الآية ١٥ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ١٥ من سورة الأنفال

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًۭا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ ١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى متوعدا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا ) أي : تقاربتم منهم ودنوتم إليهم ، ( فلا تولوهم الأدبار ) أي : تفروا وتتركوا أصحابكم

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (15) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله=(إذا لقيتم الذين كفروا) في القتال=(زحفًا)، يقول: متزاحفًا بعضكم إلى بعض= و " التزاحف "، التداني والتقارب (64) = " فلا تولوهم الأدبار "، يقول: فلا تولوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم, ولكن اثبتوا لهم، فإن الله معكم عليهم (65) .

----------------- الهوامش : (64) هذا الشرح لقوله : " التزاحف " ، لا تجده في معاجم اللغة ، فيقيد .

(65) انظر تفسير " التولي " فيما سلف من فهارس اللغة ( ولى ) .

= وتفسير " الدبر " فيما سلف 7 : 109 ، 110 10 : 170 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبارفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : زحفاقوله تعالى : زحفا الزحف الدنو قليلا قليلا .

وأصله الاندفاع على الألية ; ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا .

والتزاحف : التداني والتقارب ; يقال : زحف إلى العدو زحفا .

وأزحف القوم ، أي مشى بعضهم إلى بعض .

ومنه زحاف الشعر ، وهو أن يسقط بين الحرفين حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر .

يقول : إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفروا عنهم ولا تعطوهم أدباركم .

حرم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار .

قال ابن عطية : والأدبار جمع دبر .

والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة ; لأنها بشعة على الفار ، ذامة له .الثانية : أمر الله عز وجل في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار .

وهذا الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين ; فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنين من المشركين فالفرض ألا يفروا أمامهم .

فمن فر من اثنين فهو فار من الزحف .

ومن فر من ثلاثة فليس بفار من الزحف ، ولا يتوجه عليه الوعيد .

والفرار كبيرة موبقة بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة .

وقالت فرقة ، منهم ابن الماجشون في الواضحة : إنه يراعى الضعف والقوة والعدة ; فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس من مائة فارس إذا علموا أن ما عند المشركين من النجدة والبسالة ضعف ما عندهم .

وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا مما زاد على المائتين ; فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من اثنين فيجوز الانهزام ، والصبر أحسن .

وقد وقف [ ص: 341 ] جيش مؤتة وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف ، منهم مائة ألف من الروم ، ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام .قلت : ووقع في تاريخ فتح الأندلس ، أن طارقا مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس ، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة ; فالتقى وملك الأندلس لذريق وكان في سبعين ألف عنان ; فزحف إليه طارق وصبر له فهزم الله الطاغية لذريق ، وكان الفتح .

قال ابن وهب : سمعت مالكا يسأل عن القوم يلقون العدو أو يكونون في محرس يحرسون فيأتيهم العدو وهم يسير ، أيقاتلون أو ينصرفون فيؤذنون أصحابهم ؟

قال : إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم ، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم .الثالثة : واختلف الناس هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة ؟

فروي عن أبي سعيد الخدري أن ذلك مخصوص بيوم بدر ، وبه قال نافع والحسن وقتادة ويزيد بن أبي حبيب والضحاك ، وبه قال أبو حنيفة .

وأن ذلك خاص بأهل بدر فلم يكن لهم أن ينحازوا ، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين ، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم ، ولا للمسلمين فئة إلا النبي صلى الله عليه وسلم ; فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض .

قال إلكيا : وهذا فيه نظر ; لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج ولم يكونوا يرون أنه قتال ، وإنما ظنوا أنها العير ; فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف معه .

ويروى عن ابن عباس وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة .

احتج الأولون بما ذكرنا ، وبقوله تعالى : يومئذ فقالوا : هو إشارة إلى يوم بدر ، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضعف .

وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة .

وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم ، وقال الله فيهم يوم حنين ثم وليتم مدبرين ولم يقع على ذلك تعنيف .

وقال الجمهور من العلماء : إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى : إذا لقيتم .

وحكم الآية باق إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى ، وليس في الآية نسخ .

والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه .

وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأكثر العلماء .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اجتنبوا السبع الموبقات - وفيه - والتولي يوم الزحف وهذا نص في المسألة .

وأما يوم أحد فإنما فر الناس من أكثر [ ص: 342 ] من ضعفهم ومع ذلك عنفوا .

وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف عن الكثرة ; على ما يأتي بيانه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر اللّه تعالى عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية، والقوة في أمره، والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان، فقال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا‏}‏ أي‏:‏ في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب بعضهم من بعض، ‏{‏فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ‏}‏ بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرة لدين اللّه، وقوة لقلوب المؤمنين، وإرهابا للكافرين‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا ) أي مجتمعين متزاحمين بعضكم إلى بعض ، والتزاحف : التداني في القتال : والزحف مصدر; لذلك لم يجمع ، كقولهم : قوم عدل ورضا .

قال : الليث : الزحف جماعة يزحفون إلى عدو لهم بمرة ، فهم الزحف والجمع : الزحوف .

( فلا تولوهم الأدبار ) يقول : فلا تولوهم ظهوركم ، أي تنهزموا فإن المنهزم يولي دبره .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا» أي مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون «فلا تولُّوهم الأدبار» منهزمين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صَدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إذا قابلتم الذين كفروا في القتال متقاربين منكم فلا تُوَلُّوهم ظهوركم، فتنهزموا عنهم، ولكن اثبتوا لهم، فإن الله معكم وناصركم عليهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وجه - سبحانه - نداء إليهم أمرهم فيه بالثبات فى وجوه أعدائهم ، وذكرهم بجانب من مننه عليهم .فقال - تعالى - : ( يَآأَيُّهَا الذين .

.

.

مَعَ المؤمنين ) .قوله - سبحانه - ( زَحْفاً ) : مصدر زخف وأصله للصبى ، وهو ان يزحف على إسته قبل أن يمشى .

ثم أطلق على الجيش الكثيف المتوجه لعدوه لأنه لكثرته وتكاتفه يرى كأن جسم واحد يزحف ببطء وإن كان سريع السير .قال الجمل : وفى المصباح : زحف القوم زحفا وزحوفا .

ويطلق على الجيش الكثير زحف تسمية بالمصدر والجمع زحوف مثل فلس وفلوس .

ونصب قوله : ( زَحْفاً ) على أنه حال من المفعول وهو ( الذين كَفَرُواْ ) أى إذا لقيتم الذين كفروا حال كونهم زاحفين نحوكم .والأدبار : جمع دبر - بضمتين - وهو الخلف ، ومقابله القبل وهو الأمام ، ويطلق لفظ الدبر على الظهر وهو المراد هنا .والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بالله إيمانا حقا ( إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ ) زاحفين نحوكم لقتالكم ( فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار ) أى .

فلا تفروا منهم ، ولا تولوهم ظهوركم منهزمين ، بل قابلوهم بقوة وغلظة وشجاعة ، فإن من شأن المؤمن أن يكون شجاعا لا جبانا ، ومقبلا غير مدبر .فالمراد من تولية الأدبار : الانهزام ، لأن المنهزم يولى ظهره وقفاه لمن انهزم منه .

وعدل من لفظ الظهور إلى الأدبار ، تقبيحا للانهزام ، وتنفيرا منه ، لأن القبل والدبر يكنى بهما عن السوءتين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الأزهري: أصل الزحف للصبي، وهو أن يزحف على أسته قبل أن يقوم، وشبه بزحف الصبي مشي الطائفتين اللتين تذهب كل واحدة منهما إلى صاحبتها للقتال، فيمشي كل فئة مشياً رويداً إلى الفئة الأخرى قبل التداني للضراب.

قال ثعلب: الزحف المشي قليلاً قليلاً إلى الشيء، ومنه الزحاف في الشعر يسقط مما بين حرفين.

حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً ﴾ أي متزاحفين نصب على الحال، ويجوز أن يكون حالاً للكفار، ويجوز أن يكون حالاً للمخاطبين وهم المؤمنون، والزحف مصدر موصوف به كالعدل والرضا، ولذلك لم يجمع، والمعنى: إذا ذهبتم إليهم للقتال، فلا تنهزموا، ومعنى ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الادبار ﴾ أي لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم.

ثم إنه تعالى لما نهى عن هذا الانهزام بين أن هذا الانهزام محرم إلا في حالتين: إحداهما: أن يكون متحرفاً للقتال، والمراد منه أن يخيل إلى عدوه أنه منهزم.

ثم ينعطف عليه، وهو أحد أبواب خدع الحرب ومكايدها، يقال: تحرف وانحرف إذا زال عن جهة الاستواء.

والثانية: قوله: ﴿ أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ ﴾ قال أبو عبيدة: التحيز التنحي وفيه لغتان: التحيز والتحوز.

قال الواحدي: وأصل هذا الحوز، وهو الجمع.

يقال: حزته فانحاز وتحوز وتحيز إذا انضم واجتمع، ثم سمى التنحي تحيزاً، لأن المتنحى عن جانب ينفصل عنه ويميل إلى غيره.

إذا عرفت هذا فنقول: الفئة الجماعة، فإذا كان هذا المتحيز كالمنفرد، وفي الكفار كثرة، وغلب على ظن ذلك المنفرد أنه إن ثبت قتل من غير فائدة، وإن تحيز إلى جمع كان راجياً للخلاص، وطامعاً في العدو بالكثرة، فربما وجب عليه التحيز إلى هذه الفئة فضلاً عن أن يكون ذلك جائزاً والحاصل أن الانهزام من العدو حرام إلا في هاتين الحالتين.

ثم إنه تعالى قال: ﴿ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾ إلا في هاتين الحالتين، فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير.

المسألة الثانية: احتج القاضي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة، وذلك لأن الآية دلت على أن من انهزم إلا في هاتين الحالتين استوجب غضب الله ونار جهنم.

قال وليس للمرجئة أن يحملوا هذه الآية على الكفار دون أهل الصلاة، كصنعهم في سائر آيات الوعيد، لأن هذا الوعيد مختص بأهل الصلاة.

واعلم أن هذه المسألة قد ذكرناها على الاستقصاء في سورة البقرة، وذكرنا أن الاستدلال بهذه الظواهر لا يفيد إلا الظن، وقد ذكرنا أيضاً أنها معارضة بعمومات الوعد، وذكرنا أن الترجيح بجانب عمومات الوعد من الوجوه الكثيرة، فلا فائدة في الإعادة.

المسألة الثالثة: اختلف المفسرون في أن هذا الحكم هل هو مختص بيوم بدر أو هو حاصل على الإطلاق، فنقل عن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بمن كان انهزم يوم بدر، قالوا: والسبب في اختصاص يوم بدر بهذا الحكم أمور: أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حاضراً يوم بدر ومع حضوره لا يعد غيره فيه، أما لأجل أنه لا يساوي به سائر الفئات.

بل هو أشرف وأعلى من الكل، وأما لأجل أن الله تعالى وعده بالنصر والظفر فلم يكن لهم التحيز إلى فئة أخرى.

وثانيها: أنه تعالى شدد الأمر على أهل بدر، لأنه كان أول الجهاد ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه، لزم منه الخلل العظيم، فلهذا وجب عليهم التشدد والمبالغة، ولهذا السبب منع الله في ذلك اليوم من أخذ الفداء من الأسرى.

والقول الثاني: أن الحكم المذكور في هذه الآية كان عاماً في جميع الحروب، بدليل أن قوله تعالى: ﴿ النار يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ عام فيتناول جميع السور، أقصى ما في الباب أنه نزل في واقعة بدر، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن جواز التحيز إلى فئة هل يحظر إذا كان العسكر عظيماً أو إنما يثبت إذا كان في العسكر خفة؟

قال بعضهم: إذا عظم العسكر فليس لهم هذا التحيز.

وقال بعضهم: بل الكل سواء، وهذا أليق بالظاهر لأنه لم يفصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ زَحْفاً ﴾ حال من الذين كفروا.

والزحف: الجيش الدهم لذي يرى لكثرته كأنه يزحف، أي يدب دبيباً، من زحف الصبي إذا دبّ على إسته قليلاً قليلاً، سمي بالمصدر والجمع زحوف والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفرّوا، فضلاً أن تدانوهم في العدد أو تساووهم، أو حال من الفريقين.

أي إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، أو حال من المؤمنين كأنهم أُشعروا بما كان سيكون منهم يوم حنين حين تولوا مدبرين، وهم زحف من الزحوف اثني عشر ألفاً، وتقدمه نهي لهم عن الفرار يومئذٍ.

وفي قوله: ﴿ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ ﴾ أمارة عليه ﴿ إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ ﴾ هو الكرّ بعد الفرّ، يخيل عدوّه أنه منهزم ثم يعطف عليه، وهو باب من خدع الحرب ومكايدها ﴿ أَوْ مُتَحَيّزاً ﴾ أو منحازاً ﴿ إلى فِئَةٍ ﴾ إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها.

وعن ابن عمر رضي الله عنه: (خرجت سرية وأنا فيهم ففرّوا فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا فدخلوا البيوت، فقلت: يا رسول الله نحن الفرّارون، فقال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم).

وانهزم رجل من القادسية، فأتى المدينة إلى عمر رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين هلكت، فررت من الزحف، فقال عمر رضي الله عنه: أنا فئتك.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: إنّ الفرار من الزحف من أكبر الكبائر.

فإن قلت: بم انتصب ﴿ إِلاَّ مُتَحَرّفاً ﴾ ؟

قلت: على الحال، وإلا لغو.

أو على الاستثناء من المولين، أي: ومن يولهم إلا رجلاً منهم متحرّفاً أو متحيزاً.

وقرأ الحسن ﴿ دبره ﴾ بالسكون ووزن متحيز متفيعل لا متفعل، لأنه من حاز يحوز، فبناء متفعل منه متحوّز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ﴾ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُرى لِكَثْرَتِهِمْ كَأنَّهم يَزْحَفُونَ، وهو مَصْدَرُ زَحَفَ الصَّبِيُّ إذا دَبَّ عَلى مَقْعَدِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا، سُمِّيَ بِهِ وجُمِعَ عَلى زُحُوفٍ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ.

﴿ فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ ﴾ بِالِانْهِزامِ فَضْلًا أنْ يَكُونُوا مِثْلَكم أوْ أقَلَّ مِنكم، والأظْهَرُ أنَّها مَحْكَمَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ ﴾ الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ زَحْفًا حالًا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ أيْ: إذا لَقِيتُمُوهم مُتَزاحِفِينَ يَدِبُّونَ إلَيْكم وتَدِبُّونَ إلَيْهِمْ فَلا تَنْهَزِمُوا، أوْ مِنَ الفاعِلِ وحْدَهُ ويَكُونُ إشْعارًا بِما سَيَكُونُ مِنهم يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ تَوَلَّوْا وهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا.

﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ ﴾ يُرِيدُ الكَرَّ بَعْدَ الفَرِّ وتَغْرِيرَ العَدُوِّ، فَإنَّهُ مِن مَكايِدِ الحَرْبِ.

﴿ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ ﴾ أوْ مُنْحازًا إلى فِئَةٍ أُخْرى مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى القُرْبِ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ، ومِنهم مَن لَمْ يَعْتَبِرِ القُرْبَ لِما رَوى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّهُ كانَ في سَرِيَّةٍ بَعَثَهم رَسُولُ اللَّهِ  فَفَرُّوا إلى المَدِينَةِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الفَرّارُونَ فَقالَ: « بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ وأنا فِئَتُكم» .

وانْتِصابُ مُتَحَرِّفًا ومُتَحَيِّزًا عَلى الحالِ وإلّا لَغْوٌ لا عَمَلَ لَها، أوِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ أيْ إلّا رَجُلًا مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا، ووَزْنُ مُتَحَيِّزٍ مُتَفَيْعِلٌ لا مُتَفَعِّلٌ وإلّا لَكانَ مُتَحَوِّزًا لِأنَّهُ مِن حازَ يَحُوزُ.

﴿ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ هَذا إذا لَمْ يَزِدِ العَدُوُّ عَلى الضِّعْفِ لِقَوْلِهِ: ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ﴾ الآيَةَ، وقِيلَ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِأهْلِ بَيْتِهِ والحاضِرِينَ مَعَهُ في الحَرْبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً} حال من الذين كَفَرُواْ والزحف الجيش الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أى يدب دبيبا من الزحف الصبي إذا دب على استه قليلاً قليلاً سمي بالمصدر {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار} فلا تنصرفوا عنهم منهزمين أى إذا لقيتموهم للتقال وهم كثير ووأنتم قليل فلا تفرواا فضلا أن تدانوهم فى الهدد أو تساووهم أو حال من المؤمنين أو من الفريقين أي إذا لقيتموهم متزاحفين هم وانتم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِحُكْمٍ كُلِّيٍّ جارٍ فِيما سَيَقَعُ مِنَ الوَقائِعِ والحُرُوبِ جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ القِصَّةِ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِهِ وحَثًّا عَلى المُحافَظَةِ عَلَيْهِ.

﴿ إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ﴾ الزَّحْفُ كَما قالَ الرّاغِبُ انْبِعاثٌ مَعَ جَرِّ الرِّجْلِ كانْبِعاثِ الصَّبِيِّ قَبْلَ أنْ يَمْشِيَ والبَعِيرِ المُعْيِي والعَسْكَرِ إذا كَثُرَ فَتَعَثَّرَ انْبِعاثُهُ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو الدَّبِيبُ يُقالُ: زَحَفَ الصَّبِيُّ إذا دَبَّ عَلى اسْتِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الجَيْشُ الدُّهْمُ المُتَوَجِّهُ إلى العَدُوِّ لِأنَّهُ لِكَثْرَتِهِ وتَكاثُفِهِ يُرى كَأنَّهُ يَزْحَفُ لِأنَّ الكُلَّ يُرى كَجِسْمٍ واحِدٍ مُتَّصِلٍ فَتُحَسُّ حَرَكَتُهُ بِالقِياسِ في غايَةِ البُطْءِ وإنْ كانَتْ في نَفْسِ الأمْرِ في غايَةِ السُّرْعَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ﴾ وقالَ قائِلُهُمْ: وأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهُ وقُوفٌ لَجاجٌ والرِّكابُ تُهَمْلَجُ ويُجْمَعُ عَلى زُحُوفٍ لِأنَّهُ خَرَجَ عَنِ المَصْدَرِيَّةِ، ونَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ لَقِيتُمْ أيْ: زاحِفِينَ نَحْوَكم أوْ عَلى مَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو الحالُ مِنهُ أيْ: يَزْحَفُونَ زَحْفًا.

وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن فاعِلِهِ أوْ مِنهُ ومِن مَفْعُولِهِ مَعًا، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ ﴾ إذْ لا مَعْنى لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ عَنِ الأدْبارِ بِتَوَجُّهِهِمُ السّابِقِ إلى العَدُوِّ وبِكَثْرَتِهِمْ بَلْ تَوَجُّهُ العَدُوِّ إلَيْهِمْ وكَثْرَتُهم هو الدّاعِي إلى الأدْبارِ عادَةً والمُحْوِجُ إلى النَّهْيِ، وحَمْلُهُ عَلى الإشْعارِ بِما سَيَكُونُ مِنهم يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ تَوَلَّوْا وهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا بَعِيدٌ.

انْتَهى.

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالزَّحْفِ لَيْسَ إلّا المَشْيُ لِلْقِتالِ مِن دُونِ اعْتِبارِ كَثْرَةٍ أوْ قِلَّةٍ وسُمِّيَ المَشْيُ لِذَلِكَ بِهِ لِأنَّ الغالِبَ عِنْدَ مُلاقاةِ الطّائِفَتَيْنِ مَشْيُ إحْداهُما نَحْوَ الأُخْرى مَشْيًا رُوَيْدًا، والمَعْنى: إذا لَقِيتُمُ الكُفّارَ ماشِينَ لِقِتالِهِمْ مُتَوَجِّهِينَ لِمُحارَبَتِهِمْ أوْ ماشِيًا كُلُّ واحِدٍ مِنكم إلى صاحِبِهِ فَلا تُدْبِرُوا، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ بِذَلِكَ لِإيضاحِ المُرادِ بِالمُلاقاةِ ولِتَفْظِيعِ أمْرِ الإدْبارِ لِما أنَّهُ مُنافٍ لِتِلْكَ الحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَيْثُ أقْبَلْتُمْ فَلا تُدْبِرُوا وفِيهِ تَأمُّلٌ.

والمُرادُ مِن تَوْلِيَةِ الأدْبارِ الِانْهِزامُ؛ فَإنَّ المُنْهَزِمَ يُوَلِّي ظَهْرَهُ مَنِ انْهَزَمَ مِنهُ، وعُدِلَ عَنْ لَفْظِ الظُّهُورِ إلى الأدْبارِ تَقْبِيحًا لِلِانْهِزامِ وتَنْفِيرًا عَنْهُ.

وقَدْ يُقالُ: الآيَةُ عَلى حَدِ: ﴿ ولا تَقْرَبُوا الزِّنا ﴾ والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ مِنَ المَفْعُولِ كَما هو الظّاهِرُ، واعْتِبارُ الكَثْرَةِ في الزَّحْفِ وكَوْنُها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ أعْداءَكُمُ الكَفَرَةَ لِلْقِتالِ وهم جَمْعٌ جَمٌّ وأنْتُمْ عَدَدٌ نَزْرٌ فَلا تُوَلُّوهم أدْبارَكم فَضْلًا عَنِ الفِرارِ بَلْ قابِلُوهم وقاتِلُوهم مَعَ قِلَّتِكم فَضْلًا عَنْ أنْ تُدانُوهم في العَدَدِ أوْ تُساوُوهُمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: إذا لقيتم الذين كفروا بتوحيد الله تعالى يوم بدر زَحْفاً، يعني: مزاحفة، ويقال: زحف القوم، إذا دنوا للقتال، ومعناه: إذا واقعتموهم للقتال، فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ يعني: منهزمين.

وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ، يعني: تولّى ظهره منهزماً يَوْمَئِذٍ يعني: يوم حربهم.

وقال الكلبي: يعني يوم بدر خاصة إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ، يعني مستطرداً للكرة يريد الكرة للقتال أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ، يعني ينحاز من فئة إلى فئة من أصحابه يمنعونه من العدو.

قال أهل اللغة: تحوَّزت وتحيَّزت، أي انضممت إليه، ومعناه: إذا كان منفرداً فينحاز ليكون مع المقاتلة، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وفي الآية تقديم، يعني: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي: استوجب الغضب من الله.

وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إلا متحرفا لقتال أو متحيزاً إلى فئة.

وروي عن الحسن أنه قال: «كان كلّ هذا يوم بدر وغيره.

- وعن الضحاك قال: هذا يوم بدر خاصة (١)  أنه قال: «خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أرْبَعُمِائِةٍ، وَخَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلافٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفاً مِنْ قِلَّةٍ إذَا كَانَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً» (٢)  أنه قال: «اجتنبوا الموبقات» .

قالوا: وما هي يا رسول الله؟

قال: «الشِّركُ بِالله، وَأكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المحصنات» (٣) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

(٢) حديث ابن عباس: أخرجه الترمذي (1555) وأبو داود (2611) والبيهقي: 9/ 156 وأحمد 1/ 293 وصححه الحاكم: 1/ 443 وابن خزيمة (2538) .

(٣) حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (2766) و (5764) و (6857) ومسلم (89) وأبو داود (2874) والنسائي: 6/ 257 والبغوي (45) والبيهقي 8/ 249.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال فرقة: البنان الأصابع، وهذا هو الصحيح لأنه إذا قطع البنان لم ينتفع صَاحِبُهُ بشيء من أعضائه واستأسر.

واقُّوا

: معناه خالفوا ونَابَذُوا، وقطعوا، وهو مأخوذ من الشَّقِّ، وهو القَطْعُ والفَصْلُ بين شيئين، وعبر المفسرون عن قوله: اقُّوا

أي: صاروا في شق غير شقه.

قال ع «١» : وهذا وإن كان معناه صَحِيحاً، فتحرير الاشتقاق إنما هو ما ذكرناه، وقوله: إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ

جَوَابٌ للشرط، تضمن وَعِيداً وتهديدا.

ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)

وقوله سبحانه: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ المُخَاطَبَةُ للكفار، أي ذلكم الضَّرْبُ والقَتْلُ، وما أوقع اللَّه بهم يوم بَدْرٍ، فكأنه قال: الأمر ذلكم فذوقوه، وكذا قرره سيبويه.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون «ذلكم» في موضع نَصْبٍ، كقوله: زيداً فاضربه، وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً ...

الآية: زَحْفاً يراد به متقابلي الصفوف والأشخاص، أي: يزحف بعضهم إِلى بعض، وأصل الزحف الاندفاع على الأَلْيَةِ، ثم سمي كل مَاشٍ إلى آخر في الحرب رُوَيْداً زاحفاً، إذ في مشيته من التَّمَاهُلِ والتَّبَاطُؤِ ما في مشي الزاحف، وفي هذا المعنى شواهد من كلام العرب، ونهى اللَّه سبحانه في هذه الآية عن تَوَلِّي الأَدْبَارِ، وهذا مقيد بالشَّريطَةَ المنصوصة في مثلي المؤمنين، والفرار هنالك كَبِيرَةٌ موبقة بظاهر القرآن، والحديث، وإجماع الأكثر من الأمة.

وقوله: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ...

الآية.

قال جمهور الأمة: الإشارة ب يَوْمَئِذٍ إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله: إِذا لَقِيتُمُ وحكم الآية باقٍ إِلى يوم القيامة، بشرط الضعف الذي بَيَّنَهُ اللَّه سبحانه.

ت: قال ابن رشد: وهذا ما لم يبلغ عَدَدُ/ المسلمين اثني عشر أَلْفاً، فإِن بلغ حرم الفرار، وإن زاد المشركون على الضعف للحديث «لن تغلب اثنا عشر ألفاً من قِلَّةٍ» ، فإن أكثر أهل العِلْمِ خَصَّصُوا بهذا الحديث عموم الآية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ﴾ الزَّحْفُ: جَماعَةٌ يَزْحَفُونَ إلى عَدْوِّهِمْ؛ قالَهُ اللَّيْثُ.

والتَّزاحُفُ: التَّدانِي والتَّقارُبُ، قالَ الأعْشى: لِمَنِ الظَّعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزْحَفُ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الكَلامِ: إذا واقَفْتُمُوهم لَلْقِتالِ فَلا تُدْبِرُوا (وَمَن يُوَلِّهِمْ) يَوْمَ حَرْبِهِمْ (دُبُرَهُ) إلّا أنْ يَتَحَرَّفَ لَيُقاتِلَ، أوْ يَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ؛ فَ "مُتَحَرِّفًا" و"مُتَحَيِّزًا" مَنصُوبانِ عَلى الحالِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُما عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: إلّا رَجُلًا مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا وأصْلُ مُتَحَيِّزٍ: مُتَحْيْوِزٍ؛ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الواوِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ ﴾ أيْ: مَرْجِعُهُ إلَيْها؛ ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى التَّخْلِيدِ.

* فَصْلٌ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ خاصَّةً في أهْلِ بَدْرٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والحَسَنِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ.

وقالَ آَخَرُونَ: هي عَلى عُمُومِها في كُلِّ ِمُنْهَزِمٍ؛ وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وقالَ آَخَرُونَ هي عَلى عُمُومِها، غَيْرِ أنَّها نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ  ﴾ فَلَيْسَ لَلْمُسْلِمِينَ أنْ يَفِرُّوا مِن مِثْلَيْهِمْ، وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ.

ورَوى أبُو طالِبٍ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ، فَقالَ: لا يَفِرُّ رَجُلٌ مِن رَجُلَيْنِ؛ فَإنْ كانُوا ثَلاثَةً، فَلا بَأْسَ.

وقَدْ نُقِلَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: إذا بَلَغَ الجَيْشُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، فَلَيْسَ لَهم أنْ يَفِرُّوا مِن عَدُوِّهِمْ، وإنْ كَثُرَ عَدَدُهم.

ونُقِلَ نَحْوُ هَذا عَنْ مالِكٍ؛ ووَجْهُهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "ما هُزِمَ قَوْمٌ إذا بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن قِلَّةٍ" إذا صَبَرُوا وصَدَّقُوا.» <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِقِ اللهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النارِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ ﴾ ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أو مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ هَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، والمُؤْمِنُونَ داخِلُونَ فِيهِ بِالمَعْنى، والضَمِيرُ في "بِأنَّهُمْ" عائِدٌ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، و ﴿ شاقُّوا ﴾ مَعْناهُ: خالَفُوا ونابَذُوا وقَطَعُوا، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشِقِّ وهو القَطْعُ والفَصْلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وهَذِهِ مُفاعَلَةٌ، فَكَأنَّ اللهَ لَمّا شَرَعَ شَرْعًا وأمَرَ بِأوامِرَ وكَذَّبُوا هم وصَدُّوا تَباعَدَ ما بَيْنَهم وانْفَصَلَ وانْشَقَّ، مَأْخُوذٌ مِن هَذا لِأنَّهُ مَعَ شِقِّهِ الآخَرِ تَباعَدا وانْفَصَلا.

وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شاقُّوا ﴾ أيْ: صارُوا في شَقٍّ غَيْرِ شَقِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وإنْ كانَ مَعْناهُ صَحِيحًا فَتَحْرِيرُ الِاشْتِقاقِ إنَّما هو ما ذَكَرْناهُ، والمِثالُ الأوَّلُ إنَّما هو الشَقُّ بِفَتْحِ الشِينِ، وأجْمَعُوا عَلى الإظْهارِ في "يُشاقِقِ" اتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ جَوابُ الشَرْطِ تَضَمَّنَ وعِيدًا وتَهْدِيدًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم فَذُوقُوهُ ﴾ المُخاطَبَةُ لِلْكُفّارِ، أيْ: ذَلِكُمُ الضَرْبُ والقَتْلُ وما أوقَعَ اللهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: الأمْرُ ذَلِكم فَذُوقُوهُ، وكَذا فَسَّرَهُ سِيبَوَيْهِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ ذَلِكم فَذُوقُوهُ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَقَوْلِهِ: "زَيْدًا فاضْرِبْهُ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَأنَّ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَإمّا عَلى تَقْدِيرِ: "وَحَتْمٌ أنَّ"، فَيُقَدَّرُ عَلى ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ يَكُونُ "أنَّ" خَبَرَهُ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ "واعْلَمُوا أنَّ" فَهي -عَلى هَذا- في مَوْضِعِ نَصْبٍ.

ورَوى سُلَيْمانُ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: "وَإنَّ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ﴾ الآيَةُ.

"زَحْفًا" يُرادُ بِهِ: مُتَقابِلِي الصُفُوفِ والأشْخاصِ، أيْ: يَزْحَفُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وأصْلُ الزَحْفِ الِانْدِفاعُ عَلى الألْيَةِ ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ ماشٍ إلى آخَرَ في الحَرْبِ رُوَيْدًا زاحِفًا، إذْ في مِشْيَتِهِ مِنَ التَماهُلِ والتَباطُؤِ ما في مَشْيِ الزاحِفِ، ومِنَ الزَحْفِ الَّذِي هو الِانْدِفاعُ قَوْلُهم لِنارِ العَرْفَجِ وما جَرى مَجْراهُ في سُرْعَةِ الِاتِّقادِ: نارُ الزَحْفَتَيْنِ.

ومِنَ التَباطُؤِ في المَشْيِ قَوْلُ الشاعِرِ: كَأنَّهُنَّ بِأيْدِي القَوْمِ في كَبَدٍ ∗∗∗ طَيْرُ تَكَشَّفُ عن جَوْنٍ مَزاحِيفِ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: عَلى عَمائِمِنا تُلْقى وأرْجُلُنا ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى زَواحِفَ نُزْجِيها مَحاسِيرَ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: لِمَنِ الظَعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ ∗∗∗ ∗∗∗..................

ومِنَ التَزَحُّفِ بِمَعْنى التَدافُعِ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: كَأنَّ مَزاحِفَ الحَيّاتِ فِيهِ ∗∗∗ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُبْحِ آثارُ السِياطِ وأمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الآيَةِ ألّا يُوَلِّيَ المُؤْمِنُونَ أمامَ الكُفّارِ، وهَذا الأمْرُ مُقَيَّدٌ بِالشَرِيطَةِ المَنصُوصَةِ في مِثْلَيِ المُؤْمِنِينَ، فَإذا لَقِيَتْ فِئَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِئَةً هي ضِعْفُ المُؤْمِنَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فالفَرْضُ ألّا يَفِرُّوا أمامَهُمْ، فالفِرارُ هُناكَ كَبِيرَةٌ مُوبِقَةٌ بِظاهِرِ القُرْآنِ والحَدِيثِ وإجْماعِ أكْثَرِ الأُمَّةِ، والَّذِي يُراعى العَدَدُ حَسَبَ ما في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ الماجِشُونَ في "الواضِحَةِ": يُراعى أيْضًا الضَعْفُ والقُوَّةُ والعِدَّةُ، فَيَجُوزُ -عَلى قَوْلِهِمْ- أنْ يَفِرَّ مِائَةُ فارِسٍ إذا عَلِمُوا أنَّ عِنْدَ المُشْرِكِينَ مِنَ العُدَّةِ والنَجْدَةِ والبَسالَةِ ضِعْفَ ما عِنْدَهُمْ، وأمامَ أقَلَّ أو أكْثَرَ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وأمّا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ فَلا يَحِلُّ فِرارُ مِائَةٍ إلّا أمامَ ما زادَ عَلى مِائَتَيْنِ.

والعِبارَةُ بِالدُبُرِ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنَةُ الفَصاحَةِ لِأنَّها بَشِعَةٌ عَلى الفارِّ ذامَّةٌ لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "دُبُرَهُ" بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "دُبْرَهُ" بِسُكُونِ الباءِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "يَوْمَئِذٍ" فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ وما ولِيَهُ، وفي ذَلِكَ اليَوْمِ وقَعَ الوَعِيدُ بِالغَضَبِ عَلى مَن فَرَّ، ونُسِخَ -بَعْدَ ذَلِكَ- حُكْمُ الآيَةِ بِآيَةِ الضَعْفِ وبَقِيَ الفِرارُ مِنَ الزَحْفِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ، وقَدْ فَرَّ الناسُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعَفا اللهُ عنهُمْ، وقالَ فِيهِمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ: ﴿ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ  ﴾ ولَمْ يَقَعْ عَلى ذَلِكَ تَعْنِيفٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ الأُمَّةِ: الإشارَةُ بِـ "يَوْمَئِذٍ" إلى يَوْمِ اللِقاءِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ إذا لَقِيتُمُ ﴾ ، وحُكْمُ الآيَةِ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِشَرْطِ الضِعْفِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، ولَيْسَ في الآيَةِ نَسْخٌ، وأمّا يَوْمُ أُحُدٍ فَإنَّما فَرَّ الناسُ مِن أكْثَرَ مِن ضِعْفِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ عُنِّفُوا لِكَوْنِ رَسُولِ اللهِ  فِيهِمْ وفِرارِهِمْ عنهُ، وأمّا يَوْمُ حُنَيْنٍ فَكَذَلِكَ مَن فَرَّ إنَّما انْكَشَفَ أمامَ الكَثْرَةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ عَفْوَ اللهِ عَمَّنْ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ عَفْوًا عن كَبِيرَةٍ.

ومُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ يُرادُ بِهِ الَّذِي يَرى أنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ أنَكى لِلْعَدُوِّ وأعْوَدُ عَلَيْهِ بِالشَرِّ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، وكَذَلِكَ نَصْبُ "مُتَحَيِّزًا".

