الآية ١٨ من سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > سور > سورة 8 الأنفال > الآية ١٨ من سورة الأنفال

ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 63 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة الأنفال: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة الأنفال عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله ( ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين ) هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر : أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل ، مصغرا أمرهم ، وأنهم كل ما لهم في تبار ودمار ، ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (ذلكم)، هذا الفعل من قتل المشركين ورميهم حتى انهزموا, وابتلاء المؤمنين البلاء الحسن بالظفر بهم، وإمكانهم من قتلهم وأسرهم= فعلنا الذي فعلنا=(وأنّ الله موهن كيد الكافرين)، يقول: واعلموا أن الله مع ذلك مُضْعِف (14) = " كيد الكافرين ", يعنى: مكرهم, (15) حتى يَذِلُّوا وينقادوا للحق، أو يُهْلَكوا.

(16) * * * وفى فتح " أن " من الوجوه ما في قوله: ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ ، [سورة الأنفال: 14]، وقد بينته هنالك.

(17) * * * وقد اختلفت القرأة في قراءة قوله: (موهن) .

فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكيين والبصريين: " مُوَهِّنُ" بالتشديد, من: " وهَّنت الشيء "، ضعَّفته.

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: (مُوهِنُ)، من أوهنته فأنا موهنه ", بمعنى: أضعفته.

* * * قال أبو جعفر: والتشديد في ذلك أعجبُ إليّ، لأن الله تعالى كان ينقض ما يبرمه المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, عقدًا بعد عَقْدٍ, وشيئًا بعد شيء, وإن كان الآخرُ وجهًا صحيحًا.

-------------------- الهوامش : (14) انظر تفسير " الوهن " فيما سلف 7 : 234 ، 269 9 : 170 .

(15) انظر تفسير " الكيد " فيما سلف ص : 322 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(16) في المخطوطة : " ويهلكوا " ، وصواب السياق ما أثبت .

(17) انظر ما سلف ص : 434 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

موهن كيد الكافرين قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو .

وقراءة أهل الكوفة ( موهن كيد الكافرين ) .

وفي التشديد معنى المبالغة .

وروي عن الحسن ( موهن كيد الكافرين ) بالإضافة والتخفيف .

والمعنى : أن الله عز وجل يلقي في قلوبهم الرعب حتى يتشتتوا ويتفرق جمعهم فيضعفوا .

والكيد : المكر .

وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ـ{‏ذَلِكُمْ‏}‏ النصر من اللّه لكم ‏{‏وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ مضعف كل مكر وكيد يكيدون به الإسلام وأهله، وجاعل مكرهم محيقا بهم‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ذلكم ) الذي ذكرت من القتل والرمي والبلاء الحسن ، ( وأن الله ) قيل : فيه إضمار ، أي : واعلموا أن الله ( موهن ) مضعف ، ( كيد الكافرين ) قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة : " موهن " بالتشديد والتنوين ، " كيد " نصب ، وقرأ الآخرون " موهن " بالتخفيف والتنوين إلا حفصا ، فإنه يضيفه فلا ينون ويخفض " كيد " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ذلكم» الإبلاء حق «وأن الله موهنُ» مضعف «كيد الكافرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذا الفعل مِن قتل المشركين ورميهم حين انهزموا، والبلاء الحسن بنصر المؤمنين على أعدائهم، هو من الله للمؤمنين، وأن الله -فيما يُسْتقبل- مُضعِف ومُبطِل مكر الكافرين حتى يَذِلُّوا وينقادوا للحق أو يهلكوا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يقرر - سبحانه سنة من سننه التى لا تتخلف ، وهى تقوية الحق وتوهين الباطل .

وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، وثباتا على ثباتهم فيقول : ( ذلكم وَأَنَّ الله مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين ) .قال الإِمام الرازى : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ( موهن ) - بفتح الواو وتشديد الهاء والتنوين .

من التوهين .

تقول وهنت الشئ أى ضعفته - ، ( كيد ) بالنصب على المفعولية .

وقرأ حفص عن عاصم ( موهن كيد ) بالإضافة .

وقرأ الباقون ( موهن ) بالتخفيف ، - من أوهننه فأنا موهنه بمعنى أضعفته - ( وكيد ) بالنصب وتوهين الله كيدهم ومكرهم يكون بأشياء منها : إطلاع المؤمين على عوراتهم ، وإلقاء الرعب فى قلوبهم ، وتفريق كلمتهم .واسم الإِشارة ( ذلكم ) يود إلى ما سبق من نعمة الإِبلاء والقتل والرمى وغير ذلك من النعم .

وهو مبتدأ وخبره محذوف .

وقوله : ( وَأَنَّ الله مُوهِنُ ) معطوف عليه .المعنى : ذلكم الذى منحته إياكم من العطاء الحسن ، والقتل للمشركين ، والإِمداد بالملائكة ، وإنزال الماء عليكم .

ذلكم كله نعم منى إليكم ، ويضاف إلى ذلك كله أنه - سبحانه - مضعف لكيد الكافرين ومفسد لمكرهم بكم .قال ابن كثير : وهذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر ، فإنه أعلمهم بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل ، مصغر أمرهم ، وأنهم فى تبار ودمار وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده المؤمنين بما حباهم به من منن فى عزوة بدر ، ليستمروا على طاعتهم له ولرسوله .

.

أتبع ذلك بتوجيه الخطاب إلى الكافرين الذين حملهم الرسوخ فى الكفر على أن يدعو الله أن يجعل الدائرة فى بدر على أضل الفريقين فقال - تعالى - : ( إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ الله مَعَ المؤمنين ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ مُوهِنُ ﴾ بتشديد الهاء من التوهين ﴿ كَيْدَ ﴾ بالنصب، وقرأ حفص عن عاصم ﴿ مُوهِنُ كَيْدِ ﴾ بالإضافة، والباقون ﴿ مُوهِنُ ﴾ بالتخفيف ﴿ كَيْدَ ﴾ بالنصب، ومثله قوله: ﴿ كاشفات ضُرّهِ  ﴾ بالتنوين وبالإضافة.

المسألة الثانية: الكلام في ذلك ومحله من الإعراب كما في قوله: ﴿ ذلكم فَذُوقُوهُ  ﴾ .

المسألة الثالثة: توهين الله تعالى كيدهم.

يكون بأشياء بإطلاع المؤمنين على عوراتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريق كلمتهم، ونقض ما أبرموا بسبب اختلاف عزائمهم.

قال ابن عباس ينبئ رسول الله ويقول: إني قد أوهنت كيد عدومك حتى قتلت خيارهم وأسرت أشرافهم.

أما قوله تعالى: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح ﴾ فيه قولان: القول الأول: وهو قول الحسن ومجاهد والسدي أنه خطاب للكفار، روي أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أفضل الدينين وأحقه بالنصر، وروي أنه قال: اللهم أينا كان أقطع للرحم وأفجر، فأهلكه الغداة، وقال السدي: إن المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا أستار الكعبة وقالوا اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين، فأنزل الله هذه الآية، والمعنى: إن تستفتحوا أي تستنصروا لأهدى الفئتين وأكرم الحزبين، فقد جاءكم النصر.

وقال آخرون: أن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.

والقول الثاني: أنه خطاب للمؤمنين، روي أنه عليه السلام لما رأى المشركين وكثرة عددهم استغاث بالله، وكذلك الصحابة وطلب ما وعده الله به من إحدى الطائفتين وتضرع إلى الله فقال: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح ﴾ والمراد أنه طلب النصرة التي تقدم بها الوعد، فقد جاءكم الفتح، أي حصل ما وعدتم به فاشكروا الله والزموا طاعته.

قال القاضي: وهذا القول أولى لأن قوله: ﴿ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح ﴾ لا يليق إلا بالمؤمنين، أما لو حملنا الفتح على البيات والحكم والقضاء، لم يمتنع أن يراد به الكفار.

أما قوله: ﴿ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ فتفسير هذه الآية، يتفرع على ما ذكرنا من أن قوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح ﴾ خطاب للكفار أو للمؤمنين.

فإن قلنا: إن ذلك خطاب للكفار، كان تأويل هذه الآية إن تنتهوا عن قتال الرسول وعداوته وتكذيبه فهو خير لكم، أما في الدين فبالخلاص من العقاب والفوز بالثواب.

وأما في الدنيا فبالخلاص من القتل والأسر والنهب.

ثم قال: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ ﴾ أي إلى القتال ﴿ نَعُدُّ ﴾ أي نسلطهم عليكم، فقد شاهدتم ذلك يوم بدر وعرفتم تأثير نصرة الله للمؤمنين عليكم ﴿ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ ﴾ أي كثرة الجموع كما لم يغن ذلك يوم بدر.

وأما إن قلنا إن ذلك خطاب للمؤمنين كان تأويل هذه الآية وإن تنتهوا عن المنازعة في أمر الأنفال وتنتهوا عن طلب الفداء على الأسرى فقد كان وقع منهم نزاع يوم بدر في هذه الآشياء حتى عاتبهم الله بقوله: ﴿ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ  ﴾ فقال تعالى: ﴿ إِن تَنتَهُواْ ﴾ عن مثله ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ ﴾ إلى تلك المنازعات ﴿ نَعُدُّ ﴾ إلى ترك نصرتكم لأن الوعد بنصرتكم مشروط بشرط استمراركم على الطاعة وترك المخالفة، ثم لا تنفعكم الفئة والكثرة، فإن الله لا يكون إلا مع المؤمنين الذين لا يرتكبون الذنوب.

واعلم أن أكثر المفسرين حملوا قوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ ﴾ على أنه خطاب للكفار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ ﴾ فظنوا أن ذلك لا يليق إلا بالقتال، وقد بينا أن ذلك يحتمل الحمل على ما ذكرناه من أحوال المؤمنين، فسقط هذا الترجيح.

وأما قوله: ﴿ وَأَنَّ الله مَعَ ﴾ فقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم ﴿ الارض وَأَنَّ الله ﴾ بفتح الألف في أن والباقون بكسرها.

أما الفتح فقيل: على تقدير، ولأن الله مع المؤمنين، وقيل هو معطوف على قوله: ﴿ إِنَّ الله مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين ﴾ وأما الكسر فعلى الابتداء.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر، فكان القائل يقول: قتلت وأسرت، ولما طلعت قريش قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسلك، اللهم إني أسألك ما وعدتني، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فقال:- لما التقى الجمعان- لعلي رضي الله عنه: أعطني قبضة من حصباء الوادي، فرمى بها في وجوههم وقال: شاهت الوجوه» فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، فقيل لهم ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ والفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ﴿ ولكن الله قَتَلَهُمْ ﴾ لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم، وأذهب عنها الفزع والجزع ﴿ وَمَا رَمَيْتَ ﴾ أنت يا محمد ﴿ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى ﴾ يعني أنّ الرمية التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنّ صورتها وجدت منه، ونفاها عنه لأنّ أثرها الذي لا تطيقه البشر فعل الله عزّ وجلّ، فكأن الله هو فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول عليه الصلاة والسلام أصلاً.

وقرئ ﴿ ولكن الله قتلهم ﴾ ولكن الله رمى، بتخفيف ﴿ لكن ﴾ ورفع ما بعده ﴿ وَلِيُبْلِىَ المؤمنين ﴾ وليعطيهم ﴿ بَلاء حَسَنًا ﴾ عطاء جميلاً.

قال زهير: فَأبلاَهُمَا خَيْرَ الْبَلاَءِ الَّذِي يَبْلُو والمعنى: وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل، وما فعله إلا لذلك ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ ﴾ لدعائهم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بأحوالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ بِقُوَّتِكم.

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ بِنَصْرِكم وتَسْلِيطِكم عَلَيْهِمْ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ.

رُوِيَ: «أنَّهُ لَمّا طَلَعَتْ قُرَيْشٌ مِنَ العَقَنْقَلِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَذِهِ قُرَيْشٌ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها يُكَذِّبُونَ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ لَهُ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَلَمّا التَقى الجَمْعانِ تَناوَلَ كَفًّا مِنَ الحَصْباءِ فَرَمى بِها في وُجُوهِهِمْ وقالَ « شاهَتِ الوُجُوهُ»، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنَيْهِ فانْهَزَمُوا ورَدِفَهُمُ المُؤْمِنُونَ يَقْتُلُونَهم ويَأْسِرُونَهم، ثُمَّ لَمّا انْصَرَفُوا أقْبَلُوا عَلى التَّفاخُرِ فَيَقُولُ الرَّجُلُ قَتَلْتُ وأسَرْتُ، فَنَزَلَتْ.

والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم.

﴿ وَما رَمَيْتَ ﴾ يا مُحَمَّدُ رَمْيًا تَوَصِّلُهُ إلى أعْيُنِهِمْ ولَمْ تَقْدِرْ عَلَيْهِ.

﴿ إذْ رَمَيْتَ ﴾ أيْ إذْ أتَيْتَ بِصُورَةِ الرَّمْيِ.

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ أتى بِما هو غايَةُ الرَّمْيِ فَأوْصَلَها إلى أعْيُنِهِمْ جَمِيعًا حَتّى انْهَزَمُوا وتَمَكَّنْتُمْ مِن قَطْعِ دابِرِهِمْ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلى المُسَمّى وعَلى ما هو كَمالُهُ والمَقْصُودُ مِنهُ.

وقِيلَ مَعْناهُ ما رَمَيْتَ بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ بِالحَصْباءِ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى بِالرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ.

وقِيلَ إنَّهُ نَزَلَ في طَعْنَةٍ طُعِنَ بِها أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ ولَمْ يَخْرُجْ مِنهُ دَمٌ فَجَعَلَ يَخُورُ حَتّى ماتَ.

أوْ رَمْيَةِ سَهْمٍ رَماهُ يَوْمَ خَيْبَرٍ نَحْوَ الحِصْنِ فَأصابَ كِنانَةَ بْنَ أبِي الحَقِيقِ عَلى فِراشِهِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وَلَكِنْ) بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ ما بَعْدَهُ في المَوْضِعَيْنِ.

﴿ وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴾ ولِيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ ومُشاهَدَةِ الآياتِ فَعَلَ ما فَعَلَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِاسْتِغاثَتِهِمْ ودُعائِهِمْ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِنِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، أوِ القَتْلِ أوِ الرَّمْيِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ أيِ المَقْصُودُ أوِ الأمْرُ ذَلِكم وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ أيِ المَقْصُودُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ وإبْطالُ حِيَلِهِمْ.

وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ﴿ مُوهِنُ ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وحَفْصٌ ﴿ مُوهِنُ كَيْدِ ﴾ بِالإضافَةِ والتَّخْفِيفِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ذلكم} إشارة إلى البلاء الحسن ومحله الرفع أى المراد ذلكم {وَأَنَّ الله مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين} معطوف على ذلكم أي المراد إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين

الأنفال ١٨ ٢٢ مُوهِنُ كَيْدِ شامي وكوفي غير حفص مُوهِنُ كَيْدِ حفص مُوهِنُ غيرهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ أيِ: المَقْصِدُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ وإبْطالُ حِيَلِهِمْ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ القَتْلُ أوِ الرَّمْيُ والمُبْتَدَأُ الأمْرُ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم أيِ القَتْلُ أوِ الرَّمْيُ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأنَّ اللَّهَ ﴾ إلَخْ مِن قَبِيلِ عَطْفِ البَيانِ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ الجَمِيعُ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ.

وجُوِّزَ جَعْلُ اسْمِ الإشارَةِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ وجَعْلُهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ (مُوَهِّنُ) بِالتَّشْدِيدِ ونَصْبِ كَيْدٍ.

وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّخْفِيفِ والإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ والنَّصْبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ.

وذلك أن المسلمين كانوا يقولون: قتلنا فلاناً وقتلنا فلاناً، فأراد الله تعالى أن لا يعجبوا بأنفسهم، فقال: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ يقول: فما قتلتموهم وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، يعني: الله تعالى نصركم وأمدكم بالملائكة.

وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى يعني: الله تعالى تولى ذلك، وذلك حين رمى النبيّ  قبضة من التراب، فملأ الله تعالى أعينهم بها فانهزموا، قال الله تعالى: وَما رَمَيْتَ أي: لم تصب رميتك ولم تبلغ ذلك المبلغ، ولكن الله تعالى تولى ذلك.

ويقال: رمى النبيّ  يوم أحد بالحربة فأصابت أبي بن خلف الجمحي فقتله.

قرأ حمزة والكسائي وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى بكسر النون والتخفيف واللَّهَ بالضم، وكذلك في قوله وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وقرأ الباقون: بنصب النون مع التشديد ونصب ما بعده.

ثم قال: وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً، يعني: لينصرهم نصراً جميلاً ويختبرهم بالتي هي أحسن، ويقال: ولينعم المؤمنين نعمة بينة.

إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، يعني: سميع لدعاء النبيّ  وعليم بإجابته.

ذلِكُمْ، يعني: الهلاك والهزيمة للكفار، ويقال: معناه، الأمر من ربكم.

ذلِكُمْ ثمّ ابتداء فقال: وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ، يعني: مضعف كيد الكافرين، يعني: صنيع الكافرين ببدر.

وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ بنصب الواو والتشديد منونة كَيْدِ بنصب الدال، وقرأ عاصم في رواية حفص مُوهِنُ بضم النون بغير تنوين كَيْدِ بكسر الدال على معنى الإضافة، وقرأ الباقون: مُوهِنُ بالتنوين والتخفيف كَيْدِ بنصب الدّال والمُوهِنُ والمُوهَنُ واحد، ويقال: وهنت الشيء وأوهنته، إذا جعلته واهنا ضعيفا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وعن مالك مثله.

انتهى.

وفهم ع «١» : الحديث على التَّعَجُّبِ، ذكره عند قوله: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ [التوبة:

٢٥] ، وما قاله ابنُ رشْدٍ هو الصواب.

والله أعلم.

ومُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ يراد به الذي يَرَى: أن فعله ذلك أنْكَى للعدو، ونصبه على الحال، وكذلك نصب مُتَحَيِّزاً، وأما الاسْتِثْنَاءُ، فهو من المولين الذين تضمنهم «من» .

والفِئَةُ هنا الجَمَاعَةُ الحاضرة للحرب، هذا قول الجمهور.

وقوله سبحانه: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى هذه الألفاظ تَرِدُ على من يزعم أن أَفْعَالَ العباد خَلْقٌ لهم، ومذهب أهل السنة أنها خلق للرب سبحانه كسْبٌ للعبد روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ يومئذٍ ثلاث قَبَضَاتٍ من حَصًى وتُرَابٍ، فرمى بها في وجوه القوم، فانهزموا عند آخر رمْيَةِ، ويروى أنه قال يوم بدر: «شَاهَتِ الوُجُوهُ» «٢» وهذه الفعلة أيضاً كانت يوم «حنين» بلا خلاف.

ولِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ أي: ليصيبهم ببلاء حَسَنٍ، وظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة، والظفر، والعزة.

إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لاستغاثتكم، عَلِيمٌ بوجوه الحكمة في جميع أفعاله لا إله إلا هو.

وقوله سبحانه: ذلِكُمْ إشارة إلى ما تقدم من قَتْلِ اللَّه لهم، ورميه إياهم، وموضع ذلِكُمْ من الإعراب رفع.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا "وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ" "وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى" بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ اسْمِ اللَّهِ فِيهِما.

وسَبَبُ نُزُولِ هَذا الكَلامِ أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ  لَمّا رَجَعُوا عَنْ بَدْرٍ جَعَلُوا يَقُولُونَ: قَتَلْنا وقَتَلْنا، هَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ﴾ فَفي سَبَبِ نُزُولِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: « "أنَّ النَّبِيَّ  قالَ لِعَلِّيٍّ: ناوِلْنِي كَفًّا مِن حَصْباءَ، فَناوَلَهُ، فَرَمى بِهِ في وُجُوهِ القَوْمِ، فَما بَقِيَ مِنهم أحَدٌ إلّا وقَعَتْ في عَيْنِهِ حَصاةٌ" .» وقِيلَ: «أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، فَرَمى بِها، وقالَ: "شاهَتِ الوُجُوهُ" فَما بَقِيَ مُشْرِكٌ إلّا شَغَلَ بِعَيْنِهِ يُعالِجُ التُّرابَ الَّذِي فِيها، فَنَزَلَتْ ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ وذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ؛» هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَأْوِيلُ شاهَتْ: قُبِّحَتْ؛ يُقالُ: شاهَ وجْهُهُ يَشُوهُ شَوْهًا وشُوهَةً، ويُقالُ: رَجُلٌ أُشْوَهُ، وامْرَأةٌ شَوْهاءُ: إذا كانا قَبِيحَيْنِ.

والثّانِي: «أنْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أقْبَلَ يَوْمَ أُحُدٍ إلى النَّبِيِّ  يُرِيدُهُ، فاعْتَرَضَ لَهُ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ  ، فَخُلُّوا سَبِيلَهُ، وطَعَنَهُ النَّبِيُّ  بِحَرْبَتِهِ، فَسَقَطَ أبِي عَنْ فَرَسِهِ، ولَمْ يَخْرُجْ مِن طَعْنَتِهِ دَمٌ، فَأتاهُ أصْحابُهُ وهو يَخُورُ خُوارَ الثَّوْرِ، فَقالُوا: إنَّما هو خَدْشٌ، فَقالَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ كانَ الَّذِي بِي بِأهْلِ المَجازِ لَماتُوا أجْمَعُونَ، فَماتَ قَبْلَ أنْ يُقْدُمَ مَكَّةَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ أبِيهِ.

والثّالِثُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  رَمى يَوْمَ خَيْبَرٍ بِسَهْمٍ، فَأقْبَلَ السَّهْمُ يَهْوِي حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ وهو عَلى فِراشِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في آَخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ اخْتَلَفُوا في مَعْنى إضافَةِ قَتْلِهِمْ إلَيْهِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ قَتَلَهم بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ أرْسَلَهم.

والثّانِي: أنَّهُ أضافَ القَتْلَ إلَيْهِ لِأنَّهُ تَوَلّى نَصْرَهم.

والثّالِثُ: لِأنَّهُ ساقَهم إلى المُؤْمِنِينَ، وأمْكَنَهم مِنهم.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ ألْقى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَعْنى: وما ظَفِرْتَ أنْتَ ولا أصَبْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أظْفَرَكَ وأيَّدَكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: وما بَلَغَ رَمْيُكَ كَفًّا مِن تُرابٍ أوْ حَصًى أنْ تَمْلَأ عُيُونَ ذَلِكَ الجَيْشِ الكَثِيرِ، إنَّما اللَّهُ تَوَلّى ذَلِكَ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: وما رَمَيْتَ قُلُوبَهم بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ وُجُوهَهم بِالتُّرابِ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴾ أيْ: لَيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً بِالنَّصْرِ والأجْرِ.

إنَّ اللَّهَ سَمِيع لَدُعائِهِمْ عَلِيم بِنِيّاتِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكم قالَ الزَّجّاجُ: مَوْضِعُهُ رَفْعٌ؛ والمَعْنى: الأمْرُ ذَلِكم.

وقالَ غَيْرُهُ: "ذَلِكُمْ" إشارَةً إلى القَتْلِ والرَّمْيِ والبَلاءِ الحَسَنِ.

وأنَّ اللَّهَ أيْ: واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ.

والَّذِي ذَكَرْناهُ في فَتْحِ "أنْ" في قَوْلِهِ: ﴿ وَأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ ﴾ هو مَذْكُورٌ في فَتْحِ "أنْ" هَذِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُوهِنُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ "مُوَهِّنٌ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الهاءِ مُنَوَّنَةً "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "مُوهِنٍ" ساكِنَةَ الواوِ "كَيْدَ" بِالنَّصْبِ.

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ "مُوهِنٍ كَيْدَ" مُضافٌ.

والمُوهِنُ: المُضَعَّفُ، والكَيْدُ: المَكْرُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ ذَلِكم وأنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أعْلَمَ اللهُ بِها أنَّ القَتَلَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا هم مُسْتَبِدِّينَ بِالقَتْلِ بِالإقْدارِ عَلَيْهِ، والخَلْقُ والِاخْتِراعُ في جَمِيعِ حالاتِ القاتِلِ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى لَيْسَ لِلْقاتِلِ فِيها شَيْءٌ، وإنَّما يُشارِكُهُ بِتَكَسُّبِهِ وقَصْدِهِ، وهَذِهِ الألْفاظُ تَرُدُّ عَلى مَن يَقُولُ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ خَلْقٌ لَهم.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ -فِيما رُوِيَ- أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللهِ  لَمّا صَدَرُوا عن بَدْرٍ ذَكَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ما فَعَلَ، فَقالَ: قَتَلْتُ كَذا وفَعَلْتُ كَذا، فَجاءَ مِن ذَلِكَ تَفاخُرٌ ونَحْوُ ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى ﴾ يُرادُ بِهِ ما كانَ رَسُولُ اللهِ  فَعَلَهُ يَوْمَئِذٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أخَذَ قَبَضاتٍ مِن حَصًى وتُرابٍ فَرَمى بِها في وُجُوهِ القَوْمِ وتِلْقاءَهم ثَلاثَ مَرّاتٍ، فانْهَزَمُوا عِنْدَ آخِرِ رَمْيَةٍ.

ويُرْوى أنَّهُ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: "شاهَتِ الوُجُوهُ".

وهَذِهِ الفِعْلَةُ أيْضًا كانَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِلا خِلافٍ، ورُوِيَ أنَّ التُرابَ الَّذِي رَمى بِهِ لَمْ يَبْقَ كافِرٌ إلّا دَخَلَ في عَيْنَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ، ورُوِيَ أنَّهُ رَمى بِثَلاثَةِ أحْجارٍ، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ مَعَ الحَجَرِ الثالِثِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى ﴾ ما قُلْناهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ ﴾ وذَلِكَ مَنصُوصٌ في الطَبَرِيِّ وغَيْرِهِ، وهو خارِجٌ في كَلامِ العَرَبِ عَلى مَعْنى: وما رَمَيْتَ الرَمْيَ الكافِيَ إذْ رَمَيْتَ، ونَحْوُ قَوْلِ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: ..................

∗∗∗ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ أيْ: لَنْ أُعْطَ شَيْئًا مُرْضِيًا.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما رَمَيْتَ الرُعْبَ في قُلُوبِهِمْ إذْ رَمَيْتَ حَصَياتَكَ، ولَكِنَّ اللهَ رَماهُ، وهَذا أيْضًا مَنصُوصٌ في المَهْدَوِيِّ وغَيْرِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وما أغْنَيْتَ إذْ رَمَيْتَ حَصَياتَكَ، ولَكِنَّ اللهَ رَمى، أيْ: أعانَكَ وأظْفَرَكَ، والعَرَبُ تَقُولُ في الدُعاءِ: رَمى اللهُ لَكَ، أيْ: أعانَكَ وصَنَعَ لَكَ، وحَكى هَذا أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ المَجازِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنَّ اللهَ رَمى" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وفِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ اللهُ رَمى" بِتَخْفِيفِها ورَفِعِ الهاءِ مِنَ "اللهِ".

و ﴿ وَلِيُبْلِيَ ﴾ أيْ: لِيُصِيبَهم بِبَلاءٍ حَسَنٍ، فَظاهِرُ وصْفِهِ بِالحُسْنِ يَقْتَضِي أنَّهُ أرادَ الغَنِيمَةَ والظَفَرَ والعِزَّةَ، وقِيلَ: أرادَ الشَهادَةَ لِمَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ، مِنهم عُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومَهْجَعٌ مَوْلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُعاذٌ وعَمْرٌو ابْنا عَفْراءَ، وغَيْرُهم.

﴿ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ ﴾ لِاسْتِغاثَتِكم ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ لا إلَهَ إلّا هو.

وَحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ﴾ رَمْيُ رَسُولِ اللهِ  الحَرْبَةَ عَلى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، وعَلى هَذا تَكُونُ أجْنَبِيَّةً مِمّا قَبْلَها وما بَعْدَها وذَلِكَ بَعِيدٌ.

وحُكِيَ أيْضًا أنَّ المُرادَ السَهْمُ الَّذِي رَمى بِهِ رَسُولُ اللهِ  في حِصْنِ خَيْبَرَ فَسارَ في الهَواءِ حَتّى أصابَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ، فَقَتَلَهُ وهو عَلى فِراشِهِ.

وهَذا فاسِدٌ، وخَيْبَرُ فَتْحُها أبْعَدُ مِن أُحُدٍ بِكَثِيرٍ، والصَحِيحُ في قَتْلِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ غَيْرُ هَذا.

فَهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ لِما ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَتْلِ اللهِ ورَمْيِهِ إيّاهُمْ، ومَوْضِعُ "ذَلِكُمْ" مِنَ الإعْرابِ رَفْعٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: التَقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكُمْ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ، "وَأنَّ" مَعْطُوفٌ عَلى "ذَلِكُمْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: وحَتْمٌ وسابِقٌ وثابِتٌ ونَحْوُ هَذا.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَإنَّ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ.

و ﴿ مُوهِنُ ﴾ مَعْناهُ: مُضْعِفُ مُبْطِلٍ، يُقالُ وهَنَ الشَيْءُ، مِثْلُ: وعَدَ يَعِدُ.

ويُقالُ: وهِنَ مِثْلُ: ولِي يَلِي.

وقُرِئَ "فَما وهِنُوا لِما أصابَهُمْ" بِكَسْرِ الهاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "مُوهِنُ كَيْدِ" مِن أوهَنَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "مُوَهِّنُ كَيْدِ" مِن وهَّنَ.

وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "مُوهِنِ كَيْدِ" بِكَسْرِ الدالِ والإضافَةِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ فِيها أرْبَعَةَ أوجُهٍ؛ فَذَكَرَ هَذِهِ القِراءاتِ الثَلاثَ، وزادَ "مُوَهِّنِ كَيْدِ" بِتَشْدِيدِ الهاءِ والإضافَةِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَنُصَّ أنَّها قِراءَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الإشارة ب ﴿ ذلكم ﴾ إلى البلاء الحسن وهذه الإشارة لمجرد تأكيد المقصود من البلاء الحسن وأن ذلك البلاء علة للتوهين.

واسم الإشارة يفتتح به الكلام لمقاصد يجمعها التنبيه على أهمية ما يرد بعده كقوله تعالى: ﴿ هذا وإن للطاغين لشر مئابٍ ﴾ [ص: 55] ويجيء في الكلام الوارد تعليلاً كقوله تعالى: ﴿ ذلك بما قدمت أيديكم ﴾ [الأنفال: 51].

وعليه فاسم الإشارة هنا مبتدأ حذف خبره وعطف عليه جملة: ﴿ وأن الله موهن كيد الكافرين ﴾ .

وقوله: ﴿ وأن الله ﴾ بفتح همزة (أن)، فما بعدها في تأويل مصدر، مجرور بلام التعليل محذوفة، والتقدير ولتوهين كيد الكافرين.

ويجوز أن تكون الإشارة ب ﴿ ذلكم ﴾ إلى الأمرين، وهو ما اقتضاه قوله: ﴿ وما رميتَ إذ رميتَ ولكن الله رمى ﴾ [الأنفال: 17] من تعليل الرمي بخذل المشركين وهزمهم وإبلاء المؤمنين البلاء الحسن.

وإفراد اسم الإشارة مع كون المشار إليه اثنين على تأويل المشار إليه بالمذكور كما تقدم في نظيره في سورة البقرة.

و ﴿ كيد الكافرين ﴾ هو قصدهم الإضرار بالمسلمين في صورة ليست ظاهرها بمضرة، وذلك أن جيش المشركين الذين جاءوا لإنقاذ العِير لمّا علموا بنجاة عيرهم، وظنوا خيبة المسلمين الذين خرجوا في طلبها، أبوا أن يرجعوا إلى مكة، وأقاموا على بدر لينحروا ويشربوا الخمر ويضربوا الدفوف فرحاً وافتخاراً بنجاة عيرهم، وليس ذلك لمجرد اللهو، ولكن ليتسامع العرب فيتساءلوا عن سبب ذلك فيخبروا بأنهم غلبوا المسلمين فيصرفهم ذلك عن إتباع الإسلام، فأراد الله توهينهم بهزمهم تلك الهزيمة الشنعاء فهو موهن كيدهم في الحال وتقدم تفسير، الكيد عند قوله تعالى: ﴿ وأملي لهم إن كيدي متينٌ ﴾ في سورة [الأعراف: 183].

وقرأ نافع وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ﴿ مُوَهِّنٌ ﴾ بفتح الواو وبتشديد الهاء وبالتنوين ونصب ﴿ كيدَ ﴾ ، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف، ويعقوب، ﴿ مُوهِنٌ ﴾ بتسكين الواو وتخفيف الهاء ونصب ﴿ كيد ﴾ والمعنى على القراءتين سواء، وقرأ حفص عن عاصم بإضافة ﴿ مُوهِنٌ ﴾ إلى ﴿ كيد ﴾ ، والمعنى وهي إضافة لفظية مساوية للتنكير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِسَوْقِهِمْ إلَيْكم حَتّى أمْكَنَكم مِنهم.

والثّانِي: ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِمَعُونَتِهِ لَكم حِينَ ألْقى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وفي قُلُوبِكُمُ النَّصْرَ.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ: ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ أمَدَّكم بِهِمْ.

وَقِيلَ لَمْ تَقْتُلُوهم بِقُوَّتِكم وسِلاحِكم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِخِذْلانِهِمْ وقَبْضِ أرْماحِهِمْ.

﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ، والسُّدِّيُّ: «أنَّ النَّبِيَّ  قَبَضَ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْضَةً مِن تُرابٍ رَماهم بِها وقالَ: (شاهَتِ الوُجُوهُ)» أيْ قَبُحَتْ ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: أرى لِي وجْهًا شَوَّهَ اللَّهُ خَلْقَهُ فَقُبِّحَ مِن وجْهٍ وقُبِّحَ حامِلُهُ فَألْقى اللَّهُ تَعالى القَبْضَةَ في أبْصارِهِمْ حَتّى شَغَلَتْهم بِأنْفُسِهِمْ وأظْفَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِهِمْ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ الثّانِي: مَعْناهُ وما ظَفِرْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ أظْفَرَكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّالِثُ: وما رَمَيْتَ قُلُوبَهم بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ وُجُوهَهم بِالتُّرابِ ولَكِنَّ اللَّهَ مَلَأ قُلُوبَهم رُعْبًا.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ رَمى أصْحابُهُ بِالسَّهْمِ فَأصابَ رَمْيُهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ يَعْنِي بِما أرْسَلَهُ مِنَ الرِّيحِ المُعَيَّنَةِ لِسِهامِهِمْ حَتّى سُدِّدَتْ وأصابَتْ.

والمُرادُ بِالرَّمْيِ الإصابَةُ لِأنَّ مَعْنى الرَّمْيِ مَحْمُولٌ عَلى الإصابَةِ، فَإنْ لَمْ يُصِبْ قِيلَ رَمى فَأخْطَأ.

وَإذا قِيلَ مُطْلَقًا: قَدْ رَمى، لَمْ يُعْقَلْ مِنهُ إلّا الإصابَةُ.

ألا تَرى إلى قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَرَماها في فَرائِصِها فاسْتَغْنى بِذِكْرِ الرَّمْيِ عَنْ وصْفِهِ بِالإصابَةِ.

وَقالَ ذُو الرُّمَّةِ في الرَّأْيِ: رَمى فَأخْطَأ والأقْدارُ غالِبَةٌ ∗∗∗ فانْصاعَ والوَيْلُ هُجَيْراهُ والحَرْبُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴾ قالَ أصْحابُ الخَواطِرِ: البَلاءُ الحَسَنُ ما يُورِثُكَ الرِّضا بِهِ والصَّبْرَ عَلَيْهِ.

وَقالَ المُفَسِّرُونَ: البَلاءُ الحَسَنُ ها هُنا النِّعْمَةُ بِالظَّفَرِ والغَنِيمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ قال: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال هذا قتلت وهذا قتلت ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم حين حصب الكفار.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ قال: رماهم يوم بدر بالحصباء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: ما وقع شيء من الحصباء إلا في عين رجل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات فرمى بحصاة بين أظهرهم، فقال: شاهت الوجوه فانهزموا.

وأخرج ابن عساكر عن محكول رضي الله عنه قال: لما كرَّ علي وحمزة على شيبة بن ربيعة، غضب المشركون وقالوا: اثنان بواحد؟!

فاشتغل القتال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنك أمرتني بالقتال ووعدتني النصر ولا خلف لوعدك، وأخذ قبضة من حصى فرمى بها في وجوههم فانهزموا بإذن الله تعالى، فذلك قوله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: «لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصباء وقال: شاهت الوجوه.

فانهزمنا، فذلك قول الله تعالى ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ الآية» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست، فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بهن في وجوه المشركين فانهزموا، فذلك قوله: ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه «ناولني قبضة من حصباء» .

فناوله فرمى بها في وجوه القوم، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت هذه الآية ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي رضي الله عنهما قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه.

فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ إلى قوله: ﴿ سميع عليم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد أخذ أبي بن خلف يركض فرسه حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترض رجال من المسلمين لأبي بن خلف ليقتلوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استأخروا» فاستأخروا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربته في يده، فرمى بها أبي بن خلف وكسر ضلعاً من أضلاعه، فرجع أبي بن خلف إلى أصحابه ثقيلاً فاحتملوه حين ولوا قافلين، فطفقوا يقولون: لا بأس، فقال أبي حين قالوا له ذلك: والله لو كانت بالناس لقتلتهم، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله؟

فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات ببعض الطريق فدفنوه، قال ابن المسيب رضي الله عنه: وفي ذلك أنزل الله تعالى ﴿ وما رميت إذ رميت...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب والزهري رضي الله عنهما قالا: أنزلت في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لامته، فخدشه في ترقوته فجعل يتدأدأ عن فرسه مراراً حتى كانت وفاته بها بعد أيام، قاسى فيها العذاب الأليم موصولاً بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الزهري رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ قال: حيث رمى أبي بن خلف يوم أحد بحربته فقيل له: إن يك الأجحش.

قال: أليس قال: أنا أقتلك؟

والله لو قالها لجميع الخلق لماتوا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه «أن رسول الله- يوم ابن أبي الحقيق- دعا بقوس: فأتى بقوس طويلة فقال: جيئوني بقوس غيرها.

فجاءوه بقوس كيداء، فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصن، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه، فأنزل الله: ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ » .

وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أي لم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله تعالى من نصرك وما ألقى في صدور عدوك منها حتى هزمتهم ﴿ وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً ﴾ أي يعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم عدوّهم مع كثرة عدوّهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴾ الكلام في ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ ومحله من الإعراب، ومحل ﴿ أَن ﴾ كما ذكرنا في قوله: ﴿ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ ، وحكى صاحب النظم عن بعض النحويين أنه قال: معنى (ذلك) أنه نقيض (لا) فكما أن (لا) ينفي ما قبله فـ (ذلك) يثبت ما قبله على (١) (٢) وإذا كان كذلك فالمعنى في قوله: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ إثبات ما ذكر قبله من القتل والرمي، وإبلاء المؤمنين بلاءً حسنًا، وتقدير الإعراب: الأمر ذلكم، والحق ذلكم (٣) وفي قوله: ﴿ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴾ وجوه من القراءة: التشديد مع التنوين، والإضافة، والتخفيف معهما (٤) ﴿ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ  ﴾ ، بالتنوين، وبالإضافة (٥) قال أهل المعاني: وتوهينه كيدهم يكون بأشياء: بإطلاع المؤمنين على عوراتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريقَ كلمتهم، ونقض ما أبرموا باختلاف عزومهم (٦) قال ابن عباس: يهنئ (٧)  ، يقول: "إني قد أوهنت كيد عدوك حتى قُتلت جبابرتهم (٨) (٩) (١٠) (١) في (ج): (عن).

(٢) المشهور عند علماء اللغة أن (كلا) لا تقتصر على مجرد النفي بل تتضمن الزجر والردع، قال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص 558: (كلا: ردع وزجر)، وفي "لسان العرب" (كلا) 7/ 3908، قال الأخفش: معنى (كلا) الردع والزجر، قال الأزهري: وهذا مذهب سيبويه، وإليه ذهب الزجاج في جميع القرآن، وروى ابن شميل عن الخليل أنه قال: كل شيء في القرآن (كلا): رد، يرد شيئًا ويثبت آخر.

(٣) وإلى هذا الإعراب ذهب أبو البقاء العكبري في "التبيان" (406)، وكذلك == الزمخشري في "تفسيره" 2/ 150 لكنه قدره بلفظ: الغرض ذلكم.

(٤) قرأ ابن كثير ونافع وأبو جعفر وأبو عمرو (مَوهّنٌ) بفتح الواو، وتشديد الهاء، مع التنوين، ونصب الدال في (كيد) مفعول به.

وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف، وشعبة عن عاصم (موْهِنٌ) بسكون الواو، وتخفيف الهاء، مع التنوين، ونصب الدال في (كيد) أيضًا.

وقرأ حفص عن عاصم (موْهنُ) بسكون الواو، وتخفيف الهاء من غير تنوين، وخفض الدال في (كيد) على الإضافة.

انظر: كتاب "السبعة" ص 304، و"تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشرة" للجزري ص 118، و"المستنير في تخريج القراءات المتواترة" 1/ 256.

ومن الجدير بالتنبيه أن المؤلف ذكر من وجوه القراءة: التشديد مع الإضافة، ولم أجد من ذكر ذلك في القراءات المتواترة أو الشاذة، لكن الزجاج ذكر جواز ذلك من الناحية اللغوية.

انظر: "معاني القرآن" 2/ 407.

(٥) بالتنوين قرأ أبو عمرو ويعقوب، وقرأ الباقون بالإضافة.

انظر: "تحبير التيسير" ص 173، و"تقريب النشر" ص 168.

(٦) لم أجد هذا القول فيما بين يدي من كتب أهل المعاني، وقد ذكره بحروفه الفخر الرازي في "تفسيره" 15/ 141.

(٧) في (ح): (يعني).

(٨) في "تفسير الرازي": خيارهم.

(٩) هكذا في جميع النسخ، وفي "تفسير الرازي"، و"الوسيط" (أسرت).

(١٠) انظر: "تفسير الرازي" 15/ 141، وبنحوه في "الوسيط" 2/ 450.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ أي لم يكن قتلهم في قدرتكم لأنهم أكثر منكم وأقوى، لكن الله قتلهم بتأييدكم عليهم وبالملائكة ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ﴾ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ يوم بدر قبضة من تراب وحصى ورمى بها وجوه الكفار فانهزموا، فمعنى الآية أن ذلك من الله في الحقيقة ﴿ بلاء حَسَناً ﴾ يعني الأجر والنصر والغنيمة ﴿ مُوهِنُ ﴾ من الوهن وهو الضعف، وقرئ مُوَهِّن بالتشديد والتخفيف وهو بمعنى واحد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يغشاكم النعاس ﴾ ابن كثير وأبو عمرو.

﴿ يغشيكم النعاس ﴾ من باب الأفعال: أبو جعفر ونافع.

الباقون ﴿ يغشكيم النعاس ﴾ من باب التفعيل.

ويقال من الإنزال: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو عمر.

والآخرون: بالتشديد ﴿ رمى ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى.

﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وسهل ورويس ﴿ موهن ﴾ من الأفعال ﴿ كيد ﴾ بالجر للإضافة: حفص.

الباقون ﴿ موهن ﴾ بالتشديد ﴿ كيد ﴾ بالنصب ﴿ وإن الله ﴾ بالفتح: ابن عامر وأبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.

الباقون: بالكسر.

الوقوف: ﴿ الإقدام ﴾ ه ط لتعلق "إذ" بمحذوف هو "اذكر".

﴿ الذين آمنوا ﴾ ط ﴿ كل بنان ﴾ ط ﴿ ورسوله ﴾ الأوّل ج ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ الأدبار ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ط ﴿ قتلهم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ رمى ﴾ ج لاحتمال أن تكون الواو مقحمة واللام متعلقاً بما قبله واحتمال أن تكون عاطفة على ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أو على محذوف أي لتستبشروا وليبلى ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ الفتح ﴾ ج للفصل بين الجملتين المتضادتين مع العطف ﴿ خير لكم ﴾ ج لذلك ﴿ نعد ﴾ ج ﴿ كثرت ﴾ ط لمن قرأ "وإن" بالكسر ﴿ المؤمنين ﴾ ه.

التفسير: قال في الكشاف ﴿ إذ يغشيكم ﴾ "إذ" بدل ثانٍ من ﴿ إذ يعدكم ﴾ أو منصوب بالنصر أبو بما في عند الله من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإضمار اذكروا و ﴿ أمنة ﴾ مفعول لأجله ﴿ ومنه ﴾ صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من عند الله.

ولما كان غشيان النعاس وكذا إغشاؤه وتغشيته متضمناً لمعنى تنعسون كان فاعل الفعل المعلل والعلة واحداً كما هو شريطة انتصاب المفعول له.

والمعنى إذ تنعسون لأمنتكم أو يغشاكم النعاس فتنعسون أمناً.

وجوّز على قراءة الإغشاء والتغشية أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان أي ينعسكم إيماناً منه.

وجوّز أن ينتصب الأمنة على أنها للنعاس الذي هو فاعل ﴿ يغشاكم ﴾ أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أن المراد أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم وإنما غشاكم أمنة حاصلة له من الله لولاها لم يغشكم على طريقة التمثيل والتخييل، وقد مر فوائد هذا النعاس في سورة آل عمران.

ومن نعم الله تعالى عليهم في تلك الواقعة إنزال المطر عليهم وكان فيه فوائد: إحداها: تحصيل الطهارة، والثانية: إذهاب رجز الشيطان.

وقيل: هو الجنابة التي أصابتهم لأنها من تخييل الشيطان ولا تكرار لأن الأولى عام وهذه خاص.

وقيل: المراد المني لأنه شيء مستخبث مستقذر وعلى هذا يكون في الآية دلالة على نجاسة المني لقوله ﴿ والرجز فاهجر  ﴾ وقيل: المراد وسوسة الشيطان إليهم وتخويفه إياهم من العطش وذلك أن المشركين سبقوهم إلى الماء ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء فناموا فاحتلم أكثرهم فتمثل لهم إبليس في صورة إنسان فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة قد عطشتم، ولو كنتم على حق لما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة.

فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا فأنزل الله المطر فمطروا ليلاً حتى جرى الوادي واتخذ أصحاب رسول الله الحياض على عدوة الوادي وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضأوا وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدوّ حتى ثبتت عليه الأقدام وكانت هذه ثالثة الفوائد وأشار إليها بقوله ﴿ ويثبت به ﴾ أي بالماء ﴿ الأقدام ﴾ وقيل: الضمير عائد إلى الربط الذي يدل عليه قوله ﴿ ليربط على قلوبكم ﴾ والمراد من تثبيت الأقدام الصبر في مواطن القتال، وذلك أن من كان قلبه ضعيفاً فرّ ولم يقف فلما ربط الله على قلوبهم أي قوّاها ثبتت أقدامهم ومعنى "على" أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأن علاها وارتفع فوقها.

قال الواحدي: يشبه أن يكون على صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما أوقع فيها من اليقين.

روي أن المطر نزل على الكافرين أيضاً ولكن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب فعظم الوحل وصار مانعاً لهم من المشي والاستقرار.

فقوله ﴿ ويثبت به الأقدام ﴾ يدل مفهومه على أن حال الأعداء كان بخلاف ذلك.

ومن جملة النعم قوله ﴿ إذ يوحي ربك ﴾ وهو بدل ثالث من ﴿ إذ يعدكم ﴾ ومنصوب بـ ﴿ يثبت ﴾ أو بذكر أني معكم الخطاب للملائكة والمراد أني معينكم على التثبيت فثبتوهم.

وقيل: الخطاب للمؤمنين لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار.

وقوله ﴿ فثبتوا الذين آمنوا ﴾ في هذا التثبيت وجوه: أحدها: أنه مفسر لقوله ﴿ سألقي ﴾ ﴿ فاضربوا ﴾ ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم واجتماعهما غاية النصرة.

وثانيها: أن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال فالإلهام من الملائكة كالوسوسة من الشياطين.

وثالثها: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يعدونهم النصر والظفر.

ومعنى ﴿ فوق الأعناق ﴾ أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها إزالة الرأس من الجسد.

وقيل: أراد ضرب إلهام لأن الرؤوس فوق الأعناق.

والبنان الأصابع سميت بذلك لأن بها صلاح أحوال الإنسان التي يريد أن يقيمها من أبن بالمكان أي أقام به، والمراد نفي الأطراف من اليدين والرجلين.

ثم اختلفوا فمنهم من قال: المراد أن يضربوهم كما شاؤا لأن ما فوق العنق هو الرأس وهو أشرف الأعضاء والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء فذكر الأشرف والأخس تنبيهاً على كل الأعضاء.

بوجه أخر الضرب إما وقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معاً.

ومنهم من قال: الأوّل إشارة إلى القتل، وقطع البنان عبارة عن إفناء آلات المدافعة والمحاربة ليعجزوا عن القتال.

وجوّز في الكشاف أن يكون قوله ﴿ سألقي ﴾ إلى قوله ﴿ كل بنان ﴾ تلقيناً للملائكة ما يثبتونهم به أي قولوا لهم قول سألقي، أو يكون وارداً على الاستئناف كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟

فقيل: قولوا لهم قول سألقي.

فالضاربون على هذا هم المؤمنون ﴿ ذلك ﴾ العقاب العاجل من الضرب والقتل وقع عليهم ﴿ بأنهم شاقوا ﴾ بسبب مشاقتهم ومخالفتهم ﴿ الله ورسوله ﴾ ثم بيّن أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء يسير وقدر نزر في جنب ما أعد الله لهم ولأمثالهم في الآجل فقال ﴿ ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ﴾ أي له.

والكاف في ﴿ ذلك ﴾ للرسول أو لكل من له أهلية الخطاب، في ﴿ ذلكم ﴾ للكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع تقديره: ذلكم العذاب المعجل من القتل والأسر أو العذاب ذلكم، أو النصب والتقدير: عليكم ذلكم أي الزموه فذوقوه أو هو كقولك زيداً فاضربه.

قال في الكشاف: ﴿ وإن للكافرين ﴾ عطف على ﴿ ذلكم ﴾ في وجهيه أو نصب على أن الواو بمعنى "مع" والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة.

فوضع الظاهر موضع ضمير الخطاب.

قلت: ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي وأن للكافرين عذاب النار حق أو بالعكس أي والحكم والشأن أن للكافرين.

وفي ذكر الذوق إشارة إلى أن عذاب الدنيا شيء قليل بالنسبة إلى عذاب الآخرة.

قوله  ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً ﴾ قال الأزهري: أصل الزحف هو أن يزحف الصبي على أسته قبل أن يقوم، شَبَّهَ بزحف الصبي مشي الطائفتين تتمشى كل فئة مشياً رويداً إلى الفئة الأخرى تتدانى للضرب.

فانتصابه على الحال من الفريقين أي، إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، ويجوز أن يكون حالاً من الذين كفروا.

والزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيباً سمي بالمصدر، والجمع زحوف والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفروا فضلاً عن حالتي المداناة والمساواة، ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين وهم المؤمنون أي إذا ذهبتم إليهم للقتال فلا تنهزموا ومعنى ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم أو هو تقدمه نهي عن الفرار يوم حنين حين تولوا مدبرين وهم زحف من الزحوف اثنا عشرألفاً.

وفي قوله ﴿ من يولهم يومئذ دبره ﴾ أمارة عليه، ثم بين أن الانهزام محرم إلا في حالتين فقال ﴿ إلا متحرفاً لقتال ﴾ هو المكر بعد الفرّ يخيل إلى عدوّه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو نوع من خدع الحرب ﴿ أو متحيزاً ﴾ أي منحازاً ﴿ إلى فئة ﴾ إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها.

وعلى هذا انتصب ﴿ متحرفاً ﴾ و ﴿ متحيزاً ﴾ على أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ووجد صحته من أنه ليس في الكلام نفي ظاهر هو أنه في معنى النفي كأنه قيل: ومن لا يقدم أو لا يعطف عليهم في حال من الأحوال إلا في حال التحرف أن التحيز، ويجوز أن يكون الاستثناء تاماً على أن الموصوف محذوف والتقدير: ومن يولهم دبره إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً.

ووزن متحيزاً "متفيعل" لأنه من حاز يحوز فعل به ما فعل بأيام، لو كان "متفعلاً" لقيل "متحوزاً".

عن ابن عمر: خرجت سرية وأنا فيهم ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا فدخلوا البيوت فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون فقال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم.

والعكرة البكرة.

وعن ابن عباس أن الفرار من الزحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر.

واحتج القاضي بالآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة.

وأجيب بأنه مشروط بعدم العفو.

وعن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بيوم بدر لأن رسول الله  كان حاضراً بنفسه، لأنه  وعدهم النصرة، ولأنه كان أول جهاده فناسب التشديد ولهذا منع من أخذ الفداء.

وأكثر المفسرين على أنه عام في جميع الحروب لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر وكان القائل يقول قتلت وأسرت فقيل لهم: فلم تقتلوهم.

والفاء جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن  قتلهم لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم وربط عليها.

ولما طلعت قريش قال رسول الله  : "هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني" فأتاه جبرائيل  فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال: -لما التقى الجمعان - لعلي: أعطني قبضة من حصباء الوادي فأعطاه فرمى بها في وجوههم وقال: "شاهت الوجوه" فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا فنزلت ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ أي وما رميت أنت يا محمد إذ رميت ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أثبت الرمية للرسول الله  لأن صورتها وجدت منه  ونفاها عنه لأن أثرها فوق حد تأثير القوى البشرية.

قال حكيم بن حزام: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله  بتلك الحصباء فانهزمنا، وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي  يريده فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله  فخلوا سبيله فاستقبله مصعب ابن عمير أخو بني عبد الدار ورأى رسول الله  ترقوه أبيّ من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فسقط أبي من فرسه ولم يخرج من طعنته دم وكسر ضلعاً من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش فقال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لما أتوا أجمعين فمات أبيّ إلى النار قبل أن يقدم مكة فأنزل الله في ذلك ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ وقيل: نزلت في خيبر حين دعا رسول الله  بقوس فرمى منها بسهم فأقبل السهم يهوي حتى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه.

وأصح الأقوال هو الأوّل كيلا يدخل في أثناء القصة كلام أجنبي، نعم لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

﴿ وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً ﴾ وليعطهم عطاء جميلاً فعل ما فعل وما فعله إلا لذلك.

قال القاضي: ولولا أن المفسرين أجمعوا على أن معنى البلاء ههنا النعمة وإلا لكان يحتمل المحنة أي الذي فعله  يوم بدر كان كالسبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات.

﴿ إن الله سميع ﴾ لكلامكم ﴿ عليم ﴾ بضمائركم.

وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب كيلا يغتر العبد بظواهر الأمور ﴿ ذلكم ﴾ الغرض أي الغرض ذلكم ﴿ وإن الله موهن كيد الكافرين ﴾ إعرابه كما مر في قوله ﴿ وأن للكافرين عذاب النار  ﴾ قال ابن عباس: ينبىء رسول الله  ويقول إني قد أوهنت كيد عدوّك حتى قتلت جبابرتهم وأسرت أشرافهم.

قال السدي والكلبي والحسن: كان المشركين حين خرجوا إلى رسول الله  من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين فأنزل الله  خطاباً لهم على سبيل التهكم ﴿ إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ﴾ وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت.

وروي أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم أي فأهلكه.

وقيل: إنه خطاب للمؤمنين الذين استغاثوا الله وطلبوا النصر.

ثم خاطب الكفار بقوله ﴿ وأن تنتهوا ﴾ أي عن عداوة رسول الله  ﴿ فهو خير لكم ﴾ وأسلم وإن تعودوا لمحاربته نعد لنصرته عليكم.

وجوّز بعضهم أن يكون الخطاب في الجميع للمؤمنين أي إن تكفوا عن المنازعة في أمر القتال أو عن طلب الفداء فهو خير لكم ﴿ وإن تعودوا ﴾ إلى تلك المنازعات ﴿ نعد ﴾ إلى ترك نصرتكم.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وإن الله مع المؤمنين ﴾ تقديره على قراءة الفتح ولأن الله معين المؤمنين كان ذلك.

التأويل: ﴿ إذ يغشاكم النعاس أمنة ﴾ فيه تغليب الحال إلى ضده بأمر التكوين كما قال للنار ﴿ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم  ﴾ كذلك قال للخوف كن أمناً على محمد وأصحابه فكان ﴿ ينزل عليكم ﴾ من سماء الروحانية ماء الإلهام الرباني ﴿ ليطهركم به ﴾ من دنس الصفات النفسانية والحيوانية ﴿ ويذهب عنكم ﴾ وساوس الشيطان وهواجسه ﴿ وليربط على قلوبكم ﴾ بالصدق والإخلاص والمحبة والتوكل واليقين ﴿ ويثبت بهالأقدام ﴾ على طريق الطلب ﴿ إني معكم فثبتوا ﴾ فيه أن التثبيت من الله لا من غيره، وكذلك إلقاء الرعب في قلوبهم وغير ذلك.

﴿ إذا لقيتم الذين كفروا ﴾ إذا لقيتم كفار النفوس وصفاتها مجتمعين على قهر القلوب وصفاتها فلا تنهزموا فتقعوا عن صراط الطلب ﴿ إلا متحرفاً ﴾ إلا قلباً يتحرك ليتهيأ لأسباب القتال مع النفس أو راجعاً إلى الاستمداد من الروح وصفاتها أو إلى ولاية الشيخ أو إلى حضرة الله  مستمداً في قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة فإنها تورث المشاهدة ﴿ فلم تقتلوهم ﴾ نفى القتل عن الصحابة بالكلية أو حاله إلى نفسه فقال ﴿ ولكن ﴾ ولم ينف الرمي عن النبي بالكلية حيث قال ﴿ إذ رميت ﴾ لأن الله  كان قد تجلى بالقدرة وكأن يده يد الله كما كان حل عيسى حين تجلى له بصفة الإحياء كان يحيي الموتى ﴿ وليبلى المؤمنين منه ﴾ فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام ﴿ إن تستفتحوا ﴾ أي تفتحوا أبواب قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى الله في طلب التجلي ﴿ فقد جاءكم الفتح ﴾ بالتجلي فأنه  متجل في ذاته أزلاً وأبداً فلا تغير له وإنما التغير في أحوال الخلق، فهم عند انغلاق أبواب قلوبهم محرومون وعند انفتاح أبوابها محظوظون ﴿ وأن تنتهوا ﴾ عن طلب غير الله ﴿ فهو خير لكم وأن تعودوا ﴾ إلى طلب الدنيا وزخارفها ﴿ نعد ﴾ إلى خذلانكم ونكالكم ونكلكم إلى أنفسكم ودواعيها ﴿ ولن تغني عنكم ﴾ لا يقوم شيء من الدنيا والآخرة وما فيهما مقام شيء مما أعدّ لأهل الله وخاصته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ ﴾ .

كان أول الأمر بالقتال وفرضه كان لبذل الأنفس للهلاك؛ لأنه ذكر الزحف، والزحف هوالجماعة والعدد الذي لا يعد، وليس للواحد القيام للجماعة، فكان فرض القتال لبذل الأنفس للقتل؛ وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ  ﴾ ، وليس في وسع الواحد القيام لعشرة إذا أحيط به، ويجوز أن يفرض بذل الأنفس للقتال؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ  ﴾ ، أخبر أنه لو أمر بذلك لم يفعل إلا القليل منهم، فجائز الأمر بذلك امتحاناً منه لهم، فإن احتمل ما ذكرنا كان قوله: ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ  ﴾ هو على التحقيق؛ إذ إلى ذلك يساقون.

ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن الله - عز وجل - أمر بذلك ليكون آية، ويعرف كل أحد أنه إنما قام بالله، لا بقوة نفسه؛ إذ ليس في وسع أحد القيام لعشرة أو لجماعة بقوته إذا أحيط به، فهو على الآية إن كان فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ ﴾ .

والمتحرف للقتال: هو المتنقل من مكان إلى مكان للحرب، والمتحيز إلى فئة: هو الملتجئ إلى فئة على جهة العود إليهم والحرب، يقال: تحوزت وتحيزت، بالواو والياء جميعاً، وهما تحوز الحرب.

وفيه النهي عن الانهزام والتولي عن العدو، إلا ما ذكر من التحرف للقتال أو التحيز إلى الفئة على جهة العود إليهم.

ثم أخبر أن من ولى دبره بسوى ما ذكر ﴿ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

قالت المعتزلة: دل ما أوعد المتحرف بغير قتال والمتحيز إلى غير الفئة بقوله: ﴿ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ - أن مرتكب الكبيرة يخلد في النار؛ لأنه ذكر في أول الآية المؤمنين، ولهم خرج الخطاب بقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً ﴾ ، ثم أوعد لهم الوعيد الشديد ما يوعد أهل النار غير أهل الإيمان؛ فدل أنه يخرج عن الإيمان بارتكاب الكبيرة، ويخلد في النار.

وقالوا: لا يجوز صرف الآية إلى أهل النفاق؛ لما ذكر في القصة أنه لم يكن يوم بدر منافق.

لكن هذا غلط؛ قال الله -  -: ﴿ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ  ﴾ ، وإنما قالوا ذلك يوم بدر؛ كذلك ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز جل -: ﴿ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ ﴾ ، فإن كان مستثنى من قوله: ﴿ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، لم يكن فيه رخصة التولي، ولكن فيه دفع الوعيد الذي ذكر، وإن كان مستثنى من قوله: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾ ، ففيه رخصة التولي إلى ما ذكر.

ثم الدلالة على أنه مستثنى من هذا دون الأول ما جاء عن غير واحد من الصحابة توليه الدبر إلى ما ذكر، وكذلك روي عن رسول الله  أنه قال: "أنا فئة لكل مسلم" وبعد، فإنه لم يكن لأهل الإسلام فئة يوم بدر يتحيزون إليها، فدل أنها في المنافقين وأهل الكفر، والله أعلم.

ثم يقال: يجوز أن يكون ما ذكر من الوعيد لمعنى في التولية عن الدبر والإعراض، لا لنفس التولية عن الدبر؛ إذ قد ذكر التولية عن الدبر في آية أخرى، والعفو عن ذلك، وهو قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ...

 ﴾ الآية.

فإن قيل: لعل التوبة مضمرة فيه، تابوا فعفا عنهم.

قيل: إن جاز أن تجعل التوبة مضمرة فيها، جاز أن يضمر في التولية عن الدبر الردة، فليست تلك أولى بإضمار التوبة من هذه بإضمار الردة، وفي الآية معان تدل على الإضمار؛ إضمار ما يوجب الوعيد الذي ذكر - والله أعلم -: أحدها: ذكر التحيز إلى الفئة، وإذا لم يكن للمسلم فئة يتحيز إليها، فإذا تحيز إنما يتحيز ليصير إلى العدو، فهو الردة التي ذكرنا.

والثاني: ما ذكر في بعض القصة أنه لما اصطف القوم رفع رسول الله  يديه، فقال: "يا رب، إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبداً" ، ومن هرب أو ولى الدبر عن مثل تلك الحال، لم يول إلا لقصد ألا يعبد، فهو كفر.

والثالث: قد وُعِدَ لهم النصر والظفر على العدو، فمن ولى الدبر، لم يول إلا لتكذيب بالوعد الذي وُعِدَ لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: يحتمل قوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ ، أي: لم تكن جراحاتكم التي أصابتهم بمصيبة المقتل، ولا عاملة في استخراج الروح، ولا كانت قاتلة، ولكن الله -  - صيرها قاتلة مصيبة المقتل، عاملة في استخراج الروح؛ لأن من الجراحات ما إذا أصابت لم تصب المقتل، ولا عملت في استخراج الروح.

وقوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ...

﴾ الآية يخرج على وجوه: أحدها: أن العبد لا صنع له في القتل واستخراج الروح منه، إنما ذلك فعل الله، وإليه ذلك، وهو المالك لذلك؛ لأن الضربة والجرح قد يكون ولا موت هنالك؛ وكذلك الرمي، ليس كل من أرسل شيئاً من يده فهو رمي، إنما يصير رمياً بالله إنشاء السهم حتى يصل بطبعه المبلغ الذي يبلغ؛ فكأنه لا صنع له في الرمي.

ألا ترى أنه لا يملك رد السهم إذا أرسله، ولو كان فعله لملك رده؛ ولهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إن الاستئجار على القتل باطل.

والثاني: قتلوا بمعونة الله ونصره؛ كما يقول الرجل لآخر: إنك لم تقتله، وإنما قتله فلان، أي: بمعونة فلان قتلته؛ فعلى ذلك الأول.

وقوله: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ ، أي: ما أصاب رميك المقصد الذي قصدت، ولكن الله بالغ ذلك المقصد الذي قصدتم.

والثالث: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾ ، أي: لم تطمعوا بخروجكم إليهم قتلهم؛ لأنهم كانوا بالمحل الذي وصفهم من الضعف وشدة الخوف والذلة كأنما يساقون إلى الموت، فإذا كانوا بالمحل الذي ذكر فيقول - والله أعلم -: لم تطمعوا بخروجكم إليهم وقصدكم إياهم قتلهم؛ لما كان فيكم من الضعف وقوة أولئك، ولكن الله أذلهم، وألقى في قلوبهم الرعب والخوف حتى قتلتموهم؛ وكذلك قوله: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ﴾ لا يطمع الإنسان برمي كف من تراب النكبة بأعدائه، ولكن الله رمى حيث بلغ ذلك، وغطى أبصارهم وأعينهم بذلك الكف من التراب؛ على ما ذكر في القصة أنه رمى كفّاً من تراب فغشى أبصار المشركين، فانهزموا لذلك.

ويحتمل أن تكون نسبة هذه الأفعال إلى نفسه وإضافتها إليها، لما نسب وأضاف كل خير ومعروف إلى نفسه؛ من ذلك قوله: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ...

﴾ الآية [الحجرات: 17]، وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ الآية [الفاتحة: 6]، وغير ذلك من الآيات التي فيها إضافة الأفعال التي خلصت لله وصفت [له]؛ فعلى ذلك نسب فعلهم إلى نفسه؛ لخلوصه وصفائه له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً ﴾ .

أي: نعمة عظيمة؛ حيث نصرهم على عدوهم مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وكثرة أعدائهم، وقوة أبدانهم وعدتهم، وهو ما ذكر في هلاك فرعون وقومه أنه بلاء من ربكم عظيم بقوله: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ  ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

أي: سميع لدعائكم الذي دعوتم، وتضرعكم الذي تضرعتم إليه.

أو أن يقول: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ ، أي: مجيب لدعائكم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : بأقوالكم وأفعالكم، التي تسرون وتعلنون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ ذٰلِكُمْ ﴾ ، أي: ذلك كان بهم من القتل والأسر والهزيمة لما أوهن وأضعف كيدهم  .

ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً ﴾ ، أي: ذلك الإنعام والإبلاء الذي من الله عليكم لما أوهن كيدهم، وذلك يكون في جملة المؤمنين، ما من مؤمن إلا وله من الله إليه إبلاء وإنعام في كل حال لإيهانه كيد الكافرين.

وقوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ﴾ .

الاستفتاح يحتمل وجوهاً ثلاثة: يحتمل الاستكشاف وطلب البيان، ويكون طلب النصر والمعونة؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ ، أي: يستنصرون، ويكون طلب الحكم والقضاء بين الحق والباطل؛ يقال: فتح بكذا، أي: حكم به وقضى، فهو يخرج على وجهين: على طلب بيان المحق من المبطل، وطلب بيان أحق الدينين بالنصر والحكم؛ فقد بين الله لهم أحق الدينين ما ذكر في القصة أن أبا جهل قال: اللهم اقض بيننا وبين محمد، فقال: اللهم أينا كان أوصل للرحم وأرضى عندك فانصره.

ففعل الله ذلك، ونصر المؤمنين، وهزم المشركين، فنزلت هذه الآية.

وقيل: إنه دعا: اللهم انصر أعز الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلين؛ فكان ما ذكرنا؛ فقد بين الله - عز وجل - أحق الدينين، وأعزّ الجندين لما هزم المشركين مع قوتهم وعدتهم، وكثرة عددهم بفئة ضعيفة، ذليلة، قليلة العدد، وضعيفة الأبدان والأسباب - دل أنه قد بين لهم الأحق من غيره.

وقيل: إنهم استفتحوا بالعذاب، وكان استفتاحهم ما قالوا: ﴿ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، فجاءهم العذاب يوم بدر، وأخبرهم يوم أحد: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئا...

﴾ الآية، والاستفتاح هو ما ذكرنا.

قال الحسن: الفتح القضاء.

ولذلك قال قتادة: قالوا: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء في يوم بدر؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ...

﴾ الآية [الأعراف: 89].

وقال القتبي: قوله: ﴿ إِن تَسْتَفْتِحُواْ ﴾ : تسألوا الفتح، وهو النصر، ﴿ فَقَدْ جَآءَكُمُ ﴾ وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: وإن تنتهوا عما كنتم، فهو خير لكم يغفر لكم؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

وقيل: وإن تنتهوا عن قتل محمد، فهو خير لكم من أن ينتهي محمد عن قتالكم.

وقوله: ﴿ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ ﴾ يحتمل: وإن تعودوا إلى قتال محمد، نعد إليكم من القتل، والقتال، والأسر، والقهر.

ويحتمل: وإن تعودوا نعد إلى البيان والكشف إلى ما كنتم [من] قبل البيان من التكذيب والكفر لمحمد، نعد إلى الانتقام والتعذيب؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

بالنصر والمعونة.

فإن قيل: ذكر أنه لن تغني عنكم فئتكم وكثرتكم، وقد أغناهم كثرتهم يوم أحد؛ حيث ذكر أن الهزيمة كانت على المؤمنين.

قيل: هذا لوجهين: أحدهما: أن عاقبة الأمر كانت للمؤمنين، وإن كان في الابتداء كان عليهم فلن يغني عنهم ذلك؛ على ما ذكر؛ لأنه لو أغناهم ذلك لكان لهم الابتداء والعاقبة.

والثاني: أنه لم تكن النكبة والهزيمة على المؤمنين إلا لعصيان [كان] منهم؛ لقوله: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ....

﴾ الآية [آل عمران: 152]، فما أصاب المؤمنين من النكبات إنما كان بسبب كان منهم، لا بالعدو؛ لذلك كان الجواب ما ذكر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ذلك المذكور من قتل المشركين، ورميهم حتى انهزموا وولوا هاربين، والإنعام على المؤمنين بإظهارهم على عدوهم؛ هو من الله، والله مُضْعِف كيد الكافرين الذين يكيدونه للإسلام.

<div class="verse-tafsir" id="91.Zw2WA"

مزيد من التفاسير لسورة الأنفال

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله