الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ١٤ من سورة الأنفال
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار ) هذا خطاب للكفار أي : ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا ، واعلموا أيضا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة .
القول في تأويل قوله : ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هذا العقابُ الذي عجلته لكم، أيها الكافرون المشاقون لله ورسوله، في الدنيا, من الضرب فوق الأعناق منكم, وضرب كل بنان، بأيدي أوليائي المؤمنين, فذوقوه عاجلا واعلموا أن لكم في الآجل والمعاد عذابَ النار.
(61) * * * ولفتح " أن " من قوله: (وأن للكافرين)، من الإعراب وجهان: أحدهما الرفع, والآخر: النصبُ.
فأما الرفع، فبمعنى: ذلكم فذوقوه, ذلكم وأن للكافرين عذاب النار= بنية تكرير " ذلكم ", كأنه قيل: ذلكم الأمر، وهذا.
وأما النصب: فمن وجهين: أحدهما: ذلكم فذوقوه, واعلموا, أو: وأيقنوا أن للكافرين= فيكون نصبه بنية فعل مضمر, قال الشاعر: وَرَأَيْــتِ زَوْجَــكِ فِــي الـوَغَى مُتَقَلِّــــدًا سَــــيْفًا وَرُمْحَـــا (62) بمعنى: وحاملا رمحًا.
والآخر: بمعنى: ذلكم فذوقوه, وبأن للكافرين عذاب النار= ثم حذفت " الباء "، فنصبت.
(63) ----------------------- الهوامش : (61) انظر تفسير " الذوق " فيما سلف 12 : 420 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(62) مضى البيت مرارًا وتخريجه ، انظر آخرها ما سلف 11 : 577 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .
(63) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 405 ، 406 .
ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار قال الزجاج : ذلكم رفع بإضمار الأمر أو القصة ، أي الأمر ذلكم فذوقوه .
ويجوز أن يكون في موضع نصب ب ذوقوا كقولك : زيدا فاضربه .
ومعنى الكلام التوبيخ للكافرين .
و أن في موضع رفع عطف على ذلكم .
قال الفراء : ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى : وبأن للكافرين .
قال : ويجوز أن يضمر : واعلموا أن .
الزجاج : لو جاز إضمار " واعلموا " لجاز زيد منطلق وعمرا جالسا ، بل كان يجوز في الابتداء : زيدا منطلقا ; لأن المخبر معلم ، وهذا لا يقوله أحد من النحويين .
ذَلِكُمْ} العذاب المذكور {فَذُوقُوهُ} أيها المشاققون للّه ورسوله عذابا معجلا. {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ}. وفي هذه القصة من آيات اللّه العظيمة ما يدل على أن ما جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسول اللّه حقًا. منها: أن اللّه وعدهم وعدا، فأنجزهموه. ومنها: ما قال اللّه تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} الآية. ومنها: إجابة دعوة اللّه للمؤمنين لما استغاثوه بما ذكره من الأسباب، وفيها الاعتناء العظيم بحال عباده المؤمنين، وتقييض الأسباب التي بها ثبت إيمانهم، وثبتت أقدامهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية. ومنها: أن من لطف اللّه بعبده أن يسهل عليه طاعته، وييسرها بأسباب داخلية وخارجية.
( ذلكم ) أي : هذا العذاب والضرب الذي عجلته لكم أيها الكفار ببدر ، ( فذوقوه ) عاجلا ( وأن للكافرين ) أي : واعلموا وأيقنوا أن للكافرين أجلا في المعاد ، ( عذاب النار ) روى عكرمة عن ابن عباس قال : قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغ من بدر : عليك بالعير ليس دونها شيء ، فناداه العباس وهو أسير في وثاقه : لا يصلح ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لمه؟
قال : لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك .
«ذلكم» العذاب «فذوقوه» أيها الكفار في الدنيا «وأن للكافرين» في الآخرة «عذاب النار».
ذلكم العذاب الذي عجَّلته لكم -أيها الكافرون المخالفون لأوامر الله ورسوله في الدنيا- فذوقوه في الحياة الدنيا، ولكم في الآخرة عذاب النار.
ثم يوجه - سبحانه - خطابه على سبيل الالتفات لأولئك الذين شاقوا الله ورسوله ، متوعدا إياهم بسوء المصير فيقول : ( ذلكم فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النار ) فاسم الإِشارة ( ذلكم ) يعود إلى ما سبق بيانه من تأييد المؤمنين ، وخذلان الكافرين وإنزال العقوبة بهم .أى ذلكم الذى نزل بكم - أيها الكافرون - من القتل والأسر فى بدر ، هو العقاب المناسب لطغيانكم وشرككم وعنادكم ، فذوقوا آلامه ، وتجرعوا غصصه ، وعيشوا فى مذلته .هذا فى الدنيا ، أما فى الآخرة فلكم عذاب النار الذى هو أشد وأبقى من عذاب الدنيا .
فاتركوا الكفر ، وادخلوا فى الإِيمان لتنجوا من العذاب وتنالوا الثواب .قال الجمل ما ملخصه وقوله : ( ذلكم فَذُوقُوهُ .
.
.
) يجوز فيه وجوه من الأعراب أحدها أن يرفع بالابتداء والخبر محذوف أى ذلكم العقاب .
الثانى : أن يرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى : العقاب ذلكم أو الأمر ذلكم وعلى هذين الوجهين يكون قوله ( فَذُوقُوهُ ) لا تعلق له بما قبله من جهة الاعراب فهو مستأنف ، والوقف يتم على قوله : ( ذلكم ) الثالث : أن يرتفع بالابتداء .
والخبر قوله ( فَذُوقُوهُ ) وهذا على رأى الأخفش .وقوله ( وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النار ) معطوف على قوله ( ذلكم ) أو منصوب على أنه مفعول معه ، والمعنى : ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل لكم فى الآخرة ، ووضع الظاهر فيه موضع المضمر - بأن قال ( فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ ) ولم يقل فذوقوه وأن لكم - للدلالة على أن الكفر سبب للعذاب الآجل أو للجمع بينهما .ومن هذا نرى أن تلك الآيات الكريمة قد ذكّرت المؤمنين الذين اشتركوا فى غزوة بدر بألوان من نعم الله عليهم ، وبأنواع من البشارات التى كانت تدل على أن النصر سيكون لهم .1- ذكّرتهم بوعد الله لهم بأن إحدى الطائفتين : العير أو النفير ستكون لهم ، وقد وفى لهم - سبحانه - بوعده ، حيث جعل النصر لهم ، ومن أوفى بعهده من الله؟2- وذكرتهم بإجابة الله لدعائهم ، حيث أمدهم بألف من الملائكة مردفين .3- وذكرتهم بالنعاس الذى ألقاه - سبحانه - عليهم قبل المعركة ، ليكون أماناً لهم ، وراحة لأبدانهم .4- وذكرتهم بنزول المطر عليهم من السماء ليكون طهارة ظاهرية وباطنية لهم ، وليكون طمأنينة لقلوبهم ، وتثبيتاً لأقدامهم .5- وذكرتهم بأمر الله لملائكته أن يثبتوهم ، بأن يغرسوا فى قلوبهم الثقة فى نصر الله لهم ، والاستهانة بقوة أعدائهم .6- وذكرتهم بما ألقاه - سبحانه - فى قلوب الكافرين من رعب وفزع وجزع ، جعلهم ينهزمون أمامهم .7- وذكرتهم بأن ما أصاب أعداء الله وأعداءهم من قتل وأسر وخسران كان سببه كفرهم وعنادهم وإيثارهم سبل الغى على سبيل الرشد ، وأنهم - إذا استمروا فى كفرهم - فسيلقون فى الآخرة عذاباً أشد وأبقى مما نزل فى الدنيا .ولا شك أن هذا التذكير من مقصاد الأساسية حض المؤمنين على الاستجابة لله ولرسوله : وعلى مداومة الشكر لخالقهم ، فهو - سبحانه - الذى منحهم هذه النعم الجزيلة التى تمكنوا معها من رقاب أعدائهم ، وهو الذى جعلهم يغنمون كل هذه الغنائم بعد أن خرجوا من ديارهم بلا مال ولا ظهر ولا عتاد .هذا ، ومن الخير قبل أن ننقل من هذه الآيات إلى غيرها ، أن نتكلم بشئ من التفصيل عن مسألة كثر الحديث عنها .وهذه المسألة هى : ماذا كانت وظيفة الملائكة فى بدر؟
أكانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فحسب أم أنهم بجانب هذا التثبيت قاتلوا فعلا؟
إننا بمطالعتنا لما كتبه الكاتبون عن هذه المسألة نراهم فى كتابهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :( أ ) أما القسم الأول منهم ، فيرى أن الملائكة فى غزوة بدر لم تكن وظيفتهم التثبيت فحسب ، وإنما هم قاتلوا مع المؤمنين فعلا ، ويستدلوا على ذلك بأدلة من أهمها :1- ما جاء عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنه بينما رجل من المسلمين يشتد فى إثر رجل من المشركين أمامه .إذ سمع ضربة بالوسط فوقه وقائلا يقول : أقدم حيزوم ، فخر المشرك مستلقياً فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه .
فجاء فحدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة .2- وجاء عنه أنه قال - أيضاً - : كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء ، ويوم أحد عمائم خضراء ، ولم تقاتل الملائكة فى يوم سروى بدر وكانوا فيما سواه عددا ومددا .3- وعن أبى داود المزنى قال : تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر .
فوقع رأسه بين يديى قبل أن يصل إليه سيفى .4- وروى عن عبد الله بن مسعود أن أبا جهل سأله يوم بدر : من أين كان ذلك الصومت الذى كنا نسمعه ولا نرى شخصاً؟
فقال : من الملائكة ، فقال له أبو جهل : هم إذن غلبونا لا أنتم .5- وقال القرطبى : وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت يوم بدر وقاتلت .
ومن ذلك قول أبى أسيد مالك بن ربيعة وكان شهد بدرا : لو كانت معكم الآن ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب - أى الطريق فى الجبل - الذى خرجت منه الملائكة .
لا أشك ولا أمارى .
وعن سهل بن حنيف قال : لقد رأيتنا يوم بدر إن أحدنا يشير بسيفه إلى راس المشرك فتقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه .هذه أهم الروايات التى استند إليها العلماء الذين يرون أن الملائكة قد قاتلوا مع المؤمنين يوم بدر ، وعلى رأس هؤلاء العلماء القرطبى ، فهو يرى أن هذا هو الصحيح وأنه رأى الجمهور .( ب ) أما القسم الثانى من العلماء فيرى أن الملائكة لم تقاتل يوم بدر ، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين فى المعركة ، وتقوية أرواحهم وقلوبهم ، واستدلوا على ذلك بأدلة من أهمها :1- أنه ليس فى الآيات القرآنية التى تحدثت عن غزوة بدر آية واحدة صريحة فى أن الملائكة قد قاتلت بالفعل ، وإنما هى صريحة فى أن الله تعالى - قد أمد المؤمنين بالملائكة ، وجعل هذا الإِمداد بشارة لهم .قال الآلوسى عند تفسيره لقوله - تعالى - : ( وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى ) وفى الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالا ، وهو مذهب لبعضهم .
ويشعر ظاهرها بأن النبى - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم بذلك الإِمداد ، وفى الأخبار ما يؤدي ذلك .بل جاء فى غير ما خبر أن الصحابة رأوا الملائكة - عليهم السلام - .2- أن بعض الآيات القرآنية التى تحدثت عن غزوة بدر قد وضحت وظيفة الملائكة توضيحاً تاماً ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب فاضربوا فَوْقَ الأعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ) .قال ابن جرير فى معنى ( فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ ) قووا عزمهم ، وصححوا نياتهم فى قتال أعدائهم من المشركين .
.وقال فى معنى قوله - تعالى - ( فاضربوا فَوْقَ الأعناق .
.
.
) : والصواب من القول فى ذلك أن يقال إن الله أمر المؤمنين معلما إياهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف ، أن يضربوا فوق الأعناق منهم والأيدى والأرجل .
.وقال الفخر الرازى : قوله ( فاضربوا فَوْقَ الأعناق ) فيه وجهان : الأول : أنه أمر للملائكة متصل بقوله - تعالى - ( فَثَبِّتُواْ ) .
وقيل : بل أمر للمؤمنين ، وهذا هو الأصح لما بينا أنه - تعالى - ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة .
.3- أن الروايات التى استند إليها من قال بأن الملائكة قالت مع المؤمنين فى بدر لم ترد فى كتب السنة المعتمدة ، بل لم يذكر معظمها الإِمام ابن جرير مع علمنا باهتمامه بالمرويات فى تفسيره .
وفضلا عن ذلك فإن أكثر هذه الروايات لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلت .
فمثلا رواية أبى داود المازنى لم تصرح بأن المشرك الذى أارد هو أن يقتله قد قتله ملك .
وكذلك الحال بالنسبة لروايتى أبى أسيد وسهيل بن حنيف وأما قول أبى جهل لابن مسعود : " هم إذن غلبونا - يعنى الملائكة - لا أنتم ، فنرجح أنه من باب التبرير والمغالطة .
فهو يريد أن ينفى - حقداً منه وعناداً - قوة المؤمنين الذين صرعوا أمثاله من الطغاة .
.
" .والخلاصة أن معظم الروايات - مع ضعفها - لم تصرح بأن الملائكة قد قاتلوا مع المؤمنين يوم بدر .4- استبعد كثير من العلماء اشتراك الملائكة فى القتال ، ومن هؤلاء العلماء الإِمام أبو بكر الأصم فقد قال :" إن الملك الواحد يكفى فى إهلاك أهل الأرض كما فعل جبريل بمدائن قوم لوظ .
فإذا حضر هو يوم بدر - وجميع الروايات تذكر أنه كان على رأس الملائكة - فأى حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار؟
بل أى حاجة حينئذ إلى إرسال سائر الملائكة؟
وأيضاً فإن أكابر الكفار كانوا مشهورين ، وقاتل كل منهم من الصحابة معلوم .وأيضاً لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أوْلا .
.
وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف وأكثر ، ولم يقل أحد بذلك .
.
وعلى الثانى كان يلزم جز الرءوس ، وتمزيق البطون ، وغسقاط الكفارمن غير مشاهدة فاعل ، ومثل هذا من أعظم المعجزات ، فكان يجب أن يتواتر ويشتهر بين المسلم والكافر والموافق والمخالف .
.
.وقال صاحب المنار : مقتضى السياق أن وحى الله للملائكة ( وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى ) إلخ .وقوله - تعالى - ( سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب .
.
) إلخ بدء كلام خوطب به النبى - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون تتمة للبشرى .
فيكون الأمر بالضرب موجهاً إلى المؤمنين قطعاً ، وعليه المحققون الذين جزموا بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر تبعاً لما قبله من الآيات .ثم قال : وفى كتب السير وصف للمعركة علم منه القاتلون والآسرون لأشد المشركين بأسا ، فهل تعارضه ذه البينات النقلية بروايات لم يرها شيخ المفسرين ابن جرير حرية بأن تنقل .كفانا الله شر هذه الروايات الباطلة التى شوهت التفسير وقلبت الحقائق ، حتى إنها خالفت نص القرآن نفسه فالله - تعالى - يقول فى إمداد الملائكة ( وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بشرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ .
.
.
) وهذه الروايات تقول بل جعله مقاتلة .
وإن هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلا باجتماع ألف أو ألوف من الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصهم الله بما ذكر من أسباب النصر المتعددة .ألا إن فى هذا من تعظيم شأن المشركين ، وتكبير شجاعتهم وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول وأشجعهم مالا يصدر عن عاقل ، إلا وقد سلب عقله لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند ، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره الآلوسى وغيره بغير سند .
وابن عباس لم يحضر غزوة بدر لأنه كان صغيرا ، فرواياته عنها حتى فى الصحيح مرسله .
.هذه أهم الأدلة التى استند إليها القائلون بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر ، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت المؤمنين ، وتقوية عزائمهم .
وتصحيح نياتهم .( ج ) أما القسم الثالث من العلماء الذين كتبوا فى هذه المسألة ، فمنهم الذى اكتفى بسرد الآراء دون أن يرجح بينها ، ومن هؤلاء صاحب الكشاف ، فقد قال :فإن قلت : هل قاتلت الملائكة يوم بدر؟
قلت : اختلف فيه .
فقيل : نزل جبريل فى يوم بدر فى خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر ، وميكائيل فى خمسمائة على الميسرة وفيها على بن أبى طالب فى صورة الرجال .
فقاتلت .
وقيل : قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب .
.
وقيل : لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ، ويثبتون المؤمنين ، وإلا فملك واحد كاف فى إهلاك أهل الدنيا كلهم .
.ومنهم الذى يرى أن البحث فى تفاصيل أمثال هذه المسائل ليس من الجد الذى هو طابع هذه العقيدة ، ومن هؤلاء صاحب " فى ظلال القرآن " فقد قال ما ملخصه :" تروى روايات كثيرة مفصلة عن الملائكة فى يوم بدر : عددهم وطريقة مشاركتهم فى المعركة .
وما كانوا يقولونه للمؤمنين مثبتين ، وما كانوا يقولونه للمشركين مخذلين .
ونحن - على طريقتنا فى الظلال - نكتفى فى مثل هذا الشأن من عوالم الغيب بما يرد فى النصوص المتيقنة من قرآن أو سنة ، والنصوص القرآنية هنا فيها الكفاية : ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الملائكة ..
) فهذا عددهم ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ .
.
) فهذا عملهم .
ولا حاجة إلى التفصيل وراء هذا فإن فيه الكفاية .
وبحسبنا أن تعلم أن الله لم يترك العصبة المسلمة وحدها فى ذلك اليوم ، وهى قلة والاعداء كثرة ، وأن أمر هذه العصبة وأمر هذا الدين قد شارك فيه الملأ الأعلى مشاركة فعلية على النحو الذى يصفه الله سبحانه فى كلماته .
.
إننا نؤمن بوجود خلق أسماهم الملائكة ، ولكنا لا ندرك من طبيعتهم إلا ما أخبرنا به خالقهم عنهم ، فلا نملك من إدراك الكيفية التى اشتركوا بها فى نصرة المسلمين يوم بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآنى .
وقد أوحى إليهم ربهم : أنى معكم .
وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا ففعلوا .- لأنهم يفعلون ما يؤمرون - ولكننا لا ندرى كيف فعلوا .إن البحث التفصيلى فى كيفيات هذه الأفعال كلها ليس من الجد الذى هو طابع هذه العقيدة .
وطابع الحركة الواقعية بهذه العقيدة ولكن هذه المباحث صارت من باحث الفرق الإِسلامية ومباحث علم الكلام فى العصور المتأخرة ، عندما فرغ الناس من الاهتمامات الإِيجابية فى هذا الدين ، وتسلط الترف العقلى على النفوس والعقول .
وإن وقفة أمام الدلالة الهائلة لمعية الله - سبحانه - للملائكة فى المعركة ، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة لهى أنفع واجدى .
.وبعد فهذه أهم الأقوال التى قالها العلماء فى مسألة وظيفة الملائكة فى بدر ، بسطنا بشئ من التفصيل لتتضح آراؤهم فيها .والذى نراه بعد كل ذلك : أن أقرب الأقوال إلى الصواب ، هو القول الذى ذهب أصحابه إلى أن الملائكة فى بدر لم تقاتل ، وإنما كانت وظيفتهم تثبيت وتقوية عزائم المؤمنين .
.
.
وذلك لما سبق أن بيناه من أدلة وحجج - والله أعلم بالصواب .وبعد أن بين - سبحانه - بعض البشارات والنعم التى ساقها للمؤمنين الذين اشتكروا فى بدر .
وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الزجاج: ﴿ ذلكم ﴾ رفع لكونه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر ذلكم فذوقوه، ولا يجوز أن يكون ﴿ ذلكم ﴾ ابتداء، وقوله: ﴿ فَذُوقُوهُ ﴾ خبر، لأن ما بعد الفاء لا يكون خبراً للمبتدأ، إلا أن يكون المبتدأ اسماً موصولاً أو نكرة موصوفة، نحو: الذي يأتيني فله درهم، وكل رجل في الدار فمكرم.
أما أن يقال: زيد فمنطلق، فلا يجوز إلا أن نجعل زيداً خبراً لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذا زيد فمنطلق، أي فهو منطلق.
المسألة الثانية: أنه تعالى لما بين أن من يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب، بين من بعد ذلك صفة عقابه، وأنه قد يكون معجلاً في الدنيا، وقد يكون مؤجلاً في الآخرة، ونبه بقوله: ﴿ ذلكم فَذُوقُوهُ ﴾ وهو المعجل من القتل والأسر على أن ذلك يسير بالإضافة إلى المؤجل لهم في الآخرة، فلذلك سماه ذوقاً، لأن الذوق لا يكون إلا تعرف طعم اليسير ليعرف به حال الكثير، فعاجل ما حصل لهم من الآلام في الدنيا كالذوق القليل بالنسبة إلى الأمر العظيم المعد لهم في الآخرة، وقوله: ﴿ فَذُوقُوهُ ﴾ يدل على أن الذوق يحصل بطريق آخر سوى إدراك الطعوم المخصوصة، وهي كقوله تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم ﴾ وكان عليه السلام يقول: «أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» فهذا يدل على إثبات الذوق والأكل والشرب بطريق روحاني مغاير للطريق الجسماني.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل، ومحله الرفع على الابتداء و ﴿ بِأَنَّهُمْ ﴾ خبره، أي ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقتهم.
والمشاقة: مشتقة من الشق، لأن كلا المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه، وسئلت في المنام عن اشتقاق المعاداة فقلت: لأن هذا في عدوة وذاك في عدوة، كما قيل: المخاصمة والمشاقة، لأن هذا في خصم أي في جانب، وذاك في خصم، وهذا في شق، وذاك في شق.
والكاف في ﴿ ذلك ﴾ لخطاب الرسول عليه الصلاة و السلام، أو لخطاب كل واحد، وفي ﴿ ذلكم ﴾ للكفرة، على طريقة الالتفات.
ومحل ﴿ ذلكم ﴾ الرفع على ذلكم العقاب، أو العقاب ذلكم ﴿ فَذُوقُوهُ ﴾ ويجوز أن يكون نصباً على: عليكم ذلكم فذوقوه، كقولك: زيداً فاضربه ﴿ وَأَنَّ للكافرين ﴾ عطف على ذلكم في وجهيه، أو نصب على أن الواو بمعنى مع.
والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضع الظاهر موضع الضمير، وقر الحسن ﴿ وإن للكافرين ﴾ بالكسر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ أوِ الأمْرِ بِهِ والخِطابُ لِلرَّسُولِ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُخاطِبِينَ قَبْلُ.
﴿ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لَهُما واشْتِقاقُهُ مِنَ الشَّقِّ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِينَ في شَقٍّ خِلافَ شَقِّ الآخَرِ كالمُعاداةِ مِنَ العُدْوَةِ والمُخاصَمَةِ مِنَ الخَصْمِ وهو الجانِبُ.
﴿ وَمَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلتَّعْلِيلِ أوْ وعِيدٌ بِما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ بَعْدَ ما حاقَ بِهِمْ في الدُّنْيا.
﴿ ذَلِكُمْ ﴾ الخِطابُ فِيهِ مَعَ الكَفَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم أوْ ذَلِكم واقِعٌ أوْ نُصِبَ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ.
﴿ فَذُوقُوهُ ﴾ أوْ غَيْرُهُ مِثْلُ باشَرُوا أوْ عَلَيْكم فَتَكُونُ الفاءُ عاطِفَةً.
﴿ وَأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ ﴾ عُطِفَ عَلى ذَلِكم أوْ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ، والمَعْنى ذُوقُوا ما عُجِّلَ لَكم مَعَ ما أُجِّلَ لَكم في الآخِرَةِ.
ووُضِعَ الظّاهِرُ فِيهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ سَبَبُ العَذابِ الآجِلِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُما.
وَقُرِئَ (وَإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
<div class="verse-tafsir"
{ذلكم فذوقوه} والواو {وَأَنَّ للكافرين عَذَابَ النار}
بمعنى مع أي ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة فوضع الظاهر موضع الضمير
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ ﴾ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ هو المَسُوقُ لِلْوَعِيدِ بِما ذُكِرَ ناطِقٌ بِكَوْنِ المُرادِ بِالعِقابِ المَذْكُورِ ما أصابَهم عاجِلًا سَواءٌ جُعِلَ (ذَلِكُمْ) إشارَةً إلى نَفْسِ العِقابِ أوْ إلى ما تُفِيدُهُ الشَّرْطِيَّةُ مِن ثُبُوتِهِ لَهُمْ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ الأظْهَرَ أنَّ مَحَلَّهُ النُّصْبُ بِمُضْمَرٍ يَسْتَدْعِيهِ (فَذُوقُوهُ)، والواوُ في ﴿ وأنَّ لِلْكافِرِينَ ﴾ إلَخْ بِمَعْنى مَعَ، فالمَعْنى باشِرُوا ذَلِكُمُ العِقابَ الَّذِي أصابَكم فَذُوقُوهُ عاجِلًا مَعَ أنَّ لَكم عَذابَ النّارِ آجِلًا، فَوَقَعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَوْبِيخِهِمْ بِالكُفْرِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِهِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ الأقْرَبَ أنَّ مَحَلَّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: (وأنَّ) إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والمَعْنى حُكْمُ اللَّهِ تَعالى ذَلِكم أيْ: ثُبُوتُ هَذا العِقابِ لَكم عاجِلًا وثُبُوتُ عَذابِ النّارِ آجِلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوهُ ﴾ اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ لِلتَّهْدِيدِ، والضَّمِيرُ عَلى الأوَّلِ لِنَفْسِ المُشارِ إلَيْهِ وعَلى الثّانِي لِما في ضِمْنِهِ اهـ.
واعْتُرِضَ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ مِن بابِ الِاشْتِغالِ وهو إنَّما يَصِحُّ لَوْ جَوَّزْنا صِحَّةَ الِابْتِداءِ في ذَلِكم وظاهِرٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَكُونُ خَبَرًا إلّا إذا كانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا أوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً.
ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ؛ فَإنَّ الأخْفَشَ جَوَّزَهُ مُطْلَقًا، وتَقْدِيرُ باشَرُوا مِمّا اسْتَحْسَنَهُ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ قالُوا: لِتَكُونَ الفاءُ عاطِفَةً لا زائِدَةً أوْ جَزائِيَّةً كَما في نَحْوِ زَيْدًا فاضْرِبْهُ عَلى كَلامٍ فِيهِ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُ عَلَيْكُمُ اسْمَ فِعْلٍ.
واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ أسْماءَ الأفْعالِ لا تُضْمَرُ.
واعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ الحَلَبِيُّ بِأنَّ مَن قَدَّرَ لَعَلَّهُ نَحا نَحْوَ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم يُجْرُونَ اسْمَ الفِعْلِ مَجْرى الفِعْلِ مُطْلَقًا، ولِذَلِكَ يُعْمِلُونَهُ مُتَأخِّرًا نَحْوَ ﴿ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وما أشارَ إلَيْهِ كَلامُهُ مِن أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وأنَّ لِلْكافِرِينَ ﴾ إلَخْ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، فَإنَّ في نَصْبِ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ نَظَرًا، ومِن هُنا اخْتارَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلى ذَلِكم كَما في التَّقْدِيرِ الثّانِي، وآخَرُونَ اخْتارُوا عَطْفَهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنِّي مَعَكُمْ ﴾ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ الإيحاءِ أوْ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ﴾ ولا يَخْفى أنَّ العَطْفَ عَلى (ذَلِكُمْ) يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ المَعْنى: باشِرُوا أوْ عَلَيْكم أوْ ذُوقُوا أنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ وهو مِمّا يَأْباهُ الذَّوْقُ، ولِذا قالَ العَلّامَةُ الثّانِي: إنَّهُ لا مَعْنى لَهُ، والعَطَفانِ الآخَرانِ لا أدْرِي أيُّهُما أمْرٌ مِنَ الآخَرِ، ولِذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى اخْتِيارِ كَوْنِ المَصْدَرِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِ اعْلَمُوا ولَعَلَّ أهْوَنَ الوُجُوهِ في الآيَةِ الوَجْهُ الأخِيرُ.
والإنْصافُ أنَّها ظاهِرَةٌ في كَوْنِ المُرادِ بِالعِقابِ ما أصابَهم عاجِلًا، والخِطابُ فِيها مَعَ الكَفَرَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ في (شاقُّوا) إلَيْهِ، ولا يُشْتَرَطُ في الخِطابِ المُعْتَبَرِ في الِالتِفاتِ أنْ يَكُونَ بِالِاسْمِ كَما هو المَشْهُورُ بَلْ يَكُونُ بِنَحْوِ ذَلِكَ أيْضًا بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن وقَعَ الغائِبُ عِبارَةً عَنْهُ كَذا قِيلَ وفِيهِ كَلامٌ، وقَرَأ الحَسَنُ: (وإنَّ لِلْكافِرِينَ) بِالكَسْرِ، وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ واللّامُ لِلْجِنْسِ والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ، <div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ، يعني: ألهم ربك الملائكة، أَنِّي مَعَكُمْ، أي: معينكم وناصركم، فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، يعني: بشّروا المؤمنين بالنصرة، فكان الملك يمشي أمام الصف فيقول: أبشروا فإنكم كثير وعدوكم قليل، والله تعالى ناصركم.
سَأُلْقِي، يعني: سأقذف فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، يعني: الخوف من رسول الله والمؤمنين.
ثم علَّم المؤمنين كيف يضربون ويقتلون، فقال تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ، يعني: على الأعناق وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ، يعني: أطراف الأصابع وغيرها، ويقال: كل مفصل.
قال الفقيه: سمعت من حكى عن أبي سعيد الفاريابي أنه قال: أراد الله إلاَّ يلطخ سيوفهم بفرث المشركين، فأمرهم أن يضربوا على الأعناق ولا يضربوا على الوسط ويقال: معناه اضربوا كل شيء استقبلكم من أعضائهم ولا ترحموهم.
لِكَ بِأَنَّهُمْ ، يعني: ذلك الضرب والقتل بسبب أَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، يعني: عادوا الله ورسوله، وخالفوا الله ورسوله.
مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، يعني: من يخالف الله ورسوله إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذا عاقب.
ثم قال تعالى: ذلِكُمْ، القتل يوم بدر، فَذُوقُوهُ في الدنيا، وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ يوم القيامة مع القتل في الدنيا، يعني: إن القتل والضرب لم يصر كفارة لهم.
<div class="verse-tafsir"
وقال فرقة: البنان الأصابع، وهذا هو الصحيح لأنه إذا قطع البنان لم ينتفع صَاحِبُهُ بشيء من أعضائه واستأسر.
واقُّوا
: معناه خالفوا ونَابَذُوا، وقطعوا، وهو مأخوذ من الشَّقِّ، وهو القَطْعُ والفَصْلُ بين شيئين، وعبر المفسرون عن قوله: اقُّوا
أي: صاروا في شق غير شقه.
قال ع «١» : وهذا وإن كان معناه صَحِيحاً، فتحرير الاشتقاق إنما هو ما ذكرناه، وقوله: إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
جَوَابٌ للشرط، تضمن وَعِيداً وتهديدا.
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)
وقوله سبحانه: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ المُخَاطَبَةُ للكفار، أي ذلكم الضَّرْبُ والقَتْلُ، وما أوقع اللَّه بهم يوم بَدْرٍ، فكأنه قال: الأمر ذلكم فذوقوه، وكذا قرره سيبويه.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون «ذلكم» في موضع نَصْبٍ، كقوله: زيداً فاضربه، وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً ...
الآية: زَحْفاً يراد به متقابلي الصفوف والأشخاص، أي: يزحف بعضهم إِلى بعض، وأصل الزحف الاندفاع على الأَلْيَةِ، ثم سمي كل مَاشٍ إلى آخر في الحرب رُوَيْداً زاحفاً، إذ في مشيته من التَّمَاهُلِ والتَّبَاطُؤِ ما في مشي الزاحف، وفي هذا المعنى شواهد من كلام العرب، ونهى اللَّه سبحانه في هذه الآية عن تَوَلِّي الأَدْبَارِ، وهذا مقيد بالشَّريطَةَ المنصوصة في مثلي المؤمنين، والفرار هنالك كَبِيرَةٌ موبقة بظاهر القرآن، والحديث، وإجماع الأكثر من الأمة.
وقوله: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ...
الآية.
قال جمهور الأمة: الإشارة ب يَوْمَئِذٍ إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله: إِذا لَقِيتُمُ وحكم الآية باقٍ إِلى يوم القيامة، بشرط الضعف الذي بَيَّنَهُ اللَّه سبحانه.
ت: قال ابن رشد: وهذا ما لم يبلغ عَدَدُ/ المسلمين اثني عشر أَلْفاً، فإِن بلغ حرم الفرار، وإن زاد المشركون على الضعف للحديث «لن تغلب اثنا عشر ألفاً من قِلَّةٍ» ، فإن أكثر أهل العِلْمِ خَصَّصُوا بهذا الحديث عموم الآية.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "إذْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى: ولِيَرْبِطَ إذْ يُوحِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ يُوحِي.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذا الوَحْيُ إلْهامٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى المَلائِكَةِ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أمَدَّ بِهِمُ المُسْلِمِينَ.
﴿ أنِّي مَعَكُمْ ﴾ بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ.
﴿ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قاتِلُوا مَعَهم.، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: بَشِّرُوهم بِالنَّصْرِ؛ فَكانَ المَلِكُ يَسِيرُ أمامَ الصَّفِّ في صُورَةِ الرَّجُلِ، ويَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكم، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: ثَبَّتُوهم بِأشْياءَ تُلْقُونَها في قُلُوبِهِمْ تَقْوى بِها، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والرّابِعُ: صَحَّحُوا عَزائِمَهم ونِيّاتِهِمْ عَلى الجِهادِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
فَأمّا الرُّعْبُ، فَهو الخَوْفُ.
قالَ السّائِبُ بْنُ يَسارٍ: كُنّا إذا سَألْنا يَزِيدَ بْنَ عامِرٍ السِّوائِي عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ كَيْفَ؟
كانَ يَأْخُذُ الحَصى فَيَرْمِي بِهِ الطَّسْتَ فَيَطِنُّ، فَيَقُولُ: كَما نَجِدُ في أجْوافِنا مِثْلَ هَذا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمْ تَعْلَمِ المَلائِكَةُ أيْنَ تَقْصِدُ بِالضَّرْبِ مِنَ النّاسِ، فَعَلَّمَهُمُ اللهُ تَعالى ذَلِكَ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، و"فَوْقَ" صِلَةٌ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ، والضَّحّاكِ، والأخْفَشِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "فَوْقَ" بِمَعْنى "عَلى"، تَقُولُ: ضَرَبْتُهُ فَوْقَ الرَّأْسِ، وضَرَبْتُهُ عَلى الرَّأْسِ.
والثّانِي: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ بِها فَوْقَ الأعْناقِ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.
وَفِي المُرادِ بِالبَنانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الأطْرافُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.
وقالَ الفَرّاءُ: عَلَّمَهم مَواضِعَ الضَّرْبِ، فَقالَ: اضْرِبُوا الرُّؤُوسَ والأيْدِي والأرْجُلَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: البَنانُ: أطْرافُ الأصابِعِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: واكْتَفى بِهَذا مِن جُمْلَةِ اليَدِ والرِّجْلِ.
والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ مُفَصَّلٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الأصابِعُ وغَيْرُها مِن جَمِيعِ الأعْضاءِ، والمَعْنى: أنَّهُ أباحَهم قَتْلَهم بِكُلِّ نَوْعٍ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
قالَ: واشْتِقاقُ البَنانِ مِن قَوْلِهِمْ: أبَنَّ بِالمَكانِ: إذا أقامَ بِهِ؛ فالبَنانُ بِهِ يَعْتَمِلُ كُلَّ ما يَكُونُ لِلْقامَةِ والحَياةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ﴾ "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الضَّرْبِ، و"شاقُّوا" بِمَعْنى: جانَبُوا، فَصارُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ المُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم فَذُوقُوهُ ﴾ خِطابٌ لَلْمُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: ذُوقُوا هَذا في عاجِلِ الدُّنْيا.
وفي فَتْحِ "أنْ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: بِإضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ واعْلَمُوا أنَّ لَلْكافِرِينَ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ.
فَإذا ألْقَيْتَ الباءَ، نَصَبْتَ.
وإنْ شِئْتَ، جَعَلْتَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ يُرِيدُ: ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وذَلِكم أنَّ لَلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِقِ اللهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النارِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ ﴾ ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أو مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ هَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ، والمُؤْمِنُونَ داخِلُونَ فِيهِ بِالمَعْنى، والضَمِيرُ في "بِأنَّهُمْ" عائِدٌ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، و ﴿ شاقُّوا ﴾ مَعْناهُ: خالَفُوا ونابَذُوا وقَطَعُوا، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشِقِّ وهو القَطْعُ والفَصْلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وهَذِهِ مُفاعَلَةٌ، فَكَأنَّ اللهَ لَمّا شَرَعَ شَرْعًا وأمَرَ بِأوامِرَ وكَذَّبُوا هم وصَدُّوا تَباعَدَ ما بَيْنَهم وانْفَصَلَ وانْشَقَّ، مَأْخُوذٌ مِن هَذا لِأنَّهُ مَعَ شِقِّهِ الآخَرِ تَباعَدا وانْفَصَلا.
وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شاقُّوا ﴾ أيْ: صارُوا في شَقٍّ غَيْرِ شَقِّهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وإنْ كانَ مَعْناهُ صَحِيحًا فَتَحْرِيرُ الِاشْتِقاقِ إنَّما هو ما ذَكَرْناهُ، والمِثالُ الأوَّلُ إنَّما هو الشَقُّ بِفَتْحِ الشِينِ، وأجْمَعُوا عَلى الإظْهارِ في "يُشاقِقِ" اتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ جَوابُ الشَرْطِ تَضَمَّنَ وعِيدًا وتَهْدِيدًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم فَذُوقُوهُ ﴾ المُخاطَبَةُ لِلْكُفّارِ، أيْ: ذَلِكُمُ الضَرْبُ والقَتْلُ وما أوقَعَ اللهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: الأمْرُ ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وكَذا فَسَّرَهُ سِيبَوَيْهِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ ذَلِكم فَذُوقُوهُ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِهِ: "زَيْدًا فاضْرِبْهُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَأنَّ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَإمّا عَلى تَقْدِيرِ: "وَحَتْمٌ أنَّ"، فَيُقَدَّرُ عَلى ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ يَكُونُ "أنَّ" خَبَرَهُ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ "واعْلَمُوا أنَّ" فَهي -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
ورَوى سُلَيْمانُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: "وَإنَّ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ﴾ الآيَةُ.
"زَحْفًا" يُرادُ بِهِ: مُتَقابِلِي الصُفُوفِ والأشْخاصِ، أيْ: يَزْحَفُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وأصْلُ الزَحْفِ الِانْدِفاعُ عَلى الألْيَةِ ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ماشٍ إلى آخَرَ في الحَرْبِ رُوَيْدًا زاحِفًا، إذْ في مِشْيَتِهِ مِنَ التَماهُلِ والتَباطُؤِ ما في مَشْيِ الزاحِفِ، ومِنَ الزَحْفِ الَّذِي هو الِانْدِفاعُ قَوْلُهم لِنارِ العَرْفَجِ وما جَرى مَجْراهُ في سُرْعَةِ الِاتِّقادِ: نارُ الزَحْفَتَيْنِ.
ومِنَ التَباطُؤِ في المَشْيِ قَوْلُ الشاعِرِ: كَأنَّهُنَّ بِأيْدِي القَوْمِ في كَبَدٍ ∗∗∗ طَيْرُ تَكَشَّفُ عن جَوْنٍ مَزاحِيفِ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: عَلى عَمائِمِنا تُلْقى وأرْجُلُنا ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى زَواحِفَ نُزْجِيها مَحاسِيرَ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: لِمَنِ الظَعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ ∗∗∗ ∗∗∗..................
ومِنَ التَزَحُّفِ بِمَعْنى التَدافُعِ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: كَأنَّ مَزاحِفَ الحَيّاتِ فِيهِ ∗∗∗ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُبْحِ آثارُ السِياطِ وأمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يُوَلِّيَ المُؤْمِنُونَ أمامَ الكُفّارِ، وهَذا الأمْرُ مُقَيَّدٌ بِالشَرِيطَةِ المَنصُوصَةِ في مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، فَإذا لَقِيَتْ فِئَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِئَةً هي ضِعْفُ المُؤْمِنَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فالفَرْضُ ألّا يَفِرُّوا أمامَهُمْ، فالفِرارُ هُناكَ كَبِيرَةٌ مُوبِقَةٌ بِظاهِرِ القُرْآنِ والحَدِيثِ وإجْماعِ أكْثَرِ الأُمَّةِ، والَّذِي يُراعى العَدَدُ حَسَبَ ما في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ الماجِشُونَ في "الواضِحَةِ": يُراعى أيْضًا الضَعْفُ والقُوَّةُ والعِدَّةُ، فَيَجُوزُ -عَلى قَوْلِهِمْ- أنْ يَفِرَّ مِائَةُ فارِسٍ إذا عَلِمُوا أنَّ عِنْدَ المُشْرِكِينَ مِنَ العُدَّةِ والنَجْدَةِ والبَسالَةِ ضِعْفَ ما عِنْدَهُمْ، وأمامَ أقَلَّ أو أكْثَرَ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وأمّا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ فَلا يَحِلُّ فِرارُ مِائَةٍ إلّا أمامَ ما زادَ عَلى مِائَتَيْنِ.
والعِبارَةُ بِالدُبُرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنَةُ الفَصاحَةِ لِأنَّها بَشِعَةٌ عَلى الفارِّ ذامَّةٌ لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "دُبُرَهُ" بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "دُبْرَهُ" بِسُكُونِ الباءِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "يَوْمَئِذٍ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ وما ولِيَهُ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ وقَعَ الوَعِيدُ بِالغَضَبِ عَلى مَن فَرَّ، ونُسِخَ -بَعْدَ ذَلِكَ- حُكْمُ الآيَةِ بِآيَةِ الضَعْفِ وبَقِيَ الفِرارُ مِنَ الزَحْفِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، وقَدْ فَرَّ الناسُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعَفا اللهُ عنهُمْ، وقالَ فِيهِمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ: ﴿ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ ولَمْ يَقَعْ عَلى ذَلِكَ تَعْنِيفٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ الأُمَّةِ: الإشارَةُ بِـ "يَوْمَئِذٍ" إلى يَوْمِ اللِقاءِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ إذا لَقِيتُمُ ﴾ ، وحُكْمُ الآيَةِ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِشَرْطِ الضِعْفِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، ولَيْسَ في الآيَةِ نَسْخٌ، وأمّا يَوْمُ أُحُدٍ فَإنَّما فَرَّ الناسُ مِن أكْثَرَ مِن ضِعْفِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ عُنِّفُوا لِكَوْنِ رَسُولِ اللهِ فِيهِمْ وفِرارِهِمْ عنهُ، وأمّا يَوْمُ حُنَيْنٍ فَكَذَلِكَ مَن فَرَّ إنَّما انْكَشَفَ أمامَ الكَثْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ عَفْوَ اللهِ عَمَّنْ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ عَفْوًا عن كَبِيرَةٍ.
ومُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ يُرادُ بِهِ الَّذِي يَرى أنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ أنَكى لِلْعَدُوِّ وأعْوَدُ عَلَيْهِ بِالشَرِّ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ نَصْبُ "مُتَحَيِّزًا".
وأمّا الِاسْتِثْناءُ فَهو مِنَ المُوَلِّينَ الَّذِينَ يَتَضَمَّنُهم "مَن"، وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ هو مِن أنْواعِ التَوَلِّي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَوْ كانَ كَذَلِكَ؛ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ: "إلّا تَحَرُّفًا وتَحَيُّزًا".
والفِئَةُ هاهُنا-: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ الحاضِرَةُ لِلْحَرْبِ.
هَذا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في أنَّ الفِرارَ مِنَ الزَحْفِ كَبِيرَةٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَتَكُونُ "الفِئَةُ": المَدِينَةُ والإمامُ وجَماعَةُ المُسْلِمِينَ حَيْثُ كانُوا، رُوِيَ هَذا القَوْلُعن عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأنَّهُ قالَ: أنا فِئَتُكم أيُّها المُسْلِمُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ الحَيْطَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ كانُوا في ذَلِكَ الزَمَنِ يَثْبُتُونَ لِأضْعافِهِمْ مِرارًا، وفي مُسْنَدِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِجَماعَةٍ فَرَّتْ في سَرِيَّةٍ مِن سَراياهُ: "أنا فِئَةُ المُسْلِمِينَ" حِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ.» وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: « "اتَّقُوا السَبْعَ المُوبِقاتِ"، وعَدَّدَ فِيها الفِرارَ مِنَ الزَحْفِ.» و"باءَ" بِمَعْنى نَهَضَ مُتَحَمِّلًا لِلثِّقْلِ المَذْكُورِ في الكَلامِ غَضَبًا كانَ أو نَحْوَهُ، والغَضَبُ مِن صِفاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إذا أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهي صِفَةُ ذاتٍ، وإذا أُخِذَ بِمَعْنى إظْهارِ أفْعالِ الغاضِبِ عَلى العَبْدِ فَهي صِفَةُ فِعْلٍ، وهَذا المَعْنى أشْبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَأْوى: المَوْضِعُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ الإنْسانُ.
<div class="verse-tafsir"
الخطاب في ﴿ ذلكم فذوقوه ﴾ للمشركين الذين قُتلوا، والذين قطعت بنانهم أي يقال لهم هذا الكلام حيث تُضرب أعناقهم وبنانهم بأن يُلْقى في نفوسهم حينما يصابون إن أصابتهم كانت لمشاقتهم الله ورسوله، فإنهم كانوا يسمعون توعد الله إياهم بالعذاب والبطش كقوله: ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ [الدخان: 16] وقوله: ﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصُدون عن المسجد الحرام ﴾ [الأنفال: 34] ونحو ذلك وكانوا لا يخلُون من اختلاج الشك نفوسهم، فإذا رأوا القتل الذي لم يألفوه، ورأى الواحد منهم نفسه مضروباً بالسيف، ضرباً لا يستطيع له دفاعاً، علم أن وعيد الله تحقق فيه، فجاش في نفسه أن ذلك لمشاقته الله ورسوله، ولعلهم كانوا يرون إصابات تصيبهم من غير مَرْئي، فجملة: ﴿ ذلكم فذوقوه ﴾ مقول قول محذوف تقديره: قائلين، هو حالَ من ضمير ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ [الأنفال: 12].
واسم الإشارة راجع إلى الضرب المأخوذ من قوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق وأضربوا منهم كل بنان ﴾ [الأنفال: 12] وهو مبتدأ وخبره محذوف، فإما أن يقدر ذلك هو العقاب الموعود، وإما أن يكون مما دل عليْه قوله: ﴿ بأنهم شاقوا الله ورسوله ﴾ [الأنفال: 13] فالتقدير ذلك بأنكم شاققتم الله ورسوله.
وتفريع ﴿ فذوقوه ﴾ على جملة: ﴿ ذلكم ﴾ بما قدر فيها تفريع للشّماتة على تحقيق الوعيد، فصيغة الأمر مستعملة في الشماتة والإهانة، وموقع ﴿ فذوقوه ﴾ اعتراض بين الجملة والمعطوف في قوله: ﴿ وأن للكافرين ﴾ ، والاعتراضُ يكون بالفاء كما في قول النابغة: ضِباببِ بني الطّوَالة فاعلميه *** ولا يَغْرُرْك نأيي واغترابي قالواوفي قوله: ﴿ وأن للكافرين عذاب النار ﴾ للعطف على المقول فهو من جملة القول، والتعريفُ في ﴿ الكافرين ﴾ للاستغراق وهو تذييل.
والمعنى: ذلكم، أي ضرب الأعناق، عقاب الدنيا، وأن لكم عذاب النار في الآخرة مع جميع الكافرين، والذوق مجاز في الإحساس والعلاقةُ الإطلاق.
وقوله: ﴿ وأن للكافرين عذاب النار ﴾ عطف على الخبر المحذوف أي ذلكم العذاب وأن عذاب النارِ لجميع الكافرين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ﴾ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ وكَثِيرًا مِن أصْحابِهِ غَشِيَهُمُ النُّعاسُ بِبَدْرٍ.
قالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: النُّعاسُ يَحِلُّ في الرَّأْسِ مَعَ حَياةِ القَلْبِ، والنَّوْمُ يَحِلُّ في القَلْبِ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ الرَّأْسِ، فَهَوَّمَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى نامُوا فَبَشَّرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ فَأخْبَرَ بِهِ أبا بَكْرٍ.
وَفي امْتِنانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ.
الثّانِي: أنْ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، كَما قالَ: الأمْنُ مُنِيمٌ، والخَوْفُ مُسْهِرٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَنَةً مِنهُ ﴾ يَعْنِي بِهِ الدَّعَةَ وسُكُونَ النَّفْسِ مِنَ الخَوْفِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمَنَةٌ مِنَ العَدُوِّ.
الثّانِي: أمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ماءَ السَّماءِ مَعُونَةً لَهم بِثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها: الشُّرْبُ وإنْ كانُوا عَلى ماءٍ.
الثّانِي: وهو أخَصُّ أحْوالِهِ بِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ وهو أنَّ الرَّمْلَ تَلَبَّدَ بِالماءِ حَتّى أمْكَنَ المُسْلِمِينَ القِتالُ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: ما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن حالِ التَّطْهِيرِ.
وَفي تَطْهِيرِهِمْ بِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ الَّتِي ألْقى بِها في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّانِي: مِنَ الأحْداثِ والأنْجاسِ الَّتِي نالَتْهم، قالَهُ الجُمْهُورُ.
قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ماءً طَهَّرَ بِهِ ظَواهِرَ أبْدانِهِمْ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً نَقّى بِها سَرائِرَ قُلُوبِهِمْ.
وَإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأمْرَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها أخَصُّ صِفاتِهِ.
والثّانِي: أنَّها ألْزَمُ صِفاتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وسْوَسَتُهُ أنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ غَلَبُوهم عَلى الماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كَيْدُهُ وهو قَوْلُهُ: لَيْسَ لَكم بِهَؤُلاءِ القَوْمِ طاقَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ثِقَةٌ بِالنَّصْرِ.
والثّانِي: بِاسْتِيلائِهِمْ عَلى الماءِ.
﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالصَّبْرِ الَّذِي أفْرَغَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَثْبُتُوا لِعَدُوِّهِمْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: تَلْبِيدُ الرَّمْلِ بِالمَطَرِ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ ﴾ مَعْناهُ مُعِينُكم ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ إنِّي مَعَكم في نُصْرَةِ الرَّسُولِ، فَتَكُونُ المَلائِكَةُ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ تَعالى مُتَوَلِّي النَّصْرِ بِما ألْقاهُ مِنَ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ.
﴿ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَثَبِّتُوهم بِحُضُورِكم مَعَهم في الحَرْبِ.
والثّانِي: بِقِتالِكم مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: بِإخْبارِهِمْ أنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ.
﴿ سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ يَعْنِي الخَوْفَ، ويَحْتَمِلُ أحَدَ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّعْبِ بِتَخاذُلِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِتَكْثِيرِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ.
وَفي ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ مَعُونَةً لَهم.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهُ لِيُثَبِّتُوا بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا.
﴿ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، وفَوْقَ صِلَةٌ زائِدَةٌ في الكَلامِ، قالَهُ عَطِيَّةُ والضَّحّاكُ.
وَقَدْ رَوى المَسْعُودِيُّ عَنِ القاسِمِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لِأُعَذِّبَ بِعَذابِ اللَّهِ وإنَّما بُعِثْتُ بِضَرْبِ الأعْناقِ وشَدِّ الوَثاقِ» .
والثّانِي: مَعْناهُ واضْرِبُوا الرُّؤُوسَ فَوْقَ الأعْناقِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: فاضْرِبُوا عَلى الأعْناقِ.
والرّابِعُ: فاضْرِبُوا عَلى الأعْناقِ.
والخامِسُ: فاضْرِبُوا فَوْقَ جِلْدَةِ الأعْناقِ.
﴿ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ ﴾ يَعْنِي المَفاصِلَ مِن أطْرافِ الأيْدِي والأرْجُلِ والبَنانِ: أطْرافُ الأصابِعِ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم أخبرنا أبو بدر عباد بن الوليد المغبري فيما كتب إلي قال: سمعت أبا سعيد أحمد بن داود الحداد يقول: إنه لم يقل الله لشيء أنه معه إلا للملائكة يوم بدر.
قال: إني معكم بالنصر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: قال أبي: يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وان أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عليها نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظمأ فجعلوا يصلون مجنبين ومحدثين؟
فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن فقال لهم: أتزعمون أن فيكم النبي صلى الله عليه وسلم وإنكم أولياء الله وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين؟
حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملأوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهوراً وثبت أقدامهم، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطر عليها فلبدها حتى اشتدت وثبت عليها الأقدام، ونفر النبي صلى الله عليه وسلم بجميع المسلمين وهم يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، منهم سبعون ومائتان من الأنصار وسائرهم من المهاجرين، وسيد المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة لكبر سنه.
فقال عتبة: يا معشر قريش إني لكم ناصح وعليكم مشفق لا أدخر النصيحة لكم بعد اليوم، وقد بلغتم الذي تريدون وقد نجا أبو سفيان فارجعوا وأنتم سالمون، فإن يكن محمد صادقاً فأنتم أسعد الناس بصدقه، وإن يك كاذباً فأنتم أحق من حقن دمه.
فالتفت إليه أبو جهل فشتمه وفج وجهه وقال له: قد امتلأت أحشاؤك رعباً.
فقال له عتبة: سيعلم اليوم من الجبان المفسد لقومه.
فنزل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، حتى إذا كانوا أقرب أسنة المسلمين قالوا: ابعثوا إلينا عدتنا منكم نقاتلهم.
فقام غلمة من بني الخزرج فاجلسهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا بني هاشم أتبعثون إلى أخويكم- والنبي منكم- غلمة بني الخزرج؟
فقام حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، فمشوا إليهم في الحديد فقال عتبة: تكلموا نعرفكم، فإن تكونوا أكفاءنا نقاتلكم.
فقال حمزة رضي الله عنه: أنا أسد الله وأسد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال له عتبة: كفء كريم.
فوثب إليه شيبة فاختلفا ضربتين فضربه حمزة فقتله، ثم قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الوليد بن عتبة فاختلفا ضربتين فضربه علي رضي الله عنه فقتله، ثم قام عبيدة فخرج إليه عتبة فاختلفا ضربتين فجرح كل واحد منهما صاحبه، وكر حمزة على عتبة فقتله، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال» اللهم ربنا أَنْزَلْتَ عليَّ الكتاب وأمرتني بالقتال ووعدتني النصر ولا تخلف الميعاد «فأتاه جبريل عليه السلام، فأنزل عليه ﴿ ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ﴾ [ آل عمران: 124] فأوحى الله إلى الملائكة ﴿ إني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ﴾ فقتل أبو جهل في تسعة وستين رجلاً، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبراً، فوفى ذلك سبعين وأسر سبعون.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة رضي الله عنه بعدما أصيب بصره يقول: لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى، فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس، وأوحى الله: إليهم إني معكم فثبتوا الذين آمنوا، وتثبيتهم أن الملائكة عليهم السلام تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول: ابشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال: إني بريء منكم وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضض أصحابه ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم فإنه كان على موعد من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم قال: واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمداً وأصحابه في الحبال، فلا تقتلوا وخذوهم أخذاً» .
وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما حضر القتال ورسول الله صلى الله عليه وسلم رافع يديه يسأل الله النصر، ويقول: اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك، ولا يقوم لك دين، وأبو بكر رضي الله عنه يقول: والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك، فأنزل الله عز وجل ألفاً من الملائكة مردفين عند أكتاف العدو، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشر يا أبا بكر هذا جبريل عليه السلام معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض، فلما نزل إلى الأرض تغيب عني ساعة ثم نزل على ثناياه النقع، يقول: أتاك نصر الله إذ دعوته» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة عليهم السلام ممن قتلوهم بضرب على الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ يقول: الرؤوس.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ قال: اضربوا الأعناق.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فاضربوا فوق الأعناق ﴾ يقول: اضربوا الرقاب.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ واضربوا منهم كل بنان ﴾ قال: كل مفصل.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ واضربوا منهم كل بنان ﴾ قال: أضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار.
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ واضربوا منهم كل بنان ﴾ قال: أطراف الأصابع وبلغة هذيل الجسد كله.
قال: فأنشدني في كلتيهما؟
قال: نعم، أما أطراف الأصابع فقول عنترة العبسي: فنعم فوارس الهيجاء قومي ** إذا علق الأعنة بالبنان وقال الهذلي في الجسد: لها أسد شاكي البنان مقذف ** له لبد أظفاره لم تقلم وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي داود المازني رضي الله عنه قال: بينا أنا أتبع رجلاً من المشركين يوم بدر، فاهويت إليه بسيفي فوقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه، فعرفت أن قد قتلته غيري.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ﴾ قال: ما وقعت يومئذ ضربة إلا برأس أو وجه أو مفصل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ ﴾ قال مقاتل: يعني القتل يوم بدر وضرب الملائكة الوجوه والأدبار (١) (٢) ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ تعود على (٣) (٤) ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ ﴾ وهذا قريب مما قاله (٥) وأما محل ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ من الإعراب فقال الزجاج: هو رفع على إضمار الأمر، المعنى: الأمر ذلكم فذوقوه، ولا يجوز أن يكون ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ ابتداء، و ﴿ فَذُوقُوهُ ﴾ الخبر، من قِبلِ أن ما بعد الفاء لا يكون خبرًا للمبتدأ إلا أن يكون المبتدأ اسمًا موصولاً، أو نكرة موصوفة، نحو: الذي يأتيني فله درهم، وكل رجل في الدار فمكرم، فأما: زيد فمنطلق، لا يجوز إلا أن نجعل زيدًا خبرًا لابتداء محذوف، على معنى: هذا زيد منطلق، أي: فهو منطلق، وعلى هذا قول الشاعر (٦) وقائلة خولان فانكح فتاتهم (٧) أي: هؤلاء خولان، وهذا الذي ذكرته معنى قول أبي إسحاق مع شرح أبي علي (٨) ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ نصبًا بذوقوا، كما تقول: زيدًا فاضربه (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ، قال الفراء: إن شئت جعلت ﴿ أَن ﴾ رفعًا بالعطف على ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ (١٠) ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ والأمر ﴿ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) ومعنى الآية وعيد للكافرين بعذاب النار بعد ما نزل بهم من ضرب (١٧) (١) "تفسير مقاتل" 119 ب، وقد تصرف الواحدي في عبارته.
(٢) في (ح): (ما ذكره).
(٣) في (خ) و (س): (إلي).
(٤) في (ح): (إليه).
(٥) الفرق بين قول مقاتل وما رجحه الواحدي هو أن مقاتل يرى أن الإشارة تعود إلى القتل والضرب، والواحدي يرى أن الإشارة تعود إلى الضرب فقط وهو ما ذكره ابن جرير 13/ 433 والخلاف يسير؛ لأن ضرب الأعناق يعني القتل لا سيما من ملك.
(٦) هذا البيت من شواهد سيبويه في "الكتاب" 1/ 139 وهو من أبياته الخمسين التي لم يعرف قائلوها، وعجز البيت: أكرومة الحيين خلو كما هيا وخولان: قبيلة باليمن، وهم أبناء خولان بن عمرو بن مالك بن الحارث.
والأكرومة: الكريمة، والحيان: حي أبيها وحي أمها يعني: أنها كريمة النسب من جهة أبيها ومن جهة أمها، خلو: أي لا زوج لها، كما هي: أي بكر كما هي خلقتها الأولى.
انظر: "خزانة الأدب" 1/ 455، و"شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 273.
(٧) اهـ.
كلام أبي إسحاق الزجاج.
انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 407.
وقد نقله الواحدي بالمعنى كما أشار لذلك بقوله: وهذا الذي ذكرته معنى قول أبي إسحاق.
(٨) "الإغفال".
(٩) ممن جوز ذلك الزمخشري في "الكشاف" 2/ 148، وأبو البقاء في "التبيان" ص 406.
وقد بين أبو حيان ضعف هذا الوجه، انظر:"البحر المحيط" 4/ 472.
(١٠) "معاني القرآن" للفراء 1/ 405 بالمعنى.
(١١) نص كلام الزجاج: المعنى: الأمر ذلكم وأن الله، والأمران الله موهن، و"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 407.
(١٢) في "معاني القرآن وإعرابه": ولكنه لم يجز.
(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (س).
(١٤) زاد محقق "معاني القرآن وإعرابه" بعد هذه الكلمة لفظ: به.
(١٥) في "معاني القرآن وإعرابه": أو.
(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 408.
(١٧) في (ح): (ضروب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ يُوحِى ﴾ يحتمل أن يكون ذلك بدلاً من إذ المتقدمة كما أنها بدل من التي قبلها، أو يكون العامل فيه يثبت ﴿ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ ﴾ يحتمل أن يكون التثبيت بقتال الملائكة مع المؤمنين أو بأقوال مؤنسة مقوية للقلب قالوها: إذا تصوروا بصور بني آدم أو بإلقاء الأمن في نفوس المؤمنين ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب ﴾ يحتمل أن يكون من خطاب الله للملائكة في شأن غزوة بدر تكميلاً لتثبيت المؤمنين، أو استئناف إخبار عما يفعله الله في المستقبل ﴿ فاضربوا فَوْقَ الأعناق ﴾ يحتمل أيضاً أن يكون خطاباً للملائكة أو للمؤمنين، ومعنى فوق الأعناق: أي على الأعناق، حيث المفصل بين الرأس والعنق لأنه مذبح، والضرب فيها يطيّر الرأس، وقيل: المراد الرؤوس، لأنها فوق الأعناق، وقيل: المراد الأعناق وفوق زائدة ﴿ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ قيل: هي المفاصل، وقيل: الأصابع وهو الأشهر في اللغة، وفائدة ذلك أن المقاتل إذا ضربت أصابعه تعطل عن القتال فأمكن أسره وقتله ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ ﴾ الإشارة إلى ما أصاب الكفار يوم بدر، والباء للتعليل، وشاقوا من الشقاق وهو العداوة والمقاطعة ﴿ ذلكم فَذُوقُوهُ ﴾ الخطاب هنا للكفار، وذلكم مرفوع تقديره ذلكم العقاب أو العذاب، ويحتمل أن يكون منصوباً بقوله: فذوقوه، كقولك زيداً فاضربه ﴿ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ عطف على ذلك على تقدير رفعه، أو نصبه، أو مفعول معه، والواو بمعنى مع.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يغشاكم النعاس ﴾ ابن كثير وأبو عمرو.
﴿ يغشيكم النعاس ﴾ من باب الأفعال: أبو جعفر ونافع.
الباقون ﴿ يغشكيم النعاس ﴾ من باب التفعيل.
ويقال من الإنزال: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو عمر.
والآخرون: بالتشديد ﴿ رمى ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى.
﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وسهل ورويس ﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالجر للإضافة: حفص.
الباقون ﴿ موهن ﴾ بالتشديد ﴿ كيد ﴾ بالنصب ﴿ وإن الله ﴾ بالفتح: ابن عامر وأبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.
الباقون: بالكسر.
الوقوف: ﴿ الإقدام ﴾ ه ط لتعلق "إذ" بمحذوف هو "اذكر".
﴿ الذين آمنوا ﴾ ط ﴿ كل بنان ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ الأوّل ج ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ط ﴿ قتلهم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ رمى ﴾ ج لاحتمال أن تكون الواو مقحمة واللام متعلقاً بما قبله واحتمال أن تكون عاطفة على ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أو على محذوف أي لتستبشروا وليبلى ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الفتح ﴾ ج للفصل بين الجملتين المتضادتين مع العطف ﴿ خير لكم ﴾ ج لذلك ﴿ نعد ﴾ ج ﴿ كثرت ﴾ ط لمن قرأ "وإن" بالكسر ﴿ المؤمنين ﴾ ه.
التفسير: قال في الكشاف ﴿ إذ يغشيكم ﴾ "إذ" بدل ثانٍ من ﴿ إذ يعدكم ﴾ أو منصوب بالنصر أبو بما في عند الله من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإضمار اذكروا و ﴿ أمنة ﴾ مفعول لأجله ﴿ ومنه ﴾ صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من عند الله.
ولما كان غشيان النعاس وكذا إغشاؤه وتغشيته متضمناً لمعنى تنعسون كان فاعل الفعل المعلل والعلة واحداً كما هو شريطة انتصاب المفعول له.
والمعنى إذ تنعسون لأمنتكم أو يغشاكم النعاس فتنعسون أمناً.
وجوّز على قراءة الإغشاء والتغشية أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان أي ينعسكم إيماناً منه.
وجوّز أن ينتصب الأمنة على أنها للنعاس الذي هو فاعل ﴿ يغشاكم ﴾ أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أن المراد أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم وإنما غشاكم أمنة حاصلة له من الله لولاها لم يغشكم على طريقة التمثيل والتخييل، وقد مر فوائد هذا النعاس في سورة آل عمران.
ومن نعم الله تعالى عليهم في تلك الواقعة إنزال المطر عليهم وكان فيه فوائد: إحداها: تحصيل الطهارة، والثانية: إذهاب رجز الشيطان.
وقيل: هو الجنابة التي أصابتهم لأنها من تخييل الشيطان ولا تكرار لأن الأولى عام وهذه خاص.
وقيل: المراد المني لأنه شيء مستخبث مستقذر وعلى هذا يكون في الآية دلالة على نجاسة المني لقوله ﴿ والرجز فاهجر ﴾ وقيل: المراد وسوسة الشيطان إليهم وتخويفه إياهم من العطش وذلك أن المشركين سبقوهم إلى الماء ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء فناموا فاحتلم أكثرهم فتمثل لهم إبليس في صورة إنسان فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة قد عطشتم، ولو كنتم على حق لما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة.
فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا فأنزل الله المطر فمطروا ليلاً حتى جرى الوادي واتخذ أصحاب رسول الله الحياض على عدوة الوادي وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضأوا وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدوّ حتى ثبتت عليه الأقدام وكانت هذه ثالثة الفوائد وأشار إليها بقوله ﴿ ويثبت به ﴾ أي بالماء ﴿ الأقدام ﴾ وقيل: الضمير عائد إلى الربط الذي يدل عليه قوله ﴿ ليربط على قلوبكم ﴾ والمراد من تثبيت الأقدام الصبر في مواطن القتال، وذلك أن من كان قلبه ضعيفاً فرّ ولم يقف فلما ربط الله على قلوبهم أي قوّاها ثبتت أقدامهم ومعنى "على" أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأن علاها وارتفع فوقها.
قال الواحدي: يشبه أن يكون على صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما أوقع فيها من اليقين.
روي أن المطر نزل على الكافرين أيضاً ولكن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب فعظم الوحل وصار مانعاً لهم من المشي والاستقرار.
فقوله ﴿ ويثبت به الأقدام ﴾ يدل مفهومه على أن حال الأعداء كان بخلاف ذلك.
ومن جملة النعم قوله ﴿ إذ يوحي ربك ﴾ وهو بدل ثالث من ﴿ إذ يعدكم ﴾ ومنصوب بـ ﴿ يثبت ﴾ أو بذكر أني معكم الخطاب للملائكة والمراد أني معينكم على التثبيت فثبتوهم.
وقيل: الخطاب للمؤمنين لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار.
وقوله ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ﴾ في هذا التثبيت وجوه: أحدها: أنه مفسر لقوله ﴿ سألقي ﴾ ﴿ فاضربوا ﴾ ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم واجتماعهما غاية النصرة.
وثانيها: أن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال فالإلهام من الملائكة كالوسوسة من الشياطين.
وثالثها: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يعدونهم النصر والظفر.
ومعنى ﴿ فوق الأعناق ﴾ أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها إزالة الرأس من الجسد.
وقيل: أراد ضرب إلهام لأن الرؤوس فوق الأعناق.
والبنان الأصابع سميت بذلك لأن بها صلاح أحوال الإنسان التي يريد أن يقيمها من أبن بالمكان أي أقام به، والمراد نفي الأطراف من اليدين والرجلين.
ثم اختلفوا فمنهم من قال: المراد أن يضربوهم كما شاؤا لأن ما فوق العنق هو الرأس وهو أشرف الأعضاء والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء فذكر الأشرف والأخس تنبيهاً على كل الأعضاء.
بوجه أخر الضرب إما وقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معاً.
ومنهم من قال: الأوّل إشارة إلى القتل، وقطع البنان عبارة عن إفناء آلات المدافعة والمحاربة ليعجزوا عن القتال.
وجوّز في الكشاف أن يكون قوله ﴿ سألقي ﴾ إلى قوله ﴿ كل بنان ﴾ تلقيناً للملائكة ما يثبتونهم به أي قولوا لهم قول سألقي، أو يكون وارداً على الاستئناف كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟
فقيل: قولوا لهم قول سألقي.
فالضاربون على هذا هم المؤمنون ﴿ ذلك ﴾ العقاب العاجل من الضرب والقتل وقع عليهم ﴿ بأنهم شاقوا ﴾ بسبب مشاقتهم ومخالفتهم ﴿ الله ورسوله ﴾ ثم بيّن أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء يسير وقدر نزر في جنب ما أعد الله لهم ولأمثالهم في الآجل فقال ﴿ ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ﴾ أي له.
والكاف في ﴿ ذلك ﴾ للرسول أو لكل من له أهلية الخطاب، في ﴿ ذلكم ﴾ للكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع تقديره: ذلكم العذاب المعجل من القتل والأسر أو العذاب ذلكم، أو النصب والتقدير: عليكم ذلكم أي الزموه فذوقوه أو هو كقولك زيداً فاضربه.
قال في الكشاف: ﴿ وإن للكافرين ﴾ عطف على ﴿ ذلكم ﴾ في وجهيه أو نصب على أن الواو بمعنى "مع" والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة.
فوضع الظاهر موضع ضمير الخطاب.
قلت: ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي وأن للكافرين عذاب النار حق أو بالعكس أي والحكم والشأن أن للكافرين.
وفي ذكر الذوق إشارة إلى أن عذاب الدنيا شيء قليل بالنسبة إلى عذاب الآخرة.
قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً ﴾ قال الأزهري: أصل الزحف هو أن يزحف الصبي على أسته قبل أن يقوم، شَبَّهَ بزحف الصبي مشي الطائفتين تتمشى كل فئة مشياً رويداً إلى الفئة الأخرى تتدانى للضرب.
فانتصابه على الحال من الفريقين أي، إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، ويجوز أن يكون حالاً من الذين كفروا.
والزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيباً سمي بالمصدر، والجمع زحوف والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفروا فضلاً عن حالتي المداناة والمساواة، ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين وهم المؤمنون أي إذا ذهبتم إليهم للقتال فلا تنهزموا ومعنى ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم أو هو تقدمه نهي عن الفرار يوم حنين حين تولوا مدبرين وهم زحف من الزحوف اثنا عشرألفاً.
وفي قوله ﴿ من يولهم يومئذ دبره ﴾ أمارة عليه، ثم بين أن الانهزام محرم إلا في حالتين فقال ﴿ إلا متحرفاً لقتال ﴾ هو المكر بعد الفرّ يخيل إلى عدوّه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو نوع من خدع الحرب ﴿ أو متحيزاً ﴾ أي منحازاً ﴿ إلى فئة ﴾ إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها.
وعلى هذا انتصب ﴿ متحرفاً ﴾ و ﴿ متحيزاً ﴾ على أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ووجد صحته من أنه ليس في الكلام نفي ظاهر هو أنه في معنى النفي كأنه قيل: ومن لا يقدم أو لا يعطف عليهم في حال من الأحوال إلا في حال التحرف أن التحيز، ويجوز أن يكون الاستثناء تاماً على أن الموصوف محذوف والتقدير: ومن يولهم دبره إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً.
ووزن متحيزاً "متفيعل" لأنه من حاز يحوز فعل به ما فعل بأيام، لو كان "متفعلاً" لقيل "متحوزاً".
عن ابن عمر: خرجت سرية وأنا فيهم ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا فدخلوا البيوت فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون فقال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم.
والعكرة البكرة.
وعن ابن عباس أن الفرار من الزحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر.
واحتج القاضي بالآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة.
وأجيب بأنه مشروط بعدم العفو.
وعن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بيوم بدر لأن رسول الله كان حاضراً بنفسه، لأنه وعدهم النصرة، ولأنه كان أول جهاده فناسب التشديد ولهذا منع من أخذ الفداء.
وأكثر المفسرين على أنه عام في جميع الحروب لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر وكان القائل يقول قتلت وأسرت فقيل لهم: فلم تقتلوهم.
والفاء جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن قتلهم لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم وربط عليها.
ولما طلعت قريش قال رسول الله : "هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني" فأتاه جبرائيل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال: -لما التقى الجمعان - لعلي: أعطني قبضة من حصباء الوادي فأعطاه فرمى بها في وجوههم وقال: "شاهت الوجوه" فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا فنزلت ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ أي وما رميت أنت يا محمد إذ رميت ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أثبت الرمية للرسول الله لأن صورتها وجدت منه ونفاها عنه لأن أثرها فوق حد تأثير القوى البشرية.
قال حكيم بن حزام: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله بتلك الحصباء فانهزمنا، وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي يريده فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله فخلوا سبيله فاستقبله مصعب ابن عمير أخو بني عبد الدار ورأى رسول الله ترقوه أبيّ من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فسقط أبي من فرسه ولم يخرج من طعنته دم وكسر ضلعاً من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش فقال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لما أتوا أجمعين فمات أبيّ إلى النار قبل أن يقدم مكة فأنزل الله في ذلك ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ وقيل: نزلت في خيبر حين دعا رسول الله بقوس فرمى منها بسهم فأقبل السهم يهوي حتى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه.
وأصح الأقوال هو الأوّل كيلا يدخل في أثناء القصة كلام أجنبي، نعم لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً ﴾ وليعطهم عطاء جميلاً فعل ما فعل وما فعله إلا لذلك.
قال القاضي: ولولا أن المفسرين أجمعوا على أن معنى البلاء ههنا النعمة وإلا لكان يحتمل المحنة أي الذي فعله يوم بدر كان كالسبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات.
﴿ إن الله سميع ﴾ لكلامكم ﴿ عليم ﴾ بضمائركم.
وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب كيلا يغتر العبد بظواهر الأمور ﴿ ذلكم ﴾ الغرض أي الغرض ذلكم ﴿ وإن الله موهن كيد الكافرين ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ وأن للكافرين عذاب النار ﴾ قال ابن عباس: ينبىء رسول الله ويقول إني قد أوهنت كيد عدوّك حتى قتلت جبابرتهم وأسرت أشرافهم.
قال السدي والكلبي والحسن: كان المشركين حين خرجوا إلى رسول الله من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين فأنزل الله خطاباً لهم على سبيل التهكم ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت.
وروي أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم أي فأهلكه.
وقيل: إنه خطاب للمؤمنين الذين استغاثوا الله وطلبوا النصر.
ثم خاطب الكفار بقوله ﴿ وأن تنتهوا ﴾ أي عن عداوة رسول الله ﴿ فهو خير لكم ﴾ وأسلم وإن تعودوا لمحاربته نعد لنصرته عليكم.
وجوّز بعضهم أن يكون الخطاب في الجميع للمؤمنين أي إن تكفوا عن المنازعة في أمر القتال أو عن طلب الفداء فهو خير لكم ﴿ وإن تعودوا ﴾ إلى تلك المنازعات ﴿ نعد ﴾ إلى ترك نصرتكم.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإن الله مع المؤمنين ﴾ تقديره على قراءة الفتح ولأن الله معين المؤمنين كان ذلك.
التأويل: ﴿ إذ يغشاكم النعاس أمنة ﴾ فيه تغليب الحال إلى ضده بأمر التكوين كما قال للنار ﴿ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ كذلك قال للخوف كن أمناً على محمد وأصحابه فكان ﴿ ينزل عليكم ﴾ من سماء الروحانية ماء الإلهام الرباني ﴿ ليطهركم به ﴾ من دنس الصفات النفسانية والحيوانية ﴿ ويذهب عنكم ﴾ وساوس الشيطان وهواجسه ﴿ وليربط على قلوبكم ﴾ بالصدق والإخلاص والمحبة والتوكل واليقين ﴿ ويثبت بهالأقدام ﴾ على طريق الطلب ﴿ إني معكم فثبتوا ﴾ فيه أن التثبيت من الله لا من غيره، وكذلك إلقاء الرعب في قلوبهم وغير ذلك.
﴿ إذا لقيتم الذين كفروا ﴾ إذا لقيتم كفار النفوس وصفاتها مجتمعين على قهر القلوب وصفاتها فلا تنهزموا فتقعوا عن صراط الطلب ﴿ إلا متحرفاً ﴾ إلا قلباً يتحرك ليتهيأ لأسباب القتال مع النفس أو راجعاً إلى الاستمداد من الروح وصفاتها أو إلى ولاية الشيخ أو إلى حضرة الله مستمداً في قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة فإنها تورث المشاهدة ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ نفى القتل عن الصحابة بالكلية أو حاله إلى نفسه فقال ﴿ ولكن ﴾ ولم ينف الرمي عن النبي بالكلية حيث قال ﴿ إذ رميت ﴾ لأن الله كان قد تجلى بالقدرة وكأن يده يد الله كما كان حل عيسى حين تجلى له بصفة الإحياء كان يحيي الموتى ﴿ وليبلى المؤمنين منه ﴾ فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام ﴿ إن تستفتحوا ﴾ أي تفتحوا أبواب قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى الله في طلب التجلي ﴿ فقد جاءكم الفتح ﴾ بالتجلي فأنه متجل في ذاته أزلاً وأبداً فلا تغير له وإنما التغير في أحوال الخلق، فهم عند انغلاق أبواب قلوبهم محرومون وعند انفتاح أبوابها محظوظون ﴿ وأن تنتهوا ﴾ عن طلب غير الله ﴿ فهو خير لكم وأن تعودوا ﴾ إلى طلب الدنيا وزخارفها ﴿ نعد ﴾ إلى خذلانكم ونكالكم ونكلكم إلى أنفسكم ودواعيها ﴿ ولن تغني عنكم ﴾ لا يقوم شيء من الدنيا والآخرة وما فيهما مقام شيء مما أعدّ لأهل الله وخاصته.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ ذكر النعاس بعد شدة خوفهم، والنعاس لا يكون ممن اشتد به الخوف ويغشيه إلا بعد الأمن، فذكر لطفه ومنته الأمن بعد شدة الخوف، ذكر عظيم ما من عليهم من الأمن لما ذكر من إلقاء النعاس عليهم والنعاس إنما يكون بعد الأمن، بعد ما كان من حالهم ما ذكر حيث قال: ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ ذكر في بعض القصة أن المشركين سبقوا فأخذوا الماء؛ فبقي المسلمون في رمل لا تثبت أقدامهم عطشى، فوسوس إليهم الشيطان أنهم لو كانوا على حق ما بلوا بمثل ذلك في رمل لا تثبت أقدامهم عطشى؛ فأبدل الله مكان الخوف أمناً يأمنون به، وأنزل عليهم من السماء ماء ليطهرهم به ويشربون ويشدد به الرمل وتثبت أقدامهم، فذلك قوله: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ ﴾ قال أهل التأويل: [الرجز]: وسوسة الشيطان التي وسوس إليهم.
وقيل: الرجز: الإثم؛ أذهب ذلك عنهم؛ كقوله: ﴿ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ ذكر هذا - والله أعلم - على المبالغة [في المنة أنه] أخبر أنه أنزل من السماء ماء فضل عن حوائجهم حتى وجدوا ماء لتطهير أنفسهم وأبدانهم، وأذهب عنهم رجز الشيطان؛ ذكر السبب الذي به يذهب الرجز؛ لأن الرجز هو العذاب، فذكر الرجز والمراد منه سبب الرجز.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ ﴾ .
يحتمل: حقيقة تثبيت الأقدام.
ويحتمل: الثبات على ما هم عليه.
والربط: هو الشد لشيء، فيحتمل قوله: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ ﴾ أي شدها حتى لا يزول أحدهم عما هو فيه، ولا يزيع عن ذلك، وإن ابتلاه الله - - بأنواع الشدائد والبلايا؛ ذكر في التوحيد والإيمان الربط والتثبيت بقوله: ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ﴾ ، وذكر في الشرك والكفر الطبع والختم والقفل ونحوه؛ فهو - والله أعلم - عقوبة لهم لما اختاروا ذلك.
وقوله: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .
قيل: وسوسة الشيطان، وهو ما ذكر في بعض القصة أن المسلمين أصابهم ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم القنوط، ويوسوسهم، ويقول لهم: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين، فأمطر الله عليهم مطراً شديداً، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب عنهم رجز الشيطان، ونشف الرمل حين أصابه المطر، فمشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم، وأمدّ الله - عز وجل - نبيه والمؤمنين بألف من الملائكة، فذلك قوله: ﴿ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ .
ثم قال: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
الوحي [و] كان يسمى وحياً لسرعة قذفه في القلوب ووقوعه فيها؛ ولذلك سمى - والله أعلم - وساوس الشيطان: وحياً بقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ ﴾ ، أي: يقذفون في قلوبهم، ويدعونهم إلى أشياء من غير أن علموا بذلك أنه ممن جاء ذلك، وما سبب ذلك؛ لسرعة قذفه ووقوعه في القلوب، وكذلك سمى الإلهام وحياً لسرعة وقوعه في القلوب؛ قال - -: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ﴾ .
وقيل: هو الإلهام؛ أي: ألهم النحل لتتخذ من الجبال بيوتاً، وقال - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ﴾ ، أخبر أن ليس له أن يكلمه إلا وحياً، وهو ما ألهمه، سمى وحياً لسرعة وقوعه في القلب وقذفه [فيه] على غير علم منهم أنه من أين كان؟
ومم كان.
وفيه دلالة أن غيراً هو الذي أخطر ذلك في القلوب وقذفه فيها، لا أنه يحدث ذلك بنفسه على غير إخطار أحد ولا قذفه، فإن كان ما قذف فيه خيراً فهو من الملك، وإن كان شرّاً فهو من قذف الشيطان ووسوسته؛ ففيه دليل ثبوت الملك والشيطان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنِّي مَعَكُمْ ﴾ .
[قيل: إني معكم] في النصر، والمعونة، ودفع العدو عنكم.
أو يقول: إني معكم في التوفيق.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ ﴾ أي: أخبر المؤمنين أني معكم بما ذكرنا من النصر والمعونة والدفع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
أمر ملائكته أن يثبتوا الذين آمنوا بالنصر لهم والأمن، بعد ما كانوا خائفين فشلين جبنين لما أجابوا ربهم، مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، فأبدلهم الله مكان الخوف لهم أمناً، ومكان الضعف القوة والنصر، ومكان الذل العز، وأبدل المشركين مكان الأمن لهم خوفاً، ومكان العز الذل، ومكان الكثرة الضعف والفشل؛ فذلك - والله أعلم - [قوله]: ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
جائز أن يكون نفس نزول الملائكة تثبيتهم؛ لأنهم سبب تثبيتهم، [أو ثبتهم] من غير أن علم المؤمنون بهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ .
قال قائلون: قوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ ﴾ إذا ظفروا بهم ووقعوا في أيديهم، فعند ذلك يضرب فوق الأعناق، وهو الفصل الذي يبين الرأس بالضرب؛ لما نهى عن المثلة، وفي الضرب في غير ذلك مثلة.
ويحتمل قوله: ﴿ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ ﴾ ، أي: اضربوا الأعناق وما فوق الأعناق.
﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ معناه - والله أعلم - أي: اضربوا على ما تهيأ لكم من الأطراف وغيرها.
وأما قوله: ﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ في الحرب؛ لأنه لا سبيل في الحرب إلى أن يضرب ضرباً لا يكون مثلة؛ فكأنه قال: فاضربوا فوق الأعناق إذا قدرتم عليهم ووقعوا في أيديكم، ﴿ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ \[كيفما تقدرون\]، وحيثما تقدرون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ .
يعني - والله أعلم -: ذلك الضرب والقتل.
﴿ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ ﴾ .
أي: حاربوا الله ورسوله، والمشاقة: الخلاف؛ خالفوا الله ورسوله.
﴿ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : له في الآخرة.
وقوله: ﴿ ذٰلِكُمْ ﴾ .
أي: ذلكم العقاب والعذاب.
﴿ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ .
بالخلاف لله ورسوله، والمحاربة معهم.
<div class="verse-tafsir"
ذلكم العذاب المذكور لكم -أيها المخالفون لله ورسوله- فذوقوه مُعَجَّلًا لكم في الحياة الدنيا، وفي الآخرة لكم عذاب النار إن متم على كفركم وعنادكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.oKEWN"