وأمّا الِاسْتِثْناءُ فَهو مِنَ المُوَلِّينَ الَّذِينَ يَتَضَمَّنُهم "مَن"، وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ هو مِن أنْواعِ التَوَلِّي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَوْ كانَ كَذَلِكَ؛ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ: "إلّا تَحَرُّفًا وتَحَيُّزًا".

والفِئَةُ هاهُنا-: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ الحاضِرَةُ لِلْحَرْبِ.

هَذا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في أنَّ الفِرارَ مِنَ الزَحْفِ كَبِيرَةٌ، وأمّا عَلى القَوْلِ الآخَرِ فَتَكُونُ "الفِئَةُ": المَدِينَةُ والإمامُ وجَماعَةُ المُسْلِمِينَ حَيْثُ كانُوا، رُوِيَ هَذا القَوْلُعن عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأنَّهُ قالَ: أنا فِئَتُكم أيُّها المُسْلِمُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ الحَيْطَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ كانُوا في ذَلِكَ الزَمَنِ يَثْبُتُونَ لِأضْعافِهِمْ مِرارًا، وفي مُسْنَدِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ «أنَّ النَبِيَّ  قالَ لِجَماعَةٍ فَرَّتْ في سَرِيَّةٍ مِن سَراياهُ: "أنا فِئَةُ المُسْلِمِينَ" حِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ.» وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقُولُ: « "اتَّقُوا السَبْعَ المُوبِقاتِ"، وعَدَّدَ فِيها الفِرارَ مِنَ الزَحْفِ.» و"باءَ" بِمَعْنى نَهَضَ مُتَحَمِّلًا لِلثِّقْلِ المَذْكُورِ في الكَلامِ غَضَبًا كانَ أو نَحْوَهُ، والغَضَبُ مِن صِفاتِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إذا أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهي صِفَةُ ذاتٍ، وإذا أُخِذَ بِمَعْنى إظْهارِ أفْعالِ الغاضِبِ عَلى العَبْدِ فَهي صِفَةُ فِعْلٍ، وهَذا المَعْنى أشْبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، والمَأْوى: المَوْضِعُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ الإنْسانُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا ذكَّرَ الله المسلمين بما أيدهم يوم بدر بالملائكة والنصر من عنده، وأكرمهم بأن نصرهم على المشركين الذين كانوا أشد منهم وأكثر عدَداً وعُدداً، وأعقبه بأن أعلمهم أن ذلك شأنه مع الكافرين به اعترض في خلال ذلك بتحذيرهم من الوهن والقرار، فالجملة معترضة بين جملة: ﴿ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ﴾ [الأنفال: 12] وبين جملة ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ [الأنفال: 17] الآية وفي هذا تدريب للمسلمين على الشجاعة والإقدام والثبات عند اللقاء، وهي خطة محمودة عند العرب لم يزدها الإسلام إلاّ تقوية، قال الحُصين بن الحُمَام: تأَخَرْتُ أستبقي الحياةَ فلم أجد لنفسي *** حياةً مثلَ أنْ أتَقَدَّما وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في قتال بدر، ولعل مراد هذا القائل أن حكمها نزل يوم بدر ثم أثبتت في سورة الأنفال النازلة بعد الملحمة، أو أراد أنها نزلت قبل الآيات التي صدّرت بها سورة الأنفال ثم رتبت في التلاوة في مكانها هذا، والصحيح أنها نزلتْ بعد وقعة بدر كما سيأتي.

واللقاء غلب استعماله في كلامهم على مناجزة العدو في الحرب.

فالجملة استئناف ابتدائي، والمناسبة واضحة، وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثْبُتُوا ﴾ في هذه السورة (45)، وأصل اللقاء أنه الحضور لدى الغير.

والزحْف أصله مصدر زَحَف من باب منع، إذا انبعث من مكانه متنقلاً على مقعدته يجررِ جيله كما يزحف الصبي.

ثم أطلق على مشي المقاتل إلي عدوه في ساحة القتال زَحفٌ؛ لأنه يدنو إلى العدو باحتراس وترصد فرصة، فكأنه يزحف إليه.

ويطلق الزحف على الجيش الدهْم، أي الكثير عددِ الرجال، لأنه لكثرة الناس فيه يثقل تنقله فوصف بالمصدر، ثم غلب إطلاقه حتى صار معنى من معاني الزحف ويجمع على زُحوف.

وقد اختلفت طرق المفسرين في تفسير المراد من لفظ زحفاً} في هذه الآية فمنهم من فسره بالمعنى المصدري أي المشي في الحرْب وجلعه وصفاً لتلاحم الجيشين عند القتال، لأن المقاتلين يدبون إلى أقرانهم دبيباً، ومنهم من فسره بمعنى الجيش الدهْم الكثير العدد، وجعله وصفاً لذات الجيش.

وعلى كلا التقديرين فهو: إما حال من ضمير ﴿ لقيتم ﴾ وإما من ﴿ الذين كفروا ﴾ ، فعلى التفسير الأول هو نهي عن الانصراف من القتال فراراً إذا التحم الجيشان، سواء جَعلتَ زحفاً حالاً من ضمير ﴿ لقيتم ﴾ أو من ﴿ الذين كفروا ﴾ ، لأن مشي أحد الجيشين يستلزم مشي الآخر.

وعلى التفسير الثاني فإن جعل حالاً من ضمير لقيتم كان نهياً عن الفرار إذا كان المسلمون جيشاً كثيراً، ومفهومه أنهم إذا كانوا قلة فلا نهي، وهذا المفهوم مجمل يبينه قوله تعالى: ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون إلى مع الصابرين ﴾ [الأنفال: 65، 66]، وإن جعل حالاً من ﴿ الذين كفروا ﴾ كان المعنى إذا لقيتموهم وهم كثيرون فلا تفروا، فيفيد النهي عن الفرار إذا كان الكفار قلة بفحوى الخطاب، ويؤول إلى معنى لا تُولوهم الأدبار في كل حال.

وهذه الآية عند جمهور أهل العلم نزلت بعد انقضاء وقعة بدر، وهو القول الذي لا ينبغي التردد في صحته كما تقدم آنفاً، فإن هذه السورة نزلت بسبب الاختلاف في أنفال الجيش من أهل بدر عند قسمة مغانم بدر، وما هذه الآية إلاّ جزء من هذه السورة فحكم هذه الآية شَرْع شرعه الله على المسلمين بسبب تلك الغزوة لتوقع حدوث غزوات يكون جيش المسلمين فيها قليلاً كما كان يومَ بدر، فنهاهم الله عن التقهقر إذا لاقوا العدو.

فأما يوم بدر فلم يكن حُكم مشروع في هذا الشأن، فإن المسلمين وقعوا في الحرب بغتة وتولى الله نصرهم.

وحكم هذه الآية باق غير منسوخ عند جمهور أهل العلم، وروي هذا عن ابن عباس، وبه قال مالك، والشافعي، وجمهور أهل العلم، لكنهم جعلوا عموم هذه الآية مخصوصاً بآية ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً إلى قوله بإذن الله ﴾ (الأنفال: 65، 66.

(والوجه في الاستدلال أن هذه الآية اشتملت على صيغ عموم في قوله: ﴿ ومَن يولهم يومئدٍ دبره ﴾ إلى قوله ﴿ فقد باء بغضب من الله ﴾ وهي من جانب آخر مطلقة في حالة اللقاء من قوله: ﴿ إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً ﴾ فتكون آيات ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين إلى قوله يغلبوا ألفين ﴾ [الأنفال: 65، 66] مخصصة لعموم هاته الآية بمقدار العدد ومقيدة لإطلاقها اللقاء بقيد حالة ذلك العدد، وروي عن أبي سعيد الخدري، وعطاء، والحسن، ونافع، وقتادة، والضحاك: أن هذه الآية نزلت قبل وقعة بدر، وقالوا إن حكمها نسخ بآية الضعفاء آية ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون ﴾ [الأنفال: 65] الآية وبهذا قال أبو حنيفة، ومآل القولين واحد بالنسبة لما بعد يَوم بدر، ولذلك لم يختلفوا في فقه هذه الآية إلاّ ما روي عن عطاء كما سيأتي، والصحيح هو الأول كما يقتضيه سياق انتظام آي السورة، ولو صح قول أصحاب الرأي الثاني للزم أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل الشروع في القتال يوم بدر ثم نزلت سورة الأنفال فألحقت الآية بها، وهذا ما لم يقله أحد من أصحاب الأثر.

وذهب فريق ثالث: إلى أن قوله تعالى: ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ الآية محكم عام في الأزمان، لا يخصص بيوم بدر ولا بغيره، ولا يخص بعدد دون عدد، ونسب ابنُ الفرس، عن النحاس، إلى عطاء بن أبي رباح، وقال ابن الفرس قال أبو بكر بن العربي هو الصحيح لأنه ظاهر القرآن والحديث، ولم يذكر أين قال ابن العربي ذلك، وأنا لم أقف عليه.

ولم يستقر من عمل جيوش المسلمين، في غزواتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع الأمراء الصالحين في زمن الخلفاء الراشدين، ما ينضبط به مدى الإذن أو المنع من الفرار، وقد انكشف المسلمون يوم أُحُد فعنفهم الله تعالى بقوله: ﴿ إن الذين تولوا منكم يومَ التقي الجمْعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ﴾ [آل عمران: 155] وما عفا عنهم إلاّ بعد أن استحقوا الإثم، ولما انكشفوا عند لقاء هوازن يوم حنين عنفهم الله بقوله: ﴿ ثم ولّيتم مدبرين ﴾ إلى قوله ﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفورٌ رحيمٌ ﴾ في سورة براءة (25 27) وذِكر التوبة يقتضي سبق الإثم.

ومعنى ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ لا توجهوا إليهم أدباركم، يقال: ولي وجهه فلاناً إذا أقبل عليه بوجهه ومنه قوله تعالى: ﴿ فوَل وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ [البقرة: 144] فيعدى فعل ولّى إلى مفعولين بسبب التضعيف، (ومجرده وَلِيَ) إذا جعل شيئاً والياً أي قريباً فيكون ولّى المضاعف مثل قرب المضاعف، فهذا نظم هذا التركيب.

و (الأدبار) جمع دُبر، وهو ضدّ قُبُل الشيء وجهه، وما يَتوجه إليك منه عند إقباله على شيء وجعلِه أمامه، ودبره ظهره وما تراه منه حين انصرافه وجعله إياك وراءه، ومنه يقال استقبل واستدبر وأقبل وأدبر، فمعنى توليتهم الأدبار صرف الأدبار إليهم، أي الرجوع عن استقبالهم، وتولية الأدبار كناية عن الفرار من العدو بقرينة ذكره في سياق لقاء العدو، فهو مستعمل في لازم معناه مع بعض المعنى الأصلي، وإلاّ فإن صرف الظهر إلى العدو بعد النصر لا بد منه وهو الانصراف إلى المعسكر، إذ لا يفهم أحد النهي عن إدارة الوجه عن العدو، وإلاّ للزم أن يبقى الناس مستقبلين جيش عدوهم، فلذلك تعين أن المفاد من قوله: ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ النهي عن الفرار قبل النصر أو القتل.

وعبر عن حين الزحف بلفظ اليوم في قوله ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم الزحف أي يولهم يوم الزحف دُبره أي حين الزحف.

ومن ثم استثني منه حالة التحرف لأجل الحيلة الحربية والانحياز إلى فِئَة من الجيش للاستنجاد بها أو لإنجادها.

والمستثنى يجوز أن يكون ذاتاً مستثنى من الموصول في قوله ﴿ ومن يولهم ﴾ والتقدير: إلاّ رَجلاً مُتحرفاً لقتال، فحذف الموصوف وبقيت الصفة، ويجوز أن يكون المستثنى حالة من عموم الأحوال دل عليها الاستثناء أي إلاّ في حال تحرفه لقتال.

و (التحرف) الانصراف إلى الحَرْف، وهو المكان البعيد عن وسطه فالتحرف مزايلة المكان المستقر فيه والعدولُ إلى أحد جوانبه، وهو يستدعي تولية الظهر لذلك المكان بمعنى الفرار منه.

واللام للتعليل أي إلاّ في حال تحرف أي مجانبة لأجل القتال، أي لأجل أعماله إن كان المراد بالقتال الاسم، أو لأجل إعادة المقاتلة إن كان المراد بالقتال المصدر، وتنكير قتال يرجح الوجه الثاني، فالمراد بهذا التحرف ما يعبر عنه بالفَرّ لأجل الكرّ فإن الحرب كرّ وفرّ، وقال عمرو بن معديكرب: ولقد أجمَعُ رِجليَّ بها *** حذَر الموت وإني لفرور ولقد أعْطِفها كارهة *** حينَ للنفس من الموت هَرِير كل ما ذلك مني خُلُق *** وبكللٍ أنا في الروْع جدير والتحيز طلب الحَيْز فَيْعِل من الحَوْز، فأصل إحدى ياءيْه الواو، فلما اجتمعت الواو والياء وكانت السابقة ساكنة قلبت الواوُ ياء وأدغمت الياء في الياء، ثم اشتقوا منه تَحَيّز، فوزنه تَفَيْعَل وهو مختار صاحب «الكشاف» جرياً على القياس بقدر الإمكان، وجوّز التفتازاني أن يَكون وزنه تَفَعّل بناء على اعتباره مشتقاً من الكلمة الواقع فيها الإبدال والإدغامُ وهي الحَيز، ونظّره بقولهم: «تَدَيُّر» بمعنى الإقامة في الدار، فإن الدار مشتقة من الدوران ولذلك جُمعت على دُور، إلاّ أنه لما كثر في جمعها دِيَار ودِيرَة عوملت معاملة ما عينه ياء، فقالوا من ذلك تَدَيّرَ بمعنى أقام في الدار وهو تَفعّل من الدار، واحتَج بكلام ابن جني والمرزوقي في «شرح الحماسة»، يعني ما قال ابن جني في «شرح الحماسة» عند قول جابر بن حريش: إِذْ لا تخاف حُدُوجُنا قذْفَ النّوى *** قبلَ الفساد إِقامةً وتديرا التدير تفَعُّل من الدار وقياسه تدور إلاّ أنه لما كثر استعمالهم ديار أَنِسوا بالياء ووجدوا جانبها أوطا حسّاً وألين مسّاً فاجتروا عليها فقالوا تدير» وما قال المرزوقي «الأصل في تَدَير الواو ولكنهم بنوه على دِيَارِ لإلفِهم له بكثرة تردده في كلامهم».

فمعنى ﴿ متحيزاً إلى فئة ﴾ أن يكون رجع القهقرى ليلتحق بطائفة من أصحابه فيتقوى بهم.

والفِئَة الجماعة من الناس، وقد تقدم في سورة البقرة (249) في قوله: ﴿ كم من فئةٍ قليلةَ ﴾ وتطلق على مؤخرة الجيش لأنها يفيء إليها مَن يحتاج إلى إصلاح أمره أو مَن عَرض له ما يَمنعه من القتال من مرض أو جراحة أو يستنجد بهم، فهو تولَ لمقصد القتال، وليس المراد أن ينحاز إلى جماعة مستريحين لأن ذلك من الفرار، ويدخل في معنى التحيز إلى الفئة الرجوع إلى مقر أمير الجيش للاستنجاد بفئة أخرى، وكذلك القفول إلى مقر أمير المِصر الذي وجه الجيش للاستمداد بجيش آخر إذا رأى أميرُ الجيش ذلك من المصلحة كما فعل المسلمون في فتح إفريقية وغيره في زمن الخلفاء، ولما انهزم أبو عبيد بن مسعود الثقفي يوم الجسر بالقادسية، وقتل هو ومن معه من المسلمين، قال عمر بن الخطاب: هلاّ تَحيّز إليّ فأنا فِئتُهْ.

وباء} رجع.

والمعنى أن الله غضب عليه في رجوعه ذلك فهو قد رجع ملابساً لغضب الله تعالى عليه.

ومناسبة (باء) هنا أنه يشير إلى أن سبب الغضب عليه هو ذلك البَوْء الذي باءه.

وهذا غضب الله عليه في الدنيا المستحق الذم وغيره مما عسى أن يحرمه عناية الله تعالى في الدنيا، ثم يترتب عليه المصير إلى عذاب جهنم، وهذا يدل على أن توليه الظهر إلى المشركين كبيرة عظيمة.

فالآية دالة على تحريم التولي عن مقابلة العدو حين الزحف.

والذي أرى في فقه هذه الآية أن ظاهر الآية هو تحريم التولي على آحادهم وجماعتهم إذا التقوا مع أعدائهم في ملاحم القتال والمجالدة، بحيث إن المسلمين إذا توجهوا إلى قتال المشركين أو إذا نزل المشركون لمقاتلتهم وعزموا على المقاتلة فإذا التقى الجيشان للقتال وجب على المسلمين الثبات والصبر للقتال، ولو كانوا أقل من جيش المشركين، فإمّا أن ينتصروا، وإمّا أن يتشهدوا، وعلى هذا فللمسلمين النظر قبل اللقاء هل هم بحيث يستطيعون الثبات وجهه أولاً، فإن وقت المجالدة يضيق عن التدبير، فعلى الجيش النظر في عَدده وعُدده ونسبة ذلك من جيش عدوهم، فإذا أزمعوا الزحف وجب عليهم الثبات، وكذلك يكون شأنهم في مدة نزولهم بدار العدو، فإذا رأوا للعدو نجدة أو ازدياد قوة نظروا في أمرهم هل يثبتون لقتاله أو ينصرفون بإذن أميرهم، فإمّا أن يأمرهم بالكف عن متابعة ذلك العدو، وإمّا أن يأمرهم بالاستنجاد والعودة إلى قتال العدو كما صنع المسلمون في غزوة إفريقية الأولى، وهذا هو الذي يشهد له قوله تعالى: ﴿ إذا لقيتم فئة فاثبُتوا ﴾ [الأنفال: 45] وما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قام في الناس فقال: " يأيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " ولعل حكمة ذلك أن يمضي المسلمون في نصر الدين.

وعلى هذا الوجه يكون لأمير الجيش، إذا رأى المصلحة في الانجلاء عن دار العدو وترككِ قتالهم، أن يغادر دار الحرب ويرجع إلى مقره، إذا أمن أن يلحق به العدو، وكان له من القوة ما يستطيع به دفاعهم إذا لحقوا به، فذلك لا يسمى تولية أدبار، بل هو رأي ومصلحة، وهذا عندي هو محمل ما رَوَى أبو داود والترمذي، عن عبد الله بن عمر: أنه كان في سرية بعثها النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فحاصَ الناسُ حَيْصة فكنت فيمن حَاص فلما برزنا قلنا كيف نصنع إذا دخلنا المدينة وقد فررنا من الزحف وبُؤنا بالغضب ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا قال «فجلسنا لرسول الله قبل صلاة الفجر فلما خرج قمنا إليه فقلنا نحن الفرارون، فأقبل إلينا فقال لا بل أنتم العكّارون (أي الذين يكُرون يعني أن فراركم من قبيل الفرّ للكر، يقال للرجل إذا ولّى عن الحرب ثم كرّ راجعاً إليها عَكرَ أوْ اعتكر) وأنا فئة المسلمين» يَتأول لهم أن فرارهم من قبيل قوله تعالى: ﴿ أو متحيزاً إلى فئة ﴾ قال ابن عمر ﴿ فدنونا فقبلنا يده ﴾ فيفهم منه أن فرار ابن عمر وأصحابه لم يكن في وقت مجالدتهم المشركين، ولكنه كان انسلالاً لينحازوا إلى المدينة فتلك فِئَتُهم.

وإنما حرم الله الفرار في وقت مناجزة المشركين ومجالدتهم وهو وقت اللقاء؛ لأن الفرار حينئذٍ يوقع في الهزيمة الشنيعة والتقتيل، وذلك أن الله أوجب على المسلمين قتال المشركين فإذا أقدم المسلمون على القتال لم يكن نصرهم إلا بصبرهم وتأييد الله إياهم، فلو انكشفوا بالفرار لأعمل المشركون الرماح في ظهورهم فاستأصلوهم، فلذلك أمرهم الله ورسوله بالصبر والثبات، فيكون ما في هذه الآية هو حكم الصبر عند اللقاء، وبهذا يكون التقييد بحال الزحف للإحتراز عن اللقاء في غير تلك الحالة.

وأما آية ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ [الأنفال: 65] فقد بينت حكم العَدد الذين عليهم طلب جهاد المشركين بنسبة عددهم إلى عدد المشركين، ولعل هذا مراد ابن العربي من قوله: ﴿ لأنه ظاهر الكتاب والحديث ﴾ فيما نقله ابن الفرس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ﴾ والزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا قَلِيلًا.

﴿ فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ ﴾ يَعْنِي بِالهَزِيمَةِ مِنهم والِانْصِرافِ عَنْهم.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا عَلى العُمُومِ في تَحْرِيمِ الهَزِيمَةِ بَعْدَ لِقاءِ العَدُوِّ.

والثّانِي: مَخْصُوصٌ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ في أوَّلِ الإسْلامِ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَقِفَ بِإزاءِ عَشَرَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ اللِّقاءِ أنْ يَنْهَزِمَ عَنْهم وذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ  ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ ما فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ.

الثّانِي: لا يَعْلَمُونَ ما فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ القِتالِ.

ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ عَنْهم بَعْدَ كَثْرَتِهِمْ واشْتِدادِ شَوْكَتِهِمْ فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ رَجُلٍ لاقى المُشْرِكِينَ مُحارِبًا أنْ يَقِفَ بِإزاءِ رَجُلَيْنِ بَعْدَ أنْ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَقِفَ بِإزاءِ عَشَرَةٍ تَخْفِيفًا ورُخْصَةً وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا ﴾ قُرِئَ بِضَمِّ الضّادِ وفَتْحِها، وفي اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ.

وَفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِالفَتْحِ: الضَّعْفُ في الأمْوالِ، وبِالضَّمِّ: الضَّعْفُ في الأحْوالِ.

الثّانِي: أنَّها بِالفَتْحِ: الضَّعْفُ في النِّيّاتِ، وبِالضَّمِّ: الضَّعْفُ في الأبْدانِ.

وَقِيلَ بِعَكْسِ الوَجْهَيْنِ في الوَجْهَيْنِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعَ الصّابِرِينَ عَلى القِتالِ في مَعُونَتِهِمْ عَلى أعْدائِهِمْ.

الثّانِي: مَعَ الصّابِرِينَ عَلى الطّاعَةِ في قَبُولِ عَمَلِهِمْ وإجْزالِ ثَوابِهِمْ، فَصارَ حَتْمًا عَلى مَن لاقى عَدُوَّهُ مِنَ المُشْرِكِينَ زَحْفًا أنْ لا يَنْهَزِمَ مَعَ القُوَّةِ عَلى المُصابَرَةِ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ مِن أمْرِهِ ما شاءَ فَأمّا الهَزِيمَةُ مَعَ العَجْزِ عَنِ المُصابَرَةِ فَإنْ قاتَلَهُ أكْثَرَ مِن مِثْلَيْهِ جازَ أنْ يُوَلِّيَ عَنْهم مُنْهَزِمًا، وإنْ قاتَلَهُ مِثْلاهُ فَمِن دُونِ حُرُمٍ عَلَيْهِ أنْ يُوَلِّيَ عَنْهم مُنْهَزِمًا عَلى صِفَتَيْنِ: إمّا أنْ يَتَحَرَّفَ لِقِتالٍ وهو أنْ يَهْرُبَ لِيَطْلُبَ، ويَفِرَّ لِيَكِرَّ فَإنَّ الحَرْبَ كَرٌّ وفَرٌّ، وهَرَبٌ وطَلَبٌ، وإمّا أنْ يَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ أُخْرى لِيُقاتِلَ مَعَها، قَرُبَتِ الفِئَةَ أوْ بَعُدَتْ، وذَلِكَ ظاهِرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ صارَ بِالمَكانِ الَّذِي يَحِقُّ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ المُبَوَّأِ وهو المَكانُ.

وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأصْحابِهِ ومُوافِقِيهِ أنَّ هَذا عَلى العُمُومِ، مَحْكُومٌ بِهِ في كُلِّ مُسْلِمٍ لاقى عَدُوًّا، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ.

وَحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ: أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ في أهْلِ بَدْرٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري في تاريخه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن نافع رضي الله عنه أنه سأل ابن عمر رضي الله عنهما قال: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا ولا ندري من الفئة أمامنا أو عسكرنا؟

فقال لي: الفئة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقلت: إن الله تعالى يقول ﴿ إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار ﴾ قال: إنما أنزلت هذه الآية في أهل بدر لا قبلها ولا بعدها.

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره ﴾ قال: إنها كانت لأهل بدر خاصة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي نضرة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره ﴾ الآية.

قال: نزلت يوم بدر ولم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لم ينحازوا إلا للمشركين.

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لا تغرنكم هذه الآية فإنها كانت يوم بدر، وأنا فئة لكل مسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ذاكم يوم بدر لأنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: نزلت في أهل بدر خاصة، ما كان لهم أن يهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتركوه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره ﴾ قال: إنما كانت يوم بدر خاصة، ليس الفرار من الزحف من الكبائر.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره ﴾ قال: ذاك في يوم بدر.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال: إنما كان يوم بدر ولم يكن للمسلمين فئة ينحازون إليها.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره ﴾ قال: يرون أن ذلك في بدر، ألا ترى أنه يقول ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه قال: أوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر النار.

قال: ومن يولهم يومئذ دبره إلى قوله: ﴿ فقد باء بغضب من الله ﴾ فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: ﴿ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ﴾ [ آل عمران: 155] ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين فقال: ﴿ ثم وليتم مدبرين ﴾ [ التوبة: 25] .

﴿ ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء ﴾ [ التوبة: 27] .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره ﴾ قال: يعني يوم بدر خاصة منهزماً ﴿ إلا متحرفاً لقتال ﴾ يعني مستطرداً يريد الكرة على المشركين ﴿ أو متحيزاً إلى فئة ﴾ يعني أو ينحاز إلى أصحابه من غير هزيمة ﴿ فقد باء بغضب من الله ﴾ يقول: استوجب سخطاً من الله ﴿ ومأواه جهنم وبئس المصير ﴾ فهذا يوم بدر خاصة، كأن الله شدد على المسلمين يومئذ ليقطع دابر الكافرين، وهو أول قتال قاتل فيه المشركين من أهل مكة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: المتحرف: المتقدم في أصحابه، إنه يرى غرة من العدو فيصيبها، والمتحيز: الفار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره وأصحابه قال: وإنما هذه وعيد من الله تعالى لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يفروا، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم ثبتهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره ﴾ قال: هذه منسوخة بالآية التي في الأنفال ﴿ الآن خفف الله عنكم ﴾ [ الأنفال: 66] .

وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الفرار من الزحف من الكبائر لأن الله تعالى قال: ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: الفرار من الزحف من الكبائر.

وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد واللفظ له وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا في غزاة، فحاص الناس حيصه قلنا: كيف نلقى النبي صلى الله عليه وسلم وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟!

فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فخرج فقال «من القوم...؟

فقلنا: نحن الفرارون.

فقال: لا بل أنتم العكارون.

فقبلنا يده فقال: أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين، ثم قرأ ﴿ إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة ﴾ » .

وأخرج ابن مردويه عن أمامة رضي الله عنها مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كنت أوضئ النبي صلى الله عليه وسلم أفرغ على يديه، إذ دخل عليه رجل فقال: يا رسول الله أريد اللحوق بأهلي فأوصني بوصية أحفظها عنك.

قال: «لا تفر يوم الزحف، فإنه من فرَّ يوم الزحف فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير» .

وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من فر من اثنين فقد فر.

وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار...

﴾ الآية.

قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم «قاتلوا كما قال الله» .

وأخرج أحمد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه استعاذ من سبع موتات.

موت الفجأة، ومن لدغ الحية، ومن السبع، ومن الغرق، ومن الحرق، ومن أن يخر عليه شيء، ومن القتل عند فرار الزحف» .

وأخرج أحمد عن أبي اليسر رضي الله عنه «أن رسول الله كان يدعو بهؤلاء الكلمات السبع يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الغم والغرق والحرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً» .

وأخرج ابن سعد وأبو داود والترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن بلال بن يسار عن زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه عن جده «أنه سمع رسول الله يقول: من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فر من الزحف» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله «من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ثلاثاً غفرت ذنوبه وإن كان فر من الزحف» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مثله موقوفاً، وله حكم الرفع.

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ﴾ .

الزحف: معناه في اللغة: الدنو قليلاً قليلاً، يقال: زحف إليه يزحف زحفًا، إذا مشى قليلاً، ويقال أيضًا: أزحفت (١) (٢) ويقال: أزحف لنا عدونا ازحافًا، أي: صاروا يزحفون [إلينا زحفًا لقتالنا، ويقال أيضًا: ازدحف القوم ازدحافًا] (٣) (٤) (٥) (٦) وقال الأزهري: أصل الزحف للصبي، وهو أن يزحف على أسته قبل أن يقوم، وشبه بزحف الصبي مشي الفئتين تتلاقيان (٧) (٨) فالزحف مصدر كما بينّا، ثم تسمى الفئة التي تريد أن تلقى الأخرى للقتال زحفًا، قال الليث: الزحف: جماعة يزحفون إلى عدو لهم بمرة، فهم الزحف، والجميع: الزحوف (٩) فقوله: ﴿ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ﴾ نصب على الحال، ويجوز أن يكون حالاً للكفار، ويجوز أن يكون حالاً للمخاطبين وهم المؤمنون.

والزحف: مصدر موصوف به كالعدل والرضا ، ولذلك لم يجمع، قال أبو إسحاق في هذه الآية: إذا واقفتموهم (١٠) (١١) ومعنى ﴿ فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴾ : لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم.

(١) في (س): (زحفت).

(٢) وعجزه: مثل السفين إذا تقاذَفَ تجدف والبيت لم أجده في "ديوان الأعشى"، وقد نسب إليه في "تفسير الثعلبي" 6/ 46 ب، وابن الجوزي 3/ 331، و"الدر المصون" 5/ 584.

وهو في "تاج العروس" (زحف) من غير نسبة.

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (س).

(٤) هو: أبو العباس (ثعلب).

(٥) في (م) و (س): (فزحف).

(٦) انظر: "تهذيب اللغة" (زحف) 2/ 1516.

وقد ذكر الواحدي عبارة ثعلب بالمعنى.

(٧) في "تهذيب اللغة": تلتقيان.

(٨) "تهذيب اللغة" (زحف) 2/ 1516.

(٩) "تهذيب اللغة" (زحف) 2/ 1516 ، والنص في كتاب "العين" (زحف) 3/ 163.

(١٠) يعني: إذا وقفتم معهم في موقف واحد.

(١١) "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 405 باختصار.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ زَحْفاً ﴾ حال من الذين كفروا، أو من الفاعل في لقيتم، ومعناه متقابلي الصفوف والأشخاص، وأصل الزحف الاندفاع ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار ﴾ نهي عن الفرار مقيداً بأن يكون الكفار أكثر من مثلي المسلمين حسبما يذكره في موضعه ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ ﴾ أي يوم اللقاء في أي عصر كان ﴿ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ ﴾ هو الكر بعد الفر ليري عدوه أنه منهزم، ثم يعطف عليه، وذلك من الخداع في الحرب ﴿ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ ﴾ أي منحازاً إلى جماعة من المسلمين، فإن كانت الجماعة حاضرة في الحرب، فالتحيز إليها جائز باتفاق، واختلف في التحيز إلى المدينة، والإمام والجماعة إذا لم يكن شيئاً من ذلك حاضراً، ويروى عن عمر بن الخطاب، أنه قال: أنا فئة لكل مسلم، وهذا إباحة لذلك، والفرار من الذنوب الكبائر، وانتصب قوله متحرفاً على الاستثناء من قوله ومن يولهم، وقال الزمخشري: انتصب على الحال وإلا لغو، ووزن متحيز متفيعلا، ولو كان على متفعل لقال متحوز، لأنه من حاز يحوز.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يغشاكم النعاس ﴾ ابن كثير وأبو عمرو.

﴿ يغشيكم النعاس ﴾ من باب الأفعال: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ يغشكيم النعاس ﴾ من باب التفعيل.

ويقال من الإنزال: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو عمر.

والآخرون: بالتشديد ﴿ رمى ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى.

﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وسهل ورويس ﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالجر للإضافة: حفص.

الباقون ﴿ موهن ﴾ بالتشديد ﴿ كيد ﴾ بالنصب ﴿ وإن الله ﴾ بالفتح: ابن عامر وأبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.

الباقون: بالكسر.

الوقوف: ﴿ الإقدام ﴾ ه ط لتعلق "إذ" بمحذوف هو "اذكر".

﴿ الذين آمنوا ﴾ ط ﴿ كل بنان ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ الأوّل ج ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ط ﴿ قتلهم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ رمى ﴾ ج لاحتمال أن تكون الواو مقحمة واللام متعلقاً بما قبله واحتمال أن تكون عاطفة على ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أو على محذوف أي لتستبشروا وليبلى ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الفتح ﴾ ج للفصل بين الجملتين المتضادتين مع العطف ﴿ خير لكم ﴾ ج لذلك ﴿ نعد ﴾ ج ﴿ كثرت ﴾ ط لمن قرأ "وإن" بالكسر ﴿ المؤمنين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف ﴿ إذ يغشيكم ﴾ "إذ" بدل ثانٍ من ﴿ إذ يعدكم ﴾ أو منصوب بالنصر أبو بما في عند الله من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإضمار اذكروا و ﴿ أمنة ﴾ مفعول لأجله ﴿ ومنه ﴾ صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من عند الله.

ولما كان غشيان النعاس وكذا إغشاؤه وتغشيته متضمناً لمعنى تنعسون كان فاعل الفعل المعلل والعلة واحداً كما هو شريطة انتصاب المفعول له.

والمعنى إذ تنعسون لأمنتكم أو يغشاكم النعاس فتنعسون أمناً.

وجوّز على قراءة الإغشاء والتغشية أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان أي ينعسكم إيماناً منه.

وجوّز أن ينتصب الأمنة على أنها للنعاس الذي هو فاعل ﴿ يغشاكم ﴾ أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أن المراد أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم وإنما غشاكم أمنة حاصلة له من الله لولاها لم يغشكم على طريقة التمثيل والتخييل، وقد مر فوائد هذا النعاس في سورة آل عمران.

ومن نعم الله تعالى عليهم في تلك الواقعة إنزال المطر عليهم وكان فيه فوائد: إحداها: تحصيل الطهارة، والثانية: إذهاب رجز الشيطان.

وقيل: هو الجنابة التي أصابتهم لأنها من تخييل الشيطان ولا تكرار لأن الأولى عام وهذه خاص.

وقيل: المراد المني لأنه شيء مستخبث مستقذر وعلى هذا يكون في الآية دلالة على نجاسة المني لقوله ﴿ والرجز فاهجر  ﴾ وقيل: المراد وسوسة الشيطان إليهم وتخويفه إياهم من العطش وذلك أن المشركين سبقوهم إلى الماء ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء فناموا فاحتلم أكثرهم فتمثل لهم إبليس في صورة إنسان فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة قد عطشتم، ولو كنتم على حق لما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة.

فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا فأنزل الله المطر فمطروا ليلاً حتى جرى الوادي واتخذ أصحاب رسول الله الحياض على عدوة الوادي وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضأوا وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدوّ حتى ثبتت عليه الأقدام وكانت هذه ثالثة الفوائد وأشار إليها بقوله ﴿ ويثبت به ﴾ أي بالماء ﴿ الأقدام ﴾ وقيل: الضمير عائد إلى الربط الذي يدل عليه قوله ﴿ ليربط على قلوبكم ﴾ والمراد من تثبيت الأقدام الصبر في مواطن القتال، وذلك أن من كان قلبه ضعيفاً فرّ ولم يقف فلما ربط الله على قلوبهم أي قوّاها ثبتت أقدامهم ومعنى "على" أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأن علاها وارتفع فوقها.

قال الواحدي: يشبه أن يكون على صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما أوقع فيها من اليقين.

روي أن المطر نزل على الكافرين أيضاً ولكن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب فعظم الوحل وصار مانعاً لهم من المشي والاستقرار.

فقوله ﴿ ويثبت به الأقدام ﴾ يدل مفهومه على أن حال الأعداء كان بخلاف ذلك.

ومن جملة النعم قوله ﴿ إذ يوحي ربك ﴾ وهو بدل ثالث من ﴿ إذ يعدكم ﴾ ومنصوب بـ ﴿ يثبت ﴾ أو بذكر أني معكم الخطاب للملائكة والمراد أني معينكم على التثبيت فثبتوهم.

وقيل: الخطاب للمؤمنين لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار.

وقوله ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ﴾ في هذا التثبيت وجوه: أحدها: أنه مفسر لقوله ﴿ سألقي ﴾ ﴿ فاضربوا ﴾ ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم واجتماعهما غاية النصرة.

وثانيها: أن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال فالإلهام من الملائكة كالوسوسة من الشياطين.

وثالثها: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يعدونهم النصر والظفر.

ومعنى ﴿ فوق الأعناق ﴾ أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها إزالة الرأس من الجسد.

وقيل: أراد ضرب إلهام لأن الرؤوس فوق الأعناق.

والبنان الأصابع سميت بذلك لأن بها صلاح أحوال الإنسان التي يريد أن يقيمها من أبن بالمكان أي أقام به، والمراد نفي الأطراف من اليدين والرجلين.

ثم اختلفوا فمنهم من قال: المراد أن يضربوهم كما شاؤا لأن ما فوق العنق هو الرأس وهو أشرف الأعضاء والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء فذكر الأشرف والأخس تنبيهاً على كل الأعضاء.

بوجه أخر الضرب إما وقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معاً.

ومنهم من قال: الأوّل إشارة إلى القتل، وقطع البنان عبارة عن إفناء آلات المدافعة والمحاربة ليعجزوا عن القتال.

وجوّز في الكشاف أن يكون قوله ﴿ سألقي ﴾ إلى قوله ﴿ كل بنان ﴾ تلقيناً للملائكة ما يثبتونهم به أي قولوا لهم قول سألقي، أو يكون وارداً على الاستئناف كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟

فقيل: قولوا لهم قول سألقي.

فالضاربون على هذا هم المؤمنون ﴿ ذلك ﴾ العقاب العاجل من الضرب والقتل وقع عليهم ﴿ بأنهم شاقوا ﴾ بسبب مشاقتهم ومخالفتهم ﴿ الله ورسوله ﴾ ثم بيّن أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء يسير وقدر نزر في جنب ما أعد الله لهم ولأمثالهم في الآجل فقال ﴿ ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ﴾ أي له.

والكاف في ﴿ ذلك ﴾ للرسول أو لكل من له أهلية الخطاب، في ﴿ ذلكم ﴾ للكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع تقديره: ذلكم العذاب المعجل من القتل والأسر أو العذاب ذلكم، أو النصب والتقدير: عليكم ذلكم أي الزموه فذوقوه أو هو كقولك زيداً فاضربه.

قال في الكشاف: ﴿ وإن للكافرين ﴾ عطف على ﴿ ذلكم ﴾ في وجهيه أو نصب على أن الواو بمعنى "مع" والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة.

فوضع الظاهر موضع ضمير الخطاب.

قلت: ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي وأن للكافرين عذاب النار حق أو بالعكس أي والحكم والشأن أن للكافرين.

وفي ذكر الذوق إشارة إلى أن عذاب الدنيا شيء قليل بالنسبة إلى عذاب الآخرة.

قوله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً ﴾ قال الأزهري: أصل الزحف هو أن يزحف الصبي على أسته قبل أن يقوم، شَبَّهَ بزحف الصبي مشي الطائفتين تتمشى كل فئة مشياً رويداً إلى الفئة الأخرى تتدانى للضرب.

فانتصابه على الحال من الفريقين أي، إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، ويجوز أن يكون حالاً من الذين كفروا.

والزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيباً سمي بالمصدر، والجمع زحوف والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفروا فضلاً عن حالتي المداناة والمساواة، ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين وهم المؤمنون أي إذا ذهبتم إليهم للقتال فلا تنهزموا ومعنى ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم أو هو تقدمه نهي عن الفرار يوم حنين حين تولوا مدبرين وهم زحف من الزحوف اثنا عشرألفاً.

وفي قوله ﴿ من يولهم يومئذ دبره ﴾ أمارة عليه، ثم بين أن الانهزام محرم إلا في حالتين فقال ﴿ إلا متحرفاً لقتال ﴾ هو المكر بعد الفرّ يخيل إلى عدوّه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو نوع من خدع الحرب ﴿ أو متحيزاً ﴾ أي منحازاً ﴿ إلى فئة ﴾ إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها.

وعلى هذا انتصب ﴿ متحرفاً ﴾ و ﴿ متحيزاً ﴾ على أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ووجد صحته من أنه ليس في الكلام نفي ظاهر هو أنه في معنى النفي كأنه قيل: ومن لا يقدم أو لا يعطف عليهم في حال من الأحوال إلا في حال التحرف أن التحيز، ويجوز أن يكون الاستثناء تاماً على أن الموصوف محذوف والتقدير: ومن يولهم دبره إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً.

ووزن متحيزاً "متفيعل" لأنه من حاز يحوز فعل به ما فعل بأيام، لو كان "متفعلاً" لقيل "متحوزاً".

عن ابن عمر: خرجت سرية وأنا فيهم ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا فدخلوا البيوت فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون فقال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم.

والعكرة البكرة.

وعن ابن عباس أن الفرار من الزحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر.

واحتج القاضي بالآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة.

وأجيب بأنه مشروط بعدم العفو.

وعن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بيوم بدر لأن رسول الله  كان حاضراً بنفسه، لأنه  وعدهم النصرة، ولأنه كان أول جهاده فناسب التشديد ولهذا منع من أخذ الفداء.

وأكثر المفسرين على أنه عام في جميع الحروب لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر وكان القائل يقول قتلت وأسرت فقيل لهم: فلم تقتلوهم.

والفاء جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن  قتلهم لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم وربط عليها.

ولما طلعت قريش قال رسول الله  : "هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني" فأتاه جبرائيل  فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال: -لما التقى الجمعان - لعلي: أعطني قبضة من حصباء الوادي فأعطاه فرمى بها في وجوههم وقال: "شاهت الوجوه" فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا فنزلت ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ أي وما رميت أنت يا محمد إذ رميت ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أثبت الرمية للرسول الله  لأن صورتها وجدت منه  ونفاها عنه لأن أثرها فوق حد تأثير القوى البشرية.

قال حكيم بن حزام: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله  بتلك الحصباء فانهزمنا، وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي  يريده فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله  فخلوا سبيله فاستقبله مصعب ابن عمير أخو بني عبد الدار ورأى رسول الله  ترقوه أبيّ من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فسقط أبي من فرسه ولم يخرج من طعنته دم وكسر ضلعاً من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش فقال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لما أتوا أجمعين فمات أبيّ إلى النار قبل أن يقدم مكة فأنزل الله في ذلك ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ وقيل: نزلت في خيبر حين دعا رسول الله  بقوس فرمى منها بسهم فأقبل السهم يهوي حتى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه.

وأصح الأقوال هو الأوّل كيلا يدخل في أثناء القصة كلام أجنبي، نعم لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

﴿ وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً ﴾ وليعطهم عطاء جميلاً فعل ما فعل وما فعله إلا لذلك.

قال القاضي: ولولا أن المفسرين أجمعوا على أن معنى البلاء ههنا النعمة وإلا لكان يحتمل المحنة أي الذي فعله  يوم بدر كان كالسبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات.

﴿ إن الله سميع ﴾ لكلامكم ﴿ عليم ﴾ بضمائركم.

وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب كيلا يغتر العبد بظواهر الأمور ﴿ ذلكم ﴾ الغرض أي الغرض ذلكم ﴿ وإن الله موهن كيد الكافرين ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ وأن للكافرين عذاب النار  ﴾ قال ابن عباس: ينبىء رسول الله  ويقول إني قد أوهنت كيد عدوّك حتى قتلت جبابرتهم وأسرت أشرافهم.

قال السدي والكلبي والحسن: كان المشركين حين خرجوا إلى رسول الله  من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين فأنزل الله  خطاباً لهم على سبيل التهكم ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت.

وروي أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم أي فأهلكه.

وقيل: إنه خطاب للمؤمنين الذين استغاثوا الله وطلبوا النصر.

ثم خاطب الكفار بقوله ﴿ وأن تنتهوا ﴾ أي عن عداوة رسول الله  ﴿ فهو خير لكم ﴾ وأسلم وإن تعودوا لمحاربته نعد لنصرته عليكم.

وجوّز بعضهم أن يكون الخطاب في الجميع للمؤمنين أي إن تكفوا عن المنازعة في أمر القتال أو عن طلب الفداء فهو خير لكم ﴿ وإن تعودوا ﴾ إلى تلك المنازعات ﴿ نعد ﴾ إلى ترك نصرتكم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإن الله مع المؤمنين ﴾ تقديره على قراءة الفتح ولأن الله معين المؤمنين كان ذلك.

التأويل: ﴿ إذ يغشاكم النعاس أمنة ﴾ فيه تغليب الحال إلى ضده بأمر التكوين كما قال للنار ﴿ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم  ﴾ كذلك قال للخوف كن أمناً على محمد وأصحابه فكان ﴿ ينزل عليكم ﴾ من سماء الروحانية ماء الإلهام الرباني ﴿ ليطهركم به ﴾ من دنس الصفات النفسانية والحيوانية ﴿ ويذهب عنكم ﴾ وساوس الشيطان وهواجسه ﴿ وليربط على قلوبكم ﴾ بالصدق والإخلاص والمحبة والتوكل واليقين ﴿ ويثبت بهالأقدام ﴾ على طريق الطلب ﴿ إني معكم فثبتوا ﴾ فيه أن التثبيت من الله لا من غيره، وكذلك إلقاء الرعب في قلوبهم وغير ذلك.

﴿ إذا لقيتم الذين كفروا ﴾ إذا لقيتم كفار النفوس وصفاتها مجتمعين على قهر القلوب وصفاتها فلا تنهزموا فتقعوا عن صراط الطلب ﴿ إلا متحرفاً ﴾ إلا قلباً يتحرك ليتهيأ لأسباب القتال مع النفس أو راجعاً إلى الاستمداد من الروح وصفاتها أو إلى ولاية الشيخ أو إلى حضرة الله  مستمداً في قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة فإنها تورث المشاهدة ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ نفى القتل عن الصحابة بالكلية أو حاله إلى نفسه فقال ﴿ ولكن ﴾ ولم ينف الرمي عن النبي بالكلية حيث قال ﴿ إذ رميت ﴾ لأن الله  كان قد تجلى بالقدرة وكأن يده يد الله كما كان حل عيسى حين تجلى له بصفة الإحياء كان يحيي الموتى ﴿ وليبلى المؤمنين منه ﴾ فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام ﴿ إن تستفتحوا ﴾ أي تفتحوا أبواب قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى الله في طلب التجلي ﴿ فقد جاءكم الفتح ﴾ بالتجلي فأنه  متجل في ذاته أزلاً وأبداً فلا تغير له وإنما التغير في أحوال الخلق، فهم عند انغلاق أبواب قلوبهم محرومون وعند انفتاح أبوابها محظوظون ﴿ وأن تنتهوا ﴾ عن طلب غير الله ﴿ فهو خير لكم وأن تعودوا ﴾ إلى طلب الدنيا وزخارفها ﴿ نعد ﴾ إلى خذلانكم ونكالكم ونكلكم إلى أنفسكم ودواعيها ﴿ ولن تغني عنكم ﴾ لا يقوم شيء من الدنيا والآخرة وما فيهما مقام شيء مما أعدّ لأهل الله وخاصته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ ﴾ .

كان أول الأمر بالقتال وفرضه كان لبذل الأنفس للهلاك؛ لأنه ذكر الزحف، والزحف هوالجماعة والعدد الذي لا يعد، وليس للواحد القيام للجماعة، فكان فرض القتال لبذل الأنفس للقتل؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ  ﴾ ، وليس في وسع الواحد القيام لعشرة إذا أحيط به، ويجوز أن يفرض بذل الأنفس للقتال؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ  ﴾ ، أخبر أنه لو أمر بذلك لم يفعل إلا القليل منهم، فجائز الأمر بذلك امتحاناً منه لهم، فإن احتمل ما ذكرنا كان قوله: ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ  ﴾ هو على التحقيق؛ إذ إلى ذلك يساقون.

ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن الله - عز وجل - أمر بذلك ليكون آية، ويعرف كل أحد أنه إنما قام بالله، لا بقوة نفسه؛ إذ ليس في وسع أحد القيام لعشرة أو لجماعة بقوته إذا أحيط به، فهو على الآية إن كان فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ ﴾ .

والمتحرف للقتال: هو المتنقل من مكان إلى مكان للحرب، والمتحيز إلى فئة: هو الملتجئ إلى فئة على جهة العود إليهم والحرب، يقال: تحوزت وتحيزت، بالواو والياء جميعاً، وهما تحوز الحرب.

وفيه النهي عن الانهزام والتولي عن العدو، إلا ما ذكر من التحرف للقتال أو التحيز إلى الفئة على جهة العود إليهم.

ثم أخبر أن من ولى دبره بسوى ما ذكر ﴿ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

قالت المعتزلة: دل ما أوعد المتحرف بغير قتال والمتحيز إلى غير الفئة بقوله: ﴿ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ - أن مرتكب الكبيرة يخلد في النار؛ لأنه ذكر في أول الآية المؤمنين، ولهم خرج الخطاب بقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً ﴾ ، ثم أوعد لهم الوعيد الشديد ما يوعد أهل النار غير أهل الإيمان؛ فدل أنه يخرج عن الإيمان بارتكاب الكبيرة، ويخلد في النار.

وقالوا: لا يجوز صرف الآية إلى أهل النفاق؛ لما ذكر في القصة أنه لم يكن يوم بدر منافق.

لكن هذا غلط؛ قال الله -  -: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ  ﴾ ، وإنما قالوا ذلك يوم بدر؛ كذلك ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز جل -: ﴿ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ ﴾ ، فإن كان مستثنى من قوله: ﴿ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، لم يكن فيه رخصة التولي، ولكن فيه دفع الوعيد الذي ذكر، وإن كان مستثنى من قوله: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾ ، ففيه رخصة التولي إلى ما ذكر.

ثم الدلالة على أنه مستثنى من هذا دون الأول ما جاء عن غير واحد من الصحابة توليه الدبر إلى ما ذكر، وكذلك روي عن رسول الله  أنه قال: "أنا فئة لكل مسلم" وبعد، فإنه لم يكن لأهل الإسلام فئة يوم بدر يتحيزون إليها، فدل أنها في المنافقين وأهل الكفر، والله أعلم.

ثم يقال: يجوز أن يكون ما ذكر من الوعيد لمعنى في التولية عن الدبر والإعراض، لا لنفس التولية عن الدبر؛ إذ قد ذكر التولية عن الدبر في آية أخرى، والعفو عن ذلك، وهو قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ...

 ﴾ الآية.

فإن قيل: لعل التوبة مضمرة فيه، تابوا فعفا عنهم.

قيل: إن جاز أن تجعل التوبة مضمرة فيها، جاز أن يضمر في التولية عن الدبر الردة، فليست تلك أولى بإضمار التوبة من هذه بإضمار الردة، وفي الآية معان تدل على الإضمار؛ إضمار ما يوجب الوعيد الذي ذكر - والله أعلم -: أحدها: ذكر التحيز إلى الفئة، وإذا لم يكن للمسلم فئة يتحيز إليها، فإذا تحيز إنما يتحيز ليصير إلى العدو، فهو الردة التي ذكرنا.

والثاني: ما ذكر في بعض القصة أنه لما اصطف القوم رفع رسول الله  يديه، فقال: "يا رب، إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبداً" ، ومن هرب أو ولى الدبر عن مثل تلك الحال، لم يول إلا لقصد ألا يعبد، فهو كفر.

والثالث: قد وُعِدَ لهم النصر والظفر على العدو، فمن ولى الدبر، لم يول إلا لتكذيب بالوعد الذي وُعِدَ لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: يحتمل قوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ ، أي: لم تكن جراحاتكم التي أصابتهم بمصيبة المقتل، ولا عاملة في استخراج الروح، ولا كانت قاتلة، ولكن الله -  - صيرها قاتلة مصيبة المقتل، عاملة في استخراج الروح؛ لأن من الجراحات ما إذا أصابت لم تصب المقتل، ولا عملت في استخراج الروح.

وقوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ...

﴾ الآية يخرج على وجوه: أحدها: أن العبد لا صنع له في القتل واستخراج الروح منه، إنما ذلك فعل الله، وإليه ذلك، وهو المالك لذلك؛ لأن الضربة والجرح قد يكون ولا موت هنالك؛ وكذلك الرمي، ليس كل من أرسل شيئاً من يده فهو رمي، إنما يصير رمياً بالله إنشاء السهم حتى يصل بطبعه المبلغ الذي يبلغ؛ فكأنه لا صنع له في الرمي.

ألا ترى أنه لا يملك رد السهم إذا أرسله، ولو كان فعله لملك رده؛ ولهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إن الاستئجار على القتل باطل.

والثاني: قتلوا بمعونة الله ونصره؛ كما يقول الرجل لآخر: إنك لم تقتله، وإنما قتله فلان، أي: بمعونة فلان قتلته؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ ، أي: ما أصاب رميك المقصد الذي قصدت، ولكن الله بالغ ذلك المقصد الذي قصدتم.

والثالث: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ ، أي: لم تطمعوا بخروجكم إليهم قتلهم؛ لأنهم كانوا بالمحل الذي وصفهم من الضعف وشدة الخوف والذلة كأنما يساقون إلى الموت، فإذا كانوا بالمحل الذي ذكر فيقول - والله أعلم -: لم تطمعوا بخروجكم إليهم وقصدكم إياهم قتلهم؛ لما كان فيكم من الضعف وقوة أولئك، ولكن الله أذلهم، وألقى في قلوبهم الرعب والخوف حتى قتلتموهم؛ وكذلك قوله: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ لا يطمع الإنسان برمي كف من تراب النكبة بأعدائه، ولكن الله رمى حيث بلغ ذلك، وغطى أبصارهم وأعينهم بذلك الكف من التراب؛ على ما ذكر في القصة أنه رمى كفّاً من تراب فغشى أبصار المشركين، فانهزموا لذلك.

ويحتمل أن تكون نسبة هذه الأفعال إلى نفسه وإضافتها إليها، لما نسب وأضاف كل خير ومعروف إلى نفسه؛ من ذلك قوله: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ...

﴾ الآية [الحجرات: 17]، وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ الآية [الفاتحة: 6]، وغير ذلك من الآيات التي فيها إضافة الأفعال التي خلصت لله وصفت [له]؛ فعلى ذلك نسب فعلهم إلى نفسه؛ لخلوصه وصفائه له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً ﴾ .

أي: نعمة عظيمة؛ حيث نصرهم على عدوهم مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وكثرة أعدائهم، وقوة أبدانهم وعدتهم، وهو ما ذكر في هلاك فرعون وقومه أنه بلاء من ربكم عظيم بقوله: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ  ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

أي: سميع لدعائكم الذي دعوتم، وتضرعكم الذي تضرعتم إليه.

أو أن يقول: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ ، أي: مجيب لدعائكم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بأقوالكم وأفعالكم، التي تسرون وتعلنون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ ذٰلِكُمْ ﴾ ، أي: ذلك كان بهم من القتل والأسر والهزيمة لما أوهن وأضعف كيدهم  .

ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً ﴾ ، أي: ذلك الإنعام والإبلاء الذي من الله عليكم لما أوهن كيدهم، وذلك يكون في جملة المؤمنين، ما من مؤمن إلا وله من الله إليه إبلاء وإنعام في كل حال لإيهانه كيد الكافرين.

وقوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ﴾ .

الاستفتاح يحتمل وجوهاً ثلاثة: يحتمل الاستكشاف وطلب البيان، ويكون طلب النصر والمعونة؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ ، أي: يستنصرون، ويكون طلب الحكم والقضاء بين الحق والباطل؛ يقال: فتح بكذا، أي: حكم به وقضى، فهو يخرج على وجهين: على طلب بيان المحق من المبطل، وطلب بيان أحق الدينين بالنصر والحكم؛ فقد بين الله لهم أحق الدينين ما ذكر في القصة أن أبا جهل قال: اللهم اقض بيننا وبين محمد، فقال: اللهم أينا كان أوصل للرحم وأرضى عندك فانصره.

ففعل الله ذلك، ونصر المؤمنين، وهزم المشركين، فنزلت هذه الآية.

وقيل: إنه دعا: اللهم انصر أعز الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلين؛ فكان ما ذكرنا؛ فقد بين الله - عز وجل - أحق الدينين، وأعزّ الجندين لما هزم المشركين مع قوتهم وعدتهم، وكثرة عددهم بفئة ضعيفة، ذليلة، قليلة العدد، وضعيفة الأبدان والأسباب - دل أنه قد بين لهم الأحق من غيره.

وقيل: إنهم استفتحوا بالعذاب، وكان استفتاحهم ما قالوا: ﴿ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، فجاءهم العذاب يوم بدر، وأخبرهم يوم أحد: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئا...

﴾ الآية، والاستفتاح هو ما ذكرنا.

قال الحسن: الفتح القضاء.

ولذلك قال قتادة: قالوا: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء في يوم بدر؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ...

﴾ الآية [الأعراف: 89].

وقال القتبي: قوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ ﴾ : تسألوا الفتح، وهو النصر، ﴿ فَقَدْ جَآءَكُمُ ﴾ وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: وإن تنتهوا عما كنتم، فهو خير لكم يغفر لكم؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وقيل: وإن تنتهوا عن قتل محمد، فهو خير لكم من أن ينتهي محمد عن قتالكم.

وقوله: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ ﴾ يحتمل: وإن تعودوا إلى قتال محمد، نعد إليكم من القتل، والقتال، والأسر، والقهر.

ويحتمل: وإن تعودوا نعد إلى البيان والكشف إلى ما كنتم [من] قبل البيان من التكذيب والكفر لمحمد، نعد إلى الانتقام والتعذيب؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

بالنصر والمعونة.

فإن قيل: ذكر أنه لن تغني عنكم فئتكم وكثرتكم، وقد أغناهم كثرتهم يوم أحد؛ حيث ذكر أن الهزيمة كانت على المؤمنين.

قيل: هذا لوجهين: أحدهما: أن عاقبة الأمر كانت للمؤمنين، وإن كان في الابتداء كان عليهم فلن يغني عنهم ذلك؛ على ما ذكر؛ لأنه لو أغناهم ذلك لكان لهم الابتداء والعاقبة.

والثاني: أنه لم تكن النكبة والهزيمة على المؤمنين إلا لعصيان [كان] منهم؛ لقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ....

﴾ الآية [آل عمران: 152]، فما أصاب المؤمنين من النكبات إنما كان بسبب كان منهم، لا بالعدو؛ لذلك كان الجواب ما ذكر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، إذا قابلتم المشركين في القتال متقاربين فلا تنهزموا عنهم، وتولوهم ظهوركم هاربين، ولكن اثبتوا في وجوههم، واصبروا على لقائهم، فالله معكم بنصره وتأييده.

<div class="verse-tafsir" id="91.0QoAd"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله