الناس على أنفسهم بصيرة؛ فيكون قوله: ﴿ بَصِيرَةٌ ﴾ راجعا إلى الجماعة، والله أعلم.

وجواب ثاني قوله: ﴿ بَصِيرَةٌ ﴾ وصف للإنسان بالغاية من البصر بكل ما عمل، حتى لا يعزب عنه شيء، والهاء قد تدخل في خطاب المذكر عند الوصف بالمبالغة؛ كقولك: فلان علامة ونسابة، ورواية للشعر، وبالغة في النحو.

والثالث: أن الإنسان تسمية ما يراه بجوارحه كلها من الأيدي والأرجل والسمع والبصر والرأس وغير ذلك، وفيها نفس أمارة بالسوء؛ فتصير جوارحه كلها بصيرة، أي: شاهدة عليه بما قدم وأخر.

وجائز أن يكون هذا على الإضمار؛ فيكون قوله: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ، أي: نفس الإنسان بصيرة بما عملت.

ثم من الناس من ثبت للجوارح العلم بما كسبت نفسه؛ حتى تصير شاهدة عليه يوم القيامة بقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ ، ولو لم يكن لها العلم بما قدمت نفسه، لكانت لا تشهد بما لا تعلم.

وليس الأمر عندنا على ما زعموا؛ لأنها لو علمت بذلك، لكان صاحبها يصل إلى العلم من جهتها؛ ألا ترى أن القلب لما ثبت له المعرفة، وقع لصاحبه علم المسموع به، ولما كان بعينه يبصر الأشياء كان علم البصر واقعا من جهتها؛ فلما لم يقع له العلم بيديه، ولا برجليه، ولا بشيء من جوارحه سوى القلب - علم أنه لا حظ لها في المعرفة، ولكن جعلت هي شاهدة وحجة يوم القيامة تشهد على صاحبها، بما يحدث الله  فيها علما ضروريّاً بذلك، لا أن كان لها علم بالذي شهدت قبل ذلك، كما جعلت نطوقة في ذلك الوقت، لا أن كان النطق فيها موجودا من قبل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يسأل على وجه الاستبعاد عن يوم القيامة: متى يقع؟

<div class="verse-tafsir" id="91.JQ9Yg"

مزيد من التفاسير لسورة القيامة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل